الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

 

الرسالة الفصحية الأولى لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

الفقرة الثالثة:

          ليأتِ إذن تلميذ المسيح فى وسطنا ويعلّمنا طريق الصوم، حيث نسمعه يقول: ” الصوم النقى والطاهر أمام الله هو هذا: زيارة الأرامل وافتقادهم فى ضيقهم، وحفظ نفسه بلا دنس من العالم” (يع27:1). إنه من السهل اكتشاف كيف وبأى طريقة ندرك الذى قيل بالتمام. من جهتى، أعتقد أن الفهم الجيد يجد أن ناموس الطبيعة وافٍ، وهو يعلّمنا أن نبغض كل ما يظهر متعارضًا مع الوصايا الإلهية وأن نخضع لإرادة معطى الناموس حتى يسود فينا. فلو شعر أحد ما بالاحتياج إلى تعاليم أوضح، فلندعه يستمع إلى الرسول بولس حينما يقول: ” أميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا، النجاسة، الشهوة الردية، الطمع” (كو5:3). لأننا لن نجد بالتأكيد الفائدة الحقيقية للصوم بالتقشف المجرد عن الأكل ورفض الطعام وأى شئ آخر مثل ذلك، ولن نكون أنقياء بالتمام ومقدسين بالابتعاد عن هذه الأشياء وحدها، ولكن بطرد الشرور من عقولنا والتى لأجلها وُضِعَ دواء الصوم. لذلك فلنطِع القديس يعقوب عندما يقول: ” نقوا أياديكم أيها الخطاة، وطهروا قلوبكم يا ذوى الرأيين” (يع8:4). هذا هو الطريق الحقيقى للصوم، لأنه بهذه المفاهيم تظهر الأعمال الأفضل. فلا تغذى العقل باللذة الفاسقة، وذلك لكى تبطل عنك شوكة الزنا؛ ليكن عقلك حرًا من الشهوات؛ اهرب من شركة الأشرار. بهذه الأمور ستظهر ذاتك أمام الله، و(هذه الأمور) ستكسبك إكليل الصلاح.

          بلا شك إنه يكون حسنًا الامتناع عن الأكل المفرط والابتعاد عن المائدة المسرفة، لكى لا نثير الخطية بإنغماسنا فى أكل مفرط وزائد عن احتياجاتنا. لأنه إذا سَمُنَ الجسد بالتساهل فى هذه الأمور، فإنه يكون جامحًا ويصير عدوًا للرغبات الروحية. وعندما يصير (الجسد) ضعيفًا ولا يزداد قوة بواسطة الإفراط (فى الأكل)، فإنه يُعطى الانتصار (للروح). وهذا هو ما يعلّمنا إياه الطوباوى بولس، إذ يقول: “ إن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (2كو 16:4). فحيث إن كل من الآراء المتعارضة والصفات المتنافرة تعوق الصداقة، لكن القوة الأعظم تجعل من المحتمل أن يتغلب طرف على الآخر. وأعتقد أن الكل سيتفق على أن الانتصار ينحاز للناحية الأفضل. أما بالنسبة للفائدة  التى سوف نحصل عليها من هذا الانتصار فإنها ستكون عظيمة مثل الخسارة التى سنعانيها إذا هُزِمَ الأفضل.

 

الفقرة الرابعة:

          لذلك فلنجعل الشر يخمد فينا ويتعطل، وليرحل عنا كل تنعم فى المأكل، ولندع الصوم المقرون بالزهد يدخل فينا، الذى هو عدو كل خطية. إننى أعتقد أيها الأحباء، أنه يجب علىَّ أن أظهر لكم جمال الصوم من الأمثلة القديمة بالرغم من أنكم تعرفونها.

          أخبرونى، لماذا ظهر المعمدان الطوباوى أنه رجل عظيم ومشهور؟ ولماذا فاز بالحكم الممتاز، عندما قال عنه مخلصنا الصالح: ” لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11؛ لو28:7)؟ كيف أعد الله موسى معلّم الأقداس ليدخل فى السحاب ويظهر أمام الله؟

          أليس هو الصوم الذى يُوّلد فينا صورة كل فضيلة، الصوم الذى هو عبارة عن مشابهة الحياة الملائكية، ومصدر الاعتدال، وأساس ضبط النفس، ومحطم الشهوة؟

          بواسطة الصوم فإن الثلاث فتية وجدوا أمام أعين البابليين مخيفين ولا يُقهرون، فبالرغم من أنه سُمح لهم ليشاركوا المائدة الملكية الفخمة، ودُعوا ليتسمنوا من ثمار الأرض (راجع دانيال12:1)، لكنهم تركوا البدانة وشهوة الجسد للبابليين، ومُنحوا الانتصار حيث كانت لهم هناك تمجيدات لا تُقهر، وأحبوا كمية ضئيلة من طعام بسيط.

          أتوسل إليكم، لاحظوا ثمر هذا، لقد كانوا يفكرون فى الرؤى الإلهية. وقد شاهدوهم فوجدوهم أقوى من النار، واحتقروا تهديدات الملك؛ لقد قهروا الأسود محوّلين إياها إلى طبيعة أليفة (راجع دانيال17:6ـ25). لماذا ظل أهل نينوى مصونين من التهديد العظيم؟ عندما أعلن النبى: ” أن نينوى ستنقلب” (يون4:3)، لأنهم تمسكوا بحصن الصوم المنيع وهدأّوا الغضب الإلهى ومنعوا الكارثة المتوقعة. يمكننا أن نذكر فوائد أخرى كثيرة للصوم، لكن فى رأىِّ أنه يكون من غير المفيد البحث فى إظهار عدد من الأمثلة لمعرفة فائدته، وهى واضحة ومعروفة للكل.

          وحيث إن مقارنة المتضادات تكشف لنا فى الواقع صورًا كثيرة لجمال (الصوم)، لذلك دعنا نظهر الأخطار التى تنجم عن الإسراف فى الطعام وندعو أولئك الذين تألموا كشهود لكلامى. عندما كان العبرانيون مخيمين فى البرية ودُعى موسى إلى جبل سيناء لاستلام الشريعة من الله، حدث أن الناس بحماقتهم استغيبوا معلّمهم، واستهانوا بتهذيبهم السابق وتحولوا إلى الشهوات الغريبة، حيث قيل: ” وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” (خر6:32). كلمة “اللعب” هنا هى عبارة عن تورية فى الكتاب المقدس لكلمة “الزنا”، والتى أُشير إليها بمعنى خفى تحت تعبير اللهو (التسلية).

          واسمع ما يقوله بولس عن الشر الذى ينجم عن ذلك بالنسبة للزناة: ” ولا نزنى كما زنى أناس منهم فأهلكتهم الحيات” (1كو 8:10و9)، كذلك أى تعاسة عانوها عندما ازدروا بالطعام السماوى، أى المّن، وتذكروا الطعام فى مصر قائلين: ” ليتنا متنا بيد الرب فى أرض مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزنا للشبع” (خر3:16). لذلك، على ما أعتقد، قد أشير إليكم بوضوح عن فائدة الصوم من خلال هذه الأمثلة. لكن ربما يقول أحد ما: “أنا أعلم أن الصوم لا يكون بدون فائدة، ولكن ممارسته لا تكون بدون ألم، إنه فى الواقع يتعارض مع طبيعتنا”. ألاّ يكون إذن شيئًا مخزيًا وفى قمة السخف أننا نتشوق للأفضل ونضع قيمة عالية لاقتناء ما هو لفائدتنا، وحينما نأتى لمعرفة كيفية تهيئة هذه الفائدة وابتداء استخدامها، تظهر بعض درجات التهاون والقول إن الصوم لا يكون بدون فائدة، لكى نتجنب الألم (المصاحب للصوم) والذى به سنحصل على الفائدة! فهو (الصوم) مثل النباتات التى تنمو من التربة ولها جذور بدون أن يكون لها فرصة للظهور فى الحياة، هكذا أيضًا فإن بداية الفرح (εὐθυμια) توجد من خلال الآلام، وبالآلام يثمر ويُظهر. لذلك علينا أن نختار واحدًا من اثنين. فعندما نقرر أن نكون معارضين لعمل أى مجهود، فلن نملك أى نصيب أو شرف فى كل الاسم الصالح، ونكون تمامًا مثل أناس مائتين، وليس لنا اهتمام بخلاصنا؛ أما إذا أحببنا ألم الصوم، فسوف نظفر بحق بتلك المكافآت التى ستضيع علينا بعدم الصوم. إنه من الواضح، إذا أردنا أن نكون حكماء فإننا سوف نختار الرأى الممتاز فى صالحنا ونفضل الطريق الأفضل عن ذلك الذى لا يفيد. ولكن إذا تحاشينا الأعمال العظيمة بسبب الآلام الضئيلة، فسيكون هناك ضرر بالنسبة للذين يتحاشون الآلام، بل تجعل أولئك الذين اختاروا أن يفعلوا الأعمال العظيمة آمنين من كل ضرر أو خطر. فلو تحاشينا الالام الصغيرة ووقعنا مجبرين فى إحدى الأخطار الأعظم، فهل لا يتبع ذلك أن نفضل اختيار الطريق الذى فيه آلام وأخطار أقل؟.

          إننى أود الاستماع لأولئك الذين يميلون للقول إن الصوم أو الدينونة الأبدية، هى أمور ذميمة، أعتقد أنهم ربما يسلّمون على مضض بأن الشرير سوف يُسلّم للعقاب، لذلك بما أن الضرورة تجلب لنا كل فهم، فلماذا لا نتخذ القرار الأصوب لأنفسنا بإدراك الطريق الأفضل؟ لأنه يجب أن نهرب من الشر ولو باحتمال الألم، أما إذا رفضنا أن نفعل هكذا فإننا سنكون مدانين لعدم إخماد النار.

          إن أولئك الذين يرقدون مرضى تكون نعمة الصحة أكثر وضوحًا بالنسبة لهم. وأولئك الذين أُخمدوا بالهزال وعوز ضروريات الحياة يكونون أكثر لهفة للحصول على المكسب المادى. والذين هم مضطرون للبحث عن متعة لا يملكونها، يرغبون أن تزداد عندهم الأشياء المبهجة بدلاً من عوزهم.

          أيضًا فإن الله، الفنان الأعظم، أعد الكون ورتب للشمس أن تظهر بعد الليل والليل بعد الشمس حتى أنه بواسطة تعاقبهما يكون وجودهما لازمًا ومرحبًا بهما (عند البشر).

          لذلك نجد أن الصوم لا يكون بدون فائدة لدرجة أنه يجب أن يتملككم سرور عذب عندما يُعلن عن بداية الصوم.

 

الفقرة الخامسة:

          لذلك علينا أن نحب الصوم باعتباره مصدر كل صلاح وبهجة. اليونانيون الذين هم حكماء فى أعين أنفسهم، يحتقرونه؛ لكن اليهود الذين يفوقون كل البشر فى استحداث البدع، لا ينكرون أنهم يعرفونه، ولكنهم يمارسونه بخزى حتى أنه يكون من الأفضل لهم ألاّ يمارسوه. وكما يقال عنهم إنهم مملؤون من كل خبث وفيهم كل أثقال الدنس، فإنهم يتباهون فقط بالصوم اسميًا، ويتباهون بصنع الفضيلة. لأنه ماذا يمكن أن يُقال عن ذلك الفريسى الجاهل والأحمق، والذى وصفه المسيح ربنا فى الأناجيل وهو يصلى فى الهيكل ويصيح:        ” اللهم أنا اشكرك إنى لست مثل باقى الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار. أصوم مرتين فى ألأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه” (لو11:18ـ12). ماذا تقول أيها الفريسى الغبى بافتخارك بالصوم؟ ألاّ ترى الكبرياء الذى تعانيه بالحديث المتحذلق عن هذه الأشياء المبتذلة؟ ألاّ ترى الغرور فى افتخارك؟ هل لن تتوقف عن تصفية البعوضة وابتلاع الجمل (راجع مت24:23)، كما يقول مخلصنا؟ إنك تقول عن نفسك إنك تعلمت الناموس، ولكنك تجهل بالكامل كل ما كُتب: ” ليمدحك جارك لا فمك. الغريب لا شفتاك” (أم2:27). ” الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المرأوون لأنكم تشبهون قبورًا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهى من داخل مملوءة عظام أموات ونجاسة” (مت27:23). بالنسبة لليهود فقد امتلأ تفكيرهم بكل نوع من النجاسة ولا يوجد شئ قبيح لم يُكَرِّموه. وكما أنهم لا يريدون معرفة الناموس الإلهى، فقد لفظوا الوصية المعطاة لهم، واستمروا فى التمرد والعصيان. لهذا اتهمهم الله بالنبى صارخًا: ” من أكلمهم وأنذرهم فيسمعوا. ها إن أذنهم غلفاء فلا يقدرون أن يصغوا. ها إن كلمة الرب صارت لهم عارًا، لا يُسرون بها” (إر10:6). فأولئك الذين اعتادوا على الإثم، تكون النصيحة لممارسة الصلاح هى عبارة عن ثقل بالنسبة لهم، ولأولئك الذين يريدون أن يحيوا باستهتار فإن الاعتدال بالنسبة لهم ليس له جاذبية. فمثلما يغرق عقل السكارى من شرب الخمر، فى عدم الإحساس، ويكونون تبعًا لذلك عاجزين عن التفكير الصحيح؛ كذلك بنفس الشكل فإن الذين هُزموا بحب اللذة وسقطوا فى الخطية كما فى مستنقع عميق، وسيجوا العقل الرشيد بالشهوات غير الطاهرة، واقتنوا الشر لأنفسهم، واستغرقوا فيه بالتمام واستُعبدوا له، فإنهم يكونون قد تقيدوا بهذا المرض.

 

الفقرة السادسة:

          اليهود ألأكثر طياشة فى كل الجنس البشرى، الذين بسبب آثامهم تفوقوا على آبائهم فى عدم التقوى، اعتقدوا فى فعل ما هو مضحك ومخزى، لو أنهم كانوا قد نالوا الانتصار على اقتراف الإثم. فقد افترضوا أنهم سيُظهرون حالة أفضل من أسلافهم، ولكنهم تورطوا فى نفس الآثام وبدرجة أسوأ. وهذا قد تسبب فى سخط الله، سيد الكل ونقمته، إذ قال: ” فمن اليوم الذى خرج فيه آباؤكم من أرض مصر إلى هذا اليوم أرسلت إليكم كل عبيدى الأنبياء مبكرًا كل يوم ومُرسلاً. فلم يسمعوا لى ولم يميلوا أذنهم بل صَلَّبوا رقابهم. أساءوا أكثر من آبائهم” (إر25:7ـ26). أنتم يا من أظهرتم بتجاديفكم أنكم أبناء الذين أنجبوكم، وشابهتموهم فى الأفكار، وبذلك أكدتم أنكم أولادهم. أنتم يا من تفوقتم على الذين أنجبوكم، فى عدم التقوى، بتعديكم من جديد على الناموس، ومتهمين إياهم (أى أسلافهم) بالضعف، أنتم الذين وُهِبَ لكم وحدكم الانتصار فى الحروب حيث كان من الأفضل أن تعانوا الهزيمة. أنتم يا من انتزعتم نصرًا أكثر حزنًا، حيث لا يُدخل السرور.

          فالله حاكم الكل (ضابط الكل) يدينك عندما يقول: ” صَلَّبوا رقابهم” (إر26:7). علاوة على ذلك فإنه يدعو النبى ليندب عليهم قائلاً: “جزى شعرك واطرحيه وارفعى على الهضاب مرثاة لأن الرب قد رفض ورذل جبل رجزه. لأن بنى يهوذا قد عملوا الشر فى عينى يقول الرب” (إر29:7ـ30). بعد ذلك يشرح طريق جحودهم فيقول: ” وضعوا مكرهاتهم فى البيت الذى دُعى باسمى لينجسوه. وبنوا مرتفعات توفة…” (إر30:7ـ31). لقد وصلوا إلى درجة من التجاهل ورفضوا المحسن (إليهم) نفسه ورأوا أن عبادة الأوثان أكثر نفعًا؛ وهكذا اخترعوا أسماء لآلهتهم وقدموا لها الضحايا. آخرون (منهم) كرسوا أفكارهم للشهوات الجامحة معتمدين على جهادهم الخاص واستولوا على البساتين الأكثر ترفًا فى الجبال مقدمين ذبائحهم للشياطين، وكما أتصور أنهم ناجوا الحوريات بحسب الشعراء اليونانيين، “حورية الغابات” (Ἀμαδρύαδα) و”حورية الجبال” (Ὀρείαδα). وفى إدمانهم لشهواتهم القبيحة فقد تباهوا بهذه ألأشياء التى سوف تتلاشى، والتى سببت لمعطى الناموس حزنًا ليس بقليل. لذلك يقول إرميا النبى: ” هل رأيت ما فعلت العاصية إسرائيل، انطلقت إلى كل جبل عال، وإلى كل شجرة خضراء وزنت هناك. فقلت بعدما فعلت كل هذه ارجعى إلىَّ فلم ترجع” (إر6:3ـ7). بالنسبة لأولئك الذين لا يُسرّون بالخلاص، فإنهم يكرهون الطرق النافعة ولا يستطيعون الهروب من وقت الفرح إلاّ برفضه كلية؛ وحيث إنهم لا يملكون معرفة السرور المتعقل، لذلك يسعون دائمًا إلى الأسوأ . إن موقف اليهود المتصلب والمعاند يشهد على الأقوال، حيث إنهم لم يكونوا متيقظين لكى لا يتورطوا فى الآثام، واحتقروا إحسان الرب. لأنه عندما كان يمكنهم الندم ويكونون محفوظين، فإنهم يزدرون بكل ما هو صالح لهم ولا يُقدِّرون عظمة محبة الله للبشر؛ لذلك سوف لا يُحفظون ولا يستحقون أى رحمة.

          وهكذا هم يتجاوزون حدود كل غطرسة، فعندما كانت لهم فرصة الهروب من العقاب بالتخلى عن الخطية، جلبوا العقاب على أنفسهم مضيفين بذلك خطايا جسيمة لتلك التى اُقترفت؟ فالناس الذين يميلون لذلك سيُعاقبون أكثر بدلاً من أن يتحرروا من نتائج الشرور. لذلك ستمتنع الرحمة عن هؤلاء الأشخاص.

          هذا القول ليس منى، ولكن رب كل البشرية هو الذى تكلم بهذا عندما صرف النبى الذى كان يصلى متشفعًا لهم قائلاً: ” وأنت فلا تُصل لأجل هذا الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاء ولا صلوة ولا تلح على لأنى لا أسمعك. أما ترى ماذا يعملون فى مدن يهوذا وفى شوارع أورشليم؟ الأبناء يلتقطون حطبًا والآباء يوقدون النار والنساء يعجن العجين ليصنعن كعكًا لملكة السموات ولسكب سكائب لآلهة أخرى لكى يغيظونى” (إر16:7ـ18). الأبناء يجمعون حطبًا والآباء يوقدون النار والنساء يعجن لدرجة أن لا شئ سيكون بريئًا من الخطية. إنهم يعملون بجهد لأجل خطاياهم وسوف يسمعون بعدل:     ” لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تكهن لى. ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضًا بنيك” (هو6:4). إن طريقة العقاب تتلائم دائمًا مع جسامة الخطايا، لذلك يجب على المذنبين أن يتحملوا عقابًا مساويًا لخطاياهم. فأى معاناة أعظم وأقسى يمكن أن توجه لأولئك الذين سقطوا فى الخطية، من أن يمنعوا من خدمة (الكهنوت) المقدسة ويفقدوا الحق فى التمتع بامتياز ذكر الله لهم، الذى من خلاله كانت لهم حياة كريمة ولم يشعروا بأى عوز أو احتياج بل كانت لهم كل بهجة. هذا حدث لشعب إسرائيل. فقد احتقروا محبة الله للجنس البشرى وعارضوا واجب حفظ شريعة الله، ولكنهم بأكثر غضب تمسكوا بكسلهم وانحرفوا إلى شهوات غير طبيعية، وكانوا غير راغبين فى القيام بمهام غير مهامهم، حسب ما كان يريد معطى الناموس. فكانت رغباتهم الخاصة هى ناموسهم ولم يسترشدوا إلاّ برأيهم الخاص. لقد حزن الرجال القديسون بحق على هؤلاء بسبب أفكارهم وتصورات قلبهم قائلين: ” اسمعوا هذا القول الذى أنا أنادى به عليكم مرثاة يا بيت إسرائيل. سقطت عذراء إسرائيل لا تعود تقوم” (عا1:5ـ2)؛ وأيضًا: ” ادعوا النادبات فيأتين وارسلوا إلى الحكيمات فيقبلن ويسرعن ويرفعن علينا مرثاة لأن قطيع الرب سُحق” (إر17:9ـ 18). ولكن النبى إرميا رآهم كما لو كانوا قد ابتُلوا، واقترب عقابهم وأظهر لهم حزنه عليهم قائلاً: ” قربت نهايتنا. كملت أيامنا لأن نهايتنا قد أتت. صار طاردونا أخف من نسور السماء” (مراثى 18:4ـ19). فمنذ أن استولى هذا الرعب الكبير على كل شئ وعلى كل المسكونة التى هُزمت من الشيطان، لذلك كما يقول النبى: ” وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاها بلا حد” (إش14:5). بالنسبة لليونانيين فإنهم بسبب غباءهم العظيم، يسقطون فى الشرك (الإيمان بتعدد الآلهة) ” وأبدلوا مجد الله الذى لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات” (رو23:1؛ عد15:4ـ19؛ مز20:106؛ إر11:2)، فكما لو كانوا يسرعون فى رحلتهم مسابقين الريح، كذلك فإنهم كانوا يسرعون إلى هاوية الموت الداخلية.

          من جهة أخرى فإن اليهود يزدرون بالوصية المعطاة لهم. فقد اخطأوا لدرجة من الحماقة حيث فكروا، بحسب زعمهم، وبشئ مخجل فى إظهار حياتهم الممتازة وأسرعوا ليسيروا فى نفس طريق اليونانيين. ولكن عندما ساد الليل والظلمة على الأرض والبحر، فإن الله سيد الكل، لم يشأ أن يرى هلاك خليقته على الأرض، أعنى الإنسان، بل على العكس، فلأجل أنه رأى أن الطبيعة البشرية قد أُصيبت بمرض عُضال، فقد أرسل كلمته الذى يستطيع وحده أن يحطم مملكة الشيطان ويحررنا من الشرور التى أمسكتنا فى قبضتها.

          فقد أخذ شبهنا وصار إنسانًا مثلنا (راجع فى7:2)، ووًلد من العذراء القديسة مريم، ولم يفقد ما كان له ولكن أضاف إليه ما لم يكن له، وتمم خلاصنا، وكما يقول بولس: ” هو أمسًا واليوم وإلى الأبد” (عب8:13)، فلم يخضع لأى تغيير أو تبديل فى ألوهيته بصيرورته إنسانًا، بل ظل كما كان وسيظل دائمًا. بمجيئه إلى العالم جعل الشيطان موضع هزء وسخرية عند الذين آمنوا بالمسيح، ذلك الشيطان الذى كان يصرخ طويلاً: ” فأصابت يدى ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف” (إش14:10). فقد حطم المسيح الخطية التى سيطرت علينا، بواسطة الاغتسال بالمعمودية والتى صارت ميلادًا جديدًا وأظهرت نقاوة العالم. لقد أرشدنا إلى طريق الخلاص، مبددًا غشاوة الجهل وضبابه ومظهرًا لنا معرفة الإيمان بالله فى كل لمعانها. لقد صار لنا بنفسه رفيقًا شريكًا لوطن الملائكة فى السماء. لقد وحَّدَ بنفسه الأشياء التى على الأرض بالتى فى السماء، وأظهر أن طبيعة الإنسان تشارك حياة الأرواح التى تُوجد فعلاً هناك (أى الملائكة فى السماء)، تلك الطبيعة التى انفصلت عن الله طويلاً بالخطية وكانت باستمرار مثل عبد، لكن الآن ارتبطت به بالإيمان والتقوى. اليهود فى شقائهم كانوا معاندين للاعتراف به كمخلص ورب، بل قاوموه وهو الذى جاء بينهم لمنفعة البشرية كلها، أى ليخلصنا من الهلاك الأبدى.

