تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – مايو 2024م

 

 

الفهرست

المقدمة. 1

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس… 4

العهد القديم. 4

العهد الجديد 4

رواية إنجيل لوقا 4

رواية إنجيل يوحنا 5

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري.. 8

العلامة أوريجينوس 185-253م 8

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م 9

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م 13

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي. 16

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م 16

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي. 19

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م 19

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي. 26

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م 26

ق. باسيليوس الكبير 330-379م 27

ديونيسيوس الأريوباغي 485م 27

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني. 30

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م 30

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م 31

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م 32

ق. جيروم 342-420م 34

توما الأكويني 1225-1274م 34

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني. 39

مار أفرام السرياني 306-373م 39

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م 40

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م 41

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م 42

الخلاصة. 44

 

 

المقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، الذي أقامه الربُّ يسوع مع تلاميذه الأثنى عشر ليله آلامه وصلبه. وسوف نستعرض الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العهدين القديم والجديد، ثم سوف نستعرض الإشارات إلى هذا الحدث في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا في مختلف الكنائس ومن مختلف التقاليد الكنسية، سواء إسكندريّ، أنطاكيّ، أورشليميّ، سريانيّ، كبادوكيّ، لاتينيّ، وذلك لتقديم صورة كاملة وشاملة عن تأكيدات آباء الكنيسة الجامعة من مختلف الكنائس والتقاليد المختلفة عبر العصور والأزمنة على حدث تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا.

حيث كان يستخدم آباء الكنيسة شرقًا وغربًا هذه الحادثة للتأكيد على ضرورة تناول الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا، مهما كانت حالته، وذلك كفرصة للتوبة والرجوع عن خطاياه، ولذا كان آباء الكنيسة يستشهدون عادةً بحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ، تلميذ المسيح الخائن، الذي خانه وسلَّمه إلى اليهود والرومان بقبلةٍ في بستان جثسيماني ليلة خميس العهد، وذلك في مقابل ثلاثين من الفضة كثمن الخيانة.

حيث يرى آباء الكنيسة الجامعة أن السيد المسيح كان طويل الأناة ورحوم على يهوذا الإسخريوطيّ إلى أخر فرصة، ولم ييأس أبدًا في رجوعه حتى وهو عازم على تسليمه إلى قادة اليهود والرومان، حى وهو عازم على خيانته وقد قبض ثمن خيانته، بل قام الرب بمنحه سر الإفخارستيا في العشاء الأخير لعله يتراجع عن خيانته، وهكذا منحه فرصة للتوبة والرجوع عن خطيته لأخر وقت ولأخر فرصة، لكي يؤكد على أنه يستمر إلى أخر وقت يطلب خلاص الخاطئ ولا يسرُّ أبدًا بهلاكه وفنائه حتى لو أراد هو نفسه ذلك.

ولكن للأسف لم يستفد يهوذا الإسخريوطيّ من هذه المحاولة وغيرها من المحاولات السابقة من قِبَل الرب يسوع لكي يتوب ويرجع عن خطيتئه، وأسلَّم عقله وقلبه وفكره وإرادته للشيطان وصمَّم على خيانة سيده وتسليمه إلى اليهود والرومان مقابل ثلاثين من الفضة.

 

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، وذلك في العهدين القديم والجديد، وذلك للتأكيد على أن هذه الحادثة لها جذور في نبوات العهد القديم تحقَّقت في العهد الجديد كما سنرى.

العهد القديم

هناك إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من خبز الإفخارستيا وذلك في نبوة (مز 41: 9)، حيث استخدم آباء الكنيسة هذا الشاهد في التأكيد على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا ”رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!“ (مز 41: 9 فاندايك).

العهد الجديد

رواية إنجيل لوقا

نجد إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير بعد أن أسَّس السيد المسيح سر الإفخارستيا حين ”وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: ’هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي‘“ (لو 22: 19 فاندايك). ”وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: ’هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ‘“ (لو 22: 20 فاندايك).

يشير لوقا البشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا حيث يقول المسيح نفسه إن يد مُسلِّمه هي معه على المائدة كالتالي: ”وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ“ (لو 22: 21 فاندايك)، ويستطرد السيد المسيح مؤكدًا على حضور يهوذا لسر الإفخارستيا وتحدَّث عن يهوذا الإنسان الذي سوف يُسلِّمه قائلاً: ”وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“. (لو 22: 22 فاندايك). وهنا يروي البشير لوقا حيرة التلاميذ وتساؤلهم فيما بينهم حول مَن هو هذا الإنسان الذي أخبر السيد المسيح أنه سوف يُسلِّمه، مما يؤكد أن يهوذا كان لا يزال موجودًا وحضر تأسيس سر الإفخارستيا وتناول من السرِّ كالتالي: ”فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ’مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟‘“ (لو 22: 23 فاندايك).

رواية إنجيل يوحنا

ويستخدم البشير يوحنا نبوة (مز 41: 9) في التأكيد على أن يهوذا قد حضر تأسيس سر الإفخارستيا، وهي النبوة التي أعتمد عليها آباء الكنيسة فيما بعد للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، حيث يقول المسيح نفسه التالي: ”’لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ‘“ (يو 13: 18 فاندايك). ثم أعلن السيد المسيح أن هناك واحد من التلاميذ سوف يقوم بتسليمه كالتالي: ”لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!‘“ (يو 13: 21 فاندايك).

وهنا تساءل التلاميذ فيمت بينهم وهم متحيرون عن هوية الخائن مُسلِّم المسيح كالتالي: ”فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 22 فاندايك). وكان البشير يوحنا صاحب الرواية الإنجيلية شاهد عيان على الحدث ”وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ“ (يو 13: 23 فاندايك). وهنا أشار ق. بطرس إليه أن يسأل المسيح عن هوية الخائن كالتالي: ”فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 24 فاندايك).

وهنا سأل ق. يوحنا الحبيب المسيح عن هوية الخائن قائلاً: ”فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: ’يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟‘“ (يو 13: 25 فاندايك)، فكانت إجابة المسيح وإشارته إلى الشخص الذي سوف يغمس اللقمة ويعطيه إياها كالتالي: ”أَجَابَ يَسُوعُ: ’هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!‘. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ“ (يو 13: 26 فاندايك)، وهنا يشير البشير يوحنا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهكذا بعدما تناول يهوذا من السر دخله الشيطان وذهب ليسلِّم المخلص كالتالي: ”فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ‘“ (يو 13: 27 فاندايك).

ويُقرِّر البشير يوحنا أن التلاميذ لم يفهموا ما حدث بين المسيح ويهوذا في وقتها، وأعتقدوا أن المسيح أرسله إلى يشتري حاجة العيد ويعطيها للفقراء، لأن يهوذا كان معه صندوق المال المدخَر لمثل هذه الأمور كالتالي: ”وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه، لأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ“ (يو 13: 28، 29 فاندايك).

 

 

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل إشارات آباء كنيسة الإسكندرية عبر العصور المختلفة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، للتأكيد على وجود اتفاق في التقليد الإسكندريّ على هذه الحادثة، وكيف استخدم آباء كنيسة الإسكندرية هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية تختص بالموقف من مُناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا.

العلامة أوريجينوس 185-253م

يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ أوريجينوس، الذي كان على دراية بالتقاليد والطقوس اليهودية في عيد الفصح، على تناول يهوذا من الإفخارستيا، ويُعتبر التقليد الذي ينقله العلامة أوريجينوس هو من أقدم التقاليد التي تؤكِّد على تناول من سر الإفخارستيا في العالم المسيحيّ عامةً وفي التقليد الإسكندريّ خاصةً كالتالي:

”لأن مَن يأكل بدون استحقاق خبز الربِّ أو يشرب كأسه، يأكل ويشرب دينونة، لأن القوة العظيمة الموجودة في الخبز والكأس، تثمر صلاحًا في النفوس الصالحة، وينتج عنها أمور شريرة في النفوس الرديئة! اللقمة التي أخذها يهوذا من يسوع كانت هي نفس اللقمة، التي أعطاها لباقي الرسل الآخرين قائلاً: خذوا كلوا، كانت خلاصًا لهم ودينونةً ليهوذا، لذلك بعد اللقمة، دخله الشيطان“.[1]

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في تفسيره لإنجيل لوقا، حيث تلطف الرب وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، ولكنه صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح بخيانته كالتالي:

”كما أنه يضيف إلى ذلك أنه أحد الأثنى عشر، وهذا أيضًا أمرٌ له أهمية عظيمة ليُظهِر بوضوحٍ تامٍ شناعة جريمة الخائن. لقد كان معادلاً في الكرامة للباقين، وكان مُزيَّنًا بكل الكرامات الرسولية، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الربُّ وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح، […] لأن واحدًا من البشيرين القديسين يقول بخصوصه إنه بينما كان المخلِّص متكئًا على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنه أعطاه لقمةً بعد أن غمسها في الصفحة: ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27)“.[2]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا أن الربَّ سمح ليهوذا، وتنازل، ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِبَ أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً قائلاً:

”أمَّا يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه فقد توبخ بتلك الكلمات التى قالها المسيح: ’ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة‘. ﻷنه ربما تخيل في حماقته العظيمة، أو ربما باﻷحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس أنه يمكنه أن يخدع المسيح مع أنه اﻹله، لكن كما قلتُ، إنه أُدين لكونه باﻹجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا. ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِب أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً“.[3]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى اشتراك يهوذا في المائدة المقدَّسة مع المسيح مثله مثل باقي التلاميذ، وهكذا يؤكِّد ق. كيرلس على تناول يهوذا من عشاء الفصح واشتراكه أيضًا في التناول من المائدة المقدَّسة، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”لأن ذاك الذي كان يتعشى مع المسيح منذ قليل، وأكل معه، واشترك في المائدة المقدَّسة، ومثل بقية التلاميذ كانت له فرصة الانتفاع بكلماته التي تحث على البرِّ، وقد سمعه وهو يعلن بوضوحٍ إن ’واحدًا منكم يُسلِّمني‘، وكأنه إذ سمع هذا القول، قفز من مكانه على نفس المائدة، وبعد أن كان متكئًا معه، أسرع في الحال إلى اليهود ليأخذ أجرة خيانته منهم، فهو لم يهتم بكلمات المسيح الملهمة، ولم يُفكِّر في المجد الآتيّ، ولم يُبالِ بالكرامة المعطَاة له، وباختصارٍ، فإنه فضَّل مبلغًا ضئيلاً وخسيسًا من المال على السعادة الكاملة التي لا نهاية لها، وبرهَّن أنه هو الشبكة أو الفخ الذي اصطاد به الشيطان المسيح، هذا الشيطان الذي هو المحرِّك والعامل مع اليهود في شرهم ضد الله“.[4]

ويستخدم ق. كيرلس الإسكندريّ نبوة (مز 41: 9) ”الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه“، وما خبز الربِّ الذي أكله يهوذا سوى جسده المقدَّس، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا قائلاً:

”ولكن المخلِّص لم يُعطِه أي توضيح أكثر عن الأمر سوى ما سبق أن أنبأ به الأنبياء قديمًا بالقول: ’الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه‘ (مز 41: 9). فحينما غمس اللقمة، أعطاها ليهوذا، مبينًا أنه هو الذي كان يأكل خبزه. وهكذا أزال الخوف الذي شعر به التلاميذ القديسون، كما يبدو أيضًا إنه يُذكِّرهم بنبوةٍ أخرى، وهي التي تقول: ’بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي. الذي معه كانت تحلو لنا العشرة: إلى بيت الله كُنَّا نذهب في الجمهور‘ (مز 55: 13-14). ففي وقت ما كان الخائن نفسه رفيقًا وصديقًا للمخلِّص، يأكل معه على نفس المائدة، ويشترك في كل شيء مما يُحسَب علامة مُميَّزة للتلمذة؛ إذ إنه كان له نصيب بين التلاميذ الآخرين، الذين كرَّسوا كل حياتهم للمخلِّص“.[5]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مُطبِّقًا نبوة (مز 41: 9) على تناول يهوذا من الإفخارستيا، حيث يؤكِّد على أن اللقمة التي أخذها يهوذا لم تكن هي سبب امتلاك الشيطان عليه، ويستنكر أن تكون لقمة البركة التي أخذها يهوذا، أي الإفخارستيا، هي التي أعطت فرصة للشرير أن يدخل فيه كالتالي:

”لأنه حينما غمس اللقمة أعطاها له، مبينًا بذلك مَن هو الذي أكل خبزه، وكان على وشك أن يرفع عليه عقبه. ولكن الإنجيليّ الحكيم جدًا يخبرنا أن الذي قاده وغرس فيه عدم تقواه والقسوة الملعونة ضد المسيح، والمخترع لكل الخطة، قد دخل قلب الخائن، أي الشيطان بكل قوته الشريرة قد سكن في داخله بعد أن أخذ اللقمة. ولا ينبغي أن يظن أحدٌ أن اللقمة التي أخذها الخائن كانت هي سبب امتلاك الشيطان له، فنحن لم نصل إلى حدّ الجنون، ولن نكون فاقدين لكل ذكاء حتى نظن أن مثل هذه البركة هي التي أعطت الفرصة للشرير أن يدخل فيه، بل بالحري نقول – بحسب ما يتفق مع الحق من جهة الخائن – رغم المحبة الكاملة التي عُومِلَ بها، ورغم الكرامة التي أُعطِيَت له، فإنه ظلَّ متعلقًا بشدةٍ بنفس الأفكار الشريرة، ولم يحاول أن يصلح أفكاره بالتوبة، ولم يحول قلبه بعيدًا عن خططه المضادة التقوى“.[6]

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم يُقدِّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح، بل أسرع للخيانة دون تريث أو تفكير أو مراجعة نفسه للحظةٍ واحدةٍ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”لذلك، فما حدث هو أن الخائن لم يفزع من التوبيخات التي قيلت سرًا وبهدوء، ولم يقدِّر قوة المحبة غير المغلوبة، ولا الكرامة والمجد والنعمة، ولا قدَّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح. بل أسرع دون تريث ليفكِّر أو يراجع نفسه لحظة واحدة، بل إذ كانت عيناه مثبتةً على ذلك وحده، الذي ثبُت أن له تأثير قوي عليه، وأعني بذلك لعنة الطمع، فإنه وقع في الشرك في نهاية الأمر، وهوى إلى الدمار التام“.[7]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم ينتفع بهبة البركة التي أخذها من المسيح، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”هو [يهوذا] يمضي مسرعًا طاعةً لإرادة الشيطان، ومثل إنسان أصابه جنون يخرج من المنزل. وهو لا يرى أي شيء يمكن أن يتغلب على حبه للربح، وكم هو أمرٌ غريبٌ إننا سنلاحظ إنه لم ينتفع بالمرة من هبة البركة [الإفخارستيا] التي نالها من المسيح، وهذا بسبب ميله الشديد للحصول على المال“.[8]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى مقاومة الشيطان لاحتمالية توبة يهوذا بسبب القوة الفعَّالة للقمة البركة التي تناولها يهوذا من المسيح، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمثلاً هو [الشيطان] يجبر يهوذا، بعد أن أخذ اللقمة مباشرةً، إذ أصبح الآن تحت سلطانه، أن يُسرِع في الحال إلى إتمام الفعل الشرير؛ إذ ربما كان خائفًا – بالإضافة إلى احتمال توبة يهوذا، من القوة الفعَّالة التي لهبة بركة المسيح [أي الإفخارستيا]، لئلا تضيء هذه النعمة كنورٍ في قلب يهوذا، وتحثه بالحري أن يفكر بتروٍ ويختار العمل الصالح، أو على الأقل تولد طبعًا مخلصًا أصيلاً في شخص كان قد دُفِعَ ضد مشاعره الطيبة، أن يفكِّر في الخيانة“.[9]

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م

يُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ، أحد آباء كنيسة الإسكندرية، مثله مثل الآباء السابقين عليه، على أن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، حيث يقارن بين مَن يتهاون بالسر ويمد يده باستمرارٍ على الأسرار الإلهية، ويتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح له بالاقتراب منها ولمسها، وبين طلب يهوذا الإسخريوطيّ للتناول من سر الإفخارستيا، وهو يُخطِّط للخيانة في داخله قائلاً:

”أشخاصٌ يقولون عنك إنك تفعل ما هو ممنوع وغير مسموح أن تفعله، ومراتٍ كثيرةٍ ترتكب أفعالاً مخالفةً، وأنت تستمر في مد يدك على الأسرار الإلهية، وتتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح لك أن تقترب منها وتلمسها. وأنا أندهش من غرورك، بينما تجلس وتشبع على مائدة الشياطين، لا تخاف من المشاركة في مائدة الربِّ (1كو 10: 21). إذًا، توقَّف حتى لا يضيق عليك الخناق (أع 1: 18) مثل يهوذا الذي سقط في اليأس بسبب وقاحته، الذي طلب التناول، بينما كان يُخطِّط للخيانة في داخله (يو 13: 27)“.[10]

وهنا يُشدِّد ق. إيسيذوروس ويُحذِّر الخطأة المستشرين في خطيئتهم من التهاون بالأسرار الإلهية، فهم يتناولون بكل سهولة ويسر وعدم توبة حقيقية من الأسرار الإلهية دون التوقف عن ارتكاب المخالفات والمحرَّمات.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليميّ، وذلك في إطار تأكيد التقليد الأورشليميّ على هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية آنذاك تتعلق بتقدُّم الخاطئ إلى سر الإفخارستيا وقبول مناولته من عدمه.

