مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفهرست

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري.. 1

العلامة كليمندس الإسكندري.. 1

الآب هو علة الابن.. 1

العلامة أوريجينوس الإسكندري.. 5

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه. 5

الآب هو بداية الابن.. 6

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. 7

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس… 8

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.. 9

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس… 11

إكرام الابن للآب كرأس له. 12

الآب هو مصدر الابن.. 13

الآب هو نبع الابن.. 14

العلامة ديديموس الضرير. 16

خروج الابن والروح القدس من الآب.. 16

ق. أثناسيوس الرسولي.. 17

الآب هو أصل الابن ووالده. 17

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية. 18

الآب هو البدء والينبوع.. 18

ق. كيرلس الإسكندري.. 20

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث.. 20

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. 21

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية. 21

الآب هو أصل الكلمة الخالق.. 22

الآب هو الجذر والينبوع للابن.. 23

الآب هو البداية الأزلية للكلمة. 23

الآب هو بداية الابن.. 24

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه. 24

الخلاصة. 27

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟

العلامة كليمندس الإسكندري

الآب هو علة الابن

يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:

”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]

ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:

”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]

يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:

”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]

ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:

”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]

العلامة أوريجينوس الإسكندري

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه

يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:

”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:

”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]

الآب هو بداية الابن

يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:

”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]

ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:

”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:

”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان

يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:

”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس

يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:

فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث

يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:

”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]

ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:

”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس

يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:

”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]

ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:

”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]

إكرام الابن للآب كرأس له

يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:

قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]

الآب هو مصدر الابن

يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:

”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]

الآب هو نبع الابن

يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:

”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]

ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:

”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]

العلامة ديديموس الضرير

خروج الابن والروح القدس من الآب

يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:

”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]

ق. أثناسيوس الرسولي

الآب هو أصل الابن ووالده

يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:

”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية

يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:

”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]

الآب هو البدء والينبوع

يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:

”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]

ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:

”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ق. كيرلس الإسكندري

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:

”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:

”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية

ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:

”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]

ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:

”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]

الآب هو أصل الكلمة الخالق

يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:

”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]

الآب هو الجذر والينبوع للابن

يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:

”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]

الآب هو البداية الأزلية للكلمة

يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:

”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]

الآب هو بداية الابن

يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:

”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه

يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:

”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]

ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:

”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.

حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.

وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.

ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.

ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 8: 9: 18-20، ص 1429، 1430.

[2] المرجع السابق، 7: 1: 4، 5، ص 1210، 1211.

[3] المرجع السابق، 6: 17: 36، ص 1192.

[4] المرجع السابق، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[5] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 2، ص 85.

[6] المرجع السابق، 1: 2: 9، ص 94، 95.

[7] المرجع السابق، ص 95.

[8] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[9] المرجع السابق، ص 125-128.

[10] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 11، ص 99.

[11] المرجع السابق، 1: 2: 13، ص 100.

[12] المرجع السابق، 1: 3: 7، ص 113.

[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.

[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.

[15] المرجع السابق، ص 168، 169.

[16] المرجع السابق، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[17] المرجع السابق، أسئلة وأجوبة، ص 237، 238.

[18] المرجع السابق، رسالة ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى البابا ديونيسيوس الروماني، ص 289.

[19] المرجع السابق، ص 292، 293.

[20] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[21] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 5: 14، ص 61.

[22] المرجع السابق، 1: 6: 3، ص 70.

[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[24] المرجع السابق، 2: 2، ص 113، 114.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 43.

[26] المرجع السابق، ص 44.

[27] المرجع السابق، ص 45.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.

[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).

[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.

[34] المرجع السابق، مقالة 10: 10، ص 124.

[35] المرجع السابق، مقالة 10: 12، ص 125.

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الروح القدس في حياة الكنيسة

الروح القدس في حياة الكنيسة

الروح القدس في حياة الكنيسة

الروح القدس في حياة الكنيسة

إقرأ أيضًا: 

الروح القدس الناطق في الأنبياء

إن المظهر الأول لعمل الروح القدس في حياة الكنيسة يمكن الاستدلال عليه من العبارات التي وردت في قانون الإيمان بنيقية والقسطنطينية عن الروح القدس بكونه “الرب” وبكونه هو “الناطق في الأنبياء”[1]. وهذا معناه أن الروح القدس يتقابل معنا باعتباره آتيًا من “أنا هو” (جوهر اللاهوت) الخاص بالرب الإله ضابط الكل[2]. والروح القدس هو “الرب الروح”[3]، الفاعل الإلهي ذو السيادة (Κύριος) الذي يكلِّمنا شخصيًّا ويدخل في شركة معنا.

وهو “الروح الناطق”، الروح ذاته الذي كلَّم شعب الله في أنبياء العهد القديم، وهو يكلِّمنا الآن أيضًا في العهد الجديد[4]. ولقد سبق لنا الحديث عن الوحدة الجوهرية التي بين “روح” و”كلمة” الله وأنهما في تواجد متبادل مع بعضهما البعض، ولكن ما يعنينا الآن هو أثر ذلك في موقفنا من احترام وتبجيل الأسفار المقدسة في العهدين القديم والجديد.

وقد جاء اعتراف الإيمان في نيقية بأن الروح القدس هو “الناطق في الأنبياء” ليؤكد الوحدة بين إعلان الله لذاته من خلال شعب إسرائيل وبين إعلانه لذاته من خلال التجسد، وبالتالي الوحدة بين الوحي الإلهي في جميع الأسفار المقدسة.

ولم يكن الاهتمام الأول للآباء هو عن كيفية حدوث الوحي الإلهي أو مظاهره الخارقة، وإنما كان اهتمامهم منصبًا على حقيقة أنه عبر كل هذه الأسفار لم يكن إلاّ الله نفسه وليس آخر هو الذي يتحدث في الروح “الرب”. وإذا استرشدنا هنا بديديموس كأحد الذين غاصوا في الأسفار المقدسة، نجده يأتي بتعبيرات متنوعة للتأكيد على حقيقة أن ما نسمعه في الكتاب المقدس ليس هو إلاّ كلمة الله المباشرة[5].

ولذا استطاع أن يتحدث عن كلمة الله في الأسفار المُوحى بها بكونها “الحضور الإلهي” للروح[6]، لأنه فيها يتحدث الروح الحيّ، الذي يفحص أعماق الله ويكشفها لنا[7]. أي إن كلمة الله التي نسمعها في الأسفار المقدسة ليست مجرد كلمة ساكنة (جامدة وخاملة أو بلا حياة)، بل هي كلمة آتية إلينا من فم الله الحيّ بواسطة روحه المحيي (أو نسمته المحييّة) أي كلمة من أنفاس الله (θεόπνευστος)[8].

 

الروح القدس يأخذ من الابن ويعطينا

ومما كان له أهمية قصوى في كل حديث عن الروح القدس، تلك الفقرات التي في إنجيل القديس يوحنا والتي تتحدث عن إرسالية الروح القدس من الابن والآب، حيث نجد فيها أن الروح لا يتكلَّم من نفسه بل مما يأخذه من الابن. وهذه العلاقة غير المنفصمة التي بين “الكلمة” و”الروح” كانت واضحة للغاية في خطابات القديس أثناسيوس لصديقه الأسقف سِرابيون.[9]

ولذا ليس غريبًا أن نرى أن هذه العلاقة الوثيقة التي بين “الكلمة” و”الروح” قد انعكست أيضًا في خولاجي سرابيون (Euchologion of Serapion)، والذي يظهر فيه أول شكل من أشكال صلوات الاستدعاء* (πίκλησις).

ففي هذا الخولاجي نجد صلاة تُرفع من أجل عطية الروح القدس، لكيما يتحدث الرب يسوع والروح القدس في المصلين ليمكِّناهم من قبول استعلانات الأسرار المقدسة والاشتراك في تمجيد الثالوث؛ غير أنه في صلاة الاستدعاء نفسها كانت الصلاة موجهة للكلمة دون ذكر الروح القدس.[10] إلاّ أن الأمر يختلف في الطقس الأورشليمي بالنسبة لصلاة الاستدعاء، حيث نجد الصلاة توجه للروح القدس، ولكن كما رأينا فإن الروح القدس عند القديس كيرلس الأورشليمي هو “الروح الناطق” الذي ينقل المسيح وكلمته إلى المؤمنين.[11]

وحيث إن الكلمة والروح القدس في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل مع بعضهما البعض، فإن الروح ليس صامتًا بل متحدث بليغ عن المسيح الكلمة المتجسد. وهو روح الله الواحد، الحاضر والعامل في العهد القديم والعهد الجديد على حد سواء لأنه هو “الناطق في الأنبياء”.

 

الروح القدس الباراكليت

وإذا تأملنا العبارات التي تقول إن الروح القدس هو “الرب المحييّ المنبثق من الآب”، وأيضًا الإضافة التي أضافها القديس أثناسيوس والقديس إبيفانيوس عن الروح القدس أنه “يأخذ من الابن”، فسوف نقترب من اللقب الذي أطلقه السيد المسيح على الروح القدس أنه “الباراكليت” الذي يرسله هو إلى العالم. وصِلة الروح القدس بكيان وفعل الابن المتجسد هي صلة وثيقة للغاية، فالابن المتجسد يرسل الروح القدس من عند الآب والروح القدس يأخذ من الابن المتجسد ويعطينا، وهذا يعني أنه هو “المعزي الآخر” (Alter Advocatus) الذي يمجِّد المسيح ويحقِّق (يكمِّل) عمله[12].

إن الباراكليت هو روح الله الحيّ والمحييّ، الذي يعطينا الشركة في حياة الله، والذي يمجد المسيح بكونه ابن الله؛ إذ يلقي بضوئه على شخص المسيح ليستعلنه لنا، وهو الذي يحقِّق فينا إعطاء الله ذاته لنا في ابنه، وهو أيضًا ينقل إلينا عمل المسيح الخلاصي من أجلنا، ويجعله يثمر فينا. ووفقًا لهذا التعليم الكتابي، عبّّر هيبوليتس عن الروح القدس بأنه “الروح الكهنوتي الأسمى[13]“.

وكان هذا العمل المعزي والشفاعي للباراكليت موضوعًا محببًا في تعليم آباء نيقية وما بعد نيقية[14]، ويعد هذا التعليم الآبائي وبخاصة المدوَّن باليونانية نموًّا مباشرًا للتعليم الذي قدمه القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية (الإصحاح الثامن)، حين تحدث عن الروح القدس بكونه يشفع فينا.

ومما يثير الانتباه أن القديس بولس استخدم في نفس الإصحاح مع الروح القدس الفعل (περεντυγχάνει) * وهو أقوى حتى من ذاك الذي استُخدم مع المسيح (ντυγχνει) #، وذلك لكي ما يؤكد بشدة ما قاله عن العمل الشفاعي الذي يقوم به الروح القدس. وهذا ما يحدث على حد قول بولس الرسول عندما نصلي، لأن صلوات الخليقة كلها تُقدم بتدخل وبفعل الروح القدس الشفاعي[15].

وفي هذا الصدد يرى القديس غريغوريوس النزينزي أن وظيفة الباراكليت مرتبطة بصفة خاصة بالصلاة والعبادة، لأنه من خلال الروح القدس تصل شفاعة المسيح رئيس كهنتنا الأعظم إلى داخل قلوبنا، ومن ثم تُحمل صلواتنا وعبادتنا في الروح إلى أعلى وتصبح فعَّالة بواسطته وكأن الله بنفسه (من خلال الروح) يُدخلنا في علاقة مع نفسه[16]. أما بالنسبة للقديس إبيفانيوس، فإن الصلة بين عمل المسيح الخلاصي وبين سكنى الروح القدس فينا، تظهر بوضوح في صلوات الاستدعاء، وبوجه عام في تقديس وتكميل حياة المؤمنين في المسيح[17].

 

الروح القدس هو روح الشركة

وفي كل عمله، يأتي إلينا الروح القدس من الشركة الداخلية التي بين الآب والابن والروح القدس (في الجوهر وفي الطبيعة). وهو الرب المحييّ، وهذا معناه أنه هو المحتوى الحي لإعطاء الله ذاته لنا بالابن وفي الروح القدس[18]. إذن، ففي الروح القدس نحن نُعطى الشركة (κοινωνία) في سر المسيح، ونصير أعضاءً في جسده.

وهذا العمل المُشخصِن (المُؤقنِم)* الذي يقوم به الروح القدس لا يخلق فقط شركة اتحاد بين المسيح وبيننا كمؤمنين، بل أيضًا شركة اتحاد بين بعضنا البعض، وهذا لا يكون إلاّ انعكاسًا لعلاقات الثالوث في الله ذاته، وهكذا تقوم الكنيسة وتوجد على الدوام بفضل اتحادها بالمسيح بكونها جسده. هذه هي كنيسة الله مثلث الأقانيم، الحاملة في داخلها قوة الروح القدس الرب المحييّ، وإذا كانت الكنيسة “في الروح” خلال وجودها على الأرض فهي بالتالي تكون “في الله”.

ومن صميم طبيعة الكنيسة وحياتها أن تشترك في الحياة والنور والحب الذي هو الله ذاته، ولذا فمن الضروري لحياة الكنيسة أن تحافظ دائمًا على وحدانية الروح ورباط السلام وبهذا تكون مرآة تعكس في ذاتها وحدانية الثالوث القدوس المبارك.

 

264 See Epiphanius, Haer., 66.72f, 84; 74.7; Anc., 119f.

265 See Didymus, Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 253, 255, 277; cf. Athanasius, De decr., 22; De syn., 35; Con. Ar., 1.46; 3.6f; Ad Afr., 4; Epiphanius, Anc., 70; Haer., 58. 10; 62.4; 63.7; 74.7; 76. Ref. Aet., 29.etc.

[3] 2كو 17:3. انظر:

Athanasius, Ad ser., 1.4ff; Con. Ar., 1.11; Ep., 1.8f; Basil, De Sp. St., 52f.

267 E.g., Cyril of Jer., Cat., 4.16, 33; 11.12; 16.1ff, 16f, 24, 26ff; 17.5.

268 Didymus, De Trin., 1.15-18, 25f; 2.2, 6, 21f; Con. Eun., Athens ed., p. 242, etc.

269 Didymus, De Trin., 1.18, 26, 35.

270 Didymus, De Trin., 1.18; 2.3, 5, 16; 3.37; De Sp. St., 15, 32, 55, etc.

271 Didymus, De Trin., 1.18; 2.11; Con. Eun., Athens ed., 44, p. 242; In Ps., 17.16; 39.8; 41.2; 64. 10; 92.1, etc.; see also Epiphanius, Anc., 72, 75; Haer., 74.9.

272 Athanasius, Ad Ser., 1.2f, 6, 11, 33; 3.2; 4.3f.

* أي صلوات التوسل لله من أجل تقديس القربان. (المترجم)

273 Serapion, Euch., 13, Athens ed., 43, p. 76f.

274 Cyril of Jer., Cat., 23.7. Cf. also Apost. Const., 8.12; The Liturgy of St Mark, xvii, Brightman, op. cit., p. 134.

275 Gregory Naz., Or., 30. 14; 31.3, 30; 34.13; 41.12.

276 Hippolytus, Apost. Trad., 3.5. Cf. Hilary, De Trin., 8.19; 12.55;

Desyn., 11, 29, 54f; Cyril of Jer., Cat., 16.20; 17.4, 9; and Tertullian,

De praescr. Haer., 13.

277 Thus Basil, De Sp. St., 23, 44, 46; Con. Eun., 2.32f; 3.1ff; Gregory Nyss., Ref. Eun., Jaeger, 2, pp. 389ff; Gregory Naz., Or., 30.14; 31.3, 12, 26ff; Epiphanius, Haer., 66. 19; 73.15, 25; 74. 12f; Anc., 8, 67; Didymus, De Trin., 2.2, 6, 16, 19; 3.38; De Sp. St., 25-37, etc.

