تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – مايو 2024م

 

 

الفهرست

المقدمة. 1

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس… 4

العهد القديم. 4

العهد الجديد 4

رواية إنجيل لوقا 4

رواية إنجيل يوحنا 5

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري.. 8

العلامة أوريجينوس 185-253م 8

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م 9

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م 13

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي. 16

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م 16

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي. 19

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م 19

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي. 26

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م 26

ق. باسيليوس الكبير 330-379م 27

ديونيسيوس الأريوباغي 485م 27

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني. 30

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م 30

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م 31

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م 32

ق. جيروم 342-420م 34

توما الأكويني 1225-1274م 34

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني. 39

مار أفرام السرياني 306-373م 39

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م 40

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م 41

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م 42

الخلاصة. 44

 

 

المقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، الذي أقامه الربُّ يسوع مع تلاميذه الأثنى عشر ليله آلامه وصلبه. وسوف نستعرض الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العهدين القديم والجديد، ثم سوف نستعرض الإشارات إلى هذا الحدث في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا في مختلف الكنائس ومن مختلف التقاليد الكنسية، سواء إسكندريّ، أنطاكيّ، أورشليميّ، سريانيّ، كبادوكيّ، لاتينيّ، وذلك لتقديم صورة كاملة وشاملة عن تأكيدات آباء الكنيسة الجامعة من مختلف الكنائس والتقاليد المختلفة عبر العصور والأزمنة على حدث تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا.

حيث كان يستخدم آباء الكنيسة شرقًا وغربًا هذه الحادثة للتأكيد على ضرورة تناول الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا، مهما كانت حالته، وذلك كفرصة للتوبة والرجوع عن خطاياه، ولذا كان آباء الكنيسة يستشهدون عادةً بحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ، تلميذ المسيح الخائن، الذي خانه وسلَّمه إلى اليهود والرومان بقبلةٍ في بستان جثسيماني ليلة خميس العهد، وذلك في مقابل ثلاثين من الفضة كثمن الخيانة.

حيث يرى آباء الكنيسة الجامعة أن السيد المسيح كان طويل الأناة ورحوم على يهوذا الإسخريوطيّ إلى أخر فرصة، ولم ييأس أبدًا في رجوعه حتى وهو عازم على تسليمه إلى قادة اليهود والرومان، حى وهو عازم على خيانته وقد قبض ثمن خيانته، بل قام الرب بمنحه سر الإفخارستيا في العشاء الأخير لعله يتراجع عن خيانته، وهكذا منحه فرصة للتوبة والرجوع عن خطيته لأخر وقت ولأخر فرصة، لكي يؤكد على أنه يستمر إلى أخر وقت يطلب خلاص الخاطئ ولا يسرُّ أبدًا بهلاكه وفنائه حتى لو أراد هو نفسه ذلك.

ولكن للأسف لم يستفد يهوذا الإسخريوطيّ من هذه المحاولة وغيرها من المحاولات السابقة من قِبَل الرب يسوع لكي يتوب ويرجع عن خطيتئه، وأسلَّم عقله وقلبه وفكره وإرادته للشيطان وصمَّم على خيانة سيده وتسليمه إلى اليهود والرومان مقابل ثلاثين من الفضة.

 

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، وذلك في العهدين القديم والجديد، وذلك للتأكيد على أن هذه الحادثة لها جذور في نبوات العهد القديم تحقَّقت في العهد الجديد كما سنرى.

العهد القديم

هناك إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من خبز الإفخارستيا وذلك في نبوة (مز 41: 9)، حيث استخدم آباء الكنيسة هذا الشاهد في التأكيد على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا ”رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!“ (مز 41: 9 فاندايك).

العهد الجديد

رواية إنجيل لوقا

نجد إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير بعد أن أسَّس السيد المسيح سر الإفخارستيا حين ”وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: ’هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي‘“ (لو 22: 19 فاندايك). ”وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: ’هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ‘“ (لو 22: 20 فاندايك).

يشير لوقا البشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا حيث يقول المسيح نفسه إن يد مُسلِّمه هي معه على المائدة كالتالي: ”وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ“ (لو 22: 21 فاندايك)، ويستطرد السيد المسيح مؤكدًا على حضور يهوذا لسر الإفخارستيا وتحدَّث عن يهوذا الإنسان الذي سوف يُسلِّمه قائلاً: ”وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“. (لو 22: 22 فاندايك). وهنا يروي البشير لوقا حيرة التلاميذ وتساؤلهم فيما بينهم حول مَن هو هذا الإنسان الذي أخبر السيد المسيح أنه سوف يُسلِّمه، مما يؤكد أن يهوذا كان لا يزال موجودًا وحضر تأسيس سر الإفخارستيا وتناول من السرِّ كالتالي: ”فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ’مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟‘“ (لو 22: 23 فاندايك).

رواية إنجيل يوحنا

ويستخدم البشير يوحنا نبوة (مز 41: 9) في التأكيد على أن يهوذا قد حضر تأسيس سر الإفخارستيا، وهي النبوة التي أعتمد عليها آباء الكنيسة فيما بعد للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، حيث يقول المسيح نفسه التالي: ”’لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ‘“ (يو 13: 18 فاندايك). ثم أعلن السيد المسيح أن هناك واحد من التلاميذ سوف يقوم بتسليمه كالتالي: ”لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!‘“ (يو 13: 21 فاندايك).

وهنا تساءل التلاميذ فيمت بينهم وهم متحيرون عن هوية الخائن مُسلِّم المسيح كالتالي: ”فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 22 فاندايك). وكان البشير يوحنا صاحب الرواية الإنجيلية شاهد عيان على الحدث ”وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ“ (يو 13: 23 فاندايك). وهنا أشار ق. بطرس إليه أن يسأل المسيح عن هوية الخائن كالتالي: ”فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 24 فاندايك).

وهنا سأل ق. يوحنا الحبيب المسيح عن هوية الخائن قائلاً: ”فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: ’يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟‘“ (يو 13: 25 فاندايك)، فكانت إجابة المسيح وإشارته إلى الشخص الذي سوف يغمس اللقمة ويعطيه إياها كالتالي: ”أَجَابَ يَسُوعُ: ’هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!‘. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ“ (يو 13: 26 فاندايك)، وهنا يشير البشير يوحنا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهكذا بعدما تناول يهوذا من السر دخله الشيطان وذهب ليسلِّم المخلص كالتالي: ”فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ‘“ (يو 13: 27 فاندايك).

ويُقرِّر البشير يوحنا أن التلاميذ لم يفهموا ما حدث بين المسيح ويهوذا في وقتها، وأعتقدوا أن المسيح أرسله إلى يشتري حاجة العيد ويعطيها للفقراء، لأن يهوذا كان معه صندوق المال المدخَر لمثل هذه الأمور كالتالي: ”وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه، لأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ“ (يو 13: 28، 29 فاندايك).

 

 

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل إشارات آباء كنيسة الإسكندرية عبر العصور المختلفة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، للتأكيد على وجود اتفاق في التقليد الإسكندريّ على هذه الحادثة، وكيف استخدم آباء كنيسة الإسكندرية هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية تختص بالموقف من مُناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا.

العلامة أوريجينوس 185-253م

يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ أوريجينوس، الذي كان على دراية بالتقاليد والطقوس اليهودية في عيد الفصح، على تناول يهوذا من الإفخارستيا، ويُعتبر التقليد الذي ينقله العلامة أوريجينوس هو من أقدم التقاليد التي تؤكِّد على تناول من سر الإفخارستيا في العالم المسيحيّ عامةً وفي التقليد الإسكندريّ خاصةً كالتالي:

”لأن مَن يأكل بدون استحقاق خبز الربِّ أو يشرب كأسه، يأكل ويشرب دينونة، لأن القوة العظيمة الموجودة في الخبز والكأس، تثمر صلاحًا في النفوس الصالحة، وينتج عنها أمور شريرة في النفوس الرديئة! اللقمة التي أخذها يهوذا من يسوع كانت هي نفس اللقمة، التي أعطاها لباقي الرسل الآخرين قائلاً: خذوا كلوا، كانت خلاصًا لهم ودينونةً ليهوذا، لذلك بعد اللقمة، دخله الشيطان“.[1]

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في تفسيره لإنجيل لوقا، حيث تلطف الرب وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، ولكنه صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح بخيانته كالتالي:

”كما أنه يضيف إلى ذلك أنه أحد الأثنى عشر، وهذا أيضًا أمرٌ له أهمية عظيمة ليُظهِر بوضوحٍ تامٍ شناعة جريمة الخائن. لقد كان معادلاً في الكرامة للباقين، وكان مُزيَّنًا بكل الكرامات الرسولية، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الربُّ وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح، […] لأن واحدًا من البشيرين القديسين يقول بخصوصه إنه بينما كان المخلِّص متكئًا على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنه أعطاه لقمةً بعد أن غمسها في الصفحة: ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27)“.[2]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا أن الربَّ سمح ليهوذا، وتنازل، ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِبَ أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً قائلاً:

”أمَّا يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه فقد توبخ بتلك الكلمات التى قالها المسيح: ’ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة‘. ﻷنه ربما تخيل في حماقته العظيمة، أو ربما باﻷحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس أنه يمكنه أن يخدع المسيح مع أنه اﻹله، لكن كما قلتُ، إنه أُدين لكونه باﻹجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا. ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِب أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً“.[3]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى اشتراك يهوذا في المائدة المقدَّسة مع المسيح مثله مثل باقي التلاميذ، وهكذا يؤكِّد ق. كيرلس على تناول يهوذا من عشاء الفصح واشتراكه أيضًا في التناول من المائدة المقدَّسة، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”لأن ذاك الذي كان يتعشى مع المسيح منذ قليل، وأكل معه، واشترك في المائدة المقدَّسة، ومثل بقية التلاميذ كانت له فرصة الانتفاع بكلماته التي تحث على البرِّ، وقد سمعه وهو يعلن بوضوحٍ إن ’واحدًا منكم يُسلِّمني‘، وكأنه إذ سمع هذا القول، قفز من مكانه على نفس المائدة، وبعد أن كان متكئًا معه، أسرع في الحال إلى اليهود ليأخذ أجرة خيانته منهم، فهو لم يهتم بكلمات المسيح الملهمة، ولم يُفكِّر في المجد الآتيّ، ولم يُبالِ بالكرامة المعطَاة له، وباختصارٍ، فإنه فضَّل مبلغًا ضئيلاً وخسيسًا من المال على السعادة الكاملة التي لا نهاية لها، وبرهَّن أنه هو الشبكة أو الفخ الذي اصطاد به الشيطان المسيح، هذا الشيطان الذي هو المحرِّك والعامل مع اليهود في شرهم ضد الله“.[4]

ويستخدم ق. كيرلس الإسكندريّ نبوة (مز 41: 9) ”الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه“، وما خبز الربِّ الذي أكله يهوذا سوى جسده المقدَّس، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا قائلاً:

”ولكن المخلِّص لم يُعطِه أي توضيح أكثر عن الأمر سوى ما سبق أن أنبأ به الأنبياء قديمًا بالقول: ’الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه‘ (مز 41: 9). فحينما غمس اللقمة، أعطاها ليهوذا، مبينًا أنه هو الذي كان يأكل خبزه. وهكذا أزال الخوف الذي شعر به التلاميذ القديسون، كما يبدو أيضًا إنه يُذكِّرهم بنبوةٍ أخرى، وهي التي تقول: ’بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي. الذي معه كانت تحلو لنا العشرة: إلى بيت الله كُنَّا نذهب في الجمهور‘ (مز 55: 13-14). ففي وقت ما كان الخائن نفسه رفيقًا وصديقًا للمخلِّص، يأكل معه على نفس المائدة، ويشترك في كل شيء مما يُحسَب علامة مُميَّزة للتلمذة؛ إذ إنه كان له نصيب بين التلاميذ الآخرين، الذين كرَّسوا كل حياتهم للمخلِّص“.[5]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مُطبِّقًا نبوة (مز 41: 9) على تناول يهوذا من الإفخارستيا، حيث يؤكِّد على أن اللقمة التي أخذها يهوذا لم تكن هي سبب امتلاك الشيطان عليه، ويستنكر أن تكون لقمة البركة التي أخذها يهوذا، أي الإفخارستيا، هي التي أعطت فرصة للشرير أن يدخل فيه كالتالي:

”لأنه حينما غمس اللقمة أعطاها له، مبينًا بذلك مَن هو الذي أكل خبزه، وكان على وشك أن يرفع عليه عقبه. ولكن الإنجيليّ الحكيم جدًا يخبرنا أن الذي قاده وغرس فيه عدم تقواه والقسوة الملعونة ضد المسيح، والمخترع لكل الخطة، قد دخل قلب الخائن، أي الشيطان بكل قوته الشريرة قد سكن في داخله بعد أن أخذ اللقمة. ولا ينبغي أن يظن أحدٌ أن اللقمة التي أخذها الخائن كانت هي سبب امتلاك الشيطان له، فنحن لم نصل إلى حدّ الجنون، ولن نكون فاقدين لكل ذكاء حتى نظن أن مثل هذه البركة هي التي أعطت الفرصة للشرير أن يدخل فيه، بل بالحري نقول – بحسب ما يتفق مع الحق من جهة الخائن – رغم المحبة الكاملة التي عُومِلَ بها، ورغم الكرامة التي أُعطِيَت له، فإنه ظلَّ متعلقًا بشدةٍ بنفس الأفكار الشريرة، ولم يحاول أن يصلح أفكاره بالتوبة، ولم يحول قلبه بعيدًا عن خططه المضادة التقوى“.[6]

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم يُقدِّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح، بل أسرع للخيانة دون تريث أو تفكير أو مراجعة نفسه للحظةٍ واحدةٍ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”لذلك، فما حدث هو أن الخائن لم يفزع من التوبيخات التي قيلت سرًا وبهدوء، ولم يقدِّر قوة المحبة غير المغلوبة، ولا الكرامة والمجد والنعمة، ولا قدَّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح. بل أسرع دون تريث ليفكِّر أو يراجع نفسه لحظة واحدة، بل إذ كانت عيناه مثبتةً على ذلك وحده، الذي ثبُت أن له تأثير قوي عليه، وأعني بذلك لعنة الطمع، فإنه وقع في الشرك في نهاية الأمر، وهوى إلى الدمار التام“.[7]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم ينتفع بهبة البركة التي أخذها من المسيح، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”هو [يهوذا] يمضي مسرعًا طاعةً لإرادة الشيطان، ومثل إنسان أصابه جنون يخرج من المنزل. وهو لا يرى أي شيء يمكن أن يتغلب على حبه للربح، وكم هو أمرٌ غريبٌ إننا سنلاحظ إنه لم ينتفع بالمرة من هبة البركة [الإفخارستيا] التي نالها من المسيح، وهذا بسبب ميله الشديد للحصول على المال“.[8]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى مقاومة الشيطان لاحتمالية توبة يهوذا بسبب القوة الفعَّالة للقمة البركة التي تناولها يهوذا من المسيح، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمثلاً هو [الشيطان] يجبر يهوذا، بعد أن أخذ اللقمة مباشرةً، إذ أصبح الآن تحت سلطانه، أن يُسرِع في الحال إلى إتمام الفعل الشرير؛ إذ ربما كان خائفًا – بالإضافة إلى احتمال توبة يهوذا، من القوة الفعَّالة التي لهبة بركة المسيح [أي الإفخارستيا]، لئلا تضيء هذه النعمة كنورٍ في قلب يهوذا، وتحثه بالحري أن يفكر بتروٍ ويختار العمل الصالح، أو على الأقل تولد طبعًا مخلصًا أصيلاً في شخص كان قد دُفِعَ ضد مشاعره الطيبة، أن يفكِّر في الخيانة“.[9]

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م

يُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ، أحد آباء كنيسة الإسكندرية، مثله مثل الآباء السابقين عليه، على أن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، حيث يقارن بين مَن يتهاون بالسر ويمد يده باستمرارٍ على الأسرار الإلهية، ويتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح له بالاقتراب منها ولمسها، وبين طلب يهوذا الإسخريوطيّ للتناول من سر الإفخارستيا، وهو يُخطِّط للخيانة في داخله قائلاً:

”أشخاصٌ يقولون عنك إنك تفعل ما هو ممنوع وغير مسموح أن تفعله، ومراتٍ كثيرةٍ ترتكب أفعالاً مخالفةً، وأنت تستمر في مد يدك على الأسرار الإلهية، وتتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح لك أن تقترب منها وتلمسها. وأنا أندهش من غرورك، بينما تجلس وتشبع على مائدة الشياطين، لا تخاف من المشاركة في مائدة الربِّ (1كو 10: 21). إذًا، توقَّف حتى لا يضيق عليك الخناق (أع 1: 18) مثل يهوذا الذي سقط في اليأس بسبب وقاحته، الذي طلب التناول، بينما كان يُخطِّط للخيانة في داخله (يو 13: 27)“.[10]

وهنا يُشدِّد ق. إيسيذوروس ويُحذِّر الخطأة المستشرين في خطيئتهم من التهاون بالأسرار الإلهية، فهم يتناولون بكل سهولة ويسر وعدم توبة حقيقية من الأسرار الإلهية دون التوقف عن ارتكاب المخالفات والمحرَّمات.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليميّ، وذلك في إطار تأكيد التقليد الأورشليميّ على هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية آنذاك تتعلق بتقدُّم الخاطئ إلى سر الإفخارستيا وقبول مناولته من عدمه.

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن يهوذا قد خان السيد المسيح إذ قد كفر بنعمة رب البيت، لأنه بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، فأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ وبينما لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، ويستخدم ق. كيرلس أيضًا، مثل ق. كيرلس الإسكندريّ، نبوة (مز 40: 10) كنبوة مُسبَقة عن تناول يهوذا من سر الافخارستيا كالتالي:

”هل تريد أن تعرف بوضوحٍ أن مجد يسوع هو الصليب؟ فاسمع إذًا ما يقوله يسوع نفسه وليس أنا: كان يهوذا قد خانه إذ كفر بنعمة رب البيت، بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، وأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، حبًا بمال الخيانة. لقد أضطر أن يؤمن إذ هو سمع: ’أنت قلت‘ (مت 26: 25)، ومع ذلك خرج ليسلِّمه“.[11]

 

 

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول التقليد الأنطاكيّ لحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أقامه الرب يسوع ليلة آلامه وصلبه، وذلك في إطار التأكيد على أهمية هذه الحادثة من الناحية الرعوية والكنسية آنذاك.

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن المسيح له المجد لم يطرد يهوذا الخائن من المائدة المقدَّسة، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار، أي الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”إذًا، فالمكان الواحد يسعكم جميعًا، وتتحدوا معًا في شركة واحدة، لكن المائدة ليست واحدة في هذا الاجتماع. ولم يقل، فحين تجتمعون ولا تأكلون معًا، أو لا تأكلون في شركةٍ واحدةٍ، لكنه تكلَّم بأسلوبٍ آخر، وأدانهم بصورةٍ مخيفةٍ، بأن قال: ’ليس هو لأكل عشاء الرب‘. وأحالهم – إنطلاقًا من هذا الكلام – إلى تلك الليلة التي فيها سلَّم المسيح الأسرار المهيبة. لذلك فقد دعا إلى العشاء الأفضل، لأن العشاء الأخير يشترك فيه الجميع على نفس المائدة كل يوم. وإنْ كان الفارق بين الأغنياء والفقراء ليس بالقدر الذي عليه الفارق بين المعلِّم والتلاميذ، لأن ذلك الفارق كان بلا حدود. ولماذا أتحدَّث عمَّا كان من فارق بين المعلِّم والتلاميذ؟ فكَّر في المسافة التي تفصل بين المعلِّم والخائن [يهوذا]، ومع هذا فإن هذا الخائن جلس مع التلاميذ، ولم يطرده المسيح له المجد، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار“.[12]

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن يهوذا بعدما تناول الإفخارستيا في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، فإنه ذهب مسرعًا بينما بقى الآخرون على مائدة الإفخارستيا كالتالي:

يهوذا بعدما تناول في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، ذهب مسرعًا بينما بقا الآخرون على المائدة“.[13]

ويُحذِّرنا ق. يوحنا ذهبيّ الفم من التقدُّم إلى مائدة الإفخارستيا الرهيبة مثل يهوذا الشرير الذي بعدما تناول خبز الإفخارستيا، دخله الشيطان فسلَّم الربَّ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”هذا هو يوم التقدُّم إلى المائدة الرهيبة. فلنتقدَّم كلنا إليها بطهارةٍ، ولا يكُن أحدُنا شريرًا مثل يهوذا، لأنه مكتوبٌ: لما تناول الخبز دخله الشيطان فسلَّم ربَّ المجد. وليفحص كلٍّ واحد منا ذاته قبل أن يتقدَّم إلى جسد ودم المسيح لكيلا يكون له دينونة، لأنه ليس إنسان الذي يُناوِل الخبز والدم، ولكن هو المسيح الذي صُلِبَ عنا، وهو القائم على هذه المائدة بسرٍّ، هذا الذي له القوة والنعمة يقول: ’هذا هو جسدي‘“.[14]

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على حضور يهوذا أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا عندما قال: ”هذا هو جسدي“ و ”هذا هو دمي“، وإنه اشترك في المائدة المقدَّسة، مثله مثل باقي الرسل، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”وبينما هم يأكلون ويشربون أخذ يسوع الخبز وكسر، وقال: ’هذا هو جسدي الذي يُكسَر لأجلكم لمغفرة الخطايا‘. والذين انضموا إلي الكنيسة يعرفون هذه الكلمات. وأيضًا قائلاً عن الكأس: ’هذا هو دمي الذي يُسفَك عن كثيرين لمغفرة الخطايا‘. وكان يهوذا حاضرًا عندما قال المسيح هذه الكلمات. هذا هو الجسد الذي بعته أنت بثلاثين قطعة من الفضة […] يا لمحبة المسيح الفائقة للجنس البشري، ويا لعظم جنون وانعدام العقل ليهوذا، لأنه باع المسيح بثلاثين دينارًا، ولكن المسيح رغم هذا لم يرفض أن يعطي له غفران الخطايا، أي الدم نفسه الذي باعه يهوذا، لأن يهوذا كان هناك حقًا واشترك في المائدة المقدَّسة. وكما أن يسوع غسل قدمي يهوذا مع باقي الرسل، هكذا أيضًا مع باقي الرسل، كان مشتركاً في المائدة المقدَّسة، لكيلا يكون له عذرًا في الدفاع عن خيانته“.[15]

يتحدَّث ق. يوحنا ذهبيّ الفم عن الذين يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء علي وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا عندما تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لتكونوا غير مخادعين، غير ممتلئين بالشر، غير حاملين للحقد في عقولكم، لئلا تناولكم يؤدي إلي دينونة. لأنه بعد أن تناول يهوذا مما قُدِّمَ، دخل الشرير فيه، ليس لأن الشرير يزدري بجسد الربِّ، ولكن يزدري بيهوذا وخزيه. ولهذا فيمكنكم أن تتعلَّموا أنه فيما يتعلق بمَّن يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء على وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا“.[16]

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على دينونة يهوذا الخائن بسبب مشاركته في مائدة المسيح وفي الأسرار وفي الطعام، وذلك لكي يؤكد على حادثة تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”’وعند حلول المساء اتكأ [المسيح] مع الاثنى عشر‘ (مت 26: 20). يا لخزي يهوذا! لأنه هو أيضًا كان حاضرًا أيضًا هناك، وأتى ليشارك في الأسرار والطعام معًا، وقد أُدِينَ عند نفس المائدة، حيث كان سيُروَّض لو كن وحشًا ضاريًا. لهذا السبب يشير الإنجيليّ أيضًا إلى أن المسيح تحدَّث عن خيانته بينما كانوا يأكلون، لكي يُظهِر شرَّ الخائن بواسطة وقت الحديث وبالمائدة معًا“.[17]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أيضًا أن يهوذا الخائن ظلَّ على حاله بالرغم من مشاركته في الأسرار، ورغم أن المسيح سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً، إلا أنه لم يتغيَّر، وذلك في سياق تأكيده على على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”آهٍ! ما أعظم عمى الخائن [يهوذا]! حتى بعد المشاركة في الأسرار، بقي على حاله؛ وبعد أن سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً لم يتغيَّر!“.[18]

ويستطرد ق. يوحنا ذهبيّ الفم في نفس السياق، مؤكدًا على أن خطية يهوذا صارت أبشع حقًا لسببين، لأنه أتى إلى الأسرار في موقف الخيانة، ولأنه لم يصر أفضل بعد الاقتراب من الأسرار كالتالي:

”ويُظهِر لوقا هذا بالقول إنه [يهوذا] بعد هذا دخل إبليس فيه (لو 22: 3؛ يو 13: 27)، ولا يقصد لوقا أن يحتقر جسد الربِّ، بل ضحك ازدراءً منه على خزي الخائن من الآن فصاعدًا. لأن خطيئته صارت أبشع حقًا لسببين: لأنه أتى إلى الأسرار بموقف كهذا، ولأنه لم يصر أفضل بعد أن اقترب منها، لا من الخوف، ولا من الفائدة، ولا من الكرامة. لكن المسيح لم يمنعه رغم أنه كان يعرف كل شيء، لكي تتعلَّموا أنه لا يُغفِل أيّ شيء من الأشياء التي تخص الإصلاح“.[19]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن المسيح أراد تخجيل الخائن، ولكنه بعد المشاركة في الخبز، أهان المائدة، وبالرغم من مشاركته في كرم المسيح، لم يُردِعه هذا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا كالتالي:

”وحتى الطريقة التي استخدمها المسيح كان مُقدَّرًا لها أن تُخجِّل الخائن. لأن بعد المشاركة في نفس الخبز، أهان المائدة. وبفرض أن مشاركته في كَرَم المسيح لم يُردِعه، فمَّن هو الشخص الذي لا تستميله المحبة نحو المسيح لنوال اللقمة منه؟ لكنها لم تستمل يهوذا. لذلك، ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27) مستهزئًا به لوقاحته“.[20]

 

 

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكيّ، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائي من مختلف التقاليد الكنسية على هذه الحادثة وأبعادها الرعوية والكنسية.

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م

يشير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ إلى أن المسيح لم يمانع في مناولة يهوذا جزءًا من الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من  سر الإفخارستيا قائلاً:

”أصغ، يا يهوذا، إلى كل الخير الذي صنعه إليك. أخرجك من ظلمات الجهل، خلَّصك، أراك نور الخلاص؛ أنعم عليك برؤية معجزات كثيرة، وقال إنك ستجلس مع رسله لتدينوا جميع أسباط إسرائيل. وبجعله المال كله بين يديك جنّبك عذر الفقر. لقد كنت سارقًا، ولا تظن أنه كان على غفلةٍ من ذلك. ولكنه هو، في رحمته العظمى، لم يوجِّه إليك أي تأنيب؛ لم يكن ليتأثر بموقفك. وإنه، وإنْ كان على علم تام بحالك، قبل جريمتك، لم يتردَّد في غسل رجليك المجرمتين، ومناولتك جزءًا من خبز الإفخارستيا. وبعدما نلت منه هذه الحسنات، يا أقبح البشر، خُنته، وقبلت ثمن الدم حين لم تكن بحاجةٍ إلى مال“.[21]

ق. باسيليوس الكبير 330-379م

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير في الليتورچية بحسب تسليم كنيسة الروم الأرثوذكس في يوم خميس العهد (التريودي باللحن السادس) على أن يهوذا سلَّم المخلِّص على الرغم من وجود الخبز السماويّ، أي الإفخارستيا في فمه، مشيرًا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”إنَّ يهوذا، بالحقيقة، هو ابن الأفاعي الآكلين المنَّ في القفر والمتذمرين على المغذِّي، لأن غير الشكورين، إذ كان الطعام في أفواههم، كانوا يتذمرون على الله. وكذلك هذا الرديء العبادة، إذ كان الخبز السماويّ في فمه، صنع التسليم على المخلِّص. فيا له من عزم فاقد الشبع، ويا لها من جسارة وحشية، لأنه باع المغذِّي، وأسلَّم إلى الموت، السيد الذي كان يحبه“.[22]

ديونيسيوس الأريوباغي 485م

يشير ديونيسيوس الأريوباغيّ أو المنحول في كتابه الطغمات الكنسية إلى أن مُؤسِّس الأسرار الإلهية، أي المسيح، يستبعد مَن يتناول العشاء الإفخارستيّ معه، مثل يهوذا بطريقةٍ غير تقوية وغير مناسبة لشخصه قائلاً:

”هنا أيضًا، يا بُنيَّ الرائع، بحسب الصور، آتي بالترتيب والإجلال الواجبين إلى الواقع الإلهيّ للنماذج الأصلية، قائلاً هنا لأولئك الذين صاروا أهلاً، من أجل التوجيه المتناغم لأرواحهم، أن التكوين المتنوع والمقدَّس للرموز لا يخلو من التأمل الروحيّ لهم، كما يُقدَّمون بشكلٍ ظاهريّ. لأن أقدس الترانيم والقراءات النبوية تعلِّمهم نظام الحياة الفضلى، ويسبق ذلك، التطهير الكامل من الشر المدمِّر؛ والتوزيع الأكثر ألوهةً والأعم والأسلم لنفس الشيء، أي الخبز والكأس، الذي يربطهم بشركةٍ تقويةٍ في الشخص، مثل الشركة في الطعام، ويُذكِّرهم بالعشاء الإلهيّ الكامل، وممارسة الرموز الأصلية للطقوس، والتي بموجبها يستبعد مُؤسِّس الرموز نفسه [أي المسيح]، بكل عدل، مَن تناول [أي يهوذا] في العشاء معه من القُدسات بطريقةٍ غير تقويةٍ (يو 13: 11) وغير لائقةٍ بشخصه؛ ويُعلِّم في الحال، بطريقةٍ واضحةٍ وإلهيةٍ، أن الاقتراب من الأسرار الإلهية بعقلٍ صادقٍ يمنح أولئك الذين يقتربون الشركة في العطية بحسب شخصيتهم“.[23]

 

 

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات المتنوعة في كتابات آباء الكنيسة اللاتينية الغربية عبر العصور إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير وتداعيات ذلك الحدث من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول الخاطئ المتقدِّم إلى التناول من سر الإفخارستيا من عدمه.

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م

نجد عند العلامة ترتليان الأفريقيّ أقدم تقليد كنسيّ في الغرب اللاتينيّ يتحدَّث عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الشكر، أي الإفخارستيا، حيث يستخدم نبوة (مز 41: 9) للإشارة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الإفخارستيا تحقيقًا لهذه النبوة كالتالي:

”حتى أنه أراد بشدةٍ أن يُتمِّم رمز دمه الفادي، ربما يكون قد خانه أي غريب، ألا أجد أنه تمَّم حتى هذا المزمور: ’أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي. رفع عليَّ عقبه!‘ (مز 41: 9)، وتعرض للخيانة بلا ثمن، لأنه لا يوجد حاجة إلى خائن في حالة شخص قد قدَّم نفسه علانيةً للشعب، وكان من الممكن أن يُؤخَذ بالقوة وبنفس السهولة التي أُؤخِذَ بها عن طريق الخيانة؟ ربما كان هذا بلا شك جيدًا وكافيًا لمسيحٍ آخر، لكنه لم يكن مناسبًا لمَّن كان يُحقِّق النبوات. لأنه مكتوب: ’باعوا البار بالفضة‘ (عا 2: 6)، المبلغ نفسه والجهة التي خُصِّصَ لها المال الذي تمَّ استرداده بسبب ندم يهوذا عن الغرض الأول من المال، والمخصَّص لشراء حقل الفخاريّ، كما ورد في إنجيل متى، حيث تنبأ إرميا عنها بوضوحٍ: ’ثلاثين من الفضة. ألقها إلى الفخاريّ الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به‘ (زك 11: 12-13)، عندما أعرب بكل جدية عن رغبته في أكل الفصح، أَعتبره عيدًا خاصًا به؛ لأنه كان من غير المستحق أن يرغب الله في أن يشترك فيما ليس له. ثم أخذ الخبز وأعطى تلاميذه، وجعله جسدًا خاصًا به، قائلاً: ’هذا هو جسدي‘ (لو 22: 19)“.[24]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف عن تناول يهوذا خبز الإفخارستيا من المسيح، وكان يتغذَّى مع المسيح ويشرب معه، ولكن دخل الشيطان في قلبه، وخان المسيح، ففارقه المسيح، لأن يهوذا تركه وأتبَّع الشيطان، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”ولنا مثال على ذلك، لأنه عندما أخذ يهوذا الخبز من المسيح، دخل الشيطان في قلبه كأنه يطالب بما له، كأنه يحتفظ بحقه في نصيبه، كأنه يقول: ليس لك بل ليَّ. من الواضح أنه خادمي، خائنك، ومن الواضح أنه ليَّ. يجلس معك ويخدمني. يتغذَّى معك ولكنني أُغذِّيه. يتناول منك الخبز ومني المال. يشرب معك، ويبيع ليَّ دمك. وأثبت مدى صدق كلامه. ومن ثمَّ، فارقه المسيح، ويهوذا نفسه أيضًا ترك يسوع وتَبِعَ الشيطان“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م

يُؤكِّد أوغسطينوس أسقف هيبو على أن تناول بطرس من الإفخارستيا كان للحياة، أمَّا تناول يهوذا من الافخارستيا فكان للموت، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا قائلاً:

”اشترك بطرس ويهوذا في خبزٍ واحدٍ، ولكن أية شركة للمؤمن مع غير المؤمن؟ كانت شركة بطرس للحياة، أمَّا شركة يهوذا فكانت للموت. لأن الخبز الجيد كان كالمذاق الشهي. لأنه كالمذاق الشهي، كذلك أيضًا الخبز الجيد يحيي الأبرار ويميت الأشرار. ’لأنه مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[26]

ويشير أوغسطينوس إلى اشتراك يهوذا مع باقي التلاميذ في العشاء المقدَّس، مؤكدًا على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لأن بولس نفسه لم يشترك في خطايا الآخرين، لأنه احتمل الأخوة الكذبة الذين يئن لأجلهم في وحدة الجسد. كما أن الرسل الذين سبقوه لم يشتركوا في سرقة يهوذا وجريمته، لأنهم اشتركوا معه في العشاء المقدَّس، عندما قد باع ربه بالفعل، وأشار إليه الربُّ على أنه خائنٌ“.[27]

يرى أوغسطينوس أن يهوذا، الذي أعطاه الرب لقمة الإفخارستيا، هو الذي أعطي مكانًا للشرير في داخله، لأنه لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ، كذلك كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون التناول سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، فإنه لم يأخذ شيئًا، لأنه لم يأخذ المناولة لخلاصه، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

كما أن يهوذا، الذي أعطاه الرب ’لقمةً‘، أعطي مكانًا للشيطان في نفسه، لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ (يو13: 27)، لذلك، كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون [التناول] سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، أو أنه لم يتناول شيئًا، لأنه لم يتناول للخلاص. فهو ليس إلا جسد الرب ودم الرب، حتي فيمَّن قال لهم الرسول: ’مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونةً لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[28]

يتحدَّث أوغسطينوس عن تناول بطرس من الأسرار المقدَّسة للخلاص، وتناول يهوذا من نفس الأسرار المقدَّسة للدينونة، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمَّن منَّا يقول إنه ثمة شركة بين البر والإثم، حتى إنْ كان البار والأثيم، كما في حالة يهوذا وبطرس، يشتركون في الأسرار على حد سواء؟ لأنهما من نفس الشئ المقدَّس [أي الإفخارستيا]، تناول يهوذا دينونةً لنفسه، وتناول بطرس الخلاص، كما تتناول أنت القربان مع أوبتاتوس Optatus فإنْ كُنت لا تشبهه، فلِمَ تشترك إذًا في سرقاته“.[29]

ق. جيروم 342-420م

يناقش ق. چيروم قضية الاستحقاق للتناول من جسد الرب ودمه، ويرى ق. چيروم اختلاف الاستحقاق حسب استحقاق المتناولين، فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه. يتساءل ق. چيروم هل لأنَّ يهوذا شرب من نفس الكأس مثل بقية الرسل، يكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟ تناول يهوذا من الافخارستيا قائلاً:

”في الأسرار المسيحية، هناك وسيلة واحدة لتقديس السيد والعبد، النبيل والوضيع، الملك وجنوده، ولكن كُلٍّ يختلف حسب استحقاق المتناولين منه. فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق، يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه (1كو 11: 27). هل لأنَّ يهوذا شرب نفس الكأس مثل بقية الرسل، فيكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟! لكن لنفترض أننا لم نختر تناول السرِّ، ففي جميع الأحوال، لدينا جميعًا نفس الحياة، ونتنفس نفس الهواء، ولدينا نفس الدم في عروقنا، ونتغذَّى على نفس الطعام“.[30]

توما الأكويني 1225-1274م

يناقش الأب توما الأكوينيّ، أحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في العصر الوسيط، قضية تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، وذلك في سياق إجابته على سؤال: هل أعطى المسيح جسده ليهوذا؟ ويخلص الأكوينيّ، بعد مناقشة طويلة لكافة الاعتراضات على عدم تناول يهوذا، إلى أن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس أسقف هيبو في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). ويؤكد الأكوينيّ على أن المسيح لم يطرد يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين، وهكذا يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كالتالي:

”الاعتراض الأول، يبدو أن المسيح لم يعطِ جسده ليهوذا. لأنه كما نقرأ في (مت 26: 29)، قال ربنا لهم، بعد أن أعطى جسده ودمه للتلاميذ: ’لا أشرب من الآن من ثمر الكرمة هذا إلى ذلك اليوم عندما أشربه معكم من جديد في ملكوت أبي‘. ويتَّضح من هنا أن الذين أعطاهم جسده ودمه كان عليهم أن يشربوا منه أيضًا. ولكن يهوذا لم يشرب منه بعد ذلك معه. لذلك، لم يتناول [يهوذا] جسد المسيح ودمه مع التلاميذ الآخرين. الاعتراض الثاني، علاوة على ذلك، فإن ما أوصى به الرب قد أتمَّه بنفسه، كما جاء في (أع 1: 1): ’وابتدأ يسوع يعمل ويُعلِّم‘. ولكنه أعطى وصية في (مت 7: 6): ’لا تعطوا القدس للكلاب‘. لذلك، بسبب معرفته بأن يهوذا خاطئ، يبدو أنه لم يعطه جسده ودمه. الاعتراض الثالث، علاوة على ذلك، إن هذا يتعلق بآية (يو 13: 26) حيث أعطى المسيح يهوذا خبزًا مغموسًا. وبالتالي، إنْ كان قد أعطاه جسده، فواضح أنه أعطاه إياه في اللقمة، خاصةً أننا نقرأ في (يو 13: 26): ’بعد اللقمة دخله الشيطان‘. ويقول أوغسطينوس في هذا المقطع (مقالة 112 على إنجيل يوحنا): ’نتعلَّم من هذا كيف يجب علينا توخي الحذر من تلقي الخير بطريقةٍ شريرةٍ […] لأنه إذَا ’توبَّخ‘ مَن ’لا يُميِّز‘، أي يُميِّز جسد الرب عن اللحوم الأخرى، فكيف ينبغي أن ’يدين‘ مَن يتظاهر بأنه صديق، ويأتي إلى مائدته عدوًا‘؟ لكن [يهوذا] لم يتناول جسد ربنا باللقمة المغموسة؛ وهكذا علَّق أوغسطينوس على (يو 13: 26)، ’فلما غمس وأعطى ليهوذا سمعان الإسخريوطيّ‘، [نسخة الفولوجاتا: ليهوذا بن سمعان الإسخريوطيّ] (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’لم يتناول يهوذا جسد المسيح وقتها، كما يظن البعض الذين يقرأون بدون اهتمام‘. لذلك، يبدو أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح. ولكن على العكس من ذلك، يقول فم الذهب في (عظة 82 على إنجيل متى): ’لم يتغيَّر يهوذا عند تناوله من الأسرار المقدَّسة: لذلك أصبحت جريمته أشنع من كلا الجانبين، لأنه مُشبَّع بهذه الغاية واقترب من الأسرار، ولأنه لم يصبح أفضل بالاقتراب، ولا من الخوف، ولا من المنفعة التي تلقاها، ولا من الشرف الممنوح له‘. فأجيبُ على ذلك، إن هيلاري، في تعليقه على (مت 26: 17)، رأى أن المسيح لم يعطِ جسده ودمه ليهوذا. وكان من الممكن أن يكون هذا صحيح تمامًا، إذَا أخذنا في الاعتبار خبث يهوذا. ولكن بما أن المسيح ينبغي أن يخدمنا كنموذج للعدل، فلا يتفق مع سلطانه للتعليم أن يقطع يهوذا، الخاطئ المستتر، عن الشركة مع الآخرين بدون تهمة ودليل واضح لئلا يكون قدوةً لأساقفة الكنيسة في فعل ذلك، ولئلا يغتاظ يهوذا نفسه وينتهز الفرصة لارتكاب الخطيئة. لذلك، يبقى أن نقول إن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). الرد على الاعتراض الأول، هذه حجة هيلاري لإثبات أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح، ولكنها حجة غير مقنعة، لأن المسيح يتكلَّم مع التلاميذ الذين انفصل يهوذا عن شركتهم، ولم يكن المسيح هو الذي استبعده. لذلك، فالمسيح من جانبه يشرب الخمر حتى مع يهوذا في ملكوت الله، ولكن يهوذا نفسه رفض هذه المائدة. الرد على الاعتراض الثاني، كان المسيح يعرف شر يهوذا لأنه الله؛ ولكنه لم يعرفه بالطريقة التي يعرفه بها البشر. وبالتالي، لم يطرد المسيح يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين. الرد على الاعتراض الثالث، بدون أدنى شك، لم يتناول يهوذا جسد المسيح في الخبز المغموس؛ لقد تناول خبزًا فقط. ومع ذلك، كما يلاحظ أوغسطينوس (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’ربما تظاهر يهوذا بغمس الخبز؛ تمامًا كما يتمُّ غمس بعض الأشياء من أجل صباغتها‘. ولكن إذَا كان الغمس يعني هنا أي شيء جيد (على سبيل المثال، حلاوة الصلاح الإلهيّ، حيث أن الخبز يصبح أشهى عن طريق غمسه)، ’فهل تبعت الدينونة جحوده للخير نفسه بدون استحقاق‘. وبسبب هذا الجحود ’صار الخير بالنسبة له شرًا، كما يحدث للذين يتناولون جسد المسيح بدون استحقاق‘. وكما يقول أوغسطينوس في (مقالة 12 على إنجيل يوحنا): ’يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كما يروي لوقا: وبعد ذلك، نصل إلى هذا، حيث يعلن ربنا بوضوحٍ أنه خائنه من خلال غمس اللقمة وتسليمها إليه، وفقًا لرواية يوحنا“.[31]

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني

سوف نتتبع في هذا الفصل الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في كتابات آباء الكنيسة السريانية، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائيّ على هذه الحادثة المهمة وتداعيات ذلك الأمر من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول مناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا من عدمه.

