الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

 

إعداد

د. عصام سامي زكي

دكتوراه في اللاهوت

 

إهداء إلى روح المتنيح الزميل والصديق والأخ والأب: أبونا صموئيل وهبة، الذي لي ثقة أنه يصلي عني في السماء

 

ابنك عصام سامي

 

مقدمة:

الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة غنية بآبائها ومعلّميها والذين بذلوا حياتهم في التعليم والوعظ والكتابة ومقاومة المبتدعين والهراطقة، ومن أشهر هؤلاء هم القديسون الثلاثة باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم والذين كانوا يلقبوا بأقمار الكنيسة الثلاثة، فنجد هذا الكتاب يحكي عن حياتهم وتعليمهم وتاريخ الكنيسة من خلالهم في صورة مبسطة ودقيقة فالمعد لهذا الكتاب كان دقيقًا منظمًا يذكر الحقيقة بصورة جميلة جمع بين التاريخ لأهم آباء الكنيسة وبين الروحيات العميقة واللاهوت كما قدمه اللاهوتيين الكبار بالكنيسة كما عضد الكاتب كل أجزاء الكتاب بالمراجع، الأمر الذي جعل من هذا الكتاب مرجعًا مهمًا.

وأخيرًا أقدّم الشكر لمعد هذا الكتاب لما بذله من تعب في إعداده والحصول على معلومة مفيدة ودقيقة وتقديمها لكل مسيحي يريد أن يتعمق في تاريخ الآباء الأول والذين لهم أهمية عظمى في الكنيسة إذ لا يخلو تعليم أو عظة في الكنيسة أو كتاب لأي كاتب أرثوذكسي من أحد أقوال هؤلاء الآباء.

الرب يعوض تعبه خيرًا ويجعل هذا العمل سبب بركة لكل إنسان

 

غبريال

أسقف بني سويف

 

مدخل للآبائيات

لقد عاشت الكنيسة وتعيش وسوف تعيش بقوة الروح الذي عمل في الآباء الذين أعطوا حياتهم لها وسوف يعطوا. فالكنيسة خالدة ولن تتوقف عن إنجاب آباء وقديسين. وقبل أن نسرد موجزًا صغيرًا عن بعض الآباء سنتعرف أولاً عن:

 

معنى وأهمية دراسة آباء الكنيسة:

الكنيسة عاشت وتعيش بآبائها ومعلّميها الذين ولدوا في أحضانها متعلمين من الروح القدس. ولهذا يلزم:

أ ـ تعريف عام بآباء ومعلّمي الكنيسة وكتاباتهم.

ب ـ تقديم بعض ما كتبه آباء ومعلّمي الكنيسة بطريقة مبسطة يسهل على القارئ فهم ما كتبوه.

ومن المهم جدًا أن نشرح أولاً مَن هو الأب ومَن هو المعلّم في الكنيسة؟ وبعد ذلك نحدد بالتدقيق معنى علم الآباء، حدوده، محتوياته، طريقة بحثه ومكانة الآباء في اللاهوت.

ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الكنيسة ليست غنية فقط بأبنائها ولكن أيضًا بمعلّميها.

 

الأب والمعلّم:

الكنيسة تميّز بين الأب والمعلّم:

الأب أو الراعي هو الذي يلد المؤمنين روحيًا ويوجههم ويربطهم بالمخلّص يسوع المسيح عن طريق الروح القدس في الإنجيل والعامل في أسرار الكنيسة.

المعلّم وهو الذي له موهبة خاصة في التعليم حيث يقوم بمسئولية التعليم والتفسير للمؤمنين عن حقيقة الله، ويواجه أيضًا المشاكل الكبيرة والأزمات الشديدة اللاهوتية التي تعترض الكنيسة ويقوم بإيجاد حل لها.

ومن الأهمية أن نوضح أن كثيرًا من آباء الكنيسة كانوا آباء ومعلّمين في نفس الوقت وقد لقبتهم الكنيسة باسم الأب فقط دون أن تذكرهم باسم أب ومعلّم.

فغريغوريوس اللاهوتي على سبيل المثال يذكر في الكنيسة كمعلّم عظيم لكنيسة المسيح بينما كيرلس الأسكندري يُذكر كراعي ومعلّم حكيم في الكنيسة[1].

ومن المعروف أن الكنيسة عندما تعطي أحد أعضائها لقب الأب والمعلّم ليس من فراغ أو بالصدفة وإنما تقوم بالبحث الدقيق جدًا في كتاباته وعظاته وكيف قدم وأعطى للكنيسة.

 

الأعمال والكتب الكنسية وكيف قدّمها كتّابها ومعلّميها:

بصفة عامة قدّم اللاهوتيين لاهوتهم من منابع عديدة منها:

1 ـ الوعظ:

حيث كان من الضرورى إرشاد المؤمنين وتفسير الكلمة لهم حيث عكفوا على معايشة الكلمة وبمساعدة الروح القدس وعظوا المؤمنين عن الحقيقة التي تكلم عنها الكتاب المقدس.

 

2 ـ إظهار الحقيقة ومواجهة الهراطقة:

هنا تظهر محاولة اللاهوتيين في مواجهة الآراء والتعاليم الخاطئة التي قام بإثارتها أفراد أو أعضاء من الكنيسة أو خارجها حيث إن هذه التعاليم الغير صحيحة صارت وتصير عقبة في تقدم المؤمنين وتمثل خطورة في تعطيل خلاصهم لأن هذه التعاليم لا تعبّر عن الحقيقة، ولكنها خيال كاذب بعيد كل البُعد عن الحق الذي يؤدي إلى الخلاص وحيث أن جزءًا من عمل اللاهوتيين هو توضيح خطورة تلك الهرطقات محاولين إبعادها عن المؤمنين طالبين في ذلك أولاً الخبرة العملية للحقيقة التي عاشها آباء ومعلّمي الكنيسة محاولين في إظهار أخطاء هؤلاء الذين أصروا على أن عندهم الحقيقة وهو ليس صحيحًا، بل بأفكارهم السيئة وتعاليمهم الكاذبة زيفوا الحقيقة التي تكلم وكتب عنها الآباء والمعلّمين للكنيسة والتي تظهر أيضًا في المجاممع سواء المسكونية أو المحلية حيث إن الروح القدس كان مشاركًا وحاضرًا في بعض هذه المجامع وأضاء بوضوح، حيث قامت بإيضاح الكتب والتعاليم الفاسدة التي ضد التقليد وتعاليم الكنيسة.

ونستطيع أن نقول إن الآباء في إظهارهم للحقيقة الإلهية كانوا مفسرين للتدبير الإلهي لخلاص الإنسان أى عمل الثالوث لأجل البشرية.

وهنا يجب الإشارة إلى أن جزءًا من الكتابات المسيحية هذه كانت ردًا على أصحاب مذهب الغنوسية (مذهب الخلاص بالمعرفة) وأيضًا للعالم بصفة عامة سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن.

 

3 ـ صياغة الخبرة الإلهية:

أعضاء الكنيسة الذين لهم مع الروح القدس خبرة خاصة نتيجة الحياة التي عاشوها مع الحقيقة كاملة وعميقة قد اعتبروا أنه من الجيد صياغة هذه الخبرة العملية بصفة خاصة وكل تعاليمهم التي تعلّموها وعاشوها مع الروح القدس لاقتناء هذه الخبرة بصفة عامة.

الكنيسة منذ البدء كانت لها الرؤية الواضحة والتي بها ميزت بين الآباء الحقيقيين الذين أعطوا حياتهم للمسيح ولأولاده بلا حساب وبين مَن دعوا من الآخرين آباء. وهذا واضحًا ليس من التقدير والاحترام الذي أعطته لهم الكنيسة ولكن أيضًا بالطريقة المثلى في عطائهم للمؤمنين الذين في الحقيقة كانوا نورًا في العالم بطريقة حياتهم، في عطائهم، في سخائهم، بالإضافة إلى أنهم تركوا ثروتهم القلبية والعقلية في كتبهم التي هى كنز معطي باستمرار.

 

4 ـ العبادة والطقوس:

كان الاهتمام والعناية الأولى في تكوين الكنيسة هو ترتيب الأسرار والطقوس كسر المعمودية وسر التناول .. الخ، وغيرها من الأسرار على مضي الوقت، وهكذا تكونت النصوص الليتورجية خطو خطوة وكانت نتيجة ذلك أن المؤمنين عاشوا في المسيح متمتعين بالحياة الليتورجية مثمرين بذلك الألحان والأناشيد والتسابيح الكنسية.

نستطيع أن نفهم من العناصر السابقة أن الكتابات الآبائية التي ساعدت في خلق اللاهوت الكنسي الأصيل تساعدنا نحن أيضًا في تمييز الكتابات الصحيحة من غير الصحيحة.

 

اللاهوتي الحديث والتمييز بين الأب والمعلّم:

بعض اللاهوتيين المحدثين لم يعطوا الأهمية اللازمة لهذا التمييز بين الأب والمعلّم في الكنيسة، وذلك هروبًا من مشقة البحث، لأن هذا التمييز يستلزم من الباحث أن يفتش بالتدقيق في حياة وكتابات هؤلاء الآباء والمعلّمين ليرى الصورة بوضوح ويكشف الدور الذي قام به كل منهم وما قدمه للكنيسة في مسيرتها اللاهوتية الشاقة.

 

الآباء النساك:

وإلى جوار هذا التمييز السابق بين الأب والمعلّم هناك قديسون عظماء في الكنيسة الذين قدموا بحياتهم وسيرتهم وجهادهم في الجسد، قدوة للمؤمنين وصاروا نموذجًا يحتذى به، أمثال: القديسون الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا السائح، والثلاث مقارات القديسين، والقديسة مريم المصرية، وغيرهم كثيرون من الناسكون والناسكات، ومنهم من وصل إلى حالة التطهير الكامل، إذ كانت لهم شركة عميقة مع الإله الحق تبارك اسمه وكانوا مملوءين من روح المسيح القدوس. وكثير من هؤلاء القديسين لم يتركوا لنا كتابات في التعليم اللاهوتي والعقائد الكنسية ولكنهم تركوا لنا حياة معاشة تشرح اللاهوت والعقيدة عمليًا. دور هؤلاء القديسين في الكنيسة لا يقل في الأهمية عن دور الأب أو المعلّم.

 

الآباء كتبوا لاهوتهم مستضيئين بنور الروح القدس:

كتابات آباء وملعّمي الكنيسة كانت ثمرة شركة حقيقية مع الروح القدس. كما يقول القديس غريغوريوس النيسي [ الأنبياء والرسل وكذلك الرعاة (الآباء) والمعلّمون تغنوا بالروح القدس]. ولهذا فالكنيسة تعتبر كتاباتهم هذه ـ والتي تسميها الكنيسة بالتقليد ـ أنها تلي الكتاب المقدس مباشرةً في الأهمية كما أنها تعتبر العامل الأول في فهم الكتاب المقدس نفسه فهمًا مستقيمًا.

كتابات الآباء تعتبر أن الدخول إلى معرفة الحق والوصول إليه لا يمكن أن يتم إلاّ بواسطة إنارة الروح القدس المعطى مجانًا لأولئك الذين أعطوا حياتهم لله كليةً وبدون تحفظ. ونحن نتكلم هنا عن الحق الإلهي الذي يحرك الفكر وينقي المعنى الذي يظهر في الكلمة المكتوبة أو المقروءة. ومن المهم جدًا أن نذكر هنا أنه بدون قبول إشعاع الروح القدس لا نستطيع أن ندخل إلى معرفة الحق المكتوب في الكتاب المقدس.

ومن المعروف أنه في الأوقات الحرجة التي مرت بها الكنيسة استطاع الآباء والمعلّمون ـ بإنارة الروح القدس وإرشاده ـ أن يعبروا عن التعليم اللاهوتي الأصيل بقوة تفوق التفكير البشري[2]، وذلك برهان واضح على إيمان الكنيسة العظيم الذي حفظ بقوة بواسطة هؤلاء الآباء العظماء، حيث إن تعاليمهم ليست آراء شخصية بل هى تعاليم جامعة تابعة لتعاليم الرسل مكملة لها.

 

الحقيقة وكيف قدّمها الآباء في كتاباتهم:

الحق الذي يتطابق مع الوحي الإلهي يعطي للإنسان بطريقة إعلانية. الحقيقة هى الإله الحق أى الثالوث القدوس وعمله لأجل خلاص الإنسان، أعلن للإنسان بطريقة تدريجية: مرحلة الناموس ثم مرحلة الأنبياء ثم مرحلة الإنجيل (أى الاعلان الذي تم في تجسد الإلله) … ثم مرحلة يوم الخمسين. وهذه المرحلة هى مرحلة القيادة بالروح القدس في الكنيسة[3].

