الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – سبتمبر 2023م

 

 

الفهرست

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان. 1

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان. 1

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس… 3

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها 3

الشهوة الجنسية الشريرة 3

مبادرة النعمة. 4

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ.. 4

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان. 7

دحض التعليم بخطية الطبيعة. 7

دحض التعليم بوراثة الخطية. 11

ماهية ناموس الخطية العنيف.. 12

مفهوم الخطية الجدية. 14

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج. 18

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية. 21

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر. 24

سينرجيا النعمة والأعمال. 26

عدم سماح الله بالشر. 29

مفهوم العقوبة الإلهية. 30

دحض التعليم بالنفس المولودة 31

ماهية الغضب الإلهي. 33

غاية الله خلاص الكل. 33

الخلاصة. 36

 

 

 

 

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان

سوف نتتبع في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان، أحد أهم آباء الرهبنة اللاتينية في الغرب في القرن الخامس، خاصةً في جنوب بلاد الغال، أي فرنسا. نجح ق. يوحنا كاسيان في تطوير الحياة الرهبانية هناك. وكان سفيرًا للتراث الآبائيّ الشرقيّ النسكيّ في الغرب اللاتينيّ. وهو أحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يتعلق بالنظام الرهبانيّ الحيّ، حيث يربط بين النواحي الداخلية والخارجية في النظام الرهبانيّ. لقد كان ملمًا به بكل دقة كما عاشه في مصر وخارجها لسنوات، حيث تتلمذ على يدي آباء البرية المصرية الكبار آنذاك، ونقل هذه المعرفة والخبرة الرهبانية النسكية الفائقة إلى الغرب اللاتينيّ، وذلك من خلال كتاباته ومحاوراته مع آباء البرية العظام، بالأخص آباء البرية المصرية. دُعِيَ في بستان الرهبان باسم ”كاسيانوس الروميّ“.

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان

وُلِدَ ما بين 350- 360م، وتنيح ما بين 440-450م، إي عاش حوالي تسعين عامًا. أشار كتابه ”عن التجسُّد ضد نسطوريوس“ إلى معرفته الكبيرة بتعاليم آباء الكنيسة الأولين، وبالكُتَّاب الكلاسيكيين اللاتين أمثال: شيشرون وسنيكا وبيرسيوس. تبدأ حياته الرهبانية في حوالي عام 380م، في سن المراهقة، حيث انطلق إلى فلسطين، وبعدها بعامين إلى مصر، حيث قام بزيارة الرهبان هناك، وزار بعض الأديرة الرهبانية التي تتبع نظام الشركة في طيبة، ثم انطلق بعد ذلك إلى برية الإسقيط، حيث قضى هناك سبع سنوات يلتقي بمشاهير الآباء الرهبان، وقد جاءت مناظراته ومحاوراته ثمرةً لهذه اللقاءات والزيارات. كان صديقًا حميمًا لمار أوغريس البنطيّ وتلاميذه الأوريجانيين، وبسبب الاضطرابات في البرية المصرية آنذاك انتقل إلى القسطنطينية، حيث تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم، الذي رسمه شماسًا. وفي عام 415 أو 416م انطلق كاسيان إلى مرسيليا بفرنسا وأقام هناك ككاهن، وأسَّس ديرًا هناك للرجال باسم ”القديس فيكتور“، حيث صار الأب الروحيّ له ورئيسًا لهذا الدير، ثم أسَّس ديرًا آخر للنساء باسم ”القديس سالفاتور“، وهكذا سعان ما انتشرت الحياة الرهبانية هناك، وضمت الأديرة الآلاف من الرهبان والراهبات. غير أن البعض من أتباع أوغسطينوس أسقف هيبو شكَّكوا في أرثوذكسية ق. يوحنا كاسيان، حيث هاجموه متهمين إياه بالميول البيلاجية.[1]

بالطبع لا يمكن اتهام ق. يوحنا كاسيان بالبيلاجية، لأنه أعلن في كتابه ”عن التجسُّد الإلهيّ ضد نسطوريوس“ أن البيلاجية هي أصل كل الشرور، وهي وراء بدعة نسطوريوس. ولكن يُبرِّر البعض موقفه بأنه تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم أكثر من أوغسطينوس أسقف هيبو، فهو لم ينس قط حث ذهبيّ الفم لشعبه على المثابرة والاستمرار على الجهاد الشخصيّ والعمل. حيث يقول ق. يوحنا ذهبيّ الفم إنه ليس الله ولا نعمة الله تمنع حريتنا من الاختيار.[2] كما كان ق. يوحنا كاسيان يُشجِّع رهبانه على السلوك عن طريق بذل الذات والتضحية، مما جعله غير قادر على قبول نظرة أوغسطينوس السلبية، الذي يبدو كما لو كان يُقلِّل من شأن الإرادة البشرية مُتأثرًا بنظرته الخاصة بالنعمة الإلهية. إنْ كان الله حقًا يفعل كل شيء لنا، فِمن أين يأتي الاستحقاق للمكافأة؟ وإنْ كُنا لن نقدر أن نفعل شيئًا بدون النعمة، فما هو موقف حريتنا؟[3]

 

 

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها

يرى أوغسطينوس أن الله خلق آدم في حال الحرية التي لم يكن فيه مضطرًا لأن يخطئ. وبذلك فإذا أخطأ وصل للحال الذي لم يكن ممكنًا له ألا يخطئ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. وسقوط آدم كان خطية عظيمة. دافعها الكبرياء، والرغبة في الاستقلال عن الله، فهي أساس كل شر. لأن كل كيان الإنسان ووجوده مستمد من الله. ولكنه أراد أن يكون سيد نفسه. وأعتبر أوغسطينوس إن خطية آدم هي خطية كل الجنس البشريّ [خطية الطبيعة]. مُستندًا إلى عدة شواهد كتابية منها (رو 5: 12) في الترجمة اللاتينية التي كانت متاحةً له التي تقول: ”الذي فيه [في آدم] أخطأ الجميع“ بدلاً من ”إذ أخطأ الجميع“، والخطية الأصلية في نظر أوغسطينوس تتم بالتناسل ودافع ”الشهوة“ المصاحب للمعاشرة الجنسية. فأصبحت إرادة الإنسانية كلها تجنح للخطأ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. مما يشمل الأطفال أيضًا، رغم أن الخطية لم تصدر فعلاً عنهم، ويتوقف خلاصهم على معموديتهم كنقطة بداية. وأعتبر أوغسطينوس بذلك البشرية ”كتلة من الخطية“ و ”كتلة للهلاك“. بل إنه قال: ”إن الأطفال الذين لا يُعمَّدون يمرون في نار أبدية مع الشيطان لفترة من الزمن، وإنْ كانت أخف من النيران التي يمر فيها الأشرار الذين يضيفون لخطيتهم الموروثة خطاياهم الشخصية الفعلية“. وواضح أن هذا فتح الباب لحديث الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد عن ليمبوس الأطفال.

الشهوة الجنسية الشريرة

يظهر فساد الطبيعة البشرية في الجهل والشهوة والموت. ويجب أن نلاحظ أن الشهوة كما عبَّر عنها أوغسطينوس تعني كل ميل للابتعاد عن الله ليجد الإنسان كفايته في الأمور المادية. ورأى أوغسطينوس أن أوضح صورة لهذا الأمر نجدها في الشهوة الجنسية. إلا أننا يجب أن نحذر من أن نقول بأن أوغسطينوس أعتبر أن الخطية الأصلية هي الشهوة الجنسية. فهو يرى أن الشهوة الجنسية نتيجة ثورة الإنسان ضد الله. ولا يملّ أوغسطينوس من التنبير على أن قسوة وسطوة الغريزة الجنسية إنما هي في كل البشر. فهو يَعتبر أن المعمودية تُزِيل جرم الخطية لكنها لا تُزِيل حقيقتها في أعضاءنا. ويرى أن المخلِّص أختار أن يُولَد من عراء ليتجنب لوثة الشهوة. وبسقوط آدم فَقَدَ الإنسان حريته [الإرادة العاجزة عن فعل الخير]. حتى أننا لا نستطيع أن نتجنب الخطية بدون نعمة الله. فحرية الإنسان لازالت قائمةً ولكنه يختار الشر بكيفية تلقائية كحقيقة سيكولوجية [العجز التام والإرادة المقيَّدة بالشر].[4]

مبادرة النعمة

وفي ضوء الخلفية التي أشرنا إليها عن الطبيعة البشرية يمكننا أن نتفهم رفض أوغسطينوس لتعاليم بيلاجيوس بأن دور النعمة لا يزيد عن الاستنارة التي تُعاوِن الإرادة الحرة. فقال أوغسطينوس بأن هنالك ضرورة حتمية للنعمة. فيجب أن تعمل النعمة داخل الإنسان، ويتحقَّق عملها السريّ الداخليّ بحضور الروح القدس. وتسبق النعمة كل شيء فالمبادرة دائمًا منها. ويشير أوغسطينوس أيضًا للنعمة المعاوِنة بعد أن تبدأ النعمة عملها. كما يتحدَّث عن النعمة الكافية [المانعة الوقائية]. ويُنبِّر أوغسطينوس على أن النعمة تتبعها الاستحقاقات ولا توجد استحقاقات ينال الإنسان النعمة على أساسها. ويرى أوغسطينوس أن إرادة الله القادرة على كل شيء يجعل عمل نعمته فينا نعمة لا تُقاوَم [نعمة مانعة وقائية] وعن طريق النعمة ينال المؤمن حرية حقيقية.[5]

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ

وفي ضوء كل هذا يمكننا أن نتفهم كيف عبَّر أوغسطينوس عن التعيين [الاختيار] السابق للمؤمنين. إذ يرى أوغسطينوس استنادًا لفهمه للكتاب المقدَّس أن عدد المختارين مُحدَّد منذ الأزل. ويرفض أوغسطينوس رفضًا قاطعًا فكرة التعيين [الاختيار] السابق بناءً على علم الله السابق. ويرى أن المؤمنين الحقيقيين ينالون الضمان الأبديّ [عدم هلاك المؤمن]. إلا أن أوغسطينوس استنادًا لكلمات بولس الرسول: ”مَن يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط“ (1كو 10: 12)، قال إن الله في حكمته سمح بوجود ”مؤمنين غير حقيقيين“ وسط جماعة ”المؤمنين الحقيقيين“ ليكون الكل على حذر.[6]

لم تقبل الكنيسة وجهة نظر أوغسطينوس حول هذا الموضوع [أي سبق التعيين المزدوج] على الفور، لكنها رفضت البيلاجية في عدة مجامع كنسية. استمرت الكنيسة تُجادِل في مسألة الإرادة الحرة مقابل سبق التعيين لمدة مائتي عام أخرى حتى استقر الكاثوليك إلى حد ما على موقف وسطيّ. وكثيرًا ما يُدعَى هذا الموقف بـ ”النصف بيلاجية“ Semi-pelagianism، ولكن يمكن أن يُدعَى أيضًا عن حق بـ ”الموقف النصف أوغسطينيّ“. فقد رفض أتباع موقف النصف بيلاجية عقائد بيلاجيوس، لكنهم لم يقدروا أن يتبعوا أوغسطينوس إلى نهاية نتائج نظريته. لذا، فقد أنتجوا موقفًا وسطيًا. حيث قال ق. يوحنا كاسيان بأن الله عندما يرى بصيصًا من التفاعل البشريّ، يسكب نعمته فورًا على هذا الشخص. وبالتالي، فإن الإرادة البشرية الحرة مهمة، ويجب على البشر أن يتفاعلوا مع الله. ومع ذلك، فالتفاعل الكامل مع دعوة الله للخلاص غير ممكن بدون نعمة الله (تُرَى النعمة هنا كقوة). وفي العصور الوسطى كان موقف النصف بيلاجية هو المقبول بشكلٍ واسعٍ، وهو الذي انعكس في نظام الأسرار، أي أن الأسرار وسائط النعمة، لأنها قوة الله لغرسه الصالح فينا. وبالتالي، يمكن للبشر أن يتشاركوا مع الله في خلاصهم. وقد تبنى مارتن لوثر وجون كالفن فيما بعد وجهة نظر أوغسطينوس الأصلية، فقد رأيا أن الإنسان معتمد تمامًا على سلطان الله [الخلاص والتبرير بالنعمة فقط].[7]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان

سوف نستعرض الآن تعليم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان لنُوضِّح الاختلافات بينه وبين تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كُنا قد عرضنا أعلاه، سواء في التعليم عن النعمة، أو سبق التعيين، أو الضمان الأبديّ، أو الفساد الكلي للطبيعة البشرية، أو النعمة الوقائية المانعة من الهلاك، أو الإرادة البشرية المقيَّدة بالشر، أو وراثة ذنب آدم.

دحض التعليم بخطية الطبيعة

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم المانويّ -الذي تبناه أوغسطينوس وأتباعه- عما يُسمَى بـ ”خطية الطبيعة“، حيث ينادون بأن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين وتركيب الطبيعة البشرية بعد سقوط أبوينا الأولين، وأننا نرث عن طريق التناسل الجنسيّ من أبوينا الأولين ”خطية الطبيعة“ هذه، ولكن يدحض ق. يوحنا كاسيان هذا التعليم غير الأرثوذكسيّ، مؤكدًا على أن النزعات الجسدية المغروسة فينا بالفطرة هي لقصد مفيد، ولكن هناك نزعات أخرى خارجية أُقحِمَت من الخارج بسبب الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة، وهنا يُميِّز كاسيان بين النزعات والشهوات الجسدية الداخلية الطبيعية، والنزعات الجسدية والشهوانية الخارجية الناتجة عن الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة. حيث يرى أن الله الخالق بعنايته الإلهية هو الذي غرس فينا هذه النزعات الجسدية لغرضٍ مفيدٍ وليس لارتكاب الخطايا والرذائل كالزنا والخلاعة كالتالي:

ألسنا نُشاهِد مثلاً أن نوازع الجسد الطبيعية ليست فقط في الأولاد الذين تُساعِدهم بساطتهم على التمييز بين الخير والشر، بل حتى في الأطفال الصغار والرضع البعيدين تمامًا عن شهوة الجنس، ولكن نوازع الجسد موجودة فيهم وعُرضة للإثارة الفطرية؟ ألا نرى أيضًا أن وخزات الغضب المميتة موجودة بكامل عنفوانها في الأطفال الصغار؟ وقبل أن يتعلَّموا فضيلة الصبر والاحتمال، نجد أن المظالم تُثيرهم، ويشعرون بالمهانة ولو كانت على سبيل الدعابة، وقد يعمدون إلى الانتقام، على الرغم من ضعفهم، حين يستبد بهم الغضب؟! لست أسوق هذا كي أُوجِّه اللوم إلى حالتهم الفطرية، إنما لكي يظهر أن بعضًا من هذه النزعات التي تصدر عنا مغروسة فينا لقصدٍ مفيدٍ، بينما البعض الآخر قد أُقحِمَ من الخارج، بسبب الإهمال أو التراخي، وشهوة الإرادة الشريرة. لأنه هذه النزعات الجسدية التي تكلَّمنا عنها آنفًا، غرسها الخالق بعنايته الإلهية في جوفنا لغرضٍ نافعٍ، مثل بقاء النوع وتنشئة الأطفال، وليس لارتكاب ضروب الزنا والخلاعة، التي تقع تحت طائلة كُل من الناموس والقانون. كذلك أُعطِيت لنا وخزات الغضب بحكمةٍ بالغةٍ، حتى إذَا ما غضبنا على خطايانا وأخطأنا يتيسر لنا أن نُمارِس الفضائل والرياضات الروحية، مُظهرين كل حب الله ومُترفقين بأخوتنا“.[8]

ويُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان على أن النزعات الجسدية قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه له اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراض ضارة، ويشير إلى أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، داحضًا بذلك التعليم عن خطية الطبيعة أو طبيعة الخطية الموروثة من أبوينا الأولين، التي تجعلنا نُمارِس الخطية تلقائيًا بدون اختيار حر، ولكنه يشير إلى أن الخطية فعل إراديّ، وأن الشهوات الجسدية صالحة إلا أنه بسوء استخدامها وتوجيهها بالإرادة الشريرة الفاسدة، تصير خطايا وشرورًا كالتالي:

”إنْ قُلنا إذًا أن هذه النزعات قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه إليه اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراضٍ ضارةٍ، ورحَّبنا بأحزان قايين المتمرِدة المهلِكة وليس بالحزن الذي يُقوِّم اعوجاجنا ويُنشئ توبةً لخلاص بلا ندامة […] لكننا نُؤكِّد أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، كالحسد، وبالذات خطية الطمع هذه. هاتان الخطيتان تفدان إلى القلب من الخارج، لعدم وجود أصل لهما في الغرائز الفطرية. ويتيسر للمرء أن يأخذ حذره منهما وأن يتجنبهما نسبيًا. إنهما يُفسِدان العقل الذي يتسلطان عليه ويستبدان به، ومِن ثم يتعذر تهيئة الأدوية لشفائه منها“.[9]

ويدحض الأب سيرنيوس، أحد آباء الرهبنة المصرية الكبار آنذاك، فكرة خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية الموروثة من آدم بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس متأثرًا بالمانوية أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية، كما يدحض أيضًا فكرة الإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس أيضًا في كتاباته ضد البيلاجية، حيث يرى أنه مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقِين اللوم على الطبيعة البشرية دون مناقشة الموضوع بدقةٍ كالتالي:

سيرنيوس: مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقين اللوم على الطبيعة [البشرية] دون أن نُناقِش الموضوع بإتقانٍ […] فيلزمك ألا تحكم حسب ضعفك، إنما بناءً على قيمة التدرايب ومنهجها واختبار الآخرين لها […] هكذا بحسب الطبيعة لا يمكن أن يكون العقل خاملاً […] بل لديه على الدوام ما يشغله، وبسبب ثقله يضل ويتوه في أمورٍ كثيرةٍ ما لم يُمارِس التدرايب اليومية الطويلة […] يلزمنا ألا ننسب الانحراف في تيه القلب إلى الطبيعة البشرية أو خالقها، فإنه بالحق يقول الكتاب المقدَّس: ’أن الله صنع الإنسان مستقيمًا، أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). اختلاف الأفكار يتوقف علينا نحن، لأن الفكر الصالح يقترب مِن الذين يعرفونه والإنسان العاقل يجده. فأيّ أمر يخضع لتمييزنا وعملنا يمكننا أن نصل إليه، فإذَا لم نبلغه يرجع هذا إلى كسلنا وإهمالنا لا إلى خطأ في طبيعتنا. لو لم يكن هذا الأمر في مقدرتنا لمَّا وبَّخ الرب الفريسيين قائلاً: ’لماذا تُفكِّرون بالشر في قلوبكم؟‘ (مت 9: 4). ولمَّا كلَّف النبي ليقول: ’اعزلوا شر أفعالكم مِن أمام عينيّ‘ (إش 1: 16)، ’إلى متى تبيت في وسطك أفكارك الباطلة؟!‘ (إر 4: 14)، ولمَّا كان لنوع أفكارنا اعتبار في يوم الدينونة إذ يُهدِّد الله بواسطة إشعياء قائلاً: ’وأنا أُجازِي أعمالهم وأفكارهم‘ (إش 66: 18)“.[10]

يدحض ق. يوحنا كاسيان تعليم أوغسطينوس المتأثر بالمانوية عن خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية، أو الخطية الطبيعية الموروثة من آدم بعد السقوط، حيث يرى أن في هذا القول ضلال لأنفسنا بأن الخطأ ليس منَّا، أي من إرادتنا الحرة، بل من طبيعتنا الخاطئة، ويرفض فكرة أن الضلال هو من الطبيعة البشرية كالتالي:

”إذ نلتهب بالتدرايب اليومية لا نرى أننا كسِبنا أية قوة أو ثبات قلبيّ فنُغلَب باليأس، ونضل بهذه الفكرة، وهي الاعتقاد بأن الخطأ ليس منا، بل من طبيعتنا، وأن الضلال هو من الطبيعة البشرية“.[11]

دحض التعليم بوراثة الخطية

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم بوراثة الخطية الأصلية مؤكدًا على أن الخطية هي فعل إراديّ، حيث تنحرف إرادتنا الحرة إلى الخطية، وليس بسبب خطية أصلية موروثة أو ذنب طبيعيّ موروث، بل يُشدِّد على أن الله أوجدنا مخلوقات عاقلة ومنحنا قوة حرية الإرادة كالتالي:

”إننا ليس فقط نسعى إليه شاكرين لأنه أوجدنا مخلوقات عاقلةً، ومنحنا قوة حرية الإرادة، وأنعم علينا ببركات نعمة المعمودية، ووهبنا المعرفة والناموس، بل وأيضًا لأجل كل ما يمنحنا إياه بحمايته اليومية، إذ يُنجِينا من دهاء أعدائنا، ويعمل معنا فينقذنا من خطايا الجسد، وبدون معرفتنا لها يُعطِينا درع حمايته لنا من المخاطر، ويحمينا من السقوط في الخطية، ويُساعِدنا ويُنيرنا. بهذا نستطيع أن نفهم ونتعرف على مساعدته اليومية التي يُعطِينا إياها (والتي بعضٌ منها معروف بواسطة الناموس)، وأيضًا خلال سلطانه السريّ ننعم بتأنيب ضميرنا لارتكابنا الخطايا والإهمال. إنه يفتقدنا باهتمامه بنا وتأديبنا من أجل سلامة نفوسنا حتى أننا أحيانًا بغير إرادتنا نجد أنفسنا مرارًا مُنجذِبين بواسطته نحو خلاصنا. أخيرًا، فإن إرادتنا الحرة هذه التي تنحرف إلى الخطية كثيرًا ما تتحوَّل بواسطته إلى غرضٍ نبيلٍ، وبواسطة تأهبه واقتراحه، يجعلنا نميل في اتجاه طريق الفضيلة“.[12]

ماهية ناموس الخطية العنيف

يروي ق. يوحنا كاسيان مقارنة الأب ثيوناس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، بين المأسورين بناموس الله والمأسورين بناموس الخطية العنيف الذي جلبه سقوط الأب الأول على البشرية كالتالي:

ثيوناس: إنهم بالحقيقة يسرون بناموس الله بحسب الإنسان الباطن الذي يسمو فوق كل المنظورات، ويسعون على الدوام ليكونوا مُتَّحِدين بالله وحده، لكنهم يرون ناموسًا آخر في أعضائهم، أي منغرس في طبيعتهم البشرية، يحارب ناموس ذهنهم (رو 7: 22، 23)، أي يأسر أفكارهم إلى ناموس الخطية العنيف، ويُلزِمهم أن يتخلوا عن ذلك الصلاح الأعظم، ويرضخوا للأفكار الأرضية، التي وإنْ ظهرت هامةً ومفيدةً ونحتاج إليها في العبادة، إلا أنها تقف عائقًا عن التأمل في ذلك الصلاح الذي يسحر أنظار القديسين، فيرونها شريرةً ويحاولون تجنبُّها، لأنه خلالها إلى حد ما وإلى حين يُحرَمون من بهجة تلك السعادة الكاملة. لأن ناموس الخطية هو بحق ما جلبه سقوط الأب الأول على البشرية، إذ صار النطق بفم القاضي العادل: ’ملعونة الأرض بسببك [في أعمالك] شوكًا وحسكًا تُنبِت لك، بعرق وجهك تأكل خبزًا‘ (تك 3: 17-19)“.[13]

ويستطرد الأب ثيوناس شارحًا ماهية ناموس الخطية هذه المنغرس في أعضاء البشر جميعًا الذي يحارب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله، حيث يرى أنه بعد لعنة الأرض بأعمالنا وبعد معرفتنا للخير والشر، صارت تنبت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، وهنا لا يتحدَّث الأب ثيوناس عن خطية أصلية موروثة من الوالدين عن طريق التناسل الجنسيّ، بل عن أفكار شريرة تهاجم بذور الفضائل الطبيعية في ناموس أذهاننا وتخنقها، فالموضوع كله روحيّ، وليس عبارة عن خطية مادية موروثة عن طريق النفس المولودة وعن طريق العلل البذرية الجسدية المادية، كما كان ينادي أوغسطينوس وأتباعه من المنادين بوراثة الخطية الأصلية من أبوينا الأولين نفسًا وجسدًا، بل الموضوع كله روحيّ بحت يُشكِّل صراعًا داخل الإرادة البشرية الساقطة بين فعل الخير وفعل الشر، وليس خطية أصلية موروثة مُحرِّكة للإرادة مُقيِّدةً إياها بفعل الشر دائمًا، حتى لو أرادت فعل الصلاح كالتالي:

ثيوناس: إنني أقول إن هذا هو الناموس المنغرِس في أعضاء البشر جميعًا الذي يُحارِب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله. إذ بعدما لُعِنَت الأرض بأعمالنا بعد معرفتنا للخير والشر، صارت تُنبِت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، حتى أنه بغير عرق جبيننا لا نستطيع أن نأكل خبزنا ’النازل من السماء‘ (يو 6: 33)، والذي ’يسند قلب الإنسان‘ (مز 104: 15). لذلك، فإن البشر عامةً، بغير استثناء، خاضعون لهذا الناموس“.[14]

ويُوضِّح الأب ثيوناس ماهية ناموس الخطية في موضع آخر مشيرًا إلى انجذاب الطبيعة البشرية في بعض الأحيان من الأمور السماوية إلى الأمور الأرضية، وانحدار سمو الذهن إلى الاهتمام بالأمور التافهة، فهو مثل الأسر والسبي رغم المثابرة والاشتياق إلى خدمة ناموس الله، والعجز عن الفرار من سلطان هذا الأسر إلا بالتطلع الدائم إلى رحمة المخلِّص قائلاً:

ثيوناس: أخيرًا، فإن الرسول الطوباويّ يُعبِّر بوضوحٍ أنه قال هذا عن الناس المقدَّسين والكاملين ومَن على شاكلته، فيشير بإصبعه إلى نفسه ويتدرج في الحال: ’إذ أنا نفسي‘ […] مع أني أخدم ناموس الله بالذهن ومع ذلك أعترف بأنني بالجسد أخدم ناموس الخطية، بمعنى أن طبيعتي البشرية تجذبني أحيانًا من الأشياء السمائية إلى الأشياء الأرضية، وينحدر سمو ذهني إلى الاهتمام بأمورٍ تافهةٍ. وبناموس الخطية هذا أجد أنني في كل لحظة أُؤخذ هكذا مأسورًا رغم مثابرتي باشتياقٍ راسخٍ نحو ناموس الله، لكنني لا أستطيع بأية وسيلة أن أنجو من سلطان هذا الأسر ما لم أتطلع دائمًا إلى رحمة المخلِّص“.[15]

مفهوم الخطية الجدية

يشرح الأب ثيوناس مفهوم الخطية الجدية أو خطية آدم، حيث يرى أننا مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون ، حيث استعبد آدم البشرية لسلطان الحية، أي إبليس، وجعل كل ذريته تحت نير العبودية المستمر، بعدما استلم من الحية ثمن حريته مُستهِينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت كالتالي:

ثيوناس: لكن إذ نحن مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون. إنني اتساءل: ما هي تلك الخطية؟ ولمَّنْ؟ بلا شك هي خطية آدم الذي بسقوطه أو بتدبيره التالف وتعاقده المملوء خداعًا صِرنا مُباعين. فعندما قاده إغراء الحية إلى الضلال، جاء بجميع ذريته تحت نير العبودية المستمر. فبالأكل من الشجرة الممنوعة استلم من الحية ثمن حريته مُستهينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت. وليس بغير سبب صار كل نسله عبيدًا في خدمة ذاك الذي صار عبدًا له. لأنه هل يمكن لزوجين عبدين إلا أن يُنتِجا مَنْ هم عبيد؟ لكن هل هذا المشتري المخادِع قد سلب حق الملكية من المالك الشرعيّ الحقيقيّ؟ كلا، لأنه لم ينل حق ملكية الله. لكن الخالق إذ منح جميع الخليقة العاقلة إرادة حرة، لا يُعيد لهم حريتهم الطبيعية قهرًا، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم بخطية الشهوة الشرهة. لأن مصدر العقل والتقوب يُمقِت كل ما هو مُخالِف للصلاح والعدل، فلا يقبل أن يسلب الإنسان حريته حتى لا يخطئ في حقه. لكن الله حافظ على خلاص الإنسان ناظرًا إلى المستقبل، إلى ملء الزمان المعيَّن، وبعدلٍ ترك ذرية آدم تبقى وقتًا طويلاً تذوق مرارة العبودية إلى أن يشتريهم بدمه، وتعتقهم مراحم الله من القيود الأصلية، ويُطلِق سراحهم إلى الحرية الأولى“.[16]

ويستطرد الأب ثيوناس ليشرح مفهوم الخطية الجدية، فيرى أن لعنة الله الأصلية جعلت من البشر جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا آدم بذلك التعاقُّد التعيس حتى صرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صرنا ننقطع في بعض الأحيان عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها، وبالتالي، نُدرِك أنه لا يسكن في أجسادنا شيء صالح، بمعنى عدم سُكنى السلام الأبديّ الدائم لهذا التأمل الإلهيّ فيها كالتالي:

ثيوناس: إذًا، لعنة الله الأصلية جعلتنا جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا بذلك التعاقُّدالتعيس حتى صِرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صِرنا ننقطع أحيانًا عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها. لهذا نحن نعلم أنه ليس ساكنًا في أجسادنا شيء صالح (رو 7: 18)، أي ليس ساكنًا فيها السلام الأبديّ الدائم الذي لهذا التأمل المذكور“.[17]

ويشرح الأب ثيوناس أيضًا ماهية الخطية الجدية، حيث يرى حدوث الطلاق البائس والتعيس، بحيث أننا عندما نريد بالذهن أن نخدم ناموس الله، وإذ لا نريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص آدم المذنِب الأول ليس بغير سبب، وبالرغم من التقيُّد بقيود الخطية، ولكننا لا نُدان بسبب نعمة المسيح المحرِّرة للجميع من ناموس الخطية والموت كالتالي:

ثيوناس: لقد حدث في قضيتنا ذلك الطلاق البائس التعيس، حتى أننا عندما نُريد بالذهن أن نخدم ناموس الله إذ لا نُريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص المذنِب الأول ليس بدون سبب. ومع أن الرسول المبارك يُعلِن جهرًا بأنه وجميع القديسين مُقيَّدين بقيود هذه الخطية، لكنه يُؤكِّد بجراءةٍ أنه لا يُدان أحد بسبب هذا قائلاً: ’إذًا، لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع […] لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 1، 2)، بمعنى أن نعمة السيد المسيح تُحرِّر جميع القديسين يومًا فيومًا من ناموس الخطية والموت، هذا الذي يخضعون إليه قسرًا بالرغم من توسلهم الدائم إلى أن يصفح عن تعدياتهم“.[18]

ويرفض الأب ثيوناس رأي جرمانيوس، صديق ق. يوحنا كاسيان، الذي يقول بأن ناموس الخطية بسبب سيطرة عادات الخطاة القديمة عليهم، قد صار ناموسًا طبيعيًا يسيطر بعنفٍ في أعضائهم، فيسقطون في شهوة انفعالاتهم القديمة المتأصلة، فتصير العادة أو تكرار الخطية بمثابة ناموس طبيعيّ مغروس في أعضاء الإنسان الضعيفة تقود مشاعر النفس التي لم تتهذب بعد بمطالب الفضيلة، أي أنهم في نقاوة غير مُهذَّبة، بل هم أسرى الخطية، فلا ينالون صلاح الطهارة التي يحبونها، بل يُجبرون على فعل الشر الذي يكرهونه. فيرى الأب ثيوناس أنه لم يُدرِك الأمر تمامًا، ويبدأ في شرح تعبيرات ”ناموس الخطية“ و ”جسد الموت“، فيُوضِّح أن جسد الخطية، أو جسد الموت، أو ناموس الخطية والموت –حيث يستخدم هذه التعبيرات بالتبادل مع بعضها البعض دون تمييز- هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية وبهذا يحرم الإنسان من السعادة الحقيقية كالتالي:

ثيوناس: رأيكم هذا يعني عدم إدراك الأمر تمامًا […] فما يقوله الرسول ينطبق على حال القديسين الذين يومًا فيومًا يسقطون تحت هذا الناموس [أي ناموس الخطية]، ليس ناموس الجرائم ولا التورط في أعمال شريرة، لكن كما سبق أن كرَّرت كثيرًا هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية (الهامة)، وبهذا يُحرَمون من بركة السعادة الحقيقية. مهما يكن مِن قلق الرسول مِن جهة ناموس الخطية الذي يُولِّد أشواك الأفكار والاهتمامات الجسدية وحسكها الناشئة في أعماق صدر الرسول، إلا أنه في الحال يختطفه ناموس النعمة فيقول: ’لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 2). إذًا، هذا هو ’جسد الموت‘ الذي لا يستطيع أن نهرب منه، الذي أسرَّ فيه الكاملون الذين ذاقوا: ’ما أطيب الرب‘ (مز 34: 8)، يشعرون يوميًا مع النبي ’كيف هو شرٌ ومرٌ للإنسان الذي ينفصل عن الرب إلهه‘ (إر 2: 19). هذا هو ’جسد الموت‘ الذي يحجزنا عن الرؤية السماوية، يجذبنا إلى الخلف للأشياء الأرضية، الذي يُسبِّب للناس أثناء ترتيلهم بالمزامير وركوعهم للصلاة أن تمتلئ أفكارهم بالمناظر البشرية، أو يتذكرون محادثات أو أعمال ضرورية تافهة. هذا هو ’جسد الموت‘ الذي ينظر إليه أولئك الذين يبارون قداسة الملائكة ويشتاقون إلى الاتصال بالله على الدوام، ومع ذلك يعجزون عن الوصول إلى كمال هذا الصلاح، لأن ’جسد الموت‘ يقف في طريقهم، فيفعلون الشر الذي لا يريدونه، أي ينجذبون إلى أسفل بأذهانهم حتى إلى الأشياء التي ليست لها صلة بتقدُّمهم وكمالهم في الفضيلة“.[19]

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج

يدحض ق. يوحنا كاسيان فكرة سبق التعيين المزدوج والقدرية، التي طالما شدَّد عليها أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب في مواجهته للهرطقة البيلاجية، حيث يُوضِّح كاسيان، في محاورة دارت بين صديقه جرمانيوس والأب بفنوتيوس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، أهمية حرية الإرادة والسينرجيا بين النعمة والجهاد قائلاً:

جرمانيوس: إذًا، أين هي حرية الإرادة؟ وكيف يمكن أن نكون مستحقينن للكرازة كثمرة للجهاد ما دام الله هو الذي يبتدئ، وهو الذي يختم كل شيء فينا بخصوص خلاصنا؟ بفنوتيوس: نحن نعرف أن الله يخلق لنا فرصًا للخلاص بشتى الطرق، لكن يمكننا أن نستخدم هذه الفرص باجتهادٍ أعظم أو أقل. فالله يُقدِّم فرصةً كقوله: ’اِذهب من أرضك‘، لكن الطاعة من اختصاص إبراهيم الذي أطاع وذهب منها. ففي القول: ’اِذهب إلى الأرض‘ تحمل معنى العمل، عمل ذاك الذي أطاع، وفي القول: ’التي أريك‘ تحمل نعمة الله الذي أوصاه أو وعده. مِن المفيد لنا أن نتأكَّد أنه بالرغم من أننا نُجاهِد في كل الفضائل جهادًا غير باطل، لكننا لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرَّد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية، ما لم يصن جهاده بالتعاون [سينرچيا] مع الله، وتوجيهات الله لقلبه نحو الحق […] هكذا نحن لا نهلك إذًا لضعف حرية إرادتنا، لأن الله يُعضِّدنا ويعيننا باسطًا يديه لنا. فبالقول: ’إذَا قُلت قد زُلّت قدمي‘، يقصد زُلّت إرادتي، وبالقول: ’فرحمتك يارب تُعضِّدني‘ (مز 94: 18)، يُظهِر عون الله لضعفنا، مُعترِفًا أنه ليس بمجهودنا الذاتيّ، بل برحمة الله لنا لا تزل أقدام إيماننا […] وأيضًا ’لولا أن الرب مُعيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت‘ (مز 94: 17). يُعلِن هنا أنه بسبب ضعف إرادتنا الحرة نسكن في الجحيم [أرض السكوت]، لو لم يُنقِذنا عون الله وحمايته“.[20]

ويدحض الأب شيريمون، أحد آباء الرهبنة المصرية آنذاك، التعليم بسبق التعيين المزدوج للخلاص أو الهلاك، كما علَّم به أوغسطينوس في سياق مواجهته للهرطقة البيلاجية، مؤكدًا على أن الله لم يخلق الإنسان بدون إرادة، بل خلقه بإرادة حرة، كما يدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، بمعنى أن الإنسان يفعل الشر تلقائيًا، وحتى لو أراد فعل الخير فإنه عاجز تمامًا عن فعل الخير، وحتى لو أراد أن يفعل الصلاح، فإنه يفعل الشر رغمًا عنه بسبب عجزه التام عن فعل الخير والصلاح كالتالي:

شيريمون: […] لا يجدر بنا أن نتطلع إلى الله أنه خلق الإنسان بلا إرادة، أو أنه عاجز عن الصلاح، فلو كان قد سمح له بالإرادة الشريرة والقدرة على الشر دون الخير يكون بذلك قد حرمه من الإرادة الحرة، وعندئذٍ ماذا تعني العبارة التي نطق بها الرب مُباشرةً بعد سقوطه: ’هوذا الإنسان قد صار كواحد منَّا عارفًا الخير والشر‘ (تك 3: 22)؟ لأننا لا نقدر أن نظن أنه كان قبلاً جاهلاً للخير تمامًا، وإلا بهذا يكون الإنسان مخلوقًا غير عاقل كالحيوانات العجماوات، وهذا القول غريب تمامًا عن الكنيسة الجامعة“.[21]

ويدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بسبق التعيين والاختيار المزدوج للخلاص والهلاك منذ الأزل، حيث يؤكد أوغسطينوس على أن هناك نوعان من البشر أحدهما مُعيَّن منذ الأزل مِن قِبل الله للخلاص الأبديّ، والنوع الآخر مُعيَّن للهلاك الأبديّ قائلاً:

شيريمون: هكذا فإن مثل هذه الأمور تتشابك معًا بلا تمييز […] حتى أن كثيرين ينشغلون بمثل هذه الاستفسارات الصعبة: هل الله يُظهِر حنوه لنا لأننا نُظهِر بداية إرادتنا الصالحة، أم أن الإرادة الصالحة تبدأ لأن الله يحنو علينا؟ يعتقد كثيرون بأحد هذين الرأيين ويُؤكِّدونه أكثر مما يجب فيسقطون في أخطاء مضادة. فإن قُلنا أن بداية الإرادة الصالحة هي في سلطاننا، فماذا نقول عن بولس المضطهِد؟ وماذا نقول عن متى العشار؟! إذ سُحِبَ أحدهما إلى الخلاص وهو توَّاق إلى سفك الدم ومعاقبة البريء، وسُحِبَ الآخر وهو مُحِب للعنف والنهب، وإنْ قُلنا أن بداية إرادتنا تأتي دائمًا كنتيجة لوحي النعمة الإلهية، فماذا نقول عن إيمان زكا، وصلاح اللص الذي على الصليب، هذين اللذين بإرادتهما اغتصبا ملكوت السموات، ونالا قيادة خاصة بالدعوة؟ حقًا يبدو أن هاتين الاثنتين: أي نعمة الله وحرية الإرادة معارضتين لبعضهما البعض، لكن في الحقيقة هما متفقتان معًا، ونحن نستنتج من نظام الصلاح إنه يُلزِمنا أن تكون لنا الاثنتين معًا متشابهتين، فإنْ نزعنا أحدهما نكون قد كسرنا نظام قانون الكنيسة. فعندما يُشاهِدنا الله مائلين نحو الخير، يلتقي بنا ويقودنا ويُقوينا […] إذ يقول: ’يتراءف عليك عند صوت صراخك، حينما يسمع يستجيب لك‘ (إش 30: 19)، ’ وادعني في اليوم الضيق أُنقِذك فتُمجِّدني‘ (مز 50: 15). وإذَا وجدنا غير راغبين في الخير، أو أننا ننمو في البرود [الروحيّ]، يُثير قلوبنا بنصائحٍ مفيدةٍ لكي ما تتجدَّد فينا الإرادة الصالحة أو تتكوَّن فينا“.[22]

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية

يدحض الأب شيريمون أيضًا تعليم أوغسطينوس بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأن إرادة الإنسان بعد السقوط صارت مقيَّدة بفعل الشر تلقائيًا، لدرجة أنها خالية تمامًا من أي بر أو صلاح يُذكَر، بل حتى لو حاولت فعل الخير، فإنها تفعل الشر تلقائيًا، ويُؤكِّد الأب شيريمون على أن آدم قد صار بعد السقوط عارفًا الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه قبلاً كالتالي:

شيريمون: علاوة على هذا، فإن سليمان الحكيم يقول: ’الله صنع الإنسان مُستقيمًا‘ (جا 7: 29). بمعنى أنه على الدوام يتمتع بمعرفة الخير وحده، ’أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). إذ صارت لهم معرفة الخير والشر كما كان من قبل. لقد صار لآدم بعد السقوط معرفة الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه. أخيرًا، تكشف كلمات الرسول بوضوحٍ أن البشرية لم تفقد معرفة الخير بعد سقوط آدم، إذ يقول: ’لأنه الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم ناموس، هم ناموس لأنفسهم، الذين يُظهِرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكيةً أو محتجةً، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس‘ (رو 2: 14-16). بنفس المعنى ينتهر الرب على لسان النبي غير الطبيعيين، الذين اختاروا بإرادتهم عمى اليهود، وخلال عنادهم جلبوا ذلك على أنفسهم ’أيها الصم اسمعوا، أيها العمي انظروا لتبصروا، مَت هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسِله؟!‘ (إش 42: 18، 19). وحتى لا ينسبوا عماهم إلى الطبيعة وليس إلي إرادتهم، يقول: ’أخرج الشعب الأعمى وله عيون والأصم وله آذان‘ (إش 43: 8)، وأيضًا ’الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون‘ (إر 5: 21)، ويقول الرب نفسه في الإنجيل: ’لأنهم مبصرون ولا يبصرون، وسامعون ولا يسمعون ولا يفهمون‘ (مت 13: 13) […] أخيرًا، لكي تُدرِك أن إمكانية الصلاح كانت موجودة فيهم، يُوبِّخ الفريسيين قائلاً: ’ولماذا لا تحكمون بالحق مِن قِبل نفوسكم؟‘ (لو 12: 57). وهذا ما كان يقول الرب ذلك لو لم يعلم أنهم بحكمهم الطبيعيّ قادرون على تمييز ما هو صالح“.[23]

ويُؤكِّد الأب شيريمون أيضًا على أننا بعد السقوط لم نُحرَم من التفكير والتصوُّر للأفكار الصالحة بشكلٍ طبيعيّ، فلا يوجد شك بأن هناك بعض بذور الصلاح بالطبيعة فينا، أوجدها حنو الخالق في كل نفس، ولكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وبالتالي، يدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي مثله مثل جميع آباء الشرق في عصره بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية مع بقاء بذور الصلاح فينا بالطبيعة كالتالي:

شيريمون: […] هكذا يمكننا أن نتكلَّم بخصوص أفكارنا اليومية، فإنه لم يُوهَب لداود وحده أن يُفكِّر فيما هو صالح، إذ لا نُحرَم نحن طبيعيًا أن نُفكِّر ونتصوّر أمورًا صالحةً. إذ لا نشك أنه بالطبيعة توجد فينا بعض بذور الصلاح، أوجدها حنو الخالق في كل نفس. لكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وكما يقول الرسول الطوباويّ: ’إذ ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله الذي يُنمِي‘ (1كو 3: 7)“.[24]

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر

يُشدِّد الأب شيريمون على بقاء حرية الإرادة على الدوام في الإنسان قبل أو بعد السقوط، فلا يمكن إهمالها أو المغالاة فيها، كما فعل أوغسطينوس أسقف هيبو وأتباعه، حيث نادوا بالإرادة المقيَّدة بفعل الشر والعاجزة تمامًا عن فعل الخير، لدرجة أنهم قالوا إن الإرادة خالية ومجرَّدة تمامًا من كل خير، كما يشير إلى سينرجيا أو تآزر النعمة مع الإرادة الإنسانية كالتالي:

شيريمون: تبقى حرية الإرادة على الدوام في الإنسان، لا نُهمِلها ولا نُغالِي فيها […] لأنه ما كان للرسول أن يُوصِي قائلاً: ’تمَّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ‘، لو لم يعلم أنه يمكن للإنسان أن يتقدم في الخلاص أو يُهمِله. لكن لا يتصوّر البشر أنهم غير محتاجين للعون الإلهيّ في عمل الخلاص، إذ يُكمِل: ’لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته‘ (في 2: 13). وأيضًا ’لا تُهمِل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدي المشيخة‘ (1تي 4: 14)، ’أُذكِّرك أن تضرم أيضًا موهبة الله التي فيك بوضع يدي‘ (2تي 1: 6). لهذا فإنه في كتابته إلى أهل كورنثوس ينصحهم ويُحذِّرهم لئلا بعدم إثمارهم يظهروا غير مستحقين لنعمة الله، قائلاً: ’نطلب ألا تقبلوا نعمة الله باطلاً‘ (2كو 6: 1). لأن قبول النعمة المخلِّصة لم يُفقِد سيمون شيئًا لأنه قَبِلَها باطلاً، إذ لم يُطع وصية بطرس المبارك الذي قال له: ’فتب مِن شرك هذا واطلب إلى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك، لأني أراك في مرارة المر ورباط الظلم‘ (أع 8: 22، 23). فالنعمة تتقدم إرادة الإنسان، إذ قيل: ’إلهي رحمته تتقدمني‘ (مز 59: 10). وأيضًا يتأخر الله لأجل صالحنا حتى يختبر رغباتنا، عندئذٍ إرادتنا هي التي تتقدم، إذ قيل: ’في الغداة [الصباح] صلاتي تتقدمك‘ (مز 88: 13)“.[25]

ويدحض الأب ثيوناس أيضًا التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، حيث يرى أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها، وليس خطية أصلية موروثة كائنة في الطبيعة البشرية، كما كان يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه، فلا يوجد إكراه أو جبرية عند الخطاة على فعل الشر، بل هم يحبونه فعلاً ويمارسونه عن طيب خاطر. كما يُوضِّح أن الخطية هي فعل إراديّ محض، وليس فعل موروث تتوارثه الأجيال من آدم وحواء عن طريق التناسل والتزاوج الجنسيّ الدنس، كما يُنادِي أوغسطينوس وأتباعه كالتالي:

ثيوناس: […] لأنه كيف يمكن أن ينطبق على الخطاة هذا القول: ’لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فأياه أفعل‘؟ أو ’فإنْ كُنتُ ما لست أُرِيده فأياه أفعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ‘؟! لأنه أيّ خاطئ يُدنِّس نفسه كُرهًا بالفجور والزنا؟! مَنْ منهم بغير إرادته يصنع مكائد ضد قريبه؟! مَنْ منهم تُلزِمه الضرورة أن يظلم إنسانًا شاهدًا عليه بالزور، أو يغشه بسرقةٍ، أو يطمع في ممتلكات آخر، أو يسفك دمه؟! كلا! بل يقول الكتاب المقدَّس: ’تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21). لأنه إلى هذه الدرجة يلتهب قلبهم بحب الخطية والشهوة راغبين في تنفيذ ما يحبونه، مُترقِبين باهتمامٍ شديدٍ أن يتمتعوا بشهواتهم ’ومجدهم في خزيهم‘ (في 3: 19). وكما يُؤكِّد إرميا النبي أنهم يرتكبون آثامهم الخبيثة لا بإرادتهم أو بانشراح قلب فحسب، بل ويبذلون جهودًا شاقةً محتملين أتعابًا في تنفيذها […] إذ يقول: ’تعبوا في الافتراء‘ (إر 9: 5). أيضًا مَن يقول أن هذه العبارة: ’بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ تنطبق على حالة الخطاة الذين لا يخدمون الله لا بالذهن ولا بالجسد؟ إذ كيف يستطيع الذين يخطئون بالجسد أن يخدموا الله بالذهن إنْ كان الجسد يقبل إغراء الخطية من القلب، إذ يُعلِن خالق الاثنين [الذهن والجسد] أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها قائلاً: ’لأن مِن القلب تخرج أفكار شريرة قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف‘ (مت 15: 19)؟! على أيّ الأحوال يظهر بوضوحٍ أن هذه العبارات لا يمكن أن تنطبق على الخطاة الذين لا يكرهون الشر فقط، بل ويحبونه فعلاً، وهم بعيدون جدًا عن خدمة الله بالذهن أو الجسد، حتى أنهم يخطئون بالذهن قبل أن يخطئوا بالجسد، وقبل أن يُتمِّموا ملذات الجسد تقهرهم الخطية في ذهنهم وأفكارهم“.[26]

سينرجيا النعمة والأعمال

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان مرةً أخرى على المبدأ الأرثوذكسيّ بتأزر النعمة والأعمال معًا من أجل تحقيق الخلاص، على العكس من أوغسطينوس الذي ركَّز على عمل النعمة الإلهية والمشيئة الإلهية أكثر من أهمية الأعمال وحرية الإرادة البشرية في التعاون والتآزر مع النعمة والمشيئة الإلهية قائلاً:

بفنوتيوس: […] ما أقوله هذا لا يعني أننا نستهين بغيرتنا وجهودنا ونشاطنا كأنها غير ضرورية، أو نستخدم الحماقة، بل ينبغي علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهِد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أيّ نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى، ما لم تُوهَب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية […] فكم غباوة وشر أن ننسب الأعمال الصالحة إلى جهادنا الذاتيّ وليس إلى نعمة الله وعنايته، وهذا ما وَضِّح بجلاءٍ في قول الرب حيث أعلن بأنه لا يقدر أحد أن يُظهِر ثمار الروح بدون وحيه وعونه. لأن ’كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار‘ (يع 1: 17)“.[27]

ويشير ق. يوحنا كاسيان إلى ضرورة التعاون والتآزر بين النعمة والأعمال، وأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية، بل تعمل في تناغم وانسجام مع النعمة الإلهية كالتالي:

بفنوتيوس: […] تنفيذ الأعمال الصالحة هو هبة من الله في نفس الطريق […] ومع ذلك فنحن نستحق الجعالة [المكافأة] أو العقاب، لأنه يمكننا أن نجتهد أو نُهمِل في تفاعلنا مع عمل الله وترتيب العناية الإلهية الموضوعة من أجلنا باهتمامٍ عظيمٍ. […] لقد أعلن الكتاب بأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية وهي أن يأتي بهم إلى أرض الميعاد […] لكن في مقدورهم أن يُخالِفوا ذلك. من هذا نستطيع أن نرى بوضوحٍ ما ننسبه لإرادتنا الحرة، وما ننسبه لمواعيد وعلامات العناية الإلهية الدائمة. ففرص الخلاص والتدابير الناجحة والنصرة تخص النعمة الإلهية، ونحن علينا إمَّا أن نُطيع بشغفٍ أو نُهمِل البركات الممنوحة لنا مِن قِبل الله“.[28]

ويُشدِّد ق. يوحنا كاسيان على مبدأ السينرجيا بين عمل النعمة والأعمال البشرية الصالحة والجهاد البشريّ، مُوضِّحًا أنه عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، فإننا نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُساعِد المجاهدين والمكافحين، فليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ بدون معونة الله كالتالي:

ليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ حتى يمكننا أن نحصل على فضيلة النقاوة العظيمة (الموجودة فطريًا في الملائكة كسكان السماء، لا بواسطة المجهود البشريّ وحده بدون معونة الله) لأن إتمام كل شيء حسن يفيض من نعمته. مَنْ منَّا بكثرة فضله يُخوِّل مثل هذه البركة الأخيرة وهذا المجد العظيم بإرادتنا الضعيفة وسبيل حياتنا القصيرة الزهيدة؟! […] عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُخوِّل هؤلاء الذين يجاهدون ويكافحون استعمال تعبير الرسول لهم ’نريد ونسعى‘ […] لكن السؤال والطلب والقرع من جانبنا لا يكفي ما لم تُعطنا رحمة الله ما ينبغي أن نسأله، وتفتح الباب الذي نقرعه، وتُؤهِّلنا أن نأخذ ما نطلبه. مِن جانبه يمنح كل الأشياء فقط إذَا أُعطِيَت له الفرصة برغبتنا الخاصة، لأنه يرغب ويبحث عن كمالنا وخلاصنا أكثر وأبعد مما نُريد نحن أنفسنا“.[29]

ويشير الأب شيريمون أيضًا إلى تعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا البشرية من أجل نفعها، وتساعدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، حيث تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، فلا تبدو أنها تهب عطاياها للإنسان الخامل المتراخي كالتالي:

شيريمون: […] هكذا تتعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا لأجل نفعها، وتُساعِدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، وذلك بطريقة يظهر فيها أنها تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، حتى لا تبدو أنها تهب عطايا للإنسان الخامل المتراخي. وهي تبحث عن فرص لكي تكشف للإنسان الخامل أنه باستكانته يفقد جود النعمة. مع هذا تُحسَب النعمة مجانيةً، لأنه من أجل جهادٍ تافهٍ تُمنَح بغنى أمجاد الخلود التي لا تُقدَّر وبركات الأبدية“.[30]

عدم سماح الله بالشر

ينفي ق. يوحنا كاسيان من خلال مناظرة الأب ثيؤدور [تادرس] فكرة سماح الله بالشر وفرضه على أحد القديسين سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق آخرين، حيث يدحض بذلك فكرة أوعسطينوس عن استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للشر كالتالي:

ثيؤدور: […] الاحتفاظ بهذا التمييز الواضح الثابت وتلك المعرفة، بأنه ليس خيرًا إلا الفضيلة وحدها، ولا يُحسَب شيء شريرًا سوى الخطية وحدها والانفصال عن الله، هذا يجعلنا نُدرِك بكل حرص: هل الله يسمح للشر أن يُفرَض على قديسيه مُباشرةً، أو عن طريق آخرين؟ بالتأكيد لا يمكن أن يحدث هذا. إذ لا يفرض أحد شر الخطية على آخر قهرًا. إنما يحدث هذا خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة. لقد استخدم الشيطان كل حيله الشريرة ضد أيوب الطوباويّ مُحاوِلاً أن يفرض عليه شر الخطية، فلم يقطع عنه فقط الاحتياجات الزمنية، بل وحاول أن يُرعِبه بكل مصائب الحرمان التي لم تكن متوقعة، كموت أولاده السبعة، وإصابته بقروحٍ مميتةٍ، وعذابات لا تُطاق من رأسه حتى أخمص قدميه، لكن أيوب بقي في هذا كله ثابتًا غير مُجدِّف“.[31]

مفهوم العقوبة الإلهية

ينفي ق. يوحنا كاسيان عن الله أن يكون هو علة الشرور التي تحدث في البشرية، بل يرى أنه حينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، فإنه يتكلَّم معهم بحسب لغتهم ومشاعرهم البشرية، ويوضح أن هناك أمور ليست صالحة ولا شريرة في ذاتها، بل هي صالحة من ناحية، وشريرة من ناحية أخرى كالتالي:

جرمانيوس: كثيرًا ما نقرأ في الكتاب المقدَّس أن الله خلق الشر وجلبه على البشر، كما جاء في هذه العبارة: ’ليس غيري. أنا الرب وليس آخر. مصوِّر النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر‘ (إش 45: 6، 7). وأيضًا: ’هل تحدث بلية في مدينةٍ والرب لم يصنعها؟‘ (عا 3: 6). ثيؤدور: اعتاد الكتاب المقدَّس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصليّ. فيستخدم كلمة ’الشرور‘ عن ’الأحزان والضيقات‘، ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَنْ تحلّ بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يَعتبرونها شرًا. فحينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، يتكلَّم معهم حسب مشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كيّ الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس والسوط يكون مُفيدًا للحصان الجامح. ويُعتبر التأديب مرًا بالنسبة للمودِّبين، إذ يقول الرسول: ’ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأمَّا أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ للسلام‘ (عب 12: 11)، ’الذي يحبه الرب يُؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله فأيّ ابنٍ لا يُؤدِّبه أبوه؟!‘ (عب 12: 6، 7). لذلك فقد أُعتيد أن تُقال كلمة ’شرور‘ عوض عن ’الحزن‘ […] أننا لا نستطيع أن نزعم بأن هذه الأمور شريرة في ذاتها، لأنها تعمل في كثيرين للخير، مُقدِّمةً لهم فرصًا للبركة الأبدية. وبذلك فنحن نعود إلى السؤال الذي وُجِّهَ إليَّ: فأقول بأن كل هذه الأشياء التي قد جلبها علينا أعداؤنا ويُظن أنها شر، لا يمكن اعتبارها شرًا، بل هي في حد ذاتها ليست شرًا ولا خيرًا. نقول في النهاية بأننا لا ننظر إلى هذه الأشياء حسبما يريد مَن صنعها أثناء ثورته وغضبه، إنما ننظر بالنسبة للذين يحتملونها. فإذَا ما لحِقَ قديس قتلاً، ينبغي علينا ألا نظن أنه قد لحِقَه شر، بل ما هو ليس بخيرٍ أو شرٍ، فيُعتبر شرًا بالنسبة للرجل الشرير، وراحةً وتحريرًا من الشرور بالنسبة للصالحين“.[32]

دحض التعليم بالنفس المولودة

لقد علَّم أوغسطينوس أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية بتعليم النفس المولودة من نفس آدم عن طريق العلاقة الجنسية بين الوالدين، وهكذا تُولَد النفس من الوالدين حاملةً لخطية آدم الأصلية ولكن يدحض الأب سيرنيوس هذا الاعتقاد الخاطئ، مُؤكِّدًا على أن الله يخلق نفسًا جديدةً لكل إنسان، وأن النفس لا تُولَد من العلاقة الجنسية بين الوالدين، ويشير إلى أن الجسد أو اللحم هو الذي يُولَد من الأبوين عن طريق التناسل، بينما الروح مخلوقة من الله أبي الأرواح وفاطرها كالتالي:

سيرنيوس: لأنه كما قُلنا منذ برهة قليلة، الروح لا تلد روحًا، تمامًا مثلما لا تقدر النفس أن تلد نفسًا، على الرغم من أننا لا نشك في أن مجموع اللحم [الجسد] يتكوّن من نسل الإنسان، حسبما يُميِّز الرسول بوضوحٍ بين كل مِن الجوهرين، أعني اللحم [الجسد] والروح، ما يُنسَب إلى كل منهما كفاطر له، ويقول: ’وقد كان لنا آباء أجساد مؤدبين، وكُنا نهابهم. أ فلا نخضع بالأولى جدًا لأبي الأرواح فنحيا‘ (عب 12: 9). فماذا يمكن أن يُظهِر بأكثر وضوح التمييز، عن أن يُقرِّر أن البشر هم آباءٌ لحمنا. ولكنه يُعلِّم دومًا أن الله وحده هو أبو النفوس [أي خالقها] وفاطرها. على الرغم من أنه حتى في هذا الجسد الفعليّ، فإن وظيفة الخدمة وحدها هي التي تُعزى إلى البشر، ولكن الجزء الرئيسيّ في تكوينه [أي النفس] إلى الله خالق الكل، كما يقول داود: ’يداك صنعتاني وأنشأتاني‘ (مز 119: 73). ويقول المبارك أيوب: ’ألم تصبني كالجبن. كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ‘ (أي 10: 10، 11). ويقول الرب لإرميا: ’قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك‘ (إر 1: 5). ولكن يجمع سفر الجامعة بوضوحٍ ودقة شديدة طبيعة كل جوهر وبداياته ويفحص النشوء والبدايات التي نشأ منها، ويتمعن في النهايات التي يصل إليها كل منهما، ويقر أيضًا التقسيم إلى جسدٍ ونفسٍ. ويقول ما يلي: ’فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها‘ (جا 12: 7). ماذا يمكن أن يُقال بأكثر وضوح من الإعلان بأن مادة اللحم التي شكَّلها هي تراب، لأنها تنبع من نسل البشر، وتبدو أنها زُرِعَت بواسطته. ولذلك بما أنها مأخوذة من الأرض، يجب أن ترجع ثانيةً إلى الأرض. بينما يُوضِّح أن الروح التي لم تُولَد بالمعاشرة الجنسية، ولكنها تنتمي إلى الله وحده بطريقةٍ خاصةٍ تعود إلى خالقها؟ وهذا أيضًا متضمن في نسمة الله تلك التي نال بها آدم الأول حياته“.[33]

ماهية الغضب الإلهي

بينما يُعلِّم أوغسطينوس، في سياق نظرته القانونية لتدبير الخلاص، بأن الغضب الإلهيّ هو غضب قضائيّ قانونيّ تنتقم فيه العدالة الإلهية من البشرية، ينادي كاسيان بأن الله لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر كالتالي:

شيريمون: […] أمَّا المحبة فتتعلق بالله، وبالذين نالوا في داخلهم أن يكونوا على صورة الله ومثاله. لأن الله وحده هو الذي لا يصنع الصلاح خوفًا ولا ابتغاءً كلمة شكر أو نوال جزاءً، إنما يصنع الصلاح ببساطةٍ من أجل محبة الصلاح. وذلك كقول سليمان: ’الرب صنع الكل لغرضه‘ (أم 16: 4). فبصلاحه يُغدِق بالخير على المستحقين وغير المستحقين، لأنه لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر“.[34]

غاية الله خلاص الكل

يُشدِّد الأب شيريمون -في محاورته مع جرمانيوس صديق القديس يوحنا كاسيان، الذي رافقه في محاوراته مع آباء البرية المصرية- على أن غاية الله من خلقة الإنسان هي ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، فالله صادق ولا يكذب في أقواله وعهوده، ولكن الذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، إذ أن نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وتريد أن تُخلِّص جميع الناس كالتالي:

شيريمون: […] لأن غاية الله من خلقته ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، وإذ يرى أن يشع فينا صلاحه ولو بشرارةٍ خفيفةٍ من الإرادة الصالحة، فإنه يُضرِمها كما لو كانت خارجةً من الحجر الصوان الصلد لقلوبنا. إنه يُثيرها ويتعهدها ويُقويها بنسمته، ’الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون‘ (1تي 2: 4). لأنه ’هكذا ليست مشيئة أبيكم الذي في السموات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار‘ (مت 18: 14). الله صادق ولا يكذب إذ يُقسِم قائلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب أني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا. ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة. فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل؟!‘ (حز 33: 11). إنه لا يريد أن يهلك أحد أصاغره، فكيف لا نكون مُجدِّفين إنْ كُنا نتصوَّر أنه لا يريد كل البشر أن يخلصوا بل بعضهم؟! فالذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، وهو يشهد ضد كل واحد منهم يومًا فيومًا قائلاً: ’ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة، فلماذا تموتون‘ (حز 33: 11). وأيضًا ’كم مرة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا‘ (مت 23: 37) […] إذًا، نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وإذ هي تريد أن ’جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون‘، تدعو الجميع دون استثناء قائلةً: ’تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيليّ الأحمال وأنا أُريحكم‘ (مت 11: 28) […] وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“[35]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من بحثنا السابق عدم وجود منظومة التعليم الأوغسطينيّ عن وراثة الخطية الأصلية وعن النعمة في تعليم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية، بل على العكس، نجد ق. يوحنا كاسيان وآباء الرهبنة المصرية في عصره يرفضون ويدحضون تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس. فلا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة ذنب آدم، ولا نجد التعليم بخطية الطبيعة الموروثة، ويرفض كاسيان عقيدة سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، وعقيدة الضمان الأبديّ وعدم هلاك المؤمن. ويدحض كاسيان أيضًا ومعه آباء البرية المصرية العظام التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة بالشر والعجز التام والشامل للإرادة البشرية عن فعل الخير بعد السقوط، ونرى أن مفاهيم الغضب الإلهيّ والعقوبة الإلهية القضائية مختلفة تمامًا في تعليم ق. يوحنا كاسيان عنه في تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو عن الغضب الإلهيّ القانونيّ لتحقيق العدالة الإلهية، وعن العقوبة الإلهية القانونية. لا نرى في تعليم ق. يوحنا كاسيان استخدام الله للشيطان والشر كأداة عقابية للبشر كما هو موجود في تعليم أوغسطينوس. لا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة الخطية الأصلية عن طريق النفس المولودة من العلاقة الجنسية بين الوالدين، كما علَّم أوغسطينوس بذلك في سياق تعليمه عن انتقال الخطية الأصلية من نفس آدم رأسًا إلى ذريته عن طريق توالد النفس من العلاقة الجنسية للأبوين. بل يرفض ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية فكرة النفس المولودة، ويَعتبرون أن ذلك التعليم هو هرطقة تجسيم اللاهوت، التي تجعل من صورة الله غير المادية في النفس الإنسانية شيئًا ماديًا يتناقل عن طريق التناسل والتزاوج بين الوالدين. كما لا نجد في مفهوم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية التعليم بانتقال الخطية الأصلية جسديًا عن طريق العلل البذرية الجسدية من آدم إلى ذريته عن طريق العلاقة الجنسية والشهوة الجنسية الشريرة، كما علَّم أوغسطينوس بذلك.

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية، على العكس من تعليم أوغسطينوس، ببقاء الإرادة الحرة في الإنسان بعد السقوط، وقدرة الإنسان على الاختيار بين الخير والشر، كما يُشدِّدون على المبدأ الأرثوذكسيّ بتآزر أو تعاون أو تناغم أو انسجام النعمة والجهاد البشريّ من أجل تحقيق الخلاص، ولم يُشدِّدوا، كما شدَّد أوغسطينوس، على ضرورة المبادرة من الله فقط، بل قالوا إن المبادرة تأتي من الاثنين في نفس الوقت بالتبادل، أي الله والإنسان، من أجل فعل الصلاح، فمن الممكن أن يُبادِر الله من أجل الإنسان، ومن الممكن أن يُبادِر الإنسان ويطلب معونة الله وقوته من أجل فعل الصلاح.

[1] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 7-10.

[2] Comm. in Matth. hom. 15: 1; PG 58: 471.

[3] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 52، 53.

[4] عبد المسيح اسطفانوس (قس)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، ص 277، 278.

[5] المرجع السابق، ص 279.

[6] المرجع السابق، ص 279.

[7] مايكل باركر (قس)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، ص 109، 110.

[8] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المؤسسات 7: 3، ص 462، 463.

[9] المرجع السابق، المؤسسات 7: 4، 5، ص 463، 464.

[10] المرجع السابق، المناظرة 7: 4، ص 169، 170.

[11] المرجع السابق، المناظرة 7: 3، ص 169.

[12] المرجع السابق، المؤسسات 12: 18، ص 555.

[13] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 397.

[14] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 398.

[15] المرجع السابق، المناظرة 23: 16، ص 402، 403.

[16] المرجع السابق، المناظرة 23: 12، ص 398.

[17] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399.

[18] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399، 400.

[19] المرجع السابق، المناظرة 23: 15، 16، ص 400-402.

[20] المرجع السابق، المناظرة 3: 11، 12، ص 124، 125.

[21] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260.

[22] المرجع السابق، المناظرة 13: 11، ص 259، 260.

[23] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260، 261.

[24] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[25] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[26] المرجع السابق، المناظرة 23: 1، ص 390.

[27] المرجع السابق، المناظرة 3: 15، 16، ص 126، 127.

[28] المرجع السابق، المناظرة 3: 19، ص 128، 129.

[29] المرجع السابق، المؤسسات 12: 11، 14، ص 550، 551.

[30] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 263.

[31] المرجع السابق، المناظرة 6: 4، ص 156.

[32] المرجع السابق، المناظرة 6: 5، ص 156، 157.

[33] يوحنا كاسيان (قديس)، المحاورات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة: موقع االكنوز القبطية، )، المحاورة 8: 25: 1، ص 425-427.

[34] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المناظرة 11: 6، ص 237.

[35] المرجع السابق، المناظرة 13: 7، ص 254، 255.

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – أكتوبر 2023م

 

الفهرست

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس… 1

الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري.. 1

الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة. 1

عدمية الشهوة الدنسة. 2

دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر… 2

دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني.. 4

دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط.. 4

دحض فكرة وراثة ذنب آدم. 5

تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“. 8

الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة. 10

دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة. 11

دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح.. 11

نحن نرث نتائج عصيان آدم. 12

الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس… 15

دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية. 16

الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث.. 17

اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. 18

عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان. 19

تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) 20

نفي وراثة خطية آدم. 21

مفهوم ناموس الخطية المتوحش… 24

ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية. 26

ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت.. 27

الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله…. 27

ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط.. 29

إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال. 29

وراثة حكم الموت في آدم. 30

النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية. 30

براءة الأطفال من الخطية الأصلية. 32

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) 35

سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء. 35

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو. 37

وراثة وزر عقاب خطية آدم. 37

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية. 37

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني.. 38

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط.. 42

نحن بشر مجبولون بالشر… 45

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر… 45

الشهوة الجنسية شرّ… 46

هلاك الأطفال غير المعمدين.. 47

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم. 49

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني.. 51

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية. 52

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة. 52

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر… 53

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط.. 54

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج.. 55

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية. 56

ماهية الخطية الأصلية. 56

الشرور الموروثة من آدم. 58

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان. 60

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي… 61

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) 62

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك.. 63

الخلاصة. 66

 

 

 

 

 

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس

سنقوم في هذا البحث بتسليط الضوء على الاختلافات الكبيرة والعميقة بين المفهوم الشرقيّ الأرثوذكسيّ للخطية الجدية، ممثلاً في ق. كيرلس الإسكندريّ، وبين المفهوم الغربيّ اللاتينيّ، ممثلاً في أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كان المحرِّك الرئيسيّ وراء مفاهيم مجامع قرطاچنة الثلاثة التي ناقشت الهرطقة البيلاجية، وقضت بحرمها. وبالتالي، نرى أن المفهوم الغربيّ مختلف تمامًا عن المفهوم الشرقيّ للخطية الجدية، وذلك بسبب تأثير كتابات أوغسطينوس أسقف هيبو على الغرب اللاتينيّ بقوةٍ، وهكذا سوف نرى في هذا البحث الاختلاف الشديد والعميق بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للخطية الجدية.

الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري

الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة

يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى ماهية الشر باعتباره اختيار خاطئ وقاتل للنفس.[1] وهكذا يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أن الشر هو عمل إرادي مرتبط بالإرادة الإنسانية في النفس، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال شيء موروث كما علَّم المانويون ومن بعدهم أوغسطينوس كالتالي:

”فكوننا لا نريد أن نُظهِر بأسًا شديدًا، أن نكون غير مهتمين بالابتعاد عن السيئات، وكون أن العقل لا يريد أن ينقطع عن الأشياء العتيقة، أو يبتعد بطريقةٍ ما عن كل دناءة، أو يتردد في فعل ما هو نافع، كل هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن الشخص يتوقف بإرادته في دائرة الشر، في الوقت الذي كان يجب عليه فيه أن يخرج مُسرِعًا“.[2]

عدمية الشهوة الدنسة

يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشهوة ليس لها وجود في حد ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه، داحضًا بذلك أية ادعاءات بوجود تعليم وراثة الخطية الأصلية في تعليمه اللاهوتي كالتالي:

فالشهوة مثلاً التي تنادينا وتجبرنا على فعل أي شيء، ليس لها وجود في ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه: لهذا فالخضوع الذي يسير إلى التأرجح نحو الإرادة عن واجب الخضوع لأي فرد آخر، لا يمكن أن يُدرَك في طبيعته ذاتها، بل يُعتبر بالحري شهوةً أو إرادةً أو رغبةً في أحد الأمور الموجودة بجانب اسم وحقيقة الخضوع الذي نتحدث عنه بشكلٍ مطلقٍ، فإنه لن يُفهَم أنه منسوب لأيٌ منها، ولن يعرف المرء إن كان الخضوع صالحًا أم رديئًا، إنْ لم يكن مضافًا لأولئك الذين يتم الخضوع لهم: فالإنسان خاضع لله، لكنه يخضع أيضًا للشيطان“.[3]

دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الإرادة الحرة في الإنسان العاقل هي التي تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس، داحضًا أي تعليم عن الإرادة المقيَّدة بالشر وسبق التعيين للخطية والهلاك الناتج بدوره عن التعليم بوراثة الخطية الأصلية، الذي ابتدأه أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، وانتشر بصورة كبيرة في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح البروتستانتي، خاصةً في الكالفينية كالتالي:

”ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان أن يصبح إنسانًا عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن مَن يكون إنسانًا يمكنه بإرادته الخاصة أن يكون صالحًا أو شريرًا، فالإرادة قادرة على أن تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس“.[4]

ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت من بعده بتعليم الإرادة المقيَّدة بالشر، مُؤكدًا على أن المشيئة تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وبمثابة جذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة كالتالي:

”كيرلس: مثل المشيئة، فمع أنها تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وكجذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة، والتي يمكن أن تصل إلى النقيض. لأن ما يجعلنا نفعل الخير ليس هو ما يجعلنا نفعل الشرّ، وأن ما يجعلنا نختار أن نكون حكماء، ليس هو ما يجعلنا أن نختار ما هو عكس ذلك“.[5]

وهكذا يختلف ق. كيرلس الإسكندريّ تمامًا مع الطرح الأوغسطينيّ، بل يعتقد ق. كيرلس الإسكندريّ بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا، بل ويؤكد ق. كيرلس على أن مرض الميل إلى الخطية أصاب الطبيعة البشرية بعد السقوط، وليس كأنَّ الخطية صارت جزءًا من طبيعة الإنسان كما يدَّعي البعض خطاءً وعن جهل. حيث يقول التالي:

لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِيَ للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضَّل أن يعمل ما ليس صالحًا. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا، حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مُفيدة وُجِدَ الموت الجسديّ الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[6]

دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم خطية الطبيعة، الذي أطلقه أوغسطينوس أثناء صراعه مع الهرطقة البيلاجية، وهو تعبير مانويّ في الأصل، ويرى أن الخطية قد صارت جزءًا من الطبيعة البشرية، وهذا الفكر هو فكر غنوسيّ مانويّ غير أرثوذكسيّ، يدحضه ق. كيرلس موضحًا أن إمكانية الإنسان أن يصير صالحًا أوشريرًا تتوقف على إرادته، وليس على طبيعته كالتالي:

”الإنسان لديه إمكانية أن يصير أبًا لأولاده بحسب طبيعته، وهو لا يصير أبًا بإرادته، مثلما يمكن أن يكون شريرًا أو صالحًا بإرادته. فالأول [إمكانية الولادة] توجد فيه بحسب طبيعته، بينما الثاني [أن يكون شريرًا أو صالحًا] فيعتمد على إرادته. في الحالة الثانية نتسيَّد، بينما في الحالة الأولى نخضع لناموس الطبيعة الذي لا يُخترَق“.[7]

دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وانعدام الخير فيها انعدام كليّ وتام قائلاً:

”كيرلس: إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد، وهذا يعني أننا معرضون للفساد والزوال مثل الأعشاب، بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال، وعدم تغير الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم، لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم.

إرميا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم، وذلك رغم سقوطنا، إلا أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا لم ننحرف كليةً عن طبيعتنا، ولم ننحدر إلى العدم الكليّ، رغم عدم اقتناءنا للفضيلة، فلقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة، وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعني أن الطبيعة البشرية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلق باختيار الإرادة في أن يتغير الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مُقدَّسة في القول والفعل.

كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا، فإن صفات الله تضيء في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر“.[8]

دحض فكرة وراثة ذنب آدم

يرفض ق. كيرلس الإسكندري رفضًا باتًا فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل من آدم إلى ذريته قائلاً:

”والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية الواحدة نفسها؛ التي رأسها آدم أبينا جميعًا وهو واحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابنًا كما لا تجعل ابن آدم أبًا لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى أن الأب يظل أبًا والابن يظل ابنًا. أما إذا كنتم تظنون أنكم تهيئون برهانًا ذكيًا، وتحاولون أن تفرضوا الاختلاط وانعدام التمايز على وحدة الجوهر، حتى لا يبقى كل أقنوم كما هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديَّان الكل من أن يعاقب الابن على ذنب أبيه. أو الأب على ذنب ابنه، مع أن النبي يقول: ’النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن‘ (حز 18: 20). ولكن الذي يقضي بالعدل لا يعاقب الأب على ذنوب ابنه، رغم أن الأب والابن من جوهر واحد. لأن الأب ليس ابنًا، والابن كذلك ليس أبًا، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الأبوة والبنوة، والله يعرف كلٌّ منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما أنه لا ينحدر أيضًا إلى مكانة الآخر“.[9]

ويرفض ق. كيرلس تعليم وراثة الذنب الأبويّ في موضع آخر، حيث لا يقول ق. كيرلس إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم كالتالي:

”لقد قال يجب أن يهلك أيضًا مع الأم التي زنت، الأولاد بدون رحمة. ولأي سبب؟ لأنهم أولاد زنا، ولكننا لا نقول بالتأكيد إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم، لأن ما قاله حزقيال هو ما سيحدث لنا: ’النفس التي تُخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الآب، والأب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون‘ (حز 18: 20). غير أنه يجب أن نعرف، أنه بما أن الأم التي زنت، أُخِذَت كمثال للمجمع، فإن الآتين منه لن يكونوا في حالٍ أقل منه. وعندما قيل إنهم أولاد زنا، فقد أظهر بوضوحٍ، أنهم صاروا مذنبين جراء ما اقترفوه من جرائم الزنا الذهنيّ، وإن عدم إيمانهم هذا بدأ من القماط ومن رحم أمهاتهم، وأنهم لم يلمسوا أعمال التقوى، ولم ينشغلوا أبدًا بالفضيلة، ولم يُقدِّروا الطريق الذي يُسَرُّ به الله“.[10]

وينفي ق. كيرلس وراثة الذنب الأبويّ في سياق تفسيره لمعجزة شفاء المولود أعمى، حيث يرى أن الإنسان لا يُولَد أعمى ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع له هو شخصيًا، أو إلى أبويه، مؤكدًا على أن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء كالتالي:

”فالإنسان لا يُولَد أعمى،ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع إليه هو، أو إلى أبويه. وإضافةً إلى ذلك، فإن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء“.[11]

ويدحض ق. كيرلس فكرة وراثة الذنب، وفكرة الوجود السابق للنفس قبل الجسد، ويرفض فكرة أن النفس خاطئة من قبل ولادتها، وهنا يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب خطية آدم، على العكس من أوغسطينوس، الذي يرى أن النفس تُولَد حاملةً للخطية الأصلية رأسًا من آدم أصل الجنس البشريّ، فالنفس عند ق. كيرلس ليست خاطئةً ولا وارثةً لخطية قبل ولادتها كالتالي:

”ولكن ليس من السهل أن ندرك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم، فنحن لا نؤمن أن النفس موجودة قبل الجسد، ولا يمكن أن نظن أنها أخطأت قبل الجسد، فكيف يمكن أن تخطئ وهي لم تكن قد وُلِدَت بعد؟ […] وهذا كأنه قد قال بأسلوب مختلف وأكثر بساطة إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب خطاياه الشخصية، أو بسبب خطايا والديه“.[12]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق أن نفس الإنسان ليست مذنبةً بخطايا قبل ولادتها بالجسد، كما يقول أوريجينوس والأوريجانيون، ويدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بوراثة النفس المولودة من الأبوين لخطية آدم الأصلية، لأنه نفس الأمر يسري عليه فهي ليست خاطئة بالولادة في جسد بشريّ قائلاً:

”وقد سبق أن أوضحنا أن الله لا يجلب خطايا الآباء على الأبناء ما لم يكونوا مشاركين لهم في شرهم، كما سبق أن أوضحنا أيضًا أن وجود الإنسان بجسدٍ ليس هو بسبب خطايا سبق أن أرتكبتها النفس قبل وجود الجسد. لأن المسيح بحديثه ضد هاتين الضلالتين أسقطهما بطريقةٍ عجيبةٍ، حيث إنه بلا شك هو يعرف كل شيء كإله، أو بالحري هو نفسه الحاكم الأعلى لكل أمورنا، وهو الذي يعيِّن تلك الأشياء التي تناسب كل إنسان، والتي يستحقها كل إنسان، لأنه بقوله إن الأعمى لم يخطئ ولا هو يعاني العمى لهذا السبب، فإنه يبين أنه من الحماقة الافتراض أن تكون نفس الإنسان مذنبةً بخطايا قبل ولادتها في الجسد، وأكثر من ذلك، فحينما يقول صراحةً إن أبويه لم يخطئا حتى يُولَد ابنهما أعمى، فهو يدحض شكوك اليهود السخيفة [بوراثة الذنب الأبويّ]“.[13]

تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“

يفسر ق. كيرلس عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“، بعيدًا عن أي تفسير ساذج بأن هذه العبارة تشير إلى وراثة الجنس البشري لخطية آدم الأصلية، حيث يرى أن جدنا آدم حاد بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، ولم يحفظ نعمة [نفخة] الروح القدس، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، فلا توجد أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى انتقال خطية آدم بالتناسل إلى ذريته، ولا أصبحت الخطية الأصلية جزء من تكوين الطبيعة البشرية، كما يدَّعي المانويون الجدد عن دون دراية، معتقدين جهلاً أن ق. كيرلس يعلِّم بـ ”خطية الطبيعة“، كما علَّم به أوغسطينوس في الغرب متأثرًا في ذلك بالمانوية التي كان أحد أتباعها ومريديها في يوم من الأيام كالتالي:

”لأنه إذ قد حاد آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، فلم يحفظ نعمة الروح [القدس]، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، لهذا لزِم أن الله الكلمة غير المتحوِّل أن يصير إنسانًا، حتى إذَا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام“.[14]

ويفسر ق. كيرلس أيضًا عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“ في موضع آخر، حيث يرى أن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وهكذا نقل انحراف الإنسان الأول خسران الصالحات إلى الطبيعة الإنسانية كلها، لأنه في آدم فسد الجنس البشريّ كله. ونؤكد أن البشر بأشخاصهم وإرادتهم الحرة لم يكونوا موجودين مع آدم وقت عصيانه، وهذا ما صرَّح به ق. كيرلس في الشذرات المتبقية من تفسيره لرسالة رومية، عندما فسر أننا صرنا ”خطأة في آدم“ رغم أننا لم نكن موجودين معه وقت خطيته وعصيانه، وها هو هنا يفسر أننا كنا موجودين في آدم كـ ”طبيعة بشرية“ عاجزة عن الثبات، فاقدةً لكل الخيرات المعطَى لها من الله، وهكذا صارت طبيعة ساقطة ومنحرفة، وليست وارثة لذنب خطية آدم، كما يفسر الغنوسيون والمانويون الجدد عن دون دراية وعن جهل بمفاهيم ومعاني عبارات ق. كيرلس. وقد جاء الجنس البشريّ من الوجود إلى العدم في آدم الأول، ولكنه فَسَدَ، عندما كسر الناموس الإلهيّ كالتالي:

”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وكان سقوطها سهلاً للغاية. فكما أنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال، أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، كي يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب الإلهية. […] لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشريّ إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فَسَدَ، لأنه كسر الناموس الإلهيّ، ففي آدم الثاني، المسيح، قد قام هذا الجنس مرةً أخرى إلى بداية ثانية، وأُعيد تشكيله مرةً أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد“.[15]

الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة

يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي غياب عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البدء، وهكذا أعاد المسيح ما غاب عن الطبيعة البشرية باتحاده بها في تجسُّده. فالطبيعة البرية كانت مأسورة للموت، واحتاجت للكلمة المحيي أن يلبس هذه الطبيعة البشرية المأسورة للموت لكي يتوقف الموت عنها كالتالي:

”إذًا، لأنه كان من المستحيل أن يبطُل الموت بالنسبة لطبيعة الإنسان، لأنه كان أسيرًا للموت، جالبًا تلك اللعنة القديمة [الفساد والموت]، فكان حتميًا أن يلبس الكلمة المحيي الطبيعة المأسورة للموت، أي طبيعتنا البشرية، لكي يتوقف الموت، الذي – كأحد الوحوش المفترسة – انقضَّ أيضًا على جسده، فأبطل سلطانه الطاغيّ علينا بكونه الله. إذًا، فهذا هو الذي كُمِّل جسديًا لأجلنا بكونه إنسانًا، أكملنا نحن بكونه الله بأن أبطل سلطان الموت. لأن عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البداية غاب عنها. لأنه يقول: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره؛ لأنه إنما خلق الجميع للبقاء. فمواليد العالم إنما كُوِّنَت معافاةً وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض‘ (حك 1: 13-14)، ’لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 24). وإذ قادنا هكذا إلى الكمال، قال لأبيه السماويّ: ’أنا مجَّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته‘ (يو 17: 4). لأنه حقًا مجد الله الآب الذي أبطل بابنه ذاته الموت. إذَا، فقد تحقَّق كماله بواسطة الآلام، وما غاب عنَّا، أُضِيفَ لنا. لأنه بالمسيح صار خلقًا جديدًا (2كو 5: 17)“.[16]

دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا فكرة وراثة الخطية الأصلية عن طريق التناسل، حيث يقر بأنه ليس القدر ولا الولادة هما ما يجعلان الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس، الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين كالتالي:

لذلك ليس صحيحًا، إذًا، أن كل من القدر والولادة هما اللذان يتحكمان في كل شخص كما يُعتقد، وتجعل الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس من ذلك، فإن الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين، ولا يوجد شيء يمنع بالضرورة أي شخص من توجيه مسيرته في أي اتجاه يقرِّره“.[17]

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر، حيث يرى أن الذين ينسحبون عن الضلال السابق ويسرعون إلى الحق كثمرة لحرية إرادتهم هم مستحقون بالحقيقة للمديح كالتالي:

”وإذ يُفطَّمون من ضلالهم السابق الذي تسلَّموه من آبائهم، فإنهم يقبلون كلمة الإنجيل المخلِّصة. ونحن نؤكد أن مثل أولئك هم الذين يُدعون من السياجات، فإنهم بالحقيقة أكثر عظمةً وجدارةً بالمديح حينما يكون الانسحاب من الضلال السابق والإسراع إلى الحق هو ثمرة حرية الإرادة“.[18]

دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح

يرفض ق. كيرلس الإسكندري تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، كما يتضح إن تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء الإسكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.

وسوف نستعرض رأي ق. كيرلس الإسكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:

”ولكنني أفترض أنه من الحماقة الادعاء أن النفوس وُجِدَت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة أُرسِلَت لكي تُحبَس في أجساد ترابية. وسوف أُبرهِن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ’أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا‘ (أم٩: ٩)“.[19]

نحن نرث نتائج عصيان آدم

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بالوجود السابق للأرواح مُؤكِّدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:

”يقول بولس مُوضِّحًا أن الفساد قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم: ’لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ‘ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذَّا كان الجسد الميت قد أُعطِي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إنْ كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأنَّ وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مُسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدَّسة“.[20]

ويرى ق. كيرلس أننا كُنا مُتَّحِدين بآدم عندما جلب على نفسه عقوبة الموت، وليس الله هو مُعاقِبه بالموت، لأن الموت ليس من صُنع الله، وهكذا نحن مُتَّحِدون بالمسيح عندما جلب لنا الحياة وعدم الفساد. وهنا يؤكد ق. كيرلس أننا نرث من آدم الموت والفساد وليس ذنب خطيئته نفسها، لأننا كُنا مُتَّحِدين به من خلال الطبيعة البشرية الواحدة التي تجمعنا به كبشر مولودين من نسل بشريّ آدميّ، وهكذا جلب آدم علينا نتائج خطيئته أي عقوبة الموت كالتالي:

”لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه [الجسد] من الموت، يُعدّ – من الآن فصاعدًا – طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضِعَ [أُذِلَ] حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد [الانحلال]. لأننا مُتَّحِدون به مثلما كُنا أيضًا مُتَّحِدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لذلك، إذ كتب هكذا في أحد المرات: ’فإنه إذ الموت بإنسانٍ، بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، ويقول أيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22). لذلك فإن الكلمة إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد [الانحلال]، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة“.[21]

ويوضح ق. كيرلس أننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وهكذا سقطنا في مصيدة الموت، متروكين من قِبَل الله، فيؤكد على أننا نرث نتيجة مخالفة آدم وهي السقوط في مصيدة الموت، وليس المشاركة في ذنب خطية آدم. ويعطي ق. كيرلس معنى آخر للخطية الجدية وهي أنها هجران النعمة من الطبيعة البشرية كالتالي:

”لأننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وسقطنا في مصيدة الموت متروكين من قِبَل الله، ولكن الكل بالمسيح صار جديدًا، وعاد ثانيةً كل ما يخصنا كما كان في بداية الخليقة، كان ينبغي لآدم الثاني، الذي أتى من السماء، وكان أسمى وفوق الخطية، الجذر الثاني لجنسنا كليّ القداسة وغير الدنس، أن يُخلِّص [يُحرِّر] الطبيعة البشرية من الإدانة، وصار لها أن تستدعي ثانيةً نعمة الصلاح من السماء ومن الآب، فوقها، وتُبطِل هجران النعمة لها بواسطة طاعة يسوع المسيح التي حدثت مرةً واحدةً وإلى الأبد. لأنه لم يفعل خطيةً (إش 53: 9؛ 1بط 2: 22)، وأيضًا الطبيعة البشرية، وهي متَّحِدة به، صارت بلا لوم وبريئة“.[22]

ويشير ق. كيرلس بوضوح إلى أن آدم، الجذر الأول، قد أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، لم يقل ق. كيرلس أن آدم أنبت خطيئته في الطبيعة البشرية، كما يدَّعي الغنوسيون والمانويون الجدد، بل قال نتائج الغضب، حيث الموت الذي ملك من آدم إلى موسى على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، ويقارن ق. كيرلس بين عبور نتائج الغضب أي الموت من الجذر الأول للبشرية، آدم، وبين عبور النتائج الآتية من جذرنا الثاني، المسيح، في كل الجنس البشريّ. فأين الخطية الأصلية الموروثة التي يدَّعي هؤلاء أن ق. كيرلس يؤمن بها؟! حيث يقول التالي:

”كما أن الجذر الأول، أقصد آدم، أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، حيث ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، هكذا مرتَّ [عبرت] أيضًا النتائج الآتية من جذرنا الثاني، أي المسيح في كل الجنس البشريّ، الأمر الذي يؤكده بولس الرسول قائلاً: ’لأنه إنْ كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين‘ (رو 5: 15)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22)“.[23]

الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس

يشرح ق. كيرلس ماهية الجدية وهي انعطاف الإنسان نحو الشر، وقطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس الساكن في طبيعة الإنسان منذ أن خلقه الله ونفخ فيه نفسًا حيةً كالتالي:

”كيرلس: لقد هرب العالم من خالقه، وابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو أسمى من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ، فإنه قطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس. لأنه بمجرَّد أن خُلِقت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف، زُيِّنت في الوقت نفسه بهبة العلاقة بالروح القدس، لأنه مكتوب: ’ونفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك 2: 7). لأنه – كما أعتقد – لا يستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدالة وهذا التقديس بأيّ طريق آخر، سوى شركة الروح القدس؛ فعندما تجسَّد الابن الوحيد، وجد أن طبيعة البشر خالية من الصلاح، الذي وهبه الله إليها في القديم عند خلقتها؛ لهذا أسرع بأن يشركها في ملئه مثلما من نبعٍ، قائلاً: ’اِقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)، ومُبيِّنًا نفخة روحه عندما نفخ في وجوههم. وهكذا كان تجديد البشرية وإعادتها إلى رتبتها الأولى، مماثلاً لما قد حدث عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهَم أنه ابتعاد مكانيّ، بل بالحري أنه ابتعاد هذه الخليقة عن الله وعن شركة الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولى لو أردت – طالما أنها وُهِبت التجديد الروحيّ، وهي مدعوةٌ لشركة الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس“.[24]

ويشرح ق. كيرلس المفهوم السابق بأكثر تفصيلاً بأن الإنسان فقد في آدم عدم فساده بعد مفارقة الروح القدس للإنسان بالسقوط، وانحرف الإنسان نحو الخطية، ولكن لم ينحرف تمامًا بإرادته نحو الخطية، كما يدَّعي أوغسطينوس ولوثر وكالڨن بالفساد التام والكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط بسبب خطية آدم الموروثة، التي تعمل ديناميكيًا في الطبيعة البشرية وتجعلها مُقيَّدةً دائمًا بفعل الشر والخطية حتى لو أرادت الخير فهي تفعل الشر تلقائيًا بسبب الإرادة المقيَّدة قدرًا ووراثيًا بالشر. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان تتابع تدريجيًا في الغلو في الخطايا، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، وهذا يؤكد أن ق. كيرلس يؤمن بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية والإرداة الإنسانية، وليس كما يُعلِّم اللاهوت الغربيّ بقيادة أوغسطينوس وأتباعه من المصلحين البروتستانت بالفساد والانحراف الكلي والتام للطبيعة البشرية والإرادة البشرية. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان عانى من فقدان الروح القدس، وصار تدريجيًا خاضعًا للفساد ولكل الخطايا كالتالي:

”فإن هذا الكائن الحيّ العاقل على الأرض، أعني الإنسان، قد خُلِقَ منذ البدء في عدم فساد. وكان السبب في عدم فساده وفي بقائه في كل فضيلة، هو على وجه اليقين أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله ’نفخ في أنفه نسمة حياةٍ‘ كما هو مكتوب (تك 2: 7). لكنه وبسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في الغلو في هذه الأمور، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، عانى من فقدان الروح، وفي النهاية، أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عُرضةً أيضًا لكل الخطايا“.[25]

دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه. حيث يقول التالي:

”ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكَّد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد“.[26]

ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس الإسكندري بخصوص الخطية الجدية، ونتائجها، وآثارها، على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يُعدّ هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها من الشركة مع الله بسبب وراثة خطية آدم، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.

الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا. حيث يقول التالي:

”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحمِلاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة،. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[27]

اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية

ويُؤكِّد ق. كيرلس على اجتياز مرض الموت وليس الخطية الأصلية إجباريًا من بداية الجنس البشري كجذر إلى الفروع التي تفرعت منه كالتالي:

”كيرلس: إذًا، لأن بداية الجنس البشري بسبب الخطية انتهت إلى مرض الموت، وهذا الموت اجتاز إجباريًا إلينا، فمن الجذر امتد إلى الفروع التي تفرعت منه. لأن الثمر الفاسد هو من الأصل الفاسد. وهكذا ملك الموت على الجميع، وحتى على موسى نفسه، أي حتى ذاك العصر الذي كان فيه الناموس ساريًا“.[28]

يشرح ق. كيرلس كيف نقل آدم اللعنة، أي لعنة الفساد والموت، إلى نسله من جراء مُخالفته، فيقول:

”بما أننا آتينا من (الطبيعة) الفاسدة، نحن وارثون لعنة آدم بهذه الطريقة. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية التي أُوصِيَ بها ذاك، لكن -كما قلت- لأنَّ الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة للأولاد الذين وَلدَهم؛ أي صرنا فانين من الفاني. لذلك صار ربنا يسوع المسيح آدم الثاني، وبدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. أعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مهينًا الموت، ومبطلاً إياه في جسده. بالمسيح إذًا انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا يقول بولس الحكيم أيضًا: ’فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع‘ (1كو 15: 22). نستنتج إذًا، أنَّ اللعنة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل (الجامع) للكل تحقق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يثقلها؛ لأن الإنسان الأول صار فاسدًا“.[29]

ويُؤكِّد هنا ق. كيرلس على وراثة الفساد والموت من جراء مخالفة آدم، ويرفض بشكلٍ واضحٍ وراثة الذنب الشخصيَ أو الأخلاقيّ من آدم إلى بنيه.

عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان

يُفسِّر ق. كيرلس كيفية امتلاء يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو في بطن أمه، بأنه وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، داحضًا بذلك التعليم عن وراثة الخطية الأصلية؛ لأنه لو كان يوحنا المعمدان وارثًا للخطية الأصلية من والديه، فكيف يقول الإنجيل عنه إنه كان مُمتلئًا بالروح القدس من بطن أمه، ويتحدَّث ق. كيرلس عن أنه قد وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا البشرية، حيث يقول التالي:

”لأن المخلِّص يقول: ليس بين المولودين من النساء مَن هو أعظم من يوحنا (مت 11: 11)، وهذا حق، ولكننا نرى أن الذي وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، يُكرِّم المسيح بكرامةٍ لا يمكن مقارنتها. فهو يقول: ’الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلَّ سيور حذائه‘ (مر 1: 7). فكيف لا يبدو غير معقول، بل بالحري عدم تقوى، أن نؤمن أن يوحنا ’امتلأ من الروح القدس من بطن أمه‘ (لو 1: 15)، ثم نفترض أن سيده، بل بالحري سيد ورب الكل قَبِلَ الروح القدس فقط عندما اعتمد، مع أن جبرائيل يقول للعذراء القديسة: ’الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعَى ابن الله‘ (لو 1: 35)، وعلى محب المعرفة أن يرى قوة الكلمات التي تتمخض بالحق. لأنه يقول عن يوحنا ’يمتلئ‘ من الروح القدس، لأن الروح القدس صار فيه كعطية وليس بالجوهر، أما عن المخلص، فالملاك لا يقول عنه إنه ’سوف يمتلئ‘ بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ’القدوس المولود منك‘، ولم يقل ’المولود منك سوف يصير قدوسًا‘، فهو دائمًا قدوس بالطبيعة لأنه إله“.[30]

تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12)

يُفسِّر ق. كيرلس فقرة (رو5: 12) ”واجتاز الموت لجميع الناس“ دون أي ذكر لوراثة الخطية الأصلية، حيث يقول التالي:

”لقد بيَّن ربنا يسوع المسيح المحبة الحقيقة اللافتة التي أظهرها لنا الله الآب من خلال تتميم تدبيره [الابن] في الجسد وآلامه على الصليب، إذ قيل: ’هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكيلا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية‘. وتأكيدًا لذلك، فقد بذل [الآب] بالحقيقة ابنه الوحيد من أجلنا، وبذلك افتُدِينا وتحرَّرنا من الموت والخطيئة. ’فالكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا‘ ليس لسبب آخر سوى احتمال الموت في الجسد، ولكي يتمكن من الانتصار على القوات والسلاطين، ولتحييد ذاك الذي ’له سلطان الموت، أي ابليس‘، ولكي ينزع الفساد ومعه يزيل الخطيئة التي تقهرنا. بهذه الطريقة قد محى أيضًا تلك اللعنة القديمة التي تحملتها الطبيعة البشرية في آدم باعتباره باكورة جنسنا وأصل نشأتنا. فعندما خالف آدم الوصية، فقد أخطاء تجاه الخالق. وهذا هو السبب في أنه قد صار ملعونًا وخاضعًا للموت. ولكن رب الكون قد تحنن على أولئك الذين هلكوا تمامًا؛ فنزل الابن من السماء، ومحا الاتهامات، مُبررًا الفاجر بالإيمان. كإله، أعاد تشكيل الطبيعة البشرية ليجعلها غير فاسدة رافعًا إياها إلى حالتها الأصلية. فكل ما في المسيح هو ’خليقة جديدة‘، لأنه قد جعل نفسه كأصل جديد وصار آدم الثاني. ولكن هذا لا يعني أنه قد صار سببًا لغضب الله كما كان آدم، أو سببًا لابتعاد المولودين منه عن فوق؛ بل على العكس، فهو المحسِن الذي منحنا أن نصير أقرباء لله من خلال التقديس، وعدم الفساد، والتبرير الذي بالإيمان. ويشرح لنا بولس الحكيم هذا الأمر في كلمات المقطع الذي نحن بصدده، فيقول: ’كأنما بإنسان واحد‘، ثم يُكمِل قائلاً: ’دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘. إذًا، فقد دخل الموت بالخطيئة – كما قُلتُ – في الإنسان الذي خُلِقَ أولاً، في مصدر جنسنا. ثم تم أسر [نهب] الجنس البشري بأكمله لاحقًا. وعندما تسيَّدت الحية، مُخترِعة الخطيئة، على آدم بطرق المكر، اخترقت العقل البشري. ’الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس مَنْ يعمل صلاحًا‘. في الواقع، عندما ابتعدنا عن وجه الله كلي القداسة، إذ أن العقل البشري شغل نفسه باجتهاد بالشر لأنه ’شرير منذ حداثته‘، بدأنا نعيش حياة خالية أكثر من المنطق، و ’ساد الموت وابتلعنا‘ كما يقول النبي [إشعياء]، والهاوية ’وسعت نفسها وفغرت فاها‘. فعندما صرنا متبعين لآدم في تعديه، الذي بحسبه ’أخطأ الجميع‘، صرنا مستحقين لنفس العقوبة التي كانت عليه. لكن الأرض تحت السماء لم تبقَ بدون مساعدة. فالخطيئة انتُزِعَت، وسقط الشيطان، والموت ذهب هباءً“.[31]

نفي وراثة خطية آدم

ويستطرد ق. كيرلس في سياق شرحه لفقرة (رو5: 18-19) من أجل إثبات عدم توارث ذرية آدم معصيته الأولى كذنب موروث، لأننا لم نكن مولودين وموجودين لنخطئ معه، بل يتحدَّث عن انتقال مرض الخطية إلى طبيعتنا البشرية، ويشرح الأمر كالتالي:

”يُضِيف بولس الموحَى إلهياً إليه، نوعاً من الاستنتاج حول الافكار السابقة عندما يقول: ’وهكذا بمعصية الواحد‘ وما يَتْبَع ذلك. فلقد تم إدانتنا جميعاً في آدم، كما قلت سابقاً. وعندما حَلَّت لعنة الموت، انتشرت النتيجة إلى الكل من الجذر الأصلي. ولكننا أيضاً أصبحنا مُبَرَّرين وأشرقنا مرةً أخرى للحياة عندما تبرَّرنا في المسيح. لَقَدْ عَصَى جَدُّنَا الوصية الممنوحة له. وأساء إلى الله وعانى من عواقب الغضب الإلهي، ومِنْ ثَمَّ سقط في الفساد. وهنا انتقلت الخطية إلى طبيعة البشرية، وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ والتي تعني كل شخص علي الارض. والآن قد يقول شخص ما: نعم آدم سقط، وعصى الوصية الإلهية وقد أُدِينَ للموت والفساد. ولكن كيف ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ بسببه؟ ولماذا تؤثر سقطته علينا؟ لماذا تم إدانتنا معه ونحن لم نكن مولودين بَعْدٌ؟ وعلي النقيض، يقول الله: ’لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ‘، وَلاَ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ، و ’اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ‘، كيف إذًا سندافع عن موقفنا؟ بالفعل، فإنَّ النفس التي تخطئ يجب أن تموت. ومع ذلك، لقد أصبحنا خطاةً بواسطة عصيان آدم بالطريقة التالية: لقد خُلِقَ -آدم- في الحياة وعدم الفساد، وعاش حياة مقدَّسة في فردوس النعيم. وكان عقله بالكامل وعلى الدوام يتمتع برؤية الله، وجسده كان هادئًا وغير مضطرب حيث أن كل الملَذَّات المخْزِيَّة كانت في خمولٍ. ولم يكن فيه أيّ اضطرابٍ البتة من الدوافع الغريبة. ولكن عندما سقط تحت الخطية غرق في الفساد واجتاحت الشهوات النجسة طبيعة جسده، وتُوَلِّد ناموس الشر في أعضائنا. فالْتَقَطَتْ طبيعتنا مرض الخطيئة ’بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ‘ -أي آدم- وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ ليس لأننا أخطئنا معه -إذ لم نكن موجودين بعد- بل لأننا من نفس طبيعته، التي سقطت تحت ناموس الخطية. وهكذا، كما اكتسبت الطبيعة البشرية الفساد في آدم بسبب عصيانه واجتاحتها الأهواء الشريرة، تحرَّرت مرةً اخري في المسيح، الذي كان طائعًا لله الآب، ولم يرتكب خطيةً“.[32]

يشرح ق. كيرلس في موضع آخر كيف نقل لنا آدم الأول لعنته وعقابه الذي لحق به من جراء العصيان ردًا على سؤال تيبريوس الشماس حول ذلك الأمر، حيث يقول التالي:

”سؤال: لماذا عن طريق الموت في آدم، علينا أن نُوفِي عقوبة جَدِّنَا الأول؟ ولماذا يكون كل واحد منَّا مديونًا بسبب مخالفة ذاك؟ لماذا لم أرث الطهارة حين وُلِدتُ، بالرغم من أن والدي صار طاهرًا، كلٍّ من: عقوبة الجد الأول ومن تعديه الخاص، وصار حيًا في المسيح بواسطة الروح القدس؟ لماذا لم تَفِدْني نعمة البر التي قَبِلَها هو ذاته، بالرغم من أن هذه النعمة هي أقوى جدًا من الخطية؟

جواب: ينبغي أن نفحص كيف نقل لنا آدم الأب الأول العقاب الذي لحقه من جراء مُخالفته، فقد سمع: ’أَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ‘ (تك ٣: ١٩). وهكذا صار فاسدًا من كونه غير فاسدٍ، وخضع لقيود الموت. ولكن بما أنه أنجب أولاداً بعد السقوط في هذه الحالة، فقد وُلِدْنَا نحن فاسدين بما أننا أتينا من الفاسد، وهكذا نحن وارثون لعنة آدم. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية الإلهية التي أُوصِي بها ذاك، لكن – كما قلت – لأن الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة لذريته، إذ أننا وُلِدنا مائتون من أصلٍ مائتٍ. بينما صار ربنا يسوع المسيح -آدم الثاني- بدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. وأعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مُهِينَاً الموت ومُبْطِلاً إياه في جسده. بالمسيح إذن انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا أيضاً يقول بولس الحكيم: ’فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ‘. (١ كو ١٥: ٢١)، وأيضًا: ’لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ‘. (١ كو ١٥: ٢٢). نستنتج إذًا أن العقوبة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل للكل قد تحقَّق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يُثَقِّلُهَا من خلال الإنسان الأول الذي صار فاسدًا. لكن والد كل واحد مِنَّا، بالرغم من أنه قُدِّس من الروح القدس ونال غفران خطاياه، إلَّا أنه لا يمكنه أن ينقل لنا أيضًا العطية؛ لأن واحدًا هو الذي يُقدِّس ويُبرِّر جميعنا، ويُحضِرنا ثانيةً إلى عدم الفساد، هو ربنا يسوع المسيح. وبواسطة المسيح، هذه العطية تأتي بالتساوي لجميعنا. فإنَّ مغفرة الخطية وانحلال الموت، شيئان مختلفان. فكل واحد مِنَّا يحصل على مغفرة خطاياه الخاصة في المسيح من خلال الروح القدس. بينما نتحرَّر جميعاً على حد سواء، من العقوبة الأولى المفروضة علينا، أعني عقوبة الموت التي امتدت إلى الجميع على مثال الإنسان الأول الذي سقط في الموت. لأجل هذا أيضاً يشير بولس الحكيم إلى أن الموت ’قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي‘. (رو ٥: ١٤). لكن فيما بعد، عندما أشرق المسيح، أتى البر الذي برَّرنا بنعمة الله وأبعد الفساد عن أجسادنا“.[33]

مفهوم ناموس الخطية المتوحش

يوجد أيضًا تعبير ”ناموس الخطية المتوحش“ الذي فسَّره ق. كيرلس بأنه الحركات المغروسة في الجسد التي تتم بالفكر والإرادة، فهو يقصد القدرة على فعل الخطية، وليس ممارسة الخطية نفسها، بمعنى أن القدرة على فعل الخطية شيء، أما ممارسة الخطية شيء آخر، لأن الخطية فعل إرادي وليست فعلاً موروثًا. لقد آتت المعرفة الاختبارية للشر والخطية بعد العصيان والسقوط. وبالتالي لا يعني ”ناموس الخطية المتوحش“ أبدًا وراثة الخطية الأصلية بالتناسل، ولا تتساوى الفكرتين مع بعضهما البعض. فالإنسان بعد السقوط لديه طبيعة تميل للخطية، ولكن الطبيعة البشرية الفاسدة والمائتة بالانفصال عن الله، تحتاج أن يحملها شخص عاقل مُريد لكي يُمارِس الخطية، وهكذا الطبيعة لديها ميل للخطية، ولكنها تحتاج لشخص ليقوم بممارسة هذه الخطية، لكن الطبيعة البشرية لا تمارس الخطية من تلقاء ذاتها، فقبل السقوط كان الإنسان لديه القدرة على فعل الخطية، ولكنه بعد السقوط وبعدما أختبر وعرف الشر ومارسه صار له ميل للخطية أي ”ناموس الخطية المتوحش“، أو الحركات المغروسة في الجسد، أو الفكر الذي يتسلط عليه لذات الجسد. ولكنه يُمارِس الخطية بإرادته، وليس رغمًا عنه كنتيجة حتمية طبيعية بسبب خطية أصلية موروثة في طبيعته، وكأنها جزء من أجزاء الطبيعة، أو مكون من مكونات الطبيعة البشرية، لأنه هذه هي الهرطقة المانوية، بل يُمارِس الخطية بمحض إرادته وبإرادة حرة كاملة. وهكذا يُعرِّف ق. كيرلس ”ناموس الخطية المتوحش“ كالتالي:

”لذلك نقول إنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم، وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد، أي حركاته المغروسة فينا، فقد صار من الضروري لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض، أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعًا للفساد ومريضًا بحب اللذة، خاصًا به وحيث أنه الحياة ومُعطِي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكنًا أن تُمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضًا أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا ’ناموس الخطية‘. حيث أن الجسد الإنساني صار خاصًا بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث أنه كإله ’لم يعرف الخطية‘، فإنه اتَّحد بالجسد وأعلنه خاصًا به كما قلت، فوضع نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه، لأنه هو كما هو دائمًا. بل واضح أنه لأجلنا لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم، فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضًا تأتي إلينا كلها معًا“.[34]

ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية“ في موضع آخر موضحًا أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، فناموس الخطية هو ميل إراديّ يقودنا نحو ما هو ضد الناموس كالتالي:

”فما معنى قوله إن الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مُختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحِبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإن جسده كان مُقدَّسًا ونقيًا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس“.[35]

ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية المتوحش“ بصورة أوضح مشيرًا إلى أن هناك ناموس الخطية الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، فهناك صراع داخلي بين ميل الجسد لفعل الخطية وبين ميل العقل لفعل الصلاح كالتالي:

”فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة – فهناك الشيطان الذي يُبغِض كل ما هو جميل. وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وهناك أيضًا ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان – إذَا فماذا نفعل – وهناك مثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟“.[36]

ويوضح ق. كيرلس أن ناموس الخطية في الأعضاء الجسدية يقاوم بضراوة ومرارة. ولكنه يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضل وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة، فالصراع هنا صراع نحو امتلاك الإرادة نحو الخير أو نحو الشر، وليس انقياد لا إرادي وإجباريّ وطبيعيّ نحو ممارسة الخطية والشر، كما في المنظومة الغربية الأوغسطينية والكالڨينية كالتالي:

وناموس الخطية الذي في الأعضاء يقاوم بضراوة ومرارة. لأني أعرف أن بولس الذي كان متعلمًا في الناموس يناقش هذه الأمور بروعة، لأنه قال: ’فإني أُسرَّ بناموس الله حسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي‘ (رو 7: 22، 23). ويقول أيضًا: ’إذًا، أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ (رو 7: 25). وإلى جانب ذلك، يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضلّ وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة“.[37]

ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية

ويُسمِّي ق. كيرلس ”ناموس الخطية“ في موضع آخر بـ ”ناموس الشهوة الطبيعيّ“ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا، وهذا يدل على أن ق. كيرلس لا يقصد بوراثة الخطية الأصلية وراثة ناموس الخطية المتوحش كما يُعلِّم البعض عن تشويش وتخبط واضح وعدم فهم للاهوت ق. كيرلس وأنثروبولوچيته كالتالي:

”لأن الحية المتعددة الرؤوس تضايقنا كثيرًا، وتُورِّطنا أحيانًا في صعوبات غير متوقَّعة، حتى تحدرنا إلى الحضيض وإلى الخطية بأنواعها. زذ على ذلك، فهناك أيضًا ناموس الشهوة الطبيعيّ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا كما يقول الكتاب (رو 7: 23)“.[38]

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت

يرى ق. كيرلس أن الفساد دبَّ في البشرية بسبب آدم، ودخلت فينا لعنة الموت بسبب آدم، ودخل ناموس الخطية فينا بواسطة لعنة الموت، وهنا يؤكد ق. كيرلس على أن ناموس الخطية هو نتيجة للعنة الموت، وليس كما أكَّد أوغسطينوس، أن ناموس الخطية بسبب وراثة خطية آدم الأصلية في البشر، فصارت خطية آدم الموروثة هي مصدر الخطية في الطبيعة البشرية. بل الإنسان، بحسب ق. كيرلس، بسبب وجوده في حالة الموت والتغرُّب عن الله دخل فيه ناموس الخطيئة وتغلغَّل في أعضائه الجسدية كالتالي:

”وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أيّ آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. […] فنحن ترابيون بسبب آدم الذي من تراب، وقد دخلت فينا لعنة الموت، التي بواسطتها دخل فينا ناموس الخطية الموجود في أعضائنا“.[39]

الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله

يرى ق. كيرلس أن المسيح هو محطم الموت والفساد الذي أصاب طبيعة الإنسان، وردَّه مرةً أخرى إلى ما كانت طبيعته عليه في الأصل، لأن جسدنا كان مشحونًا بالموت، فحرَّر المسيح جسدنا من رباطات الموت. معصية آدم جعلتنا وجوهنا محجوبة ومتغربة عن الله وصرنا نموت ونعود إلى التراب، فقصاص الله على الطبيعة البشرية هو الموت، أي العودة إلى التراب، ولكن جاء التجديد من خلال الثالوث القدوس الواهب الحياة للراقدين كالتالي:

”كان الإنسان الميت في طريقه إلى الدفن، وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة، أعني المسيح نفسه، لأنه هو مُحطِّم الموت والفساد، هو الذي ’به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً، فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. […] لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو: ’لأنك تراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم، فإن وجه الأرض سيتجدَّد لأن الله الآب بالابن في الروح القدس سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها. إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن ’ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال‘، كما يقول الكتاب (عب 8: 13). ولكن المسيح يُجدِّد لأنه هو الحياة“.[40]

ويؤكد ق. كيرلس على هجران وتغرُّب الطبيعة البشرية عن الله بعد السقوط، وهكذا قَبِلَت الطبيعة البشرية لعنة الفساد والموت، وصارت أسيرةً للموت، فالفساد دخل الطبيعة البشرية من الخارج بسبب الهجران الذي أختبرته الطبيعة البشرية من الله بعد السقوط كالتالي:

”نقول: لأن أبونا الأول داس على الوصية التي أُعطِيَت له، ولم يبالِ بالناموس الإلهيّ (تك 3: 1 وما بعده)، هُجِرَت الطبيعة البشرية من الله، ولأجل هذا قَبِلَت اللعنة، وصارت أسيرةً للموت، لكن عندما أتى الابن الوحيد كلمة الله إلى العالم ليعيد تشكيلها إلى عدم الفساد، وأخذ الطبيعة البشرية من نسل إبرام، وصار مثل إخوته (عب 2: 16-17)، كان يجب، كما وضع حدًا لتلك اللعنة الأولى القديمة، والفساد الذي دخل من الخارج، أن يضع أيضًا حدًا للهجران الذي اختبرته الطبيعة البشرية من البداية“.[41]

ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط

يشير ق. كيرلس إلى أن الطبيعة البشرية صارت في آدم لها ميل وقابلية للخطية، فالطبيعة البشرية لا يمكن أن تخطئ من تلقاء نفسها بدون أن تكون موجودة في شخص كائن عاقل له إرادة لكي يمارس بها الخطية، فالطبيعة البشرية ليس لها وجود واقعيّ حقيقيّ لو لم تكن موجودة ومتشحصنة ومتأقنمة في شخص عاقل مريد يمارس الخطية بإرادته الحرة كالتالي:

”هكذا قد محا ذنب العصيان الذي بواسطة آدم، هكذا أُبطِلَت قوة اللعنة، وأُبيدت سيادة الموت. وهذا ما يُعلِّمه بولس أيضًا قائلاً: ’لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِلَ الكثيرين خطاةً، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرين أبرارًا‘ (رو 5: 19). لأن طبيعة الإنسان كلها صارت خاطئةً [ميَّالة للخطية أو عُرضة للخطية] في شخص الذي خُلِقَ أولاً [هذا يؤكد أنها ينبغي أن تتشخصن في شخص لتصبح موجودة وفاعلة]، ولكنها الآن قد تبرَّرت كليةً من جديد في المسيح“.[42]

إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال

يرى ق. كيرلس أنه قد تمَّت إدانة الطبيعة البشرية في آدم وكانت النتيجة أنها سقطت في الانحلال أي للموت بسبب تعديه للوصية التي أُعطِيَت له كالتالي:

لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدى الوصية التي أُعطِيت له“.[43]

وهذا يُفسِّر لنا لماذا قال ق. كيرلس في موضع آخر: ”أننا أخطأنا في آدم“، وقال أيضًا: ”أننا لم نخطئ معه لأننا لم نكن موجودين آنذاك“، وهكذا ”لا نُحسَب مذنبين بذنبه وحاملين وز خطيئته“، فالمقصود من تعبير ق. كيرلس ”أخطأنا في آدم“ هو إدانة الطبيعة البشرية في آدم، وليس إدانة شخوص البشر في آدم، لأن آدم مسئول عن خطيئته وحده، ولكن لا يُحاسَب البشر بذنب خطية آدم. إلا أن الطبيعة البشرية صارت تحت الدينونة في آدم، وسقطت في الانحلال، لأن الطبيعة صارت متغربة ومحجوبة عن الله وانفصلت عن مصدر حياتها، فسقطت في الانحلال.

وراثة حكم الموت في آدم

ويُفسِّر ق. كيرلس في موضع آخر إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم، حيث يرى أننا صرنا وارثين حكم الإدانة [أي حكم الموت] التي كانت لآدم الأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه كالتالي:

”لأن طبيعة الإنسان كان محكومًا عليها بالموت بسبب عصيان المخلوق الأول، فكان يجب أن تعود ثانيةً إلى حالتها الأولى مُظهِرةً طاعتها. غير أن هذا كان بالفعل أكبر وأسمى من القدرات البشرية؛ لأنه ليس أحدٌ طاهرًا من الخطايا. لأنه إذَا كان المخلوق الأول قد سقط مرةً واحدةً في الخطية، وصار أسير ضعفه، وتغذت طبيعته بشهوات الجسد الذي أصبح جذرًا وحاملاً لناموس الخطية المتوحش، فكيف له أن يتجنب هذا تمامًا؟ […] لكي يأخذ – هذا الذي لم يعرف خطيةً – جسدًا مثلنا، ويجعله خاصًا به، حتى يوجد على الأرض بكونه إنسانًا، فيبرِّر طبيعة الإنسان بذاته ويُحرِّره من قيود الموت، مُتوَّجًا من الله الآب بتاج البراءة. وإلا يكون غريبًا، أن نصير وارثين حكم الإدانة التي كانت للأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه، دون أن نُصبِح مشاركين برّ الثاني، الذي أحضرنا ثانيةً إلى الحياة بطاعته التامة!“.[44]

النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفس مخلوقة في سياق مُقاومته لبدعة ”تجسيم أو أنسنة اللاهوت“، التي تفشت في عصره بين رهبان برية شيهيت بمصر، وبين رهبان سوريا وفلسطين، وفي سياق مقاومته لتعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد السقوط من عالم الغبطة في معية الله. حيث يقول التالي:

“ولا أظن أن أحدًا سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو أنها تتكوَّن معه، وإنما الله -بطريقة غير معروفة- يغرسها في الجسد وتُولَد معه. ولذلك، نحن نُحدِّد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”.[45]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق حديثه عن تجسُّد الرب إلى أن الأمهات يمنحن الجسد اللحميّ فقط، ولكن يُرسِل الله النفس بكيفيةٍ معروفةٍ له فقط في اللحم البشريّ لتتَّحد به، وتُكوِّن إنسانًا كاملاً مُركَّبًا، بحيث تلد الأمهات على الأرض إنسانًا كاملاً مُكوَّنًا من جسد ونفس عاقلة. وبالتالي، يُؤكِّد ق. كيرلس على أن النفس في أصلها مخلوقة مُباشرةً من الله، ولا تُولَد مثل الجسد اللحميّ من الأم والأب قائلاً:

“إن سر تجسُّده هو بكيفيةٍ ما مماثل لولادتنا، لأن أمهات أولئك الذين على الأرض الخاضعات لقوانين الطبيعة فيما يخص الولادة، لهم لحم يثبت في الرحم، وهو الذي ينمو قليلاً قليلاً بحسب أفعال الله غير المدرَكة، ويصل إلى النضوج في هيئة إنسان. ويرسل الله الروح في الكائن الحي بكيفيةٍ معروفةٍ له، وهذا بحسب قول النبي: ‘وجابل روح الإنسان في داخله’ (زك 12: 1). وإن الكلام عن الجسد شيء، والكلام عن النفس شيء آخر، ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النسوة هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلا أنهن يلدن الكائن الحيّ كله، وأنا أعني كائنًا مُكوَّنًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنه يلدن جزاءًا من الكائن، ولن يقول أحد إن أليصابات، مثلاً كانت أمًا للجسد فقط، وليست أمًا ولدت نفسًا في العالم إلى جانب الجسد. لأنها ولدت المعمدان إنسانًا ذا نفس، وكائنًا حيًا مُكوَّنًا من الاثنين. وأنا أعني إنسان له نفس وجسد معًا”.[46]

براءة الأطفال من الخطية الأصلية

يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى وجود معمودية الأطفال في عصره، حيث يُؤكِّد على إحضار الاشبين المسئول عن الطفل به لينال مسحة الموعوظين، ثم يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، ولم يأت ق. كيرلس الإسكندري على ذكر أية خطية موروثة تمحوها المعمودية المقدَّسة في الأطفال، بل كانت إشارته إلى نوال المسحة المقدَّسة في المعمودية كالتالي:

”لأنه حينما يُحضِرون طفلاً مولود حديثًا لكي ينال مسحة الموعوظين، أو يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، فإن مَنْ يُحضِره إلى المعمودية [أي الاشبين] يُكرِّر بصوتٍ عالٍ قائلاً: ’آمين‘ نيابةً عنه“.[47]

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن مصير اﻷطفال غير المعمَّدين، ويُذكِّرنا موقفه هذا بموقف كل من كاتب عظة ”صوم المسيح“ المنسوب إلى ق. أثناسيوس، وموقف ق. غريغوريوس النيسي في عظته عن ”الموت المبكر للأطفال غير المعمدين“. حيث يقول ق. كيرلس في رده على سؤال الشماس انثيموس (منشور القول في بردية crum حقَّقها وعلَّق عليها العالم Ehrhard) التالي:

”انثيموس: هل يدخل الأطفال الصغار إذَا ماتوا قبل أن ينالوا المعمودية الملكوت؟ كيرلس: حقًا الملكوت هو لهم، لأنهم عندما تكوَّنوا في بطون أمهاتهم قد حُسِبوا للملكوت. وبالإضافة إلى ذلك، إذَّا كان الجذر مُقدَّسًا، هكذا تكون الأغصان“.[48]

نجد هنا ق. كيرلس الإسكندري لم يقل إن الأطفال غير المعمَّدين لن يدخلون الملكوت بسبب عدم معموديتهم، ولا بسبب الخطية الأصلية الموروثة كما يقول أوغسطينوس، بل الملكوت هو لهم من بطون أمهاتهم، لأنهم مُقدَّسون من البطن بلا خطية.

ويشدد ق. كيرلس، على العكس من أوغسطينوس واللاهوت الغربيّ، على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية قائلاً:

”ولكن الولد الذي قد أخذه لأيّ شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خالٍ من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات […] في قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. وقال المخلص نفسه مرةً للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ’الحق أقول لكم، إنْ لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله‘ (مت 18: 3)“.[49]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على بساطة وبراءة الأطفال من أيّ خطية كالتالي:

”وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ’وأقامه عنده‘، مبينًا بذلك – كما في رسمٍ توضيحيّ – أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره لكونهم يُفكِّرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ’تعلَّموا مني لأنيّ وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[50]

يشير ق. كيرلس إلى معمودية الأطفال، حيث يُقرَّب الأطفال ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل، أي تكريس الأطفال بالمعمودية ومسحة الميرون، لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، لأنه منحدر بالأساس من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة، ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقة غير لائقة أو مُشوشة، بل بترتيب ووقار ومخافة. وهنا لم يأت ق. كيرلس على ذكر تقديم الأطفال للمعمودية من أجل مغفرة الخطية الأصلية المورثة، بل للتقريب والبركة من المسيح والتكريس بالأيادي المكرَّسة قائلاً:

والأطفال إلى الآن يُقرَّبون ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، وقد انحدر إلينا من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة. ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقةٍ غير لائقةٍ أو مُشوشةٍ، بل بترتيبٍ ووقارٍ ومخافةٍ“.[51]

يؤكد ق. كيرلس على قلة معرفة الأطفال أو عدم معرفتهم على الإطلاق، ولذلك يتمّ إعفائهم بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ، وهنا يؤكد ق. كيرلس على براءة الأطفال من أي شر أو انحراف أو خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية. وهذا عكس الموقف الذي اتَّخذه أوغسطينوس والغرب من بعده من الأطفال، وخاصةً الأطفال غير المعمَّدين، الذين اعتبره أوغسطينوس والغرب مذنبين بسبب خطية آدم الأصلية التي ورثوها بالولادة من أبويهما، ويرى أوغسطينوس أن مصير الأطفال غير المعمَّدين هو الجحيم أو الليمبوس، وهو درجة من درجات الجحيم أخف وطأةً وتعذيبًا من درجات تعذيب الأشرار والخطاة البالغين كالتالي:

”ولكن مِن الضروريّ أن نفحص ما معنى أن نكون أطفالاً في الشرّ، وكيف يصير الإنسان هكذا، أمَّا في ذهنه فيكون كاملاً. فالطفل بسبب أنه يعرف القليل جدًا أو لا يعرف أيّ شيء مطلقًا، يُعفَى بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ. هكذا أيضًا من واجبنا أن نسعى للتمثل بهم بنفس الطريقة، بأن نطرح عنَّا تمامًا عادات الشرّ، لكي نُعتبر كأناس لا يعرفون حتى الطريق المؤدي للخداع، بل كمَّن لا يعرفون الخبث والاحتيال، وهكذا يعيشون بأسلوبٍ بسيطٍ وبريء، ويمارسون اللطف والاتضاع الفائق الثمن، كما يمتنعون بسهولةٍ عن الغضب والحقد. ونحن نؤكد أن هذه الصفات هي التي توجد في أولئك الذين لا يزالون أطفالاً. لأنه بينما تكون صفاتنا هكذا في البساطة والبراءة، فإنه ينبغي أن نكون كاملين في الذهن، فيكون لنا ذهنًا مؤسَّسًا بثباتٍ في المعرفة الواضحة للذي هو بالطبيعة وبالحق خالق الكون، وهو الإله والربّ“.[52]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5)

يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، فلو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسَّر هذه الآية كما فسَّرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس الإسكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسَّر آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

ويقول [داود] هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعيّ، لأنه لو كان كذلك ما كان مُستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة. ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يُوجِّهون كلامهم إلى الله قائلين: ’إنْ أردت أن تُحاكِمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تُحاكِم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا مُعترِفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكُوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد‘. لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ’تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب‘ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ’تذكر ما هو وجودي‘ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوحٍ صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)“.[53]

سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء

لم يشر ق. كيرلس لا من قريب ولا من بعيد إلى الخطية الأصلية الموروثة من آدم في سياق تعليله لميلاد المسيح البتوليّ من العذراء القديسة مريم، ولم يقل كما فسَّر أوغسطينوس والغرب من بعده أن ميلاد المسيح البتوليّ من العذراء مريم كان ليمحو الخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرث المسيح خطية آدم الأصلية من العذراء القديسة، والذي أدى بعد ذلك إلى ظهور تعليم الحبل بلا دنس في الغرب اللاتينيّ من بعد أوغسطينوس، والذي يقول بأن العذراء القديسة لم تُولَد من أبويها يواقيم وحنة حاملةً للخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرثها المسيح نفسه بعد ذلك عند ولادته منها بالروح القدس، فكان دور الروح القدس بحسب هذا المعتقد الغريب أن يمنع وراثة المسيح للخطية الأصلية من العذراء القديسة مريم عند الحبل البتوليّ منها، وقد منع الروح القدس من قبل أن ترث العذراء القديسة مريم الخطية الأصلية الموروثة من آدم عند الحبل بها من أبويها يواقيم وحنة. فيقول ق. كيرلس التالي:

”كيرلس: ولكن ما دام الله لم يحتقر الزواج، بل بالحري كرَّمه بمباركته، فلماذا إذًا جعل الكلمة – الذي هو الله – من عذراء أمًا لجسده بحملٍ من الروح القدس؟

المحاور: لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال.

كيرلس: بالرغم من أن المبرِّر غير ظاهر للكل، لكن إذَا فحصنا بتدقيق، نجد أن الابن أتى، أي تأنس لكي يُعيد تشكيل وضعنا داخل نفسه منذ البداية بولادةٍ وحياةٍ عجيبةٍ ومدهشةٍ حقًا؛ لهذا صار هو نفسه الأول الذي وُلِدَ من الروح القدس (أقصد من جهة الجسد)، حتى أنه صار بمثابة طريق تأتي لنا النعمة بواسطته، ليجعلنا نُولَد ثانيةً ولادةً روحيةً، ليس من دم ولا من مشيئة جسد، ولا من إرادة رجل، لكن من الله بواسطة الروح (يو 1: 13)، وبتشبُّهنا الروحيّ بالابن الحقيقيّ بالطبيعة، ندعو الله يا أبانا. وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أي آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. لذلك قال المسيح: ’لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد وهو الذي في السموات (مت 23: 9)“.[54]

 

 

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو

سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. كيرلس الإسكندريّ، كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.

وراثة وزر عقاب خطية آدم

يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:

”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[55]

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية

يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، فلم يُعلِّم ق. كيرلس بوراثة عبء دين خطية آدم وذنبه كالتالي:

”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[56]

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني

يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. كيرلس الإسكندري ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[57]

يؤكد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسيّ كالتالي:

”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[58]

يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:

”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[59]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:

الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[60]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:

”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[61]

ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:

”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[62]

يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:

”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[63]

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط

يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ، بل يؤكد ق. كيرلس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:

”بل هو يتحدث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[64]

يتحدث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:

”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[65]

ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:

”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[66]

ويتحدث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:

”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[67]

ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[68]

نحن بشر مجبولون بالشر

يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. كيرلس الإسكندري، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:

”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[69]

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر

ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندري كالتالي:

”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأ فعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[70]

ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. كيرلس الإسكندري الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:

”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[71]

الشهوة الجنسية شرّ

يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس ق. كيرلس الذي يرى أن الشهوة عدم تحتاج إلى شخص لكي يمارسها كالتالي:

”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[72]

يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحركها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:

”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[73]

ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:

”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[74]

وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:

”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[75]

هلاك الأطفال غير المعمدين

يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:

”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[76]

يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً وق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:

وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[77]

يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:

”أسأل أيْن تُصاب النّفس بِالخطيئة الّتي بِنتيجتِها تسقُط في الهلاك الّذي لا يُعفى مِنه طِفل يموت بِدون نوال نِعمة المسيح بِالعِماد؟ لِأنّك لست مِن أولئِك الّذين ينطِقون بِأشياء جديدة، ويَذهبون إلى حدّ القوْل بِأنّه ليْس مِن خطيئة أصليّة يُعفَى مِنها الطِّفل بِالعِماد“.[78]

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم

يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس تمامًا، حيث أكد أننا لم نكن موجودين عندما أخطأ آدم وتعدى الوصية، بل انتقلت لنا نتائج خطيئته فقط، أي الفساد والموت. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[79]

ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق كالتالي:

”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[80]

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:

”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[81]

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني

يعلم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[82]

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية

ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. كيرلس الإسكندري بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[83]

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة

يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. كيرلس الإسكندريّ بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندري أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال ق. كيرلس، وقاله أيضًا آباء الشرق معه، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[84]

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر

ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:

”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[85]

ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:

”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة. وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[86]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. كيرلس الإسكندريّ الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:

”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[87]

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![88] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![89]

ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[90]

يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[91] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[92]

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية

يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل البذرية الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[93]

ماهية الخطية الأصلية

يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[94] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[95] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[96] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[97]

يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[98]

ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[99] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[100]

الشرور الموروثة من آدم

ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[101] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[102]

ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[103] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[104] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![105] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![106] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[107] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان

يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[108] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[109] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[110] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[111] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[112] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[113]

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[114] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[115]

يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![116]

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي

ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشر في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:

”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[117]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)

يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق لنفس الآية كالتالي:

”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[118]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:

”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[119]

يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:

لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[120]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:

”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[121]

ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:

”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[122]

 

 

الخلاصة

نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:

يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم، كما يشير ق. كيرلس إلى عدمية الشهوة الدنسة، وأنها تحتاج للإرادة البشرية العاقلة المريدة لكي توجد وتُفعَّل. يرفض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. كيرلس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. كيرلس تعليم الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.

يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب آدم، ويرى أننا لم نكن مذنبين مع آدم في خطيته، بل إننا صرنا مائتين من المائت، ولسنا خطاةً من الخاطئ. يفسر ق. كيرلس عبارة ”أخطأنا في آدم“ – التي يُدَّعَى باطلاً أنها تدل على اعتقاد وراثة خطية آدم عند ق. كيرلس – بأنها تدل على أننا كنا في آدم كطبيعة بشرية عاجزة عن الثبات وفقدنا الصالحات التي كانت مُعطَى لنا من الله. يشير ق. كيرلس إلى مفهوم الخطية الجدية باعتباره غياب عدم فساد الطبيعة البشرية وتفشي الفساد فيها بعد السقوط، والفساد هنا معناه حالة عدم الثبات والانحراف من حالة لأخرى، وليس الفساد بمعناه الأخلاقيّ أو الأدبيّ. يدحض ق. كيرلس التعليم بالقدرية ووراثة الخطية بالولادة، ويشدد على تعليم حرية الإرادة في الإنسان.

يدحض ق. كيرلس التعليم والمفهوم الأوريجانيّ لوراثة الخطية الأصلية باعتبارها سقوط الأنفس من العالم الطوباويّ السابق على وجودها في الجسد، وانحباسها في الجسد كعقوبة لها عن الخطية التي اقترفتها في عالم الغبطة السابق، وهكذا يرفض الوجود السابق للأرواح قبل ولادتها في أجسادها. يرى ق. كيرلس أننا نحن نرث نتائج عصيان آدم، وليس خطيئة آدم نفسها، كما يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه. يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط.

يشدد ق. كيرلس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. يذكر ق. كيرلس عدم وراثة الخطية الأصلية في يوحنا المعمدان، الذي كان ممتلئًا من الروح القدس من بطن أمه. يفسر ق. كيرلس آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) تفسيرًا مختلفًا تمامًا عن تفسير أوغسطينوس، الذي قرأ هذا النص في ترجمة لاتينية خاطئة، واستنتج منه أن الخطية موروثة من آدم لبنيه الذين أخطئوا فيه كشركاء له في ذنبه وخطيئته بتعدي الوصية. حيث يرى ق. كيرلس انتقال الفساد والموت للطبيعة البشرية، أي انتقال نتائج عصيانه إلى طبيعته البشرية ونسله من بعده. يفسر ق. كيرلس أن ناموس الخطية المتوحش هو كامن في أعضائنا الجسدية بعد السقوط، ولكنه ناموس إرادي خاضع لحرية إرادتنا وليس ناموسًا إجباريًا أو إلزميًا موروثًا يجبر الإنسان على ممارسة الشر والخطية رغمًا عنه، كما يدَّعي البعض عن سوء فهم وتشوش في الفكر. يسمِّي ق. كيرلس ناموس الخطية بـ ”ناموس الشهوة الطبيعي“ كمرادف لناموس الخطية الساكن في أعضائنا الجسدية، لارتباط ممارسة الخطية بالشهوة والشهوة بممارسة الخطية.

يشير ق. كيرلس إلى أن ناموس الخطية هذا ناتج عن لعنة الموت، فبسبب تغرب واغتراب وانفصال الإنسان عن الله سيطر عليه ناموس الخطية، وهكذا ناموس الخطية غير موروث من آدم بالتناسل والتزاوج كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي. يُعرِّف ق. كيرلس الخطية الجدية بأنها تغرُّب واغتراب وابتعاد عن وجه الله. يرى ق. كيرلس أن الطبيعة البشرية أصابها مرض الميل للخطية بعد السقوط، وليس أن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين الطبيعة البشرية كما قال بذلك الغنوسيون والمانويون وأوغسطينوس وأتباعه . يشير ق. كيرلس إلى إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم وسقوطها في الانحلال، فنحن نرث حكم الموت في آدم. يُعلِّم ق. كيرلس بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد بكيفية يعلمها هو وحده، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. كيرلس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية أو خطية فعلية.

يفسر ق. كيرلس آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) تفسيرًا بعيد كل البعد عن التفسير الأوغسطيني المعت باعتبارها دليل كتابيّ على وراثة الخطية الأصلية. ويشرح ق. كيرلس سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء بأنه من أجل تقديس طبيعتنا بالروح القدس، ولم يأت على ذكر منع الروح القدس لانتقال الخطية الأصلية من العذراء القديسة إلى المسيح، كما يدَّعي البعض متبعين في ذلك تعليم أوغسطينوس وأتباعه.

نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.

ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.

 

 

[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 1، ص 59.

[2] المرجع السابق، ص 59، 60.

[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 383.

[4] المرجع السابق، ص 104.

[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الخامس، ص 229.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥.

[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، المقالة 7: 27، ص 94.

[8] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 15، 16.

[9] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 68، 69.

[10] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، المقالة 2، ص 67، 76.

[11] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 699.

[12] المرجع السابق، ص 664، 665.

[13] المرجع السابق، ص 663.

[14] المرجع السابق، ص 530.

[15] المرجع السابق، ص 531.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 238، 239.

[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125، 126.

[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 45، ص 211.

[19] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.

[20] المرجع السابق، ص ١٢١.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 142، ص 691، 692.

[22] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 119.

[23] المرجع السابق، ص 120، 121.

[24] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الرابع، ص 195.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 528، 529.

[26] المرجع السابق، ص ٦٥٥.

[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 113- 115.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 2، ص 112، 113.

([29]) كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن الله له هيئة بشرية، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 8، ص.67، 68.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 164.

[31] Cyril of Alexandria, Commentaries on Romans, 1-2 Corinthians, and Hebrews, ed. Joel C. El owsky et al., trans. David R. Maxwell, Ancient Christian Texts (Downers Grove, IL: IVP Academic: An Imprint of InterVarsity Press, 2022), p. 4–5.

[32] Ibid.

[33] Cyril of Alexandria, Select Letters (The Answers to Tiberius, Doctrinal Questions), Edit. & Trans. by Lionel R. Wickham, (Oxford: Clarendon Press, 1983), p. 201, 203.

[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، رسالة 45: 9، ص 185، 186.

[35] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 2، ص 39.

[36] المرجع السابق، العظة 6، ص 57.

[37] المرجع السابق، العظة 34، ص 149، 150.

[38] المرجع السابق، العظة 78، ص 376، 377.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 76، 77.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 36، ص 158-160.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 222، 223.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 42، ص 196.

[43] المرجع السابق، العظة 118، ص 565.

[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 229، 230.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح تجسد الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، ٢٠١٥)، الفصل ٢٨، ص ٦٨.

[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم (1) إلى الرهبان: 20، ص 9.

[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو11: 26)، ص 46.

[48] A. Ehrhard, Der PapyrusCodex Saec. VI- VII Der Philipusbibliothek in Cheltenham Koptische theologische Schriften, Herausgegeben und ubersetzt von W. E. Crum, (StraBbrugh: Karl J. Trubner, 1915), pp. 43-48.

[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 54، ص 264.

[50] المرجع السابق، ص 265.

[51] المرجع السابق، العظة 121، ص 582.

[52] المرجع السابق، ص 583، 584.

[53] Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092.

[54] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 75، 76.

[55] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 122، ص 551.

[56] المرجع السابق، العظة في مز 103: 6، ص 98، 99.

[57] أوغسطينوس، مدينة الله مج1، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: ١٠، ص 237.

[58] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 3: 7، ص 218.

[59] المرجع السابق، 3: 4: 9، ص 220.

[60] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 36، ص 50.

[61] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 13، ص 226.

[62] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 49، ص 68.

[63] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 14، ص 226.

[64] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 25، ص 38.

[65] المرجع السابق، الفصل 28، ص 41.

[66] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز118: 1، ص 328.

[67] On the Spirit and the Letter xxx. 52 (MPL 44. 234).

[68] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج2، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، العظة في مز 45: 13، ص 234.

[69] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج3، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2015)، العظة الأولى في مز 70: 2، ص 284.

[70] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 10: 21، ص 233.

[71] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 27، ص 40.

[72] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 12: 5: 5، ص 484.

[73] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[74] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547، 548.

[75] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 14: 18، ص 195، 196.

[76] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 9، ص 17، 18.

[77] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 118، ص 448.

[78] أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، رسالة 166: 6، ص116.

[79] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في 118: 5، ص 453.

[80] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، خطاب 131 من أوغسطينوس إلى چيروم، 3: 6، ص 323.

[81] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 16: 27، ص 329، 330.

[82] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، الخطاب من أوغسطينوس إلى أوبتاتوس 144: 5، ص 430.

[83] المرجع السابق، 144: 7، ص 432.

[84] المرجع السابق، خطاب 144: 9، 10، ص 434-436.

[85] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 2، ص 9.

[86] المرجع السابق، الفصل 3، ص 11، 12.

[87] المرجع السابق، الفصل 34، ص 48.

[88] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[89] المرجع السابق، ص 56.

[90] المرجع السابق، ص 60.

[91] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[92] المرجع السابق، ص 236.

[93] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 14، ص 126.

[94] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 3: 5، ص 250. ومدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 23، ص143، 144.

[95] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 13: 18، ص 271.

[96] المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.

[97] المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.

[98] المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.

[99] المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.

[100] المرجع السابق، ص 533.

[101] المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.

[102] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[103] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[104] المرجع السابق، ص 548.

[105] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[106] المرجع السابق، ص 56.

[107] المرجع السابق، ص 60.

[108] المرجع السابق، ص 69.

[109] المرجع السابق، ص 70.

[110] المرجع السابق، ص 71.

[111] المرجع السابق، ص 73.

[112] Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. by Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.

[113] Ibid, P.184.

[114] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[115] المرجع السابق، ص 236.

[116] المرجع السابق، 9: 5، ص 427.

[117] المرجع السابق، ص32-33.

[118] أوغسطينوس، عظات على المزامير ج2، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، عظة في المزمور 50: 10، ص 362، 363.

[119] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، ١٤: ٢٣، ص 201.

[120] Letter clxxxvi. 7. 23 (PL 33. 824).

[121] Letter clxxxvi. 7. 22; 6. 18 (PL 33. 823).

[122] On the Gift of Perseverance xiv. 37; xiv. 38; xiv. 40 (PL 45. 1016-1018).

 

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

الفهرست

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس الكبير وأوغسطينوس… 1

عدمية الشر والخطية. 1

الخطية الجدية هي جرح الطبيعة البشرية. 4

الخطية هي مرض الروح. 5

الخطية الجدية هي اختطاف الموت بالخطية. 5

دحض تعليم القدرية والجبرية. 6

الخطية فعل إرادي وليس فعل موروث.. 7

الخطية الجدية هي الابتعاد الإرادي عن الله.. 8

الخطية والشر هما اغتراب عن الله.. 9

الخطية الجدية هي فقدان أغطية النعمة. 9

دحض تعليم الإرادة المستعبَدة للشر. 11

انتقال الموت من آدم إلى الجنس البشري.. 12

الخطية الجدية هي اغتراب عن الله.. 12

لا توجد خطية أصلية ضمن مفاعيل المعمودية. 13

الخطية الجدية هي فقدان الروح القدس.. 14

مرض الشهوة والخطية في النفس الإنسانية. 14

الخطية فعل إرادي.. 15

الخطية الجدية هي تشوه صورة الله في الإنسان. 16

استيطان مرض الخطية في النفوس الشريرة 18

براءة الأطفال من أي شر. 19

تصحيح مفهوم خاطئ عن الخطية الجدية. 19

النفس مخلوقة وليست مولودة 20

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو. 21

وراثة وزر عقاب خطية آدم 21

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية. 21

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني. 22

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط. 26

نحن بشر مجبولون بالشر. 30

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. 30

الشهوة الجنسية شرّ. 31

هلاك الأطفال غير المعمدين. 33

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم 34

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني. 36

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية. 37

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة 38

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر. 39

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط. 40

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج. 41

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية. 42

ماهية الخطية الأصلية. 43

الشرور الموروثة من آدم 44

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان. 46

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي. 47

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) 48

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك. 50

الخلاصة. 53

 

 

 

 

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس الكبير وأوغسطينوس

سوف نبحث في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند ق. باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك بآسيا الصغرى، وواضع الليتورچية المسمَّى باسمه، والتي نصلي بها في كنيستنا إلى اليوم. وذلك لنرى هل يتفق تعليم ق. باسيليوس الكبير مع تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب اللاتينيّ عن الخطية الأصلية الموروثة من آدم إلى نسله من بعده.

عدمية الشر والخطية

يدحض ق. باسيليوس الكبير تعاليم الغنوسيين والمانويين القائلين بالوجود الحقيقيّ للشر والخطية في العالم، وأنهما يستمدان أصلهما من الله، حيث يرى ق. باسيليوس أن الشر لا يمكن أن يُقَال أنه يستمد وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج ما هو ضده، فالحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، وهذا مانقوله بأن الله لا يمكن أن يُعاقِب بالموت، أو يميت أحد، فالله الحياة لا يلد موتًا البتة. ويشير ق. باسيليوس إلى أن الشر ليس كائنًا عاقلاً حيًا، بل هو حالة تكون فيها الروح مُخالِفةً للفضيلة، وهذا الحالة تنمو وتتطوَّر عند البعدين عن الخير كالتالي:

”كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرّ استمد وجوده من الله لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. فالحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج عن المرض، إنما هذا يُعتبر تغيير من حالة إلى عكسها. أمَّا في التكوين فكل كائن يخرج من مثيله. وإذَا كان الشر لم يستمد أصله من الله، ولم يخلقه الله، إذًا، فمن أين استمد طبيعته؟ بالطبع كلنا نتفق على أن الشر موجود، فكيف نُفسِّر هذا الأمر؟ الواقع أن الشر ليس كائنًا عاقلاً حيًا، وإنما هو حالة تكون فيها الروح مُخالِفةً للفضيلة، هذه الحالة تنمو وتتطوَّر لدى البعدين عن الخير“.[1]

ويستطرد ق. باسيليوس الكبير شارحًا أصل الشر والخطية، حيث يستنكر أن يتصوّر المرء وجود الطبيعة الشريرة من الأصل، بل يطالب كل شخص أن يعترف أنه هو نفسه صانع شروره. ويطلب ق. باسيليوس من الإنسان أن يعرف أن الشرّ مصدره هو سقطات الإنسان الإرادية، وهكذا لو لم تكن سقطات الإنسان إرادية، لمَّا كان تطبيق القانون مرعبًا للخطاة المدانون. وهنا يدحض ق. باسيليوس أي تعليم عن شر موروث، أو خطية أصلية موروثة تجعل الإنسان يخطئ دون إرادته، بل يؤكد ق. باسيليوس على أن الشر مصدره سقطات الإنسان الإرادية كالتالي:

”لا يجب، إذًا، أن يسعى الإنسان إلى خراب نفسه ويتصوّر وجود الطبيعة الشريرة من الأصل. بل يجب أن يعترف كل شخص منَّا أنه هو نفسه صانع شروره. […] الإنسان هو المتحكم في تصرفاته، ولذلك يجب ألا يبحث الإنسان عمَّا يبرِّر تصرفاته من أسباب خارجية، بل عليه أن يعرف أن الشرّ مصدره سقطات الإنسان الإرادية، ذلك أنه لو لم تكن سقطات الإنسان إرادية لمَّا كان تطبيق القانون مرعبًا للخطأة المدانون“.[2]

يُناقِش ق. باسيليوس ماهية الشرّ والخطية، فيُشبِّه خطية الإلحاد مثلاً إنها مرض نسيان الله، ويُشبِّه مَنْ يدَّعي أنَّ الله هو علة الشرور، بأنه لا يملك عقل ولا حكمة. الإنسان هو المتسبِّب في فعل الخطية أو رفضها، كما يشير إلى انخداع الخطاة بطعم لذة الخطية، الخطايا هي تلويث للنفس المخلوقة على صورة الله خالقنا، هناك شرور تتوقف علينا نحن مثل: القتل، والحسد، والانحلال الخلقيّ، والظلم… إلخ. الشر هو كل أمر مُتعِب كالمرض الجسديّ، والجروح، والعار، والفضيحة. الشرّ الحقيقيّ هو الخطية، وارتكابها يتوقف على إرادتنا، والخطية هي بالحق شرًا، ونستطيع بإرادتنا الابتعاد عن الشرّ أو فعل الشر كالتالي:

الشرّ الحقيقيّ فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا، وهي تُدعَى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشرّ أو نفعل الشرّ“.[3]

ويؤكد ق. باسيليوس على أن الشر ليس له وجود خاص به؛ لأنَّ الشر ليس شيئًا موجودًا مثل أيّ كائن حي. الشر ليس له جوهر، الشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى هو غياب الإبصار نتيجة تلف العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص به، لكنه يأتي بعد مرض النفس. لم يكن الشر غير مولود كما يُنادِي الغنوسيون جاعلين طبيعة الشر وطبيعة الصلاح على نفس المستوى. لا يأتي السوء من الصلاح، ولا الشر من الفضيلة، الشر غير مخلوق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ، ولم تكن الأرواح المخلوقة مُمتزجةً بالشرور، عندما خلقها الله وآتى بها إلى الوجود، لأنه إنْ كانت الأجساد المادية ليس لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة ليس لها وجود مُشترك مع الشر كالتالي:

”كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما [كائن ما]. الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص، لكنه يأتي عندما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس بغير مولودٍ كما ينادي الفجَّار [الغنوسيون وغيرهم] جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. […] إذًا، الشر لم يُخلَق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجةً بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها إلى الوجود. لأنه إذَا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة، لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟“.[4]

الخطية الجدية هي جرح الطبيعة البشرية

يُشبِّه ق. باسيليوس الكبير الخطية الجدية بأنها مثل جرح أصاب الطبيعة البشرية حينما خالف آدم أمر الربّ في مبادئ الخليقة، ويؤكد على أنه لا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة سوى التوبة والعودة إلى الله. ويتفق تعليم ق. باسيليوس الكبير في هذا الصدد مع تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، الذي أكَّد في كتابه ”تجسُّد الكلمة“[5] على أنه لو كانت مشكلة الإنسان الوحيدة هي الخطية، فالتوبة كانت كافية لمحو هذه الخطية، ولكن المشكلة الكبيرة هي توغل وتغلغُّل الفساد والموت في طبيعة الإنسان داخليًا، وصار بحاجة إلى تجديد طبيعته الفاسدة والمائتة من جديد عن طريق الكلمة خالقه، لكي تتَّحد به النعمة داخليًا، ولا ينال النعمة خارجيًا فقط. حيث يقول ق. باسيليوس الكبير التالي:

”فالصوم هو دواء النفس للتخلص من الخطيئة. إن الخطيئة هي الجرح الذي أصاب الطبيعة البشرية حين خالف آدم أمر الربّ في مبادئ الخليقة. ولا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة إلا التوبة والعودة إلى الله. لكن يا ترى ما معنى التوبة دون صوم؟“.[6]

الخطية هي مرض الروح

يرى ق. باسيليوس أن الفضائل موجودة فينا بالطبيعة، والروح عنده مصاهرة للفضائل، ويشير ق. باسيليوس إلى أن كل رذيلة هي مرض للروح كما الفضيلة هي صحة. ويدحض بذلك ق. باسيليوس التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر، والتعليم عن الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية، فكل رذيلة هي مرض دخيل على الروح، وليس ذنب أو فعل موروث في الطبيعة البشرية، بل الأصل في الطبيعة البشرية هو الفضائل كالتالي:

الفضائل موجودة فينا أيضًا بالطبيعة، والروح عنده مصاهرة للفضائل ليس بالتعليم، بل بالطبيعة نفسها. لا نحتاج دروس لنكره المرض، لكن بأنفسنا نطرد ما ينتابنا، والروح لا يحتاج إلى مُعلِّم ليُعلِّمنا أن نتفادى الرذيلة. الآن، كل رذيلة هي مرض للروح كما الفضيلة فهي صحة. الذين قالوا أن الصحة هي نظام في إظهار الوظائف الطبيعية، قالوا حسن هذا التعريف، يمكن أن يُقَال بدون خوف لصحة الروح. إذًا، بدون درس، الروح تستطيع أن تعرف بنفسها ما يليق أو ما يطابق الطبيعة. إذًا، نرى أن الاعتدال في كل مكان يُمجَّد، والعدل مُكرَّم والشجاعة يُعجَب بها، والتعقُّل هو هدف الكل. الفضيلة هي الروح أكثر ما الصحة هي للجسد“.[7]

الخطية الجدية هي اختطاف الموت بالخطية

يرى ق. باسيليوس أن وطننا الأول كان السماء، ولكن عندما قاتل الشيطان الإنسان وأغراه بالعبودية التي تسبَّبت في طردنا من هذه المدينة، أختطف الإنسان الأول الموت الفوريّ له بالخطيئة، وهكذا بدأت الولادة الأولى لروح الشرّ كالتالي:

”وطننا الأول كان في هذه المدينة العظيمة، عندما قاتل الشيطان الإنسان وأغراه بالعبودية التي تسبَّبت في طردنا. في هذه المدينة سترى الأصل الأول للإنسان واختطافه الفوريّ بالموت عن طريق الخطيئة، سترى الولادة الأولى لروح الشرّ“.[8]