مار أفرام السرياني 306-373م

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ في شذرات تفسيره على الدياطسرون [الإنجيل الرباعيّ لتاتيان السوريّ] عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الخبز المقدَّس، وإنه ورث الحياة الأبدية به، لذا يبتكر نظرية نزع القداسة من العناصر عن طريق غمس الخبز في الماء،[32] وهذا ما سوف يُؤكِّده مار ساويروس موسى بن كيفا في شهادته عن مار أفرام السريانيّ فيما يلي، حيث يقول مار أفرام التالي:

”وكذلك فصل الربُّ بالماء يهوذا عن تلاميذه عندما أعطاه خبزًا مغموسًا في الماء، لأنه لم يكن مستحقًا لذلك الخبز الذي وزَّع مع الخمر على الرسل الأثنى عشر. لأنه لا يجوز أن الذي أسلَّمه إلى الموت [يهوذا]، أن يأخذ في شكل خبز، ذاك الذي يُخلِّص من الموت [المسيح]“.[33]

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م

يشير مار ساويرس موسى بن كيفا إلى شهادة كُلٍّ من مار ايوانيس ومار سويريوس الأنطاكيّ ومار أفرام السريانيّ ومار يعقوب السروجيّ ومار يعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون عن مشاركة يهوذا الإسخريوطيّ فى الأسرار، ويستعرض شواهد كل أب من هؤلاء الآباء الذين أكَّدوا على تناول يهوذا في كتاباتهم. حيث قال مار ايوانيس ذلك فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وقال مار سويريوس ذلك فى المعنيث الثانى، وقال مار أفرام السريانيّ ذلك فى تفسير الإنجيل، وقال يعقوب السروجيّ أيضًا ذلك فى الميمر على الآلام وقال مار يعقوب الرهاويّ ذلك الأمر فى قوانينه كالتالي:

”إذَا ما شارك يهوذا فى الأسرار أم لا؟ نقول: يقول مار ايوانيس ومار سويريوس ومار أفرام ويعقوب السروجيّ ويعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون أنه شاركه فى الأسرار، كذلك قال ايوانيس فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وسويريوس فى المعنيث الثانى، ومار أفرام فى تفسير الإنجيل ويعقوب السروجيّ فى الميمر على الآلام ويعقوب الرهاويّ فى قوانينه. أمَّا القديس مار فيلكسينوس فى تفسير إنجيل متى فقد قال إنه لم يشاركه فى الأسرار وذلك لأن الشيطان قد دخله منذ زمن بعيد، ومن تسليم مار فيلكسينوس جرت الكنيسة ألا يُعطَى القربان للذين يتخبطون من الشياطين. قال مار افرام ويعقوب السروجيّ إنه شاركه فى الأسرار، ولكن يضيفون أنه بغمسة الخبز بالماء نزع عنه طُهره (أي قُدسه) وأنه أعطاه خبزًا بسيطًا“.[34]

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م

يشهد مار ديونيسيوس بن الصليبيّ بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، ويستعرض أسماء الآباء الذين قالوا بتناول يهوذا من سر الإفخارستيا، ويحدِّد المواضع التي قالوا فيها بتناول يهوذا الإسخريوطيّ في كتاباتهم كالتالي:

”وقد اختلف المعلِّمون في هل أشرك السيد يهوذا بالأسرار أم لا؟ فالذهبيّ الفم في مقالته عن خيانة يهوذا وفي مقالته الحادية والثمانين من تفسير انجيل متى، وساويرس في المغيث الثاني، والقديس أفرام في تفسير الانجيل، ويعقوب السروجيّ في ميمر الآلام، ويعقوب الرهاويّ في كتاب القوانين، وغيرهم، يقولون إن المسيح أشرك يهوذا في الاسرار. أمَّا القديس فيلوكسينوس في تفسيره بشارة متى فيقول إنه لم يُشرِكه لأن الشيطان كان قد سبق واستولى على يهوذا ومن فيلكسينوس هذا قد جرت العادة في الكنيسة ألا يُعطَى القربان للممسوسين من الشياطين. أمَّا القديس أفرام ويعقوب السروجيّ فقالا بأن السيد أشرك يهوذا في الأسرار ولكنه بلَّ الجسد بالماء فزالت منه القداسة غير أن مُعلِّمين آخرين يقولون إن الجسد المبلول بالماء لا تزول منه القداسة، وإن الماء لا يقدر أن يزيل القداسة والروح الذي فيه، قال داود الراهب ابن بولص الموصليّ محب موسى ابن الحجر إن سيدنا وإنْ لم يبل جسده الذي ناوله ليهوذا بالماء، لكنه أزال قداسته خفيةً لعدم استحقاق يهوذا الخائن له، ولا يخفى إن الحنفي إذَا أكل القداس يأكله خبزًا بسيطًا لأنه يأكله بدون ايمان، ويعقوب الرهاويّ يقول إن السيد ناول يهوذا خبزًا يابسًا كانوا يغمسونه في الأطعمة ويأكلونه، فمن هذا الخبز غمس غمس سيدنا وناوله لا من خبز الأسرار الذي قدَّس جسده منه“.[35]

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م

يُؤكِّد مار غريغوريوس بن العبريّ، مثله مثل الآباء السريان السابقين عليه، على أن مار يعقوب السروجيّ، ومار أفرام السريانيّ، وق. يوحنا ذهبيّ الفم، وق. ساويروس الأنطاكيّ، وداود الراهب بن بولس، قالوا بتناول يهوذا من الأسرار المقدَّسة في كتابه ”التعليقات على الأناجيل“ كالتالي:

”يقول مار أفرام [السريانيّ] ومار يعقوب [السروجيّ] أن ربنا اشترك مع يهوذا في الأسرار، ولكن بعدما قد نزع القداسة من الخبز بغمسه في الماء. ويقول الآخرون إن الأسرار لا تُنزَع من القداسة حتى لو غُمِسَت في الماء. ويقول ق. يوحنا [ذهبيّ الفم] وساويروس [الأنطاكيّ] أنه اشترك في الخبز، بالرغم من أنه لم يكن مُجرَّدًا من القداسة […] ويقول داود الراهب، ابن بولس، إنه [أي يهوذا] اشترك فيه، أي في العناصر غير منزوعة القداسة، ولكن يهوذا أكل منه كخبزٍ عاديّ بدون إيمان“.[36]

 

 

الخلاصة

نستخلص مما سبق أن هناك نبوة (مز 41: 9) تشير نبويًا وسريًا إلى الرجل الذي أكل من الخبز وسلَّم المخلص، أي تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه السيد المسيح ليلة آلامه وصلبه، ولقد استخدم ق. يوحنا في إنجيله هذه النبوة وكذلك استخدمها أغلب آباء الكنيسة للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا. وهناك رواية إنجيلي لوقا ويوحنا تشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ لتأسيس سر الإفخارستيا وتناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك شهادات عديدة من تقاليد كنسية مبكرة مختلفة عن تقليد يقول بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، فنجد العلامة أوريجينوس الإسكندريّ، وق. كيرلس الإسكندريّ، وق. إيسيذوروس الفرميّ، يشيرون إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا تقليد كنيسة الإسكندرية.

هناك تقليد مبكر في كنيسة أورشليم بفلسطين يشير فيه ق. كيرلس الأورشليميّ إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد ق. يوحنا ذهبي الفم يشير بوضوحٍ في مواضع عدة من كتاباته إلى تقليد كنيسة أنطاكية الذي يؤكد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وكان يستخدم هذا الأمر في أمور رعوية، حيث كان يدعوة الخطأة إلى التناول من سر الإفخارستيا لكي يكون ذلك سببًا في بداية توبتهم واستمرارهم في حياة البر.

نجد ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ، وق. باسيليوس الكبير، وديونيسيوس الأريوباغيّ، يؤكدون على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا يُعبِّر عن تقليد كنيسة كبادوكية بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا) الذي يؤكد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك تقليد غربيّ لاتينيّ مبكر عند العلامة ترتليان الأفريقيّ، وق. أمبروسيوس أسقف ميلان، وأوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، وق. چيروم، وحتى عصر الأب توما الأكوينيّ في العصر الوسيط يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد أيضًا تقليد سريانيّ مبكر عند مار أفرام السريانيّ، ومار ساويروس موسى بن كيفا، ومار ديونيسيوس الصليبيّ، ومار غريغوريوس بن العبريّ، يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نستخلص مما سبق أن هناك إجماع كبير من تقاليد كنسية مختلفة على مر العصور أن يهوذا الإسخريوطيّ قد تناول من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه الرب يسوع ليلة آلامه وموته.

سوف أقوم بعرض قائمة آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا الذين يؤكدون على تقليد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

  • العلامة أوريجينوس الإسكندريّ
  • ق. كيرلس الإسكندريّ
  • ق. إيسيذوروس الفرميّ
  • ق. كيرلس الأورشليميّ
  • ق. يوحنا ذهبي الفم
  • ق. غريغوريوس اللاهوتيّ
  • ق. باسيليوس الكبير
  • ديونيسيوس الأريوباغيّ
  • العلامة ترتليان الأفريقيّ
  • ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
  • أوغسطينوس أسقف هيبو
  • ق. چيروم
  • الأب توما الأكوينيّ
  • مار أفرام السريانيّ
  • مار ساويروس موسى بن كيفا
  • مار ديونيسيوس الصليبيّ
  • مار غريغوريوس بن العبريّ

[1] Origen of Alexandria, In Johannem, 32, 24 GCS, 4, 468.

[2] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 148، ص 720.

[3] المرجع السابق، عظة 142، ص 694.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 18: 3)، ص 422.

[5] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 23-26)، ص 111.

[6] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 26-27)، ص 112.

[7] المرجع السابق، ص 113.

[8] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 30)، ص 118.

[9] المرجع السابق، ص 119.

[10] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة 170 إلى شيريموناس، ص 186.

[11] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشر الأوسط – جامعة الكسليك، 1982)، عظة 13: 6، ص 214.

[12] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٢٧: ٣، ص ١٥٠، ١٥١.

[13] John Chrysostom (St.), On the Feast of the Epiphany, Reflection 26-2, Synaxarion Orthodoxia.

[14] النص اليوناني للعظة: PG XLIX, 389-390؛ والنص القبطي للعظة: MS Copto Vat. XCVIII fol. 232v-233.

[15] Daniel J. Sheerin, The Eucharist (Message of the Fathers of the Church Series, Vol. 7), (M. Glazier, 1986), pp. 144-145.

[16] John Chrysostom (St.), On the Betrayal by Judas 1.6, ACC IV b, CIII.

[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة 81: 1، ص 125.

[18] المرجع السابق، عظة 82: 1، ص 131.

[19] المرجع السابق، ص 131.

[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 72، ص 32.

[21] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، ص ٥٨.

[22] قداس ق. باسيليوس الكبير بحسب تسليم كنيسة الروم الارثوذوكس، يوم الخميس العظيم.

[23] Dionysius the Areopagite, the Works of Dionysius the Areopagite, Trans. by John Parker, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1897), Ecclesiastical Hierarchy, 3: 3: 1, pp. 192-93.

[24] ترتليان (علامة)، ضد ماركيون، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2023)، 4: 40، ص 341، 342.

[25] Ambrose of Milan (St.), Selected Works & Letters, NPNF, Ser. II, Vol. 10, Trans. by H. De Romestin, E. De Romestin & H. T. F. Duckworth, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Letter to the Church at Vercellae LXIII: 95, p. 990.

[26] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 7, Tractates on John, Trans. by John Gibb & James Innes, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1818-1893), Tract. L., Ch. 11: 10, p. 467.

[27] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Book II, Ch. 107-243, p. 1177.

[28] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, On Baptism, Against the Donatists, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. V, Ch. 8-9, p. 832.

[29] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II, Ch. 40-96, p. 1076.

[30] Jerome (St.), NPNF Ser. II, Vol. 6, Against Jovinianus, Trans. by W. H. Fremantle, G. Lewis & W. G. Martley, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II: 25, p. 890.

[31] Thomas Aquinas, Summa Theologiae, III, Q 81, Art. 2.

[32] J. Rendel Harris, Fragments of The Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, (London: C. J. Clay & Sons, Cambridge University Press, 1895), pp. 84-85.

[33] The Venerable Ephraim the Syrian, Works (Russian Version, 1995), p. 279.

[34] ساويرس موسى بن كيفا (مار)، المواعظ، نقله إلى العربية: الشماس الإنجيلى بهنام دانيال البرطلى، (العراق: دار المشرق الثقافية، ٢٠١٣)، عظة في خميس الأسرار، فصل ١٤، ص. ٢٢٨.

[35] ديونيسيوس يعقوب بن الصليبى السريانى (مار)، الدرّ الفريد فى تفسير العهد الجديد ج1، أعاد طبعه وكتب مقدمته مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان، (لبنان: جبل لبنان، ٢٠١٧)، تفسير إنجيل متى، الاصحاح ٢٦، ص ٥٢٠-٥٢١.

[36] BAR-HEBRAEUS, Commentary on the Gospels, Trans. & Edit. By Wilmot Eardley, (London: Society for promoting Christian knowledge, 1925), p. 63.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

 

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

 

عمانوئيل الله معنا

 

عظة على بند ”تجسد وتأنس”

من قانون الإيمان

 

قراءة من إشعياء:

 

    ” ثم عاد الرب فكلم آحاز قائلاً أطلب لنفسك آية من الرب إلهك…. يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو إسمه عمانوئيل” (أش 7: 10- 14).

 

المسيح الملك والطبيب[1]:

   يا رفاق النقاوة وتلاميذ العفة، تعالوا نُسبح الله بشفاهٍ مملوءةٍ من الطهر، نسبح الله الذي وُلدِ من العذراء. نحن الذين جُعلنا مستحقين أن نتناول من جسد الحمل العقلي، دعُونا نأكل الرأس مع الأرجل (انظر خر 12: 9): الرأس تشير إلى لاهوته، أمَّا الأرجل فهي تشير إلى ناسوته. ليت الذين يسمعون الأناجيل المقدسة يؤمنون بما كتبه يوحنا اللاهوتي. فهو الذي قال ” في البدء كان الكلمة” (يو1:1)، ثم كتب أيضًا “والكلمة صار جسداً” (يو14:1). لأنه ليس من الصواب أن نسجد لإنسان عادي، ولا من التقوى أن ندعوه إلهاً بدون ناسوته؛ لأنه لو كان المسيح هو الله، فقط كما هو حقًا كذلك، دون أن يتخذ الطبيعة البشرية لكنا نحن غرباء عن الخلاص[2]. فلنسجد له لأنه إله، ونؤمن أيضاً بأنه قد صار إنساناً؛ لأنه لو قُلنا عنه إنه إنسانٌ بدون إلوهية، فلن ننتفع شيئاً، وهكذا أيضًا إن لم نعترف بناسوته مع لاهوته، فلن يكون لنا خلاص. ليتنا نعترف بمجيء ذلك الذي هو ملك وطبيب؛ لأن الملك يسوع الْتَحَفَ بطبيعتنا البشرية لكي يشفيها من وجعها. لقد صار معلمُ الأطفال الكامل، طفلاً مع الأطفال، لكي يعطي حكمة للجهلاء. وقد نزل الخبز السماوي إلى الأرض (انظر يو 41:6)، لكي يُطعم الجياع.

 

اليهود في ضلال:

   لقد رفض أبناء اليهود المسيح الذي جاء، وينتظرون ذاك الأثيم الذي كانوا يظنون أنه سوف يأتي. لم يعترف هؤلاء الضالون بالمسيا الحقيقي، بينما ينتظرون المُضلّ لكي يقبلوه! وعن هذا الأمر قال المخلص الحقيقي ” أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني. إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه” (يو 5: 43).

   جيدٌ إذاً أن نطرح سؤالاً على اليهود: ما رأيكم فيما قاله النبي إشعياء متنبئاً بأن عمانوئيل سوف يُولد من العذراء؟ أكان ذاك حقاً أم كذباً؟

   فإذا حكموا على النبي أنه كاذب، فهذا ليس غريباً أبداً، لأنهم اعتادوا ـ ليس فقط ـ على اتهام الأنبياء بأنهم كاذبون، بل اعتادوا على رجمهم أيضاً. وإذا كان ما قاله النبيُ حقٌ، فهذا يؤكد لنا مَنْ هو عمانوئيل. وأي واحدٍ من الاثنين هو، هل هو من تنتظرون مجيئه؟ وما إذا كان سوف يُولد من عذراء أم لا؟ لأنه إن لم يُولد من عذراء، فسوف تتهمون النبي بالكذب. وبالإضافة إلى ذلك، إذا كنتم تنتظرون أن يحدث هذا في المستقبل، فلماذا ترفضون ما حدث بالفعل؟

    دع اليهودَ في ضلالهم طالما يريدون ذلك، ولتتمجد كنيسة الله؛ لأننا نحن نقبل الإله الكلمة الذي صار إنساناً بالحقيقة، ليس من مشيئة رجل وامرأة، كما يقول الهراطقة، بل صار إنساناً من العذراء والروح القدس بحسب تعليم الإنجيل، ليس بالخيال لكن بالحقيقة.

    أمَّا عن كونه صار إنساناً بالحقيقة من العذراء، فعليك أن تنتظر ما سوف أسوقه من براهين في هذه العظة؛ لأن ضلال الهراطقة ضلالٌ متعددٌ ومتشابكٌ.

    فقد قال البعض منهم إنه على أيةِ حالٍ لم يُولد من عذراء. آخرون يقولون إنه وُلدِ طبعاً، لكن ليس من عذراء، بل من إمرأة عاشت مع رجل. وآخرون أيضاً يقولون إنَّ المسيح ليس إلهاً صار إنساناً، بل إنساناً صار إلهًا، بمعنى أنهم تجرأوا على القول بأن الكلمة الأزلي لم يَصِر إنساناً، بل هو إنسانٌ تقدم في الفضيلة وتمت مكافأته بأن يصير إلهًا[3].

    أمَّا أنت فاحفظ في ذاكرتك ما قلناه بالأمس عن إلوهية المسيح، آمِن بأن ابن الله وحيد الجنس، هو نفسه وُلدِ من العذراء. ثق فيما يقوله يوحنا الإنجيلي ” والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا” (يو 14:1). لأن الكلمة الأزلي مولود من الآب أزلياً قبل كل الدهور، بينما أخذ جسداً في الزمان لأجل خلاصنا.

 

هل من ضرورة للتجسد؟:

   كثيرون يقولون ما هي الضرورة العظمى التي تجعل الله يصير إنساناً؟ ويقولون أيضاً هل من الممكن أن تلد عذراء بدون رجل؟ وهل من طبيعة الله أن يتصل بالبشر؟ لكن بسبب كثرة الاعتراضات، وتعدد أبعاد المعركة، هيا بنا ـ بنعمة المسيح وصلوات الحاضرين ـ لنرد على هذه الاعتراضات.

 

الكتب المقدسة هي شهادتنا:

   دعونا أولاً نفتش عن السبب الذي من أجله نزل المسيح الرب إلى العالم. والآن لا تعتمد على ما أقوله من براهين لأنه من الممكن أن تنخدع، بل إن لم تسمع شهادات الأنبياء عن كل أمر، فلا تؤمن بما أقوله. وإن لم تتعلم من الكتب المقدسة عن ما تقوله عن العذراء وعن المكان والزمن وطريقة ولادة المسيح، ” فلا تقبل شهادة من أي إنسان” (انظر يو34:5). لأنه يجوز لأي واحد أن يعتبر الذي هو حاضر معكم الآن ويعلّمكم في موضع شك، ولكن هل هناك إنسان عاقل يمكن أن يشك في ما تم التنبؤ به منذ أكثر من ألف عام؟

    حسناً. إذا أردت أن تفتش عن سبب مجيء المسيح فتعالَ، إلى أول سفر في الكتاب المقدس. لقد خلق الله العالم في ستة أيام، لكن العالم خُلق لأجل الإنسان، فالشمس التي تشرق بأشعتها البهية وجُدت لكي تنير للإنسان، وكل الحيوانات وُجدت لكي تخدمه، كذلك النباتات والأشجار لكي يكون لنا منها طعام. وكل المخلوقات كانت حسنة (راجع تك 21:1)، لكن لم يكن هناك مخلوق من هذه المخلوقات، على صورة الله إلا الإنسان وحده. الشمس خُلقت بمجرد أمرٍ، بينما الإنسان كُوِّن بيدي الله ” فلنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26). فإذا كانت الصورة الخشبية للملك الأرضي تنال تكريماً، فكم بالأكثر ينبغي أن تُكرم صورة الله العقلية؟

 

الإنسان أعظم المخلوقات يخرج من الفردوس:

   إن هذا المخلوق الأعظم جداً من كل المخلوقات، والذي كان يعيش منفردًا في الفردوس، أخرجه خارجاً حسد إبليس. والعدو فَرِح بسقوط ذاك الذي حسده. إذاً هل تريد أن يستمر العدو في فرحه؟ إنه لم يتجرأ على الاقتراب من آدم بسبب قوته، فاقترب من المرأة بإعتبارها الأضعف، تلك التي كانت ماتزال عذراء؛ لأن آدم لم يعرف حواء امرأته إلاَّ بعد أن طُردا من الفردوس (راجع تك 4: 1).

 

إنحدار البشرية إلى الباطل:

   كان قايين وهابيل هما الجيل الثاني للجنس البشري، وكان قايين هو أول قاتل. ثم بعد ذلك جاء الطوفان بسبب شر البشر العظيم. ثم نزلت النار من السماء فوق سكان سدوم بسبب خطاياهم. وبعد سنين كثيرة اختار الله الشعب الإسرائيلي، لكن هذا الشعب إنحرف والجنس المختار سقط في الشر. لأنه، بينما كان موسى فوق جبل سيناء أمام الله، سجَّد الشعب في أسفل الجبل لعجلٍ كإله له (انظر خر 32: 1ـ 4). في زمن موسى الذي قال ” لا تزن” (راجع خر 20: 13) تجرأ رجلٌ ودخل إلى القبة وارتكب المعصية (انظر عد 25: 6). وبعد موسى أُرسِل الأنبياء لكي يشفوا الشعب الإسرائيلي، لكن بينما حاولوا أن يشفوا هذا الشعب انتحبوا لأنهم لم يستطيعوا أن ينتصروا على ضعفه، كما قال أحدهم ” ويل لي… قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس” (مي 7: 1ـ 2). وأيضاً ” الكل قد زاغوا معاً فسدوا. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد” (مز 14: 3). وكذلك ” لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفسقٌ. يعتنقون ودماءٌ تلحق دماء” (هو 4: 2)، ” وذبحوا بنيهم وبناتهم للأوثان” (مز 105: 37). انشغلوا بالعرافين والسحرة والجان، وأيضاً    ” يتمددون على ثياب مرهونة بجانب كل مذبح ويشربون خمر المغرمَّين في بيت آلهتهم” (عا 2: 8).

 

البشرية جُرِحت جُرحًا خطيرًا:

   هكذا، كان جُرح البشريةِ خطيرًا جدًا، من القدم حتى الرأس لا يوجد أي عضو سليم، ولم يكن من الممكن لأحد أن يضع على الجروح ضمادات أو زيت ولا أربطة (راجع أش 1: 6)، الأنبياء انتحبوا وبكوا وقالوا: ” ليت من صهيون خلاص إسرائيل” (مز 14: 7). وأيضاً ” لتكن يدك على رجل يمينك وعلى ابن آدم الذي اخترته لنفسك. فلا نرتد عنك” (مز 80: 17، 18). ونجد المُرنم يتوسل قائلاً: ” يا رب طأطأ سمواتك وانزل إلمس الجبال فتدخن” (مز 144: 5). أنزل لأن جروح البشرية تخطت قدرتنا على شفائها. ” نقضوا مذابحك وقتلوا أنبيائك بالسيف” (1مل 19: 1). لا يمكن للشر أن يُهزم من جانبنا، فالحاجة إليك وحدك لكي تخلّص الإنسان[4].

 

أرسل الله إبنه لكي يشفينا:

   سمِع الربُ طلبة الأنبياء. لم يهمل الآب جنسنا الهالك، بل أرسل ابنه، الرب من السماء كطبيب لكي يشفينا[5]. وقال أحد الأنبياء ” يأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه” (ملا 31: 1)، لقد أتى الرب إلى هيكله حيث حاول اليهود أن يرجموه (راجع يو 8: 59). وعندما سمع نبي آخر هذا الكلام، فكأنه يقول للنبي أتعلن خلاص الله وتقول هذا الأمر هكذا بهدوء تام؟ أتحمل بشارة مجيء الله للخلاص وتتحدث بها في الخفاء؟

   “على جبل عالٍ اصعدي يا مبشرة صهيون. ارفعي صوتك بقوة يا مبشرة أورشليم. ارفعي لا تخافي. قولي لمدن يهوذا هوذا إلهك. هوذا السيد الرب بقوة يأتي…” (أش 40: 9، 10).

   أيضًا الرب نفسه يقول ” هاأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. فتتصل أمم كثيرة بالرب” (زك 2: 10، 11). لكن بني إسرائيل رفضوا خلاصي الذي قدمته لهم، ولذلك “جئت لأجمع كل الأمم والألسنة فيأتون ويرون مجدي” (انظر إش 66: 18). لأنه ” جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله” (يو 1: 11)، وما الذي تمنحه للأمم عندما تأتي؟ يقول: ” أجعل فيهم آية” (أش 66: 19)، لأني بينما أنا أتألم فوق الصليب، أعطي لكل واحد من جنودي، أعطي ختمًا ملكيًا لكي يحمله على جبينه. ونبي آخر قال ” طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه” (مز 18: 9)، لأن، نزوله من السماء لم يكن معروفًا للبشر.

   بعدما سمع سليمان أباه داود يقول هذه الأقوال، بني هيكلاً عظيماً، وهو يرى مسبقاً ذاك الذي سوف يأتي إلى هذا الهيكل، وقال مندهشاً “هل يسكن الله حقاً على الأرض؟”، تنبأ داود في المزمور المُعطى لـ “سليمان”: ” ينزل مثل المطر على الجزاز مثل الغيوث الذارفة على الأرض” (مز 72: 6).

   يقول “مثل المطر” إشارةً إلى أنه سماويٌ، بينما “على الجزاز” يشير إلى بشريته. ولأن المطر يقع على الجزاز بدون صوت، هكذا سرُ الميلاد كان غير معروفٍ، لذا يسأل المجوس ” أين وُلد ملك اليهود؟” (مت 2: 2) وهيرودس يسأل وهو مضطرب عن ولادته قائلاً   ” أين يُولد المسيح” (مت 2: 4).

   لكن مَنْ هو هذا الذي ينزل؟ يقول في المزمور ” يخشونك مادامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور” (مز 72: 5). ويقول نبيٌ آخر أيضاً: ” ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومخلّص” (انظر زك 9: 9س).

 

الملك الوديع:

   أشرح لي أيها النبي عن أي ملكٍ تتحدث فالملوك كثيرون؟ أعطِ لنا علامةً تميز الملك الذي تتحدث عن مجيئه. إن كنت تتحدث عن الملك الذي يلبس الأرجوان، فالآخرون قد أخذوا قبله هذه الكرامة. وإذا كنت تتحدث عن شخص يحرسه الجنود ويجلس فوق مركبة ذهبية، فهذا أيضاً قد صار لآخرين. أعطنا علامةً خاصةً للملك الذي تعلن لنا عن مجيئه. يجيب النبي قائلاً: “هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومخلّص، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” وليس على مركبة. هذه علامةٌ فريدةٌ للملك الذي أتى. الرب يسوع هو الوحيد بين الملوك الذي جلس على جحشٍ ابن أتان، ودخل أورشليم بهتاف كملك (راجع مت 21: 7)، وماذا يفعل هذا الملك عندما يأتي؟ يقول النبي: ” وأنت أيضاً فإني بدم عهدك قد أطلقت أسراك من الجب الذي ليس فيه ماء” (زك 9: 11).

   وربما يحدث أن يجلس ملكٌ على جحش، لكن أعطني بالحري علامة أخرى، تدلنا على المكان الذي سوف يقف فيه الملك عندما يدخل المدينة. أظهر لنا المكان الذي يكون غير بعيد عن المدينة، حتى يمكننا أن نعرفه، أعطنا علامة واضحة يمكن أن نراها بالأعين، لكي نستطيع أن نرى المكان حتى عندما نكون في المدينة. يجيب النبي أيضاً قائلاً ” وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق” (زك 14: 4)، هكذا يكون في إمكان المرء الواقف في وسط المدينة أن يرى المكان؟[6]

 

الملك صانع المعجزات:

   الآن عندنا علامتين، نريد أن نعرف الثالثة. أخبرني ماذا سيفعل الرب عندما يأتي؟ يقول نبي آخر: ” هو يأتي ويخلصنا. حينئذٍ تنفتح عيون العمى وآذان الصم تتفتح. حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس” (إش 35: 4ـ6). قُل لي شهادةً أخرى أيها النبي، فأنت تقول لنا إن الرب الآتي سيصنع معجزات لم تحدث قبل ذلك أبداً (انظر يو 15: 24). أي معجزة أخرى بارزة تريد أن تخبرنا بها؟ يقول النبي: ” الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم” (إش 4: 14)، هذه هي العلامة البارزة، السيد احتمل الآلام وحُكِمَ عليه من عبيده شيوخ الشعب.

 

صار مثلنا لكي نستحق أن نتمتع به:

   وبالرغم من أن اليهود كانوا يقرأون كل هذه الشهادات، لكنهم لم يسمعوا؛ لأنهم أغلقوا آذان قلوبهم حتى لا يسمعوا. أما نحن فنؤمن بيسوع المسيح الذي أخذ جسداً وصار إنساناً، لأننا بغير ذلك لا يمكننا أن نعرفه ونقبله، فنحن ولا نستطيع أن نراه ونتمتع به كما هو (قبل التجسد)، ولذلك صار كما نحن حتى يسمح لنا أن نتمتع به. لأنه، إن كُنا لا نستطيع أن نرى الشمس، التي خُلقت في اليوم الرابع، فهل نستطيع أن نرى الله خالق الشمس؟ لقد نزل الله على جبل سيناء في لهيب نار ولم يستطع الشعب أن يتحمل رؤيته وقالوا لموسى: ” تكلم أنت معنا فنسمع. ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت” (خر 20: 19). وأيضاً   ” لأنه مَنْ هو مِن جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي يتكلّم من وسط النار مثلنا وعاش” (تث 5: 26). فإن كان الإنسان يموت بمجرد أن يسمع صوت الله، فكيف يمكن أن يرى الله نفسه، ألا يتسبب هذا في موته؟ ولماذا تنتابك الدهشة؟ إن موسى نفسه يقول ” أنا مرتعب ومرتعد” (انظر عب 12: 21).

    إذاً ماذا تريد؟ هل تريد أن يصير هذا الذي أتى لكي يقدم لنا الخلاص سبباً للموت؛ لأن البشر لا يتحملونه، أم أن يقدم لنا النعمة بالقدر الذي يمكننا أن نقبلها؟ فإن كان دانيال لم يتحمل رؤية ملاك، هل يمكنك أنت أن تحتمل مشهد رب الملائكة؟ لقد سقط دانيال على الأرض عندما ظهر له جبرائيل الملاك (انظر دا 10: 9). وكيف ظهر الملاك وبأي شكل؟ يقول: “جسمه كالزبرجد ووجهه كمنظر البرق وعيناه كمصباحي نار وذراعاه ورجلاه كعين النحاس المصقول وصوت كلامه كصوت جمهور” (دا 10: 6). إن صوته ليس مثل صوت اثني عشرة طغمة من الملائكة، وبالرغم من ذلك سقط النبي على الأرض. واقترب منه الملاك وقال له: ” لا تخف يا دانيال… سُمع كلامك وأنا أتيت لأجل كلامك” (دا 10: 12)، وقال دانيال: ” قمت مرتعدًا ” (دا 10: 11).

    وهكذا، عندما ظهر الملاك بشكل إنسان، عندئذٍ تحدث دانيال. فماذا قال؟ ” يا سيدي بالرؤيا انقلبت علىَّ أوجاعي فما ضبطت قوة” (دا 10: 16)، فإن كان بظهور ملاك قد تلاشى صوت النبي وقوته، فهل تبقى فيه نفس بظهور الله؟! وكما يقول الكتاب ” فعاد ولمسني كمنظر إنسان وقواني” (دا 10: 18)، إذاً، فطالما اختُبِرت طبيعتنا البشرية، وظهر مدى ضعفنا، أخذ الرب على عاتقه أن يمنح الإنسان ما يحتاجه. فلأن الإنسان يريد أن يسمع إنساناً له نفس الشكل مثله، صار المخلصُ إنساناً، لكي يستطيع البشر بسهولة أن ينالوا الخلاص.

 

جاء المسيح لكي يعتمد ويُقَدِس المعمودية:

   أيضاً اسمع سبباً آخراً. لقد جاء المسيح لكي يعتمد ويقدس المعمودية. جاء لكي يصنع المعجزات ماشياً فوق مياه البحر (انظر متى 14: 25). ولأن البحرَ رآه ـ قبل تآنسه ـ فهرب، والأردن رجع إلى الخلف (انظر مز 114: 3)، أخذ الرب جسداً، حتى يراه البحر ويتحمله ويقبله الأردن بلا خوف، هذا هو أحد الأسباب.

 

الخلاص بالتجسد من العذراء:  

   لكن يوجد سبب آخر، لقد أتى الموت إلى العالم من خلال حواء العذراء، فكان يجب إذاً بواسطة عذراء أو بالحرى من عذراء أن تظهر الحياة. فان كانت حواء قد خدعها الشيطان، فإن الملاك جبرائيل بشر العذراء بخبر الخلاص المفرح[7].

صار الله إنسانًا ليقضي على الضلال:

   وحيث إن البشر هجروا الله، وصنعوا أصنام بصورة بشرية، ولأنهم عبدوا صورة لإنسان واعتبروه إلهاً، صار الله إنساناً حقًا لكي يقضي على هذا الضلال. لقد استخدم الشيطانُ الجسدَ ـ كأداةٍ ـ ضداً لنا. وبولس وهو يعرف هذا الأمر قال: ” أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني” (رو 7: 23).

 

الحياة تنتصر على الموت:

   حسناً. فبالأسلحة التي حاربنا بها الشيطان، بهذه الأسلحة نفسها خلَّصنا الرب. لقد أخذ الرب شبهنا لكي يخلِّص البشرية. فقد أخذ الرب شبهنا لكي يمنحنا نعمةً أعظم كانت تنقصنا، وحتى تصير البشرية الخاطئة مشاركة لله، لأنه ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً” (رو 5: 20)، كان ينبغي أن يتألم الرب لأجلنا (انظر لو 24: 26)، لكن لو كان الشيطان قد عرفه لما تجرأ واقترب منه، ” لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو 2: 8). إذاً الجسد صار طُعماً للموت، وهكذا صار للتنين أملٌ في ابتلاعه، حتى بإبتلاعه هذا الجسد يتقيأه خارجاً ومعه أولئك الذين قد سبق وابتلعهم بالفعل[8]. أما الرب    ” فيبلع الموت إلى الأبد“، وأيضاً “ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه” (انظر أش 25: 8).

   هل صار المسيحُ إنساناً دون أن يكون هناك سبب لتجسده؟ وهل تعاليمنا عنه مجرد أدبيات جمالية وادعاءات بشرية؟ أليست الكتب المقدسة هي خلاصنا؟ أليست هي شهادات الأنبياء؟ أحفظ إذن هذه الوديعة من التحريف، ولا تدع أحد يحولّك عنها.

 

ما الغريب في أن يصير الله إنسانًا:

    آمن بأن الله صار إنساناً. ورغم إنه قد تبرهن أنه من الممكن أن يصير إنساناً. ولكن إن كان اليهود لا يزالون غير مؤمنين، نسألهم: ما الغريب في كرازتنا التي تنادي بأن الله صار إنساناً، وأنتم أنفسكم تقولون إن إبرآم استضاف الرب؟ ما الغريب في كرازتنا بينما يعقوب يقول ” إني رأيت الله وجهاً لوجه ونجت نفسي” (تك 32: 31س)، فالرب الذي أكل مع إبرآم (تك 18: 8)، أكل معنا نحن أيضًا. ما الغريب إذاً فيما نكرز به؟ نقدم أيضاً شاهدين وقفا بجوار الرب في جبل سيناء: موسى الذي كان موجوداً في شق صخرة وإيليا الذي عاش في مغارة (1مل8:19). لقد كانا حاضرين معه عندما تجلى على جبل تابور[9]، وتكلما معه عن خروجه الذي الذي كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم (راجع لو 9: 30ـ 31).

   أيضاً كونه من الممكن أن يصير إنساناً بُرهن عليه كما قُلت من قبل. دعونا إذاً نترك بقية البراهين ليدرسها المجتهدون في البحث.

 

العهد القديم يخبرنا عن زمن ومكان مجيء المخلص:

    لقد وعدتكم في حديثي أن أعرفكم عن زمن مجيء المخلص ومكانه. ولا يجب أن تنصرفوا من اجتماعنا متهِمين إيانا بالكذب، بل بالحري يجب أن نساعد أولئك الذين أتوا حديثاً إلى الكنيسة لكي ينصرفوا وهم متشددين في الإيمان. دعونا إذاً نبحث عن الزمن، الذي فيه جاء الرب؛ لأن حضوره حدث في الزمن وهذا ليس موضع شك. ” فالمسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد” (عب 13: 8). لقد قال موسى النبي: ” يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من أخوتك مثلي” (تث 18: 15) فلنترك مؤقتاً كلمة “مثلي” لأننا سوف نفحصها فيما بعد. لكن متى يأتي هذا النبي المنتظر؟ ارجع إلى المكتوب بخصوص هذا الأمر.

 

زمن مجيء المخلص:

    افحص بعناية النبوة التي قالها يعقوب ليهوذا ” يهوذا إياك يحمد أخوتك” (تك 49: 8)، ” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب (ليس اليهود بل الأمم)” (تك 49: 10). إذاً فانقطاع الحكم اليهودي، هو علامةُ تشير إلى مجيء المسيح. فلو لم يكن اليهود الآن تحت حكم الرومان، فلا يكون المسيح قد أتى بعد. ولو كان لديهم ملك من نسل يهوذا ومن نسل داود، لا يكون المنتظر قد جاء. لكن أي علامةٍ أخرى تدل على الذي يأتي والذي هو مشتهي كل الأمم؟ يقول يعقوب بعد ذلك: ” رابطاً بالكرمة جحشة” (تك 49: 11). وهكذا ترى ذلك الجحش الذي تنبأ به زكريا النبي بوضوح؟ (زك 9: 9).

    لكنك تطلب أيضاً شهادةً أخرى عن زمن مجيئه. يقول في المزمور: ” قال (الرب) لي أنت أبني.أنا اليوم ولدتك” (مز 2: 7)، ثم يقول ” تحطمهم (تحكمهم) بقضيب من حديد” (مز 2: 9). لقد قُلت من قبل إن قضيب الحديد يشير بوضوح إلى ملك الرومان. لنتذكر الآن دانيال النبي الذي وصف وفسر لنبوخذ نصر صورة التمثال، بعد أن ذكر له كل الحلم الذي كان قد رآه وأنه ” قطع حجر بغير يدين” (دا 2: 34)، أي بدون أن يُصنع من قِبَل إنسان، وأنه سوف يسّود على كل المسكونة، ويقول بكل وضوح ما يلي: ” وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يُترك لشعب آخر”      (دا 2: 44).

    مازلنا نبحث عن برهان أكثر وضوحًا عن زمن مجيء المسيح على الأرض. ولأن الإنسان بحسب طبيعته يصدِّق بصعوبة، فإن لم تفسَّر الشهادات الأكثر دقة، لن يؤمن بكل ما يُقال. إذاً، فما هو زمن مجيئه؟ عندما كف أن يكون هناك ملوك من نسل يهوذا، ومَلَكَ هيرودوس وهو من جنس آخر، يقول الملاك الذي تحدث إلى دانيال، ” فإعلم وإفهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً” (دا 9: 25، 26).