وفي هذا الصدد يذكر أبونا ومعلّمنا القديس كيرلس الأسكندري بكل وضوح [ أن الابن الوحيد الجنس يعلن عن نفسه بصفة مستمرة ][4]. ويذكر أن نور الروح القدس يعلن الرب نفسه. وهذا الخط في التعليم يتبعه معظم الآباء الذين جاءوا بعد كيرلس.

ومن الجدير بالذكر أن الآباء اعتمادًا على قول المسيح مخلّصنا له المجد أن هناك حقائق أخرى غير التي قالها المسيح لتلاميذه، سوف يعلّمهم إياها الروح القدس كاملة: ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو12:6ـ13). وكلمات المسيح هذه تقودنا إلى الطريقة التي تكشف لنا الحق الإلهي (أى عن نفسه).

وطالما أن المسيح لم يخبرنا عن الحقيقة كلها وأن الحقيقة الكاملة موجودة في شخصه، فهذا معناه أن الحقيقة الكاملة في عمقها واتساعها لا يمكن أن تعلن بسهولة. ورغم أن التجسد الإلهي هو الحقيقة ـ إذ أن الكلمة ظهر في الجسد ـ ولكن هذا الاعلان لا يعني أن الكلمة المتجسد أظهر الحقيقة وأعلنها كاملة بكل أعماقها وأبعادها. وحينما نتكلم عن الاعلان الإلهي أو اعلان الحق فنحن نعني أن الله يظهر الحقيقة للإنسان في شكلها العام. والإنسان الذي يجاهد ويطلب الاستمرار في الصلاة بالروح ينال الاعلان الإلهي ويشترك في الحقيقة ويعرف الحق والحق يحرره.

إن معرفة الحق ضرورية للإنسان الذي يبحث عن خلاصه فمعرفة الحق إتحاد بالله الذي هو حياة جديدة للإنسان. وحيث إن الكنيسة تعلم أن خلاص الإنسان هى حياته وبدون الخلاص فهناك الموت، لذلك أصبحت معرفة الحق أى الشركة في الحق هى مسألة حياة أو موت. وأصبحت هناك ضرورة أن يتعلم أعضاء الكنيسة الشركة مع الحق والتمييز بين الحق الأصيل وبين التعاليم المزيفة التي هى ليست حقًا بل كذبًا.

 

ملء الاعلان الإلهي:

اعلان الله للبشرية قبل المسيح كان ناقصًا. لذلك أعلن الله عن نفسه في الكلمة المتجسد حيث كانت الحقيقة، وبالتالي فإن اعلان الحقيقة في شخص المسيح كان كاملاً وفي ملء أصالته والتي يعلنها كاملة الروح القدس.

 

وهنا يُطرح التساؤل: هل المسيح الذي هو الحقيقة صار تاريخًا ماضيًا اندثر؟

بالطبع لا نستطيع أن نقول ذلك لأن مسيح التاريخ مسيح حيّ حاضر بدوره في الكنيسة الواحدة المقدسة وتدبيره في الجسد هو لأجل خلاصنا وخلاص كل البشرية في كل الأزمان ” الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي أيضًا فيما بعد ” (2كو10:1).

ونحن عندما نبحث ونفتش عن الحقيقة لا يقلل ذلك من الاعلان بل يكمله ويتممه وينقيه من أى تعاليم فاسدة أو دخيلة.

عندنا في ذلك أعظم مثل آباء الكنيسة حيث استطاعوا أن يتعمقوا بأبعاد مختلفة في فهم الحقيقة بمساعدة الروح القدس وواجهوا هؤلاء الذين بجهلهم رفضوا الإله الحقيقي وتبعوا الإله المزيف الذي صنعوه بفكرهم الخالي من الحقيقة. نجد في ذلك أمثلة كثيرة ففي مطلع القرن الرابع تقريبًا ظهر آريوس بتعاليمه الفاسدة والتي تشوه كل الحقيقة ولكن كما ذكرنا أن آباء الكنيسة كانوا قديسين وعظماء حيث كانوا عمالقة في البحث والتنقيب عن الحقائق الإلهية، فيظهر العظيم أثناسيوس في نفس العصر ليؤكد لآريوس أن تعاليمه فاسدة وليست حسب المكتوب وليست حسب تعاليم التقليد الكنسي بأدلة لاهوتية وفلسفية قوية.

لابد من أن تقتنع أنه بالرغم من أننا في شركة مع المسيح (الكلمة) لا نعرف الكثير عنه ونحتاج إلى الجهد والكفاح الدائم المستمر لنعرف هذه الحقيقة التي تعلن عن طريق الروح القدس الحيّ الحاضر بيننا. التاريخ يؤكد أن الحقيقة لم تعطَ وسوف لا تُعطى لأناس مظلمي الفكر، ولا لأناس يتكلمون عن الله نظريًا بدون حياة وشركة معه ولا لمن أغلقوا الأبواب في طريق الفكر المفتوح، بل لهؤلاء الآباء العظماء الذين فتحوا نوافذ عقولهم وقلوبهم لكل فكر ممتحنين كل شئ بالتدقيق فاحصين كل شئ بالروح.

هنا يتضح كيف يقود الروح القدس هؤلاء الأمناء المخلصين إلى اكتشاف وفهم الحقيقة، حيث إنه لا يوجد لاهوت بدون اعلان عن الحقيقة “كل الحقيقة”[5]. وعلى هذا الضوء فإن مشكلة طبيعة المسيح، على سبيل المثال، في القرون الأولى كانت مشكلة لم يشار إليها[6] من قبل لا في نصوص الكتاب المقدس ولا في التقليد مع أن المسيح تكلم عن نفسه وجاء الرسل وتلاميذه متكلمين عنه إلاّ أن هذا الموضوع أعلن عن طريق الروح القدس بواسطة آباء الكنيسة أمثال كيرلس الأسكندري وغيره.

سنتكلم في هذا الموضوع بإيجاز فيما بعد.

نحن نؤكد أنه في حقل اللاهوت الآبائي توجد طريقة حية قوية يتم عن طريقها النجاح والتقدم في فهم ومعرفة الحقيقة التي كانت بداياتها وأساسها وجوهرها الكتاب المقدس والتي أيضًا ستظل غير معلنة بالكامل. إن التقدم في معرفة هذه الحقيقة يتحقق عن طريق الروح القدس مستخدمًا بعض أعضاء الكنيسة والذين صاروا آباء ومعلّمين فيها.

غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم في توضيحهما وتفسيرها لكيفية إعلان الله عن النفس البشرية ويذكرون أن مسيرة الإعلان كانت في تطور، فيقولون إنه كان مستحيلاً وغير منطقي إطلاقًا أن يبدأ المسيح رسالته بالإعلان عن نفسه أنه مساو للآب، كيف يكون ذلك وهم لا يستطيعون أن يدركوا أو يفهموا [ مَن هو الآب ومَن هو الابن ][7].

في حديث غريغوريوس اللاهوتي عن الاعلان يقول[8]: إنه من الخطأ أن نظن أن الله سوف يعلن عن نفسه للإنسان ما لم يطلب الإنسان ذلك بصبر طويل باحثًا ومفتشًا عن ذلك وبالتالي على الإنسان أن يطلب فهم الاعلان في سعي مستمر وبدون ملل وذلك واضح تمامًا في أعمال الآباء وكيف كان لجهادهم المستمر مع الحقيقة أن عرفوا بعضها وستعلن لكل مَن يطلبها كما طلبها هؤلاء.

 

الحقيقة عند الآباء:

الحقيقة التي تكلم عنها الآباء كإجلاء وتوضيح للإعلان الإلهي:

بعد كل ما ذكرناه هذا نطرح السؤال التالي:

ما هو اللاهوت الذي قدمه الآباء؟ أو ما هى الحقيقة التي عبر عنها الآباء وقدموها كنتيجة للفهم الأصيل للحقيقة التي جاء بها الإنجيل والتقليد؟

في البداية نريد أن نوضح أنه طالما هو فهم للحقيقة فما قدمه الآباء ليس هو حقيقة جديدة. فالقديس إيريناؤس يذكر مؤكدًا أن الأب اللاهوتي لم يأت بمسيح جديد ولا بإله آخر ولكنه يدخل بعمق إلى هذه الحقائق الإلهية الموجودة، والعمق هنا بكل أبعاده سواء النظري في البحث والتعمق أو بحياته فيعيش العمق. فكل مَن عاش العمق بدموع وأنين ومعاناة مرة صنع طرقًا جديدة لم تكن جديدة لم تكن مسلوكة من قبل وهذا بالفعل ما حققه الآباء في تعمقهم. معطين إجابات وحلولاً للمشاكل التي كانت، وهذه الإجابات هى توضيح وتفسير للحقائق الموجودة، كما قلنا.

والحقيقة التي نحن بصددها الآن لا يتم الاعلان عنها ومعرفتها بمحاولات الإنسان الفردية فقط بل بمساعدة التدخل الإلهي. فالحقيقة التي نحن بصددها الآن يتم الاعلان عنها في كثير من الأحيان عن طريق مساعدة الروح القدس العامل في الآباء والمعلّمين والمشترك معهم في الاعلان عن هذه الحقيقة.

وعندما لا يتدخل الروح القدس في الاعلان عن الحقيقة الغير واضحة يكون التوضيح غير مقنع، والتفسير يكون خطرًا.

بل بالعكس بدلاً من أن يكون تفسيرًا وتوضيحًا لشئ غير واضح فإنه يزيده تعقيدًا ويؤدي إلى هرطقات حيث يكون منبعها الخيال عند هؤلاء الذين ظنوا ويظنون إلى يومنا هذا أنهم آباء ومعلّمين أن الروح القدس يقودهم في أمور ومواضيع ومشاكل الإنسان العصري، فيضعون رؤيتهم ويجدون حلولاً ليست لها علاقة إطلاقًا بالحق وبدلاً من أن يقودوا الإنسان إلى معرفة الحق، يضللوه بضلالهم البعيد كل البعد عن روح الله، هذا ينطبق سواء على مشاكل الإنسان أو تعاليم الكنيسة العقائدية.

فعلى سبيل المثال نجد موضوع العلاقة بين الآب والابن والذي كان مشكلة خطيرة وضخمة في القرن الرابع وتعبت منه الكنيسة تقريبًا قرنين من الزمان وهى تبحث في ذلك الموضوع الذي لم يكن واضحًا تمامًا لا في الكتاب المقدس ولا في التقليد ولكن بعمل الروح القدس مع آباء الكنيسة ومعلّميها وجدت الكنيسة حلاً لتلك المشكلة التي أضرتها كثيرًا وأرهقتها.

وبواسطة التعبير الآبائي اليوناني “أوموسيوس” الذي يعني “الواحد في الجوهر” أو المساوي في الجوهر” خرجت الكنيسة من هذه المشكلة.

إن ما قدمه الآباء للمؤمنين وللبشرية شئ عظيم له لمعانه ونوره كنتيجة للشركة مع نور الروح القدس[9].

وحسب تعبير القديس أثناسيوس الكبير[10] أن الله أعلن عن نفسه لبعض المؤمنين اللاهوتيين الذين عندهم، أو أعطيت لهم موهبة فهم الاعلان، حيث إنهم أمناء من كل جهة.

 

العطاء الذي قدمه الأب والمعلّم هو تفسير وتوضيح وليس تعديل أو معرفة عقلية إجتهادية:

في كل مسيرة الكنيسة فإن الأب والمعلّم دائمًا ـ بواسطة استنارة الروح القدس ـ يقدم شئ أكثر مما هو موجود لتوضيح الحقيقة، حيث إن أساسهم في ذلك ومرجعهم هو الكتاب المقدس وبالتالي مع الوقت تكونت النواة اللاهوتية الآبائية والتي كان التاريخ والفلسفة أيضًا من مراجعها.

هذه النواة اللاهوتية التي كونها الآباء والمعلّمون والتي توضح الحقيقة في اتساعها. هل تعني يا ترى تعديلاً للإعلان الإلهي؟ أم هى شئ آخر؟

وبتوضيح أكثر: هل الآباء قاموا بتعديل ما أخذوه من المسيح رب المجد ومن الآباء الرسل؟ بالطبع لا!

كل ما هو موجود في الكنيسة كحقيقة هو أصيل وحقيقي ولا يقبل تعديلا أو تصحيحًا لآنه صحيح في أصالته. إن كل تعليم معلن هو عمل الله لأجل خلاص الإنسان، والذي هو أصيل في كل العصور من القرن الأول الميلادي حينما أعلن، وحتى يومنا هذا. لأنه إذا كانت التقدمة اللاهوتية التي قدمها الآباء هي تعديل لمسيرة الإعلان الإلهي، لكان هذا دليًلا واضحًا على أن عمل الآباء هو رفض وإنكار للكنيسة وليس مكمًلا لها. إن تعاليم الآباء في الكنيسة هي إضافة خبرتهم الإلهية للحقيقة التي هي حصيلة استنارتهم بالروح القدس[11]، إلى الحقيقة.