دحض تعليم القدرية والجبرية

يدحض ق. باسيليوس مذهب القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، الذي تبناه أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب اللاتينيّ، حيث يرى ق. باسيليوس أن أصل فضائلنا وشرورنا يكمن في داخلنا، وإنه ليس قدرنا الناتج عن ميلادنا، وهكذا يرفض الإرادة المقيَّدة بالشر بضرورة حتمية. لأنه لو صحَّ ذلك، فلا ذنب على السارق أو القاتل، إنما كُتِبَ هذا عليه ويستحيل عليه التراجع، لأنه مدفوع إلى الشر بضرورة حتمية كالتالي:

لو أن أصل فضائلنا وشرورنا لا يكمن في داخلنا، وإنما هو قدرنا الناتج عن ميلادنا، لماذا، إذًا، حدَّد لنا المشرِّعون ما يجب علينا أن نقوم به وما يجب تجنبه؟ وما الفائدة أن يُكرِّم القضاة الفضيلة ويعاقبون الرذيلة. الذنب ليس في السارق أو القاتل، إنما كُتِبَ عليه واستحال عليه أن يتراجع فقد دُفِعَ للشر بضرورة حتمية. […] ونحن المسيحيون، لن يكون لنا أمل، فالإنسان مُسيَّر ولا يتصرف بحرية، فهو لا يُكافأ لعدله أو يُعاقب على شره. فبالضرورة وتبعًا للقدر ليس هناك مكانًا للدينونة العادلة“.[9]

يدحض ق. باسيليوس تعاليم أوغسطينوس عن القدرية وسبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، بالتأكيد على أنه لا يجب تنفيذ أمر الله بالإجبار، بل بالحرية التوَّاقة إلى فعل الخير واكتساب الفضائل. تتحقَّق الفضيلة بالإرادة الحرة لا بالإجبار، بينما تتوقف الإرادة الحرة على مدى استعدادنا الداخليّ، وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. ثم يرد ق. باسيليوس على سؤال: لماذا لم يخلق طبيعتنا مُسيَّرة نحو الخير؟ فيقول إنَّ مَنْ يُفضِّل الطبيعة غير العاقلة (المسيَّرة) مُحتقرًا الطبيعة العاقلة (المخيَّرة) هو مَنْ يريد طبيعة غير ميَّالة للخطية.[10]

الخطية فعل إرادي وليس فعل موروث

يرد ق. باسيليوس على اعتراض رؤية وجود الشر وفعله الظاهر وانتشاره في العالم، بأنَّ المرض هو انحراف الأعضاء عن أداء وظيفتها الطبيعية، الله خلق الجسد وليس المرض، لقد خلق الله النفس، ولم يخلق الخطية، وبالتالي، وجود الشر بسبب قبول النفس للشر وابتعادها عن حالتها الطبيعية. لقد كان مكان النفس بجوار الله، وكان الخير بالنسبة لها هو الاتحاد بالله بالمحبة، ثم سقطت من هذا المكان، وعانت أمراض كثيرة. نفس الإنسان لها حرية إرادة لقبول أو رفض الشر بحسب خلقتها على صورة الله. نالت النفس الصلاح، وتعرف جيدًا الاستمتاع به، ولديها القدرة على الحفاظ على حياتها الطبيعية، طالما تظل في الاستمتاع بالروحيات، ولديها القدرة على رفض الصلاح. بينما تنحاز النفس إلى الجسد بسبب حب الملذات والشهوات، حيث تنفصل عن السماويات للالتصاق بمباهج العالم.[11]

يشير ق. باسيليوس إلى أن الخطية فعل إراديّ وليس فعل موروث، حيث تمتلك النفس بجملتها الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر، وذلك بانفصال النفس عن الروح القدس كالتالي:

”وكذلك النفس لا تُشطَر إلى شطرين، بل النفس بجملتها هي التي تملك الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر. ولكن الشَّطر إلى قسمين – كما ذكرت – هو الانفصال التام للنفس عن الروح القدس“.[12]

الخطية الجدية هي الابتعاد الإرادي عن الله

لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، شعر بشبعٍ زائفٍ من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل مباهج العيون الجسدية عن الجمال الروحيّ، بدَّل الاستمتاع بالروحيات، فَضَّلَ ملء بطنه، فطُرِدَ خارج الفردوس، وخارج ذلك المحيط الطوباويّ، وصار شريرًا لا عن إجبار، بل عن عدم استنارة، ووقع في الخطية باختياره السيء، ومات بسبب الخطية. كل مَنْ يبتعد عن الله الذي هو الحياة، يقترب من الموت، وغياب الحياة هو الموت. هكذا صنع الإنسان الموت بابتعاده عن الله، الله ليس خالق الموت، بل نحن جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة، ولم يُوقِف الله الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض (الخطية) بلا نهاية كالتالي:

”لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، وفور أن دبَّت فيه الحياة، ونظر نحو السماء امتلأ فرحًا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. […] لكن بينما كان في حماية الله متمتعًا بخيراته، شعر بشبعٍ زائفٍ من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحيّ، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضَّل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرًا ليس عن إجبار، ولكن عن عدم استنارة. إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطيئة هي موت‘ (رو 6: 23)، أي كل مَن يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البُعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا، ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[13]

الخطية والشر هما اغتراب عن الله

يُفسِّر ق. باسيليوس علة وجود الشيطان بأنَّ استعداده الشخصيّ هو الذي جعله شريرًا، كان لديه حرية بمقدرته أنَّ يظل بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح، اختيار الشيطان الحر هو الذي جعله يُلقِي بنفسه لأسفل؛ لأنَّ الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله الذي جعله مطرودًا. الشيطان شرير بإرادته، ولم يصر ضد الصلاح بطبيعته كالتالي:

”أيضًا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لديه حرية، كان بمقدرته أن يظلَّ بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح. غبريال كان ملاكًا يقف دائمًا بالقرب من الله، والشيطان أيضًا كان ملاكًا، ولكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أمَّا بالنسبة للشيطان، فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به إلى أسفل. […] إذًا، الشرّ هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاتة صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب مَن نظر إلى فوق، أمَّا الظلام فهو مصير ذاك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا، فإن الشيطان صار شريرًا بإرادته، ولم يصر مُضادًا للصلاح بطبيعته“.[14]

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية هي فقدان أغطية النعمة

يشير ق. باسيليوس إلى أن أسباب سقوط الإنسان هي حسد إبليس الذي أوقعنا، وجعل عداوة الله داخلنا، وكانت النتائج هي: اعتياد فعل الشرور الذي ينشئ في النفس شرورًا أعظم حتى لو كان الضرر غير مُباشر، بالإضافة إلى التلذُّذ بمنظر العري والاهتمامات الجسدية الضارة. وفقدان أغطية النعمة بممارسة الرذيلة تحت تأثير إبليس، أي نعمة الله التي يلتحف بها الملائكة كالتالي:

”فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأنه يتشبه بالله، فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة، ووعده بأنه إذَا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله […] لم يُخلَق هذا الملاك [الشيطان] لكي يكون عدوًا لنا، ولكنه جراء الحسد انتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوًا لنا. وإذ رأى نفسه سقط من مكانة الملائكة، فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضيّ يرتفع مرتقيًا نحو رتبة الملائكة […] هكذا اعتياد فعل الشرور يُنشِئ في النفس شرورًا عظيمةً حتى لو كان الضرر لا يحدث بطريقةٍ مُباشرةٍ. […] لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرَّمة عصيان الوصية فقط، بل أيضًا معرفة العُري الجسديّ، لأنه مكتوب: ’فانفتحت أعينهما وعلِما أنهما عريانان‘ (تك 3: 7). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُري الجسديّ حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صُنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذّذ الإنسان بمنظر العُري، وعلى أية حال، فإن الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائمًا نحوه. […] إذًا، لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان مُعدًّا له نوعًا آخر من الأغطية إذَا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لا بد أن تغطي الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تُعطَ له الملابس مُباشرةً بعد خلقته، إذ كانت مُعدَّةً له كمكافأة له إذَا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها“.[15]

دحض تعليم الإرادة المستعبَدة للشر

يُؤكِّد ق. باسيليوس أنَّ الآب صالح والابن صالح، أمَّا الظلام، والموت، والضعف، تُنسَب إلى الشيطان رئيس هذا العالم والأرواح الشريرة وكل مَنْ يُعادِي قوة الطبيعة الإلهية، فالله ليس علة الموت ولا يعاقب بالموت كما يدَّعي البعض خطاءً. فلا تحمل هذه الأمور في جوهرها التضاد مع الصلاح؛ لأنه هكذا ترتد الإدانة إلى الله، بل هم وحدهم في حرية إرادتهم انجذبوا إلى الشر، لأنهم فقدوا الصلاح. وهكذا يدحض ق. باسيليوس تعليم أوغسطينوس عن الإرادة المقيَّدة بالشر بسب الخطية الأصلية الموروثة والمتأصلة في الطبيعة البشرية التي تجعل الإرادة البشرية مُجبَرة ومُستعبَدة لفعل الخطية كالتالي:

”نقول إنه نظرًا لأن الآب صالح، فإن الابن أيضًا صالح، ومن النور غير المولود، قد أشرق النور الأزليّ، ومن الحياة الحقة، قد أتى النبع المحيي، ومن القوة الذاتية ظهرت قوة الله، أمَّا الظلام، والموت، والضعف، فهي تُنسَب إلى رئيس هذا العالم، وإلى الأرواح الشريرة، وإلى كل ما يُعادِي قوة الطبيعة الإلهية. وهذا الأمور لا تحمل في جوهرها التضاد مع الصلاح، لأنه هكذا ترتد الإدانة على الخالق، بل هم وحدهم في حرية إرادتهم، لأنهم فقدوا الصلاح، وانجذبوا إلى الشر“.[16]

يدحض ق. باسيليوس التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر، مؤكدًا على أن المخلوقات تتمتع بحرية إرادة الاتجاه نحو الخير أو الشر، وهكذا تنال القداسة كمكافأة للنمو الروحيّ كالتالي:

”لأن المخلوقات تنال القداسة كمجازاة للنمو الروحيّ، وتتميم كل ما هو مرضي وحسن أمام الله، وهي تتمتع بحرية الإرادة، فيمكنها أن تتحول تجاه هذا الأمر، أو تجاه غيره، نحو الخير، أو نحو الشر“.[17]

انتقال الموت من آدم إلى الجنس البشري

يشير ق. باسيليوس إلى انتقال الموت إلينا من آدم الأول الساقط لأنه فينا، ولأننا تناسلنا منه، وسوف تظل الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم، لذلك قيل في آدم يموت الجميع، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا حتى مجيء المسيح آدم الثاني قائلاً:

فآدم الأول الذي سقط هو فينا؛ لأننا تناسلنا منه، وسوف تظلّ الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم؛ ولذلك قيل في آدم يموت الجميع (1كو 15: 22). وفيه أيضًا مَلَكَ الموت (رو 5: 17)، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا إلى أن جاء المسيح. ولقد حفظ الله الأبكار من المهلِك، لكي يعلن ما سيأتي، وهو أننا نحن الذين وُهِبنا الحياة في المسيح، سوف نحيا ولن نموت في آدم“.[18]

الخطية الجدية هي اغتراب عن الله

ويُوضِّح ق. باسيليوس تدبير المخلِّص باسترجاع الإنسان من السقوط والعودة من الاغتراب بسبب المعصية إلى شركة مباشرة مع الله كالتالي:

تدبير إلهنا ومخلصنا الخاص بالإنسان هو استرجاع الإنسان من السقوط، والعودة من الاغتراب الذي حدث له بسبب المعصية إلى شركة مباشرة مع الله؛ لذلك السبب جاء المسيح، وحلَّ في الجسد، وعاش حسب المثال الذي نراه في الأناجيل، وتألم على الصليب، وقُبِرَ وقام؛ لكي يُخلِّص الإنسان عندما يتمثَّل بالمسيح، ويعود إلى رتبة البنوة القديمة“.[19]

لا توجد خطية أصلية ضمن مفاعيل المعمودية

يشير ق. باسيليوس إلى نهاية الحياة الأولى الساقطة بالمعمودية، وولادة الإنسان من جديد بدفن أجساد المعمَّدين في الماء، ودفن أعمال الإنسان العتيق، وتطهير النفس من دنس الخطايا التي تنمو داخل النفس بسبب انغماس العقل في اللذات الجسدية. المعمودية لها فاعلية مزدوجة وهي: القضاء على جسد الخطية والموت، والحياة بالروح التي تُثمِر القداسة كالتالي:

”ولذلك، نحن لا نتشبه باليهود الذين يغتسلون إذَا تدنسوا؛ لأننا نعترف بمعمودية واحدة للخلاص (1بط 3: 21؛ أف 4: 5). والمعمودية واحدة؛ لأن الموت عن العالم واحد، وأيضًا القيامة من الموت واحدة، وهو ما ترمز له المعمودية الواحدة. ولذلك السبب أعطانا الرب مُدبِّر حياتنا عهد المعمودية وجعله رمزًا للحياة والموت. فالمياه تُكمِّل صورة الموت، أمَّا الروح فهو يعطينا عربون الحياة. ومن هنا يمكننا أن نجيب بوضوحٍ على السؤال عن علاقة الماء بالروح (يو 3: 5)، فغاية المعمودية مزدوجة: أولاً، القضاء على جسد الخطية لكي لا يثمر للموت (رو 6: 6؛ 7: 5). ثانيًا، الحياة بالروح التي تثمر القداسة (رو 6: 22)“.[20]

وهذا ما يؤكد عليه ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر، حيث يرى أن العماد هو فدية الأسرى، وتسديد الديون، وموت الخطيئة، وتجديد ولادة النفس، والرداء المتألق، والمركبة إلى السماء، وضمانة الملكوت، ونعمة التبني. ولم يذكر ضمن مفاعيل المعمودية أية إشارة إلى أن المعمودية هي لمغفرة خطية آدم الأصلية الموروثة كالتالي:

”العماد هو فدية الأسرى، وتسديد الديون، وموت الخطيئة، وتجديد ولادة النفس، والرداء المتألق، والمركبة إلى السماء، وضمانة الملكوت، ونعمة التبني“.[21]

الخطية الجدية هي فقدان الروح القدس

يشير ق. باسيليوس إلى إرادة الله في إعادة تجديد الإنسان ورد نعمة الروح القدس إليه التي حصل عليها بنفخة الله؛ ثم فقدها، ولذلك نفخ المسيح في وجوه تلاميذه ”اقبلوا الروح القدس […]“ (يو20: 22، 23). وهنا يؤكِّد ق. باسيليوس على سُكنى الروح القدس في الإنسان قبل السقوط وانفصاله عن الإنسان بعد السقوط، وإعادة المسيح له بعد ذلك بنفخته في التلاميذ كباكورة البشرية المخلَّصة، وهذا ما ذكره ق. كيرلس الإسكندريّ وأكَّد عليه كثيرًا كالتالي:

”لأنه لما أراد أن يُجدِّد الإنسان ويرد إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله، والتي فقدها الإنسان، قال وهو ينفخ على وجه التلاميذ: ’اِقبلوا الروح القدس، مَن غفرتم له خطاياه تُغفَر له، ومَن أمسكتم عليه الغفران أُمسِكَ عنه‘ (يو 20: 22، 23)“.[22]

مرض الشهوة والخطية في النفس الإنسانية

يؤكِّد ق. باسيليوس أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة، لذا ينبغي الصلاة لعدم التلامس مع الخطية في المرحلة الثانية، وتجنب ارتكاب الخطايا مُباشرةً كالتالي:

”يجب أن نحترص من هذا، لأنه أن يضيع أحدٌ وقته من خلال الرغبة في ارتكاب الخطايا، فإنه ينشئ داخل النفس عادةً ما راسخةً. إن شهوة النفس القديمة، وممارسة الخطية التي تجذَّرت وتأصلت فيها، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأن العادة في الغالب تتحوّل إلى طبيعة. إذًا، فجديرٌ بنا أن نصلي لأجل ألا نتلامس مع الخطية في المحاولة الثانية، وأن نتجنب بشكلٍ مباشرٍ ارتكاب الخطية كجوعٍ ناتجٍ عن هجوم حية سامة“.[23]

الخطية فعل إرادي

يشرح ق. باسيليوس حالة الإنسان قبل وبعد السقوط، حيث كان الإنسان حسنًا وصالحًا بالطبيعة، ولكنه ضعيف؛ لأنه سقط في الموت بالخطية بخداع الحية رأس الخطية ورئيس الخطية كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[24]

يُؤكِّد ق. باسيليوس على أنَّ الاضطراب النفسيّ هو تشوُّه وضعف نفسيّ ناتج عن الابتعاد عن الله كالتالي:

”وعندئذٍ يمكنها أن تتجاوز الاضطراب، والتخبط، والارتباك، تلك الأمور التي تُسبِّبها الشهوات. ولأن تحوُّل الله بوجهه عن النفس هو عكس إرادته، والاضطراب هو عكس الجمال والقوة، لذلك يكون الاضطراب هو تشويه وضعف للنفس ناتج عن الابتعاد عن الله“.[25]

يُشِير ق. باسيليوس إلى أنَّ الشر والخطية إراديين، حيث خلق الله قلوب البشر بسيطةً لحفظ صورتها الخاصة، ولكننا ربطناها بالشهوات الجسدية بعد ذلك، وجعلنا القلب مكانًا للشك، وحطَّمنا الصورة الإلهية والبساطة والوضوح والنية الخالصة. وهكذا يشير ق. باسيليوس إلى لزوم النعمة والأعمال للخلاص كالتالي:

”ومن المؤكَّد أنه ينظر لكل أحد عن قرب شديد، حتى أنه يرى أعماق القلوب التي خلقها دون أن تكون مُختلطةً بالشر. الله الخالق، خلق قلوب البشر بسيطةً لكي يحفظ صورتها الخاصة. ولكن نظرًا لأننا ربطناها بالشهوات الجسدية فيما بعد، لذلك قد جعلنا القلب موضع شك وارتياب، وكثير التشتُّت في أمورٍ متنوعةٍ وكثيرةٍ، بعدما حطَّمنا هذه الصورة الإلهية، والبساطة، والوضوح، والنية الخالصة“.[26]

ويؤكد ق. باسيليوس في نفس السياق على أن الفضية والشرّ هما فعلان إراديان، ولا يُدفَع الإنسان إليهما بالضرورة، داحضًا بذلك التعليم الأوغسطينيّ عن سبق التعيين المزدوج، والقدرية والجبرية الإلهية التي تدفع الإنسان إلى فعل سواء الفضيلة أو الشرّ كالتالي:

”لا يُتوَّج المائت ولا يتبرَّر إنسان لعجزه عن عمل الشرّ. على قدر استطاعتك تغلَّب على الخطيئة بالعقل. إن الفضيلة ترتكز على هذا: اجتنب الشر واعمل الخير (1بط 3: 1). عدم الشرّ، بحد ذاته، لا يستحق المكافأة ولا العقاب. إذَا امتنعت عن الخطيئة بسبب سنَّك، فهذه ثمرة ضعفك. إننا نُثنِي على أهل الفضيلة لاختيارهم الحر، ولا نُثنِي على مَن دُفِعوا إليها بحكم الضرورة“.[27]

الخطية الجدية هي تشوه صورة الله في الإنسان

يُؤكِّد ق. باسيليوس على ثبات الملائكة في الله بدون تغيير، ولكن الإنسان يتغيَّر بسبب تغيير جسديّ أو نفسيّ نظرًا لفساد طبيعة الإنسان الذي يُشبِه ذبول الزهور. وهذا هو تعريف الفساد الموجود في طبيعة الإنسان هو حالة التغيُّر والتبدُّل من حالة لأخرى، وهذا النوع من الفساد يختلف عن الفساد الأخلاقيّ أو الأدبيّ قائلاً:

”إذًا، فنحن الذين نتغيّر، وحقًا إننا المقصودون بكلمة التغيير الواردة في هذا المزمور. فالملائكة لا يخضعون للتغيير، ولا يوجد بينهم صبي، ولا شاب، ولا شيخ، بل يبقون في الحالة التي خُلِقوا بها منذ البداية، ووجودهم وكيانهم يظلّ صحيحًا وتامًا، وبلا تغيير. فنحن الذين يطرأ علينا تغيير جسديّ ونفسيّ، وبالنسبة للإنسان الداخليّ أيضًا، بأن نغيِّر الفكر مرارًا وتكرارًا وفقًا للظروف. […] أعتقد أن فساد طبيعة الإنسان يُوازي الذبول السريع للزهور“.[28]

يُوضِّح ق. باسيليوس نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وسيادة الموت على آدم حتى بالناموس الموسويّ، وسُكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يُشبِه الحيوانات قائلاً:

”إنه حقيقةً جنون بالغ، وخبث حيوانيّ. ألا يشعر الإنسان صورة خلقته الأولى، أي أنه خُلِقَ على صورة خالقه، ولا يريد أن يفهم الخطط التدبيرية العظمى للغاية التي وُضِعَت لأجله، ومن خلالها يعرف قيمة ذاته. ولكنه ينسى أنه لبس صورة الترابيّ، بعدما فقد صورة السماويّ (1كو 15: 49). […] والموت قد ملك من آدم حتى الناموس الموسويّ (رو 5: 14). […] فذاك قد نال الكرامة بدايةً من خلقته، ولكنه بسبب الخطية التي سكنت فيه، لم يشعر بذاته، هذا قد شُبِهَ بالحيوانات. وبعد ذلك، ولأنه أبعد نفسه عن كلمة الله، صار كمَّن لا عقل له، أي يُشبِه الحيوان، وبعدما اختطفه العدو كخروف لا راعي له، ووضعه في الجحيم، وسلَّمه إلى الموت لكي يرعاه“.[29]

يشير ق. باسيليوس إلى أنَّ طبيعة الإنسان طبيعة مُركَّبة تميل وتنحني بالخطية، وبالتالي، كان السقوط حتميّ بسبب الخطية كالتالي:

”إذًا، يبرهن هذا الكلام على أن طبيعة الإنسان التي هي طبيعة مُركَّبة، تميل وتنحني بالخطية، وعندئذٍ فإنها حتمًا ستنهار. ولكنها بعد أن يتمّ إصلاحها مرةً أخرى من قِبل الخالق، الذي خلقها منذ البدء، فإنها سوف تكتسب الطمأنية والحياة، والثبات، ولن تُعانِ من المكائد والمؤمرات التي تهدف إلى إسقاطها مرة أخرى. […] وهكذا كان السقوط بسبب الخطية حتميًا، ولكن عظيمةٌ هي القيامة بسبب ما حقَّقته من خلود“.[30]

استيطان مرض الخطية في النفوس الشريرة

يُشدِّد ق. باسيليوس أنَّ مرض الخطية مُستوطِن في نفوس الفجار والفسقة بسبب حياتهم الشريرة، كما خلق الله في داخل الإنسان ميزانه الخاص (ميزان تمييز الخير والشر) لمعرفة طبيعة الأمور كافة، هناك طبيعتان مُتضادتان فيما بينهما هما: الخير والشر، الحياة والموت، الفضيلة والرذيلة، وعلى الإنسان التمييز بينهما بحسب ميزانه المخلوق داخله كالتالي:

”إذًا، ما هذا الذي يقوله؟ إنَّ كل واحد منَّا، لديه في الخفاء ميزانًا ما، والذي صنعه الخالق في داخلنا، والذي فوقه من الممكن أن نعرف جيدًا طبيعة الأمور كافةً: ’قد جعلت قدامك الحياة والموت، الخير والشر‘ (تث 30: 15 سبعينية)، طبيعتان متضادتان فيما بينهما، فلتزن هذه الأمور، فوق ميزان نفسك، لتزن بدقةٍ، أيهما أكثر فائدةً بالنسبة لك، أن تُفضِّل اللذة الوقتية، ومن خلالها تذهب إلى الموت الأبديّ، أم بعدما تكون قد فضَّلت الجهاد في ممارسة الفضيلة، تستحدم هذه الفضيلة كنبع أو مصدر للتمتُّع الأبديّ“ .[31]

براءة الأطفال من أي شر

يشير ق. باسيليوس إلى براءة الأطفال واتضاعهم، بحيث ينبغي على المرء أن يتغيّر ويتحوّل ويصير مثل الطفل في براءته واتضاعه لكي يدخل الملكوت كالتالي:

”هكذا تستطيع أن تفهم هذه الكلمات. أي أنه تحوَّل، وصار طفلاً، وقَبِلَ ملكوت السموات مثل طفل (مت 18: 3) بنقاوة القلب. هكذا يقول: نزلت بنفسي إلى اتضاع الأطفال وبراءتهم، لأن ’الرب يحفظ الأطفال، لقد اتضعت فخلَّصني‘“.[32]

تصحيح مفهوم خاطئ عن الخطية الجدية

يشير ق. باسيليوس إلى أن آدم نقل الخطية إلى الجنس البشريّ بمخالفته الوصية، وهكذا نزيل نحن الخطية بواسطة إعطاء أخانا ما يحتاجه من طعام، يبدو من النص لأول وهلة أنه يشير إلى وراثة خطية آدم لنسله، ولكن عند استكمال النص، نجد أن ق. باسيليوس يعقد مقارنة بين الإنسان الأول الذي عرَّف البشر كيف يخطئون بتعديه الوصية بالأكل، وهكذا هم أيضًا بإرادتهم يخطئون كل واحد على حدة، وهكذا يمكن للإنسان أن يمحو هذه الخطية بإطعام أخيه الجائع، المعروف أن الخطية الأصلية الموروثة من آدم تُمحَى بالمعمودية بحسب المعتقد الأوغسطينيّ، وليس بإطعام الجائع. ولو سلَّمنا بذلك فالخطية الأصلية الموروثة من آدم يمكننا أن نمحوها بإطعام الجائع، وليس بالمعمودية بحسب المعتقد الأوغسطينيّ. فيبدو واضحًا أن النص لا علاقة له بوراثة الخطية الأصلية من آدم كما يتوهم البعض. كما أن وجه المقارنة بين آدم والإنسان الذي يُطعِم الجائع هو الأكل، فأحدهما بالأكل نقل الخطية، والثاني بالأكل، أي إطعام الجائع، يمحو الخطية. حيث يقول ق. باسيليوس التالي:

”لأنه هكذا كما أن آدم عندما أكل مخالفًا الوصية، نقل الخطية للجنس البشريّ، هكذا نحن نفعل العكس، نُزيل الخطية بواسطة إعطاء أخانا ما يحتاجه من طعام“.[33]

النفس مخلوقة وليست مولودة

يُفرِّق ق. باسيليوس الكبير بين الجسد المجبول والنفس المخلوقة، مُفرقًا بين فعلي ’جبل‘ و ’خلق‘ في نص سفر التكوين، في سياق شرحه لخلق الإنسان، مُؤكِّدًا على أن النفس مخلوقة وليست مولودة، وبالتالي، ليست حاملة لخطية آدم الأصلية الموروثة بسبب ولادتها من أبويها كالتالي:

”قال البعض إن الفعل ’جبل‘ قيل عن الجسم والفعل ’خلق‘ عن النفس. ربما لا تكون هذه الفكرة بعيدة عن الحقيقة. لأنه عندما قال الكتاب: ’فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه‘، استخدم الفعل ’خلق‘، وعندما تحدَّث الكتاب عن وجود الجسم استعمل الفعل ’جبل‘. فيُعلِّمنا داود المرتِّل الفرق بين خلق وجبل، عندما يقول: ’يداك خلقتاني وجبلتاني‘ (مز ١١٨: ٧٣؛ أي ١٠: ٨). لقد خلق الإنسان الداخلي [أي النفس] وشكَّل أو جبل الخارجي [أي الجسد]. فالتشكيل يتناسب مع التراب، والخلق يتناسب مع ما هو على حسب صورة الله، ومثلما شكَّل الجسد، خلق النفس“.[34]

 

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو

سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. باسيليوس الكبير، كمُمثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.

وراثة وزر عقاب خطية آدم

يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. باسيليوس الكبير، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:

”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[35]

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية

يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. باسيليوس الكبير، فلم يُعلِّم ق. باسيليوس بوراثة عبء دَّين خطية آدم وذنبه كالتالي:

”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[36]

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني

يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. باسيليوس الكبير ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[37]

يؤكِّد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. باسيليوس الكبير كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ كالتالي:

”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[38]

يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:

”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[39]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:

الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[40]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:

”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[41]

ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:

”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[42]

يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:

”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[43]

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط

يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير، بل يؤكد ق. باسيليوس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:

”بل هو يتحدَّث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[44]

يتحدَّث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:

”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[45]

ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:

”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[46]

ويتحدَّث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:

”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[47]

ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[48]

نحن بشر مجبولون بالشر

يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. باسيليوس الكبير، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:

”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[49]

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر

ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير كالتالي:

”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأ فعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[50]

ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. باسيليوس الكبير الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرَّد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:

”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[51]

الشهوة الجنسية شرّ

يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس تعليم ق. باسيليوس الكبير كالتالي:

”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[52]

يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحرِّكها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:

”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[53]

ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:

”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[54]

وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:

”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[55]

هلاك الأطفال غير المعمدين

يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:

”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[56]

يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً،حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:

وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[57]

يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:

”أسأل أيْن تُصاب النّفس بِالخطيئة الّتي بِنتيجتِها تسقُط في الهلاك الّذي لا يُعفى مِنه طِفل يموت بِدون نوال نِعمة المسيح بِالعِماد؟ لِأنّك لست مِن أولئِك الّذين ينطِقون بِأشياء جديدة، ويَذهبون إلى حدّ القوْل بِأنّه ليْس مِن خطيئة أصليّة يُعفَى مِنها الطِّفل بِالعِماد“.[58]

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم

يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. باسيليوس الكبير تمامًا. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[59]

ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[60]

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:

”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[61]

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني

يُعلِّم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. باسيليوس الكبير، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[62]

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية

ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. باسيليوس الكبير بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[63]

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة

يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. باسيليوس الكبير بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال آباء الشرق، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[64]

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر

ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[65]

ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة. وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[66]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيَّدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. باسيليوس الكبير الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:

”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[67]

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![68] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![69]

ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[70]

يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[71] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[72]

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية

يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل البذرية الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[73]

ماهية الخطية الأصلية

يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[74] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[75] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[76] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[77]

يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[78]

ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[79] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[80]

الشرور الموروثة من آدم

ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[81] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[82]

ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[83] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[84] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![85] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![86] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[87] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان

يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[88] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[89] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[90] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[91] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[92] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[93]

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[94] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[95]

يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![96]

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي

ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشرّ في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:

”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[97]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)

يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير آباء الشرق لنفس الآية كالتالي:

”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[98]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:

”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[99]

يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:

لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[100]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:

”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[101]

ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:

”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[102]

 

 

الخلاصة

نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. باسيليوس الكبير كمُمثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كمُمثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:

يرى ق. باسيليوس الكبير أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم. يرفض ق. باسيليوس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. باسيليوس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطينيّ، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. باسيليوس تعليم الفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.

يشير ق. باسيليوس الكبير إلى مفهوم الخطية الجدية باعتبارها فقدان أغطية النعمة بممارسة الخطيئة تحت تأثير الشيطان. ولا يذكر ق. باسيليوس ضمن مفاعيل المعمودية أية إشارة إلى أن المعمودية هي لمغفرة خطية آدم الأصلية الموروثة. كما يُؤكِّد ق. باسيليوس على أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة. يُوضِّح ق. باسيليوس نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وسيادة الموت على آدم حتى بالناموس الموسويّ، وسُكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يُشبِه الحيوانات.

يرى ق. باسيليوس الكبير أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومُجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط. وهكذا يُشدِّد ق. باسيليوس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية.

يُعلِّم ق. باسيليوس الكبير بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مُباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد المجبول من التراب، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. باسيليوس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية.

نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.

ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.

 

 

 

[1] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 4، ص 28، 29.

[2] المرجع السابق، عظة 2: 5، ص 29.

[3] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 28.

[4] المرجع السابق، ص 30، 31.

[5] حيث يقول ق. أثناسيوس في هذا الصدد التالي: ”أو ما الذي كان يجب على الله أن يعمله؟ أ يطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم؟ ويمكن أن يرى المرء أن هذا يليق بالله ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدي، فإنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد والخلود. ولكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله لأنه لن يكون الله صادقًا إنْ لم يظل الإنسان في قبضة الموت، لأنه تعدى فحُكِمَ عليه بالموت كقول الله الصادق. ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية. فلو كان تعدي الإنسان مُجرَّد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أمَّا الآن بعد أن حدث التعدي، فقد تورَّط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم ونُزِعَت منهم نعمة مماثلة صورة الله، فما هي الخطوة التي يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو مَن ذا الذي يستطيع أن يُعِيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلا كلمة الله الذي خلق في البدء كل شيء من العدم؟ لأنه كان هو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد، وأيضًا أن يصون صدق الآب من جهة الجميع. وحيث إنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، كان هو وحده القادر أن يعيد خلق كل شيء، وأن يتألم عوض الجميع، وأن يكون شفيعًا عن الكل لدى الآب“. (تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 7: 2-5، ص 18، 19).

[6] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 9 عن الصوم، ص 288.

[7] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 9: 4، ص 101.

[8] المرجع السابق، عظة 6: 1، ص 64.

[9] المرجع السابق، عظة 6: 7، ص 71.

[10] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 34، 35.

[11] المرجع السابق، ص 32، 33.

[12] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 16: 40، ص 119، 120.

[13] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2012)، ص 33، 34.

[14] المرجع السابق، ص 36.

[15] المرجع السابق، ص 37-40.

[16] باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، مقالة 2: 27، ص 182.

[17] المرجع السابق، مقالة 3: 2، ص 212.

[18] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 14: 31، ص 106.

[19] المرجع السابق، 15: 35، ص 110.

[20] المرجع السابق، ص 111.

[21] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 6 بعنوان ”تحريض على العماد المقدس“، ص 274.

[22] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 16: 39، ص 118.

[23] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 66.

[24] المرجع السابق، ص 171.

[25] المرجع السابق، ص 173.

[26] المرجع السابق، ص 205.

[27] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 6 بعنوان ”تحريض على العماد المقدس“، ص 275.

[28] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، ص 22، 23.

[29] المرجع السابق، ص 110-112.

[30] المرجع السابق، ص 144، 145.

[31] المرجع السابق، ص 150، 151.

[32] المرجع السابق، ص 168.

[33] باسيليوس الكبير (قديس)، لماذا القحط والجفاف، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2013)، ص 46.

[34] باسيليوس الكبير (قديس)، خلقة الإنسان، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٤)، عظة ٢: ٣، ص ٣٤، ٣٥.

[35] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 122، ص 551.

[36] المرجع السابق، العظة في مز 103: 6، ص 98، 99.

[37] أوغسطينوس، مدينة الله مج1، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: ١٠، ص 237.

[38] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 3: 7، ص 218.

[39] المرجع السابق، 3: 4: 9، ص 220.

[40] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 36، ص 50.

[41] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 13، ص 226.

[42] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 49، ص 68.

[43] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 14، ص 226.

[44] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 25، ص 38.

[45] المرجع السابق، الفصل 28، ص 41.

[46] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز118: 1، ص 328.

[47] On the Spirit and the Letter xxx. 52 (MPL 44. 234).

[48] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج2، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، العظة في مز 45: 13، ص 234.

[49] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج3، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2015)، العظة الأولى في مز 70: 2، ص 284.

[50] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 10: 21، ص 233.

[51] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 27، ص 40.

[52] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 12: 5: 5، ص 484.

[53] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[54] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547، 548.

[55] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 14: 18، ص 195، 196.

[56] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 9، ص 17، 18.

[57] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 118، ص 448.

[58] أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، رسالة 166: 6، ص116.

[59] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في 118: 5، ص 453.

[60] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، خطاب 131 من أوغسطينوس إلى چيروم، 3: 6، ص 323.

[61] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 16: 27، ص 329، 330.

[62] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، الخطاب من أوغسطينوس إلى أوبتاتوس 144: 5، ص 430.

[63] المرجع السابق، 144: 7، ص 432.

[64] المرجع السابق، خطاب 144: 9، 10، ص 434-436.

[65] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 2، ص 9.

[66] المرجع السابق، الفصل 3، ص 11، 12.

[67] المرجع السابق، الفصل 34، ص 48.

[68] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[69] المرجع السابق، ص 56.

[70] المرجع السابق، ص 60.

[71] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[72] المرجع السابق، ص 236.

[73] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 14، ص 126.

[74] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 3: 5، ص 250. ومدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 23، ص143، 144.

[75] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 13: 18، ص 271.

[76] المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.

[77] المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.

[78] المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.

[79] المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.

[80] المرجع السابق، ص 533.

[81] المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.

[82] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[83] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[84] المرجع السابق، ص 548.

[85] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[86] المرجع السابق، ص 56.

[87] المرجع السابق، ص 60.

[88] المرجع السابق، ص 69.

[89] المرجع السابق، ص 70.

[90] المرجع السابق، ص 71.

[91] المرجع السابق، ص 73.

[92] Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. by Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.

[93] Ibid, P.184.

[94] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[95] المرجع السابق، ص 236.

[96] المرجع السابق، 9: 5، ص 427.

[97] المرجع السابق، ص32-33.

[98] أوغسطينوس، عظات على المزامير ج2، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، عظة في المزمور 50: 10، ص 362، 363.

[99] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، ١٤: ٢٣، ص 201.

[100] Letter clxxxvi. 7. 23 (PL 33. 824).

[101] Letter clxxxvi. 7. 22; 6. 18 (PL 33. 823).

[102] On the Gift of Perseverance xiv. 37; xiv. 38; xiv. 40 (PL 45. 1016-1018).

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – مايو 2024م

 

 

الفهرست

المقدمة. 1

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس… 4

العهد القديم. 4

العهد الجديد 4

رواية إنجيل لوقا 4

رواية إنجيل يوحنا 5

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري.. 8

العلامة أوريجينوس 185-253م 8

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م 9

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م 13

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي. 16

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م 16

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي. 19

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م 19

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي. 26

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م 26

ق. باسيليوس الكبير 330-379م 27

ديونيسيوس الأريوباغي 485م 27

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني. 30

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م 30

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م 31

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م 32

ق. جيروم 342-420م 34

توما الأكويني 1225-1274م 34

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني. 39

مار أفرام السرياني 306-373م 39

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م 40

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م 41

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م 42

الخلاصة. 44

 

 

المقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، الذي أقامه الربُّ يسوع مع تلاميذه الأثنى عشر ليله آلامه وصلبه. وسوف نستعرض الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العهدين القديم والجديد، ثم سوف نستعرض الإشارات إلى هذا الحدث في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا في مختلف الكنائس ومن مختلف التقاليد الكنسية، سواء إسكندريّ، أنطاكيّ، أورشليميّ، سريانيّ، كبادوكيّ، لاتينيّ، وذلك لتقديم صورة كاملة وشاملة عن تأكيدات آباء الكنيسة الجامعة من مختلف الكنائس والتقاليد المختلفة عبر العصور والأزمنة على حدث تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا.

حيث كان يستخدم آباء الكنيسة شرقًا وغربًا هذه الحادثة للتأكيد على ضرورة تناول الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا، مهما كانت حالته، وذلك كفرصة للتوبة والرجوع عن خطاياه، ولذا كان آباء الكنيسة يستشهدون عادةً بحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ، تلميذ المسيح الخائن، الذي خانه وسلَّمه إلى اليهود والرومان بقبلةٍ في بستان جثسيماني ليلة خميس العهد، وذلك في مقابل ثلاثين من الفضة كثمن الخيانة.

حيث يرى آباء الكنيسة الجامعة أن السيد المسيح كان طويل الأناة ورحوم على يهوذا الإسخريوطيّ إلى أخر فرصة، ولم ييأس أبدًا في رجوعه حتى وهو عازم على تسليمه إلى قادة اليهود والرومان، حى وهو عازم على خيانته وقد قبض ثمن خيانته، بل قام الرب بمنحه سر الإفخارستيا في العشاء الأخير لعله يتراجع عن خيانته، وهكذا منحه فرصة للتوبة والرجوع عن خطيته لأخر وقت ولأخر فرصة، لكي يؤكد على أنه يستمر إلى أخر وقت يطلب خلاص الخاطئ ولا يسرُّ أبدًا بهلاكه وفنائه حتى لو أراد هو نفسه ذلك.

ولكن للأسف لم يستفد يهوذا الإسخريوطيّ من هذه المحاولة وغيرها من المحاولات السابقة من قِبَل الرب يسوع لكي يتوب ويرجع عن خطيتئه، وأسلَّم عقله وقلبه وفكره وإرادته للشيطان وصمَّم على خيانة سيده وتسليمه إلى اليهود والرومان مقابل ثلاثين من الفضة.

 

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، وذلك في العهدين القديم والجديد، وذلك للتأكيد على أن هذه الحادثة لها جذور في نبوات العهد القديم تحقَّقت في العهد الجديد كما سنرى.

العهد القديم

هناك إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من خبز الإفخارستيا وذلك في نبوة (مز 41: 9)، حيث استخدم آباء الكنيسة هذا الشاهد في التأكيد على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا ”رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!“ (مز 41: 9 فاندايك).

العهد الجديد

رواية إنجيل لوقا

نجد إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير بعد أن أسَّس السيد المسيح سر الإفخارستيا حين ”وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: ’هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي‘“ (لو 22: 19 فاندايك). ”وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: ’هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ‘“ (لو 22: 20 فاندايك).

يشير لوقا البشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا حيث يقول المسيح نفسه إن يد مُسلِّمه هي معه على المائدة كالتالي: ”وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ“ (لو 22: 21 فاندايك)، ويستطرد السيد المسيح مؤكدًا على حضور يهوذا لسر الإفخارستيا وتحدَّث عن يهوذا الإنسان الذي سوف يُسلِّمه قائلاً: ”وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“. (لو 22: 22 فاندايك). وهنا يروي البشير لوقا حيرة التلاميذ وتساؤلهم فيما بينهم حول مَن هو هذا الإنسان الذي أخبر السيد المسيح أنه سوف يُسلِّمه، مما يؤكد أن يهوذا كان لا يزال موجودًا وحضر تأسيس سر الإفخارستيا وتناول من السرِّ كالتالي: ”فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ’مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟‘“ (لو 22: 23 فاندايك).

رواية إنجيل يوحنا

ويستخدم البشير يوحنا نبوة (مز 41: 9) في التأكيد على أن يهوذا قد حضر تأسيس سر الإفخارستيا، وهي النبوة التي أعتمد عليها آباء الكنيسة فيما بعد للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، حيث يقول المسيح نفسه التالي: ”’لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ‘“ (يو 13: 18 فاندايك). ثم أعلن السيد المسيح أن هناك واحد من التلاميذ سوف يقوم بتسليمه كالتالي: ”لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!‘“ (يو 13: 21 فاندايك).

وهنا تساءل التلاميذ فيمت بينهم وهم متحيرون عن هوية الخائن مُسلِّم المسيح كالتالي: ”فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 22 فاندايك). وكان البشير يوحنا صاحب الرواية الإنجيلية شاهد عيان على الحدث ”وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ“ (يو 13: 23 فاندايك). وهنا أشار ق. بطرس إليه أن يسأل المسيح عن هوية الخائن كالتالي: ”فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 24 فاندايك).

وهنا سأل ق. يوحنا الحبيب المسيح عن هوية الخائن قائلاً: ”فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: ’يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟‘“ (يو 13: 25 فاندايك)، فكانت إجابة المسيح وإشارته إلى الشخص الذي سوف يغمس اللقمة ويعطيه إياها كالتالي: ”أَجَابَ يَسُوعُ: ’هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!‘. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ“ (يو 13: 26 فاندايك)، وهنا يشير البشير يوحنا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهكذا بعدما تناول يهوذا من السر دخله الشيطان وذهب ليسلِّم المخلص كالتالي: ”فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ‘“ (يو 13: 27 فاندايك).

ويُقرِّر البشير يوحنا أن التلاميذ لم يفهموا ما حدث بين المسيح ويهوذا في وقتها، وأعتقدوا أن المسيح أرسله إلى يشتري حاجة العيد ويعطيها للفقراء، لأن يهوذا كان معه صندوق المال المدخَر لمثل هذه الأمور كالتالي: ”وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه، لأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ“ (يو 13: 28، 29 فاندايك).

 

 

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل إشارات آباء كنيسة الإسكندرية عبر العصور المختلفة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، للتأكيد على وجود اتفاق في التقليد الإسكندريّ على هذه الحادثة، وكيف استخدم آباء كنيسة الإسكندرية هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية تختص بالموقف من مُناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا.

العلامة أوريجينوس 185-253م

يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ أوريجينوس، الذي كان على دراية بالتقاليد والطقوس اليهودية في عيد الفصح، على تناول يهوذا من الإفخارستيا، ويُعتبر التقليد الذي ينقله العلامة أوريجينوس هو من أقدم التقاليد التي تؤكِّد على تناول من سر الإفخارستيا في العالم المسيحيّ عامةً وفي التقليد الإسكندريّ خاصةً كالتالي:

”لأن مَن يأكل بدون استحقاق خبز الربِّ أو يشرب كأسه، يأكل ويشرب دينونة، لأن القوة العظيمة الموجودة في الخبز والكأس، تثمر صلاحًا في النفوس الصالحة، وينتج عنها أمور شريرة في النفوس الرديئة! اللقمة التي أخذها يهوذا من يسوع كانت هي نفس اللقمة، التي أعطاها لباقي الرسل الآخرين قائلاً: خذوا كلوا، كانت خلاصًا لهم ودينونةً ليهوذا، لذلك بعد اللقمة، دخله الشيطان“.[1]

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في تفسيره لإنجيل لوقا، حيث تلطف الرب وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، ولكنه صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح بخيانته كالتالي:

”كما أنه يضيف إلى ذلك أنه أحد الأثنى عشر، وهذا أيضًا أمرٌ له أهمية عظيمة ليُظهِر بوضوحٍ تامٍ شناعة جريمة الخائن. لقد كان معادلاً في الكرامة للباقين، وكان مُزيَّنًا بكل الكرامات الرسولية، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الربُّ وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح، […] لأن واحدًا من البشيرين القديسين يقول بخصوصه إنه بينما كان المخلِّص متكئًا على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنه أعطاه لقمةً بعد أن غمسها في الصفحة: ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27)“.[2]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا أن الربَّ سمح ليهوذا، وتنازل، ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِبَ أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً قائلاً:

”أمَّا يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه فقد توبخ بتلك الكلمات التى قالها المسيح: ’ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة‘. ﻷنه ربما تخيل في حماقته العظيمة، أو ربما باﻷحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس أنه يمكنه أن يخدع المسيح مع أنه اﻹله، لكن كما قلتُ، إنه أُدين لكونه باﻹجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا. ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِب أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً“.[3]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى اشتراك يهوذا في المائدة المقدَّسة مع المسيح مثله مثل باقي التلاميذ، وهكذا يؤكِّد ق. كيرلس على تناول يهوذا من عشاء الفصح واشتراكه أيضًا في التناول من المائدة المقدَّسة، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”لأن ذاك الذي كان يتعشى مع المسيح منذ قليل، وأكل معه، واشترك في المائدة المقدَّسة، ومثل بقية التلاميذ كانت له فرصة الانتفاع بكلماته التي تحث على البرِّ، وقد سمعه وهو يعلن بوضوحٍ إن ’واحدًا منكم يُسلِّمني‘، وكأنه إذ سمع هذا القول، قفز من مكانه على نفس المائدة، وبعد أن كان متكئًا معه، أسرع في الحال إلى اليهود ليأخذ أجرة خيانته منهم، فهو لم يهتم بكلمات المسيح الملهمة، ولم يُفكِّر في المجد الآتيّ، ولم يُبالِ بالكرامة المعطَاة له، وباختصارٍ، فإنه فضَّل مبلغًا ضئيلاً وخسيسًا من المال على السعادة الكاملة التي لا نهاية لها، وبرهَّن أنه هو الشبكة أو الفخ الذي اصطاد به الشيطان المسيح، هذا الشيطان الذي هو المحرِّك والعامل مع اليهود في شرهم ضد الله“.[4]

ويستخدم ق. كيرلس الإسكندريّ نبوة (مز 41: 9) ”الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه“، وما خبز الربِّ الذي أكله يهوذا سوى جسده المقدَّس، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا قائلاً:

”ولكن المخلِّص لم يُعطِه أي توضيح أكثر عن الأمر سوى ما سبق أن أنبأ به الأنبياء قديمًا بالقول: ’الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه‘ (مز 41: 9). فحينما غمس اللقمة، أعطاها ليهوذا، مبينًا أنه هو الذي كان يأكل خبزه. وهكذا أزال الخوف الذي شعر به التلاميذ القديسون، كما يبدو أيضًا إنه يُذكِّرهم بنبوةٍ أخرى، وهي التي تقول: ’بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي. الذي معه كانت تحلو لنا العشرة: إلى بيت الله كُنَّا نذهب في الجمهور‘ (مز 55: 13-14). ففي وقت ما كان الخائن نفسه رفيقًا وصديقًا للمخلِّص، يأكل معه على نفس المائدة، ويشترك في كل شيء مما يُحسَب علامة مُميَّزة للتلمذة؛ إذ إنه كان له نصيب بين التلاميذ الآخرين، الذين كرَّسوا كل حياتهم للمخلِّص“.[5]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مُطبِّقًا نبوة (مز 41: 9) على تناول يهوذا من الإفخارستيا، حيث يؤكِّد على أن اللقمة التي أخذها يهوذا لم تكن هي سبب امتلاك الشيطان عليه، ويستنكر أن تكون لقمة البركة التي أخذها يهوذا، أي الإفخارستيا، هي التي أعطت فرصة للشرير أن يدخل فيه كالتالي:

”لأنه حينما غمس اللقمة أعطاها له، مبينًا بذلك مَن هو الذي أكل خبزه، وكان على وشك أن يرفع عليه عقبه. ولكن الإنجيليّ الحكيم جدًا يخبرنا أن الذي قاده وغرس فيه عدم تقواه والقسوة الملعونة ضد المسيح، والمخترع لكل الخطة، قد دخل قلب الخائن، أي الشيطان بكل قوته الشريرة قد سكن في داخله بعد أن أخذ اللقمة. ولا ينبغي أن يظن أحدٌ أن اللقمة التي أخذها الخائن كانت هي سبب امتلاك الشيطان له، فنحن لم نصل إلى حدّ الجنون، ولن نكون فاقدين لكل ذكاء حتى نظن أن مثل هذه البركة هي التي أعطت الفرصة للشرير أن يدخل فيه، بل بالحري نقول – بحسب ما يتفق مع الحق من جهة الخائن – رغم المحبة الكاملة التي عُومِلَ بها، ورغم الكرامة التي أُعطِيَت له، فإنه ظلَّ متعلقًا بشدةٍ بنفس الأفكار الشريرة، ولم يحاول أن يصلح أفكاره بالتوبة، ولم يحول قلبه بعيدًا عن خططه المضادة التقوى“.[6]

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم يُقدِّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح، بل أسرع للخيانة دون تريث أو تفكير أو مراجعة نفسه للحظةٍ واحدةٍ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”لذلك، فما حدث هو أن الخائن لم يفزع من التوبيخات التي قيلت سرًا وبهدوء، ولم يقدِّر قوة المحبة غير المغلوبة، ولا الكرامة والمجد والنعمة، ولا قدَّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح. بل أسرع دون تريث ليفكِّر أو يراجع نفسه لحظة واحدة، بل إذ كانت عيناه مثبتةً على ذلك وحده، الذي ثبُت أن له تأثير قوي عليه، وأعني بذلك لعنة الطمع، فإنه وقع في الشرك في نهاية الأمر، وهوى إلى الدمار التام“.[7]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم ينتفع بهبة البركة التي أخذها من المسيح، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”هو [يهوذا] يمضي مسرعًا طاعةً لإرادة الشيطان، ومثل إنسان أصابه جنون يخرج من المنزل. وهو لا يرى أي شيء يمكن أن يتغلب على حبه للربح، وكم هو أمرٌ غريبٌ إننا سنلاحظ إنه لم ينتفع بالمرة من هبة البركة [الإفخارستيا] التي نالها من المسيح، وهذا بسبب ميله الشديد للحصول على المال“.[8]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى مقاومة الشيطان لاحتمالية توبة يهوذا بسبب القوة الفعَّالة للقمة البركة التي تناولها يهوذا من المسيح، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمثلاً هو [الشيطان] يجبر يهوذا، بعد أن أخذ اللقمة مباشرةً، إذ أصبح الآن تحت سلطانه، أن يُسرِع في الحال إلى إتمام الفعل الشرير؛ إذ ربما كان خائفًا – بالإضافة إلى احتمال توبة يهوذا، من القوة الفعَّالة التي لهبة بركة المسيح [أي الإفخارستيا]، لئلا تضيء هذه النعمة كنورٍ في قلب يهوذا، وتحثه بالحري أن يفكر بتروٍ ويختار العمل الصالح، أو على الأقل تولد طبعًا مخلصًا أصيلاً في شخص كان قد دُفِعَ ضد مشاعره الطيبة، أن يفكِّر في الخيانة“.[9]

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م

يُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ، أحد آباء كنيسة الإسكندرية، مثله مثل الآباء السابقين عليه، على أن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، حيث يقارن بين مَن يتهاون بالسر ويمد يده باستمرارٍ على الأسرار الإلهية، ويتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح له بالاقتراب منها ولمسها، وبين طلب يهوذا الإسخريوطيّ للتناول من سر الإفخارستيا، وهو يُخطِّط للخيانة في داخله قائلاً:

”أشخاصٌ يقولون عنك إنك تفعل ما هو ممنوع وغير مسموح أن تفعله، ومراتٍ كثيرةٍ ترتكب أفعالاً مخالفةً، وأنت تستمر في مد يدك على الأسرار الإلهية، وتتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح لك أن تقترب منها وتلمسها. وأنا أندهش من غرورك، بينما تجلس وتشبع على مائدة الشياطين، لا تخاف من المشاركة في مائدة الربِّ (1كو 10: 21). إذًا، توقَّف حتى لا يضيق عليك الخناق (أع 1: 18) مثل يهوذا الذي سقط في اليأس بسبب وقاحته، الذي طلب التناول، بينما كان يُخطِّط للخيانة في داخله (يو 13: 27)“.[10]

وهنا يُشدِّد ق. إيسيذوروس ويُحذِّر الخطأة المستشرين في خطيئتهم من التهاون بالأسرار الإلهية، فهم يتناولون بكل سهولة ويسر وعدم توبة حقيقية من الأسرار الإلهية دون التوقف عن ارتكاب المخالفات والمحرَّمات.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليميّ، وذلك في إطار تأكيد التقليد الأورشليميّ على هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية آنذاك تتعلق بتقدُّم الخاطئ إلى سر الإفخارستيا وقبول مناولته من عدمه.