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن يهوذا قد خان السيد المسيح إذ قد كفر بنعمة رب البيت، لأنه بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، فأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ وبينما لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، ويستخدم ق. كيرلس أيضًا، مثل ق. كيرلس الإسكندريّ، نبوة (مز 40: 10) كنبوة مُسبَقة عن تناول يهوذا من سر الافخارستيا كالتالي:

”هل تريد أن تعرف بوضوحٍ أن مجد يسوع هو الصليب؟ فاسمع إذًا ما يقوله يسوع نفسه وليس أنا: كان يهوذا قد خانه إذ كفر بنعمة رب البيت، بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، وأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، حبًا بمال الخيانة. لقد أضطر أن يؤمن إذ هو سمع: ’أنت قلت‘ (مت 26: 25)، ومع ذلك خرج ليسلِّمه“.[11]

 

 

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول التقليد الأنطاكيّ لحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أقامه الرب يسوع ليلة آلامه وصلبه، وذلك في إطار التأكيد على أهمية هذه الحادثة من الناحية الرعوية والكنسية آنذاك.

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن المسيح له المجد لم يطرد يهوذا الخائن من المائدة المقدَّسة، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار، أي الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”إذًا، فالمكان الواحد يسعكم جميعًا، وتتحدوا معًا في شركة واحدة، لكن المائدة ليست واحدة في هذا الاجتماع. ولم يقل، فحين تجتمعون ولا تأكلون معًا، أو لا تأكلون في شركةٍ واحدةٍ، لكنه تكلَّم بأسلوبٍ آخر، وأدانهم بصورةٍ مخيفةٍ، بأن قال: ’ليس هو لأكل عشاء الرب‘. وأحالهم – إنطلاقًا من هذا الكلام – إلى تلك الليلة التي فيها سلَّم المسيح الأسرار المهيبة. لذلك فقد دعا إلى العشاء الأفضل، لأن العشاء الأخير يشترك فيه الجميع على نفس المائدة كل يوم. وإنْ كان الفارق بين الأغنياء والفقراء ليس بالقدر الذي عليه الفارق بين المعلِّم والتلاميذ، لأن ذلك الفارق كان بلا حدود. ولماذا أتحدَّث عمَّا كان من فارق بين المعلِّم والتلاميذ؟ فكَّر في المسافة التي تفصل بين المعلِّم والخائن [يهوذا]، ومع هذا فإن هذا الخائن جلس مع التلاميذ، ولم يطرده المسيح له المجد، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار“.[12]

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن يهوذا بعدما تناول الإفخارستيا في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، فإنه ذهب مسرعًا بينما بقى الآخرون على مائدة الإفخارستيا كالتالي:

يهوذا بعدما تناول في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، ذهب مسرعًا بينما بقا الآخرون على المائدة“.[13]

ويُحذِّرنا ق. يوحنا ذهبيّ الفم من التقدُّم إلى مائدة الإفخارستيا الرهيبة مثل يهوذا الشرير الذي بعدما تناول خبز الإفخارستيا، دخله الشيطان فسلَّم الربَّ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”هذا هو يوم التقدُّم إلى المائدة الرهيبة. فلنتقدَّم كلنا إليها بطهارةٍ، ولا يكُن أحدُنا شريرًا مثل يهوذا، لأنه مكتوبٌ: لما تناول الخبز دخله الشيطان فسلَّم ربَّ المجد. وليفحص كلٍّ واحد منا ذاته قبل أن يتقدَّم إلى جسد ودم المسيح لكيلا يكون له دينونة، لأنه ليس إنسان الذي يُناوِل الخبز والدم، ولكن هو المسيح الذي صُلِبَ عنا، وهو القائم على هذه المائدة بسرٍّ، هذا الذي له القوة والنعمة يقول: ’هذا هو جسدي‘“.[14]

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على حضور يهوذا أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا عندما قال: ”هذا هو جسدي“ و ”هذا هو دمي“، وإنه اشترك في المائدة المقدَّسة، مثله مثل باقي الرسل، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”وبينما هم يأكلون ويشربون أخذ يسوع الخبز وكسر، وقال: ’هذا هو جسدي الذي يُكسَر لأجلكم لمغفرة الخطايا‘. والذين انضموا إلي الكنيسة يعرفون هذه الكلمات. وأيضًا قائلاً عن الكأس: ’هذا هو دمي الذي يُسفَك عن كثيرين لمغفرة الخطايا‘. وكان يهوذا حاضرًا عندما قال المسيح هذه الكلمات. هذا هو الجسد الذي بعته أنت بثلاثين قطعة من الفضة […] يا لمحبة المسيح الفائقة للجنس البشري، ويا لعظم جنون وانعدام العقل ليهوذا، لأنه باع المسيح بثلاثين دينارًا، ولكن المسيح رغم هذا لم يرفض أن يعطي له غفران الخطايا، أي الدم نفسه الذي باعه يهوذا، لأن يهوذا كان هناك حقًا واشترك في المائدة المقدَّسة. وكما أن يسوع غسل قدمي يهوذا مع باقي الرسل، هكذا أيضًا مع باقي الرسل، كان مشتركاً في المائدة المقدَّسة، لكيلا يكون له عذرًا في الدفاع عن خيانته“.[15]

يتحدَّث ق. يوحنا ذهبيّ الفم عن الذين يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء علي وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا عندما تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لتكونوا غير مخادعين، غير ممتلئين بالشر، غير حاملين للحقد في عقولكم، لئلا تناولكم يؤدي إلي دينونة. لأنه بعد أن تناول يهوذا مما قُدِّمَ، دخل الشرير فيه، ليس لأن الشرير يزدري بجسد الربِّ، ولكن يزدري بيهوذا وخزيه. ولهذا فيمكنكم أن تتعلَّموا أنه فيما يتعلق بمَّن يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء على وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا“.[16]

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على دينونة يهوذا الخائن بسبب مشاركته في مائدة المسيح وفي الأسرار وفي الطعام، وذلك لكي يؤكد على حادثة تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”’وعند حلول المساء اتكأ [المسيح] مع الاثنى عشر‘ (مت 26: 20). يا لخزي يهوذا! لأنه هو أيضًا كان حاضرًا أيضًا هناك، وأتى ليشارك في الأسرار والطعام معًا، وقد أُدِينَ عند نفس المائدة، حيث كان سيُروَّض لو كن وحشًا ضاريًا. لهذا السبب يشير الإنجيليّ أيضًا إلى أن المسيح تحدَّث عن خيانته بينما كانوا يأكلون، لكي يُظهِر شرَّ الخائن بواسطة وقت الحديث وبالمائدة معًا“.[17]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أيضًا أن يهوذا الخائن ظلَّ على حاله بالرغم من مشاركته في الأسرار، ورغم أن المسيح سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً، إلا أنه لم يتغيَّر، وذلك في سياق تأكيده على على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”آهٍ! ما أعظم عمى الخائن [يهوذا]! حتى بعد المشاركة في الأسرار، بقي على حاله؛ وبعد أن سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً لم يتغيَّر!“.[18]

ويستطرد ق. يوحنا ذهبيّ الفم في نفس السياق، مؤكدًا على أن خطية يهوذا صارت أبشع حقًا لسببين، لأنه أتى إلى الأسرار في موقف الخيانة، ولأنه لم يصر أفضل بعد الاقتراب من الأسرار كالتالي:

”ويُظهِر لوقا هذا بالقول إنه [يهوذا] بعد هذا دخل إبليس فيه (لو 22: 3؛ يو 13: 27)، ولا يقصد لوقا أن يحتقر جسد الربِّ، بل ضحك ازدراءً منه على خزي الخائن من الآن فصاعدًا. لأن خطيئته صارت أبشع حقًا لسببين: لأنه أتى إلى الأسرار بموقف كهذا، ولأنه لم يصر أفضل بعد أن اقترب منها، لا من الخوف، ولا من الفائدة، ولا من الكرامة. لكن المسيح لم يمنعه رغم أنه كان يعرف كل شيء، لكي تتعلَّموا أنه لا يُغفِل أيّ شيء من الأشياء التي تخص الإصلاح“.[19]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن المسيح أراد تخجيل الخائن، ولكنه بعد المشاركة في الخبز، أهان المائدة، وبالرغم من مشاركته في كرم المسيح، لم يُردِعه هذا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا كالتالي:

”وحتى الطريقة التي استخدمها المسيح كان مُقدَّرًا لها أن تُخجِّل الخائن. لأن بعد المشاركة في نفس الخبز، أهان المائدة. وبفرض أن مشاركته في كَرَم المسيح لم يُردِعه، فمَّن هو الشخص الذي لا تستميله المحبة نحو المسيح لنوال اللقمة منه؟ لكنها لم تستمل يهوذا. لذلك، ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27) مستهزئًا به لوقاحته“.[20]

 

 

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكيّ، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائي من مختلف التقاليد الكنسية على هذه الحادثة وأبعادها الرعوية والكنسية.

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م

يشير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ إلى أن المسيح لم يمانع في مناولة يهوذا جزءًا من الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من  سر الإفخارستيا قائلاً:

”أصغ، يا يهوذا، إلى كل الخير الذي صنعه إليك. أخرجك من ظلمات الجهل، خلَّصك، أراك نور الخلاص؛ أنعم عليك برؤية معجزات كثيرة، وقال إنك ستجلس مع رسله لتدينوا جميع أسباط إسرائيل. وبجعله المال كله بين يديك جنّبك عذر الفقر. لقد كنت سارقًا، ولا تظن أنه كان على غفلةٍ من ذلك. ولكنه هو، في رحمته العظمى، لم يوجِّه إليك أي تأنيب؛ لم يكن ليتأثر بموقفك. وإنه، وإنْ كان على علم تام بحالك، قبل جريمتك، لم يتردَّد في غسل رجليك المجرمتين، ومناولتك جزءًا من خبز الإفخارستيا. وبعدما نلت منه هذه الحسنات، يا أقبح البشر، خُنته، وقبلت ثمن الدم حين لم تكن بحاجةٍ إلى مال“.[21]

ق. باسيليوس الكبير 330-379م

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير في الليتورچية بحسب تسليم كنيسة الروم الأرثوذكس في يوم خميس العهد (التريودي باللحن السادس) على أن يهوذا سلَّم المخلِّص على الرغم من وجود الخبز السماويّ، أي الإفخارستيا في فمه، مشيرًا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”إنَّ يهوذا، بالحقيقة، هو ابن الأفاعي الآكلين المنَّ في القفر والمتذمرين على المغذِّي، لأن غير الشكورين، إذ كان الطعام في أفواههم، كانوا يتذمرون على الله. وكذلك هذا الرديء العبادة، إذ كان الخبز السماويّ في فمه، صنع التسليم على المخلِّص. فيا له من عزم فاقد الشبع، ويا لها من جسارة وحشية، لأنه باع المغذِّي، وأسلَّم إلى الموت، السيد الذي كان يحبه“.[22]

ديونيسيوس الأريوباغي 485م

يشير ديونيسيوس الأريوباغيّ أو المنحول في كتابه الطغمات الكنسية إلى أن مُؤسِّس الأسرار الإلهية، أي المسيح، يستبعد مَن يتناول العشاء الإفخارستيّ معه، مثل يهوذا بطريقةٍ غير تقوية وغير مناسبة لشخصه قائلاً:

”هنا أيضًا، يا بُنيَّ الرائع، بحسب الصور، آتي بالترتيب والإجلال الواجبين إلى الواقع الإلهيّ للنماذج الأصلية، قائلاً هنا لأولئك الذين صاروا أهلاً، من أجل التوجيه المتناغم لأرواحهم، أن التكوين المتنوع والمقدَّس للرموز لا يخلو من التأمل الروحيّ لهم، كما يُقدَّمون بشكلٍ ظاهريّ. لأن أقدس الترانيم والقراءات النبوية تعلِّمهم نظام الحياة الفضلى، ويسبق ذلك، التطهير الكامل من الشر المدمِّر؛ والتوزيع الأكثر ألوهةً والأعم والأسلم لنفس الشيء، أي الخبز والكأس، الذي يربطهم بشركةٍ تقويةٍ في الشخص، مثل الشركة في الطعام، ويُذكِّرهم بالعشاء الإلهيّ الكامل، وممارسة الرموز الأصلية للطقوس، والتي بموجبها يستبعد مُؤسِّس الرموز نفسه [أي المسيح]، بكل عدل، مَن تناول [أي يهوذا] في العشاء معه من القُدسات بطريقةٍ غير تقويةٍ (يو 13: 11) وغير لائقةٍ بشخصه؛ ويُعلِّم في الحال، بطريقةٍ واضحةٍ وإلهيةٍ، أن الاقتراب من الأسرار الإلهية بعقلٍ صادقٍ يمنح أولئك الذين يقتربون الشركة في العطية بحسب شخصيتهم“.[23]

 

 

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات المتنوعة في كتابات آباء الكنيسة اللاتينية الغربية عبر العصور إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير وتداعيات ذلك الحدث من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول الخاطئ المتقدِّم إلى التناول من سر الإفخارستيا من عدمه.

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م

نجد عند العلامة ترتليان الأفريقيّ أقدم تقليد كنسيّ في الغرب اللاتينيّ يتحدَّث عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الشكر، أي الإفخارستيا، حيث يستخدم نبوة (مز 41: 9) للإشارة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الإفخارستيا تحقيقًا لهذه النبوة كالتالي:

”حتى أنه أراد بشدةٍ أن يُتمِّم رمز دمه الفادي، ربما يكون قد خانه أي غريب، ألا أجد أنه تمَّم حتى هذا المزمور: ’أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي. رفع عليَّ عقبه!‘ (مز 41: 9)، وتعرض للخيانة بلا ثمن، لأنه لا يوجد حاجة إلى خائن في حالة شخص قد قدَّم نفسه علانيةً للشعب، وكان من الممكن أن يُؤخَذ بالقوة وبنفس السهولة التي أُؤخِذَ بها عن طريق الخيانة؟ ربما كان هذا بلا شك جيدًا وكافيًا لمسيحٍ آخر، لكنه لم يكن مناسبًا لمَّن كان يُحقِّق النبوات. لأنه مكتوب: ’باعوا البار بالفضة‘ (عا 2: 6)، المبلغ نفسه والجهة التي خُصِّصَ لها المال الذي تمَّ استرداده بسبب ندم يهوذا عن الغرض الأول من المال، والمخصَّص لشراء حقل الفخاريّ، كما ورد في إنجيل متى، حيث تنبأ إرميا عنها بوضوحٍ: ’ثلاثين من الفضة. ألقها إلى الفخاريّ الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به‘ (زك 11: 12-13)، عندما أعرب بكل جدية عن رغبته في أكل الفصح، أَعتبره عيدًا خاصًا به؛ لأنه كان من غير المستحق أن يرغب الله في أن يشترك فيما ليس له. ثم أخذ الخبز وأعطى تلاميذه، وجعله جسدًا خاصًا به، قائلاً: ’هذا هو جسدي‘ (لو 22: 19)“.[24]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف عن تناول يهوذا خبز الإفخارستيا من المسيح، وكان يتغذَّى مع المسيح ويشرب معه، ولكن دخل الشيطان في قلبه، وخان المسيح، ففارقه المسيح، لأن يهوذا تركه وأتبَّع الشيطان، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”ولنا مثال على ذلك، لأنه عندما أخذ يهوذا الخبز من المسيح، دخل الشيطان في قلبه كأنه يطالب بما له، كأنه يحتفظ بحقه في نصيبه، كأنه يقول: ليس لك بل ليَّ. من الواضح أنه خادمي، خائنك، ومن الواضح أنه ليَّ. يجلس معك ويخدمني. يتغذَّى معك ولكنني أُغذِّيه. يتناول منك الخبز ومني المال. يشرب معك، ويبيع ليَّ دمك. وأثبت مدى صدق كلامه. ومن ثمَّ، فارقه المسيح، ويهوذا نفسه أيضًا ترك يسوع وتَبِعَ الشيطان“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م

