الوسم: سر
سر المسيح بين الكروبيم
سر المسيح بين الكروبيم
سر المسيح بين الكروبيم
❶ شرق الجنة
تك 3: 24 “.. وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة”
أول موقف ظهر فيه الكروبيم بوضوح هو بعد خطية آدم وحواء حيث ظهر الكروبيم وبينهم لهيب سيف متقلب ، هناك عدة ملحوظات على النص.
أخطأ البعض في تصور ان الملائكة كانت تحمل السيف فهذا خاطئ، النص العبري واضح وليس فيه التباس ، وايضا كثير من الترجمات جعلت من لهيب السيف نكرة بينما في العبرية جاءت معرفة. فالنص يُترجم حرفيا الى
تك 3: 24 “.. وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب السيف المتقلب لحراسة طريق شجرة الحياة”
كلمة أٌقام بحسب الفكر اليهودي القديم تعود على الشكينة (المجد الإلهي) ، فمجد الرب حلَّ بين الكروبين ، تلك القراءة اعتمدت على كون الفعل “أقام – ישכן” أصلها عبريا (שכן) وهي أصل كلمة (שכינה) والتي تعني حرفيا (سكنة الله) واستخدم اليهود هذا المصطلح للتعبير عن الحلول الإلهي ، وردت بهذا المفهوم في ترجوم نيوفيتي [وأقام مجد شكينته الذي من البدء بين اثنان الكروبيم](1) وأيضا هكذا جاء في الترجوم المنسوب ليوناثان والاورشليمي.
هذة القراءة متحاملة على النص إلا أنها تعرض فكرة صحيحة ، فما السيف المتقلب بين الكروبين إلا صورة للتعبير عن المجد الإلهي. وأصبح هذا المنظر وهو الرب الحالل بين الكروبيم أيقونة تكررت فيما بعد في تابوت العهد (خر 25: 18-22) والهيكل (1مل 8: 6-7) وفي صلوات اليهود (2مل 19: 15).
❷ تابوت العهد
خر 25: 22 “.. وأتكلم معك من على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة..”
أمر الرب موسى بعد الخروج من مصر أن يصنع تابوتا خشبيا ويطليه بالذهب ، هذا التابوت يمثل سكنة الله في وسط الشعب ، أمر الرب أيضا بعمل كروبين على غطاء التابوت وأجنحتهما متقابلة واعلن الرب صراحة أنه سيتكلم من بين الكروبين (خر 25: 18-22) .
وهذا المنظر ما هو إلا صورة للأيقونة القديمة حيث الرب حالل بين الكروبين. لاحظ أن كلمة تابوت تشير للموت (تك 50: 26). وكأن الصورة هي أن الرب من خلال الموت كان يتكلم من بين الكروبين.
❸ قبر المسيح
(يو 20: 12) “فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدا عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعا.”
يروي يوحنا انه عندما دخلت مريم القبر وجدت ملاكين وبينهما قبر المسيح ، تلك الصورة هي شبيهة بالمنظر الأول الذي رآه آدم ، ولكن الفارق هو أن السيف كان موجودا ليمنع دخول آدم لشجرة الحية ، أما وقت المسيح ، فالرب لم يعد حاللا بين الملاكين ، وكأن المعنى هو أن طريق شجرة الحياة أصبح مفتوحا.
هذا صحيح ، فالمسيح الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6) قد كلل عمله في النهاية بأن عُلِق على شجرة الصليب وكأنه ثمرة للحياة من يأكله يحيا به.
صورة الملاكان وبينهما الموضع الذي كان المسيح موضوع عليه يذكرنا أيضا بتابوت العهد وعليه الكروبين ، ولكن الاختلاف هو أن الصورة الأولى فيها تابوت ، فيها موت . أما المنظر الثاني فليس فيه موت فالمسيح الميت قد قام بالفعل . لهذا قال المسيح عن نفسه “أنا هو القيامة والحياة” (يو 11: 25).
❹ عرش المسيح
2مل 19: 15 “وصلى حزقيا أمام الرب وقال: أيها الرب إله اسرائيل، الجالس فوق الكروبيم، أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض أنت صنعت السماء والأرض” أيضا أنظر (1صم 4: 4 ، 2صم 6: 2) ، (مز 80: 1).
كثير من صلوات قديسي العهد القديم تحوي عبارة “الجالس على الكروبيم” وربما تلك الصورة نبعت من روؤة اليهود لتابوت العهد ، ففي عدة مرات رأى اليهود المجد الإلهي حالل من التابوت والمجد الالهي كان يظهر على هيئة نار ونور عظيم صاعد للسماء ، فكان المنظر هو وكأن الكروبيم من أسفل والمجد الإلهي يعلوه وتلك الصورة ربما هي التي جعلت قديسي العهد القديم يتصورون أن الكروبيم هم حاملين للمجد الإلهي أو للعرش الإلهي.
وقد قال داود النبي في تمجيده للرب بعدما تخلص من أعدائه “ركب على كروب وطار” (2صم 22: 11). في ذهن اليهود لاحقا كان الكروب هو بمثابة وسيلة للحمل وللإنتقال. ورد في بسيكتا ربتي (36) – كتاب يهودي تراثي- أنه بعد أن يتألم المسيح من أجل شعبه، وبعد أن يقدم خلاصه ، فإن الأربع حيوانات (حز 1) ستحمل عرش المسيح!
