طبيعة الوحدة بين الآب والابن – القديس كيرلس الأسكندري

طبيعة الوحدة بين الآب والابن – القديس كيرلس الأسكندري

طبيعة الوحدة بين الآب والابن – القديس كيرلس الأسكندري

طبيعة الوحدة بين الآب والابن – القديس كيرلس الأسكندري [1]

 

          نتعرف من خلال هذا الجزء من كتاب “حوار حول الثالوث” للقديس كيرلس، على التعليم الصحيح عن طبيعة الوحدة بين الآب والابن. والجدير بالذكر أن القديس كيرلس كتب هذا العمل في صورة حوار بينه وبين إرميا:

كيرلس: الابن مساوٍ للآب في الجوهر، لأنه بالحق خرج من الآب، وهو فيه بالطبيعة والجوهر. وكما إننا لا نستطيع أن نقول بشكل قاطع إنه مساوٍ لنا في الجوهر بدون أن يكون قد صار إنسانًا، كذلك بنفس الدرجة لا نستطيع أن نقول إنه في الله وواحد معه، إلاّ إذا كان له فعلاً كل خصائص طبيعته، ولا كان ممكنًا للبشر أن يكونوا شركاء الطبيعة الإلهية إلاّ بواسطة الغنى الذي سكبه عليهم الابن، وبواسطته.

إن الابن له اتحاد حقيقي وطبيعي بالآب، ونستطيع بدون عناء أن نتعرّف على مكانة الابن من حديثه مع الآب السماوي حينما يقول: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ[2].

إرميـــا: وإذا قالوا إن وحدة الابن مع الآب، تشبه ما نلاحظه فى علاقاتنا نحن البشر، فبماذا نجيب؟ دعنى أوضح ما أريد قوله. مكتوب: “َكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ”[3]، فعلى الرغم من كونهم نفوسًا عديدة صاروا نفسًا واحدة. وهذا لا يعنى وحدة الطبائع ولكن وحدة الإرادة والهدف والفكر، ولأن الابن له نفس مسرّة الآب، فهو واحد معه فى الإرادة والفكر مثلنا نحن البشر فى علاقتنا بعضنا ببعض. وهكذا يذهب هؤلاء البؤساء إلى كل مكان ويدمّدمون بهذه الكلمات.

كيرلس: ولكن هذا يدل مرّة أخرى على أنهم يرتكبون جريمة واضحة بغباوتهم التى وصلت إلى حد بعيد، وأن حالة من التوتر تقود أفكارهم. ومعروف أن الأفكار المنحرفة إنما تصدر عن أناس فقدوا إتزانهم، وكما هو مكتوب أن “اللَّئِيمَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّؤْمِ وَقَلْبُهُ يَعْمَلُ إِثْمًا لِيَصْنَعَ نِفَاقًا وَيَتَكَلَّمَ عَلَى الرَّبِّ بِافْتِرَاءٍ”[4].

وكيف لا نرى اللؤم والجهل والعبث الذى وصل إلى حد لا يطاق فى حديثهم وتأييدهم لفكرة أن وحدة الابن مع الله الآب ليست أمرًا جوهريًا؟ بل هى أمر اختيارى أو اتحاد بالإرادة، وهو بذلك لا يختلف كثيرًا عن البشر المدعوّين للتبني، والذين يطلق عليهم الاسم الإلهي بإرادة الآب بسبب أن فضائلهم جعلتهم أهلاً للحصول على هذا المجد العظيم. وبهذا الشكل ماذا يمنع أي واحد من القديسين من أن يفكر، بما إنه صَنَع ما يرضى الله ومسّرة السيد، فيمكنه أن يستخدم كلمات الابن الوحيد ويتوّجه بها إلى الآب قائلاً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ؟[5].

فليُظهروا لنا إذا كان أحد القديسين قد تجرأ ونطق بهذا الكلام. والحقيقة أن القديسين كلّما وصلوا إلى مرتبة عالية في القداسة، كلّما تذّكروا خطاياهم ولم ينسوا طبيعتهم البشرية[6].