   إذاً، تسعةٌ وستون أسبوعًا تعادل أربعمائة وثلاثة وثمانين سنة. أي أنه قال إنه بعد بناء أورشليم، ومرور 483سنة، وزوال الحُكاّم الذين من نسل يهوذا، حينذاك يأتي ملكٌ من جنس آخر، وفي عصره يُولد المسيح.

   قد أعاد داريوس الذي من مادي بناء أورشليم في السنة السادسة لملكة، والتي تتزامن مع أول عام للألعاب الأوليمبية اليونانية السادسة والستين. والألعاب الأوليمبية كانت تصير كل أربع سنوات، لأن كل أربع سنوات من مسيرة الشمس ومن الثلاث ساعات الإضافية لكل سنة يكتمل يوم. وعندما ملَكَ هيرودوس في السنة الرابعة للألعاب الأوليمبية المائة والسادسة والثمانين. والآن فمن السادس والستون حتى الألمبياد المائة وستة وثمانون تم إقامة الألعاب الأوليمبية مائة وعشرون مرة. والمائة والعشرون مرة تعادل أربعمائة وثمانون عاماً. أما الثلاث سنوات الباقية فتؤخذ من الفترة التي بين السنة الأولى والسنة الرابعة للألعاب الأوليمبية. كما أن لديك برهانٌ من الكتاب المقدس يقول إن ” من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً يعود ويبني” (دا9: 25). وإذاً بالنسبة لزمن مجيء يسوع لدينا الآن برهانٌ، بالرغم من أنه يوجد تفاسير أخرى لأسابيع دانيال التي ذكرناها.

 

مكان مجيء المخلص:

   والآن اسمع الوعد عن مكان ولادة يسوع من ميخا النبي الذي يقول ” أمَّا أنتِ يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (مي 5: 2). وبما أنك أنتَ من أهل أورشليم، فلا بد أن تكون قد رأيت ما هو مكتوب عن المكان في (مز 132: 6)،   ” هوذا قد سمعنا به في أفراته.وجدناه في حقول الوعر“. وحقًا قبل سنين قليلة كان المكانُ غابةً.

   اسمع أيضاً حبقوق النبي حين قال للرب ” يا رب عملك وسط السنين أحيه، في وسط السنين عَرّفِ” (حب 3: 2). وأي علامة لمجي الرب أيها النبي؟ يقول النبي: ” سيظهر للبشر في صورتين للحياة” (حب 3: 2س). أراد أن يقول بوضوح للرب أنك عندما تأتي إلى الأرض سوف تحيا وسوف تموت، وعندما تقوم من بين الأموات ستحيا ثانية. ومن أي جزء من أورشليم سيأتي؟ وذاك النبي يجيب بكل وضوح ” الله جاء من تيمان (أي من الجنوب) والقدوس من جبل فاران” (حب 3: 3)، حقاً بنفس الطريقة قال المرنم ” وجدناه في حقول الوعر” (مز 132: 6).

 

ها العذراء تحبل:

   وعندما نسأل ممَنْ آتي؟ وبأي طريقة؟ يخبرنا إشعياء النبي: ” ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (إش 7: 14). لكن اليهود يعارضون هذه الأقوال لأن هذه هي عادتهم منذ القديم، أن يعارضوا الحق، ويقولون إن النبوة لا تذكر كلمة “عذراء”، بل “فتاة”. أنا أوافقهم فيما يقولونه، وأيضاً سأنتهي إلى نفس الحق. لأنه يجب أن نسألهم: عندما تُغتصب عذراء، فمتى تصرخ، أبعد الاغتصاب أم قبله؟ إذاً عندما يقول في موضع آخر” فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلصها” (تث 22: 27)، أما كان يتحدث عن عذراء؟!! أيضاً لكي ترى بالأفضل أن العذراء أيضاً في الكتب المقدسة تُسمى فتاة، اسمع ماذا يقول سفر الملوك عن أبيشاج الشونمية “وكانت الفتاة جميلة” (1مل 1: 4)، لقد اختاروها وهي عذراء وقدموها إلى داود.

   لكن اليهود يقولون إن مقطع إشعياء (أش 7: 14) قيل لآحاز ويخص ابن حزقيا. إذاً دعونا نقرأ الكتاب ” أطلب لنفسك آية من الرب إلهك. عمّق طلبك أو رفِّعه إلى فوق” (أش 7: 11)، وهذه الآية يجب أن تكون عجيبة، مثل معجزة إخراج الماء من الصخرة (خر 17: 8)، والبحر الذي انشق (خر 14: 21ـ 22)، أو رجوع الشمس إلى الخلف أو ما شابه ذلك، لكن كل ما سوف أقوله سيكون بالحري دحض لكلام اليهود.

   أعترف بأنني أتكلم كلاماً كثيراً والسامعون قد تعبوا، لكن تحمّلوا أقوالي الكثيرة لأنها تُقال عن المسيح وليس عن أمور عادية.

   لقد قال إشعياء هذا الكلام عندما ملكَ أحاز الذي تملَّك ستة عشر سنة (2 مل 16: 2)، وحيث إن نبوة إشعياء قيلت له في هذه الفترة، تبطل حجة اليهود بأنه يقصد ابن آحاز حزقيا الذي خلفه، والذي عندما صعد إلى العرش كان عمره خمسة وعشرون عاماً (2مل 18: 2). فبما أن النبوة كانت في فترة الستة عشر عاماً للملك آحاز، فإن ذلك يعني أنٍ حزقيا وُلد قبل النبوة بتسعة سنين. فلأي سبب إذاً تُقال نبوةٌ عنه وهو المولود قبل أن يملك أبيه آحاز؟ إضافةًً إلى أنه يتنبأ مسبقًا عن أمور ستحدث، فهو لم يقل إن العذراء حبلت بل ستحبل (راجع أش 7: 14).

 

المسيح من نسل داود:

   إذاً نحن نعرف بالتأكيد أن الرب سوف يُولد من عذراء. دعونا نوضّح الآن، مِن أي نسل أتت العذراء، ” أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك” (مز 132: 11)، وأيضاً ” وأجعل إلى الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات” (مز 89: 29)، وبعد ذلك يقول: ” مرة حلفت بقدسي أني لا أكذب لداود نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامي. مثل القمر يثبت إلى الدهر” (مز 89: 34ـ37). هل رأيت أن الحديث صار عن المسيح وليس عن سليمان؛ لأن عرشه لم يبقَ مثل بقاء الشمس؟ وإذا اعترض أحدٌ لأن المسيح لم يجلس على عرش داود الخشبي، دعونا نذكر المكتوب: “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون” (متى 23: 2)، إذاً فهو لا يقصد بالتالي عرشاً خشبياً، بل سلطة التعليم. هكذا لا ننظر إلى عرش داود على أنه عرشٌ خشبيٌ، بل المُلك نفسه. وخذ أيضاً شهادات الأطفال الذين صرخوا ” أوصنا لابن داود مبارك الملك الآتي باسم الرب.أوصنا في الأعالي” (مت 21: 9 و لو38:19).

   والأعميان قالا ” ارحمنا يا ابن داود” (مت 9: 27)، وجبرائيل يشهد بوضوح قائلاً لمريم ” هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه” (لو 1: 32). وبولس الرسول يقول:       ” أذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي” (2تي 2: 8). وفي بداية رسالته إلى أهل رومية يقول: ” الذي صار من نسل داود من جهة الجسد” (رو 1: 3). إذاً فلتقبل هذا الذي هو من نسل داود وآمن بالنبوة التي تقول ” ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسىّ القائم رايةً للشعوب إياه تطلب الأمم” (إش 11: 10).

 

مملكة إبن الله ليست لها نهاية:

   لكن اليهود يتضايقون من هذه الأقوال. وهذا الأمر يعرفه إشعياء من قبل، حين قال ” كل سلاح المتسلح في الوغى وكل رداء مدحرج في الدماء يكون للحريق مأكلاً للنار. لأنه يولد لنا (وليس لهم) ولد ونُعطى ابنًا” (إش 9: 5ـ6). ولاحظ أنه أولاً كان ابن الله ثم أُعطى لنا. وبعد ذلك يقول: ” وللسلام لا نهاية” (إش 9: 7)، الرومانيون لهم حدود، أمَّا مملكة ابن الله فليس لها نهاية. فارس ومادي لهما حدود، بينما مملكة الابن لا نهاية لها. ثم يقول على كرسي داود يجلس ويقيم مملكته. إذاً العذراء القديسة هي من نسل داود.

   كان ينبغي بالتأكيد للطاهر ومعلم الطهارة أن يخرج من أحشاء العذراء الطاهرة؛ لأنه إذا كان على من يخدم كاهنًا للمسيح في الأقداس أن يبتعد عن امرأته، فكيف يكون من الممكن أن يأتي المسيح من رجلٍ وامرأة؟ إذ يقول في المزامير ” عليك أُلقيت من الرحم” (مز 22: 10) تأمل جيداً في هذا ” عليك أُلقيت من الرحم” يعني “بدون رجل“، أي وُلد من بطن عذراء وجسدها، بينما الذين يولدون نتيجة إتحاد جسدي ليسوا كذلك.

 

الله خلق الجسد فالجسد مقدس:

   ولم يخجل من أخذ جسد من تلك الأعضاء التي هو نفسه خلقها. ومَنْ تعتقد يقول لنا هذا؟ يقوله الرب لأرميا ” قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك” (أر 1: 5). هذا الذي لم يخجل عندما لمسَّ البشر وهو يكونهم، كيف يمكن أن يخجل من تكوين جسده المقدس، هذا الجسد الذي هو بمثابة حجاب للاهوته؟

   إن الله هو الذي يخلق الأجنة في البطون حتى الآن كما هو مكتوب في سفر أيوب: ” ألم تصبَّني كاللبن وخثرتني كالجبن. كسوتني جلداً ولحماً فنسجتني بعظام وعصب” (أي 10: 10ـ 11). لا يوجد شيءٌ نجسٌ في تكوين الإنسان أما ما يدنس الإنسان فهو الزنى والفحشاء. فالذي خلق آدم هو الذي خلق حواء أيضاً، الذكر والأنثى خلقهما بيديه الإلهتين، ولم يُخلق ـ في البدء ـ أي عضو من أعضاء الجسد نجساً. فلتسد أفواه كل الهراطقة الذين يحتقرون الأجساد، بل بالحري هم يحتقرون خالق الأجساد.

   لكن دعونا نذكر بولس الرسول حين يقول: ” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم” (1كو 6: 19). وقد سبق النبي وتكلم بلسان المسيح، قائلاً: “جسدي مأخوذ منهم” (هو 9: 12س). ومكتوب في موضع آخر في الكتاب: ” لذلك يُسلِّمهم إلى أن تكون قد ولدت والدة” (مي 5: 3). وما هي العلامة، يقول النبي بعد ذلك: ” ثم ترجع بقية أخوته إلى بني إسرائيل” (مي 5: 3). وما هي وعود العُرس المقدّمة للعذراء العروس المقدسة؟ يقول في هوشع: ” وأخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب” (هو 2: 20). وأليصابات حين تتحدث إلى مريم تتكلم بنفس الطريقة:     ” فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب” (لو 1: 45).

 

الرد على اليونانيين بشأن ولادة المسيح من عذراء:

   يفترى علينا اليونانيون واليهود ويقولون إنه من المستحيل أن يُولد المسيح من عذراء. أما من جهة اليونانيين فسنسد أفواهم من أساطيرهم. يا من تقولون في أساطيركم إن الأحجار عندما ألقيت تحولت إلى بشر، كيف تزعمون أنه من المستحيل على عذراء أن تلد؟ أنتم يا من تقولون في أساطيركم إن فتاةً وُلِدَت من الرأس، كيف تزعمون أنه من المستحيل أن يُولد ابنٌ من بطن عذراء؟ أنتم الذين تقولون في الأسطورة إن ديونيسيوس[10] حُبل به من فخذ زيوس[11] كيف ترفضون الحق؟ إني أعرف أنني أقول الآن أشياء لا تليق بالسامعين الحاضرين، لكن ذكرت كل هذا لكي يمكنكم أن تُخجلوا اليونانيين بإستخدام هذه البراهين من أساطيرهم.

 

الرد على اليهود بشأن ولادة المسيح من عذراء:

   وأرد على أهل الختان بهذا السؤال: أيهما أصعب أن تلد عاقرٌ عجوزٌ لا تملك في جسدها عوامل الإخصاب، أم عذراءٌ شابة؟

   سارة كانت عاقراً (تك30:11) وبينما لم يكن لديها عوامل الإخصاب (تك 18: 1) إلا أنها ولدت إبنًا بخلاف الطبيعة.

   إذاً طالما كان من الممكن أن تلد العاقر “بخلاف الطبيعة”، وهكذا يمكن للعذراء أن تلد، فإما أن ترفض الاثنين أو تقبل الاثنين. ولأن الله نفسه هو الذي فعل المعجزة الأولى وكذلك الثانية، لذلك لن تتجرأ على القول بأن المعجزة الأولى كان من الممكن أن يصنعها الله، أمَّا الأخرى فلا يمكن أن يصنعها، وأيضاً، كيف يكون من الطبيعي أن تتغيّر يد الإنسان في ساعة ثم ترجع إلى حالتها الأولى؟ كيف إذاً تغيّرت يد موسى إلى يدٍ بيضاء كالثلج، وبعد ذلك عادت مرة أخرى كما كانت من قبل (انظر خر 4: 60 7)؟ قد تقول إن الله فعل هذا الأمر لأنه أراد ذلك. فهل أراد الله في هذه الحالة وفعل، أمَّا في حالة العذراء فلم يستطع؟!

 

   إن ما حدث لموسى كان معجزة صارت فقط لأجل المصريين، أمَّا هذه التي للعذراء، فهي معجزة معطاة لكل العالم.

   أيها اليهود، أيهما أكثر صعوبة أن تلد العذراء، أم أن تتغيّر العصا إلى مخلوق حي؟ أنتم تعترفون بأنه في زمن موسى صارت العصا حيةً (انظر خر 4: 3)، وقد ارتعب منها الذي ألقاها على الأرض، وذاك الذي كان يمسكها من قبل هرب معتقداً أنها تنين وكانت حقاً تنينًا. وقد هرب، ليس لأنه خاف من العصا التي كان يمسكها، بل خوفًا من ذاك الذي غيَّرها إلى حيَّة. العصا صار لها أسنان وعيون التنين. فإن كانت العصا نبتت فيها أعين، ألا يمكن أن يُولد ابن من بطن عذراء، إذا أراد الله ذلك؟!

   لقد صمْتُ عن حادثة عصا هرون التي في ليلة واحدة ازهرت، في حين أن الأشجار الأخرى تحتاج إلى فترات زمنية طويلة لتزهر. مَنْ الذي لا يعرف إن عصاً نُزع منها قشرتها المثمرة لا تنبت أبداً من طبيعتها حتى لو زُرعت في نهرٍ؟ لكن لأن الله لا يتبع قوانين الأشجار الطبيعي، بل هو خالق النواميس الطبيعية جعل العصا التي بلا ثمر الجافة التي بلا قشرة، تزهر وتنبت وتصنع ثماراً. إذاً الذي منح للعصا ثماراً فوق طبيعية لأجل رئيس الكهنة الذي كان مثالاً للعتيد أن يكون، ألا يمنح العذراء القدرة على ولادة رئيس الكهنة الحقيقي؟

   وبالرغم من كل هذه الأمثلة الحسنة التي قلناها إلاَّ أن اليهود مازالوا يعترضون ولم تقنعهم معجزة العصا، بل لكي يقتنعوا يريدون مثل هذه الأمثلة التي “بخلاف الطبيعة” على أن تكون خاصة بالولادة. إذاً فلنسألهم: ممَن وُلِدَت حواء في البداية؟ الكتاب المقدس يقول، إنها أُخذتْ من جنب آدم (انظر تك 2: 22)، إذاً طالما أن حواء وُلدت بدون أُم من جنب آدم، ألا يمكن أن يُولد طفلٌ من بطن عذراء بدون رجل؟ الجنس الأنثوي مديون للرجال، لأن حواء وُلدت من آدم بدون أُم، أي وُلِدت فقط من رجل. هكذا رَدَّتْ مريم الدَّين عندما حَبِلَت، ليس بمعونة رجل، بل وحدها من الروح القدس بقوة الله.

 

عودة إلى معجزة خلق الإنسان العجيبة:

   دعونا نأخذ أيضاً مثالاً أعظم من هذه الأمثلة. لأنه وإن كان طبيعياً أن تُولد الأجساد من أجساد، بالرغم من أن هذا الأمر عجيب، لكن هل من الممكن أن تصير حفنة من تراب الأرض إنساناً، لا شك أن هذا الأمر يستحق إعجابًا أكثر. وأنْ يتحول التراب إلى إنسان به عيون، هذا أيضاً يستحق إعجابًا أكثر. وأن يصير من نفس الطين عظام صلبة، ورئتين رقيقتين، وأشكالٌ أخرى لأعضاء الجسد، فهذا أمر عجيب جدًا. وأن يكون الطين له نفس ويتحدث (انظر أي 38: 14)، ويبني بيوتًا ويصير ملكاً، فهذا أيضاً أمر عجيب. من أين إذاً أيها اليهود الجهلاء خُلِقَ آدم؟ ألم يأخذ الله تراباً من الأرض (انظر تك 2: 7)، وصنع منه هذا المخلوق العجيب؟ فإن كان الطين قد تحول إلى عين، ألا تستطيع العذراء أن تلد أبنًا؟

 

مريم عذراء على الدوام:

   أيها الأخوة، فلتتذكروا هذه الأقوال واستخدموها كأدوات في دفاعكم. ليتنا نُفحم الهراطقة الذين يعلّمون بأن تجسد الرب كان خياليًا. ونرفض أولئك الذين يزعمون أن ولادة المخلص صارت من رجل وامرأة، ويقولون إن المخلص كان ابن يوسف ومريم إستنادًا إلى قول الكتاب: “وأخذ امرأته” (مت 1: 24). وهنا أذكركم بيعقوب الذي قبل أن يتزوج راحيل قال للابان ” أعطني امرأتي” (تك 29: 21). إذاً، كما أن تلك قبل أن تتزوج، بل بوعد الزواج فقط، دُعيتْ امرأة يعقوب، هكذا مريم، لأنها كانت مخطوبة، دُعيت امرأة يوسف. ولاحظ دقة الإنجيل الذي يقول: ” وفي الشهر السادس أُرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل أسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف” (لو 1: 26ـ27).

   وأيضاً عندما حدث الإكتتاب وذهب يوسف لكي يُكتتب، ماذا يقول الكتاب؟ ” فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعي بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته ليُكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حُبلى” لو 2: 4ـ 5).

   كانت حاملاً بالتأكيد، لكن لم يقُل فقط: ” مع مريم امرأته، بل مع “مريم امرأته المخطوبة وهي حُبلى“. ويقول بولس الرسول: ” لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة” (غل 4: 4)، هكذا “مولوداً من امرأة“، أي من العذراء. وهكذا، إذا كنا قد برَّهنا على أن العذراء تُدعى امرأة، فالمسيح الذي يجعل النفوس البشرية عذراوية هو نفسه وُلد من عذراء.

 

 

 

الكلمة صار إنسانـًًا بالحقيقة:

   هل أنت متحير من هذا الذي صار؟ لا عجب في أن تندهش مما حدث. فالعذراء نفسها التي حملته تعجبت من هذا الأمر، إذ قالت لجبرائيل ” كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً” (لو 1: 34)، أجابها الملاك قائلاً: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تُظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله” (لو 1: 35). إنها ولادة طاهرة وغير دنسة. لأنه حيثما يهبّ الروح القدس فهو ينزع أي دنس. إذاً ولادة الابن وحيد الجنس بالجسد من العذراء هي غير دنسه. وإذا كان لدى الهراطقة اعتراضات على الحق فالروح القدس سيبكتهم، وقوة العلي ستغضب عليهم، تلك القوة التي ظللت العذراء، وسوف يأتي الملاك جبرائيل لكي يواجههم ويقف ضدهم في يوم الدينونة. ومكان المذود الذي أحتضن الرب سوف يُخجلهم. والرعاة الذين سمعوا البشارة المفرحة سيشهدون، وكذلك جنود الملائكة الذين سبحوا ورنموا قائلين: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي أناس المسرة” (لو 2: 24).

   والهيكل سوف يشهد أيضاً الذي حُمِلَ إليه الطفل بعد أربعين يوماً من ولادته. وزوج اليمام الذي قُدِّم لأجله، وسمعان الذي أخذه في حضنه هناك، وحنة النبيه التي كانت حاضرة، كل هؤلاء يشهدون.

   إذاً حيث إن الله يشهد، والروح القدس يشترك في الشهادة، والمسيح يقول ” الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعة من الله” (يو 8: 40)، فليستد فم الهراطقة الذين يشكُّون في ناسوت المسيح. لأنهم يتكلمون ضد ذاك الذي قال: ” انظروا يدي ورجلي إني أنا هو. جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو 24: 39).

   فليكن الرب الذي وُلد من عذراء مسجودًا له وممجدًا، ولتعترف العذارى بتاج عذراويتهم. لتعرف طغمة الرهبان مجد العفة، لأننا نحن البشر لم نُحرم من كرامة العفة. لقد ظلَّ المخلص تسعة أشهر في بطن العذراء، بينما الرب عاش بيننا ثلاثة وثلاثون عاماً. وهكذا فإن افتخرت به العذراء لأنه بقى فيها تسعة شهور، فبالأكثر يجب أن نفتخر نحن إذا كان هو طوال هذه السنين العديدة يعيش معنا.

   إذاً فلنسرع جميعنا في طريق العفة بنعمة الله، فتيان وفتيات، شيوخ مع شباب (انظر مز 148: 12) مُسبحين اسم المسيح ومبتعدين عن الشهوات الجسدية.

 

ليتنا نهتم بطهارة الجسد ليصير هيكلاً لله:

   ينبغي ألا نجهل مجد العفة فتاجها ملائكي، وعظمتها تفوق ما هو بشري. ليتنا نهتم بأجسادنا التي سوف تضيء مثل الشمس. دعونا لا ندنس الجسد من أجل لذة وقتية، الجسد الذي له مثل هذا المجد العظيم، لأن الخطية للحظة قصيرة، أما العار فهو أبديٌ. هؤلاء الذين يحفظون العفة هم ملائكة يمشون على الأرض. العذارى سوف يكون نصيبهن مع مريم العذراء. فلنرفض الاهتمام باللذات الوقتية، ونترك كل نظرة مهلكة وكذلك أي مشية شهوانية، وكل ملبس غير لائق وكل رائحة مثيرة. فلتكن رائحة الصلاة الزكية هي عطرنا جميعاً، وكذلك فلتكن أعمالنا الحسنة وتقديس أجسادنا، حتى يقول الرب ـ الذي وُلد من العذراء ـ لنا نحن الرجال والنساء الذين نسير في طريق العفة كإكليل لنا: ” إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً” (2كو 6: 16)، الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.

+++++++

 

 
   

 

 

كتابات الآباء التي صدرت

1ـ65، 67ـ80، 82ـ84، 86ـ89، 91، 92، 94، 96، 108، 114، 115 صدرت ونفذت.

66      السجود والعبادة بالروح والحق ج3 (المقالة الرابعة والخامسة) للقديس كيرلس الأسكندري.

81       الرسالة إلى ديوجينيتوس.

85       عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة رابعة مُراجعة ومُنقحة.

90       حوار حول الثالوث (الجزء الثاني) ـ للقديس كيرلس الكبير.

93       تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج2 (الإصحاحات 3-7).

95       الروح القدس ـ للقديس أثناسيوس ـ طبعة ثانية منقحة.

97     السجود والعبادة بالروح والحق ج5 (المقالتان 8، 9) للقديس كيرلس الأسكندري.

98       لك القوة والمجد ـ للقديس يوحنا ذهبي الفم.

102      الرسائل الفصحية ـ للقديس أثناسيوس.

103      خلق الإنسان على صورة الله ومثالة ـ للقديس غريغوريوس النيسي.

105      أوريجينوس ـ عظات على سفر العدد ج1 ـ طبعة ثانية منقحة.

106    شرح إنجيل يوحنا (الإصحاح الـ11) للقديس كيرلس الإسكندري ـ الجزء السادس.

107     تجسد الكلمة ـ للقديس أثناسيوس الرسولي ـ طبعة رابعة.

109      تفسير رسالة بولس الرسول لأهل رومية ج3 (الاصحاحات 8 ـ11).

110      أوريجينوس ـ عظات على سفر العدد ـ الجزء الثاني.

111      فلتعبر عني هذه الكأس ـ يوحنا ذهبي الفم.

112      بالحقيقة قام ـ يوحنا ذهبي الفم.

113   المقالة الثالثة ضد الآريوسيين ـ للقديس أثناسيوس الرسولي ـ طبعة ثانية منقحة.

116    تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندري (كامل في مجلد واحد 776 صفحة).

117   السجود والعبادة بالروح والحق ج6 (المقالتان 10، 11) للقديس كيرلس الأسكندري.

118   شرح إنجيل يوحنا (الأصحاحان 12، 13) للقديس كيرلس الإسكندري ـ الجزء السابع.

119   عمانوئيل الله معنا ـ للقديس كيرلس الأورشليمي.

 

[1] العناوين من وضع المترجم.

[2] هنا يتعرض لهرطقة الخياليين الذين أنكروا الطبيعة البشرية للمسيح ونادوا بأن التجسد كان ظاهرياً راجع العظة الرابعة فقرة 9 للقديس كيرلس الأورشليمي.

[3] أي تمت مكافأته بالتأله لأنه تقدم في الفضيلة.

[4] يعبر القداس الغريغوري عن هذه الحقيقة بقوله: “لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباءٍ ائتمنتهم على خلاصنا، بل أنت بغير استحالةٍ تجسدت وتأنست…..”.

[5] يشرح القداس الباسيلي ذلك بقوله: “لم تتركنا عنك أيضاً إلى الانقضاء، بل تعهدتنا دائماً بأنبيائك القديسين، وفي آخر الأيام ظهرت لنا نحن الجلوس في الظلمة وظلال الموت بابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح”.

[6] يبدو جبل الزيتون ظاهراً جداً من أورشليم، وخاصة من جبل الجلجثة حيث كان كيرلس الأورشليمي يلقي عظاته.

[7] تعبر ثيؤطوكية الاثنين عن ذلك بقولها: “حواء التي أغرتها الحية  حُكِمَ عليها من قِبَلِ الرب …. أشرق جسدياً من العذراء بغير زرع بشر حتى خلصنا”. ويستفيض لُبش الآدام على ثيؤطوكية يوم الاثنين في الشرح فيقول: “بمشورة أمنا الأولى أكل آدم من ثمرة الشجرة، فجاء على جنسنا وكل الخليقة سلطان الموت والفساد، ومن قِبَلِ مريم والدة الإله اُرجع آدم إلى رئاسته دفعةً أخرى”.

[8] يقصد كيرلس الأورشليمي بالذين قد سبق وابتلعهم بالفعل، أنهم أبرار العهد القديم أما التنين الذي ابتلعهم فهو الموت.

[9] جبل طابور لم يُذكر في حادثة التجلي التي رواها كل من مرقس (مر9: 22) ولوقا (لو 9: 28) لكن التقليد القديم والذي يؤكده كيرلس الأورشليمي يعتبر طابور هو الجبل الذي فوقه حدث تجلي للمخلص.

[10] أحد الآلهة الإغريقية الوثنية.

[11] كبير آلهة الإغريق.

 

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

قانونية الأسفار المقدسة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

قانونية الأسفار المقدسة – د.  أنطون جرجس عبد المسيح

قانونية الأسفار المقدسة – د.  أنطون جرجس عبد المسيح

 

قانونية الأسفار المقدسة

– معنى كلمة قانونية:

– تأتى من الأصل اليونانى كانون Κάνον أو قانون باللغة العربية بمعنى العصا المستقيمة أو المسطرة أو بمعنى المعيار الذي تُقاس به إستقامة الشيء. و تاريخياً تم إستخدام المصطلح للتعبير عن القانون أو القياس، وتم تطبيق مصطلح القانون على قائمة الأسفار المُوحى بها من الله، واستخدم المسيحيون اليونانيون هذا المصطلح فى القرن 4 م للتعبير عن صحة الكتاب المقدس كما جاء فى (غلا6: 16) «فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام ورحمة، وعلى إسرائيل الله» .

قوائم الأسفار المقدسة فى الكنائس والطوائف المسيحية المختلفة

    نبدأ أولاً بعرض قائمة الأسفار القانونية بحسب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، فنجد أسفار العهد القديم ، وتنقسم إلى الأسفار القانونية الأولى و عددها 39 سفر وهى كالتالي: تكوين – خروج – لاوييين – عدد – تثنية – يشوع – قضاة – راعوث – صموئيل أول – صموئيل ثاني – ملوك أول – ملوك ثاني – أخبار الأيام أول – أخبار أيام ثاني – عزرا – نحميا – أستير – أيوب – مزامير – أمثال – جامعة – نشيد الأنشاد – إشعياء – إرميا – مراثى إرميا – حزقيال – دانيال – هوشع – يوئيل – عاموس – عوبديا – يونان – ميخا – ناحوم – حبقوق – صفنيا – حجاي – زكريا – ملاخي. ثم الأسفار القانونية الثانية وهي: طوبيا – يهوديت – تتمة أستير (يوناني) – حكمة سليمان – يشوع بن سيراخ – باروخ – رسالة إرميا – تكملة دانيال (يوناني) – مكابين أول – مكابين ثاني. ثم تأتى بعد ذلك أسفار العهد الجديد و عددها 27سفر وهي كالتالي: متى – مرقس – لوقا – يوحنا – أعمال الرسل – رسائل بولس الرسول (14 رسالة)  : رسالة رومية – رسالة كورنثوس الأولى – رسالة كورنثوس الثانية – رسالة غلاطية – رسالة أفسس – رسالة فيلبي – رسالة كولوسي – رسالة تسالوينكي الأولى – رسالة تسالونيكي الثانية – رسالة تيموثاوس الأولى – رسالة تيموثاوس الثانية – رسالة تيطس – رسالة فليمون – رسالة عبرانيين – رسالة يعقوب – رسالة بطرس الأولى – رسالة بطرس الثانية – رسالة يوحنا الأولى – رسالة يوحنا الثانية – رسالة يوحنا الثالثة – رسالة يهوذا – رؤيا يوحنا .

     ثم نجد نفس قائمة الأسفار القانونية في الكنيستين السريانية الأرثوذكسية (بفرعيها فى أنطاكية والهند) والأرمنية الأرثوذكسية (بفرعيها فى تشازمين بلبنان وفي أرمينيا) وكنيسة أثيوبيا وكنيسة إريتريا كما في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بدون أي فرق.

    نأتي إلى الكنيسة الكاثوليكية ونجد أنها تتفق مع كنيستنا القبطية الأرثوذكسية والعائلة الأرثوذكسية الشرقية القديمة دون أي إختلاف.

     نأتي إلى كنيسة الروم الأرثوذكس البيزنطيين بكنائسها الـ 15 (اليونان – روسيا – جورجيا – أوكرانيا – أورشليم – بلغاريا – بولندا – رومانيا – تركيا – أمريكا – اليابان – أنطاكية – كرواتيا – صربيا – قبرص)، حيث تتفق معنا فى نفس قائمة الأسفار ولكنها تعترف بقانونية أسفار أخرى وهي: عزرا الثالث – عزرا الرابع – مكابين الثالث والتي لا تعترف بقانونيتها العائلة الأرثوذكسية الشرقية القديمة. وتتفق العائلة الأرثوذكسية الشرقية القديمة (القبطية – السريانية – الأرمنية – الحبشية – الإريترية – الهندية) مع كل من الروم الأرثوذكس الخلقيدونيين والكنيسة الكاثوليكية في الإعتراف بقانونية المزمور 151.

     ولكن كنيسة أثيوبيا (الحبشة) تعترف بأسفار قانونية أخرى ولا تعترف بنفس أسفار المكابين أول وثاني التي تعترف بها باقي الكنائس فى العائلة الأرثوذكسية الشرقية القديمة، والأسفار الأخرى التى لا تعترف بها باقي العائلة الأرثوذكسية الشرقية القديمة هي: سفر أخنوخ الأبوكريفي – عزرا الثالث – عزرا الرابع – سفر اليوبيل – سفر المكابين الأثيوبي الأول – سفر المكابين الأثيوبي الثانى – سفر باروخ الرابع.

      ولكن على العكس من ذلك نجد الكنائس اللوثرية و البروتستانية (المشيخية والكالفنية والمعمدانية والخمسينية والرسولية والأخوة البلاميس والميثوديست وغيرها)  والكنائس الإنجليكانية تعترف مثلنا بجميع الأسفار ماعدا الأسفار القانونية الثانية وهي: طوبيا – يهوديت – تتمة أستير (يوناني) – حكمة سليمان – يشوع بن سيراخ – باروخ – رسالة إرميا – تكملة دانيال (يوناني) – مكابين أول – مكابين ثاني، ولا تعترف بالمزمور 151 وبالطبع لا تعترف بأسفار الكنيسة الأثيوبية وهي: سفر أخنوخ الأبوكريفي – عزرا الثالث – عزرا الرابع – سفر اليوبيل – سفر المكابين الأثيوبي الأول – سفر المكابين الأثيوبي الثاني – سفر باروخ الرابع.

     وهناك الكنائس الأشورية والكلدانية (النسطورية) فى العراق وإيران والهند تعترف مثل باقي الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والروم الأرثوذكس والكاثوليك بالأسفار القانونية الأولى والثانية والمزمور 151 بالإضافة إلى سفر المكابين الثالث الذي يعترف به الروم الأرثوذكس فقط.

قوائم الأسفار المقدسة القانونية فى كتابات الآباء والمخطوطات

1- القانون الموراتوري (170م):

     وهي عبارة عن قصاصات بها قائمة بأسفار العهد الجديد القانونية باللغة اليونانية، وهي تعتبر أقدم قائمة لأسفار العهد الجديد القانونية، حيث تعود إلى سنة 170م ، لأنها تشير إلى البابا بيوس الأول (140- 155م ) بابا روما ، وكانت محفوظة فى المكتبة الأمبروسيوسية فى ميلان،  وقد أكتشفها الأب لودوفيكو أنطونيو موراتوري عام 1740 م، المؤرخ المعروف فى عصره، وهي عبارة عن 85 سطر باللغة اليونانية، [1]تحتوي على الأسفار التالية : متى – مرقس – لوقا – يوحنا – أعمال الرسل – رسائل بولس الرسول (14 رسالة): رسالة رومية – رسالة كورنثوس الأولى – رسالة كورنثوس الثانية – رسالة غلاطية – رسالة أفسس – رسالة فيلبي – رسالة كولوسي – رسالة تسالوينكي الأولى – رسالة تسالونيكي الثانية – رسالة تيموثاوس الأولى – رسالة تيموثاوس الثانية – رسالة تيطس – رسالة فليمون – رسالة عبرانيين – رسالة يعقوب – رسالة بطرس الأولى – رسالة بطرس الثانية – رسالة يوحنا الأولى – رسالة يوحنا الثانية – رسالة يوحنا الثالثة – رسالة يهوذا – رؤيا يوحنا ، ولكن بالإضافة إلى الأسفار التالية أيضاً وهي: رؤيا بطرس الأبوكريفي (كتاب غنوصي) – حكمة سليمان. [2]

 

 

 

2- قانون مخطوطة كلارومونت (D) (400م):

    وهي مخطوطة من القرن 6 م، عبارة عن مجلد لرسائل بولس الرسول باللغتين اليونانية واللاتينية في صفحات متقابلة، وقد تم إكتشافها فى دير كلارومونت بفرنسا، ثم أقتناها دير بيزا فى عام 1570م ، وهي محفوظة الآن فى المكتبة الوطنية فى باريس، وكان يُعتقد أنه يعود للقرن 5 م، ولكن مع التطور فى قياس عمر المخطوطات، يؤكد العلماء إنه يعود إلى القرن 4 م، ويذكر جميع رسائل بولس الرسول الـ 14 بما فيها رسالة العبرانيين، و الأناجيل الأربعة، وسفر الأعمال، والرسائل الجامعة كلها، وسفر الرؤيا، بالإضافة إلى سفر الراعي لهرماس وأعمال بولس الأبوكريفي ورؤيا بطرس الأبوكريفي[3].

3– قانون ق.ميليتوس أسقف ساردس (180 م):

    وهو ميليتوس أسقف مدينة ساردس بمقاطعة ليديا بآسيا الصغرى وواحد من أشهر الآباء فى القرن الثاني الميلادي. ولقد ذكر بوليكراتيس الأفسسي في رسالته إلى البابا فيكتور أسقف روما اسمه من ضمن كواكب الكنيسة في آسيا الصغرى الذين ذهبوا الآن إلى موضع راحتهم ويدعوه ميليتوس البتول (أي غير المتزوج) الذي عاش بالكلية في الروح القدس والذي يرقد في سادرس منتظراً مكافأة السماء عندما سيقوم من الموت. [4]وإلى جانب ما ذُكر في تلك الملاحظة القصيرة. لا نعرف إلا أقل القليل عن حياته. ولقد كان ميليتوس كاتباً غزير الإنتاج وكتب في عدد كبير من الموضوعات المتنوعة في النصف الثاني من القرن الثاني ووجه ميليتوس دفاعاً عن المسيحيين إلى الإمبراطور ماركس أوريليوس. ولم يبق من كتاباته سوى شذرات حُفِظت بواسطة يوسابيوس القيصري المؤرخ، وله قائمة لأسفار العهد القديم حفظها المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري في تاريخه، حيث يقول يوسابيوس مقتبساً عن ميليتوس: «بناءً على هذا فإني لما أتجهت شرقاً ، ووصلت المكان الذى يكرز فيه بهذه الأمور، والذي تُمارس فيه، عرفت بدقة أسفار العهد القديم، فأرسل إليك بيانها كما هو مدون أدناه: أما أسماؤها فهي كما يلي: خمسة أسفار لموسى، وهي التكوين والخروج و العدد واللاويين والتثنية، يشوع وقضاة وراعوث، الملوك أربعة أسفار ، أخبار الأيام سفران ، مزامير داود وأمثال سليمان وأيضاً الحكمة والجامعة ونشيد الأنشاد وأيوب ، الأنبياء إشعياء وإرميا ، الأنبياء الأثنا عشر واحد ، دانيال وحزقيال وعزرا ، ومنها أيضاً قد اقتبست هذه الخلاصة مقسماً إياها إلى ستة كتب». ويعلق يوسابيوس أخيراً ويقول: «هذه هى كلمات ميليتوس». [5]وهنا نجد أنه لم يذكر من الأسفار القانونية الثانية سوى سفر الحكمة مضيفاً إياه إلى الأسفار القانونية الأولى، ويقصد بالملوك أربعة أسفار؛ أي صموئيل أول وثاني، وملوك أول وثاني، ونلاحظ إنه لم يذكر سفر أستير ضمن الأسفار القانونية، كما أنه من الواضح إنه يذكر سفر عزرا مشيراً إلى سفري عزرا ونحميا الاثنين معاً.

4- قائمة ق. إيريناؤس أسقف ليون (130- 202م):

     هو إيريناؤس أسقف ليون بفرنسا، وإن كنا لا نعرف كثيرًا عن حياته لكن كتاباته تكشف لا عن شخصيته فحسب، وإنما عن الفكر الإنجيلي الرسولي الكنسي، إذ يُحسِب أحد رجال الكنيسة العظماء في القرن الثاني، وضع أساس علم اللاهوت المسيحي وتفسير الكتاب المقدس، كما أبرز بوضوح ودقة مفهوم الكنيسة اللاهوتي، لذا دُعي “أبو التقليد الكنسي”. للأسف فُقِدَت أغلب كتاباته، لكن عُثِرَ على الترجمة اللاتينية لخمسة كتب له باسم “ضد الهرطقات”، كما عُثر أخيرًا على ترجمة أرمينية لكتابه “برهان الكرازة الرسولية”. هذان العملان نجد فيهما وحدهما عناصر النظام اللاهوتي المسيحي الكامل. وله قائمة بأسفار العهد الجديد موجودة في الكتابين الثاني والثالث من كتابه الكبير “ضد الهرطقات”، يوردها أيضاً يوسابيوس القيصري المؤرخ الكنسي فى تاريخه، حيث يقول مقتبساً عن ق. إيريناؤس: «نظراً لأننا في بداية هذا المؤلف وعدنا بأن نقدم عند اللزوم، أقوال آباء الكنيسة وكُتَابِها التي فيها أعلنوا ما وصل إليهم من التقاليد بخصوص الأسفار القانونية، ونظراً لأن إيريناؤس هو أحدهم، فأننا سنقدم الآن أقواله، وأولاً ما يقوله عن الأناجيل المقدسة». فيقتبس يوسابيوس من كتاب ضد الهرطقات للقديس إيريناؤس قائلاً: “لقد نشر متى إنجيله بين العبرانيين بلغتهم إذ كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان كنيسة روما وبعد إرتحالهما نقل إلينا مرقس – تلميذ بطرس ولسان حاله – كتابةً تلك الأمور التي كرز بها بطرس. ودوَّن لوقا – الذي كان ملازماً لبولس – في كتابه الإنجيل الذي أعلنه بولس. وبعد ذلك نشر يوحنا – تلميذ الرب، والذي كان يضطجع على صدره – إنجيله إذ كان مقيماً فى أفسس بآسيا”، ثم يستطرد يوسابيوس قائلاً: “هذا مادوَّنه في الكتاب الثالث من مؤلفه السابق ذكره. أما فى الكتاب الخامس فيتحدث كما يلي عن رؤيا يوحنا وعدد اسم ضد المسيح…. وقد ذكر أيضاً رسالة يوحنا الأولى مقتبساً أدلة كثيرة منها وأيضاً من رسالة بطرس الأولى. وهو لا يعرف كتاب الراعي فقط بل يقبله، وقد كتب عنه…. وهو يستعمل تقريباً نفس كلمات حكمة سليمان قائلاً: “إن معاينة الله تنتج خلوداً “، كما يذكر ق. إيريناؤس سفر إشعياء في سياق حديثه عن الترجمة اليهودية الخاطئة لآية (إش7: 14)، ويتحدث ق. إيريناؤس أيضاً عن الترجمة السبعينية في عصر بطليموس بن لاغوس، ثم يقتبس يوسابيوس من ق. إيريناؤس التالي: “وعاد اليهود إلى وطنهم بعد سبعين سنة، ألهم (الله) عزرا الكاهن الذى من سبط لاوي مدة حكم أرتحشستا ملك الفرس لإستعادة كل كلام الأنبياء السابقين، ويعيد إلى الشعب شريعة موسى” ثم يعلق يوسابيوس المؤرخ أخيراً: “هذه هي كلمات إيريناؤس”. [6]ولقد أقتبس بالفعل ق. إيريناؤس فى كتابه ضد الهرطقات العديد من الآيات من جميع رسائل بولس الرسول الـ 14. ولقد أقتبس أيضاً من مختلف أسفار العهد الجديد والعهد القديم.