[وفي تلك الساعة يعدّ القدوس المبارك (الله) له (للمسيح) الأربع حيوانات(2) الذين سيحملوا عرش المجد الذي للمسيح.] (3)
صنع المسيح خلاصا بموته الكفاري على الصليب وصعد في المجد ، ويحكي لنا يوحنا الرائي رؤية فيها رأى العرش الإلهي جالسا عليه المسيح وحوله الأربع حيوانات (رؤ 4: 6-8). وهذا يتشابه الى حد كبير مع ما أوردناه سابقا عن ما ورد في التقليد.
________________________________________________
(1) [ואשרי יקר שכינתיה מן לקדמין בין תרין כרוביא]
(2) وصفهم حزقيال النبي بشبه الحيوانات (حز 1: 5) وأيضا ذكر أن اسمها الكروبيم (حز 10: 20)
(3) פסיקתא רבתי פרשה לו [באותה שעה מונה לו הקב”ה ארבע חיות שנושאות את כסאו של הכבוד של משיח]
سر المسيح بين الكروبيم
جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان
جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان
للرجوع للجزء الثاني أضغط هنا.
س: من أنا ومن أنت ؟ من أين أتينا ؟ إلى أين نذهب ؟
سؤال مطروح للجميع، ومن منا يستطيع أن يجاوب !!!
أو قد نعرف أنفسنا في ذاتها فنبتعد عن الله إذ نجده مانع عظيم أمام طموحنا ورغباتنا وأحلامنا، وقد نتخذ الآية حصن لنا وحجة دامغة على ذلك المفهوم: [ وقال للجميع إن أراد احد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم و يتبعني ] (لوقا 9: 23)
1- إما أن نتخلى عن أنفسنا وأحلامنا ورغباتنا ونعرف الله.
2- أو نتخلى عن معرفة الله ونتنازل عن وصاياه لنعرف أنفسنا ونحقق كل رغباتنا بشتى الطرق وبقدر الإمكان، ونتعمق في أمور هذا الزمان ونأخذ منه على قدر طاقتنا ونغرف من بحور الشهوة، أو حتى ندخل في السعي للغنى بشعف حتى أننا نبيع كل شيء ونُضحي حتى براحتنا وأعز من نملك بل وقد نضحى بصداقتنا وأهلنا من أجل أن نصل لغايتنا.3- أو نقف في حالة وسط ونحاول أن نوفق بين الأمور ونمسك العصا من المنتصف فتقلق أكثر ونصير في اضطراب عظيم وخلل نفسي فائق…
4- أو نكون في حالة سلبية ولا مبالاة، ولا نتخذ أي قرار ونترك الأمور على ما هي ونتركها للظروف تسير كيفما شاءت !!!
ولكن بعبارة واضحة مختصرة وصريحة يقول القديس الأنبا انطونيوس الكبير: [ من عرف نفسه عرف الله، ومن عرف الله يستحق أن يعبده بالروح والحق ]
والقديس أثناسيوس الرسولي يعلّق على نفس الآية شارحاً معنى صورة الله في الرسالة عن الروح القدس قائلاً: [ يعني أن نفهم الإنسان باعتباره أبناً لله في الابن الحقيقي ]
- من هنا نستطيع أن نعي، أنهُ ينبغي أن نقوم برحلة، وهي أن نغوص في داخل أنفسنا، ولنصغي لكلمات القديس مقاريوس الكبير: [ إن المسيحيين يعرفون جيداً أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صُنع على صورة الله ومثاله… الإنسان هو أعظم قدراً… فهو وحده الذي سُرَّ به الرب… فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصياً إلى الأرض. ] ( عظة 15: 43 )
- فلننتبه لأننا أمام سرّ متبادل عظيم للغاية إن أدركناه بالقلب سنلقي أنفسنا على شخص المسيح الحلو ولن نصدق عدو الخير أو نتمسك بالخطية، بل سنتوب بسهولة ونشبع بلقاء الرب المبدع والمريح للنفس فعلاً وعلى مستوى خبرة اللقاء الحي بشخصه الرائع، فهنا نحن أمام سرّ عظيم متبادل بين طرفين، أي بين الله والإنسان، فالإنسان هو شبع الله وفرح قلبه وموضوع مسرته، والله أيضاً شبع الإنسان الحقيقي وفرح قلبه وسعادته الداخلية، ويُعبَّر عن ذلك القديس أغسطينوس قائلاً [ خلقتنا لأجلك (لذاتك)، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك…
سأطلبك ربي داعياً إياك، وسأدعوك مؤمناً بك، لأنك لنا كرزت. سيدعوك ربي إيماني؛ إيماني الذي وهبتني إياه، ألهمتني إياه في تجسد ابنك ] (اعترافات القديس أغسطينوس ترجمة برتي شاكر – الطبعة الثالثة ص 7)
[ أين الطريق إلى حيث يسكن النور ] (أيوب 38: 19)
[ صارت لي دموعي خبزا نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك ] (مزمور 42: 3)
- وفي قمة صراخ الإنسان وعوزه نجد ما يذهلنا جداً، ففي وسط التفتيش المتبادل بين الله والإنسان، وفي صميم فشل الإنسان الأكيد للوصول إلى الله ومعرفته الحقيقية في حياة الشركة وعلى مستوى المعاينة بالرؤية، ربط الله بملء محبته المتدفقة نحو محبوبة الإنسان مصيره بمصيرنا، ليحدث اللقاء، فنجد الله، أو بمعنى أدق الله يجدنا، ويلتقي بنا مثل ما فعل مع السامرية: [ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون لهُ الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)
- ويقول القديس مقاريوس الكبير [ أن العالم الذي تراه من حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحات جميعهم في حيره واضطراب وفتنة، وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشرّ الذي دخل الإنسان … وأعني به شوكة الموت ] (عظة 15: 49)
لقد ضاعت كرامة الإنسان وإنسانيته التي لن يقدر على تحقيقها إلا في الله، وضاعت في التشتت والتفتت والانقسام، وصار صراخه عبر التاريخ الإنساني كله: ما هو الحل ؟!!!
جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان
قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار
قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار
لا يستطع إنسان أن يفهم مخارج كلمات وألفاظ لغة غريبة عنه، بل دائماً ما يفهم اللغة التي ينطق بها وتعلمها منذ الصغر أو درسها ومارس النطق بها لأنها لغته الخاصة والتي يتحدث بها داخل المجتمع الذي يعيش فيه، فلا يستطيع الإنسان أن يفهم لغة من هو غريب عنه، وبالتالي لا يقدر أن يتفاهم معه أو يفهم قصده: [ فأن كنت لا أعرف (أجهل) قوة اللغة (إذا جهلت معنى الألفاظ – لا أعرف معنى اللغة) [ I don’t know the meaning of the language ] أكون عند المتكلم أعجمياً (أجنبي – غريب لا أعرف) والمتكلم أعجمياً عندي (لا يستطيع أن يفهمني) ] (1كورنثوس 14: 11)
فالتواصل مع الآخر وإنشاء علاقة مودة وصداقة لا يتم إلا بمعرفة وإتقان اللغة التي يتكلم بها، الأمر الذي بدونه يكون الإنسان غريباً عن الآخر، لا يستطع أن يتفاهم معه أو يُقيم حوار، وهكذا بالنسبة لعلاقتنا بالله القدوس الحي، فلكي يكون لنا القدرة على إنشاء علاقة حية مع الله لابد لنا أن نفهم ونستوعب اللغة التي يكلمنا بها !!!
فلو نلاحظ أن أحياناً كثيرة لا يستطيع البعض أن يفهم كلمة الله ويستوعب أسرارها ويستشعر قوتها في حياته الشخصية على المستوى العملي كخبرة وحياة، فقد يفحصها ويفهمها على المستوى العقلي وترتيب الكلام والمعاني القاموسية في أساسيات اللغة، ولكنه لا يستطع أن يدخل لسرها المجيد وتُحفر في قلبه بأزميل الله الخاص ليتشكل حسب صورة الله فيحيا بها، وبها يتعلم أصول الكلام مع الله ليُقيم حوار خاص بإيمان حي رائي الله ناطق بالمحبة في سر التقوى !!!
فحينما يأتي أحد لكلمة الله بهذه الحال المنعدم من انفتاح الذهن على النور الإلهي وعدم الإحساس بقوة فاعليتها في حياته إذ تعمل فيه وتشكله على صورة خالقه في القداسة والحق، تكون النتيجة الطبيعية [ فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما ] (لوقا 2: 50)
يا أحبائي أن كلمة الله لها طبعها الخاص، فطبعها سماوي وليس أرضي، وليس أيضاً فكري بشري قابل للفحص العقلي وفلسفة الإنسان، لأن اللغة الأرضية ميتة ليس فيها حياة لأنها وليدة العقل وليست هي الشخص أي ليست شخصية فيها حياة، أما اللغة السماوية تنبض بحياة الله، لأن كلمة الله كلمة حياة، لأن الكلمة هو الله، والله ليس كلمة منطوقة مثل كلمة البشر كما يظن البعض، وليس هو العقل أو الفكر، بل هو شخص الله القدوس الحي، فحينما يتكلم الله: “ينطق بشخصه”، لأن كلمة الله هي شخص الكلمة المتجسد، الذي حينما يفتح فاه ليُعلم يسكب حياته بتعليمه في قلب من يصغي ويسمع ليعمل ويُطيع سلطان كلمة الحياة الخارجة منه !!!