وهناك آلاف الشواهد الكتابيّة على ذلك، ولكنى أترك هذا التدرّيب الروحي للذين يحّبون العلوم المقدّسة، غير إنى سأواجه ما يقدّم من حجج، وأعود إلى الوراء قليلاً لأكلّمهم عن الوحدة كما نحياها نحن البشر فيما بيننا، إنها وحدة بالإيمان كما يتفق على ذلك الجميع، هذه التي تقرّبنا من بعضنا وليس هناك اختلاف في الجوهر يمكن أن يفرّق بيننا حتى ولو كان لكل واحد فينا أقنومه الخاص.

نحن جميعًا واحد في الجوهر الإنساني الواحد، أما فيما يخص وحدتنا مع الله، فالأمر لا يقتصر على مجرد ميل الإرادة، ولكن هناك عامل أخر يُكلّمنا عنه الطوباوي بولس حينما يقول “فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ”[7]. وهل تجهل أن الأمم يتحدّون بالمسيح بالإيمان والأولوجيا (البركة) السرائرية؟

إرميــــا: لا طبعًا أنا لا أجهل ذلك ..

كيرلـس: هل نحن فيما بيننا نحيا في وحدة الطبيعة والإرادة مثل تلك الوحدة التي سوف نكتشف إنها لنا في المسيح.

إرميــا: ماذا تريد أن تقول، فإني لا أستطيع أن أفهمك بسهولة.

كيرلس: لا يوجد شئ صعب في هذا الكلام، وما أقوله يفهمه كل إنسان حكيم ومطلّع على الأمور. نحن الذين ننتسب للبشّرية، نحن نرتبط أولاً بعضنا ببعض ارتباطًا وثيقًا، وذلك برباط طبيعتنا الواحدة وفى نفس الوقت مرتبطون ومتحدون بطريقة أخرى، فكل منا له أقنومه الخاص، فالواحد بطرس والآخر يوحنا، وواحد توما والآخر متى، وقد صرنا أعضاء في جسد المسيح، نتغذى على نفس الجسد ومختومين في الوحدة بالروح القدس. ولأن المسيح غير منقسم فنحن واحد فيه وهذا هو السبب وراء قوله للآب السماوي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“.

ففي المسيح وبالروح القدس نحن واحد بالجسد وبالروح. وما نعيبه على الذين لهم رأى أخر إنهم لا يفهمون النصوص الخاصة بطبيعتنا البشرية.

إرميـــا: إنهم مخطئون وملامون بكل تأكيد، ولكن اسمح لي ـ أنا المشتاق للمعرفة ـ أن أسألك، إذا كنا نقبل أن يُقال إن الابن متحد بالآب تمامًا مثل اتحادنا نحن ببعضنا البعض، أم أن وحدة الابن بالآب أسمى من وحدة البشر؟

كيرلس: الابن متحد بالآب مثلنا، وفى نفس الوقت أسمى منا، فالكلّ متفقون على أنه واحد في الجوهر (هوموأوسيوس) مع ذاك الذي وَلَده، لأنه ابنه الحقيقي. وهذا الأمر كائن في أقنومه الخاص، ولكن وحدتهما طبيعية، ولا يمكن أن تتعّرض الأقانيم لأي تغييّر كما يظن البعض، بحيث إن نفس الأقنوم يكون أبا وابنًا. ولكن كل أقنوم قائم بذاته ويمتلك وجودًا خاصًا به. ووحدة الجوهر هي التي تُعرِّف وحدة الأقانيم معًا.

إرميــا: أتريد أن تقول إن الابن موجود بجوهره الذاتي (῎ιδια οὐσία)  بجانب جوهر الآب؟

كيرلس: ليس بجوهر أخر غير جوهره كإله، ولكن بأقنومه الخاص كابن.

إرميــــا: إذن يجب أن نميّز بين الجوهر و الأقنوم.

كيرلس: نعم، هناك فارق كبير بين الاثنين وذلك لأن الجوهر يحتوى كل الصفات الجوهرية.

إرميـــا: كيف تشرح ذلك، أعذرني لأني بطئ الفهم في مثل هذه الأمور.