          وعوضًا عن ذلك عَبّروا عن انكارهم للجميل عن الإحسانات (التى صنعها معهم) وأسلموه للموت وللصليب. وعندما رأوه معلقًا على الخشبة، فإنهم جحدوه ثانية وسبوه بالكلمات: ” لو كنت ابن الله انزل من على الصليب فنؤمن بك” (مت40:27).

          وعندما تحمل المخلص الموت عنا كلنا ونزل إلى الجحيم، سلب ممالك الشيطان قائلاً: ” حتى سبى الجبار يسلب وغنيمة العاتى تفلت” (إش25:49)، كما يقول النبى. مقيمًا هيكله الخاص (جسده) فى اليوم الثالث ” كباكوة الراقدين” (1كو20:15)، محررًا طبيعتنا من قيود الموت، ومعلّمًا إيانا أن نقول بانتصار: ” أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا هاوية” (هو14:13؛ 1كو55:15، انظر 2تى10:1؛ عب14:2). لقد جعل السماء تنفتح على طبيعتنا وأُصعد بعد اكتمال العمل المحدد لتجسده، وقدم ذاته للآب كباكورة للطبيعة البشرية وأعطانا الروح كعلامة للرجاء الآتى، قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس” (يو22:20).

          هذه هى علامات ظهور مخلصنا، لذلك نبشر به أنه هو المحسن والمخلص. فحيث إنه يكون صحيحًا أن الأبناء يثبتون شرعيتهم بأعمالهم؛ وحسنًا يردون للسيد المكافأة، دعنا نستمع لكلمات بولس:     ” لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة فى خوف الله” (2كو1:7). ولهذا دعنا نحتفل للرب بعيد نقى. وبداية الأربعين تكون فى الخامس عشر من شهر أمشير، مع أسبوع الفصح الخلاصى الذى يبدأ فى العشرين من برمهات منهيين الصوم فى الخامس والعشرين من نفس الشهر، وكعادتنا سنحتفل بالعيد فجر يوم الرب (أى يوم الأحد) فى السادس والعشرين من نفس الشهر، ومضيفين بعد ذلك الأسابيع السبعة للخمسين المقدسة. لذلك سوف نرث ملكوت السموات فى المسيح مع القديسين إلى الأبد. آمين.

 

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

 

مقدمة

أصل الرسائل الفصحية:

          يُعتبر البطريرك الأسكندرى ديونيسيوس هو أول من بدأ كتابة الرسائل الفصحية[1] ἐπιστολαὶ ἑορταστικαί ، وكان الغرض من كتابة هذه الرسائل الفصحية هو:

1 ـ تحديد تاريخ الاحتفال بعيد القيامة وما يرتبط به من بداية الصوم المقدس.

2 ـ كان بطاركة الأسكندرية يعتبرون هذه الرسائل مناسبة لكتابة رسالة رعوية عن الصوم توجه إلى الكنائس التابعة لهم.

ظل تقليد كتابة الرسائل الرعوية معروفًا فى كنيسة الأسكندرية حتى القرن التاسع الميلادى حسب ما يذكر كواستن أستاذ الباترولوجى[2]، ولكن هناك ما يدل على أن تقليد كتابة هذه الرسائل استمر إلى القرن الحادى عشر حسب ما ورد فى مخطوط “اعتراف الآباء” بوجود خمس رسائل للبابا خرستوذولوس (ق11)[3]. ومن بطاركة الأسكندرية الذين كتبوا رسائل فصحية، بالإضافة إلى البطريرك ديونيسيوس: القديس أثناسيوس الرسولى، والقديس  ثاوفيلوس، والقديس كيرلس الأول عمود الدين. وكانت الرسائل الفصحية تحتوى على موضوعات كنسية ورعوية وعقائدية بالإضافة إلى تحديد بداية الصوم وتاريخ الاحتفال بالعيد.

          هناك بعض الآراء تؤكد على أن البابا البطريرك ديمتريوس فى نهاية القرن الثانى الميلادى كتب رسائل فصحية، كما يخبرنا بذلك المؤرخ الكنسى أوسابيوس القيصرى[4]. ويُقال إن البابا ديمتريوس كان قد أرسل رسائل فصحية بشأن موضوع الاحتفال بعيد القيامة إلى كل من كنائس روما وفلسطين[5]. لذلك يمكننا القول إن تقليد كتابة الرسائل الفصحية نشأ فى الأسكندرية. ويعتقد أوسابيوس أن هذه الرسائل كانت تُكتب فى زمن الاضطهاد حيث يُقال إن البابا بطرس الأسكندرى المُلقب بخاتم الشهداء كتب رسائل فصحية أثناء زمن الاضطهاد الذى اثاره الإمبراطور ديقلديانوس[6]. ولم يتبق منها إلاّ رسالة واحدة كُتبت عام 309م والتى قام بنشرها M. Richard [7]. وكان بطريرك الأسكندرية منذ القرن الثالث الميلادى يرسل إلى أساقفة الإيبارشيات التابعة له رسائل فصحية عقب الاحتفال بعيد الغطاس يحدد فيها بداية الصوم المقدس وتاريخ الاحتفال بعيد القيامة. وفى عام 325م قرر المجتمعون فى مجمع نيقية المسكونى الأول أن يقوم بطريرك الأسكندرية بإخطار كنائس المسكونة بتاريخ الاحتفال بالعيد حيث إن آباء الأسكندرية كانت لهم خبرة ودراية بالحسابات الفلكية[8]. وبعد انعقاد المجمع المسكونى أرسل الملك قسطنطين خطابات إلى أساقفة كنائس العالم أخطرهم فيها بقرار مجمع نيقية فى أمر إسناد تحديد ميعاد عيد القيامة إلى بطريرك الأسكندرية[9].

          وقد ذكر فى المقدمة المكتوبة باللاتينية الخاصة برسائل القديس كيرلس الفصحية والتى نُشرت فى Migne المجلد 77، أنه كان هناك قرار مجمعى بأن تاريخ الاحتفال بعيد القيامة يجب أن يُعلن أولاً فى الأسكندرية ثم يُرسل إلى كنيسة روما وبعد ذلك إلى كنائس المسكونة[10].

 

الرسالة الفصحية الأولى للقديس كيرلس

محتويات النص:

          كتب القديس كيرلس الأسكندرى 29 رسالة فصحية خلال فترة رئاسته لكنيسة الأسكندرية. والرسالة التى بين أيدينا تتحدث عن أنوار عيد القيامة المبهجة التى تضئ على المسكونة، وحث المؤمنين بالإسراع للإنضمام إلى موكب المنتصرين الصاعدين للاحتفال بالعيد بالنقاء والطهارة، وتحدث بعد ذلك عن أهمية الاستعداد للاحتفال بالعيد عن طريق الصوم النقى حيث ذكر أهمية وفائدة الصوم مقتبسًا من تعاليم الكتاب المقدس ومن بعض أحداث العهد القديم. فالصوم هو ضبط النفس ومحطم اللذة والشهوة الجسدية.

          فى الفقرة السادسة من هذه الرسالة الفصحية هاجم القديس كيرلس اليهود الذين شابهوا آبائهم فى عدم التقوى ورفضوا الإيمان المسيحى. ثم تكلم باختصار عن تجسد كلمة الله الأزلى الذى احتمل الموت عنا ونزل إلى الجحيم وسلب ممتلكات الشيطان.

          ثم أعلن القديس كيرلس فى نهاية الرسالة عن زمن الاحتفال بالعيد مستخدمًا التقويم القبطى وهو التقويم الذى اتبعه فى جميع رسائله الفصحية.

 

ترجمة الرسالة:

          أو من نشر الرسائل الفصحية هو Ottobonianus فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر باليونانية، وقد أعاد نشرها عام 1618 Antonio Salmatia من ميلانو والذى اعتمد على نسخة نُشرت عام 1610 بواسطة Johannes Sanctmaura، وفى عام 1638م قام Jean Aubert بإعادة نشر هذه الرسائل الفصحية.

          وهذه الرسالة تُرجمت عن النص اليونانى الذى نُشر فى مجموعة الآباء الذين كتبوا باليونانية، Migne, “Patrologia Greaca” المجلد 77 عمود 401 ـ 426.

 

 

          إلهنا ومخلصنا الصالح يسوع المسيح القائم من بين الأموات والذى اشرق علينا نحن الجلوس فى الظلمة يفرحنا بأنوار قيامته المقدسة لننضم إلى صفوف الغالبين الظافرين القائلين بفرح:

” أين شوكتك ياموت ، أين غلبتك يا هاوية “.

          بشفاعة والدة الإله القديسة مريم وصلوات القديس كيرلس وجميع الآباء القديسين، وصلوات قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث، ولإلهنا القدوس الغالب الآب والابن والروح القدس كل مجد وتسبيح وسجود الآن وإلى الأبد. آمين.

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

 

الرسالة الفصحية الأولى لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

الفقرة الأولى:

          إن الأنوار المُبهجة لعيدنا الإلهى المجيد، تسطع بقوة لتنير كل المسكونة ولا تسمح بحدوث أى ظلمة أو عتمة للذين يريدون أن يحتفلوا بالعيد فى فضيلة. لذلك فإن الرسول الطوباوى يظهر الطريق الصحيح لأولئك المستعدين (للاحتفال بالعيد) ويقول: ” قد تناهى الليل وتقارب النهار، لنسلك بلياقة كما فى النهار” (رو12:13و13)، وبذلك ينقادون بنور مصابيح المخلص التى لا تنطفئ. ونحن أيضًا يمكننا أن نصل إلى أورشليم العليا لنشارك صفوف الملائكة القديسين فى السماء. وهكذا نجد أن الطوباوى داود حينما يدعونا إلى الحشد الجليل فإنه يحثنا أن نرتل أنشودة الانتصار للمسيح الذى تجسد لأجلنا وأبطل بالصليب قوة الموت، حيث يقول: ” هلم نرتل للرب، نهتف لله مخلصنا” (مز1:95)، كما يدعو أولئك المتمسكين بالشرائع الإلهية للدخول فى خورس المفديين، معلّمًا إياهم أن يكونوا متحدين فى رأى واحد مشترك، ومعترفين بإيمانهم بالمسيح بدون تردد وبفكر غير منقسم، وبدلاً عن ذلك، كما يقول بولس: ” نهتم اهتمامًا واحدًا” (راجع رو5:15؛ 16:12؛ فى2:2)، متمسكين باعتراف إيماننا (بالمسيح)، راسخًا وقويًا. وكذلك بالنسبة للاحتفال الإلهى السليم، إذ يدعونا للصعود إلى أورشليم الروحية وينهضنا للسعى نحو التقوى، فلنستمع إلى قول النبى: ” أيها الناجون من السيف اذهبوا، لا تقفوا، اذكروا الرب من بعيد ولتخطر أورشليم ببالكم” (إر50:51). لذلك ينادى بولس: ” اركضوا لكى تنالوا” (1كو24:9)، وعندما يشرق عيدنا المقدس كالشمس، فلنطرح إذن بعيدًا عنا الحيرة وضعفات التوانى والإهمال، ونتغلب على كآبة ظلمة الكسل، ونتقدم بالشجاعة وبعقل مستنير نحو كل فضيلة قائلين لبعضنا البعض كلمات الكتاب: ” هلّم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلّمنا من طرقه ونسلك فى سبله” (إش3:2).

          إن اليهود لم يقدروا أن يهربوا من العبادات الجسدية ” الرمزية”، لذلك سمعوا الكلمات: ” لماذا لى كثرة ذبائحكم يقول الرب. اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات. وبعجول وخرفان وتيوس ما أُسرّ حينما تأتون لتظهروا أمامى” (إش11:1). لذلك فإن الذين ابتعدوا عن هذه الممارسات وقد تدربوا على رؤية الله من خلال العبادة بالروح وبقلب صادق مختتن كما يقول النبى: ” اطلبوا الرب مادام يُوجد ادعوه وهو قريب، ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره وليتب إلى الرب فيرحمه وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران” (إش6:55و7). فمثلما اقترب إلينا مخلصنا المسيح واتخذ شبهنا (فى التجسد)، لذلك يجب علينا ـ كما يقول الكتاب ـ أن ” نخلع الإنسان العتيق ونلبس الجديد الذى يتجدد حسب صورة خالقه” (راجع أف22:4ـ24؛ كو9:3ـ10)؛ ولننسَ ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام (راجع فى13:3)، صاعدين بالنقاوة للاحتفال الإلهى. ويصرخ النبى إرميا قائلاً: ” احرثوا لأنفسكم حرثًا ولا تزرعوا فى الأشواك، اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم” (إر3:4). لقد نمت أفكارنا مع الشوك وأجدبت من عدم التقوى، لذلك يجب علينا أن ننقيها بنار المخافة الإلهية حتى يمكننا أن نتقبل بذرة المخلص الصالحة (أى تعاليمه الصالحة)، حيث يعلّمنا بألاّ نتبع الفرائض الباطلة أو العبادات الشكلية، كما أنه يدعونا بأن نتجدد للخلاص بالوصية النافعة، مظهرين لله، “اليهودى” الذى فينا فى الخفاء، و”الختان” الذى فينا فى الخفاء (راجع رو29:2)، ومقتلعين كل الشرور من قلوبنا، وحينئذٍ نستطيع أن نسمع بحق: ” احتفلوا بأعيادكم، يا يهوذا، قدم صلواتك إلى السيد الرب” (نا1:2).

 

الفقرة الثانية:

          بالنسبة لأولئك الذين أُرسلوا ليكرزوا، توجد رهبة غير قليلة، وبأكثر تحديد، هناك تأديبات غير بسيطة عن التوانى فى هذا المجال الكرازى، حيث يقول: ” ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة” (إر1:48). ويمكننا أن نتأكد من هذا بوضوح، إذا تذكرنا المبارك يونان بهيجان البحر عليه والحوت المفزع والمروع مقبلاً نحوه. لأننى أرى أنه توجد رهبة للخدمة الإلهية عند كل الرجال القديسين. فموسى ـ معلم الأقداس ـ عندما أمره الله أن يُخرج شعبه (من أرض مصر)، قاس قدر طبيعته البشرية بالنسبة إلى عظم هذه الخدمة الكرازية، فقال: ” لست أنا صاحب كلام” (خر10:4)؛ وبنفس الطريقة نجد أن المبارك إرميا عندما أُرسِلَ (من قِبل الله) للنبوة، هتف قائلاً:   ” فقلت آه يا سيد الرب إنى لا أعرف أن أتكلم لأنى ولد” (إر6:1).

          فإن كان القديسون، الذين هم بالنسبة لنا، مثالٌ حسنٌ للتقوى، يقولون مثل هذه الأقوال، ومع ذلك فإن الطريق (أى طريق الكرازة الإلهية) الذى جعلهم يشعرون بالرهبة، لم يسبب لهم أى تردد ضئيل ولا أى مخاطرة (لإتمام هذا العمل الكرازى)؛ لأن الله يخجلنا ويدعونا أن نطرح الخوف، عندما يقول لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو أنا الرب؟ فالآن اذهب وسوف أفتح فمك” (خر11:4ـ12). كما أنه يقول للطوباوى إرميا: ” لا تقل إنى ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به” (إر7:1). فبناء على ذلك، هكذا أنا الضعيف، مثلما تتطلب منى وظيفة الكهنوت العظيمة أن أعظ، فإنى أجد خشية فى كلمات الكتاب: ” تكلم ولا تبقى صامتًا” (أع19:18)، وأجد نفسى مضطرًا لكتابة مثل هذه الأشياء. لأنه منذ أن ترك أبونا ثاوفيلس صاحب الذكرى العطرة والجدير بالثناء، أسقفنا الأخير، الحياة الأرضية حسب أحكام الله وصعد إلى المنزل السماوى (كيف حدث ذلك للمتصرف فى كل المعرفة ـ إنى أشعر بالخشية عندما أكتب)، عندئذٍ أتت إلىَّ أنا الصغير خلافة الأسقفية. فعندما أسمعُ لبولس حينما يكتب: ” فويل لى إن كنت لا أبشر” (1كو16:9)، فإنى آتى فى خشية لأعظ، وأفتكر أن الكرازة تتجاوز قدرتى.

          لذلك فكما أن احتفالنا المقدس يسطع بشدة ويدعونا للعفة، لذلك أضطر أن أقول لأولئك الذين ما يزالون ملتصقين بالشر ” نقوا أيديكم أيها الخطاة وطهروا قلوبكم يا ذوى الرأيين” (يع8:4)؛ وأقول أيضًا لأولئك الذين يهربون من عار الخطية البغيض ويسلكون فى طريق الحياة المقدس، أن يستمعوا إلى النبى وهو يبشرهم قائلاً: ” استنيرى استنيرى يا أورشليم لأن مجدك أتى ومجد الرب حلّ عليك” (إش1:60). لأن كل البشر الساكنين تحت الشمس صاروا، كما هو مكتوب ” نصيبًا لبنات آوى” (مز10:63ب)، وانقسموا إلى أنواع وأشكال متعددة من فعل الشر، وهُزموا بظلمة الجهل، وأيضًا سقطوا فى عمق أعماق الخطية. لذلك نجد أن المرنم داود اضطر أن يتضرع إلى الله الكلمة لكى يأتى إلينا من السماء قائلاً: ” يا راعى إسرائيل إصغِ يا قائد يوسف كالضأن يا جالسًا على الكاروبيم أشرق، قدام إفرايم وبنيامين ومنسى أيقظ جبروتك وهلم لخلاصنا” (مز2:80ـ3). وعندما أدرك (المرنم) أن مجئ كلمة الله سيحدث فى الوقت المناسب، حيث كنا ساقطين ومنطرحين، صرخ أيضًا: ” لماذا أيها الرب تقف بعيدًا؟ هل نسيتنا فى الوقت المناسب وفى ألمنا” (مز22:90). فالمخلص قبل التجسد، لم يكن بعد قد أخذ شبهنا، ووُجد بعيدًا عنا، ، لأن المسافات كانت كبيرة بين الطبيعة البشرية وطبيعة كلمة الله؛ ويقول احد رجالنا القديسين: ” أنا تراب ورماد” (تك 27:18ب)؛ ويقول النبى إشعياء عن وجود الابن الوحيد الجنس: “من يصف طريقة ميلاده” (إش8:53). فعندما كنا نعانى ألامًا كثيرة، فإن المخلص أضاء علينا فى الوقت المناسب، مولودًا من امرأة حسب الجسد، ليخلص الإنسان مولود المرأة، ويحرره من رباطات الموت، ولكى يعلّمه أن يقول بفرح: ” أين غلبتك يا موت، أين شوكتك يا هاوية” (هو14:13؛ 1كو54:15ـ55). فالمخلص لم يمنحنا فقط عطية القيامة، ولكنه كَسَرَ شوكة الجحيم، التى هى الخطية التى أصابتنا، حيث يقول: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ” (لو19:10؛ انظر مز13:91). هذا العمل الذى تحقق بتجسد مخلصنا يفوق أى شئ آخر، لذلك استوطنت القداسة فى كل الأرض، كما أن الظلام الذى يحجب الحقيقة قد أُبطل، وتنبأ عن هذا أيضًا المرنم وقال بقوة روح الله: ” يُشرق فى أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر” (مز7:72)؛ وكما يقول بولس: ” لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه” (رو10:5أ)، وسيشرق علينا ملء السلام. لذلك عندما يحدث ذلك، فلابد أن يضمحل القمر تمامًا، الذى هو الشيطان رئيس الليل والظلام، حيث يسمى هنا مجازيًا “بالقمر”.

          لذلك فإن الأشعة تبرق علينا بقدر كبير وبقوة عظيمة ويسطع علينا نور عيدنا الإلهى. كذلك فإن هذا الاحتفال اللامع يجذبنا ويحثنا بأن نهجر الأعمال المخزية وبصوت قوى يرشدنا قائلاً: ” اغتسلوا تنقوا إعزلوا شر أفعالكم” (إش16:1أ). فعندما يكون كاتب الأمثال حكيمًا ويقول: ” لكل شئ زمان ولكل أمر وقت” (جا1:3)، فكيف لا نعترف بحق أن هذا الوقت (زمن العيد) يتعارض مع كل أفعال الشر، ومن ثم يدعو لمعرفة الناموس الإلهى وتوقيره، وأنه يحث الذين أطاعوه (أى الناموس) ويعطيهم الثقة فى أنهم سوف ينالون المصير الحسن للمراحم الإلهية؟ لذلك نجد أن البعض فى هذه الحياة الحاضرة يناضلون رياضيًا(ἀγωνοθετεῖν) ويشترون هذا اللقب (المجاهد/ المناضل) ببذل كثير من المال، حيث يُنظم جهد المنافسة (المباريات) على الشباب، وبالرغم من أنهم يكرمون المنتصر بجوائز قيّمة، إلاّ أن السرور الذى يُعطى لهم يكون ضئيلاً، بالإضافة إلى أن هذا السرور يكون فقط فى هذه الحياة. وعلى النقيض من ذلك، فالله الذى يختبر الأبرار، هو نفسه يهب الأتقياء ” ما لم تر عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان” (1كو9:2، إش4:64، 16:65، إر16:3).

          فكما أن صفات هؤلاء الأشخاص (الأبرار) تظهر من إنجازاتهم حيث إنهم تفوقوا على الطبيعة، لذلك بالتالى فإن طريقة مكافأتهم تتخطى بالتأكيد حدود مقدرة الإنسان، لكى ينالها بالطريقة التى تحدث بها، وسوف يجدون كل المجد الملائم لأفعالهم وسوف تعانقهم محبة الله اللانهائية، وسوف يمرحون فى بركات فائقة للطبيعة.

          هيا بنا ندعو محبى العبادة لجهاد (أسبوع) الآلام السنوى، وكما يقول النبى: ” اضربوا بالبوق فى صهيون قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف” (يؤ15:2). لنصِح عاليًا وبصوتٍ مدوٍ محركين بوق الكنيسة المقدس ومعلنين قدوم عيدنا المقدس ببشارة واضحة وعلنية، وكما يقول الله الفائق الحكمة لموسى معلّم الأقداس: ” اصنع لك بوقين من الفضة. مسحولين تعملهما فيكونان لك لمناداة الجماعة ولارتحال المحلات” (عد1:10)، ومجهزين حسنًا لقوة الكلمات. فهو يأمر بأن يكون هناك بوقين، وذلك لأن رسالة الكنيسة تكون مضاعفة، فالواحد (أى البوق) ما يزال يدعو المتجاهلين لاستقامة التعاليم العقائدية الإلهية، والآخر يحثنا أن لا نتدنس بالأعمال الباطلة. كما أنه يأمر أن تكون الأبواق من الفضة، وذلك لأن الكلام (التعليم) يجب أن يكون واضحًا غير مشوه ويبتعد عن الخطأ فى العقيدة.

          لذلك، فلنجعل حديثنا ينطلق من هذه البداية، ويدعو (الإنسان) البعيد إلى بيت الشريعة (الكنيسة) لكى يتغير تجاه إرادة معطى الشريعة المنفصل عن كل خطية، مُقدِّسًا الصوم ومُناديًا بالاعتكاف، كما يقول النبى (راجع يوئيل15:2). كيف يمكننا أن نحقق فعل مثل هذه الأشياء؟ كيف يمكننا أن نتمم الوصية الإلهية بالابتعاد عن الشر وتجنب الارتباط بأولئك المخزيين تمامًا، ونكون متلهفين لأى شئ يمكن أن يُقدِّس الصائمين؟ بهذه الطريقة فإن الذين يريدون أن يحتفلوا بالعيد كما ينبغى سوف يُكرّمون إلهنا الصالح.

 

[1] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 20:7.

[2] Quasten, Vol. II, p. 108

[3] انظر البحث المنشور بعنوان: ” رسائل الأرطستيكا: تاريخيًا وعقيديًا” للدكتور جوزيف موريس فلتس، دورية دراسات آبائية ولاهوتية، يوليو 1999، ص25.

[4] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 25:5.

[5] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 3:23:5؛ 22:5.

[6] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 20:7.

[7]  M. Richard, Le Florilège du cod. Vatopédi 236 sur le corruptible et l’incorruptible, in: Le Muséon 8b (1973) 267-268.

[8] انظر:

 A Dictionary of Christian Antiquities, edd. W. Smith and S. Cheetham, London, 1875 & 1880, on Easter, Vol. 1, pp. 586-595, and Paschal Letters, Vol. 2, pp. 1562-1564

[9] سقراطوس، تاريخ الكنيسة 9:1.