فكلمة الله حينما تخرج من الله تُحْفَر في القلب بالروح الناري وتشع حياة وتعمل وتنجح فتُثمر لحساب مجد الله وتُغير الإنسان وتشع فيه نور وتملئه من حياة الله [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سررت به و تنجح فيما أرسلتها له ] (إشعياء 55: 11)
- طبيعة كلمة الله:
أولاً يا إخوتي لا ينبغي أن يظن أحد أن كلمة الله يُنطق بها للعلم والمعرفة، وتُعطى فكراً لفكر، أو أن تُفحص على المستوى القاموسي والدراسي والمقارنات كما نفعل في باقي العلوم والدراسات، فأننا نُريد اليوم أن نتعرف على طبيعة كلمة الله وقوتها كما عاشها الرسل وسلموها لنا كما هي في عمق جوهرها الإلهي، فلنركز في هذه الآيات التي ينبغي أن نستوعبها على مستوى القلب وسماع صوت الله الحي وليس على مستوى البحث والفحص العقلي المنطقي، لأن كل ما هو خاضع للعقل البشري وفلسفته ومنطقه ينبع من الفساد، لأن الإنسان الذي اختبر السقوط قد فسد ولا يستطيع إطلاقاً من نفسه أن يرتقي لمستوى كلمة الله أن لم ينال الاستنارة الإلهية:
+ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (يوحنا 1: 1)
+ الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة (يوحنا 6: 63)
+ أن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس وبيقين شديد (1تسالونيكي 1: 5)
+ وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح و القوة(1كورنثوس 2: 4)
كلمة الله طبيعتها أزلية، فهي شخص المسيح الرب متكلماً عبر الدهور [ أنا هوَّ ]: [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ] (عبرانيين 1: 1و 2)، فقد كلمنا الله في المسيح [ بكل حكمة وفطنة، إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض ] (أفسس 1: 8 – 10)
كلمة الله تحمل حضرة إلهية ويستحيل فصلها عن الله، لأن كلمة الله لا تنفصل عنه قط لأنها تُعبِّر عن شخصه وتشع حياته وتعلن سر مشيئته، فهي كلما استُعلنت للإنسان فذلك يُعتبر نزول شخصي لله محب البشر، وهو نزول مصحوب بعلامات ملموسة في داخل القلب بحركة توبة عميقة وإحساس بمجد الله الخاص مع شعور ناري بقوة الله: [ لأن إلهنا نار آكلة ] (عبرانيين 12: 29)
استعلان كلمة الله للإنسان هو في الواقع معجزة عظيمة جداً، وهو تنازل مدهش لله الأزلي الأبدي للإنسان المحدود الزمني، وهذا بالطبع إذا كنا نستطيع أن نكتشف طبيعة الكلمة وقوتها ونستشعرهاكحضرة الله في ملء قوته !!!
فكلمة الله المرسلة للإنسان لها سلطان، ولنا أن نعود للآية التي بدءنا بها الموضوع والتي قال فيها الرسول [ فإن كنت لا أعرف قوة اللغة ]، فكلمة قوة مترجمة عن اليونانية δύναμις والتي دخلت للعربية بمعنى (ديناميت)، وتدل بشكل عام على القوة والقدرة أو الشدة والسلطان، ولكنها تدل بوجه خاص – في العبرية – على القوة الحربية والجيش، ونجد أن بولس الرسول قال عن كلمة الله [ وسيف الروح الذي هو كلمة الله ] (أفسس 6: 17)، وعملها في الإنسان الذي يؤمن بها: [ لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ] (عبرانيين 4: 12)
وهي بذلك على هذا المستوى الفائق تُنقي القلب [ أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به ] (يوحنا 15: 3)، بهدف [ طوبى للأنقياء القلب لأنهم يُعاينون الله ] (متى 5: 8)، بمعنى أن كلمة الله تنقي القلب لنستطيع معاينة مجد الله الحي ورؤية نوره العظيم [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).
- سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار صحيحة مع الله:
مبدئياً لابد أن نعرف أن عدم قدرتنا على إنشاء علاقة صحيحة وإقامة حوار مع الله هو عدم قدرتنا على استيعاب وفهم طبيعة اللغة الإلهية، أي أننا لا نُقيم علاقة مع الله على مستوى النطق بلغته الخاصة أي النطق بكلمة الله، وسر عدم فهمنا طبيعة اللغة السماوية أي الكلمة قد وضحه الرب بنفسه قائلاً: [ لماذا لا تفهمونكلامي، لأنكم لا تقدرون أن تسعوا قولي ] (يوحنا 8: 43)
إذن المشكلة في عدم سماع أقوال الله
لذلك لا يقدر الإنسان أن يحيا بحياة الله فيضعف إيمانه ويخاف الدينونة وتصيبه الكآبة حينما يرى أو يسمع عن موت أحد الأحباء وقد يصل للإحباط الشديد، والبعض يجدف على الله بل وقد يصل للإلحاد وعدم وجود إله على وجه الإطلاق، أو ربما ييأس لدرجة الانتحار، مع أن لو سمع قول الرب سيفهم كلامه ويدخل فوراً في سرّ الحياة الأبدية على المستوى العملي [ من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة ] (يوحنا 5: 24)، [ الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 6: 63)
طبعاً سماع كلمة الله في الآية لا يُقصد به سماع الأذن الخارجية أو مجرد قراءة عادية لحفظ الكلمة ودراستها وفحصها التاريخي والموسوعي ولو حتى كان بإتقان وبراعة تامة، بل يقصد بهذه اللفظة (يسمع) في الآية ليس المعنى العادي الذي يُقال في حديث عادي لمجرد الاستماع، بل تشير هذه اللفظة أولاً إلى حاسة الإدراك من خلال الأذن البشرية لسماع خبر، والخبر ليس بخبر عادي، بل خبر هام جداً يحتاج لانتباه شديد ومن نوع خاص. ولكن فوراً وبمجرد الحصول على هذا الخبر العظيم في القلب يحدث فهم..