كيرلس: يجب أن تعرف أنه حتى بالنسبة لي شخصيًا، فالحديث في هذه الأمور ليس بالأمر السهل، ولكن لابد أن نفحص الأمر، فالجوهر هو حقيقة مشتركة، بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المُشتَرِكة في هذا الجوهر الواحد، انتبه فسوف أشرح لك ذلك:

إرميــا: وكيف يكون ذلك؟

كيرلس: نحن نُعرّف الإنسان بأنه “حي وناطق وفاني” وهذا هو المفهوم المناسب له، ونحن نقول إن هذا يُعبّر عن جوهره. وهذا التعريف ينطبق على كل الأفراد فردًا فردًا، وهنا يجد توما ومرقس وبطرس وبولس مكانهم الصحيح حسب اعتقادي، وهكذا نحدّد الجوهر ولكننا لا نحدّد بعد ماهية الأشخاص الذين نتكلّم عنهم بشكل دقيق. فحينما نقول “إنسان” بشكل عام فهو ليس بطرس ولا بولس، وحينما نقول توما وبطرس فنحن لا نخرج من حدود ما نسميه بالجوهر الواحد وهذا لا يقلّل من كل منهم “كإنسان”، فقد أظهرناه موجودًا بأقنومه الخاص.

          إذن الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنه يشير أيضًا إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص.

إرميــــا: الآن أفهم ما تعنى، لأن عرضك لا يخلو من لباقة وبراعة.

كيرلس: وبقولنا واعترافنا بأن الابن “هوموأوسيوس” مع الله الآب، نُقّر أيضًا أن له “أقنومه الخاص” وهذا معناه أنهما متحدان ومتميّزان في نفس الوقت. وهكذا نصل من الوحدة إلى تمايز الأقانيم. ووحدة الجوهر في كل شئ، والوحدة والمساواة القائمة بين الآب والابن تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتُقدمهما بشكل غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به، وذلك لأن الواحد آب وليس ابنًا والابن ابن وليس أبًا.

إرميــا: إذا وافقتني، نستطيع القول إنه يوجد جوهران الآب والابن وهكذا فالتمايز يصير واضحًا .

كيرلس: لا يمكن أن نميّز جوهرين، لا تترك نفسك تُخدع بآراء أولئك الناس ذوى الأفكار الفاسدة، لا تترك الطر

ق الممّهدة، لتضيع في متاهات.

إرميــــا: كيف يكون ذلك؟

كيرلس: إذا قلنا إن هناك طبيعة للآب وطبيعة أخرى للابن منفصلة عن الأولى، فسنصل إلى أن نفصل بينهما. لأنه بالنسبة للبشر لا يمكن أن نقول “جوهر وجوهر آخر، ونوزّع على كل كائن خاص، الصفات المشتركة، كما لو كانت تخصه هو وحده، وفى الحقيقة إذا قبلنا مبدأ وجود أكثر من جوهر واحد كوسيلة لإظهار التمايز، فإن الجوهر العام الواحد سوف يضيع وسوف يؤدى الاختلاف الجوهري (حسب تصورهم) إلى خلق حالة من الانفصالية والاختلاف، وهكذا نصل إلى وجود تعدّد[8] واختلاف حسب الطبيعة.

إرميـــا: أعتقد أن هذا صحيح .

كيرلس: بهذا الشكل لا يتبقى لنا إلاّ أن نقول إن كان الابن حسب رأيهم ليس مساويًا لله الآب في الجوهر، وأنه من جوهر آخر مختلف ومن طبيعة أخرى فهذا يُخرجنا من الحدود التي تُعرّف بها الألوهة. ففي حالة كون الابن له جوهره الخاص، فسيكون غريبًا عن جوهر الله الآب.

1عن كتاب: حوار حول الثالوث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية 2008م، ج1، الحوار الأول ص55ـ61.

2 يو17: 21-23.

3 أع4: 32.

4 إش32: 6.

5 يو17: 22.

6 هنا يعتمد ق. كيرلس على شرح القديس أثناسيوس لهذه الآية ويتبع نفس تعليمه. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة 19.

7 1كو10: 17.

8 يقصد تعدد آلهة.