[10] Migne, P.G. 74, 383-390.

 

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس7 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس7 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، مقدمة عن الرسائل وأهميتها

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الأولى عن: الصوم والأعياد

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الثانية بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الثالثة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الرابعة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية الخامسة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السادسة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السابعة بمناسبة عيد القيامة

(1)

لنحمل سمات المصلوب:

          كتب الطوباوى بولس لأهل كورنثوس[1] أنه كان يحمل دائمًا إماتة الرب يسوع فى جسده، ليس كأنه هو وحده الذى كان يفتخر بهذا، بل أهل كورنثوس يشاركونه هذا الافتخار، ونحن أيضًا معهم. وليتنا نقتدى به فى هذا المضمار يا إخوتى. وليكن هذا هو افتخارنا جميعًا كل حين. وقد اشترك داوود النبى فى هذا قائلاً فى المزامير: “ لأننا من أجلك نُمات اليوم كله. قد حُسبنا كغنم للذبح[2]

          وهذا هو ما يليق بنا، خاصة فى أيام عيد الفصح، عندما يحين تذكار موت مخلصنا. لأن من يتمثل بمخلصنا فى موته يكون مجاهدًا أيضًا فى الأعمال الفاضلة، إذ يكون قد أمات أعضاءه التى على الأرض[3]، وبصلبه الجسد مع الأهواء والشهوات، فإنه يحيا فى الروح، ويسلك خاضعًا للروح[4]. وهو دائم التفكير فى الله، ولا ينساه، ولا يتمم أعمال الموت على الإطلاق. 

          ولكى نحمل الآن فى جسدنا إماتة الرب يسوع، فقد أضاف الرسول بعد ذلك، مبينًا طريقة مثل هذه الشركة قائلاً: “ فإذ لنا روح الإيمان عينه، حسب المكتوب، آمنت لذلك تكلمت، نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا“[5]. وقد أردف الرسول أيضًا، متحدثًا عن النعمة التى تنبع من المعرفة: “ عالمين أن الذى أقام الرب يسوع، سيُقيمنا نحن أيضًا بيسوع ويُحضرنا معكم“[6].

 

(2)

بالإيمان والمعرفة نقبل الفرح السماوى:

          وعندما احتضن القديسون مثل هذه الحياة الحقيقية بالإيمان والمعرفة، فإنهم نالوا الفرح السماوى، ذلك الفرح الذى لا يهتم به الأشرار، ولذلك يستحقون الحرمان من البركة الناشئة منه. لأنه قيل: ” ليُؤخذ الشرير بعيدًا لكى لا يرى مجد الرب“[7]. 

          ومع أنهم عندما يسمعون النداء العام الموعود به “ استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات“[8]، سوف يقومون، ويأتون حتى إلى السماء، قارعين (الباب) قائلين: “ يا سيد افتح لنا“[9]، لكن الرب سوف يوبخهم، كمن أبعدوا عنهم معرفته، قائلاً: ” لا أعرفكم“[10]. ويصيح الروح القدس ضدهم قائلاً: “ الأشرار يرجعون إلى الهاوية، كل الأمم الناسين الله“[11].

          والآن، نحن نقول إن الأشرار مائتون، لكن موتهم ليس موت الحياة النسكية المضادة للخطية، ولا هم مثل القديسين، الذين يحملون الإماتة فى أجسادهم. لكنهم يدفنون النفس فى الخطايا والجهالات، ويصيرون مع الأموات، ويشبعون النفس بالغذاء المُميت، مثل فراخ النسور، التى تحوم فوق جثث الموتى، الأمر الذى نهت عنه الشريعة، وأمرت رمزيًا: ” لا تأكل النسر، ولا أى طير يتغذى على الجثث الميتة“[12]. واعتبرت كل من يأكل الجيف نجسًا. 

          أما هؤلاء فإنهم يقتلون النفس بالشهوات، ولا يقولون شيئًا سوى: ” لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت“[13]. وبعد ذلك مباشرة يصف النبى نوع الثمر الذى يحمله أولئك الذين يحبون الملذات، إذ يضيف قائلاً:   “ فأعلن فى أذنى رب الجنود، لا يغفرن لكم هذا الإثم حتى تموتوا“[14].

          نعم، بل إنهم حتى فى حياتهم يكونون فى عارٍ، لأنهم يعتبرون إلههم هو بطنهم، وعندما يموتون يُعذبون لأنهم افتخروا بموتٍ كهذا. ويشهد القديس بولس لهذه النتيجة قائلاً: “ الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك“[15]. وقد سبق أن أعلنت الكلمة الإلهية عن هؤلاء قائلة: ” موت الخطاة شر، ومبغضو الصديق يخطئون“[16]. لذلك يرث الأشرار الدود المر، والظلمة المحزنة.

 

(3)

كيف يعيش الأبرار؟

          أما القديسون وأولئك الذين يمارسون الفضيلة بحق، فإنهم:       “ يمُيتون أعضاءهم التى على الأرض: الزنا، النجاسة، الأهواء، والشهوة الرديئة[17]. ونتيجة لهذا يكونون أنقياءً وبلا عيب، واثقين فى وعد مخلصنا، الذى قال: ” طوبى لأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله[18].

          هؤلاء قد ماتوا عن العالم، وازدروا بتجارة العالم، لذا فإنهم يربحون موتًا مُشرِّفًا، لأنه “ عزيز فى عينى الرب موت أتقيائه[19]. وهم يقدرون أيضًا على الاقتداء بالرسول القائل: “مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىَّ“[20]. لأن هذه هى الحياة الحقيقية التى يحياها الإنسان فى المسيح. فإنهم وإن ماتوا عن العالم، لكنهم يعيشون كأنهم فى السماء، مهتمين بتلك الأشياء التى هى فوق، كما قال ذاك الإنسان محب مثل هذه المساكن السماوية: “بينما نحن نسير على الأرض، فإن مسكننا هو فى السماء[21].

 

كيف يعيد القديسون ؟

          والآن، فإن أولئك الذين يحيون هكذا، مشتركين فى فضيلة كهذه، فإنهم وحدهم الذين يستطيعون أن يقدموا المجد لله. وهذا هو ما يعنيه أساسًا العيد والعطلة الرسمية[22]. فالعيد لا يكمن فى الأطعمة الشهية، أو الملابس الفاخرة، أو أيام الراحة، بل تكمل بهجته فى الاعتراف بالله، وتقديم الشكر والتمجيد له[23]. وهذا هو سلوك القديسين وحدهم، الذين يعيشون فى المسيح، لأنه مكتوب: ” ليس الأموات يسبحونك يا رب، ولا من ينحدرون إلى أرض السكوت. لكن نحن الأحياء الذين يباركون الرب من الآن وإلى الدهر“[24]. 

          هكذا كان الأمر مع حزقيا، الذى نجا من الموت[25]، فسبح الله قائلاً: “ أولئك الذين فى الهاوية لا يستطيعون أن يحمدوك، الموتى لا يباركونك. لكن الحى هو الذى يباركك، كما أفعل أنا أيضا (اليوم)“[26]. فالذين يعيشون فى المسيح هم وحدهم الذين يمجدون الله ويباركونه، وبهذا يصعدون إلى العيد، لأن عيد الفصح ليس للأمم (الوثنيين)، ولا لليهود بحسب الجسد، بل لمن يعترفون بالحق الذى فى المسيح، كما صرح ذاك الذى أرُسل لينادى بعيدٍ كهذا قائلاً: “ لأن فصحنا أيضًا المسيح، قد ذبح لأجلنا[27].

 

(4)

المسيح إله الأحياء يحيى الجميع

    لذلك وإن كان الأشرار يتزاحمون ليُعيدوا، ويسبحون الله كأنهم فى عيد، ويتطفلون على كنيسة القديسين، فإن الله يعنفهم، قائلاً للخاطئ: “ مالك تُحدث بفرائضى؟”[28] والروح القدس الوديع يوبخهم قائلاً: ” ليس حسنًا التسبيح فى فم الخاطئ“[29]. وليس للخطية أى مكان فى تمجيد الله. لأن فم الخاطئ يتحدث فى أمور غير مستقيمة، كما يقول سفر الأمثال: “ فم الأشرار ينبع شرورًا“[30]. لأنه كيف نسبح الله بفم دنس؟ طالما أن الأشياء المتناقضة لا يمكن أن تجتمع معًا؟ ” لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة؟”[31]، هذا ما يعلنه بقوة بولس خادم الإنجيل.

          ولذلك فطالما أن الخطاة، وكل الغرباء عن الكنيسة الجامعة، والهراطقة، والمنشقين، مُستبعدين عن تمجيد الله مع القديسين، فإنهم لا يستطيعون أن يستمروا فى حفظ العيد. أما البار، فإنه وإن كان يبدو ميتًا عن العالم، لكنه يتجاسر على الكلام، قائلاً: ” أنا لا أموت، بل أحيا، وأُحِدث بأعمالك العجيبة[32].

فإن الله نفسه لا يخجل أن يُدعى إلهًا[33] لأولئك الذين بالحق يُميتون أعضاءهم التى على الأرض[34]، لكنهم يحيون فى المسيح، لأنه هو إله الأحياء، لا إله الأموات. وهو الذى يُحيى جميع البشر بكلمته الحية، ويُعطى المسيح غذاءً، وحياة للقديسين، كما يعلن الرب: “ أنا هو خبز الحياة“[35].

          ولما كان اليهود ضعفاء الإدراك، ولم تكن حواسهم مدربة على الفضيلة، لهذا لم يفهموا هذا الحديث عن الخبز، وتذمروا على الرب، لأنه قال: ” أنا هو الخبز (الحى) النازل من السماء، الواهب حياة للبشر“[36].

 

(5)

الخبز الحى يُحيى من يأكله:

    لأن الخطية لها خبزها الخاص المؤدى إلى الموت، وهى تدعو محبى الملذات، وناقصى الفهم قائلة: ” لتسرق خبز الخِفية اللذيذ، والمياه المسروقة حلوة“[37]، لأن من يلمس فقط هذا الخبز لا يُدرك أن المولود من الأرض سوف يهلك معها. لأنه حتى لو ظنَّ الخاطئ أنه سوف يجد لذة، فإن عاقبة ذلك الطعام غير سارة، كما تقول أيضًا حكمة الله: ” خبز الكذب لذيذ للإنسان، لكن فمه بعد ذلك يمتلئ حصى“[38]. و” شفتا المرأة الزانية تقطران عسلاً، يكون حلوًا لحلقك إلى حين، لكنك تجده أخيرًا أكثر مرارة من الافسنتين، وأكثر حدة من سيف ذى حدين“[39].

          إذن فهو هكذا يأكل ويفرح لوقت قصير، ولكنه بعد ذلك يرفض بازدراء هذا العسل عندما يذهب بنفسه بعيدًا. لأن الأغبياء لا يدركون أن أولئك الذين يبتعدون عن الله يهلكون. وعلاوة على ذلك، فهناك التحذير النبوى الرادع الذى يقول: “مالك وطريق مصر لشرب مياه جيحون؟ ومالك وطريق أشور لشرب مياه الأنهار“[40]؟ وتُنهى حكمة الله التى تحب البشر عن هذه الأمور، صارخة: ” اهرب سريعًا، لا تلبث فى ذلك المكان، ولا تُثبت عينك عليه، لأنك هكذا تتجاوز(عن) مياه غريبة، وتهجر سريعًا النهر الغريب“[41]. 

          وتدعوهم الحكمة إليها قائلة: ” الحكمة بنت بيتها، ودعمته على سبعة أعمدة، ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها فى الكؤوس، ورتبت مائدتها. أرسلت جواريها، داعية إلى الكأس، منادية بصوت عال، قائلة: ” من هو جاهل فليمل إلىَّ (هنا)، ولناقصى الفهم قالت: هلموا كلوا من طعامى، واشربوا من الخمر التى مزجتها لكم“[42].

          فماذا نرجو بدلاً من هذه الأمور؟ “ اتركوا الجهالة فتحيوا، واطلبوا الفهم فتثبتوا“[43]، لأن خبز الحكمة ثمر حى، كما قال الرب: “ أنا هو الخبز الحى، الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد[44]. لأنه رغم أن إسرائيل أكل المن، الذى كان حقًا لذيذًا وجميلاً، إلاّ أنه مات، وبالتالى فمن أكل المن لم يحيا إلى الأبد، بل ماتت كل تلك الجماهير فى البرية. ويعلّمنا الرب قائلاً: ” أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت[45].

 

(6)

الأبرار يشبعون، والخطاة يشتهون:

          الأشرار يشتهون خبزًا كهذا، لأن النفوس المنهمكة فى الملذات تجوع. أما الأبرار فيشبعون لكونهم مستعدين، قائلين: ” أما أنا فبالبر أنظر وجهك. أشبع عندما أرى مجدك[46]. لأن من يتناول من الخبز الإلهى يجوع دائمًا مشتاقًا، ومن يجوع هكذا ينال موهبة لا تضعف، كوعد الحكمة (الإلهية) القائلة: ” الرب لا يُميت نفس الصديق جوعًا“[47]. وهو يعد أيضًا فى المزامير: طعامها أُبارك بركة، مساكينها أُشبع خبزًا[48].

          ونحن أيضًا نسمع مخلصنا يقول: طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يُشبعون[49]. حسنًا إذن ما يفعله القديسون ومحبو الحياة التى فى المسيح، إذ يشتاقون إلى هذا الطعام.

          وإن الإنسان ليتضرع بلهفة قائلاً: ” كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله! عطشت نفسى إلى الإله الحى. متى أجئ وأتراءى قدام الله؟”[50]، ويتوسل آخر قائلاً: ” إلهى إلهى، إليك أبكر. عطشت إليك نفسى. يشتاق إليك جسدى، فى أرض ناشفة ويابسة، وبلا ماء. هكذا أظهر أمامك فى قداسة لكى أُبصر قوتك ومجدك“[51]. 

(7) 

الخبز الحى والإيمان ومحبة الله:

          ولما كانت هذه الأمور هكذا، يا أخوتى، فليتنا نُميت أعضاءنا التى على الأرض[52]، ونتغذى بالخبز الحى، بالإيمان وبمحبة الله، عالمين أننا بدون إيمان يستحيل أن نشترك فى خبز كهذا. لأن مخلصنا، عندما دعا كل الناس إليه، وقال: ” إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب[53]، وللحال تحدث عن الإيمان الذى بدونه لا يستطيع إنسان أن ينال خبزًا مثل هذا، وقال: ” من آمن بى، كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار ماء حى“[54].

 

          من أجل هذا الهدف كان الرب يغذى تلاميذه المؤمنين بكلماته بصفة مستمرة، ويعطيهم حياة بلاهوته باقترابه منهم. أما المرأة الكنعانية، فلأنها لم تكن قد آمنت بعد، لم يتعطف عليها حتى بالرد، رغم أنها كانت فى أمس الحاجة إلى طعام منه. وهو لم يفعل هذا ازدراءً بها.

حاشا (لأن الرب مُحب البشر، وطيب، ولهذا ذهب إلى ساحل صور وصيدا)، بل لعدم إيمانها، ولأنها لم تكن ممن نالوا الكلمة. وقد فعل الرب هذا بعدل، يا إخوتى، لأنها لم يكن ممكنًا أن تنال شيئًا بمجرد توسلها قبل أن تؤمن.لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن (أولاً) بأنه موجود، وأنه يجازى الذين يطلبونه. وأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه[55]. هذا ما يعلم به القديس بولس.

          ولكى يوضح الرب أن تلك المرأة الكنعانية لم تكن إلى تلك اللحظة قد آمنت بعد، قال: ” ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب“[56]. وبعد ذلك، إذ اقتنعت بقوة الكلمة، وغيرت طرقها، نالت أيضًا الإيمان، لأن الرب لم يعد يتحدث معها كأنها كلبة، بل تكلم معها باعتبارها مخلوق بشرى قائلاً: ” يا امرأة عظيم إيمانك“[57]. ولأنها آمنت منحها الرب فى الحال ثمر إيمانها قائلاً لها: ” ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة“.

 

(8)

          لأنه إذ يتغذى الرجل البار بالإيمان والمعرفة، وحفظ الوصايا الإلهية، تكون نفسه دائمًا فى صحة. من أجل هذا كانت الوصية:     ” ومن هو ضعيف فى الإيمان فاقبلوه“[58]، وغذوه حتى إن كان لا يقدر أن يأكل خبزًا، بل عشبًا (بقولاً): ” لأن الضعيف يأكل بقولاً“[59]. لأنه حتى الكورنثيون أنفسهم كانوا لا يقدرون أن يأكلوا خبزًا كهذا، إذ كانوا لا يزالون أطفالاً، وكأطفال كانوا يشربون لبنًا. ” لأن كل من يتناول اللبن وهو عديم الخبرة فى كلام البر“[60]، كما قال الرجل الإلهى.

          وقد قدم الرسول النصيحة لابنه المحبوب تيموثيئوس، فى رسالته الأولى، ليكون ” متغذيًا بكلمة الإيمان والتعليم الحسن الذى ناله“[61]. وفى رسالته الثانية قال له: ” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذى سمعته منى، فى الإيمان والمحبة التى فى المسيح يسوع“[62].

 

الرب طعامنا وفرحنا هنا وفى السماء:

          وهذا الخبز ليس هو طعام الأبرار فى هذا العالم فقط، يا إخوتى، وليس القديسون على الأرض فقط هم الذين يتغذون بهذا الخبز أى الجسد والدم، لكننا نأكلهما أيضًا فى السماء، لأن الرب هو طعام الأرواح العلوية، والملائكة أيضًا، وهو فرح كل الطغمات السماوية[63].

وهو للكل كل شيء، ويشفق على الجميع كحنان محبته. لقد سبق أن أعطانا الله خبز الملائكة[64]، وهو يعطى الوعد لمن يثبتون معه فى تجاربه قائلاً: ” وأنا أجعل لكم ملكوتًا، كما جعل لى أبى ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى، وتجلسوا على أثنى عشر عرشًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر“[65].

    آه، يا لهذه الوليمة، يا إخوتى، ويا لانسجام وفرح الذين يأكلون على هذه المائدة السماوية ! لأنهم لا يمتعون أنفسهم بالطعام البائد، بل بالطعام الذى يهب حياة أبدية. إذن من ذا الذى يحسب مستحقًا لذلك الاجتماع؟ من هو المبارك هكذا، حتى يدعى ويحسب مستحقًا لذلك العيد السماوى؟ حقًا ” طوبى لمن يأكل خبزًا فى ملكوتك“[66].

 

(9)

          إن من حسب مستحقًا للدعوة السماوية، وبهذه الدعوة قد تقدس، فإنه، إن تمادى فى إهمالها، يتدنس حتى وإن كان قد اغتسل، لأنه “حسب دم العهد الذى قدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة”[67]، ويسمع هذه الكلمات: ” يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟“[68]، ولأن وليمة القديسين طاهرة وبلا لوم، ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون“[69].

          وأنا أعنى هذا أنه رغم أن يهوذا جاء إلى العشاء، فقد خرج من حضرة الرب، لأنه ازدرى بالعشاء. وإذ تخلى عن حياته شنق نفسه. أما التلاميذ، الذين استمروا مع الفادى، فقد اشتركوا فى سعادة العيد.

 

اعترف الشاب، فاستحق أكثر مما يطلب

          وذلك الشاب الذى ذهب إلى كورة بعيدة، وهناك بذر ماله، وعاش فى الخطية، إذ اشتهى هذه الوليمة الإلهية، عندما رجع إلى نفسه، وقال: ” كم من أجير لأبى يفضل عنه الخبز وأنا هنا أهلك جوعًا!“، ثم قام ورجع لأبيه، واعترف له قائلاً:

أخطأت إلى السماء وقدامك، ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا، اجعلنى كأحد أجراك“[70]، فإنه عندما يعترف هكذا، يحسب مستحقًا لأكثر مما يطلب. لأن الأب لا يقبله كأجير، ولا ينظر إليه كأنه غريب، بل يقبله كابن، ويعيده إلى الحياة، كما من الموت، ويحسبه مستحقًا للوليمة الإلهية، ويعطيه ثوبه السابق النفيس، وهكذا يكون تهليل وفرح فى بيت أبيه.

(10)

الله لا يحييه من الموت فقط:

          وهذا هو عمل محبة الله الشفوقة وصلاحه: إنه لا يحييه من الموت فقط، بل يظهر محبته بالروح القدس. ولذلك فبدلاً من الفساد يلبسه ثوبًا لا يفسد، وبدل الجوع يذبح العجل المسمن، وبدل السفر البعيد يترقب الأب عودته، ويهيئ حذاء لرجليه. والأعجب جدًا أنه يضع خاتمًا إلهيًا فى يده. وبهذا كله يلده الله من جديد فى صورة مجد المسيح.

 

عطايا الله لأحبائه

          هذه هى عطايا الله الآب، التى بها يكرم الرب ويغذى الذين يثبتون فيه، وأيضًا الذين يرجعون إليه ويتوبون. لأنه يعد قائلاً:     ” أنا هو خبز الحياة من يقبل إلى لا يجوع، ومن يؤمن بى فلا يعطش أبدًا[71].

          نحن أيضًا سوف نحسب مستحقين لهذه، إن كنا دوامًا نتمسك بمخلصنا فى كل الأوقات، وإن كنا طاهرين، ليس فقد فى ستة أيام عيد الفصح[72]، بل نحسب حياتنا كلها عيدًا، ونستمر قريبين منه، دون أن نبتعد عنه، قائلين له: ” يارب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك“[73].

          ليت البعيدين من بيننا يرجعون معترفين بآثامهم، ولا يكون لنا على أحد شيء، بل بالروح نميت أعمال الجسد[74]. فإننا إذا ما غذينا الروح أولاً هنا سوف نشترك مع الملائكة فى تلك المائدة السماوية الروحية. ولا نقرع الباب ونطرد كالعذارى الجاهلات[75]، بل ندخل مع الرب، كالعذارى الحكيمات اللاتى أحببن العريس، ونظهر إماتة يسوع فى أجسادنا[76]، وننال منه الحياة والملكوت.

 

(11)

العيد يوم الرب المقدس فى كل شئ:

          يبدأ صوم الأربعين يومًا المقدسة فى الثالث والعشرين من أمشير (17 فبراير)، والصوم المقدس الذى للعيد المبارك فى الثامن والعشرين من برمهات (24مارس)، وإذ نضم إلى هذه ستة أيام بعدها فى الصوم والسهر، حسبما يقدر كل واحد، فإننا نستريح فى الثالث من برمودة (29مارس)، فى مساء اليوم السابع.

          وأيضًا ذلك اليوم الذى هو مقدس، ومبارك فى كل شئ الذى يحمل اسم المسيح، أى يوم الرب[77]، إذ يهل علينا فى الرابع من برمودة (30مارس). بعد هذا فلنعيد عيد الخمسين. لنعبد الآب كل حين فى المسيح، الذى به وله يليق المجد والسلطان بالروح القدس إلى الأبد. آمين.

          يسلم عليكم كل الأخوة الذين معى. سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة.

 

(هنا تنتهى الرسالة الفصحية السابعة

للقديس أثناسيوس البطريرك)

[1] 2كو4: 10.

[2] مز44: 22.

[3] كو3: 5.

[4] غل 5: 24ـ25.

[5] 2كو 4: 1.

[6] 2كو4: 14.

[7] إش26: 10 سبعينية.

[8] أف5: 14.

[9] مت25: 11.

[10] لو13: 25.

[11] مز9: 17.

[12] لا13:11

[13] إش22: 13.

[14] إش22: 14.

[15] 1كو6: 13.

[16] مز34: 21(س).

[17] كو3: 5.

[18] مت5: 8.

[19] مز116: 15.

[20] غل2: 20 .

[21] لا نعرف مصدر هذا القول، لكن انظر الرسالة إلى ديوجنيتس، القطعة9 وكذلك انظر (فى20:3).

[22] انظر الرسالة الثالثة: “ماذا يعنى العيد أيضاً، إلا خدمة الرب؟”.

[23] انظر الرسالة السادسة ، القطعة 3.

[24] مز 115: 17 – 18 .

[25] معروف أن حزقيا نجا من الموت نتيجة صلاته ودموعه، حتى أن الرب أضاف إلى أيامه 15 سنة، انظر إش38: 3–8.