إن الروح القدس هو الذي يعطي الكلمة التي تكلم بها الآباء وهو الروح القدس نفسه الذي انسكب على تلاميذ يوم تكوين الكنيسة “يوم الخمسين” والذي كان وسيكون،وينسكب ويعلن لكل إنسان ينسكب بإيمان وإخلاص وبروح التواضع والانتباه لعمل الروح القدس الذي لا يحجز نفسه عن الأمناء.

إن الكنيسة بواسطة آبائها ومعلّميها الموهوبين من الروح القدس لمعرفة[12]وتمييز الحقيقة التي يعيشونها كخبرة حية، تنمو وتتقدم، وهذا في حد ذاته ربح عظيم للكنيسة. إن الحقيقة ليست هى في زيادة ولا نقصان ولكن هى متطابقة مع الحقيقة الإلهية[13] أى أن الإنسان تتسع خبرته في فهمها.

في كثير من الأحيان يحدث ليس في موضوع الحقيقة وكيف قدمها الآباء في كتاباتهم، وهل هى حقائق أخرى بخلاف الحقيقة الإلهية أم هى نفسها؟ وإن كانت هى نفسها فماذا قدم الآباء؟

كل هذه التساؤلات تعطى للقارئ فرصة للبحث ونحن قد أجبنا على بعضها. ويأتي القديس باسيليوس الكبير يقول[14].

” لا تضع في الكنيسة قوانين تؤهلنا إلى مزيد من الحقائق ولا عقائد جديدة، وإنما هو مزيد من التمثل بالآباء الرسل الذين شرحوا الحقيقة.

 

الآباء والكتاب المقدس:

إن التعاليم التي قدمها آباء الكنيسة ومعلّميها الذين كانت لهم خبرة ومعرفة بالحقيقة لم يكن لها طابع الإنفصالية أو الآراء البعيدة عن الواقع، بل كانت حياة معاشة وتعاليم وفقًا لتعاليم الكتاب المقدس ولهذا فإن كل ما قدمه هؤلاء للمؤمنين، والذي صار فيما بعد تقليدًا لها، له نفس الخط والتعاليم الواردة في الكتاب المقدس. إن فكر الآباء وتعاليمهم نابع ومؤسس على تعاليم الكتاب المقدس وذلك لأن عندهم الاقتناع التام بأن الكتاب هو موحى به من الله ويعبر عن الحقيقة ” الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح ” (2تيمو16:3).

لقد وجدوا في الكتاب المقدس أنه يعبر عن الحق وليس هو الحق لأن الحق الإلهي لا يستطيع كتاب أو كتب أن تحتويه لأن الحق هو الله.

إن الآباء أدركوا بوعي هذه الحقيقة وهى أن نصوص الكتاب هى نور من الرموز المستخدمة للتعبير عن الحقيقة الإلهية. أو بمعنى آخر: فقد رأى الآباء أن العناية الإلهية قد استخدمت كلمات وتعبيرات كرموز بواسطة الإنسان لتعبّر عن الخلاص الذي أعده الله للبشرية. إن آباء الكنيسة ومعلّميها أكدوا في كتاباتهم العديدة أن كلمات الكتاب المقدس سواء في ذاتها أو في معناها تخفي ورائها معاني كثيرة جدًا تحتاج إلى الكثير في فهمها.

الآباء في كتاباتهم عن الحقيقة قد قاموا بتوضيح الكثير من كلمات وتعبيرات الكتاب والتي كانت صعبة في فهمها، فالحقائق التي كتبوا عنها وتكلموا وعاشوها هى مرتبطة تمامًا بالكتاب، هذا إذًا لم تقل إنها هى نفسها وأن الجديد الذي جاءوا به هو تفسير ما هو مخفي وراء الكلمات والتعبيرات ورموز الكتاب المقدس.

والآباء في مجموعهم قد وضعوا معيارًا للكلمات التي تكلموا بها ومدى أصالة ما كتبوه وما سيكتب فيما بعد ومطابقته لما كتب في الكتاب المقدس وأن المعيار الذي وضعوه هو الفاصل بين الردئ والأصيل فيما كتب، وهل كل جديد يكتب هو أصيل مستضيئ بالنور الإلهي؟!

وعلى العكس من ذلك كان الهراطقة الذين لهم خطهم البعيد عن الحقيقة الأصلية. فقد استخدموا خيالهم في تفسير وتوضيح المكتوب بعيدًا كل البعد عن نور الروح القدس[15]. بنوا وصنعوا آراءهم بأفكار مظلمة بعيدة عن الحقيقة.

وعندما يتكلم الآباء ع عمل الروح القدس في توضيح ما هو صعب أو إضافة ما هو جديد بالطبع هذا لا يلغي إطلاقًا الفكر الإنساني أو بتعبير أدق لا يلغي العمل الإنساني في الشرح والتفسير فالروح[16] فقط يرشد ويقود. فمن أعمال الروح القدس أن يوضح ويساعد الإنسان أن يقبل الحقائق التي لم يكن يعرف عنها شئ أو يعرف عنها القليل جدًا.

إن كل تعاليم سواء عقائدية أو غيرها لا تقدم للإنسان شئ يجعله يتقدم في طريق المعرفة الأصيلة للحقيقة، تعد تعاليم فاسدة ضد الكنيسة ومن الضرورى أن نوضح أنه على الرغم من أن تعاليم الآباء والقديسين والمعلّمين في الكنيسة الأولى والتي لها مكانتها التي لا تقل إطلاقًا في قيمتها عن قيمة الكتاب المقدس، وفي نفس الوقت ليست هى تكملة له، وإنما هى مواضيع قد تكون مؤقتة أو مستمرة، لبعض احتياجات المؤمنين والتي لم تكن واضحة في الكتاب المقدس وأيضًا بعض المشكلات التي أُثيرت سواء من المؤمنين أو من الهراطقة الذين أرادوا أن يضروا الكنيسة بأفكارهم المضللة وإصرارهم عليها. ومن بين هذه المواضيع:

  • بتولية مريم والدة الإله.
  • طبيعة المسيح.
  • ألوهية الابن.
  • ألوهية الروح القدس.
  • انبثاق الروح القدس.
  • احترام وتكريم القديسين.
  • تكريم الأيقونات المقدسة.

ومن خلال هذه المواضيع والمشكلات وغيرها استطاع آباء الكنيسة ومعلّميها مع عمل الروح القدس فيهم أن يقوموا بالشرح والتوضيح لها حيث عاشوا هذه الحقائق في أصالة تامة فكان التعبير والشرح أصيل خالي من السلبيات.

 

الكنيسة الأرثوذكسية وأصالة أبنائها:

الكنيسة قبلت حضور الآباء في أحضانها وعاشت بهم حيث كان لهم الطريق الأرثوذكسي الأصيل. كان في وعى الكنيسة أن آبائها ومعلّميها كانوا استمرارًا وامتدادًا للرسل.

إن الروح القدس الذي أنار[17] الرسل وأرشدهم في طريق خلاص المؤمنين. أرشد[18] أيضًا الآباء في طريقهم.

طالما أن الآباء هم امتداد واستمرار الرسل فبالتالي فإن أعمالهم أصيلة لها كل الاحترام والتقدير من الكنيسة لأنهم في الحقيقة حجارة أساسية ملتصقين وملتحمين بحجر الزاوية المسيح.

إن الثقة الكاملة من الكنيسة في الآباء أدى إلى التقدير والاحترام للاهوتهم المعبر عن أصالة الكنيسة.

إن الدعامتين الأساسيتين اللتين اعتمد عليهما الآباءء في كل أعمالهم التي يعتمد عليها اليوم كل لاهوتي أصيل يطلب خلاص المؤمنين ويشرح لهم اللاهوت سواء النظري أو العملي هما الكتاب المقدس[19] والتقليد[20] لأن في الحقيقة بدون هذين لا تستطيع الكنيسة أن تحيا.

هل كل ما يكتبه الأب أو المعلّم سواء في شرحه لبعض المواضيع اللاهوتية أو الآراء التي يقمها للكنيسة تعد صحيحة خالية من الأخطاء والعيوب والانحرافات؟ هل يا ترى كل ما يكتبه الأب أيًا كان يدخل تحت التقليد الكنسي؟ هل يا ترى الآباء لم يخطئوا؟

والمشكلة تزداد تعقيدًا حينما يطرح سؤال آخر، نحن نعرف أن الآباء أكملوا ما بدأ به المسيح والرسل فهل أكملوا بأخطاء أم هم أيضًا كانت لهم العصمة من الخطأ؟

 

هل الآباء كانت لهم العصمة من الخطأ أم أخطأوا؟

نحن نذكر أو نصيغ هنا عنصرين من خلالهم تدور الإجابة أو بعض الإجابة:

1 ـ أن الآباء صاغوا لاهوتهم بواسطة استنارة الروح القدس.

2 ـ أن الآباء نعم أخطأوا وكانت لهم أخطاؤهم الخاصةوليست العقيدية.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نطابق العنصرين معًا؟

إن حقيقة استنارة الروح القدس للآباء هو شئ لا يقبل النقاش، فبالحقيقة تكلم الآباء بالروح القدس وكان من نتيجة ذلك أن الكنيسة أخذت تعاليمهم الصحيحة وأدخلتها على التقليد كمكمل له لأن هذه التعاليم كانت متفقة تمامًا مع الكتاب المقدس والتقليد حيث كانت المجامع المسكونية التي أفرزته ونقحته وتأكدت من أنه خال من كل انحراف أو خطأ.

وكان حرص الكنيسة على فحص أعمال الآباء لأنها كانت تعلم تمامًا أنه توجد بعض الأخطاء التي سقط فيها بعض منهم. والكنيسة تدرك أن هذه الأخطاء ترجع إلى ضعف الطبيعة الإنسانية في شرح وتفسير الحقائق الإلهية.

الآباء في أخطائهم التي وقعوا فيها لم تكن في مواضيع كانت الكنيسة في حاجة ملحة إليها ولا في موضوعات خاصة بخلاص الإنسان، لأن هذه المواضيع لم يعد للرأي الشخصي مجالاً للحوار فيها بل قاد[21]. فالكنيسة دائمًا يقظة في كل خطواتها ونظرتها الشاملة للأمور فلا تقلل من قيمة الأب الذي في طريقه (يخطئ) ولا تزيد قداسة الأب الذي (لا يخطئ) وإنما هى تعلم تمامًا ما هو الإنسان، والذي يهم الكنيسة في هذا المجال هو ألا يستمر الأب في خطاه أو بمعنى آخر ألا يستمر في توسيع الخطأ. نحن ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بهم، ولاسيما في حالة القداسة التي وصلوا لها بفعل عمل النعمة الإلهية وجهادهم المستمر.

 

الدقة والتدقيق والتنوع والتميز التي كانت عند الآباء:

وهنا أيضًا نشير إلى آباء الكنيسة التالين لا يأخذون ما كتبه الآباء السابقين على ما هو عليه بدون نقاش وبحث بل فاحصين كل شئ بالتدقيق. إن كل أب من آباء الكنيسة يمثل ينبوع يعطي في كل اتجاه. فهم قد شربوا وتغذوا من أمهم الكنيسة وعاشوا الإنجيل وتعلموا وعرفوا التقليد فكانت خلاصتهم الروحية واحدة وجوهر الحياة الروحية واحد عندهم، ولكن سنجد أن كل أب منهم له مميزات محددة ورأي قد لا نراه عند غيره وهناك أمورًا كثيرة لعبت دورًا في ذلك.

وليس مجالنا هنا أن نحصرها، مركزين فقط على أن العصر الذي عاش فيه كل أب يختلف عن الآخر والمشاكل التي واجهت الكنيسة وقتها تختلف عن غيرها. فنرى أنه كل واحد منهم قد انفرد بشئ مختلف، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أثناسيوس وموضوع “مساواة الابن للآب في الجوهر” (أوموسيوس) وكيرلس وموضوع طبيعة المسيح، غريغوريوس وموضوع انبثاق الروح القدس من الآب.

حيث إن انفراد الأب وتخصصه وتركيزه على هذا الموضوع بالذات جاء نتيجة أزمة ومشكلة كبيرة كانت في عصره ولم يوجد وقتها حل، ولم يأت الحل سريعًا لهؤلاء بل كان صراعهم المستمر مع الحقيققة وانسكابهم بدموع حقيقية أمام الله أعطيت لهم الحقيقة التي استطاعوا بها أن يخلصوا الكنيسة من الأزمات التي مرت بها وتقديم الطريق السليم للخلاص للمؤمنين.