 

طبيعة الوحدة بين الآب والابن – القديس كيرلس الأسكندري

يوميات إرهابي هارب 36 : إختلافات بين أقنومي الإبن والآب؟! الجزء الرابع

يوميات إرهابي هارب 36 : إختلافات بين أقنومي الإبن والآب؟! الجزء الرابع

يوميات إرهابي هارب 36 : إختلافات بين أقنومي الإبن والآب؟! الجزء الرابع 

 

نستكمل ما بدأناه في الأجزاء السابقة من الإختلافات التي إدعاها محمود داود بين الإبن والآب، حيث كُنّا قد ذكرنا إختلافات يعترض بهم ميمو ورددنا عليهم رد مبسط، ويمكن قراءة الإختلافات والرد عليها من هنا:

http://www.difa3iat.com/19582.html

http://www.difa3iat.com/19585.html

http://www.difa3iat.com/19583.html

 

 

  1. يتكلم ميمو بعد هذا عن أن المسيح ليس له أن يجعل إبني زبدي واحدا عن يمينه وواحد عن يساره، فإن المسيح قال لأمهما “واما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي ان اعطيه الا للذين أعدّ لهم” (مرقس 10: 40)، فيقول ميمو إذن وبناءً على هذا النص فلا يوجد مساواة، وقد رددنا على أن المسيح مساو للآب وأنه هو الإله الوحيد نفسه، فقد تم الرد على نقطة المساواة، لكن هنا سأتغاضى عن هذه النقطة، وأناقش فكرة ميمو الهشة التي يستنبطها من رد المسيح، وهي تتلخص في السؤال: هل التخصيص يعني عدم المساواة؟ أي: لو كان الآب من إختصاصه أن يجعل الواحد عن يمين المسيح والآخر عن يساره، ولكن الإبن له إختصاصات أخرى، جدلاً، فهل هذا يعني أن الآب والإبن غير متساويان؟ بالطبع لا، فمثلا لو تشارك رجلان في شراء شركة ما، وإتفقا أن يتقاسما الإدارة بحيث يكون الواحد مسئولا عن الشق الفني والآخر الشق المالي، فهل هذا ينفي أن هذا الرجل الأول ليس مساو للرجل الثاني في ملكية الشركة له؟ وقِسْ على هذا أمثلة كثيرة، فجدلاً، حتى لو إفترضنا توزيع الأدوار فهذا لا ينفي المساواة!
  2. الفرق التالي هو الفرق في الإستطاعة، ويستشهد ميمو بالنص:

Mat 19:26  فنظر إليهم يسوع وقال: «هذا عند الناس غير مستطاع ولكن عند الله كل شيء مستطاع».

ويتسائل، هل كان كل شيء مستطاع عند يسوع؟ ويجيب على نفسه، ويقول: أبداً، يسوع يقول “أنا لا أقدر أن أعمل من نفسي شيء” ويستشهد أيضاً بالنص:

Mar 6:5  ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم.

وللرد نقول:

أولاً: أثبتنا أن المسيح هو الله بنصوص صريحة، وبناءً عليه ينطبق النص “عند الله كل شيء مستطاع” على المسيح إذ أنه هو الله.

ثانياً: النص الأول الذي إستشهد به رددنا على إستشهاد ميمو به، ولا يعرف ميمو الفارق بين أن يقول شخص “أنا لا أقدر أن أفعل شيء” وبين “أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيء” وقد أوضحنا وفصلنا في الرد على فكرته هنا.

ثالثاً: النص الثاني الذي إستشهد به للأسف يناقض فهمه، فهو يفهم عبارة ” ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة” أن المسيح غير مقتدر، وأنه لم يكن لديه القوة ليفعل معجزات هناك، وهو ما ينفيه النص نفسه بعدها مباشرة حيث يقول [غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم]، فالنص نفسه يقر بأن المسيح وضع يده على مرضى وشفاهم، ولكنهم قليلون، ثم أن عبارة “لم يقدر” لا تدل على المعنى الذي تبادر لذهن ميمو دائما، ففي إستخدامنا اليومي تقال هذه الكلمة مع العلم بالقدرة على الفعل، فلو قال أستاذ ما “أثناء تصحيحي (تصويبي) لإمتحانات الطلبة وجدت طالباً لم يجب إجابة واحدة صحيحة فلم أقدر أن أعطية العلامة الكاملة (الدرجة النهائية)” فهل المقصود هنا هو أن المعلم عاجز ان يعطيه ما يريد من الدرجات أم المقصود هو أن الطالب لم يفعل ما يستحق عليه هذه العلامة الكاملة (الدرجة النهائية) وعليه، فلم يعطيها له الأستاذ ولم يجد مبرراً ليعطيه إياها؟ لكن لأن ميمو يقرأ النصوص بفهم مسبق فيسقطه عليها دون دراسة النص المجردة.