5- قائمة العلامة أكليمندس السكندرى (150-215م):

     حيث يذكرها يوسابيوس القيصري المؤرخ قائلاً في تاريخه: “ويستخدم أيضاً في هذه المؤلفات شهادات من الأسفار المُتنازع عليها مثل: حكمة سليمان، وحكمة يشوع بن سيراخ، ورسالة العبرانيين، ورسائل برنابا وإكليمندس ويهوذا…. وفيها يعد أيضاً بكتابة تفسير لسفر التكوين…. وبالإختصار لقد قدم فى مؤلفه “وصف المناظر” وصفاً موجزاً عن جميع الأسفار القانونية دون حذف الأسفار المتنازع عليها، أعني رسالة يهوذا والرسائل الجامعة الأخرى ورسالة برنابا والسفر المُسمى رؤيا بطرس. ويقول أن الرسالة إلى العبرانيين من تأليف بولس، وأنها كتبت إلى العبرانيين باللغة العبرية، ولكن لوقا ترجمها ونشرها إلى اليونانيين، ولذا فإنه يوجد فى هذه الرسالة نفس أسلوب التعبير الذى فى سفر الأعمال. … وفي نفس الوقت أيضاً يقدم إكليمندس تقليد الآباء الأولين عن ترتيب الأناجيل على هذا الوجه التالي: فيقول إن الإنجيلين المتضمنين نسب المسيح كُتِبَا أولاً (يقصد إنجيلي متى ولوقا)، أما إنجيل مرقس فقد كانت مناسبة كتابته هكذا، لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً فى روما، وأعلن الإنجيل بالروح، طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقواله، لأنه لازمه وقتاً طويلاً، وكان لايزال يتذكرها، وبعد أن كتب الإنجيل سلَّمه لمَنْ طلبوه…. وأخر الكل لما رأى يوحنا الحقائق الخارجية قد دُوِنَت بوضوح فى الإنجيل كتب إنجيلاً روحياً بعد إلحاح من أصدقائه وإرشاد من الروح. هذه هي رواية إكليمندس”. [7]

6- قانون العلامة أوريجانوس السكندرى(185-254م):

     ولقد أورده يوسابيوس القيصري المؤرخ فى تاريخه حيث يقول: “وعند تفسيره للمزمور الأول قدم قائمة لأسفار العهد القديم كما يلي: “يجب تقرير أن الأسفار القانونية كما سلَّمها إلينا العبرانيون اثنان وعشرون، وهي تتفق مع عدد حروفهم الهجائية. وبعد ذلك يقول: “وأما أسفار العبرانيين الاثنان والعشرون فهي كما يلي: السفر الذى نسميه التكوين ، ولكن العبرانيون يسمونه بأول كلمة فيه “براشيت” ومعناها “في البدء” – الخروج ، واسمه ولسموث أي “هذه الأسماء” – اللاويون واسمه ويكرا ، أي “ودعا” – العدد ، واسمه امسفيكوديم – التثنية ، واسمه اليادباريم ، أي هذا هو الكلام – يشوع بن ناف، يهوشع بن نون – القضاة وراعوث فى سفر واحد واسمه سفاتيم – الملوك الأول والثاني فى سفر واحد، واسمه صموئيل أي المدعو من الله – الملوك الثالث والرابع فى سفر واحد، واسمه وملش داود، أي مملكة داود – أخبار الأيام الأول والثاني فى سفر واحد، واسمه دبرايمن، أي أخبار الأيام – عزرا الأول والثاني واسمه عزرا، أي مساعد – المزامير، واسمه سفارثليم – أمثال سليمان واسمه ملوث – الجامعة، واسمه كولث – نشيد الأنشاد (لا أنشاد الأنشاد كما يزعم البعض)، واسمه سير هساريم – إشعياء، واسمه يسيا – إرميا مع المراثي والرسالة فى سفر واحد، اسمه إرميا – دانيال، واسمه دانيال – حزقيال، واسمه يزقيال – أيوب، واسمه أيوب – أستير، واسمه أستير. وعلاوة على هذه يوجد سفرا المكابين، واسمهما ساربث سابانيل. هذا ما ذكره فى المؤلف السابق ذكره. وفى كتابه الأول عن إنجيل متى، الذي يبين فيه عقيدة الكنيسة، يشهد بإنه لا يعرف سوى أربعة أناجيل، ويكتب الآتي: “بين الأناجيل الأربعة، وهي الوحيدة التي لا نزاع بشأنها في كنيسة الله تحت السماء، عرفت من التقليد أن أولها كتبه متى، الذي كان عشاراً، ولكنه فيما بعد صار رسولاً ليسوع المسيح، وقد أُعِدَ للمتنصرين من اليهود، ونُشِرَ باللغة العبرية”. “والثاني كتبه مرقس وقد كتبه وفقاً للتعليمات التي تلقاها من بطرس الذي في الرسالة الجامعة يعترف به ابناً قائلاً: تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم، وكذلك مرقس ابني” (1بط5: 13). “والثالث كتبه لوقا وهو الإنجيل الذي أقره بولس، وكُتب من أجل المتنصرين من الأمم. وأخر الكل الإنجيل الذي كتبه يوحنا “. وفي الكتاب الخامس من تفسيره لإنجيل يوحنا يتحدث هكذا عن رسائل الرسل. “أما ذاك الذي جُعِلَ كُفئاً لأن يكون خادم عهد جديد، لا الحرف بل الروح، أي بولس، الذي أكمل التبشير بالإنجيل من أورشليم وما حولها إلى الليريكون، فإنه لم يكتب إلى كل الكنائس التى علَّمها، ولم يرسل سوى أسطر قليلة لتلك التي كُتِبَ إليها. “وبطرس الذي بُنِيت عليه كنيسة المسيح التي لا تقوى عليها أبواب الجحيم ترك رسالة واحدة مُعترف بها، ولعله ترك رسالة ثانية أيضاً، ولكن هذا أمر مشكوك فيه”. “وهل نحن فى حاجة للتحدث عن ذاك الذي اتكأ في حضن يسوع، أي يوحنا الذي ترك إنجيلاً واحداً، رغم أنه أعترف بأنه كان ممكناً له أن يكتب كثيراً جداً مما لا يسعه العالم. وكتب أيضاً سفر الرؤيا، ولكنه أُمِرَ بأن يصمت ولا يكتب الكلمات التي تكلمت بها الرعود السبعة. “وترك أيضاً رسالة قصيرة جداً، وربما أيضاً رسالة ثانية وثالثة، ولكنهما ليسا مُعترفا بصحتهما من الجميع، وهما معاً لا تحتويان على مائة سطر”. وعلاوة على هذا يقرر ما يأتي بخصوص الرسالة إلى العبرانيين في عظاته عنها: “إن كل مَن يستطيع تمييز الفرق بين الألفاظ اللغوية يدرك أن أسلوب الرسالة إلى العبرانيين ليس عامياً كلغة الرسول الذي أعترف عن نفسه بإنه عامي فى الكلام (2كو11: 6) أي فى التعبير، بل تعبيراتها اليونانية أكثر دقة وفصاحة”. بل لابد أن يعترف كل مَن يفحص النص الرسولي بدقة، أن أفكار الرسالة عجيبة وليست دون الكتابات الرسولية المُعترف بها”. … “أما مَن كتب الرسالة يقيناً فالله يعلم. يقول بعض ممَن سبقونا إن إكليمندس أسقف روما كتب الرسالة، والآخرون إن كاتبها هو لوقا، مؤلف الإنجيل وسفر الأعمال”.[8] وعند فحص قائمة أسفار العلامة أوريجانوس بحسب شهادة يوسابيوس القيصري يتضح أنه أغفل بعض من الأسفار القانونية الأولى مثل: الأنبياء الصغار والأسفار القانونية الثانية مثل: طوبيا ويهوديت وحكمة سليمان وحكمة يشوع بن سيراخ وضم سفر باروخ مع سفر إرميا في الأغلب، وبالتالي أغفل الأسفار القانونية الثانية جميعها فيما عدا سفري المكابين الأول والثاني.

7- قانون يوسابيوس القيصرى (265- 339م):

     قد ذكر يوسابيوس المؤرخ قانونه للأسفار المقدسة فى عدة مواضع من تاريخه، نقتبس منها التالي: “أن رسالة بطرس الأولى معترف بصحتها. وقد استعملها الشيوخ الأقدمون في كتاباتهم كسفر لا يقبل أى نزاع. على أننا علمنا بأن رسالته الثانية الموجودة بين أيدينا الآن ليست ضمن الأسفار القانونية ولكن مع ذلك إذ أتضح أنها نافعة للكثيرين، فقد أستُعمِلَت مع باقي الأسفار”. [9]ويستطرد ليقول: “وأما رسائل بولس الأربع عشرة فهي معروفة ولا نزاع عليها”.[10] ثم يذكر قائمة يوسيفوس المؤرخ اليهودي لأسفار العهد القديم، فيقول: “في الكتاب الأول (يقصد كتاب ضد أبيون ليوسيفوس) يبين عدد الأسفار القانونية في العهد القديم، وإذ أستقى معلوماته من التقليد القديم، يبين الأسفار التي قبلها العبرانيون دون أي نزاع. وهاك كلماته: “لذلك لدينا أسفار كثيرة تختلف مع بعضها وتتناقض. بل لدينا فقط اثنان وعشرون سفراً تتضمن تاريخ كل العصور، والمُسلم به بحق إنها أسفار إلهية، من هذه خمسة أسفار كتبها موسى، تتضمن الناموس ورواية أصل الإنسان، ويستمر التاريخ إلى موته، وتشمل هذه الحقبة نحو ثلاثة آلاف سنة، ومن موت موسى إلى موت أرتحشستا، الذي خلف اكزرسيس على عرش فارس، كتب الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى تاريخ عصورهم في ثلاثة عشر سفراً، أما الأسفار الأربعة الأخرى فتتضمن تسابيح لله ووصايا لتقويم حياة البشر”. [11]ثم يذكر يوسابيوس في موضع آخر قائمة الأناجيل الأربعة القانونية، فيقول: “لأن متى الذي كرز أولاً للعبرانيين، كتب إنجيله بلغته الوطنية… وبعد أن نشر مرقس ولوقا إنجيليهما يُقال إن يوحنا الذي صرف كل وقته في نشر الإنجيل شفوياً، بدأ أخيراً يكتب للسبب التالي: إن الإناجيل الثلاثة السابق ذكرها إذ وصلت إلى أيدي الجميع، وإلى يديه أيضاً، يقولون إنه قبلها وشهد لصحتها، ولكن كان ينقصها وصف أعمال المسيح في بداية خدمته”. [12] ثم يسرد في موضع آخر أسفار العهد الجديد المقبولة وغير المقبولة كالتالي: “فمن المناسب أن نحصي كتابات العهد الجديد السابق ذكرها. وأول كل شئ إذاً يجب أن تُوضع الأناجيل الأربعة، يليها سفر أعمال الرسل، بعد هذا يجب وضع رسائل بولس، ويليها في الترتيب رسالة يوحنا الأولى التي بين أيدينا، وأيضاً رسالة بطرس. بعد ذلك تُوضع – إن كان مناسباً حقاً – رؤيا يوحنا، التي سنبين الآراء المختلفة عنها في الوقت المناسب، هذه إذاً هي جميعها ضمن الأسفار المقبولة”. [13]وهكذا نستدل على قانون يوسابيوس القيصري للأسفار الإلهية ونلاحظ إنه أغفل الأسفار القانونية الثانية بلا إستثناء، موضحاً من خلال عرضه لقائمة يوسيفوس المؤرخ اليهودي أن الأسفار الاثنين والعشرين هي المقبولة قانونياً دون باقي الأسفار القانونية الثانية.

8- قانون ق. كيرلس الأورشليمي (350 م):

      يذكر ق. كيرلس الأورشليمي قانونه للأسفار المقدسة في مقالاته وعظاته للموعوظين، فيقول: “أما بخصوص العهد القديم – كما نقول – أدرس الاثنين وعشرين سفراً التي متى كنت مشتاقاً للتعليم تحفظ أسماؤها كما أتلوها لك: الشريعة، أي أسفار موسى، الأسفار الخمسة الأولى ، التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية. بعد ذلك يشوع بن نون، ثم سفر القضاة وراعوث يُحسب السفر السابع. الكتب التاريخية الأخرى: ملوك الأول والثاني (أي صموئيل الأول والثاني)، وهما عند العبرانيين سفر واحد والثالث والرابع سفر واحد. وبنفس الطريقة أخبار الأيام الأول والثاني سفر واحد. وأيضاً إسدراس (عزرا) الأول والثاني (أي عزرا ونحميا) سفر واحد. أستير هو الكتاب الثاني عشر. هذه هي الكتب التاريخية. أما الكتب الشعرية فهي خمسة: أيوب والمزامير والأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد. وبهذا يكون العدد سبعة عشر سفراً. يأتي بعد هذا الكتب الخمسة للأنبياء وهي: الأثنا عشر نبياً (أي الأنبياء الصغار) وهي تكوَّن سفراً واحداً، ثم إشعياء، وإرميا يحوي باروخ ومراثي إرميا والرسالة (الأصحاح الأخير من سفر باروخ)، وحزقيال، ودانيال. هذه هي أسفار العهد القديم الاثنان والعشرون. يحوي العهد الجديد أربعة أناجيل فقط، أما بقية الأناجيل مزورة… بعد ذلك سفر أعمال الرسل ومعه سبعة رسائل جامعة ليعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا. وكخاتم لهذه كلها أخر أعمال التلاميذ، الأربعة عشر رسالة لبولس. أما ما تبقى فهو من الدرجة الثانية. الأسفار التي لا تقرأها الكنيسة، لا تقرأها أنت أيضاً، بل اقرأ ماتسمعه”. [14]وهنا نجد أن ق. كيرلس الأورشليمي لم يذكر الأسفار القانونية الثانية فيماعدا سفر باروخ والرسالة اللذين ضمهما إلى سفر إرميا كسفر واحد، ونجده لا يذكر سفر الرؤيا ضمن قائمة أسفار العهد الجديد.

8- قانون ق. هيلاري أسقف بواتييه (360م):

     نجد قانون ق. هيلاري أسقف بواتييه فى سياق شرحه على سفر المزامير (المزمور 15) ولقد أتبع القديس هيلاري قائمة أسفار العلامة أوريجانوس في العديد من التفاصيل. ونجد كما سبق وذكرنا أن قائمة أوريجانوس كانت موجودة أيضاً في شرحه لسفر المزامير (المزمور الأول) كما جاء فى (تاريخ يوسابيوس ك5: ف25)، مما يؤكد أن ق.هيلاري قد أعتمد على عمل العلامة أوريجانوس فى شرحه للمزامير، ومثله مثل أوريجانوس، يذكر ق.هيلاري أسفار القانون اليهودي فقط، ولكنه يذكر بعد ذلك أن البعض قد أضافوا سفري طوبيا ويهوديت ، حيث يقول: “والسبب في أن عدد أسفار العهد القديم الاثنين والعشرين هو تطابقها مع عدد الحروف العبرية، وتُحسب هكذا بحسب التقليد القديم: أسفار موسى هي خمسة، ثم السفر السادس هو يشوع بن نون، والسفر السابع هو القضاة وراعوث ، والسفر الثامن هو الملوك الأول والثاني، والسفر التاسع هو الملوك الثالث والرابع، والسفر العاشر هو كتابي أخبار الأيام، والسفر الحادي عشر هو الكلام الذي فى أيام عزرا. والسفر الثاني عشر هو سفر المزامير، والأسفار الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لسليمان هي الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد، والسفر السادس عشر هو الأنبياء الصغار، ثم إشعياء وإرميا (مع المراثي والرسالة) والأسفار دانيال وحزقيال وأيوب وأستير تكمَّل عدد الأسفار الاثنين والعشرين. ويضيف البعض لهذه الأسفار سفري طوبيا ويهوديت ليصلوا إلى أربعة وعشرين سفراً بحسب عدد الحروف اليونانية، وهي اللغة المستخدمة بين العبرانيين واليونانيين المجتمعين في روما “. [15]وهنا نجد أن ق. هيلاري لم يذكر سفري المكابين وأضاف سفري طوبيا ويهوديت بعد ذلك، وغالباً يضم سفر باروخ مع رسالة إرميا.

9- قانون (قائمة) شلتنهام أو قائمة مومسين (360م):

     يدعو البعض هذه القائمة للأسفار القانونية بقانون شلتنهام، ويدعوها البعض الآخر بقائمة مومسين، وهي عبارة عن قائمة أسفار الكتاب المقدس تم إكتشافها أولاً بواسطة «ثيؤدور مومسين» في مخطوط لاتيني في مكتبة خاصة ببلدة شلتنهام – إنجلترا، ثم تم إكتشاف نسخة أخرى من نفس القائمة في مخطوط بمكتبة سانت غال، ويحتوي المخطوطان على خلاصات من كتب متنوعة منسوخة أثناء القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، ولكن تشير الملاحظات الكورنوغرافية (الترتيب الزمني) في المخطوطين (وبحسب دليل داخلي آخر في المخطوطين) إلى أن المحتوى المنسوخ فيهما مأخوذ عن مخطوطة في منتصف القرن الرابع الميلادي. وتحتوي المخطوطان على قائمة أسفار العهد القديم كالتالي: تكوين – خروج – لاوييين – عدد – تثنية – يشوع بن نون – قضاة – راعوث – ملوك أول – ملوك ثاني – ملوك ثالث – ملوك رابع – أخبار الأيام أول – أخبار أيام ثاني – مكابين أول – مكابين ثاني – أيوب – طوبيا – أستير – يهوديت – مزامير (151 مزمور) – أسفار سليمان – (الأنبياء الكبار) : إشعياء – إرميا – مراثي إرميا – حزقيال – دانيال – (الأنبياء الصغار الأثنى عشر)  هوشع – يوئيل – عاموس – عوبديا – يونان – ميخا – ناحوم – حبقوق – صفنيا – حجاي – زكريا – ملاخي. وتحتوي على قائمة أسفار العهد الجديد كالتالي: (الأناجيل الأربعة) متى ومرقس ولوقا ويوحنا – رسائل بولس الرسول الثلاثة عشر – أعمال الرسل – رؤيا يوحنا – ثلاثة رسائل ليوحنا – رسالتين لبطرس. [16]وهنا نجد أن هذه القائمة قد أغفلت في أسفار العهد القديم سفر باروخ، أو ربما تضمه مع سفر إرميا، ثم إنها أغفلت في أسفار العهد الجديد رسالة يعقوب ورسالة يهوذا وتُنسبُ إلى بولس الرسول 13 رسالة وليس 14 رسالة.

10- قانون (قائمة) مجمع لاودكية (363 م):

     لقد شكَّك العديد من الباحثين في أصالة هذا المقطع من قانون مجمع لاودكية 363م الذي يحتوي على قائمة الأسفار، بسبب غيابه عن مخطوطات أخرى متنوعة تحتوي على قوانين مجمع لاودكية المكاني، وربما قد تمت إضافة هذه القائمة لاحقاً، حيث لا تذكر هذه القائمة سفر الرؤيا، ويقول قانون المجمع التالي: “إنه من اللائق معرفة الأسفار الكثيرة وهي كالتالي: (أسفار العهد القديم) 1-تكوين العالم 2-الخروج من مصر 3-اللاويين 4- العدد 5- التثنية 6- يشوع بن نون 7- القضاة وراعوث 8- أستير 9- الملوك الأول والثاني 10- الملوك الثالث والرابع 11- أخبار الأيام الأول والثاني 12- عزرا الأول والثاني 13- المزامير (151 مزمور) 14- أمثال سليمان 15- الجامعة 16- نشيد الأنشاد 17- أيوب 18- الأنبياء (الصغار) الأثنى عشر 19- إشعياء 20- إرميا وباروخ والمراثي والرسالة (رسالة إرميا) 21- حزقيال 22- دانيال. وأسفار العهد الجديد هي: أربعة أناجيل بحسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وأعمال الرسل، سبعة رسائل جامعة، وهي رسالة يعقوب، ورسالتي بطرس، وثلاثة رسائل ليوحنا، ورسالة يهوذا، وأربعة عشر رسالة لبولس، رسالة لأهل رومية، رسالتين لأهل كورنثوس، ورسالة لأهل غلاطية، ورسالة لأهل أفسس، ورسالة لأهل فيلبي، ورسالة لأهل كولوسي، ورسالتين لأهل تسالونيكي، ورسالة للعبرانيين، ورسالتين لتيموثاوس، ورسالة لتيطس، ورسالة لفليمون”. [17]

11- قانون ق. أثناسيوس الرسولي (293- 373م):

    نجد قانون ق.أثناسيوس الرسولي للأسفار المقدسة القانونية موجود في الرسالة الفصحية رقم 39 (وهي الرسالة التي كان يبعث بها أسقف الأسكندرية إلى جميع أساقفة الكنائس في العالم لتحديد موعد عيد قيامة السيد المسيح) ونجده يقول التالي: “وقبلت أن أحضر في القانون تلك الأسفار الإلهية التي سُلِّمت وثبتت في الكنيسة المقدسة، لكي يبكت كل الذين ضلوا مضليهم، والذي ثَبُتَ في نقاوته يبتهج أيضاً لذكر هذه الأسفار، وهم إذاً: أسفار العهد القديم وعدد هذه الأسفار اثنين وعشرين، وهكذا بلغني أيضاً أن أسفار  العبرانيين من المُسلم به إنها بالترتيب وباسم كل واحد منها تكون هكذا، الأول التكوين، وبعد ذلك الخروج، ثم سفر اللاويين، وبعد ذلك العدد، ثم تثنية الاشتراع، ومن بعدهم يشوع بن نون، وبعد ذلك القضاة، ثم راعوث، ثم بعد ذلك سفر الملوك أربعة كتب، الأول و الثاني يُعتبران كتاباً واحداً، ثم الثالث والرابع أيضاً هما كتاب واحد. ثم سفر أخبار الأيام الأول والثاني يُعتبران كتاباً واحداً. وكذلك عزرا الأول والثاني يُعتبران بالمثل كتاباً واحداً، ومن بعد هؤلاء سفر المزامير كتاب واحد. وبعد ذلك أمثال سليمان ثم الجامعة كتاب واحد، ثم نشيد الأناشيد كتاب واحد، ومن بعد هؤلاء أيوب كتاب واحد أيضاً، ثم الأنبياء الأثنا عشر يُحسبون كتاباً واحداً، ثم بعد ذلك إشعياء كتاب واحد، ثم إرميا مع باروخ والمراثي والرسائل يكوَّنون كتاباً واحداً. ثم بعد ذلك حزقيال كتاب واحد، ثم دانيال كتاب واحد، وإلى هنا يتألف العهد القديم. وإنه ليس من الممل التكلم عن العهد الجديد أيضاً. فهذه الكتب هي: أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا ثم أعمال الرسل. وسبعة رسائل وهي كالتالي: ليعقوب رسالة واحدة، ولبطرس رسالتان، ثم ثلاث ليوحنا، وبعدهم واحدة ليهوذا. ثم بعد ذلك أربع عشرة رسالة لبولس مكتوبة بالترتيب كالتالي: الأولى لرومية، ثم لكورنثوس اثنتان. ومن بعدهم واحدة للغلاطيين، ثم بعد ذلك واحدة للأفسسيين، ثم واحدة للفلبييين، ثم واحدة للكولوسيين، ثم اثنتان لتسالونيكي ثم للعبرانيين واحدة، ثم اثنتان لتيموثاوس، وواحدة لتيطس، والأخيرة لفليمون ثم رؤيا يوحنا. وهذه هي ينابيع الخلاص لأولئك العطاش ليشبعوا من كلمات الحياة التي بها وبهذه يُكرز بتعليم مخافة الله، ولا أحد يزيد عليها ولا ينقص منها. فإن ربنا كان يعلن للصدوقيين قائلاً: “تضلون إذ لا تعرفون الكتب” وكان يبكت اليهود قائلاً: “فتشوا الكتب لأنها تشهد لي”، إلا أنني فمن أجل زيادة التأكيد أضيف أيضاً هذه وأكتب للضرورة إنه يوجد أيضاً كتب أخرى غير هذه غير محددة قانونياً، لكن مُعينة من الآباء لكي تُقرأ، وللذين يريدون أن يتقدموا للتعليم والتلمذة بمخافة الله، وهذه هي: حكمة سليمان، وحكمة يشوع بن سيراخ، وأستير، ويهوديت، وطوبيا، وما يُعرف بتعليم الرسل والراعي…. وفي حين يا أحبائي أن أولئك مُحددين قانونياً، فإن هذه الكتب تُقرأ، ولا محل لذكر الكتب السرية التي تُعرف باليونانية “أبوكريفا”، لأن هذه من إختراع الهراطقة”. [18]وهنا نجد ق. أثناسيوس لا يذكر الأسفار القانونية الثانية جميعها بإستثناء سفر باروخ والرسالة ولا يذكر سفر أستير ضمن قائمة أسفار العهد القديم، بل يطلق عليها كتب الكنيسة النافعة للتعليم والتلمذة ولكنها ليست أسفار قانونية على حد تعبيره.

 

12- قانون ق. غريغوريوس النزينزي (380م):

       لقد صرح ق. غريغوريوس النزينزي بهذا القانون في نهاية حياته فى شكل قصيدة عن الأسفار الأصلية للكتاب الإلهي المُوحى به، ومثله مثل ق. أثناسيوس الرسولي لا يذكر سفر أستير ضمن أسفار العهد القديم، ورؤيا يوحنا غير موجود في قائمته لأسفار العهد الجديد، فيقول التالي: “النبوات الإلهية ينبغي تكرارها وترديدها دائماً في اللسان والعقل. لأن الله سيكافئ بالحقيقة هذا الجهد والعمل، لذلك قد تقتني النور من الأمور السرائرية، أو مما يكون أفضل جداً، لكيما تصير بواسطة الله إلى النقاوة والطهارة الأعظم، وثالثاً ينبغي إجتناب الاهتمامات العالمية بمثل هذه الدراسة والبحث. فلا تدع الكتب الغريبة تخدع عقلك، لأنه هناك كتب خبيثة كثيرة قد تم نشرها، لذا أقبل أيها الرفيق هذا العدد الموثوق فيه. حيث هناك أثنى عشر سفراً تاريخياً في الحكمة العبرية الأقدم، هناك أولاً التكوين، ثم الخروج، واللاويين أيضاً، ثم العدد، والاشتراع الثاني (تثنية الاشتراع)، ثم يشوع والقضاة. راعوث هو السفر الثامن، والسفرين التاسع والعاشر هما أعمال الملوك. والسفر الحادي عشر هو أخبار الأيام. وأخيراً لديك سفر عزرا. والأسفار الشعرية هى خمسة: أولهم أيوب، ثم مزامير داود، وثلاثة أسفار لسليمان: الجامعة والأناشيد والأمثال، وهناك أيضاً خمسة أسفار للوحي النبوي، فهناك الأسفار الأثنى عشر المدونة في كتاب واحد: هوشع وعاموس، وثالثاً ميخا، ثم يوئيل ويونان وعوبديا، وناحوم أيضاً، وحبقوق وصفنيا وحجاي، ثم زكريا وملاخي، وكل هذه الأسفار في كتاب واحد. والكتاب الثاني هو إشعياء، ثم الكتاب الأول يُدعى كالطفل إرميا، ثم سفر حزقيال، وعطية دانيال، وهكذا أحصي أثنتي وعشرين سفراً من الأسفار العتيقة بحسب عدد الحروف العبرية، وأحصي الآن أيضاً أسفار السر الجديد، حيث كتب متى عن معجزات المسيح للعبرانيين، ومرقس لإيطاليا، ولوقا لليونان، ويوحنا للجميع، الرسول العظيم الذي سار في السماويات، ثم أعمال الرسل الحكماء. ولبولس الرسول أربعة عشر رسالة، وهناك سبعة رسائل جامعة، والتي تتضمن رسالة واحدة ليعقوب، ورسالتين لبطرس، ثلاثة رسائل ليوحنا أيضاً، والرسالة السابعة هي رسالة يهوذا. وهكذا لديك جميع الأسفار، وإن كان هناك أي أسفار أخرى ما عدا تلك الأسفار، فهي أسفار غير أصلية ومزورة”.  [19]

 

13 قانون أمفلوخيوس أسقف أيقونية (340-395 م):

       هو أحد أبرز الآباء الذين اشتركوا في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية (381م). الذي التأم لدحض هرطقة مقدونيوس مُنكر ألوهية الروح القدس، كما أنجز دستور الإيمان وجعله على الصورة التي نعرفها اليوم. كان أمفلوخيوس قريباً من المعلمين الكبادوكيين الكبار: باسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللاهوتي، وغريغوريوس النيصي. ولد في بلدة قيصرية الكبادوك بين العامين 340 و345م من عائلة أرستقراطية. وقد كان القديس غريغوريوس اللاهوتي ابن عمته ومشيره ورفيق جهاده. تلقى من العلم نصيباً وافراً فدرس على المعلم الوثني المعروف ليبانيوس الأنطاكي وأمتهن المحاماة في القسطنطينية ابتداءاً من العام 364م. اشتهر كمحام فذ محبوب ومحب للعدل، حسده الحاسدون وشوهوا سمعته، أصيب بصدمة وترك المهنة. وانصرف إلى الإلهيات. ورغب بالنسك هو وصديقه هيراكليدوس، لكن الوضع الصحي لوالده والمالي جعله أن يؤجل نسكه، في تلك الأثناء تعرف أمفلوخيوس بالقديس باسيليوس الكبير، وفيما كتب إليه عدة رسائل. في عام 370م صار القديس باسيليوس رئيساً لأساقفة قيصرية الكبادوك، فسام أمفلوخيوس أسقفاً على إيقونية سنة 374م وما أن تسلم أبرشيته إلا وأهتم في ضبط أمورها. حارب هرطقة مقدونيوس وأفنوميوس (أشد الآريوسيين تطرفاً). وقد حضر أمفلوخيوس المجمع المسكوني الثاني 381م. عاش أمفلوخيوس حتى أواخر القرن الرابع للميلاد. نجد قانون أمفلوخيوس للأسفار المقدسة هو عبارة عن قصيدة تعليمية وتوجيهية، كانت تُنسب سابقاً للقديس غريغوريوس النزينزي. وهي قصيدة مكوَّنة من 340 مقطع بعنون “الشعر العمبقي إلى سلوقس”، حيث يستعرض أمفلوخيوس قائمته للأسفار المقدسة كالتالي: “ولكن هذا خصيصاً لك من أجل تعليمك، فإنه من المناسب ألايكون كل كتاب هو سليم وموثوق فيه، إلا الذي قد أكتسب الاسم الموقر للكتاب المقدس، لأنه يظهر من وقت لآخر كتب منحولة، والبعض منها قد يكون متوسط أو قريب من كلمات الحق كما يمكن أن يقول أي أحد، بينما يكون البعض الآخر مزيف تماماً، مثل العملات المزيفة التي تحمل نقش صورة الملك، ولكنها بحسب خامتها هي أساساً مزيفة. ولهذا السبب سأعلن لك الأسفار الإلهية المُوحى بها الواحد تلو الآخر، لكيما تعرفهم جيداً. وسأسرد لك أولاً تلك التي فى العهد القديم. التوارة وفيها سفر الخلق، ثم سفر الخروج، واللاويين السفر الأوسط، ثم بعد ذلك سفر العدد، ثم التثنية، ثم أضف إلى هؤلاء يشوع والقضاة ثم راعوث، وسفر الملوك أربعة كتب، وسفري أخبار الأيام، ثم بعد هؤلاء سفري عزرا الأول والثاني، ثم سأسرد لك خمسة أسفار بالعدد وهي: أيوب الذي تكلَّل بعد صراع الآلام الشديدة، وسفر المزامير وهو دواء مريح للنفس، وثلاثة أسفار لسليمان الحكيم: الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد. أضف إلى ذلك الأنبياء الأثنى عشر: أولاً هوشع، ثم عاموس ثانياً، وميخا، ويوئيل، وعوبديا، وهناك سفر ذاك الذي عانى لمدة ثلاث أيام وهو يونان، وبعدهم ناحوم، وحبقوق، والسفر التاسع هو صفنيا، وحجاي، وزكريا، وهناك الملاك ذو الاسم الثنائي ملاخي، وبعد هؤلاء الأنبياء، تعرّف الآن على أربعة آخرين وهم: إشعياء الشجاع العظيم، إرميا الباكي الرحيم، وحزقيال السري الغامض، وأخيراً دانيال الحكيم جداً في أعماله وأقواله، ومع هذه الأسفار أدرج البعض سفر أستير، وأنه الوقت الآن لأسرد لك أسفار العهد الجديد، حيث أقبل أربعة أناجيل فقط: متى ثم مرقس، وأضف إليهما لوقا كثالث،  وضع في الترتيب الزمني يوحنا كرابع، ولكنه الأول في سمو التعليم، حيث يُدعى بحق ابن الرعد، الذي أعلن بوضوح كلمة الله، وأقبل من لوقا كتاباً ثانياً أيضاً، وهو سفر أعمال الرسل الجامع، وأضف إلى هذه الأسفار أيضاً، الإناء المختار ورسول الأمم، بولس الرسول ، الذي كتب بحكمة أربعة عشر رسالة إلى الكنائس، الأولى لأهل رومية، ثم يُضاف إليها الرسالتين إلى أهل كورنثوس، ثم الرسالة إلى أهل غلاطية، وإلى أهل أفسس، ثم يوجد بعد ذلك رسالة واحدة إلى أهل فيلبي، ثم تلك الرسائل المكتوبة إلى أهل كولوسي ورسالتين إلى أهل تسالونيكي، ورسالتين إلى تيموثاوس، وإلى تيطس وفليمون كل واحد منهما رسالة، ورسالة واحدة إلى العبرانيين، ويدعي البعض أن الرسالة إلى العبرانيين هي مزورة، ولكنهم قالوا أن هذا غير حقيقي، لأن النعمة حقيقية وصادقة، ثم ماذا تبقى بعد ذلك؟ سوى الرسائل الجامعة التي يقول البعض أنها سبعة، ويقول البعض الآخر أنها ثلاثة فقط، فلابد من قبول رسالة واحدة ليعقوب، ورسالة واحدة لبطرس، ورسالة ليوحنا، ولكن هناك من ناحية أخرى ثلاث رسائل ليوحنا، معهم رسالتين لبطرس، ورسالة يهوذا أيضاً، والكتاب السابع هو رؤيا يوحنا، وهناك البعض يقبله أيضاً، ولكن الغالبية يدعون أنه مزور. وهذا هو القانون المعصوم للأسفار الإلهية المُوحى بها”.[20]

14- قائمة القوانين الرسولية (380م):

       هي سلسلة من المقتطفات المكتوبة بواسطة أحد كُتاب ترتيب ونظام الكنيسة السريانية القديمة، ويُسمى بالمراسيم أو القوانين الرسولية، وتوحي الوثيقة كلها بأنها مكتوبة من الرسل، ولكن لا يأخذ أي باحث بهذه الحجة اليوم، ويعتبر هذا العمل بدون شك نافع لإثبات آراء جزء من الكنائس السريانية فى نهاية القرن الرابع الميلادى ، ولقد تمت إضافة قائمة الأسفار القانونية تحت قانون رقم 85 فى حوالى سنة 380 م ، و القانون 85 هو كالتالى : ” قانون 85 : بخصوص الكتاب المقدس ، و لتكن الأسفار التالية مُكرمة و مقدسة من جميعكم ، أى الأكليروس و العلمانيين . أسفار العهد القديم: خمسة أسفار لموسى، التكوين، و الخروج، واللاويين، والعدد، و التثنية، و سفر واحد ليشوع بن نون ، و سفر واحد للقضاة ، وسفر واحد لراعوث ، و أربعة أسفار للملوك ، و سفرى أخبار الأيام ، و سفرى عزرا ، و سفر واحد لأستير ، و سفر واحد ليهوديت ، و ثلاثة أسفار للمكابين ، و سفر واحد لأيوب ، و مائة و خمسين مزمور ، وثلاثة أسفار لسليمان : الأمثال و الجامعة و نشيد الأنشاد ، و ستة عشر سفر للأنبياء ، و نظراً لأن هؤلاء قد آتوا حديثاً إلى التلمذة ، فيطلعون على حكمة سيراخ المعلم  . ولدينا أيضاً أسفار     العهد الجديد وهى الأناجيل الأربعة: متى ومرقس ولوقا و يوحنا، ورسائل بولس الأربعة عشر، و رسالتين لبطرس، و ثلاثة رسائل ليوحنا، و رسالة واحدة ليعقوب، و رسالة واحدة ليهوذا ، و رسالتين لإكليمندس ، و القوانين المُعطاة لكم أيها الأساقفة بواسطتي ، إكليمندس فى ثمانى كتب ، والتى لا يليق عرضها على العامة و أمام الجميع بسبب ما تحويه من أسرار ، و أعمالنا نحن الرسل”. [21]ونلاحظ أن هذه القائمة تغفل بعض الأسفار القانونية الثانية مثل حكمة سليمان وطوبيا وباروخ والرسالة، كما تقول إن سفر المكابين ثلاثة أسفار وليس سفرين، أى أضافت سفر آخر لسفرى المكابين، ولقد أغفلت سفر الرؤيا فى قائمة أسفار العهد القديم.  