وهذا الفهم يتطلب الإنصات والإصغاء والتمعن في الخبر الذي ينتظر الإيمان والتصديق العميق بثقة في المتكلم لأنه ليس بإنسان حتى يُشكك في كلامه: [ فناداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم فقال هَاَّنَذَا ] (تكوين 22: 11)
وعادة السمع يتطلب معرفة وفهم للغة المنطوق بها الخبر، حتى يستوعب الإنسان الخبر ويفهمه ويقبله [ هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هُناك على وجه كل الأرض ] (تكوين 11: 7و8)، فلا يقدر أن يقبل إنسان خبر بلغة لا يفهمها أو يتعرف عليها، ومن هنا حملت اللفظة اليوناني (يسمع)، بل والمعنى العبري أيضاً معنى الفهم والإدراك للطاعة…
وللسمع مغزى أكبر بكثير جداً في الإعلان الكتابي عما له في أي مكان آخر أو في الفكر العلمي أو الأدبي،لأن الله يتقابل مع الإنسان في لقاء حي وشخصي من خلال كلمته، والذي يحدث فيها رؤية على مستوى الإيمان الحي، الذي يجعل الإنسان فور سماعه لكلمة الله يقدم الطاعة: [ اسمعوا كلمة الرب يا بيت يعقوب وكل عشائر بيت إسرائيل ] (إرميا 2: 4) [ بالإيمان إبراهيم لما دُعيَ أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثا فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي ] (عبرانيين 11: 8)
[ فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمللكي يكون لك خير وتكثر جداً كما كلمك الرب إله آبائك … ] (تثنية 6: 3)
وهذه هي طبيعة السماع الذي بالإيمان: [ الحق الحق أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25)، وهذا هو الذي حدث حينما سمع لعازر صوت ابن الله الحي وهو ميت ومكث في قبره 3 أيام وقد أنتن، فقام فوراً حينما نداه الرب يسوع [ لعازر هلم خارجاً ] (يوحنا 11: 43)، وهذه طبيعة كلمة الله تُقيم النفس وتُقدس الإنسان…
فيا إخوتي أرجوكم لا أنا بل دعوة الله ونداءه، أن تطرحوا عنكم فلسفة الفكر الإنساني المُقنع، ولا تدخلوا كلمة الله لأجل مقارنة أديان، ولا من أجل الفحص المنطقي العقلي، ولا لأجل الدفاع عنها أو عن الحق الكتابي، ولا تنطقوا بها لأجل الرد على شبهات وهمية لتدافعوا عنها، بل من أجل حياتكم الشخصية أولاً، لأجل أن تسري فيكم حياة الله نفسها، من أجل أن تحملوا قوتها فيكم، وبهذه القوة تكرزون وتتكلمون، وليس بسواها مهما ما كانت لديكم القدرة على الفهم والإدراك العقلي وقدرة إقناع الآخرين، لأن كلمة الله لا تقبل الفحص على المستوى الإنساني بل على المستوى الإلهي باستنارة الذهن بإشراق النور الإلهي…
إذن يا أحبائي لابد من أن نتعرف على كلمة الله لا بصفتنا أننا مثل باقي الناس، بل بصفة أننا أولاد الله في المسيح مختومين بختم الروح، لذلك نصلي للروح القدس الرب المُحيي أن يمس قلوبنا ويفتحها باسم الرب يسوع لنتقبل سر الكلمة فينا فتُغرس في قلبنا فتسري حياة الله في داخلنا، وتُحفر في قلوبنا بنار الله فننطق بها وتصبح لغتنا الخاصة التي بها نتحاور مع الله، لأن الله لا يسمع إلا لغة السماء، لغة الأولاد الذي يأن فيهم الروح ويذكرهم بكلام الرب لينطقوا به ويصلوا به ويكون حياتهم
[ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء وُيذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)
وإذ كان لي الكثير لأكتبه، ولكن لأنه مكتوب أعطِ الحكيم فرصة فيزداد، لذلك أترك لكم الفرصة لتفحصوا الكلمات بالروح ويتحسس كل واحد موضعه فيها، تاركاً المجال لروح الله أن يعمل ليوصل سرّ الكلمة بفهم لكل قلب يطلب الله بإخلاص وإيمان ومحبة، ولتسكن فيكم كلمة المسيح الرب بغنى حسب مسرة مشيئته، النعمة معكم آمين
قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار
القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة.
القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة.
الجزء الأول أضغط هنــــا.
الجزء الثانى أضغط هنــــا.
القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة
رحلة صعودنا للكنيسة ورحلة نزولنا إلى العالم
+ القداس الإلهي، سر ملكوت الله، وهو حضور خاص شخصي سري لله وسط الكنيسة، لأننا نعيش الملكوت متجسداً في القداس الإلهي ملتفين حول حمل الله رافع خطية العالم نور النفس واستعلان معرفة مجد الله [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كو4: 6).
لذلك كل من يدخل الكنيسة بهذا الإيمان الواعي منسحقاً متضعاً بقلبه قارعاً باب مراحم الله ينال قوة غفران وغسيل قلبه من خطاياه، لأنه يعترف أمام رب الجنود الكامل محب العشارين والخطاة، لذلك حينما يدخل قارعاً صدره بروحه وقلبه أمام الله معترفاً بخطاياه وعن احتياج يطلب قوة غفران وتجديد لقلبه يخرج حتماً مبرراً بعدما ينال سر الإفخارستيا الذي هو سر الأسرار في الكنيسة، وحينما نتناول منه فأن دم يسوع يطهرنا من أي خطية لندخل في قوة أسمها الشركة [ ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يو1: 9) وكما نسمع في القداس الإلهي [ يُعطى لنا خلاصاً وغفراناً للخطايا وحياة أبدية لكل من يتناول منه ]…
+ فسرّ الإفخارستيا هو نفسه سرّ المسيح الرب والكنيسة، لأنه سرّ حضور المسيح الشخصي والدائم في الكنيسة، وبالطبع هو سر حضور الآب والروح القدس، لأنه حيث المسيح الرب فهناك الآب والروح القدس حتماً وبالضرورة، إذ أنهم جوهر واحد وحضور واحد، وحينما نأخذ جسد الرب والدم ندخل إلى داخل الله الوحد فنحيا بالشركة بسر الاتحاد بالكلمة شخص المسيح الرب الحي الذي به نحيا: [ كما أرسلني الآب الحيوأنا حي بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي ] (يوحنا6: 57).