  1. الإختلاف القادم هو، في أن الآب يدفع للإبن لكن الإبن لا يدفع للآب، وهذا الإختلاف مكرر بالإختلاف رقم 6 (أنظر أعلاه) فيبدو أن معرفة ميمو لم ترقى فوق أن تعرف أن “يعطي” = “يدفع”! فجعلهما في نقطتين منفصلتين، أو يبدو أنه لا يجد ما يقوله!، ثم بعد هذا يقول ميمو أننا لو سلمنا بوجود الناسوت واللاهوت، فلماذا لم يدفع لاهوت المسيح لناسوته؟، ومن المعلوم بداهة عن كل طويلب في قراءة اللاهوت المسيحي أن المسيح قد أخلى مجده ووضع نفسه ووجد في الهيئة كإنسان وأطاع حتى موت الصليب، وأن المسيح لم يستعمل لاهوته في التأثير على ناسوته، فلم يمنع لاهوته الحزن عنه ولا الجوع ولا العطش ولا المشاعر الإنسانية .. إلخ، لذا فالمصدر كما شرحنا (الآب) هو الذي أعطاه لأنه كان في حالة إخلاء المجد.
  2. الإختلاف القادم هو أن الآب لا يموت ولكن يسوع مات!، فيستشهد ميمو بالنص القائل “الذي له وحده عدم الموت” (1تي 6: 16) و “ملك الدهور الذي لا يفنى” (1تي 1: 17)، ولكن بالطبع فيسوع مات!، وفي الحقيقي هذا دليل آخر أن عقل ميمو لديه إعاقة ما في الفهم، فهو يقارن بين “الآب” وبين “يسوع”!! فلكي يجري مقارنة صحيحة يجب أن يقارن الآب كلاهوت والإبن كلاهوت ويرينا من الذي قال أن الإبن كلاهوت مات، فيعرف الصغير قبل الكبير والجاهل قبل الدارس أن المسيحيون يقولون بأن جسد المسيح إنفصل عن روح المسيح البشرية وهذا هو الموت، لكن لم ينفصلا كليهما عن اللاهوت، فأين مات الإبن كلاهوت يا ميمو؟
  3. بعد هذا يتكلم ميمو في أن يسوع لم يقم نفسه ولكن الآب أقامه! ومقدماً، لا أعرف كيف عقلاً كيف يكون هذا إختلاف بهذه الصورة؟ لكني أعتقد وفقاً لمستوى تفكير ميمو الضعيف أنه يقصد أن المسيح لا يستطع أن يقيم نفسه ولكن الآب يستطيع أن يقميه! فلو كان يقصد هذا فقد تم الرد في نقطة القدرة بين الآب والإبن سابقاً، أما عن الفهم السقيم لميمو، وكعادتنا سأضع نص لأن هؤلاء لا يفهمون إلا النصوص في أحيان قليلة!، فبعدما طرد الرب يسوع من كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، فطلب منه اليهود أن يريهم آية والتي على أساسها يحق له أن يفعل هذا (في فكرهم) فقال لهم الرب يسوع المسيح “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة ايام اقيمه” (يو 2: 19)، وقال في موضع آخر “ليس احد يأخذها مني بل اضعها انا من ذاتي. لي سلطان ان اضعها ولي سلطان ان آخذها ايضا. هذه الوصية قبلتها من ابي” (يو 10: 18)، ولا أعرف كيف يقصد ميمو أن المسيح لا يستطيع أن يقيم نفسه والرب يسوع المسيح بنفسه قال عن نفسه أنه هو “القيامة”؟، نستطيع أيضاً أن نرد على فكرة ميمو السخيفة، فبشكل عام قد أثبتنا أن المسيح هو الله، فهل يمكن أن نقول أن الله المتجسد لا يقدر على شيء بحسب اللاهوت؟، والآن لنفترض خطأ كل ما مَر، ولو تنازلنا عن أن المسيح يستطيع أن يقيم جسده من الأموات، فهل منطقياً عدم إقامة المسيح لجسده من الأموات يدل على عدم قدرته على إقامة جسده؟ ولكي أوضح لحضراتكم الفكرة، هل عدم فعلك لشيء ما يدل على عدم قدرتك على فعله؟ هل عدم ذهابك للعمل اليوم يدل على عدم قدرتك على الذهاب؟! للأسف ميمو لا يستطيع أن يقدم حجة منطقية!