15- قانون ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس (385م):

        توجد قائمة ق.إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص فى كتابه الشهير “باناريون ضد الهرطقات أو خزانة الدواء ضد الهرطقات” و هى كالتالى : ” و مع الوقت عاد المسبيون من بابل ، فأقتنى هؤلاء اليهود الأسفار و كتب الأنبياء التالية ، و الأسفار النبوية هى كالتالى : التكوين ، و الخروج ، واللاويين ، والعدد ، و التثنية ، وسفر يشوع بن نون ، وسفر القضاة ، و راعوث ، و أيوب ، وسفر المزامير ، و أمثال سليمان ، و الجامعة ، و نشيد الأنشاد ، و سفر الملوك الأول ، و سفر الملوك الثانى ، و سفر الملوك الثالث ، و سفر الملوك الرابع ، سفر أخبار الأيام الأول ، سفر أخبار الأيام الثانى ، و سفر الأنبياء الأثنى عشر ، و إشعياء النبى ، و إرميا النبى و المراثى و رسائل إرميا و باروخ ، و حزقيال النبى ، و دانيال النبى ، و سفر عزرا الأول ، و سفر عزرا الثانى ، و أستير . وهذه هى الأسفار السبعة والعشرين التى أعطاها الله لليهود، ولكنها تعتبر على الرغم من ذلك اثنين وعشرين سفراً على عدد حروف أبجديتهم العبرية، لأن الأسفار العشرة التى يعتبرها اليهود خمسة هى مضاعفة. ولكننى قد شرحت هذا الأمر بكل وضوح فى موضع آخر، ولديهم أيضاً سفرين آخرين مُتنازع على قانونيتهما، وهما حكمة سيراخ وحكمة سليمان بمعزل عن الأسفار الأبوكريفا الأخرى. ولقد علّمتهم جميع هذه الأسفار المقدسة اليهودية طاعة الناموس حتى مجئ ربنا يسوع المسيح”. [22]وهنا يؤكد ق. إبيفانيوس على تنازع اليهود فيما بينهم على قانونية سفرى حكمة يشوع بن سيراخ وحكمة سليمان، كما لم يذكر من الأسفار القانونية الثانية سفر طوبيا ويهوديت وسفرى المكابين. ثم سنستعرض الآن قائمة ق. إبيفانيوس لأسفار العهد الجديد وهي كالتالى: “وإن كنت قد وُلدت بالروح القدس و تعلّمت بالأنبياء و الرسل، فعليك المرور خلال هذا السجل من بداية تكوين العالم حتى أزمنة أستير فى سبعة و عشرين سفر من العهد القديم، و التى تُعد أيضاً على أنها اثنان و عشرون سفراً. وهناك أيضاً الأناجيل الأربعة المقدسة، و الرسائل الأربعة عشر للقديس بولس الرسول، وتشمل الكتابات التى جاءت من قبل و هذه الأسفار أعمال الرسل فى أزمنتهم، و الرسائل الجامعة ليعقوب و بطرس و يوحنا و يهوذا، ورؤيا يوحنا، وهناك أسفار الحكمة، وأقصد بها حكمة سليمان و حكمة ابن سيراخ، و بإختصار جميع الأسفار الإلهية”.[23]

16- قانون ق. إيرونيموس (جيروم) (390م):

– ولد ق. جيروم بالقرب من أكويلا، وعاش فى روما لمدة، وقضى معظم حياته الأخيرة كراهب فى سوريا وفلسطين. وكان من أكثر رجال الكنيسة ثقافةً وعلماً فى عصره. ولقد رشحه أسقف روما لعمل النسخة اللاتينية الرسمية (الفولجاتا)، و نجد قانون ق. جيروم للأسفار المقدسة فى أكثر من كتاب منها مقدمة سفر اللوك (حوالى عام 391م)، تُعرف هذه المقدمة أيضاً باسم ” المقدمة المخوذة أو اللابسة الخوذة”، وكتبها جيروم حوالى عام 391 م، و لقد ذكر فيها أنه بالنسبة للعهد القديم هناك أسفار عبرية فقط تُعد بحسب التقليد كأسفار مقدسة عند اليهود و تُعتبر قانونية، بينما أسفار الترجمة السبعينية الإضافية تُعتبر غير قانونية و غير موجود بالقانون . حيث يقول التالى: ” يمتلك العبرانيون اثنين و عشرين حرفاً مُثبتة من اللغات السريانية و الكلدانية، لأن أغلبها بحسب اللغة العبرية، و لأنه لديها اثنين و عشرين صوت أولى منطوق بنفس الطريقة، ولكنها مختلفة فى الكتابة. ويكتب السامريون أيضاً توراة موسى (خمسة أسفار موسى) بنفس عدد الأحرف تماماً، مختلفين فقط فى شكل و نقاط الحروف، و بالتأكيد أن عزرا الكاتب و معلم الناموس بعد سبى أورشليم و إستعادة الهيكل بواسطة زربابل، قد أخترع حروف أخرى و التى نستخدمها الآن، لأنه حتى ذلك الزمان كانت الحروف السامرية و العبرية واحدة. بالإضافة إلى ذلك نجد فى سفر العدد تعداد اللاويين والكهنة (عد3: 39)، و الإجمالي نفسه معروف سرياً، و نجد أربعة حروف اسم الرب (القواعد الأربعة) فى الأسفار اليونانية المحددة المكتوبة إلى هذا اليوم بالحروف القديمة. بالإضافة إلى المزمور 37، و المزمور 111، و المزمور 112، و المزمور 119، والمزمور 145 ، فنجدها (أى المزامير السابقة) على الرغم من ذلك مكتوبة بأوزان شعرية مختلفة وجميعها منظومة كقصيدة ذات ترتيب خاص بحسب الأبجدية و نفس عدد الحروف ، و مراثى إرميا و صلاته ، و أمثال سليمان أيضاً حتى النهاية من الموضع الذى نقرأ فيه “امرأة فاضلة مَن يجدها ؟ ” هى أمثلة لنفس عدد الحروف مُقسمة إلى مقاطع. علاوة على ذلك، هناك خمسة حروف هى حروف متضاعفة، أى القوف ס، والميم ם ، و النون ן ، و الفاء פ ، و الصادى ץ ، لأنها فى بداية ووسط الكلمات تُكتب بطريقة و فى أخر الكلمات تُكتب بطريقة أخرى . و بسبب حدوث هذا، يعتبر أغلب الناس خمسة من الأسفار أنها متضاعفة، مثل: صموئيل و الملوك و أخبار الأيام و عزرا و إرميا مع Kinoth ، أى مراثيه . إذاً، كما أن هناك اثنان و عشرون حرف أولى نكتب بهم فى اللغة العبرية كل ما نقول، و يُفهم و يُدرك الصوت البشري فى حدودها، هكذا نعتبر الاثنين والعشرين سفراً مثل أبجدية التعليم الإلهى ، التى ينبغى أن يتعلمها الإنسان البار فى الطفولة الناعمة كما لو كان لا يزال عند الصدر . وأول هذه الأسفار يُدعى “برشيت”، و الذى قد أعطيناه اسم “التكوين”، و الثانى إيلى سموث الذى يأخذ اسم الخروج، و الثالث فياكرا أى اللاويين ، و الرابع فيادابر و الذى نسميه ” العدد” ، و الخامس إيلى أداباريم و المُسمى بـ ” التثنية ” . وهذه هى أسفار موسى الخمسة التى يسمونها بالفعل توراة؛ أى ناموس. و الفئة الثانية تتكون من الأنبياء، و تبدأ بـ ” يشوع بن نون “، و الذى يُدعى بينهم ” يهوشع بن نون ” ثم يأتى فى الترتيب سفر السفوتيم وهو سفر القضاة، و يضمون راعوث إلى نفس السفر ، لأنه أحداثه المروية حدثت فى أيام القضاة  . ثم يأتى صموئيل الذي ندعوه ملوك أول وثانٍ. والسفر الرابع هم ملخيم؛ أى الملوك، الذى يحتوى على أسفار الملوك الثالث و الرابع. و من الأفضل أن نقول ملخيم أى ملوك من مالخوث أى ممالك، لأن الكاتب لايصف ممالك لأمم عديدة، بل مملكة لأمة واحدة و شعب واحد، شعب إسرائيل المكون من أثنتى عشرة سبطاً . السفر الخامس هو إشعياء، والسادس إرميا، والسابع حزقيال، والثامن هو سفر الأثنى عشر نبياً ، الذى يُدعى بينهم ” سارى أسرا ” . وبالنسبة للفئة الثالثة التى تنتمى إلى الجزء الثالث من التوراة Hagiographia أى الهاجيوجرافيا، حيث يبدأ السفر الأول منها بأيوب، و الثانى بداود، و يقسّمون كتاباته إلى خمسة أجزاء، و تجتمع فى مجلد واحد وهو المزامير . و الثالث سليمان فى ثلاثة أسفار: الأمثالالذى يدعونه الأمثلة وهو ماسالوث، و الجامعة وهو قوليث، ونشيد الأناشيد و الذى يعطونه اسم “سيراسيريم”، والسادس دانيال، و السابع دبرى أياميم ، أى أخبار الأيام (أقوال الأيام) ، الذى ندعوه بشكل توصيفى أكثر باسم أخبار التاريخ المقدس كله ، و يُدعى السفر بيننا أخبار الأيام أول و ثانى paralipomenon  أى باراليبومينون (أخبار الوثائق)  ، والثامن عزرا ، الذى ينقسم هو نفسه بالمثل بين اليونانيين و اللاتين إلى سفرين ، و التاسع أستير . وهكذا يوجد أيضاً اثنان وعشرون سفراً للناموس القديم هى خمسة لموسى، و ثمانية للأنبياء، و تسعة للهاجيوجرافيا، رغم أن البعض يضم راعوث و المراثى بين الهاجيوجرافيا، ويعتقدون أن هذه الأسفار ينبغى أن تُعد منفصلة ، و هكذا يكون لدينا اثنين و عشرين سفراً للناموس القديم . و تصور رؤيا يوحنا الأربعة و العشرين شيخاً الذى يعشقون الحمل و يقدمون أكاليلهم بوجه متضع، بينما تقف الأربعة مخلوقات فى حضورهم بأعين أمامية وخلفية، أى تنظر إلى الماضى و المستقبل، و تصرخ بصوت مستمر : ” قدوس ، قدوس، قدوس ، الرب الإله القدير ، الذى كان و الذى يكون و الذى يأتى ” . وهذه المقدنة إلى الأسفار المقدسة قد تخدم كتعليم دفاعى مخوذ (أى اللابس خوذة) لجميع الكتب الى نقلناها من العبرية إلى اللاتينية، وهكذا نؤكد أن ما هو خارجهم لابد أن يُوضع جانباً ضمن الأسفار والكتابات الأبوكريفا. لذا سفر الحكمة المُسمى عامةً باسم سليمان، و سفر يشوع بن سيراخ، و يهوديت، و طوبيا ، والراعى هرماس لا تُعد فى القانون ، و سفر المكابين الأول موجود بالعبرية ، و لكن الثانى موجود باليونانية حيث يمكن إثباته بنفس الأسلوب و الطريقة”. [24]وهنا نجد ق. جيروم يخرج جميع الأسفار القانونية الثانية بلا إستثناء من قانونه للسفار المقدسة مُستشهداً بالتقليد والقانون اليهودى للأسفار المقدسة.  و نجد قانون ق. جيروم للأسفار المقدسة أيضاً فى رسالته رقم (53) إلى بولينوس أسقف نولا، حيث يقول التالى: ” سفر التكوين كما يُقال لنا هو لا يحتاج إلى تفسير، و موضوعاته بسيطة جداً و هى نشأة العالم و أصل الجنس البشرى ….سفر الخروج بلا شك سهل و بسيط أيضاً … سفر اللاويين وهو بالطبع واضح ضمناً… سفر العدد ألا تحمل شخصياته و نبوة بلعام … سفر التثنية ، الناموس الثانى ، أو ظلال ناموس الإنجيل …. سفر أيوب، المثال على الصبر … وسآتى الآن إلى سفر يشوع بن نون، و الذي يرمز إلى ربنا بالاسم و الفعل …. سفر القضاة؛ وكل قائد شعب فيه هو رمز. وسفر راعوث والمؤابية التى تمت فيها نبوة إشعياء النبى … وسفر صموئيل فى موت عالى الكاهن ومقتل شاول …. وسفرا الملوك الثالث والرابع الذي يُدعى بالعبرية ” ملاخيم ” … فكثيراً ما يتكلم سفر هوشع عن أفرايم وعن السامرة و عن يوسف …. وسفر يوئيل بن بتوئيل يصف كيف أن أرض الأثنى عشر سبطاً فسدت …. وسفر عاموس الذي بالرغم من أنه راعٍ وجاني جميز إلا أنه لا يمكن شرحه بكلمات قليلة ….. وسفر عوبديا؛ الذى معنى اسمه عبد الرب … وسفر يونان؛ أجمل حمامة، غرقه كان مثالاً لموت الرب …. وسفر ميخا المورشتي؛ شريك المسيح فى الميراث …. وسفر ناحوم؛ معزى العالم …. وسفر حبقوق؛ مثل مصارع قوى لا يلين….. وسفر صفنيا؛ أى الحارس و كاتم أسرار الله …. وسفر حجي؛ أى الفرح أو السعيد …. وسفر زكريا؛ المُتذكر إلهه ….. وسفر ملاخى؛ أخر الأنبياء …. سوف أوجز العهد الجديد. إن أناجيل متى و مرقس و لوقا و يوحنا هم طاقم الرب الرباعي، الكاروبيم الحقيقيون، أو الممتلئون معرفةً …. القديس بولس يكتب إلى سبع كنائس (حيث أن الرسالة الثامنة التى إلى العبرانيين لا يعتبرها الجميع ضمن الرسائل الأخرى). ويبعث بتوصيات إلى تيموثاوس و تيطس، ويتشفع عند فليمون فى العبد الهارب …. سفر أعمال الرسل، قد يبدو أنه عبارة عن قصص بسيطة تصف بدايات الكنيسة المولودة حديثاً …. الرسل يعقوب وبطرس و يوحنا و يهوذا ؛ لهم سبع رسائل روحية هادفة … أما رؤيا يوحنا ؛ بها الكثير من الأسرار بقدر الكلمات …. أتوسل إليك يا أخي العزيز، أن تحيا بين هذه الأسفار و تلهج فيها. لاتعرف غيرها ولاتبحث عن سواها”. [25]وهنا نلاحظ أن ق. جيروم لم يذكر أى سفر من الأسفار القانونية الثانية فى قائمته للأسفار المقدسة، كما يؤكد أن الجميع لايعتبروا الرسالة إلى العبرانيين ضمن رسائل بولس الرسول الأخرى .

 

 

15- قانون ق. أوغسطينوس أسقف هيبو (397م):

       لقد كان ق. أوغسطينوس أسقف هيبو هو أول شخصية بارزة فى الكنيسة الذى يضع قائمة تحتوى على جميع أسفار العهد القديم المُتنازع عليها بدون أى تمييز بين الأسفار العبرية القانونية تماماً، والأسفار الأقل قانونيةً المأخوذة من الترجمة السبعينية. حيث نجد قائمته للأسفار المقدسة موجود فى كتابه ” التعليم المسيحى ” كالتالى: ” و الشارح البارع جداً للأسفار و الكتابات المقدسة، فهو إذاً مَن قد قرأها جميعاً فى المقام الأول ، وحفظها فى معرفته ، وإن كان حالياً لا يفهمها بالكامل ، و لكنه لا يزال بمثل هذه المعرفة التى تمنحها قراءة جميع هذه الأسفار التى تُدعى قانونية فى الأخير  . لأنه سيقرأ الكتب الأخرى بحرص شديد عندما ينمو فى عقيدة الإيمان، و لذلك لن يستحوذوا أولاً على العقل الضعيف ، ولن يضلوه و يخدعوه بالأخطاء و الأوهام الخطيرة ، مالئين إياه بالأذى و البغضة ضد الفهم السليم . و الآن بالنسبة إلى الأسفار القانونية، ينبغى عليه إتباع حكم الغالبية العظمى من الكنائس الجامعة، و من بينها بالتأكيد ينبغى إعطاء المقام الرفيع لهذه الكنائس التى يُعتقد أنها تستحق أن تكون كرسياً رسولياً و تتسلم الرسائل . و تبعاً لذلك سيحكم بين الأسفار القانونية بحسب المعيار التالى: من أجل تمييز وتفضيل تلك الأسفار التى تسلمتها جميع الكنائس الجامعة على تلك الأسفار التى لم يتسلمها البعض، ومن بينها أيضاً تلك الأسفار غير المُستلمة على الإطلاق، و سيميز و يفضل مثل هذه الأسفار التى لديها إجماع الغالبية العظمى و تلك الأسفار ذات السلطة العظيمة على تلك الأسفار التى يقرها العدد الأقل و التى لها السلطة الأقل . وعلى الرغم من ذلك، لو وجد أن هناك بعض الأسفار تقرها الغالبية العظمى من الكنائس، و أسفار أخرى تقرها الكنائس ذات السلطة الأعظم (و على الرغم من ذلك هذا الشئ نادر الحدوث تماماً) ، فأعتقد أنه فى مثل هذه الحالة تعتبر سلطة كلا الطرفين متساوية و متعادلة . و الآن القانون الكلى للأسفار  و الذى نقول أن حكمه و سلطانه ينبغى إتباعه و التدرب عليه ، يحتوى على الكتب التالية : كل أسفار موسى الخمسة ؛ أى التكوين ، و الخروج ، و اللاويين ، و العدد ، و التثنية ، و سفر واحد ليشوع بن نون ، و سفر واحد للقضاة ، و سفر صغير يُدعى ” راعوث ” ، و الذى يبدو أنه ينتمى إلى بداية سفر الملوك ، يليه أربعة أسفار الملوك ، وسفرين لأخبار الأيام ، و هذه الأسفار الأخيرة لا يتبع أحدهم الآخر ، بل يسيرون بالتوازى كما يمكن القول ، وأنها لتحدث على نفس الأرضية ، و الآن الأسفار المذكورة هى عبارة عن تاريخ يحتوى أحداث مترابطة فى الأزمنة ، و تتبع ترتيب الأحداث ، و هناك أسفار أخرى يبدو أنها لا تتبع ترتيب منتظم و لاترتبط بترتيب الأسفار السابقة ، ولا ترتبط إحدها بالأخرى ، مثل : أيوب ، و طوبيا ، و أستير  ، و يهوديت ، و سفرى المكابين . و سفرى عزرا ، و الذى يبدو بالأكثر أنه يشبه تسلسل تاريخى مستمر و منتظم ينتهى عنده سفرا الملوك و أخبار الأيام ، ويليه الأنبياء ، حيث يوجد سفر واحد لمزامير داود ، وثلاثة أسفار لسليمان ، أى الأمثال و نشيد الأنشاد و الجامعة ، لأنه هناك سفرين الأول يُدعى الحكمة ، و الآخر يُدعى الجامعة الصغير (يشوع بن سيراخ) Ecclesiasticus، وهما منسوبان إلى سليمان من حيث التشابه الواضح فى الأسلوب ، ولكن الرأى الأغلب هو أنهما مكتوبان بواسطة يشوع بن سيراخ ، و لكنهما مازالا يُعتبران ضمن الأسفار النبوية ، حيث يتم تعريفهما و الإقرار بكونهما لهما سلطان . و الأسفار المتبقية هى الأسفار التى تُدعى بكل ثقة بالأنبياء: أثنى عشر سفر منفصل للأنبياء، و لكنها مرتبطة الواحد بالآخر، ولم تكن أبداً غير مترابطة ، لأنها تُعتبر ككتاب واحد ، وأسماء هؤلاء الأنبياء هى كالتالى : هوشع ، يوئيل ، عاموس ، عوبديا ، يونان ، ميخا ، ناحوم ، حبقوق ، صفنيا ، حجاى ، زكريا ، ملاخى . ثم بعد ذلك هناك الأربعة أنبياء الكبار وهم: إشعياء، و إرميا، و دانيال ، و حزقيال . تحتوي سلطة أسفار العهد القديم على حدود هذه الأسفار الأربعة والعشرين. وهناك أسفار العهد الجديد أيضاً التى تحتوى على التالى : كل الأناجيل الأربعة بحسب متى ، و بحسب مرقس ، و بحسب لوقا  ، و بحسب يوحنا ، و الرسائل الأربعة عشر لبولس الرسول ، رسالة لأهل رومية ، و رسالتين لأهل كورنثوس ، ورسالة لأهل غلاطية ، و رسالة لأهل أفسس ، و رسالة لأهل فيلبى ، و رسالتين لأهل تسالونيكى ، و رسالة لأهل كولوسى ، و رسالتين لتيموثاوس ، و رسالة لتيطس ، و رسالة لفليمون ، و رسالة للعبرانيين ، رسالتين لبطرس ، و ثلاثة ليوحنا ، و رسالة يهوذا ، ورسالة يعقوب ، وسفر واحد لأعمال الرسل ، و سفر واحد لرؤيا يوحنا .وجميع هذه الأسفار لمَن يخافون الله ، و لديهم الميل نحو الوداعة و التقوى ، ويسعون نحو إرادة الله”.[26]

17- مجمع قرطاجنة الثالث (397م):

–  يبدو أن مجمع هيبو بشمال أفريقيا، الذي عُقد سنة 393م، كان هو أول مجمع يناقش حدود الأسفار القانونية، وقد تكرر نص ما أقره هذا المجمع عن القانونية في مجمع قرطاجنة بشمال أفريقيا سنة 397م، فقد تم قراءة ملخص أعماله في مجمع قرطاجنة والذي أقر بما أقره مجمع هيبو . وكان القديس أغسطينوس أسقف هيبو أحد الذين حضروا المجمعين. وكان لمجمع قرطاج ملحق تم قراءته في سنة 419م و سُمى بعدها بكود أفريقيا، وقد كُتب باللاتينية وشارك فيه القديس اغسطينوس أيضاً؛ وفيما يلي قائمة الأسفار القانونية التي أُقرت في مجمع قرطاجنة ومجمع هيبو وتم التصديق عليها في ملحق أفريقيا :” قانون 24: لا يجب قراءة أي شئ بجانب هذه الأسفار المقدسة في الكنيسة تحت مسمى الأسفار الإلهية المقدسة. علاوة على ذلك فإن الأسفار المقدسة هي هذه: التكوين – الخروج – اللاوييين – العدد – التثنية – يشوع بن نون – القضاة – راعوث – أربعة أسفار الملوك – سفرى أخبار الأيام – أيوب – المزامير – خمسة أسفار لسليمان – أسفار الأنبياء الأثنى عشر – إشعياء – إرميا – حزقيال – دانيال – طوبيا – يهوديت – أستير – سفرى عزرا – سفرى المكابين. أما أسفار العهد الجديد: أربعة أناجيل، أعمال الرسل في سفر واحد، ثلاثة عشر رسالة لبولس الرسول، رسالة لنفس الكاتب إلى العبرانيين، اثنتين لبطرس ، ثلاث رسائل ليوحنا الرسول ، واحدة ليعقوب و واحدة ليهوذا ورؤيا يوحنا. بخصوص تأكيد هذه القانونية، يجب الكنيسة عبر البحار (عبر المسكونة). في أعياد الشهداء فإن أعمالهم يجب أن تُقرأ “.  وقد جاء في كلمات ملحق مجمع قرطاج عام 419م الختامية، كما يقول العالم زاهن الآتي: “…. رؤيا يوحنا، سفر واحد. فليُرسل هذا إلى أخوتنا وزملائنا الأساقفة، بونيفاس (من روما)، وللأساقفة في تلك المناطق لكي يؤكدوا هذه القانونية لتلك الأشياء التي استلمناها من أبائنا لكي تقرأ في الكنيسة” .أن ما تم إقراره في هيبو وقرطاج تأكد في سنة  419 م ، أي أنه تم إقراره في ثلاثة مجامع هي : مجمع هيبو393 م و مجمع قرطاجنة 397 م و مجمع قرطاجنة  419 م .[27]

18- قانون روفينوس الأكويلى المؤرخ (400م):

– هو صديق ق. جيروم، ومثله مثل ق.جيروم ، غادر إيطاليا ليعيش فى الشرق . حيث عاش سنين كثيرة فى أديرة مصر و فلسطين، وأكتسب تعاليم الكنيسة الشرقية ، و عاد إلى إيطاليا قرب نهاية حياته ، و شغل نفسه فى ترجمة أعمال الآباء اليونان الأوائل إلى اللغة اللاتينية . يعد كتابه ” شرح الإيمان ” هو عمل أصيل له، و لكنه يبين تأثره بالكنيسة اليونانية و بالقديس جيروم فى مواضع كثيرة . و فى عرضه لقانون الأسفار المقدسة يتبع الأباء اليونان و جيروم فى إستبعاد أسفار الأبوكريفا من قانون الأسفار المقدسة ، فيقول فى قانونه للأسفار : “فأقول أن الروح القدس هو الذى أوحى الشريعة و الأنبياء فى العهد القديم ، و أوحى بالأناجيل والرسائل فى العهد الجديد ، و لهذا السبب يقول الرسول أيضاً : كل الكتاب مُوحى به من الله و نافع للتعليم ، لذا إنه من المناسب فى هذا الموضع تحديد القائمة المميزة من سجلات و كتابات الآباء ، أى أسفار العهد الجديد و العهد القديم ، و التى نؤمن أنها مُوحى بها من الروح القدس بحسب تقليد أسلافنا ، و أنتقلت و سُلمت إلى كنائس المسيح . لذلك أسفار العهد القديم، و أولهم خمسة أسفار لموسى قد تم تسليمهم وهى : التكوين و الخروج و اللاويين و العدد و التثنية ، ثم يشوع بن نون ، وسفر القضاة مع راعوث ، ثم أربعة أسفار الملوك التى يعتبرها اليهود كتابين، و الباراليبومينون Paralipomenon الذى يُدعى “سفر الأيام ” ، وسفرى عزرا ، اللذين يعتبرهما اليهود سفراً واحداً ، وسفر أستير ، وأسفار الأنبياء : إشعياء و إرميا و حزقيال و دانيال ، بالإضافة إلى الأنبياء الأثنى عشر (الصغار) فى كتاب واحد ، وهناك أيضاً أيوب و مزامير داود كلاً منهما سفراً  ، ولقد أعطى سليمان ثلاثة أسفار إلى الكنائس وهى الأمثال والجامعة و نشيد الأنشاد . وتؤلف هذه الأسفار أسفار العهد القديم. أما أسفار العهد الجديد فهى أربعة أناجيل: متى ومرقس ولوقا و يوحنا، وأعمال الرسل الذى كتبه لوقا، و أربعة عشر رسالة لبولس الرسول، و رسالتين لبطرس الرسول، ورسالة واحدة ليعقوب الرسول أخو الرب، و رسالة واحدة ليهوذا ، وثلاثة رسائل ليوحنا ، ورؤيا يوحنا . وهذه الأسفار هى التى ضمها وضمّنها الآباء فى القانون الذي أسسوا عليه إعلان إيماننا. و لكنه من الضرورى أيضاً أن نعرف أن هناك أسفار أخرى و التى تُسمى بالأسفار غير القانونية، بل يسميها الأسلاف بالأسفار الكنسية، وهى سفر الحكمة المنسوب إلى سليمان، و سفر الحكمة الآخر المنسوب لابن سيراخ، و الذى يدعوه اللاتين باسم  الجامعة الصغير Ecclesiasticus ، و الذى لا يشير إلى كاتب السفر ، بل إلى شخصيته ، و ينتمى سفر طوبيا و سفر يهوديت و سفرا المكابين  إلى نفس الدرجة . وهناك سفر يُدعى الراعى لهرماس يُضم مع العهد الجديد، وذاك السفر المدعو بأسلوبى حكم بطرس، وهذه الأسفار جميعها يمكن قراءتها فى الكنائس، ولكنها لا تبت فى صحة التعليم. وهناك كتابات أخرى تُسمى بالأبوكريفا، والتى لا تُقرأ فى الكنائس. وهذه الأسفار هى التى سلّمها لنا الآباء كما قلت، ولقد أعتقدت أنه من اللائق عرضها وتوضيحها فى هذا الموضع لتعليم هؤلاء الذين يتعلّمون المبادئ الأولى للكنيسة والإيمان،

والتى يعرفون منها ينابيع كلمة الله ويتلقونها للإرتواء “.[28]

19- خطاب إينوسنت الأول أسقف روما (405م):

      هو أسقف كنيسة روما من 22 ديسمبر 401م إلى وفاته في 12 مارس 417 م. و قانونه للأسفار المقدسة هو عبارة عن خطاب يرسله إلى أكسوبريوس أسقف تولوز، حيث يقول التالى : ” و الأسفار المُستلمة حقاً فى القانون ، و فى هذا الملحق المختصر المبين ، لأن هذه الأمور هى التى يُفضل أن تعرفها : خمسة أسفار لموسى ؛ أى التكوين و الخروج و اللاويين و العدد و التثنية ، و يشوع بن نون ، و القضاة ، أربعة أسفار للملوك مع راعوث ، ستة عشر سفر للأنبياء ، خمسة أسفار لسليمان ، و المزامير ، و هناك أيضاً الأسفار التاريخية ، سفر واحد لأيوب ، وسفر واحد لطوبيا ، و سفر لأستير ، و سفر ليهوديت ، و سفرى المكابين ، و سفرى عزرا ، سفرى أخبار الأيام ، وهناك أسفار العهد الجديد وهى أربعة أناجيل ، و رسائل بولس الرسول الأربعة عشر ، و ثلاث رسائل ليوحنا ، و رسالتين لبطرس ، و رسالة يهوذا ، وسالة يعقوب ، و أعمال الرسل ، و رؤيا يوحنا . و لكن الأسفار المتبقية التى توجد باسم متياس أو يعقوب الصغير، أو باسم بطرس و يوحنا (التى كتبها بالطبع لوكيوس)، أو باسم أندراوس ( التى كتبها الفيلسوفان زينوكرايدس وليونيداس ) ، أو باسم توما ، أو أياً كانت الأسماء الأخرى ، فينبغى أن تعلم أنه لا ينبغى رفضها فقط ، بل و حرمها أيضاً”. [29]

20- مرسوم جلاسيوس أسقف روما (550م):

– وهو عبارة عن قائمة تحتوى الأسفار القانونية و تُسمى هكذا، لأنها كانت تُنسب سابقاً إلى البابا جلاسيوس (492 – 496 م)، ولكن الدراسات الحديثة و التنقيحات المتنوعة لنفس القانون تنسبه لزمن مبكر  إلى البابا داماسوس (366- 384 م ) ، أو تنسبه لزمن متأخر إلى البابا هورميسداس (514 – 523 م ) ، أو إلى مجامع ترأسوها ، و لكن فى القرن السابق يتفق معظم الدارسين مع إستنتاج أرنست فون دوبشفتز أن الأشكال المتنوعة لهذا القانون مأخوذة من عمل مستقل لرجل إيطالى مجهول من رجالات الكنيسة فى القرن السادس الميلادى . ويضم القائمة التالية:

1- هنا تبدأ قائمة أسفار العهد القديم: التكوين سفر واحد – الخروج سفر واحد – اللاوييين سفر واحد – العدد سفر واحد – التثنية سفر واحد – يشوع سفر واحد – القضاة سفر واحد – راعوث سفر واحد – الملوك أربعة أسفار – أخبار الأيام سفران – 150مزمور فى سفر واحد – ثلاثة أسفار لسليمان (الأمثال سفر واحد – الجامعة سفر واحد – نشيد الأنشاد سفر واحد) – وأيضاً الحكمة سفر واحد – يشوع بن سيراخ سفر واحد. وأيضاً قائمة أسفار الأنبياء: إشعياء سفر واحد – إرميا ومراثى إرميا سفر واحد – حزقيال سفر واحد – دانيال سفر واحد – هوشع سفر واحد – يوئيل سفر واحد – عاموس سفر واحد – عوبديا سفر واحد – يونان سفر واحد – ميخا سفر واحد – ناحوم سفر واحد – حبقوق سفر واحد – صفنيا سفر واحد – حجاى سفر واحد – زكريا سفر واحد – ملاخى سفر واحد. وأيضاً قائمة الأسفار التاريخية: أيوب سفر واحد – طوبيا سفر واحد – سفرى عزرا – أستير سفر واحد – يهوديت سفر واحد – سفرى المكابين.

2- وبالمثل أسفار العهد الجديد التى تبجلها وتوقرها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية : أربعة أناجيل بحسب متى ومرقس و لوقا و يوحنا – أعمال الرسل – رسائل بولس الرسول 14 رسالة ( إلى أهل رومية رسالة واحدة – إلى أهل كورنثوس رسالتان – إلى أهل أفسس رسالة واحدة – إلى أهل تسالونيكى رسالتان – إلى أهل غلاطية رسالة واحدة – إلى أهل فيلبى رسالة واحدة – إلى أهل كولوسى رسالة واحدة –  إلى تيموثاوس رسالتان – إلى تيطس رسالة واحدة – إلى فليمون رسالة واحدة – إلى العبرانيين رسالة واحدة) – وأيضاً رؤيا يوحنا سفر واحد – وأيضاً الرسائل الجامعة سبعة فى العدد وهى : رسالتان لبطرس – رسالة يعقوب – رسالة يوحنا الرسول – رسالتان ليوحنا الكبير – رسالة يهوذا الغيور . وهنا ينتهي قانون العهد الجديد. [30]

21- خلاصة سكارى للأسفار المقدسة (370 م):

– هى مقالة قديمة كانت تُنسب تقليدياً إلى ق.أثناسيوس ، و لكن معظم الباحثين حالياً يعتقدون أنها كُتبت بواسطة أحد رجال الكنيسة اليونانية ربما فى القرن 6 الميلادى و هو غير معروف ، و نص المقالة كالتالى : ” جميع أسفارنا المقدسة المسيحية مُوحى بها من الله ، وهذه الأسفار غير مجهولة ، بل هى مكرمة و تُلقب بالقانونية ،  و أسفار العهد القديم هى : التكوين الذى يبدأ بـ ” فى البدء خلق الله السموات و الأرض ” ، والخروج الذى يبدأ بـ ” وهذه هى أسماء بنى إسرائيل الذين جاءوا إلى مصر ” ، و اللاويين الذى يبدأ بـ ” و دعا الرب موسى ثانيةً و كلّمه من خيمة الاجتماع ” ، و العدد الذى يبدأ بـ ” وكلم الرب  موسى فى برية سيناء ، فى خيمة الاجتماع ” ، و التثنية الذى يبدأ بـ ” هذا هو الكلام الذى كلم به موسى جميع إسرائيل فى عبر الأردن ، فى البرية فى العربة ، قبالة سوف ” ، ويشوع بن نون الذى يبدأ بـ ” وكان بعد موت موسى عبد الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلاً ” ، و القضاة الذى يبدأ بـ ” وكان بعد موت يشوع أن بنى إسرائيل سألوا الرب قائلين : ” مَن منا يصعد إلى الكنعانيين أولاً لمحاربتهم؟ ” ، و راعوث الذى يبدأ بـ ” حدث فى أيام حكم القضاة أنه صار جوع فى الأرض ” ، و الملوك الأول و الثانى اللذان يُحسبا كتاباً واحداً ، حيث يبدأ الأول بـ ” كان رجل من رامتايم صوفيم من جبل أفرايم اسمه ألقانة بن يروحام بن أليهو ” ، وحيث يبدأ الثانى بـ ” و كان بعد موت شاول و رجوع داود من حرب العمالقة ” ، و الملوك الثالث و الرابع اللذان يُحسبا بالمثل كتاباً واحداً ، حيث يبدأ الثالث بـ ” و شاخ الملك داود . تقدم فى الأيام . و كانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ ” ، و يبدأ الرابع بـ ” و عصى موآب على إسرائيل بعد وفاة أخاب ” ، و أخبار الأيام الأول و الثانى اللذان يُحسبا كتاباً واحداً ، حيث يبدأ أولهما بـ ” آدم ، شيث ، أنوش ، قينان ، مهللئيل ، يارد ، أخنوخ ، متوشالح ، لامك ، نوح ” ، و يبدأ الثانى بـ ” و تشدد سليمان بن داود على مملكته ، وكان الرب إلهه معه و عظّمه جداً ” ، و عزرا الأول و الثانى اللذان يُحسبا كتاباً واحداً ، حيث يبدأ الأول بـ ” حفظ عيد ذبح خروف الفصح فى أورشليم فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول ” ، و يبدأ الثانى بـ ” و فى السنة الخامسة من حكم كورش ملك فارس عند تمام كلام الرب بفم إرميا ، نبّه الرب روح كورش ملك فارس ” ، و مزامير داود التى تحتوى على 151 مزمور ، حيث بداية المزمور الأول بـ ” طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار ” ، و أمثال سليمان الذى يبدأ بـ ” أمثال سليمان بن داود ملك إسرائيل : لمعرفة حكمة و أدب ” ، و الجامعة الذى كتبه نفس الكاتب و يبدأ بـ ” كلام الجامعة ابن داود الملك فى أورشليم : باطل الأباطيل …. الكل باطل ” ، و نشيد الأناشيد الذى كتبه نفس الكاتب و يبدأ بـ ” نشيد الأناشيد الذى لسليمان : ليقبلنى بقبلات فمه ، لأن حبك أطيب من الخمر ” ، و أيوب الذى يبدأ بـ ” كان رجل فى أرض عوص اسمه أيوب . و كان هذا الرجل كاملاً و مستقيماً ” ، و الأنبياء الأثنى عشر الذين يُحسبوا كتاباً واحداً ، و منهم هوشع أولاً الذى يبدأ بـ ” قول الرب الذى صار إلى هوشع بن بئيرى ، فى أيام عزيا و يوثام و آحاز و حزقيا ملوك يهوذا ، و فى أيام يربعام بن يوآش ملك إسرائيل . أول ما كلم الرب هوشع ” ، ثم عاموس الذى يبدأ بـ ” أقوال عاموس الذى كان بين الرعاة من تقوع التى رآها عن إسرائيل ، فى أيام عزيا ملك يهوذا ، و فى أيام يربعام بن يوآش ملك إسرائيل ، قبل الزلزلة بسنتين ” ، و ميخا الذى يبدأ بـ ” قول الرب الذى صار إلى ميخا المورشتى فى أيام يوثام و آحاز و حزقيا ملوك يهوذا ، الذى رآه على السامرة و أورشليم ” ، و يوئيل الذى يبدأ بـ ” قول الرب الذى صار إلى يوئيل بن فنوئيل : أسمعوا هذا أيها الشيوخ ، و أصغوا يا جميع سكان الأرض ” ، و عوبديا الذى يبدأ بـ ” رؤيا عوبديا : هكذا قال السيد الرب عن أدوم ” ، و يونان الذى يبدأ بـ ” وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاى قائلاً : قم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ” ، و ناحوم الذى يبدأ بـ ” وحى على نينوى . سفر رؤيا ناحوم الألقوشى ” ، و حبقوق الذى يبدأ بـ ” الوحى الذى رآه حبقوق النبى ” ، و صفنيا الذى يبدأ بـ ” كلمة الرب التى صارت إلى صفنيا بن كوشى بن جدليا بن أمريا بن حزقيا ، فى أيام يوشيا بن آمون ملك يهوذا ” ،  و حجى الذى يبدأ بـ ” فى السنة الثانية لداريوس الملك ، فى الشهرالسادس من أول يوم من الشهر ، كانت كلمة الرب عن يد حجى النبى قائلاً ” ، و زكريا الذى يبدأ بـ  ” فى الشهر الثامن فى السنة الثانية لداريوس ، كانت كلمة الرب إلى زكريا بن برخيا بن عدو النبى قائلاً ” ، و ملاخى الذى يبدأ بـ ” وحى كلمة الرب لإسرائيل عن يد ملاكه ” ، و هذه إذاً الأثنى عشر فى كتاب واحد . و بالإضافة إلى هؤلاء هناك أربعة آخرون الذين لكل واحد منهم سفر واحد : إشعياء الذى يبدأ بـ ” رؤيا إشعياء بن آموص ، التى رآها على يهوذا و أورشليم ، فى أيام عزيا و يوثام و آحاز و حزقيا ملوك يهوذا : اسمعى أيتها السماوات ، و أصغى أيتها الأرض ، لأن الرب يتكلم ” ، إرميا الذى يبدأ بـ ” قول الرب الذى صار إلى إرميا بن حلقيا من الكهنة ” ، حزقيال الذى يبدأ بـ ” كان فى سنة الثلاثين ، فى الشهر الرابع ، فى الخامس من الشهر ، و أنا بين المسبيين عند نهر خابور ، أن السماوات أنفتحت ، فرأيت رؤى الله ” ، دانيال الذى يبدأ بـ ” و كان فى بابل رجل اسمه يوياقيم . تزوج امرأة اسمها سوسنة ابنة حلقيا ، و كانت جميلة جداً و تعيش فى مخافة الرب ” . و هذه هى الأسفار القانونية للعهد القديم و عددها اثنان و عشرون بحسب عدد الحروف فى اللغة العبرية ، لأن لديهم هذه الشهادات الأولية المتعددة ، و لكن بجانب هذه هناك بعض الأسفار الأخرى أيضاً مع العهد القديم و التى لا تُعد قانونية ، بل تُقرأ فقط للموعوظين وهى كالتالى : حكمة سليمان الذى يبدأ بـ ” أحبوا التقوى يا حكام الأرض ” ، حكمة يشوع بن سيراخ الذى يبدأ بـ ” كل حكمة هى من الرب و تبقى معه إلى الأبد ” ، أستير الذى يبدأ بـ ” وفى السنة الثانية من ملك أرتحشستا الأكبر ، فى اليوم الأول من شهر نيسان ، مردخاى بن يائير بن شمعى بن قيس من سبط بنيامين ” ، يهوديت الذى يبدأ بـ ” فى السنة الثانية عشرة من ملك نبوخذنصر الذى حكم الأشوريين فى مدينة نينوى العظيمة ، كان أرفكشاد يحكم على المادايين فى مدينة أحمتا ” ، و طوبيا الذى يبدأ بـ ” طوبيت بن طوبئيل بن حنانئيل بن عدوئيل بن جبائيل من عشيرة عسائيل فى سبط نفتالى الذى كان فى أيام أينماصر ملك أشور ” ، و مرة أخرى هذه الأسفار غير قانونية . و على الرغم من ذلك، بعض من القدماء قد قالوا أنه بين العبرانيين يُعتبر سفر أستير قانونى، و أن راعوث يُضم إلى سفر القضاة ، ولذلك يُضم سفر أستير أيضاً مع سفر آخر ، و بهذه الطريقة مازالوا يكمّلون عدد أسفارهم القانونية إلى اثنين و عشرين . وهذه كانت الأسفار التى تنتمى إلى العهد القديم، و تحتوى على هذه الأسفار القانونية و هذه الأسفار غير القانونية. و هناك بالمثل بالنسبة للعهد الجديد أسفار تُعد قانونية وهى: الإنجيل بحسب متى و الذى يبدأ بـ ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن إبراهيم ” ، و بحسب مرقس الذى يبدأ بـ ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ، كما هو مكتوب فى إشعياء النبى ” ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكى الذى يهيئ طريقك ” ، و بحسب لوقا الذى يبدأ بـ ” إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة فى الأمور المتيقنة عندنا ” ، و بحسب يوحنا الذى يبدأ بـ ” فى البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله و كان الكلمة الله . كل شئ به كان و بغيره لم يكن شئ مما كان ” ، و أعمال الرسل الذى يبدأ بـ  ” الكلام الأول الذى أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله و يعلّم به ” ، و الرسائل الجامعة التى لرسل مختلفين جميعها سبعة و تُحسب فى كتاب واحد : واحدة ليعقوب و التى تبدأ بـ ” يعقوب عبد الله و الرب يسوع المسيح يهدى السلام إلى الأثنى عشر سبطاً الذين فى الشتات ” ، و اثنتان لبطرس ، حيث أولهما تبدأ بـ ” بطرس رسول يسوع المسيح ، إلى المتغربين من شتات بنطس و غلاطية و كبدوكية و آسيا و بيثنية ، المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق فى تقديس الروح للطاعة ، و رش دم يسوع المسيح : لتكثر لكم النعمة و السلام ” ، و الثانية التى تبدأ بـ ” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح و رسوله إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر ربنا يسوع المسيح ” ، و ثلاثة ليوحنا ، الأولى تبدأ بـ ” الذى كان من البدء ، الذى سمعناه ، الذى رأيناه بعيوننا ، الذى شاهدناه ، و لمسته أيدينا ، من جهة كلمة الحياة ” ، و الثانية التى تبدأ بـ ” الشيخ إلى السيدة المختارة ، و إلى أولادها الذين أنا أحبهم بالحق ” ، و الثالثة التى تبدأ بـ ” الشيخ إلى غايس الحبيب الذى أنا أحبه بالحق ” ، وواحدة ليهوذا التى تبدأ بـ ” يهوذا عبد يسوع المسيح ، و أخو يعقوب ، إلى المدعوين المقدسين فى الله الآب ، و المحفوظين ليسوع المسيح ” ، و أربعة عشر رسالة لبولس الرسول تُحسب ككتاب واحد ، الأولى كانت إلى أهل رومية و التى تبدأ بـ ” بولس ، عبد ليسوع المسيح ، المدعو رسولاً ، المفرز لإنجيل الله ” ، و اثنتان إلى أهل كورنثوس ، الأولى تبدأ بـ ” بولس ، المدعو رسولاً ليسوع المسيح بمشيئة الله ،  وسوستانيس الأخ ، إلى كنيسة الله التى فى كورنثوس ” ، و الثانية تبدأ بـ ” بولس ، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله و تيموثاوس الأخ ، إلى كنيسة الله التى في كورنثوس ” ، والرابعة إلى أهل غلاطية التى تبدأ بـ ” بولس ، رسول لا من الناس ولا بإنسان ، بل بيسوع المسيح و الله الآب ” ، و الخامسة إلى أهل أفسس التى تبدأ بـ ” بولس ، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله إلى القديسين الذين فى أفسس، و المؤمنين فى المسيح يسوع ” ، و السادسة إلى أهل فيلبى التى تبدأ بـ ” بولس و تيموثاوس عبدا يسوع المسيح ، إلى جميع القديسين فى المسيح يسوع ، الذين فى فيلبى مع أساقفة و شمامسة ” ، و السابعة إلى أهل كولوسى التى تبدأ بـ ” بولس ، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله و تيموثاوس الأخ ، إلى القديسين فى كولوسى و الأخوة المؤمنين فى المسيح ” ، و هناك اثنتان إلى أهل تسالونيكى ، بداية الرسالة الأولى هى ” بولس و سلوانس و تيموثاوس إلى كنيسة التسالونيكيين فى الله الآب و الرب يسوع المسيح ” ، و بداية الرسالة الثانية هى ” بولس و سلوانس و تيموثاوس إلى كنيسة التسالونيكيين ، فى الله أبينا و الرب يسوع المسيح ” ، و العاشرة إلى العبرانيين و التى تبدأ بـ ” الله ، بعدما كلم الآباء بانبياء بأنواع و طرق كثيرة ، كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى ابنه ” ، وهناك رسالتان إلى تيموثاوس ، تبدأ الأولى بـ ” بولس ، رسول يسوع المسيح ، بحسب أمر الله مخلصنا ، و ربنا يسوع المسيح رجائنا إلى تيموثاوس الابن الصريح فى الإيمان ” ، و الثانية تبدأ بـ ” بولس ، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله ، لأجل وعد الحياة التى فى يسوع المسيح . إلى تيموثاوس الابن الحبيب ” ، و الثالثة عشر إلى تيطس و التى تبدأ بـ ” بولس ، عبد الله و رسول يسوع المسيح ، لأجل إيمان مختارى الله و معرفة الحق ، الذى هو حسب التقوى ، على رجاء الحياة الأبدية ” ، و الرابعة عشر إلى فليمون و التى تبدأ بـ ” بولس ، أسير يسوع المسيح ، و تيموثاوس الأخ ، إلى فليمون المحبوب و العامل معنا ” ، و بعد هذه توجد رؤيا يوحنا اللاهوتى كسفر مقبول و متفق عليه من القديسين القدامة و بشهادة روح الآباء ، و الذى يبدأ بـ ” إعلان يسوع المسيح ، الذى أعطاه إياه الله ، ليرى عبيده ما لابد أن يكون عن قريب ، و بيّنه مرسلاً بيد ملاكه لعبده يوحنا ” ، إذاً ، هذه هى أسفار العهد الجديد القانونية التى تُعد الباكورات و الأساس الراسخ لإيماننا ، لأنها مُدونة و مُبينة من خلال رسل المسيح الذين يعتبرون كأقربائه و الذين قد تعلّموا بواسطته . و من بين أسفار العهد القديم المُتنازع عليها، والتى قد تحدثنا عنها سابقاً مثل : حكمة سليمان ، و حكمة يشوع بن سيراخ ، و أستير ، و يهوديت ، و طوبيا ، فهذه أيضاً تُحسب هكذا وهى :  أربعة أسفار المكابين ، و الكتب البطلموسية (نسبةً إلى بطليموس الفلكى) ، و مزامير و أناشيد سليمان ، و سوسنة . هذه هى أسفار العهد القديم المُتنازع عليها”. [31]و هنا يعتبر قانون خلاصة سكاري الأسفار القانونية الثانية غير قانونية بلا إستثناء و يجعلها نافعة لتعليم الموعوظين في الكنيسة، كما يؤكد على أن سفر أستير من الأسفار المُتنازع على قانونيتها بين مؤيد و معارض.