يُؤكِّد أوغسطينوس أسقف هيبو على أن تناول بطرس من الإفخارستيا كان للحياة، أمَّا تناول يهوذا من الافخارستيا فكان للموت، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا قائلاً:

”اشترك بطرس ويهوذا في خبزٍ واحدٍ، ولكن أية شركة للمؤمن مع غير المؤمن؟ كانت شركة بطرس للحياة، أمَّا شركة يهوذا فكانت للموت. لأن الخبز الجيد كان كالمذاق الشهي. لأنه كالمذاق الشهي، كذلك أيضًا الخبز الجيد يحيي الأبرار ويميت الأشرار. ’لأنه مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[26]

ويشير أوغسطينوس إلى اشتراك يهوذا مع باقي التلاميذ في العشاء المقدَّس، مؤكدًا على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لأن بولس نفسه لم يشترك في خطايا الآخرين، لأنه احتمل الأخوة الكذبة الذين يئن لأجلهم في وحدة الجسد. كما أن الرسل الذين سبقوه لم يشتركوا في سرقة يهوذا وجريمته، لأنهم اشتركوا معه في العشاء المقدَّس، عندما قد باع ربه بالفعل، وأشار إليه الربُّ على أنه خائنٌ“.[27]

يرى أوغسطينوس أن يهوذا، الذي أعطاه الرب لقمة الإفخارستيا، هو الذي أعطي مكانًا للشرير في داخله، لأنه لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ، كذلك كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون التناول سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، فإنه لم يأخذ شيئًا، لأنه لم يأخذ المناولة لخلاصه، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

كما أن يهوذا، الذي أعطاه الرب ’لقمةً‘، أعطي مكانًا للشيطان في نفسه، لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ (يو13: 27)، لذلك، كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون [التناول] سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، أو أنه لم يتناول شيئًا، لأنه لم يتناول للخلاص. فهو ليس إلا جسد الرب ودم الرب، حتي فيمَّن قال لهم الرسول: ’مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونةً لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[28]

يتحدَّث أوغسطينوس عن تناول بطرس من الأسرار المقدَّسة للخلاص، وتناول يهوذا من نفس الأسرار المقدَّسة للدينونة، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمَّن منَّا يقول إنه ثمة شركة بين البر والإثم، حتى إنْ كان البار والأثيم، كما في حالة يهوذا وبطرس، يشتركون في الأسرار على حد سواء؟ لأنهما من نفس الشئ المقدَّس [أي الإفخارستيا]، تناول يهوذا دينونةً لنفسه، وتناول بطرس الخلاص، كما تتناول أنت القربان مع أوبتاتوس Optatus فإنْ كُنت لا تشبهه، فلِمَ تشترك إذًا في سرقاته“.[29]

ق. جيروم 342-420م

يناقش ق. چيروم قضية الاستحقاق للتناول من جسد الرب ودمه، ويرى ق. چيروم اختلاف الاستحقاق حسب استحقاق المتناولين، فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه. يتساءل ق. چيروم هل لأنَّ يهوذا شرب من نفس الكأس مثل بقية الرسل، يكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟ تناول يهوذا من الافخارستيا قائلاً:

”في الأسرار المسيحية، هناك وسيلة واحدة لتقديس السيد والعبد، النبيل والوضيع، الملك وجنوده، ولكن كُلٍّ يختلف حسب استحقاق المتناولين منه. فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق، يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه (1كو 11: 27). هل لأنَّ يهوذا شرب نفس الكأس مثل بقية الرسل، فيكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟! لكن لنفترض أننا لم نختر تناول السرِّ، ففي جميع الأحوال، لدينا جميعًا نفس الحياة، ونتنفس نفس الهواء، ولدينا نفس الدم في عروقنا، ونتغذَّى على نفس الطعام“.[30]

توما الأكويني 1225-1274م

يناقش الأب توما الأكوينيّ، أحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في العصر الوسيط، قضية تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، وذلك في سياق إجابته على سؤال: هل أعطى المسيح جسده ليهوذا؟ ويخلص الأكوينيّ، بعد مناقشة طويلة لكافة الاعتراضات على عدم تناول يهوذا، إلى أن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس أسقف هيبو في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). ويؤكد الأكوينيّ على أن المسيح لم يطرد يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين، وهكذا يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كالتالي:

”الاعتراض الأول، يبدو أن المسيح لم يعطِ جسده ليهوذا. لأنه كما نقرأ في (مت 26: 29)، قال ربنا لهم، بعد أن أعطى جسده ودمه للتلاميذ: ’لا أشرب من الآن من ثمر الكرمة هذا إلى ذلك اليوم عندما أشربه معكم من جديد في ملكوت أبي‘. ويتَّضح من هنا أن الذين أعطاهم جسده ودمه كان عليهم أن يشربوا منه أيضًا. ولكن يهوذا لم يشرب منه بعد ذلك معه. لذلك، لم يتناول [يهوذا] جسد المسيح ودمه مع التلاميذ الآخرين. الاعتراض الثاني، علاوة على ذلك، فإن ما أوصى به الرب قد أتمَّه بنفسه، كما جاء في (أع 1: 1): ’وابتدأ يسوع يعمل ويُعلِّم‘. ولكنه أعطى وصية في (مت 7: 6): ’لا تعطوا القدس للكلاب‘. لذلك، بسبب معرفته بأن يهوذا خاطئ، يبدو أنه لم يعطه جسده ودمه. الاعتراض الثالث، علاوة على ذلك، إن هذا يتعلق بآية (يو 13: 26) حيث أعطى المسيح يهوذا خبزًا مغموسًا. وبالتالي، إنْ كان قد أعطاه جسده، فواضح أنه أعطاه إياه في اللقمة، خاصةً أننا نقرأ في (يو 13: 26): ’بعد اللقمة دخله الشيطان‘. ويقول أوغسطينوس في هذا المقطع (مقالة 112 على إنجيل يوحنا): ’نتعلَّم من هذا كيف يجب علينا توخي الحذر من تلقي الخير بطريقةٍ شريرةٍ […] لأنه إذَا ’توبَّخ‘ مَن ’لا يُميِّز‘، أي يُميِّز جسد الرب عن اللحوم الأخرى، فكيف ينبغي أن ’يدين‘ مَن يتظاهر بأنه صديق، ويأتي إلى مائدته عدوًا‘؟ لكن [يهوذا] لم يتناول جسد ربنا باللقمة المغموسة؛ وهكذا علَّق أوغسطينوس على (يو 13: 26)، ’فلما غمس وأعطى ليهوذا سمعان الإسخريوطيّ‘، [نسخة الفولوجاتا: ليهوذا بن سمعان الإسخريوطيّ] (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’لم يتناول يهوذا جسد المسيح وقتها، كما يظن البعض الذين يقرأون بدون اهتمام‘. لذلك، يبدو أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح. ولكن على العكس من ذلك، يقول فم الذهب في (عظة 82 على إنجيل متى): ’لم يتغيَّر يهوذا عند تناوله من الأسرار المقدَّسة: لذلك أصبحت جريمته أشنع من كلا الجانبين، لأنه مُشبَّع بهذه الغاية واقترب من الأسرار، ولأنه لم يصبح أفضل بالاقتراب، ولا من الخوف، ولا من المنفعة التي تلقاها، ولا من الشرف الممنوح له‘. فأجيبُ على ذلك، إن هيلاري، في تعليقه على (مت 26: 17)، رأى أن المسيح لم يعطِ جسده ودمه ليهوذا. وكان من الممكن أن يكون هذا صحيح تمامًا، إذَا أخذنا في الاعتبار خبث يهوذا. ولكن بما أن المسيح ينبغي أن يخدمنا كنموذج للعدل، فلا يتفق مع سلطانه للتعليم أن يقطع يهوذا، الخاطئ المستتر، عن الشركة مع الآخرين بدون تهمة ودليل واضح لئلا يكون قدوةً لأساقفة الكنيسة في فعل ذلك، ولئلا يغتاظ يهوذا نفسه وينتهز الفرصة لارتكاب الخطيئة. لذلك، يبقى أن نقول إن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). الرد على الاعتراض الأول، هذه حجة هيلاري لإثبات أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح، ولكنها حجة غير مقنعة، لأن المسيح يتكلَّم مع التلاميذ الذين انفصل يهوذا عن شركتهم، ولم يكن المسيح هو الذي استبعده. لذلك، فالمسيح من جانبه يشرب الخمر حتى مع يهوذا في ملكوت الله، ولكن يهوذا نفسه رفض هذه المائدة. الرد على الاعتراض الثاني، كان المسيح يعرف شر يهوذا لأنه الله؛ ولكنه لم يعرفه بالطريقة التي يعرفه بها البشر. وبالتالي، لم يطرد المسيح يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين. الرد على الاعتراض الثالث، بدون أدنى شك، لم يتناول يهوذا جسد المسيح في الخبز المغموس؛ لقد تناول خبزًا فقط. ومع ذلك، كما يلاحظ أوغسطينوس (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’ربما تظاهر يهوذا بغمس الخبز؛ تمامًا كما يتمُّ غمس بعض الأشياء من أجل صباغتها‘. ولكن إذَا كان الغمس يعني هنا أي شيء جيد (على سبيل المثال، حلاوة الصلاح الإلهيّ، حيث أن الخبز يصبح أشهى عن طريق غمسه)، ’فهل تبعت الدينونة جحوده للخير نفسه بدون استحقاق‘. وبسبب هذا الجحود ’صار الخير بالنسبة له شرًا، كما يحدث للذين يتناولون جسد المسيح بدون استحقاق‘. وكما يقول أوغسطينوس في (مقالة 12 على إنجيل يوحنا): ’يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كما يروي لوقا: وبعد ذلك، نصل إلى هذا، حيث يعلن ربنا بوضوحٍ أنه خائنه من خلال غمس اللقمة وتسليمها إليه، وفقًا لرواية يوحنا“.[31]

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني

سوف نتتبع في هذا الفصل الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في كتابات آباء الكنيسة السريانية، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائيّ على هذه الحادثة المهمة وتداعيات ذلك الأمر من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول مناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا من عدمه.

مار أفرام السرياني 306-373م

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ في شذرات تفسيره على الدياطسرون [الإنجيل الرباعيّ لتاتيان السوريّ] عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الخبز المقدَّس، وإنه ورث الحياة الأبدية به، لذا يبتكر نظرية نزع القداسة من العناصر عن طريق غمس الخبز في الماء،[32] وهذا ما سوف يُؤكِّده مار ساويروس موسى بن كيفا في شهادته عن مار أفرام السريانيّ فيما يلي، حيث يقول مار أفرام التالي:

”وكذلك فصل الربُّ بالماء يهوذا عن تلاميذه عندما أعطاه خبزًا مغموسًا في الماء، لأنه لم يكن مستحقًا لذلك الخبز الذي وزَّع مع الخمر على الرسل الأثنى عشر. لأنه لا يجوز أن الذي أسلَّمه إلى الموت [يهوذا]، أن يأخذ في شكل خبز، ذاك الذي يُخلِّص من الموت [المسيح]“.[33]

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م

يشير مار ساويرس موسى بن كيفا إلى شهادة كُلٍّ من مار ايوانيس ومار سويريوس الأنطاكيّ ومار أفرام السريانيّ ومار يعقوب السروجيّ ومار يعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون عن مشاركة يهوذا الإسخريوطيّ فى الأسرار، ويستعرض شواهد كل أب من هؤلاء الآباء الذين أكَّدوا على تناول يهوذا في كتاباتهم. حيث قال مار ايوانيس ذلك فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وقال مار سويريوس ذلك فى المعنيث الثانى، وقال مار أفرام السريانيّ ذلك فى تفسير الإنجيل، وقال يعقوب السروجيّ أيضًا ذلك فى الميمر على الآلام وقال مار يعقوب الرهاويّ ذلك الأمر فى قوانينه كالتالي:

”إذَا ما شارك يهوذا فى الأسرار أم لا؟ نقول: يقول مار ايوانيس ومار سويريوس ومار أفرام ويعقوب السروجيّ ويعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون أنه شاركه فى الأسرار، كذلك قال ايوانيس فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وسويريوس فى المعنيث الثانى، ومار أفرام فى تفسير الإنجيل ويعقوب السروجيّ فى الميمر على الآلام ويعقوب الرهاويّ فى قوانينه. أمَّا القديس مار فيلكسينوس فى تفسير إنجيل متى فقد قال إنه لم يشاركه فى الأسرار وذلك لأن الشيطان قد دخله منذ زمن بعيد، ومن تسليم مار فيلكسينوس جرت الكنيسة ألا يُعطَى القربان للذين يتخبطون من الشياطين. قال مار افرام ويعقوب السروجيّ إنه شاركه فى الأسرار، ولكن يضيفون أنه بغمسة الخبز بالماء نزع عنه طُهره (أي قُدسه) وأنه أعطاه خبزًا بسيطًا“.[34]

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م

يشهد مار ديونيسيوس بن الصليبيّ بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، ويستعرض أسماء الآباء الذين قالوا بتناول يهوذا من سر الإفخارستيا، ويحدِّد المواضع التي قالوا فيها بتناول يهوذا الإسخريوطيّ في كتاباتهم كالتالي:

”وقد اختلف المعلِّمون في هل أشرك السيد يهوذا بالأسرار أم لا؟ فالذهبيّ الفم في مقالته عن خيانة يهوذا وفي مقالته الحادية والثمانين من تفسير انجيل متى، وساويرس في المغيث الثاني، والقديس أفرام في تفسير الانجيل، ويعقوب السروجيّ في ميمر الآلام، ويعقوب الرهاويّ في كتاب القوانين، وغيرهم، يقولون إن المسيح أشرك يهوذا في الاسرار. أمَّا القديس فيلوكسينوس في تفسيره بشارة متى فيقول إنه لم يُشرِكه لأن الشيطان كان قد سبق واستولى على يهوذا ومن فيلكسينوس هذا قد جرت العادة في الكنيسة ألا يُعطَى القربان للممسوسين من الشياطين. أمَّا القديس أفرام ويعقوب السروجيّ فقالا بأن السيد أشرك يهوذا في الأسرار ولكنه بلَّ الجسد بالماء فزالت منه القداسة غير أن مُعلِّمين آخرين يقولون إن الجسد المبلول بالماء لا تزول منه القداسة، وإن الماء لا يقدر أن يزيل القداسة والروح الذي فيه، قال داود الراهب ابن بولص الموصليّ محب موسى ابن الحجر إن سيدنا وإنْ لم يبل جسده الذي ناوله ليهوذا بالماء، لكنه أزال قداسته خفيةً لعدم استحقاق يهوذا الخائن له، ولا يخفى إن الحنفي إذَا أكل القداس يأكله خبزًا بسيطًا لأنه يأكله بدون ايمان، ويعقوب الرهاويّ يقول إن السيد ناول يهوذا خبزًا يابسًا كانوا يغمسونه في الأطعمة ويأكلونه، فمن هذا الخبز غمس غمس سيدنا وناوله لا من خبز الأسرار الذي قدَّس جسده منه“.[35]

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م

يُؤكِّد مار غريغوريوس بن العبريّ، مثله مثل الآباء السريان السابقين عليه، على أن مار يعقوب السروجيّ، ومار أفرام السريانيّ، وق. يوحنا ذهبيّ الفم، وق. ساويروس الأنطاكيّ، وداود الراهب بن بولس، قالوا بتناول يهوذا من الأسرار المقدَّسة في كتابه ”التعليقات على الأناجيل“ كالتالي:

”يقول مار أفرام [السريانيّ] ومار يعقوب [السروجيّ] أن ربنا اشترك مع يهوذا في الأسرار، ولكن بعدما قد نزع القداسة من الخبز بغمسه في الماء. ويقول الآخرون إن الأسرار لا تُنزَع من القداسة حتى لو غُمِسَت في الماء. ويقول ق. يوحنا [ذهبيّ الفم] وساويروس [الأنطاكيّ] أنه اشترك في الخبز، بالرغم من أنه لم يكن مُجرَّدًا من القداسة […] ويقول داود الراهب، ابن بولس، إنه [أي يهوذا] اشترك فيه، أي في العناصر غير منزوعة القداسة، ولكن يهوذا أكل منه كخبزٍ عاديّ بدون إيمان“.[36]

 

 

الخلاصة

نستخلص مما سبق أن هناك نبوة (مز 41: 9) تشير نبويًا وسريًا إلى الرجل الذي أكل من الخبز وسلَّم المخلص، أي تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه السيد المسيح ليلة آلامه وصلبه، ولقد استخدم ق. يوحنا في إنجيله هذه النبوة وكذلك استخدمها أغلب آباء الكنيسة للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا. وهناك رواية إنجيلي لوقا ويوحنا تشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ لتأسيس سر الإفخارستيا وتناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك شهادات عديدة من تقاليد كنسية مبكرة مختلفة عن تقليد يقول بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، فنجد العلامة أوريجينوس الإسكندريّ، وق. كيرلس الإسكندريّ، وق. إيسيذوروس الفرميّ، يشيرون إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا تقليد كنيسة الإسكندرية.