 

إلى هنا يكون ميمو قد أوضح الفروق بين الآب والإبن حسب جهله، والآن سينتقل للرد على إستشهادات المسيحيين بنصوص الكتاب المقدس كشواهد لألوهية المسيح.

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

 

الابن في الآب ومن الآب، ليس كمن يأتي من الخارج في الزمان، وليس هو من جوهر آخر أو من طبع آخر، بل هو من ذات جوهر الآب ومساوي له بالتمام بدون أي نقص أو ازدياد، وليس هو ثاني في الجوهر الواحد ولا الآب أول في الجوهر الواحد (من جهة التريب أو الأسبقية)، بل لا يوجد أول ولا ثاني في الجوهر الواحد ولا سابق ولا لاحق، بل تعبير أقنوم أول وثاني هو تعبير بشري من جهة الإعلان في ملئ الزمان من حيث معرفتنا نحن وليس من حيث طبيعة الله في جوهره.

فالابن هو من نفس ذات جوهر الآب يشع مثل شعاع الشمس أو صدور الحرارة من النار، وهذه الأمثلة لا نعنيها حرفياً، بل هي مجرد أمثله تعني أن نرى كيف يولد أو يصدر الابن من الآب، وفي نفس الوقت لا يصدر متأخراً أو بعد زمن، أو أن تكون له طبيعة مختلفة، بل مثلما يصدر النور من الشمس تلقائياً وفي نفس ذات الوقت من بادرة لحظة شروقها، ويظل كائناً مع الشمس لا ينفصل عنها، بل مستحيل أن يوجد نور بلا شمس أو شمس بلا نور تشعه من داخلها. ولا توجد نار بلا حرارة، ولا حرارة بلا نار؛ فالانفصال يعني أن يفقد شيئان معاً الطبيعة التي تُميزهما، فكيف تُصبح الشمس بلا أشعة، أو شمس بلا نور، أو نار بلا حرارة !!!

وكما أن الشمس مستحيل أن تبقى بلا نور، أو النار بلا حرارة، فوجود النور في الشمس أو الحرارة في النارأمراً ضرورياً لا انفصال فيه، بل تظل دائماً بمصدرها وتحتفظ بطبيعة المصدر. هكذا الأمر مع الآب والابن والروح القدس، لأننا نؤمن ونقول أن الابن في الآب ومن الآب ولهما معاً الروح الواحد عينه (فالروح القدس، هو روح الابن كما انه هو عينه روح الآب في الوقت عينه). وهذا يعني أن الابن الوحيد، المسيح الرب، ليس كائناً غريباً أو جاء في الترتيب بعد الآب، بل هو فيه ومعه دائماً بلا انفصال أزلاً ولا أبداً، ويُشرق منه دائماً حسب الميلاد الأزلي غير المُدرك أو المفحوص …

+ وهناك من يقول – في شرح الثالوث القدوس – بجهلٍ شديد أن الآب والابن والروح القدس غير متميزين إلا في الأسماء فقط، وانه ليس في الثالوث القدوس أقانيم، مع أن الكتاب المقدس صراحة يقول ” والكلمة كان عند الله ” أي أن الابن أقنوم آخر غير أقنوم الآب الذي معه الكلمة …