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن يهوذا قد خان السيد المسيح إذ قد كفر بنعمة رب البيت، لأنه بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، فأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ وبينما لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، ويستخدم ق. كيرلس أيضًا، مثل ق. كيرلس الإسكندريّ، نبوة (مز 40: 10) كنبوة مُسبَقة عن تناول يهوذا من سر الافخارستيا كالتالي:

”هل تريد أن تعرف بوضوحٍ أن مجد يسوع هو الصليب؟ فاسمع إذًا ما يقوله يسوع نفسه وليس أنا: كان يهوذا قد خانه إذ كفر بنعمة رب البيت، بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، وأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، حبًا بمال الخيانة. لقد أضطر أن يؤمن إذ هو سمع: ’أنت قلت‘ (مت 26: 25)، ومع ذلك خرج ليسلِّمه“.[11]

 

 

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول التقليد الأنطاكيّ لحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أقامه الرب يسوع ليلة آلامه وصلبه، وذلك في إطار التأكيد على أهمية هذه الحادثة من الناحية الرعوية والكنسية آنذاك.

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن المسيح له المجد لم يطرد يهوذا الخائن من المائدة المقدَّسة، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار، أي الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”إذًا، فالمكان الواحد يسعكم جميعًا، وتتحدوا معًا في شركة واحدة، لكن المائدة ليست واحدة في هذا الاجتماع. ولم يقل، فحين تجتمعون ولا تأكلون معًا، أو لا تأكلون في شركةٍ واحدةٍ، لكنه تكلَّم بأسلوبٍ آخر، وأدانهم بصورةٍ مخيفةٍ، بأن قال: ’ليس هو لأكل عشاء الرب‘. وأحالهم – إنطلاقًا من هذا الكلام – إلى تلك الليلة التي فيها سلَّم المسيح الأسرار المهيبة. لذلك فقد دعا إلى العشاء الأفضل، لأن العشاء الأخير يشترك فيه الجميع على نفس المائدة كل يوم. وإنْ كان الفارق بين الأغنياء والفقراء ليس بالقدر الذي عليه الفارق بين المعلِّم والتلاميذ، لأن ذلك الفارق كان بلا حدود. ولماذا أتحدَّث عمَّا كان من فارق بين المعلِّم والتلاميذ؟ فكَّر في المسافة التي تفصل بين المعلِّم والخائن [يهوذا]، ومع هذا فإن هذا الخائن جلس مع التلاميذ، ولم يطرده المسيح له المجد، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار“.[12]

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن يهوذا بعدما تناول الإفخارستيا في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، فإنه ذهب مسرعًا بينما بقى الآخرون على مائدة الإفخارستيا كالتالي:

يهوذا بعدما تناول في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، ذهب مسرعًا بينما بقا الآخرون على المائدة“.[13]

ويُحذِّرنا ق. يوحنا ذهبيّ الفم من التقدُّم إلى مائدة الإفخارستيا الرهيبة مثل يهوذا الشرير الذي بعدما تناول خبز الإفخارستيا، دخله الشيطان فسلَّم الربَّ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”هذا هو يوم التقدُّم إلى المائدة الرهيبة. فلنتقدَّم كلنا إليها بطهارةٍ، ولا يكُن أحدُنا شريرًا مثل يهوذا، لأنه مكتوبٌ: لما تناول الخبز دخله الشيطان فسلَّم ربَّ المجد. وليفحص كلٍّ واحد منا ذاته قبل أن يتقدَّم إلى جسد ودم المسيح لكيلا يكون له دينونة، لأنه ليس إنسان الذي يُناوِل الخبز والدم، ولكن هو المسيح الذي صُلِبَ عنا، وهو القائم على هذه المائدة بسرٍّ، هذا الذي له القوة والنعمة يقول: ’هذا هو جسدي‘“.[14]

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على حضور يهوذا أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا عندما قال: ”هذا هو جسدي“ و ”هذا هو دمي“، وإنه اشترك في المائدة المقدَّسة، مثله مثل باقي الرسل، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”وبينما هم يأكلون ويشربون أخذ يسوع الخبز وكسر، وقال: ’هذا هو جسدي الذي يُكسَر لأجلكم لمغفرة الخطايا‘. والذين انضموا إلي الكنيسة يعرفون هذه الكلمات. وأيضًا قائلاً عن الكأس: ’هذا هو دمي الذي يُسفَك عن كثيرين لمغفرة الخطايا‘. وكان يهوذا حاضرًا عندما قال المسيح هذه الكلمات. هذا هو الجسد الذي بعته أنت بثلاثين قطعة من الفضة […] يا لمحبة المسيح الفائقة للجنس البشري، ويا لعظم جنون وانعدام العقل ليهوذا، لأنه باع المسيح بثلاثين دينارًا، ولكن المسيح رغم هذا لم يرفض أن يعطي له غفران الخطايا، أي الدم نفسه الذي باعه يهوذا، لأن يهوذا كان هناك حقًا واشترك في المائدة المقدَّسة. وكما أن يسوع غسل قدمي يهوذا مع باقي الرسل، هكذا أيضًا مع باقي الرسل، كان مشتركاً في المائدة المقدَّسة، لكيلا يكون له عذرًا في الدفاع عن خيانته“.[15]

يتحدَّث ق. يوحنا ذهبيّ الفم عن الذين يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء علي وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا عندما تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لتكونوا غير مخادعين، غير ممتلئين بالشر، غير حاملين للحقد في عقولكم، لئلا تناولكم يؤدي إلي دينونة. لأنه بعد أن تناول يهوذا مما قُدِّمَ، دخل الشرير فيه، ليس لأن الشرير يزدري بجسد الربِّ، ولكن يزدري بيهوذا وخزيه. ولهذا فيمكنكم أن تتعلَّموا أنه فيما يتعلق بمَّن يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء على وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا“.[16]

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على دينونة يهوذا الخائن بسبب مشاركته في مائدة المسيح وفي الأسرار وفي الطعام، وذلك لكي يؤكد على حادثة تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”’وعند حلول المساء اتكأ [المسيح] مع الاثنى عشر‘ (مت 26: 20). يا لخزي يهوذا! لأنه هو أيضًا كان حاضرًا أيضًا هناك، وأتى ليشارك في الأسرار والطعام معًا، وقد أُدِينَ عند نفس المائدة، حيث كان سيُروَّض لو كن وحشًا ضاريًا. لهذا السبب يشير الإنجيليّ أيضًا إلى أن المسيح تحدَّث عن خيانته بينما كانوا يأكلون، لكي يُظهِر شرَّ الخائن بواسطة وقت الحديث وبالمائدة معًا“.[17]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أيضًا أن يهوذا الخائن ظلَّ على حاله بالرغم من مشاركته في الأسرار، ورغم أن المسيح سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً، إلا أنه لم يتغيَّر، وذلك في سياق تأكيده على على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”آهٍ! ما أعظم عمى الخائن [يهوذا]! حتى بعد المشاركة في الأسرار، بقي على حاله؛ وبعد أن سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً لم يتغيَّر!“.[18]

ويستطرد ق. يوحنا ذهبيّ الفم في نفس السياق، مؤكدًا على أن خطية يهوذا صارت أبشع حقًا لسببين، لأنه أتى إلى الأسرار في موقف الخيانة، ولأنه لم يصر أفضل بعد الاقتراب من الأسرار كالتالي:

”ويُظهِر لوقا هذا بالقول إنه [يهوذا] بعد هذا دخل إبليس فيه (لو 22: 3؛ يو 13: 27)، ولا يقصد لوقا أن يحتقر جسد الربِّ، بل ضحك ازدراءً منه على خزي الخائن من الآن فصاعدًا. لأن خطيئته صارت أبشع حقًا لسببين: لأنه أتى إلى الأسرار بموقف كهذا، ولأنه لم يصر أفضل بعد أن اقترب منها، لا من الخوف، ولا من الفائدة، ولا من الكرامة. لكن المسيح لم يمنعه رغم أنه كان يعرف كل شيء، لكي تتعلَّموا أنه لا يُغفِل أيّ شيء من الأشياء التي تخص الإصلاح“.[19]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن المسيح أراد تخجيل الخائن، ولكنه بعد المشاركة في الخبز، أهان المائدة، وبالرغم من مشاركته في كرم المسيح، لم يُردِعه هذا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا كالتالي:

”وحتى الطريقة التي استخدمها المسيح كان مُقدَّرًا لها أن تُخجِّل الخائن. لأن بعد المشاركة في نفس الخبز، أهان المائدة. وبفرض أن مشاركته في كَرَم المسيح لم يُردِعه، فمَّن هو الشخص الذي لا تستميله المحبة نحو المسيح لنوال اللقمة منه؟ لكنها لم تستمل يهوذا. لذلك، ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27) مستهزئًا به لوقاحته“.[20]

 

 

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكيّ، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائي من مختلف التقاليد الكنسية على هذه الحادثة وأبعادها الرعوية والكنسية.

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م

يشير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ إلى أن المسيح لم يمانع في مناولة يهوذا جزءًا من الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من  سر الإفخارستيا قائلاً:

”أصغ، يا يهوذا، إلى كل الخير الذي صنعه إليك. أخرجك من ظلمات الجهل، خلَّصك، أراك نور الخلاص؛ أنعم عليك برؤية معجزات كثيرة، وقال إنك ستجلس مع رسله لتدينوا جميع أسباط إسرائيل. وبجعله المال كله بين يديك جنّبك عذر الفقر. لقد كنت سارقًا، ولا تظن أنه كان على غفلةٍ من ذلك. ولكنه هو، في رحمته العظمى، لم يوجِّه إليك أي تأنيب؛ لم يكن ليتأثر بموقفك. وإنه، وإنْ كان على علم تام بحالك، قبل جريمتك، لم يتردَّد في غسل رجليك المجرمتين، ومناولتك جزءًا من خبز الإفخارستيا. وبعدما نلت منه هذه الحسنات، يا أقبح البشر، خُنته، وقبلت ثمن الدم حين لم تكن بحاجةٍ إلى مال“.[21]

ق. باسيليوس الكبير 330-379م

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير في الليتورچية بحسب تسليم كنيسة الروم الأرثوذكس في يوم خميس العهد (التريودي باللحن السادس) على أن يهوذا سلَّم المخلِّص على الرغم من وجود الخبز السماويّ، أي الإفخارستيا في فمه، مشيرًا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”إنَّ يهوذا، بالحقيقة، هو ابن الأفاعي الآكلين المنَّ في القفر والمتذمرين على المغذِّي، لأن غير الشكورين، إذ كان الطعام في أفواههم، كانوا يتذمرون على الله. وكذلك هذا الرديء العبادة، إذ كان الخبز السماويّ في فمه، صنع التسليم على المخلِّص. فيا له من عزم فاقد الشبع، ويا لها من جسارة وحشية، لأنه باع المغذِّي، وأسلَّم إلى الموت، السيد الذي كان يحبه“.[22]

ديونيسيوس الأريوباغي 485م

يشير ديونيسيوس الأريوباغيّ أو المنحول في كتابه الطغمات الكنسية إلى أن مُؤسِّس الأسرار الإلهية، أي المسيح، يستبعد مَن يتناول العشاء الإفخارستيّ معه، مثل يهوذا بطريقةٍ غير تقوية وغير مناسبة لشخصه قائلاً:

”هنا أيضًا، يا بُنيَّ الرائع، بحسب الصور، آتي بالترتيب والإجلال الواجبين إلى الواقع الإلهيّ للنماذج الأصلية، قائلاً هنا لأولئك الذين صاروا أهلاً، من أجل التوجيه المتناغم لأرواحهم، أن التكوين المتنوع والمقدَّس للرموز لا يخلو من التأمل الروحيّ لهم، كما يُقدَّمون بشكلٍ ظاهريّ. لأن أقدس الترانيم والقراءات النبوية تعلِّمهم نظام الحياة الفضلى، ويسبق ذلك، التطهير الكامل من الشر المدمِّر؛ والتوزيع الأكثر ألوهةً والأعم والأسلم لنفس الشيء، أي الخبز والكأس، الذي يربطهم بشركةٍ تقويةٍ في الشخص، مثل الشركة في الطعام، ويُذكِّرهم بالعشاء الإلهيّ الكامل، وممارسة الرموز الأصلية للطقوس، والتي بموجبها يستبعد مُؤسِّس الرموز نفسه [أي المسيح]، بكل عدل، مَن تناول [أي يهوذا] في العشاء معه من القُدسات بطريقةٍ غير تقويةٍ (يو 13: 11) وغير لائقةٍ بشخصه؛ ويُعلِّم في الحال، بطريقةٍ واضحةٍ وإلهيةٍ، أن الاقتراب من الأسرار الإلهية بعقلٍ صادقٍ يمنح أولئك الذين يقتربون الشركة في العطية بحسب شخصيتهم“.[23]

 

 

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات المتنوعة في كتابات آباء الكنيسة اللاتينية الغربية عبر العصور إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير وتداعيات ذلك الحدث من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول الخاطئ المتقدِّم إلى التناول من سر الإفخارستيا من عدمه.

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م

نجد عند العلامة ترتليان الأفريقيّ أقدم تقليد كنسيّ في الغرب اللاتينيّ يتحدَّث عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الشكر، أي الإفخارستيا، حيث يستخدم نبوة (مز 41: 9) للإشارة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الإفخارستيا تحقيقًا لهذه النبوة كالتالي:

”حتى أنه أراد بشدةٍ أن يُتمِّم رمز دمه الفادي، ربما يكون قد خانه أي غريب، ألا أجد أنه تمَّم حتى هذا المزمور: ’أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي. رفع عليَّ عقبه!‘ (مز 41: 9)، وتعرض للخيانة بلا ثمن، لأنه لا يوجد حاجة إلى خائن في حالة شخص قد قدَّم نفسه علانيةً للشعب، وكان من الممكن أن يُؤخَذ بالقوة وبنفس السهولة التي أُؤخِذَ بها عن طريق الخيانة؟ ربما كان هذا بلا شك جيدًا وكافيًا لمسيحٍ آخر، لكنه لم يكن مناسبًا لمَّن كان يُحقِّق النبوات. لأنه مكتوب: ’باعوا البار بالفضة‘ (عا 2: 6)، المبلغ نفسه والجهة التي خُصِّصَ لها المال الذي تمَّ استرداده بسبب ندم يهوذا عن الغرض الأول من المال، والمخصَّص لشراء حقل الفخاريّ، كما ورد في إنجيل متى، حيث تنبأ إرميا عنها بوضوحٍ: ’ثلاثين من الفضة. ألقها إلى الفخاريّ الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به‘ (زك 11: 12-13)، عندما أعرب بكل جدية عن رغبته في أكل الفصح، أَعتبره عيدًا خاصًا به؛ لأنه كان من غير المستحق أن يرغب الله في أن يشترك فيما ليس له. ثم أخذ الخبز وأعطى تلاميذه، وجعله جسدًا خاصًا به، قائلاً: ’هذا هو جسدي‘ (لو 22: 19)“.[24]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف عن تناول يهوذا خبز الإفخارستيا من المسيح، وكان يتغذَّى مع المسيح ويشرب معه، ولكن دخل الشيطان في قلبه، وخان المسيح، ففارقه المسيح، لأن يهوذا تركه وأتبَّع الشيطان، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”ولنا مثال على ذلك، لأنه عندما أخذ يهوذا الخبز من المسيح، دخل الشيطان في قلبه كأنه يطالب بما له، كأنه يحتفظ بحقه في نصيبه، كأنه يقول: ليس لك بل ليَّ. من الواضح أنه خادمي، خائنك، ومن الواضح أنه ليَّ. يجلس معك ويخدمني. يتغذَّى معك ولكنني أُغذِّيه. يتناول منك الخبز ومني المال. يشرب معك، ويبيع ليَّ دمك. وأثبت مدى صدق كلامه. ومن ثمَّ، فارقه المسيح، ويهوذا نفسه أيضًا ترك يسوع وتَبِعَ الشيطان“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م

يُؤكِّد أوغسطينوس أسقف هيبو على أن تناول بطرس من الإفخارستيا كان للحياة، أمَّا تناول يهوذا من الافخارستيا فكان للموت، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا قائلاً:

”اشترك بطرس ويهوذا في خبزٍ واحدٍ، ولكن أية شركة للمؤمن مع غير المؤمن؟ كانت شركة بطرس للحياة، أمَّا شركة يهوذا فكانت للموت. لأن الخبز الجيد كان كالمذاق الشهي. لأنه كالمذاق الشهي، كذلك أيضًا الخبز الجيد يحيي الأبرار ويميت الأشرار. ’لأنه مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[26]

ويشير أوغسطينوس إلى اشتراك يهوذا مع باقي التلاميذ في العشاء المقدَّس، مؤكدًا على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لأن بولس نفسه لم يشترك في خطايا الآخرين، لأنه احتمل الأخوة الكذبة الذين يئن لأجلهم في وحدة الجسد. كما أن الرسل الذين سبقوه لم يشتركوا في سرقة يهوذا وجريمته، لأنهم اشتركوا معه في العشاء المقدَّس، عندما قد باع ربه بالفعل، وأشار إليه الربُّ على أنه خائنٌ“.[27]

يرى أوغسطينوس أن يهوذا، الذي أعطاه الرب لقمة الإفخارستيا، هو الذي أعطي مكانًا للشرير في داخله، لأنه لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ، كذلك كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون التناول سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، فإنه لم يأخذ شيئًا، لأنه لم يأخذ المناولة لخلاصه، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

كما أن يهوذا، الذي أعطاه الرب ’لقمةً‘، أعطي مكانًا للشيطان في نفسه، لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ (يو13: 27)، لذلك، كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون [التناول] سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، أو أنه لم يتناول شيئًا، لأنه لم يتناول للخلاص. فهو ليس إلا جسد الرب ودم الرب، حتي فيمَّن قال لهم الرسول: ’مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونةً لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[28]

يتحدَّث أوغسطينوس عن تناول بطرس من الأسرار المقدَّسة للخلاص، وتناول يهوذا من نفس الأسرار المقدَّسة للدينونة، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمَّن منَّا يقول إنه ثمة شركة بين البر والإثم، حتى إنْ كان البار والأثيم، كما في حالة يهوذا وبطرس، يشتركون في الأسرار على حد سواء؟ لأنهما من نفس الشئ المقدَّس [أي الإفخارستيا]، تناول يهوذا دينونةً لنفسه، وتناول بطرس الخلاص، كما تتناول أنت القربان مع أوبتاتوس Optatus فإنْ كُنت لا تشبهه، فلِمَ تشترك إذًا في سرقاته“.[29]

ق. جيروم 342-420م

يناقش ق. چيروم قضية الاستحقاق للتناول من جسد الرب ودمه، ويرى ق. چيروم اختلاف الاستحقاق حسب استحقاق المتناولين، فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه. يتساءل ق. چيروم هل لأنَّ يهوذا شرب من نفس الكأس مثل بقية الرسل، يكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟ تناول يهوذا من الافخارستيا قائلاً:

”في الأسرار المسيحية، هناك وسيلة واحدة لتقديس السيد والعبد، النبيل والوضيع، الملك وجنوده، ولكن كُلٍّ يختلف حسب استحقاق المتناولين منه. فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق، يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه (1كو 11: 27). هل لأنَّ يهوذا شرب نفس الكأس مثل بقية الرسل، فيكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟! لكن لنفترض أننا لم نختر تناول السرِّ، ففي جميع الأحوال، لدينا جميعًا نفس الحياة، ونتنفس نفس الهواء، ولدينا نفس الدم في عروقنا، ونتغذَّى على نفس الطعام“.[30]

توما الأكويني 1225-1274م

يناقش الأب توما الأكوينيّ، أحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في العصر الوسيط، قضية تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، وذلك في سياق إجابته على سؤال: هل أعطى المسيح جسده ليهوذا؟ ويخلص الأكوينيّ، بعد مناقشة طويلة لكافة الاعتراضات على عدم تناول يهوذا، إلى أن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس أسقف هيبو في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). ويؤكد الأكوينيّ على أن المسيح لم يطرد يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين، وهكذا يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كالتالي:

”الاعتراض الأول، يبدو أن المسيح لم يعطِ جسده ليهوذا. لأنه كما نقرأ في (مت 26: 29)، قال ربنا لهم، بعد أن أعطى جسده ودمه للتلاميذ: ’لا أشرب من الآن من ثمر الكرمة هذا إلى ذلك اليوم عندما أشربه معكم من جديد في ملكوت أبي‘. ويتَّضح من هنا أن الذين أعطاهم جسده ودمه كان عليهم أن يشربوا منه أيضًا. ولكن يهوذا لم يشرب منه بعد ذلك معه. لذلك، لم يتناول [يهوذا] جسد المسيح ودمه مع التلاميذ الآخرين. الاعتراض الثاني، علاوة على ذلك، فإن ما أوصى به الرب قد أتمَّه بنفسه، كما جاء في (أع 1: 1): ’وابتدأ يسوع يعمل ويُعلِّم‘. ولكنه أعطى وصية في (مت 7: 6): ’لا تعطوا القدس للكلاب‘. لذلك، بسبب معرفته بأن يهوذا خاطئ، يبدو أنه لم يعطه جسده ودمه. الاعتراض الثالث، علاوة على ذلك، إن هذا يتعلق بآية (يو 13: 26) حيث أعطى المسيح يهوذا خبزًا مغموسًا. وبالتالي، إنْ كان قد أعطاه جسده، فواضح أنه أعطاه إياه في اللقمة، خاصةً أننا نقرأ في (يو 13: 26): ’بعد اللقمة دخله الشيطان‘. ويقول أوغسطينوس في هذا المقطع (مقالة 112 على إنجيل يوحنا): ’نتعلَّم من هذا كيف يجب علينا توخي الحذر من تلقي الخير بطريقةٍ شريرةٍ […] لأنه إذَا ’توبَّخ‘ مَن ’لا يُميِّز‘، أي يُميِّز جسد الرب عن اللحوم الأخرى، فكيف ينبغي أن ’يدين‘ مَن يتظاهر بأنه صديق، ويأتي إلى مائدته عدوًا‘؟ لكن [يهوذا] لم يتناول جسد ربنا باللقمة المغموسة؛ وهكذا علَّق أوغسطينوس على (يو 13: 26)، ’فلما غمس وأعطى ليهوذا سمعان الإسخريوطيّ‘، [نسخة الفولوجاتا: ليهوذا بن سمعان الإسخريوطيّ] (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’لم يتناول يهوذا جسد المسيح وقتها، كما يظن البعض الذين يقرأون بدون اهتمام‘. لذلك، يبدو أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح. ولكن على العكس من ذلك، يقول فم الذهب في (عظة 82 على إنجيل متى): ’لم يتغيَّر يهوذا عند تناوله من الأسرار المقدَّسة: لذلك أصبحت جريمته أشنع من كلا الجانبين، لأنه مُشبَّع بهذه الغاية واقترب من الأسرار، ولأنه لم يصبح أفضل بالاقتراب، ولا من الخوف، ولا من المنفعة التي تلقاها، ولا من الشرف الممنوح له‘. فأجيبُ على ذلك، إن هيلاري، في تعليقه على (مت 26: 17)، رأى أن المسيح لم يعطِ جسده ودمه ليهوذا. وكان من الممكن أن يكون هذا صحيح تمامًا، إذَا أخذنا في الاعتبار خبث يهوذا. ولكن بما أن المسيح ينبغي أن يخدمنا كنموذج للعدل، فلا يتفق مع سلطانه للتعليم أن يقطع يهوذا، الخاطئ المستتر، عن الشركة مع الآخرين بدون تهمة ودليل واضح لئلا يكون قدوةً لأساقفة الكنيسة في فعل ذلك، ولئلا يغتاظ يهوذا نفسه وينتهز الفرصة لارتكاب الخطيئة. لذلك، يبقى أن نقول إن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). الرد على الاعتراض الأول، هذه حجة هيلاري لإثبات أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح، ولكنها حجة غير مقنعة، لأن المسيح يتكلَّم مع التلاميذ الذين انفصل يهوذا عن شركتهم، ولم يكن المسيح هو الذي استبعده. لذلك، فالمسيح من جانبه يشرب الخمر حتى مع يهوذا في ملكوت الله، ولكن يهوذا نفسه رفض هذه المائدة. الرد على الاعتراض الثاني، كان المسيح يعرف شر يهوذا لأنه الله؛ ولكنه لم يعرفه بالطريقة التي يعرفه بها البشر. وبالتالي، لم يطرد المسيح يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين. الرد على الاعتراض الثالث، بدون أدنى شك، لم يتناول يهوذا جسد المسيح في الخبز المغموس؛ لقد تناول خبزًا فقط. ومع ذلك، كما يلاحظ أوغسطينوس (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’ربما تظاهر يهوذا بغمس الخبز؛ تمامًا كما يتمُّ غمس بعض الأشياء من أجل صباغتها‘. ولكن إذَا كان الغمس يعني هنا أي شيء جيد (على سبيل المثال، حلاوة الصلاح الإلهيّ، حيث أن الخبز يصبح أشهى عن طريق غمسه)، ’فهل تبعت الدينونة جحوده للخير نفسه بدون استحقاق‘. وبسبب هذا الجحود ’صار الخير بالنسبة له شرًا، كما يحدث للذين يتناولون جسد المسيح بدون استحقاق‘. وكما يقول أوغسطينوس في (مقالة 12 على إنجيل يوحنا): ’يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كما يروي لوقا: وبعد ذلك، نصل إلى هذا، حيث يعلن ربنا بوضوحٍ أنه خائنه من خلال غمس اللقمة وتسليمها إليه، وفقًا لرواية يوحنا“.[31]

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني

سوف نتتبع في هذا الفصل الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في كتابات آباء الكنيسة السريانية، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائيّ على هذه الحادثة المهمة وتداعيات ذلك الأمر من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول مناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا من عدمه.

مار أفرام السرياني 306-373م

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ في شذرات تفسيره على الدياطسرون [الإنجيل الرباعيّ لتاتيان السوريّ] عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الخبز المقدَّس، وإنه ورث الحياة الأبدية به، لذا يبتكر نظرية نزع القداسة من العناصر عن طريق غمس الخبز في الماء،[32] وهذا ما سوف يُؤكِّده مار ساويروس موسى بن كيفا في شهادته عن مار أفرام السريانيّ فيما يلي، حيث يقول مار أفرام التالي:

”وكذلك فصل الربُّ بالماء يهوذا عن تلاميذه عندما أعطاه خبزًا مغموسًا في الماء، لأنه لم يكن مستحقًا لذلك الخبز الذي وزَّع مع الخمر على الرسل الأثنى عشر. لأنه لا يجوز أن الذي أسلَّمه إلى الموت [يهوذا]، أن يأخذ في شكل خبز، ذاك الذي يُخلِّص من الموت [المسيح]“.[33]

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م

يشير مار ساويرس موسى بن كيفا إلى شهادة كُلٍّ من مار ايوانيس ومار سويريوس الأنطاكيّ ومار أفرام السريانيّ ومار يعقوب السروجيّ ومار يعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون عن مشاركة يهوذا الإسخريوطيّ فى الأسرار، ويستعرض شواهد كل أب من هؤلاء الآباء الذين أكَّدوا على تناول يهوذا في كتاباتهم. حيث قال مار ايوانيس ذلك فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وقال مار سويريوس ذلك فى المعنيث الثانى، وقال مار أفرام السريانيّ ذلك فى تفسير الإنجيل، وقال يعقوب السروجيّ أيضًا ذلك فى الميمر على الآلام وقال مار يعقوب الرهاويّ ذلك الأمر فى قوانينه كالتالي:

”إذَا ما شارك يهوذا فى الأسرار أم لا؟ نقول: يقول مار ايوانيس ومار سويريوس ومار أفرام ويعقوب السروجيّ ويعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون أنه شاركه فى الأسرار، كذلك قال ايوانيس فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وسويريوس فى المعنيث الثانى، ومار أفرام فى تفسير الإنجيل ويعقوب السروجيّ فى الميمر على الآلام ويعقوب الرهاويّ فى قوانينه. أمَّا القديس مار فيلكسينوس فى تفسير إنجيل متى فقد قال إنه لم يشاركه فى الأسرار وذلك لأن الشيطان قد دخله منذ زمن بعيد، ومن تسليم مار فيلكسينوس جرت الكنيسة ألا يُعطَى القربان للذين يتخبطون من الشياطين. قال مار افرام ويعقوب السروجيّ إنه شاركه فى الأسرار، ولكن يضيفون أنه بغمسة الخبز بالماء نزع عنه طُهره (أي قُدسه) وأنه أعطاه خبزًا بسيطًا“.[34]

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م

يشهد مار ديونيسيوس بن الصليبيّ بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، ويستعرض أسماء الآباء الذين قالوا بتناول يهوذا من سر الإفخارستيا، ويحدِّد المواضع التي قالوا فيها بتناول يهوذا الإسخريوطيّ في كتاباتهم كالتالي:

”وقد اختلف المعلِّمون في هل أشرك السيد يهوذا بالأسرار أم لا؟ فالذهبيّ الفم في مقالته عن خيانة يهوذا وفي مقالته الحادية والثمانين من تفسير انجيل متى، وساويرس في المغيث الثاني، والقديس أفرام في تفسير الانجيل، ويعقوب السروجيّ في ميمر الآلام، ويعقوب الرهاويّ في كتاب القوانين، وغيرهم، يقولون إن المسيح أشرك يهوذا في الاسرار. أمَّا القديس فيلوكسينوس في تفسيره بشارة متى فيقول إنه لم يُشرِكه لأن الشيطان كان قد سبق واستولى على يهوذا ومن فيلكسينوس هذا قد جرت العادة في الكنيسة ألا يُعطَى القربان للممسوسين من الشياطين. أمَّا القديس أفرام ويعقوب السروجيّ فقالا بأن السيد أشرك يهوذا في الأسرار ولكنه بلَّ الجسد بالماء فزالت منه القداسة غير أن مُعلِّمين آخرين يقولون إن الجسد المبلول بالماء لا تزول منه القداسة، وإن الماء لا يقدر أن يزيل القداسة والروح الذي فيه، قال داود الراهب ابن بولص الموصليّ محب موسى ابن الحجر إن سيدنا وإنْ لم يبل جسده الذي ناوله ليهوذا بالماء، لكنه أزال قداسته خفيةً لعدم استحقاق يهوذا الخائن له، ولا يخفى إن الحنفي إذَا أكل القداس يأكله خبزًا بسيطًا لأنه يأكله بدون ايمان، ويعقوب الرهاويّ يقول إن السيد ناول يهوذا خبزًا يابسًا كانوا يغمسونه في الأطعمة ويأكلونه، فمن هذا الخبز غمس غمس سيدنا وناوله لا من خبز الأسرار الذي قدَّس جسده منه“.[35]

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م

يُؤكِّد مار غريغوريوس بن العبريّ، مثله مثل الآباء السريان السابقين عليه، على أن مار يعقوب السروجيّ، ومار أفرام السريانيّ، وق. يوحنا ذهبيّ الفم، وق. ساويروس الأنطاكيّ، وداود الراهب بن بولس، قالوا بتناول يهوذا من الأسرار المقدَّسة في كتابه ”التعليقات على الأناجيل“ كالتالي:

”يقول مار أفرام [السريانيّ] ومار يعقوب [السروجيّ] أن ربنا اشترك مع يهوذا في الأسرار، ولكن بعدما قد نزع القداسة من الخبز بغمسه في الماء. ويقول الآخرون إن الأسرار لا تُنزَع من القداسة حتى لو غُمِسَت في الماء. ويقول ق. يوحنا [ذهبيّ الفم] وساويروس [الأنطاكيّ] أنه اشترك في الخبز، بالرغم من أنه لم يكن مُجرَّدًا من القداسة […] ويقول داود الراهب، ابن بولس، إنه [أي يهوذا] اشترك فيه، أي في العناصر غير منزوعة القداسة، ولكن يهوذا أكل منه كخبزٍ عاديّ بدون إيمان“.[36]

 

 

الخلاصة

نستخلص مما سبق أن هناك نبوة (مز 41: 9) تشير نبويًا وسريًا إلى الرجل الذي أكل من الخبز وسلَّم المخلص، أي تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه السيد المسيح ليلة آلامه وصلبه، ولقد استخدم ق. يوحنا في إنجيله هذه النبوة وكذلك استخدمها أغلب آباء الكنيسة للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا. وهناك رواية إنجيلي لوقا ويوحنا تشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ لتأسيس سر الإفخارستيا وتناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك شهادات عديدة من تقاليد كنسية مبكرة مختلفة عن تقليد يقول بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، فنجد العلامة أوريجينوس الإسكندريّ، وق. كيرلس الإسكندريّ، وق. إيسيذوروس الفرميّ، يشيرون إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا تقليد كنيسة الإسكندرية.

هناك تقليد مبكر في كنيسة أورشليم بفلسطين يشير فيه ق. كيرلس الأورشليميّ إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد ق. يوحنا ذهبي الفم يشير بوضوحٍ في مواضع عدة من كتاباته إلى تقليد كنيسة أنطاكية الذي يؤكد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وكان يستخدم هذا الأمر في أمور رعوية، حيث كان يدعوة الخطأة إلى التناول من سر الإفخارستيا لكي يكون ذلك سببًا في بداية توبتهم واستمرارهم في حياة البر.

نجد ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ، وق. باسيليوس الكبير، وديونيسيوس الأريوباغيّ، يؤكدون على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا يُعبِّر عن تقليد كنيسة كبادوكية بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا) الذي يؤكد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك تقليد غربيّ لاتينيّ مبكر عند العلامة ترتليان الأفريقيّ، وق. أمبروسيوس أسقف ميلان، وأوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، وق. چيروم، وحتى عصر الأب توما الأكوينيّ في العصر الوسيط يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد أيضًا تقليد سريانيّ مبكر عند مار أفرام السريانيّ، ومار ساويروس موسى بن كيفا، ومار ديونيسيوس الصليبيّ، ومار غريغوريوس بن العبريّ، يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نستخلص مما سبق أن هناك إجماع كبير من تقاليد كنسية مختلفة على مر العصور أن يهوذا الإسخريوطيّ قد تناول من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه الرب يسوع ليلة آلامه وموته.

سوف أقوم بعرض قائمة آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا الذين يؤكدون على تقليد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

  • العلامة أوريجينوس الإسكندريّ
  • ق. كيرلس الإسكندريّ
  • ق. إيسيذوروس الفرميّ
  • ق. كيرلس الأورشليميّ
  • ق. يوحنا ذهبي الفم
  • ق. غريغوريوس اللاهوتيّ
  • ق. باسيليوس الكبير
  • ديونيسيوس الأريوباغيّ
  • العلامة ترتليان الأفريقيّ
  • ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
  • أوغسطينوس أسقف هيبو
  • ق. چيروم
  • الأب توما الأكوينيّ
  • مار أفرام السريانيّ
  • مار ساويروس موسى بن كيفا
  • مار ديونيسيوس الصليبيّ
  • مار غريغوريوس بن العبريّ

[1] Origen of Alexandria, In Johannem, 32, 24 GCS, 4, 468.

[2] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 148، ص 720.

[3] المرجع السابق، عظة 142، ص 694.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 18: 3)، ص 422.

[5] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 23-26)، ص 111.

[6] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 26-27)، ص 112.

[7] المرجع السابق، ص 113.

[8] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 30)، ص 118.

[9] المرجع السابق، ص 119.

[10] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة 170 إلى شيريموناس، ص 186.

[11] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشر الأوسط – جامعة الكسليك، 1982)، عظة 13: 6، ص 214.

[12] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٢٧: ٣، ص ١٥٠، ١٥١.

[13] John Chrysostom (St.), On the Feast of the Epiphany, Reflection 26-2, Synaxarion Orthodoxia.

[14] النص اليوناني للعظة: PG XLIX, 389-390؛ والنص القبطي للعظة: MS Copto Vat. XCVIII fol. 232v-233.

[15] Daniel J. Sheerin, The Eucharist (Message of the Fathers of the Church Series, Vol. 7), (M. Glazier, 1986), pp. 144-145.

[16] John Chrysostom (St.), On the Betrayal by Judas 1.6, ACC IV b, CIII.

[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة 81: 1، ص 125.

[18] المرجع السابق، عظة 82: 1، ص 131.

[19] المرجع السابق، ص 131.

[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 72، ص 32.

[21] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، ص ٥٨.

[22] قداس ق. باسيليوس الكبير بحسب تسليم كنيسة الروم الارثوذوكس، يوم الخميس العظيم.

[23] Dionysius the Areopagite, the Works of Dionysius the Areopagite, Trans. by John Parker, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1897), Ecclesiastical Hierarchy, 3: 3: 1, pp. 192-93.

[24] ترتليان (علامة)، ضد ماركيون، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2023)، 4: 40، ص 341، 342.

[25] Ambrose of Milan (St.), Selected Works & Letters, NPNF, Ser. II, Vol. 10, Trans. by H. De Romestin, E. De Romestin & H. T. F. Duckworth, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Letter to the Church at Vercellae LXIII: 95, p. 990.

[26] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 7, Tractates on John, Trans. by John Gibb & James Innes, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1818-1893), Tract. L., Ch. 11: 10, p. 467.

[27] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Book II, Ch. 107-243, p. 1177.

[28] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, On Baptism, Against the Donatists, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. V, Ch. 8-9, p. 832.

[29] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II, Ch. 40-96, p. 1076.

[30] Jerome (St.), NPNF Ser. II, Vol. 6, Against Jovinianus, Trans. by W. H. Fremantle, G. Lewis & W. G. Martley, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II: 25, p. 890.

[31] Thomas Aquinas, Summa Theologiae, III, Q 81, Art. 2.

[32] J. Rendel Harris, Fragments of The Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, (London: C. J. Clay & Sons, Cambridge University Press, 1895), pp. 84-85.

[33] The Venerable Ephraim the Syrian, Works (Russian Version, 1995), p. 279.

[34] ساويرس موسى بن كيفا (مار)، المواعظ، نقله إلى العربية: الشماس الإنجيلى بهنام دانيال البرطلى، (العراق: دار المشرق الثقافية، ٢٠١٣)، عظة في خميس الأسرار، فصل ١٤، ص. ٢٢٨.

[35] ديونيسيوس يعقوب بن الصليبى السريانى (مار)، الدرّ الفريد فى تفسير العهد الجديد ج1، أعاد طبعه وكتب مقدمته مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان، (لبنان: جبل لبنان، ٢٠١٧)، تفسير إنجيل متى، الاصحاح ٢٦، ص ٥٢٠-٥٢١.

[36] BAR-HEBRAEUS, Commentary on the Gospels, Trans. & Edit. By Wilmot Eardley, (London: Society for promoting Christian knowledge, 1925), p. 63.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب

(دراسة لاهوتية في اللاهوت اللاتيني والمدرسي حتى مجمع ترنت 1546م)

 

المقدمة

تُعد هذه الراسة هي الأولى من نوعها في مجال البحث الكنسي القبطي المعاصر، حيث تتناول هذه الدراسة موضوع الخطية الأصلية فيما بعد أوغسطينوس في الغرب اللاتيني.

وتحاول هذه الدراسة تتبع وتحليل مفهوم المعلمين الكنسيين الغربيين الذين جاءوا بعد أوغسطينوس للخطية الأصلية، وكيف انقسموا إلى فريقين، أحدهما مؤيد للرؤية الأوغسطينية والمفهوم الأوغسطيني للخطية الأصلية بكل ما يحمله من معاني ومفاهيم، وفريق آخر معارض للنظرة الأوغسطينية الصارمة للخطية الأصلية، وهذا الفريق بدأ ينحو نحو النصف بيلاجية في سبيل تخفيف النزعة الأوغسطينية الحادة والصارمة في تعليمه عن الخطية الأصلية.

وتناولت هذه الدراسة أيضًا مفهوم اللاهوت المدرسي للخطية الأصلية، والنعمة، وحرية الإرادة، ممثلاً في أعلامه أمثال: جون سكوت إريجينا، وأنسلم رئيس أساقفة كانتربري، وتوما الأكويني، وجون دنس سكوتس، وويليام أوكام.

وهكذا تُختتم هذه الدراسة باستعراض ما آل إليه التعليم عن الخطية الأصلية والنعمة في مجمع ترنت اللاتيني 1546م، وكيف مال المشاركون في هذا المجمع المسكوني الكاثوليكي إلى النظرة النصف بيلاجية عن النظرة الأوغسطينية الحادة للخطية الأصلية.

أصلي إلى إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح أن تكون هذه الدراسة سبب بركة واستفادة واستنارة لكثيرين، بصلوات وطلبات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات أبينا وراعينا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2022

 

 

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب

لقد كان الدعم الذي تلقاه أوغسطينوس في الغرب، فيما يتعلق بعقائد العجز التام، والنعمة الجبرية، وسبق التعيين المطلق، أبعد عن أن يكون بالإجماع. ولم يذهب مجمع قرطاجنة العام أبعد من توضيح أن سقوط آدم هو الذي جلب الموت، وأنه ينبغي تعميد الأطفال من أجل مغفرة الخطية المستمدة من آدم، وأن النعمة تعمل داخل النفس معطيةً العون المطلوب لمنع الخطية، وأن الكمال بلا خطيئة صعب الوصول إليه في هذه الحياة.

وهكذا نما إلى علم أوغسطينوس في عام 426م أو 427م أن الرهبان في دير أدروميتم Adrumetum في شمال أفريقيا انقادوا إلى اليأس في بعض الحالات، وتحولوا في الحالات الأخرى إلى التساهُّل والتهاون مع الذات بسبب تعليمه عن العجز البشري والنعمة الجبرية. فأرسل إليهم كتابين من أجل إصلاح هذه الشرور.[1] حتى جيروم، الذي كان مؤيدًا للقضية الأوغسطينية، لم يتخل عن اعتقاده ببقاء الحرية في الإرادة، ولم يتبن حقيقةً عقائد الانتخاب المطلق والنعمة الجبرية.

وإنه لحقيقة بارزة في التاريخ العقيدي أن فينسنت الليرنزي Vincent of Lerins كتب كتابه (الأول) الجامع Commonitory (عام434م) على سبيل الاعتراض غير المباشر على آراء أوغسطينوس هذه، الذي أوضَّح فيه معايير العقيدة الكاثوليكية (الجامعة). وهكذا تم إعلان هذه المعايير بأنها تراثية وعالمية. ويساوي هذا القول بأن هذا هو الإيمان فقط، والعقيدة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية المقبولة دائمًا، في كل مكان ومن الجميع – Semper, ubique et ab omnibus.

وكان هيلاري، أسقف أرل Arles، من بين المعارضين الهادئين والمعتدلين، الذي قد عاش في دير ليرن Lerins. أما عن يوحنا كاسيان فقد كان من أبرز المعارضين. لأنه قد تعلَّم في الشرق، وكان مؤسس ومرشد دير مارسيليا. يرتبط اسمه بنوع من التعليم اللاهوتي الذي يُلقِّبه الباحثون باسم ”النصف بيلاجية“، ولكنه، كما قد قيل، قد يكون معروفًا أيضًا باسم ”النصف أوغسطينية“. حيث أعتقد بميل القلب إلى الخطية، والحاجة إلى عمل النعمة الداخلي، لأن الإنسان قاصر في نفسه.

ولكنه لم يعتقد بأن هذا الميل الموروث للشر هو ذنب بالمعنى الصحيح، بل أكَّد على القوة الباقية والفعل المتآزر للإرادة البشرية في التغيير، وبالتالي، أقر بسبق التعيين المشروط. نما تزايد هذه التحركات إلى علم بروسبر أسقف أكويتانيا Prosper of Aquitania وهيلاري آخر، علماني، فكتب أوغسطينوس مقالتين للدفاع عن آرائه.[2] وكتب هذان الصديقان في نفس الجانب، وهكذا استمر الجدال بعد نياحة أوغسطينوس. حيث أوضَّح بروسبر Prosper رأي أوغسطينوس بشأن سبق التعيين باعتدال دؤوب.

وكُتِبَ بنفس الروح عمل مجهول عن دعوة الأمم،[3] يُميِّز بين النعمة العامة والنعمة الخاصة -لقد كان العمل الأخير فقط مؤثرًا. وهناك عمل آخر مجهول بعنوان ”سبق التعيين“ Predestintus، يستعرض العقيدة بصورة أبسط، وربما قام بتأليفه نصف بيلاجي بمثابة كاريكاتير وجزء من الهجوم. لقد كان فاوستوس أسقف ريجيوم Faustus of Rhegium في النصف الأخير من القرن الخامس مُدافعًا قديرًا عن العقيدة النصف بيلاجية.

وهكذا تراجع أحد خصومه -كاهن اسمه لوسيديوس Lucidus، كان مدافعًا قويًا عن سبق التعيين- عن آرائه في مجمع أرل Arles عام 475م. كما هاجمت المقالة[4] التي كتبها فاوستوس بيلاجيوس (سبق التعيين) بنفس الطريقة، حيث وُصِفَ بأنه مُهلِك ومُضلِّل المدافعين عن سبق التعيين.

اندلع الجدال النصف بيلاجي من جديد عن طريق تشابك غريب للظروف. حيث كان هناك أساقفة من شمال أفريقيا منفيين في سردينيا Sardinia وكورسيكا Corsica، من بينهم فيلجينتيوس أسقف نوميديا Fulgentius of Numidia. وأشار بوسيسور Possessor -أسقف أفريقي- في عام 519م في مناظرة مع الرهبان السكيثيين Scythian فيما يتعلق بصيغتهم المؤلمة لله Theopaschite، إلى فاوستوس كمرجعية في صفه أثناء النقاش.

لذا سعى الرهبان إلى حكم ضد أرثوذكسية عمله، ولم ينالوا موافقة هورميسداس Hormisdas أسقف روما (عام 514-553م)، فتحولوا إلى الأساقفة المنفيين. وهكذا دُفِعَ فيلجينتيوس إلى تأليف سلسلة من الكتب للدفاع عن سبق التعيين الأوغسطيني.

ظهر آخرون من نفس الجانب في جنوب غالة Gaul، بما فيهم قيصريوس أسقف أرل Caesarius of Arles، على الرغم من ذلك، لم يُعارِض مجمع فالنس Valence في عام 529م الرأي النصف بيلاجي. ولكن بمناسبة تدشين كنيسة عام 529م في أورانج Orange بمقاطعة أرل، وافق مجمع مُكوَّن من أربعة عشر أسقفًا، بما فيهم قيصريوس، على مجموعة أقوال مُقتبَسة من أوغسطينوس وبروسبر، واعتنقوا عقيدة إضافية.

حيث أكَّد المجمع على ضرورة النعمة المانعة (الوقائية)، وضرورة النعمة في كل مرحلة من مراحل تجديد النفس، وأكَّدوا على أن النعمة غير المُستحَقة تسبق الأعمال الصالحة، وأن الصلاح كله، بما في ذلك محبة الله، هو نعمة إلهية، وأنه حتى الإنسان غير الساقط بحاجة إلى النعمة. ولم ينكروا فقط سبق التعيين للخطية، بل وعدم وجود تأكيد على الانتخاب المطلق أو النعمة الجبرية. علاوة على ذلك، يُقال عن الإرادة الحرة أنها ”ضعفت“ في آدم، ويتم تجديدها بنعمة المعمودية.

إذًا، العقيدة هي عقيدة مضادة للبيلاجية، ويبدو واضحًا حرمان العقائد النصف بيلاجية جزئيًا فقط. وهكذا صادق الأسقف الروماني بونيفاس الثاني Boniface II على ذلك.[5]

بعد مجمع أورانج Orange،[6] أصبحت النظرية الأوغسطينية عن الطبيعة البشرية -على الرغم من رفضها في الشرق- لفترة من الزمن التعليم المقبول في الكنيسة الغربية، ولكنها -كما قد رأينا-[7] لم تحظى بالقبول التام، ولم يتم التمسك بها كليةً، حتى من أولئك الذين أدَّعوا بأنهم من أتباعها ومؤيديها.

الحقيقة أن الجزء العملي (التطبيقي) من أنثروبولوجيته، أي ذلك الجزء الذي تناول فساد الجنس البشري، وعمل النعمة في تجديدها، قَبِلَه وعلَّم به آباء القرنين الخامس والسادس الأكثر تقوى، مثل: ليو (لاون)،[8] وغريغوريوس،[9] وآباء القرنين الثامن والتاسع، مثل: بيدا[10] Bede، وألكوين[11] Alcuin، بينما الجزء التأملي الذي تناول تعليم سبق التعيين (الاختيار) تم التغاضي عنه وتجاوزه غالبًا في صمت.

حيث نتج عن جهود السلطات الكنسية للتخفيف من حدة مبادئ أوغسطينوس، والتراجع العام في الرغبة والقدرة على الاشتباك، أو استيعاب المشكلات المنطقية والتأملية، القبول العام للاهوت أخف في النبرة، وبعيد تمامًا عن الأوغسطينية الجامدة المتشددة، الذي أصبح أكثر أو أقل تطابقًا مع الموقف الشبه بيلاجي.