[26] أش 38: 18 – 19.

[27] 1كو 5: 7.

[28] مز 50: 16.

[29] مز 1: 16 ، ابن سيراخ 15: 9.

[30] أم 15: 28.

[31] 2كو 6: 14.

[32] مز 118: 17.

[33] انظر عب 11: 16.

[34] انظر كو3: 5.

[35] يو6: 48 .

[36] انظر يو6: 33.

[37] أم 9: 17.

[38] أم 20: 17.

[39] أم 5: 3 – 4.

[40] أر 2: 18.

[41] أم 9: 18 سبعينية.

[42] أم9: 1ـ5س.

[43] أم9: 6س.

[44] يو6: 51.

[45] يو6: 48ـ50.

[46] مز17: 15 النسخة السبعينية.

[47] أم10: 3.

[48] مز132: 15.

[49] مت5: 6.

[50] مز42: 1.

[51] مز63: 1ـ2 س.

[52] كو3: 5 .

[53] يو7: 37.

[54] يو7: 38.

[55] عب11: 6 .

[56] مت15: 26 .

[57] مت15: 28 .

[58] رو14: 1 .

[59] رو14: 2 .

[60] 1كو3: 1 ، عب5: 13  .

[61] 1تى4: 6.

[62] 2تى1: 13 .

[63] انظر الرسالة الأولى القطعة السادسة .

[64] مز 78: 25 .

[65] لو22: 29ـ30 .

[66] انظر لو14: 15 .

[67] عب10: 29 .

[68] مت 22: 12 .

[69] مت 22: 14 .

[70] لو 15: 17 .

[71] يو6: 35 .

[72] أسبوع الفصح، أى البصخة يعنى الستة أيام السابقة على أحد الفصح .

[73] يو6: 68 .

[74] رو 8: 13 .

[75] مت25: 1 – 12 .

[76] 2كو4: 10 .

[77] حيث نرتل مز 118: 24 .

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس7 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

 

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

 

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السادسة بمناسبة عيد القيامة

 

 

الرسالة السادسة

كتبت بمناسبة عيد القيامة

12 برمودة سنة 50 ش ـ 7 إبريل 334م

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

مفهوم العيد

          والآن يا أحبائى، قد أتى بنا الرب إلى موسم عيد الفصح مرة أخرى، وبمحبته الحانية وصلنا إلى فترة تجمعنا لأجل هذا العيد. لأن الله الذى أخرج إسرائيل[1] من أرض مصر، هو يدعونا إلى العيد حتى هذا الوقت، قائلاً على لسان موسى النبى: “ احفظ شهر الثمار الجديدة[2] (شهر أبيب)، واعمل فصحًا للرب إلهك[3].

وقال بصوت النبى “عيدى يا يهوذا أعيادك، أوفى للرب نذورك[4]. فإن كان الله نفسه يحب العيد، ويدعونا إليه، فلا يليق إذن يا إخوتى أن نؤجل الاحتفال به أو نحتفل به بتراخ، بل يجب أن نُعيِّده بسرور وغيرة، حتى إذا بدأنا هنا فرحين تشتاق نفوسنا للعيد السماوى. لأننا إذا احتفلنا بالعيد باجتهادٍ هنا، فإننا بلا شك ننال الفرح الكامل الذى فى السماء، إذ يقول الرب: “ شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأنى أقول لكم إنى لا أكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله[5]

          والآن نحن نتناوله، إن كنا نسلك كما يليق بنعمته، مدركين سبب العيد، ومعترفين بالمخلص، كقول بولس الرسول: ” إذن لنعيد ليس بخميرة عتيقة. ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق[6]. لأن الرب مات فى تلك الأيام، حتى لا نعود بعد نعمل أعمال الموت.  لقد بذل الرب حياته، لكى نحفظ حياتنا من فخاخ الشيطان. 

          والأكثر عجبًا، أن الكلمة صار جسدًا، لكى لا نعيش بعد فى الجسد، بل بالروح نعبد الله، إذ هو روح. ومن لا يسلك هكذا، يسئ استخدام الأيام، ولا يحفظ العيد، بل يلوم نعمة الله، كإنسان جاحد، ويبالغ فى إكرام الأيام، غير متضرعٍ إلى الرب، الذى خلّصه فى مثل تلك الأيام. 

          فليسمع بكل اهتمام حتى وإن كان يتوهم حفظ العيد ـ الصوت الرسولى موبخًا إياه: “ تحفظون أيامًا، وشهورًا، وأوقاتًا، وسنين: أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا[7]

 

(2)  

فصح الرب، وفصح اليهود:

          نحن نحتفل بالعيد ” لأن فصحنا المسيح قد ذبح لأجلنا[8]، فالعيد لم يُرتب بسبب الأيام، بل من أجل الرب، الذى تألم حينئذ من أجلنا. وكما قال موسى النبى عندما كان يُعلم إسرائيل، أن لا يعتبروا العيد مُتعلقًا بالأيام، بل بالرب، إذ ” هو فصح للرب[9]. كان عيد الفصح بلا جدوى بالنسبة لليهود لأنهم اضطهدوا الرب، ولو ظنوا أنهم كانوا يحفظون الفصح. لأن ذلك العيد كان لا يحمل بعد اسم الرب، حتى حسب شهادتهم أنفسهم.

فلم يكن فصحًا للرب، بل فصح اليهود[10]. لقد دُعى الفصح باسم اليهود (أى فصح اليهود) يا إخوتى، لأنهم أنكروا رب الفصح. لأجل هذا حول الرب وجهه عن تعاليمهم هذه قائلاً: “رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسى” (إش1: 14). 

 

 

(3)

لنشكر الرب ونمجده:

          لذلك، فأولئك الذين يحفظون الفصح على هذا المنوال (الخاص باليهود)، يوبخهم الرب أيضًا، كما وبخ أولئك البرص الذين طُهِّروا. فإنه إذ أحب الأبرص الذى شكر، كان مُستاءً من الآخرين الجاحدين، لأنهم لم يعترفوا بجميل من أنقذهم، بل فكروا فى الشفاء من البرص، أكثر من تفكيرهم فى الرب الذى شفاهم: ” فواحد منهم لما رأى أنه شُفى رجع يُمجد الله بصوت عظيم، وخر على وجهه عند رجليه شاكرًا له. وكان سامريًا. فأجاب يسوع وقال أليس العشرة قد طهروا؟ فأين التسعة ؟ ألم يوجد من يرجع ليعطى مجدًا لله غير هذا الغريب الجنس[11]؟.

          ولهذا أعطى الرب للذى شكر أكثر مما أعطى للباقين. لأنه بعد أن طهر من برصه سمع الرب يقول له: “ قم وامضى. إيمانك خلصك[12]. لأن من يشكر، ومن يمجد، تكون لهم عواطف متشابهة، لأنهم يباركون الرب الذى ساعدهم، من أجل ما نالوه من فوائد. لذا حَّث الرسول كل البشر على هذا قائلاً: ” مجدوا الله فى أجسادكم[13].

ويوصى النبى قائلاً: ” اعطوا مجدًا لله[14]. ومع أن قيافا شهد ضد فادينا، واليهود استهزأوا به، وبيلاطس حكم عليه بالموت فى تلك الأيام، إلا أن صوت الآب الذى جاءه كان مجيدًا جدًا: ” مجدت وأُمجد أيضًا[15]. لأن تلك الأشياء التى احتملها من أجلنا قد انتهت، أما تلك التى تتعلق به كمخلص، فإنها تبقى إلى الأبد.

 

(4) 

لنعِش فى نور المسيح القائم:

          وإذ نحتفل بذكر هذه الأمور الخاصة بمخلصنا، يا إخوتى، ليتنا لا ننشغل باللحوم، بل لنمجد الرب، ولنصر أغبياء من أجل ذاك الذى مات من أجلنا، كما قال القديس بولس ” إن كنا أغبياء (مختلين) فلله، أو كنا عاقلين فلكم..، لأنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذن ماتوا (لله). وهو مات لأجل الجميع، كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذى مات لأجلهم وقام[16]. 

          فينبغى إذن أن لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل كعبيد للرب. ويجب أن لا نقبل النعمة  باطلاً، لأن الوقت وقت مقبول[17]، وقد أشرق يوم الخلاص، أى يوم موت فادينا ومخلصنا[18]. فمن أجلنا نزل “الكلمة”، ولكونه (خالد) غير قابل للموت، لبس جسدًا قابلاً للموت، لأجل خلاصنا جميعًا، الأمر الذى كان بولس واثقًا منه إذ قال: ” لأن هذا الفاسد (القابل للموت) لابد أن يلبس عدم فساد[19]. وقد ذبح الرب أيضًا لكى يُبطل الموت بدمه.

ووبخ الرب بحق أولئك الذين اشتركوا باطلاً فى سفك دمه، فى حين أنهم لم يستفيدوا أنفسهم من جسد “الكلمة”، قائلاً فى المزامير: ” ما الفائدة من دمى إذا نزلت إلى الفساد[20]. هذا لا يعنى أن نزول الرب (إلى الجحيم) كان بلا فائدة، فإنه بنزوله ربح العالم كله. لكنه يعنى بالحرى أنه رغم أنه تألم هكذا، يُفضل الخطاة أن يخسروا حياتهم، بدلاً من أن يستفيدوا من هذا النزول إلاّ أنه اعتبر خلاصنا مسرة، وربحًا عظيمًا، وبعكس ذلك ينظر إلى هلاكنا كخسارة كبيرة. 

 

(5) 

لنتاجر بالوزنات:

          يمدح الرب فى الإنجيل أيضًا أولئك العبيد الذين ضاعفوا النعمة التى أخذوها، كلٍ ممن تاجر بالخمس وزنات وجعلها عشرة، ومن جعل الوزنتين أربعة، لأنهما ربحًا محققين بالوزنات حسابًا جيدًا.

أما العبد الذى خبأ الوزنة، فقد طرحه السيد خارجًا كشخص غير كفء، قائلاً له: “ أيها العبد الشرير أما كان ينبغى أن تضع فضتى عند الصيارفة؟! فعند مجيئى كنت آخذ الذى لى مع ربا. فخذوا منه إذن الوزنة، وأعطوها للذى له العشر وزنات. لأن كل من له يُعطى، ومن ليس له فالذى عنده يؤخذ منه. والعبد (البطال) غير النافع اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان[21]

          لأن الله لا يريد أن تكون النعمة التى نلناها منه غير نافعة، لكنه يطالبنا أن نحتمل أتعابًا، لكى نقدم له ثماره اللائقة، كما يقول الطوباوى بولس: ” وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام[22]. لذا إذ كانت للرسول هذه العزيمة المستقيمة، ولم يكن مديونًا لأحد بأى شئ، صار معلمًا للمبادئ الصحيحة، قائلاً: “ اعطوا الجميع حقوقهم[23]. لقد كان الرسول مثل أولئك الذين أرسلهم (صاحب الأرض) رب البيت ليتسلموا ثمار الكرم من الكرامين[24] لأنه كان ينصح كل البشر لكى يردوا الجميل لله.

          أما إسرائيل فقد ازدروا بالمرسلين، ولم يقوموا برد الجميل، بل والأكثر من هذا قتلوا أولئك المرسلين إليهم، ولم يخجلوا حتى من رب الكرم بل قتلوه هو أيضًا. ولما جاء حقًا ولم يجد فيهم ثمرًا لعنهم عن طريق شجرة التين قائلاً: ” لا يكن منك ثمر بعد[25] فماتت شجرة التين وصارت عديمة الثمر، حتى تعجب التلاميذ عندما يبست. 

 

(6)

تحقيق النبوات عن خراب إسرائيل

          عندئذ تم ما قيل بالنبى: “ وأبيد منهم صوت الطرب وصوت الفرح، صوت العريس وصوت العروس، رائحة المر ونور السراج، وتصير كل الأرض خرابًا[26]. لأنه قد بطلت كل خدمة الناموس من عندهم، وهكذا يبقون بغير عيد منذ ذلك الوقت وإلى الأبد. ولم يعودوا يحتفلون بعيد الفصح. وكيف كان يمكنهم هذا؟ إذ لم يعد لهم مكان مستقر، بل صاروا مشتتين فى كل مكان.

وهم يأكلون فطيرًا (خبز غير مختمر) بخلاف الناموس، طالما كانوا لا يستطيعون أولاً ذبح خروف الفصح، لأنهم كانوا قد أُمروا أن يذبحوا (الخروف) عندما يأكلون فطيرًا لكنهم كانوا يتعدون الناموس فى كل مكان، ويحفظون أيام الحزن عوض أيام الفرح، حسب ما قضى به الله عليهم.

          وكان صلبهم للرب سبب هذا القضاء، إذ أنهم لم يوقروا الابن الوحيد الجنس. هكذا كان حال الهراطقة الأشرار والمنشقون الأغبياء. فالأولون ذبحوا الله الكلمة، والآخرون مزقوا ثوبه. وهو أيضًا لا يزالوا محرومون من العيد، لأنهم يعيشون بغير تقوى ولا معرفة، وهم يقلدون موقف اليهود من قضية باراباس اللص، الذى أراد اليهود إطلاقه بدلاً من المخلص.

لذلك لعنهم الرب فى رمز شجرة التين. ومع ذلك فقد استبقاهم الرب فى محبته المترفقة، فلم يبدهم نهائيًا، لأنه لم يستأصلهم. إذ أنه لم يلعن جزر الشجرة، بل قال لا يأكل منه أحد ثمرًا بعد الآن. 

          وعندما فعل الرب هذا، أبطل الظل إذ جعله ييبس، لكنه أبقى الأصل، حتى [لا][27] نطعم نحن فيه: “ وهم أيضًا إن لم يثبتوا فى عدم الإيمان، سيطعمون فى زيتونتهم[28]. وحينما لعنهم الرب بسبب إهمالهم، نزع عنهم رؤوس الشهور، والحمل الحقيقى، وكذلك نزع عنهم الفصح الحقيقى.

 

(7)

لنفرح بالعيد

          أما بالنسبة لنا، فقد جاءنا العيد، إذ أتى أيضًا يوم الفرح، الذى فيه يجب علينا أن نُبوق داعين إلى العيد[29]، مكرسين أنفسنا للرب بالشكر، معتبرين أنه عيدنا الخاص[30]. لأنه يجب علينا الاحتفال به، ليس لأنفسنا بل للرب وبأن نفرح فيه، لا فى أنفسنا، بل فى الرب، الذى حمل أحزاننا، قائلاً “ نفسى حزينة جدًا حتى الموت[31]. فالأمم (الوثنيون) وكل الغرباء عن إيماننا، يُعَيِّدون حسب إراداتهم الذاتية، وليس لهم سلام، إذ يرتكبون الشر نحو الله.

          أما القديسون، فإنهم إذ يعيشون للرب، هكذا يعيدون له، قائلين:    ” أبتهج بخلاصك” و” أما نفسى فتفرح بالرب[32]. ” فالوصية لهم جميعًا: افرحوا أيها الصديقون بالرب[33]. حتى إذ يجتمعون معًا يترنمون بذلك المزمور الخاص بعيد الفصح: “هلم نفرح فى الرب[34]، وليس فى أنفسنا.

(8) 

ذبح اسحق وذبح المسيح:

          لأنه هكذا تهلل أب الآباء (البطريرك) إبراهيم ليرى لا يومه، بل يوم الرب. وإذ تطلع إلى الأمام ” رآه وفرح[35].

وعندما جُرِّبَ قدم إسحق بالإيمان، جاعلاً ابنه الوحيد، الذى به قبل المواعيد ذبيحة. وفى تقديم ابنه ذبيحة، قدم العبادة لابن الله. وعندما منعه الرب من ذبح إسحق، رأى المسيا فى الكبش[36]؛ الذى قُدم لله ذبيحة عوضًا عن إسحق. لقد جُرِّبَ أب الآباء فى إسحق، مع أنه لم يتم تقديمه ذبيحة، لكن (الابن) الذى ذُبِحَ، هو الذى أشار إليه إشعياء النبى: “لقد سيق إلى الذبح كشاه (حمل)، وكنعجة صامته أمام جازيها، فلم يفتح فاه”[37]. إنما رفع (حمل) خطية العالم.

          وعلى هذا الأساس مُنع إبراهيم من مد يده على الغلام، لئلا يتخذ اليهود من ذبح إسحق فرصة لرفض الإعلانات النبوية عن مخلّصنا، كل الإعلانات وبخاصة تلك التى نطق بها صاحب المزامير قائلاً:    ” بذبيحة وتقدمه لم تُسر (يا الله) لكن هيأت لى جسدًا[38]. ولئلا يظنوا أن كل هذه (الإعلانات) تشير إلى ابن إبراهيم.

 

(9)

فرح العيد ممتد إلى السماء:

    لم يُقصد بالذبحية إسحق، بل إبراهيم الذى قدمها، والتى بها قد اُمتحِن إيمانه. وهكذا قبل الله نية مقدم الذبيحة، لكنه منعه من تقديم ابنه ذبيحة. لأن موت إسحق لم يكن ليهب الحرية للعالم، بل موت مخلّصنا وحده، الذى بجلداته (جراحاته) شُفينا جميعًا[39]. لأنه أقام الساقطين، وشفى المرضى، وأشبع أولئك الجياع وسدَّ أعواز المحتاجين، والأعجب من كل هذا أنه أقامنا نحن جميعًا من الموت. وإذ أبطل الموت أخرجنا من الحزن والتنهد إلى راحة وفرح هذا العيد، ذلك العيد الذى يمتد إلى السماء.

          ولسنا نحن وحدنا الذين نتأثر بهذا (العيد)، بل حتى السموات تفرح به معنا، وكل كنيسة الأبكار المكتوبين فى السماوات[40]. يفرح الكل معًا، كما يُعلن النبى قائلاً: ” ترنمى أيتها السماوات لأن الرب قد صنع رحمة مع إسرائيل، اهتفى يا أسافل (أساسات) الأرض. أشيدى أيتها الجبال ترنمًا، الوعر وكل الأشجار التى فيه، لأن الرب قد فدى يعقوب، وفى إسرائيل تمجد[41]. ويقول النبى أيضًا: “ ابتهجى وترنمى أيتها السموات، لتذوب الجبال (لتشد) بالترنم، لأن الرب قد رحم شعبه وعزى بائسيه[42].

 

(10)

تسبحة الغلبة والنصرة:

          كل الخليقة تُعَيِّد، يا إخوتى، وكل نسمة فلتسبح الرب[43]، كما يقول المرنم بسبب هلاك الأعداء، وخلاصنا. وهذا عادل بالحقيقة، لأنه إن كان هناك فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب[44]، فكيف لا يكون فرح عظيم بإبطال الخطية، وقيامة (جميع) الموتى؟! 

آه، يا له من عيد، وياله من فرح عظيم فى السماء!

          كيف يجب أن تفرح وتتهلل كل الطغمات السمائية، كما يفرحون إذ يراقبون اجتماعاتنا التى تُعقد باستمرار، وخاصة بمناسبة عيد القيامة؟! 

          لأنهم يتطلعون إلى الخطاة أثناء ممارستهم للتوبة، وإلى الذين يحولون وجوههم بعيدًا (عن الخطية)، عندما تجددت حياتهم. وإلى الذين يذللون الآن أنفسهم بالأصوام وضبط النفس، بعدما كانوا يصّرون على الشهوة والخلاعة. 

    وأخيرًا ينظرون إلى العدو (الشيطان) وهو مطروح ضعيفًا بلا حياة، مربوط القدمين واليدين، لكى نسخر منه قائلين : ” أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية[45] (أين غلبتك يا موت، أين شوكتك يا هاوية). إذن فلنرنم للرب تسبحة الغلبة والنصرة.

 

(11)

من يقودنا إلى شركة مع الملائكة كهؤلاء؟ 

          من يقول ـ وهو يُقبل مشتاقًا نحو العيد السماوى، واليوم الملائكى مثل النبى: إننى أمر إلى مكان الخيمة العجيبة، إلى بيت الله، بصوت ترنم وحمد، بهتاف الذين يُعيِدون[46]. ويشجعنا أيضًا القديسون على سلوك هذا الطريق قائلين: ” هلم نصعد إلى جبل الرب، إلى بيت إله يعقوب[47].

          لكن هذا العيد ليس للدنسين، ولا يصعد إليه الخطاة، بل الطاهرين والمجتهدين والذين يَحيُون حسب قصد القديسين، لأنه: “من يصعد إلى جبل الرب، ومن يقوم فى موضع قدسه؛ إلا الطاهر اليدين والنقى القلب، الذى لم يحمل نفسه إلى الباطل، ولا حلف كذبًا لقريبه“، كما يكمل المرنم قائلاً: “ ينال (يحمل) بركة من عند الرب[48].

          لأنه واضح أن هذه تشير إلى ما يمنحه الرب للذين عن يمينه قائلاً: ” تعالوا يا مباركى أبى، رثوا الملكوت المعد لكم[49]. أما الإنسان المخادع، وغير النقى القلب والذى ليس لديه أى شئ طاهر كما يقول سفر الأمثال: ” الرجل المخادع ليس لديه شئ صالح[50]. فإنه يُعتبر غير مستحق لأكل الفصح بكل تأكيد، لأنه غريب، ومن جنس مختلف عن (جنس) القديسين، لأن: “ الغريب لا يأكل منه[51]

          لذلك، فإن يهوذا بينما كان يظن أنه قد حفظ الفصح، كان قد تغرب عن المدينة السماوية، وعن شركة القديسين، لأنه تآمر على المخلص. لأن الناموس أمر أن يؤكل الفصح بما يليق به من حرص. لكن يهوذا بينما كان يأكل الفصح غربله الشيطان ([52]) الذى كان قد دخل نفسه.

(12)

كيف نعيد فرحين فى الرب؟

          لذا يجب أن نحتفل بالعيد كما لو أننا فى السماء مع الملائكة، وليس بطريقة أرضية. لنمجد الرب بحياة العفة والبر، مع باقى الفضائل. 

          ولنفرح فى الرب، لا بأنفسنا، حتى نكون ورثة مع القديسين.

          ولنحتفل بالعيد مثل موسى النبى، ولنسهر مع داود النبى الذى كان ينهض للصلاة سبع مرات، وفى نصف الليل كان يُقدم الشكر لله على أحكامه العادلة.

          ولنبكر كما قال داود النبى: ” بالغداة تسمع صوتى، بالغداة (فى الصباح) أقف أمامك وترانى[53]. ولنصم مثل دانيال النبى.  

          ولنصلِ بلا انقطاع، كما أوصى بولس الرسول، ولنحرص كلنا على وقت الصلاة، خاصة المتزوجين بوقار، لكى نستطيع أن ندخل فرح المسيح[54] فى ملكوت السموات، إذ نكون قد اختبرنا هذه الأمور، وهكذا عَيَّدنا.

          وكما أن إسرائيل عندما كان صاعدًا إلى أورشليم، تنقى أولاً فى البرية، متدربًا على نسيان العادات المصرية (الوثنية). بهذه (النقاوة فى البرية) كان “الكلمة” يرمز إلى صوم الأربعين يومًا المقدسة، فلنتطهر نحن أولاً ونتحرر من الدنس، حتى إذا صُمنا بتدقيق، فإننا عندما نرحل من هنا يمكننا أن نصعد إلى العلية مع الرب، لنتعشى معه، ونكون شركاء فى الفرح السماوى. فإنه بدون الحرص على صوم الأربعين، لا يمكننا أن نصعد إلى أورشليم، ونأكل الفصح هناك.

(13)

موعد العيد:

          نبدأ صوم الأربعين فى اليوم الأول من شهر برمهات (25 فبراير)، ونستمر فيه حتى اليوم الخامس من شهر برمودة (31 مارس)، باستثناء أيام السبوت والآحاد[55]. وبعد هذا الصوم، نبدأ أيام البصخة المقدسة، فى السادس من شهر برمودة (أول إبريل). ونتوقف فى الحادى عشر من نفس الشهر (6 إبريل)، فى عشية الأحد[56]، حيث يطلع علينا الأحد المقدس، فى الثانى عشر من برمودة (7 إبريل). الذى فيه تشرق علينا نعمته المنيرة، بأشعتها الممتدة إلى سبعة أسابيع الخماسين (البنديكستى) المقدسة.