* رو 26:8 “لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها” (المترجم)

# رو 34:8 “المسيح هو الذي مات ، بل بالحري قام أيضًا ، الذي هو أيضًا عن يمين الله، الذي أيضا يشفع فينا (المترجم)

278 See Origen, De Or., 2.14.

279 Gregory Naz., Or., 30.14; 31.12; Basil, De Sp. St., 50.

280 Epiphanius, Anc., 68.72; cf. Haer., 55.5; and Basil, De Sp. St., 66f.

281 Epiphanius, Anc., 5-8; Haer., 62.4; 73.36; 74.11; cf. 70.1.

* ارجع للحاشية صفحة 275، 276. (المترجم)

الروح القدس في حياة الكنيسة

وحدانية الآب والإبن والروح القدس فى سفر إشعياء النبى الإصحاح 6

وحدانية الآب والإبن والروح القدس فى سفر إشعياء النبى الإصحاح 6

المدافع الأرثوذكسى

وحدانية الآب والإبن والروح القدس فى سفر إشعياء النبى الإصحاح 6

فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. وَهذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ مِنْ صَوْتِ الصَّارِخِ، وَامْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا. فَقُلْتُ: «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ». فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: «إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ».  ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي». فَقَالَ: «اذْهَبْ وَقُلْ لِهذَا الشَّعْبِ: اسْمَعُوا سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُوا، وَأَبْصِرُوا إِبْصَارًا وَلاَ تَعْرِفُوا. غَلِّظْ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَاطْمُسْ عَيْنَيْهِ، لِئَلاَّ يُبْصِرَ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَيَفْهَمَ بِقَلْبِهِ، وَيَرْجعَ فَيُشْفَى».  فَقُلْتُ: «إِلَى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ؟» فَقَالَ: «إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْمُدُنُ خَرِبَةً بِلاَ سَاكِنٍ، وَالْبُيُوتُ بِلاَ إِنْسَانٍ، وَتَخْرَبَ الأَرْضُ وَتُقْفِرَ، وَيُبْعِدَ الرَّبُّ الإِنْسَانَ، وَيَكْثُرَ الْخَرَابُ فِي وَسَطِ الأَرْضِ. وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا عُشْرٌ بَعْدُ، فَيَعُودُ وَيَصِيرُ لِلْخَرَابِ، وَلكِنْ كَالْبُطْمَةِ وَالْبَلُّوطَةِ، الَّتِي وَإِنْ قُطِعَتْ فَلَهَا سَاقٌ، يَكُونُ سَاقُهُ زَرْعًا مُقَدَّسًا».

يخبرنا إشعياء النبى فى هذا السفر انه رأى السيد الرب الإله يهوه وهو جالس على عرشه وحوله الملائكة وهم يسبحونه بالثلاثة تقديسات ويخبرنا ايضاً ان الرب قد تكلم معه وحدثه وقد رأهُ بالفعل ، هذا المشهد العظيم والعجيب يقول لنا فيه العهد الجديد ان الجالس على العرش والذى رأهُ إشعياء فى مجده هو يسوع المسيح ، وان الذى تكلم معهُ هو الروح القدس ، إذ نرى الثلاثة اقانيم فى شخص الجالس على العرش الإله الواحد لندرس هذا الموضوع معاً من الكتاب المقدس ، من ثم قول اليهود انفسهم حول شخصية الرب الإله الذى ظهر لإشعياء فى هذا الإصحاح هل هو المسيح ام لا ؟ ، ثم أقوال العلماء حول هذا الموضوع ، والرد على ما قد يوجهُ المشككين لهذا الدليل حتى لا ندع فرصه لاى شخص التشكيك فى هذه الأدله .

اولاً : الجالس على العرش هو الأبن :

يقول القديس يوحنا الرسول فى إنجيله الإصحاح الثانى عشرة متحدثاً عن هذا الظهور:

فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ . مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ». تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ. وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا:«قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ»قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ.وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا،غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ.

يقول القديس يوحنا الرسول ان اليهود لم يؤمنوا بالمسيح وقد أعطى السبب مقتبساً اياهُ من سفر إشعياء ويقول ” قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ ” ، ويقول ان إشعياء النبى عندما قال هذا ، قال هذا حين رأى مجد المسيح ، وعندما رأى مجد المسيح تكلم عنه فى نفس الوقت الذى رأى فيه مجد المسيح ، تكلم عن هذا المجد . والآن السؤال:

– اين قال إشعياء  النبى هذه الآيه ” قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ ” ؟ بالطبع فى إشعياء النبى الإصحاح السادس .

– وهل رأى إشعياء اى شئ وتكلم عنه ، عندما قال هذه الآيه ؟ بالطبع يقول نفس الإصحاح انه رأى الله ” رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ ” ويكمل ويتكلم عن ما رأهُ ” وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. وَهذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ مِنْ صَوْتِ الصَّارِخِ ” .

اذاً بهذا نفهم ان يوحنا الرسول يشير فى قوله ” قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ ” الى ان يسوع المسيح هو رب الجنود الذى رأى إشعياء مجده وتكلم عنه حين قال هذه الآيه ” قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ “

ثانياً : الجالس على العرش هو الروح القدس :

يقول القديس لوقا الرسول فى سفره أعمال الرسل الإصحاح الثامن والعشرون:

فَاقْتَنَعَ بَعْضُهُمْ بِمَا قِيلَ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا. فَانْصَرَفُوا وَهُمْ غَيْرُ مُتَّفِقِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، لَمَّا قَالَ بُولُسُ كَلِمَةً وَاحِدَةً: «إِنَّهُ حَسَنًا كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ قَائِلاً: اذْهَبْ إِلَى هذَا الشَّعْبِ وَقُلْ: سَتَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَسَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلاَ تُبْصِرُونَ.  لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَبِآذَانِهِمْ سَمِعُوا ثَقِيلاً، وَأَعْيُنُهُمْ أَغْمَضُوهَا. لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِأَعْيُنِهِمْ وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ وَيَرْجِعُوا، فَأَشْفِيَهُمْ. فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ أَنَّ خَلاَصَ اللهِ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى الأُمَمِ، وَهُمْ سَيَسْمَعُونَ!». وَلَمَّا قَالَ هذَا مَضَى الْيَهُودُ وَلَهُمْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ.

يقول بولس الرسول فى هذه الآيات متكلماً مع اليهود ان الروح القدس كلم إشعياء النبى وقال له هذه الآيه ” اذْهَبْ إِلَى هذَا الشَّعْبِ وَقُلْ: سَتَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَسَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلاَ تُبْصِرُونَ.  لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَبِآذَانِهِمْ سَمِعُوا ثَقِيلاً، وَأَعْيُنُهُمْ أَغْمَضُوهَا. لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِأَعْيُنِهِمْ وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ وَيَرْجِعُوا، فَأَشْفِيَهُمْ. ” ، ولكن عندما نرجع للإصحاح السادس من سفر إشعياء والذى ذكر فيها هذه الآيات نرى ان الذى قال هذه الآيات هو رب الجنود وقد قالها لإشعياء النبى ، اذاً بولس الرسول يعرفنا ان الروح القدس هو الجالس على العرش رب الجنود الذى تكلم مع إشعياء النبى .

ثالثاً : وحدانية الآب والأبن والروح القدس :

قال النبى إشعياء انه رأى شخص واحد جالس على العرش وهو الملك رب الجنود ، وقد أثبتنا ان الجالس على العرش هو الأبن والروح القدس ، والآن ماذا عن الآب ؟ كما نعلم ان الجوهر الألهى لا يرى وهذا فى قول الرب ” الله روح ” والآب هو الذات الألهية الغير مرئية لهذا قال الكتاب ” الله لم يراه احد قط ” ولكن يكمل الكتاب ويقول ” الإله الأبن الوحيد الذى فى حضن الآب هو يخبر عنه ” اذاً نفهم ان الآب بالفعل كان جالساً على هذا العرش، ولكن ظهوره كان فى الهيئة المرئية لإشعياء النبى وهذه الهيئة المرئية يعلن عنها ” كلمة الآب ” إذ انه هو الذى يعلن عن الآب ، لانه كلمتهُ . لهذا قال الرب يسوع المسيح لفيلبس عندما طلب فيلبس ان يرى الآب ” :قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآب؟ ”

اما عن الروح القُدس فهو الكائن فى ذات الآب والأبن وهذا فى قول الرب يسوع المسيح ”  رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ ” و ” الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ ” وهو غير مرئى كما ان الآب غير مرئى ” رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ ” ، اذاً نفهم ان الآب والروح كانوا غير مرئيين والذى اظهرهم فى ظهور الله لإشعياء هو أقنوم الكلمة

اى ان :

  • الآب كان جالساً على العرش وهو غير مرئى
  • الأبن كان جالساً على العرش وكان مرئى فى شكل مادى يستطيع ان يراه إشعياء وهذا ليس معناه ان الابن يرى فى طبيعته اللاهوتيه لا الابن لا يرى ايضاً ولكن هو الذى يعلن عن الجوهر الألهى لانه كلمة الله .
  • الروح القدس كان جالساً على العرش وهو المتكلم مع إشعياء النبى
وحدانية الآب والأبن والروح القدس فى سفر إشعياء النبى الإصحاح 6

وهنا تظهر وحدانية الجوهر والكيان الواحد ، الآب والأبن والروح القدس هو الإله الجالس على العرش الذى ظهر لإشعياء ، فالذى ظهر لإشعياء هو إله واحد وليس عدة ألهه وهذا الإله الواحد ظهر فى شخص الكلمة الجالس على العرش، وفى ذات الكلمة، الآب الغير مرئى ، والروح القدس المتكلم من شخص الأبن الجالس على العرش .

رابعاً : اليهود يشهدون ان رب الجنود الذى ظهر لإشعياء النبى هو ”  كلمة الله “

يخبرنا Targum Ben Uziel on Isaiah ان الملك رب الجنود الذى راهُ إشعياء النبى هو ” الشاكيناه” وايضاً ” مجد الرب ” وهذا هو نص الترجوم :

In the year in which King Uzziah was smitten with the leprosy the prophet said, I saw the glory of the Lord sitting upon His throne, high, and lifted up unto the highest heavens, and the temple was filled with the brightness of His glory.  Holy ministers on high stood before him: each one had six wings; with twain he covered his face, that it should not see; and with twain he covered his body, that it should not be seen; and with twain he was ministering. And one cried unto another, and they were saying, Holy in the highest and exalted heavens is the house of His Shekinah, holy upon the earth is the work of His might, holy for ever, world without end, is the Lord of hosts, the whole earth is full of the brightness of His glory.  And the posts of the threshold of the temple moved at the voice of him that cried, and the house of the sanctuary was filled with cloudy darkness.  Then said I, Woe is me, for I have sinned, for I am a guilty man to reprove, and I dwell in the midst of a people polluted with sin: for mine eyes have seen the glory of the Shekinah of the King of the worlds, the Lord of hosts.

ويخبرنا أيضاً نفس ما سبق Targum Isaiah وهذا هو نص الترجوم :

In the year that king Uzziah died I saw the Lord sitting upon a throne high and lifted up, and His train filled the temple. In the year in which King Uzziah was smitten with the leprosy the prophet said, I saw the glory of the Lord sitting upon His throne, high, and lifted up unto the highest heavens, and the temple was filled with the brightness of His glory. Above Him stood the seraphim; each one had six wings: with twain he covered his face and with twain he covered his feet, and with twain he did fly. Holy ministers on high stood before him: each one had six wings; with twain he covered his face, that it should not see; and with twain he covered his body, that it should not be seen; and with twain he was ministering. And one called unto another, and said: Holy, holy, holy, is the LORD of hosts; The whole earth is full of His glory. And one cried unto another, and they were saying, Holy in the highest and exalted heavens is the house of His Shekinah, holy upon the earth is the work of His might, holy for ever, world without end, is the Lord of hosts, the whole earth is full of the brightness of His glory. And the posts of the door were moved at the voice of them that called, and the house was filled with smoke. And the posts of the threshold of the temple moved at the voice of him that cried, and the house of the sanctuary was filled with cloudy darkness. Then said I: Woe is me! for I am undone; Because I am a man of unclean lips, And I dwell in the midst of a people of unclean lips; For mine eyes have seen the King, The LORD of hosts. Then said I, Woe is me, for I have sinned, for I am a guilty man to reprove, and I dwell in the midst of a people polluted with sin: for mine eyes have seen the glory of the Shekinah of the King of the worlds, the Lord of hosts. Then flew unto me one of the seraphim, with a glowing stone in his hand, which he had taken with the tongs from off the altar; Then flew one of the ministers unto me, and in his mouth was a word, which he received from the Shekinah of Him who sat upon the throne of glory in the highest heavens, above the altar.

ومعنى كلمة ” شاكيناه ” فى الموسوعة اليهوديةjewishencyclopedia  :

The majestic presence or manifestation of God which has descended to “dwell” among men. Like Memra (= “word”; “logos”) and “Yeḳara” (i.e., “Kabod” = “glory”))

الــترجمة :

بحضور مهيب أو تجلي الله الذي نزل إلى “مسكن” بين الرجال.مثل الميمرا ( الكلمة – اللوغوس) ويكارا  اى ( كابود – المجد )

 

اذاً نفهم ان الترجوم قد أثبت بالفعل ان رب الجنود ملك العالمين هو اللوغوس والميمرا اى ” كلمة الله ” وبالفعل يخبرنا الإنجيل المقدس ان المسيح هو كلمة الله :

فِي الْبَدْءِ كَانَ (الْكَلِمَةُ)، (وَالْكَلِمَةُ) كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ (الْكَلِمَةُ اللهَ) (وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا) وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ،مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.

وايضاً يخبرنا ان الجالس على العرش هو ” مجد الله ” وبالفعل يخبرنا العهد الجديد ان المسيح هو مجد الآب :

اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي،

خامساً : تعليق العلماء ( سيكون بالإنجليزية ) :

يقول وإلكيت:

These things said Esaias, when he saw his glory. The better text is, . . . because he saw His glory. (Comp. Note on the reading in John 12:17.) The result of seeing His glory was that he spake of Him. This is St. John’s interpretation of the prophecy. Isaiah himself tells us, “I saw also the Lord sitting upon a throne, high and lifted up, and his train filled the temple” (John 6:1). But no man hath seen God at any time. The Word is the express image of His Person. This glory was of the pre-incarnate Word, who was in the beginning with God, and was God.

يقول بارنز :

When he saw his glory – Isaiah 6:1-10. Isaiah saw the Lord (in Hebrew, יהוה Yahweh) sitting on a throne and surrounded with the seraphim. This is perhaps the only instance in the Bible in which Yahweh is said to have been seen by man, and for this the Jews affirm that Isaiah was put to death. God had said Exodus 33:20, “No man shall see me and live;” and as Isaiah affirmed that he had seen Yahweh, the Jews, for that and other reasons, put him to death by sawing him asunder. See Introduction to Isaiah, Section 2. In the prophecy Isaiah is said expressly to have seen Yahweh John 12:1; and in John 12:5, “Mine eyes have seen the King Yahweh of hosts.” By his glory is meant the manifestation of him – the Shechinah, or visible cloud that was a representation of God, and that rested over the mercy-seat. This was regarded as equivalent to seeing God, and John here expressly applies this to the Lord Jesus Christ; for he is nor affirming that the people did not believe in God, but is assigning the reason why they believed not on Jesus Christ as the Messiah. The whole discourse has respect to the Lord Jesus, and the natural construction of the passage requires us to refer it to him. John affirms that it was the glory of the Messiah that Isaiah saw, and yet Isaiah affirms that it was Yahweh; and from this the inference is irresistible that John regarded Jesus as the Yahweh whom Isaiah saw. The name Yahweh is never, in the Scriptures, applied to a man, or an angel, or to any creature. It is the unique, incommunicable name of God. So great was the reverence of the Jews for that name that they would not even pronounce it. This passage is therefore conclusive proof that Christ is equal with the Father.

 

يقول جاميسون :

These things said Esaias, when he saw his glory, and spake of him—a key of immense importance to the opening of Isaiah’s vision (Isa 6:1-13), and all similar Old Testament representations. “The Son is the King Jehovah who rules in the Old Testament and appears to the elect, as in the New Testament THE Spirit, the invisible Minister of the Son, is the Director of the Church and the Revealer in the sanctuary of the heart” [Olshausen].

 

يقول ماثيو بوول :

The evangelist saith, that these things Esaias said, when he saw his glory, and spake of him. Isaiah’s sight of God’s glory is described, Isaiah 6:1, I saw the Lord sitting upon a throne, high and lifted up, &c. The evangelist expounds this of Christ, which is an evident proof of the Deity of Christ, that he is Jehovah; for it was Jehovah whom the prophet there saw: and that the revelation of that dreadful wrath of God, did not only concern that particular age in which Isaiah lived, but the successive generation of the Jews, whom the prophet saw by the eye of prophecy would tread in the same steps, and use Christ (the Heir) as their forefathers had used him, and the prophets of that age.