في الواقع، اجتذبت النصف بيلاجية Semi-pelagianism دائمًا فئة هائلة من العقول، ليس فقط بسبب سمتها الأقل تأملاً بوضوح، وصمتها فيما يتعلق بالأجزاء الأكثر صعوبةً من تعاليم الخطية الأصلية، وحرية الإرادة، بل وأيضًا بسبب مقاومتها للنظرية الأوغسطينية عن سبق التعيين (الاختيار)، وبسبب تمهيدها للتعليم عن التجديد بعنصر التآزر (السينرجيا) Synergism البشري والجهاد العملي.

ولكن على الرغم من الإحلال التدريجي للأوغسطينية بالنظرية شبه البيلاجية عن التجديد التآزري (التعاوني) Synergistic ورؤيتها الأقل حدةً عن الشر الموروث، ولكنها هدأت حتى عصر الإصلاح، إلا أنه كان هناك بعض الأشخاص أثناء الفترة المدرسية الذين دافعوا عنها [أي عن الأوغسطينية] بكل حدتها المتطرفة. لقد كان هؤلاء في الأساس هم جوتشالك[12] Gottschalk، وبطرس اللمباردي[13] Peter Lombard، وبيدا Bede، وأنسلم[14] Anselm، وبرنارد[15] Bernard، والأكويني Aquinas.

وأثناء انتصار آراء أوغسطينوس في الغرب، كان من المفهوم ضمنيًا أن نظريته عن سبق التعيين ذهبت بعيدًا جدًا، لذا تغاضى مجمع أورانج Orange عن هذا التعليم في صمت. بل يمكن اعتبار هذه الطريقة في تناول التعبير غير المقنع عن علاقة الله بالإنسان أنها طريقة نهائية، وهكذا أرجأت ببساطة البحث والبت في المشكلة إلى وقتٍ لاحقٍ.

جوتشالك Gottschalk ومقاومة هينسمار Hincmar لآرائه عن سبق التعيين في مجمع كويرسي Quiercy

اندلع الجدال من جديد في القرن التاسع. جوتشالك هو راهب غالي Gallican، كان تلميذًا مخلصًا لكتابات أوغسطينوس، وكان أول مَن جلب هذه المشكلة المبهمة والصعبة إلى الصدارة مجددًا بإقراره لتعليم سبق التعيين (الاختيار) بكل حماسته وطاقته قدر استطاعته. ولكنه كان رجلاً عنيدًا ذا آراء ضيقة وطاقة محدودة.

أكَّد بشدة بعد خبرة شخصية ليست بأقل من خبرة أوغسطينوس على عقيدة سبق التعيين بكل ما أؤتي من قوة وثبات، بعد حياة ماجنة، ولكنه أهمل تمامًا جميع الجوانب الأخرى الأساسية والموازية لتعليم أوغسطينوس، وحصر نفسه في هذه السمة التي أعطاها اهتمامًا خاصًا.

وفي حماسه لعقيدة سبق التعيين، ذهب جوتشالك إلى لغة أبعد من اللغة المعتادة التي سمحت الكنيسة بها في هذا الصدد، والتي كانت أن الأبرار سبق تعيينهم مسبقًا، بينما الأشرار مجرد معروفين مسبقًا، ولكنه استخدم مصطلح ”المعيَّنين مسبقًا“ على الفئتين معًا، وهكذا مهَّد الطريق لنظرية سبق التعيين المزدوج duplex praedestinatio، أي النظرية القائلة بإشارة سبق تعيين الحياة بصورة منطقية أيضًا إلى سبق تعيين الموت، وأصبه هذا الأمر الركيزة الأساسية في الخلاف.

وهكذا تمثل الأسس الخمسة التالية تعبيرات جوتشالك عن العقائد الأساسية كالتالي:

  • قبل كل الأزمنة، وقبل أن يخلق الله أي شيء، سبق الله فعيَّن للحياة الأبدية أولئك الذين أرادوا ذلك، وأولئك الذين أرادوا عكس ذلك سبق فعينهم للهلاك.
  • يستحيل خلاص أولئك الذين سبق تعيينهم للهلاك، ويستحيل هلاك أولئك الذين سبق تعيينهم للحياة الأبدية.

  • لا يريد الله خلاص جميع البشر، بل يريد فقط خلاص أولئك الذين في طريق الخلاص، وبالتالي، عندما يقول الرسول: ”الذي يريد ان الجميع يخلصون“، يقصد جميع أولئك، وأولئك فقط، الذين في طريقهم إلى الخلاص.

  • لم يأت المسيح ليخلص جميع البشر، ولم يأت ليتألم من أجل الجميع، بل فقط من أجل أولئك الراسخين في طريق الخلاص بسر آلامه.
  • لا يمكن لأي أحد منا بعد سقوط الإنسان الأول بإرادته الحرة، أن يستخدم إرادته الحرة لعمل الصلاح، بل لعمل الشر فقط.[16]

تناول وأدار الجدال هينسمار[17] Hincmar رئيس أساقفة رييم Rheims من ناحية، وريمجيوس Remigius رئيس أساقفة ليون Lyons من ناحية أخرى، وعلى الرغم من إثارة الجدل بشدة لمدة سنتين (849- 850م)، إلا أن النتيجة كانت بعيدة كل البعد عن أن تكون مرضية أو حاسمة، جزئيًا بحكم الحالة الضعيفة للعلم اللاهوتي والميتافزيقي (ما وراء الطبيعة) آنذاك..

كما أخفق المجادلون في الوصول إلى جذر المشكلة، وكانوا مهتمين فقط بمجر نقاش ولغو صوتي، وجزئيًا أيضًا بسبب عزوف أنصاف البيلاجيين الغاليين تمامًا عن تقديم تنازلات فيما يخص العقيدة، مما قد تسبب في مثل هذا الاستياء في الماضي، والذي صمتت عنه المجامع، لأن الأوغسطينيين كانوا رافضين لأي تغيير في صيغهم ومصطلحاتهم، أو التزحزح قيد أنملة عن حدة آرائهم.

ونتيجة لذلك، على حد قول موزلي Mozley،[18] لم يقدم هذا الجدل مادةً أكثر قيمةً للباحث اللاهوتي. ومع ذلك، أول شيء يُصدِّره -على الرغم من أنه يستحيل القول بأنه قد قام بتسوية النقطة بصورة مرضية- أنه لفت انتباه الكنيسة في الأخير إلى السؤال حول هل يمكن تطبيق سبق التعيين على معاقبة الأشرار، وهل يمكن الحديث حقًا عن سبق تعيين البشر للموت.

وهكذا أحضر هينسمار Hincmar جوتشالك في عام 849م أمام المجمع في كويرسي Quiercy، الذي حرم وأدان آرائه، وأصدر إعلانًا مضادًا بتعليم يحصر سبق التعيين للخير فقط، ويؤكد على أنه عندما يتعلق الأمر بالشر، فهناك فقط العلم السابق في دائرة الله. وبالتالي، تم الإقرار بسبق التعيين للحياة، وتم رفض سبق التعيين للعقاب. وميَّز هينسمار Hincmar بين حياة الإنسان في حالته الآثمة، التي ستكون نتيجتها الحتمية هي العقوبة، وبين سبق تعيينه إلى هذه العقوبة.

سكوتس إريجينا Scotus Erigena ومجمع كويرسي Quiercy الثاني

جاءت المحاولة الوحيدة المبنية على حجة علمية والمساهمة القوية الوحيدة في الفكر اللاهوتي أثناء هذا الجدل من سكوتس إريجينا[19] Scotus Erigena، الذي دخل القوائم بدعوة من هينسمار، وكتب مؤلفًا ضد جوتشالك وأنصاره. حيث أقام حجته على الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، ونادى باستحالة التمييز بين سبق التعيين وسبق العلم، لأنهما واحد ونفس الشيء، وأنه لا يمكن في الله إلا أن يكونا واحدًا، ولكنهما يتعلقان بالخير فقط، ولا يتعلقان بالشر، وأن هذا الشر هو مجرَّد عدم أو سلب (الخير).

فلا يمكن لله أن يتوقع أو يفرض شيء لا وجود له. فالخطية -كما علَّم أوغسطينوس نفسه- هي مجرَّد انتفاء الصلاح، والعقوبة هي انعدام المسرة؛ وبالتالي، يستحيل وجود سبق تعيين أو سبق معرفة بهذه السوالب (العوادم). وهكذا أنكر سكوتس بهذه الطريقة بناءً على أسس علمية سبق التعيين المزدوج الذي نادى به جوتشالك وريمجيوس Remigius.

وبالتالي، أصدر مجمع كويرسي Quiercy الثاني في عام 853م أربع قرارات غالبًا نصف بيلاجية في لغتها، ورفض سبق التعيين المزدوج، وأكد على التجديد الكامل لحرية الإرادة بنعمة المسيح.

وكانت فحوى القرارات هي كالتالي: (1) يسقط الإنسان بسبب سوء استخدامه لإرادته الحرة.

(2) أختار الله بعلمه المسبق البعض الذين بنعمته، سبق فعينهم للحياة، والحياة لهم.

(3) أما بالنسبة لهؤلاء الذين تركهم بحكمه الصائب في حالتهم الضالة، لم يسبق أن عيَّنهم للهلاك.

(4) فُقِدَت حرية الإرادة بالسقوط، ولكن تمت استعادتها في المسيح.

(5) هناك حرية إرادة للخير، إذا ساندتها وحصَّنتها النعمة، علاوة على وجود حرية إرادة الشر، إذا فارقتها النعمة.

(6) أخيرًا، يريد الله خلاص جميع البشر، وقد تألم المسيح لأجل الجميع، لذلك هلاك هؤلاء الهالكين هو بسبب خطيتهم فقط.

وعلى الرغم من إضافة هذا المجمع برئاسة هينسمار فقرة خاصة[20] تفيد بإمكانية الحديث فقط عن سبق التعيين الأحادي، المتعلق سواء بعطية النعمة، أو بالقصاص العادل، إلا أنه بعد ذلك بقليل، سوف نجد أن هينسمار نفسه يكتب مقالة أعترف فيها بسبق التعيين المزدوج، بمعنى أنه بينما يتم سبق تعيين الأبرار للحياة، والحياة هي لهم، ويتم سبق تعيين العقوبة للفاسقين، إلا أنه لا يتم سبق تعيينهم مسبقًا له [أي للهلاك]. فهم مجرد محرومين من الله.

وهكذا توقف الجدال بهذا العمل، ومات جوتشالك بعد حالة مزرية جدًا في السجن في عام 869م، متمسكًا بعقيدة سبق التعيين للموت حتى النهاية، على الرغم من حرمان هذا التعليم الآن كتعليم هرطوقي. وهكذا انتهت الكنيسة اللاتينية من هذه النقطة -على الرغم من الحفاظ على اسم أوغسطينوس في أعلى مكانة- عامةً بواحدة أو اثنين من الردود الجديرة بالملاحظة إلى الموقف النصف بيلاجي.

 

 

أنسلم الكانتربري ومحاولة إرساء ”اللاهوت الطبيعي“

لم يكن هناك أية مساهمة إيجابية حتى القرن 11 من أجل الدفاع عن الأنثروبولوجي [التعليم عن الإنسان] الأوغسطيني؛ الذي فَقَدَ مصداقيته إلى حد ما، ولهذا نتحوّل إلى أنسلم، الذي كان رئيس الأساقفة لإيبارشية كانتربري غير المعروفة آنذاك. فلم تنجب الكنيسة منذ زمن أوغسطينوس نفسه معلمًا بمثل هذه السماحة والقوة مثل أنسلم، أو إنسانًا كان تأثيره على العصور اللاحقة تأثيرًا كبيرًا كذلك.

لقد وُصِفَ بأنه مؤسس ”اللاهوت الطبيعي“، الذي نفهم منه بأنه اللاهوت الذي حاول دعم الأرثوذكسية بمساعدة الفكر الفلسفي. لذا من الأفضل تلخيص بإيجاز قدر المستطاع محاولات أنسلم من أجل حل ميتافزيقي (فوق الطبيعة) للمشاكل الصعبة حول الخطية والإرادة الحرة. إنه من الصعب تمييز آراء أنسلم في موضوع الخطية الأصلية عن آراء أوغسطينوس.

ولكنه يمتلك بعض المميزات الخاصة به هو شخصيًا. فعلى سبيل المثال، يشير إلى أن خطايا الأجداد الآخرين غير آدم لا يمكن إلصاقها بذريتهم؛ لأنه لم يرتكبها إنسان يُمثِّل أو يحوي في ذاته كل الطبيعة البشرية. علاوة على أن خطايا آدم الشخصية اللاحقة لا نشترك فيها كذنب إضافي خاص بنا، ولا تؤثر في النسل إلا في كونها نماذج أخرى للخطية العامة (خطية الجنس) التي قد ارتكبها، بينما لا يزال ممثلاً عن البشرية كلها. بل تُنسَب هذه الخطية فقط إلى جميع البشر، والتي قد ارتكبها البشر جميعًا.

التمييز بين الفرد والجنس كنظرية للخطية الأصلية عند أنسلم

يسعى أنسلم أيضًا بلا شك إلى توضيح العلاقة الوثيقة بين الفرد والجنس، ولإثبات أهمية هذه العلاقة لأي نقاش حول لزوم الخطية، وتخصيص الذنب. فآدم لم يخطئ كفرد واحد فقط، بل كجد للجنس البشري كله. لقد كان نسله موجودًا فيه، ليس كأفراد كثيرين مميزين، بل بجوهرهم [أي بطبيعتهم]، سواء الروحي والجسدي، كانوا كامنين وموجودين فيه بذريًا، وطبيعتهم مساوية لطبيعته في الجوهر. لذا أفسدت خطية آدم -على الرغم من أنها تعدي فردي (شخصي)- الطبيعة البشرية كلها، التي كانت لا تزال كامنة وموجودة فيه.

لذا أفسد الفرد بفعله الواحد الجنس؛ لأن الجنس كان في ذلك الوقت موجودًا ومتضمنًا في الفرد. ولكن تعمل العملية العكسية في نسل آدم. وهنا يُفسِد الجنس الفرد. ولا يمكن أن يهرب الفرد المولود في العالم من الفساد الشامل؛ بسبب فساد وانحراف الطبيعة التي يشترك فيها بالضرورة، ولا يمكنه بسبب هذا الانحراف تجنب ممارسة الخطية كفرد. وهكذا يؤكد أنسلم بهذه الطريقة على حتمية الخطية الفعلية في الفرد، ولم يضع الله على عاتقه هذه الحتمية، بل اشترك بعلاقته الحتمية في الجنس الخاطئ الذي يُعتبر أحد أعضائه.

وبالتالي، للإيجاز، يوضح أنسلم أنه كما في حالة آدم، أفسدت المعصية الفردية أو الخطية الفعلية الطبيعة، وصارت مسئولةً عن الخطية الأصلية، كذلك في حالة النسل، تُفسِد خطية الطبيعة الفرد، وهي مسئولة عن المعصية الفردية أو الخطية الفعلية. وينتج عن ذلك، أنه في حالة آدم، يقع ذنب الطبيعة؛ أي ذنب الخطية الأصلية، على عاتق ذنب الفعل الفردي، ولكن في حالة النسل، يقع ذنب الفعل الفردي حقًا على عاتق ذنب الطبيعة، أو الخطية الأصلية. وهكذا قد أفسد آدم بفعل إرادته الخاصة الطبيعة البشرية، وجلب على نسله جميعًا الميل للخطية.

ويقع ذنب نشأة تلوث (دنس) هذا الجنس صراحةً على تعدي آدم الفردي (الشخصي). ولكن يقع أبناء آدم في حالة مختلفة عن والدهم الأول. فنحن جميعًا أعضاء فرديين في الطبيعة البشرية المشتركة (العامة)، ولكن لا يمثل أي أحد منا الطبيعة البشرية ككل، ولا يحتوي أي أحد منا على الطبيعة ككل في ذاته. لذا خطايانا الفردية هي مجرد مظاهر وتعابير عن الفساد الموروث. إنهم نتيجة الخطية الأصلية والولادة من طبيعتنا الملوثة (الدنسة).

لذا ذنب الخطية الفعلية يمكن إلى حد ما محوه وإزالته من الفرد، ويُوضَع على عاتق طبيعتنا البشرية المشتركة (العامة). بمعنى آخر، لا ينبغي البحث عن مصدر وأصل الخطية الفعلية في الحياة أو الخبرة الفردية، بل في وحدة الجنس في آدم. فالفرد فاسد بسبب الطبيعة التي نشترك فيها ونأخذها من آدم. ونتيجة لذلك، يقع ذنب الفرد -الواقع تحت الحتمية الوخيمة لممارسة الخطية- على عاتق ذنب الطبيعة، ولكن يشترك الفرد حقًا في ذلك، كما أكد أنسلم بالفعل.

وبالتالي، من الواضح أن مصدر الخطية الأصلية في نظام أنسلم هو الوجود في الوحدة الأصلية للجنس البشري. وهكذا قد نشأت الخطية -بصفتها أساس شرير- منذ بداية التاريخ الإنساني. وبالتالي، لو تم إنكار الوجود التاريخي لآدم وحواء، ورفض تعليم السقوط المُفسَّر حرفيًا، فحينئذ تسقط كل نظرية أنسلم عن الخطية الأصلية الموروثة على الأرض. حيث تشير الخطية الأصلية بالنسبة له إلى نائب أصلي، ولا بد أن يكون هذا النائب الأصلي إنسانًا واحدًا، يحوي في ذاته الجنس البشري كله غير المتأقنم (المشخصن)، والطبيعة البشرية كلها دون توزيع (تخصيص).

وهكذا تُرِكَ التغيُّر في الطبيعة الأخلاقية الناشئة بسبب انحراف آدم ورائه كميراث لا مفر منه، يُسلَّم من جيل إلى جيل. وبالتالي، لا بد أن يُولَد الفرد بالخطية؛ لأنه مولود من الطبيعة البشرية، وبسبب انتقال الخطية الأصلية من الأب إلى الابن تمامًا مع جميع الخصائص الأخرى الثابتة في الطبيعة البشرية، متدفقةً في تيار لا ينقطع عبر جميع البشر -ما عدا في حالة ربنا [يسوع المسيح] فقط الذي حُفِظَ بمعزل عن سلوك الولادة الطبيعية بسبب ميلاده المعجزي وغير الطبيعي.

نظرية أنسلم عن حرية الإرادة

يتم التعبير عن آراء أنسلم بخصوص هذا الموضوع في مقالته ”عن حرية الإرادة“ De Libero Arbitrio،[21] التي تأخذ شكل حوار بينه هو شخصيًا وبين تلميذه. وهكذا يبدأ بمناقشة معنى حرية الإرادة. حيث يوضح التعريف القديم[22] أن حرية الإرادة تتمثل في ”القدرة على ممارسة الخطية وعدم ممارسة الخطية“، فيصرح [أنسلم] أن هذا التعريف غير كافٍ تمامًا، على أساس أنه يمنع الحرية الأخلاقية عن الله وعن الملائكة، الذين لا يستطيعون ممارسة الخطية في الوقت الحالي.

فلا تمثل القدرة على ارتكاب الخطية الحرية: بل على العكس، إذا كانت هذه القدرة مرتبطة بالإرادة، فلا بد من أنها تحدَّ بالضرورة من حريتها، طالما أن استحالة فقدان الشيء تعطي حرية في امتلاك هذا الشيء بشكل أكبر منه عندما توجد إمكانية فقدانه.

ولكن إذا كانت القدرة على ممارسة الخطية لا تمثل جوهر الحرية، فلا يمكن أن تكون الخطية حتمية -لأنه يستحيل وجود طريق وسط بين الفعل الإرادي والفعل الإجباري. لا، لا ينبغي اعتبار الخطية أنها حتمية، بل إنها مجرد إمكانية. لقد كانت إمكانية، ولم تكن أكثر من ذلك سواء مع الملائكة الأشرار، كما كانت مع آدم. وبالتالي، لقد كان لديهم القدرة على فقدان حالتهم المقدسة، تمامًا مثلما يمتلك الرجل الغني القدرة على التخلي عن ثرواته، ولكنه من الخطأ الاعتقاد بأنهم يفقدون حريتهم تمامًا بفعل ذلك.

بل من الحقيقي أن الإنسان قد صار عبدًا للخطية، ولكنه لم يفقد قدرة الإرادة خاصته. فلازالت إرادته موجودة، وتظل كل خطية مُرتكَبة فعلاً إراديًا للإرادة. ولكن هل يمكن الحديث عن الإنسان بصفته نائبًا إراديًا؟ أليس مُجبرًا على الخطية بسبب القدرة الهائلة للشهوة على الإرادة، وبسبب ضعف إرادته بواسطة الخطية الأصلية؟ لا، ليست حقيقة؛ لأن الله أعطى الإنسان القدرة الكاملة للحفاظ على حالة البر الأصلية خاصته، إنْ أراد فعل ذلك، واستخدم هذه القوة.

فحقيقة فقدانه لبره الأصلي قد جعلت الإنسان بطريقة ما تحت ذنب حتمية ممارسة الخطية، ولكن هذا الشيء مختلف عن القول بأنه نائب إرادي. وبالتالي، يُميِّز أنسلم لتوضيح ذلك بين قدرة الإرادة وفعل الإرادة. فالسابقة هي الوسيلة، والأخيرة هي مجرد استخدام الوسيلة. لأن الإرادة كقوة لا تُقهَر. ولا يمكن أن تصير خاطئة ضد اختيارها. فمن ناحية أخرى، نحن نجد عادةً باستخدامها أن الإرادة مسلوبة القوة بسبب سوء استخدام القوة (الملكة) الأصلية. وبالتالي، يمكن أن تكون الإرادة مُستعبَدة وحرة في نفس الوقت.

ولكن لا ينشأ استعبادها من عملية الخلق، بل فقط من حقيقة أنها حرمت نفسها من الرباط الأصلي للبر. وهكذا لا تُغيِّر حقيقة أنها الآن لا تستطيع أن تساعد على ارتكاب الخطية، حقيقة عدم وجود ضرورة لها بسبب فقدانها لقداستها الأولى، وإنْ كانت لم تقم بفعل ذلك، فبالتالي لن يمكنها الاستمرار بسهولة في الطريق السليم، وليست مُجبَرة بأي شكل من الأشكال عليه. ولكنها لازالت بمعنى ما إرادية، لأن الإنسان يعجز عن ارتكاب الخطية؛ إنْ كان الفعل مصنوعًا ضد إرادته. فالغواية ليست أكثر جبرًا مما يكون عمل الروح القدس فينا.

وبالتالي، يشير أنسلم هنا إلى أن النهاية الحقيقية وغاية الإرادة ليست في الاختيار بين الخير والشر بلا مبالاة، بل اختيار الخير فقط. فالله قصد أن يريد الإنسان فعل الصواب، وليس أي شيء آخر. ولهذا السبب، أعطى الخالق الإنسان البر الأصلي بدلاً من إعطاءه مجرَّد شخصية محايدة أو عديمة اللون. لم يكن من المتوقع أن يُوجِد الإنسان الصلاح: بل كان عليه مجرد قبوله والحفاظ عليه. ولكن بما أنه قد خُلِقَ قديسًا، فبالتالي لم يكن هناك استحقاق أكثر في صلاحه. لأن هذا يمكن اكتسابه فقط عن طريق شيء ما كان هو نفسه صانعه.

وبالتالي، إمكانية فقدان حالة البر هذه كانت كائنة داخل قوته، لكي ما يفوز بالحفاظ عليها عن طريق الفعل الإرادي بالمديح الذي يتبع فقط فعل التقرير الذاتي. لذا من الخطأ القول بأن قصد الخالق من جهة الإنسان هو أنه ينبغي عليه امتلاك الاختيار بين الخير والشر، وهكذا تشكَّلت حرية إرادته في هذا الاختيار. فالهوى ليس حريةً. بل قصد الله أن يريد الإنسان اختيار الصواب، أو بالأحرى، الحفاظ على هذه الحالة المقدسة التي خُلِقَ بها؛ أي يجب عليه امتلاك حرية إرادة البر.

ولكن إنْ كانت حرية الإرادة كامنة بالكامل في الإنسان، وليست فرضًا عليه، فلا بد من وجود احتمالية طريق بديل؛ أي حرية إرادة ممارسة الخطية. ولكن يتم إثبات أن هذا الطريق كان مجرد إمكانية، وليس شيئًا أكثر من ذلك في الحالة، من خلال حقيقة أن الإنسان باختياره هذا البديل كان عليه اختراع الخطية.

فالخطية لم تكن استمرارية، بل تدشين (بداية) للحالة. لقد كان على الإنسان أن يصبح مخترع الخطية. حيث تُثبِت حقيقة أنه فعل ذلك، أن اختيار الخطية كان عملاً (نشاطًا) ذاتيًا. لقد كانت [الخطية] إرادية تمامًا. لا بل الأكثر من ذلك، لقد كانت انحراف إرادي عن المسار والمصير الذي كان في قصد الله للجنس البشري.

لذا يحاول أنسلم أيضًا التمييز بين الطواعية والحرية. حيث يقول إن الحرية الحقيقية هي اختيار الخير وليس الشر. يمكن للإنسان اختيار فعل الشر طواعيةً (إراديًا)، ولكن إنْ فعل ذلك، فإنه بذلك يتوقف عن أن يكون حرًا بالحقيقة. أما إذا استمر في البر، فيكون بذلك مريدًا وحرًا، وعندما يترك الطريق السليم، فيكون بذلك مريدًا، ولكنه لم يُعد حرًا فيما بعد.

علاقة الله بالخطية في نظام أنسلم هي مجرَّد أمر من السماح. فالعلاقة السببية الإلهية الوحيدة فيما يتعلق بمصدرها هي الحقيقة السلبية بعدم منع الله لها. لأن منعها من جانبه سيكون بمثابة القضاء على حرية الإرادة في الإنسان، وجعله فاعلاً لا إراديًا (مُسيَّرًا)، آلة تسير على الدوام في طريق واحد، لأنها لا تستطيع مساعدته. وهكذا يكون حق تقرير المصير في هذه الحالة غير موجود في الطبيعة البشرية، وهكذا يكون العزم الذاتي للإنسان نحو الصواب هو الشيء الوحيد الذي قصده وأراده الله للجنس البشري فوق جميع الأشياء الأخرى.

وبالتالي الملاحظة الأساسية في أنثروبولوجية أنسلم هي مصطلح ”إرادي“. لقد كانت الخطية الأصلية هي تخلي إرادي عن البر الأصلي بسبب الإرادة الذاتية للطبيعة البشرية، ولكنها لازالت حتى الآن موجودة في آدم، ومازالت غير متأقنمة (مشخصنة) حتى الآن. فالخطية الفعلية هي التكرار الإرادي لاختيار الشر هذا بسبب الإرادة الذاتية للطبيعة البشرية المُوزَّعة والمتأقنمة (المشخصنة). وبالتالي كل عملية من أولها إلى أخرها هي عملية إرادية.

وهكذا يستمر أنسلم بالنظر إلى أصل ومصدر الخطية بفحص طبيعتها. وهنا يتخلى عن آراء السابقين عليه، ويرفض الرأي القائل بأن الخطية هي عدم أو سلب. لقد علَّم سكوتس إريجينا Scotus Erigena، مثله مثل أوغسطينوس، بأن الخطية هي انعدام الصلاح. ولكن يعزو أنسلم إليها وجودًا إيجابيًا، بل ويُعرِّفها بطريقة جديدة نوعًا ما.

حيث تتمثل الخطية بالنسبة له في إهانة الله. لقد كان هناك الكثير من النقاش حول إدخال أنسلم لكرامة الله في اللاهوت. فما الذي يقصده بقوله إن الإنسان الخاطئ يسرق من الله كرامته Deum exhonorat؟ يقصد أنه عندما نخطئ، فإننا نقوم بأكثر من مجرَّد التعدي على قانون أو مبدأ: بل نحن نجرح شخص؛ نحن نسيء إلى الله. فالذي لا يستطيع تسديد دَّين الحياة المقدسة لله؛ أي الكرامة التي من حقه، فإنه يسلب من الله شيء ما خاص به. ويمكننا الحديث عن إنسان كهذا بأنه يسيء حقًا إلى الله.

ولكن يذهب أنسلم إلى أبعد من ذلك. فالخطية في ضوء ذلك عبارة عن شيء يطلب الله ترضيةً لأجله. لأنه قد تم التعدي على كرامته. وقد تم ارتكاب جريمة في حقه. العدل يطالب، والعناية الإلهية تطالب بتقديم التعويض. وبالتالي هذا هو رأي أنسلم عن الطبيعة النيابية (البدلية) للكفارة. ولأنه ينبغي العقاب على الخطية، لذا تألم المسيح بدلاً عن الخطأة. ولقد كان تقديم ذبيحته وسيلةً لإرضاء الله الذي أؤسِيَ إليه بشدة. لذا موت المسيح هو بديل عن عقوبة الإنسان كترضية تامة عن الخطية.

نقد نظرية أنسلم

يُعد أنسلم شخصية مهمة جدًا في تاريخ الفكر المسيحي، لذا يستحق لبعض الوقت أن نذكر ما يبدو أنه مميزات وعيوب نظريته.

ميزتها الأساسية هي امتلاكها للإحساس الشديد والعميق بخطورة الخطية. لم يستنكف أنسلم أبدًا من الإصرار على جسامتها. لقد أعتقد الناس في عصره أن الجميع كانوا في حالة جيدة، إذ قُدِّمَت ترضيةً عن الخطية. واعتقدوا أنه بإمكانهم القيام بذلك من دون جهد مضني للغاية. حتى أنهم اعتقدوا أنه بإمكانهم في بعض الحالات دفع الآخرين لتقديم الترضية عنهم.

ولكن الميل في يومنا هذا للتفكير في الترضية هو أمر غير مجدي. لأن العصر الذي احتضن العلم الطبيعي لا يميل إلى التقليل من جسامة الخطية -التقليل من شأنها إلى حد الوراثة، وإلى الظروف المحيطة، وإلى الدوافع الطبيعية، التي سوف تتفاقم في الوقت المناسب، وتصبح غير مهمة للغاية على كل حال.

يعود إلى أنسلم الفضل في التعريف بأن الخطية تخلق مساءلة غير محدودة، ينبغي مواجهتها بترضية غير محدودة، ولن يكون من الجرأة الشديدة القول بأنه لا يوجد تعريف عن الخطية يُعبِّر عن خطورتها وعن طبيعة الحالة البائسة الناتجة عنها يكفي حقيقة الخطية؛ لأنها تظل واضحة في الضمير المسيحي. وهكذا يقف العهد الجديد ويقين كل إنسان مُفكِّر في مواجهة جميع هذه الآراء الناقصة داعمًا لأنسلم في قوله: ”لا يمكن التفكير في ثمن ثقل الخطية“ “Nondum considerasti quanti: ponderis sit peccatum”.

الميزة الأخرى لأنسلم هي معالجته للسؤال المزعج عن حرية الإرادة بمثل هذه الطريقة التي يمكن بها تجنب ممارسة العنف سواء إلى قداسة الله، أو إلى حقيقة الشر. بمعنى آخر، إنه أول لاهوتي يحاول حل مشكلة الثيؤديسيا Theodicy [أي الدفاع عن الله وتبرئته من فعل الشر]، على الرغم من ذلك، قد يكون حله غير مقنع تمامًا، ولا يشمل الخلفية الكاملة.

تنهار ثيؤديسيه [أي دفاعه وتبرئته لله عن فعل الشر] بسبب فشله في تفسير سماح الله بالشر في العالم بصورة مقنعة، وتفويضه للقوة على جعله حقيقيًا، كما هو الحال أيضًا في تمييزه المصطنع جدًا بين ما هو ”حر“، وما هو ”إرادي“. وهكذا يُثبِت الفشل الواضح لمربط الفرس هذا أن الحل الحقيقي لمشكلة الشر لا يمكن إيجاده مطلقًا على طول هذه السياقات.

وهناك عيب لايزال خطيرًا للغاية في نظام أنسلم ألا وهو إحيائه للنظريات الأوغسطينية القديمة الفاقدة للمصداقية. لأنه إنْ كان آدم موجودًا قبل السقوط في حالة البر الأصلي، فيتعذر تفسير خطيته. وبالتالي تبتعد هذه النظرية كثيرًا جدًا عن تبيان أو تفسير أصل الخطية، لدرجة أنها ببساطة تُبعِده إلى الوراء أكثر، وتجعل من الصعب اكتشافه. لذا كان المدرسيون اللاحقون أكثر قربًا في الحقيقة، بل ويقتربون أكثر من الآراء الحديثة في وصفهم لحالة آدم الأولى كسالب أو محايد، واعتباره قادرًا على التحول سواء في اتجاه الخير أو الشر.

كما تُعتبر نظرية أنسلم عن الخطية الأصلية غير منطقية أيضًا من ناحية التفاوت الواضح الذي تعتقد بوجوده بين معصية آدم الأولى والمعاصي التالية له هو شخصيًا، وللبشر الآخرين. حيث تُثبِت تجربة الحياة أن المخالفة الأولى، على الرغم من أنها قد تكون فاصلة، إلا أنها أقل فداحةً من التكرارات اللاحقة. وهكذا يوضح أنسلم أن الأمر في حالة آدم لم يكن أكبر فقط، بل أكبر إلى درجة غير محدودة ومفجعة على الإطلاق في نتائجه.

إذًا، مرةً أخرى، لقد ناقشنا مغالطة الربط بين الخطية الأصلية والذنب الشخصي في الفصل السابق. وبالتالي أية محاولة للربط بين الجنس البشري ورأسه هي محاولة خيالية تمامًا، وعند الحكم عليها بحكم المنطق السليم، فلا بد من أنها ستكون ناقصة. فالذنب يمكن التكهن فقط بأنه فعل إرادي وفردي واحد. ولكن مازال أنسلم يذهب إلى أبعد من ذلك بشأن عدم الإقرار بأن الخطية الأصلية تشمل كل إنسان في ذنبه الشخصي فقط، بل أن الذنب الموروث كذلك أيضًا أعظم من الذنب المترتب على الخطية الفعلية.

عيب آخر عند أنسلم هو معالجته لموضوع الكفارة معتمدًا فقط على موت المسيح، وكأنه شيء منفصل عن حياته ومثاله القدوس -رأي لا يمكن إثباته. أمَّا فيما يتعلق بموت المسيح كبديل وتعويض عن عقوبة الخطية، فإنه ينسب بذلك التعسف والاستبداد لتعامل الله مع الإنسان، الذي يُعد شيئًا بشعًا بالنسبة لمفهومنا عن العدل.

نقد آخر ينبغي إقراره عن إشارة أنسلم المتكررة إلى الخطية كجريمة مُوجَّهة لكرامة الله. قد تكون كذلك، إذا كنا نعتقد حقًا بأن مثل هذا الفكر يمكن أن يدخل على الإطلاق إلى قلب الآب في السماء، فلا يوجد إله آخر صار معروفًا لدينا إلا في المسيح. يُضخِّم أنسلم تمامًا بحسب ذهنية عصره من تسامي الله، إنْ كان في الواقع يُضخِّم حقًا منه لدرجة أنه يَعتبره واقفًا في وضع الحاجة إلى تبرئته والدفاع عنه. لقد علَّم المسيح عن المحايثة (الملازمة) الإلهية، أو بكلمات أخرى، المحبة الإلهية. فالخطية تُحزِن، ولكنها لا تُحزِن الله.

عندما يضع أنسلم أصل الخطية بالكامل في الإنسان، فيبدو أنه قد نسى أن كل فرد لا يبدأ بمجرد اختيار الفعل، بل يبدأ بمثل هذه الظروف، الخارجية والداخلية، إذ يجعل هذا الاختيار اختيارًا صعبًا للغاية. فلماذا يضع الله في مثل هذا الموقف الخطير؟ لأنه لنفس السبب، يرسل الأب المحب ابنه إلى المدرسة، حيث يوجد خطر محدق دائمًا من أنه قد يتعلم الشر بدلاً من الخير. وهكذا يفعل الله ذلك -مثلما يفعل الأب- لأنه لا توجد طريقة أخرى يمكن للابن بها اختيار الخير بدلاً من الشر إلا بالوقوف في موقف يمكنه فيه اختيار الشر بدلاً من الخير.

 

توما الأكويني (1227- 1274 م)

اللاهوتي التالي الذي صنع تطورًا حقيقيًا نحو فهم التعليم عن الخطية كان توما الأكويني، الذي -كونه دارسًا متعمقًا للفلسفة- طبَّق تعليم أرسطو على المسيحية، وأسس نظرية عن الطبيعة البشرية مبنية على نسق الفيلسوف الأخلاقي اليوناني العظيم. لقد كان إسهامه في اللاهوت متقدم بشكل مميز عن أي شيء آخر قد تحقق من قبله.

ولكن، للأسف، كان الأكويني عاجزًا عن إزاحة نفسه بحرية متحررًا من قيود الأوغسطينية، وقيَّد بحثه من البداية بتأسيس نظامه الجديد معتمدًا على تعليم الأب الأفريقي الكبير بكل حدته الصارمة. لذا أخفق بسبب محاولته مع المستحيل. وأخفق بسبب سعيه للمصالحة بين رأيين في الطبيعة البشرية متناقضين ومتضاربين في الأساس.

ولكن إنجاز الأكويني كان يستحق الجدارة، وبسبب هذه الميزة، أصبحت الخلاصة Summa دليلاً لكثيرين من لاهوتي العصر الوسيط، ويمكن القول بأنها تعكس الفكر اللاهوتي في العصور الوسطى. لذلك، في البداية، تحتاج آرائه عن موضوع الخطية للفحص.

توما الأكويني والخطية الأصلية

العائق الكبير الذي ينبغي على كل نظام أنثروبولوجي مواجهته في البداية هو موضوع أصل الشر. وهكذا يعطي الأكويني ثلاث شروحات معقولة عنه. الشرح الأول هو السماح بالشر عن طريق التضاد والتباين لإبراز الخير كأفضل ميزة، ولجعله مقدَّرًا كما ينبغي أن يكون.[23] وإنْ كان من الحقيقي أن المكاسب الصالحة في قيمتها تعود إلى وجود الشر في العالم، إذًا، لا بد أنه من المقبول أن يكون الشر جزءًا ضروريًا في نظام الكون، ويصعُب التخلص منه.

وهذا حدس (توقع) ملحوظ جدًا للرؤية النشوئية عن الشر، ولكن ينبغي علينا تأجيل مناقشة هذا الأمر إلى الفصل التالي. الشرح الثاني مبني على ضرورة وحتمية التنوع. لأنه من الضروري وجود طبائع مختلفة في العالم. ويتطلب قانون التنوع المنظور عبر العالم المرئي ذلك. لذا يجعل تمايز الطبائع من الضروري أن يكون البعض أكثر نبلاً من الآخرين، وأن يمتلك البعض إرادة أفضل وأقوى من الآخرين، باختصار، أن يكون البعض أقوياء بالشكل الكافي لفعل الصواب بغض النظر عن كل إغراء لأي شيء آخر.

ونجد أن هذا الرأي مرتبط بالرأي السابق. لأنه سيكون أكثر وضوحًا إذا تم التعبير عنه من وجهة نظر التطور. حيث يحتاج التطور إلى النقص في مراحله الأولى، النقص الذي -كما يزعم الأسقف بتلر Butler-[24] يمكن فقط ظهور المُبرِّر منه عند وصول المُخطَّط إلى ذروة اكتماله. حيث يؤدي التطور أيضًا إلى التنوع -إنه قانون التنوع نفسه الذي أدرك الأكويني وجوده في الكون، بالرغم من جهله طبعًا بالسبب العلمي لهذا التنوع.

التفسير الثالث الذي قدَّمه الأكويني مبني على نظرية أوغسطينوس بأن الشر هو سلبي. كلاهما في هذا الشأن يتبعان الفلسفة اليونانية التي دخلت لأول مرة إلى اللاهوت الغربي من خلال الفلسفة الأفلاطونية المحدثة السكندرية. فالله هو مصدر الوجود كله. والشر هو عدم: انفصال عن الوجود الحقيقي. وبالتالي يبقى الشر بعيدًا جدًا عن أن يكون له أصل في الله، بل هو انفصال عن الله، وارتداد عن مشيئته وغايته. وبالتالي، يكون الشر خارج مقولة الجوهر، فهو لا كيان، أو بمعنى ما، لا شيء (عدم).

يستمر الأكويني أيضًا في إثبات أن هناك جانبان ينبغي اعتبار أن الشر فيهما لا شيء (عدم). أولهما، إنه عدم بمعنى النفي أو السلب التام، وإنه عدم في المقام الثاني بمعنى الفقدان أو الحرمان. فالشر هو انعدام أو انتفاء الصورة (الهيئة). إنه نقص الفعل. إنه الفشل في عمل القصد الذي كان من المقصود للإنسان فعله. إنه الفشل في الحفاظ على ذلك المصير الذي صُمِّمَ الكائن الأخلاقي لأجله. فعلى سبيل المثال، كما أن الشر في حالة الملح هو فقدان (انعدام) الملوحة، كذلك الشر في حالة الإرادة هو انعدام العمل الطبيعي الصحيح للإرادة.

وهكذا بدا هذا البرهان للأكويني عند تطبيقه على أصل الشر أنه حل مقنع للمشكلة. فالذي ليس له وجود، ليس له علة، وذاك الذي ليس له علة، يستحيل إيعازه للعلة الكونية العامة. لذا لا يمكن إرجاع الشر إلى الإرادة العلية في الله.

وكان هذا البرهان مُستمدًا من كُتَّاب سابقين، ولكن تفسير عودة اعتماده إلى الأكويني هو تداركه للإجابة المدعومة من فلسفة التطور بعد ذلك بأزمنة كثيرة. الشر هو سلبي (نفي) بمعنى أنه نشوء الفشل في جزء من الإنسان عن فعل الصواب. إنه ليس بكيانٍ؛ إنه عدم.

توما الأكويني وحرية الإرادة

أكد الأكويني على أن الله هو العلة الأولى للإرادة،[25] وأنها كانت مستمدة منه باعتباره العلة الكونية العظمى التي تحرك جميع الأشياء، وتمنح جميع الأشياء طبيعتها المميزة. وفيما يحرك الله الأشياء غير الحية بالعلل الضرورية؛ أي بالعلل الخارجية والنهائية، فإنه يحرك الأشياء الأخرى بالعلل العرضية (المشروطة)؛ أي العلل التي لم يُؤسِّسها الله، بل تعتمد على عنصر ما وسيط. لذا تتحرك الإرادة عن طريق الحركة الإرادية لصاحبها. فالإنسان سيد إرادته، ويحركها للعمل، أو يمتنع عن تحريكها للعمل كما يشأ.

فيبدو من هذه الفقرة أن الأكويني في طريقه للتحرر من عقيدة الحتمية (الجبرية). حيث يعترف بأن الإنسان في فئة مختلفة من الطبيعة، وتميل إرادته إلى الحرية. وهكذا لا يُلام الأكويني بسبب عدم اهتمامه بالموضوع أكثر من ذلك.

والمفاجأة أنه تقدم بالحري بقدر ما في استطاعته فعله، ونأى بنفسه من الانحراف في جوانب كثيرة جدًا عن الأوغسطينية، التي لا بد أنها كانت مؤثرة على عقول العلماء في العصور الوسطى، والذي من الصعب الآن تحديد مفهومه الكامل. لذا يشيد الجميع بالأكويني بسبب تأكيده الجريء على الحرية الإنسانية بالرغم من خطر اتهامه بالميول البيلاجية.

ثم يطرح الأكويني نفسه بعد ذلك السؤال: لماذا توجد النعمة في بعض الناس لمساعدة الإرادة، بينما لا توجد في البعض الآخر. وهنا يعود الأكويني مجددًا إلى موقف أوغسطينوس القديم، بأن ضعف الإرادة لم يكن خطأ فردي، بل خطأ الجنس كله. فلا يقصد الأكويني بذلك أن الإنسان بعيدًا عن اللوم.

بل تقع المسئولية على الإنسان، لأنه طالما الإنسان على كل حال هو كائن مريد، ويمتلك إرادة، على الرغم من أنها ليست إلا إرادة ضعيفة، لذلك فهو يستحق المدح أو اللوم. ولكن السبب الحقيقي وراء زوال النعمة -عندما تكون زائلة- هو نقص الرغبة في النعمة في الفرد بسبب فساد الطبيعة البشرية بواسطة خطية آدم.

إنه من الصعب علينا رؤية الأكويني يذهب إلى أكثر مما فعل بسبب تمسُّكه بالتفسير الحرفي لرواية التكوين. لقد حافظ على المسئولية الفردية بقدر جرأته.

توما الأكويني والنعمة

يمكننا رؤية الميل الفلسفي للأكويني بكل وضوح في تعليمه عن النعمة. حيث يبدأ بالتعليم الأوغسطيني عن النعمة المانعة (الوقائية)، التي لا تعتمد في عطيتها الأولى ولا في استمرارها على أي عمل من إرادة الإنسان، فيدمج مع ذلك التعليم الأرسطي عن ”العادات“، مؤكدًا على أن الله منح الصلاح في صورة عادة، وهكذا يميز بين النعمة العادية والنعمة الفعلية.[26] فالمقصود بـ ”العادة“ هو الانحياز أو الميل إلى الفعل بطريقة محددة.

وهكذا يتناول الأكويني موضوع ”العادات المغروسة“، ويقسمها إلى نوعين: (1) العادات المكتسبة بالطبيعة عن طريق الولادة، (2) والعادات المكتسبة بعد الولادة من الله. النوع الأول، يتمثل في العادات الطبيعية، [27]فيحصرها بشكل أساسي في تلك العادات المرتبطة بالجسد، مثل: العفة، والاعتدال، وما إلى ذلك، التي يمتلكها البعض بصورة طبيعية بدرجة مُميَّزة، ويبدو أنها تنقص الآخرين تمامًا.

مع ذلك، يقر الأكويني بالفضيلة الأخلاقية الطبيعية بطريقة محدَّدة (التي يدعوها أرسطو بـ φυσική άρετή أي الفضيلة الطبيعية)، ويقول إن مبادئ الأمانة، والعدالة، والاستقامة، قد تكون، أو أحيانًا تكون موروثة حتى في الوثني، على الرغم من أنها يمكنها أن توجد فقط في صورتها الحقيقية الأصح جنبًا إلى جنب مع الإيمان المسيحي.

ثم يضع الأكويني الفضائل اللاهوتية تحت عنوان النوع الثاني، أو العادات التي يغرسها الله -الإيمان، والرجاء، والمحبة- ولكن لا يمكن لهذه الفضائل، حتى عند غرسها، أن تصير عاملة من دون قوة روحية أخرى.

ونتيجةً لذلك، أضاف الأكويني إلى العادات المكتسبة مواهب الروح القدس السبعة -الحكمة، والفهم، والمعرفة، والمشورة، والطاعة، والصبر، والمخافة. وهكذا اختلف هذا النوع الثاني من العادات المغروسة بحسب الأكويني عن النوع الأول في ذلك، أي أنه كان القصد منهم هو منفعة الإنسان الروحية، بينما كان القصد من العادات السابقة هو صلاحه الدنيوي. ولكن شكَّل الاثنان معًا ما سماه بالنعمة ”العادية“، أو نعمة العادات المكتسبة.

ولكن لا تكفي النعمة العادية في حد ذاتها بسبب عجزها عن تفعيل ذاتها. لأن الميل إلى عمل الشيء لا يعني بالضرورة ممارسة العمل، ولا يشير امتلاك العادة أيضًا إلى ممارسة هذه العادة. وهكذا كانت النظرية الوحيدة هي أن القوة التي تحرك هذه العادات هي حرية الإرادة، ولكن رفض الأكويني والمدرسيون هذا على اعتبار أنه يشير إلى امتلاك حرية الإرادة على وظيفة ناشئة وسببية خاصة بها، وهذا ما رفضوه.

وبالتالي، رجعوا مجددًا إلى تفسير آخر، وافترضوا قوة خارجية، أي نوع آخر ومختلف من النعمة، الذي أطلقوا عليه اسم ”النعمة الفعلية“ gratia actvalis. وهذه النعمة بحسب الأكويني هي القوة المحركة الحقيقية والفاعلة في النعمة العادية معطيةً إياها التأثير، وتجعلها تؤتي بثمارها.

في الواقع، ”النعمة الفعلية“ هي مجرد امتداد للنظرية الأوغسطينية عن النعمة، ولكن أولها التوماويون Thomists والجانسنيون Jansenists خلفاؤهم الكثير من الاهتمام الشديد وأصروا عليها، لأنها التعليم الوحيد الذي نفى الافتخار والتباهي بالاستحقاق من جانب الإنسان، لأنه لو كان يُحرِّكه اختياره الخاص للاستفادة من النعمة العادية، فمن ثم بإمكانه أن يدَّعي الجدارة في عمله، الذي يتعارض تمامًا مع عقيدة سبق التعيين.

لذلك كانت النعمة ”الفعلية“ هي استنتاج خاص بالأكويني، ولقد دافع عن هذا التعليم بشدة على اعتبار أنه أحد أهم وأقوى المواقف في الحقيقة المسيحية.

وهكذا يمكننا رؤية أنه على الرغم من دعمه لمبادئ الأوغسطينية الأساسية، إلا أن الأكويني يقدم تعديلات مهمة، تتميز بنزعة أكثر ليبرالية (تحررية). خاصةً اعترافه الواضح بالفضائل الطبيعية حتى في الوثنيين. لقد فُرِضَت هذه الليبرالية عليه بسبب اعتماده على أرسطو، لأنه كان عليه إيجاد مكانًا في هيكل الله بمثابة واجب خاص يُلزِمه.

هذه رواية موجزة عن نظام الأكويني مبنية -كما قد أوضحنا- على أنثروبولوجية أوغسطينوس، ولكنها مالت إلى رؤية أكثر ليبرالية (تحررًا) للطبيعة البشرية بوجه عام بسبب تأثير الفكر الفلسفي اليوناني.

لقد كان هناك قلق واستياء عام من حدة الآراء الأوغسطينية المتشددة أثناء فترة العصور الوسطى كلها، حتى بين هؤلاء الذين صنَّفوا أنفسهم أنهم من بين أتباعه، علاوة على الاستعداد لقبول نظريته عن الخطية بشكل أساسي، كما نشأ تيار قوي لرأي يميل إلى أنماط أقل حدةً في التفكير ممثلاً في المدرسة النصف بيلاجية.  لذا ينبغي علينا وضع هذين التيارين المتعارضين في الحسبان، عندما انعقد مجمع ترنت في عام 1546 م.

وبالتالي، أضطُرَ المصلحون التريدنتنيون Tridentine في محاولة للتوفيق بينهما إلى اللجوء إلى أسلوب غامض من العبارات والصياغات نوعًا ما، ولكن سيتضح بالفحص أنهم هم أنفسهم فضَّلوا الأنثروبولوجي النصف بيلاجي بدلاً من الأنثروبولوجي الأوغسطيني بوجه عام. فتبدو في الحقيقة صيغة قراراتهم تدعم العقيدة الأوغسطينية، إلا أنها وُضِعَت بمثل هذه البراعة، بحيث تُرِكَت آراء أوغسطينوس عن موضوع الخطية الأصلية في الحقيقة لحرية القبول أو الرفض حسب الرغبة، بينما أتخذوا بالفعل الموقف النصف بيلاجي في تفسير القوانين في بنود الحرومات.