    وهكذا نستريح فرحين فى ذلك اليوم بعيد القيامة، فى المسيح يسوع ربنا، الذى به يليق للآب المجد والسلطان إلى الآبد آمين.

    يهديكم السلام جميع الإخوة الذين معى سلموا الواحد على الآخر بقبلة مقدسة. 

 

(هنا تنتهى الرسالة الفصحية السادسة

للقديس أثناسيوس اللابس الروح)

[1] خروج إسرائيل من مصر كان صورة رمزية لانعتاق الإنسان من عبودية العالم، وإذ تم هذا الخروج بذبح خروف الفصح، هكذا ذبح الحمل الحقيقى عنا، فبطلت الذبيحة الأولى، وهكذا انتفت عن جماعة اليهود صفة إسرائيل، والشعب المختار.

[2] اعتاد اليهود الاحتفال بما يليق بهذا العيد، فى شهر أبيب، أى شهر الثمار الجديدة حسب الناموس(انظر الرسالة الأولى: 9) .  

[3] تث16: 1 سبعينية.

[4] ناحوم1: 15.

[5] لو22: 15ـ16.

[6] 1كو5: 8.

  (7) غل4 : 10 و 11 .

(8) 1كو 5: 7.

(9) خر 12: 11 .

(10) ( يو6: 4) “وكان الفصح عيد اليهود قريباً” .

[11] لو17: 15 – 18.

[12] لو17: 19.

[13] 1كو6: 20.

[14] إش42: 12، مت65:26.

[15] يو12: 28 .

[16] 2كو5: 13ـ15.

[17] 2كو 6: 1ـ2 .

[18] انظر القديس كيرلس العظة الفصحية 24 ، 1كو 15: 53.

[19] 1كو15: 53.

[20] مز30 : 9 .

[21] مت 25: 26-30.

[22] غل5: 22.

[23] رو 13: 7. 

[24] مت 21: 33.

[25] مت21: 19.

[26] إر25: 10ـ11.

[27] ” لا ” هنا وُجِدت فى النص السريانى.

[28] رو11: 23.

[29] انظر الرسالة الأولى من رسائل القيامة للقديس كيرلس الجزء الرابع.

[30] لم يعد الفصح بعد عيدًا لليهود، بل المسيحيون يحتفلون به كعيد للرب القائم، انظر هذه الرسالة (السادسة) : 2.

[31] مت 26: 38.

[32] مز9: 14، 35: 9.

[33] مز 33: 1.

[34] مز95 : 1.

[35] عب11: 18، يو8: 56 .

[36] تك 22: 15 وفى الترجمة السريانية جاءت كلمة كبش (ram) تحت اسم الجنس العام خروف. وهى نفس الكلمة المستخدمة فوراً بعد ذلك ، فى النص المستخدم بسفر إشعياء، تحت كلمة حمِل (شاه)N.P. N. Fathers Vol.4 , P.522. Lamb. .

[37] إش53 : 7.

[38] مز 40: 6 ، عب 10: 5.

[39] إش53: 5.

[40] عب12: 23.

[41] إش44: 23.

[42] إش49: 13.

[43] مز150: 6.

[44] لو15: 7.

[45] 1كو15: 55. من هنا جاءت أيقونة القيامة القبطية الطقسية.

[46] مز42: 4.

[47] إش2: 3.

[48] مز 24: 3ـ5.

[49] مت 25: 34.

[50] أم 13 : 13 سبعينية.

[51] خر 12: 43.

[52] لو 22: 31.

[53] مز 5 : 3.

[54] قد حُفظ هذان السطران باللغة اليونانية الأصلية، فى مخطوطة قزمان.

[55] كانت أيام السبوت والآحاد خلال فترة الصوم الكبير لا يُصام فيها انقطاعيًا، فيما عدا يوم السبت الذى يسبق عيد القيامة مباشرة (أى سبت النور)، وذلك كما هو متبع حتى الآن. جاء هذا عند القديس امبروسيوس أيضاً ، عن الأعياد الجزء الأول صـ545 .

[56] انظر البابا ديونيسيوس الأسكندرى N.P. N. Fathers Vol.4 , P.522.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسالة الخامسة

كتبت بمناسبة عيد القيامة 20برمودة سنة 49ش،16إبريل سنة333م

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

نعمة العيد الغنية

          إننا ننتقل يا أحبائى هكذا من أعياد إلى أعياد، ومن صلوات إلى صلوات، ونتقدم من أصوام إلى أصوام، ونصل أيامًا مقدسةً بأيامٍ مقدسةٍ. لقد أتى مرة أخرى الوقت الذى يحمل إلينا بداية جديدة[1]، أى الإعلان عن الفصح المبارك، الذى فيه قُدم الرب ذبيحة نحن نأكل طعام الحياة، وإذ نعطش على الدوام، نمتع نفوسنا كل الأزمان بدمه الكريم، الذى يفيض كما من نبع. وإذ تشتعل فينا الرغبة باستمرار فإن الرب واقف يرحب بأولئك العطشى، وتوجد كلمة مخلصنا لأولئك الذين يعطشون، تلك الكلمة التى نطق بها فى حنو محبته يوم العيد قائلاً: ” إن عطش أحد، فليقبل إلى ويشرب[2].

وهو لم يرو عطش كل من اقترب إليه حينذاك فحسب، بل إن كل من طلب المخلّص فى أى وقت فإنه فى الحال يجده. لأن نعمة العيد (الغنية) لا يحدها وقت، وضياؤها البهى لا يخفت، لكنها قريبة دائمًا، لتنير عقول المشتاقين إليها برغبة خالصة[3]. ففى هذه النعمة فضيلة دائمة لأصحاب العقول المستنيرة، الذين يتأملون فى الكتب الإلهية نهارًا وليلاً، مثل ذلك الرجل الذى طُوِّب فى المزامير المقدسة:

طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار وفى طريق الخطاة لم يقف وفى مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن فى ناموس الرب مسرته، وفى ناموسه يلهج نهارًا وليلاً[4]. لأنه لا يستنير بضوء الشمس أو القمر أو مجموعة الكواكب الأخرى، بل يتلألأ ببهاء الله السامى، الذى يضيء على الكل.

(2)

 فرح الخلاص المجيد:

          إنه الله يا أحبائى، الله الذى أسس لنا العيد فى البداية، هو الذى يمنحنا أن نحتفل به عامًا بعد عام. فهو الذى سمح بذبح ابنه لخلاصنا، ووهبنا هذا السبب للعيد المقدس، الذى يحمل الشهادة بذلك كل عام، كلما نودى بالعيد فى هذا الموسم. هذا يقودنا أيضًا من الصليب مجتازين هذا العالم، إلى ذلك الذى أمامنا، والذى منه ينشئ لنا الله فرح الخلاص المجيد الآن، آتيًا بنا إلى نفس الاجتماع، ويوحدنا جميعًا فى الروح فى كل مكان، راسمًا لنا صلوات عامة، ونعمة عامة تنبع من العيد.

وهذا هو العجب فى محبته الحانية أنه يجمع معًا فى نفس المكان أولئك الذين على بعد، ويجعل أولئك الذين يبدو أنهم بعيدين بالجسد، قريبين معًا فى وحدانية الروح.

 

(3)

ماذا نرد للرب من أجل حسناته؟

          لماذا إذن، يا أحبائى، لا نعترف بالنعمة، كما يليق بالعيد؟ لماذا لا نرد الجميل للمحسن إلينا؟ حقًا إنه يستحيل أن نرد لله حسناته علينا بما يليق به، ومع ذلك فإنه أمر شرير أن ننال العطية الثمينة دون أن نعترف بها. فالطبيعة نفسها تظهر عجزنا، لكن إرادتنا توبخ جحودنا. لذلك عندما كان الطوباوى بولس يتعجب من عظم عطية الله، قال: ” ومن هو كفؤ لهذه الأمور؟”[5]،  لأن الله حرر العالم بدم المخلص، ثم جعل القبر يُداس بالأقدام بموت المخلص، ومهد طريقًا للأمجاد السماوية، خاليًا من كل العقبات لأولئك الذين يصعدون إلى أعلا[6].

          لذلك عندما اعترف أحد القديسين بالنعمة، ولكنه كان عاجزًا أن يرد لله مقابلها، قال: ” ماذا أرد للرب من أجل كثرة حسناته لى[7]. لأنه تقبل الحياة عوض الموت، وتقبل الحرية بدل العبودية[8]، وتقبل ملكوت السموات بدل القبر.

          فقديمًا ” ملك الموت من آدم إلى موسى[9]. لكن الآن قد قال الصوت الإلهى: ” اليوم تكون معى فى الفردوس[10]. وإذ أدرك القديسون هذا قالوا: “ لولا أن الرب كان معى، لهلكت نفسى فى الجحيم (الهاوية)”[11]. علاوة على هذا، فإنه إذ كان عاجزًا عن رد الجميل، فإنه اعترف بنعمة الله، كاتبًا فى النهاية: ” كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو.. عزيز فى عينى الرب موت قديسيه[12].

          أما عن الكأس، فقد قال الرب: ” أتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا“، وحينما قبل التلميذان هذا، قال الرب لهما: ” أما كأسى فتشربانها وأما عن الجلوس عن يمينى وعن يسارى، فليس لى أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبى[13].

            لذلك، يا أحبائى، يجب أن ندرك العطية الممنوحة لنا، رغم أننا بالطبيعة عاجزون أن نرد عما قدمه لنا. وعلى قدر طاقتنا، يجب أن نغتنم الفرصة. لأنه إن كنا بالطبيعة غير قادرين، على أن نوفى الابن الكلمة بما يليق به عن مثل هذه البركات التى أتمها لنا، إلا أنه يجدر بنا أن نقدم له تشكرات، إذ نحن محفوظون فى التقوى.

وكيف يمكننا أن نعيش عمق التقوى إلا بالتعبير عن شكرنا لله، الذى فى محبته للبشر أغدق علينا مثل هذه البركات؟ لأننا هكذا سوف نحفظ الناموس طائعين، سالكين فى وصاياه. وبالإضافة إلى هذا، فإننا سوف لا نعتبر متعدين على الشريعة، كأشخاص غير شاكرين، ولا نحسب فاعلين تلك الأشياء التى يجب بغضتها، لأن الرب يحب الشاكرين.

          وأيضًا عندما نقدم أنفسنا للرب مثل القديسين، مكرسين أنفسنا بالكامل له، كما لو كنا نعيش من الآن ليس لأنفسنا بل للرب الذى مات من أجلنا، كما فعل الطوباوى بولس أيضًا عندما قال: “ مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى[14].

 

(4)

لنقدم له مما لدينا:

          والآن، أيها الاخوة، إن حياتنا تكمن بحق فى إنكارنا للأمور الجسدية، وتمسكنا بثبات بما يتعلق بمخلصنا فقط. لذا فالموسم الحالى يتطلب منا لا مجرد ترديد كلمات كهذه (التى نقولها)، بل يجب علينا بالأحرى أن نقتدى بأعمال القديسين. نحن نتمثل بهم حينما نعترف بالمسيح الذى مات، فلا نعود نحيا لأنفسنا فيما بعد، بل أن المسيح يحيا فينا منذ الآن.

وعندما نرد الجميل للرب بكل قدرتنا، مع إننا عندما نرد فإننا لا نعطى أصلاً من عندياتنا، بل مما سبق أن أخذناه منه. وهذه أصلاً من نعمته بصفة خاصة. لذا فإنه عندما يسألنا عن هباته الخاصة، وكأنها منا. وهو يشهد لهذا حينما يقول: ” قرابينى هى عطاياى[15]، أى أن تلك القرابين التى تقدمونها لى، هى ملككم، والتى سبق أن أخذتموها منى، إنما هى عطايا الله.

          لنقدم للرب كل فضيلة، وتلك القداسة الحقيقية التى فيه، ولنحفظ العيد الذى له فى تقوى، بتلك الأشياء التى قدسها لنا. ولنهتم بالاشتراك فى الأصوام المقدسة لأنه وضعها لفائدتنا، لكى تقودنا إلى الله. لكن ليتنا لا نكون مثل الوثنيين، أو اليهود الجهلاء، أو الهراطقة والمنشقين فى الوقت الحاضر. فالأمميون (الوثنيون) يظنون أن العيد يكتمل بوفرة الطعام.

واليهود يضلون إذ يعيشون فى الرمز والظل ظانين أنها لا تزال باقية. ويعيّد المنشقون فى أماكن منعزلة، بتصورات باطلة، أما نحن يا إخوتى فلنسمو على الوثنيين، معيدين بإخلاص النفس وطهارة الجسد. ولنسمو على اليهود، فلا نعيّد بعد بالرمز والظل، بل بكوننا قد استنرنا ببهاء نور الحق، وكأننا ناظرون إلى شمس البر[16]. ولنسمو على المنشقين بعدم تمزيقنا ثوب المسيح، بل لنأكل فصح الرب فى بيت واحد، أى فى الكنيسة الجامعة. وإذ رتب الرب نواميسه المقدسة، قادنا إلى الفضيلة، ونصحنا بالزهد والتقشف فى هذا العيد.

          لأن الفصح فى الحقيقة هو الامتناع عن الشر، للتدرب على الفضيلة، والانتقال من الموت إلى الحياة. وهذا يمكن أن نتعلمه حتى من الرمز فى الزمن القديم (العهد القديم). فإنهم حينذاك تعبوا كثيرًا للعبور من مصر إلى أورشليم، أما الآن فنحن ننتقل من الموت إلى الحياة . هم فى ذلك الزمان عبروا من فرعون إلى موسى، أما الآن فإننا نقوم من الشر والشرير إلى المخلص. وكما أن رمز النجاة كان يشهد كل سنة فى ذلك الوقت، هكذا نحن أيضًا نحتفل الآن بذكرى خلاصنا.

نحن نصوم متأملين فى الموت، لكى نكون قادرين على الحياة ونسهر لا كحزانى، بل كمن ينتظرون الرب، متى يرجع من العرس، لكى ننافس بعضنا البعض فى فرحة الانتصار، مسرعين لإعلان علامة الغلبة على الموت.

(5)

لنذكر المسيح القائم على الدوام:

          ليتنا إذن، يا أحبائى نضبط أنفسنا ضبطًا كاملاً فى كل الأوقات كما يتطلب منا الكلمة، وهكذا نعيش غير ناسين على الإطلاق أعمال الله العظيمة، ولا نكف عن ممارسة الفضيلة! كما يحثنا بولس الرسول قائلاً: اذكر يسوع المسيح الذى قام من الأموات[17]، ليس كأن موسمًا معينًا قد حدد للذكرى، بل يجب أن نكون متفكرين فى الرب فى جميع الأوقات، لكننا نؤجل من يوم إلى يوم، نتيجة كسل الكثيرين. فلنبدأ إذن فى هذه الأيام.

     لذلك سُمح بتحديد وقت للتذكر، لكى يعلن للقديسين مكافأة دعوتهم، ويحث المتكاسلين موبخًا إياهم[18]. لذلك ليتنا نتمسك بالسلوك فى الفضيلة، بقية أيامنا، لأنه يجب أن نعيش التوبة عن كل ما أهملنا، مهما كان، لأنه ليس أحد طاهرًا من الدنس، ولو كانت حياته ساعة واحدة (يومًا واحدًا) كما يشهد بذلك أيوب البار، ذلك الرجل الذى تمتع بقوة فائقة.

          ” وإذ نمتد لما هو قدام[19]. ليتنا نصلى حتى لا نأكل الفصح بغير استحقاق، حتى لا نكون فى خطر. لأن لهؤلاء الذين يعيدون فى نقاوة، يكون الفصح طعامهم السماوى؛ أما أولئك الذين يحتفلون به فى دنس واستهتار، يكون لهم خطرًا وعارًا. لأنه مكتوب: ” أى من يأكله أو يشربه بدون استحقاق، يكون مجرمًا فى موت (جسد) الرب[20].

لذلك ليتنا لا نتقدم لمجرد إتمام طقوس عيد الفصح، بل لنستعد للاقتراب من الحمل الإلهى ولكى نلمس الطعام السماوى. لننقِ أيدينا، ولنطهر الجسد. لنحفظ عقلنا كليًا من الخداع غير مسلمين أنفسنا للإسراف فى الشراب، والشهوات، بل منشغلين بكليتنا بربنا، وبالتعاليم الإلهية، حتى إذا كنا طاهرين بالكلية، نستطيع أن نكون شركاء ” الكلمة”[21].

(6)

موعد العيد:

          نبدأ صوم الفصح فى الرابع عشر من شهر برمودة (9إبريل)، فى أول مساء من الأسبوع[22]. وإذ نكف (عن الصوم) فى التاسع عشر من نفس شهر برمودة (14 إبريل) فإن اليوم الأول فى الأسبوع المقدس يشرق علينا فى العشرين من نفس شهر برمودة (15إبريل)، والذى نضم إليه السبعة الأسابيع التى للبنديكستى/ عيد الخمسين؛ بالصلوات، والشركة مع إخوتنا، ومحبة بعضنا بعضًا، والسلام الذى هو فوق الكل، لأنه هكذا نرث ملكوت السموات، بربنا يسوع المسيح الذى به ومعه يليق للآب المجد والسلطان إلى الأبد، آمين.

          يسلم عليكم كل الإخوة الذين معى. سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة.

 

(هنا تنتهى الرسالة الخامسة للقديس أثناسيوس)

[1] انظر رؤ3: 14، الرسالة الأولى ضد الآريوسيين20 .

[2] يو7: 37 .

[3] انظر الرسالة الأولى، الملحوظة2.

[4] مز1:1ـ2.

[5] 2كو2: 16، وقد حفظت هذه القطعة ضمن المخطوطة اليونانية، للبحار قزمان، وتوضح أن المخلص حرر العالم بدم صليبه وموته، إذ داس الجحيم، مزيلاً كل العقبات من الطريق الموصل إلى السماء .

[6] This sentence is preserved in Greek in Cosmas , Topogr . Christ . P. 316 .

(7) مز 116 : 12 .

[8] بعد الإشارة إلى رومية 5 : 4 فإنه فى  النص اليونانى الأصلى ، Migne 28, 1025  يقول إن المسيح حرر الأسرى، وأحيا الذين ماتوا N.P.N vol .4.P.518 .

[9] رو5: 14.

[10] لو23: 43.

[11] مز17:23.

[12] مز116: 13ـ15.

[13] مت20: 22ـ23.

[14] غل2: 20.

[15] عد28: 2سبعينية.

[16] ملا4: 2.

[17] 2تى2 : 8 .

[18] يقصد القديس أثناسيوس هنا تذكر القيامة، أى الاحتفال بعيد القيامة دوريًا، لأن الاحتفال بهذا العيد يجعلنا نهتم بتأملنا للقيامة واختبارها N.P.N.F. vol. 4, p519 .

[19] فى3: 13 .

[20] 1كو11: 27 .

[21] 2بط1: 4 .

[22] Sabbath بالسريانى.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

 

الرسالة الرابعة[1]

كتبت بمناسبة عيد القيامة

فى 7 برمودة سنة 48ش ـ 2 إبريل 332م

 

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

          أرسل إليكم يا أحبائى رسالتى هذه متأخرًا عن الوقت المعتاد، لكنى أثق أنكم سوف تسامحونى على تأخيرى، وذلك لطول رحلتى، ولأننى ضُربت بمرض. فقد أعاقنى هذان السببان، مع حدوث عواصف شديدة غير عادية، ولذلك أرجأت الكتابة اليكم. لكن رغم طول رحلتى ومرضى الشديد، فإننى لم أنس أن أنبئكم بعيد القيامة، وإتمامًا لواجبى أخبركم الآن بموعد العيد.

لنرنم “الفرس وراكبه طرحهما فى البحر “.

          ومع أن تاريخ هذه الرسالة جاء متأخرًا عن التاريخ المعتاد لهذا الإعلان[2]، لكنها لا تزال تعتبر فى وقتها، لأن الكنيسة قد وبخت أعداءنا، وصاروا فى خزى لأنهم اضطهدونا بلا سبب. فلنرنم الآن ترنيمة العيد  مرددين تسبحه الانتصار على فرعون قائلين: ” نرنم للرب، لأنه يجب أن يُسبح ممجدًا، الفرس وراكبه طرحهما فى البحر[3].

(2)

لنعيد بالغذاء الروحى:

     يحسن بنا، يا أحبائى أن نعبر من عيد إلى عيد، فنحتفل بعيد الفصح فى اجتماعات مكررة، وأسهار مقدسة ترتفع بعقولنا، تدعونا إلى السهر والتأمل فى أعمال الله الصالحة. ليتنا لا ندع هذه الأيام تمر علينا، كالذين يحزنون، بل إذ نتمتع بالطعام الروحى نخمد شهواتنا الجسدية[4]، لأنه بهذه الوسائط نستطيع أن نغلب أعداءنا، كالمباركة يهوديت[5]، التى دربت نفسها أولاً على الأصوام والصلوات، فغلبت الأعداء وقتلت أليفانا.

          وعندما أوشك الهلاك أن يعصف بكل جنس الطوباوية أستير، وكادت أمة إسرائيل أن تباد، فإن ثورة الطاغية لم تنهزم إلا بالصوم والصلاة إلى الله، وهكذا حولت أستير هلاك شعبها إلى طمأنينة[6]. وكما اعتبرت تلك الأيام أعيادًا لإسرائيل، هكذا كانت الأعياد قديمًا ترتب عند قتل عدو، أو إحباط مؤامرة ضد الشعب، ونجاة إسرائيل.

          لذلك رتب الطوباوى موسى قديمًا عيد الفصح العظيم، ورتب احتفالنا به، لأن فرعون قد قتل، والشعب قد تحرر من العبودية. ففى تلك الأوقات، بصفة خاصة، رتب الأعياد المؤقتة والعطلات فى اليهودية عندما قُتل الذين طغوا على الشعب.

 

(3)

لنعترف بالنعمة ممتلئين فرحًا:

     والآن يا أحبائى وقد ذبُح إبليس، ذلك الطاغية المعتدى على العالم كله، فنحن لا نأتى إلى عيد وقتى، بل إلى عيد أبدى سمائى. معلنين إياه لا خلال ظلال، بل نأتى إليه يقينًا. لأن أولئك بعدما شبعوا من لحم خروف أخرس، تمموا العيد. وإذ مسحوا قوائم أبوابهم بالدم، التمسوا مساعدة الله ضد المهلك[7].

          أما نحن الآن فإذ نأكل ” كلمة” الآب، ونختم قوائم أبواب قلوبنا بدم العهد الجديد[8]، فإننا نعترف بالنعمة الموهوبة لنا من المخلص، الذى قال: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو[9]. لأن الموت لا يسود فيما بعد، بل الحياة حلت محل الموت منذ ذلك الوقت، لأن ربنا قد قال: ” أنا هو الحياة[10]. ولذلك امتلأ كل شيء بالفرح والبهجة..

كما هو مكتوب: ” الرب قد ملك، فلتبتهج الأرض[11] لأنه عندما ملك الموت “ بكينا ونحن جالسون على أنهار بابل[12]، ونحنا لأننا شعرنا بمرارة الأسر. أما الآن، وقد أبُيد الموت ومملكة الشيطان، فقد امتلأ كل شيء تماما بالفرح والسعادة. ولم يعد الله يُعرف فى اليهودية وحدها، بل فى كل الأرض: ” فى كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم[13].

          أما الأمور التالية فهى واضحة يا أحبائى. وهى ألا نقترب إلى عيد كهذا بثياب رثة، بل لتلتحف عقولنا بثياب نقية. فنحن نحتاج أن نلبس ربنا يسوع فى هذا العيد، لكى نستطيع أن نحتفل بالعيد معه. ونحن نلبسه الآن عندما نحب الفضيلة ونبغض الشر، وعندما ندرب أنفسنا على الاعتدال ونكبح شهواتنا، عندما نحب البر أكثر من الإثم، عندما نكرم القناعة ونكون ناضجين فى الفكر. حينما لا ننسى الفقير، بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نعين الضعفاء، ونبغض الكبرياء.