هناك تقليد مبكر في كنيسة أورشليم بفلسطين يشير فيه ق. كيرلس الأورشليميّ إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد ق. يوحنا ذهبي الفم يشير بوضوحٍ في مواضع عدة من كتاباته إلى تقليد كنيسة أنطاكية الذي يؤكد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وكان يستخدم هذا الأمر في أمور رعوية، حيث كان يدعوة الخطأة إلى التناول من سر الإفخارستيا لكي يكون ذلك سببًا في بداية توبتهم واستمرارهم في حياة البر.

نجد ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ، وق. باسيليوس الكبير، وديونيسيوس الأريوباغيّ، يؤكدون على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا يُعبِّر عن تقليد كنيسة كبادوكية بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا) الذي يؤكد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك تقليد غربيّ لاتينيّ مبكر عند العلامة ترتليان الأفريقيّ، وق. أمبروسيوس أسقف ميلان، وأوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، وق. چيروم، وحتى عصر الأب توما الأكوينيّ في العصر الوسيط يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد أيضًا تقليد سريانيّ مبكر عند مار أفرام السريانيّ، ومار ساويروس موسى بن كيفا، ومار ديونيسيوس الصليبيّ، ومار غريغوريوس بن العبريّ، يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نستخلص مما سبق أن هناك إجماع كبير من تقاليد كنسية مختلفة على مر العصور أن يهوذا الإسخريوطيّ قد تناول من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه الرب يسوع ليلة آلامه وموته.

سوف أقوم بعرض قائمة آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا الذين يؤكدون على تقليد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

  • العلامة أوريجينوس الإسكندريّ
  • ق. كيرلس الإسكندريّ
  • ق. إيسيذوروس الفرميّ
  • ق. كيرلس الأورشليميّ
  • ق. يوحنا ذهبي الفم
  • ق. غريغوريوس اللاهوتيّ
  • ق. باسيليوس الكبير
  • ديونيسيوس الأريوباغيّ
  • العلامة ترتليان الأفريقيّ
  • ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
  • أوغسطينوس أسقف هيبو
  • ق. چيروم
  • الأب توما الأكوينيّ
  • مار أفرام السريانيّ
  • مار ساويروس موسى بن كيفا
  • مار ديونيسيوس الصليبيّ
  • مار غريغوريوس بن العبريّ

[1] Origen of Alexandria, In Johannem, 32, 24 GCS, 4, 468.

[2] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 148، ص 720.

[3] المرجع السابق، عظة 142، ص 694.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 18: 3)، ص 422.

[5] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 23-26)، ص 111.

[6] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 26-27)، ص 112.

[7] المرجع السابق، ص 113.

[8] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 30)، ص 118.

[9] المرجع السابق، ص 119.

[10] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة 170 إلى شيريموناس، ص 186.

[11] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشر الأوسط – جامعة الكسليك، 1982)، عظة 13: 6، ص 214.

[12] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٢٧: ٣، ص ١٥٠، ١٥١.

[13] John Chrysostom (St.), On the Feast of the Epiphany, Reflection 26-2, Synaxarion Orthodoxia.

[14] النص اليوناني للعظة: PG XLIX, 389-390؛ والنص القبطي للعظة: MS Copto Vat. XCVIII fol. 232v-233.

[15] Daniel J. Sheerin, The Eucharist (Message of the Fathers of the Church Series, Vol. 7), (M. Glazier, 1986), pp. 144-145.

[16] John Chrysostom (St.), On the Betrayal by Judas 1.6, ACC IV b, CIII.

[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة 81: 1، ص 125.

[18] المرجع السابق، عظة 82: 1، ص 131.

[19] المرجع السابق، ص 131.

[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 72، ص 32.

[21] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، ص ٥٨.

[22] قداس ق. باسيليوس الكبير بحسب تسليم كنيسة الروم الارثوذوكس، يوم الخميس العظيم.

[23] Dionysius the Areopagite, the Works of Dionysius the Areopagite, Trans. by John Parker, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1897), Ecclesiastical Hierarchy, 3: 3: 1, pp. 192-93.

[24] ترتليان (علامة)، ضد ماركيون، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2023)، 4: 40، ص 341، 342.

[25] Ambrose of Milan (St.), Selected Works & Letters, NPNF, Ser. II, Vol. 10, Trans. by H. De Romestin, E. De Romestin & H. T. F. Duckworth, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Letter to the Church at Vercellae LXIII: 95, p. 990.

[26] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 7, Tractates on John, Trans. by John Gibb & James Innes, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1818-1893), Tract. L., Ch. 11: 10, p. 467.

[27] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Book II, Ch. 107-243, p. 1177.

[28] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, On Baptism, Against the Donatists, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. V, Ch. 8-9, p. 832.

[29] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II, Ch. 40-96, p. 1076.

[30] Jerome (St.), NPNF Ser. II, Vol. 6, Against Jovinianus, Trans. by W. H. Fremantle, G. Lewis & W. G. Martley, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II: 25, p. 890.

[31] Thomas Aquinas, Summa Theologiae, III, Q 81, Art. 2.

[32] J. Rendel Harris, Fragments of The Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, (London: C. J. Clay & Sons, Cambridge University Press, 1895), pp. 84-85.

[33] The Venerable Ephraim the Syrian, Works (Russian Version, 1995), p. 279.

[34] ساويرس موسى بن كيفا (مار)، المواعظ، نقله إلى العربية: الشماس الإنجيلى بهنام دانيال البرطلى، (العراق: دار المشرق الثقافية، ٢٠١٣)، عظة في خميس الأسرار، فصل ١٤، ص. ٢٢٨.

[35] ديونيسيوس يعقوب بن الصليبى السريانى (مار)، الدرّ الفريد فى تفسير العهد الجديد ج1، أعاد طبعه وكتب مقدمته مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان، (لبنان: جبل لبنان، ٢٠١٧)، تفسير إنجيل متى، الاصحاح ٢٦، ص ٥٢٠-٥٢١.

[36] BAR-HEBRAEUS, Commentary on the Gospels, Trans. & Edit. By Wilmot Eardley, (London: Society for promoting Christian knowledge, 1925), p. 63.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

“قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ».” (مز 110: 1).

לְדָוִ֗ד מִ֫זְמ֥וֹר נְאֻ֚ם יְהֹוָ֨ה | לַֽאדֹנִ֗י שֵׁ֥ב לִֽימִינִ֑י עַד־אָשִׁ֥ית אֹֽ֜יְבֶ֗יךָ הֲדֹ֣ם לְרַגְלֶֽיךָ.

 

كيف قرأه رسل العهد الجديد وطبقوه على المسيح؟

هذا المزمور لداود يتمتع بامتياز الاقتباس منه، أو الإشارة إليه، أكثر من غيره في العهد الجديد، عن أي فصل آخر في العهد القديم. وواضح بجلاء أنه مزمور عن المسيَّا. أولاً، كذاك المُمَجَّد على يمين الله، ثم كملك المجد الذي سيعود إلى الأرض ليمسك بصولجان المملكة العالمية، وأيضًا كالكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.

الآية الأولى من هذا المزمور واحدة من أكثر آيات العهد القديم اقتباسًا في العهد الجديد. اقتبسها يسوع في متى ٢٢: ٤٣-٤٥ وفي مرقس ١٢: ٣٦-٣٧، مبيّنًا كيف أنّ داود دعا المسيّا ربّه، مقرًّا بهذا أن المسيّا أعظم منه. اقتبسها بطرس في يوم الخمسين شارحًا أن داود تنبّأ بلاهوت يسوع وصعوده (أعمال الرسل ٢: ٣٤-٣٥). أشار بولس إليها في ١ كورنثوس ١٥: ٢٥، شارحًا حكم يسوع وهيمنته. اقتبسها صاحب الرسالة إلى العبرانيين في ١: ١٣ مشيرًا إلى تفوق يسوع على أي ملاك. أشار صاحب الرسالة إلى العبرانيين إليها في ١٠: ١٣ مبيّنًا حُكم يسوع وهيمنته.[1]

 

  • “قَائلًا: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»” (مت 22: 42-45).
  • ” ثُمَّ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: «كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 36 لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 37 فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟» وَكَانَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ يَسْمَعُهُ بِسُرُورٍ.” (مر 12: 35- 37).
  • وَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 42 وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 43 حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 44 فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» (لو20: 41- 44)
  • “لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ.” (أع 2: 34-35).
  • “لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.” (1 كو 15: 25).
  • “ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟” (عب 1: 13).
  • وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، 13 مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. (عب10: 12، 13)

 

كيف قرأته الكنيسة الأولى؟

يقول يوحنا فم الذهب:

لقد نزع فكرهم الخاطئ. لهذا السبب أدخل داود في الحوار (مت 22: 41-46)، حتى تُعرَف شخصيته ولاهوته بأكثر وضوح. لقد ظنوا أنه إنسان مجرد، ومع ذلك قالوا إن المسيح هو “ابن داود”. لهذا قدَّم لهم شهادة نبوية عن بنوته ومساواته لأبيه في الكرامة.[2]

 

يفسرها القديس كيرلس الكبير:

كيف يمكن أن الذي يملك على الكل مع الآب، يصعد إليه لينال مُلكًا؟ أجيب إنَّ الآب يعطي الابن أيضًا هذا المُلك من جهة كونه صار إنسانًا، لأنه عندما صعد إلى السماوات جلس عن يمين العظمة في الأعالي، منتظرًا أن يُوضَع أعداؤه تحت قدميه، لأنه قيل له من الآب: “اجلس عن يمين حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك”.[3]

 

يقول جيروم:

يعلن المُخَلِّص معنى تلك الكلمات في الإنجيل عندما سأل: إن كان المسيح هو ابن داود، كيف إذن يدعوه داود بالروح ربه؟ (مت 22: 43)… بالنسبة لنا ذاك الذي هو ابن هو أيضًا ابن داود، أنه ليس ابن وابن آخر. إنه ليس شخصيْن، واحد بكونه الله وآخر بكونه إنسانًا. وإنما ذاك الذي هو ابن الله هو بنفسه أيضًا ابن داود… فالله لا يجلس، إنما ذاك الذي اتخذ جسدًا يجلس، ذاك الذي قيل له أن يجلس هو الكلمة المتجسد.[4]

 

كتب أغسطينوس:

المسيح هو ابن داود وربُّه. إنه رب داود على الدوام وابنه حسب الزمن… هو رب داود المولود من الآب، وابن داود المولود ابنًا للعذراء مريم الذي حُبل به منها بالروح القدس. فلنتمسَّك بكليهما بشدة… فلو لم يهبنا ربّنا يسوع المسيح أن يصير إنسانًا لهلك الإنسان. [5]

 

 

ويقول مار إفرام:

لأن بجلوس المسيح، بناسوته المأخوذ منا، عن يمين الآب، استحققنا الروح القدس الذي به نُحَطِّم أعداءنا الشياطين والخطايا والآلام والآثام، ونغلب الموت والجحيم، ونصعد إلى السماوات، إلى حيث المسيح رأسنا الذي قد جعلنا له جسدًا.[6]

 

تفسير مختصر للنص:

 

قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي

 “يا لهذا التنازل العجيب من جانب يهوه ليسمح لأذن فانية بأن تسمع، ولقلم بشري بأن يدوّن حديثه السرّي مع ابنه المعادل له! كم ينبغي أن نقدّر حديثه الجليل هذا مع الابن، معلنًا إياه من أجل إنعاش شعبه. سبيرجن (Spurgeon)

في ع1 يقتبس داود قول الرب لربه: «اجلس عن يميني حتى (إلى أن) أضع أعداءك موطئًا لقدميك». والمفتاح لفهم هذا العدد هو في تحديد الشخصين المنفصلين اللذين يُشير إليهما بكلمة «رب». والاستخدام الأول للكلمة يشير، دون أي احتمال للخطأ إلى «يهوه». والكلمة الأخرى «ربي» هي كلمة “أدون” في العبرية، ومعناها “المعلِّم” أو “السيِّد“. وكانت تستخدم أحيانًا كاسم الله، وأحيانًا تستخدم “للمُعلِّم البشري“. ومع أن الكلمة نفسها لا تشير دائمًا إلى شخص إلهي، فالكلمات التي تليها تشير إلى أن كلمة «ربي» بالنسبة لداود “أدون” كانت تساوي الله.

ذات يوم، عندما كان يسوع يتكلَّم إلى الفريسيين في أورشليم سألهم: «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن مَنْ هو؟» وكانت إجابتهم صحيحة «قالوا له: ابن داود». ولكن يسوع بيَّن لهم أنه طبقًا لمزمور 110 (الذي يعترفون أنه عن المسيح)، أن المسيَّا سيكون أيضًا رب داود. فكيف يكون ابن داود وربه في نفس الوقت؟ وكيف يكون لداود الملك، ربًّا على الأرض؟

والإجابة هي بالطبع أن المسيَّا سيكون إلهًا وإنسانًا. وكإله سيكون «رب داود». وكإنسان سيكون «ابن داود». ويسوع نفسه، الذي جمع في شخصه الأُلوهية والبشرية، كان ربًا لداود وابن داود. كانت لحظة إظهار للحقيقة بالنسبة للفريسيين، ولكن بالرغم من كل الدلائل، لم يكونوا مستعدين للاعتراف بيسوع كالمسيَّا المُنتظَر. ولذلك نقرأ «فلم يستطع أحد أن يجبه بكلمةٍ. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحدٌ أن يسأله بتَّةً» (مت41:22- 46؛ انظر مر35:12- 37؛ لو41:20- 44).[7]

تُظهر حقيقة أن الرب (يهوه، إله عهد إسرائيل) يتكلم إلى شخص دعاه داود ربي (الرب – أدوناي) أن كُلًّا من يهوه وأدوناي في هذه الآية الله. · وعلى نحو خاص، يمكننا أن نقول إن يهوه هو الإله ثلاثي الأقانيم في ما يتعلق بأقانيم الآب والابن والروح القدس، حيث كل واحد منهم يهوه. وعادةً، عندما يُذكَر يهوه من دون صلة محددة بشخص الابن أو الروح القدس، فإننا نفترض أنه يشير إلى الله الآب. ولهذا، فإن الله الآب هنا يتكلم إلى المسيّا، الله الابن. · “يشير أدوناي إلى فرد أعظم من المتكلم. هنا حالة يقتبس فيها داود كلام الله الذي يطلب من شخص متميز آخر أعظم من داود أن يجلس عن يمين الله إلى أن يجعل أعداء هذا الشخص المتميز موطئًا لقدميه. ولا يمكن إلا أن يكون هذا الشخص المسيّا الإلهي، يسوع المسيح.” بويس (Boice)

 

 

 

ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ:

تَحَدَّث يهوه (الله الآب على نحو محدد) إلى المسيّا (الله الابن على نحو محدد)، طالبًا منه أن يجلس في مكانه متوَّجًا (أفسس ١: ٢٠؛ عبرانيين ٨: ١) إلى أن يقدم الآب النصر للابن. · ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي: “اكتمل عمله، ولهذا يمكنه أن يجلس. لقد أتقن عمله، ويمكنه أن يجلس عن يمينه. وستكون لهذا الأمر نتائج فخمة. ولهذا يمكنه أن ينتظر بهدوء ليرى النصر التام الأكيد الذي سيأتي.” سبيرجن (Spurgeon) · مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ: “سيوضع عبيدك وخدمك إلى أدنى خدمة وضيعة ممكنة، كما توحي العبارة (١ ملوك ٥: ٣؛ مزامير ١٨: ٣٩؛ ٩١: ١٣). وهذه الصورة مأخوذة من أسلوب الملوك الشرقيين الذين كانوا يدوسون رقاب أعدائهم المهزومين، كما في يشوع ١٠: ٢٤.” بوله (Poole).[8]