وقد كانت الكنيسة مضطربة وقت إثارة هذه المشاكل والتي لم يكن أمامها حلاً واضحًا. واهتمامها كان كامنًا في ألا يضيع خلاص بعض المؤمنين وبالطبع كان هذا يتوقف على مدى حدة المشكلة. فنجد أن موضوع الأزمة الذي ظهر في القرن الرابع بعد المسح تقريبًا والخاص بالثالوث كان موضوعًا خطيرًا فقد أراد المؤمنين أن يتأكدوا من ألوهية الروح القدس لأنه إن لم تكن هناك ألوهية للكلمة فلا خلاص للإنسان مع المسيح وبالتالي فلا خلاص للبشرية وهنا يصير واضحًا كم كانت الحاجة ضرورية في كل مرة تنشأ مشكلة في الكنيسة أن يجد آباءها ومعلميها لها حًلا[22].

 

الآباء والخبرة:

1ـ المرحلة الأولى:

مما لا شك فيه أن الآباء في بحثهم عن الحقيقة الإلهية بكل أبعادها وأعماقها كان الهدف هو أن يعيشوا هذه الحقيقة لأنفسهم أو بمعنى آخر أنهم أرادوا أن يكونوا على يقين تام أنهم يتبعون الحقيقة وليست خرافات[23]، فهم لم يأخذوا الأمور على ما هي علية بل فتشوا عن الحقيقة التي هي حقيقة أصلية ووجدوا في النهاية أنهم بالفعل لم يعبدوا خيالات أو خرافات وإنما يعبدون الإله الحقيقي.

 

2ـ المرحلة الثانية:

وهي أن هذه الخبرة الإلهية التي عاشوها مع الحقيقة تصير رصيدًا للكنيسة وللمؤمنين فبالرغم من أن الخبرة كانت شخصية إلا أن الآباء عرفوا حقيقة أهمية ما عرفوه حتى ولو كان على المستوى الشخصي فبعضهم (بعض الآباء والمعلمين) صاغوا خبرتهم الشخصية في كتابتهم وهم يعلمون أنها ستكون ينبوعًا ورصيدًا سوف تستخدمها الكنيسة على مر العصور.

 

3ـ المرحلة الثالثة:

وهي قيام الآباء والمعلمين بصياغة هذه الخبرة بطريقة يستطيع عن طريقها القارئ أن يستوعب هذه الخبرة. وهنا تظهر خطوط الآباء في التعليم ومكانة كل منهم في اللاهوت وعلى الرغم من أنهم يلتقون ويتفقون في المواضيع الكبيرة إلا أننا نجد أن لكل منهم خطه الواضح والمتميز عن الآخر وذلك نتيجة للاختلاف في خبراتهم وثقافتهم واستيعابهم لبعض هذه الحقائق.

 

الآباء والتعبيرات اللاهوتية الجديدة:

تظهر نقطة أخرى وهى أهمية إدخال الآباء الإصطلاحات الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل. فخبرتهم أعطتهم قوة التعبير التي ولدت لنا كلمات لاهوتية لم تكن موجودة من قبل في القاموس أو في عالم اللغة، وعلى الرغم من أنهم استخدموا كل اللغات سواء الفلسفية، السياسية، المدنية، الفنية، الاقتصادية إلاّ أنهم أنتجوا تعبيرات لاهوتية جديدة، هذا بالطبع لأنهم لم يتركوا مجالاً لم يعرفوه فقد عرفوا كل لغات عصرهم وكل التيارات المحيطة بهم وكان ذلك نتيجة وعيهم بأن المسيحي الحقيقي يجب أن يعلم بكل ما يحيط به في كل اتجاه وعرفوا أنه من الخطورة أن يعلم بدون أن يعرف ما يجري بجانبه لئلا تصير تعاليمه غير نافعة لأنها ستكون بعيدة عن عصره ومشاكله.

ونحن نعلم أن بعض الآباء وصلوا في ثقافاتهم إلى حد بعيد جدًا فقد درس بعضهم كل أنواع الفلسفة التي كانت موجودة في عصرهم وتأثروا بها تأثيرًا إيجابيًا ولم ينحرفوا إطلاقًا في فكرهم بل سعدهم ذلك بالإضافة إلى دراسة الأدب والقانون والشعر والتاريخ ساعدهم على الارتفاع بمستوى الإنسان الذي أرادوا أن يقدموا له يسوعًا مكتملاً وليس ناقصًا، المسيح الكلمة الإله المتجسد فقد اهتم الآباء بكل شئ ولم يحتقروا شئ على الإطلاق بل قدسوا كل شئ أو بالأحرى وجدوا أن كل شئ مقدسًا بعيدًا عن أى انحراف نحن نظنه.

بالتالي فقد وجدنا في الآباء من هو أديب ومن هو شاعر ومن هو فنان ومن هو كاتب ومن هو فيلسوف[24].

وهنا نطرح السؤال:

نحن نعلم تمامًا أن معظم[25] الآباء درسوا باستفاضة الأدباء والفلاسفة اليونانيين وتأثروا بهم إما بقليل أو بكثير، فما الفرق إذًا بين أعمال الأدباء وأعمال هؤلاء الفلاسفة ..؟ فإذا قلنا وهذا صحيح تمامًا أن هؤلاء الفلاسفة وفلسفتهم قد خدمت الإنسان قديمًا وتخدمه وستخدمه غدًا لأن الفلسفة كما تعلم هى أيضًا غذاء نافع للإنسان.

 

الفرق بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة:

ويمكن هنا في كلمات بسيطة على سبيل المثال وليس الحصر أن نذكر بعض الفروق بينهم تاركين للقارئ فرصة البحث والدراسة مع التفكير في بقية الاختلافات بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة.

 

+ إن الآباء يقومون بتفسير وتوضيح التقليد:

هذا بناء على أسس وقواعد محددة ومعينة بواسطة الاعلان المعلن عنه في الكتاب المقدس، حيث إن عندهم “الحقيقة” ـ كلمة الله ـ المعلن عنها والتي تشكل عندهم مادة موجودة. أما الفلاسفة فليس عندهم حقيقة معلن عنها بل هم بنفسهم يبحثون عن الحقيقة وقد يدونها وقد لا يجدونها.

ومما لا شك فيه أن الآباء حاملين ومعبرين عن الحقيقة الواردة في الكتاب المقدس كما في التقليد. ولم يكن هذا عمملاً سهلاً بل أن اكتشاف الاعلان الإلهي هذا كلف الآباء والمعلّمين دموع وجهاد كما صارع يعقوب مع الله حتى طلوع الفجر.

وهذا يظهر عمل الآباء في هذا المجال على النحو التالي:

 

التعبير عن الحقيقة الإلهية وكشفها للإنسان المعاصر:

الذي يعاني من بعض المشاكل التي في كثير من الأحيان تكون مدمرة وخطيرة مؤكدين لإنسان العصر أن يسوع المسيح هو المنتصر على كل روح مدمر وهو المحتضن لخائفيه ومنجيهم مسيجًا حولهم بسياج حبه وإذا قمنا بدراسة موضوع محدد عند بعض الآباء تجدهم قد أعطوا اعتبارًا لكل ظروف عصرهم مؤكدين على ما يجب أن يعمله ويتبعه الإنسان ليخوض بسلام معركته مع الزمن.

الدخول نحو عمق الحقيقة:

والدخول نحو العمق ليس من السهل بل يحتاج إلى إنسان عرف كيف يضع كل شئ جانبًا مُضحيًا (بكل شئ) لأجل معرفة الله والشركة العميقة معه، إذ نجد أن معظم آباء الكنيسة ومعلّميها عاشوا ودخلوا الأعماق فكانت حياتهم وكتاباتهم معبرة عن ذلك.

وإذ نجد أيضًا أن الفلاسفة يطلبون الحقيقة بكل أعماقها وأبعادها مفتشين عنها في كل مكان ولكن الطريقة في البحث وما يقدم للإنسان هو من نوع آخر يختلف كثيرًا مع ما يقدمه الآباء والمعلّمين حتى ولو التقوا في بعض الأحيان في بعض الموضوعات.

فالفلاسفة يقدمون الحقيقة ويوضحونها بناء على مقاييس عقلية بحتة فكل ما لا يخضع للعقل فليس من الحقيقة مؤكدين على أن العقل هو الأساس والحاكم في كل شئ وهنا تختلف الطريقة والمعيار وبالتالي تختلف النتيجة.

الفلسفة لا تحتاج أن يعيش صاحبها الحقيقة ليخرجها وإنما عليه فقط أن يدركها بعقله، مختلفين مع الآباء والمعلّمين الذين عاشوا الحقيقة في أعماقهم وفي قلوبهم وعقولهم وأرواحهم فخرجت الحقيقة لأناس مكتملين ناضجين من كل النواحي عقليًا، نفسيًا وروحيًا.

الفيلسوف ليس عنده تقليد ولا ماضي فهو لا يعتمد على أحد قبله في الاكتشاف والبحث وراء الحقيقة بل يقوم بنفسه بإظهارها وقد يكون مختلف تمامًا من سبقوه وبأدلة وبراهين أخرى.

أما الأب والمعلّم فهو يعتمد اعتمادًا كليًا على الكتاب المقدس والتقليد، اللذان بدونهما لا يمكن أن يقدم لاهوت وقد يختلف أحد الآباء مع الآخر في بعض النقاط ولكن الانطلاقة واحدة والأساس وحجر الزاوية واحد.

 

+ الآباء والمجامع الكنسية:

هل يا ترى آباء الكنيسة ومعلميها لعبوا دورًا مهمًا في المجامع المقدسة وساهموا فيها بقوة؟ مما لا شك فيه أن عمل الآباء والمعلّمين وجد سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المجامع سواء مسكونية أو محلية، ولكن غير واضح تمامًا فقد يكون أحد الآباء عضوا في المجمع أو قد لا يكون عضوًا. فنجد أنه في المجمع المسكوني الأول قد لعب القديس أثناسيوس الكبير دورًا أساسيًا ومهمًا بل كان له أهمية قصوى وذلك دون أن يكون عضوًا في المجلس المكون للمجمع. كما نجد في المجمع المسكوني الثاني أن أثناسيوس الكبير كان أن انتقل في حين قد تغيب القديس غريغوريوس اللاهوتي ورغم ذلك نجد أن قرارات المجمع[26] وتوصياته كانت معتمدة أساسًا بل كليًا على تعاليم هذين الرجلين.

كما أنه في المجمع المسكوني الثالث نجد القديس العظيم كيرلس الأسكندري كان عضوًا ورئيسًا له وهو معروف بدوره اللاهوتي البارز فيه.

إذًا فتعليم المجامع لا يمككن أن يعتبر بأى حال من الأحوال أنه تعليم منفصل عن تعاليم الآباء وسوف لا نبالغ إذا قلنا إنه هو نفسه تعاليم الآباء ومعلّمي الكنيسة.

 

+ كيفية فهم وتفسير كتابات الآباء:

عند الدخول إلى ينابيع كتابات آبائنا نجد أننا بصدد أمور صعبة في تذوقها من ناحية وصعبة في التعبير عنها والاقتراب منها من ناحية أخرى وهذا يرجع في البداية إلى أننا بصدد أمور إلهية وخبرات شخصية عاشت الحقيقة. ولكن بالنسبة للإنسان الذي له خبرة مع الروح القدس وحياة أمينة جادة في جهاده لمعرفة الحقيقة فإن تعاليم الآباء لا تكون صعبة عليه.

وعلى الرغم من أن الآباء عاشوا في العالم وتعاملوا بكل ما فيه واستخدموه على أكمل وجه إلاّ أن تعاليمهم وكتاباتهم كانت شئ مختلف عن مما في العالم أو له طابعه الخاص يصعب التعبير عنه لأنه يعبر عن الحقيقة الإلهية التي شاركوها وتعاملوا معها وعاشوها وعاشوا لها.

ومما لا شك فيه أن المؤمنين الذين لهم شركة وذاقوا الحقيقة يعرفون ويشعرون بمدى ما يتمتع به الآباء من جاذبية وملء وكيف أن بعضهم قد وصل إلى القداسة الكاملة والعشرة الحية مع الله حتى ولو أنهم في بعض اللحظات في حياتهم رأوا الله الكلمة في داخلهم وتكلموا معه.

ولكي يستطيع الإنسان أن يفهم ويفسر ما كتبه الآباء ليس من واجبه فقط أن يعرف كل ما دار وكان في عصرهم من فلسفة واجتماع وتاريخ وحضارة وغيرها لأننا إذا توقفنا عند هذا الحد لكانت شخصية الأب والمعلّم شخصية لا تختلف عن مجرد شاعر أو مؤرخ أو فيلسوف أو رجل اجتماع فقط وإنما لكي يستطيع الدارس أو المهتم بالأمر (الباحث) أن يعرف ما كتبه الآباء ويفهمه ويفسره فعليه بالإضافة لكل ما سبق والذي يمثل فقط جانب المعرفة النظرية لابد وأن تكون له شركة حقيقية مع الأب والمعلّم والتي هى بالضرورة شركة حقيقية مع الروح القدس.