 

يقول جيل :

These things said Esaias,…. Concerning the blinding and hardening of the Jews when he saw his glory, and spake of him; when he saw, in a visionary way, the glory of the Messiah in the temple, and the angels covering their faces with their wings at the sight of him; and when he spake of him as the King, the Lord of hosts, whom he had seen, Isaiah 6:1, from whence it is clear that he had respect to the Jews in the times of the Messiah. The prophet says in Isaiah 6:1 that he “saw the Lord”: the Targumist renders it, “I saw”, , “the glory of Jehovah”; and in Isaiah 6:5 he says, “mine eyes have seen the King”, Jehovah, Zebaot, the Lord of hosts; which the Chaldee paraphrase renders, “mine eyes have seen”, , “the glory” of the Shekinah, the King of the world, the Lord of hosts. Agreeably to which our Lord says here, that he saw his glory, the glory of his majesty, the glory of his divine nature, the train of his divine perfections, filling the temple of the human nature; and he spoke of him as the true Jehovah, the Lord of hosts; and which therefore is a very clear and strong proof of the proper divinity of Christ. And it may be observed from hence, that such persons who have a true, spiritual, and saving sight of Christ, of the glory of his person, and the fulness of his grace, cannot but be speaking of him to others, either in private, or in public, as Isaiah here did, and as the church in Sol 5:10; and as the apostles of Christ, John 1:1; and indeed, should they hold their peace, the stones would cry out; such must, and will speak of his glory in his temple, Psalm 29:9.

 

يقول ابونا تادرس يعقوب :

يقول القديس يوحنا ذهبى الفم “قال إشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه”

نطق إشعياء النبي بهذا حين رأى مجده وتحدث عنه. رأى السيد على كرسي عالٍ وأذياله تملأ الهيكل. المجد الذي رآه إشعياء هو مجد يهوه؛ هنا القديس يوحنا الإنجيلي يقول أنه مجد يسوع، حاسبًا أن يسوع المسيح هو يهوه. جاءت الترجمة الآرامية (الترجوم): “لأن عيني رأتا شاكيناه الرب” (إش ٦ :٥). ولما كانت شاكيناه هي النور الإلهي أو الحضرة الإلهية، فإن ما رآه إشعياء النبي هو نور الرب أو بهاءه، شعاع مجده ورسم جوهره (عب ١: ٣)

ويكمل ابونا تادرس ويقول :

لقد رأى السيد المسيح في مجده (يو 12: 41) يملأ السماء والأرض بلاهوته ورعايته.. رأى القديس غريغوريوس أسقف نيصص تُعلن عن مجد الثالوث، بينما ينسبها الرسول بولس للروح القدس (أع 28: 25-26)، والقديس يوحنا للإبن (يو 12: 41) بينما التقليد اليهودي قديمًا ينسبها للآب

 

يعلق ابونا انطونيوس فكرى :

آية (1)   في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالسا على كرسي عالٍ ومرتفع وأذياله تملا الهيكل.

رأيت السيد = هو المسيح قبل التجسد فالله لم يره أحد قط (يو 1: 18) وهذا ما نسميه ظهور للمسيح. لكن إشعياء لم يري مجد لاهوت الله، فهذا لا يراه أحد ويعيش. كرسي عالٍ = إشعياء رأي المسيح علي عرشه فهو الملك الحقيقي لشعبه. والجلوس رمز للاستقرار فهو الملك العظيم الذي لا يتزعزع ملكه أبدًا وهو عالٍ فالرب عال ومرتفع وأفكاره تعلو علي أفكار البشر، وهو مرتفع فوق السموات.

سادساً : والرد على ما قد يوجهُ المشككين :

1- يقول المشكك المقصود بقول يوحنا ” قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ ” ان النبى إشعياء عندما قال هذه الآيه ” قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ ” قد رأى مجد المسيح المنتظر بعين النبؤة فى المستقبل وان اليهود لم يؤمنوا به ، اى ان كلام يوحنا الرسول لا يعنى ان المسيح هو رب الجنود إطلاقاً .

للرد نقول:

هذا غير صحيح لان يوحنا الرسول لم يقل ان النبى إشعياء قال هذا بعين النبؤة ، بل على العكس فقد قال يوحنا الرسول ان عندما قال إشعياء النبى هذه الآيه ” قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ ” قد رأى مجد المسيح ، وتكلم عنه ، اكرر تكلم عنه ، تكلم عنه متى ؟ عندما قال إشعياء هذه الآيه ” قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ ” اذاً يكون المجد الذى رأهُ إشعياء النبى هو

“فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. وَهذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ مِنْ صَوْتِ الصَّارِخِ، وَامْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا. فَقُلْتُ: «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ»”

2- كلمة ” مجده ” فى قوله ” قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ ” عائده على الله وليس على المسيح !

للرد نقول :

سياق الآيات لا يوجد فيه ذكر لله ، بل كل السياق يتكلم عن المسيح وهذا هو السياق :

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ . مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ». تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ. وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا:«قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ». قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ.وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا،غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ.”

ويرد العالم ماير على هذه النقطه ويقول :

Ὅτι (see the critical notes): because he saw His glory, and (in consequence of this view) spoke of Him. This was the occasion that moved him, and it led to his speaking what is contained in John 12:40.

αὐτοῦ] refers to Christ, the subject of ἰάσομαι, John 12:40, and the chief person in the whole subject under contemplation (John 12:37). According to Isaiah 6:1 ff., the prophet, indeed, beheld God’s glory, God sitting upon His throne, attended by seraphim, etc.; but in the O. T. theophanies, it is just Christ who is present as the Logos,[119] and their glory is His. See on John 1:1. Of course the glory of Christ before the incarnation is intended, the μορφὴ θεοῦ (Php 2:6), in which He was.

καὶ ἐλαλ. περὶ αὐτοῦ] still dependent on ὅτι; ἐλάλησε has the emphasis as the correlate of εἶδε.

From which a conclusion can as little be drawn against the personality of the Logos (Beyschlag, p. 166 f.), as from the angelic theophanies against the personality of the angel or angels concerned (not even in Revelation 5:6). That the idea of angels in the N. T. wavers between personality and personification is not correct. Observe also, that the self-revelation of the devil does not set aside the personality of the man who is the bearer of it (as Judas). Further, the αὐτοῦ, implying the identity of Christ with the Logos, here shows clearly enough that the latter is viewed as personal. Comp. also Pfleiderer, in Hilgenfeld, ZeitsChr.

3- يقول الكتاب المقدس ” الله لم يراه احد قط ” كيف تقول ان الله ظهر لإشعياء وهو يسوع المسيح ؟

للرد نقول :

بالرغم من ان قد تم الرد على هذه النقطه سابقاً فى هذا البحث ولكن لا بأس نعيد مره أخرى .

نعلم ان الجوهر الألهى لا يرى وهذا فى قول الرب ” الله روح ” والآب هو الذات الألهية الغير مرئية لهذا قال الكتاب ” الله لم يراه احد قط ” ولكن يكمل الكتاب ويقول ” الإله الأبن الوحيد الذى فى حضن الآب هو يخبر عنه ” اذاً نفهم ان الآب بالفعل كان جالساً على هذا العرش، ولكن ظهوره كان فى الهيئة المرئية لإشعياء النبى وهذه الهيئة المرئية يعلن عنها ” كلمة الآب ” إذ انه هو الذى يعلن عن الآب ، لانه كلمتهُ . لهذا قال الرب يسوع المسيح لفيلبس عندما طلب فيلبس ان يرى الآب ” :قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآب؟ ”

اما عن الروح القُدس فهو الكائن فى ذات الآب والأبن وهذا فى قول الرب يسوع المسيح ”  رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ ” و ” الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ ” وهو غير مرئى كما ان الآب غير مرئى ” رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ ” ، اذاً نفهم ان الآب والروح كانوا غير مرئيين والذى اظهرهم فى ظهور الله لإشعياء هو أقنوم الكلمة

اى ان :

– الآب كان جالساً على العرش وهو غير مرئى

– الأبن كان جالساً على العرش وكان مرئى فى شكل مادى يستطيع ان يراه إشعياء وهذا ليس معناه ان الابن يرى فى طبيعته اللاهوتيه لا الابن لا يرى ايضاً ولكن هو الذى يعلن عن الجوهر الألهى لانه كلمة الله .

– الروح القدس كان جالساً على العرش وهو المتكلم مع إشعياء النبى

وهنا تظهر وحدانية الجوهر والكيان الواحد ، الآب والأبن والروح القدس هو الإله الجالس على العرش الذى ظهر لإشعياء ، فالذى ظهر لإشعياء هو إله واحد وليس عدة ألهه وهذا الإله الواحد ظهر فى شخص الكلمة الجالس على العرش، وفى ذات الكلمة، الآب الغير مرئى ، والروح القدس المتكلم من شخص الأبن الجالس على العرش .

انتهى بنعمة رب الجنود يسوع المسيح..

قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

وحدانية الآب والإبن والروح القدس فى سفر إشعياء النبى الإصحاح 6

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

الاتحاد الإلهي – الإنساني والكنيسة

انتصر المسيح على العالم، ونصره هو في خلق الكنيسة، لأنه وضع في فراغ التاريخ البشري وفقره وضعفه ومعاناته أسس “الكائن الجديد”. الكنيسة هي عمل المسيح على الأرض وهي صورة حضوره ومقامه في العالم. فعندما انحدر الروح القدس في يوم الخمسين على الكنيسة التي مثَّلها آنذاك الاثنا عشر والمجتمعون معهم، دخل العالم كي يسكن بيننا وكي يكون عمله فعَّالاً فينا أكثر منه فيما مضى: “ما كان الروح أُعطي حتى الآن” (يوحنا 7: 39). لقد انحدر الروح مرَّة انحداراً دائماً. وهذا سرّ عظيم لا يُسبر غوره.

وبما أن الروح يقيم دائماً في الكنيسة، فإننا نقتني فيها روح التبني (رو 8: 15)، ونصبح أخصَّاء الله عندما نبلغ الروح ونقبله. ففي الكنيسة يكتمل خلاصنا ويتقدَّس الجنس البشري ويتغيَّر وجهه ويحصل على التأله (Theosis).

“لا خلاص خارج الكنيسة” (Extra Ecclesiam salus). كل القوة القاطعة لهذا القول هو في الترداد الذي يوجد فيه. لا خلاص خارج الكنيسة، لأن الخلاص هو الكنيسة. فالخلاص إعلان عن الطريق القويم لكل من يؤمن باسم المسيح. وهذا الإعلان يوجد في الكنيسة فقط، ففيها، أي في جسد المسيح وفي الجسم (التعضّي organism) الإلهي – الإنساني، يتمّ باستمرار سرّ التجسد، سرّ اتحاد “الطبيعتين”.

في تجسد الكلمة يتمّ ملء الإعلان الإلهي والإنساني على حد سواء. يقول القديس ايريناوس: “صار ابن الله ابناً للإنسان، لكي يصير الإنسان ابناً لله” (ضد الهراطقة 3، 10، 2)، لأنه لم يُعلن في المسيح، الإله-الإنسان، معنى الوجود الإنساني وحسب، بل إنه بلغ غايته. ففيه بلغت الطبيعة الإنسانية كمالها وتجدَّدت وأُعيد بناؤها وخلقها. والمصير الإنساني وصل إلى هدفه وصارت الحياة الإنسانية “مستترة مع المسيح في الله” (كولو 3: 3) على حد تعبير بولس الرسول.

بهذا المعنى يكون المسيح ” آدم الأخير” (1كور 15: 45) والإنسان الحقيقي، الذي فيه مقياس الحياة الإنسانية وحدودها. فإنه قام من بين الأموات  “بكراً للراقدين” (1كور 15: 20-22)، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. فكان مجده مجداً للوجد البشري، لأنه دخل وهو إنسان المجد الأزلي ودعا الجميع لكي يقيموا معه وفيه. “ولكن الله بواسع رحمته وفائق محبته لنا أحيانا مع المسيح بعدما كنَّا أمواتاً بزلاتنا. فبنعمة الله نِلْتُم الخلاص، وفي المسيح يسوع أقامنا معها وأجلسنا في السماوات” (أفسس 2: 4-6). هنا يكمن سرّ الكنيسة بكونها جسد المسيح. الكنيسة هي الملء (to pleroma)، أي الإنجاز والاكتمال (أفسس 1: 23).

بهذه الطريقة يفسر الذهبي الفم كلمات الرسول، فيقول: “تكون الكنيسة ملء المسيح مثلما يكون الجسد ملء الرأس والرأس ملء الجسد. أنظر أيَّ ترتيب يستخدم بولس… لأنه يقول الملء. فمثلما يكتمل الرأس بالجسد هكذا يتألف الجسد من كل الأعضاء ويحتاج إلى كلٍّ منها. أنظر كيف جعل المسيح نفسه محتاجاً إلى جميع الأعضاء، لأننا لو لم نكن أعضاء كثيرين، أي لو لم يكن بعضنا يداً وبعضنا رجلاً وبعضنا أعضاء أخرى لما اكتمل الجسد كلُّه. إذن، الجسد يكتمل بجميع أعضائه. ونحن عندما نكون متحدين بعضاً ببعض ومتلاصقين يكتمل الرأس ويصبح الجسد كاملاً”. يكرِّر الأسقف ثيوفانس شرح الذهبي الفم فيقول: “تكون الكنيسة ملء المسيح، مثلما تكون الشجرة ملء الحبَّة.

فكل ما هو موجود في الحبَّة على نحو مكثَّف يكتمل نموه في الشجرة… الله تام في ذاته وكليّ الكمال، لكنه لم يجتذب إلى نفسه الجنس البشري اجتذاباً نهائياً. فالجنس البشري يتحد به تدريجياً، وبهذا يعطي كمالاً جديداً إلى عمله فيبلغ الإنجاز التام”.

الكنيسة هي في حدِّ ذاتها الملء، واستمرار للإتحاد الإلهي-الإنساني واكتماله. وهي الجنس البشري الذي يتجدَّد ويتغيَّر وجهه. ومعنى هذا التجدد أن الجنس البشري يصبح في الكنيسة واحداً، في “جسد واحد” (أفسس 2: 16). فحياة الكنيسة وحدة واتحاد، لأن جسدها يتماسك بالأوصال و”ينمو” (كولو 2: 19) بوحدة الروح وبوحدة المحبة. عالم الكنيسة هو عالم الوحدة الداخلية والعضوية، وحدة الجسم الحي ووحدة الكيان العضوي. الكنيسة هي اتحاد لا لأنها واحدة وفريدة، بل لأنها تعيد في كيانها اتحاد الجنس البشري المفكَّك.

هذه الوحدة تؤلِّف جماعية (Sobornost) الكنيسة وجامعيتها (Catholicity). ففي الكنيسة ترتفع الإنسانية إلى مقام آخر، وتبدأ حياتها بنمط جديد وتصبح الحياة الجديدة الحقة والكاملة والجامعة ممكنه “في وحدة الروح برباط السلام” (أفسس 4: 3). فيبدأ وجود جديد ومبدأ جديد للحياة: “ليكونوا واحداً فينا، أيها الآب مثلما أنت فيَّ وأنا فيك… ليكونوا واحداً مثلما أنت وأنا واحد”(يوحنا 17: 21-23).

هذا هو سرّ إعادة الاتحاد النهائي الذي هو على صورة اتحاد الثالوث الأقدس والذي يتحقَّق في حياة الكنيسة وبنيتها. إنه سر الجماعيّة (Sobornost) وسر الجامعية.

الميزة الداخلية في الجامعية

يغيب عن الجامعيَّة المفهوم الكمِّي أو الجغرافي، لأن الجامعيَّة لا تتوقَّف أبداً على مدى انتشار المؤمنين في العالم. فمسكونية الكنيسة نتيجة وإظهار لها، وليست سبباً أو أساساً لها. أي أن انتشار الكنيسة الواسع هو سمة خارجية وأمر غير ضروري بكل ما في هذه الكلمة من معنى. فالكنيسة كانت جامعة، حتى عندما كانت الجماعات المسيحية جزراً منعزلة في بحر الوثنية وعدم الإيمان. وستبقى جامعة حتى انتهاء الزمان، عندما يظهر سرّ “الارتداد” وعندما تتقلَّص الكنيسة لتصير مرة أخرى “قطيعاً صغيراً”: “أيجد ابن الإنسان إيماناً على الأرض يوم يجيء” (لوقا 18: 8).

يقول المتروبوليت فيلاريت في هذا الصدد: “إذا ما ارتدَّت مدينة أو منطقة عن إيمانه الكنيسة العالمية، فإن الكنيسة ستبقى من غير ريب جسداً كاملاً غير منتقص ولا فانٍ”. فجامعية الكنيسة لا تُقاس بمدى انتشارها العالمي، لأن لفظة Katholiki التي تشتق من Kath olou تعني بالدرجة الأولى الاكتمال الداخلي لحياة الكنيسة. إننا نتحدَّث عنا عن الاكتمال وليس عن المشاركة، وفي أي حال إننا لا نتكلَّم على المشاركة الاختباريَّة.