22- قانون يوحنا الدمشقي (730م):

       ونجد قانون يوحنا الدمشقي للأسفار المقدسة في كتابه المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي كالتالي: “وأعلم أن أسفار العهد القديم اثنان وعشرون، على عدد حروف الأبجدية العبرية، فإن هذه الحروف اثنان وعشرون يُزاد عليها خمسة مضاعفة، فتصبح سبعة وعشرين. والمضاعفة هى القاف والميم والنون والفاء والصاد. لذلك فإن الأسفار المقدسة، والحالة هذه اثنان وعشرون بالعدد وتصبح سبعة وعشرين، لأن خمسة منها مضاعفة. ويلحق العبرانيون راعوث بالقضاة ويدونهما كتاباً واحداً، ويضمون سفرى الملوك الأول والثاني إلى كتاب واحد، وسفرى الملوك الثالث والرابع إلى كتاب واحد، وسفري أخبار الأيام الأول والثاني إلى كتاب واحد، وسفرى عزرا الأول والثاني إلى كتاب واحد. ومن ثم تُقسم الكتب إلى أربعة أخماس ويزيد كتابان ومضمونها هو كالتالي: خمسة تشريعية هى التكوين والخروج واللاويين والعدد وتثنية الاشتراع. هذه هى الخمسة الأولى أو التشريع. بعد ذلك خمسة أخرى تُدعى المكتوبة ويسميها بعضهم الكتابات المقدسة وهي يشوع بن نون والقضاة مع راعوث والملوك الأول مع الثانى – سفر واحد – والملوك الثالث مع الرابع – سفر واحد – وأخبار الأيام الأول الاثنان سفر واحد. وقد تمت بذلك الخمسة الثانية. والخمسة الثالثة هى الأسفار الشعرية: أيوب والمزامير وأمثال سليمان والجامعة – له أيضاً – ونشيد الأناشيد – له أيضاً. والخمسة الرابعة هي النبوية الإثنا عشر نبياً – سفر واحد – وإشعياء وإرميا وحزقيال ودانيال. ثم عزرا – الاثنان يُعدان سفراً واحداً – وأستير. أما كمال الفضيلة أي حكمة سليمان وحكمة يشوع – السفر الذي قد وضعه أبو سيراخ بالعبرية وترجمه يشوع حفيده وابن سيراخ إلى اليونانية – فهما سفران مملؤان حكمة و شريفان، لكنهما لا يُحسبان و لم يُوضعا فى التابوت. وأسفار العهد الجيد هى الأناجيل الأربعة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا. وأعمال الرسل القديسين للوقا الإنجيلي. والرسائل الجامعة السبع: واحدة ليعقوب واثنتان لبطرس وثلاث ليوحنا وواحدة ليهوذا. ورسائل بولس الرسول الأربع عشرة ورؤيا يوحنا الإنجيلى. وقوانين الرسل القديسين بواسطة إكليمنضس”.[32] وهنا نجد يوحنا الدمشقي لا يذكر بعضاً من الأسفار القانونية الثانية مثل: سفر يهوديت وطوبيا وباروخ وسفري المكابين، ونراه يضيف قوانين الرسل للقديس أكليمنضس إلى قائمة أسفار العهد الجديد.

23- قانون مار ميخائيل السريانى الكبير (1166 – 1199م):

– هو أحد أهم بطاركة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العصور الوسطى حيث قادها في الفترة بين (1166 – 1199م) وأشتهر خاصةً بكتابه لأوسع سجل تاريخي في القرن الثاني عشر باللغة السريانية، حيث يذكر مار ميخائيل الكبير قائمته للأسفار المقدسة كالتالي: “خمسة أسفار موسى. سفر أيوب. سفر يشوع بن نون. القضاة. الملوك 4 أسفار. أخبار الأيام سفران. راعوث. يهوديت. عزرا. طوبيا. مكابين سفران. مزامير. عوبديا. يونان. ميخا. ناحوم. حبقوق. زكريا. حجي. صفنيا. ملاخي. إشعياء. ابن سيراخ. الإنجيل المسجود له أربعة. أعمال الرسل. رسائل بطرس. رسائل بولس أربعة عشر. رسائل يوحنا ثلاثة. رسالة يعقوب. يهوذا. رسائل قليميس (إكليمندس) رسالتان. هذه هى الأسفار التى أمر الرسل أن تُقبل بالإضافة إلى رؤيا يوحنا. ثم كتاب الدسقالية وتلك التى وضعها بعد عهد الرسل ملافنة (معلمون) أفذاذ. وكلها نابعة من ينبوع تعاليم الرسل العذب الواحد. أنتهى”. [33]ونلاحظ هنا إغفال مار ميخائيل بطريرك أنطاكية لبعض أسفار العهد القديم مثل الأمثال و الجامعة و نشيد الأنشاد، و لعله يضمهم ضمن سفر المزامير، كما أغفل أسفار الأنبياء مثل إرميا و حزقيال و دانيال، ولعله يضمهم ضمن سفر إشعياء، كما لم يذكر سفر يوئيل و عاموس و و هوشع ضمن أسفار الأنبياء الصغار ، كما لم يذكر من الأسفار القانونية الثانية سفر باروخ ، و لعله يضمه مع سفر إرميا ، كما كانت تضمه بعض قوائم الأسفار مع سفر إرميا . أما بخصوص قائمة أسفار العهد الجديد، نجده يضيف إليها كتابات أخرى مثل رسالتى إكليمندس وكتاب الدسقولية ويعتبرها من أسفار العهد الجديد القانونية. 

24- قانون الصفى بن العسال للأسفار المقدسة (ق13م):

        أولاد العسال من كبار علماء الأقباط ووجهائهم في القرن الثالث عشر. غالبًا كانوا من سدمنت بصعيد مصر لكنهم نزحوا إلى مصر واستقروا هناك ، عمل بعضهم في الحكومة والآخر تفرغ لخدمة الله ، وكانت لهم منزلة رفيعة في عهد الدولة الأيوبية ، لاسيما أبو إسحاق الذي كان مصاحبًا للأيوبيين في الشام ، وكانت لهم منزلة سامية في الكنيسة ، فأُنتخب منهم الصفي أبو الفضائل في عهد البابا كيرلس بن لقلق (75) ليكون كاتم أسرار المجمع الذي عُقد لفض النزاع الكنسى وقتها .كانت لهم معرفة بعلوم وفنون ولغات كثيرة ، فقد أشتهروا بخطهم العربي الجميل ويُنسب إليهم الخط الأسعدى ، مع تبحرهم في اللغات القبطية والعربية واليونانية والسريانية ، واهتمامهم بالقوانين والشرائع ، ووضع أشعار بالعربية على مستوى رفيع جدًا. ونجد قائمة الأسفار المقدسة الخاصة بهم في كتاب “المجموع الصفوي” وهو القوانين التى جمعها الشيخ الصفي أبي الفضائل ابن العسال كالتالي: “الكتب التى يتخذها المؤمنون فى الكنيسة: كتب العتيقة: التوارة خمسة أسفار. يشوع بن نون كتاب واحد. سفر القضاة كتاب واحد. كتاب راعوث. كتاب يهوديت. أسفار الملوك أربعة: الأول والثاني كتاب والثالث والرابع كتاب. سفر الأيام كتابان (دبري ايامين). كتابات لعزره الكاتب. أستير كتاب. أيوب كتاب. مزامير داؤد كتاب. حكمة سليمان خمسة كتب: الأمثال. قوهلت. سبح التسابيح. الحكمة. حكمة باعوز. (كتب الأنبياء) الستة عشر: الكبار أربعة وهي: اشعيا وارميا و حزقيال و دانيال – و الانبياء الصغار أثنا عشر: هوشع ويوئيل وعاموص و عوبديا و يونان و ميخا و ناحوم و حبقوق و صفنيا و حجاى و زكريا و ملاخيا. وخارجاً عن ذلك: حكمة يشوع بن سيراخ لتعليم الأطفال، وأيضاً كتاب يوسف بن كربون وهو كتاب المقابين. كتب (الحديثة): الإنجيل المقدس لأربعة مبشرين متى ومرقس ولوقا و يوحنا. كتاب واحد الابركسيس. كتاب القاثوليقون سبع رسائل لبطرس رسالتان وليوحنا الإنجيلي ثلث رسائل ويعقوب رسالة ويهوذا رسالة. كتب بولس الرسول أربعة عشر رسالة. كتاب الابوغالمسيس ليوحنا الإنجيلي. وهذه السنن التى أمركم بها”. [34]وهنا نلاحظ أن الصفى بن العسال لم يضع سفر يشوع بن سيراخ وسفر طوبيا وسفري المكابين ضمن قائمة أسفار العهد القديم القانونية، بل جعلها كتب نافعة لتعليم الأطفال فى الكنيسة، ونلاحظ أنه ينسب سفر باروخ إلى سليمان الحكيم.

 26- قانون العلامة القبطى ابن كبر (ق14م):

          يعد شمس الرياسة ابن كبر من علماء الأقباط فى عصر دولة المماليك فى القرن 14 م، و له قانون للأسفار المقدسة، وضعه فى كتابه ” مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة “، و هو كالتالي: ” 1- التوارة خمسة أسفار، 2-الأنبياء الخارجون عمَن ورد: الأسفار  18 , 3- القضاة : سفر واحد ، 4- الملوك و الفضلات ستة أسفار  ،5 – الحكماء : سبعة كتب ( سليمان 5 ، يشوع بن سيراخ 1 ، أيوب 1 ) ، 6- الصديقون : تسعة كتب (عذراء 2 ، المقابين 2 ، يوديت 1 ، رغوث 1 ، أشير 1 ، طوبيت 1 )  ” . ثم يقوم بسردهم بالتفصيل كالتالى : ” 1- سفر الخليقة 2- سفر خروج بنى إسرائيل 3- سفر اللاويين 4- سفر العدد 5- سفر الاستثناء 6- سفر يشوع بن نون (كتاب واحد) 7- سفر القضاة (كتاب واحد)  8- سفر روت (كتاب واحد) 9- سفر يوديت (كتاب واحد) 13- أسفار الملوك (أربعة كتب) 15- سفر فضلات الملوك (كتابان ) 17- سفر عزرا (كتابان) 18- سفر استير (كتاب واحد) 19- سفر طوبيت (كتاب واحد) 22- المقابين (ثلاث كتب) 28- كتب الحكمة الستة ( 1-كتاب أيوب 2- أمثال سليمان 3- حكمة سليمان 4- الجامع 5- قوهلت 6- نشيد الأنشاد) 29- مزامير داود (كتاب واحد) 41- النبوات الأثنى عشر الصغار 1- هوشع 2- يوئيل 3- عاموس 4- عبوديا 5- يونان 6- ميخا 7- ناحوم 8- حبقوق 9- صفونيا 10- حجى 11- زكريا 12- ملاخيا . 45- النبوات الأربعة الكبار: 1- اشعيا 2- ارميا 3- حزقيال 4- دانيال. 46- يشوع بن سيراخ “. ثم يذكر قائمة أسفار العهد الجديد فى زمنه كالتالى: “الكتب الحديثة منذ البشار المحيية المسيحية وعدتها بما فيه من الابركسيس. أولاً – الإنجيل المقدس.  أربع بشائر كتاب واحد. عدد كتب الحديثة على ما ورد قانون 81 من الطلسات: 1- الإنجيل (4) 2- تقلب السليحيين (أعمال الرسل) (1) 3- رسائلهم (7) 4- رسائل بولس (14) 5- رؤيا يوحنا يوحنا الانجيلي (1) 6- رسالتان لاكليمنطس 2 فى جزء واحد. الجملة 28 خارجاً عن الابركسيس”.[35] نلاحظ هنا إضافة ابن كبر الأسفار القانونية الثانية إلى قائمة أسفار العهد القديم، كما نلاحظ إضافته لرسالتى إكليمندس الأسقف إلى قائمة أسفار العهد الجديد.           +++ ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمين +++

 

 

[1]  Bart D. Ehrman (2002). “21: Formation of the New Testament Canon”. Lost Christianities. University of North Carolina at Chapel Hill.

[2] “The Muratorian Fragment”. www.bible-researcher.com

[3] F. F. Bruce, the Canon of Scripture (Intervarsity Press, 1988)

[4]Eusebius. Hist. Eccl. 5: 24: 5

[5] تاريخ الكنيسة – ليوسابيوس القيصري، ترجمة: القمص مرقس داود، إصدار مكتبة المحبة، ك 4: ف26: 14، ص189.

[6] المرجع السابق، ك5: ف8، ص 214، 215، 216.    

[7] المرجع السابق، ك6: ف13 ، ف14 ، ص 260 ، 261 ، 262 . 

[8] المرجع السابق، ك6، ف25، ص273، 274، 275، 276 .

[9] المرجع السابق، ك3: ف3: 1، ص 98.     

[10] المرجع السابق، ك3: ف3: 5. ص 98.

[11] المرجع السابق، ك 3: ف9، 10: 5، ا، 2، 3. ص111، 112.

[12] المرجع السابق، ك 3: ف24: 6، 7. ص 125.

[13] المرجع السابق، ك3: ف25: 1، 2. ص 127. 

[14] القديس كيرلس الأورشليمي – حياته ومقالاته لطالبي العماد والأسرار، ترجمة القمص تادرس يعقوب ملطي، طبعة ثانية 2006م، المقالة الرابعة: 35، 36. ص93، 94.  

[15] Tractatus Super Psalmos (15) – Patrologia Latina, Migne

[16] The critical edition of Erwin Preuschen, Analecta: Kürzere texte zur Geschichte der Alten Kirche und des Kanons, zusammengestellt von Erwin Preuschen (Leipzig: Mohr, 1893), pp. 138-40.

[17] B.F. Westcott, A General Survey of the History of the Canon of the New Testament (5th ed. Edinburgh, 1881).

[18] Johannes Kirchhofer, Quellensammlung zur Geschichte des Neutestamentlichen Kanons Bis Auf Hieronymus (Zürich: Meyer and Zeller, 1844), pp. 7-9. 

[19] Gregory of Nazianzus – Migne’s Patrologia Graeca vol. 37, cols. 471-474 (Carmina Dogmatica, Book I, Section I, Carmen XII.)

[20] Iambics for Seleucus (Iambi ad Seleucum-Amphilochius of Iconium, Migne, Patrologia Graeca Vol.37 

[21] Westcott’s General Survey of the History of the Canon of the New Testament (London, 1870).

[22] The Panarion of Epiphanius of Salamis: Book I (Sects 1-46): Translated by Frank Williams (Leiden: Brill, 1994), p. 26.

[23] The Panarion lxxvi.5, Westcott, General Survey of the History of the Canon of the New Testament (London, 1870). F.F. Bruce, The Canon of Scripture (InterVarsity Press, 1988), p. 213.

[24] The Biblia Sacra Vulgata edited by Robert Weber: Biblia Sacra Iuxta Vulgatam Versionem; Adiuvantibus Bonifatio Fischer OSB, Iohanne Gribomont OSB, H.F.D. Sparks, W. Thiele; Recensuit et Brevi Apparatu Instruxit Robertus Weber OSB; Editio Tertia Emendata quam Paravit, etc. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1983), pp. 364-66.

[25] خطابات القديس جيروم، الجزء الثانى (الخطابات 23- 53)، تعريب: القس يوحنا عطا، إصدار مدرسة الإسكندرية، طبعة أولى 2019 ، الخطاب رقم 53 : 8-10 ، ص264- 273 .

[26] Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church edited by Philip Schaff, vol. 2 (New York: Charles Scribner’s Sons, 1899), Augustine of Hippo -On Christian Doctrine, Book ii, chapter 8. pp. 538-9.          

[27] Cf. the English edition, A History of the Councils of the Church: From the Original Documents by Charles Joseph Hefele, translated from the German and edited by William R. Clark, etc., vol. 2 (Edinburgh: T & T Clark, 1876), p. 468.B.F. Westcott, A General Survey of the History of the Canon of the New Testament (5th ed. Edinburgh, 1881), pp. 440, 541-2.

 

[28] Nicene and Post-Nicene Fathers, series 2, vol. 3. Exposition of the Creed – Rufinus of Aquileia,36-38.

[29] B.F. Westcott, A General Survey of the History of the Canon of the New Testament (5th ed. Edinburgh, 1881), pp. 570.

[30] Ernst von Dobschütz, Das Decretum Gelasianum de libris recipiendis et non recipiendis in kritischem Text herausgegeben und untersucht von Ernst von Dobschütz (Leipzig: J. C. Hinrichs, 1912). 

[31] J.P. Migne, Patrologiae Cursus Completus, Series Graeca, vol. 28 (Paris, 1887; volume 4 of the collected works of Athanasius), cols. 284-93 and 432.

[32] Nicene and Post-Nicene Fathers, Series Two, Volume IX. (Reprint Grand Rapids: Eerdmans, 1955).  “Concerning Scripture” – Exposition of the Orthodox Faith, Book IV, Chapter XVII.

[33] تاريخ مار ميخائيل السريانى الكبير بطريرك أنطاكية – الجزء الأول، عربه عن السريانية: مار غريغوريوس صليبا شمعون، طبعة 1996 م، المقال السادس: الفصل الأول، تحت عنوان الأسفار التى تقبلها الكنيسة. ص 118 .

[34] كتاب المجموع الصفوي – للشيخ الصفي أبي الفضائل بن العسال، الجزء الأول، أعتنى بنشره الفقير إلى الله: جرجس فيلوثاوس عوض، طبعة خاصة لدارسي القانون الكنسي، الباب الثاني، ص 11.

[35] كتاب مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة – لشمس الرئاسة أبو البركات المعروف بابن كبر، الجزء الأول، حققه: الأب سمير خليل اليسوعي، مكتبة الكاروز، طبعة 1971م، الباب السادس ، ص 209 -211 ، ص 249.

قانونية الأسفار المقدسة – د.  أنطون جرجس عبد المسيح

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

(من منظور كتابي وآبائي وليتورجي)

المقدمة

يتناول هذا البحث موضوع ”الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح“ من منظور كتابي، آبائي، ليتورجي، من أجل الوقوف على أفضل تصور ومفهوم لهذا الموضوع المهم للغاية. حيث أن غاية المسيحية في النهاية هي الانجماع الكلي والاتحاد بالله في المسيح من خلال الروح القدس. يلقي هذا البحث الضوء على مفهوم الانجماع الكلي كما ذكره بولس الرسول، وكما شرحه ق. إيرينيؤس أسقف ليون، الملقب بـ ”أبو التقليد الكنسي“.

كما يلقي الضوء أيضًا على مفهوم آباء الكنيسة الجامعة لماهية الاتحاد بين الله والبشرية في المسيح. ويناقش هذا البحث قضية حلول الروح القدس في البشر من منظور كتابي وآبائي وليتورجي عميق جدًا. لقد قمت في هذا البحث بتتبع الإشارات الكتابية، والآبائية، والليتورجية المختلفة، سواء الموجودة في الكتاب المقدس، وفي كتابات الآباء القديسين معلمي الكنيسة الجامعة، وفي التقليد الليتورجي القبطي بصفة خاصة.

أرجو أن يكون هذا العمل سبب بركة وتعزية ورجاء لكثيرين، بصلوات وطلبات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات آبائي الرسل القديسين، وصلوات آبائي القديسين معلمي الكنيسة الجامعة، وصلوات أبينا وراعينا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – يناير 2023

 

 

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح

سوف نناقش في هذا البحث الموجز ماهية الانجماع الكلي في المسيح، وماهية اتحاد البشرية في المسيح من خلال إشارات الكتاب المقدس، وتعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، والليتورجية القبطية. حيث سنتطرق إلى بركات ومفاعيل هذا الاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وكيف شهد الكتاب المقدس في إشارات كثيرة عن هذا الاتحاد الكياني الحقيقي بين الله والإنسان في المسيح، وكيف أنه لم يكن مجرد اتحاد روحي اعتباري كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي، بل هو اتحاد حقيقي كياني بين الله والإنسان في المسيح.

ثم سنتطرق إلى شهادات آباء الكنيسة الجامعة عن ماهية وكيفية وطبيعة هذا الاتحاد الحميمي الوثيق بين الله والإنسان في المسيح بعمل الروح القدس الساكن بأقنومه في الإنسان المؤمن الحقيقي. ثم سنعبر في رحلة سريعة بين النصوص الليتورجية القبطية التي تؤكد وتبرهن على حقيقة هذا الاتحاد الحقيقي والكياني بين الله والإنسان في المسيح يسوع ربنا.

الكتاب المقدس

يتحدث إنجيل يوحنا عن أن المسيح جاء ليجمع أبناء المتفرقين إلى واحد في شخصه كما تنبأ رئيس الكهنة في هذه السنة دون أن يدري عن موت المسيح الخلاصي والجامع لأبناء الله المتفرقين إلى الوحدة والاتحاد في المسيح كالتالي: ”وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ“ (يو 11: 51-52 فاندايك).

وهكذا يصلي الرب يسوع في إنجيل يوحنا إلى الله الآب من أجل تلاميذه لكي يحفظهم في اسمه المبارك، ولكي يكونوا واحدًا كما أن الابن والآب هما واحد، وكيف أن المسيح ممجَّد فيهم كالتالي: ”وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ. وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ“ (يو 17: 10- 11 فاندايك).

ويصلي الرب يسوع أيضًا إلى الآب من أجل وحدة واتحاد التلاميذ والمؤمنين بالمسيح بسبب كرازتهم، لكي ما يكونوا جميعًا متحدين وواحد مع الآب والابن كالتالي: ”وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي“ (يو 17: 20-21 فاندايك).

وهكذا يؤكد الرب يسوع أنه أعطى التلاميذ والرسل والمؤمنين به المجد الذي أعطاه الآب للابن لكي يكونوا واحدًا كما أن الآب والابن واحد، ويؤكد الرب أيضًا على حلول وسكناه واتحاده بهم وفيهم، وهكذا من خلاله يصيرون متحدين مع الله الآب من خلال الابن المتحد بالمؤمنين كالتالي: ”وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي“ (يو 17: 22-23 فاندايك).

ويؤكد سفر أعمال الرسل أن المؤمنين كانوا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدةً في المسيح، وكل شيء كان مشترك بينهم كالتالي: ”وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا“ (أع 4: 32).

ويقارن بولس الرسول بين آدم القديم الذي كنا جميعًا واحدًا فيه عندما ملك الموت علينا من خلال هذا الواحد، وكيف سنملك في الحياة من خلال آدم الجديد الذي صرنا واحدًا فيه أي الرب يسوع المسيح كالتالي: ”لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ!“ (رو 5: 17 فاندايك).

ويؤكد بولس الرسول على أننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وهذا الجسد هو جسد حقيقي، وليس جسدًا اعتباريًا رمزيًا كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي: ”فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ“ (رو 12: 4-5 فاندايك).

ويشير بولس الرسول إلى أن مَن يلتصق بالرب هو روح واحد معه قائلاً: ”وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ“ (1كو 6: 17 فاندايك).

ويشدد بولس الرسول على أننا هيكل الروح القدس الساكن فينا، وأننا ملك لله الذي امتلكنا بروحه القدوس الساكن فينا كالتالي: ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلهِ“ (1كو 6: 19- 20 فاندايك).

ويشير بولس الرسول إلى حقيقة شركتنا مع الله، وأننا جسد واحد حقيقي باشتراكنا مع المسيح في الخبز الواحد أي جسده المقدس في الإفخارستيا كالتالي: ”كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ“ (1كو 10: 16-17 فاندايك).

ويؤكد بولس على أن موت المسيح لأجل الجميع معناه موت الجميع أيضًا معه كالتالي: ”لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا“ (2كو 5: 14 فاندايك).

ويشير ق. بولس في إشارة قوية وواضحة إلى الانجماع الكلي في المسيح قائلاً: ”إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ“ (أف 1: 9-10 فاندايك).

ويتحدث بولس الرسول عن خضوع الكل تحت قدمي المسيح في إشارة أخرى واضحة إلى الانجماع الكلي في المسيح رأس كل شيء، مشيرًا إلى الكنيسة كجسد المسيح الملء الذي يملأ الكل في الكل كالتالي: ”وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (أف 1: 22- 23).

وهكذا وحَّدنا المسيح في ذاته كما يقول معلمنا بولس الرسول، وهكذا متنا مع المسيح، وصرنا أحياءً في المسيح، وقمنا مع المسيح، ونحن جالسون في المسيح يسوع في السماويات كالتالي: ”اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ ­ وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“ (أف 2: 4-7 فاندايك).

كما يشير بولس الرسول إلى انعتاق الخليقة كلها من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله في المسيح قائلاً: ”لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ“ (رو 8: 21 فاندايك).

ثم يتحدث ق. بولس عن التجديد الشامل والكلي للخليقة في المسيح قائلاً: ”إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا“ (2كو 5: 17 فاندايك).

ويتحدث بولس الرسول في إشارة إلى الخضوع الكلي والنهائي لله الآب في الابن المتجسِّد قائلاً: ”وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ ِللهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ. لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ: ’إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ‘ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ. وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (1كو15: 24-28).

 

 

تعاليم آباء الكنيسة الجامعة

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يُعتبر ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي من أكثر آباء الكنيسة الجامعة الذين تحدثوا عن الانجماع الكلي للخليقة كلها في المسيح مقتفيًا أثر بولس الرسول، وهكذا جاء المسيح في تجسُّده بتدبير شامل ليجمع كل الأشياء في نفسه، حيث يقول التالي:

”لذلك، إذ يوجد إله واحد هو الآب كما سبق أن أوضحنا، ومسيح واحد هو المسيح يسوع ربنا، الذي جاء بتدبير جامع وشامل لكي يجمع كل الأشياء في نفسه، ومن ضمن ’كل هذه الأشياء‘ يوجد الإنسان كخليقة الله؛ لذلك فهو يجمع الإنسان أيضًا في نفسه.
فغير المنظور صار منظورًا، وغير المدرَك صار مدركًا، وغير المتألم صار متألمًا؛ والكلمة صار إنسانًا جامعًا كل الأشياء في نفسه. وهكذا، فكما أن أنه هو الأول بين الكائنات السماوية والروحية والأشياء غير المنظورة، هكذا أيضًا هو الأول بين الأشياء المنظورة والمادية. وهو يأخذ الأولية لنفسه؛ وإذ جعل نفسه رأس الكنيسة، فهو سيجذب كل الأشياء إلى نفسه في الوقت المحدَّد“.[1]

ويربط ق. إيرينيؤس الانجماع الكلي في المسيح بتجديد الجنس البشري كله، وتاريخ الإنسانية كلها، وهكذا يعوضنا المسيح في نفسه عما فقدناه في آدم الأول، معطيًا لنا من جديد صورة الله وشبهه قائلاً:

حين تجسَّد، وصار إنسانًا، جمع في نفسه، تاريخ الإنسان الطويل جامعًا الخلاص فيه ليعطينا إياه لنقبل من جديد، في المسيح يسوع ما فقدناه في آدم، أعني صورة الله وشبهه“.[2]

ويتحدث ق. إيرينيؤس أيضًا عن أننا صرنا أعضاءً في جسد الرب ودمه، ونلنا الحياة الأبدية من خلال سر الإفخارستيا كالتالي:

”كيف يمكنهم أن يؤكدوا أن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله، التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي يتغذى من جسد الرب ودمه، وصار عضوًا فيه“.[3]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

يتحدث ق. ميثوديوس الأسقف والشهيد عن الانجماع الكلي للكنيسة في المسيح من خلال الأسرار كالمعمودية، حيث يقترح ق. ميثوديوس إعادة خلق مطلقة وكاملة أكثر بكثير من خلق آدم الأول الذي أخطأ، وهكذا شرع الله في إعادة خلق البشرية كلها بالتجسُّد كالتالي:

”فالكنيسة تتزايد يوميًا في العظمة والجمال والكثرة، بالاتحاد والشركة مع الكلمة، والذي لا يزال يأتي إلينا، وتُدخِله ذكرى آلامه في حالة نشوة؛ وإلا ما استطاعت الكنيسة أن تحبل بالمؤمنين، ولا أن تلدهم ميلادًا جديدًا في جرن التجديد، ما لم يُخلِ المسيح نفسه لأجلهم، حتى يمكنهم أن يحتووه، كما قد قلت، من خلال الانجماع الكلي الذي لآلامه، ليموت ثانيةً؛ إذ يأتي من السماء، ويصبح ’مرتبطًا بزوجته‘، الكنيسة، لكي يمد بقوة معينة تؤخذ من جانبه، لكي ما ينمو كل مَن بُني فيه، أولئك الذين وُلِدوا ثانيةً بغسل الجرن، الذي يقبلون من عظامه ومن لحمه، أي من قداسته ومن مجده“.[4]

كما يؤكد ق. ميثوديوس على حتمية تجسُّد الكلمة، واتحاده بالإنسان ليُعِيد الأشياء فيه إلى حالتها الأولى التي كانت منذ البداية، وذلك بميلاده البتوليّ والعذراويّ من العذراء بالروح القدس، وهكذا كـوَّن الأشياء بنفس الطريقة كما كانت من البداية؛ أي أعاد خلقتها على طبيعتها وحالتها الأولى قبل السقوط قائلاً:

”وكان هذا هو المسيح: إنسان مملوء من النقاء واللاهوت الكامل، وتنازل إلى مستوى الإنسان. لأنه الأكثر ملائمة أن الأقدم من الدهور والأرفع من رؤساء الملائكة، عندما أراد الاتحاد بالإنسان، استقر في أقدم وأول إنسان ’آدم‘. ولذلك عند إعادة هذه الأشياء التي كانت منذ البداية، وتكوينها مرة أخرى من العذراء بالروح؛ فقد كوَّنها الله بنفس الطريقة، كما كانت في البداية، عندما كانت الأرض لا تزال بكرًا، وغير محروثة، أخذ الله الطين، وصنع منه كائن عاقل بدون بذرة“.[5]

ق. أثناسيوس الرسولي

يتحدث ق. أثناسيوس الرسولي عن وجودنا الكياني في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد، حيث يقول التالي:

لكي إذَّا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[6]

ويؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[7]

ويؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائن فينا أي في بشريتنا كالتالي:

إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[8]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[9]

ويؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية كالتالي:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا -المتَّحِدين معه في نفس الجسد– داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[10]

ويشير ق. أثناسيوس إلى وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بواسطتها هيكل الله، وصِرنا أبناء لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

أنه ليس اللوغوس بسبب كونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[11]

ثم يوضح ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تم الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[12]

كما يؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[13]

وهكذا يتحدث ق. أثناسيوس عن الخضوع الكلي في المسيح بسبب اقتنائه للبشرية، ولقد صارت ربوبية المخلص على الكل كالتالي:

”فإنه يملك على الذين هم بالفعل تحت سلطانه الآن. أمَّا وإن كان الرب خالق الكل، وملك أبدي، فعندما صار إنسانًا اقتنانا نحن أيضًا. وبهذا يصير واضحًا أن ما قاله بطرس لا يعني أن جوهر الكلمة مصنوع، بل يعني خضوع الكل له فيما بعد، وأن ربوبية المخلص هي التي قد صارت على الكل“.[14]

ويتحدث ق. أثناسيوس أيضًا عن تحرير المسيح للبشرية كلها وخضوع كل الأشياء للمسيح، مقدسًا الجميع بالروح، لأنه قد صار فاديًا للجميع وربًا للأحياء والأموات كالتالي:

”إلا أن اتخاذه للجسد لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى فإن الكلمة بهذا الحدث (اتخاذ الجسد) قد حرَّر كل البشرية، فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة قد جُعِلَ إنسانًا، وصار رب الجميع ومسيحًا من خلال صور العبد، أي لكي يقدس الجميع بالروح […] ولأنه صار فاديًا للجميع، فقد صار رب الأحياء والأموات. ولذلك فإن كل الأشياء تخضع له، وهذا أيضًا هو ما يعنيه داود حينما يترنم: ’قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك‘ (مز 110: 1)“.[15]

ويؤكد ق. أثناسيوس على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية كالتالي:

ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من جسد الكلمة ذاته“.[16]

ق. كيرلس الأورشليمي

يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي أيضًا على اتحادنا الكياني والحقيقي بالمسيح ونوالنا شركة الطبيعة الإلهية، وذلك من خلال اتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا، فنصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا كالتالي:

”وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا، ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن حاملي المسيح بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس ’شركاء الطبيعة الإلهية‘ (٢بط١: ٤)“.[17]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

يؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزي الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ على فكرة وجودنا الكياني في المسيح في تدبيره الخلاصي، مؤكِّدًا على المبادلة الخلاصية الشفائية بيننا وبين المسيح، حيث يقول التالي:

بالأمس صُلِبَت مع المسيح، واليوم أتمجَّد معه، بالأمس مُت معه، واليوم نلت الحياة به، بالأمس دُفِنَت معه، واليوم أقوم معه […] وكما تَشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، أتضع كي يرفعنا، جاز التجربة كي نغلب نحن به، أُهِين ليُمجِّدنا، مات ليُخلِّصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية“.[18]

يتحدث ق. غريغوريوس النزينزي عن الخضوع الكلي للخليقة كلها في المسيح لله الآب، بسبب الاتحاد الكياني للخليقة كلها بالمسيح كالتالي:

وهكذا فحين أكون غير خاضع وعاصيًا بنكراني الله وأهوائي، يكون المسيح أيضًا غير خاضع فيَّ. ولكن ’متى أُخضِعَ له كل شيء‘ – وسيُخضَع له بمعرفة الله والتحول – سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله ناعمًا بالخلاص. وخضوع المسيح يكون – على ما أقول – في إتمام مشيئة الآب. الابن يُخضِع كل شيء للآب، والآب يُخضِعه للابن: الواحد بفعله، والآخر بعطفه، كما ذكرنا ذلك آنفًا. وهكذا فالمُخضِع يقدم لله ما أُخضِعَ له ويجعلنا من خاصته“.[19]

ويؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية، وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله)، ونلبس الإنسان الجديد، ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية كالتالي:

”بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة [النفس] والثانية منظورة [الجسد]، فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد“.[20]

ق. غريغوريوس النيسي

يشير ق. غريغوريوس النيسي إلى وجودنا الكياني في المسيح أثناء عمله الخلاصي، والمبادلة الخلاصية بيننا وبينه، وكيف ألَّه اللاهوت كياننا البشري فيه بالنعمة كالتالي:

”لأنه حتى إنْ كانت طريقة حضور الله فينا ليست هي نفسها كتلك الحالة السابقة، إلا أننا نعترف أن وجوده فينا الآن وآنذاك هو متساوي. فالآن هو يختلط بنا، باعتباره حافظ الطبيعة في الوجود، ومن ثم قد اختلط بكياننا حتى من خلال شركة اللاهوت يصير كياننا مُتألهًا، مُنعتِقًا من الموت، ومُتحرِّرًا من طغيان الخصم. لأن عودته من الموت صارت بداية عودة جنسنا من الفناء إلى الحياة غير المائتة“.[21]

كما يشير ق. غريغوريوس النيسي إلى نوال نعمة الاتحاد بالله والتأله من خلال سر الإفخارستيا؛ حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا، ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة) كالتالي:

”لذلك قَبِلَ ذاك الجسد وهو الوعاء الإلهي، هذا العنصر (السائل) من أجل بنيانه الذاتي، هو الإله الذي ظهر، ولذلك فقد اندمج بنفسه مع الطبيعة الفانية، حتى أنه بشركة اللاهوت تتأله البشرية، لذا فقد غرس نفسه في كل الذين يؤمنون بتدبير النعمة من خلال الجسد الذي يتكوَّن من الخمر والخبز، واختلط بأجساد المؤمنين، حتى باتحاده بغير المائت يصير الإنسان أيضًا شريكًا لعدم الفساد. وهو يمنح هذه (العطايا) بفضل قوة البركة التي من خلالها يُغيِّر طبيعة هذه الأشياء التي تظهر (للحواس) إلى تلك (الطبيعة غير المائتة)“.[22]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

ويرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ البعد السرائريّ في اتحادنا بالمسيح في سر الإفخارستيا، حيث يقول التالي:

”من ناحية أخرى، قد شهد هو نفسه عن كيف يكون اتحاده بالحقيقة فينا بهذه الطريقة: ’مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ‘ (يوحنا56:6). إذ لن يسكن فيه أحد سوى الذي يسكن فيه بنفسه، لأن الجسد الوحيد الذي قد أخذه لنفسه هو جسد هؤلاء الذين أخذوا جسده، لقد علَّم بالفعل قبلاً عن سر تلك الوحدة الكاملة […] هذا هو سبب حياتنا أننا لدينا المسيح يحيا في طبائعنا البشرية الجسدية بالجسد، وسوف نحيا به كما أنه يحيا بالآب“.[23]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف ميلان عن اتحادنا الكياني في المسيح مُردِّدًا ما نُصلِي به في تسبيحتنا ”هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له“ قائلاً:

”إذًا، فقد أخذ منا ما كان يجب أن يُقدِّمه لنا، هكذا لكي يُفِيدنا مما يخصنا، وبعطيته الإلهية يُقدِّم مما يخصه [أي لاهوته]، ما لم يكن خاصًا بنا، إذًا، بحسب طبيعتنا قدَّم ذاته، حتى بهذا يعمل عملاً أسمى من طبيعتنا. التقدمة هي مما يخصنا أما المكافأة فهي مما يخصه، وكثيرًا ما نجد فيه أيضًا أمور بحسب الطبيعة وأسمى من الطبيعة (البشرية)“.[24]

ويستطرد ق. أمبروسيوس في نفس السياق مُتحدِّثًا بكل صراحة عن وجودنا الكياني في المسيح كالتالي:

”إذًا، بما أن جسد الكل أيضًا في المسيح خضع للجروح، كيف تقولون إن ذلك الجسد وتلك الألوهية لهما الطبيعة ذاتها؟“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو

ننتقل إلى أوغسطينوس أسقف هيبو ولنا وقفة معه، لأن البعض يُهاجِم تعبير ”جسد المسيح السري“ مُعتقدين أنه تعبير حديث مُعاصر قاله أحد الآباء في العصر الحديث، ولكن المفاجأة الكبرى إنه تعبير أوغسطينيّ صرف تعلَّمه أوغسطينوس من قوانين تايكونيوس الدوناتي، واعتاد استخدامه كمفتاح لتفسير المزامير، للتأكيد على مبدأ أن الكنيسة هي جسد المسيح السري، حيث يقول التالي في تفسيره لسفر المزامير:

”هذه النبوة تنطبق على الشيطان وملائكته الذين يقاتلون، لا ضد جسد المسيح السري فحسب، بل ضد كل عضو من أعضائه، ’قصمت أسنان الأثمة‘، لكل منا أعداؤه الذين يلعنونه، فضلاً عن فاعلي الشر الذين يسعون إلى انتزاعنا من جسد يسوع المسيح، لكن للرب الخلاص“.[26]

كما يؤكِّد أوغسطينوس على حقيقة اتحادنا الكياني في المسيح، وعبور المسيح بجسده الكامل أي الكنيسة من الموت إلى الحياة، قائلاً:

”هكذا أيضًا عبر المسيح بجسده الكامل من الموت إلى القيامة وجسده هو الكنيسة (كو١: ٢٤)“.[27]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق، مؤكِّدًا على اتحاد مثال بشريته بنا لإزالة مخالفة فسادنا بشركة موتنا من أجل أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية والتألُّه قائلاً:

”وبالتالي باتحاد مثال بشريته بنا، قد أزال مخالفة فسادنا، وبشركته لموتنا جعلنا شركاء طبيعته الإلهية“.[28]

ويستطرد أوغسطينوس شارحًا كيف يهب المسيح الرأس أعضاء جسده أي كنيسته ما يقبله هو ناسوتيًا من لاهوته المتَّحِد به كالتالي:

فإنه قَبِلَ بين الناس أيضًا كالرأس يُعطِي إلى أعضائه: وهو نفسه قد أعطى وقَبِلَ بين الناس وبدون شك كما في أعضائه الذين من أجلهم أيّ من أجل أعضائه صرخ من السماء قائلاً: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ (أع٥: ٤)، والذين من أجلهم أيّ أعضائه يقول: بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم (مت٢٥: ٤٠)، لذا قد أعطى المسيح نفسه من السماء [أي من لاهوته]، وقَبِلَ على الأرض“.[29]

ثم يشرح أوغسطينوس كيفية الاتحاد بين المسيح وبيننا في الجسد الواحد مُستخدِمًا تعبيرات مثل: الانسجام، أو التوافق، أو التناغم، أو التآلف، أو الشركة، للتأكيد على وحدتنا الطبيعية في المسيح المغروسة فينا بصفة خاصة من خلال موته وقيامته بطبيعتنا البشرية كالتالي:

”بينما يُواجِه موته الواحد وقيامته الواحدة ازدواجية وثنائية موتنا وقيامتنا، لأنه بهذا الانسجام أو التوافق أو التناغم أو التآلف أو أي كلمة مناسبة أكثر يمكن التعبير بها، بحيث أن اتحاد الواحد بالأثنين له أهمية كبيرة جدًا في كل الاندماج والاتفاق أو بالحري شركة الخليقة، تمامًا مثلما يحدث لي وهو ما أقصده بدقة بالغة بالشركة التي يدعوها اليونانيون άρμονία أي الانسجام والتناغم، ومع ذلك فهذا ليس المكان لكي ما أستعرض قوة ذلك الانسجام والاتحاد بين الواحد والثنائي الموجود بصفة خاصة فينا والمغروس فينا بصورة طبيعية أيضًا (الذي لا يكون إلا بواسطة خالقنا)؟ الذي لا يفشل حتى الجاهل في إدراكه“.[30]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يُصادِق ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس كلام الآباء السابقين واتحادنا الكياني في المسيح، وأننا نصير جسد المسيح ليس بالرغبة أو الإرادة فقط، بل في الواقع أيضًا كالتالي:

”إن دور التلميذ هو ألا يفحص بوقاحة في تعاليم مُعلِّمه، بل دوره أن يسمع ويؤمن وينتظر الوقت لذلك لكي ما نصير جسده ليس بالرغبة فقط، بل أيضًا على مستوى الواقع، فليتنا نصير متَّحِدين بذلك الجسد، وهذا بالحق يتم بواسطة الطعام الذي أعطاه لنا كهبة [أي الإفخارستيا]، لأنه أراد أن يُبرهِن على الحب الذي له من نحونا. إذ لهذا السبب أشرك نفسه معنا، وأنزل جسده لمستوانا أي نصير واحدًا معه كاتحاد الجسد مع الرأس، وهذا بالحق هو سمة حبه العظيم“.[31]

ويُحدِّد ق. يوحنا مفهوم التقدمة أو الفدية أو الذبيحة بأن الابن وحَّد نفسه بنا وقدَّمنا كذبيحة في نفسه، لأن الابن كله حلَّ فينا لا بنوع من الطاقة، بل كجوهر كالتالي:

”يقول الرسول وبتشديد أكثر أن كل ما هو للآب هو للابن أيضًا، لأنه صار ميتًا لأجلنا، ووحَّد نفسه بنا. لم يقل الرسول ’باكورةً‘ كما في الثمار، ولم يقل ’قيامةً‘ فحسب، بل قال ’باكورة القيامة‘ مظهرًا أنه قد قدَّسنا كلنا، وقدَّمنا كما لو كنا ذبيحةً. إن البعض يستخدم تعبير ’الملء‘ كنايةً عن اللاهوت، كما قال يوحنا: ’ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا‘ (يو 1: 16). أي مهما كان الابن، فالابن كله حلَّ هناك ليس بنوع من الطاقة، بل كجوهر“.[32]

ويتحدَّث ق. يوحنا ذهبي الفم عن امتزاج المسيح بنا في جسده ليس بالإيمان فقط، بل بجعلنا جسده الحقيقي، حيث يقول:

”فلم يكن كافيًا للسيد أن يصير إنسانًا ويُضرَب ويُقتَل، لكنه بمزج نفسه أيضًا بنا، لا بالإيمان فقط، بل بجعلنا أيضًا جسده بالفعل“.[33]

ويؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس التعبير مُعطِيًا له بعدًا سرائريًا، وهو امتزاجنا بالمسيح في جسد واحد في سر الإفخارستيا كالتالي:

”المائدة التي منها نقتات نحن، التي بها نمتزج ونصير جسدًا واحدًا ولحمًا واحدًا مع المسيح“.[34]

ويُشدِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس مفهوم امتزاج المؤمنين بالمسيح في الأسرار قائلاً:

فالسيد يمزج ذاته بكل واحد من المؤمنين في الأسرار، وهو يُطعِم بنفسه الذين ولدهم ولا يُسلِّمهم لآخرين، مُقنِعًا إياكم بهذا مرةً أخرى أنه اتخذ جسدكم“.[35]

ويُعرِّف ق. يوحنا ذهبي الفم مفهوم شركتنا في جسد المسيح في موضع آخر قائلاً:

”لقد قال: شركة جسد المسيح، ليؤكِّد على أن ما نتناوله حقًا هو جسد المسيح المحيي، فعندما قال: شركة جسد، فإنه أراد أن يقول شيئًا يُعبِّر به عن أن الاتحاد يمضي في طريقه نحو ما هو أكثر، ولذلك أضاف: فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد (١كو١٠: ١٧) ولماذا يقول شركة؟ يقول إن هذا الجسد ذاته هو نحن، لأنه ما هو الخبز؟ إنه جسد المسيح. وماذا يحدث للمؤمنين الذين يتناولون منه؟ يصيرون جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسدًا واحدًا“.[36]

ق. كيرلس الإسكندري

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري مُؤكِّدًا على فكرة وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا“.[37]

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري في موضع آخر على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، حيث يقول التالي:

”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[38]

كما يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندري بين الهرطوقي والأرثوذكسي بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:

وحيث أن الهرطوقي في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: ’إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تشير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي‘. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبِين للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة.

فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]..

فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦).

كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[39]

وأخيرًا، يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا أي ”بشركة جسده الخاص الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[40]

وهكذا نجد التأكيد في شروحات آباء الكنيسة على اتحادنا الكياني في المسيح سواء في تدبير الخلاص أو على مستوى الأسرار، وبالتالي لا يمكن أن يكون جسد المسيح أي جسد البشرية، كما يدَّعي البعض خطاءً، جسدًا اعتباريًا، أو رمزيًا، أو روحيًا فقط، بل جسدًا حقيقيًا بشهادة جميع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا.

حيث يدحض آباء الكنيسة التعليم غير الأرثوذكسيّ بنظرية الأجساد الثلاثة، وادعاء البعض بأن جسد المسيح الذي أخذه من العذراء غير جسده أي الإفخارستيا، وغير جسده أي الكنيسة، واعتبار جسد المسيح السريّ أي الكنيسة هو مُجرَّد جسد رمزيّ اعتباريّ.

وتتفق في ذلك آراء آباء الكنيسة الغربية اللاتينية مع آراء الكنيسة الشرقية اليونانية، حيث قد وجدنا أنهم يؤكِّدون على وحدة الأجساد الثلاثة، وعدم فصلهم عن بعضهم البعض، مُتفِقين مع أقول آباء الكنيسة اليونانية الشرقية في نفس الموضوع، وأود التنويه إلى أن ما أعرضه من أقوال الآباء وشروحاتهم هو بعض من كل، وقليل من كثير، وعشرات بل مئات من الشروحات تؤكِّد على اتحادنا الكياني في المسيح.

 

الليتورجية القبطية

نجد العديد من الإشارات في نصوص الليتورجية القبطية إلى اتحادنا الكياني بالمسيح، كما سنرى في النصوص الليتورجية التالية.

حيث نجد إشارة واضحة جدًا للاتحاد الكياني بالمسيح في قسمة للابن تُقال في أي وقت، وهكذا يتحدث عن إعطاء الله لنا مشتهيات الألوهية، بعدما خسرنا شجرة الحياة، وهذا يحدث من خلال تناولنا الجسد والدم الأقدسين كالتالي:

”صنعت لي وليمة النعمة، وشفيتني من سم الحية، وسلمتني أدوية الخلاص. لأنه هكذا أيها السيد، عندما عدَّمت نفسي من شجرة الحياة، أعطيتني مشتهيات الألوهية. صيَّرتني واحدًا معك، أعطيتني جسدك ودمك الذي بذلته عن حياة العالم“.[41]

وتتحدث قسمة أخرى للقديس كيرلس السكندري تُقال في أي وقت عن اتحادنا الكياني والحقيقي بالمسيح، حيث عندما نتناول الجسد والدم تشارك نفوسنا مجد الله، وتتحد نفوسنا بألوهيته، ونصير هياكل مقدسة لحلوله، ونتحد به اتحادًا سريًا، وهكذا نتحد بالثالوث القدوس، ويكون واحدًا معنا وفينا كالتالي:

”أجعلنا أهلاً لحلول روحك الطاهر في نفوسنا، أنر عقولنا لنعاين سبحك، نق أفكارنا وأخلطنا بمجدك. حبك أنزلك إلى هبوطنا، نعمتك تصعدنا إلى علوك […] عند استحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك، تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك، وتتحد نفوسنا بألوهيتك […] صيرنا هياكل مقدسة لحلولك […] أهلنا للاتحاد بك خفيةً. وهبت لنا أن نشرب كأس دمك طاهرًا، أهلنا أن نمتزج بطهارتك سرًا. وكما أنك واحد في أبيك وروحك القدوس، نتحد نحن بك، وأنت فينا، ويكمل قولك، ويكون الجميع واحدًا فينا“.[42]

وهكذا نحن نتناول في سر الإفخارستيا الجسد الإلهي والدم الكريم لنتأله، وليس كما يدَّعي البعض أننا نتناول الناسوت دون اللاهوت، حيث نصلي في قسمة تُقال للابن في سبت الفرح التالي:

”وأنعمت علينا بشجرة الحياة، التي هي جسدك الإلهي ودمك الحقيقي“.[43]

كما تتحدث القسمة الوجيزة عن أننا نتناول الجسد الإلهي والدم الكريم، نتناول الجسد الإلهي والدم الكريم، وليس الناسوت دون اللاهوت كالتالي:

”يا الله الذي أنعم علينا نحن الخطاة بميقات الخلاص، وذبيحة ناطقة سمائية التي هي الجسد الإلهي، والدم الكريم اللذان لمسيحك. هذا الذي صار لنا طُهرًا، وخلاصًا، ونعمةً، وغفرانًا للخطايا“.[44]

وتتحدث قسمة الابن السنوي عن اتحادنا الكياني بالمسيح في الإفخارستيا كالتالي:

”وحينما أتقدم لتناول أسرارك، أجعلني مستحقًا لذلك، ومؤهلاً للاتحاد بك“.[45]

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي في قداسه عن امتلاء الكل سواء البشر أو الملائكة من لاهوت الابن في صلاة الصلح الموجهة للابن في القداس الغريغوري كالتالي:

”وصالحت الأرضيين مع السمائيين، وجعلت الاثنين واحدًا، وأكملت التدبير بالجسد. وعند صعودك إلى السماء جسديًا، إذ ملأت الكل بلاهوتك، قلت لتلاميذك ورسلك القديسين: سلامي أعطيكم، سلامي أنا أترك لكم“.[46]

كما نصلي في الشيرات الثانية في باكر سبت الفرح مخاطبين العذراء مريم القديسة قائلين:

”السلام للممتلئة نعمة، المائدة الروحية التي تعطي الحياة لكل مَن يأكل منها [المقصود هو الإفخارستيا]، السلام للإناء غير الفاسد الذي للاهوت المعطي الشفاء لكل مَن يشرب منه“.[47]

ويتحدث هنا أننا نشرب من إناء اللاهوت غير الفاسد لشفائنا، وأعتقد أنه يقصد أننا نشرب اللاهوت سرائريًا المعطي شفاءً لكل مَن يتناول منه.

كما هناك إشارة واضحة جدًا إلى عقيدة التأله بالنعمة في طرح واطس للأحد الثالث من الخمسين المقدسة، حيث تتحدث عن قيامة المسيح كعربون للتأله والقيامة الأبدية كالتالي:

”قام الملك المسيح من القبور عربون التأله والقيامة الأبدية، له المجد دائمًا“.[48]

وهكذا يصلي الكاهن في صلاة تسريح ماء المعمودية في ختام طقس سر المعمودية المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمدين بنور اللاهوت بعد معموديتهم، أي أنهم اتحدوا بالنور الإلهي، وصاروا يضيئون ببهاء ونور اللاهوت كالتالي:

”أنت يا سيدنا جعلت هذا الماء طاهرًا بنعمة مسيحك، وحلول روحك القدوس عليه، وصار لعبيدك الذين تعمدوا فيه حميمًا للميلاد الجديد، وتجديدًا من الضلالة القديمة، وأضاءوا بنور لاهوتك“.[49]

ويصلي الكاهن على المعمد أيضًا في صلاة حل زنار المعمدين بوضع يده عليه، بعد التناول من الأسرار المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمد بنور لاهوت السيد الرب إلهنا، ونواله النور الفوقاني الذي من فوق، النور غير الموصوف، الذي للرب يسوع المسيح مخلصنا كالتالي:

”أيها السيد الرب إلهنا مانح السلام والبركة، ذو الصلاح، وحده محب البشر، الذي باركنا، وقدسنا، وأضاء علينا بنور لاهوته، الذي جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذي من فوق، غير الموصوف، الذي لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهَّرهم. باركهم. جدَّدهم بنعمتك من جهة الصبغة التي نالوها بقوة روحك القدوس المحيي“.[50]

كما يصلي الكاهن طلبة في تحليل المرأة أثناء إتمام طقس سر المعمودية المقدسة، حيث يتحدث عن اتحادنا الكياني بشخص المسيح في شركة سرية كالتالي:

”من أجل هذا يارب طهَّرت طبيعتنا، وعتقتنا بالاتحاد في شخصك في شركة سرية. نسأل ونطلب منك يا مُحِب البشر لكي تتطلع على أمتك (فلانة) حتى يتجدد روح قدسك في أحشائها“.[51]

وتتحدث قسمة الابن التي تُقال في أي وقت عن الاتحاد الكياني في المسيح بالروح القدس، حيث صرنا مسكنًا له بالروح القدس الحال فينا بأقنومه كالتالي:

”وأكملت ناموسك عني، ربطتني بكمالات الشريعة. وعزيتني بلبان العلم من قِبل روحك القدوس، منطقتني بالقوة، واتخذتني لك مسكنًا“.[52]

وتتحدث قسمة تُقال للابن في عيد القيامة عن نوالنا لنور قيامة الرب بتجسده وقيامته، وإضاءتنا بشكله المحيي بنور معرفته الحقيقية كالتالي:

”ونحن أيضًا الجلوس في الظلمة زمانًا، أنعم علينا بنور قيامته من قِبل تجسُّده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقية لنضيء بشكلك المحيي“.[53]

ويصلي الكاهن صلاة خضوع للآب قبل التناول في القداس الكيرلسي، تؤكد على أننا ننال بالتناول من الأسرار المقدسة طُهر إنساننا الداخلي كطُهر الابن الوحيد كالتالي:

طهَّر إنساننا الداخلي كطُهر ابنك الوحيد، هذا الذي نريد أن نتناوله“.[54]

ويصلي الكاهن في صلاة القسمة للآب في القداس الكيرلسي، ويتحدث عن تناولنا للجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس والجسد والروح، ألا وهي الجسد المقدس والدم الكريم اللذان للمسيح، وهذه الجمرة بالطبع هي جمرة اللاهوت، لأن إلهنا نار آكلة، وبالتالي يدحض هذا القول بأننا نتناول الناسوت فقط في سر الإفخارستيا، وليس اللاهوت المتحد بالناسوت كالتالي:

”تفضل طهَّر أنفسنا، وأجسادنا، وشفاهنا، وقلوبنا، وأعطنا هذه الجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس، والجسد، والروح، التي هي الجسد المقدس، والدم الكريم اللذان لمسيحك“.[55]

ويصلي الكاهن في صلاة الحجاب لأبينا ق. يوحنا المثلث الطوبى للآب سرًا، في بداية القداس الكيرلسي، ويتحدث عن حلول الروح القدس، النار غير الهيولية (أي غير المادية) فينا، أي يتحدث عن حلول الروح القدس بأقنومه فينا، كالتالي:

”أعطني يارب روحك القدوس، النار غير الهيولية [المادية] التي لا يُفكَّر فيها، التي تأكل كل الضعفات، وتحرق الموجودات الرديئة“.[56]

وهذا ما نصليه أيضًا مخاطبين العذراء القديسة مريم في لبش واطس في باكر سبت الفرح (أو سبت النور) لكي ما ننال الروح القدس لنصير مسكنًا له مثلما حلَّ على العذراء القديسة مريم، وهذا يؤكد الحلول الأقنومي للروح القدس فينا كما حلَّ أقنوميًا على العذراء مريم كالتالي:

”من أجلك أيضًا صرنا مسكنًا للروح القدس الذي حلَّ عليك وقدَّسك“.[57]

ونستنتج من هنا أن الاتحاد الكياني بالمسيح هو عقيدة متأصلة في الليتورجية القبطية التي تُعتبر وعاءً لعقيدة ولاهوت الكنيسة، فنحن ما نؤمن به نصلي به، وبالتالي، نجد عقيدة الاتحاد الكياني والحقيقي بالمسيح متغلغلة في الليتورجية القبطية وصلواتها المقدسة.

 

 

الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر

هناك دائمًا خوف من القول بأن الروح القدس يسكن البشر بأقنومه، لئلا نصير آلهةً مثل الله، وهذا بالطبع خطأ فادح جدًا، ﻷننا لا نستطيع أن نصير مثل الله فى كمال لاهوته بل نصير بالنعمة مشابهين لله وننمو فى صورته، ومثاله، وشبهه، فلابد أن يسكن الروح القدس بذاته، وأقنومه فينا، ﻷنه مثلاً كيف يسكن اﻹنسان مسكنًا بمواهبه وقدراته وطاقاته دون أن يسكن بجوهره وذاته فى هذا المسكن لذا هناك أدلة كتابية وآبائية كثيرة على الحلول اﻷقنومي للروح القدس فى البشر، سنقوم بعرضها فيما يلي.

الكتاب المقدس

  • حيث يتحدث رب المجد لتلاميذه عن أن روح الحق ماكث معهم ويكون فيهم وليست مواهبه كالتالي: ”رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ“ (يو14: 17).
  • ويتحدث بولس الرسول عن أن الله أعطانا روحه، ولم يعط مواهبه فقط: ”إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ“ (1تس4: 8).

  • ويقول يوحنا الرسول أن الله أعطانا من روحه للثبات فيه، ولم يقل من مواهبه كالتالي: ”بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ“ (1يو4: 13).
  • ويتحدث رب المجد عن أن الروح القدس، روح اﻵب هو المتكلم فينا، وليس مواهبه وطاقاته كالتالي: ”لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ“ (مت10: 20).

  • ويقول بولس الرسول أن الروح القدس، روح الابن هو الصارخ فينا إلى اﻵب، وليست مواهبه، وطاقاته، ونعمه كالتالي: ”ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: ’يَا أَبَا الآبُ‘“ (غلا4: 6).
  • ويتحدث بولس الرسول عن أن روح الله يسكن فينا، ولم يقل مواهبه تسكن فينا كالتالي: ”أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟“ (1كو3: 16).

  • ويقول بولس الرسول أن الروح القدس الذى أقام المسيح من اﻷموات ساكنًا فينا، ولا أعتقد أن مواهب ونعم الروح القدس هي التي أقامت المسيح من اﻷموات، بل الروح القدس نفسه كالتالي: ”وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ“ (رو8: 11).

  • ويؤكد بولس الرسول على أن الروح القدس، روح الله وروح المسيح ساكن فينا، ولم يقل طاقاته ومواهبه كالتالي: ”وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ“ (رو8: 9).

  • ويقول بولس الرسول إن جسدنا هو هيكل للروح القدس، وليس هيكلاً لمواهب الروح القدس كالتالي: ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟“ (1كو6: 19).

  • ويقول بطرس الرسول إن روح المجد والله يحل فينا، ولم يقل مواهب روح المجد كالتالي: ”إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ“ (1بط4: 14). هناك الكثير من اﻵيات الكتابية التي تؤكد على الحلول اﻷقنومي، لذا أكتفي بهذا القدر.

ق. أثناسيوس الرسولي

ونجد أن هناك العديد من أقوال آباء الكنيسة الجامعة تؤكد على الحلول اﻷقنومي للروح القدس فينا، حيث يتحدث ق. أثناسيوس عن طريقة مشهورة للتفريق بين الروح القدس ذاته ومواهبه في حلوله الأقنومي في البشر كالتالي:

”وواضح هنا أنه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس. وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس في البشر، حتى إذا ذكرت كلمة الروح بدون أيّ إضافة، فليس هناك مِن شك أنها تعني الروح القدس وعلى اﻷخص عندما تذكر الكلمة مقترنة بأداة التعريف“.[58]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على أن الحلول الأقنومي لأحد أقانيم الثالوث هو بمثابة حلول للثالوث القدوس كالتالي:

”كيف حينما يوجد الروح فينا يُقال أن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا يُقال إن اﻵب فينا؟ وعندما يكون الثالوث بحق ثالوثًا، فكيف يفهم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يُقال إن الثالوث موجود فينا؟“.[59]

ونجد هنا أن ق. أثناسيوس يسأل محاربي الروح القدس: كيف إذا كان الروح القدس فينا لا يكون الثالوث ساكن فينا؟ ويقول إن كان أحد أقانيم الثالوث فينا، ولم يقل مواهب أحد الاقانيم، فمعنى ذلك حلول الثالوث القدوس كله فينا.

ق. كيرلس الأورشليمي

ويتحدث ق. كيرلس الأورشليمي عن حلول الروح القدس فينا بذاته، وليس بمواهبه فقط، حيث يقول التالي:

”لقد نطق بهذا متنبأ ’حين يجعل الرب روحه عليهم‘. العبارة تقول ’إذ يجعل الرب‘ أي يجعله يحل على الكل […] إنه سيُعطي بسخاء. لقد ألمح فى السر إلى ما كان مزمعًا أن يحدث بيننا في يوم الخمسين، ﻷن الروح القدس بنفسه حلَّ بيننا“.[60]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر في يوم الخمسين، مفرقًا بين حلوله هذا، وحلوله مسبقًا في مناسبات أخرى كالتالي:

وفي المناسبة الثالثة في وقت توزيع الألسنة النارية عليهم الذي نحتفل بذكراه اليوم، ولكن في المناسبة الأولى، كان ظهور الروح القدس بطريقة خافتة، وفي الثانية بطريقة مُعبِّرة وواضحة، أمَّا في الثالثة فبطريقة أكثر كمالاً، حيث أنه لم يعد حاضرًا بالقدرات والطاقات والأفعال كما كان فيما سبق، بل حاضرًا بجوهره يُشارِكنا ويُعايشنا، إذ لا يستطيع أحد أن يقول غير ذلك“.[61]

ق. يوحنا ذهبي الفم

ثم يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن اختلاف طريقة حلول الروح القدس على الرسل في يوم الخمسين عن حلوله على الأنبياء في العهد القديم، حيث يقول التالي:

”أما بالنسبة للأنبياء فالوضع مختلف إذ لم يحل الروح القدس على أحدهم بالطريقة التي حدثت مع الرسل […] لكن الذي حلَّ هنا هو الروح القدس […] لكن لم ينل أحد منهم الروح القدس بنفس الطريقة التي حدثت للرسل هنا“.[62]

وهكذا يؤكد ذهبي الفم على حلول الروح القدس نفسه ونعمته أيضًا كالتالي:

”ليس أنهم نالوا نعمة الروح القدس فقط، بل امتلأوا منه، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا“.[63]

العلامة ديديموس الضرير

ويتحدث العلامة الإسكندري ديديموس الضرير عن سُكنى الثالوث فينا من خلال سُكنى الروح القدس فينا كالتالي:

الروح القدس يسكن في العقل وفي الانسان الباطن بنفس الطريقة التي يسكن بها اﻵب والابن“.[64]

فالعلامة ديديموس لا يتحدث هنا عن سُكنى مواهب، بل عن سُكنى أقانيم الثالوث فينا. ويتحدث العلامة ديديموس أيضًا فى نفس السياق عن شركتنا في الآب والابن من خلال شركتنا مع الروح القدس كالتالي:

”وهكذا فأيٍّ مَن كان له شركة في الروح القدس؛ يصير على الفور في شركة مع اﻵب والابن“.[65]

وهكذا يتحدث العلامة ديديموس عن شركة مع اﻷقانيم، وليست شركة مع المواهب. وكتابه عن الروح القدس مليء بالأدلة على الحلول الأقنومي للروح القدس فينا ولكنني سأكتفي بذلك.

ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس

ويتحدث ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس الملقب بـ ”صائد الهرطقات“ بكل صراحة عن الوجود الأقنومي للروح القدس في كل هذه الأشياء المعطاة للبشر من مواهب الروح القدس كالتالي:

”فإنه يُعطِي الخير للكل بشكل مختلف (1كو12: 8) ’فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ‘ […] وهو يُظهِر لنا الوجود الأقنومي للروح القدس من خلال تلك اﻷشياء“.[66]

ق. كيرلس الإسكندري

وهكذا يتحدث ق. كيرلس الإسكندري صراحةً عن حلول الروح القدس بذاته في داخلنا، ولم يقل بمواهبه فقط في سياق إثبات ألوهية الروح القدس في مقابل محاربي الروح القدس من الآريوسيين، والأفنوميين، والمقدونيين كالتالي:

”كيرلس: فمَّن يعمل في داخلنا، ويكمل فينا عمل الله، هل يمكن ألا يكون الله؟ […] كيرلس: […] قُل لي إذًا، بأي طريقة كان يوجد الله في القدماء عندما كان الروح داخلهم؟ أو كيف يمكن أن يأتي في داخلنا نحن عندما يكون الروح ذاته في داخلنا؟ لأنه لا يمكن أن يتحقق فينا وجود الله حسب طبيعته إن كان الروح مختلفًا عن اﻵب في الجوهر“.[67]

كما يُحارِب ق. كيرلس الإسكندري منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول أننا نتَّحد بالله ونصير واحدًا معه وشركاء الطبيعة الإلهية بشركتنا ووحدتنا مع الروح غير المخلوق في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس، حيث يقول التالي:

”هكذا أيضًا ذاك الذي صار شريكًا للروح القدس يصير واحدًا مع الرب، وبالتالي الروح القدس هو الله، الذي بواسطته، نلتصق بالله ونصير واحدًا معه، وشركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط ١: ٤)، بشركتنا ووحدتنا مع الروح. فإذا كان الروح هو الله، فكيف يكون مخلوقًا“.[68]

ويُقاوِم ق. كيرلس الإسكندري الأفنوميين الهراطقة مُنكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول التالي:

فإنْ كان الروح يحل ويسكن فينا، وبواسطته يسكن المسيح أيضًا فينا، إذًا، الروح القدس هو قوة المسيح. فإذا كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا هذا الذي من طبيعته أن يوجد في الابن؟ إنها ساعة إذًا ليقولوا: إن كلمة الله -الذي لا تركيب فيه ولا ازدواج- مركب، وذلك بسبب هذا الشيء الذي يأتي من الخليقة مُضافًا إلى طبيعته. لكن هذا محض عبث، فالروح ليس مخلوقًا ولا مجبولاً، إنما هو يأتي من أعلى، من الجوهر الإلهي، كقوة وفعل طبيعي له“.[69]

ويحارب ق. كيرلس الإسكندري مُنكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، والذين يدَّعون أن شركتنا مع الروح القدس هي شركة مع مخلوق، حيث يقول التالي:

”إذًا، عندما يسكن الروح في غير المرفوضين، يكون المسيح هو ذاك الذين يسكن فيهم، وبالتالي يكون من الضروري أن نقول إن هذا هو الجوهر الإلهي الذي يجعل كل الذين يشاركونه شركاءً. لأنه ما من أحد يملك عقلاً يمكنه أن يقول إن شركتنا مع الله يمكن أن تصير بواسطة مخلوق، طالما كان هذا المخلوق -بحسب رأي الهرطقة- لديه طبيعة مختلفة، وهو مختلف تمامًا عن الآب والابن، وإن هناك فرقًا شاسعًا بين الجوهر المخلوق والجوهر غير المخلوق“.[70]

ويتحدث ق. كيرلس الإسكندري عن عمل الروح القدس فينا كالتالي:

”إنَّ الكلمة الذى من الله الآب يُرقِينا إلى حد أن يجعلنا شركاء طبيعته الإلهية بواسطة الروح القدس. وبذلك صار له الآن أخوة مشابهون له وحاملون صورة طبيعته الإلهية من جهة التقديس. لأن المسيح يتصور فينا هكذا: بأن يُغيِّرنا الروح القدس تغييرًا جذريًا من صفاتنا البشرية إلى صفاته هو. وفي ذلك يقول لنا بولس الطوباوي: ’وأمَّا أنتم فلستم في الجسد، بل في الروح‘ (رو٨: ٩)، فمع أن الابن لا يُحوِّل أحدا قط من المخلوقين إلى طبيعة لاهوته الخاص -لأن هذا مستحيل- إلا أن سماته الروحية ترتسم بنوع ما في الذين صاروا شركاء طبيعته الإلهية بقبول الروح القدس وبهاء لاهوته غير المفحوص يضيء مثل البرق في نفوس القديسين“.[71]

ثم يدحض ق. كيرلس الإسكندري المعتقدين بالحلول المواهبي للروح القدس في البشر في سياق دفاعه ع ألوهية الروح القدس كالتالي:

”أمَّا لو كانت النعمة المعطاة لنا بواسطة الروح القدس هي نعمة منفصلة عن جوهره، فحينئذ لماذا لم يقل موسى النبي (تك٢: ٧) إنه عندما أوجد الخالق الكائن الحي (الإنسان)، إنه نفخ فيه النعمة مع نفخة الحياة، ولماذا لم يقل المسيح لنا: اقبلوا النعمة التي أهبها لكم بعمل الروح القدس؟ والعكس هو الصحيح، لأن موسى قال: نفخة الحياة، ولأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.

كما قال بعض شعرائكم أيضًا: لأننا أيضًا ذريته (أع١٧: ٢٨)، بينما دعاه المخلص الروح القدس، وهكذا سكن في نفوس أولئك الذين يؤمنون بالروح الحقيقي نفسه، والذي بواسطته وبه يقودهم إلى هيئتهم الأولى. بمعنى أنه يجعلهم مشابهين له عندما يقدِّسهم، وهكذا يُعيدنا إلى صورتنا الأولى أي إلى حالة ختم الآب. ومن جهة الدقة في وصف وحدة الجوهر، فإن الابن ذاته هو الختم الحقيقي، في الوقت نفسه فإن الروح القدس هو شبه واضح وطبيعي للابن، والذي نتغير نحن بالتقديس بواسطته أي لنأخذ صورة الله […]

إذًا، الروح هو الله الذي يعطينا أن نكون على صورة الله. وهذا لا يتأتى عن طريق النعمة الخادمة، لكن بالاشتراك في الطبيعة الإلهية مانحًا ذاته عينها للمستحقين […] هل يمكن أن تسأل المعاندين: لماذا نُدعى هياكل لله، بل بالحري آلهة، إن كنا بالفعل شركاء مجرد نعمة بسيطة لا كيان لها؟ لكن الأمر ليس كذلك، لأننا هياكل للروح الحقيقي الكائن، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهةً، لأنه من خلال اتحادنا به نصبح شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة“.[72]

وبذلك يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، وليس مجرد حلول مواهبي أو حلول لنعم مخلوقة كما يدَّعي الهراطقة، ويدحض بشدة ويستنكر الهراطقة القائلين بأننا نتحد بنعمة خادمة (مخلوقة)، أو أننا نتحد بمجرد نعمة بسيطة لا كيان لها، بل يؤكد على اتحادنا بالروح الحقيقي الكائن الذي يصيرنا شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة.

[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 16: 6، ص 81، 82.

[2] المرجع السابق، 3: 18: 1، ص 89.

[3] المرجع السابق، ٥: ٢: ٣، ص 276.

[4] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، 2009)، الحوار ٣: 8، ص 120.

[5] المرجع السابق، الحوار ٣: ٤، ص 115.

[6] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[7] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[10] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[11] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[12] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[13] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[14] المرجع السابق، 2: 13، ص 173.

[15] المرجع السابق، 2: 14، ص 174، 175.

[16] Athanasius, Letter to Maximus the Philosopher, NPNF Ser. II, Vol. IV, Ch. 2, p. 578-579.

[17] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته -مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006)، مقالة ٢٢: ٣، ص 292.

[18] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات عيد القيامة (العظة الفصحية الأولى)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2012)، 44: 4، ص 14.

[19] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27- 31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1993)، خطاب 30: 5، ص 111.

[20] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، عظة المعمودية المقدسة ٤٠: ١٠، ص 138، 139.

[21] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعاليم الموعوظين، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، 3: 25: 2، ص 186، 187.

[22] المرجع السابق، 37: 12، ص 242، 243.

[23] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الأنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، ٨: ١٦، ص 544.

[24] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، تجسد الرب، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ٦: ٥٤، ص 77.

[25] المرجع السابق، ٦: ٥٧، ص 80.

[26] أوغسطينوس (قديس)، العظات على المزامير ج1، ترجمة: عبد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2013)، ٣: ١٠، ص 26.

[27] أوغسطينوس (قديس)، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، تقديم: نيافة الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، ٣: ١٠: ٢٠، ص 233.

[28] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[29] المرجع السابق، ١٥: ١٩: ٣٤، ص 646.

[30] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[31] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على انجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 46، تعليق على (يو6: 41- 53)، ص 451.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2009)، العظة الثالثة، تعليق على (كو1: 18)، ص 63.

[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة ٨٢: ٥، ص 142.

[34] المرجع السابق، ص 142، 143.

[35] المرجع السابق، ص 143.

[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة ٢٤: ٢، ص 96.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير رسالة رومية 6: 6.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 6، تعليق على (يو6: 35)، ص 370.

[41] الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، إعداد: القمص إيسيذوروس البراموسي، مراجعة وتقديم: الأنبا متاؤس، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، ١٩٩٤)، ص ٣٤٣.

[42] المرجع السابق، ص ٢٥٧، ٢٥٨.

[43] المرجع السابق، ص ٢٥٠.

[44] المرجع السابق، ص ٢٤٤.

[45] المرجع السابق، ص ٢٥٩.

[46] المرجع السابق، ص ١٩٥.

[47] ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد ونشر مجموعة من المتخصصين في طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٧.

[48] إبصاليات وطروحات الأعياد السيدية والمواسم الكنسية، تقديم: الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (وادي النطرون: دير السريان، 2003)، ص 575.

[49] صلوات الخدمات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، (القاهرة: مكتبة المحبة، ١٩٧١)، ص ٥٦.

[50] المرجع السابق، ص ٦٩.

[51] المرجع السابق، ص ٢٤.

[52] إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، ١٩٩٤)، ص ٢٦٤.

[53] المرجع السابق، ص ٢٥١.

[54] المرجع السابق، ص ٢٤٢.

[55] المرجع السابق، ص ٢٤٠، ٢٤١.

[56] المرجع السابق، ص ٢١٩.

[57] ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد: مجموعة من الدارسين والباحثين في الطقوس القبطية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٤.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد و د. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 4، ص 41.

[59] المرجع السابق، 1: 20، ص 77.

[60] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته -مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006) 16: 26، ص 244.

[61] غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، عظة عيد الخمسين، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2012)، 36: 11، ص 51.

[62] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على سفر أعمال الرسل، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: دار المحبة، 2011)، العظة الرابعة، ص 67، 68.

[63] المرجع السابق، ص 65.

[64] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 3: 106-109، ص 71، 72.

[65] المرجع السابق، 3: 80، ص 64.

[66] إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2018)، 72: 7، 8، ص 322.

[67] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار السابع، ص 350.

[68] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة ٣٤: ٥٠، ص 578.

[69] المرجع السابق، مقالة ٣٤: ٥٥، ص 580.

[70] المرجع السابق، مقالة 34: 56، ص 581.

[71] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد تجاديف نسطور، مقالة 3: 2.

[72] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار السابع، ص 353-355.

 

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

استكمالاً لما قد بدأناه من سلسلة مقالات لتوضيح مفهوم الفدية عند آباء الكنيسة ردًا على المشككين والجهلاء من البعض، نستعرض الآن مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري.

وأود التنويه في البداية أن نصوص ق. كيرلس عن موضوع الفدية كثيرة ومتنوعة ومتعددة الجوانب في مفاهيمه حول موضوع الفدية، ولكن السمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقب من الآب لأجل البشر.

كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يعاقب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدس، ونصلي في الليتورجية، وفي الأجبية.

فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يمارس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يميت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يميت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يمارس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت.

فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا إدعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

 

ننتقل إل مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس – مثلما أكد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت كالتالي:

“لذا كان من الضروري أن يقدم ابن الآب الحي جسده الخاص للموت كفدية* عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتحد بالكلمة يمهد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

ونجد هنا ق. كيرلس الإسكندري يتبع الآباء السابقين عليه في التأكيد على تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي.

حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي:

“فإن مجيء المخلص متجسدًا، قد صار فديةً* للموت وخلاصًا لكل الخليقة”.

أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس (الرسالة إلى أدلفيوس المعترف)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٦، ص ٢٩.

ويتحدث ق. باسيليوس الكبير أيضًا عن تقديم المسيح الفدية للموت في الليتورچية البيزنطية الخاصة به قائلاً:

“فطهّرنا بالماء وقدّسنا بالروح القدس، وبذل نفسه فديةً* للموت الذي كان مستوليًا علينا ارقاءً تحت الخطية”.

 

باسيليوس الكبير (قديس)، الأفخولوجي الكبير (ليتورجية ق. باسيليوس)، ترجمة: الأسقف رافائيل هواويني، (لبنان: بيرثوث وقلفاط، ١٩٥٥)، ص ١٤٢.

وهذا ما يؤكده أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي أن المسيح قدم جسده كطُعم للموت قائلاً:

“لذلك صار جسده طُعمًا للموت*، وإذ صار موضع أمل للوحش [الشيطان] أن يقبض على المخلص، قبض المخلص عليه. لأنه ‘يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد المسيح الدموع عن كل الوجوه’ (إش ٢٥: ٨)”.

تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، المقالة ١٢: ١٥، ص ١٧٢.

نعود مرة أخرى إلى مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

“وعندما قدّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا”.

 

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

ويؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع كالتالي:

“لأنه هكذا خلص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على تقديم المسيح للفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالى:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا، ونفسه فديةً* لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام، إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، الفصل ٧، ص ٧٧.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس أن الفدية لأجل الجميع لإماتة الموت وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة كالتالي:

“(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً* لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٤: ٢، تعليق على (يو ٦: ٥١)، ص ٤٠٣.

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس أن المسيح أعطى جسده فديةً لأجلنا كالتالي:

“إذًا، فقد افتُدينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً*، فإذا أعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو أعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدراةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

ويؤكد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليطلقنا من الأسر، بل يؤكد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء- على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

“ويعلن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا* ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

“وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان*، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفضوا وفقدوا كل العناية السماوية”.

المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس على أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

“نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه* لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدم ذاته فديةً للموت كالتالي:

“لأنه افتدانا* من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرك كطريقة للفداء*. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مسمرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ‘الذي بذل نفسه فديةً* لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة’ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه* صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

ويؤكد ق. كيرلس على أن الآب نفسه هو الذي  بذل وقدّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

“وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ‘قد اشتُريتم بثمن* فمجّدوا الله’ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: ‘وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

كما يؤكد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسر بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

“فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفع الفدية* لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدم ذاته لأجلنا”.

المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

لذلك، إن كان الآب هو مقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المقدِّم للفدية والمقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابي البروتستانتي، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. هذا ما يوضحه ق. كيرلس كالتالي:

“والمسيح قدم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يقدمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ‘التفت إليَّ وارحمني’ (مز ٢٥: ١٦)”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

أخيرًا، نستنتج أحبائي أن الفدية تم تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليقدم المسيح للآب الجنس البشري جنسًا مقدسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه.

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب.

هذا يصور أن اللاهوت قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي أتحد به لاهوت الكلمة في التجسد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية.

يرد ق. أثناسيوس على ذلك رافضًا ترك الآب للناسوت، أو أن هناك خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“لذلك لا يمكن أن يُترك الرب من الآب، وهو كائن دائمًا في الآب قبل أن يتكلم وأثناء نطقه بهذه الصرخة”

(ضد الآريوسيين ٣: ٢٩: ٥٦)

يرد على ذلك ق. يوحنا ذهبي الفم داحضًا فكرة وجود عداوة بين الله والناسوت كالتالي:

“يقول: إيلي إيلي لما شبقتني (مت٢٧: ٤٦) حتى يروا أن السيد كان يكرم أباه حتى الرمق الأخير، وأنه لم يكن عدوًا لله”

(عظة على انجيل متى ٨٨: ١).

يرد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على ذلك رافضًا أية خصومة بين الآب وناسوت المسيح المتألم على الصليب:

” إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض، وكأنها تفارق مَن يتألم لخوفها من الموت – ومَن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب”.

(الخطاب اللاهوتي ٣٠: ٥).

يرد ق. كيرلس داحضًا التعليم بأن يكون هناك خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“وقد أظهره الله الآب متجسدًا ومنظورًا وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم “يقل هذا الجسد”، بل “هذا هو ابني”، وذلك حتى لا نعتبره مجزءًا ومنفصلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا- واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقة فريدة خاصة- على أن المتجسد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقي، وكيف لا يكون؟”

(حوار حول تأنس الابن الوحيد : ٨).

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

 

لقد استخدم السيد المسيح تعبير “فدية” عن نفسه، حيث يقول:

 (مت 20 اية 28) “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”

كما استخدمه بولس الرسول عن المسيح ليوضح عمل الفداء الذي قام به المسيح كالتالي:

 (١تي ٢ :٦) “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ”.

ولكن يتتبع البروفيسور راشدال فكرة الفدية وأصولها في العهد القديم ويقول التالي:

“نجد تعبير الفدية في [الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ]. (المزامير7:49) وفي [إِنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ، وَسِيطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ لِيُعْلِنَ لِلإِنْسَانِ اسْتِقَامَتَهُ، يَتَرَاَءَفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: أُطْلِقُهُ عَنِ الْهُبُوطِ إِلَى الْحُفْرَةِ، قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً].  (أيوب24-23:33) وفي [«مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ»]. (هوشع14:13). كما يأتي تعبير λύτρον في النص السبعيني بصيغة الجمع τά λύτρα ١٧ مرة من أصل ٢٠ مرة، وتعادل الكلمات العبرية التالية:

 

١. فدية kopher (الأصل kaphar, kipper) كما في (خر٢١: ٣٠، ٣٠: ١٢) حيث يتم شرحها عادةً في اللغة العربية بمعنى ‘غطاء’ أو عطية استرضائية، ولكن المعنى الأصلي على الأرجح أكثر موجود في اللغتين البابلية والآشورية. حيث استخدام فعل “تسديد الدين” من خلال فعل طقسي تعبدي، وكذلك في اللغة السريانية “تسديد الدين”.

كما يشير درايفر Driver (Art. Expiation in Encycl. Of Religion & ethics) إلى أنه فكرة ‘التطهير’ في اللغة العبرية صاحبت الكلمة مبكرًا، لذلك الفكرة هي عن التطهير بالحري وليس عن ‘الاسترضاء’. ولا يكون الله أبدًا موضوع أو هدف ‘kipper’ أو ίλάσκομαι كما في النص السبعيني، لأنها حالة ثابتة عند الكُتاب الوثنيين.

 

٢. فداء g’ullah (الأصل ga’al أي “إزالة المطالبة بالدعوى” وكذلك “تبرئة” أو “استرداد”) وهو فعل أو حق الاسترداد، والخلاص والتعويض من أجل حقل أو عبد كما في (لا٢٥: ٢٤)، والتسديد مصنوع من أجل الخلاص أو تسديد الدين كما في  (لا٢٥: ٢٦، ٥١).

 

٣.فدية pidhyon, p’dhuyium (الأصل padhah) كما في (خر٢١: ٣٠) و (عد٣: ٤٨، ٥١) عن الثمن المدفوع كفدية.

 

٤.الربح أو الثمن أو المهر m’hir (فعل غير مستخدم) كما في (إش٤٥: ١٣)، وإن استخدمه ربنا، فالمعنى المحتمل أكثر يبدو أنه kopher أي كفارة بالشكل الآرامي. وإن كانت الكلمة تعود إلى البشير أو إلى التقليد، فلا نحتاج للاعتقاد بالمقابل الآرامي. يمكن تخليص فكرة λύτρον بسهولة من الفكرة العامة للفداء άπολύτρωσις.

حيث قد افتدى الله إسرائيل أي اشتراه، وهكذا جعله خاصته، وهي فكرة منتشرة في العهد القديم، وتحولت في العهد الجديد إلى إسرائيل الروحي كما في (أف١: ١٤؛ أع٢٠: ٢٨). وبالتالي، لا تحتاج الفكرة لإعطاء إجابة على سؤال لمَن دُفعت الفدية؟ ولا حتى إجابة محددة بعينها على سؤال مما تم خلاص شعب الله: الفكرة الرئيسية هي أنهم تم شرائهم لله، أي للملكوت، والخلاص، والسعادة الأبدية.

ولا توجد كلمة λύτρον عند ق. بولس، بالرغم من أن لدينا كلمة άπολύτρωσις عدة مرات، والفكرة موجودة في (١كو٦: ٢٠، ٧: ٢٣): “اشتريتم بثمن”. الكلمة التي قالها المسيح عن نفسه كفدية موجودة في (١تي٢: ٦)، حيث القراءة الصحيحة هي άντίλυτρον. يعلق M. Riviére في كتابه (Le Dogme de la Rédemption, p. 49) أنه “في العهد الجديد – وعادةً أكثر عند الآباء أيضًا- نجد فقط حرف الجر άντί عند تسميتها بكلمة ‘فدية’.

حيث أنه من الملاحظ إنه يُقال أحيانًا عن الله أنه ‘فدية’ λυτροϋν لشعبه بمعنى ‘يحرر’ أو ‘يخلص’ في آيات لا يوجد بها أي نوع من دفع الثمن أو المقابل كما في (خر٦: ٦) ga’al و (تث٢١: ٨) padhah وكذلك في (إر١٨: ٢٣؛ مز٧٨: ٣٨)، حيث تستخدم كلمة kipper عن فعل الله، وسوف تمثل كلمة “يطهر بعيدًا” الفكرة، حيث يترجم درايفر Driver الكلمة ‘يطهر’، بينما تقترب الفكرة عند ليرت  Leart من pardon أي الغفران أو الصفح.

الفكرة الرئيسية المفترضة من تعبير ‘فدية’ هي فكرة الثمن المدفوع من أجل تأمين المنافع للآخر- أو على وجه التحديد، الثمن المدفوع لتأمين الحياة أو الحرية”.

Hastings, Rashdul, Idea of atonement in christian theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), P. 32& 33 n. 3.

 

أما عن مفهوم الفدية عند الآباء ينقسم الآباء فيه إلى ٣ آراء:

١.الرأي الأول:

 يقول بأن الفدية قدمها الابن إلى الآب ونجد هذا الرأي عند كل من التالي:

ق. أثناسيوس، حيث يقول:

“وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة الكل، عندئذ مثلما أرتدى هارون الجبة أخذ الكلمة جسدًا من الأرض متخذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات” (ضد الآريوسيين ١: ١١: ٤١).

ويتفق مع هذا الرأي أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي حيث يقول:

“وإذ كان فينحاس عندما زادت غيرته ذبح فاعل الشر، فرد سخط الرب، فهل يسوع الذي لم يذبح غيره، بل بذل نفسه فدية ليرد السخط الذي كان من جهة الجنس البشري؟”. (العظات للموعوظين ١٣: ٣).

٢.الرأي الثاني:

يقول بأن الفدية قدمها المسيح للشيطان وهذا يقول به مجموعة من الآباء كالتالي:

ق.ايرينيؤس حيث يقول:

“وهو الذي فدانا بطريقة تناسب العقل، أعطى نفسه كفدية لأولئك الذين واقعوا في الأسر. وحيث أن الارتداد (إبليس) طغى علينا ظلمًا، رغم أننا بالطبيعة ملك الإله كلي القدرة، فإن الارتداد (إبليس) جعلنا غرباء عن الله ضد الطبيعة، إذ جعلنا تلاميذه، فإن كلمة الله القوي في كل شيء، وليس ناقصًا من جهة عدله قام ضد ذلك الارتداد بطريقة عادلة، وأفتدى خاصته منه لا بوسائل عنيقة، مثلما تسلط الارتداد علينا في البداية، حينما انتزع بدون شبع ما لم يكن له.

بل عن طريق الإقناع كما يليق بإله المشورة، الذي لا يتعامل بوسائل عنيفة ليحصل على ما يريد، حتى أنه لا تنتهك العدالة من ناحية، ولا يهلك صنعة يدي الله من ناحية أخرى، وحيث إن الرب قد فدانا بدمه هكذا، باذلاً نفسه عن نفوسنا وجسده عن أجسادنا”.

(ضد الهرطقات ٥: ١: ١).

العلامة أوريجينوس حيث يقول:

“فإذا كنا قد اُشترينا بثمن، كما يؤكد بولس الرسول، فبلا شك فإننا اُشتُرينا من شخص كنا عبيدًا له، وقد طالب أيضًا بالثمن الذي أراده، لكيما يحرر من سلطانه مَن هم في قبضته. الآن كان إبليس هو مَن يمسكنا، الذي أُُخذنا له بسبّب خطايانا. لذلك فقد طالب بدم المسيح كثمن له. وبالتالي متى قُدم دم المسيح الذي كان ثمينًا جدًا، بحيث يكفي وحده لفداء الكل”. (تفسير رومية ٢: ١٣: ٢٩).

ق.باسيليوس الكبير حيث يقول:

“فطهرنا بالماء وقدسنا بالروح القدس وبذل نفسه فديةً للموت الذي كان مستوليًا (إبليس مَن له سلطان الموت بحسب عب ٢) علينا ارقاءً تحت الخطية، وانحدر بالصليب إلى الجحيم ليمتلئ الكل منه، فحلّ أوجاع الموت وقام في اليوم الثالث”. (ليتورجية ق. باسيليوس بحسب الطقس البيزنطيّ/ الافخولجي الكبير ص ١٤٢).

ق.غريغوريوس النيسي حيث يقول:

“وبالتالي نظر العدو هذه القوة فيه (أي في المسيح) ورأى فيه أيضًا الفرصة من أجل التقدم، وفي المبادلة بحسب قيمة ما يحتويه، ولهذا السبب أختاره (أي إبليس) كفدية لهؤلاء القابعين في سجن الموت”. (العظة التعليمية الكبرى: ٢٣).

كما يؤيد ق.أوغسطينوس فكرة دفع الفدية للشيطان، حيث يقول:

 “لأن دم المسيح في هذا الفداء، قد أُعطي ثمنًا لأجلنا بموافقة وقبول إبليس الذي لم يكن مُستغنيًا، بل مُقيدًا لكي ما يطلقنا من قيوده”. (الثالوث ١٣: ١٥: ١٩).

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“لأن ثمننا الذي عرضه عليه على صليبه يشبه مصيدة فأر، وكطُعم موضوع عليها بدمه”. (عظة١٣٠: ٢، عظة ١٣٤: ٦).

ولقد كان مِن مؤيدي تقديم الفدية للشيطان من الآباء اللاتين أيضًا ق. أمبروسيوس وق. جيروم.

ويؤيد البابا لاون الكبير فكرة تقديم الفدية للشيطان كالتالي:

“أصر اللص عديم الضمير والسارق الجشع على الهجوم عليه (أي المسيح) ، مَن ليس له فيه شيء يخصه، وتخطى بتنفيذ الحكم العام على الخطية الأصلية القيد الذي أوثقه (أي إبليس) به، وطالب بمعاقبة الإثم ممَن لم يجد فيه أي ذنب، وبالتالي، تم إبطال المواعيد المؤذية للصك المميت، وتم إلغاء الدين كله من خلال ظلم الثمن الفاحش”. (عظة ٢٢: ٣، ٤).

 ويؤيد البابا غريغوريوس الكبير نفس الفكرة قائلاً:

” خدعه الرب مثل عصفور، عندما أظهر أمامه في الآلام ابنه الوحيد كطُعم، ولكنه أخفى حبل المشنقة”. (الأخلاق ٣٣: ١٥ على “أي ٤٠: ٢٤”).

٣.الرأي الثالث:

 يرفض فكرة تقديم المسيح الفدية لإبليس ويعتبر الفدية هي القضاء على الفساد والموت والالتفاف عليهما، وهذا نجده عند كلٌّ من:

ق.غريغوريوس اللاهوتي حيث يقول:

“والآن إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَن قُدمت؟ ولأيّ سبب؟ إذا قُدمت للشرير، فليُبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية لا من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا عظيمًا لاستبداده بالبشر حسب رغبته”. (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

كما يرفض في نفس العظة تقديم الفدية للآب أيضًا حيث يقول:

“أما إذا كان قد دفع للآب، فأنا اتساءل أولاً: كيف؟ لأن الآب لم يمسكنا كرهينة. لماذا سُر الآب بدم ابنه الوحيد، وهو الذي لم يقبل إسحق حين قدمه إبراهيم ذبيحة محرقة كاملة، بل بدّل الذبيحة بكبش؟ أليس الأمر واضحًا، أن الآب قد قبِل الذبيحة ليس لأنه طلبها أو كان في إحتياج لها، ولكن لأجل تدبيره: لأن الإنسان لابد أن يُقدس بإنسانية الله؛ والله نفسه يجب أن يخلصنا بأن يغلب المستبد بقوته هو، وأن يردنا إليه بواسطة الابن الذي يفعل هذا كله لمجد الله الذي أطاعه في كل شيء” (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

*وهنا نجد النزينزي يؤكد فكرة تقديس البشرية بإنسانية المسيح وانتصار المسيح على إبليس بقوة قيامته ونصرته على مَن بيده سلطان الموت أيّ إبليس.

ق.كيرلس الاسكندري رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس وللآب حيث يقول:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها” (حوار حول تأنس الابن الوحيد: ٧). وهنا يؤكد ق. كيرلس على نفس مفهوم ق. غريعوريوس اللاهوتي أن يعطينا الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته.

الأب يوحنا الدمشقي رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية للشيطان حيث يقول عن المسيح:

“إنه قدم ذاته فديةً عنا، وبذلك يحلنا من الحكم علينا ولكن حاشا أن يكون دم الرب قد تقرّب للطاغية (إبليس)” (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي ٣: ٧١: ٢٧). ويؤكد الدمشقي أيضًا على أن الفدية هي حل قيود الإنسان من حكم الموت والفساد الذي جلبه على ذاته بالعصيان والخطية.

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

الرد على المشككين والمضللين في صحة ما قلناه عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، حيث خرج البعض علينا عن جهل وعن عدم دراسة ليشكك في قولنا بأن ق. غريغوريوس اللاهوتي لم يقل بتقديم الفدية للآب، ويتهمنا بالتزويير، ولكننا سنبين لهم أنهم هم المزورين، والمضللين، ويرمون الباحثين بالباطل والكذب.

في الواقع، رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي تقديم الابن كفدية للآب، وهذا سوف نقوم بإثباته من خلال نصوص ق. غريغوريوس اللاهوتي التي تحدثت عن مفهوم الفدية. ثم سنقوم بعرض آراء الأساتذة واللاهوتيين المعروفين على مستوى العالم التي تدعم طرحنا بخصوص مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ثم سنقدم تفسيرنا لهذا النص محل النقاش الذي تدعمه آراء الأساتذة اللاهوتيين المعروفين في العالم الأكاديمي، ولهم ثقل كبير في هذه الأمور.

يستخدمون نص ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية رقم ٤٥ والتي تحدث فيها عن موضوع الفدية لمن قُدمت؟ وسوف أقوم بعرض ترجمتين مختلفتين لهذا النص أحدهما من ترجمة القس لوقا يوسف عن مجموعة الآباء اليونان باترولوجيا جريكا PG والترجمة الأخرى ترجمتي أنا لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية السلسلة الثانية والمجلد السابع NPNF.

يناقش معلمنا ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية موضوع الفدية كالتالي:

“والآن لنفحص حقيقة أخرى والتعليم اللذين أغفلهما الكثيرون، والتي بالنسبة إلىَّ تستحق فحصها بتوسع: إلى مَن أُعطي الدم الذي سُفك من أجلنا؟ ولأي شيء سُفك الدم العظيم والمعروف جيدًا، دم الإله ورئيس الكهنة والذبيحة في الوقت نفسه؟ لأننا نوجد تحت عبودية الشرير، ومبيعون بالخطيئة مقابل تمتعنا بالشر والرذيلة.

والآن، إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَّن قُدمت؟ ولأي سبب؟ إذا قُدمت لأجل الشرير، فليبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية ليس من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا رفيعًا من أجل استبداده بالبشر حسب رغبته، فلأجل مَن يكون من العدل أن يشفق علينا؟ إن كان لأجل الآب، فسؤالي الأول هو: كيف؟ لأننا لم نكن مُقيدين من قِبله. وسؤالي الثاني هو: لأي سبب كان دم الوحيد الجنس مسرةً الآب*، الذي لم يقبل حتى إسحاق حينما كان أبوه يقدمه كذبيحة، بل بدّل الذبيحة واضعًا حملاً عوضًا عن الذبيحة العقلية؟

ومن ثم، فإنه من الواضح أن الآب يأخذ دون أن يسأل أو يلتمس، ولكن من أجل تدبير الخلاص، ولأنه كان يجب أن تتقدس الإنسانية بإنسانية الله، حتى يحررنا المسيح نفسه، ويقهر الشيطان الطاغية، ويجذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه الذي دبر هذا كرامةً لأبيه الذي يعطي الابن كل شيء. لقد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وبقى أن نكرمه بالأكثر بصمتنا”. (تمت الترجمة من PG 36: 624- 663).

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، عظات القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، مراجعة: الأنبا إرميا، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، عظة ٤٥: ٢٢،  ص ٣٨، ٣٩.

سأقوم بعرض ترجمتي الخاصة لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية لمقارنة النص المترجم عن اليوناني والنص المترجم عن الإنجليزي للوصول إلى أفضل فهم لمعنى النص كالتالي:

“ينبغي أن نفحص الآن حقيقة أخرى، وتعليم يهمله أغلب الناس، ولكنه يستحق في رأيي البحث فيه. لمَّن قُدم هذا الدم المسفوك لأجلنا؟ ولماذا سُفك؟ أقصد الدم الثمين والمعروف جدًا لإلهنا ورئيس الكهنة والذبيحة. لقد قيدنا الشرير في العبودية، مباعين بالخطية، ومستمتعين في المقابل بالشر.

الآن، ما دامت الفدية تخص فقط مَن يستعبدنا، لذلك أتساءل لمَّن قُدمت هذه (الفدية)؟ ولأي سبب؟ إن كانت للشرير، فإنني أستنكر هذه الإساءة! إذ أن السارق يأخذ الفدية، لا فقط من الله، بل الفدية هي الله نفسه، ويمتلك هذا الثمن الغالي من أجل استبداده، الثمن المستحق الذي سعى من أجله لكي يحررنا تمامًا. ولكن إن كانت للآب، فأتساءل

أولاً: كيف؟ لأنه لم يكن هو الذي كنا تحت سطوته.

وثانيًا، على أي أساس يسُر الآب دم ابنه الوحيد، الذي لم يقبل حتى بإسحاق عندما قدمه أبوه، بل استبدله بذبيحةٍ، واضعًا كبشًا عوضًا عن الذبيحة البشرية*؟ أليس من الواضح قبول الآب له، ولكنه لم يطلبه، ولم يحتاجه، بل من أجل التجسُّد، ومن أجل أن البشرية ينبغي أن تتطهر ببشرية الله، لكي ما يخلصنا لنفسه، ويغلب الطاغية، ويجتذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه، الذي دبر ذلك كرامةً للآب، الذي من الواضح أنه يطيعه في كل شيء؟ وهكذا قد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وأعظم ما يمكننا قوله هو إكرامه في صمت”.

Gregory of Nazianzus (St.), The Second oration on Easter (NPNF 2- 07), Trans. By Charles Gordon & James Edward, Edit. By Philip Schaff, (Michigan, CCEL, Grand Rapids, 1819- 1893), Or. 45: 22, p. 847, 848.

للأسف الشديد يُحرّف البعض معنى نص الفدية الذي للقديس غريغوريوس اللاهوتي بذهنية وعقلية لاهوت العصر الوسيط، واللاهوت المدرسي، والبروتستانتي، ليجعله مناسبًا لقناعاته المغلوطة والخاطئة عن تدبير الخلاص، حيث يرى أن العقوبة من الآب، والآب يأخذ الابن ليعاقبه فديةً بدلاً عنا وعن عقوبة خطايانا، وهذا ضلال وبهتان، وبعيد كل البعد عن المعنى المقصود في النص.

حيث يرفض النزينزي تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا ولم يسبينا، ولا يمكن أن يُسر برؤية دم ابنه الوحيد مسفوكًا، كأنه إله سادي يتلذذ ويُسر ويستمتع بسفك دماء ابنه الوحيد، يا لضلال! ويا لفداحة! ويا لسادية! هؤلاء الذين لا يقبلون ذلك على أبنائهم، ويقبلونه ببساطة على الآب أن يصنعه في ابنه لكي يستمتع بسفك دمائه، واحسرتاه! إنهم فقدوا عقولهم، وعميت أبصارهم، وأظهروا طبائعهم غير الآدمية.

سأقوم بعرض نصوص أخرى عن الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عنده، حيث يتحدث في عظة رقم ١٤ عن محبة الفقراء بخصوص تقديم الابن نفسه كفدية من أجل حياة العالم، ويعدد بعد ذلك بركات هذه الفدية وسر الخلاص الجديد من الحصول على طريق الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على الذي هزمنا، وعطايا الشركة في الروح القدس قائلاً:

“لقد أظهر الرحمة نحونا بطرق عظمى، وفوق كل شيء، بإعطاءنا الناموس والأنبياء، وحتى قبلهما بإعطاءنا ناموس الطبيعة غير المكتوب، معيارًا للحكم على جميع أعمالنا، يفحصنا، وينصحنا، ويدربنا، وأخيرًا، قد أعطى نفسه فديةً من أجل حياة العالم. وقد أنعم علينا بالرسل، والإنجيليين، والمعلمين، والرعاة، والأطباء، والعلامات المذهلة، طريقًا يقود إلى الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على مَن هزمنا، وعهدًا في الظل، وظلاً في الحقيقة، وعطايا جعلتنا نشترك في الروح القدس، سر الخلاص الجديد”.

Brian E. Daley, Gregory of Nazianzus (The early Church Fathers), Edit. By Carol Harrison, (London, New York: Routledge, 2006), Or. 14: 27, p. 90, 91.

ويناقش ق. غريغوريوس اللاهوتي موضوع الفدية في قصيدة لاهوتية له، حيث يرفض تقديم الابن كفدية للشيطان، كما يستنكر أيضًا تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا أو يسبينا، أو يضعنا في الأسر، ويتعجب ق. غريغوريوس كيف يمكن أن يتم سبي ماسح المسيح (أي الله) ووضعه في الأسر، ويقول إننا نقبل بهذه النماذج المقبولة في عالم السماويات، أي يمكننا قبول هذه كرموز ونماذج للأمور المقبولة في السماويات قائلاً:

“لذا أتساءل: لمَّن سُفك دم الإله؟ إن كان للشرير – فيا للأسف! أن يُقدم دم المسيح للشرير! ولكن إن قلت لله – كيف يمكن أن يكون هذا، في حين أننا كنا مستعبدين لآخر (غير الله)؟ فالفدية تخص مَن يحتجز الأسرى دائمًا. أ يمكن أن يكون هذا حقًا، أن يُقدم ذبيحةً لله لكي ما ينتزعنا الله نفسه بعيدًا عن سلطان مَن يأسرنا، ويأخذ المساوي لمَّن أنزل المسيح؟ لأنه لا يمكن أن يؤخذ ماسح هذا المسيح في الأسر. وهذا هو ما نعتقده. ولكننا نقبل بالنماذج المقبولة في السماويات”.

Poemata Dogmatica, I, VIII, 65- 69, Migne XXXVII, 470.

ونستعرض نص آخر للقديس غريغوريوس اللاهوتي يتحدث فيه عن مفهوم الفدية، حيث يرى أن الفدية والمصالحة تتمثل في استردادنا لحريتنا بأخذ الابن لشكل العبد، وارتفاعنا بنزوله، وتمجيدنا بإهانته، وخلاصنا بموته، وانتشالنا من محنة الخطية بقيامته كالتالي:

“لقد أخذ شكل العبد لكي ما نسترد حريتنا، نزل لكي ما نرتفع، جُرب لكي ما ننتصر، أُهين لكي ما يُمجِّد، مات لكي ما يخلص، قام لكي ما يجتذبنا إلى نفسه، نحن الذين كنا راقدين في محنة الخطية. أعطى الجميع، وقدم الجميع، لمَّن أسلم ذاته فديةً ومصالحةً لأجلنا”.

Oliver B. Langworthy, Gregory of Nazianzus’s Soteriological Pneumatology, (Germany, Tunmbingen: Mohr Siebeck, 2019), Or. 1. 5. SC 247, 78, p. 53.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة الأشهر في العالم الذين قرأوا وفسروا نص الفدية للقديس غريغوريوس اللاهوتي بلغته اليونانية، وكيف إنهم لم يروا أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يتحدث عن تقديم الابن كفدية للآب. ونصيحة للأخوة المشككين والمضللين، لا يمكننا أن نقرأ نصوص الآباء ونفسرها بقناعاتنا المسبقة وبحسب أهوائنا الشخصية، بل لا بد من الرجوع إلى المتخصصين والأساتذة في علم الآباء وتاريخ العقائد لنتأكد هل فهمنا للنص صحيح وعليه إجماع أكاديمي من أشهر الأساتذة في هذا المجال أم لا؟ حتى لا نضل أنفسنا ونضل الآخرين بخزعبلات وتأويلات شخصية خاصة بنا لنصوص الآباء.

يتحدث البروفيسور جوستاف ألين Gustave Aùlen وهو أسقف ولاهوتي سويدي لوثري (بروتستانتي)، وصاحب أشهر كتاب عن عقيدة الفداء والخلاص باسم “كريستوس فيكتور” عن مفهوم الفدية عند ق غريغوريوس اللاهوتي، حيث يؤكد ألين أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض تقديم الابن كفدية للآب قائلاً:

“في النهاية، يرفض ق. غريغوريوس النزينزي فكرة الفدية تمامًا، ولا يسمح بدفع الفدية سواء للشيطان، ولا حتى لله، لأننا لم نكن، كما يقول، مأسورين ومستعبدين لله”.

Gustave Aùlen, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. By A. G. Hebert, Forwarded by Jeroslav Pelikan, (London: S. P. C. K., 1975), P. 50.

ويتحدث البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة أكسفورد بإنجلترا عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويوضح رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي لفكرة تقديم الابن كفدية للآب كالتالي:

“استمر ق. غريغوريوس (النزينزي) في إثبات أن دم المسيح لم يكن فديةً مدفوعةً، بالمعنى الدقيق للكلمة، لله الآب أيضًا، لأنه لا يُعقل أنه قد استمتع بدم ابنه الوحيد. بل على العكس، حقيقة قبول الآب لها، لم يكن بسبب أنه قد طالب بها، أو أحتاج إليها، بل بسبب أنه كان يليق في تدبير الخلاص أن يتم استعادة التقديس للطبيعة البشرية من خلال البشرية (الناسوت) التي أتخذها الله. أما بالنسبة إلى إبليس، فقد هُزِم بالقوة”.

  1. N. D. Kelly, The Early Christian Doctorines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 383, 384.

ويتحدث البروفيسور هستنجس راشدال Hasings Rashdall أستاذ تاريخ العقيدة المعروف عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويؤكد على أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض مفهوم الفدية على الإطلاق سواء للشيطان أو للآب، ويستعرض أسباب ق. غريغوريوس اللاهوتي في ذلك قائلاً:

“ولكن يرفض [ق. غريغوريوس] أن تكون فدية على الإطلاق في الخطبة المخصصة تحديدًا لعقيدة الخلاص: لأنه من المستهجن الاعتقاد بأن السارق يمكنه أن يأخذ الله نفسه كثمن مدفوع لأجلنا، لذلك يتساءل: إن كانت مدفوعة للآب.

فأولاً، قد يتساءل المرء: كيف؟ لأنه لم يكن [الآب] هو الذي احتجزنا كسجناء.

ثانيًا، كيف يمكن أن يُعقل أن الآب يُسر ويستمتع بدم الابن الوحيد، وهو الذي رفض إسحاق، عندما قدمه والده، بل وضع كبشًا عوضًا عن الذبيحة العقلية. وبالتالي، يتضح أنه إذا قَبِل الآب دم ابنه، فليس لأنه قد طالب به، أو كان في حاجة إليه، بل بسبب تدبير الخلاص، وبسبب حاجة الإنسان إلى التقديس بما كان إنسانيًا في الله لكي ما يخلصنا في ذاته، منتصرًا على الطاغية بالقوة، ولكي ما يرجعنا إلى ذاته بوساطة ابنه، الذي قد صنع كل شيء من أجل مجد الآب، الذي يبدو واضحًا أنه قد خضع له في كل شيء

.Oration 45, 22, Migne 36. 654.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MacMillian & Co., 1919), p. 309, 310.

سوف استكمل في بوستات قادمة باقي الردود على المشككين والمضللين في النقاط التي أثاروها ضد مقالاتي لإظهار تزييفهم، وتحريفهم، وجهلهم، بمعاني نصوص الآباء كما قالها الآباء، وفهمها الشراح من الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم.

يُتبع

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.

لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.

لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.

وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.

للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.

يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:

“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.

إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.

إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.

يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:

“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.

K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.

ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:

“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”

Ibid, n. 3.

ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:

“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.

لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.

N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:

“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.

إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.

فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

الروح القدس في تعليم القديس كيرلس الأورشليمي

الروح القدس في تعليم القديس كيرلس الأورشليمي

الروح القدس في تعليم القديس كيرلس الأورشليمي

وإذا انتقلنا إلى القديس كيرلس الأورشليمي، سنجد أنه في تواصل مع تعليم نيقية ـ وداخل إطار الفكر الكتابي ـ سعى لتقديم عقيدة الكنيسة عن الروح القدس لطالبي المعمودية. وقد رأى أنه بما أن الكتاب المقدس بعهديه مُوحى به من الروح القدس، فينبغي لنا أن نتمسك بما يقوله الكتاب عن الروح القدس حتى نستطيع أن نتكلَّم عنه بشكل صحيح يليق به[1] وبالحقيقة نحن فقط من خلال الروح القدس نفسه نستطيع أن نتحدث عنه بحكمة. ومن هنا رفض القديس كيرلس أن يقول أي شيء عن الروح القدس سوى ما قيل عنه في الكتب المقدسة.

ويعلل ذلك بقوله: “إن الروح القدس نفسه هو الناطق في الكتب المقدسة، كما أنه تحدَّث عن نفسه بالقدر الذي يريده، أو على قدر ما نستطيع أن نقبل. فلنتحدث إذن عن الأشياء التي قالها هو نفسه، لأن كل ما لم يقله لا نجرؤ نحن أن نقوله[2]“. ويضيف القديس كيرلس قائلاً، إن الرب يسوع نفسه قال لنا، إنه يوجد إله واحد: الآب والابن والروح القدس، ونحن “يكفينا أن نعرف هذا، فلا تبحثوا بطريقة تخمينية في طبيعته أو جوهره، لأنه لو كان قد كُتب شيء في هذا الشأن لكان يمكننا أن نتحدث عنه.

فلا ندع أنفسنا نتجاسر في أن نذهب إلى أبعد مما هو مكتوب، ويكفي لخلاصنا أن نعرف أنه يوجد آب وابن وروح قدس[3]“. وقد يفسِّر لنا هذا التوجه سبب عزوف القديس كيرلس ـ بخلاف الآباء الآخرين المعاصرين له ـ عن التحدث بوضوح عن كل من الروح القدس أو الابن بأنه “هوموأووسيوس” (μοούσιος)[4]، وذلك بالرغم من أنه كان يؤكد بصورة قاطعة أن كلاًّ من الروح القدس والابن هما بلا انفصال، واحد في ذات الجوهر والقدرة مع الآب.

وكان القديس كيرلس يرفض تمامًا بدعة سابليوس التي تنادي بأن الله أقنوم واحد، أو بدعة القائلين بأن الله ثلاثة آلهة ـ تلك البدع التي خلطت بين الثلاثة أقانيم أو التي فصلت بين بعضهم البعض[5].

وبرغم هذه القيود التي وضعها القديس كيرلس، إلاّ أنه شعر أنه يجب عليه أن يؤكد ويجزم بأن الروح القدس ليس قوة كونية غير أقنومية ـ مثل “الروح (πνεμα)” التي كان يتكلم عنها الرواقيِّون ـ بل هو أقنوم (شخص) حقيقي، حيّ، فاعل، عاقل، ناطق، وكائن جوهريًّا في اللاهوت غير المنقسم الذي للثالوث[6]. وقد صاغ القديس كيرلس العبارة تلو الأخرى، ليوضح حقيقة أن الروح القدس على الرغم من كونه قوة الله الفائقة وغير المفحوصة، إلاّ أنه ـ وبصورة أساسية وكاملة ـ أقنوم حقيقي في نمط وجوده الإلهي[7].

ويقول القديس كيرلس عن الروح القدس: “وهو مع الآب والابن ممجد بمجد اللاهوت… لأنه يوجد إله واحد، (الآب) أبو المسيح؛ ورب واحد يسوع المسيح، الابن الوحيد المولود من الله الوحيد؛ وروح قدس واحد*، الذي يقدس ويؤله الكل[8]“. ويضيف القديس كيرلس قائلاً: “الآب يهب كل الأشياء بالابن، وعطايا الآب ليست إلاّ هي بعينها عطايا الابن وعطايا الروح القدس، لأنه يوجد خلاص واحد وسلطان واحد وإيمان واحد؛ إله واحد الآب، ورب واحد ابنه الوحيد، وروح قدس واحد البراكليت[9]“.

وهذا الروح حيّ وفعَّال، وهو أقنوم حقيقي كائن جوهريًّا في الله، ومساوٍ في الكرامة للآب والابن، وحاضر معهما على الدوام. وهو بهذا ليس فقط كيانًا حيًّا وعاقلاً بذاته، بل هو مصدر الخلق والتقديس لكل الأشياء التي صنعها الله بالمسيح. إذن فالقديس كيرلس رأى أن الروح القدس هو مصدر الروحانية والاستنارة والعقلانية، ولذلك فهو الذي تدين له كل الطبائع الروحية والعاقلة الأخرى (بعقلانيتها وروحانيتها)[10].

وهنا ـ كما في كل تعليم الآباء الذين كتبوا باليونانية خلال القرن الرابع ـ كان الإيمان بأن حضور الله المباشر، لا يعني أن الله يطغى على (أو يكتسح) الكائنات المخلوقة، ولكنه يعني بالحقيقة أنه يبقيها ويحفظها. وهذا أيضًا صحيح ـ كما أشار القديس باسيليوس وديديموس ـ حتى بالنسبة للمذنبين الذين يقعون تحت حكم الله[11].

وكان تعليم القديس كيرلس الأورشليمي عن الروح القدس في هذا الصدد واضحًا أشد الوضوح؛ إذ تحدث عن حضور الله الذي يعطي الحياة للعالم، بأنه هو نعمة الروح القدس، التي هي مثل الأمطار، لا تتغير عندما تهبط إلى أسفل ولكنها تتكيف مع طبيعة كل مَن يستقبلها. وبينما الروح القدس هو واحد في طبيعته الخاصة، وغير منقسم في ذاته، إلاّ أنه يقسِّم لكل واحد نعمته، وحسب مشيئة الله وباسم المسيح يعمل عجائب كثيرة[12].

ولذا ينبغي علينا، أن ننظر إلى الروح القدس بكونه حضور الله: الخالق والفعّال والمنير، الذي يتفاعل مع مخلوقاته من البشر بالشكل الذي يُبقي على علاقتهم به كمصدر لحياتهم الروحية والشخصية والعقلانية. ويعبِّر القديس كيرلس الأورشليمي عن حضور الروح القدس المميَّز فينا بأنه في حين يأتي (الروح) إلينا ويعمل فينا بقوة الله غير المحدودة، إلاّ أنه لا يعصف بنا بجبروت وعنف، حيث إن حلوله يكون بشكل مختلف تمامًا.

ويقول القديس كيرلس: “هو يحل برقة، ونحن نشعر به كالعطر، وحمله خفيف للغاية، وفي حلوله تشع خفقات من نور. هو يأتي بحنو الوصيّ الحقيقي، لأنه يأتي ليخلِّص ويشفي، ليعلِّم ويوبِّخ ويقوي وينصح وينير العقل[13]“. وهذا الربط بين الروح القدس والنور كان شائعًا تمامًا عند آباء القرن الرابع، الذين كثيرًا ما كانوا يشيرون (في شرحهم) إلى النور المخلوق وسلوكه، حتى ما يتمكن الناس (من خلال هذا المثل) من إدراك شيء عن الطريقة الصامتة غير المحسوسة التي يعمل بها الله في خليقته[14].

إذن، فالروح القدس والكلمة الذي صار جسدًا يمكن وصفهما بأنهما “النور المعطي الحياة[15]“، فكما أن في يسوع المسيح “كانت الحياة” التي هي نور للناس، فهكذا أيضًا الروح القدس يعمل بهذا النوع من القوة الهادئة والفائقة السمو. وإذا كان (الله) ضابط الكل هو وحده القادر أن يكون لطيفًا للغاية، فالروح القدس يمكن وصفه بأنه هو لطف الله الآب ضابط الكل.

 

168  Cyril of Jer., Cat., 4.16, 33; 11.12; 16.1-4, 16ff, 24.

169  Cyril of Jer., Cat., 16.2 and 13.

170  Cyril of Jer., Cat., 16.24.

171  But cf. Sozomen, Hist. eccl., 7.7, for a reported change in Cyril’s views.

172  Cyril of Jer., Cat., 16.3-4; 17.34; cf. 17.4f, 34.

173 Cyril of Jer., Cat., 16.3f, 12, 24; 17.2, 5.

174 Cyril of Jer., Cat., 16.3, 13; 17.2, 5, 28, 33f.

*  إرجع إلى القداس الإلهي حيث نجد في كل من تقدمة الحمل والاعتراف تُذكر عبارة “واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس..” (المترجم)

175 Cyril of Jer., Cat., 4.16; cf. 6.1, 6f; 16.3.

176 Cyril of Jer., Cat., 16.24.

177 Cyril of Jer., Cat., 4.16; 16.3; 17.2, 5, 28, 33f.

178  Basil, De Sp. St., 38-40; Didymus, De Trin., 2.6.

179  Cyril of Jer., Cat., 16.11-13, with reference to 1Cor. 12.1-11.

180  Cyril of Jer., Cat., 16.16.

181  See, for example, Basil, Hex., 2.3-8; De Sp. St., 22f.

182  Gregory Naz., Or., 31.3, 29;41.9, 14.

الروح القدس في تعليم القديس كيرلس الأورشليمي

Exit mobile version