وبالتالي فعلى الباحث أن يحيا شركة حقيقية مع الأب والمعلّم وبالتالي يستطيع أن يفهم ويفسر كل ما كتبه وبدون هذه الشركة فلا فهم حقيقي وتفسير للآباء.

 

+ الهدف من دراسة الآباء:

وهنا يطرح السؤال نفسه:

ما هى القيمة الحقيقية لدراسة الآباء (آبائنا ومعلّمينا)؟

ـ وتأتي في المقدمة أهمية معرفة كيف كان فكر وروح الآباء الذي هو فكرنا وروحنا أو ماذا يجب أن نكون عليه.

ـ معرفة كيف استطاعوا أن يحموا الكنيسة من كل تعليم خارج التعاليم الصحيحة.

ـ معرفة كيف عاش الآباء الحقيقة بكل أبعادها، عاشوها في عصرهم ولم ينسوا أو يتناسوا شيئًا فيها.

ـ وبالرغم من أهمية كل ذلك لكن يأتي الأهم والهدف الأساسي من دراسة الآباء وهو ليس فقط أن نتعلم ونعرف ما عمله الآباء والمعلّمون وعرفوه ولكن لندخل بهم ومعهم إلى الأعماق بالروح القدس الذي دخلوه من الباب الضيق بالصلاة، الذي أدخلهم إلى حظيرة أولاد الله القديسين بالحقيقة، لنعرف بهم ومعهم كيف كانت الحقيقة صعبة ليعرفوها بكل أبعادها. فقد عرفوها وعاشوها بآلام كثيرة وجهاد مرير وكيف كانت قلوبهم تدق بقوة كأجراس الكنائس في البرية عندما كانوا يتقدمون ويتكلمون عن الرب يسوع في كنيسته المقدسة.

ـ ونتعرف عليهم لنعيش معهم في جهادهم وآلامهم وأحزانهم وأفراحهم وكيف كان إيمانهم المطلق في الروح القدس الذي عرفوه عاملاً بقوة فيهم.

ـ لنعرف معنى اللاهوت الحقيقي ونستمد منهم قوة العمل والسر والبحث المستمر في كل ما يقدم إلينا من تعاليم حتى ولو كانت من كبار اللاهوتيين بكل أشكالهم لئلا تكون تعاليم ليس لها أساس من الحقيقة بل غريبة[27].

فنطلب من كل آبائنا القديسين والآباء الذين غادروا الجسد، نطلب منهم أن يساعدونا بصلواتهم وتشفعاتهم أن نكمل خلاصنا نحن أيضًا ونلتقي معهم عند الآب.

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

 

 

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

 

 

 

[1] الكنيسة أخذت هذه التسميات أو الألقاب لبعض الأشخاص من المعلّم بولس الرسول حيث اقتدت به لأنه كان أبًا روحيًا أنجب لها أولادًا في المسيح وكمعلّم هذبهم فيه (1كو14:4ـ16).

[2] القديس يوحنا ذهبي الفم في مجموعة مني Migne للآباء باليونانية مجلد 50 صفحة 154.

[3] القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات مجموعة ميني مجلد 36.

[4] القديس كيرلس الأسكندري مجموعة ميني مجلد 74 صفحة 176.

[5] “كل الحقيقة” هنا معناها أنه في كل عصر نحتاج إلى طريقة تفكير مقتادة بالروح القدس لنجد حلول لمشاكل الإنسان المتطورة وكيفية قيادته إلى الخلاص المعلن عنه في الإنجيل. وأيضًا “كل الحقيقة” المقصود بها التفتيش والتنقيب مع عمل الروح القدس عن بعض الصعوبات والتي لم يكن لها حل لولا تدخل الروح المعزي الذي قال عنه المسيح لتلاميذه أنه سيخبركم بكل شئ.

[6] توجد عقائد هامة في الكنيسة بالرغم من أنه لم يشار إليها بنص صريح واضح في نصوص كتب العهد الجديد مثل “طبيعة المسيح” أو “أوموسيوس” = المساواة في الجوهر أو “الوحدة في الجوهر” وغيرها إلاّ أنها تفهم من المحتووى اللاهوتي من معنى نصوص الكتاب المقدس ومن تفسير الآباء الذين قادهم الروح لحل مثل هذه الصعوبات.

[7] انظر ذهبي الفم في تفسيره عن أعمال الرسل الاصحاح الأول: 2.

[8] انظر القديس غريغوريوس، المقال 31 الباترولوجيا 36ـ161.

[9] انظر القديس غريغوريوس اللاهوتي، باترولوجيا 36؟

[10] انظر “القديس أثناسيوس الكبير والمجامع” تحت بند 40.

[11] يذكر غريغوريوس النزينزي في كتابه ، عن الروح الذي ينير الآباء والمعلمين في خبرتهم الإلهية في البحث عن الحقيقة فيقول في إحدى مقالاته “فليأت الروح القدس إليّ لأستطيع أن أعطي كلمة”. أو ترجمة أخرى “إن لم يعمل الروح القدس فيّ لا أستطيع أن أعطي كلمة”.

[12] يقول أستاذ العقيدة والدفاع بابا بترو Papa Petro بجامعة أثينا: إن ” فهم آباء الكنيسة للإله كان نتاج شركة حية مع عمل الله في تاريخ الاعلان الإلهي، وأن تفسيرهم لبعض المواضيع هو بالضبط شرح لهذه الشركة ” اعلان الله ومعرفته، ص41.

[13] هذا ليس معناه أن الحقيقة الإلهية معلنة وسهلة الفهم بدون مشاكل لاهوتية ولكن على مر العصور في القرون الأولى وجدت مشاكل كانت صعبة الحل وضاع للأسف ضحيتها الكثيرون، واحتاجت إلى الفهم الجيد للاعلان لاكتشاف معنى الحقيقة لبعض الأمور التي لم تكن واضحة. ولكن لأن آباء الكنيسة كانت لهم خبرة معها أى حياة القداسة التي عاشوها مع الحق، سمحت لهم في توسيع خبرتهم لفهم الحقيقة فاستطاعوا أن يجدوا حلولاً لهذه الصعوببات.

[14] انظر القديس باسيليوس الكبير في رسالته 223ـ225 إلى أستايوس.

[15] في هذا الصدد يقول ق. غريغوريوس الثيؤلوغوس” إن كل ما يكتب بواسطة الروح القدس محتوى وشامل الحقيقة وأن ما يكتب بدون الروح القدس فلا حقيقة فيه لأنه خالي من الأداة السليمة في التعبير، أى الروح القدس. (الباترولوجيا الجزء رقم 21 )

[16] يؤكد مكسيموس المعترف في بعض مقالاته أن مركز الإنسان هو قلبه الذي يعلن له فيه الروح القدس عن الحقيقة.

[17] انظر القديس أثناسيوس الكبير باترولوجيا الفصل الرابع تحت رقم 18.

[18] انظر الأستاذ: كرميريس أستاذ العقيدة في كتابه اعترافات رقم 12 صفحة 75. فيقول ” .. في سنوات الرسل كان المعلّم والقائد هو الروح القدس فجاء بعدهم الآباء الذي تعامل معهم الروح القدس بنفس القوة .. الخ “.

[19] الكتاب المقدس: هو كلمات الوحي الإلأهي والتي تكون العمود الفقري وحجر الزاوية والذي بدونه لا يمكن أن نتكلم عن أرثوذكسية ولا عن مسيحية.

[20] التقليد: نعني به كتابات الآباء، والذي لم يبدأ بها الآباء وإنما بدأه السيد المسيح والرسل ومن الجدير بالذكر هنا أن الكنيسة لم تخلق من عدم وإنما وجدت في مناخ يؤكد وجود التقليد الذي عاشه بالأخص الرسل مستوحينه من المسيح ثم حدث أن الآباء فسروه ووضحوه.

[21] إن اللاهوتي الأصيل لا يتكلم عن اللاهوتيات من نفسه ولأجل نفسه وإنما يتكلم من النعمة التي أعطيت له من الكنيسة ولأجل الكنيسة، يتكلم ويكتب اللاهوتيات طالما أن الكنيسة تعيش في شركة مع الإله المعلن عن نفسه. وبالتالي فإن التقدمة التي يقدمها الأب أو المعلم أو اللاهوتي الأصيل سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هى تفسير وتوضيح للكتاب المقدس الموحى به من الله. (انظر الأستاذ/ بابا بترو في كتاب الاعلان الإلهي ـ طبعة أثينا 1969 ص10).

[22] والمقصود بالحل هنا الحقيقة الأصلية في كل أبعادها ، والتي تحتاج إلى خبرة حية مع الروح القدس.

[23] لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفنا كم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته” (2بط16:1).

[24] يجب على كل معلّم في الكنيسة اليوم أن يحرص على معرفة كل ما يدور في العلوم الأخرى مثل الأدب والفن والقانون والتاريخ والسياسة وإلاّ أعددنا إنسانًا ناقصًا.

[25] هناك بعض الآباء رفضوا تمامًا كل نوع من أنواع العلوم الأخرى والتي لها علاقة بالفكر مثل علوم الفلسفة وذلك خوفًا من الفلسفة وغيرها التي تضر المؤمن والتي تخفي ورائها الكثير من الأمور التي لها علاقة بالروح والنفس الإنسانية ولذلك اعتبروا أن أى إشارة إلى مثل هذه العلوم مما لا شك فيه سيؤثر على خلاص المؤمن، وفي الحقيقة أن هؤلاء الآباء والمعلّمون الذين رفضوا العلوم الأخرى هم قليلون، وهذا ليس معناه أن هؤلاء الآباء لم يقوموا بدراسة هذه الأنواع من العلوم بل درسوها وعرفوها ولكنهم رفضوها تمامًا وكان خوفهم الأكبر أن تشد هذه الفلسفات المؤمنين واضعين أمامهم أمثال من قرءوا بعض الفلسفات بطريقة خاطئة حيث قادتهم إلى القيام بالهرطقات التي حرمتهم من الخلاص.

[26] وهذا معناه أن الحلول والإجابات على المشاكل التي طرحت في بعض المجامع لم تكن مقتادة بالروح القدس في نفس لحظة انعقاد المجمع وفي نفس المكان كما يقول بعض الباحثين بل هى إجابات وحلول كان بعضها موجود من قبل في كتابات وتعاليم الآباء وكان عمل الروح القدس وقتها (في المجمع) هو اختيار التعاليم الصحيحة والتي تخص المشكلة المحددة ليعتمدها المجمع ويصدق عليها لتصير عقيدة الكنيسة كلها.

[27] من الصعب جدًا ومن المحزن على الإنسان أن يقبل ما يقدم إليه بدون أن يعرف جذوره، فبدراسة آبائنا ومعلمينا وبجانبهم ستعرف كنيستنا الواحدة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.

 

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

الكنيسة الأرثوذكسية هى كنيسة كتابية وآبائية بأن واحد . فهى كنيسة الآباء الذين تكلموا بإلهام الروح القدس نفسه الذى ألهم الرسل القديسين ، فعمل الروح القدس لم ينته بانتهاء عصر الرسل بل استمر ويستمر إلى الأبد، إذ أنه مقيم فى الكنيسة حسب وعد المسيح (أنظريو17:14) . إنه يعمل فيها على الدوام ويعطى أعضاءها مواهب العنصرة وخبراتها ويعلن لهم الحق الإلهى إن هم استجابوا لندائه . الرب نفسه قال لتلاميذه : ” أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم ” (يو26:14،27) . وأيضًا : ” متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو13:16،14) .

فبنعمة الروح الذى يعمل فيهم ، يعبّر الآباء عن الحقيقة الإنجيلية نفسها ، كما أنهم يحصلون على خبرة روحية عميقة ويعيشون حياة النعمة ، ويحدثون بعظائم الله ولذلك فعلى الرغم من أن كتاباتهم مكتوبة بأسلوب منطقى وأحيانًا بلغة فلسفية ، إلاّ أنها بسيطة ونابعة كما قلنا من خبرة حقيقية . فتعليمهم غير منفصل عن الحياة فى المسيح وعن حياة التأمل والصلاة .

لاهوت الآباء ينبع من نقاء النفس وشفافية الوجدان والتخمير بخميرة المسيح ، ومن قهرهم لقوى الشر التى فى هذا العالم ، هو ناتج من عمل الروح القدس ، إذ أنهم مستنيرون من الروح القدس وملهمون من الله .