فلفظة Kath olou لا ترادف لفظة Kath pantos لأنها لا تنتمي إلى مستوى الحواس أو إلى مستوى الاختار، بل إلى المستوى الكياني والمفهوم الذاتي، لأنها لا تصف الظواهر الخارجية، بل الجوهر نفسه. نجد هذه الألفاظ مستخدمة بهذا المعنى في العصور التي تسبق ابتداء من سقراط. فإذا دلَّت الجامعيَّة على المسكونيَّة أيضاً فإنها بكلّ تأكيد لا تدلّ على مسكونية اختبارية، بل على مسكونية مثالية. أي إنها تشير إلى المشاركة في الأفكار وليس إلى المشاركة في الوقائع. عندما استعمل المسيحيون الأوَّلون عبارة “الكنيسة الجامعة” (إغناطيوس الإنطاكي، الرسالة إلى أهل إزمير، 8: 2) (Ekklesia Katholiki) ما عنوا بها كنيسة ذات انتشار عالمي. والحق، أن هذه العبارة أظهرت أرثوذكسية الكنيسة وحقيقة “الكنيسة العظمى”، لأنها تغاير روح الانشقاق الطائفي وروح التخصصية، وتوضح فكرة الكمال والطهارة.

هذه الكفرة عبّر عنها بقوة القديس إغناطيوس الإنطاكي عندما قال: “حيثما يكون الأسقف فهناك يجب أن تكون الجماعة، كما أنه حيث يسوع المسيح، فهناك الكنيسة الجامعة”. هذه العبارات تعبِّر عن الفكرة نفسها التي ترد في إنجيل متى: “فأينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم”. فلفظة “الجامعيَّة” تعبِّر عن سرّ الاجتماع (Mystirion tis sinakseos).

يفسِّر القديس كيرلّس الأورشليمي عبارة “الكنيسة الجامعة” الواردة في دستور الإيمان وفقاً لتقليد كنيسته فيقول إن عبارة “كنيسة” تعني “اجتماع الكل في شركة واحدة” ولذلك تسمَّى “اجتماع” (ekklesia)، وإنها تسمَّى “جامعة” لأنها منتشرة في العالم كلّه ولأنها تخضع الجنس البشري إلى البرّ والحق، ولأن كلّ العقائد تعلَّم فيها بصورة “شاملة، وكاملة، وجامعة” (katholikos kai anelipos)، ولأنها تعالج وتشفي “جميع أنواع الخطايا”. هنا تُفهم الجامعيَّ’ أيضاً كصفة داخلية. لكن لفظة Catholica استُعملت في الغرب لتشير إلى “الكونية” أثناء الصراع ضد الدوناتيين، حتى تقاوم الاتجاه المحلِّي والجغرافي عندهم.  وفي الشرق أيضاً أصبحت فيما بعد مرادفة لكلمة “المسكونيَّة”. لكن هذا الترادف جعل معناها في آخر الأمر محدوداً وأقل فاعليَّة، لأنه يلفت النظر إلى الشكل الخارجي دون المضمون الداخلي.

غير أن الكنيسة جامعة بسبب امتدادها الخارجي أو على كل كل حال ليس فقط لهذا السبب، بل لأنها كيان يجمع الجميع تحت كنفه. الكنيسة ليست جامعة لأنها تجمع كلّ أعضائها إلى اتحاد واحد وتجمع كلّ الكنائس المحليِّة فقط، بل لأنها جامعة في أكثر أقسامها صغراً وفي كل عمل أو حدث في حياتها. فطبيعتها جامعة ونسيج جسدها جامع.

هي جامعة لأنها جسد المسيح الواجد، ولأنها الوحدة في المسيح والوحدة في الروح القدس، ووحدتها هذه هي الكمال الأسمى. ومقياس هذه الوحدة الجامعة هو “أن جماعة المؤمنين كانوا قلباً واحداً وروحاً واحدةً” (أعمال 4: 32). وحيثما يكن الأمر مخالفاً لهذا الشيء تصبح حياتها محدودة. لذلك يجب أن يحصل الائتلاف الكياني للأشخاص في جسد المسيح حتى يزول الانغلاق والتمييز بين “ما لي” و”ما لك”.

فنموّ الكنيسة يتحقَّق في نموّ الميزة الداخلية الجامعيَّة للكنيسة وفي “اكتمال الجميع”: “لتكون وحدتهم كاملة” (يو 17: 23).

تغيير وجه الشخصية:

إن لجامعيَّة الكنيسة وجهين: وجهاً موضوعياً ووجهاً ذاتياً. موضوعياً، تدل جامعيَّة الكنيسة على وحدة الروح: “نحن كلّنا قبلنا المعمودية بروح واحدة لنكون جسداً واحداً” (1كور12: 13). فالروح القدس الذي هو روح محبة وسلام لا يجعل الأفراد المنعزلين واحداً فقط، بل يكون في نفس كلّ واحد مصدر سلام داخلي وكمال. ذاتياً، تدلّ على أن الكنيسة وحدة حياة، وأخوَّة أو شركة، ووحدة حب، و”حياة مشتركة”. وما صورة الجسد الواحد سوى وصيَّة محبة: “فبولس يطلب منّا محبة كهذه، محبة تشدّ الواحد إلى الآخر إلى حدٍّ يجب فيه ألا ينفصل الواحد عن الثاني فيما بعد … أي يطلب أن يكون اتحاداً كاملاً، مثل اتحاد أعضاء الجسد الواحد”.

الجديد في وصيَّة المحبة المسيحية هو أن نحب قريبنا مثلما نحب أنفسنا. وهذا أمر أسمى من أن نضع قريبنا على مستوى مساوٍ لنا وأن نعتبره كائناً مماثلاً لنا، أي أن نرى أنفسنا في الآخر، في المحبوب، وليس في أنفسنا… هنا تقع حدود المحبة، لأن المحبوب هو “أنا آخر”، أنا عزيزة على القلب أكثر من الذات. في المحبة نندمج لنكون شخصاً واحداً: “في هذه المحبة لا يبقى المحب والمحبوب شخصين، بل يصيران شخصاً واحداً”. إن المحبة المسيحية الحقيقية ترى في كل واحد من إخوتنا “المسيح نفسه”.

وهذا يتطلَّب إنكاراً للذات واحتفاظاً بالشخصية. وهذا لا يتحقق إلاَّ في تغيير النفس وانفتاحها “الجامع”. تُعطى وصيَّة “الجامعية” لكل إنسان مسيحي، فيكون مقياس الجامعيَّة مقياساً لقامته الروحيَّة. فالكنيسة جامعة في كل فرد من أفرادها، لأن الجامعيّة الكلية لا تُبنى إلا على جامعيَّة الأعضاء، ولأن مجموعة كبيرة من الأفراد لا تكون أخوَّة واحدة، إذا انغلق كلّ فرد على ذاته. الوحدة لن تكن ممكنة إلاَّ عن طريق المحبة الأخوية المتبادلة عند جميع الأخوة.

فالرؤية التي ظهرت فيها الكنيسة برجاً قيد الإنشاء تعبِّر بقوة عن هذه الفكرة (راجع الراعي هرماس). هذا البرج يُبنى بحجارة مختلفة ترمز إلى المؤمنين الذين هم “الحجارة الحيّة” (1بطر 2: 5). عندما شُيِّد البرج انتظمت الحجارة كلّها، لأنها كانت ملساء ومنسجمة ومتناسقة، حتى أصبحت أطرافها غير مرئية. ولذلك ظهر البرج وكأنه قد شُيِّد من حجر واحد. وهذا رمز الوحدة والاكتمال. إننا نلاحظ أن الحجارة المربَّعة الملساء وحدها تصلح لهذا البناء، أمَّا الحجارة الأخرى النيِّرة لكن المستديرة فلم يفد منها البناء، لأنها كانت لا تنتظم بعضها مع بعض.

ولذلك وضعت على مقربة من الحائط لأنها غير مناسبة (mi armazintes) (هرمس الراعي، الرؤية الثالثة 2، 6، 8). “فالاستدارة” في الرمزية القديمة كانت إشارة إلى الانعزال وإلى الاكتفاء والرضا بالذات (teres atque rotundus). فروح الرضا بالذات يعيقنا عن دخول الكنيسة. أولاً، يجب أن يكون الحجر أَملس حتى يكون ملائماً لحائط الكنيسة، أي يجب أن ننكر أنفسنا حتى نتمكَّن من أن نلتحق بجامعيَّة الكنيسة. ويجب أن نسيطر على أنانيتنا ونكتسب فكراً جامعاً حتى نستطيع الدخول إلى الكنيسة. ففي اشتراكما الكامل فيها يتحقق التغيير “الجامع” لوجه الشخصية الإنسانية.

لكنَّ نكران الذات لا يعني القضاء على الشخصية وذوبانها في الجماعة، لأن الجامعيَّة لا تقوم على مبدأ جسداني أو جماعي. فنكران الذات يوسِّع مدى شخصيتنا، حتى نضمّ الجماعة إلى ذاتنا ونضعها في أنانتنا، وهكذا تشابه وحدتنا وحدة الثالوث المقدس. إن الكنيسة بكونها جامعة تصبح صورة مخلوقة عن الكمال الإلهي.

ولقد تحدَّث آباء الكنيسة بعمق كبير عن هذا الموضوع. في الشرق تحدَّث القديس كيرلّس الإسكندري وفي الغرب القديس إيلاريون. أمَّا في اللاهوت الروسي المعاصر فتحدَّث المتروبوليت أنطوني على نحو ملائم فقال: “إن وجود الكنيسة لا يقارَن بأس شيء آخر على الأرض، لأننا لا نجد على الأرض اتحاداً، بل نجد انفصاماً. في السماء وحدها هناك ما يشبهها، لأن الكنيسة وجود كامل وفريد (unicm) على الأرض. لذلك لا نقدر أن نحدِّد هذا الوجود بفكرة نستقيها من حياة هذا العالم. هي صورة عن الثالوث الأقدس، صورة يكون فيها الكثيرون.

لماذا يكون هذا الوجود جديداً وغير مفهوم عند الإنسان القديم مثلما يكون وجود الثالوث الأقدس؟ لأن الوجود الشخصي في وعيه الجسماني سجين ذاته ومختلف كلياً عن أية شخصية أخرى”. “يجب على المسيحي أن يحرِّر نفسه وفقاً لحجم التطور الروحي الذي بلغه، وأن يميِّز بين الأنا واللاأنا، وأن يبدِّل بصورة جذرية الخصائص الأساسية للوعي الذاتي الإنساني”. في هذا التغيير يكون التجديد “الجامع” للفكر.

إن للوعي الذاتي وجهين، وجهاً فردياً منعزلاً ووجهاً جامعيّاً فالجامعيّة لا تنكر الوجود الشخصي، والوعي الجامع لا علاقة له بعرق أو بقومية، وليس وعياً مشتركاً ولا وعياً جماعياً أو عاماً أو االـ “Bewusstsein uebergaupt” التي تكلَّم عليها الفلاسفة الألمان. الجامعيَّة لا تتحقَّق بالقضاء على الشخصية الحيَّة أو بالانتقال إلى عالم الكلمة المجرَّد. فهي اتحاد واقعي في الفكر والشعور، وأسلوب أو وضع من الوعي الذاتي الذي يرتفع إلى “مستوى الجامعيّة”. وهي “نهاية” (telos) الوعي الذاتي الذي يتحقَّق بالنموّ الخلاَّق، لا بمحق للشخصية.

في التحوّل الجامع تكتسب الشخصية قوة للتعبير عن وعي الجميع وعن حياتهم. وهذا لا يتمّ بطريقة غير شخصية، بل بفعل بطولي خلاَّق. يجب ألا نقول: “إن كلّ فرد في الكنيسة يبلغ مستوى الجامعيَّة”، بل: “إنه قادر على بلوغه ومن واجبه أن يبلغه، وإنه مدعو إلى ذلك”. ولكن لا يبلغ كلّ إنسان هذا المستوى. أمَّا الذين بلغوه فنسمِّيهم آباء ومعلِّمين. فمنهم لا نسمع المجاهرة الشخصية بالإيمان فقط، بل نسمع شهادة الكنيسة، لأنهم يكلِّمونا من كمالها الجامع ومن كمال الحياة الممتلئة بالنعمة.

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

“إنسان كان له ابنان”

إقرأ أيضًا: مثل الابن الضال – مينا كرم

الأخ الأصغر

يمكن على النحو الأفضل أن تُعَنوَن هذه القصة التي حكاها السيد المسيح “مثل الابنين الضالين”. فهي مسرحية قصيرة في فصلين حيثُ الفصل الأول عنوان “الأخ الأصغر الضال”، والثاني عنوان “الأخ الأكبر الضال”.

يبدأ الفصل الأول بطلب قصير، لكن صاعق. فالابن الأصغر يأتي إلى الأب ويقول: “أعطني حصتي من الميراث”. ولا شك أن المستمعين الأصلين أذهلهم طلب مثل هذا. ليس أن ثمة خطأ ما كان في توقع الابن أن ينال حصة من ثروة العائلة. ففي تلك الأيام كان الابن، عند وفاة الأب، يحصل على نصيب مضاعف لما يرثه الأولاد الآخرون. فإذا كان لأب وارثان، يحصل أكبرهما على ثلثي الأملاك، فيما يحل الأصغر على ثلث واحد.

غير أن قسمة الملكية لم تكن تحصل إلا بعد وفاة الأب. أما هنا، فالابن الأصغر يُطالب بميراثه الآن، الأمر الذي كان علامة على عدم احترام شديد. فأن يطلب هذا، ولأب ما يزال حياً، هو أشبه ما يكون بتمني موت أبيه؛ إذ إن الابن الأصغر، جوهرياً، كان يقول إنه يريد ممتلكات أبيه، لا أباه. فطالما كانت علاقته بأبيه وسيلة لأجل غاية التمتع بثروة أبيه، وها هو الآن قد سئم تلك العلاقة. إنه يريد الخروج والابتعاد… الآن. ولذا يقول: “أعطني حصتي!”.

لكن ردّ الأب هو أكثر إذهالاً بعد من الطلب. فقد كان مجتمعاً أبوياً إلى أقصى حد، فيه كان احترام الشيوخ وتوقيرهم بكل التعبيرات السخية، ولا سيما من قبل المرء لأبويه، أمرين فائقي الأهمية. وكان من شأن الأب التقليدي في الشرق الأوسط أن يرد على طلب كهذا بطرد الابن من العائلة بلا شيء سوى الضرب الفعلي. غير أن هذا الأب لا يفعل أي شيء من هذا القبيل، بل “قسم لهما معيشته” فحسب.

ولكي نفهم أهمية هذا التصرف، ينبغي أن نلاحظ أن الكلمة اليونانية المترجمة “معيشة” هنا هي الكلمة “بيوس” (Bios)، وتعني “حياة”. وقد كان ممكناً أن تُستعمل كلمة محسـوسة أكثر للدلالة أكثر على رأس المال، ولكن لم تُستعمل أية كلمة أخرى. فلم لا؟

لا بد أن ثروة هذا الأب كانت بالدرجة الأولى بالعقارات أو الأملاك غير المنقولة؛ وللحصول على ثُلث ملكيته الصافي، كان عليه أن يبيع قسماً كبيراً من الأراضي التي يملكها. ونحن، في حضارتنا الحديثة المتحركة المدنية، ربما لا نفهم علاقة أهل الأجيال السالفة بأرضهم. تأمل البيت الشعري التالي في مغناة “أوكلاهوما” (Oklahoma) لرودحز وهمرشتاين (Rodgers and Hammerstein): “نحن نعلم أننا ننتمي إلى الأرض، والأرض التي ننتمي إليها عظمية!”

ولاحظ أن البيت لا يقول إن الأرض تنتمي إليهم، بل بالأحرى إنهم هم ينتمون إليها. فهذا يُلخص ببراعة كيف كانت هويات الناس في الماضي مرتبطة فعلاً ارتباطاً وثيقاً بمكانهم، أو بأرضهم. فأن تخسر جزءاً من أرضك كان يعني أن تخسر جزءاً من ذاتك وقسطاً كبيراً من مقامك في المجتمع. ونحن جميعاً قد سمعنا قصصاً عن أصحاب مناصب إدارية مهمة ناجحين، من الرجال والنساء على السواء، استقالوا من وظائفهم نهائياً كي يعكفوا على الاعتناء بولد ضعيف محتاج. فهذا هو ما يفعله الأب. وإن لم يكن موازياً دقيقاً له.