 

 

جون دنس سكوتس John Duns Scotus

تمثل النسخة الفرنسيسكانية[28] لعقيدة السقوط تمردًا أكثر حزمًا وثباتًا على الأوغسطينية، وتُظهِر انسجام ميول واضحة مع ما قد أشارنا إليه كرأي مبدئي عن ”الميلاد الواحد“، و ”الهيليني“. لذا نتناول آراء جون دنس سكوتس[29] بالاتفاق مع الأسلوب الذي شرحنا به مسبقًا بصفته نموذجًا لمدرسته.[30]

يُحافِظ على المفهوم الأوغسطيني الرفيع عن ”البر الأصلي“ في هذا المخطَّط بحسب سياق الحديث؛ ولقد كانت فكرة كمال الإنسان الفردوسي حتى ذلك الوقت متجذرة بعمق شديد جدًا في الفكر المسيحي لدرجة تجاهُّلها صراحةً. ولكن تم تعديلها إلى مدى معين. ويؤكد على ”البر الأصلي“ بأنه قد كان عطيةً فائقةً للطبيعة donum supernaturale، وكان لها أثرًا على انتاج انسجام وتوازن كامل بين القدرات والوظائف المتنوعة في النفس الإنسانية، انسجام يتضمن إخضاع الشهوة قانونيًا للعقل.[31]

ولكن لم يكن هذا الانسجام مستقرًا تمامًا، حتى في الفردوس؛ لأن اختبار مقاومة ناجحة للغواية كان بحاجة إلى أن تكون الطبيعة البشرية ثابتة في النعمة. وهكذا حملت حالة آدم الطوباوية خاصية مشروطة بمجرد إغوائه لمرة واحدة. ولو كان قد غلب في الحادثة الأولى، عندما تم اختباره، فكان سيكتسب تعودًا أكثر ثباتًا واستمراريةً على الفضيلة؛[32] وتنطبق نفس القاعدة على كل فرد من أفراد نسله لو لم يسقط. وبالتالي، يتم اختبار كل عضو من أعضاء الجنس البشري وُلِدَ فيما بعد لمرة واحدة؛ فلو غلب سيكون ثابتًا في النعمة.[33]

وبالتالي، يمكن الاقتراح بأن سكوتس يُظهِر علامات الرغبة في الرجوع -بقدر استطاعته داخل حدود الأرثوذكسية الغربية في العصر الوسيط- إلى مفهوم القرن الثاني عن حالة الإنسان غير الساقطة كأحد مراحل ”الطفولة“ νηπιότης -على الرغم من أنها تتضمن ”نقطة الانطلاق نحو الارتقاء“ άφορμή προκοπής. ويتفق مع هذا التأكيد على أن ”عدم الموت“ الذي تمتع به آدم غير الساقط لا يتمثل في استحالة الموت، بل في إمكانية عدم الموت.[34]

وبالتالي، يكون لدينا تخمين أقل لمستوى الشر المرتبط بالسقوط طبقًا لهذا المفهوم المختلف نوعًا ما عن البر الأصلي. فلم يكن جذر خطية آدم بحسب سكوتس (كما هو الحال في رأي أوغسطينوس) نزعة غامضة وغير مبررة لتحدي خالقه، بل خلل طبيعي -كما إن جاز التعبير- يُغتفر ”لرغبة مفرطة تحت تأثير حبه لزوجته“ immoderatus amor amicitiae uxoris، رغبةً في عدم الانفصال عنها حتى بعد خطيئتها، رغبةً تحت ظروف غالبًا ما حوَّلت نفسه بصورة شبه حتمية إلى رغبة فعل ذاك الذي كان غير قانوني voluntas explendi illud quod non licuit.[35]

وطالما أن نشوء الخطية الأولى من مصدر بشري ولطيف كهذا، فيكون مبالغة واضحة وصف ”شرها“ بأنه ”غير محدود“،[36] وبالتالي تمت إزالة الأساس الذي يُبنى عليه المفهوم الأوغسطيني عن الجنس البشري الساقط ككتلة ملعونة وهالكة مُشكَّلة على مستوى الجماعة massa damnationis.

كما يبدو نفس الاتجاه إلى التخفيف من الملامح الحادة للنظام الأوغسطيني ملحوظًا في الغالب عند مناقشة موضوع الخطية الأصلية بوصفها خللاً vitium أي مرض نفسي. يتمثل جوهر الخطية الأصلية بحسب سكوتس فقط في ”فقدان البر الأصلي“ carentia originalis iustitiae، ولا يتمثل في الشهوة على الإطلاق،[37] وهذه أحد اختلافاته الأساسية عن توما (الأكويني). في الواقع، يمكن الحديث عن الشهوة بأنها أمر ”طبيعي“، على اعتبار أنها مجرد رد فعل ضروري من الجزء الحسي في النفس نحو أمور مرغوبة داخليًا.[38]

فيبدو من المرجح أن المعلم الغامض [أي سكوتس] يستخدم الكلمة هنا بمعناها الاصطلاحي، كمجرد تعبير عن ”شهوة كهذه“، وليس عن ”شهوة جامحة“؛ وبالتالي يمكننا بحق وضع اسم دنس سكوتس جنبًا إلى جنب مع اسم يوليان أسقف إكلانوم Julian of Eclanum، لأنه اسم أحد المفكرين المسيحيين القلائل الذين قد أدركوا بقوة فكرة الحيادية الأخلاقية للشهوة المادية (الطبيعية).

فبدا من المحتمل أن الإقرار ببراءة الشهوة يجلب بصورة طبيعية في طريقه النتائج الأخرى لإنكار الذنب الأصلي أو Reatus، أو إنكار الذنب على كل حال الذي يرتبط في المبادئ الأوغسطينية بالطبيعة المصابة أو الملوثة بالشهوة. ولكن يبدو هنا أن شجاعة الفرنسيسكان قد خانتهم. ويبدو أن تجاهُّل مفهوم الذنب الأصلي صراحةً يتضمن إنكار لممارسة طقس معمودية الأطفال بحسب فكر العصور الوسطى. لقد كان للممارسة الفعلية في الكنيسة -كما هو الحال في القرن الخامس- تأثيرًا لا يُقاوم على تطور الفكر.

حيث تُعمِّد الكنيسة بالفعل الأطفال المولودين حديثًا، ولا يمكننا الاعتقاد بأن الكنيسة مارست ذلك خطاءً أو بدون سبب وجيه، وبالتالي، يبقى الأطفال، حتى لو بعمر يوم واحد، في حاجة ماسة إلى المعمودية. ولكننا نعترف في قانون الإيمان ”النيقاوي“ بإيماننا بـ ”معمودية واحدة“ التي ”لمغفرة الخطايا“. فلا يوجد نوعين مختلفين من المعمودية، أحدهما للبالغين تقدم غفرانًا للخطايا، والأخرى لا تقدم غفرانًا للخطايا؛ وبالتالي، تتم معمودية الأطفال ”لمغفرة الخطايا“، ولا بد من الاعتقاد تبعًا لذلك أنهم يحملون خطية ما حقيقية بمعنى الذنب التي يمكن غفرانها.

فمن المحتمل أن المعرفة التاريخية التامة فيما يتعلق بتطور تقليد معمودية الأطفال، وما يرتبط بالعلاقة بين قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني (أو ما يُعرَف بـ ”النيقاوي“) و ”النيقية“ الأصيلة قد جعل تسلسُّل هذا الاستدلال أقل كثيرًا جدًا على الإقناع.[39] ولكن لم تكن مثل هذه المعرفة في أولوية نظام سكوتس: وبالتالي فهو يسعى إلى تفسير الذنب الأصلي بمقولة ”الدَّين“ غير الكافية نوعًا ما.

وهكذا ائتمن الله الإنسان في الفردوس على عطية البر الأصلي، ولكن الإنسان بدَّدها وفرَّط فيها؛ وبالتالي، يُعتبر الإنسان في المجمل في حالة ”مديونية“ لله، لأنه قد بدَّد الكنز الذي منحه إياه والده. وتنحدر حالة المديونية هذه من جيل إلى جيل، وهكذا تُعتبر قانونيًا بمثابة ”ذنب“ مشترك في نظر الله.[40]

ولكن مذهب الأسمية[41] Nominalism الذي كان سمة مُفكِّرين فرنسيسكان آخرين، وهكذا بإنكاره للوجود الموضوعي للكليات[42] universals، أنكر ضمنيًا أن آدم كان كلي البشرية، وبالتالي أقتلع جذر فكرة الذنب الأصلي، طالما أن هذا يشير إلى تحمُّل المسئولية عن خطية آدم من قبل المولد.

فالتناقضات التي وجد السكولائيون الفرنسيسكان اللاحقون أنفسهم مُتورِّطين فيها بمحاولة تبرير نوع من الأوغسطينية المعيبة على أساس اسمي بحت، إنْ كان من الممكن حلها بمجرد تطبيق المبدأ الشكي، الذي كان -للمفارقة الساخرة الوحيدة- المنتج العقلاني الأخير لعصر الإيمان، فالفرضيات التي قد تكون حقيقة في اللاهوت، هي خاطئة في الفلسفة، والعكس صحيح.[43]

ننتقل الآن لفحص الحالة الساقطة الحاضرة في الإنسان بحسب المفهوم السكوتي. يمكن تحديد التعليم الفرنسيسكاني بصورة طبيعية من خلال الموقف الأساسي بأن جوهر الخطية الأصلية لا يتمثل في فساد حقيقي للطبيعة البشرية، بل في مجرد فقدان عطايا فائقة محددة، كانت تمتلكها الطبيعة البشرية ذات مرة. وبالتالي يستطيع الفرنسيسكان الحفاظ على حرية إرادة حقيقية، وليست مجرد حرية اسمية.

فالإرادة بالنسبة لسكوتس حرة بالمعنى السيكولوجي (النفسي) للحرية بحكم العادة والشخصية، وأيضًا بالمعنى الميتافزيقي للحرية بحكم العلية (السببية) الإلهية الحاضنة لكل شيء. وكل من هذين الموقفين له نتائج لافتة للانتباه، والتي يمكن الإشارة إليها دون الابتعاد كثيرًا جدًا عن السياق الأساسي لبحثنا. حيث يتطلب الإقرار بالحرية السيكولوجية (النفسية) للإنسان الساقط الاعتراف بأنه يمكنه ممارسة الأعمال الصالحة في النظام الطبيعي بصورة أخلاقية، حتى من قبل نوال النعمة.

وهكذا من الواضح أنه ينبغي تمييز أعمال الفضيلة الطبيعية المجردة بشدة عن الأعمال المعجزية الفائقة للطبيعة، التي تحتاج النعمة، ولكنها على الرغم من ذلك، هي أفعال أخلاقية حقيقية، ومازالت ترضي الله حتى هذه اللحظة.

حتى أنها تستحق نعمة مقابلة congruo، أي تُعتبر بمثابة مكافأة مقابلة -على الرغم من عدم اكتسابها بالمعنى الكامل- الموقف الذي يُعتبر غير مُستساغ بشكل طبيعي مع الأوغسطينية المتطرفة لمترجمي مقالاتنا التسعة والثلاثين،[44] وهكذا يرفض سكوتس بقوة فكرة أن فضائل الوثنيين ليست أفضل من ”الفضائل الفائقة“، وبالتالي، تتفق الحرية الميتافزيقية التي ينسبها سكوتس إلى النفس الإنسانية مع شمولية العلية (السببية) الإلهية على افتراض الانسجام المُحدَّد مسبقًا بين قرارات الله الأزلية ونتائج الاختيار البشري.

فأنني أمتلكُ هنا والآن الحرية الكاملة في الاختيار بين بديلين، إما (أ) أو (ب). فإذا قررت اختيار (ب)، فأنني حر بالكامل في فعل ذلك، وأتحمل المسئولية الكاملة عن اختياري: بالرغم من ذلك، عرف الله مسبقًا منذ الأزل بأنني سأختار (ب)، وصادق على قراري بحدسٍ في مشوراته الإلهية، وهكذا يُصمَّم باقي التاريخ البشري على اعتبار أن (ب) هو اختياري بالفعل؛ وبالتالي، يمتلك الفرنسيسكان القدرة على التقارب كثيرًا جدًا مع النصف بيلاجية Semi- Pelagianism فيما يتعلق بعمل النعمة المانعة (الوقائية).

وهكذا من الطبيعي أن تصل هذه النسخة المُعدَّلة من العرض الغربي التقليدي للأنثروبولوجي المسيحي إلى ذروتها في رأي معتدل على نحو استثنائي لنتائجه الطبيعية الأسخاتولوجية (الأخروية)، أي في رأيه عن الليمبو Limbo حتى أنه أقل حدةً من رأي توما (الأكويني). وبالتالي يضطر سكوتس بسبب التقليد إلى إيعاز هذه الآراء في الليمبو Limbo إلى أنها ”آراء ملعونة“،[45] ولكن تبدو لعنتهم من النوع البالغ السعادة والهدوء.

فهؤلاء هالكون ببساطة بسبب الخطية الأصلية في طبيعتهم، ولكنهم بلا خطية فعلية أو شخصية، ولا يعانون من أي ألم أو حزن من أي نوع؛ وبالتالي فهم معافون من العقوبة الحسية poena senus، وعذابات النار الأبدية، ومن العقوبة اللعينة poena damni، أي عقوبة الانفصال عن الله.[46] فعلى الرغم من فقدانهم المعاينة الطوباوية لله في جوهره الحميم، إلا أنه من الممكن أنهم سيعرفون الله من خلال أعماله، وربما بصورة كاملة بالقدر الذي يمكن معرفته به، وسوف تمنحهم معرفة سعادة إيجابية معينة.[47]

حيث يستشهد سكوتس بقول بونافنتورا[48] Bonaventura أن أوغسطينوس تحدث بصورة مبالغة -”بمغالاة“- في إنكاره للحالة المتوسطة التي سلم البيلاجيون بها جدلاً في حالة غير المعمدين الأبرار أو الذين بلا خطية.[49]

وهكذا فازت النظرية الفرنسيسكانية على طول الخط في العصور الوسطى بقدر الاهتمام بمفهوم الليمبو Limbo. لقد كان هناك القليل من الأوغسطينيين المتشددين أمثال غريغوريوس من ريميني Rimini (1358م)، الذين تمسكوا بفكرة العذابات الحقيقية الإيجابية التي تقع على الأطفال غير المعمدين، والتي كانت تُلقَّب باستهزاء باسم تعذيب الأطفال tortores infantium. وهكذا تخصَّص كالفن Calvin في إحياء هذا الجزء من التعليم الأوغسطيني بكل هوله.

ويجب ذكر نتيجتين آخرتين للتعليم السكوتي من أجل الشمولية -أحدهما تعود إلى شخص المخلص، والأخرى تعود إلى شخص والدته. لقد كان من الصعب بشكل طبيعي على هؤلاء الذين خفَّفوا من قسوة السقوط الاعتقاد بأن حدث هائل مثل التجسُّد كان مشروطًا به [أي بالسقوط].

وبالتالي يبتعد الفكر الفرنسيسكاني في هذا الموضوع بالأساس عن التعاطف مع الفكرة المُعبَّر عنها في العبارة الشهيرة عن السماح Exultet: ”يا لَقيمة الخطية اللازمة بالطبع! يا لَخطية السعيدة التي كانت سببًا في مثل هذه المكافأة والربح باقتناء الفداء!“، وبالتالي، يأتي الرأي السكوتي على نحو خاص بأن التجسُّد كان سيحدث على كل حال، حتى لو لم يوجد السقوط، وأنه كان مُعدَّ من الله منذ كل الأزل كلحظة تتويج للتاريخ البشري.[50]

كما جعلت الفكرة السلبية أو المجردة عن الخطية الأصلية المتمثلة فقط في فقدان أو غياب نعم محددة فائقة للطبيعة من السهل الاعتقاد بأن هذه النعم كانت بمثابة امتياز خاص مُعطَى لأم المسيح لتجعل من جسدها ونفسها مسكنًا مناسبًا للكلمة الإلهي.[51]

ولكن رأي هارناك Harnack العابر بأنه من السهل على الكاثوليك الرومانيين إقرار عصمة مريم من الخطية الأصلية، لأن الخطية الأصلية لا تعني أي شيء بالنسبة لهم، هو مبالغة واضحة،[52] لأنه يتجاهل حقيقة أن التعليم اللاتيني فيما بعد المجمع التريدنتيني Tridentine عن جرح الطبيعة البشرية الموروث هو أكثر حدةً من التعليم السكوتي، على الرغم من عدم حدته للغاية مقارنةً بالتعليم التوماوي أو الأوغسطيني.[53]

وإنه من الإنصاف أيضًا الإشارة إلى الاختلاف بين توما (الأكويني) ودنس سكوتس فيما يتعلق بامتياز مريم الذي تحول، ليس بسبب السؤال حول هل كانت مريم بعد ولادتها معصومة من الخطية الأصلية -لأن كلاهما أقر بذلك- بل بناءً على السؤال حول هل مُنِحَت هذه العصمة لها في لحظة ما مجهولة أثناء حياتها داخل الرحم، كما أقر المعلم الملائكي [أي توما الأكويني] بذلك،[54] أم في اللحظة الأولى عينها من وجودها، أي في لحظة الحبل بها، كما أكد المعلم الغامض [أي دنس سكوتس].

وهكذا قد أوضحت الخلاصات السابقة للفكر الأنثروبولوجي عند المعلميِّن البارزين في العصور الوسطى، كما نرجو ذلك، أن تاريخ موضوعنا أثناء الحقبة المدرسية هو تاريخ انحدار تدريجي للأوغسطينية الصارمة. فقد وجَّه أنسلم الضربات الأولى لسطوتها في القرن الحادي عشر، عندما قدَّم مفهوم ”فقدان البر الأصلي“ كمكون أساسي من مكونات تعليم الخطية الأصلية، مُمهِّدًا بذلك الطريق أمام استبدال فكرة الضعف الموروث بفكرة الشر الموروث عند أبيلارد Abelard الذي كان أول مَن تحدى فكرة الذنب الأصلي.

وهكذا حافظ توما (الأكويني) والدومنيكان على نوع مُعدَّل من الأوغسطينية، حيث يُوصَف فقدان البر الأصلي أنه بمثابة ”الصورة“، والشهوة بمثابة ”المادة“ للخطية الأصلية. ثم طوَّر سكوتس والفرنسيسكان نسخة مُعدَّلة أكثر بكثير من الأوغسطينية (إنْ كان من الممكن أن ندعوها بذلك)، حيث تأتي الخطية الأصلية من كافة الأغراض العملية لتتمثل في فقدان البر الأصلي فحسب، وتتوقف الشهوة عن أن تكون شريرة بأي معنى.

فكان من الطبيعي أن يفترض مثل هذا المفهوم الأكثر تصنعًا وتجريدًا بفقدان نعم فائقة محدَّدة ومجرَّدة مكانًا قاصرًا خاصًا بالجد البعيد للجنس البشري، الذي كان لديه القليل من القدرة على التأثير في ضمائر البشر، أو حتى إثارة اهتمامهم الذهني: فإذا كان ميل الفرنسيسكان والاسميين إلى التخفيف من حدة عقيدة السقوط إلى لا شيء قد استمر، فيمكن بذلك رفض كل عمل أوغسطينوس فيما يتعلق بهذه الأفكار، حتى داخل دائرة وفترة الكاثوليكية في العصر الوسيط.

إنها حقيقة صادمة تجاهُّل التعليق الوافي الذي كتبه بيير من إيلي[55] Pierre d’ Ailly على كتاب ”الأحكام“ موضوع الخطية الأصلية برمته. لقد كان للرد الفعل الأوغسطيني القصير الأمد المرتبط بأسماء مثل برادفاردين Bradwardine وويكليف Wycliffe أثرًا محدودًا على الفكر العام في أوروبا. ولكن ما قد أعطى بالفعل للأوغسطينية عقدًا جديدًا للحياة كان الإصلاح. ومع ذلك، سيؤول إلى ظهور اللحظة التي ننكر فيها هذا الحدث الجلل، وهكذا تستمر قصة الانحدار التدريجي للأوغسطينية داخل المسيحية اللاتينية بالنزول إلى العصور الحديثة.

ويليام من أوكام William of Ockham

ويليام من أوكام[56] هو راهب فرنسيسكاني إنجليزي، وأحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في القرن الرابع عشر في أوروبا العصور الوسطى. لذا سوف نبحث مفهوم الخطية الأصلية، وسبق التعيين، وحرية الإرادة، عند أوكام الذي كان له أكبر الأثر في تشكيل الفكر اللاهوتي في مجمع ترنت Trent.

نجد أن أوكام في سياق شرحه للخطية الأصلية والإرادة الحرة في الإنسان، يغالي ببساطة في الحفاظ على قدرة الله على كل شيء والحفاظ على الحرية أيضًا.[57] وهكذا يتبنى أوكام التمييز بين قوة الله المطلقة وقوته الإلزامية؛ التي قد أشار إليها بالفعل بطرس اللومباردي في الكتاب الأول من مؤلفه ”الأحكام“، التمييز 42- 43.[58]

وبالتالي أصبح هذا التمييز في القرن 13 (عند ألكسندر من هالس[59] Alexander oh Hales، وألبرت[60] الكبير Albert The Great، وتوما الأكويني Thomas Aquinas) معتادًا، على الرغم من فهم اللاهوتيين المختلفين له بطرق مختلفة بعض الشيء. حيث تشير القوة المطلقة عند توما الأكويني إلى كل شيء يمكن أن يفعله الله، بينما تشير قوته الإلزامية إلى القوة الإلهية بقدر ما ”لأنها تدفع الأمر بالمشيئة الصالحة إلى التنفيذ“.[61]

وبالتالي، يتزامن ما يفعله الله حقًا بحسب توما (الأكويني) مع قوته الإلزامية. فأفعال مثل معاقبة المصريين، وإقامة لعازر من الأموات هي أفعال قوة الله الإلزامية. وهكذا يفسر أوكام متبعًا دنس سكوتس التمييز بين القوة المطلقة والقوة الإلزامية بمصطلحات قانونية أكثر. فعلى سبيل المثال، تشير القوة الإلزامية عند دنس سكوتس إلى الفعل بحسب القانون السليم، بينما تشير القوة المطلقة إلى إمكانية فعل الشيء خارج نطاق هذا القانون أو عكسه.[62] وهكذا يحذو أوكام حذو سكوتس في منهجه الأكثر قانونيةً.

ويستطرد أوكام -بعدما شرح بعدم آخذ التمييز بين القوة المطلقة والقوة الإلزامية بمعنى وجود قوتين في الله- في شرح معناهما كالتالي: ”يجب فهم التمييز بمعنى أن ’طاقة فعل شيء ما‘ تعني أحيانًا ’قوة عمل شيء ما بحسب القوانين التي وضعها وأسسها الله‘، وبالتالي يُقال عن الله أنه يستطيع عمل هذه الأشياء بقوته الإلزامية. بمعنى آخر، يجب فهم ’القوة‘ بأنها ’القدرة على عمل أي شيء لا ينطوي فعله على تناقض‘. بغض النظر عما إذا كان الله قد فرضه فعله أولاً“.[63]

وبالتالي، تختلف النتائج المترتبة على فهم أوكام للتمييز بين القوة المطلقة والقوة الإلزامية تمامًا عن فهم توما (الأكويني).[64] ففي رأي توما (الأكويني)، يختار الله (’يفرض‘) عدد محدود من الخيارات المنطقية (التي قد تكون غير محدودة في العدد تمامًا)، وبالتالي، القوة الإلزامية عند توما (الأكويني) ليست قوة عرضية (مشروطة) -بل القوة المطلقة هي كذلك فقط. لأنه بمجرد أن يختار الله، يتوفر نوع من الغائية. وهذا نابع من منظور توما (الأكويني) باستحالة تغيُّر قوة الله الإلزامية. بينما في رأي أوكام، تمتد عرضية (شرطية) قوة الله المطلقة إلى القوة الإلزامية.

لأنه توجد العديد من الأمور التي تتوافق مع القانون الصحيح، التي يستطيع الله فعلها، ولكنه لا يفعلها. وبالتالي، هذا الشيء مستحيل في فهم توما للقوة الإلزامية. مرةً أخرى، قوة الله الإلزامية عند سكوتس وأوكام يمكنها أن تتغيَّر، لأنه على سبيل المثال، يمكن لله أن يُصدِر قوانين أخلاقية جديدة. ويستطيع الله الحكم على إلحاق الضرر بأنه مقبول في عصرٍ، وغير مقبول في عصرٍ لاحقٍ.

فلا يمكن أن تكون النتائج المترتبة على أمور لاهوتية، مثل: النعمة، وسبق التعيين (الاختيار)، والاستجابة، راديكالية (متطرفة) في فكر أوكام كما هو معتاد الحديث عنه -بل تحتوي على بذور الأخلاق الإلهية الحاكمة والكاملة النضوج، والمحسومة بشكل نهائي من أخلاق القانون الطبيعي.[65] ومع ذلك، لم يتخذ أوكام هذه الخطوة، لأن الأخلاق عنده تتضمن المنطق السليم والمشيئة الإلهية المطلقة، ولكنه من الصعب إمكانية حدوث هذا التوازن بين أخلاق المنطق السليم والأخلاق الإلزامية (الجبرية).[66]

وهكذا قد يرى أوكام أن ”الإنسان قادر على الخلاص بقوة الله المطلقة من دون نعمة مخلوقة“.[67] ومع ذلك، ”يستحيل أن يخلُص أي إنسان أو يقدر على الخلاص من دون النعمة المخلوقة“ بحسب القوانين التي فرضها الله الآن. فالله يحب بحرية مَن يحبه. وهكذا يسمح [أوكام] بإمكانية أن يقبل الله شخص ما، أو ممارسة أعمال صالحة مستحقة دون إحسان أو نعمة مغروسة. فبدا ذلك للاهوتيين المعاصرين له أنه يُشابِه بصورة خبيثة الآراء البيلاجية.[68]

يبدو جديرًا بالملاحظة أن أسباب أوكام للتمسُّك بهذا الرأي هي كالتالي: ”أعتقد بذلك بسبب الكتاب المقدس وتعاليم القديسين“.[69] مرةً أخرى، يستطيع الله بقوته المطلقة ”إذا كان يسره ويرضيه ذلك، أن يغفر جميع الذنوب […] دون غرس نعمة مخلوقة“.[70]

على الرغم من ذلك، إنه من الظلم الادعاء بأن إله أوكام -بقوته الإلزامية- يتصرف اعتباطيًا، بل من الواضح أنه يقدم تأكيدًا أقوى من تأكيد توما على حرية الله للتصرف بصورة عرضية (مشروطة). فنحن كحقيقة مسلمة لسنا في وضع لننسب الاعتباطية إلى الله. فالله وحده يقرر استحقاق الشخص أو الفعل، ولا يوجد شيء مستحق الخلاص بموافقة الله. لأن موافقة الله تقع ما بين الفضيلة والاستحقاق، ”الذي يمكن الإنعام به فقط كعطية بحرية، ولا يُنتزَع باعتباره حقًا مكتسبًا“.[71]

مجمع ترنت 1546م والنزعة النصف بيلاجية في القرارات التريدنتينية

لقد كانت مناقشة هذه التعاليم بين اللاهوتيين في النظامين النسكيين الكبيرين موضوعًا للبحث والدراسة في المدارس المختلفة على نطاق واسع. ولكن لم تؤثر الأسئلة المتعلقة بذلك في الحياة العملية بأي شكل من الأشكال،[72] ولم يكن لها اهتمام لدى طبقة من جمهور المؤمنين، أو مثل هذا الاهتمام لدى الإكليروس، لأنهم لم يكونوا خبراء لاهوتيين.

لقد انتموا إلى نفس المجادلات باعتبارها جدالات طويلة لا نهاية لها بخصوص الملائكة، هل يشغلون حيزًا أم لا، وهل يمكن لملاك واحد أن يتواجد في مكان ومكان آخر في نفس الوقت، وهل فكر الملائكة استطردي أم بديهي (حدسي). ولكن كان للإصلاح -متحديًا البنية الكلية لحياة وفكر كنيسة العصر الوسيط كما فعل ذلك- أثرًا ملحوظًا على نقل التعاليم عن السقوط والخطية الأصلية إلى خارج الدير وقاعات المحاضرات، إلى ساحة السوق، جاعلاً منها أمورًا ذات أهمية واهتمام كبيرين لحياة المئات والآلاف الدينية من الشعب العادي.[73]

لذلك عندما قامت الكنيسة اللاتينية -بعد انفصال الأمم الشمالية- بتقييم نفسها، ومضت قدمًا إلى إعادة تنظيم نفسها على أساس حربي، مثل مدينة محاصرة، بنظام صارم مُخصَّص لتأمين حياتها ضد هجمات أعدائها، كان من الضروري تقليص هذه التعاليم أيضًا بشكل صارم ومُحدَّد، للإبقاء على مسافة آمنة عن التأثير المصلح. ونتيجةً لذلك، تمت صياغة ما يزال قائمًا من العقيدة الرسمية للكنيسة الرومانية حول هذه الموضوعات في مجمع ترنت. فبغض النظر عن قلق الإمبراطور كارل الخامس، الذي كان يُفضِّل كثيرًا ترك المجمع لمثل هذه الشائكة جانبًا.

لقد كان كاترينو Catterino ودي سوتو de Soto هما الممثلين عن الدومينيكان في المجمع، وهما اثنان من أكثر اللاهوتيين علمًا في نظامهم الرهباني؛ ولكن من الجدير بالملاحظة أننا نسمع قليلاً جدًا عن الفرنسيسكان. لقد مر نظام الرهبان (الأخوة) الأصاغر بأيام شريرة، ولم يفرز لاهوتيًا كبيرًا منذ وقت ويليام أوكام William Ockham.

حيث كانت هذه الفترة مضطربة بالانقسامات بين الرهبان الكبوشيين Capuchins والرهبان الفرنسيسكان (السكوتيين/ الديريين)؛ وهكذا غطت عباءة دنس سكوتس -كداعم لتأسيس موقف مناهض للأوغسطينية- على مجتمع يسوع حديث التأسيس [يقصد اليسوعيين].

تضمنت قرارات المجمع قرارًا بخصوص الخطية الأصلية في الجلسة الخامسة، أقرته في يوم 17 يونيو 1546م، وقرارًا بخصوص التبرير في الجلسة السادسة، أقرته في يوم 13 يناير 1547م.[74] ويتضمن القرار السابق خمس قوانين مُكرَّرة شفويًا من أول قانونين من مجمع أورانج Orange الثاني، وتحتوي أيضًا على فقرة طويلة مأخوذة من القانون الثاني لمجمع قرطاجنة الثاني، الذي حرم كل من بيلاجيوس وكالستوس عام 418م. ولكن قد تبدو هاتان الحقيقتان على الرغم من القرارات التريدنتينية Tridentine أنهما قد كانا انتصارًا للأوغسطينية.

في الواقع، لقد كانت النتيجة توفيقية، لا يمكنها إرضاء أي حزب تمامًا، كما سيبين التحليل الموجز لها. (1) ”البر الأصلي“. حيث يمكن الحديث عن آدم أنه قد ”جُبِلَ“ في قداسة وبر. ولكن يصمت المجمع عن موضوع منجزاته الفكرية المفترضة (فالمقصود من كلمة ’جُبِلَ‘ بوضوح هو منع إثارة السؤال: هل خُلِقَ آدم في حالة البر الأصلي، كما أكد الدومينيكان، أن خُلِقَ في حالة الطبيعة الأصلية، ووُهِبَ القداسة الفائقة للطبيعة بعد ذلك، كما أكد الفرنسيسكان). (2) تُعتبر الخطية الأصلية بمثابة فقدانًا أو حرمانًا vitium.

ويُعتبر المجمع هنا بشكل مدروس غامضًا، راضيًا في حد ذاته ترديد الإقرار غير الواضح لمجمع أورانج Orange الثاني الذي يفيد بأن آدم قد تغيَّر بالسقوط إلى الأسوأ نفسًا وجسدًا، وجرح نسله وليس مجرد نفسه فحسب. (3) تُعتبر الخطية الأصلية بمثابة ذنب Reatus، أي ”الذنب الأصلي“. ويتم التأكيد على ذلك بقوة. فيبدو أن القانون رقم 3 (قانون خاص بموضوع الخطية الأصلية) يشير إلى نظرية ”الوحدة البذرية“ Seminal Identity، على الرغم من أن لغته غامضة للغاية.

كما يقر القانون رقم 4 بوجود خطية في الأطفال، التي لا بد من التكفير عنها في جرن التجديد [أي المعمودية]. ثم يستخدم القانون رقم 5 عبارة واضحة عن ذنب الخطية الأصلية reatus peccati originalis، ويقر بأن شيئًا غير معروف -الذي له الطبيعة الحقيقية والمناسبة للخطية- تمحوه المعمودية. (4) يؤكد المجمع بخصوص حالة الطبيعة البشرية الناتجة عن السقوط على أن الشهوة ليست خطيةً، بل مجرد نارًا fomes أو وقودًا للخطية، وأنها تُمحَى بالجهاد المستمر adagonem، وبالتالي ينبغي عليهم مقاومتها.

لذا من الواضح أيضًا أنه تم طمس إرادة الإنسان الحرة على كل حال، بل بالأحرى قد ضعفت وتشوهت، لذلك يعجز البشر عن إطلاق وتحرير أنفسهم من سلاسل الشهوة الشريرة بمعزل عن النعمة. وهكذا نلاحظ فورًا أن هذه المواقف تمثل توفيقًا بين آراء الدومينيكان وآراء اليسوعيين Jesuit، لأنه بوجه عام، حصل اليسوعيون بشكل كبير جدًا على أفضل اتفاق. ولكن يُؤمِّن الدومنيكيان التأكيد على الذنب الأصلي بتعبيرات تذهب إلى أبعد مما ذهبت إليه نظرية سكوتس عن الدَّين.

من ناحية أخرى، يُؤمِّن الحزب المناوئ للأوغسطينية التأكيد الشديد على حقيقة حرية الإرادة في الإنسان، وإنكار اعتبار الشهوة خطيةً بأي معنى حقيقي، واستثناء العذراء الطوباوية من سياق أي قرار يؤكد على شمول الخطية الأصلية لها، وإنكار الموقف الأوغسطيني باعتبار أعمال غير المؤمنين أنها خطايا. وبالتالي يمكن الحديث عن الأرثوذكسية التريدنتينية بخصوص هذا الموضوع أنها سكوتي Scotist بوجه عام، مع جزئية واحدة غير مُستوعَبة من الأوغسطينية المحضة، أي مفهوم الخطية الأصلية المرتبط بها بشكل غريب.

يمكن المرور سريعًا على التاريخ اللاحق لهذه التعاليم في الكنيسة اللاتينية في بضع كلمات. لقد مال الجدل بين الدومينيكان واليسوعيين إلى الابتعاد عن الأنثروبولوجي، وأصبح مشتبكًا أكثر فأكثر بالسؤال عن ”النعمة“، الذي -كما قد أشارنا في المحاضرة الخامسة- لم نهتم به مباشرةً. مع ذلك، لا بد من ذكر محاولة وحيدة لإحياء النظام الأوغسطيني الكامل داخل المجتمع الروماني -المحاولة التي عن طريق إفشالها وإخمادها أثَّرت تأثيرًا غير مباشر في التأكيد على الصفة السكوتية للأرثوذكسية اللاتينية المناوئة للأوغسطينية في هذه النقاط.

وهذه المحاولة مرتبطة باسم مايكل من باي Michail de Bay، أو بايوس Baius.[75] بايوس -هو بروفيسور في جامعة لوفان Louvain- قد حضر مجمع ترنت كخبير ومستشار لاهوتي، أنكر التمييز المدرسي بين العطية الفائقة donum supernatural للبر الأصلي، والطبيعة النقية pura naturalia مؤكدًا بذلك على أن العطايا الفائقة لذهن ونفس آدم كانت خاصة بجوهر الطبيعة البشرية، وهكذا بالغ من ذنب سقوطه، وأعاد التأكيد مرةً أخرى على الموقف الأوغسطيني بأن الوجود المجرد للشهوة الكامنة في الطفل حديث الولادة هي خطية مميتة في حد ذاتها.[76]

كان لحرم هذين الاقتراحين[77] من بين العديد من الاقتراحات الأخرى المجموعة من أعمال بايوس -كما يمكن القول- انعكاسًا على التعليم الحالي للاهوتيين الرومانيين. حيث قاموا بصقل وتنميط التمييز بين الطبيعة البشرية المجردة و ”العطايا الفائقة للطبيعة“؛ ودنت فكرة الخطية الأصلية من تفسيرها بنمط سكوتي من الناحية العملية باعتبارها مجرد فقدان لهذه العطايا الفائقة للطبيعة، فقط مع تضافر طفيف للعلاقات السليمة بين العقل والشهوة كنتيجة لها.

ولكن مازالت فكرة الذنب الأصلي باقية في الحديث، ولكنها تُفسَّر بمثل هذه الطريقة المتعلقة بتفريغ وتجريد مصطلح ”ذنب“ والمصطلحات القانونية المرتبطة بالطبيعة بهذا المفهوم من كل معانيها الحقيقية. وبالتالي، نحتاج من أجل توضيح ذلك إلى مجرد اقتباس تصريح حديث ذي سلطة عن وجهة النظر الرومانية الكاثوليكية موجود في مجلد من أبحاث عن ”الله والفائق للطبيعة“.[78]

حيث يقول الكاتب عن ”مشكلة الشر“ في سياق حديثه عن مصطلح ”الدنس“ كمصطلح مُستخدَم عن الخطية الأصلية التالي:

”لا يوجد دنس مادي للطبيعة مثلما تقصد الكنيسة بمثل هذه اللغة، بل مجرد الولادة فحسب في الطبيعة ذاتها المجردة من الطبيعة الفائقة التي تجعلها كاملةً. وهذه هي البراءة الشخصية الموجودة في الطفل المولود حديثًا، وهكذا تتناسب براءته في النظام الطبيعي مع ذنب طبيعته في علاقته بالنظام الفائق للطبيعة. كما أنه عزيز على الله أيضًا بسبب اتحاده جوهريًا به على اعتبار أنه بدايته ونهايته الطبيعية، ولكنه مازال ’ابنًا للغضب‘ في انفصاله ونفوره عنه باعتباره نهايته الفائق للطبيعة“.[79]

ثم يضيف في حاشية:

”لا يجب استخدام ’ولكنه مازال بالطبع بمثل هذه اللغة ابنًا للغضب‘، أو ”مرفوضًا من الله“ عن الأطفال الأبرياء بالطبيعة وبشكل شخصي دون تفسير متعقل لمعناها التقني وغير الطبيعي“.

ولذلك، نحن مهتمون في هذا الجزء من بحثنا برصد وتسجيل مسار حركة الأفكار أكثر من نقدها. ولكن يستحيل أن يمنعنا هذا من ملاحظة أنه إذا كان من المكن فقط استعمال مصطلح ”ذنب“ عن الخطية الأصلية بمعنى غير طبيعي، فيبدو من الأفضل أكثر ألا يُستعمَل هكذا على الإطلاق.[80]

وهكذا يتم التعبير عن تصريح المجمع بخصوص التعليم عن الخطية الأصلية في القوانين التالية القابلة بالطبع للتفسير الأوغسطيني:

”إنْ كان أحد لا يعترف بأن الإنسان الأول آدم، عندما قد تعدى على الوصية الإلهية في الفردوس، فقد على الفور القداسة والبر الذين خُلِقَ عليهما، وجلب غضب الله وسخطه من خلال ذنب هذا التعدي، وكذلك الموت الذي قد سبق وهدَّد الله به، وهكذا بالموت العبودية لسلطان مَنْ له سلطان الموت، أي إبليس، وتحول آدم كله، جسدًا ونفسًا، وتغيَّر بهذا العصيان إلى الأسوأ، فليكن محرومًا“.[81]

”إنْ كان أحد يقر بأن تعدي آدم أصاب نفسه فقط، وليس نسله، وأنه بفقدانه القداسة والبر الذي قد أخذه من الله، وفقده عن نفسه فقط، وليس عنا، أو أنه نقل بواسطة تلوثه بخطية التعدي الموت وعقوبة الجسد فحسب للجنس البشري كله، وليس الخطية نفسها، أي الموت الروحي، فليكن محرومًا، لأنه يخالف الرسول القائل: ”بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا سار الموت إلى جميع الناس، لأن الجميع أخطئوا فيه (أي في آدم)“.[82]

”إنْ كان أحد يقر بأن خطية آدم هذه واحدة في الأصل، وانتقلت بالتناسل وليس بالتقليد، وبالتالي فهي موروثة في الجميع، وتخص كل واحد منهم، ويمكن محوها بقوة الطبيعة الإنسانية، أو أي علاج آخر غير استحقاقات الوسيط الوحيد ربنا يسوع المسيح […]، فليكن محرومًا“.[83]

صيغة هذه القوانين حول المعضلة الصعبة للخطية الأصلية هي غامضة عن قصد، ويمكن حتى أن يقبلها أوغسطينوس نفسه بلا شك، ولكننا عندما نتحول إلى الكاتشيزم[84] الروماني Roman Catechism الملحق بالقوانين، وله نفس السلطة التي لها، نجد الحديث عن أن البر الأصلي لم يكن برًا طبيعيًا، بل نعمة فائقة للطبيعة، أي أضافها الله إلى الإنسان بعد خلقته، ولا تشكل جزءًا أصيلاً من تكوينه. وبالتالي هذا، على الرغم من ذلك، يتعارض مع القوانين -ويتعارض مباشرةً مع النظرية الأوغسطينية. ويشير إلى أن الإنسان خُلِقَ ناقصًا.

فلم يكن خاطئًا من البداية، ولم يكن قديسًا أيضًا. إضافة عطية البر الأصلي -المضافة بعد الخلق، أو على الأقل باستقلالية عن فعل الخلق- ضرورية، لكي يمكن للنفس العاقلة وغير المائتة أن تميل إلى العلو، وأن تنال النصرة على الجسد، والتي لكونها مملوءة بالشهوات المادية، تميل إلى أسفل،[85] وهكذا يمكن أن تنتهي العداوة بين الجسد والنفس، ويصير المخلوق كاملاً. من ناحية أخرى، اعتبرت نظرية أوغسطينوس الإنسان مخلوقًا كاملاً. ودخل إلى تكوينه نفسه البر الأصلي آتيًا من الخالق، ولم يكن شيئًا ينبغي إضافته بصورة فائقة بعد ذلك.

وبالتالي، يمكن القول عن اللاهوتيين التريدنتينيين بأنهم كانوا في اتجاهات نصف بيلاجية لتغيير عقيدة أوغسطينوس عن الخطية الأصلية. ولم يقبلوا بالفساد الكامل للإنسان بعد السقوط.

بل قالوا ببساطة إنه قد تغيَّر وتحول إلى الأسوأ in deterius، وبالتالي، بالتأكيد أو الإشارة إلى أن الإنسان خُلِقَ ناقصًا، فإنهم يأخذون العلة الأولى للخطية الأصلية إلى أبعد من السقوط، ويجعلون مصدرها في النزعة الطبيعية للجسد التي تتعارض مع نزعة النفس، أي في الجزء الأدنى من الطبيعة الإنسانية الذي خُلِقَ مناقضًا لجزءها الأعلى- أي في الجزء الطبيعي الذي يتعارض مع الجزء الروحي- في الجزء الأرضي مقابل الجزء الإلهي.

ولكننا يمكننا أن نرى بكل وضوح في النتيجة المنطقية لهذه النظرية نزعتها النصف بيلاجية. وبالتالي أدى التعليم أعلاه القائل بأن البر الأصلي كان عطية فائقة للطبيعة إلى التعليم القائل بأن السقوط تسبب في فقدان وضياع العطية الفائقة للطبيعة، وليس فقدان العطية الطبيعية. وهكذا نتيجةً لخطية آدم، فقد الجزء الروحي من الإنسان سلطانه وسيطرته على جسده، وارتدت الطبيعتان، أي الأعلى والأدنى، اللذين خُلِقَ بهما، إلى صراعهما الأصلي.

وبالتالي لا تعني الخطية الأصلية في هذا النظام أي شيء آخر سوى فقدان البر الأصلي. وهكذا لم يكن الإنسان فاسدًا بالكلية، بل ”تغير وتحول إلى الأسوأ“، أي أنه قد ارتد إلى الحالة السلبية التي خُلِقَ عليها.

بينما اعتبر أوغسطينوس الصراع بين الجسد والنفس بمثابة نتيجة ودليل على السقوط، ويرفض كغنوسي وجود تعارض بين الأثنين في طبيعة الأشياء بالخلق. من ناحية أخرى، تمسك اللاهوتيون التريدنتنيون متبعين الرأي النصف بيلاجي بأن هذا الصراع هو الحالة الأولى والطبيعية في الإنسان المخلوق، حيث كان الجانب الروحي في حاجة إلى مساعدته بإضافة نعمة فائقة للطبيعة.

وبالتالي، قد كانت النتيجة المنطقية لهذا الرأي هي إنكار عقيدة النعمة المانعة (الوقائية) وسلبية الإنسان في عملية التجديد، أي العقيدة التي حرمها اللاهوتيون الكاثوليك الرومانيون باعتبارها قدرية بحتة، وتبني واضح للنظرية النصف بيلاجية عن التآزر (السينرجيا)، التي دافعوا عنها بقوة شديدة، كما يتضح من الاقتباسات التالية:

”إنْ كان أحد يقر بفقدان حرية إرادة الإنسان، وأنها صارت مندثرة بعد خطية آدم […] فليكن محرومًا“.[86]

”إنْ كان أحد يقر بأن حرية إرادة الإنسان التي يحركها ويقودها الله، لا تتعاون على الإطلاق بالاتفاق مع الله، هكذا من خلال الحض والدعوة بمثل هذه الطريقة الخاصة بتهيئة وإعداد نفسها لنوال نعمة التبرير، ولكنها لم تفعل أي شيء على الإطلاق مثلها مثل أي شيء غير حي، بل إنها سلبية فحسب، فليكن محرومًا“.[87]

”إنْ كان أحد يقر بتبرير الخاطئ بالإيمان فقط، بمعنى أنه لا يوجد أي شيء آخر ضروري، الذي قد يتعاون تجاه الحصول على نعمة التبرير، وأن الخاطئ لم يكن بحاجة إلى إعداد وتهيئة عن طريق تحريك إرادته، فليكن محرومًا“.[88]

وبالتالي، يمكن أن يؤدي هذا الاتجاه من ناحية الخطية الأصلية فحسب إلى إنكار أنها تُعتبر خطيةً حقًا -الرأي الذي طرحه أولاً النصف بيلاجيين، الذين رأوا الخطية الأصلية كمرض وليست خطيةً بالمعني الحقيقي والصحيح. وهكذا انتشرت الفكرة منهم بشكل واسع، واستمر ينادي بها اللاهوتيون الذين لديهم جميع أشباه هذا الرأي، من دنس سكوتس Duns Scotus إلى زفينجلي Zwingli، والأرمينيون Arminians [أتباع جاكوب أرمانيوس]. ولم يتردد المصلحون التريدنتينون في اعتناق هذا الرأي.

طالما أن حالة الإنسان بعد السقوط هي نفس حالته عند خُلِقَ أولاً قبل إعطائه البر الأصلي، فيشير القول بأن السقوط قد ترك الإنسان في حالة الخطية إلى خلق الله للإنسان في حالة الخطية، ويتهمه بالمسئولية عن الخطية الإنسانية. لقد قارن المجمع منح الإنسان الطبيعي البر الأصلي بتغطية الإنسان العريان بالملابس. وبالتالي كان تأثير السقوط هو تعري الإنسان من ردائه الخارجي، وتركه في حالته الأصلية in puris naturalibus، ليس بحال أفضل أو أسوأ.

لذا أقر المجمع بأن الخطية الأصلية في عملية التجديد ليست خطيةً بالمعنى الصحيح. بل إنها مجرد وقود للخطية fomes peccati. وهكذا قاموا بتغيير تعليم أوغسطينوس عن الخطية الأصلية إلى التعليم عن الشر الأصلي. وإنه من الحقيقي استمرار الشهوة حتى في غير المعمدين، التي يدعونها خطيةً أحيانًا، وهكذا دعاها الرسول،[89] ولكن هذا ليس بسبب ليجعل منها خطيةً في حد ذاتها بالمعنى الحقيقي والسليم، بل بسبب أنها تأتي من الخطية، وتميل إلى الخطية.[90]

وبالتالي، أعتنق مجمع ترنت Trent بالطبع وعبَّر بدقة عن الآراء النصف بيلاجية، وتمتع بالسلطة الكاملة حتى مجيء الإصلاح، عندما أحيا البروتستانت الأنثروبولوجي الأوغسطيني، وأعادوا الأوغسطينية في كنائس الغرب.[91]

[1] De Grat. Et lib. Arbitr. And De Corrept. Et Grat.

[2] De Predest. Sanctorum & De Dono. Perseverantia.

[3] DeVocat. Genitilum.

[4] De Grat. Dei et human. Mertis lib. Arbitr.

[5] George Park Fisher, History of Christian Doctrine, (Edinburgh, T & T Clark, 1896), Ch 7, p. 194-198.

[6] هذا الجزء مترجم من كتاب

Reginald S. Moxon, The Doctrine of Sin, (London: George Allen & Unwin LTD, 1922), p. 142-165.

[7] للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى بحثنا المنشور على صفحتنا على الفيس بوك Antoun Guirgis بعنوان ”الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي“.

[8] ليو (لاون) الكبير: لاون كان أسقف روما من 29 سبتمبر 440م إلى 10 نوفمبر 461م.

[9] غريغوريوس الأول (الكبير): (ولد 540 م – 12 مارس 604) كان بابا روما في الفترة منذ 3 سبتمبر 590 حتى وفاته. وُلد في عائلة رومانية أرستقراطية. كان من أول البابوات ذوي الخلفية الرهبانية. في عام 573، عُين غريغوريوس الأول حاكماً لمدينة روما. بعد عامين أسس دير القديس أندرو.

في عام 578 عينه البابا بندكت الأول كأحد الشمامسة السبع لروما، وبعد عام أرسله البابا بيلاجيوس الثاني سفيرًا للمحكمة الإمبراطورية في القسطنطينية. عاد غريغوريوس الأول إلى روما في عام 586 ليصبح رئيس دير القديس أندرو. وفي 3 سبتمبر 590 أصبح غريغوريوس البابا الروماني، وفي عام 593 قام بكتابة كتب ”الحوارات“ (Dialogues) الأربع. وفي عام 596 أرسل البابا غريغوريوس أوغسطينوس ورهبان آخرين لتبشير الإنجليز. توفي في 12 مارس من عام 604.

[10] بيدا: والمعروف أيضًا باسم القديس بيدا Saint Bede في الكنيسة الكاثوليكية، وبيدا المكرم Venerable Bede، وباللاتينية: Bēda Venerābilis‏، هو راهب إنجليزي في دير نورثمبريا التابع للقديس بطرس Saint Peter في مونكويرماوث Monkwearmouth، ورفيقه دير القديس بولس الموجود في مدينة جارو Jarrow، وهما موجودان في مملكة نورثمبريا. كان دير بيدا متصلاً بمكتبة رائعة تحتوي على كتب يوسابيوس القيصري، وأوروسيوس Orosius، والكثير غيرهم.

عُرف بيدا ككاتب وباحث، وتسبب كتابه الأشهر، Historia ecclesiastica gentis Anglorum (التاريخ الكنسي للأمة الإنجليزية) في أن يُلقَّب بيدا بـ ”مصدر التاريخ الإنجليزي“. وفي عام 1899م، اختاره ليون الثالث عشر Leo XIII ليكون ملفانًا، وهو منصب ذو أهمية لاهوتية كبيرة، وكان بيدا هو أول إنجليزي من أصول إنجليزية خالصة يتولى ذلك المنصب (كان أنسلم الكانتربري Anselm of Canterbury ملفانًا أيضًا، ولكنه كان من أصول إيطالية).

وعلاوة على ذلك، كان بيدا عالم لغويات ومترجمًا بارعًا، وكان لاشتغاله بالكتابات اللاتينية والإغريقية الخاصة بآباء الكنيسة أثرٌ كبيرٌ في المسيحية الإنجليزية، حيث سهل ذلك الأمر على أقرانه من الأنجلوسكسونيون وجعل النصوص متاحة لهم بشكلٍ أكثر.

[11] ألكوين: (724م – 804م) كان عالم لاهوت، وكاتب، وكاهن، وشاعر، ولاهوتي، وفيلسوف من نورثمبريا.