+ علم اللاهوت لا ينمو إلاّ بالعمل الروحى من ناحية والمشاركة الإنسانية من الناحية الأخرى ، لذلك ، نجد أن كل أب من آباء الكنيسة يقدم، بنور الروح القدس العامل فيه ، شيئًا جديدًا ، أو خبرة جديدة ، أو توضيحًا جديدًا، أو معرفة جديدة ، على أن هذه المعرفة هى امتداد للمعرفة الإنجيلية والآبائية السابقة عليه . فالجديد الذى يحمله كل أب هو جديد من ناحية التعبير ، سواء تعبيرات الإنجيل أو تعبيرات الآباء السابقين له ، لكنه ليس بدعة جديدة أو تعليمًا جديدًا ، لأن تعليمه مماثل لتعليم الكنيسة المستقر من قبل هذا التعبير الجديد . بل أن خبرة كل أب تصبح خبرة الكنيسة نفسها لأنه كأب يتكلم من قلب الكنيسة . وهذه التعبيرات الجديدة التى يقدمها كل أب ليست خارجية فقط إنما هى مرتبطة باختباره للحقيقة التى يعلنها الله له.

+ إنه قول تنقصه الدقة أن يُقال أن كل أب له خط لاهوتى خاص به ، لأن هذا القول سيقودنا إلى إنكار أنهم يعلنون جميعًا الحق الواحد وسيعطلنا عن الاستفادة من الخبرة الإلهية التى حصل عليها كل أب .

طبعًا نحن لا ننكر أنه توجد فى بعض الأحيان اختلافات بين أب وأب ، لكن هذه الاختلافات لا تمس الأساس نفسه . بل هى دليل على أن الروح القدس لا يسلب الإنسان حريته ولا يلاشى شخصيته .

ونحن نسلم بأن بعض الكُتاب الكنسيين وقعوا فى بعض الأخطاء غير الجوهرية ولكن الكنيسة لم ترفضهم بل رفضت هذه الأخطاء .

آباء البرية والحياة النسكية (2) – د. سعيد حكيم

آباء البرية والحياة النسكية (2) – د. سعيد حكيم

آباء البرية والحياة النسكية (2) – د. سعيد حكيم

آباء البرية والحياة النسكية (2) – د. سعيد حكيم

الكتاب المقدس والحياة النسكية:

لقد شكّل الكتاب المقدس، كجزء من تقليد الكنيسة الحي الذى استلمته من الرسل ثم من الآباء، مصدرًا أساسيًا لتلك المبادئ السامية التى استندت إليها الحياة الرهبانية. فهو المنبع الذى نهل منه النساك حتى ارتوا، وهو المرشد الذى يضبط مسيرة الحياة الروحية من أى انحراف قد يعتريها، وهو الذى يشرح معنى النسك الحقيقى، وفيه يجد الراهب إجابة على تساؤلاته واستفساراته، وحلاً لتلك الأمور التى لا يجد لها حل.

ولذلك كان الآباء الشيوخ ينصحون بالرجوع للكتاب المقدس باستمرار.

إن الثراء الكتابى الذى تميز به آباء البرية، كنتيجة للاستخدام المستمر للكتاب المقدس فى الحياة اليومية، هو ما جعل الكتاب المقدس يشكل حجر الأساس الذى استندت إليه التعاليم اللاهوتية لآباء البرية.

وكان الهدف من هذا الاهتمام الواضح من قِبل آباء البرية بمكانة الكتاب المقدس فى الحياة النسكية، التأكيد على أهمية العلاقة الشخصية بين الراهب ونصوص الكتاب القدس. فى هذه العلاقة الخاصة بين الشخص والنص تصير الصلاة هامة وضرورية لنقاوة النفس حتى يُفهم هذا النص كما أن النص الكتابى على درجة كبيرة من الأهمية أيضًا لأنه يُغنى ويعمق خبرة الصلاة. هكذا علّم وهكذا عاش آباء البرية. ولهذا عندما سُأل الأنبا أنطونيوس عن معنى جزء من سفر اللاويين خرج خارج قلايته وطلب معونة الله، لكى يعطيه تفسيرًا صحيحًا لهذا الجزء[1].

وفى رهبنة الشركة كان هناك حرصًا على أن يعقب الصلاة الجماعية تفسير للكتاب المقدس ثم بعد ذلك يذهب الراهب إلى قلايته متفكرًا فيما سمعه، ليحفظه فى قلبه من أجل بنائه الداخلى. ويمكننا التحقق من الأهمية الكبرى للكتاب المقدس فى الحياة النسكية بالرجوع إلى البدايات الأولى لأولئك الذين صاروا فيما بعد من مشاهير آباء البرية:

1ـ كان القديس أمون يداوم على سماع القديس أثناسيوس وهو يفسر الكتاب المقدس ويمتدح البتولية[2].

2ـ كان القديس ثيودوروس قارئًا للإنجيل فى كنيسته لمدة 12 سنة، قبل أن يرحل إلى الشركة الباخومية[3]

3ـ القديس الأنبا باخوميوس عاش بالقرب من القديس الشيخ بلامون لمدة عشرة سنوات يستمع فيها لتفسير الكتاب المقدس[4].

4ـ أيضًا القديس الأنبا شنودة عاش سنوات طويلة بالقرب من خاله القديس الأنبا بيجول متعلمًا من الكتاب المقدس[5].

ونظرًا لأهمية الكتاب المقدس لحياة النساك الروحية، كانت القوانين الرهبانية تُلزم أى شخص يرغب فى الانضمام إلى أحد الأديرة، معرفة القراءة وإن لم يكن يعرفها كان مُلزمًا أن يتعلّمها، وهذا القانون كان إجباريًا ولا يُستثنى منه أحد. وكان على الراهب ان يحفظ عن ظهر قلب مواضع مختلفة من نصوص الكتاب المقدس. ولهذا كان على المنضمين حديثًا أن يعرفوا القوانين، وأن يحفظوا عشرين مزمورًا، ورسالتين من رسائل العهد الجديد[6].

ويؤكد Douglas Burton أن القداسة فى البرية كانت تظهر من الطريقة التى بها يسلك الراهب والتى كانت تعكس تأثير كلمات الكتاب المقدس بعمق فيه[7]. وهكذا أعطيت أهمية لحفظ الكتاب حتى أثناء العمل. هذا التأثير الكبير الذى يتركه النص المكتوب على نموذج الحياة الروحية لدى النساك، أدى إلى ظهور ما يُسمى بكراسات الكتاب المقدس والتى كانت تحتوى على أجزاء متنوعة من الكتاب المقدس. هذه الكراسات ساهمت بقدر كبير فى فهم ودراسة الكتاب المقدس، وبسبب صغر حجمها، كان لها انتشار واسع بين الرهبان[8]، وأعطت الفرصة للرهبان ليلهجوا باستمرار فى كلمة الله.

وكانت أديرة الأنبا شنودة تتميّز بهذا الاستخدام المكثف للكتاب المقدس فى الحياة اليومية للرهبان. فقد كان الكتاب المقدس هو المصدر الدائم الذى استقى منه الأنبا شنودة تعاليمه اللاهوتية. ويقول E. Crum “إن الدارسين للعهد الجديد سيجدون فى إشارات الأنبا شنودة التى لا تنتهى للعهد الجديد، شهادة لها أهمية كبيرة، وهى من الأمور التى لم تُبحث بشكل كافى حتى الآن”[9]. وقد اعتاد الأنبا باخوميوس أن يعلّم رهبانه العقيدة المسيحية والكتاب المقدس لمدة طويلة. أيضًا اعتاد ثيودوروس أن يذهب كل يوم عصرًا إلى دير فاو لكى يسمعه.

وفى اليوم الذى صار فيه أمون وهو فى سن السابعة عشر مقبولاً بدير فاو سنة 352م، وجد ثيودوروس جالسًا تحت نخلة وحوله ستمائة أخ يفسر لهم الكتاب المقدس. وفى نهاية التفسير كان يقف مع الإخوة ليصلى، حتى يتذكّر الجميع كلمة الله على الدوام، من أجل خلاص نفوسهم[10]. ويؤكد الأنبا باخوميوس بأن مزمورًا واحدًا يكفى أن يخلِّصنا بشرط أن يُقرأ جيدًا وأن يلاقى اهتمامًا وافرًا، حتى يوضع موضع التطبيق، وهذا ينطبق بشكل أساسى على الإنجيل الذى يشكل كمال كل الكتب. ويصف ثيودوروس حياة الشركة بين الرهبان كأناس قد انتقلوا من الأرض إلى السماء، ولم يعد لهم اهتمام آخر سوى الحوار فيما بينهم حول كلمة الله.

وإذا حدث وتقابل راهب مع أخ له فى الشركة، وكان هذا الأخ غنيًا بفضائل الاحتمال ومعرفة الله، فكان يسأله عن معنى الجزء الكتابى الذى يشغله، حتى يعرف تفسيره، وإن كان فى نفس عمره أو أصغر منه فكان يسأله أيضًا إذا ما كان قد سمع بالتفسير حتى ينقله له، وبهذه الطريقة كان كل واحد يقول لإخوته ما يعرفه وما يسمعه[11].

إن أعمال وأقوال وتعاليم آباء البرية، تُظهِر كيف أن كلمة الله يمكن أن يُعبّر عنها حتى داخل مشاكل وتفاصيل الحياة اليومية. هكذا يُستعلن ملكوت الله ليس بشكل مجرد ونظرى، لكن داخل مكان وزمان محدد. وبهذه الطريقة تصير الحقيقة المسيحية حاضرة ومحسوسة ومدركة[12]. هكذا نجح آباء البرية أن يحولوا الكلمة إلى حدث[13].

هذا ما يقوله أحد آباء البرية فى القرن الخامس، ويدعى مرقس الناسك، يقول: إن قراءة الكتاب المقدس تظهر فى التطبيق العملى لمحتواها[14]. وهذا المنهج الروحى كان خطًا ثابتًا لدى آباء البرية، فقد تجاوزوا مسألة القراءة النظرية المجردة، إلى تطبيق المحتوى الكتابى فى الحياة اليومية. هكذا يقول القديس يوحنا ذهبّى الفم: “عندما تجلس لتقرأ كلمة الله، فيجب عليك أن تستدعى الله فى البداية، أن يفتح عيون ذهنك ، حتى لا تنحصر فى مجرد القراءة فقط، بل أن تطبقها فى حياتك، حتى لا تصير دراسة الكلمة إدانة لك”[15].

أيضًا يقول القديس مقاريوس: “الله قد أعطانا الكتب المقدسة كرسائل منه للبشر وهو يعلن عن طريقها للناس أنه ينبغى أن يأتوا إليه ويدعونه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية..لكن إن لم يأت الإنسان ويسأل وينال فإنه لا يستفيد من قراءته للكتاب”[16].

وعندما كان الآباء يتأكدون أن فى محدثيهم شيئًا من عدم الكمال الروحى وعدم الخبرة، كانوا ينصحونهم بالصمت، ودراسة الكتاب المقدس من خلال تعاليم الآباء، لأنه ليس من الممكن دراسة الكتاب المقدس بدون استنارة إلهية[17]. وقد أشار القديس الأنبا باخوميوس إلى أن ثيودوروس عندما كان يسمع عن أحد الأخوة أن لديه معرفة قليلة وأن كلامه بلا قيمة، كان يدعوه إلى البرية ويعلّمه الكتب بصبر كبير، ويقول له إن على الراهب أن يعرف الكلام الذى يرغب فى أن يقوله، لأنه مكتوب الحكيم يعرف ما يخرج من فمه[18].

الواضح إذن أن آباء البرية لم يحيدوا البتة عن خطهم الروحى الذى وضعوه لأنفسهم وبالتالى لكل ابنائهم الرهبان، حيث أكدوا على أن الكلمة الإلهية هى السند الوحيد الذى يشدّد حياتهم، وهذه الكلمة قادرة على أن تُنجب قديسين عندما يتجاوب معها الإنسان، ويضعها موضع التطبيق. هكذا أجاب الأنبا انطونيوس على تساءل بعض الإخوة “كيف نخلص” قال “اسمعوا الكتاب المقدس وهذا يكفيكم”[19].

وقد لاحظ القديس أثناسيوس أن القديس الأنبا أنطونيوس كان منتبهًا جدًا عند قراءته للكتاب المقدس، حتى أنه لم يترك شيئًا قط، وكان يتذكّر كل شئ، حيث كانت ذاكرته مثل كتاب مفتوح، هذا ما يؤكد على أن أهمية الكتاب المقدس فى حياته لم تكن فقط فى تلك اللحظة الفارقة الخاصة بتحوله، بل أن الكتاب القدس كان يسود على كل عمل يعمله، وفى كل مرحلة من مراحل سيرته الروحية وجد سند وتشجيع وتعضيد وتأكيد من العهد الجديد[20].

وعندما سأله أحد الإخوة “ماذا أفعل لكى أكون مقبول لدى الله؟” أجابه الأب القديس “أن تحفظ كل ما يوكل إليك وأن كل ما تفعل أو تقول، فليكن وفقًا للكتاب المقدس”[21]. ولذلك فقد أكد القديس يوحنا ذهبّى الفم على أهمية القراءة المستمرة للكتاب المقدس من أجل نقاوة النفس، ويقول: “إن حقيقة الفردوس تُستعلن بقراءة الكتاب المقدس”[22].