وهكذا، فإن هذا الابن الأصغر يطلب من أبيه أن يقسم حياته قسماً. ويفعل الأب ذلك، من أجل محبته لابنه. وما كان لمعظم مستمعي السيد المسيح قط أن يروا أباً من آباء الشرق الأوسط يستجيب على هذا النحو. فالأب يتحمل بصبر خسارة هائلة للكرامة، فضلاً عن ألم المحبة المرفوضة. وفي العادة، حين تُرفض محبتنا نفضي، وننتقم، ونفعل ما في وسعنا لتقليص مودتنا تجاه الشخص الرافض، حتى لا نتألم كثيراً. غير أن هذا الأب يُبقي على محبته لابنه ويتحمل الألم الشديد.

 

خطة الأخ الأصغر

ننتقل الآن إلى المشهد الثاني من الفصل الأول. إذ ينطلق الابن إلى “كورة بعيدة” ويُبذر كل ما له بنمط حياة جامح. وبعدما هوى فعلاً إلى الوحل مع الخنازير، “رجع إلى نفسه” ورسم خطة. فهو أولاً قال لنفسه إنه سيرجع إلى أبيه، ويعترف بأنه مخطئ، وبأنه قد حُرم حق أن يكون ابنه. ولكنه ثانياً نوى أن يطلب إلى أبيه أن “اجعلني كأحد أجراك”.

إن هذا طلب محدد جداً. فالخدام كانوا يشتغلون في الملكية ويُقيمون هناك. أما “الأجْرى” فكانوا أنواعاً شتى من أصحاب الحرف والمهن يُقيمون في القرى المحلية ويكسبون أجرتهم بالعمل. ويعتقد مُفسرون كثيرون أن استراتيجية الابن الأصغر كانت شيئاً من قبيل ما يلي: لقد أهان الابن الأصغر عائلته، وتالياً أهل بلده جميعاً. وكان “ميتاً” بالنسبة إليهم، كما يصف أبوه حالته.

وقد علم الحاخامون أن المرء الذي ينتهك معايير الجماعة لا يكفي أن يٌقدم اعتذاراً، بل عليه أيضاً أن يعوض عما أتاه. فالابن ينوي أن يقول: “يا أبي، أنا أعلم أني لا أملك حق العودة إلى العائلة. ولكن إذا جعلتني متدرباً عند واحدٍ من أجْراك حتى أتعلم مهنة وأكسب أجرة، فعندئذ على الأقل يمكنني أن أبدأ بوفاء ديني”. هذه كانت خطته. وهناك، في زريبة الخنازير، تمرن الابن الأصغر على خطابه. وعندما شعر بأنه مُستعد للمواجهة، نهض وباشر رحلة العودة إلى الديار.

والآن نصل إلى المشهد المسرحي الثالث والأخير من الفصل الأول. فها هو الابن الأصغر يصير ضمن نطاق الرؤية من البيت. ويراه أبوه فيركض…. يركض إليه! وكقاعدة عامة، فإن الآباء المميزين في الشرق الأوسط كانوا لا يركضون. كان للأولاد أن يركضوا؛ وللنساء أن يركضن؛ وللشبان أن يركضوا. أما رب الأسرة، ركن الجماعة المبجل ومالك الملكية الكبيرة، فما كان له أن يركض. ما كان أن يرفع أذيال ثوبه ويعري ساقيه مثل أحد الأولاد. غير أن هذه اب يركض فعلاً. إنه يركض إلى ابنه، ويُبدي عواطفه علناً إذ يقع على عنق ابنه ويُشبعه تقبيلاً.

لا شك – على الأرجح – أن هذا الاستقبال فاجأ الأخ الأصغر على نحو مدهش. وإذ حار وارتبك، حاول أن يبسط خطة العمل التي أعدها في سبيل التعويض. ولكن الأب قاطعه، لا متجاهلاً خطابه المحضر فحسب، بل مناقضا إياه مباشرة أيضاً. إذ يقول للخدام: “هيا! هاتوا الحلة الأولى وألبسوه!” فما هذا الذي قاله؟

إن الحلة الأولى في البيت لا بد أن تكون رداء الأب الخاص، العلامة الجلية على رد المقام في العائلة. فالأب يقول: “لن أنتظر حتى تكون قد وفيت دينك؛ لن أنتظر حتى تكون قد تذللت كفاية. إنك لن تكسب كسباً الرجوع إلى داخل العائلة، بل إني سأردك. سأكسو عريك وفقرك وثيابك الرثة بأثواب منصبي وكرامتي”.

ثم يأمر بأن يُعد الخدام وليمة احتفال، الطبق الرئيسي فيها هو “العجل المسمن”. وفي ذلك المجتمع، لم تكن معظم الوجبات تشتمل على اللحم. إذا كان طعاماً فاخراً غالياً. فقد كان اللحم أغلب الأحيان يُدخر للمناسبات والحفلات الخصوصية. ولكن ما من لحم كان أغلى من العجل المسمن. فأن تقام وليمة كهذه لا بد أنه كان أمراً لا يحدث إلا في المناسبات النادرة جداً، والأرجح أن القرية كلها دُعيت. وما إن ذاع الخبر سريعاً، حتى باتت وليمة كاملة الأوصاف جارية بمواكبة موسيقا ورقص، وكان هذا احتفالاً برد الابن الأصغر إلى الحياة والعائلة والمجتمع.

يا له من مشهد غاية في الروعة! لقد كان على الأب بعد أن يعالج حالة الابن الأكبر الروحية والأكثر تعقيداً وسميّة، في الفصل الثاني من المسرحية. ولكن الفصل الأول أصلاً تحدى عقلية الاخوة الكبار برسالة مُذهلة: إن محبة الله وغفرانه يستطيعان أن يصفحا عن أي نوع وكل نوع من الخطية أو الإثم، ويردّا المرتكب التائب إلى مقامه. فلا يهم من أنت، أو ماذا فعلت.

ولا يهم إذا كنت قد ظلمت الناس عمداً، أو حتى قتلتهم فعلاً، ولا كم تعسفت على نفسك. لقد علم الأخ الأصغر أن كثيراً من الطعام كان متوفراً وفائضاً في بيت أبيه، غير أنه اكتشف أيضاً أن هناك نعمة متفاضلة. فما من ذنب لا تستطيع محبة الأب أن تصفح عنه وتستره، وما من خطية تقوى على تحدي نعمته.

فالفصل الأول إذاً يبين “الإسراف السخي” لنعمة الله. إذ يصور السيد المسيح الأب هاجماً على ابنه في محبة ليس فقط قبل أن تتاح له فرصة كي ينظف حياته ويبرهن على تغير قلبه، بل أيضاً قبل أن يتمكن من تلاوة خطاب توبته. فلا شيء، ولا حتى الندم الذليل، يستحق رضى الله. إن محبة الآب وقبوله مجانيان تماماً.

ولكن الفصل الأول، على الرغم من كل جماله، لا يمكن أن يقوم وحده. وثمة مفسرون كثيرون، إذ يُركزون على الفصل الأول حصرياً، يستنتجون أن هذا المثل يناقض التعليم المسيحي التقليدي. فهم يقولون: “انظروا! لا ذكر هنا للتكفير عن الخطية. فلا حاجة إلى مخلص على صليب يؤدي عقاب الخطية ويفي دينها. إن الله هو إله محبة شاملة يقبل كل إنسان، مهما كان”.

لو كانت هذه هي الرسالة، لكان السيد المسيح ختم الحكاية هنا. ولكنه لم يفعل هذا؛ لأن الرسالة ليست هكذا. فبينما يُبين لنا الفصل الأول مجانية نعمة الله، سيُرينا الفصل الثاني كلفة النعمة وذروة القصة الصحيحة.

 

 

الأخ الأكبر الضال

عندما يسمع الأخ الأكبر من الخدام أن أخاه قد رجع، وأن أباه أرجعه إلى مقامه السابق، يستشيط غضباً. فالآن دوره في إهانة أبيه.

لقد رفض أن يدخل إلى ما يُرجح أنه كان أكبر وليمة وحدث عام أقامهما أبوه يوماً. فإنه بقي خارج الباب، مُدلياً علناُ بصوته حاجباً الثقة عن أفعال أبيه. واضطر ذلك الأب إلى الخروج لمحادثة ابنه الأكبر، الأمر الذي يحط من قدرك أن تفعله إذا كنت سيد الدار والحقول ومضيف وليمة عظيمة. ثم راح الأب يتوسل إلى ابنه الأكبر كي يدخل، غير أن هذا أصر على الرفض.

لماذا ثار غضب الابن الأكبر بشدة؟ لقد استاء كثيراً، ولا سيما من الإنفاق الذي كان جارياً؛ فهو يقول لأبيه: “إنك لم تعطني قط جدياً لإقامة حفلة، فكيف تجرؤ أن تعطيه العجل؟” غير أن العجل المسمن ليس سوى رمز؛ لأن الأب قد بذل نفقات تخطت العجل. فبإدخاله الأخر الأصغر من جديد إلى العائلة، جعله وارثاً من جديد، له حق في ثلث ثروة العائلة (وقد تضاءلت جداً الآن).

هذا أمر شائن لا يطاق في نظر الأخر الأكبر. وها هو يجمع الأمور بعضها مع بعض. “لقد اجهدت نفسي كثيراً بالعمل الشاق، وكسبت ما نلته. أما أخي فلم يفعل شيئاً قط كي يكسب أي شيء. وبالحقيقة كان يستحق الطرد فقط، غير أنك أنعمت عليه بالخيرات! فأين الإنصاف في هذا؟” لذلك يُشير الأخر الأكبر إلى سجله. “لم أعص لك أمراً قط! فإن لي حقوقاً! ومن حقي أن أستشار بشأن هذا الأمر! لا يحق لك أن تقرر هذه القرارات من جانب واحد”.

وهكذا، فإن حنق الأخ الأكبر جعله يتمادى في إهانة أبيه؛ فهو يرفض أن يخاطبه بالأدب والاحترام اللذين توجبهما تلك الحضارة على الصغار نحو الكبار، ولا سيما في العلن. إنه لا يقول “يا أبي الكريم”، بل يباشر كلامه متحدثاً عن نفسه: “ها أنا….” وفي حضارة تُضفي أهمية كلية على احترام الكبار وتوقيرهم، يُعد سلوك كهذا شائناً. وربما كان معادل عصري لهذا التصرف في كتابة أحد الأبناء سيرة حياة مُذلة تُدمر أبيه وحياته المهنية.

وأخيراً نصل إلى العقدة. كيف سيكون رد الأب على ثورة ابنه الأكبر السافرة؟ ماذا سيفعل؟ ربما كان من شأن رجل من أهل زمانه ومكانه أن ينكر في الحال. غير أنه يستجيب من جديد برقة مُذهلة، إذ يمضي قائلاً: “بني، على الرغم من أهانتك لي علناً، ما زلت أريد أن تحضر الوليمة. لن أقدم على إنكار أخيك، ولكني أيضاً لا أريد أن أنكرك أنت.

أدعوك إلى التراجع عن كبريائك، والدخول إلى الوليمة. الخيار بيدك. أتقبل أم لا؟” وهذه مناشدة دراماتيكية سخية على نحو غير متوقع.

وهنا تعتري المشاهدين دهشة بالغة. هل يلتئم شمل العائلة أخيراً بوحدة ومحبة؟ هل يتصالح الأخوان؟ هل يلين الأخ الأكبر بفضل هذه العرض الرائع ويتصالح مع أبيه؟

بينما تخطر في بالنا هذه الأفكار كلها، تُختم القصة! فماذا لم يُكمل السيد المسيح القصة ويخبرنا بما جرى؟ ذلك لأن جمهور هذه القصة الحقيقي كان الفريسيين، الأخوة الكبار. إن السيد المسيح يتوسل إلى أعدائه كي يستجيبوا لرسالته. وما تلك الرسالة؟

سيبرز الجواب عن هذا السؤال فيما نتمهل في الفصول التالية كي نفهم النقاط الرئيسية التي يبتغي السيد المسيح أن يجعلنا ندركها هنا. وبكلمة وجيزة، يُعيد السيد المسيح تعريف كل ما كنا نحسب أننا نعرفه بشأن التواصل مع الله. إنه يعيد تعريف الخطية، وما يعنيه كون المرء ضالاً، وما يعنيه كون الإنسان مخلصاً.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

 

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

عطاء الاب للابن! هل عطاء الاب للابن ينفي كون الابن هو الله؟

عطاء الاب للابن
هل عطاء الاب للابن ينفي كون الابن هو الله ؟

اغلب الايات التي يستخدمها شهود ابليس للطعن في لاهوت الابن

  • كل شيء قد دفع الي من ابي.وليس احد يعرف الابن الا الاب.ولا احد يعرف الاب الا الابن ومن اراد الابن ان يعلن له (مت 27:11) (لو22:10)
  • فقال.لهذا قلت لكم انه لا يقدر احد ان ياتي الي ان لم يعط من ابي (يو 65:6)
  • ليس احد ياخذها مني بل اضعها انا من ذاتي.لي سلطان ان اضعها ولي سلطان ان اخذها ايضا.هذه الوصية قبلتها من ابي.(يو18:10)
  • ابي الذي اعطاني اياها هو اعظم من الكل ولا يقدر احد ان يخطف من يد ابي. (يو29:10)
  • لاني لم اتكلم من نفسي لكن الاب الذي ارسلني هو اعطاني وصية ماذا اقول وبماذا اتكلم.(يو49:12)
  • فقال يسوع لبطرس اجعل سيفك في الغمد.الكاس التي اعطاني الاب الا اشربها (يو11:18)
  • ” لان الآب لا يدين احدا بل قد اعطى كل الدينونة للابن”(يو22:5)
  • لا اعود اسميكم عبيدا لان العبد لا يعلم ما يعمل سيده.لكني قد سميتكم احباء لاني اعلمتكم بكل ما سمعته من ابي(يو15:15)
  • واما انا فلي شهادة اعظم من يوحنا.لان الاعمال التي اعطاني الاب لاكملها هذه الاعمال بعينها التي انا اعملها هي تشهد لي ان الاب قد ارسلني. (يو36:5)

قبل الدخول لكل اية وتوضيح معناها في الحق الكتابي علينا ان نفهم بعض الاشياء اللاهوتية

الاب ارسل كلمته الي العالم أي انه ارسل ابنه الي العالم

ومن يكون هذا الكلمة او الابن؟

هو من يعلن عن الاب ويعلن عن ارادة الاب 

 أي ان في الابن نرى وصية الاب ونرى اعمال الاب ونرى محبة الاب هذه كلها لا يقدر الا الابن ان يعلنها لماذا هو فقط؟ لانه هو كلمته أي هو عقله النابع منه فهو يعلن عن الله في شخصه “الابن الوحيد الذي في حضن الاب هو خبر “(يو18:1)

المسيح أي الكلمة ليس له ارادة خاصة به مستقلة عن ارادة الاب بل ارادته هي ان تصنع مشيئة الاب اي ان الابن يفعل ما يقوله الاب او يفعل ارادة الاب ليس بالاجبار او بالتزلل كما للبشر والملائكة ولكن لان الابن كعمل اقنومي في الذات الالهية هو المنفذ لارادة الاب من حيث اعلان ابوته ومحبته ومشيئته

فالاب يعمل كل شيء من خلال الابن فهو خلق كل شيء من خلال الابن

 اذا في الابن يستعلن ارادة الاب أي اننا نرى ارادة الاب من خلال الابن

الخلاصة هي ان  الكلمة هو الخارج من الآب المعبر عن جوهره، والحامل لفكره، والمتمم لكل مقاصده الذي يهتم بأن يعلن ذاته وذات الآب للبشر

كل شيء قد دفع الي من ابي.وليس احد يعرف الابن الا الاب.ولا احد يعرف الاب الا الابن ومن اراد الابن ان يعلن له (مت 27:11) (لو22:10)

كل شيء دفع الي الابن من الاب كما ان الابن يسلم الملك للاب  ” وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك للّه الآب “(1كو24:15)

اذا اننا امام علاقة محبة داخلية في ذات الله بين ذاته وكلمته لان الاب يحب الابن ويريه كل ما يعمل والابن يحب الاب فكل ما يفعله الاب يفعله الابن كذلك ايضا  ” .لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك” لان الاب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله ” (يو20:5)

فعطاء الاب للابن وتسليم الملك من الابن للاب هذا النوع من العطاء يتم في داخل الجوهر الالهي بين ذات الله وكلمته فهي علاقة خاصة بالاب والابن

اذا ما الغرض من توضيح هذه العلاقة ؟

علينا ان نرجع للايات مرة اخرى

كل شيء قد دفع الي من ابي.وليس احد يعرف الابن الا الاب.ولا احد يعرف الاب الا الابن ومن اراد الابن ان يعلن له