 

(4)

بين الخروف الرمزى، والمسيح فصحنا:

          وإذ جاهد إسرائيل قديمًا بهذه الأمور فى طريق النصرة، كانوا يقتربون إلى العيد، لأن هذه الأمور كانت حينئذ فى ظلال ورموز. أما نحن أيها الأحباء، فقد تحقق لنا ما كان ظلالاً، وتم ما كان رمزًا. لذا يجب ألا نعتبر العيد رمزيًا، وهكذا لا نذهب إلى أورشليم التى هى هنا على الأرض لنذبح خروف الفصح، كعادة اليهود التى أنقضى وقتها، لئلا نحسب أننا نسلك فيما لا يناسب وقتنا[14]، إذ فات وقت (ذلك الخروف) بل ينبغى أن نتعدى حدود الرمز حسب وصية الرسل، ونرنم الترنيمة الجديدة مسبحين الله.

          وإذ أدرك التلاميذ هذا، واجتمعوا مع الحق[15]، اقتربوا من مخلصنا وقالوا له: “ أين تريد أن نعد لك الفصح؟”[16]، ولأن هذه الأمور التى تتعلق بأورشليم الأرضية لم تعد تمارس بعد، ولم يعد يُحتفل بالعيد هناك فى أورشليم فقط، بل فى أى مكان يريده الله.

          والآن، لقد أراد (رب الجنود) أن تتمم هذه الأمور فى كل مكان، لكى ” فى كل مكان يقرب لأسمه بخور وتقدمة (ذبيحة) طاهرة[17]. ومع أن عيد الفصح لم يكن يحفظ فى أى مكان آخر إلا فى أورشليم. حسبما حدث تاريخيًا. لكن عندما أكُملت الأمور المتصلة بذلك الزمان، وزال ما كان يتعلق بالظلال، وأوشكت الكرازة بالإنجيل على الانتشار فى كل مكان، وأصبح التلاميذ يحتفلون بالعيد فى كل الأرجاء، لذا سألوا المخلص: ” أين تريد أن نعد لك الفصح“؟.

          ولما كان المخلص يحول الأمور الرمزية إلى روحية، فقد وعد (التلاميذ) بأن لا يعودوا يأكلون لحم خروف بعد، بل جسده قائلاً:    ” خذوا كلوا هذا هو جسدى، وأشربوا… هذا هو دمى[18]. ونحن إذ نتغذى بهذه الأشياء، فإننا نحتفل أيضًا بحق بعيد الفصح كما يليق.

 

(5)

لنعيد عند إشراق اليوم الأول المقدس:

          نحن نبدأ (أسبوع الفصح) فى اليوم الأول من شهر برمودة (27 مارس)، ونستريح فى اليوم السادس من نفس الشهر (أول أبريل)، فى عشية اليوم الثامن. وإذ يشرق علينا اليوم الأول المقدس من الأسبوع، فى السابع من نفس الشهر (برمودة)، فإننا نعيد محتفلين بأيام الخماسين المقدسة بعد ذلك، معلنين فيها الدهر الآتى[19]. لكى نكون من الآن فصاعدًا مع المسيح إلى الأبد، مسبحين الله فوق الكل فى المسيح يسوع، وبه، قائلين للرب مع كل القديسين، آمين. 

          قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة. يهديكم السلام كل الإخوة الذين معى. نبعث إليكم بهذه الرسالة من البلاط، بيد أحد الجنود المرافقين، الذى سلمها إليه ابلافيوس[20]، والى مقاطعة بروتوريوم، الذى يخاف الله بالحق. لأننى الآن فى البلاط، إذ دعانى الإمبراطور قسطنطين لكى أراه. لكن المليتينيين الذين كانوا هناك، حاولوا أن يقتلونا أمام الإمبراطور، لحسدهم وغيرتهم. لكنهم صاروا فى خزى، وطُردوا كمفترين، إذ اتهموا بأمور كثيرة. أولئك الذين طردوهم: كالينيكوس، إيسيون، ويوديمون، وجيلوس هيراكامون[21]؛ الذى غير اسمه إلى أولوجيوس بسبب العار الذى لحق باسمه.

 

(هنا تنتهى الرسالة الفصحية الرابعة للقديس أثناسيوس)

[1] أرسل القديس أثناسيوس هذه الرسالة من البلاط الإمبراطورى بواسطة أحد الجنود الذين كانوا ملازمين للقديس أثناسيوس بدار الإمبراطور.

[2] انظر الفقرة الخامسة فى هذه الرسالة، والرسالة الخامسة : 6، إذ تأخر إعلان القديس أثناسيوس المعتاد عن بدء الصوم الأربعينى.

[3] خر15: 1.

[4] St. Cyril, Hom. Pasch. XX.

[5] يهوديت13: 8.

[6] أستير4: 16.

[7] St. Cyril. Hom. Pasch.24. P.223. Ed. Paris , 1638.

[8] مت 26 : 28.

[9] لو10 : 19.

[10] يو14 : 6.

[11] مز97 : 1.

[12] مز137: 1.

[13] مز76 : 1،  19: 4.

[14] انظر بداية القطعة الأولى من الرسالة الفصحية الأولى.

[15] هنا إشارة إلى المسيح الذى هو الحق يو14: 6.

[16] مت26 : 17.

[17] ملا1: 11.

[18] مت26: 26ـ28.

[19] CF. Bingham , 20.ch.6 ; St. Cassian. Coll. 21. II ; St. Cyrip uses the same comparison towards the end of his 26th paschap discourse.

[20] كان أبلافيوس رئيسًا للإقليم الشرقى، ووزيرًا فى الإمبراطورية، وكان محبوبًا جدًا لدى قسطنطين الكبير وقد قتل بعد موت قسطنطين. انظر Smith’s Dictionary of Gr. and Rom Biography Zozimus 2 : 40

[21] هذا الاسم يعنى باليونانية الضاحك.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس3 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس3 – عيد القيامة

 

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس3 – عيد القيامة

 

الرسالة الثالثة

كتبت بمناسبة عيد القيامة

16 برمودة 47ش ـ 11 إبريل سنة 331م

 

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

لنعيد رغم الضيقات وبعدنا عنكم

          لقد أقبل يوم العيد مرة أخرى يا إخوتى الأحباء، الذى ينبغى أن يكرس للصلاة أكثر من كل الأعياد الأخرى، والذى دعانا الناموس أن نحتفل به، فإذا لم نتكلم فيه اُعتبر هذا أمرًا لا يليق بقداسة العيد. ومع أن الذين اضطهدونا قد أعاقونا عن أن نعلن لكم هذا الموسم (فى حينه)، لكننا: ” نشكر الله الذى يعزى المتضايقين”[1]. فإن شر مضطهدينا لم يهزمنا، ولم يسكتنا. لكننا إذ نطيع صوت الحق، فإننا نهتف معكم بصوت عال فى يوم العيد.لأن إله الكل قد أمر قائلاً: “تكلم، وليحفظ بنى إسرائيل الفصح[2]. ويحثنا الروح القدس فى المزامير قائلاً: ” انفخوا فى رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدكم المقدس[3]. والنبى يصرخ قائلاً: ” عيدى يا يهوذا أعيادك[4].

          إنى لا أكتب لكم كلمة كأنكم جهلاء، بل أعلنها لمن يعرفونها، لكى تدركوا أنه وإن كان الناس قد فصلوا بيننا، فإن الله يجمعنا معًا، لذا نقترب إلى عيد واحد، ونعبد ربًا واحدًا بصفة مستمرة. ونحن لا نعيد كمن يحفظون أيامًا، لأننا نعرف أن الرسول وبخ من يفعلون هكذا، بهذه الكلمات قائلاً لهم: ” أتحفظون أيامًا وشهورًا، وأوقاتًا وسنين[5].

بل بالحرى نكرم هذا اليوم المقدس بسبب فرح العيد، حتى نستطيع كلنا، نحن الذين نخدم الله فى كل مكان، أن نرضى الله بصلواتنا الجماعية. وقد أعلن الطوباوى بولس اقتراب بهجة كهذه، لم يعلن أيامًا، بل أعلن الرب نفسه، وهو الذى من أجله نحفظ العيد، قائلاً:     ” المسيح فصحنا قد ذبح لأجلنا[6], لذلك فإننا نحن جميعًا إذ نتأمل أزلية الابن الكلمة، نقترب إليه لنخدمه.

(2)

لنتاجر بالوزنات شاكرين

          لأنه لأى شيء جُعل العيد سوى لكى يتعبد الإنسان؟ وما هى هذه العبادة إلا الصلاة الدائمة لله، والشكر المستمر؟ أما غير الشاكرين فإنهم إذ يبتعدون عن هذه العبادة يُحرمون بعدل من الفرح النابع منها، لأن   ” الفرح والبهجة انتزعت من أفواههم[7]. لذلك لا يسمح “الكلمة” أن يكونوا فى سلام، لأنه: ” لا سلام قال الرب للأشرار[8].

وهم يكدون فى ألم وحزن. لهذا، حتى الذى كان مدينًا بعشرة آلاف وزنة لم يمنحه الإنجيل الصفح فى عينى الرب[9]. لأنه بعدما سامحه سيده بالكثير، لم يرحم (رفيقه) فى القليل، لذا عوقب أيضًا على (العشرة آلاف) السابقة، لأنه بعد أن نال هو نفسه رحمة، كان من الواجب أن يرحم العبد رفيقه.

          هكذا أيضًا الذى أخذ الوزنة الواحدة، ولفها فى منديل، وأخفاها فى الأرض، قد طُرح خارجًا لعدم شكره، وسمع هذه الكلمات: ” أيها العبد الشرير والكسلان عرفت إنى أحصد حيث لم أزرع، وأجمع من حيث لم أبذر، فكان ينبغى أن تضع فضتى مع الصيارفة. فعند مجيئ كنت آخذ الذى لى مع ربًا. فخذوا منه الوزنة، وأعطوها للذى له العشر وزنات[10]. لأنه عندما طُلب منه أن يسلم  لسيده ماله (الوزنة)، كان عليه أن يعترف بجميل من أعطاه هذه الوزنة، وبقيمة هذه العطية.

لأن الذى أعطاه لم يكن رجلاً قاسيًا. لأنه لو كان قاسيًا لما كان قد أعطى (عبيده) الوزنات منذ البداية. ولم تكن العطية التى قدمها غير نافعة أو باطلة، وإلا لما كان قد وجه له أى لوم. لكن الحقيقة أن من أعطى كان صالحًا، والوزنة التى أعطاها كان يمكن أن تثمر.

كما أن ” محتكر الحنطة فى وقت الحصاد ملعون[11]، كما يقول سفر الأمثال، لذلك فالذى يهمل النعمة، ويخبئها دون أن يتاجر بها، يطُرح خارجًا بحق، كشخص شرير ومتذمر. وعلى هذا الأساس مدح السيد أولئك الذين ربحوا بوزناتهم، قائلاَ: ” نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا فى القليل فأقيمك على الكثير، أدخل إلى فرح سيدك[12].

(3)

لتتجاوب إرادتنا مع النعمة الإلهية 

          كان هذا عدلاً ومعقولاً، لأنهم (أولئك الذين نمّوا وزناتهم)، كما يعلن الكتاب المقدس، قد ربحوا بقدر ما أخذوا. والآن، يا أحبائى، ينبغى أن تتجاوب إرادتنا مع نعمة الله، ولا نتخلف عنها، وإلا فإن هذه النعمة الممنوحة لنا تبدأ فى مفارقتنا، إذا ظلت إرادتنا خاملة.

وإذ يجدنا العدو (الشيطان) فارغين وعراة يدخل فينا، كما حدث مع الشخص الذى كتب عنه الإنجيل، والذى خرج منه الشيطان، ” والذى إذ أجتاز فى أماكن ليس فيها ماء،.. أخذ سبعة أرواح أشر منه، ولما عاد وجد البيت فارغًا، فسكن هناك، وصارت أواخر ذلك الإنسان أشر من أوائله!”[13]. لأن عدم التحلى بالفضائل يهيئ المجال لدخول الأرواح النجسة فينا.

وعلاوة على هذا يوصينا الرسول أن لا تكون النعمة الموهوبة لنا غير مثمرة. لأن تلك الوصايا التى كتبها الرسول لتلميذه تيموثيئوس بصفة خاصة، يؤكدها لنا، بواسطته قائلا: لا تهمل الموهبة التى فيك…، لأن من يشتغل بحقله يشبع خبزًا…، أما طرق الكسلان فمليئة بالشوك[14]. لذلك فإن الروح القدس سبق فحذر الإنسان من السقوط فيها قائلاً: ” احرثوا أرضكم، ولا تزرعوا بين الأشواك[15].

          لأنه عندما يزدرى الإنسان بالنعمة الموهوبة له، ويسقط فى اهتمامات العالم، فإنه يسلم نفسه لشهواته، وهكذا يعثر وقت الاضطهاد[16]، ويصير غير مثمر على الإطلاق. وهنا يوضح النبى عاقبة مثل هذا الإهمال قائلاً: ” ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة”[17]. لأنه يجب أن يكون خادم الرب مجتهدًا وحريصًا، بل بالأحرى ملتهبًا كالنار، حتى إذا قضى على كل الخطايا الجسدية بروحه الغيورة، يكون قادرًا على الاقتراب من الله، الذى دعاه القديسون ” نارًا آكله[18].

(4)

لنضرم نار الروح، ولا نطفئه

          لذلك فإن إله الكل الصانع ملائكته رياحًا (أرواحًا) هو روح، وجعل خدامه نارًا ملتهبة[19]، وعند الخروج من مصر منع الله الشعب من لمس الجبل، الذى فيه أعلن الله الشريعة له، لأنه لم تكن للشعب هذه الطبيعة (النارية).

لكنه نادى الطوباوى موسى إلى الجبل لأنه كان ملتهبًا فى الروح، وكانت لديه نعمة ملتهبة لا تنطفئ، قائلاً: ” يقترب موسى وحده إلى الرب[20]. فدخل موسى السحاب، وعندما كان الجبل يدخن لم يصبه أذى، بل بالأحرى نزل مطهرًا:     ” بكلام الرب النقى كفضة مصفاة فى الأرض ممحوصة سبع مرات[21].

          لذا عندما اشتهى الطوباوى بولس ألا تبرد نعمة الروح الموهوبة لنا، نصحنا قائلاً: ” لا تطفئوا الروح[22]. لأننا نظل شركاء المسيح، إن تمسكنا بالروح القدس المعطى لنا منذ البداية. لأنه قال “لا تطفئوا” ليس لأن الروح القدس خاضع لسلطان الناس، ويمكن أن يتأثر بأى شيء منهم، بل لأن الناس الأشرار غير الشاكرين يرغبون أن يطفئوه علانية، لأنهم كالنجسين – يحزنون الروح القدس بالأعمال الشريرة.

لأن الروح القدس روح الاستقامة يهرب من الغش، ولا يسكن فى جسد خاضع للخطية، بل يفر طافرًا من الأفكار العديمة الفهم[23]. ولأنهم عديمو الفهم ومخادعون ومحبون للخطية، فإنهم لا زالوا يسلكون فى الظلام، إذ ليس لهم ” النور الذى ينير كل إنسان  آت إلى العالم[24].

 

أنبياء ورسل أمسكت بهم هذه النار 

          وقد أمسكت نار كهذه بإرميا النبى، عندما كانت الكلمة (كلمة الله) فى داخله مثل نار، وقال: ابتعدت عن كل مكان ولست أقدر أن أحتملها ” لأن كلمه الرب صارت لى للعار وللسخرة كل النهار[25]. ولما كان ربنا يسوع المسيح صالحًا ومحبًا للبشر، فقد أتى ليلقى نارًا على الأرض، وقال: ” جئت لألقى نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت[26]، لأن الرب اشتاق – كما شهد فى حزقيال[27] إلى توبة الإنسان لا موته.

وذلك لكى يفنى الشر تمامًا من جميع البشر، فتستطيع النفس أن تأتى بثمر إذ قد تطهرت لأن الكلمة التى زرعها المسيح تثمر: فى بعض ثلاثين، وبعض ستين وبعض مائة [28].

 

          وهكذا على سبيل المثال ـ أولئك الذين كانوا مع كليوباس[29]، بالرغم من أنهم كانوا فى البداية ضعفاء لعدم المعرفة، لكن كلمة المسيح المخلص ألهبت قلوبهم بعد ذلك، فأثمرت ثمار معرفته. والطوباوى بولس أيضًا، عندما أمسكت به هذه النار، لم يعلنها للحم ودم، ولكنه بعدما أختبر النعمة الإلهية أصبح كارزًا بالكلمة.

 

عدم الاعتراف بالنعمة

          لكن لم يكن الحال هكذا بالنسبة للتسعة البرص الذين تطهروا من برصهم، ومع هذا لم يشكروا الرب الذى مَّن عليهم بالشفاء، ولا مع يهوذا الذى حُسب رسولاً، ودعى تلميذًا للرب، ولكنه أخيرًا ” بينما كان يأكل الخبز مع المخلص، رفع عليه عقبه، وصار خائنًا[30]. لكن مثل هؤلاء الناس ينالون ما يستحقونه من جزاء، لأن انتظارهم يصير بلا جدوى بسبب جحودهم. إذ لا رجاء لناكرى الجميل، والنار الأخيرة، المعدة لإبليس وملائكته تنتظر أولئك الذين لم يستجيبوا للنور الإلهى. وهكذا تكون عاقبة الجاحدين غير الشاكرين.

 

(5)

تمجيد الله وشكره على كل حال…

          لكن خدام الرب الأمناء الحقيقيين، إذ يعرفون أن الرب يحب الشاكرين، فإنهم لا يكفّون عن تمجيده، مقدمين الشكر للرب كل حين. وسواء كان فى وقت الراحة والطمأنينة أو وقت الضيق فإنهم يقدمون لله التسبيح مع الشكر، غير مبالين بهذه الأمور الزمنية، بل عابدين الرب إله الأزمنة[31].

          هكذا كان الحال مع أيوب، الذى كان أكثر صبرًا من جميع البشر، فإنه فى وقت الرخاء فكر فى هذه الأمور، وفى وقت المحنة، احتمل صابرًا, وعندما تألم كان يشكر. وأيضًا داود المتواضع، ترنم مسبحًا فى وقت الضيق، وقال: ” أبارك الرب فى كل حين[32]. والطوباوى بولس لم يكف عن شكر الله فى كل رسائله: ففى وقت الطمأنينة لم يضعف، وفى الضيقات كان يمجد الله، ” عالمًا أن الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزى[33].

          ونحن إذ نتتبع أمثال هؤلاء الرجال، ليتنا لا نترك وقتًا دون أن نشكر الله، ولاسيما الآن، إذ أنه وقت محنة وامتحان، لأن الهراطقة ثائرون ضدنا، فلنسبح الرب مرددين كلمات القديسين: ” هذا كله جاء علينا، وما نسيناك[34].

وكما أن اليهود لم ييأسوا وقتئذ، رغم أنهم عانوا من اعتداء خيام آدوم عليهم، ومن مضايقة أعداء أورشليم لهم، بل بالأحرى سبحوا الله أكثر، هكذا نحن أيضًا يا إخوتى الأحباء فرغم أننا قد مُنعنا من التكلم بكلمة الرب، سوف نُذيعها أكثر فأكثر، وإذ ابتلينا بالمشقات فسوف نُرتل المزامير[35]، طالما كنا قد حُسبنا مستحقين للازدراء، والكد قلقين لأجل الحق.

نعم وبالأكثر فإننا نشكر حتى إن اُضطهدنا محزونين، لأن الرسول الطوباوى، الذى كان يقدم الشكر فى كل الأوقات، يُحثنا على الاقتراب من الله مثله، قائلاً: ” لتُعلم طلباتكم لدى الله مع الشكر[36]. وإذ يرغب أن نستمر بهذه الروح يقول: ” اشكروا كل حين، صلوا بلا انقطاع[37]. لأنه كان يعرف أن المؤمنين يكونون أقوياء طالما هم يواظبون على الشكر، وبذلك الفرح يرتفعون فوق أسوار العدو، مثل أولئك القديسين الذين قالوا: ” بك اقتحمنا أعداءنا، وبإلهى تسورت أسوارًا[38].

لنكن راسخين فى (الإيمان) كل الأوقات، خاصة الآن، رغم ما يحل بنا من ضيقات وما يثيره الهراطقة ضدنا. وهكذا يا إخوتى الأحباء فلنحتفل بالعيد المقدس، والذى يقبل علينا الآن، ممنطقين أحقاء ذهننا[39] متشبهين بمخلصنا يسوع المسيح الذى كتُب عنه:    ” البر منطقة متنيه، والأمانة منطقة حقويه[40].

وليمسك كل منا بيده بالقضيب الخارج من جزع يسى، وحاذين أرجلنا باستعداد الإنجيل[41]. ولنعيد ” ليس بخميرة عتيقة، بل بفطير الإخلاص والحق[42]، كما يقول القديس بولس، واثقين وموقرين صلحنا مع الله بالمسيح، وإننا لم نحد عن الإيمان به، ولم ندنس أنفسنا مع الهراطقة، ولا مع الغرباء عن الحق، الذين تشهد مناقشاتهم وإرادتهم عن خستهم. بل ونحن فرحون فى الضيقات، نخترق أتون الحديد والظلام، ونعبر ذلك البحر الأحمر المرعب دون أن يصيبنا أذى.

هكذا أيضًا عندما ننظر ارتباك الهراطقة، فإننا نُرنم مع موسى تسبحه الغلبة قائلين: ” نُرنم للرب مسبحين لأنه قد تعظم[43]. وهكذا نرنم ممجدين، وإذ نرى أن الخطية التى فينا قد طُرحت فى البحر، نعبر إلى البرية. وإذ نتنقى أولاً بالصوم الأربعينى مع الصلوات والأصوام والتدريب والأعمال الصالحة، نستطيع أن نعبر إلى أورشليم لنأكل الفصح المقدس.

 

(6)

لنستعد للعيد بالصلوات والأصوام والأسهار 

          يبدأ صوم الأربعين فى الخامس من شهر برمهات (أول مارس)، وبعد أن نتطهر ونستعد بتلك الأيام، نبدأ الأسبوع المقدس لعيد القيامة العظيم فى العاشر من برمودة (5إبريل)، (هذا الأسبوع) الذى فيه يجب أن تكون لنا صلوات أطول، وأصوام وأسهار حتى نستطيع  أن ندهن أعتاب أبوابنا بالدم الثمين، فننجو من المهلك[44].

          ولنسترح فى الخامس عشر من برمودة (10 إبريل)، لأنه فى مساء ذلك السبت نسمع رسالة الملائكة: ” لماذا تطلبون الحى من بين الأموات؟ لقد قام[45]. ثم يستقبلنا حالاً ذلك الأحد العظيم – أى السادس عشر من شهر برمودة نفسه (11 إبريل) ـ الذى فيه قام ربنا ووهبنا السلام مع إخوتنا.

          وإذ نحفظ العيد حسب مشيئة الله، لنضف إلى ذلك اليوم الأول (أحد القيامة) من الأسبوع المقدس، السبع أسابيع التى للبنديكستى (عيد الخمسين)، وإذ نقبل نعمة الروح القدس، لنشكر الرب فى كل حال، الذى به يليق المجد والسلطان للآب فى الروح القدس، إلى الأبد أمين.

          قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة، يسلم عليكم الإخوة الذين معى، وإنى أصلى من أجلكم أيها الإخوة المحبوبين والمشتاق إليهم، أن تنعموا بالصحة، راجيًا أن تذكرونا فى الرب.

 

(هنا تنتهى رسالة القديس أثناسيوس الفصحية الثالثة)

[1] 2كو7: 6.

[2] عد9: 2.

[3] مز81: 3.

[4] ناحوم1: 15.

[5] غل4: 10.

[6] 1كو5: 7.

[7] إر7: 28 – 34.

[8] إش48: 22.

[9] مت18: 24.

[10] مت25: 26 – 28.

[11] أم 11: 16.

[12] مت 25: 23.

[13] مت12: 43ـ45.

[14] 1تى4: 14،  أم12: 11،  أم15: 19س.

[15] إر4: 3.

[16] مت13: 21 يلاحظ أن القديس اثناسيوس يفسر الأماكن المحجرة التى سقطت عليها البذار ـ فى مثل الزارع ـ بالإنسان الذى يزدرى بالنعمة الموهوبة له إذ يسقط فى اهتمامات العالم، ويسلم نفسه لشهواته، وهكذا فإن النعمة الموهوبة له، والتى هى كالبذار لا تثمر وبالتالى فإنه عند حدوث أى ضيق أو اضطهاد فإنه يعثر.

[17] إر48: 10.

[18] تث24:4، 3:9، عب29:12.

[19] مز 104: 4.

[20] خر 24: 2.