والجلوس عن اليمين هو للتكريم كما أن السيد الديان سيجلس عن يمين عرش الآب في الأعالي. والجلوس عن يمين الملك هو أعظم مظاهر التمجيد والتكريم (راجع 1ملوك 2: 19) والأعداء عند موطئ القدمين دليل الخضوع التام (1ملوك 5: 17). إن صهيون مركز صولجان هذا الملك (راجع إرميا 48: 17 وحزقيال 19: 11 – 14). فهو متسلط على الشعب وكذلك متسلط في وسط الأعداء (ميخا 5: 3 و4). (3) وشعب هذا الملك مندفع من نفسه في سبيل خدمته. أي حينما يدعوهم ليظهر قوته يتجندون حالاً يأتون مزينين كأنهم مولودون من الفجر ويشبهون الطل المتساقط أي الندى على وجه الأرض. يأتي الأحداث لهذه الخدمة لأنهم عز الملك بهم يتغلب على الأعداء لأنهم ذوو عزيمة وإقدام ولا يبخلون بأية تضحيات مهما عظمت.[9]

وكُتَّاب أسفار العهد الجديد، لا يدعون مجالاً للشك، أن الذي جلس عن يمين الله، ليس إلا يسوع المسيح الناصري (مت64:26؛ مر62:14؛ 19:16؛ لو69:22؛ أع 34:2، 35؛ 31:5؛ 55:7، 56؛ رو34:8؛ 1كو24:15؛ أف20:1؛ كو1:3؛ عب3:1، 13؛ 1:8؛ 12:10، 13؛ 2:12؛ 1بط22:3؛ رؤ21:3). ولذلك ع1 يُخبرنا بما قاله يهوه للرب يسوع في يوم صعوده، عندما جلس عن يمين الله ولكنه هناك فقط حتى (إلى أن) يوضع أعداءه موطئًا لقدميه.[10]

فهذا المزمور هو نبؤة عن انتصار المسيح النهائي على أعدائه حينما يجلس أخيراً عن يمين العرش في الأعالي (انظر أعمال 2: 34 وما بعده أيضاً 1كورنثوس 15: 25 وعبرانيين 1: 13 و10: 13) بل نجد كاتب الرسالة للعبرانيين يدعم نبؤته بذهاب الكهنوت اللاوي وقيام الكهنوت المسيحي على ما ورد بقوله على رتبة ملكي صادق (راجع عبرانيين 5: 6 و7: 17 و21).

 

 

يُرْسِلُ ٱلرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ:

لن تكون سلطة المسيّا مقصورة على إسرائيل. إذ ستمتد إلى العالم كله، فتهيمن على كل الملوك وشعوب الأرض، حيث يعطيه الله الحكم على الأعداء (تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ). آدم كلارك (Adam Clarke) هو بين الذين يعتقدون أن ’قَضِيبَ عِزِّكَ‘ يشير إلى رسالة الإنجيل: “رسالة الإنجيل هي عقيدة المسيح المصلوب. وهي صولجان الرب القوي الذي اشترانا. إنها رسالة سريعة وقوية وأمضى من كل سيف ذي حدّين. وهي قوة الله للخلاص لكل من يؤمن.”[11]

 

 

 

ما قاله المفسرون اليهود:

 

كتب يالكوت شموني Yalkut Shimoni:

“قال الحاخام يوسان للحاخام آها بار حننيا: في المستقبل سيجلس القدوس المبارك الملك المسيح عن يمينه وإبراهيم عن يساره، ويتجعد وجه إبراهيم ويقول: ابن ابني يجلس عن اليمين وأجلس على اليسار؟ لكن القدوس المبارك صالحه قائلاً: ابن ابنك يجلس عن يمينك وأنا أجلس عن يمينك…”[12]

 

ويكتب رابي شمعون:

والقدوس، المبارك، سيقاتل من أجل إسرائيل ويقول للمسيح: “اجلس عن يميني” [مزمور 110: 1]. فيقول المسيح لإسرائيل: اجتمعوا وقفوا وانظروا خلاص الرب».[13]

 

وجاء في تفسير يهودي اخر:

يقول سفورنو Sforno أن هذا المزمور مخصص للملك المستقبلي المسيح. فهو عن يمين الله، والملائكة الخادمون عن يساره. ستهاجم جيوش يأجوج ومأجوج، لكن الرب سيخضعهم حتى يزحفوا عند قدمي المسيح.[14]

 

وقد ترجمت في ترجوم يوناثان إلى:

“فقال الرب لكلمته”.[15]

 

وجاء في المدراش على المزامير:

… قال ر. يودان باسم ر.حما: في المستقبل عندما يجلس القدوس المبارك السيد المسيح عن يمينه كما قيل قال الرب لربي: “ اجلس عن يميني» (مز 110: 1).[16]

 

وأيضًا:

… فمن الذي خاض كل المعارك إذن؟ لقد كان القدوس المبارك: قال لإبراهيم اجلس عن يميني فأحارب عنك الحروب. ولم يتم توضيح أن الله فعل ذلك في السرد. من الذي جعل الأمر واضحا؟ داود الذي قال: قال الرب لربي: اجلس عن يميني. ويقال للمسيح أيضًا: وبالرحمة يثبت الكرسي، ويجلس له بالحق في خيمة داود يحكم (إش 16: 5).[17]

 

وتعليقًا على الآية الثانية من هذا المزمور، يقول المدراش:

… نفس هذه العصا أيضًا ستُمسك بيد المسيح الملك (فليكن ذلك سريعًا في أيامنا هذه!)؛ كما جاء في الكتاب: “يرسل الرب عصا عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك” (مز 2: 1).[18]

… وعصاك تشير إلى المسيح الملك.[19]

 

[1] ديفيد كوزيك، تعليقات على المزمور 110.

[2] Homilies on Matt 71: 2.

[3] Commentary on Luke, homily 128.

[4] Homily 36 on Ps. 109 (110).

[5] Ser. on N. T. 42:3.

[6] تفسير خر 24: 12-18.  

[7] وليم ماكدونالد، تعليقات على المزمور 110.

[8] ديفيد كوزيك، تعليقات على المزمور 110.

[9] تفسير وليم مارش، المزمور 110: 1- 3.

[10] وليم ماكدونالد، تعليقات على المزمور 110.

[11] ديفيد كوزيك، تفسير المزمور 110.

[12] How to Recognize the Messiah, Good News Society (Johannesburg, 2000), p.21; Yalqut Shimoni Ps. 110, Nedarim 32b and Sanhedrin 108b. The subject is also touched upon in: David M. Hay, Glory at the Right Hand Psalm 110 in Early Christianity, New York 1973

[13] T’fillat R. Shimon ben Yochai

[14] Artscroll Tenach Commentary Tehillim

[15] Targum of Jonathan

De Cathol. Arean. Ver. l. 3. c. 5. & l. 8. c. 24.

[16] Midrash on Psalms, Book One, Psalm 18, 29.

Tom Huckel, The Rabbinic Messiah (Philadelphia: Hananeel House, 1998). Ps 110:1.

[17] Midrash on Psalms, Book Five, Psalm 110, 4.

[18] Midrash Rabbah, Numbers XVIII, 23.

[19] Midrash Rabbah, Genesis LXXXV, 9.

 

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

القديس ايرونيموس (جيروم)

ولد ايرونيموس من أبوين مسيحيين ببلدة ستريدون قرب أكويلا بإيطاليا حوالى سنة 345م. وفى حداثته ذهب إلى روما حيث درس الخطابة واشتغل فترة بالمحاماة. ويقول عن نفسه إنه سقط فى الخطية ولكنه انجذب بعدها إلى صداقة مجموعة من الشبان المسيحيين الذين أثروا فى حياته وكان يزور معهم قبور الشهداء فى سراديب روما. وفى سنة 366 اعتمد بيد البابا ليباريوس.

          كان جيروم منذ شبابه مغرمًا بالدراسة وبدأ يكوّن لنفسه مكتبة خاصة منذ شبابه المبكر. وقال بجولة فى بلاد الغال (فرنسا) عن طريق شمال إيطاليا، وفى أثنائها تعرّف بروفينوس، وقضى فترة فى تريف، وكان يقوم بنسخ المخطوطات، وكتب تفسيرًا رمزيًا لسفر عوبديا. ثم رجع إلى إيطاليا، وقضى هناك ثلاثة سنوات فى أكويلا حيث بدأ فى السير نحو هدفى حياته وهما. دراسة الكتاب المقدس، وممارسة الجهاد النسكى.

          فى 373 سافر ايرونيموس إلى الشرق مع بعض أصدقائه من النساك عن طريق شمال اليونان ….. وغلاطية وكبادوكية وكيليكيا إلى أن وصل إلى أنطاكية حيث استراحوا لبعض الوقت، وهناك أصيب ايرونيموس بحمى شديدة قارب الموت بسببها، وأثناء هذه الأزمة قرر ترك كل الاهتمامات والقراءات الرومانية وتكريس نفسه للدراسات المسيحية وخاصة الكتاب المقدس.

          تعلم ايرونيموس اللغتين اليونانية والعبرية. وقام بترجمة العهد القديم من العبرية إلى اللاتينية لغته الأم، وهذه أول مرة تترجم فيها التوراة من العبرية إلى اللاتينية مباشرة بعد أن كانت الكنيسة اللاتينية تستخدم النسخة السبعينية اليونانية. وهذه الترجمة هى المعروفة باسم الفولجاتا Volgate.

          ومن أشهر كتب القديس ايرونيموس كتاب “مشاهير الرجال” (Viris Illustratus) الذى أشرنا إليه فى كتاب “مدخل إلى علم الآباء” كأحد المراجع عن عدد كبير من الآباء بعد كتاب “تاريخ الكنيسة ” لأوسابيوس.

          وقضى ايرونيموس 40 سنة فى بيت لحم يعيش الحياة النسكية مع عدد من الأصدقاء والتلاميذ والتلميذات. وترجم نصوصًا كثيرة لبعض المعلمين السابقين من بينهم أوريجينوس إلى اللاتينية، وكتب تفسيرات لعدد كبير من أسفار الكتاب المقدس خاصة العهد القديم. وتنيح ايرونيموس سنة420 م ودُفن فى بيت لحم.

العظة على ميلاد الرب:

          لم يستطع العلماء أن يحددوا تاريخًا دقيقًا لإلقاء هذه العظة. وكل ما وُجد عنها فى هوامش كتابات ايرونيموس باللاتينية أنها أُلقيت فى عيد الميلاد 25 ديسمبر فى حضور الأسقف ودون تحديد من هو الأسقف الذى ألقى ايرونيموس العظة فى حضوره. ويرجع العلماء أنها أُلقيت فى إحدى السنوات بين 394 ـ 405.

          ونود أن نشكر الأخ ريمون يوسف الذى ساهم فى ترجمة هذه العظة عن اللغة الإنجليزية.

          فليبارك المسيح مخلصنا المتجسد لأجل خلاصنا فى هذه العظة لبنيان المؤمنين بشفاعة العذراء والدة الإله، وصلوات الآباء القديسين، والقديس ايرونيموس، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث وشركائه الآباء المطارنة والأساقفة. والسجود والتسبيح والتمجيد للآب والابن والروح القدس الإله الواحد الآن وإلى الأبد. آمين.

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

على ميلاد الرب

عظة للقديس ايرونيموس (جيروم)[1]

 

 “ اضجعته فى المذود، إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” (لو7:2) “ اضجعته أمه فى المزود. لم يجرؤ يوسف على أن يلمسه، لأنه كان على يقين تام، أن الطفل لم يكن ابنه بالجسد. ابتهج يوسف بالطفل وهو مندهش، بيد أنه لم يجرؤ على أن يلمسه. اضجعته أمه فى المذود. فلماذا فى مذود؟ لكى تتم النبؤة التى قيلت على لسان إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” (إش3:1) وقيل أيضًا فى موضع آخر “ الناس والبهائم تخلّص يارب” (مز6:36). فإذا كنت إنسانًا تناول الخبز؛ وإذا كنت حيوانًا فتعال إلى المذود.

 

          وبسبب أنه لم يكن لهم موضع هناك، لذلك قال لوقا الإنجيلى بصواب: “ إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” وذلك لأن عدم إيمان اليهود قد امتد إلى كل شئ. لم يجد موضعًا فى قدس الأقداس الذى يتألق بالذهب، والأحجار الثمينة، والحرير الطبيعى والفضة. لم يولد المسيح وسط الذهب والثروة، بل وُلد وسط روث الحيوانات فى حظيرة للبهائم، “وحيث توجد الحظيرة، يوجد الروث، بينما خطايانا هى أقذر بكثير من ذلك الروث. وُلد الرب فى مزبلة، كى يرفع أولئك الذى أتوا منها، كما يقول المرتل: “ الرافع البائس من المزبلة” (مز7:113) وُلد الرب فى المزبلة، حيث جلس أيوب الصديق أيضًا، وتُوّج بعد ذلك.

          “ لم يكن لهم موضع فى المنزل” هنا تعزية عظيمة للفقراء فيوسف ومريم، أم الرب، لم يكن لهما خادم أو خادمة. أتوا بمفردهم من الناصرة التى فى الجليل، ولم يكن لهما دابة تحملهما. فلقد كانا لنفسيهما سادة وعبيدًا. توجد هنا ملاحظة أخرى وهى أنهما قد ذهبا إلى الفندق الذى بجانب الطريق، وليس إلى داخل المدينة، فحيث كان الفقر كان يجعل الإنسان أجبن من أن يتجرأ للدخول وسط الأغنياء. أتلاحظون مدى شدة عوزهما. فقد ذهبا إلى الفندق الذى على الطريق. لم يقل الكتاب المقدس إن الفندق كان على الطريق، بل كان جانبًا خارج الطريق؛ ليس على طريق الناموس، بل على طريق الإنجيل. لم يكن هناك فى ذلك الوقت مكان آخر خاليًا لكى يولد فيه المخلص سوى مذود، مذود للماشية والحمير. فإنى أتمنى لو كان يُتاح لى أن ألقى بنظرة إلى ذلك المذود الذى وُلد فيه المسيح. ولكى نكرِّم المسيح الآن، نأخذ مذود الطين ونستبدله بسلة فضية، ولكن ذاك الذى وُلد فيه المسيح نفيس جدًا بالنسبة لى. الفضة والذهب يتناسبان مع عبادة الأوثان، أما الإيمان بالمسيح فإنه يستحق ذلك المذود المصنوع من الطين. وُلد المسيح فى ذلك المذود فهو لا يبالى بالذهب أو الفضة. لذلك فإنى لا ألوم أولئك الذين باعوا ممتلكاتهم فى سبيل إكرام الآلهة، ولا أنظر بازدراء إلى أولئك الذين صنعوا أوعية من الذهب فى الهيكل، ولكنى أتعجب من الرب خالق الكون. الذى وُلد وهو غير مُحاط بالذهب والفضة، بل مُحاط بالطين والروث.

          “ وكان فى تلك الكورة رعاة متبدّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو8:2). إنهم لن يجدوا المسيح إن لم يسهروا، إذ أن هذا هو واجب الرعاة. فلن يجد المسيح إلا الإنسان اليقظ الساهر. فلهذا تقول عروس النشيد: “ إنى نائمة ولكن قلبى يقظ” (نش2:5) حقًا “ لا ينعس ولا ينام حارس إسرائيل” (مز4:120).

 

          كان هناك فى نفس الكورة رعاة، وكان هيرودس ورؤساء الكهنة والفريسيون هناك أيضًا فى نفس الكورة، وبينما هم نيام، وجد الرعاة المسيح مضجعًا فى مغارة منعزلة.

 

          كان الرعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم“. لقد كان الرعاة يحرسون قطيعهم، لئلا تفترسه الذئاب أثناء نومهم. كانوا يحرسون القطيع بحرص وعناية؛ ولقد كان الخطر بالنسبة للقطيع من غدر الوحوش سببًا كافيًا لكى يسهروا لحراسة قطيعهم. كانوا يحرسونه، كما لو كان قطيع الرب، ولكنهم لم يستطيعوا حفظه؛ ولهذا طلبوا من الرب أن ينقذ القطيع. ” وإذا ملاك الرب وقف بهم” (لو9:2). والذين كانوا يقظين هكذا استحقوا أن يأتى إليهم ملاك الرب: “ ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفًا عظيمًا” (لو9:2). إن خوف الإنسان سببه هو عدم قدرته أن يتفرس فى منظر مهيب وسامٍ جدًا. وبسبب خوفهم خوفًا عظيمًا، قال لهم الملاك “ لا تخافوا” (لو10:2)، فكان كلامه كالمرهم الذى يداوى الجروح لكى يطمئنوا. فشدة الخوف تجعلك عاجزًا عن فهم ما أقوله.