+ وقبولنا للمسيح الرب في هذا السر العظيم الذي للتقوى، هو كشف لمحبة الآب لنا. لأن سرّ الإفخارستيا هو الينبوع الحي والمُحيي لأنه هو عينه سرّ وصولنا إلى الله وشركة الثالوث القدوس الإله الواحد …
+ وفي الشركة ندخل في معرفة الثالوث ليس على مستوى الفكر بمعرفة مجردة كمعرفة الكتب، بل معرفة الخبرة والتذوق من جهة أننا نستنير بنور الله ونفرح بقوة الغفران وتطهير القلب، فندخل في خبرة الوحدة مع الله في المسيح الرب فتسري في كياننا الحياة الأبدية: [ وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (والواو ليس واو الإضافة أو الفصل بين الآب والابن بل هي إظهار المعرفة بخبرة الاتحاد بالكلمة وعن طريقه لأن الاب والابن واحد في الجوهر) ] (يو17: 3)، ومعرفة مسيح الله لندخل في شركة مع الثالوث لابد ان تكون على مستوى [ لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه مُتشبهاً بموته ] (فيلبي3: 10).
لذلك يقول القديس بولس من جهة الخبرة وإعلان حياة المسيحي بالتناول من الإفخارستيا حسب كلام الرب بشخصه: [ فانكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم (هذه) الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء ] (1كو11: 26)، لذلك الكنيسة الواعية بالروح تقول في ممارسة هذا السر العظيم، اي في القداس الإلهي: [ آمين آمين آمين بموتك يا رب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السماء نعترف نسبحك نباركك نشكرك يا رب ونتضرع إليك يا إلهنا ]، لذلك يا أخوتي فلنكن واعين لهذا السر العظيم الذي للخبرة والحياة بسر موت الرب وقوة قيامته.
+ عموماً يا إخوتي، كلنا بنقوم برحلة إيمان حي، حينما نصعد إلى الكنيسة، وانا سميتها صعود، لأن ذهابنا للقداس الإلهي هو عبارة عن خبرة خروج من العالم (أقصد عالم الشر والفساد ولا أقصد العالم بالمعنى العام)، وهي خبرة الموت عن عالم الشر والفساد الموضوع في الشرير والصعود للعلو الحلو الذي يسكنه القديسين حول الله القدوس وهي خبرة تذوق قوة الحياة والاستنارة في كل رحلة نقطعها للصعود للقداس الإلهي أي الدخول في سر ملكوت الله، لذلك من الضروري أن نذكر القديسين في القداس الإلهي لأننا معهم التففنا حول عرش الرحمة وهم معنا حاضرين لأننا كنيسة واحدة من لحم وعظم المسيح الرب لأننا جسده الخاص لذلك في التقليد الكنسي الصحيح يقال عن الكنيسة (المنظورة وغير المنظورة) وهي كنيسة واحدة لراعٍ واحد لا تنفصل قط أو تتفرق…
لذلك يا إخوتي وبكون هذا السر عظيم، فينبغي ويتحتم علينا دائماً أن نكون في حالة استعداد مقدس واعي مدرك لما نصنع كما يقول القديس بولس الرسول: [ ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس ] (1كو11: 28)، فلنمتحن أنفسنا كما هو مكتوب: [ جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان، امتحنوا أنفسكم، أم لستم تعرفون أنفسكم ان يسوع المسيح هو فيكم أن لم تكونوا مرفوضين ] (2كو13: 5).
+ وبعدما نقوم برحلة الصعود للعلو الحلو الذي للقديسين لندخل في هذا السر العظيم الذي للتقوى نعود وننزل وسط العالم الذي أحبه الله لنُعلن خبرتنا الجديدة التي تذوقناها في صعودنا لهذا العلو الفائق، فنحن ننزل من الكنيسة للعالم بمحبة الله مُحملين برسالة نبوة حية لنكرز بملكوت الله وبشارة الله المفرحة بشارة الخلاص وتجديد القلب قائلين: [ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ] (مر1: 15)
+ هذه رسالتنا وسط هذا العالم، ورسالتنا ليست رسالة كلام بل شهادة حياة، فنحن أول من يُطبق رسالة الإنجيل في خبرة توبة احترفناها بقلب متقد بمحبة الله، وسلوك ظاهراً أنه سلوك إلهي فائق، الذي هو ثمر الروح فينا، الذي هو ظاهر في محبتنا للجميع وعلى الأخص الأعداء، لأن هذا الدليل الواضح على حمل بشارة إنجيل المسيح فتفيح منا رائحة المسيح الزكية في عالم تفوح منه رائحة نتانة الموت والكراهية والبغضة والاستهانة بالآخر والاستخفاف به، فنحن رسالة الله المقروءة من الجميع، وعلى قدر ما نكون في استنارة، يستطيع الناس أن تقرأ فينا رسالة الله، رسالة الحياة.