[21] مز 12: 6.

[22] 1تس 5: 19.

[23] الحكمة 1: 5.

[24] يو1: 9.

[25] إر20: 8 – 9.

[26] لو12: 49.

[27] حز18: 23 – 32.

[28] مر 4: 20.

[29] لو 24.

[30] مز41: 9، يو13: 18.

[31] انظر الرسالة الفصحية الأولى: 1.

[32] مز 34: 1.

[33] رو5: 3.

[34] مز44: 17.

[35] يع5: 13.

[36] فى4: 6.

[37] 1تس5: 16 – 18.

[38] مز 18: 29.

[39] 1بط1: 13.

[40] إش11: 5.

[41] إش11: 1،  أف6: 15.

[42] 1كو5: 8.

[43] خر15: 1.

[44] خر12: 7ـ23.

[45] لو24: 5.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس3 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس1 – الصوم والأعياد

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس1 – الصوم والأعياد

 

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس1 – الصوم والأعياد

الرسالة الأولى

عيد القيامة 11 برمودة سنة 45ش ـ 6 إبريل سنة 329م

عن الصوم والأبواق والأعياد

 

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

هذا هو اليوم الذى صنعه الرب[1]

          هيا بنا يا أحبائى، فإن الموسم يدعونا لنعيد. ” وشمس البر[2]. إذ يشرق علينا بأشعته الإلهية، فإنه يسبق فيعلن موعد العيد الذى ينبغى أن نحتفل به، طاعةً له لئلا إن فاتنا الوقت، تفوتنا فرحة العيد.

          لأنه يجب علينا أن نميز الأوقات، لكى نمارس الفضيلة. من أجل هذا فإن الطوباوى بولس فيما كان يرشد تلميذه تيموثيئوس أن يراعى الأوقات قال له:” اكرز بالكلمة، أعكف على ذلك فى وقت مناسب وغير مناسب[3] حتى إذ عرف تلميذه كلاً من الوقت المناسب وغير المناسب، فإنه  يفعل الأمور التى تلائم الوقت ويتحاشى ملامة عدم معرفة الوقت المناسب،لأنه هكذا يرتب إله الجميع كل شيء فى وقته وأوانه، كما يقول سليمان الحكيم[4]، حتى يعم خلاص البشر فى كل مكان فى الوقت المعين له.

     وهكذا أيضًا “حكمة الله[5]، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، يحل على النفوس المقدسة مصورًا منها أحباء الله وأنبياءه فى الوقت المناسب[6]، ولهذا فبالرغم من أن كثيرين جدًا كانوا يتضرعون إليه لكى يأتى مسرعًا ليخلصهم قائلين: ” ليت من صهيون يخرج خلاص الله[7] وكما صلت العروس أيضًا كما جاء فى نشيد الأنشاد قائلة:   

   ” ليتك كنت ابن أختى (كأخ لى) الراضع من ثدى أمى[8]، أى ليتك كنت كبنى البشر، تحمل آلام البشرية من أجلنا، رغم كل هذه الصلوات فإن إله الكل، خالق الأوقات والأزمنة، الذى يعرف أحوالنا أكثر مما نعرفها، وكطبيب صالح، يحثنا على الطاعة فى الوقت المناسب، وهو الوقت الوحيد المناسب لشفائنا (أى ملء زماننا). لهذا فإنه هو أيضًا قد أرسل ابنه فى الوقت المناسب، وليس فى أى وقت، قائلاً: ” فى وقت مقبول استجبتك وفى يوم الخلاص أعنتك[9].

 

(2)

          لهذا السبب فإن الطوباوى بولس، إذ يحثنا على مراعاة هذا الوقت المناسب، كتب قائلاً: ” هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص[10].

 

هتاف الأبواق للاحتفال بالعيد

          وفى أوقات محددة أيضًا دعا الله بنى إسرائيل للأعياد اللاوية، بواسطة موسى النبى قائلاً: ” ثلاث مرات تعيد لى فى السنة[11]، (وها نحن نحتفل الآن يا أحبائى بأحد هذه الأعياد، أى عيد الفصح). وكانت أبواق الكهنة تهتف وتحث الشعب على الاحتفال بهذه الأعياد، كما أوصى المرنم القديس قائلاً: ” انفخوا البوق عند الهلال (القمر الجديد)، وفى يوم عيدكم المقدس[12]

          ولما كانت هذه الوصية تدعونا أن ننفخ بالبوق فى يوم القمر الجديد، وفى الأيام المقدسة[13]، فقد عين الله يومًا مقدسًا، وهو ذلك اليوم الذى يكتمل فيه نور القمر (أى يصبح القمر بدرًا). وقد كان هذا الأمر فى ذلك الوقت رمزًا، مثلما كانت الأبواق رموزًا، وكانت الأبواق تدعو تارة إلى الأعياد، وتارة أخرى للصوم، وثالثة إلى الحرب. وكان هذا الأمر يتم بوقار وترتيب، وليس بطريق الصدفة، فكان صوت الأبواق هذا معينًا من قبل الرب، حتى يتمكن كل شخص أن يأتى إلى ما دعى من أجله.

وهو ما يجب أن تتعلموه ليس منى فحسب، بل من الكتب الإلهية أيضًا، كما جاء فى سفر العدد: ” وكلم الرب موسى قائلاً: اصنع لنفسك بوقين من فضة مسحولين تعملهما، فيكونان لك لمناداة الجماعة[14]، فكم بالأولى تكون دعوة الله هنا لأولئك الذين يحبونه.

          وهكذا نعلم أن هذه الأمور كانت تشير إلى أيام موسى النبى، وكان يجب أن تمارس طالما كان الظل باقيًا، وكان كل شئ مرتبًا للاستعمال ” إلى وقت الإصلاح[15]، لأن الرب قال: ” إذا ذهبتم للحرب فى أرضكم على أعدائكم الذين يقومون عليكم، (لأن مثل هذه الأمور تشير إلى الأرض فقط) فعندئذ تهتفون بالأبواق، فتذكرون أمام الرب، وتخلصون من أعدائكم[16]

          وهم لم يهتفوا بالبوق فى الحرب فقط، بل بحسب الناموس، كان هناك أيضًا بوق للعيد. استمعوا إليه إذ يكمل الحديث قائلاً: “وفى يوم فرحكم وفى أعيادكم ورؤوس شهوركم (هلالكم الجديد) تضربون بالأبواق[17].  ويجب ألا يحسبه  أى إنسان  بالأمر التافه والمحتقر، إذا سمع الناموس يأمر باحترام ضرب الأبواق، لأنه أمر عجيب ورهيب. فالبوق يوقظ ويرعب أكثر من أى صوت أو أية آلة أخرى. وهكذا كان إسرائيل يتلقى الإرشاد عن طريق هذه الوسائل (الأبواق)، لأنه كان لا يزال بعد طفلاً.

ولكن  لا يظن أحد أن هذا النداء (بالأبواق) مجرد نداء بشرى، فهو أسمى من أن يكون بشريًا، لأن أصواته كانت تشبه تلك الأصوات التى سمعت عندما ارتعد الشعب أمام الجبل[18]، وهكذا كانوا يتذكرون الناموس الذى أعطى لهم عندئذ ويحفظوه.

(3)

من الرموز والظلال إلى الحقائق 

     كان الناموس مثيرًا للإعجاب، وكان الظل ساميًا، وإلا فما كان ممكنًا أن يسبب خوفًا ويبعث وقارًا فى أولئك الذين سمعوه، وخاصة الذين رأوا تلك الأشياء فى ذلك الوقت ولم يسمعوها فقط. وكانت هذه الأشياء رمزية، وتمت كأنها فى ظل.

          لكن فلنعبر إلى المعنى المقصود، تاركين الرمز جانبًا، ونتقدم إلى الحقيقة عينها متطلعين إلى الأبواق الكهنوتية التى لمخلصنا، تهتف داعية إيانا تارة إلى الحرب كقول الطوباوى بولس: “ إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية فى السماويات[19].

          وتارة أخرى تدعونا للبتولية، وإنكار الذات، والتوافق الزوجى، فتحدث العذارى عن الأمور الخاصة بالعفة، والذين أحبوا طريق التقشف  تحدثهم عن حياة الزهد. أما المتزوجون ففيما يخص الزواج المكرم[20]. وهكذا توضح لكل شخص فضائله وجزاءه المبارك.

          وبين الحين والآخر تدعونا تارة للصوم، وتارة أخرى للعيد. وهنا نجد الرسول يهتف بالبوق مرة أخرى معلنًا: “ إن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا. إذن لنعيد، ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق[21].

          وإن أردت أن تستمع إلى هتاف بوق أقوى وأعظم من هذه كلها، فانصت إلى قول الإنجيل: ” وفى اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً: إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب[22]. لأن مخلصنا لا يدعونا إلى مجرد عيد، بل إلى العيد العظيم، هذا فقط إن كنا مستعدين للإصغاء والطاعة لنداء كل بوق. 

 

(4)

قدسوا صومًا

          ولأنه توجد أبواق مختلفة، كما سبق أن ذكرت، فانصت إلى النبى الذى يهتف بالبوق، وإذ نلتفت إلى الحقيقة، استعد لما يعلنه البوق، لأن النبى يقول: ” اضربوا بالبوق فى صهيون، قدسوا صومًا[23]. وهذا بوق منذر، يوصينا بإلحاح شديد أن نقدس الصوم عندما نصوم، فليس كل الذين يدعون الله يقدسونه، لأنه يوجد من يحاول أن يدنسه.

وحاشا لهم أن يدنسوه، فهذا مستحيل طبعًا ولكنهم إنما يدنسون تفكيرهم من جهته، لأنه قدوس، ومسرته فى القديسين[24]. لذلك ينتقد الطوباوى بولس الذين يهينون الله قائلاً:    ” الذين يتعدون الناموس يهينون الله[25].

          ولهذا فلكى يميز النبى بين المؤمنين، وبين الذين يدنسون الصوم، فإنه يقول هنا: قدسوا صومًا“. لأن كثيرين من الذين يتسابقون فى الصوم، يدنسون أنفسهم بأفكار قلوبهم، وذلك بالإساءة إلى إخوانهم أحيانًا، وبالغدر والخيانة أحيانًا أخرى. وبدلاً من أن نذكر شيئًا آخر، نقول إن هناك كثيرين ممن يفتخرون على إخوتهم بالصوم، يسببون ضررًا عظيمًا. فافتخار الفريسى  بالصوم لم ينفعه، رغم أنه كان يصوم مرتين  فى الأسبوع[26]. وذلك لأنه تشامخ على العشار. 

          وبنفس الطريقة وبخ “الكلمة” بنى إسرائيل بسبب صوم كهذا، مقدمًا لهم النصيحة على لسان إشعياء النبى، وقائلاً لهم: ” ليس هذا هو الصوم أو اليوم الذى اخترته، أن يذلل الإنسان نفسه، أو يحنى كالأسلة رأسه، ويفرش تحته مسحًا ورمادًا؛ ولا يليق بك أن تسمى هذا صومًا مقبولاً للرب[27].

          ولكى نستطيع أن نوضح أى نوع من الأشخاص يجب أن نكون عندما نصوم، وأى أسلوب ينبغى أن يتخذه الصوم، فلننصت أيضًا إلى الله، إذ يوصى موسى قائلاً فى سفر اللاويين: ” وكلم الرب موسى قائلاً: أما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة، فحفلاً مقدسًا يكون لكم، تذللون نفوسكم وتقربونه وقودًا (محرقة كاملة) للرب[28].

          ولكى يتضح قصد الناموس من هذا الأمر، فإن الله يكمل قائلاً:    ” إن كل نفس لا تتذلل فى هذا اليوم عينه تقطع من شعبها[29].

 

(5)

الصوم الحقيقى

          تأملوا يا إخوتى مقدار ما يستطيع الصوم أن يفعله، والكيفية التى يأمرنا الناموس أن نصوم بها. فإننا مُطالبون أن نصوم، ليس بالجسد فقط بل بالروح أيضًا. والنفس تتذلل عندما لا تتبع آراء رديئة، بل تتغذى بالشوق إلى الفضيلة، لأن الفضائل والرذائل هى طعام النفس، والإنسان يستطيع أن يتناول أحد هذين الطعامين، وأن يتجه إلى أحدهما حسب إرادته الخاصة.

          فإن مال الإنسان نحو الفضيلة تغذت نفسه بالفضائل والبر وضبط النفس، والتواضع والاحتمال، كما يقول الرسول بولس ” متربيًا بكلمة الحق[30]. هكذا كان الحال مع ربنا الذى قال: ” طعامى أن أعمل مشيئة أبى الذى فى السموات[31]

          لكن إذا لم تسلك النفس هذا السبيل، ومالت إلى أسفل، فإنها لا تقتات إلا بالخطية . لأنه هكذا يصف الروح القدس الخطاة وطعامهم. إذ يقول مشيرًا للشيطان، عندما قال: ” جعلته (أى الشيطان) طعامًا لشعب كوش[32]. لأن هذا هو طعام الخطاة.

          وكما أن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح  الخبز السماوى، هو طعام القديسين، كما قال فى انجيل يوحنا: ” إن لم تأكلوا جسدى وتشربوا دمى..”[33]. هكذا الشيطان هو طعام الدنسين، والذين لا يفعلون شيئًا مما هو فى النور، بل يقومون بأعمال الظلمة.

          لذلك فلكى يردهم الله عن رذائلهم ويحولهم عنها، يوصيهم أن يقتاتوا بالفضيلة، أى تواضع الذهن، والمسكنة، واحتمال الإهانات، وشكر الله. لأن صومًا كهذا، متى حفظ مقدسًا، لا يعطى مغفرة الخطايا فقط، بل يرفع القديسين ويسمو بهم فوق الأرضيات.

 

(6)

الصوم والأمور المعجزية:

          حقًا إن ما سوف أقوله عجيب، وهو تلك الأمور المعجزية جدًا، ومع ذلك فهى ليست بعيدة عن الحق، كما يمكنكم أن تعلموا هذا من الكتب المقدسة. فحينما صام ذلك الرجل العظيم موسى، تكلم مع الله واستلم الشريعة. وعندما كان القديس العظيم إيليا صائمًا، حُسب مستحقًا للرؤى الإلهية، وفى النهاية رُفِع إلى فوق مثل مخلصنا الذى صعد إلى السماء.

          وعندما كان دانيال صائمًا، اؤتمن على السر، مع أنه كان شابًا صغيرًا جدًا، وعرف وحده أسرار الملك، واستحق أن يعاين رؤى إلهية. لكن لأن صوم هؤلاء الرجال كان عجيبًا، إذ امتد لأيام كثيرة، فيجب ألا يتزعزع إيمان أى إنسان سريعًا، بل بالحرى يجب عليه أن يؤمن ويعرف أن التأمل فى الله وفى كلمته يكفى لتغذية الذين يسمعون الله ويقفون أمامه، ويغنيهم عن كل شئ. فالملائكة لا يسندهم ويغذيهم سوى معاينتهم الدائمة لوجه الآب، ووجه المخلص الذى هو فى السماء.

          وهكذا طالما كان موسى يتكلم مع الله، فقد صام جسديًا ولم يأكل، لكنه كان يقتات بالكلمات الإلهية. وحينما نزل بين الناس، وكان الله قد ارتفع عنه، شعر بألم الجوع مثل باقى البشر. لأنه لم يذكر عنه أنه صام أكثر من الأربعين يومًا التى كان يتحدث فيها مع الله. وعمومًا فإن كل واحد من القديسين قد حُسِب بالمثل مستحقًا لتغذية سامية تفوق العقل.

(7)

إبطال الفصح اليهودى بتقدمة المسيح

     وهكذا يا أحبائى، فإذ تغذت نفوسنا بالطعام الإلهى “بالكلمة” (أى بالمسيح الكلمة)، وبحسب مشيئة الله، وصمنا جسديًا عن الأشياء الخارجية، فإننا نحفظ هذا العيد العظيم الخلاصى كما يليق بنا.

     حتى اليهود الجهلاء تناولوا هذا الطعام الإلهى، رمزيًا، عندما أكلوا الخروف وقت الفصح. لكنهم إذ لم يفهموا الرمز، فإنهم لازالوا يأكلون الخروف إلى اليوم،  فهم يضلون إلى هذا اليوم بعيدًا عن المدينة، وعن الحق.

          فطالما كانت اليهودية باقية، والمدينة باقية، فقد كان هناك رمز، وخروف، وظل، لأنه هكذا أمر الناموس[34]. ولا يمكن أن تتمم هذه (الطقوس) فى مدينة أخرى، بل فى أرض اليهودية. وليس فى أى مكان خارجًا عن أرض اليهودية.

          وعلاوة على هذا فقد أمرهم الناموس ألا يقدموا محرقات كاملة، وذبائح على أى مذبح آخر غير ذلك الذى فى أورشليم. ولهذا السبب بنُى فى هذه المدينة وحدها مذبح وهيكل، ولم يكن مسموحًا لهم أن يتمموا هذه الفرائض فى أية مدينة أخرى. فعندما يتم القضاء على هذه المدينة، فإن هذه الرموز يجب أن تنتهى أيضًا وتبطل.

(8)

انتهاء الرموز بمجيء مخلص

          لاحظوا الآن أنه منذ مجيء مخلصنا قد انتهت تلك المدينة[35]، وخربت كل أرض اليهود. لذلك فمن شهادة هذه الأمور (ولسنا بحاجة إلى برهان آخر بعد أن تأكدنا بأعيننا ذاتها من الحقيقة نفسها)، كانت الضرورة تقتضى  أن ينتهى الظل.

          وهذه الأمور يجب أن تتعلموها ليس منى، بل قد سبق أن تنبأ النبى بصوته المقدس صارخًا: ” هوذا على الجبال أقدام ذاك الذى يأتى بالأخبار السارة ويبشر بالسلام[36]. ولم تكن هذه الرسالة التى نادى بها سوى تلك التى استمر يقولها لهم: عيدى أعيادك يا يهوذا، أوفى للرب نذورك. لأنهم لا يعودون بعد يذهبون إلى ما هو قديم. إذ قد انتهى وانقرض. قد صعد ذاك الذى نفخ فى الوجه وأنقذك من المحنة[37].

 

والآن من هو هذا الذى صعد ؟

          قد يوجه شخص هذا السؤال لليهود ، لكى ينتهى الافتخار بالظل. كما أنه أمر مفيد، الإصغاء إلى هذه العبارة: ” قد انتهى. قد صعد ذاك الذى نفخ”. لأنه لم ينته شيء قبل أن يصعد ذاك الذى نفخ. لكنه قد انتهى (كل شئ)، بمجرد أن صعد ذاك.

من هو هذا (الذى صعد) آنذاك أيها اليهود، كما سبق أن قلت؟

          فإن كان هو موسى النبى، كان الكلام غير صحيح، لأن الشعب لم يكن قد جاء بعد إلى الأرض التى أُمِرَ الشعب بأن لا يتمموا هذه الفرائض إلا فيها فقط.

          ولكن إن كان هو صموئيل النبى، أو أى نبى آخر، ففى هذه الحالة ينحرف الحق لأنه حتى ذلك الوقت كانت هذه الفرائض تتمم فى اليهودية، وكانت المدينة قائمة لأنه كان من الضرورى أن تمارس هذه الفرائض طالما كانت المدينة موجودة. لذلك أيها الأحباء، لم يكن الذى صعد واحد من هؤلاء.

     لكن إن أردت أن تعرف الحقيقة، وتنجو من الخرافات اليهودية، تطلع إلى مخلصنا الذى صعد، “ ونفخ فى وجه تلاميذه قائلاً اقبلوا الروح القدس[38]. لأنه بمجرد أن تمت هذه الأمور (أى كمل الصلب) انتهى كل شئ، تحطم المذبح (اليهودى)، وانشق حجاب الهيكل[39]. ورغم أن المدينة لم تكن قد ضربت بعد، كانت رجسة الخراب تستعد للوجود فى وسط الهيكل، وكانت المدينة (أورشليم) وكل تلك الفرائض العتيقة فى طريقها للانتهاء.

 

(9)

من خروف الفصح إلى الحمل الحقيقى

          منذ ذلك الوقت قد عبرنا عصر الظلال والرموز، فلم نعد بعد نمارس تلك الطقوس تحت الظلال، لكننا عدنا إلى الرب، ” وأما الرب فهو الروح. وحيث روح الرب هناك حرية[40]. وعندما نسمع (هتاف)   البوق المقدس، لم نعد نذبح خروفًا عاديًا، بل ذلك الحمل الحقيقى الذى ذبح عنا، أى ربنا يسوع المسيح، ” الذى سيق إلى الذبح كشاة، وكان كنعجة صامتة أمام جازيها[41].

          وإذ قد تطهرنا بدمه الكريم، الذى يتكلم أفضل من دم هابيل[42]، حاذين أرجلنا باستعداد الإنجيل[43]، ممسكين بأيدينا عصا الرب وعكازه، اللتين تعزى بهما ذلك النبى الذى قال: ” عصاك وعكازك هما يعزياننى[44].

          وبالإيجاز قد صرنا مستعدين من كل ناحية، غير مهتمين بأى شيء، لأن ” الرب قريب[45]، كما يقول الطوباوى بولس، وكما قال مخلصنا: ” فى ساعة لا تظنون  يأتى الرب (ابن الإنسان)”[46].

 

كيف نعيد ؟

          لنعيد ليس بخميرة عتيقة، ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق[47]. وإذ نخلع الإنسان العتيق وأعماله، فلنلبس الانسان الجديد المخلوق بحسب الله[48]، بتواضع الذهن، وضمير نقى؛ متأملين فى ناموس الله نهارًا وليلاً[49]. وإذ نطرح عنا كل رياء وخداع، مبتعدين عن كل كبرياء وغش، ليتنا نتعهد  بمحبة الله والقريب[50] حتى إذا صرنا خليقة جديدة، ومتناولين الخمر الجديد ؛ الذى هو الروح القدس، نحتفل كما يليق بالعيد، أى شهر هذه الثمار الجديدة[51].

(10)

موعد العيد

          إننا نبدأ صوم أسبوع الفصح فى اليوم الخامس من شهر برمودة (31مارس)، وبإضافة تلك الأيام الستة المقدسة العظيمة، التى ترمز إلى أيام خلقة هذا العالم، فلنسترح ونكف عن الصوم فى يوم السبت المقدس، العاشر من شهر برمودة (5 أبريل).

ونعيد عندما يشرق علينا فجر اليوم الأول (الأحد) من الأسبوع المقدس، فى اليوم الحادى عشر من نفس الشهر (برمودة الموافق 6 أبريل). ثم نحسب ابتداءً منه الأسابيع السبعة، أسبوعًا أسبوعًا، ونحتفل بعيد البنديكستى المقدس. الذى كان يقابل عيد الأسابيع عند اليهود، الذين كانوا يمنحون فيه الصفح ويبرئون الديون. وحقًا كان ذلك اليوم يوم خلاص من كل الوجوه.

 

العيد وبركاته

لنحفظ العيد فى اليوم الأول من الأسبوع العظيم، كرمز للدهر الآتى، الذى فيه ننال هنا عربونًا بأنه ستكون لنا حياة أبدية فيما بعد.

          وإذ نعبر من هنا (من هذا العالم) نعيد عيدًا كاملاً مع المسيح، هاتفين قائلين مع القديسين: ” لأنى سأجوز إلى المسكن العجيب، إلى بيت الله، بصوت الابتهاج والحمد، وهتاف المعيدين[52]. حيث قد هرب الألم والحزن والتنهد، وسوف تكلل رؤوسنا بالبهجة والفرح ! ليتنا نكون  مستحقين لنوال هذه البركات.

 

(11)

لنتذكر الفقراء والغرباء

          لنتذكر الفقراء، ولا ننسى العطف على الغرباء. وقبل الكل لنحب الله من كل نفوسنا ومن كل قدرتنا ومن كل قوتنا، ونحب قريبنا كأنفسنا[53] حتى نحصل على ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين يحبونه[54]. بابنه الوحيد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذى به يليق للآب وحده، بالروح القدس المجد والسلطان إلى الأبد، آمين.

          سلموا بعضكم على بعض بقبلة (مقدسة)، يسلم عليكم جميع الإخوة الذين معى.

 

(هنا تنتهى رسالة القديس أثناسيوس الفصحية الأولى)

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] ملا4: 3 يشير هنا بوضوح إلى الرب يسوع.