إنه وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو11:2) يا لها من كلمات عظيمة جدًا وبينما هم فى حالة دهشة عظيمة “ ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين” (لو13:2). ملاك واحد أعلن ميلاد الرب، ولكى لا يبدو أنه هو الوحيد الشاهد لهذه الحادثة، ردد كل جمهور الملائكة تسبحة تمجيد واحدة:       “ المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبين أناس المسرة” (لو14:2).

              

          إذا كانت الخطايا بحسب ما يقوله الهراطقة، تحدث يوميًا فى السماء، فكيف يكون هناك إذًا مجد فى السماء، ولماذا نصلى من أجل السلام على الأرض؟ لاحظوا ما يقوله الإنجيل فى السماء حيث لا يوجد خصام، يسود المجد، وعلى الأرض، حيث كل يوم هو يوم حرب يملك السلام.

 

          “ على الأرض السلام” يحل السلام على مَنْ؟ يحل السلام بين الناس. فلماذا كانت الأمم الوثنية تحيا بدون السلام؟ ولماذا كان اليهود أيضًا ليس عندهم سلام؟ هذا هو بالضبط الذى يجعل السلام يحل بين أناس محددين: والسلام يحل بين الناس ذوى الإرادة الصالحة، بين هؤلاء الذين رحبوا بميلاد المسيح.

 

          قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: “ لنذهب الآن إلى بيت لحم” (لو15:2) فلنترك الهيكل المهجور ولنذهب إلى بيت لحم. “ وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب” (لو15:2). وإذ كانوا منتبهين فهم لم يقولوا، لنذهب ونرى الطفل، أو لنذهب لنكتشف ما قد أعلنه الملاك لنا، بل قالوا لنذهب “ وننظر الأمر الواقع” (الكلمة).

 

          فى البدء كان الكلمة” (يو1:1) “ والكلمة صار جسدًا(يو14:1) الكلمة كائن دائمًا منذ البدء، فلننظر إذًا كيف صار من أجلنا. “ وننظر هذا الكلمة الذى صار، الذى صنعه الرب والذى أعلمنا به الرب” (لو15:2).

 

          بقدر هذا نفسه صار، إذ أن هذا الكلمة نفسه هو الرب، فلننظر إذًا كيف أن هذا الكلمة نفسه، الرب ذاته، جعل نفسه يظهر، وجعل جسده معروفًا لنا. ولأننا لا نقدر أن نراه، مادام هو الله الكلمة الذى لا يُرى، دعنا نرى جسده، لأنه جسد (يُرى)؛ دعنا نرى كيف أن الكلمة صار جسدًا.

 

          “ لذا فقد جاءوا مسرعين” (لو16:2). إن غيرة أرواحهم المتلهفة صارت أجنحة لأرجلهم؛ فلم يستطيعوا أن يمسكوا سرعتهم بسبب لهفتهم على رؤية الطفل، لذلك قال الإنجيلى: “ جاءوا مسرعين” (لو16:2) ووجدوا من يبحثون عنه، لأنهم ركضوا بحماس شديد.

 

          دعنا نرى ماذا وجدوا “ وجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا فى المذود” (لو16:2). إذا كانت مريم زوجة يوسف حقًا، لكان من الخطأ القول ” وجدوا الزوجة والزوج”، ولكن ذكر لنا الإنجيل المرأة أولاً ثم الرجل. فماذا قال الكتاب      “ وجدوا مريم ويوسف” وجدوا مريم الأم ويوسف الحارس   “ والطفل مضجعًا فى المذود“. ولما أبصروا فهموا ما قاله الملاك لهم عن الصبى.

 

          “ وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها” (لو19:2) ماذا تعنى كلمة “متفكرة” إنها تعنى بالتأكيد أن العذراء كانت تتأمل مليًا فى قلبها وفى أعماق نفسها وتفكر داخلها، فيما قد صنعه الرب.

 

          “ متفكرة به فى قلبها” لأنها كانت امرأة قديسة، وقرأت الكتب المقدسة وتعرف الأنبياء وتتذكر أن ما قاله الملاك جبرائيل لها هو نفس الأمور التى سبق وتنبأ بها الأنبياء. كانت تتأمل فى قلبها ما إذا كان الأنبياء قد سبق وأشاروا للكلمات: “ الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك، لذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يدعى ابن الله” (لو35:1). لقد قال الملاك جبرائيل للعذراء نبؤة إشعياء فى بشارته لها “ ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (إش14:7). لقد قرأت العذراء نبؤة إشعياء وسمعت بشارة الملاك لها.

 

          تطلعت العذراء إلى الطفل وهو مضجع أمامها؛ ونظرت الطفل وهو يبكى فى المذود، رأت العذراء هناك ابن الله، ابنها، ابنها الواحد والوحيد؛ وتطلعت إليه، وفى تأملها، كانت تقارن ما سمعته بما قرأت وبما أدركته هى نفسها. وحيث إن العذراء كانت تتأمل فى قلبها، فلنتأمل بالمثل، نحن فى قلوبنا إنه فى هذا اليوم وُلد المسيح. ولكن هناك البعض يعتقدون أن المسيح وُلد فى يوم “الابيفانيا”، بيد أننا لا ننتقد رأى الآخرين، ولكننا نتبع مسار نتائج دراستنا الخاصة. “ فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئًا بخلافه، فالله سيعلن لكم هذا أيضًا” (فى15:3) فمن يقول إن الله قد سبق ووُلِدَ فعلاً، ونحن نقول إن الله وُلد اليوم، فكلانا على حدٍ سواء نعبد ربًا واحدًا، ونعترف بطفل واحد. دعونا نستعرض بعض الحقائق القليلة، وذلك ليس لتوبيخ الآخرين ببراهيننا الخاصة، إنما لكى ندعم ونعزز موقفنا. نحن لا ننشر آراءنا الخاصة ولكننا نؤيد التقليد. فالرأى الشائع فى العالم يتعارض مع تفكير هذه المنطقة. قد يعترض أحد ويقول: “إن المسيح وُلد هنا، فهل أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن هذا المكان لهم دراية أكبر من أولئك الذين يعيشون فى بلد ميلاده؟ من أخبرك بهذا؟ إن أولئك الذين كانوا من تلك المقاطعة، هم بالطبع الرسولان بطرس وبولس وبقية التلاميذ. بذلك أنت قد رفضت التقليد؛ وأما نحن فقبلناه. فبطرس الذى كان هنا مع يوحنا، الذى عاش أيضًا هنا مع يعقوب، علّمنا أيضًا نحن الذين فى الغرب. فالرسل هم معلموك ومعلمونا.

 

          توجد هنا حقيقة أخرى، وهى أن اليهود كانوا يحكمون اليهودية فى ذلك الوقت، وعلاوة على ذلك يقص لنا أعمال الرسل هذه الحادثة “ وحدث فى ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل” (أع1:8). ذهبوا إلى قبرص وأنطاكيا، وانتشر اليهود الذين تشتتوا فى العالم كله. لقد كان اليهود يحكمون لمدة 42 سنة بعد صعود الرب، وكان هناك سلام فى كل مكان، ولكن هنا فقط توجد حرب. ولذا لقد كان من الممكن أن يُحفظ التقليد بسهولة فى الغرب أكثر من اليهودية حيث يوجد نزاع. وبعد 42 سنة، وصلت جيوش فيسبيان وتيطس، ودمروا أورشليم وخربوها (70 م)؛ وطردوا منها كل اليهود والمسيحيين. وحتى عصر هادريان ظلت أورشليم مقفرة؛ ولم يكن فى تلك المنطقة بأسرها يهودى واحد أو مسيحى واحد. ثم جاء هادريان وقام بتدمير ما بقى من المدينة، بسبب اندلاع ثورة أخرى لليهود فى الجليل. وبعد ذلك أصدر قانون بعدم السماح لأى يهودى أن يقترب من أورشليم. ثم أتى بمستوطنين من مقاطعات مختلفة ليقيموا فى أورشليم. وأذكر أن اسم هادريان هو أيليوس هادريان وبعد أن أخرب أورشليم أطلق على المدينة الجديدة اسم أيليا.

 

          لماذا أقول كل هذه الأمور؟ أقول هذا لأنهم يقولون لنا إن فى ذلك المكان عاش الرسل؛ وأقيم التقليد. ونحن نقول الآن إن المسيح وُلد اليوم؛ ووُلد ثانية فى الابيفانيا (عيد الظهور) وأنت يا من تدافع وتقول إن المسيح وُلد فى عيد الغطاس، فاثبت لنا الولادة والتجديد (إعادة الولادة). ومتى نال المسيح صبغة المعمودية، وإلا ستواجه النتيجة وهى أنه فى نفس اليوم وُلد وتجدد؟ فحتى الطبيعة تتفق مع رأينا؛ والعالم نفسه شاهدًا لرؤيتنا هذه. حتى هذا اليوم تزداد الظلمة على الأرض، أما منذ ذلك اليوم الذى وُلد فيه تتناقص الظلمة ويزداد النور، النهار يطول، ويتضاءل الإثم؛ يرتفع الحق. أما بالنسبة لنا، ففى هذا اليوم وُلد شمس البر. والخلاصة، خذ بعين الاعتبار نقطة أخرى؛ وهى أنه بين الرب ويوحنا هناك ستة أشهر، فإذا درست ميلاد يوحنا المعمدان بالنسبة إلى ميلاد المسيح، فإنك ستجد أن هناك ستة شهور بينهما.

 

          وبعد حديثنا هذا عن كثير من الأمور، وبعد سماعنا للطفل وهو يبكى فى المذود، وبعد أن كرمناه هناك، فلنستمر فى تكريمنا له اليوم. فلنحمله على أيدينا اليوم ونمجده كابن الله. الإله القدير الذى طالما أرعد فى السماء لوقت طويل جدًا ولم ينقذ الإنسان، نجده اليوم يبكى وكطفل رضيع يخلص الإنسان. فلماذا أقول كل هذه الأمور؟ لأن الكبرياء لا يجلب الخلاص أبدًا ولكن التواضع يصنع الخلاص. وطالما كان ابن الله كائنًا فى السماء، لم يعبده إنسان، ولكن لما نزل على الأرض صار معبودًا. ذلك الذى له تحت قدميه الشمس والقمر والملائكة، لم يُعبد على الأرض، لقد وُلد إنسانًا كاملاً، إنسانًا صحيحًا كاملاً، لكى يشفى العالم كله. أى عنصر من طبيعة الإنسان لا يتخذه لنفسه لا يقدر أن يخلصه. فلو أنه كان قد اتخذ الجسد فقط ولم يتخذ النفس أيضًا، لما كان قد خلّص النفس. فهل يخلص ما هو ذا قيمة أقل ولا يخلص ما هو أهم وأعظم؟ وإذا قالوا إنه خلّص النفس التى اتخذها، فخذ بعين الاعتبار كما أن النفس أسمى من الجسد هكذا بالمثل فإن العقل هو القوة الحاكمة فى النفس ذاتها. فلو أن المسيح لا يخلص العقل الإنسانى فلا يكون قد خلص النفس التى هى أقل. وأنت تجيب إنه لم يتخذ لنفسه عقلاً بشريًا لكى يكون قلبه حرًا من الرذائل الإنسانية والأفكار الشريرة والشهوات. أتعنى إذًا بذلك أنه لو كان لم يستطع أن يضبط ما خلقه هو فإنى يجب أن أعتبر نفسى بغير جدارة إن كنت لا استطيع أن أغلب ما كان ينبغى أن يغلبه هو.

 

          لقد نسينا ما عزمنا عليه وتكلمنا أكثر مما نقصد فى نفس الوقت. فالعقل خطط أنه يفعل شيئًا ما، ولكن اللسان فى حماسة انزلق وسبق العقل. فلنستعد الآن لكى نصغى بعناية إلى الأسقف ونخبئ باجتهاد فى قلوبنا ما سيقوله عن ما لم أتطرق إليه أنا، فلنبارك الله الذى له المجد إلى أبد الأبد آمين.

[1] أُلقيت فى 25 ديسمبر أمام الأسقف .

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

تحميل الكتاب PDF

الجزء الثاني

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج2 PDF الراهب مينا المقاري

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج2 PDF الراهب مينا المقاري

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج2 PDF الراهب مينا المقاري

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج1 PDF الراهب مينا المقاري

تحميل الكتاب PDF

الجزء الأول

كتاب بستان القديسين للقديسين بلاديوس وجيروم (جزآن) PDF – ترجمة ميخائيل مكسي إسكندر

كتاب بستان القديسين للقديسين بلاديوس وجيروم (جزآن) PDF – ترجمة ميخائيل مكسي إسكندر

كتاب بستان القديسين للقديسين بلاديوس وجيروم (جزآن) PDF – ترجمة ميخائيل مكسي إسكندر

كتاب بستان القديسين للقديسين بلاديوس وجيروم (جزآن) PDF – ترجمة ميخائيل مكسي إسكندر

تحميل كتاب بستان القديسين للقديسين بلاديوس وجيروم (جزآن) PDF

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

المواصفات
الكتاب: خطابات القديس چيروم الجزء الثالث 54 – 78
عربه عن الإنجليزية: القمص يوحنا عطا محروس
الناشر: مدرسة الإسكندرية
الطبعة: الأولي، 2020
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 2019/23418
الترقيم الدولي: 1-69-6591-977-978
عدد صفحات الكتاب: 341
اللغة: عربي

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

تحميل الكتاب PDF

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

يُعتبر هذا العمل المشترك لجيروم وجناديوس عملاً فريداً ولا يمكن الاستغناء عنه في تاريخ الأدب المسيحي المبكر، معطياً لنا في ترتيب زمني تاريخي سير حياة الكُتَّاب الكنسيين حتى نهاية القرن الخامس الميلادي. لأن الحقبة التي أعقبت نهاية كتاب التاريخ الكنسي ليوسابيوس القيصري هي على درجة كبيرة من الأهمية.

 

(1) زمان ومكان التأليف، وخصائصه:

أ – كُتب عمل جيروم سنة 392م. في بيت لحم. وهو يشمل 135 كاتباً منذ زمن بطرس الرسول وحتى هذا التاريخ. ويحدد جيروم في المقدمة مجال عمله في أولئك الذين كتبوا عن الأسفار المقدسة، لكن جرفته الحماسة عن خطته فشمل أيضاً كل الذين كتبوا في مواضيع لاهوتية، سواء كانوا أرثوذكس أو هراطقة، يونان، لاتين، سريان، وحتى يهوداً ووثنيين (يوسيفوس، فيلو، سنيكا). إن عدد الكُتَّاب السريان الذين ذكرهم يُعتبر قليلاً. ويُدافع جناديوس عن ضآلة تمثيلهم عند جيروم على خلفية أن الأخير لم يكن يفهم اللغة السريانية، وكان يعرف فقط الذين تم ترجمة أعمالهم إلى اللغة اليونانية أو اللاتينية.

إن الحافز لهذا العمل، كما يُعلن في المقدمة، هو أن يُظهر للهراطقة كيف أنه يوجد العديد من الكُتَّاب الممتازين بين المسيحيين. والسبب المباشر للاضطلاع بهذا العمل هو إلحاح صديقه دكستر. وكان مثاله الأول هو سويتونيوس، ثم الكُتَّاب الإغريق المختلفين، وكتابات السير اللاتينية بما فيها عمل شيشرون الذي عنوانه Brutus.

يُقرر جيروم في مقدمته أنه لم يسبقه أحد في هذا المجال، لكنه يعترف أنه مدين تماماً لكتاب التاريخ الكنسي ليوسابيوس القيصري، الذي اعتمد عليه حرفياً، فالجزء الأول من العمل مأخوذٌ تقريباً من يوسابيوس.

يُعطينا العمل كله دليلاً على بناء متعجل (كمثال، فشله في ذكر الأعمال الكاملة لكُتَّاب معروفين، أو في إعطاء اختيارات مناسبة من قائمة كتاباتهم). إنه يعتذر في المقدمة عن إهماله لبعض الكُتَّاب غير المعروفين له وهو في «هذا المكان في أقصى ركن في الأرض». لقد اتُهِِم َبسرعته العظيمة في تصديق أي شيء، مثل رسائل بولس الرسول إلى سنيكا التي اعتبرها أصيلة، لكنه يظهر من ناحية أخرى أنه منتبه (هيلاري، نشيد الأنشاد)، وناقد (مينوسيوس فيلكس، De fato).