- [ أن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس وبيقين شديد كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم ] (1تسالونيكي1: 5)
- [ فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح حتى إذا جئت ورأيتكم أو كنت غائبا أسمع أموركم إنكمتثبتون في روح واحد مجاهدين معاً بنفس واحدة لإيمان الإنجيل ] (في1: 27)
- [ أنتم رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس ] (2كو3: 2)
- [ لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة ] (عب13: 14)
- [ فأن سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح ] (فيلبي3: 20)
- [ ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البرّ ] (2بط3: 13)
- لذلك نقول في قانون الإيمان بشوق المحبين لله، مُعلنين اننا في زمان الانتظار وكرازة الحياة الجديدة: [ وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي آمين ]
القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة.
ما هو سر التفسير الخاطئ للكتاب المقدس – موضوع إرشادي لفهم كلمة الله.
- ناموس الرب كامل يرد النفس، شهادات الرب صادقة تُصير الجاهل حكيماً – مزمور 19: 7
- كل كلمة من الرب نقية، تُرسٌ هو للمُحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك، فتكذب – أمثال 30: 5، 6
- إلى الأبد يا رب كلمتك مُثبتة في السماوات – مزمور 119: 89
- قدسهم في حقك؛ كلامك هو حق – يوحنا 17: 17
- طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه – لوقا 11: 28
- لأني لستُ استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لليهودي أولاً ثم لليوناني – رومية 1: 16
- سراجٌ لرجلي كلامك ونورٌ لسبيلي – مزمور 119: 105
أقول لكم سرّ يا إخوتي، ربما ليس سراً لكنه منهج لاهوتي حي، وهو رفض أي عقيدة أو فكر أو شرح أو تأمل أو سلطان ديني يُناقض الكتاب المقدس، فضمير المسيحي الحقيقي ينبغي أن يكون أسير كلمة الله، لأن الكتاب المقدس يعلن فكر الله، ويكشف حالة الإنسان، ويظهر طريق الخلاص، وتعليمه تعليم واحد مقدس للغاية، ووصاياه مُلزمة، وتاريخه حي، وقراراته لا تُنتقض، فأن قرأته بروح التوبة والإيمان والشوق لله، تصير حكيماً، ولكي تخلص ينبغي أن تصدقه، وطبقه لكي تحيا قديس مملوء من نعمة الله ومحبته، لأنه مكتوب: [ اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة ] (أفسس 1: 4)
كلمة الله يا إخوتي قوت النفس وغذائها الحي: [ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله ] (متى 4: 4)، هي تفتح الأسرار السماوية للنفس وتغلق أبواب الجحيم، وتنقذ القلب من الدنس وتفحص النفس وتنقيها وتشع نور الله فيها، فكل من يتواجه معها بالإيمان وبتوبة قلب بتواضع، تفعل فيه حسب مسرة مشيئة الله لأنه مكتوب: [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (إشعياء 55: 11)
[ من أجل ذلك نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع، لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أُناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل فيكم أنتم المؤمنين ] (1تسالونيكي 2: 13)
فيا إخوتي ما هي الفائدة التي تعود علينا حينما ندرس الكتاب المقدس ويكون هدفنا ان نرد على المخالفين، ونحن لا نتفاعل مع كلمة الله على المستوى الشخصي لتصير هي حياتنا، بغرض أن نكون نحن أنفسنا إنجيل مفتوح ليكون مقروء من جميع الناس، لأنه مكتوب: [ لأن هذا هو العهد الذي أعهده مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم وأنا أكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (إرميا 31: 33؛ عبرانيين 8: 10)
أعظم خطأ نقع فيها هو أننا نجعل كلمة الله مصدر لنا لكي نقاوم الناس والمخالفين، أو نضعها في موضع سخيف بأن نلقيها أمام الغير مستحقين ونجعلها محل حوار سخيف في جدل عقيم، فنخسر قوتها فينا ولا نقدم روحها للآخرين، فتصل عن طريقنا ميته لا حياة فيها، بل والأدهى حينما نستخدمها لكي نتهم الآخرين بالهرطقة أو لكي نسعى أن نقطعهم من شركة الكنيسة عوض أن نصلحهم حسب أمر إعلان كلمة الله عن طريق الرسول الملهم بالروح والمتشبع من كلمة الله: [ أيها الإخوة ان انسبق إنسان فأُخذ في زلة ما، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظراً إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضاً ] (غلاطية 6: 1)
فمن يُريد أن تنطفأ كلمة الله فيه ويدخل في حالة عمى روحي حتى ولو كان أعظم المعلمين وكتب تلال ضخمة من التلال التفسيرية الصحيحة، فليعيش في كبرياء القلب ونقض الآخرين المستمر بغرض أن يحرمهم ويفصلهم ويقطعهم، لأن في تلك الحالة لن يُضيء له إنجيل الخلاص لأن إله هذا الدهر سيخدعه ويعميه عن الحق في المسيح لذلك لن يستطيع ان يُجمع أبداً بل سيفرق ويسعى للوشاية:
- [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس 4: 4)
- [ لا تسع في الوشاية بين شعبك لا تقف على دم قريبك أنا الرب ] (لاويين 19: 16)
- [ كلهم عصاة متمردون ساعون في الوشاية هم نحاس وحديد كلهم مفسدون ] (إرميا 6: 28)
- [ من ليس معي فهو عليَّ، ومن لا يُجمع معي فهو يفرق ] (متى 12: 30)
إرشاد هام لمن يُريد أن يتعمق في الكتاب المقدس:
+1+ حينما يقرأ البعض كلمة الله يتعجلون في الفهم ثم الشرح والتفسير، فلا ينبغي أن يتم استخلاص أي استنتاجات على حساب التفسير الصحيح للكلمة المكتوبة كما هي في إعلانها الإلهي، فلا ينبغي أن ندع الكتاب المقدس يقول ما نُريد نحن أن يقوله، بل علينا أن ندع الكتاب المقدس يتكلم ويقول ما قصده الله حين أوحى به !!!