كل هذا يوضح أن آباء البرية قد وجدوا فى الكتاب المقدس كنزًا لا ينضب من القيم الروحية النافعة لحياة الرهبان، وأساسًا لا يمكن لأحد تجاوزه حتى يبنى عليه للوصول إلى حالة الكمال الروحى الذى يترجاه الجميع.

 

الكمال الروحى عند آباء البرية:

إن مسيرة النفس فى جهادها الروحى نحو الكمال، هى مسيرة تصاعدية، فيها ينمو الإنسان حتى يبلغ مرحلة الكمال، بعد أن يجوز التجارب ويتحملّها بصبر وارتياح داخلى. إلاّ أن هذا الجهاد يحتاج إلى التوافق بين التداريب النسكية، وبين عمل النعمة الإلهية المستمر. والنفس التى تتخلّص من ثقل الخطية عن طريق التداريب الروحية والنمو فى الفضيلة تتشدد وتتقوى ويصير لديها إدراكًا وتمييزًا لحيل الشرير المضّلة.

فرجاء الوصول إلى حالة الكمال الروحى لدى الناسك لا يمكن تحقيقه إلا باتحاد النفس بالله، وحيث إن هبات الله ليس لها حدود فإن مسيرة الكمال ليست لها نهاية. وهكذا كلما يكتمل الناسك روحيًا بالتداريب النسكية، كلما يتحد بالله أكثر، الذى هو بالحقيقة كلى الكمال[23].

وعندما تنجح النفس مرة تلو الأخرى، وهى لا تُحزن النعمة فى أى أمر، فإن الإنسان ينال معونة متزايدة والنعمة نفسها تجد لها مرعى فى النفس، وتضرب بجذورها فى أعماق أعماقها وفى كل أفكارها، إذ توجد النفس مقبولة وموافقة للنعمة بعد تجارب كثيرة، إلى أن تشبع تمامًا بالنعمة السماوية، وتبدأ النعمة منذ ذلك الوقت فصاعدًا أن تملك فى الإناء نفسه (أى أعماق النفس) ، إن الشبع بنعمة الروح القدس كما يقرر القديس مقاريوس، هو الذى قاد النساك بأن يشعروا بأنهم غرباء ونزلاء فى هذا العالم، وتأكدوا بأنهم يستطيعون من الآن أن يتذوقوا بشكل سرى خبرة الحياة الأخروية وشركة الطبيعة الإلهية، فى هذه الحياة الحاضرة[24].

إن الهدف الأساسى الذى يرمى إليه الراهب من خلال جهاده الروحى هو أن يعيش متحررًا من الإحساس بالزمان والمكان، ويأتى فى علاقة شخصية مع الله. وقد استطاع النساك أن يجدوا فى حياة البرية مجالاً لتذوق أمور الدهر الآتى، والاغتناء بمواهب روحية مقدسة، يصعب تحقيقها فى العالم[25]. ولذلك يقول البروفيسور تسامس: “إن الناسك يستطيع أن يتذوق بالروح القدس خيرات المدينة السمائية من الآن”[26].

فالبرية هى تجاوز للمكان، لأن ساحة البرية لا تحتوى على عنصر الحياة. ومع هذا استطاع الآباء أن يشكّلوا المكان حسب مطالب الحياة الجديدة التى سيحددونها هم لأنفسهم، والطريق الذى تبعوه أدى إلى خلق نموذج جديد لحياة جديدة مؤسسة على الشركة فيما بينهم، تحقيقًا للهدف الذى ترجّوه دومًا وهو الاتحاد بالله. وهذا ما يوضّحه القديس إيسيذوروس الفرمى بقوله: ” إن حياة النُسك من عفة وصوم وسهر، ليست غاية فى ذاتها، ولكنها مجرد وسيلة للحياة مع الله. فهى تمكِّن الراهب من الوصول إلى ضبط النفس وسكينة الروح وسكون العواطف”[27]. الرحيل إلى البرية إضافة إلى مناخ الهدوء الذى تتميّز به، يعطى الفرصة للراهب لكى يحقق الكمال الروحى الذى يترجاه بصورة أسهل وأكثر أمانًا، وهذا الكمال لا يُفحص فى الإطار الفردى، بل فى إطار الشركة.

ولذلك يؤكد الأنبا باخوميوس على أن أولئك الذين يحيون فى شركة هم أسمى مما يحيون فى وحدة، لأنهم يحيون خبرة المحبة المشتركة[28]. والواقع أن البرية بما تتسم به من قسوة، أثارت نموًا سريعًا فى قدرات وإمكانيات هؤلاء النساك، الذين اعتنوا بتأسيس نظامًا للشركة، واهتموا بالتشدّيد على حياة التأمل الداخلى.

وقد تُرجم هذا فى مجوعة “أقوال الآباء الشيوخ” والتى تمثل حكمة كاملة فى الأقوال والأعمال. ويؤكد Peter Brown على أن “الصحراء المصرية أعطت دفعة لبحث داخلى جاد، وتركيز ضميرى متميّز”[29]. ولذلك فإن تفسير رغبة الراهب بالرحيل إلى البرية بأنها حل للتخلّص من صعوبات الحياة، أو اعتبارها مجرد تعبير عن حالة إحباط أو يأس فقط، هو رأى يجانبه الصواب. فالرحيل إلى البرية كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتى هو “استمرار طبيعى ورغبة شديدة للهدوء والوحدة”[30].

 

وقد حدّد الآباء الشيوخ بعض المبادئ الخاصة بالحياة النسكية، وعلى الراهب إذا ما رغب فى التوصل إلى حالة الكمال الروحى، أن يتّبعها بكل دقة.

من بين هذه المبادئ الطاعة الكاملة، وقد اعتبر الآباء أن أجر الطاعة أسمى وفى مستوى أعلى من فضيلة العفة، كما يقول القديس باسيليوس[31]. ولذلك فإن خطية عدم الطاعة كانت تُعد من الخطايا الكبرى فى أديرة الأنبا شنودة، وهى أسوأ من خطايا السرقة والشهوات الجسدية، وكانت تعاقب بشدة. وقد شدّد الآباء على أن الطاعة تكون حقيقية ومثمرة عندما تكون من اجل الله. إن الراهب الذى يخضع هو فى الواقع يتبع ذاك الذى اطاع حتى الموت، وإذا فعل هذا تصير له إمكانية أن يسير فى خطاه ويحيا له فى هذا العالم.

وفضيلة الطاعة الكاملة كانت من الشروط الواجب توافرها فى اختيار مدبر (إيغومينوس) لأحد الأديرة حيث ينبغى أن يكون راهب مُختبر فى الحياة الروحية، يتصف بالحكمة والاتضاع، ومُتدرب على النسك والطاعة الكاملة[32].

أيضًا يعتبر التجرد مطلب أساسى فى الحياة النسكية الكاملة، تلك الفضيلة التى تساعد الناسك على الوصول إلى معرفة الذات، ثم إنكار الذات. ولذلك نلاحظ أن كثير من آباء البرية، كانوا ينصحون أولئك الذين يرغبون فى الانضمام للحياة الرهبانية، أن يفحصوا أنفسهم جيدًا، قبل الدخول إلى هذه الحياة. وهنا نشير إلى بعض الأمثلة:

1ـ لقد حاول القديس الشيخ بلامون أن يثنى القديس الأنبا باخوميوس عن هذا الاختبار، بسبب قسوة الحياة الرهبانية[33].

2ـ أيضًا اعترف بلاديوس أنه فى لحظة يأس، وصل إلى حد ترك الحياة الرهبانية بسبب صعوباتها[34].

3ـ وقد اعتبر بفنوتيوس أن الحياة فى البرية هى حياة صعبة جدًا، ومن النادر أن يتحمّلها حتى أولئك الذين وُلدوا ونموا فى ظروف فاقة واحتياج[35].

ولهذا عندما سُئِلت الأم سينكليتكى: هل التجرد هو صلاح كامل؟، أجابت “نعم هو هكذا لمن يستطيع تحمله ولمن يستطيع ممارسته”[36]. ومن أجل هذا أيضًا شدّد الآب آيباراخيوس على أن “التجرد الإرادى هو كنز للراهب”[37].

وهذا يعنى أنه إن لم يستطع الإنسان أن يحيا حياة التجرد الكاملة، فلن يتحمل الحياة فى البرية. أما من يحيى فى التجرد الكامل فقد اقتنى لنفسه فضيلة تساعده فى جهاده للوصول للكمال الروحى الذى يترجاه كل من سلك فى هذا الطريق. والملاحظ أن وسط هذه الظروف الصعبة، استطاع آباء البرية أن يساهموا فى حفظ عقيدة الكنيسة نقية من أى انحراف، حتى أثناء فترات الاضطهادات[38].

[1] To Mέga GerontikÕn, tom. G1977, sel. 356.

[2] D.J. CHITTY “The Desert A city” London, 1997, P.35

[3] مخطوط عربى (حياة الأنبا باخوميوس) ص111

[4] Pan. K. cr…stou “ ellhnik» patrolog…a “ tom. 5, qessalon…kh 1987, sel. 133.

[5] David Beff “The life of Shenoute by Besa” Cairo 1986, P.11.

[6] W. H. Macken “Christian Monasticism in Egypt” P.97- 98.

[7] D. B. Christis “The word in the Desert”…P.23.

[8] مخطوط عربى (حياة الأنبا باخوميوس) ص135

[9] W.E. CRUM “A Study in the History of Egyptian Monasticism” J.T.S, 5, 1905, p. 129-130.

[10] Armand Veileux “Pachomian Koenonia – the Lirves, Rules and other writing of saint Pachumius ..” Christian studies, Michigan. Vol 3, P.71.

[11] مخطوط عربى (حياة الأنبا باخوميوس) .. 29f – 29v

[12] D. G. Tsam»j “ GerontikÕn tou Sin£ “ qessalonˆkh, 1991, sel. 19.

[13] D. B Christis “The word in the Desert”… P. 15.

[14] Πer… NÒmou pneumatikoÚ, εἰς: H kata id…an cr…sh thj Ag…aj raf»j, Iw. Gal£nh, qessalonik»j 1986, sel. 97.

[15] To Mšga GerontikÒn tom A, … sel 80.

[16] “عظات القديس مقاريوس” ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، سنة 2000، ص310.

[17] S¦bba Agour…dh “ or¦mata kai pr¦gmata “ Aq»na 1991, sel. 54.

[18] مخطوط عربى (حياة الأنبا باخوميوس) .. 92f – 92f

[19] E…pe Gšrwn, Aq»na. 1983, sel.13.

[20] Derek Baker “st. Antony and Biblical Precedents for the monastic vocation” P. 7-9

[21] المرجع السابق ص10.

[22] Iw. crusostÕmou, per… crhsimÕthtoj Anagnèsewn twn Grafèn 5.

[23] خرستوس كريكونيس “مسيرة الحياة الروحية عند القديس غريغوريوس النيسى” الكتاب الشهرى للشباب والخدام، إصدار بيت التكريس لخدمة الكرازة، نوفمبر 2000، ص8.0

[24] “عظات القديس مقاريوس” ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، سنة 2000، ص317.

[25] Sabba Agour…dh “ or¦mata kai pr¦gmata “ sel. 122.

[26] D. G. ts£mhj “ Eisagwg» sth skšfh twn patšrwn “ qessalon…kh 1992, sel. 221.

[27] Ισηδ. Ο Πλησιόδης, 1441, 442.

[28] مخطوط عربي (حياة الأنبا باخوميوس) ص138

[29] Peter Brown “Society and the holly in late Atiquiy” 1982, P. 107- 110.

[30] D. G. Ts¦mhj “ Eisagwg» Sth skšfh twn patšrwn “ .. sel. 232.

[31] M. basile…oj, Askhtik£ A’, LÒgoj AskhtikÒj, PG 31, 884 CD.

[32] W. H. Mackean “Christian monasticism” P. 115.

[33] D. J. Christy “The Desert a city” P.9.

[34] H. G. Evelyn White “Historia Monachorum” Cairo, 1989, P. 25.

[35] مناظرات يوحنا كاسيان، جزء1، 1981، ص75.

[36] Apofqέgmata patšrwn, 1, sel. 261.

[37] Ο.Π. σελ. 261.

[38] istor…a Monacèn thj AigÚptou, Aq»na, 1992, sel. 56.

آباء البرية والحياة النسكية (2) – د. سعيد حكيم

الثالوث قبل مجمع نيقية – الأدلة الآبائية

الثالوث قبل مجمع نيقية

الثالوث القدوس ما قبل نيقية ثيئوفيلوس الانطاكي، هيبوليتس الروماني، اكليمندس السكندري

الثالوث قبل مجمع نيقية

الثالوث القدوس ما قبل نيقية ثيئوفيلوس الانطاكي، هيبوليتس الروماني، اكليمندس السكندري

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

الثالوث في نظر الكثيريين وبالأخص الأُخوة المسلمين يسبب لهم مشاكل كثيرة وكثيرًا ما ينتقدونه على أساس انه عقيدة دخيلة على المسيحية وليست أصيلة ، لهذا نطرح في مقالنا هذا الثالوث ما قبل مجمع نيقية وهو ما يجعل عقيدة الثالوث على الأقل _ بحسب المقالة _ كان ظاهرًا في كتابات المسيحيين قبل مجمع نيقية .. 