[12] جوتشالك: (808-868 م) كان من أوربايز Orbais سكسونيا. جوتشالك هو لاهوتي، وراهب وشاعر. كان جوتشالك محاميًا مبكرًا عن عقيدة سبق التعيين المزدوج التي هزت إيطاليا وفرنسا من 848م إلى 850م و860م. أدَّعى تحت تأثير تفسيره الخاص لتعاليم أوغسطينوس حول هذه المسألة أن الطبيعة البشرية خاطئة، وضرورة الرجوع إلى الله بتواضع للخلاص. رأى نفسه كوعاء إلهي يدعو كل المسيحية للتوبة لعقود من الحرب الأهلية.

فشلت محاولاته في هذا التبشير بالتعليم الجديد في فرانسيا، أُدينت عقيدته في النهاية باعتبارها بدعة في مجمع ماينز 848م، ومجمع Quierzy 849م. بعد إدانته بالهرطقة، ظل جوتشالك عنيدًا على أيديولوجيته التي خالفت التسلسل الهرمي الكنسي، مما جعله ”مهرطقًا حقيقيًا“، لأن هذا العصيان وضع جوتشالك في الحبس الرهباني؛ لكن الصدمات التي أرسلتها أيديولوجيته حول العالم المسيحي الغربي رفضت التوقف عن الارتداد، وتمكن جوتشالك من كسب المزيد من الأتباع، وظل التهديد قائماً حتى وفاته في عام 868م.

أنذرت آراء جوتشالك عن الخلاص بوجهة النظر البروتستانتية عن السولا فيدي أو الإيمان فقط.

[13] بطرس اللمباردي: (1095- 1160م). أحد علماء اللاهوت في القرون الوسطى، كتب مرجعًا لاهوتيًا بعنوان ”الأحكام“ في أربعة كتب، انتهى من كتابته عام 1158م. وقد ظل هذا الكتاب مرجعاً رئيسياً في مدارس اللاهوت طوال 300 عام. عرض لومبارد في كتابه الأحكام لآراء السابقين والمعاصرين، تلك التي تدور حول المشكلات اللاهوتية بأسلوب منهجي. وقد جمع هذه الآراء من عدد من أبرز الرجال الثقات بالكنيسة، وبخاصة أوغسطينوس.

كما قام لومبارد بتلخيص موقف الكنيسة، وكتب آراءه الخاصة حول هذه الأمور. وقد كان على طلاب اللاهوت لقرون عديدة أن يكتبوا تعليقاتهم بشأن كتاب الأحكام في شكل مقالات نقدية. وقد كانت بعض هذه المقالات هي الأعمال الكبرى المنسوبة إلى كُتابها علماء اللاهوت والفلاسفة البارزين في القرون الوسطى، ومن بينهم بونافنتورا، وجون دنس سكوتس، ووليم أوكام.

وُلد لومبارد بالقرب من نوفارا بإيطاليا، ودرس في بولندا، وذهب إلى باريس في حوالي عام 1134 م للتدريس في المدرسة التابعة لكاتدرائية نوتردام. وسرعان ما اكتسب شهرة بوصفه عالمًا في اللاهوت. وتم تعيينه مطراناً لباريس في عام 1159م.

[14] أنسلم الكانتربري: (1033- 1109م) هو لاهوتي وفيلسوف من أوائل السكولائيين المدرسيين. كان له تأثير بالغ على اللاهوت الغربي. كان أنسلم يعتقد أن الإيمان يجب أن يسبق المعرفة، فيجب أن تؤمن لتعرف، ومع ذلك يمكن للإيمان أن يبنى على المعرفة. يُستخدم البرهان الأنطولوجي (الوجودي) حتى يومنا هذا في الجدالات الفلسفية حول حقيقة وجود إله، ومارس أنسلم تأثيرًا مهمًا على المفكرين اللاحقين، بما في ذلك توما الأكويني، وويليام أوكام، وكذلك على عقيدة الكنيسة اللاحقة في مختلف الأمور. توفي أنسلم في كانتربري عام 1109 ودُفِنَ في الكاتدرائية هناك.

[15] برنارد من كليرفو: (1090- 1153م) كان رئيس الدير الفرنسي والقائد الأساسي في إصلاح الرهبنة البندكتية التي تسببت في تشكيل النظام السسترسي. في عام 1128، حضر برنارد مجمع تروي، الذي تتبع فيه الخطوط العريضة لقاعدة فرسان الهيكل. عند وفاة البابا هونريوس الثاني في 13 فبراير 1130، اندلع انشقاق في الكنيسة. عقد الملك لويس السادس ملك فرنسا مجلسًا وطنيًا للأساقفة الفرنسيين في مدينة إيتامب في 1130، واُختير برنارد للفصل بين المنافسين على الباباوية.

بحلول نهاية عام 1131، ممالك فرنسا وإنجلترا وألمانيا والبرتغال وقشتالة وأراغون دعمت ’إينوسنت الثاني‘. ومع ذلك، فإن معظم إيطاليا وفرنسا الجنوبية، وصقلية، مع البطاركة اللاتينية في القسطنطينية، أنطاكية، والقدس دعموا ’أناكليتوس الثاني‘. شرع برنارد في إقناع هذه المناطق الأخرى بالوقوف وراء إينوسنت. في عام 1139، ساعد برنار في مجمع لاتران الثاني. وفي وقت لاحق ندد بتعاليم بيتر أبيلارد إلى البابا، الذي دعا إلى مجلس في سنس في 1141 لتسوية المسألة.

بعد أن ساهم في إنهاء الانقسام داخل الكنيسة، كان برنارد الآن مدعوًا لمكافحة الهرطقة. في يونيو 1145، سافر برنارد في جنوب فرنسا وساعدت بالوعظ هناك على تقوية الدعم ضد الهرطقة. بعد هزيمة المسيحيين في حصار الرها، كلّف البابا برنارد بالدعوة بالحملة الصليبية الثانية.

كانت السنوات الأخيرة من حياة بيرنارد حزينة بسبب فشل الصليبيين، حيث تم إلقاء المسؤولية عليه بالكامل. توفي برنارد عن عمر يناهز 63 عامًا بعد 40 عامًا كراهب. كان أول سسترسي يوضع على تقويم القديسين، تم إعلان قداسته من قبل البابا ألكسندر الثالث في 18 يناير 1174. في عام 1830، منح البابا بيوس الثامن برنارد لقب ’ملفان‘ (معلم الكنيسة).

[16] Predestination, p. 234 n.

[17] هينسمار: (806- 882م) هو رئيس أساقفة رييم Rheims ولاهوتي فرنكي ينتمي إلى أسرة نبيلة في شمال فرنسا.

[18] Predestination p. 234 n.

[19] جون سكوتس إريجينا: (815- 877م) فيلسوف أيرلندي المولد نال تعليماً في سن مبكرة، وعاش في فرنسا. وهكذا أبدع اريجينا مذهبه الصوفي الذي عرض جوهره في مؤلفه ”عن الطبائع الإلهية“ على أساس الأفلاطونية الجديدة.

[20] Conc. Carisiac. II, A, D. 853, c. i.

[21] Hasse, Anselm von Canterbury, II 364 seq.

[22] Potestas pecccandi et non peccandi: or possibilitas utriusque partis.

[23] Summa Theol. Ima Q. 22 Art. 2.

[24] See his sermons on human nature.

[25] Summa Theol. Ima 2dae Q. 10 Art. 6.

[26] Summa Theol. Ima 2dae Q. 51 Art. I.

[27] Ibid, Ima 2dae Q. 51 Art. I.

[28] تمت ترجمة هذا الجزء من كتاب

  1. P. Williams, The Ideas of The Fall and of The Original Sin, (London, New York, Toronto: Longsman, 1929), p. 408-419.

[29] جون دنس سكوتس: (1265 – 1308 م) هو فيلسوف ولاهوتي فرنسيسكاني أسكتلندي. تعرف فلسفته بـ ’السكوتية‘. تأثر بالنزعة الأوغسطينية، وبالقديس بونافنتورا، وأستفاد كثيرًا من أرسطو. انتقد لاهوت توما الأكويني. أكد أن الإيمان ليس شأنًا تأمليًا، بل عمل من أعمال الإرادة.

[30] يتم شرح تفسير سكوتس للتعاليم عن السقوط والخطية الأصلية بإسهاب في كتابه

Quaestiones in II. Lib. Sentent., distinct. XVII-XXXIII. (Paris edition, 1893, tom XIII. pp. 332-61.

يُفهَم من المخطط المعروض في النص بسعيه فقط لاختيار بعض من نقاطه الأكثر تميزًا، ولا يحاول نقد النقاش كله. إلا عندما يُشَار بطريقة أو بأخرى إلى الإشارة “dist” التي تشير إلى أحد هذه التمايزات.

[31] Dist. XXIX. (Paris edn. tom. XIII. p. 272.).

[32] Dist. XX. Q. I (op. cit. p. 116).

[33] Dist. XX. Q. I (pp. 115 ff.).

ولكن هذا ”الثبات في النعمة“ لا يمنح الحالة المعروفة بـ “non posse peccare” أي ”عدم إمكانية ممارسة الخطية“ الممكنة فقط للأبناء المتبنين (أي المغبوطون الذين ينالون المعاينة الطوباوية)، بل هو امتياز فقط للذين لم يخطئوا أو يمارسوا الخطية، أي يليق بالمسافرين فقط (أي هؤلاء الذين مازالوا يعيشون على هذه الأرض تحت الاختبار).

[34] Dist. XXIX. 5 (p. 274); cf. dist. XIX. 2 (p. 103).

ولكن هذا الموقف هو موقف أوغسطينوس تحديدًا.

[35] Dist. XXI. Q. 2 (p. 139).

[36] Ibid. (p. 141).

نشأت خطية آدم من محبته الزائدة لخليلته (أي حواء). وبالتالي يوجد تقسيم لذنب السقوط في ص 143 -كما كان – بين آدم وحواء.

[37] Dist. XXX. Q. 2 (p. 293).

[38] يميز هذا التمييز نفسه بين هذين المعنين للكلمة في dist. XXXII. 7 cp. 311 ويعترف بأن ”الشهوة هي الخطية الأصلية المادية“ “concupiscentia est materiale peccati originalis” في المعنى الأخير، وهكذا يتفق مع توما (الأكويني) شفهيًا.

ولكن لم يكن من غير المعقول اعتبار هذا الاعتراف الأخير كمجرد فعل عابر لولاء شفهي للأوغسطينية، والتمسك بالتعبير عن فكر سكوتس الحقيقي في صمته الواضح في dist. XXXI. Q. unica. حيث يعلق هنا على فقرة من كتاب الأحكام و Senti. II.، حيث يقتبس لومبارد ويصادق على فقرة من عند أوغسطينوس، تعبِّر في صورتها الصريحة عن نظرية انتقال الخطية الأصلية من الأب إلى الابن عن طريق الشهوة المصاحبة لفعل الولادة de fide ad petrum, 2. وهكذا يعبر سكوتس عن هذا الاقتباس المستهجن دون تعليق، ويخالفه صراحةً، بالرغم من أن السلطة المركبة لأوغسطينوس وصاحب كتاب الأحكام كان من الصعب جدًا التنصل منها صراحةً.

[39] See Additional Note G “Infant Baptism” (p. 550).

[40] Dist. XXXII. 7 (p. 311).

ولكن يغفر الله ”دَّين“ البر الأصلي (أو بمعنى آخر، الصفح عن الذنب الموروث لفقدان العطايا الفائقة للطبيعة في الطبيعة البشرية غير الساقطة) بواسطة المعمودية، لأنها تستبدل ضرورة اقتناء الفضائل المسيحية المعتادة.

[41] الأسمية: هو مذهب ينتمي أصحابه، بالمعنى الدقيق، إلى فلسفة العصر الوسيط الأوروبي، وهو بالحري حركة منطقية وابستمولوجية امتد تأثيرها الموصول إلى ميدان العلم الحديث والمعاصر. يتفق الباحثون في تاريخ المذاهب الفلسفية على أن الاسمية تنطلق من نقاط سابقة متصلة بتاريخ المنطق في العصر القديم. فقد كان المنطق لصيق الاتصال بما وراء الطبيعة. وقد تأثر بالرواقية وبالمشائية وغدا علمًا صوريًا يُعنى عناية خاصة بنظرية المفهوم أو التصور.

وبقيت كتب خطباء اللاتين المتأخرين معتَمدة في التعليم حتى القرن الثاني عشر، ومنها كتب كايوس ماريوس ف. كتورينوس Gaius Marius Victorinus ومرتيانوس كابلا Martianus Capella وهكتور بويس (470-524) Hector Boece مترجم مصنفات أرسطو المنطقية إلى اللاتينية. وقد ترجم بويس التحليلات الأولى والثانية وسواها وأطلق عليها اسم المنطق الجديد، فكان من جراء ذلك الرجوع إلى طرح مشكلة الكليات طرحاً حاداً أثار خصاماً شديداً هو إلى المعركة أدنى، وبها أشبه.

دارت هذه المعركة بين ثلاثة فرقاء يمثلون النزعات الأكثر إثارة في الفكر الفلسفي الوسيط المتضمن مشائية مشوبة ببعض من الأفلاطونية الحديثة من نمط المذاهب اللاهوتية ـ الكلامية التي عرفها من قبل الفكر اليهودي والمسيحي والإسلامي وقد انعكست تفاعلاتها المعقدة في تراكيب تتساءل عن حقيقة الكليات: هل هي كلمات، أو أفكار، أو وقائع؟ وإذ ذاك ظهرت الحلول الثلاثة الآتية. رأى الاسميون أن الكلي هو الكلمة (أو الصوت) التي تعرب عنه.

ورأى الواقعيون، على العكس، أن الكلي شيء، وأنه لا يوجد بذاته كما حسب أفلاطون، بل في الكائنات الفردية. وإلى ذلك ذهب غيوم ده شامبو (1070-1120)Guillaume de Champeaux ، أسقف شالون، قائلاً: كل إنسان هو الإنسان مضافاً إليه ما يجعله هذا الإنسان أو ذاك. ولكن خصومه انتقدوه بملاحظة أن ذلك الأمر لو صحّ لكان الإنسان الماثل في سقراط يتألم، وكذلك الإنسان الماثل في أفلاطون، أو في أي فرد من الناس.

فرجع عن رأيه، ودنا من مذهب ثالث هو الواقعية المعتدلة ويمثلها بوجه خاص أبيلارد (1078-1124) Abelard القائل بنظريات حظيت بشهرة واسعة، وهي ترى أن ثمة واقعاً في الكائنات الفردية، ولكن بين هذه الكائنات الفردية صفات مشتركة، وهذه الصفات لا تنفصل عن الصفات الفردية. غير أن الفكر يستطيع أن ينظر إليها واحدة واحدة. وبذلك تكون الأفكار العامة نتيجة عملية التجريد: إن الفكر يدرك في الموضوعات الخاصة الشكل العام مثلما يدرك بوساطة الألوان رسماً في لوحة.

والاسمية مذهب يؤكد أن الأفكار العامة لا تقابل أية حقيقة (في الذهن ولا خارج الذهن) وإنما تنحلّ الأفكار إلى إشارات عامة تعرب عنها. وقد أكد كوندياك أن واقع الأفكار المجردة والعامة وهو واقع اسم. وعلى هذا فإن الحوادث أو التصورات لا تتحلى بصفة الواقع الدالّ إلا بتسميتها مادام من اللازب تمثل هذه الحوادث تمثلاً حسياً في سبيل فهمها. ويرى كوبلو أن الاسمية مذهب ينكر وجود الأجناس سواء أكان وجودها بذاتها (كما في الواقعية) أم في الذهن (كما ترى التصورية) وأنها ليست سوى أسماء يمكن انطباقها على عدد لا محدد من الموضوعات المختلفة.

ويرى ريجيه جوليفه Régis Jolivet أن الاسمية مذهب ينطلق من التجربة وينكر الأفكار (الكليات) وينقسم إلى اسمية متطرفة يمثلها هيوم، وهي ترى أن ليس للأفكار واقع ذهني لأنها تنحل إلى صور (وهذه هي النزعة الحسية)، وإلى اسمية معتدلة أو تصورية، وقد قال بها أوكّام، وديكارت، وبركلي، وكانط، وعندهم أن الأفكار لا تنشأ من التجربة، بل إن لها واقعًا ذهنيًا خاصًا لا ينحل إلى الصور. أما لالاند فإنه يُعرِّف الاسمية بوصفها مذهباً ينكر وجود الأفكار العامة، ولا يقر إلا بوجود إشارات عامة، ومن أشهر زعمائها روسلان وأوكام وهوبز.

لقد حذا روسلان في مجال الكليات حذو بويس وسمبليقيوس Simplicius القائلين إن مقولات أرسطو والجدل الناجم عنها لا يتناولان الأشياء بل الكلمات من حيث دلالتها على الأشياء. وذهب روسلان إلى أن كل ضروب التمييز الجدلي بين الجنس والنوع والجوهر والصفة، ليست سوى تمييزات لفظية تنشأ من مجرى المقال. ”إنما التمييز الوحيد الذي يمكن قبوله في الواقع هو تمييز الجواهر الفردية. وبذا يتجلى مذهبه في قضايا ثلاث هي: إن الجواهر الكلية ليست سوى أصوات، واللون ليس سوى الجسم الملوَّن وحكمة الإنسان ليست إلا الإنسان نفسه“.

وهذا عنده يعني أن من الجائز بالكلام وحده فصل الإنسان عن سقراط، والبياض عن الجسم، والحكمة عن النفس. ولكن الإنسان المقصود هو في الواقع سقراط، والبياض جسم أبيض، والحكمة هي الحكيم نفسه. ليس ثمة شيء عن روسلان إلا رسالة موجهة إلى أبيلارد تلميذه السابق ثم خصمه. وقد نسب إليه هذا الخصم الاعتقاد بأن من باب الاعتساف والمواضعة تقسيم الأشياء بحسب الأصوات والمقولات. وكذلك تقسيم الجسم إلى أجزاء اسمية، بل الأشياء الجزئية المحسوسة هي وحدها الأشياء الواقعية.

وكل جسم، مثل البيت، لا يقبل التجزئة. وما القول إن البيت مؤلف في الواقع من أساس وجدران وسقف إلا نظرٌ إلى أحد أجزائه، وليكن السقف، على أنه، في آن واحد، جزء من كل، وشيء مميز ضمن كثرة أشياء ثلاثة. وقد قاد هذا الرأي إلى نتائج خطيرة في المجال الديني. والمعروف أن مجمع سواسون الكنسي حكم سنة 1092 على روسلان بإنكار رأيه في الثالوث المقدس، ذلك أنه جَرُؤ على تطبيق قول بويس إن الشخص يدل على جوهر عاقل. ولذا فإن في ذات الإله عددًا من الجواهر بعدد الأشخاص (الأقانيم).

وهذه عقيدة ثلاثية الإله، فالآب والابن، الوالد والمولود، واقعان متمايزان. والأقانيم الثلاثة ينفصل بعضها عن بعض انفصال ثلاثة ملائكة. وبذا ”يمكن القول بثلاثة آلهة لو كان العرف يسمح بذلك“. ولكن العرف يأبى هذه التعددية، فسعى روسلان إلى التوفيق بين الإله المثلث والواحد معًا. وأعلن أنها وحدة إرادة ومشيئة. ولكن ذلك لم يمنع أمثال أنسلم Anselm of Canterbury من أن يأخذ عليه وعلى أضرابه ”شدة انخراط الفكر في الصورة الجسمية حتى امتنع الافلات منها“ فجاءت الاسمية تهدم كل لاهوت مسيحي لأنها تميز ما لا ينبغي تمييزه.

ويؤكد راسل Russell أن ”أهم سكولائي بعد توما الأكويني هو ويليام الأوكامي (غيوم دو أوكام)“. ويذهب مؤرخو الفلسفة إلى أن الفلسفة المدرسية قد تراجعت وانحلت من جراء أمرين أحدهما هو انتصار الاسمية، والآخر ذيوع الصوفية. والحق أن راية هذا النصر إنما حملها أوكام ومدرسته. إن الحجج التي اعتمدها أوكام لإنكار وجود الكليات ترجع إلى ما عرفه سابقوه في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومَن قَبلهم إلى مناقشة أرسطو مُثُلَ أفلاطون كما نقلها بويس: إن الكلي الذي يُفرض فيه أنه موجود بذاته سيكون فرداً.

وهذا تناقض، وإن طرح الكلي لتفسير الفردي لا يؤلف تفسيرًا، بل يعني ازدواج الكائنات، وإن عدّ الكلي موجودًا في الأشياء الفردية والتي سيستخرجها العقل بالتجريد هو كذلك بمنزلة جعل الكلي فرديًا. وقد عُرِفت اسمية ويليام من أوكام بأنها حدية terminisme أنجبت صورية رهيفة جعلت المنطق علم الكلمات. وقد منعتها كلية الفنون في جامعة باريس سنة 1339م وسنة 1340م وجُدِّد هذا المنع بعد قرن بمرسوم أصدره الملك لويس الحادي عشر سنة 1473م، وفرض على الأساتذة أداء قَسَم يتعهدون فيه باعتماد الواقعية بدل الأوكامية.

ولكن اسمية أوكام حظيت بشهرة فائقة وكان لها أكبر الأثر في تاريخ العلم والفلسفة. وذاعت في ألمانية ولاسيما بجهود جابريل بيل Gabriel Biel (ت 1495) وتلاميذه الذين أطلعوا مارتن لوثر على اللاهوت الاسمي وفيه يشبه الإله نوعًا من يهوه العابث بأكثر من شبهه إلهًا تخضع إرادته لقانون النظام والخير كما يتصورهما عقله.

[42] الكليات: هو أحد أصناف الكيانات العقلية المجردة المستقلة حسب ما تعرفها الفلسفة الواقعية، حيث يفترض أن هذه الكليات هي التي تؤسس وتشرح العلاقة بين الماهيات النوعية والتشابه بين الأفراد. يمكننا أن نقول عن الأفراد انها متشابهة عن طريق تقرير تشاركهم بالكليات. فالتفاحة الحمراء والياقوتة تتشابهان بأنهما حمراوان، فتشاركهما بالاحمرار نتيجة تشاركهما في كلي (كيان عقلي) هو الاحمرار. وهذا هو ما يميز الكلي عن الأفراد والأشياء، فهو يمكن ان يتواجد في مكانين أو أكثر بنفس اللحظة.

في الفلسفة، ضرورة الكليات لشرح العلاقة بين الماهيات والأفراد المتشابهة كانت نقطة جدال مركزية لآلاف السنين بين الفلاسفة والميتافيزيقيين. ويمكن ان نلخص النزاع بين ثلاثة أطراف رئيسية: الواقعيين الذين يدعمون الكليات ويرون انها ذات وجود واقعي، الاصطلاحيون يشرحون التشابه بين الأفراد بقبول مصطلحات عامة أو أفكار، أي أشياء تتواجد فقط في العقل دون الواقع، وأخيرا الاسميون وهم يميلون إلى ترك التشابهات بين الأنواع والماهيات النوعية غير محددة وغير مؤسسة بشكل محدد بل بشكل متطور حسب السياق التاريخي.

وجدت خلال التاريخ نسخ عديدة من الاسمية، بعضها على درجة عالية من التعقيد، شهدت الساحة مؤخرا نشوء مدرسة اسمية جديدة تدعى الاسمية المجازية، وهي تعمل على استخدام نوع خاص من الجزئيات (الأفراد) يعرف بالمجاز. فالأفراد المتشابهون يملكون العديد من الخواص لكن المجاز هو حالة وحيدة الخاصية.

[43] راجع الملاحظات التالية على عقيدة السقوط عند أوكام. لقد كان أوكام مُقيَّدًا كلاهوتي كنسي بالحفاظ على هذا المفهوم [أي مفهوم الخطية الأصلية]، وبالمثل أيضًا التعريف التقليدي الخاص بها بوصفها فقدان البر الأصلي. ولكن من منظور الإمكانية […] يبدو من المستحيل بأي حال من الأحوال بحسب أوكام أن يكون الإنسان مُقيَّدًا باقتناء عطية فائقة للطبيعة بالإضافة إلى أداته الطبيعية. فليست الخطية الأصلية نقصًا حقيقيًا في طبيعة الإنسان: بل إنها الإسناد المنطقي الأفضل لخطية آدم في علاقتها بكل نسله.

ومعناها ببساطة أن جنس آدم بسبب قوة الله المنظمة potential ordinata، وبسبب معصية الآخر، تم تضمينها في عبارة الإدانة. ولا يوجد نقاش هنا حول خطية الإنسان الخاصة. لأنه من البديهي بالنسبة للاسميين عدم وجود ارتباط حقيقي بين آدم وباقي البشرية. وتبين هذه الأطروحات بكل بساطة ماهية الهوة العظيمة الفاصلة بين عقيدة الخطية الأصلية هذه وبين الدوافع التي أدت إلى صياغتها الأولى بواسطة أوغسطينوس. في الواقع، لقد تركنا فقط الصيغ الجوفاء، وذهب الآن ذاك الذي كان يعطيهم الحياة فيما سبق. فالعقيدة هي موقف لاهوتي، وبالتالي لا يوجد أي سبب آخر لوجوده سوى ما يفرضه التقليد الكنسي. ولكن كيف يمتلك فهم أوكام القليل من المغزى الأصلي للعقيدة، فنرى ذلك بوضوح في أسلوب تناوله لموضوع الشهوة […] فالشهوة أو الوقود fomes بالنسبة له بالكامل من الطبيعة الحسية هو مجرد خلل جسدي محض. وينبغي الاعتقاد بأن مقارنتها ببساطة بالأمراض الجسدية وما شابهها يرتكز على توزيع غير متساو ”للأمزجة“ في الإنسان. ويعزو للوقود أيضًا الدورة الكاملة للحياة النباتية؛ كالجوع، والعطش، والنوم، وما إلى ذلك، فهي نتائج للشيء نفسه بمقدار استحالة السيطرة عليهم. وبالتالي، لم يكن المسيح، ولا العذراء مريم بهذا المعنى الأخير، خاليين من الشهوة. وهكذا يعود أوكام إلى موقف يوليان الذي أثار مرةً استياء أوغسطينوس الشديد.

  1. Ljunggren, op. cit. p. 248 f. (tr. G. C. Richards).

[44] حيث يستنكرونها بشدة في Art. XIII.

[45] Dist. XXXII. 2 (p. 328).

[46] Ibid. 2 (p. 329).

[47] Ibid. 3 (p. 330).

[48] بونافنتورا: (1217- 1274 م) هو عالم لاهوت وفيلسوف إيطالي سكولائي ينتمي إلى القرون الوسطى. وكان سابع كاهن عام للرهبانية الصغرى، كما كان أسقفًا وكاردينالًا لألبانو. وقام البابا سيكتوس الرابع بإعلان قداسته في 14 من إبريل 1482م، وأعلنه البابا سيكتوس الخامس معلمًا في عام 1588م. وقد عُرِف أيضًا باسم ”المعلم السيرافيمي“.

[49] Dist. XXXIII. 4 (p. 331).

[50] يوجد عرض كلاسيكي لنظرية الغاية الحتمية من التجسُّد في كتاب ويستكوت Westcott بعنوان ”إنجيل الخليقة“ (رسائل ق. يوحنا، 1883، ص 273- 315).

[51] J. Turmel (ERE VII. P. 66, art).

تعكس عقيدة ”الحبل بلا دنس“ العلاقة بين السبب والنتيجة المشار إليها في النص، ويُعتقد أن الحماس الشعبي لفكرة وعيد الحبل بلا دنس أضطر اللاهوت الرسمي للتخفيف من حدة مفهومه عن الخطية الأصلية، وتحديدًا إسقاط الاعتقاد بالذنب الموروث للشهوة. حيث تستبعد المبادئ الأوغسطينية الصارمة فكرة الحبل بلا دنس، لأن نفس مريم لا بد من أنها مُصابة تلقائيًا بالخطية الأصلية عن طريق الشهوة التي من المفترض وجودها أثناء ولادتها من يواقيم وحنة. ولقد عارض ق. برنارد Bernard، كما هو معروف جيدًا، إقرار العيد (ep. CLXXIV, PL CLXXXII. 332).

[52] History of Dogma (E. tr., 1899), VII. P. 100, n. 1.

[53] سيكون من اللائق هنا إضافة بعض الكلمات بخصوص تحاملنا على التعليم الكاثوليكي بحبل العذراء مريم الطوباوية بلا دنس في نقاشنا. حيث يؤكد كتاب بول Bull ”الإله غير المنطوق عنه“ Ineffabilis Deus (الذي يعود تاريخه إلى 8 ديسمبر، 1854) على أن ”التعليم الذي ينادي بأن العذراء كلية الطوبى كانت معصومة من وصمة الخطية الأصلية برمتها منذ اللحظة الأولى للحبل بها بنعمة وامتياز وحيد من الله القدير في ضوء استحقاقات ربنا يسوع المسيح مخلص الجنس البشري (abomni originalis culpae labe praeservatam immune)، قد أعلنه الله، لذلك يجب على جميع المؤمنين أن يؤمنوا بذلك بقوة وثبات“ (Denzinger-Bannwart, Enchiridion, § 1641).

وهكذا بحسب التعريف الذي أصدرته السلطة الرومانية، ويفترض على الأرجح مسبقًا المفهوم الحالي للخطية الأصلية، الذي (كما هو مشار إليه في النص) أكثر حدةً نوعًا ما من التعليم السكوتي، لأنه لا يحتوي على مجرد ذنب فقدان البر الأصلي، بل يحتوي أيضًا على ذنب ارتكاب الخطية ”في آدم“. وبالتالي لا بد أن معنى العصمة ”من وصمة الخطية الأصلية برمتها“ بين الآخرين inter alia هو عصمة من الذنب الأصلي. وهكذا يتضح من منطلق الأطروحة المقدَّمة في هذه المحاضرات أن الاعتراض الرئيس على عقيدة الحبل بلا دنس -ليس أكثر من حقيقة عدم وجود أثر لأي عقيدة كهذه في العهد الجديد، أو عند الكُتَّاب المسيحيين في القرون الأربعة الأولى، بل بالأحرى- هو حقيقة أن (إنْ كانت ادعاءاتنا سليمةً) فكرة المسئولية عن المشاركة قبل الولادة في خطية آدم هي فكرة ميثولوجية (أسطورية) وغير منطقية. فإنْ كان -كما قد قلنا من قبل- ”الذنب الأصلي“ مجرد كابوس أوغسطيني، فلا معنى من الإقرار بأن مريم كانت معصومة منه.

[54] يوجد تعليم توما الأكويني حول هذا الموضوع في الخلاصة اللاهوتية Summa theol. III. Q. XXVII تحت عنوان ”طهارة العذراء مريم الطوباوية“ (de beatae Mariae virginis sanctificatione).

[55] بيير من إيلي: (1350- 1420م) كان بالتتابع مستشارًا لنوتردام باريس، ثم أسقفًا على كامبري Cambrai، ثم أسقفًا لأورانج Orange، ثم كاردينالاً. لعب دورًا بارزًا في الحركة ”المجمعية“ في بداية القرن 15، أنظر دراسة عن حياته وكتاباته في P. Tschackert, Peter von Ailli, Gotha, 1877. وهكذا نعرض الحديث في النص بناءً على مرجعية Ljunggren, op. cit., p. 249.

[56] ويليام من أوكام: (1288م – 1348م) هو راهب فرنسيسكاني ولاهوتي مدرسي إنجليزي من أوكام، قرية صغيرة في سري. كان له أثر فكري وسياسي على مجرى الأحداث في القرن الرابع عشر.

[57] هذا الجزء هو ترجمة من كتاب

Rikvan Nieuwenhove, An Introduction to Medieval Theology, (Cambridge University Press, 2012), p. 258-260.

[58] In I Sentences. d43 c.5.

حيث يميز بيتر لومبارد بين ما يفعله الله بشكل منطقي، وبين جميع الأشياء التي بإمكانه فعلها بشكل منطقي.

[59] ألكسندر من هالس: (1185- 1245م) هو راهب فرنسيسكاني حاصل على وسام الرهبان الصغار، وكان فيلسوفًا وعالم لاهوتٍ مهمًا في تطوير الفلسفة المدرسية والمدرسة الفرنسيسكانية.

[60] ألبرت الكبير: (1200 – 1280م)، معروف أيضًا باسم ألبرتوس ماجنوس، وألبرت من كولونيا، كاهن وراهب دومينيكي حقق شهرة واسعة لمعرفته الشاملة، ودعوته للتوفيق بين العلم والدين. يُعتبر أعظم لاهوتي وفيلسوف ألماني في العصور الوسطى. كان أول الدارسين في القرون الوسطى الذي طبَّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي. كرَّمته الكنيسة الكاثوليكية بلقب معلم الكنيسة واحدًا من أهم 33 شخصية نالوا هذا التكريم فقط.

[61] In Sentences. I, 25. 5 ad I.

[62] See ordin. I. d.44. q.u-no.3, quoted by McCord Adams, William Ockham, 1190.

[63] Quodlib. VI. I (trans. 491-92).

[64] See McCord Adams, William Ockham, 186-207.

[65] كما يلخص مويرر Maurer, (The philosophy, 263): ”لم يرسم أوكام صورة الله باعتباره حاكمً متقلبًا: تحكم عالمه قوانين طبيعية وأخلاقية تعطيه النظام والمنطقية، بل أنها قوانين عرضية (مشروطة) بناءً على تأسيسه لها بحرية“.

[66] Maurer, The philosophy, 539.

[67] Quodlib. VI. I art. 2 (trans. 492).

[68] McCord Adams, William Ockham, 1279.

[69] Ibid., trans. 493.

[70] Quodlib. VI. 4 art. 2 (trans. 500).

[71] Gordon Leff, William Ockham. The Metamorphosis of Scholastic Discourse, (Manchester University Press, 1975), 473.

[72] ولكن يعتقد G. C. Coulton في كتابه (Five Centuries of Religion, Vol. I, 1923, p. 145) أن كأبة وقتامة التعليم الأوغسطيني الصارم قد ساعدت على تشجيع تنامي عبادة العذراء الطوباوية، الفكر الذي قدمت قواه الشفاعية الناس ببعض الاعتقاد الذهني بإمكانية اللعنة والهلاك المحتمل.

[73] تفسر الاعترافات الليتورجية عن الخطية الواردة في العديد من أنظمة الكنائس البروتستانتية هذا الترويج للتعليم عن السقوط، الذي يتطلب الاجتماع على إلصاق الخطية الأصلية والخطية الفعلية إلى نفسه: أنظر بخصوص مجموعة من مثل هذه الاعترافات في الملاحظة رقم 2 الإضافية “Congregational Confessions of Original Sin in The Churches of The Reformation”, p. 443. زيادة الاهتمام الهائل بموضوع الخطية الأصلية الذي توضحه هذه الصيغ يمكن قياسه إذا ما قورنت بسابقاتها في العصر الوسيط، فالاعتراف الكاثوليكي هو اعتراف بالخطية الفعلية فقط. وربما جدير بالملاحظة أن الاعترافات الموجودة في المكاتب اليومية ومجتمع الخدمة في كنيسة إنجلترا -على الرغم من إبرازهم العلاقة الأدبية بالاعترافات على مستوى القارة- أهملت ذكر موضوع الخطية الأصلية.

[74] أنظر بخصوص نص الإجراءات المتعلقة بهذه الوثائق، الملاحظة الإضافية رقم F في “Formularies (II), Western & Roman”, p. 538.

[75] وُلِدَ عام 1513م، وتوفي عام 1589م: وهو المبشر بكورنيليوس جانسن Cornelius Jansen المعروف جدًا.

[76] شكَّل هذان الموقفان -كما سوف نشرح أدناه- الاختلاف حول نسخة عقيدة السقوط المميزة للإصلاح. لقد كان بايوس Baius في الحقيقة يسعى إلى توطين الأنثروبولوجي البروتستانتي داخل سياق الكاثوليكية اللاتينية بعد المجمع التريدينتيني. أنظر فاكنت-مانجنوت Vacant-Mangenot, DTC., art. “Baius”.

[77] حُرِمَ بمرسوم من البابا بيوس الخامس Pius V, Ex omnibus affictionibus (1567). أنظر أيضًا بخصوص الاقتراحات الأساسية المحرومة في Denzinger-Bannwart, Enchiridion, §§ 1001 ff، لاحظ بالأخص الصفحات أرقام 1021، 1023، 1025-1027، 1047، 1051.

[78] Ed. Fr. Culthbert, O. S. F. C. (1920).

[79] P. 150.

[80] هذا الجزء من ”جون دنس سكوتس“ إلى ”مجمع ترنت“ هو ترجمة عن كتاب

  1. P. Williams, The Ideas of The Fall & of Original Sin: A Historical & Critical Study, (London, New York, Toronto: Longmans, Green & Co., 1929), p. 408-423.

[81] Canones Concilii Tridentini, Sessio V § 1.

[82] Ibid. Sessio V § 2.

[83] Ibid. Sessio V § 3.

[84] Catechismus Romans. P. I Cap. II Q. 18.

[85] أنظر بيلارمين Bellarmin, Gratia Primi Hominis وشرحه للنظرية الرسمية عن البر الأصلي.

[86] Canones Concilii Tridentini, Sessio VI § 4.

[87] Ibid. Sessio VI § 5.

[88] Ibid. Sessio VI § 9.

[89] (رو6: 12؛ 7: 8).

[90] Canones Conc. Trid., Sessio V.

[91] هذا الجزء مترجم من كتاب

Reginald S. Moxon, The Doctrine of Sin, (London: George Allen & Unwin LTD, 1922), p. 142-165.

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس عبد المسيح

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

يتحدث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف (لاهوتي بروتستانتي) عن الاختلاف بين اللاهوتين الشرقي اليوناني والغربي اللاتيني في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

في اللاهوت الآبائي اللاتيني:

على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائي اللاتيني لديه نقاط عديدة مشتركة مع تعليم اللاهوت اليوناني المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مهمة في الظهور*. حيث يبدأ النوع اللاتيني المختلف من اللاهوت مع ترتليان*. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصور التجسد على أنه يؤثر على الجنس البشري بالأساس من خلال الإرشاد والمثال.

ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكل أو بآخر إلى الخلفية. حيث يركز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب*، معتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يمكن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحددة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت*، مثل: ‘ذنب’، و ‘ترضية’، و ‘استحقاق’، وما إلى ذلك، التي تم توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطور اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح*.

ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يطبق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاري، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطور عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية”.

ثم يستطرد قائلاً في نفس السياق متحدثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتيني، موضحًا الاختلاف بين اللاهوت اليوناني واللاهوت الأوغسطيني بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

“نشعر بشكل طبيعي بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس، الأب الكنسي الأعظم في الغرب، قد أضاف بشكل كبير، سواء على المستويين الجوهري والشكلي، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يقدم آراء متنوعة، جامعًا في ذاته التطور السابق.

كما توجد فكرة تأله الطبيعة البشرية بالتجسد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط*، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليوناني*.

حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مختلفة*. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض* النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهي*، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب*، وكمصالحة للإنسان مع الله*.

لم يطور أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يميز بصورة حادة بين الجانب القضائي والتجديدي للفداء”.

Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of christ, p. 125-129.

ويتضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانوني والقضائي في اللاهوت الغربي اللاتيني تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائي والتأليهي في اللاهوت الشرقي اليوناني.

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يستخدم أوغسطينوس نظرية رواقية في الأصل هي نظرية “العلل البذرية” لإثبات انتقال الخطية الأصلية عن طريق الجسد بسبب أن بذرة الجسد التي تتكون منها أجساد البشر هي بذرة آدم المشوهة بالخطية، لذا تنتقل الخطية الأصلية عن طريق بذرة جسد المعصية الأول الذي لآدم إلى أجساد ذريته، وعن طريقها تنتقل خطيته الأصلية إلى ذريته وتتوارثها بالتناسل عن طريق هذه العلل البذرية أو الجسدية، حيث يؤكد على وجود العلل البذرية في أجساد البشر كالتالي:

“هنالك علل جسدية* أو بذرية*، سواء أكان ذلك بمساهمة الملائكة، أو البشر، أو أي كائن حي آخر، أم بمجامعة الجنسين التي تؤدي إلى الإنجاب النوعي، أيًا كانت القوة التي تمارسها حركات الأمهات ورغباتها على ثمرة الحشا للتعديل في الملامح أو اللون، فإن تلك الطبائع ذاتها مهما طغى على كيانها من تأثيرات متنوعة، تظل عمل الله السامي دون سواه”.

(مدينة الله ١٢: ٢٥)

ثم يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل الجسدية أو البذرية في تفسير انتقال الخطية الأصلية بالوراثة من آدم إلى نسله كالتالي:

“ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعوقب بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يمثلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة، التي استُلت من جنبه قبل الخطيئة. لم يكن آنذاك الشكل الخاص لكل وجود مخلوقًا، وما كان أحد منا مالكًا لحياته الخاصة، بيد أن البذرة* التي كان علينا أن نخرج منها* قد شوهتها الخطيئة*، وحملت أثقال الموت بحكمٍ عادلٍ، وجعلت الإنسان مولود الإنسان في الحالة عينها*”.

(مدينة الله ١٣: ١٤)

وهذا ما يقرره أوغسطينوس في موضع آخر، حيث يؤكد على أن طبيعتنا البشرية المريضة والخاطئة نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول الذي لا يستطيع من تلقاء نفسه إتمام الناموس وتكميل البر، حيث يقول التالي:

“إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة* لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول* الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل البر”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٢)

ويؤكد أوغسطينوس على العكس من آباء الشرق عامةً، والقديس كيرلس السكندري خاصةً، أننا نولد خطأة ومذنبين ومدانين ومعاقبين من آدم، حيث يقول التالي:

“كل هؤلاء هم بالعدل تحت دينونة الله، لأنهم ليسوا أبرياء من الخطيئة سواء تلك الخطيئة التي وُلدوا بها*، أو الخطايا التي أضافوها بسوء سلوكهم، ‘لأن الجميع قد أخطأوا – سواء من آدم* أو من أنفسهم – وأعوزهم مجد الله’ (رو٣: ٢٣)، طالما أن جميع الناس بلا استثناء قد أخطأوا في آدم*، إذًا، فهم مذنبون* وتحت الدينونة والمعاقبة”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٤، ٥)

ولا أجد قولاً عند ق. كيرلس السكندري يشير إلى انتقال الخطية الأصلية، كما يدّعي أوغسطينوس، عن طريق العلل الجسدية أو البذرية من جسد آدم أو جسد المعصية الأول. فلم يستخدم ق. كيرلس السكندري مثل هذه النظرية الرواقية الشهيرة في إثبات انتقال الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج من آدم عن طريق الجسد إلى أجساد ذريته.

فكيف بعد ذلك نقول إن القديس كيرلس السكندري وأوغسطينوس متقاربين ومتشابهين في تعليمهما حول الخطية الجدية، يبدو مما سبق، وجود اختلاف جذري في المفاهيم بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس فيما يتعلق بالخطية الجدية، ولا يمكننا الإدعاء بأن تعاليم ق. كيرلس السكندري مثل تعاليم أوغسطينوس في هذا الصدد، لأنه سيكون من الظلم إدعاء ذلك على ق. كيرلس السكندري وتعليمه الأرثوذكسي السليم عن وراثة نتائج الخطية الجدية أي الفساد والموت، وليس وراثة ذنب أو خطية أو معصية آدم بأية طريقة، سواء نفسًا عن طريق النفس المولودة، أو جسدًا عن طريق العلل البذرية أو الجسدية.

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

التعليم بوراثة الخطية بالتناسل والتزاوج هو تعليم مانوي للأسف أدخله أوغسطينوس إلى الكنيسة في مواجهته للهرطقة البيلاجية، وانقلب على كل قناعاته المسبقة التي كان يعتنقها في كتاباته ضد المانوية، كما اتبع نظرية الروح المولودة وراء العلامة ترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي مخالفًا تعاليم أغلب الآباء بالروح المخلوقة ورغم رفضه لمنطق الروح المولودة إلا أنه تبناه في مواجهة البيلاجية.

وراثة الخطية تعليم ضد صلاح وعدل الله الذي يخلق طبيعة صالحة غير وارثة لذنب شخص لم يقترفه ابنه كقول الكتاب النفس التي تخطئ هي تموت.

التعليم بوراثة الخطية تجعل للخطية كيان مادي ينتقل بالوراثة والتناسل وهذا ضد تعاليم الآباء الشرقيين صراحة الذين نادوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان ولم يعرفوا أبدًا انتقال الخطية بالتناسل والتوالد.

التعليم بوراثة الخطية ضد الكتاب المقدس الذي قال بأن إرميا كان مقدسًا منذ البطن ومن الرحم كيف يكون مقدسًا من الرحم وهو وارث للخطية وكذلك يوحنا المعمدان كان ممتلئ بالروح القدس من البطن، كيف يكون وارث الخطية ويكون مقدس من الرحم، وهذا ما أكده ق. أثناسيوس وجميع الآباء من بعده.

التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي، بل هو تعليم مانوي صرف بشهادة جميع آباء الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.

نأتي إلي موضوع خطية الطبيعة naturalis peccati وهو تعبير مانوي استخدمه أوغسطينوس في كتابه الزواج والشهوة ليؤكد على توارث الخطية الأصلية وانتقالها في الطبيعة البشرية عن طريق التزواج والتناسل وهذه هي الهرطقة المانوية، هذا المفهوم المانوي يجعل من الخطية جزء ومكون أساسي من مكونات الطبيعة تنتقل عن طريق العلل البذرية rationale seminale أو النظرية التوالدية tradux peccati أي انتقال الخطية من خلال النفس المولودة من الآباء إلى الابناء بالتناسل وهذه كلها مفاهيم مانوية قال بها المانويون الذين انضم إليهم أوغسطينوس لمدة ٩ سنين من عمره وتأثر بمعتقداتهم عن ماهية الشر والخطية وادخلها للكنيسة، وينادي بها البعض في هذه الأيام.

نظرية الروح المولودة قال بها المانويون وترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي، واستخدمها أوغسطينوس في إثبات عقيدته عن انتقال الخطية الموروثة بالتناسل من آدم لذريته نفسًا وجسدًا مستخدمًا معها نظرية العلل البذرية الرواقية في إثبات انتقال بذرة الإنسان الأول المشوهة بالخطية إلى أبنائه.

رفض آباء الكنيسة الشرقية هذه الأفكار المانوية وقالوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان مثل الظلمة هي غياب النور والعمى هو غياب الإبصار، ونادى آباء الشرق إن الخطية فعل إرادي يتم بإرادة الإنسان العاقل المريد ولا تنتقل الخطية بالتناسل من الآباء إلى الأبناء لأن هذه هي الهرطقة المانوية، التي تجعل للشر والخطية مبدأ أزلي له صفة الأزلية وهكذا يدخلنا هذا الاعتقاد بوراثة الخطية إلى الثنائية المانوية، والاعتقادين بمبدأين أو إلهين أحدهما مبدأ أزلي للخير والآخر مبدأ أزلي للشر ينقل الشر والخطية من خلال التناسل والتزواج بين البشر وبعضهم البعض. رفض آباء الشرق جميع هذه الادعاءات المانوية الهرطوقية ودحضوها في كتاباتهم ضد المانوية.

تعليم وراثة الخطية الأصلية هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي لا يمت للكنيسة الأرثوذكسية بأي صلة.

 

للمهتمين بموضوع الجدل حول تعليم وراثة الخطية الأصلية يمكن الرجوع إلى هذين البحثين:

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس

سأبدأ أحبائي في سلسلة من المقالات هي عبارة عن عرض للاختلافات في التعليم بين القديسين كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس.

وأول مفارقة بين الاثنين هي موضوع أصل النفس، في حين يؤمن أوغسطينوس بالنظرية التوالدية المسمَى بـ traducianism في أصل النفس، ومعناها انتقال النفوس بالولادة من الآباء إلى الأبناء، مثلها مثل أجسادها، وبالتالي تنتقل نفوس جميع البشر بالولادة من آدم إلى نسله، ولقد استخدم أوغسطينوس هذه النظرية في مواجهة البيلاجيين في سياق شرحه لكيفية انتقال الخطية الأصلية من نفس آدم إلى نفس كل واحد من أبنائه عن طريق الولادة، حيث يخاطب چيروم الذي كان يؤمن بالنظرية الخلقية المسمى بـ creationism قائلاً:

“علمني إذًا، أرجوك، ما عليَّ أن أعلمه. علمني ما الذي يجب أن أعتبره صحيحًا، وإذا كانت تُخلق، كل يوم، نفوس للذين يُولدون كل يوم. قل لي كيف أخطأت في آدم، الذي ينتقل منه جسد الخطيئة*، وكيف تخطأ نفوس الأطفال فتكون بحاجةٍ إلى مغفرة الخطيئة في سر المسيح المقدس؛ وإذا كانت لم تخطئ، قل لي بأي عدلٍ من الخالق، يكفي أن تتحد بجسدٍ مائتٍ خارج من جسد آدم، لكي تحمل وزر خطيئة غريبة*، إلى درجة تعرضها للهلاك، ما لم تبادر الكنيسة إلى نجدتها، لكونها لا تستطيع أن تطلب نعمة العماد.

بأي عدلٍ تهلك آلاف نفوس الأطفال التي يفصلها الموت عن أجسادها، من دون مغفرة السر المسيحي، إذا كانت كخلائق جديدة، اتحدت بأجسادٍ وُلدت من دون خطيئة سابقة، بل بمشيئة الخالق؟”.

(الرسالة من أوغسطينوس إلى چيروم رقم ١٦٦: ١٠)

 

بينما نجد ق. كيرلس السكندري يؤمن بالنظرية الخلقية creationism في مقابل النظرية التوالدية التي يؤمن بها أوغسطينوس، ويرفض لأجلها النظرية الخلقية، بل ويعترض عليها ويدحضها في كتاباته. حيث يؤمن ق. كيرلس السكندري بأن الله يخلق نفس جديدة لكل إنسان مولود جديد، لأن الله يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، فهو يعطي النفس لكل جسد مولود جديد، حتى لو كان الجسد مائت، لأن عطية الوجود والحياة هي عطية إلهية من الله للإنسان، بالرغم من فساده وموته بعد السقوط. فيقول ق. كيرلس التالي:

“ألا تُولد النفس البشرية وهي من طبيعة مختلفة عن طبيعة الجسد، مع الجسد، لأنها – كما قلنا سابقًا – متحدة به؟ ولا أظن أن أحد سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد*، أو أنها تتكون معه*، وإنما الله – بطريقة غير معروفة – يغرسها في الجسد*، وتُولد معه. ولذلك، نحن نحدد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”. (شرح تجسد الابن الوحيد، ٢٨)

وبالتالي، نلاحظ أحبائي اختلاف مفهوم أصل النفس بين القديسين كيرلس وأوغسطينوس، ومن ثم اختلاف مفهوم كل منهما بشأن الخطية الجدية. فكيف يمكن القول بأنهما متفقان في تعاليمهما وهما مختلفان بالفعل في مكون رئيسي من مكونات عقيدة وراثة الخطية الأصلية بمفهومها الأوغسطيني ألا وهو أصل النفس. حيث يرى أوغسطينوس أن النظرية التوالدية تخدم هدفه في إثبات وراثة الخطية الأصلية، بينما لا تخدم النظرية الخلقية، التي يؤمن بها ق. كيرلس السكندري وغيره من آباء الشرق، هدفش أوغسطينوس في إثبات وراثة الخطية اﻷصلية.

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس

 

ترجمة فصل من كتاب تاريخ العقيدة المسيحية للبروفيسور جورج فيشر، تجدوا في هذا الفصل النقاط التالية:
 
1- تاريخ تطور الصراع البيلاجي بين الشرق والغرب.
2- موقف مجمع أفسس المسكوني 431م من الصراع البيلاجي.
3- سرد لتاريخ الصراع النصف بيلاجي حتى عصر البابا غريغوريوس الأول أسقف روما.
 

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس

تحميل هذه الترجمة

Exit mobile version