الغرض منها توضيح ان الابن هو الذي يعلن عن الاب لمن يريد الابن ان يعلن له لان الاب اعطى كل شيء للابن

 

2- فقال.لهذا قلت لكم انه لا يقدر احد ان ياتي الي ان لم يعط من ابي (يو 65:6)

ابي الذي اعطاني اياها هو اعظم من الكل ولا يقدر احد ان يخطف من يد ابي. (يو29:10)

هذه الايات تندرج في نفس السياق فالاب يجذبنا الي الابن لكي يقوم الابن بالاعلان عن الاب له فيعرف المؤمن من يكون الاب من خلال الابن ” لا يقدر احد ان يقبل اليّ ان لم يجتذبه الآب الذي ارسلني وانا اقيمه في اليوم الاخير”(يو44:6)

 

ليس احد ياخذها مني بل اضعها انا من ذاتي.لي سلطان ان اضعها ولي سلطان ان اخذها ايضا.هذه الوصية قبلتها من ابي.(يو18:10)

لاني لم اتكلم من نفسي لكن الاب الذي ارسلني هو اعطاني وصية ماذا اقول وبماذا اتكلم.(يو49:12)

فكما قلنا من قبل ان المسيح يتمم وصية الاب فهو يعلن عن مشيئته فالابن لا يفعل شيء من نفسه بل يأخذ من الاب ويفعل لانه هو الوحيد الذي يعلن عن ارادة ومشيئة الاب لانه هو كلمته

 

فقال يسوع لبطرس اجعل سيفك في الغمد.الكاس التي اعطاني الاب الا اشربها (يو11:18)

هنا المسيح يتكلم عن الفداء وكما نعلم جميعا انه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد

اذا الاب قام بالبذل بالرغم من ان الابن هو الذي سيشرب الكأس لاننا هنا لا نتكلم عن اثنان منفصلان بل اننا نتكلم عن الله وكلمته في جوهر الهي واحد  فكما قلنا ان الاب يتم استعلانه من خلال الابن اذا الاب يقوم بالفداء من خلال الابن وهذا ما قاله الكتاب من خلال بذله لابنه الوحيد اذا الابن تسلم عبئ خلاص البشر من الاب 

” لان الآب لا يدين احدا بل قد اعطى كل الدينونة للابن”(يو22:5)

وبما انه هو المسئول عن خلاص البشر هو ايضا من سيدين البشر لانه هو الذي تجسد وصار متقدمنا في كل شيء(كو18:1) أي انه ابن الانسان أي الابن الذي افرزته الانسانية لخلاصها

لا اعود اسميكم عبيدا لان العبد لا يعلم ما يعمل سيده.لكني قد سميتكم احباء لاني اعلمتكم بكل ما سمعته من ابي(يو15:15)

فكما قلنا ان الاب لا يراه احد بل الابن الوحيد الذي في حضن الاب هو خبر اذا هو يخبرنا بكل شيء عن الاب أي اننا نرى الاب من خلاله كما قال من رآني فقد رأى الاب (يو9:14) فهو يخبرنا بكل ما سمعه من الاب أي يخبرنا ما هي مشيئة ووصية الاب 

واما انا فلي شهادة اعظم من يوحنا.لان الاعمال التي اعطاني الاب لاكملها هذه الاعمال بعينها التي انا اعملها هي تشهد لي ان الاب قد ارسلني. (يو36:5)

فكل ما يفعله الابن هو من الاب لان الابن هو المتمم لارادة الاب وفيه نرى ارادته  وهذه الاعمال التي يعملها الابن هي تشهد ان الاب قد ارسل الابن لان الابن يعمل نفس اعمال الاب لان مهما عمل الاب يعمله الابن كذلك ايضا

 

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات 

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات

 

1. وحيث إن الأمور هي هكذا فدعنا نأتي الآن لكي نبحث الآية ” وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلم يعلم بها أحد ولا الملائكة ولا الابن إلاّ الآب ” (مر32:13).

ولكونهم في جهل عظيم من جهة هذه الكلمات فقد أصابهم الدوار بسببها ويظنون أنهم قد وجدوا فيها حجة هامة تسند هرطقتهم. فإن كان هؤلاء الهراطقة قد سبق فقرّروا هذا ويسلّحون أنفسهم به. فإني أراهم كالعمالقة [1] الذين يحاربون الله. لأن رب السماء والأرض الذي به خُلقت كل الأشياء، يطالب بتقديم حساب أمامهم عن اليوم والساعة. والكلمة الذي يعرف كل الأشياء يتهمونه بأنه يجهل اليوم، والابن الذي يعرف الآب يقولون إنه يجهل ساعة من ساعات اليوم. والآن ماذا يمكن أن يكون أكثر حماقة من هذا، أو أي جنون يمكن أن يشابه هذا؟

لأنه بالكلمة قد خُلقت كل الأشياء والأزمنة، والأوقات والليل والنهار وكل الخليقة، فهل يقال بعد ذلك إن الخالق يجهل عمله؟ ولكن بمواصلة القراءة في هذا الفصل يتضّح أن ابن الله يعرف تلك الساعة وذلك اليوم، رغم أن الأريوسيين قد سقطوا بشدة في جهلهم لأنه بينما يقول (ولا الابن) يشرح للتلاميذ ما يحدث قبل ذلك اليوم قائلاً سيكون هذا وذاك، ثم يأتي المنتهى (انظر مت24).

فالذي يتكلّم عن ما يحدث قبل ذلك اليوم، يعرف بالتأكيد اليوم أيضًا، الذي سوف يأتي بعد كل ما سبق وأخبر به، ولكن لو لم يكن يعرف الساعة، لما كان قد تحدّث عن الأمور التي تسبقها لكونه لا يعرف متى ستكون.

ومثل إنسان يريد أن يدل أولئك الذين يجهلون مكان منزل ما أو مدينة، فهو يذكر لهم بالتفصيل الأشياء التي تقابلهم قبل المنزل أو المدينة وبعد أن يشرح لهم كل شيء يقول ” وبعد ذلك تجدون المدينة أو المنزل مباشرة فهذا المشير يعرف تمامًا أين يوجد المنزل أو المدينة ـ لأنه لو لم يكن يعرف، لما استطاع أن يشرح لهم ما يجدونه قبلها. وحتى لا يتسبب دون قصد في أن سامعيه يضّلون الطريق، أو أنهم يذهبون بعيدًا عن المكان بسبب وصفه الخاطئ. هكذا فإن الرب بحديثه عن ما يسبق ذلك اليوم وتلك الساعة فهو يعرف بالضبط، ولا يجهل متى تأتي الساعة ويكون اليوم.

والآن فلماذا رغم أنه كان يعرف، لم يخبر تلاميذه بوضوح في ذلك الحين. لا يستطيع أحد أن يفحص ما صَمَتَ الرب عنه، ” لأن مَنْ عَرِفَ فكر الرب؟ أو من صار له مشيرًا ” (رو34:11)، ولماذا رغم أنه عَرِفَ، قال “ولا الابن” يعرف. أظن أن هذا لا يجهله أي واحد من المؤمنين: إنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى ـ كإنسان بسبب الجسد فهذا ليس نقصًا في الكلمة، بل هو بسبب تلك الطبيعة البشريّة التي تتصّف بعدم المعرفة.

وهذا أيضًا يمكن أن يُرى جيدًا إن كان أحد يفحص المناسبة بإخلاص: متى ولِمَنْ تكلّم المخلّص هكذا[2]؟ فهو لم يتكلّم هكذا حينما خُلقت السموات بواسطته، ولا حينما كان مع الآب نفسه، الكلمة الصانع كل الأشياء (انظر أم27:8ـ30). وهو لم يَقُل هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان ولكن حينما صار الكلمة جسدًا. ولهذا السبب فمن الصواب أن ننسب إلى ناسوته كل شيء تكلّم به إنسانيًا بعد أن تأنس. لأنه من خاصية الكلمة أن يعرف مخلوقاته، وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هي أعماله.

وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شيء ونهايته، فإنه يعرف بالتأكيد النهاية العامة والمشتركة للكل. وبالتأكيد فحينما يتكلّم في الإنجيل عن نفسه إنسانيًا قائلاً: ” أيها الآب، قد أتت الساعة مجد ابنك” (يو1:17)، فواضح أنه بصفته الكلمة، يعرف أيضًا ساعة نهاية كل الأشياء رغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، وخاصةً في هذه الأمور.

وبالأكثر فإن هذا لائق بمحبة المخلّص للبشر، لأنه منذ أن صار إنسانًا لم يخجل ـ بسبب الجسد الذي يجهل ـ أن يقول لا أعرف لكي يوضّح أنه بينما هو يعرف لأنه هو الله، فهو يجهل جسديًا. ولذلك فهو لم يقل ” ولا ابن الله يعرف “، لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل، بل قال ببساطة “ولا الابن” لكي تكون عدم المعرفة منسوبة لطبيعة الابن البشرية.

ولهذا السبب فهو يتحدّث عن الملائكة أنهم لا يعرفون اليوم والساعة ولكنه لم يواصل ويقول ” ولا الروح القدس يعرف” لكنه صمت لسببين: أولاً: لأنه إن كان الروح يعرف فبالأولى فإن الكلمة لابد أن يعرف لأن الكلمة الذي يستمد منه الروح المعرفة هو بالأولى يعرف.

ثانيًا: وبصَمْته عن ذكر الروح أوضَحَ أن قوله “ولا الابن” هو عن خدمته البشرية. وهذا برهان على ذلك: أنه، حينما تكلّم إنسانيًا قائلاً “ولا الابن يعرف” لكونه هو الله فهو يُظهر نفسه أنه يعرف كل الأشياء. لأن ذلك الابن الذي يقال إنه لا يعرف اليوم، يقول هو عن نفسه إنه يعرف الآب لأنه يقول ” لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ” (مت27:11). وكل الناس عدا الأريوسيين يعترفون أن الذي يعرف الآب هو بالأحرى يعرف كل شيء عن الخليقة ومن ضمن هذا الكل نهاية الخليقة.

وإن كان اليوم والساعة قد تحدّدا من الآب فواضح، أنهما قد تحدّدا بواسطة الابن وهو نفسه يعرف الأشياء التي قد تحدّدت بواسطته. لأنه لا يوجد شيء إلاّ وقد وُجِدَ وتحدّد بوساطة الابن لذلك فإذ هو خالق الكون، فهو يعرف إلى أي درجة وإلى أي حدود أراد الآب للكون أن يصير.

وهو يعرف ما هو الحد الزمني للكون. وأيضًا إن كان كل ما للآب هو للابن [ وهذا ما قد قاله هو نفسه (انظر يو15:16) ]، ومن خصائص الآب أن يعرف اليوم، فواضح أن الابن أيضًا يعرف اليوم إذ أن له هذه الخاصية من الآب. وأيضًا إن كان الابن في الآب والآب في الابن، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن لكونه في الآب ويعرف كل ما هو للآب، هو نفسه أيضًا يعرف اليوم والساعة.

وإن كان الابن هو أيضًا صورة الاب ذاته، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن له هذه المماثلة أيضًا للآب في معرفة اليوم والساعة. وليس غريبًا إن كان هو الذي به صارت كل الأشياء (انظر يو3:1)، وفيه يقوم الكل (انظر كو17:1)، هو نفسه يعرف المخلوقات التي خُلقت، ومتى تكون نهاية كل منها ونهايتها كلها معًا.

ولكن الوقاحة الناتجة عن جنون الأريوسيين اضطّرتنا أن نلجأ إلى دفاع طويل هكذا. ولأنهم يحصون ابن الله الكلمة الأزلي بين المخلوقات فليسوا بعيدين عن أن يقولوا أيضًا إن الآب نفسه أقل من الخليقة. لأنه إن كان ذلك الذي يعرف الآب لا يعرف اليوم ولا الساعة، فإني أخشى لئلا تكون معرفة الخليقة أو بالحري معرفة الجزء الأدنى منها أعظم من معرفة الآب ـ كما يقولون في جنونهم.

ولكن أولئك بسبب أنهم يجدّفون على الروح هكذا، فلا ينبغي أن ينتظروا الحصول على الغفران إطلاقًا عن تجديفهم هذا كما قال الرب (انظر مت32:12). وأما المحبون للمسيح والذين يحملون المسيح، فيعرفون أن الكلمة باعتباره أنه هو الكلمة، قال لا أعرف، ليس لأنه لا يعرف، إذ هو يعرف (كل شئ)، ولكن لكي يُظهر الناحية الإنسانية، إذ أن عدم المعرفة خاص بالبشر، وأنه قد اتخّذ الجسد الذي يجهل، والذي بوجوده فيه قال بحسب الجسد “لا أعرف”.

ولهذا السبب، فبعد قوله ” ولا الابن يعرف” وتحدّثه عن جهل الناس في أيام نوح، أضاف مباشرةً قائلاً: ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم” وأيضًا ” في ساعة لا تعلمون يأتي ابن الإنسان ” (مت42:24، 44)، ولكني إذ قد صرت مثلكم من أجلكم، قلت “ولا الابن”. لأنه لو كان يجهل بكونه هو الله لكان ينبغي أن يقول “اسهروا إذًا، لأني لا أعرف، وفي ساعة لا أعلمها” ولكن في الواقع ليس هذا هو ما قاله. ولكنه بقوله “لا تعلمون” و “في ساعة لا تعلمونها” أوضح بذلك أن الجهل خاص بالبشر، الذين لأجلهم أخذ جسدًا مشابهًا لأجسادهم، وصار إنسانًا وقال ” ولا الابن يعرف ” لأنه لا يعرف بالجسد رغم أنه يعرف بكونه هو الله الكلمة.

وأيضًا مثال نوح[3] يكشف وقاحة أعداء المسيح، لأنه في ذلك التشبيه لم يقل “لا أعرف”، بل قال ” لم يعلموا حتى جاء الطوفان ” (مت39:24). لأن البشر لم يعلموا، أما الذي جاء بالطوفان (والذي هو المخلّص نفسه) فقد عَرِفَ اليوم والساعة، التي فيها فتح طاقات السماء وفجّر ينابيع الغمر، وقال لنوح ” أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك ” (تك1:7) لأنه لو كان لا يعرف لما كان قد سبق فأخبر نوح قائلاً: ” بعد سبعة أيام آتي بطوفان على الأرض ” (انظر تك4:7). ولكنه إذ يستخدم مثال زمن نوح ويعرف يوم الطوفان، إذًا فهو يعرف أيضًا يوم مجيئه.

وأيضًا، في مثل العذارى يظهر بوضوح أكثر من هم الذين كانوا يجهلون اليوم والساعة بقوله ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعرفون اليوم والساعة ” (مت13:25). والذي قال قبل ذلك بقليل ” لا أحد يعرف ولا الابن ” (مت36:24) لا يقول الآن “لا أعرف” بل يقول “أنتم لا تعرفون”.

وبنفس الطريقة، عندما سأله التلاميذ عن النهاية، حسنًا قال حينئذٍ “ولا الابن” جسديًا، بسبب الجسد، لكي يظهر أنه كإنسان، لا يعرف لأن الجهل هو من خصائص البشر، ولكن إذ هو الكلمة، وهو الذي سوف يأتي، وهو الديّان وهو العريس، فهو يعرف متى وفي أية ساعة سيأتي، ومتى سيقال ” استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح ” (أف14:5). كما أنه إذ صار إنسانًا فقد كان يجوع ويعطش ويتألم مع الناس، هكذا مع الناس كإنسان فهو لا يعرف، رغم أنه لكونه هو الله إذ هو كلمة الآب وحكمته فهو يعرف، ولا يوجد شيء لا يعرفه.

وهكذا أيضًا في حالة لعازر فهو يسأل كإنسان بينما كان في طريقه لكي يقيمه، ويعرف من أين سيدعو نفس لعازر مرّة ثانية.

وقد كان أمرًا أعظم أن يعرف أين كانت النفس أكثر من أن يعرف أين وُضِعَ الجسد، ولكنه سأل إنسانيًا لكي يقيمه إلهيًا. هكذا أيضًا سأل تلاميذه عندما جاءوا إلى نواحي قيصرية، رغم أنه يعرف حتى قبل أن يجيب بطرس. لأنه إن كان الآب قد أعلن لبطرس الإجابة على سؤال الرب، فواضح أن الإعلان كان بواسطة الابن لأنه يقول ” لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا الآب إلاّ الابن، ومن أراد الابن أن يُعلِن له ” (لو22:10).