[3] 2تى4: 2 يتكلم القديس أثناسيوس عن الاحتفال اللائق بالعيد، كمصدر دائم لفائدة الشخص المسيحى، انظر الرسالة الفصحية الرابعة.

[4] جا3: 1ـ8 راجع القديس كيرلس، عظته الفصحية الخاصة.

[5] 1كو1: 24 .

[6] سفر الحكمة 7 : 27 .

[7] مز 14: 7 .

[8] نش8: 1.

[9] أش 49 : 8.

[10] 2كو6: 2.

[11] خر23: 14هذه الأعياد الثلاثة هى عيد الفصح أو عيد الفطر أو عيد الخمسين أو الأسابيع أو الحصاد.

[12] مز 81: 3  وعدد10 : 8 .

[13] أو الأمام المحددة.

[14] عد10: 1ـ2.

[15] عب9: 10.

[16] عدد10:9.

[17] عدد10: 10.

[18] خر19: 16.

[19] أف6: 12.

[20] انظر 1كو7: 2ـ5.

[21] 1كو5 : 7ـ8.

[22] يو7 : 37.

[23] يوئيل2 : 15 .

[24] مز 16: 3 .

[25] رو 2: 23 .

[26] لو18 : 12 .

[27] إش5:58س.

[28] لا23: 26ـ27 .

[29] لا29:23.

[30] 1تى6:4.

[31] يو4 : 34 .

[32] خر74 : 14 .

[33] يو6: 53 .

[34] تث12: 11و13و14 .

[35] خربت مدينة أورشليم سنة 70م على يد القائد الرومانى فسباسيانوس، وقد حاول البعض إعادة بناء الهيكل فى عهد الإمبراطور يوليانوس، فحدثت الزلزلة الشهيرة التى أبطلت العمل، حتى يتم قول الرب لليهود: ” هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا” مت23: 38.

[36] ناحوم1: 15 .

[37] ناحوم1: 15ـ 2: 1 حسب النسخة السبعينية.

[38] يو20: 22.

[39] مت27: 51 .

[40] 2كو 3: 17 .

[41] إش53: 7 (عب 12).

[42] عب12 : 24 دم المسيح يطهر البشرية كلها ، أفضل من دم هابيل الذبيح بما لا يُقاس.

[43] أف6: 15.

[44] مز 23: 4.

[45] فى4: 5.

[46] لو12: 40.

[47] 1كو5: 8.

[48] أف4: 22ـ24.

[49] مز1: 2.

[50] لو10: 27 .

[51] انظر تث16: 1 سبعينية .

[52] مز42: 4 .

[53] مت22: 74 ، مر12: 30، لو10: 27.

[54] 1كو2: 9، إش64: 4.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس1 – الصوم والأعياد

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، مقدمة عن الرسائل وأهميتها[1]

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، مقدمة عن الرسائل وأهميتها

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

تعريف بكاتبها:

          عُرف القديس أثناسيوس بأبى الأرثوذكسية وقانونها، فهو صاحب الصوت السمائى الذى وقف ضد جحافل الظلمة التى كادت تعصف بالكنيسة، حين أهاج الشيطان عليها آريوس وأتباعه، حتى كاد العالم أن يكون آريوسيًا! فلما قالوا له “العالم كله ضدك”، أجابهم بمقولته الشهيرة: ” وأنا ضد العالم“.

          لكن صاحب هذه الكلمات الرعدية كان يملك بين ضلوعه قلب إنسان رقيق المشاعر، كأب حقيقى وراعٍ محب، ولِما لا، وهو الذى تتلمذ على يدى إلهه ومخلصه، والذى جبله من بطن أمه لهذه الخدمة الرسولية كارزًا ليلاً ونهارًا وحتى النفس الأخير، إن كان وسط شعبه، أم فى غربته ومنفاه، يجد ملاذه الوحيد فى تواصله مع شعبه بالرسائل الفصحية التى استمر يرسلها بلا توقف قرابة نصف قرن من الزمان[2].

 

المسيح فصحنا الحقيقى:

الرسائل الفصحية هى رسائل العيد أو رسائل القيامةPaschal Letters. أما كلمة فصح πάσχα فهى مشتق آرامى ذو أصل عبرى يعنى العبور، ومنها يأتى عيد الفصح اليهودى وعيد القيامة المسيحى[3].

أما عيد الفصح اليهودى، فقد كان عيدًا فيه تُذبح الحملان فى الهيكل، فى ظهيرة اليوم الرابع عشر من نيسان[4]، ليأخذها الشعب لتؤكل مطهية فى وجبة العشاء، أثناء الليل (قابل خر12).

أما بالنسبة لنا نحن المسيحيين، فإن لكلمة فصح دلالات أعمق وأهم، إذ صار المسيح نفسه هو فصحنا الذى ذُبح لأجلنا (1كو7:5)، فإن يوحنا المعمدان إذ رأى الرب يسوع مقبلاً إليه قال ” هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم” (يو29:1). لهذا فإن فصح اليهود بحسب مفهوم القديس أثناسيوس لم يعد هو العيد الحقيقى، إذ انكروا رب الفصح[5] بصلبهم للمسيح، إذ يقول: [ كانت هذه الأمور رمزية تحدث كظل، لكن حين نعبر إلى المعنى الأعمق، تاركين الرمز نبلغ الحق][6].

ثم يؤكد قائلاً: [ إن عيد الفصح هو عيدنا، فلم نعد غرباء بعد، إذ انقضى زمن الظلال، وانتهت الأمور القديمة][7]، [ولم نعد نحن الآن نذبح حملاً من لحمٍ كاليهود، بل الذى ذُبح هو ربنا يسوع المسيح، الحمل الحقيقى][8].

ويعوزنا قبل أن نعرض لأهمية الرسائل الفصحية أن نقتبس جزءًا غاليًا على قلب الكنيسة، استمدته من خبرتها الليتورجية لتتلمذ على يدى معلم الأرثوذكسية وأبيها القديس أثناسيوس الذى يقول: [ وهكذا يا أحبائى، فإذ تغذت نفوسنا بالطعام الإلهى “بالكلمة” (أى بالمسيح الكلمة)، وبحسب مشيئة الله، وصمنا جسديًا عن الأشياء الخارجية، فإننا نحفظ هذا العيد العظيم الخلاصى كما يليق بنا.

حتى اليهود الجهلاء تناولوا هذا الطعام الإلهى، رمزيًا، عندما أكلوا الخروف وقت الفصح. لكنهم إذ لم يفهموا الرمز، فإنهم لازالوا يأكلون الخروف إلى اليوم،  فهم يضلون إلى هذا اليوم بعيدًا عن المدينة، وعن الحق.

أما نحن أيها الأحباء، فقد تحقق لنا ما كان ظلالاً، وتم ما كان رمزًا. لذا يجب ألا نعتبر العيد رمزيًا، وهكذا لا نذهب إلى أورشليم التى هى هنا على الأرض لنذبح خروف الفصح، كعادة اليهود التى أنقضى وقتها، لئلا نحسب أننا نسلك فيما لا يناسب وقتنا، إذ فات وقت (ذلك الخروف) بل ينبغى أن نتعدى حدود الرمز حسب وصية الرسل، ونرنم الترنيمة الجديدة مسبحين الله. ولما كان المخلص يحول الأمور الرمزية إلى روحية، فقد وعد (التلاميذ) بأن لا يعودوا يأكلون لحم خروف بعد، بل جسده قائلاً: ” خذوا كلوا هذا هو جسدى، وأشربوا… هذا هو دمى[9]][10].

 

قضية عيد الفصح كباعث لإرسال الرسائل الفصحية:

كان تحديد تاريخ الاحتفال بعيد القيامة قضية تشغل بال الكنيسة كثيرًا، وبسبب ما أُثير حول هذا التاريخ من جدل عنيف فى القرن الثانى الميلادى[11]؛ الأمر الذى نوقش فى ستة مجامع محلية[12] دون التوصل إلى حلول مرضية بين الطرفين، فقد كان مسيحيو آسيا الصغرى وأنطاكية يعيدون الفصح حسب التقويم العبرى فى 14 نيسان، الذى يقع فى اى يوم من أيام الأسبوع، أما كنائس الأسكندرية وروما والغرب فكانت تُصر على أن يكون الاحتفال بصلب المسيح فى يوم جمعة الفصح حسب التقليد، وبالتالى يكون الاحتفال بالقيامة يوم الأحد التالى.

وفى مجمع نيقية كانت قضية تحديد ميعاد عيد الفصح ثانى موضوع ناقشه هذا المجمع المسكونى الأول عام 325م[13]. وفيه اتفق الآباء على توحيد وتحديد ميعاد العيد، مثلما كانت كنيسة السكندرية تعيده، فى الحد التالى ليوم 14 نيسان الذى فيه يكون القمر بدرًا، ولما كان تحديد ميعاد العيد يحتاج إلى دراية فلكية واسعة، وعملية حسابية دقيقة، فقد كلف المجمع أسقف الأسكندرية بتحديد موعد الفصح، وتبليغ باقى الإيبارشيات فى المسكونة، لما اشتهرت به الأسكندرية من خبرة فى هذا المجال.

 

الموضوع الرئيسى للرسائل الفصحية:

يقول الأسقف كاليستوس[14] وير عن أهمية الرسائل الفصحية: [إن الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس تتمتع بقيمة روحية عالية لاحتوائها على تعاليم التجسد الإلهى والخلاص، وتقديس الإنسان فى منهج كتابى من الدرجة الأولى[15]، مفعم بالعمق اللاهوتى، الذى يؤكد عليه القديس باستمرار:

إننا نحن البشر، وإذ صار الله الكلمة إنسانًا لأجلنا، يمكننا أن نحيا حياة الله ” لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن[16]]. إن تجسد الله الكلمة هو أساس التعليم اللاهوتى عند القديس أثناسيوس، الذى لم يكف أبدًا عن التأمل فى اندهاش وتعجب، فى سر الله الكلمة الذى صار جسدًا، فوصفه فى إحدى رسائله الفصحية بقوله: [ قد صار الله الكلمة كل شئ لأجلنا، فهو المخلص، والمقدس الوحيد لنا].

أما الموضوع الرئيسى فى رسائله الفصحية، وخاصة السبع الأولى، فهو حث الشعب على شكر الله على نعمة القيامة، والاعتراف بفضله، وتحذير شعبه من “الازدراء بهذه النعمة”[17]، “لأنه لا رجاء لغير الشاكرين… الذين أهملوا النور الإلهى”[18]، “وعلينا بالأحرى أن نقر بالنعمة، فهى موضوع العيد، مدركين هبات الله”[19]. فما العيد إلاّ ” اعتراف بعمل الله معنا، وتقديم الشكر له”[20]. ويجب أن يتمثل الإقرار والعرفان بنعمة القيامة فى فعل ملموس، “وسلوك إيجابى يتجاوب مع هذه النعمة”[21]، “حتى لا نكون قد اخذناها عبثًا”[22]، “بل نكون مثل أولئك الذين امتدحهم الرب لأنهم تاجروا بالوزنات، واستثمروا النعمة التى أخذوها”[23].

هكذا تكشف الرسائل الفصحية عن أمانة صاحبها وكاتبها، القديس أثناسيوس كراعٍ ظل طوال حياته فى جهاد وسعى، يحث رعيته بالنصح والإرشاد، وحتى فى زمن غربته ومنفاه، حين كانت تلك الرسائل هى وسيلته الوحيدة للاتصال بشعبه، وهى الرسائل التى تشكل معينًا لا ينضب من غنى وزخم لتاريخ الكنيسة بكل ما دار فيها من نقاش وجدل حول عقيدة الثالوث، والتجسد الإلهى، والنعمة، وبدايات الرهبنة القبطية[24]

فى فترة تصدى فيها القديس لتيار الآريوسية الكاسح، حتى استطاع أن يرسو بالكنيسة على شاطئ الامان، دون أن ينسى أن يُذكِّر شعبه بسر الإفخارستيا الذى نقتات فيه على الله الكلمة، فى رحلة عمر يستعد فيها كل منا بالتوبة والاعتراف: [لذا فالموسم الحالى يتطلب منا لا مجرد ترديد كلمات كهذه (التى نقولها)، بل يجب علينا بالأحرى أن نقتدى بأعمال القديسين. نحن نتمثل بهم حينما نعترف بالمسيح الذى مات، فلا نعود نحيا لأنفسنا فيما بعد، بل المسيح يحيا فينا... فإننا حين نقدم له فإننا لا نعطى أصلاً من عندياتنا، بل مما سبق أن أخذناه منه. وهذه أصلاً من نعمته بصفة خاصة][25].

 

فهرس الرسائل الفصحية[26] ـ Chronicon Athanasianum:

يبدو أن هذه الوثيقة الخاصة بالرسائل الفصحية، والمسماة بالفهرس الفصحى مدونة بيد الجامع الأصلى للرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولى. وبها بيانات كل عيد فصح فى اثناء حبرية القديس اثناسيوس، وفقرة موجزة عن السنة المقابلة، وأهم الأحداث آنذاك، وخاصة ما يصادف الرسالة الفصحية من ظروف إبان نشرها.

ويلاحظ أن الاختلاف فى الممارسات الكنسية كما ذكرنا، هو الذى جعل ميعاد عيد الفصح محل جدل آنذاك. وكان قد ساعد على نشأة عادة الإعلان عن عيد الفصح[27] على فترات مناسبة قبل قدومه، وذلك بواسطة الرسائل الدورية، لباباوات الأسكندرية الذين يقومون بكتابة مثل تلك الرسائل[28]. وقد تم الحصول على أجزاء من مخطوطات الرسائل للبطاركة ديونسيوس وثيؤفيلس، وكذلك مجموعة رسائل للقديس كيرلس الأسكندرى.

وقد كانت الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس مجهولة حتى عام 1842، والتى كانت معروفة قبل ذلك فقط من خلال الإشارات التى أبداها القديس جيروم[29] وآخرون، ومن بعض القصاصات من مخطوطات للكاتب الأسكندرى قزمان[30]…، والمأخوذ من الرسائل الفصحية الثانية والخامسة والسادسة والثانية والعشرين والرابعة والعشرين والثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين والأربعين والخامسة والأربعين.

كما تمكن أيضًا الكاردينال ماى (Mai) قبلها بفترة وجيزة من اكتشاف المجموعة Corpus على جزء من مخطوطة للرسالة الثالثة عشرة. وفى عام 1842 أحضر رئيس الشمامسة تاتام الإنجليزى (Tattam) إلى وطنه من دير السيدة العذراء والدة الإله (السريان) فى صحراء الأسقيط عددًا كبيرًا من المخطوطات السريانية، والتى ظل الدارسون الأوروبيون طيلة قرن يحاولون الحصول عليها ولكن دون جدوى.

وهى من بين هذه المخطوطات التى حُفظت فى المتحف البريطانى، وقد اكتشف الباحث كورتون (Cureton) مجموعة ضخمة من الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس مع الفهرس الخاص محققًا بهذا توقع مونتفاوكون Montfaucon (مجموعة الآباء مينى مجلد26) إن الكنز المفقود لابد أن يكون مختفيًا فى أحد الأديرة بالشرق. وثمة وديعة أخرى من المخطوطات من نفس المصدر، قد اتاحت توفير بعض الأجزاء من المخطوطات، تم ضمها أيضًا فى الترجمة المنقحة الواردة فى مجلد 26.[31]

 

عدد الرسائل الفصحية:

يُعد السؤال حول عدد الرسائل الفصحية للبابا أثناسيوس من الأهمية بمكان، لأنه نافع فى تحديد الترتيب الزمنى لتلك الرسائل فى هذه الفترة. وهى مسألة قد تم حسمها حتى أصبحت من الأمور المستقرة الآن. إن الرقم 45 رسالة هو الحد الأقصى المعروف فى التاريخ والتراث القديم، ويؤكده الفهرس.

وحقيقة أن الاشتقاقات من الكاتب قزمان تتطابق حسابيًا مع ترتيب الرسائل فى هذه النسخة السريانية فى كل حالة، حيث تحفظ الرسالة كاملة صحيحة. بينما الرسالة 39، والتى حفظها كاتب مختلف، تتطابق حسابيًا أيضًا مع الإشارة الواردة فى الفهرس. ومن الأمور المستقرة أن الرسالة الخامسة والأربعين كانت هى الرسالة الأخيرة للقديس أثناسيوس، الأمر الذى يؤكد أن هذا الرقم هو مجمل كل الرسائل الفصحية التى كتبها.

هذا يحسم نهائيًا ما أشار إليه الفهرس والموجز التاريخى؛ أن البابا أثناسيوس قد أرسل الخمس والأربعين رسالة الفصحية (من سنة 329 ـ إلى سنة 373) طيلة فترة أسقفيته على الكرسى الأسكندرى؛ 46 سنة (328ـ373)، ويتطابق هذا ايضًا ويتوثق بالعبارة التى ذكرها البابا كيرلس الأسكندرى فى الرسالة الأولى؛ إن القديس أثناسيوس قد بارك كرسى الأسكندرية طيلة 46 عامًا كاملةً. ـ إذ يقول فى مدحه ـ [لقد حفظ لنا الإيمان مستقيمًا طلية 46 عامًا كاملةً].

لكن الفهرس يخبرنا أنه فى سنوات كثيرة، وبسبب خصومه، لم يكن البابا قادرًا على الكتابة. ويمكننا فهم ذلك بالطبع أنه يشير إلى الرسالة العامة او الدورية. وعندما لا يكون قادرًا على كتابتها، كان يكتفى بإرسال بعض الأسطر القلبية إلى صديق ما مثل سرابيون الأسقف (الرسالة12)، أو إلى الإكليروس (17و18) أو إلى الشعب (29) فى الأسكندرية، لحفظ الفصح حفظًا حقيقيًا.

هذا مع الممارسة الصحيحة للصوم والعيد. ومع صومنا يؤكد القديس على طهارتنا ومحبتنا أيضًا، وخاصة نحو الفقراء والمساكين[32]. فالقديس أثناسيوس يكرر ويصر على بهجة الأعياد المسيحية، ويؤكد على حقيقة أنها النموذج الأمثل الذى يصبغ كل مراحل حياتنا كمسيحيين.

 

الترجمة الحالية:

أصل النص اليونانى للرسائل الفصحية منشور فى المجلد 26 من مجموعة الآباء باليونانية لمينى: Patrologia Migne 26: 1339-1450 فى شكل قصاصات، وقد صدر نفس النص اليونانى فى سلسلة آباء الكنيسة Ἐλληνες Πατέρες της Ἐκκλησίας عن دار نشر الآباء غريغريورس بالاماس، تسالونيكى 1976، كتابات أثناسيوس الأسكندرى تحت Μ. ΑθΑΝΑΣΙΟΥ ΕΡΓΑ بالمجلد العاشر.

وقد تمت الترجمة عن القصاصات المنشورة بهذه السلسلة، ومن الترجمة التى قام بها العالِم الكاردينال Newman ـ عن المخطوطات السريانية لهذه الرسائل ـ والمنشورة بالمجلد الرابع من المجموعة الثانية من سلسلة آباء نيقية وما بعد نيقية: Nicene and Post Nicene Fathers, Vol. IV, St. Athanasius, Michigan 1980. كما رجعنا أيضًا إلى القصاصات الواردة فى:

  1. Th. Lefort, Letters Festales et pastorals en Copte, CSCO (150-151) Louvain 1955.

فليبارك الله هذا الكتاب لأجل بنيان كنيسته وخلاص شعبه بشفاعة والدة الإله القديسة مريم وصلوات القديس أثناسيوس الرسولى وصلوات قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث، وصلوات الآباء المطارنة والأساقفة. والمجد والسجود والتسبيح للثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس الآن وإلى الأبد آمين.

26 مارس 2006م

17 برمهات 1722 ش

الأحد الرابع من الصوم الكبير

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية

 

 

[1] Fr Matthias Wahba, M.A. Thesis in St. Athanasius: Paschal Letters, Rhode Island, USA 1988.

[2] لمزيد من التفاصيل عن هذا القديس، يُرجى الرجوع إلى كتابنا النعمة عند القديس أثناسيوس ج1، مركز دراسات الآباء، 1993.

[3] F.L. Cross, The Oxford Dictionary of Christian Church,, Oxford 1984, p. 103b.

[4] وهو الشهر الأول من السنة اليهودية الذى يقابل عادة شهر أبريل.

[5] Festal Letters, Syriac. b: 2, N.&P.N.F. 2nd Series Vol. 4, p. 520.

[6] Ibid, p. 507.

[7] Ibid, p. 544.

[8]  Ibid, p. 509.

[9] مت26: 26ـ28.

[10] الرسائل الفصحية الأولى:7، الرابعة:4.

[11]  Schaff: History of The Christian Church, Erdmans, Michigan, 1985, Vol. III, p. 400.

[12] المجامع التى تمت مناقشة هذا الموضوع فيها: 1 ـ مجمع فى فلسطين برئاسة ثيوفيلس القيصرى، وناركوس الأورشليمى. 2 ـ مجمع فى روما برئاسة البابا فيكتور. 3 ـ مجمع فى بنط برئاسة بالماس أسقف أماسترس. 4و5 ـ مجمعان فى بلاد الغال برئاسة القديس إيرينيوس. 6 ـ مجمع فى أفسس برئاسة بوليكراتوس. عن مقالة د. جوزيف موريس “رسائل الأرطستيكا” دورية دراسات آبائية ولاهوتية، العدد الرابع، يوليو 1999م، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية.

[13]  Schaff: Ibid, p. 405.

[14] In his Foreword to the M.A. Thesis of Fr. Matthias Wahba. in St. Athanasius Paschal Letters, Cairo, 1988.

[15] فعلى سبيل المثال تحوى الرسالة 39 قانون الكتاب المقدس، الذى وضعه القديس أثناسيوس.

[16] تجسد الكلمة 54. هذا التعبير عند الآباء لا يعنى أن الإنسان يصير بطبيعته إلهًا، بل يعنى أنه يشترك في الحياة الإلهية، حياة البر والقداسة.

[17] الرسائل الفصحية3:3، 9:7.

[18] الرسائل الفصحية 4:3.

[19] الرسائل الفصحية3:5.

[20] الرسائل الفصحية 3:7.

[21] الرسائل الفصحية 1:6.

[22] الرسائل الفصحية 4:6.

[23] الرسائل الفصحية 5:6 وانظر مت14:25ـ30.

[24] J. Quasten, Patrology, Vol. 3, p. 4.

[25] الرسائل الفصحية 4:5

[26] معربة عن:

N.P.N. Fathers, Vol.IV, St. Athanasius: Selected Works and Letters. Michigan 1980

[27] قاموس Dictionary of Christian Antiquities: الخاص بالعصور الأولى المسيحية ص 1592. يؤكد تفويض كنيسة الأسكندرية بتحديد موعد عيد الفصح وتبليغه لباقى الكنائس فى أنحاء المسكونة. ويقول Robertson فى كتابه Writings of Athanasius ص 500 إن ما ذكره القديس كيرلس عمود الدين عن القيامة ” Prologus Pashalis ” يؤكد ذلك بوضوح.

[28] أول إشارة واضحة إلى الرسائل الفصحية التى كان يرسلها بطاركة الأسكندرية، كانت عن رسائل البابا ديونسيوس الأسكندرى(14)، والتى وردت فى كتاب يوسابيوس “تاريخ الكنيسة” 20:7.

[29] قام القديس إيرينيموس (جيروم) (331 ـ 430) فى كتابه V.I. 87 بالكتابة عن هذه الرسائل الفصحية للبابا أثناسيوس.

[30] هذا التاجر المصرى والكاتب المعروف بالبحار الهندى Cosmas Ondicopleustes، لأنه قام برحلات متعددة فى كل البحار المعروفة فى ذلك الزمان، ومن ضمنها المحيط الهندى. ومن أهم كتبه “الطبوغرافيا المسيحية”، والذى كتبه نحو عام 547م.

[31]  Migne. P.G. 26, 1339.

[32] أحسب أن ترنيمة الصوم “طوبى للرحماء على المساكين” هى صدى للنفحات الروحية الأصيلة للرسائل الفصحية (الـ45 سنة)، والتى تحفظها كنيستنا وترددها طوال الصوم الأربعينى، اثناء التوزيع فى القداس الإلهى.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، مقدمة عن الرسائل وأهميتها

Exit mobile version