وبالرغم من أن الابن في الآب والآب في الابن، وهو مثل الآب الذي ولده أزلاً، مثله تماماً في كل شيء،ويُعلن الآب في ذاته بلا نقص، إلا أن هذا لا يعني أن الابن فقد أقنومه المتميز، ولا الآب فقد أقنومه الخاص به. فالتماثل التام بين الأقانيم لا يعني اختلاط الأقانيم، حتى أن الآب الذي منه يولد الابن أزلاً يصبح بعد ذلك ابناً، أو الروح القدس يصبح بعد ذلك آب، فالتماثل التام والمساواة بين الأقانيم لا يعني اختلاط الأقانيم أو تبادلهم. ولكن الطبيعة الإلهية الواحدة نفسها هي للأقانيم، مع تمايز كل منهما، حتى أن الآب هو الآب، والابن هو الابن، والروح القدس معهما إلهاً مثل الآب والابن، هذا هو كمال الثالوث القدوس المعبود، ولا ينبغي أن يتطرق للذهن قمية جمع الثالوث، 1+1+1= 3، لأن صيغة الجمع لا تنطبق على الله لأن الله ليس 3 عددياً، كما أن وحدته لا تساوي رقم واحد 1×1×1 = 1، لأن الله فوق الأرقام والأعداد، وطبيعته ليس لها مثيل لنقارنه به، وغير خاضع للزمن أو لرقم، سواء بالجمع أو حاصل الضرب.

وقد قال المخلَّص: [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30) مؤكداً أن له كيان خاص متميز عن كيان الآب، كما أن الآب له كيان خاص متميز عن الابن، وإذا لم يكن هذا هو الحق الواضح، فلماذا قال ” أنا والآب ” ولم يكتفِ بكلمة ( واحد )، لأن ” أنا والآب ” لا يُمكن أن تعني أنهما أقنوم واحد أو محصوران في عدد أو رقم 1، بل واحد في الجوهر. 

والإنجيل لا يقول فقط بأن الكلمة كان “عند الله” بل ” وكان الكلمة الله” وذلك لكي يعلن وجوده مع الله وتمايزه عن الآب وأنه أقنوم آخر غير أقنوم الآب وأقنوم الروح القدس، ولكن في نفس الوقت هو الله ومن نفس ذات الجوهر الواحد الذي للآب والروح القدس بالطبع، فهو بالطبيعة إله من إله، نور من نور، لأنه من الغير معقول أن يكون اللاهوت واحداً ولا يكون هناك تماثل تام في الصفات الإلهية بين الأقانيم أو أن لا تكون الأقانيم متساوية تساوي مطلق. لذلك يقول عن الابن أنه ” كان الله ” ولم يقل أنه يُصبح في وقت معين، بل كان دائماً وأزلياً الله …

لأن ما يحدث في الزمان أو ما ليس له وجود ثم يوجد بعد ذلك ويُصبح الله ويصير أزلي، فهذا لا يمكن أن يكون إله بالطبيعة !!! لأن ما يُستحدث يصير خاضعاً لقانون البشر، والله لا يُمكن الاستحداث فيه أو يطرأ عليه أمراً جديداً، لأنه الكائن الأزلي حياته من ذاته ولا تُستمد من آخر، متحرراً من الضرورة ولا يعوزه شيئاً على الإطلاق، وليس معنى أن الابن اتخذ جسداً أنه تغير عن كينونته الله، أو خضع لشيء جديد آخر، لأن ما اتخذه الله انتسب إليه وليس هو الذي اصبح منسوباً إليه، لأن هذا الاتحاد هو اتحاداً سرياً فائقاً بلا اختلاط ولا امتزاج أو تغيير، وهذ لا يُمكن إدراكة بأي مقارنة أو فكر لأنه لم ولن توجد حاله مشابهه لذلك قط، في كون الله الكلمة يتخذ جسداً…

فالله الكلمة كائن منذ الأزل (( في البدء ( الأرخي = άρχη = الأزل ) كان الكلمة )) ومساوي للآب في الجوهر لأنه هو الله.
________________________________

  • هذا هو إيماننا المستقيم باختصار وإيجاز، وهو سرّ يُعلن بالروح في القلب وينفتح أمامه الذهن بالروح ليفهم هذا السرّ بالدخول فيه بنعمة الله الحي…

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

Exit mobile version