ولكن إن كانت معرفة الآب والابن تُكشف بواسطة الابن، فليس هناك أي مجال للشك في أن الرب الذي سأل بطرس هو نفسه قد استُعلن أولاً لبطرس من الآب، وبعد ذلك سأله إنسانيًا، لكي يظهر أنه يسأل جسديًا بينما هو يعرف إلهيًا ما سوف يقوله بطرس. إذًا فالابن يعرف، وهو يعرف كل الأشياء ويعرف أباه، تلك المعرفة التي لا توجد معرفة أعظم أو أكمل منها.

هذا يكفي لدحض أولئك، ولكن لكي أوضّح أكثر أنهم معادون للحق وأعداء للمسيح، فإني أريد أن أسألهم سؤالاً: يكتب الرسول في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس: ” أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم ” (2كو2:12). فماذا يقولون الآن؟ هل عرف الرسول ما قد حدث له في الرؤيا، رغم أنه يقول لا أعرف، أو لم يعرف؟ فإن كان لم يعرف فانتبهوا إذًا، لئلا إذ تتعوّدون على الخطأ تسقطون في مخالفة الفريجيين[4] الذين يقولون إن الأنبياء وخدّام الكلمة الآخرين، لا يعرفون ما يفعلونه، ولا ما يكرزون به.

ولكن إن كان الرسول يعرف، حينما قال لا أعرف، لأنه كان قد أخذ المسيح في داخله ـ الذي يكشف له كل الأشياء أفلا يكون قلب أعداء الله هؤلاء منحرفًا بالحقيقة ومدانًا من نفسه؟ لأنه في الوقت الذي يقول الرسول “لا أعرف” يقولون هم أنه يعرف، بينما حينما يقول الرب “لا أعرف” يقولون هم أنه لا يعرف، لأنه إن كان بسبب أن المسيح كان فيه، عرف بولس ما قد قال عنه إنه لا يعرفه. أفلا يعرف المسيح نفسه بالأكثر حتى إن قال “لا أعرف”؟

إذًا فبسبب أن الرسول، قد كشف له الرب، فإنه عرف ما رآه، لهذا يقول ” أعرف إنسانًا في المسيح” ولأنه يعرف هذا الإنسان، فهو يعرف أيضًا كيف أُختُطِفَ هذا الإنسان. وهكذا أليشع الذي رأى إيليا عرف أيضًا كيف أُصعد. ولكن رغم أنه عرف، إلاّ أنه حينما ظن أبناء الأنبياء أن إيليا قد طرحه الروح على أحد الجبال، فأليشع لأنه يعرف من البداية ما قد رآه، حاول أن يقنع هؤلاء الرجال، ولكن لما ألحوا عليه صمت وتركهم يمضون للبحث عنه (انظر 2مل2). إذًا ألم يكن أليشع يعرف وبسبب ذلك صَمَتَ؟

هو يعرف بالتأكيد، ولكنه صمت وكأنه لم يكن يعرف، ولذلك تركهم، لكي عندما يقتنعون لا يشكّون بعد ذلك في صعود إيليا. إذًا فبالأكثر جدًا بولس نفسه وهو الشخص الذي أُختطف، لابد أنه كان يعرف أيضًا كيف أُختطف، لأن إيليا عرف ولو كان أحد قد سأله، لكان قد أجابه كيف أُصعد. ومع ذلك فبولس يقول “لا أعرف”، لهذين السببين على الأقل: الأول كما قال هو نفسه لئلا بسبب كثرة الإعلانات يظن أحد فيه أكثر مما يراه. والسبب الثاني هو أن مخلّصنا قد قال “لا أعرف” فيليق به هو أيضًا أن يقول “لا أعرف” لئلا يظهر أن العبد أعظم من سيده، والتلميذ أفضل من معلّمه.

من ثم فالذي أعطى لبولس أن يعرف، بالأولى جدًا أن يعرف هو نفسه. لأنه طالما تكلّم عن الأمور التي تسبق اليوم كما سبق أن قلت ـ فهو يعرف أيضًا متى يكون اليوم ومتى تكون الساعة، ورغم أنه يعرف إلاّ أنه يقول ” ولا الابن يعرف” فلماذا إذًا قال عندئذٍ “لا أعرف” عن الأمر الذي عرفه لكونه هو الرّب؟

ولابد للمرء أن يفكر بعمق حتى يصل إلى النتيجة التي تبدو لي واضحة وهي أن الرّب قد تكلّم هكذا لأجل منفعتنا، وذلك لكي يمنحنا الفهم الحقيقي لكلامه! ويحرص المخلّص على منفعتنا من الناحيتين[5]، لأنه قد أعلن لنا من ناحية ما سيأتي قبل النهاية، لكي لا نندهش ولا نرتاع ـ كما قال هو نفسه ـ حينما تحدّث هذه الأمور، بل ننتظر النهاية التي تأتي بعدها.

ومن جهة اليوم والساعة فهو لم يَرِدْ أن يقول “أعرف” بحسب طبيعته الإلهية و “لا أعرف” بحسب الجسد، وذلك بسبب الجسد الذي كان يجهل، كما قلت سابقًا، لئلا يسألوه أكثر، وعندئذٍ إما أن يحزن التلاميذ بعدم إجابته لهم، وإما أن يجيبهم لأجلنا حيث إن الكلمة صار جسدًا لأجلنا أيضًا. لذلك فلأجلنا قال ” ولا الابن يعرف” وهو لم يكن غير صادق بقوله هذا (لأنه إنسانيًا، كإنسان، قال “لا أعرف”)، ولا سمح للتلاميذ أن يضطّروه إلى الكلام، لأنه بقوله “لا أعرف” فقد أوقف تساؤلاتهم.

وهكذا كُتب في أعمال الرسل، أنه حينما صعد مع الملائكة، فقد صعد كإنسان ورفع معه إلى السماء الجسد الذي اتخذه وقبل أن يرى التلاميذ هذا سألوه أيضًا متى تكون النهاية ومتى تأتي أنت؟ قال لهم بأكثر وضوح ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه ” (أع7:1).

وعندئذٍ لم يقل ” ولا الابن” كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال “ليس لكم أن تعرفوا” لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله، ولم يعد يليق به أن يجيب حسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السموات، بل أن يعلّم بطريقة إلهية أنه: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطاته، ولكنكم ستنالون قوة ” (أع7:1ـ8). وأية قوة هي للآب سوى الابن؟ لأن: ” المسيح هو قوة الله وكلمة الله ” (1كو24:1).

إذًا فالابن يعرف لكونه الكلمة، فكأنه يقول: أنا أعرف ولكن هذه المعرفة التي أعرفها ليست لكي أعرفكم بها فحينما كنت جالسًا على الجبل قلت حسب الجسد ” ولا الابن يعرف” وهذا لأجل منفعتكم ومنفعة الجميع. لأنه نافع لكم أن تسمعوا هكذا عن الملائكة وعن الابن، بسبب أولئك المضّلين الذين سوف يظهرون كملائكة رغم أنهم شياطين وسيحاولون أن يتكلّموا عن النهاية، فلا ينبغي أن تصدقوهم لأنهم لا يعرفون. وأيضًا حتى إن أخفى ضد المسيح نفسه وقال “أنا هو المسيح” وحاول بدوره أن يتكلّم عن ذلك اليوم وعن تلك النهاية، لكي يُضل السامعين، فأنتم الذين قد سمعتم مني هذه الكلمات: ” ولا الابن”، لا تصدقوه أيضًا.

ومن جهة أخرى، لأنه ليس نافعًا للناس أن يعرفوا متى تكون النهاية أو متى يكون يوم النهاية، لئلا عندما يعرفون، يصيرون متهاونين في الفترة المتبقيّة من الزمن، وينتظرون فقط الأيام التي هي قرب النهاية فقط. لذلك أيضًا صَمَتَ الرب ولم يتكلّم عن الوقت الذي سيموت فيه كل واحد لئلا عندما يصير الناس منتفخين بسبب المعرفة، فإنهم يهملون أنفسهم طوال الجزء الأكبر من زمانهم. إذًا فالكلمة قد أخفى عنا كلاً من نهاية كل الأشياء، ونهاية كل واحد منا (لأن نهاية كل الأشياء هي نهاية لكل واحد ويمكن أن نستنتج من نهاية كل واحد، نهاية كل الأشياء).

لأنه في الواقع حينما يكون الوقت غير معروف، ونحن ننتظره دائمًا، فإننا كمدعوين نتقدّم يومًا فيومًا، ممتدين إلى ما هو قدّام وناسين ما هو وراء (انظر في13:3). لأن مَنْ هو الذي عندما يعرف يوم النهاية لا يكون متراخيًا خلال تلك الفترة، ولكن إن كان يجهل اليوم أفلا يصير مستعدًا كل يوم؟ لهذا السبب أضاف المخلّص قائلاً: ” اسهروا إذًا لأنكم لا تعرفون، أية ساعة يأتي ربكم ” (مت42:24)، وأيضًا ” في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان ” (لو40:12) لذلك فبسبب المنفعة التي تأتي من عدم المعرفة، قال هذا، وهو عندما يقول هذا، فهو يريد أن نكون نحن مستعدين دائمًا. فكأنه يقول: بالنسبة لكم أنتم لا تعرفون ولكن أنا الرب، أعرف متى سآتي، رغم أن الأريوسيين لا ينتظرونني، أنا الذي هو كلمة الآب.

فالرّب إذًا، لأنه يعرف ما هو نافع لنا أكثر منا، لذلك طمأن التلاميذ، وهم أيضًا إذ علموا هكذا فإنهم صحّحوا موقف أولئك الذين من تسالونيكي حينما كانوا على وشك أن يضلوا في هذا الأمر (انظر 2تس2:2). ولكن حيث إن أعداء المسيح لا يتأثرون بهذا الكلام ورغم أني أعرف أن لهم قلب أكثر قساوة من فرعون فإني أريد أن أسألهم ثانية عن هذا. سأل الله آدم في الفردوس قائلاً: ” آدم، أين أنت”؟ (تك9:3). وسأل قايين أيضًا ” أين هابيل أخوك “؟ (تك9:4).

فماذا تقولون إذًا عن هذا الأمر؟ لأنكم إن ظننتم أنه لا يعلم، ولذلك سأل، فإنكم بذلك تنضمون إلى جماعة المانويين[6]، لأن هذا هو تفكيرهم المتجاسر. ولكن إن كنتم تخشون أن يطلق عليكم هذا الاسم جهارًا تضطرون أنفسكم للقول إنه يسأل بينما هو يعرف. فأي غرابة إذًا توجد في هذا التعليم إن كان الابن الذي هو كلمة الله هو الذي قد سأل آدم وقايين، هو نفسه الابن وقد لبس الآن جسدًا، يسأل التلاميذ كإنسان؟

إلاّ إذا كنتم قد صرتم بالطبع مانويين وتريدون عندئذٍ أن تنتقدوا السؤال الذي وجّهه الله لآدم (انظر تك9:3) وتعطوا لأنفسكم الفرصة كاملة للانحراف. ولأنكم قد انكشفتم من كل ناحية، فإنكم لا تزالون تتهامسون متذمّرين من كلمات لوقا، التي كُتِبَت باستقامة، ولكن أنتم تسيئون فهمها. وما هي هذه الكلمات؟ ينبغي أن نذكرها، لكي يتضّح أيضًا المعنى المنحرف الذي أعطيتموه لها.

 

التقدّم في الحكمة والنعمة:

يقول القديس لوقا ” وأما يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو51:2). هذه إذًا هي الآية، وحيث إنهم عثروا فيها، فنحن مضطّرون أن نسألهم، مثل الفريسيين والصدوقيين، عن الشخص الذي يتكلّم عنه لوقا. والسؤال هو هكذا: هل يسوع المسيح هو إنسان مثل كل الناس الآخرين أم هو الله وقد اتخذ جسدًا؟

فإن كان إنسانًا عاديًا مثل باقي الناس، إذًا فهو كإنسان يتقدّم. لكن هذا هو مذهب الساموساطي[7]، الذي تعتقدون به أنتم في الحقيقة رغم أنكم تنكرونه بالاسم بسبب الناس، لكن إن كان هو الله وقد اتخذ جسدًا، كما هو هكذا بالحقيقة، لأن الكلمة صار جسدًا، ولكونه الله الذي نزل على الأرض، فأي نمو أو تقدّم يكون لذلك الكائن المساوي لله؟ أو كيف حصل الابن على ازدياد، وهو كائن على الدوام في الآب؟ لأنه إن كان وهو الكائن دائمًا في الآب يتقدّم، فماذا يكون هناك بعد الآب حتى يأخذ منه تَقدّمه؟ ومن المناسب أيضًا أن نكرّر هنا ما قلناه عن “كيف يأخذ” و “كيف يتمجّد”.

فإن كان قد تقدّم حينما صار إنسانًا، فيكون واضحًا أنه كان غير كامل، قبل أن يصير إنسانًا، ويكون الجسد بالنسبة له قد صار بالحري سببًا لكماله، أكثر مما أعطى هو كمالاً للجسد، وأيضًا إن كان وهو الكلمة يتقدّم، فما الذي يمكن أن يصير إليه أكثر من كونه الكلمة والحكمة والابن وقوّة الله؟ لأن الكلمة هو كل هذه، التي إن استطاع أحد أن يشترك فيها كأنها شعاع واحد، فإن مثل هذا الإنسان يصير كاملاً تمامًا بين الناس، ومساويًا للملائكة.

لأن الملائكة ورؤساء الملائكة، والسيادات، وكل القوات والعروش باشتراكهم في الكلمة ينظرون دائمًا وجه أبيه. كيف يكون إذًا أن ذلك الذي يُعطي الكمال للآخرين يتقدَّم هو نفسه معهم؟ لأن الملائكة خَدَموا ولادته البشرية، والآية المأخوذة من لوقا المذكورة أعلاه قد قيلت بعد خدمة الملائكة هذه، فكيف يمكن أن يأتي هذا الفكر بالمرة للإنسان؟

أو كيف تتقدّم الحكمة في الحكمة؟ أو كيف من يُعطى النعمة للآخرين “كما يقول بولس، في كل رسالة، عارفًا أنه بواسطته تُعطى النعمة: ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم ” (2تس18:3)، أقول كيف يتقدّم هو في النعمة؟ لأنهم إما أن يقولوا إن الرسول غير صادق، ويتجرأون أن يقولوا إنه ليس هو الحكمة، وإلاّ فإن كان الابن هو الحكمة، كما قال سليمان وكتب بولس ” المسيح قوّة الله وحكمة الله ” (1كو24:1) فأي نوع من التقدّم تقبله الحكمة؟

فالبشر لأنهم مخلوقات، عندهم القابلية بطريقة ما أن يمتّدوا للأمام وأن يتقدّموا في الفضيلة. فأخنوخ على سبيل المثال هكذا نُقِلَ، وموسى إزداد وصار كاملاً، واسحق صار عظيمًا بتقدّمه (تك13:26). والرسول قال إنه يمتّد يوم فيومًا إلى ما هو قدّام، لأن كل واحد له الفرصة للتقدّم ناظرًا إلى الدرجة التي أمامه. أما ابن الله، الذي هو واحد ووحيد، فما هي الفرصة التي له ليمتّد؟ لأن كل الأشياء تتقدّم بتطلّعها إليه، وأما هو فلكونه الوحيد، هو في الآب الوحيد الذي لا يمتد منه إلى الأمام، بل هو ثابت فيه إلى الأبد.

إذًا فالتقدّم هو خاص بالبشر، أما ابن الله حيث إنه غير محتاج لأن يتقدّم لكونه كاملاً في الآب فقد أنقَصَ نفسه لأجلنا، لكي بتواضعه نستطيع نحن أن نتقدّم وننمو. وتقدّمنا ليس هو شيئًا آخر غير أن نتخلّى عن المحسوسات وأن نصل إلى الكلمة نفسه، حيث إن تواضعه ليس شيئًا آخر سوى اتخاذه لجسدنا.

إذًا فالكلمة باعتباره الكلمة، ليس هو الذي تقدّم فهو الكامل من الآب الكامل، وهو لا يحتاج شيئًا بل هو يأتي بالآخرين إلى التقدّم، ولكن كُتب هنا أنه يتقدّم إنسانيًا، حيث إن التقدم هو خاص بالبشر، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلّم بدقة وحذر قد ذَكَرَ القامة عندما تحدّث عن التقدم، ولكن لكونه هو الكلمة وهو الله، فهو لا يقاس بالقامة، التي تخص الأجساد.

إذًا فالتقدّم هو للجسد، لهذا ففي تقدّمه كان ظهور اللاهوت لأولئك الذين رأوه يزداد فيه أيضًا، وكلما كان اللاهوت ينكشف أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كل الناس فهو كطفل حُمِل إلى الهيكل، وحينما صار صبيًا بقى هناك في الهيكل وكان يسأل الكهنة حول ما جاء بالناموس. وكان جسده ينمو شيئًا فشيئًا والكلمة كان يُظهر نفسه (في هذا الجسد). لذا اعترف به بطرس أولاً وبعد ذلك الجميع أيضًا قائلين: بالحقيقة هذا هو ابن الله (انظر مت16:16، 54:27).