لقد صُنِفَ هذا العمل لغرض عملي وليس من أجل هدف علمي، وقد حافظ على ذلك بطريقة جيدة داخل نطاق غايته- معطياً معلومات مختصرة حول بعض الكُتَّاب لم تكن معروفة بصفة عامة. وربما كان هذا هو السبب في أنه لم يذكر أعمال كُتَّاب مشهورين مثل كبريان.

ب – كُتب عمل جناديوس سنة 430م. حسب رأي البعض أو 492-495م. حسب رأي آخرين. يعتقد ايبرت وبندكتينوس وآخرون قبلهما بالتاريخ المبكر على خلفية أن جناديوس تحدث عن تيموثاوس ايلوروس الذي مات سنة 477م. بأنه كان لازال على قيد الحياة. وهذا يجبرنا على رفض فقرة جناديوس، واعتبارها إضافة متأخرة على خلفيات أخرى. إن المخطوطات تقترح أن جناديوس اختتم عمله بيوحنا الأنطاكي، رغم أن نظرية وجود ثلاثة إصدارات قبل سنة 500م.، إصدارين منهم لجناديوس تجد خلفية لها. إن معظم العمل صُنف حوالي سنة 480م. (ربما الفصول1 – 90) وقد تم إضافة الباقي في السنوات القليلة التالية بواسطة جناديوس وربما بواسطة شخص أو شخصين آخرين.

كان جناديوس من أنصاف البيلاجيين، لكنه كان في نفس الوقت واسع الاطلاع، دقيقاً في أحكامه، فجاء عمله كثير الفائدة لمن يعني بتاريخ الأدب المسيحي. ويبدو عمل جناديوس أكثر أصالة من عمل جيروم.

 

(2) الأعمال الأدبية التي كُتبت حول هذا الموضوع:

أ – إن الأعمال الأدبية عن جيروم كثيرة ومن أهمها:

Zockler, Hieronymus, Gotha, 1865,

Thierry, St. Jerome, Paris, 1867.

وهناك مقالة عامة عن جيروم كتبها Freemantle في قاموس السير المسيحية لسميث وواس. وقد وجه بعض علماء الباترولوجي، ومن بينهم، Ceiller دراسة كافية عن هذا العمل. ويُعتبر عمل ايبرت (Gesch. Chr.lat.-lit.-Lpz.1874) عملاً استثنائياً حول هذا الموضوع. وأهم المصادر الأدبية لهذا العمل هي المقدمات النقدية والملاحظات والتعليقات الخاصة بطبعات هذا العمل. ويمكن قول نفس الشيء عن جناديوس، رغم أن الأهمية النسبية لعمله بين كتاباته يستلزم انتباهاً أكثر يتناسب مع هذه الأهمية. وهناك بالإنجليزية مـقالة Cazenove في قاموس سميـث وواس، وبالفرنسية Histoire litteraire de la France، وهما يُعتبران أفضل الأعمال عن جناديوس.

ب – الأعمال الأدبية عن الكُتَّاب الذين ذكرهم جيروم وجناديوس:

إن الذين يهتمون بمتابعة الدراسة عن الشخصيات التي تم ذكرها في هذين العملين سيجد الأدوات اللازمة للقيام بذلك.

  • بالنسبة للكُتَّاب المبكرين وحتى زمن يوسابيوس، سيجد القاريء معلومات كافية في عمل يوسابيوس: التاريخ الكنسي، والهوامش الملحقة بالترجمات التي صدرت.
  • بالنسبة لكل الحقب سيجد القاريء معلومات وافية في قاموس السير المسيحية لسميث وواس في أربعة أجزاء، وكذلك كتاب فيليب شاف بعنوان تاريخ الكنيسة حيث يضيف في نهاية كل مجلد بياناً بالكُتَّاب الرئيسيين لكل حقبة وقائمة ببليوجرافي رائعة.
  • أما بالنسبة للمؤلفات نفسها، فإن أفضل مصدر لها هو مجموعة آباء ما قبل نيقية ANF، ومجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية N&PNF. ومن المفيد الرجوع إلى المقدمات والحواشي الموجودة في هاتين المجموعتين.

 

(3) مخطوطات كتاب حياة مشاهير الرجال:

إن مخطوطات هذين العملين عديدة. وقد رجع مُترجم النص الإنجليزي إلى 84 مخطوطة لعمل جيروم و57 مخطوطة لعمل جناديوس، وأخذ مذكرات وتعليقات عن أكثر من 25 مخطوطة أخرى. ويمكن القول أنه توجد أكثر من 150 مخطوطة لعمل جيروم، وليس أقل من 100 مخطوطة لعمل جناديوس. وأقدم هذه المخطوطات موجود في روما، فيرونا، فيرشيللي، مونبيليه، باريس، ميونخ، وفيينا.

 

(4) طبعات كتاب حياة مشاهير الرجال:

إن طبعات عمل جيروم هذا عديدة لا تقل عن عدد المخطوطات الموجودة لهذا العمل. ويظهر عمل “مشاهير الرجال” في طبعات أعمال جيروم الصغيرة وأحياناً في طبعات رسائله (ترجع معظم هذه الطبعات إلى الفترة بين 1468 – 1530م.). وأحياناً يُطبع هذا العمل منفرداً أو مع عمل جناديوس. أما طبعات عمل جناديوس فهي أقل عدداً، وهى تظهر عادة مع عمل جيروم، وأحياناً في طبعات منفصلة.

 

(5) ترجمات كتاب حياة مشاهير الرجال:

إن أقدم ترجمة لعمل جيروم من اللغة اللاتينية إلى اللغة اليونانية هي التي قام بها سفرونيوس واستخدمها فوتيوس. ويذكر أرازموس ترجمة يدعي أنها من إنتاجه. وهذه القضية محل جدل بين العلماء، ولكن عمل أرازموس قليل الأهمية في مجال عملية نقد النص. وهناك ترجمة حديثة باللغة الفرنسية قام بها Matougues. وقد اعتمد مترجم النص الإنجليزي في المقارنة على ترجمة سفرونيوس (أو أرازموس)، Matougues، وترجمة M’Giffert لكتاب التاريخ الكنسي ليوسابيوس القيصري، ومختارات من قاموس السير المسيحية لسميث وواس.

 

(6) الترجمة العربية لكتاب حياة مشاهير الرجال:

تعتمد على النص الإنجليزي الذي قام به :

Ernest Cushing Richardson

في مجموعة :

The Nicene and Post- Nicene Fathers, Second Series, vol. 3, pp. 353-402.

مع إضافة بعض الهوامش الضرورية كلما لزم الأمر لذلك.

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

مصادر التاريخ الرهباني

  1. هستوريا موناخرم، عمل يقدم سير للرهبان وتعاليمهم في شكل رحلة لسبع رهبان إلى صحراء مصر، وغير معروف على وجه الدقة كاتب هذا العمل، وهناك شك ما بين روفينوس وجيروم.
  2. سير بعض آباء الرهبنة، وهي التي كتبها عنهم تلاميذهم مثل سيرة أنطونيوس لأثناسيوس، أو المعجبين بحياتهم مثل سيرة أنبا بولا لجيروم.
  3. التاريخ اللوزياكي لبيلاديوس، وهو من أهم المصادر عن التاريخ الرهباني لإن الكاتب كان على معرفة شخصية بالناس اللي كتب عنهم.
  4. كتابات خاصة بالسلوكيات والعادات الرهبانية زي كتابات افجاريوس البنطي، ويوحنا كاسيان، وترجع أهميتها لأنها تُعرفنا على النمط الرهباني وتطوره عبر العصور.
  5. تعاليم الآباء الرهبان، في نظر العامة الناسك المتوحد له توقير خاص. آباء الصحراء في مصر في النصف الثاني من القرن الرابع كانت الجموع تخرج لزيارتهم باستمرار ويسألونهم السؤال المعتاد: قل لي كلمة منفعة يا أبي بها أخلص. وإجاباتهم سجلت وجمعت في فردوس الآباء Apophthegms of the Fathers. وصار من البديهي أن تكون كلمات من يقطن الصحراء بالقرب من الله موحى بها.

ما هي أهمية دراسة تاريخ الرهبنة ؟

التقليد الشرقي لا يميز أبدًا بين عقيدة الكنيسة واللاهوت النظري من جهة، والخبرة الشخصية والأخلاقية من جهة أخرى. ويتضح هذا في مقولة لاهوتي أرثوذكسي من القرن المنصرم اسمه فيلاريت أسقف موسكو، يقول: “ما من سر من أسرار حكمة الله الخفية ينبغي أن يبدو لنا غريبًا أو متساميًا بالكلية، بل علينا، بكل تواضع، أن نُكيف ذهننا على تأمل الإلهيات”. أو بمعنى آخر، إن الأسرار الإلهية واللاهوت هي حقيقة نتعلمها على أنها سرّ، إلى أن تتجلى في واقع حياتنا المُعاش. فاللاهوت والتصوف غير متعارضين، إنما متكاملين ولا غنى لأحدهم عن الآخر.

– ولأجل هذا نجد الكنيسة اعطت لقب لاهوتي لإثنين فقط في كل تاريخها، هما ق. يوحنا الإنجيلي اللاهوتي، والقديس غريغوريوس النيزينزي، والإثنين يتميز منهجهما بالتصوف. وتضيف لهم الكنيسة اليونانية سمعان اللاهوتي الحديث، وهو أيضًا كان راهب متصوف. فالصوفية في الفكر المسيحي هي كمال كل لاهوت وقمته.

– الفكر المسيحي أيضًا يختلف عن الفكر الغنوصي، لأن المنهج الغنوصي ينشد المعرفة في ذاتها، ويضع الخلاص في الوصول للمعرفة، وحتى المسيح في الفكر الغنوصي هو المُخلص لأنه أتى بالمعرفة الكاملة.. أما في المسيحية، فالمعرفة هي عامل في خدمة غاية أسمى ونهائية، وهي الاتحاد بالله، أو الذي يسميه الآباء اليونان الثيئوسيس أو التأله.

– هذا المفهوم، والذي هو الاتحاد بالله أو الثيئوسيس أو التأله، هو اللي دافعت عنه الكنيسة على مر عصورها ضد الهرطقات، فالكنيسة حاربت الغنوصية لأنها ترفض تكوين علاقة شركة بين الإنسان والله، وحاربت الأريوسية لأنها تقول إننا اتحدنا بمخلوق متأله وليس الله الحقيقي، وحاربت النسطورية لأنها ترفض الشركة الحقيقية مع الله، وتقول أننا لم نتحد بالله، لإن المسيح نفسه متحدًا بالله، إنما كان الله يحل فيه حلول مؤقت، مش حلول جوهري وحقيقي.

– الصراعات الكنسية كان الرهبان عامل قوي جدًا فيها، مثل الأنبا أنطونيوس في مرحلة الصراع الأريوسي عندما نزل إلى الإسكندرية في غياب الأسقف أثناسيوس ليشدد من عزم الشعب- في عصر الأنبا شنودة رئيس المتوحدين قام الرهبان بهدم كتير من المعابد الوثنية- الصراع حول أوريجينوس والصراع بين الإخوة الطوال وروفينوس وجيروم وغيرهم- الصراع حول شخص المسيح وتدخل الرهبان بلا نوم مثلاً.

لأجل كل ما قيل فهناك أهمية كبيرة للتعرف على تاريخ الروحانية المسيحية، أو تاريخ الرهبنة، إذ كيف يُمكننا أن نتعلم طريق حياة الكمال المسيحية، تلك الحياة المماثلة لعقيدتها النظرية، دون النظر إلى “مُعلمي الحياة الروحية” كما يدعوهم اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي.

إقرأ أيضاً: الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

أسباب انتشار الحركة النسكية في العالم المسيحي منذ القرن الأول

1- يجب أن نعترف أن أحد الأسباب التي أدت إلى ازدياد أعداد النُسّاك كانت حالات الاضطهاد المريرة التي مرت بها الكنيسة الأولى من الرومان واليهود على السواء، فهرب بعض الناس إلى الصحاري والبراري كي يستطيعون من التعبد لإلههم في هدوء وسكينة بعيدًا عن اضطرابات العالم.

يكتب هنري شادويك عن هذه الفترة دي ويقول:

“الانعزال عن الجمال الباطل كان أيسر على من يتوقعون قرب نهاية العالم ممن يظنون أن الزمن مستمر وممن لهم من المتاع ما يورِّثونه لأطفالهم. عارض القديس بولس امتناع أهل كورنثوس عن الزواج اعتماداً على فكرة ثنائية المادة والروح الغنوصية. لكن على أساس أن الوقت مقصر سمح لمن لهم زوجات أن يسلكوا كمن ليس لهم. وعندما بات واضحاً أن الوقت ليس مقصراً بالدرجة التي كان يظنها الرسول، إلا أن مشاعر الشهيد ظلت حية في القلوب نتيجة عدم استقرار الحياة تحت نير الاضطهادات وإدراك أن الصلاح الحقيقي ليس موجود في متع هذا العالم”.

2- الاتجاه الإسخاتولوجي للكنيسة الأولى، فمن المعروف إن الكنيسة الأولى كانت تؤمن بمجيء الرب خلال الجيل الذي يحيون فيه، وأنهم سوف يشاهدون الرب بأعينهم قادمًا على السحاب، وعلى ذلك فكان الترك الفعلي لحياة العالم أمرًا طبيعيًا.

3- النصوص الإنجيلية الكثيرة التي يزخر بها العهد الجديد.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

الباترولوجي والكتاب المقدس

الباترولوجي والكتاب المقدس

الباترولوجي والكتاب المقدس

لكتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس أهمية خاصة ولاسيما في توضيح العقيدة الكتابيّة السليمة، وطريقة تعاملهم مع الفصل الكتابيّ باعتباره وحدة واحدة لا تتجزأ، فلا يمكن فهم آية أو فصل كتابيّ منفصلاً عن باقي الكتاب المقدس كعادة الهراطقة، فالتفسير الصحيح للكتاب المقدس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة السليمة.

كذلك نجد ارتباطاً بين الكتاب المقدس وحياة الآباء، الذين عاشوا الإنجيل في صلواتهم وتسابيحهم وليتورجايتهم كحياة، وليس كطقس جاف، حسب قول معلمنا بولس الرسول: “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيِل الْمَسِيحِ” (في 27:1)..

كما أنهم لم يتعاملوا مع الإنجيل ككتاب فلسفة أو كتاب أدبيّ لكنهم عاشوه روحاً وحياة، لقد حفظوا الوصية “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فِاحْفَظُوا وَصَايَايَ” (يو 15:14)، لكن الحفظ لم يكن فقط عن ظهر قلب ولكنهم حفظوها وعملوا بها، وهذا ما لم يستطعُ الشاب الغنيّ صنعه، فما أن قال السيد المسيح “يَعُوزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ. بعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاء فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي الْسَمَّاءِ وَتَعَاْلَ اتْبَعْنِي” (لو 22:28) إلاّ وقد مضى حزيناً لأنه حفط الوصية نظرياً وليس عملياً.

مكانة الكتاب المقدس عند الآباء:

الكتاب المقدس هو صوت الله:

الكتاب المقدس كَتَبه أُناس الله القديسين بوحي من الروح القدس الذي دفعهم وحثهم على الكتابة، ألهمهم بالموضوع وعَصمَهم من الخطأ، فيقول معلمنا بولس الرسول: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعلِيمِ والتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3)، فيقول بابياس ” إن الكلمة المكتوبة حَلّتْ محل صوت الآباء” كما يقول القديس إيريناؤس “إن الكتب المقدسة كاملة، إذ هي صادرة من الله وروحه، حتى وإن عجزنا عن إدراك أسرارها”.

كذلك يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “في كلمات الكتاب الرب هناك”، كما يعطي الطريقة الصحيحة لفهم أقوال الله وهي الأعمال الصالحة وتهيئة الذهن وتنقيته، لذلك يقول “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحة ونَفْساً طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، ذلك لكي يستطيع الذهن باسترشاده بها أن يصل إلى ما يتمناه، وأن يدرك بقدر استطاعة الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة”[1].

يقول العلاَّمة أوريجانوس: “بالنعمة الإلهيّة ينصح الله سامعيه، سواء عن طريق الكتاب المقدس كله أو عن طريق المعلمين”[2].

يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم” “في الكتب المقدسة لن نتردد مثقال ذرة أو نقطة، إنما يلزمنا أن نبحث كل شيء، فأن الروح القدس الذي نطق بالكل، وليس شيء من المكتوب جاء بغير فائدة”[3].

ويقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “أن تعليم الحق يكون أدق ما يمكن حينما نستمده من الكتاب المقدس وليس من مصادر أخرى”[4].

يقول القديس أمبروسيوس: “بأننا نكلّم الله حينما نصلي، وهو يكلمنا عندما نقرأ الكتاب المقدس، نكلمه في صلاتنا، ونستمع إليه عندما نطالع أقوال الله”[5].

ضرورة قراءة الكتب المقدسة:

حياة الآباء وكتاباتهم كانت إنجيلاً معاشاً، فكل – أب  لكونه عضواً في جسد المسيح – عاش الإنجيل واهتم به، حيث كان يسبق قداس المؤمنين قراءات من الأنبياء والرسل والمسيح “الأناجيل”، ثم الإفخارستيا وذلك ماوصفه يوستين الشهيد في القرن الثاني الميلاديّ[6].

يقول القديس بوليكاربوس أسقف أزمير في رسالته إلى فيليبي: “إنني واثق بأنكم درستم جيداً الكتب المقدسة ولذلك لا يُخفَى عليكم شيء” (فيلبي12). يَتضح لنا من خلال أقواله، أن الشعب على درايةِ تامةِ بالأسفارِ المقدسةِ، وأن الكتابَ المقدسَ هو مَنبعُ المعرفةِ الحقيقيةِ حيث يفترض الآباء عند عظاتهم حفظ الشعب لقطع كبيرة من الكتاب المقدس..

كذلك نجد القديس أيرونيموس يطالب الأطفال بحفظ المزامير وحفظ قطع من الكتاب المقدس[7]،  كما نجد القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوبخ شعبه على عدم اكتراثهم بالكتاب المقدس قائلاً: “أخبروني، إن سألتُ أحد الحاضرين أن يتلو مزموراً واحداً أو جزءاً من الكتب المقدسة عن ظهر قلب، هل أجد مَن يقدر؟ لا أجد..”[8].

جاء في حديث يوستينوس الشهيد مع تريفو الثاني على لسان تريفو: “إنني واعٍ إلى تعاليمك الأخلاقيّة فيما يُسمَّى بالإنجيل، فهي رائعة وعظيمة جداً، إنني أظن أنه لا أحد يستطيع اتباعها، ولكنني قرأتُها بعناية”[9].

القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتحدث عن قراءة الإنجيل يومياً قبل الوجبة الرئيسية، كما طالب الزوجين أن يدرساه معاً كل يوم.

يقول العلاّمة أوريجانوس في ختام عظته الثانية على سفر إرميا: “فلنجمع على قدر ما نستطيع كلمات الكتاب المقدس ولنضعها بأمانة في قلوبنا، ولنحاول أن نطبقها في حياتنا حتى نكون أطهار قبل موعد رحيلنا، فإذا ما أعددنا أعمالنا بما يتناسب مع هذا الرحيل، فسوف نكون مستحقين أن نُحسب مع الأبرار[10]

 ونستحق الخلاص بالمسيح يسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين”[11]، وفي العظة الرابعة على نفس السفر يقول: “إن التوبة الحقيقية إذاً هي أن نقرأ الكتب القديمة (أي كتب العهد القديم)، ونعرف مَنْ هم الأبرار ونتمثل بهم، ونعرف مَن هم الخُطاة ونتحاشى السقوط في أخطائهم، أن نقرأ كتب العهد الجديد وكلام الرسل وبعد القراءة نكتب ما قرأناه في قلوبنا ونطبقه في حياتنا حتى لا يُعطَى لنا نحن أيضاً كتاب طلاق، ولكن حتى نستطيع أن نبلغ إلى الميراث السماويّ”[12]

 أي أن الكتاب المقدس هو جوهر ونبراس حياتنا وقائدنا في استحقاقات الخلاص.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ في رسالته لصديقه مرسلينوس: “عرفت من حامل الرسالة أنك تصرف وقتك في قراءة الكتاب المقدس كله ولا سيما سفر المزامير. وإني أمتدحتك لإني أنا أيضاً مثلك أجد لذَّتي العُظمى في قراءة المزامير بل والكتاب كله أيضاً”[13].

يقول القديس باسيليوس الكبير في رسالة إلى صديقه إيويتاثيوس في سباستيا: “أول كل شيء فعلتهُ لأُصلح مساري القديم في الحَيَاة هو: إنني أختلط بالفقراء، وأمكث أقرأ في الكتاب المقدس”[14].

كذلك ينصح القديس جيروم المؤمنين: “بعودتهم المتواترة إلى قراءة الكتب المقدسة، لأنه يجهل المسيح مَنْ يجهل هذه الكتب”[15].

ويتكلم القديس مقاريوس المصريّ في (العظة46) عن الذين يسمعون ولا يعملون فيقول: “إن الإنسان العالميّ الذي تملكته الرغبات الجسدية إذا حدث أن سمع كلمة فأنه يختنق ويصير كمَن لا عقل له، وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية”، ويقول أيضاً في (العظة39) عن الذين يسمعون ولا يعملون بالكلمة “كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يشاء أن ينعم عليهم بعطايا ومواهب خصوصية، ويقول لهم بادروا بالمجيء إليّ سريعاً لتنالوا مني الهبات الملوكية..

فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئاً، بل بالعكس يكونون مُعَرّضين للموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامات من يد الملك، هكذا الله الملك الحقيقيّ قد أرسل الكتب المقدسة منه للبشر، وهو يُعلن عن طريقها للناس أنهم ينبغي أن يأتوا إلى الله ويدعوه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية من اللاهوت نفسه، ولكن أن لم يأتِ الإنسان ويسأل وينل، فإنه لا يستفيد شيئاً من قراءة الكتاب، بل بالأحرى يكون في خطر الموت، لأنه لم يرِدْ أن يأخذ عطية الملك السماويّ، التي بدونها لا يمكن الحصول على الحَيَاة الأبدية”..

وهذا ما عبر عنه القديس إيلاري قائلاً: “أن الكتاب المقدس ليس بقراءته بل بفهمه”[16]، كرَّر هذا القول أيضاً القديس جيروم[17]، كما يقول القديس أغسطينوس أيضاً عن الوعاظ الذين لا يعملون بكلمة الله: “واعظاً باطلاً في الخارج لكلمة الله مُن لا يُصغي لها في الداخل”[18].

من الأمور الهامة التي أهلّتْ البابا بطرس خاتم الشهداء (قبل أن يجلس على كرسيّ مارِمرقس) لرئاسة مدرسة الإسكندرية، أنه عرف كيف ينسحب من حين لآَخر عن العمل الكهنوتيّ للدراسة في الكتاب المقدس، حتى تأهل أن يكون مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة[19]، كما استحق لقب “المعلّم البارع في المسيحية”[20].

يقول يوحنا الدمشقيّ:

“يحسن ويفيد جداً البحث في الكتب الإلهيّة، فمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه، النفس المرتوية من الكتاب الإلهيّ، فتتغذى وتأتي بثمر ناضج، أعني الإيمان المستقيم، وتزهو بأوراقها الدائمة الاخضرار، أعني بها أعمالها المرضية لله، ونحن إذا سرنا على نور الكتاب المقدس نخطو في طريق السيرة الفاضلة والاستنارة الصافية، فنجد فيها مدعاةً لكل فضيلة ونفورا من كل رذيلة … فلنقرع باب الكتب المقدسة، الفردوس الأبهى الذكيّ الرائحة، الفائق العذوبة الجزيل الجمال، والمُطرب آذاننا بمختلف أنغام طيوره العقلية اللابسة الله، النافذ إلى قلبنا فيعزيه في حزنه ويريحه في غضبه ويملأه فرحاً لا يزول”[21].

ينصح القديس كيرلس عمود الدين بقراءة كتب تفسيرية مُعينة فيقول: “أعتقد أن الذين يدرسون الأسفار المقدسة، يمكنهم الإستعانة بكل الكتابات الأمينة والصالحة الخالية من الأخطاء، وهكذا يجمعون أفكار الكثيرين في وحدة واحدة لخدمة الرؤيا وإدراك الحق، هؤلاء يرتفعون إلى مستوى جيد من المعرفة ويتشبهون بالنحلة أو المرأة الحكيمة النشيطة التي تجمع شهد العسل الذي للروح القدس”[22]، كذلك يُوصي بأن تستمر الكنيسة في تفسير الكتب المقدسة، فيقول “على المرء أن يفسر الكتب المقدسة حتى ولو سبقه آخَرونَ”[23].

اقتبس الآباء كثيراً من الكتاب المقدس ولا سيِمّا العهد الجديد، أمثال القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ والقديس بوليكاربوس أسقف أزمير والقديس أغناطيوس الأنطاكيّ وهرماس صاحب كتاب الراعي، لدرجة أن قال ج. هارولد جرينلي: “إن هذه الاقتباسات واسعة جداً لدرجة أن العهد الجديد يمكن إعادة تكوينه منها دون استخدام مخطوطاته”[24]، فلو فرض أن ضاع أحد أسفار الكتاب المقدس لأمكننا أن نعيد كتابته من الاقتباسات الكثيرة الواردة في كتابات الآباء الأولين.

فاعلية كلمة الله في حياتنا:

كلمة الله لها فاعلية في حياتنا فيقول الله: “هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إش 11:55)، فهي تقدس النفس وتُنقيها “أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ” (يو 3:15)، فمن الفروق الهامة بين الفلسفة الأخلاقيّة وتعاليم ووصايا المسيحيّة، أن الفلسفة الأخلاقيّة تقف عند حد النصيحة مع توضيح إيجابيات الفضيلة، وسلبيات الرزيلة، بينما وصايا الإنجيل مُعَضّدة بقوة إلهية، فيقول معلمنا القديس بولس الرسول: “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالِةٌ وَأَمْضَى مِنْ كلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَق النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 12:4)، كذلك نصلي في ليتورجية المعمودية قائلين: “أيها السيد يسوع المسيح، الذي طأطأ السموات ونزل إلى الأرض، الذي يُحطم كلامه الصخور أكثر من السيوف..”[25].

كما نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتناول دور الكتاب المقدس وفاعليته كمصدر تعليم وتدريب في حياتنا قائلاً: “مُقدَسةٌ هي هذه الكتب التي تُقَدِس …ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أيّ قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر، لأن هذا هو عمله الوحيد خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح …الإيمان يقودك فيه، والتقليد يعلمك، والكتاب المقدس يُدرِبك”[26].

كذلك من خلال عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوضح أن الإنجيل كالنسيج الذي يتخلل كل تفاصيل الحَيَاة، ففي إحدى عظاته عن الكتاب المقدس يقول: “لقد سمعتم الصوت الرسوليّ أن بوق السماء هو قيثارة الروح، نعم إن قراءة الكتاب المقدس هي روضة.. هي فردوس لا يقدم زهوراً عطرة فقط بل وثماراً تقدر أن تقوت النفس، نحن نشبه أناساً يصهرون ذهباً مستخرجاً من المناجم لا بإلقائه في فرن، بل إيداعه في أذهانهم، لا بإشعال نار أرضية بل بالتهاب الروح”[27]

 ويقول أيضاً: “طوبى للرجل الذي في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، لأن مَن يجلس قرب ينبوع الكتاب المقدس مرتوياً من مياهه على الدوام يتقبل في نفسه ندى الروح القدس”، كما يُشبّه الكتاب المقدس بالأنهار التي لا نعرف أعماقها، فيقول: “يكفينا أن نميل ونشرب منها ونرتوي ونبحر فيها عوض أن نُفسد أذهاننا في قياس أعماقها بينما نحن نموت ظمأً”[28].

كذلك يقول أيضاً “كلمة واحدة من الكُتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تُلَيّن النفس وتُهيئها لكل عمل صالح”[29]، كما يقول أيضاً “معرفة الكتب المقدسة تُقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتعمق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتُعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عَيْنِها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران”[30].

القديس باسيليوس الكبير يصف الكتاب المقدس بالمرشد الحقيقيّ، فيقول: “إن أفضل مرشد إلى الطريق الصحيح تستطيع أن تجده، هو دراسة الكتاب المقدس بجدية، وفيه نجد الأساس الذي يبني حياتنا، ففيه حياة الشخصيات العظيمة التي عاشت مع الله، وهي تشجعنا للاقتداء بها”[31].

يقول القديس أُغسطينوس: “ومن أجل ذلك يجب أن نخضع، وأن نقبل سلطان الكتب المقدسة التي لا يمكن أن تخدع أو تُخدّع، يُخبرنا بوسيدوس – تلميذ القديس أُغسطينوس الذي دوّن سيرته – أن القديس أُغسطينوس كَتَبَ مزامير التوبة وثبتها أمامه على الجدار وكان يقرأها والدموع تنحدر بغزارة من عينيه”[32].

يقول القديس ثيئوفيلس (القرن الثاني): “وصوت الإنجيل مازال يٌعلّم بإلحاح فيما يتعلق بالطهارة قائلاً: ” وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةِ لِيَشْتهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”[33].

لأهمية الكتاب المقدس، قام الآباء بترجمات الكتاب المقدس للاتينية وللسريانية وللقبطية التي قام بها بنتيوس في منتصف القرن الثاني، كما تزيد عدد النسخ المخطوطة للعهد الجديد عن أربعة آلاف نسخة وهي أكثر من أيّ كتاب في العالم.

ظهرتْ كتبٌ الأناجيل والرسائل لبابيوس، أكْلِمنْضُس السكندريّ، أوريجانوس، القديس ديديموس الضرير، القديس باسيليوس الكبير، القديس كيرلس عمود الدين والقديس يوحنا ذهبيّ الفم.

[1]  – تجسد الكلمة – ترجمة د. جوزيف موريس – 2003 – الفصل 57 – ص 167.

[2] – Contra Calsus 6:75.

[3] – In Joan. Hom. 36:1

[4]  – الدفاع عن قانون الإيمان النيقوي 32.

[5]  – “في واجبات الخدمة” 1: 20: 88: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 50:16.

[6]  – الدفاع الأول 6:3.

[7] – Epis 107.

[8] – In Mat, hom 2:9.

[9] – Dialogue of Justin with Trypho, Chap. X

[10]  – (مت 1:22).

[11]  – العلاّمة أوريجانوس – عظات على سفر إرميا – الناشر كنيسة مارجرجس باسبورتنج – الطبعة الأولى 2006 – ص 24.

[12]  – العلاّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 32.

[13]  الرسالة إلى مارسيليوس :1.

[14]  – الطريق إلى الفردوس – القديس باسيليوس الكبير – مترجم عن كتاب Gateway to Paradise  إصدار: أبناء البابا كيرلس 1996 ص9.

[15]  – تفسير إشعياء، التوطئة: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 17:24.

[16]  – إلى كونستانس 9،2 PL. 10,570  عن د.جوزيف موريس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة لكتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل واحاد السنة التوتية . ص24.

[17]  – الحوار ضد لوكيفاروس، 28 ، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-19.

[18]  – القديس أغسطينوس: العظة 1:179  PL.38,966.

[19] – Jurgens: The Faith of the Early Fathers, 1970, p 259.Guettee: Histoire de I’Eglise, Paris et Bruxelles, 1886 t. II, p 228.

[20]  – إيريس حبيب المصريّ: قصة الكنيسة القبطية، ج 1، ص 118.

[21]  – المئة مقال في الإيمان الأرثوذكسيّ – المقالة 17:90 – ص1176-1180 ، عربه عن النص اليونانيّ الأرشمندريت أدريانوس شكور ق ب – ص 250.

[22]  – القديس كيرلس الكبير – شرح إنجيل يوحنا – ترجمة مركز دراسات الآباء يناير 1989 .ص 13 .

[23]  – تفسير سفر إشعياء PG. 71 .12A

[24] -Josh McDwell the New Evidence That Demands A Verdict 43

[25]  – صلوات الخدمات – مكتبة المحبة – صلوات جحد الشيطان – 2004 . ص32.

[26] – Exhortation to the Heathen عن القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيوثاوس – ص 46  

[27]  – د. جوزيف موريس – أ. جورج عوض – الآباء والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء يناير 1998.

[28]  – تفسير الرسالة الأولى إلى تيوثاوس عظة 80.

[29] – In matt. , hom 2:9.

[30]  – De Stud . paes P . G . 63:485 عن القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس ص 46.

[31]  – الطريق إلى الفردوس – القديس باسيليوس الكبير – مترجم عن كتاب Gateway to Paradise  مرجع سابق – ص9.

[32]  – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص272.

[33] – Theophilus to Autolycus, Chap. XIII

الباترولوجي والكتاب المقدس

Exit mobile version