+2+ أحيناً كثيرة نتسرع ونقول هذا النص يُقصد به كذا وكذا، وذلك حسب ما فهمنا من سطحية النص وحسب خلفيتنا الحضارية والفكرية التي نعيش بها، أو حسب ثقافتنا الخاصة وتعليمنا الشخصي، أو حسب تأثرنا ببعض الشراح والمفسرين أو ببعض ما تعلمناه من الصغر أو ما سمعناه من أُناس موثوقاً بهم، أو ببعض المراجع القديمة، لأن أناس كثيرين حينما يسمعون عن مرجع أو فكر قديم منتشر يصدقونه فوراً دون فحص مع أنه مكتوب:
- [ التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يُعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات ] (1كورنثوس 2: 13)
- [ وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد ] (1كورنثوس 2: 15)
- [ هذا أُصليه أن تزداد محبتكم أيضاً أكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم. حتى تميزوا الأمور المتخالفة لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح ] (فيلبي 1: 9 و10)
- [ امتحنوا كل شيء تمسكوا بالحسن ] (1تسالونيكي 5: 21)
- [ أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله !!! لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم ] (1يوحنا 4: 1)
+3+ وطبعاً لا ينبغي حينما نقرأ كلمة الله نروحنها بفكرنا ونستخلص من كل حرف وكلمة معنى روحي ونجعل كل شيء قانون مُلزم، غير مميزين مقاصد الله بل كل ما سوف نستخلصه سيكون مقصدنا نحن الذي نٌعلم به، لأننا لن نُعلِّم أبداً بكلمة الله بل بفكرنا نحن ورأينا الشخصي، لأن هذا هو الذي أتعب الكنيسة على مر عصورها كلها، الآراء الشخصية والتفسيرات الفكرية الخاصة والتي تبدو روحية هايلة لكنها ليست مقاصد الله بل مقاصد الناس…
+4+ وأخيراً يا إخوتي للاستفادة الحقيقية من كلمة الله ينبغي لنا أن نسمع قول المرنم ونحيا به بل يكون منهجنا الأصيل والأساس الذي ننطلق منه لفهم كلمة الله: [ طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس، لكن في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً ] (مزمور 1: 1 و2)
فلا ينبغي أن نكتفي ابداً بأن ندرس كلمة الله ونفهمها ونعلم بها، بل ينبغي أن نغوص ونغطس فيها مثل البحر، حتى نغتسل بها جيداً جداً، لأنها المحلول المطهر لكل جراحات أنفسنا الداخلية.
[ لا تبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه: لأنك حينئذٍ تُصلح طريقك، وحينئذٍ تُفلح ] (يشوع 1: 8)
- كلمة الله – يا إخوتي – النبع الحي الذي منه يفيض الماء لإطفاء لهيب شهوات نفوسنا
- هي الشجرة الذي ينمو عليها الحق لإرشادنا نحو طريق الحياة الأبدية
- هي الحكم الأمين الذي يفصل في النزاع حينما تُخفق كل مساعي البشر الأذكياء لتوصيل الحق
- هي خبز حي يُغذي الحياة ويقويها، فلا يقدر الموت أن يمسها أو يجعل أي برودة تمسها
- هي حصن إيماننا الحصين، والتُرس الذي عليه تنكسر كل سهام العدو الملتهبة ناراً
- هي الكنز المخفي عن أنظار المتكبرين والذين يظنون أنهم عارفي الحق، لكنه كنز ثمين غالي يُكشف ويظهر أمام منكسري القلوب والمتواضعين.
فحذاري أن نكون مثل الخنزير، الذي استحم وصار نظيفاً جداً وله دُرر وكنوز ثمينة جداً من حوله مع أفخر الأطعمة الصالحة المُفيدة، لكنه يلقى سروراً أوفر في أن يتمرغ في الطين دائساً على كل ثمين، عاشقاً الخرنوب تاركاً كل ما هو حسن وجميل…
- فيا إخوتي لا ينبغي أن يقرأ أحد كلمة الله إلا بتوبة صادقة وعين بسيطة، في وداعة وتواضع قلب، مع طلب نعمة الله لكي يفهم الحق بكل نقاء، مع صلاة بإيمان أن يُثمر الحق في القلب حسب مقاصد الله، وبذلك يستطيع كل واحد أن يغلب خطيئته وينتصر على أهواء نفسه، فتسري السعادة في قلبه ويصير مستعداً لملاقاة العريس في أي وقت لأنه صار صالحاً للمملكة السماوية آمين