 

ولكن اليهود القدماء والجدد[8] معًا يتعمّدون إغلاق عيونهم لكي لا يروا أن التقدّم في الحكمة، ليس هو تقدّمًا للحكمة ذاتها، لكن بالحرى هو تقدم الناسوت في الحكمة لأن يسوع ” كان يتقدّم في الحكمة والنعمة “، ولكي نتكلّم بدقة أكثر نقول إنه هو نفسه قد تقدّم لأنه هو ” الحكمة بَنَت بيتها ” (أم1:9)، أي جعل بيته يتقدّم في الحكمة.

 

فماذا يكون هذا التقدّم الذي نتحدّث عنه سوى ـ كما قلت سابقًا ـ سوى التأليه[9] والنعمة المعطاة من الحكمة للبشر وإبطال الخطية والفساد منهم بحسب مشابهتهم وانتسابهم لجسد الكلمة؟ لأنه هكذا بازدياد الجسد في القامة كان يزداد فيه ظهور اللاهوت أيضًا ويظهر للكل أن الجسد هو هيكل الله. وأن الله كان في الجسد. ولكن إن جادلوا قائلين إن الكلمة الذي صار جسدًا[10] دُعي يسوع، ونسبوا له تعبير “يتقدّم” فيجب أن يسمعوا أنه حتى هذا لا يقلّل نور الآب، الذي هو الابن، بل لا يزال يُظهر أن الكلمة صار إنسانًا واتخذ جسدًا حقيقيًا[11].

وكما قلنا، إنه تألّم بالجسد، وجاع بالجسد، وتعب بالجسد، هكذا يكون معقولاً أيضًا أن يقال إنه تقدّم بالجسد لأن أي تقدم مثل الذي شرحناه لا يمكن أن يحدث للكلمة بدون الجسد. لأن فيه كان الجسد الذي تقدّم وهو يُدعى جسده، وذلك لكي ما يظل تَقَدُّم البشر مستمرًا ولا يضعف، بسبب وجود الكلمة في الجسد. إذًا فالتقدّم ليس للكلمة كما أن الجسد لم يكن هو الحكمة، ولكن الجسد صار جسد الحكمة.

لذلك فكما سبق أن قلنا ـ ليست الحكمة كحكمة هي التي تقدّمت في ذاتها، ولكن الناسوت هو الذي كان يتقدَّم في الحكمة، بأن يرتفع شيئًا فشيئًا فوق الطبيعة البشرية وبأن يتأله[12] ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه. لذلك فالبشير لم يَقُل: ” إن الكلمة تقدَّم”، لكن “يسوع” وهو الاسم الذي دُعى به الرّب عندما صار إنسانًا حتى يكون التقدّم هو للطبيعة البشريَّة، مثلما شرحنا قبلاً.

 

1 العمالقة هم جنس أسطوري عند الرومان لهم هيئة ممسوخة وقوة تفوق طاقة البشر، عُرفوا أساسًا بتصادمهم مع آلهة أوليمبيوس.

2 يشدّد ق. أثناسيوس على أن الطريقة السليمة في فهم آيات الكتاب المقدس هو أن يسأل المرء عن متى قيلت هذه الآيات وعن مَن تتحدث وعن السياق العام لها. أنظر أيضًا “المقالة الأولى ضد الأريوسيين ” فقرة رقم 54.

3 وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلاّ أبي وحده. وكما كانت أيام نوح كذلك يكون مجيء ابن الإنسان ” (مت37:36).

4 يقصد البدعة التي ظهرت في منطقة فريجية phrygia بأسيا الصغرى، والتي علّم بها أتباع مونتانوس Montanos وتسمى Montanism في القرن الثاني الميلادي.

5 يقصد بالناحيتين أنه يعرف من ناحية وأنه لا يعرف من الناحية الأخرى.

6 المانويين هم أتباع ماني ويؤمنون بالمبدأ الثنائي الذي يقول إن العالم تحكمه قوتان متضادتان: قوّة الخير وقوّة الشر ـ النور والظلام، الله والمادة. وهم يعتقدون أن المسيح صُلِبَ لأن لديه في داخله عنصر خاضع للألم والمعاناة كما أنهم لا يؤمنون أن المسيح هو الله الذي تجسّد. انظر هامش 22 ص36 بالفصل 25.

7 انظر هامش رقم 27 ص54.

8 يقصد باليهود الجدد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد مثلما فعل اليهود. انظر أيضًا هامش رقم 14 ص23.

9 انظر هامش 27 ص50.

10 انظر يو14:1.

11 هنا يعود ق. أثناسيوس ليؤكد على حقيقة التجسد في مواجهة بدعة الخياليين التي سبق ذكرها. انظر هامش 28 ص63.

12 انظر فقرة 48.

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات 

عبادة يسوع في التقليد ما قبل بولس في ترنيمة!

عبادة يسوع في التقليد ما قبل بولس في ترنيمة

 

الاصحاح الثاني من الرسالة إلى فيلبي وبالتحديد هذا المقطع :
+[2 :6 الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله
2 :7 لكنه اخلى نفسه اخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس
2 :8 و اذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه و اطاع حتى الموت موت الصليب
2 :9 لذلك رفعه الله ايضا و اعطاه اسما فوق كل اسم
2 :10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء و من على الارض و من تحت الارض
2 :11 و يعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب]
كانَ يُشيرُ حسبَ العُرف اليهودي أنها تعودُ إلى أشعياء 45 :
+[بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، خَرَجَ مِنْ فَمِي الصِّدْقُ كَلِمَةٌ لاَ تَرْجعُ: إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ.]
حيثُ أنّ المقطع في فيلبي كانَ يُستخدم كترنيمة في المجتمع المسيحي اليهودي الأول , وواضحٌ جداً استخدامُ كلمة “كيريوس” ليسوع [Κύριος ᾿Ιησοῦς Χριστὸς] (كيريوس ايسوس خريستوس) والتي تعني “الرّب” أو السّيد في سياق يُشيرُ لعبادة يهوة كما ورد في سفرأشعياء!!,وكما يشير العالم ف .ف بروس :”إن هذا الاستخدام لم يظهر مع بولس, ولكنه كان ينسبها بشكل متكرر لنصوص وجُمل تخص يسوع في العهد القديم حيث تكونُ فيها كلمة “الرب” تعني الكلمة اليهودية “يهوة”[1]
وقد لاحظَ العُلماء أنّ هذه التّرنيمة هي ذات أصول آرامية (أيّ ما قبلَ بولس – pre-pauline), وهي بحسب رأي العالم الألماني “ارنست لويماير” تأتي بشكل قصيدة لها ايقاع على ستة مقاطع موسيقية كل منها ثلاث أسطر(والعالم جيريمايس يقول أنها ثلاثة مقاطع بدلاً من الستة على أربعة أسطر).أيّ أنهّا ذو أصولٍ آرامية تمّ ترجمتها إلى اليونانيةّ.يقول العالم رالف مارتن أنّ الطابع النمطي للترنيمة مُستحيلة باللغة اليونانية ,فهي ببساطة ترجمة مترادفات من اللغة السامية لليونانية أيّ هي نمط من المزاميرِ اليهودية المسيحية[2]!بل يذهب لويمير ليقول أنّ المسيحيين الأوائل كانوا يستخدمونها في الليتورجيا في تذكار عشاء الرّب![3]

يُعلق العالم أوسكار كولمان Oscar Cullmann ,على نص [لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاهُ اسماً فوق كل اسم] (فيلبي 9:2)
“في اليهوديّة كما في الديانات القديمة , “الاسم” يُعبر عن القوّة ,فبالقول أنّ الله منح يسوع اسمهُ , فكأنك تقول أن الله منحُ كُلّ ربوبيته ….فالربوبيّة التي أُسبغت على (كيريوس ايسوس),والذي هوَ الآن مساوِ لله ,تُجسد نفسها بشكل خاص في حقيقة أنّه أيضاً كل القوات غير المرئية من المخلوقات هي خاضعة لهُ +[ لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء و من على الارض و من تحت الارض يعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب
فهذه الفكرة هي القاعدة لكل نص في العهد الجديد التي تُعرّف يسوع على أنهُ الله.[4]
ولا ننسى أيضاً أن الرّسالة الى أهل فيلبي لا جدال حول هوية كاتبها فهو الرّسول بولس …
الخلاصة :
1- الرسالة إلى أهل فيلبي كاتبها الرسول بولس
2-الاصحاح الثاني منها وخصوصا من العدد 6 إلى 11 ,كانت تستخدم كترنيمة للمسيح (أو في ليتورجيا عشاء الرب)
3- نشأت مع المسيحية المبكرة جداً جداً أو مع المجتمع اليهودي-المسيحي ,وكأنها مزمور عن يسوع “يهودي-مسيحي”
4-تُعلمنا أنّ المجتمع المسيحي الأول كانَ يعتبرُ يسوع مُستحق السّجود أو بكلماتٍ أخرى “عبادة يسوع هي عبادة يهوة”
5-هي ترنيمة مُترجمة يصعبُ وضعها في قالب اللغة اليونانية بالتحليل اللغوي لها , واستنتج العلماء أنّها ترنيمة آرامية الأصول أي تقليد ما قبل بولس.

[1]Bruce 1986, 203

[2]Martin 1997, 27.

[3]Martin 1997, 27–28.(martin refers to lohmeyer)

[4]Cullman 1963, 217–218
Bibliography
Bruce,F.F,1986. Jesus: Lord and Savior. Downers Grove, IL: InterVarsity Press.
Martin, R. P. 1997. A Hymn of Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity Press.
Lohmeyer, E. 1928. Kyrios Jesus. Heidelberg, Germany: Akademie der Wissech.

Cullman, O.(1963). The Christology of the New Testament. Norwich, UK: SCM Press Ltd.
Westminster Press.

الرد على شبهة: ان الابن ليس مساو للاب فالمجد والعظمة

هل الابن مساو للاب فى العظمة والمجد؟

نجد الكتاب المقدس يقول انه واحد مع الاب فى الجوهر ونجده يقول كل ما للاب فهو للاب يوحنا61ع15 ويكرر هذا الامر بل ويوحنا17ع10وقال ان الابن مساوى للاب” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أنيكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب ” واستخدم هنا لفظ (isa ισα)ولكن ما معنى ان ابى اعظم منى؟؟نجد فى نفس الايه السابقة انه قال اخلى نفسه واخذ صورة عبد,فبعد ما اخذ صورة عبد فتلك الصورة اقل من الاب ,فالسيد المسيح يتكلم عن الطبيعه البشرية,فمشكلة المشكك انه لا يتذكر ان للمسيح طبيعتين واحدة مساوية للاب والاخرى اقل من الاب,فحينما نقول ان الاب اعظم من الابن .فنقول اعظم منه فى ماذا؟؟وهو من قال انا والاب واحد وكل ما للاب فهو لى؟فكل ما للاب من عظمة هى للاب وكل ما للا ب من مجد هى للابن,ولكن الاب اعظم من الطبيعه البشرية,اعظم من صورة وهيئة الانسان,ونجد الكتاب المقدس يقول لنا فى عبرانين6ع16فَإِنَّ النَّاسَ يُقْسِمُونَ بِالأَعْظَمِوالابن قال عن نفسه فى سفر التكوين22ع16 “اقسمت بذاتى”وفى نفس الرساله يقول الرسول13فَإِنَّهُ لَمَّا وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْظَمُ يُقْسِمُ بِهِ، أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ، 14قَائِلاً: «إِنِّي لأُبَارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكْثِيراً» اذا الابن اقسم بذاته ولا يمكن ان يقسم بشىء اقل منه وهنا نسئل صاحب فكر اريوس المهرطق من اعظم من من؟ الاب اعظم من الابن,ام الابن اعظم لانه اقسم بذاته ولا يمكن ان يقسم احد بشىء اقل بل يقسم باغلى واعظم الاشياء ,ونقول ان من ظهر لابراهيم هو الابن اقنوم الاب(الملاك الظاهر)فالاب لا يقدر احد ان يراة ويعيش,لنلخص ما قلناه فى سطرين ان الاب والابن متساويين(في5: 211). (isa ισα) والتساوى فى كل شىء,فكل ما للاب هو للابن يوحنا6ع15 ويوحنا17ع1 وكل ما للاب من عظمة هى نفسه للابن,ولكن الحديث هنا عن الطبيعه الناسوتية للمسيح فهى اقل من الاب,فالابن المساوى للاب اخلى نفسه,وهنا قارن بين طبيعته البشرية وطبيعه الاب اللاهوتية.

مشيئة واحدة أم مشيئتان للإبن والآب؟

مشيئة واحدة أم مشيئتان للإبن والآب؟

 

الواحد ((الله والمسيح والتلاميذ واحد في ايه؟؟؟ الإجابة هنا ستكون واضحة وصريحة … هم واحد في الهدف … الآب والمسيح والتلاميذ واحد في الهدف …)) إذا فالمشكك قال ان المسيح والاب واحد في الهدف، وانا اسأل هل يمكن ان يكون الهدف واحد وتختلف المشيئة؟؟؟ واريد الرد من أي مسلم.

أجد نفسي غير قادر على الانتظار، فأقول لهذا المشكك يا عمو هناك فريق فيه 12لاعب كل واحد منهم هدفه هو الفوز على الفريق الاخر، فهل المشيئة تختلف عن الهدف؟؟على كل حال اريد ان اطرح سؤالين مهمين في موضوعنا هذا وهما (ما هي مشيئة الابن؟ وما هي مشيئة الاب؟)

ولننظر ماذا قال الكتاب المقدس ردا على تلك الاسئلة فيخبرنا الكتاب ان مشيئة الابن هي تتميم مشيئة الاب طعامي ان اعمل مشيئة الذي أرسلني واتمم عمله يوحنا4ع34 ويخبرنا ايضا الكتاب ان مشيئة الاب هي الفداء وخلاص البشرية وأرسل ابنه كفارة لخطايانا1يو3 ويقول ايضا الكتاب في موضع اخر ان ارادة المسيح هي الخلاص والفداء أيضا ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك متى18ع11 إذا مشيئة الابن هي عمل مشيئة الاب وتتميمه فمشيئة الاب هي الفداء والكفارة وهي نفسه مشيئة الابن الخلاص والكفارة

لنلخص ما قلته + مشيئة الابن هي عمل وتتمين مشيئة الاب وهي الفداء والخلاص

+مشيئة الاب هي تتميم الفداء والخلاص

بما ان مشية الابن هي الفداء

وبما ان مشيئة الاب هي الفداء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

 

إذا مشيئة الاب والابن هي واحدة، فهو من قال انا والاب واحد، وكان يقصد واحد في كل شيء ومن ضمن كل شيء المشيئة بل قال السيد ايضا في انجيل يوحنا8 29وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ». إذا عمل الابن هو عمل مشيئة الاب وهو في كل حين يفعل ما يرضيه، فكيف يقول هؤلاء ان الاقانيم تختلف في المشيئة؟؟بينما المشيئة واحدة بين الطبيعة البشرية والطبيعة اللاهوتية نفسه (فنحن نؤمن ان السيد المسيح كامل في ناسوته) فكيف يكون كامل في ناسوته وهو يختلف مع مشيئة الله؟؟

فكما يقول البابا شنودة ان الخطية هي التعارض مع مشيئة الله، فهل يكون السيد المسيح خاطئ وهو من قال من منكم يبكتني على خطية!!(يو46:8) ويقول البابا اطال الرب حياته: إن البشر القديسين الكاملين في تصرفاتهم، يصلون إلى اتفاق كامل بين مشيئتهم ومشيئة الله: بحيث تكون مشيئتهم هي مشيئة الله، ومشيئة الله هي مشيئتهم. وكما قال القديس بولس الرسول ” وأما نحن فلنا فكر المسيح ” (1كو16:2).

ولم يقل صارت أفكارنا متمشية مع فكر المسيح، بل لنا فكر المسيح. وهنا الوحدانية. فإن كان قد قيل هذا مع الذين يعمل الرب معهم وفيهم، فكم بالأكثر تكون الوحدة بين الكلمة وناسوته في المشيئة والفكر والعمل، وهو الذي قد اتحد اللاهوت فيه بالناسوت اتحاداً أقنومياً جوهرياً ذاتياً، بغير افتراق، لم ينفصل عنه لحظة واحدة ولا طرفة عين.

مشيئة واحدة أم مشيئتان للإبن والآب؟

Exit mobile version