ثاؤفيلس الأنطاكي حوالي 180م:

 يقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنه كان الأسقف السادس لأنطاكية بعد القديس بطرس[1]، وقد كتب سلسلة من الكتب وصل لنا منها ” إلى أوتوليكوس ” في ثلاثة كتب. وفي كتبه هذه نجد تعبيرات عبرت عن فكر المسيحيين في القرن الثاني حيث وصف الإنجيليين ب ” حاملي الله – Theophoritoi ” والموحي إليهم مثل أنبياء العهد القديم

 

يقول عن ميلاد الإبن الازلي و لاهوته: بما أن كلمة الله كان في أحشائه، فلقد أولده مع حكمته ( دائماً ما اطلق اباء ما قبل نيقيه لقب الحكمه قاصدين في الثالوث الروح القدس و هو المقصود هنا ) قبل خلق الكون. و لقد استعان بهذه الكلمه لخلق كل شئ. هذا الكلمه هو المبدأ لانه سيد الكون و جميع المخلوقات التي صنعها الله[2]

هذا الكلمه هو ابن الله إنه ليس إبناً بالمعني الذي اطلقه الشعراء و مؤرخو الاساطير علي ابناء الالهه الذين ولدوا بواسطة العلاقه الجنسيه، و لكن ما تصفه لنا الحقيقه عن الكلمه الموجود في قلب الله.  قبل أن يكون اي شئ فهذا الكلمه كان مستشاره و عقله و فكره[3].

حكمة الله و كلمته التي هي دائماً فيه و معه[4]

إن الله صنع العالم بواسطة كلمته و حكمته[5].

ثم يقول أن الله ” عنده كلمته التي فيه, ولده وأخرجه هو وحكمته قبل كل الأشياء[6] “.

 

– وكان أول من ظهرت كلمة الثالوث ” Trias – Triavs ” في كتاباته حيث يقول :

 

 ” وبنفس الطريقة أيضا فالثلاثة أيام التي كانت قبل الأنوار هي رموز لـ الثالوث ، الله وكلمته وحكمته[7] “.

 

وواضح هنا أن تعبير الثالوث كان معروفاً ومقبولاً في الكنيسة في زمنه، ولا يبدو من السياق أنه هو أول من وضعه. لانه لا يشعر عند إستعمال هذا اللفظ أنه اتي بشئ جديد فلا يقف عنده و لا يلفت النظر إليه بل يستعمله كلفظ معروف شائع مفهوم[8].

 

ويصف الله بأنه ” غير منطوق به “, ” وغير موصوف “, و” غير ممكن رؤيته بأعين الجسد “, و” غير ممكن اختراقه “, و” غير محوي “, و” غير مولود “, و” غير متغير “, و” أزلي “, و” غير المدرك “. ” لأنه أن قلت انه نور فأني اسمي فقط عمله. وان قلت انه اللوجوس فأْني اسمي فقط ملكوته. وان دعوته العقل فأنا أتكلم فقط عن حكمته, وأن أنا قلت انه روح فانا أتكلم عن نسمته. وان دعوته الحكمة فانا أتكلم عن ذريته. وأن دعوته القدرة فانا أتكلم عن سلطانه. وان أنا دعوته القوة فانا أتكلم عن أفعاله. وأن دعوته العناية الإلهية فأنا أتكلم عن صلاحه. وأن دعوته الملكوت فأنا إنما أشير إلى مجده. وان أنا دعوته الرب فأنا أتكلم عنه كديان. وان دعوته دياناً فأنا أتكلم عنه باعتباره عادلاً. وان دعوته أباً فانا أتكلم عن أن كل الأشياء قد أتت منه ” (1: 3).

 

هناك إله واحد خالق السموات و الارض لا بداية له ولا نهايه حي قيوم لا يتغير. و هو آب لانه سبق كل شئ و خلق كل شئ. و كان الكلمه عند اللهو كان كائناً فيه، فولد الله الكلمه قبل كل شئ و صنع به كل شئ[9].  و نطق الانبياء بالروح القدس فكانوا قديسيين عادلين. و بحكمته تكلموا عن خلق العالم و عن كل شئ[10].

 

العلامه هيبوليتس الروماني :

عن ميلاد يسوع الازلي من الآب يقول : لقد ظهر آخر إلى جانب الآب. ولكن عندما أقول ” آخر” لا أعني أن هناك إلهَيْن، ولكن أعني فقط أنه مثل النور من النور، والماء من الينبوع، والشعاع من الشمس[11] .

الآب يحمل الكلمه في ذاته بطريقة غير منظورة للعالم المخلوق، و عندما نطق للمرة الاولي ولد الكلمه كما النور من النور. و قد ارسله إلي العالم كعقله الخاص لكي يكون سيد العالم[12].

ليس هناك سوي قوة واحده و هي من الكل الذي تأتي منه هذه القوه، اعني الكلمه. و هذا الكلمه هو العقل الذي دخل إلي العالم و ظهر كإبن لله. إنه إذن صانع كل شئ[13].

و يتحدث عن وحدانية الابن في الآب قائلاً : الكلمة (اللوغوس) وحده هو الذي من الله (الآب) نفسه. لهذا أيضًا هو إله، لكونه من نفس جوهر الله (الآب). على العكس من ذلك، خُلِقَ العالم من العدم، لذا فهو ليس إله[14].

 

و يقول عن لاهوت المسيح : ينزل المعمَّد إلى حميم التجديد بعد أن يقر بإيمانه ويجحد الشيطان ويلتصق بالمسيح وينكر العدو ويعترف بأن المسيح هو الله، وحينئذ يخلع عنه العبودية ويلبس التبني … ويخرج من المعمودية مضيئاً كالشمس مشعاً بالبر ويعود ابناً لله ووريثاً مع المسيح الله.[15] و أيضاً : و عندما تعتقون من الآلام، و من العذابات، و من كل انواع الشر، تصبحون مؤلهين. و المسيح، الإله الكامل، الذي قرر أن يغسل خطيئة البشر، و يجدد الإنسان القديم، فعلي مثاله، و إقتداء بصلاحه هو الصالح، تصبحون مشابهين له و مُكرمين منه، و ذلك لان الله لا ينقص منه شئ و هو يرفعكم إلي الألوهة من أجل مجده و عظمته[16]. و يكمل في موضع آخر : قال دانيال النبي : إن ملكه لن ينقضي و حكمه يدوم إلي الأبد. و هكذا برهن الآب، و هو يُخضع له كل شئ علي الارض و تحت الارض، بأنه رأس كل خليقه، هو مولود الآب الاول[17].

انه يستحيل ان نمجد الله دون ان نتجه مباشره إلي الاعتراف بكل إقنوم في الثالوث المقدس[18].

بواسطة هذا الثالوث يتمجد الآب[19].

و نحن عن طريق تجسد الكلمه صرنا نعبد و نكرم الروح القدس، كذلك فإنه يستحيل علينا ان نكون فكره عن الوحده او الوحدانيه في الله إلا بالإيمان بالآب و الإبن و الروح القدس[20].

إن الآب اخضع كل شئ للإبن المتجسد ما خلا الآب و الروح القدس[21].

لان الآب اراد، و الإبن صنع، و الروح انار[22].

كما يقول هيبوليتس ايضاً إن الانبياء يظهرون دائماً مؤيدين بروح النبوة و مكرمين من جهة الإبن الكلمه ذاته ، و إن إلهامهم ينبع من قوة الآب[23].

هل بالإمكان القبول بتعدد الالهه؟ جميعهم (يقصد الهراطقه) يصمتون قصراً خصوصاً عندما نعرف ان المطلق يسعي دائماً إلي الوحده[24].

 

أكليمندس الإسكندري (150 – 215م):

 مدير مدرسة الأسكندرية اللاهوتية وخليفة خلفاء الرسل وتلميذهم، والذي مثله مثل الآباء في عصره، يشرح لنا لاهوت المسيح وتجسده وكونه ابن الله وكلمته وصورة جوهره، كما يشرح لنا علاقة الآب بالابن، الكلمة، وولادة الكلمة، الابن، من الآب والتي يصورها بولادة النور من النور والكلمة من العقل مثل سائر الآباء في عصره. ويلخص لنا القمص تادرس يعقوب جوهر تعليمه هذا كما يلي: [الله (الآب) غير مُدرَك بعقولنا البشرية، وبالتالي لا يمكن أن يكون موضوع معرفة. لكن الابن هو الحكمة والمعرفة والحق وما يماثل ذلك يمكن وصفه وتعريفهالابن هو إعلان عقلي للآب[25]، هو ختم مجد الآب، يُعلِّمنا الحق[26]. هو صورة الله[27]، وفكره[28]، ووجهه[29]. هو النور الذي به نعاين الله[30]. يعلن عن طبيعة الآب[31]، يُدعى قوّة الله[32] وذراعه[33].

و يقول: يُقصَد بلقب ” الآب ” أن ” الابن ” أيضًا كائن على الدوام بدون بداية[34].

و يكمل ايضاً:  إن الكلمة نفسه -الذي هو ابن الله – واحد مع الآب بمقتضى مساواته له في الجوهر، وهو أبدي وغير مخلوق[35].

 و ايضاً: (الابن الكلمة) هو الله وهو الخالق. كما قيل: ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 3)[36].

 

 وفيما يلي بعض فقرات من أقواله عن لاهوت المسيح وتجسده:

” كان يوجد إذا كلمة يحوي أبدية لا بداية لها، كما هو الكلمة نفسه أيضاً، الذي هو ابن الله، الذي لكونه مساوي للآب وواحد معه في الجوهر، هو أبدي وغير مخلوق “[37].

” المخلص الرحيم، الكلمة الإلهي الذي أعلن اللاهوت بالحقيقة، والذي صار مساوياً لرب الكون لأنه ابنه، والكلمة كان في الله، الذي لم يؤمن به الكل عندما بُشر به أولاً، ولا كان معروفا للكل، عندما اتخذ صورة الإنسان واتخذ لنفسه جسدا وقام بدراما الخلاص “[38].

” عندما يقول [يوحنا] الذي كان من البدء (1يو1: 1) فهو يلمس الأجيال التي لا بداية لها للابن المساوي للآب. فقد ” كان ” هو نفسه، أي الابن، لكونه واحد مع الآب بحسب المساواة في الجوهر، أبديا وغير مخلوق. وكون الابن موجود دائماً واضح في قوله: ” في البدء كان الكلمة “ (يو1: 1) “[39].

 

” لأن كليهما واحد (أي الآب والابن) – أي الله. لأنه قال: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله “[40].

” [كان يسوع المسيح] محتقرا في المظهر، ولكن في الحقيقة هو المعبود، والفادي، والمخلص، والهادي، والكلمة الإلهي، وهو بوضوح تام إله حق وموضوع في نفس مستوى الآب لأنه ابنه “[41].

 

” هذه هي الترنيمة الجديدة، إعلان الكلمة الذي كان في البدء وقبل البدء، المخلص، الموجود من قبل وقد ظهر في الأيام الأخيرة، والذي فيه (في الآب) بالحقيقة، ظهر لأنه الكلمة الذي ” كان عند الله ” والذي كل شيء به خُلق، ظهر كمعلمنا، الكلمة الذي في البدء منحنا حياة كالخالق عندما صورنا علمنا أن نعيش جيداً عندما ظهر كمعلمنا، وسيمنحنا بعد ذلك الحياة التي لا تنتهي كإله “[42].

الخلق في الثالوث هو عمل اللوغوس اداة الآب و صورته. إنه المثال الكوني، الالف و الياء، الذي خلق كل شئ[43]

في الدرجه الاولي يؤكد اكليمندس رداً علي الهراطقه، ان الإبن، الاقنوم الثاني من الثالوث، هو فوق كل خليقة، و هو الحكمة و المعرفة و الحقيقه[44].

انه اللوغوس في الثالوث الذي يتنبأ و الذي يُحَاكِم و الذي يُدرك كل شئ[45].

إن المفهوم المسيحي تجاه الثالوث يشدد دائماً علي الوحده بين الإبن و الآب، وحدة الإرادة و القدرة في الخلق، و وحدة التخطيط و التحقيق في عمل الخلاص[46].

فالإبن يظهر لنا كمبدأ سام متلازم مع عمل الآب، و كقوة مُنَظِمه بالتوافق مع إرادته ايضاً لانه يتأمل مبادئ العقل الإلهي. زيادة علي ذلك، فإن الإبن هو قوة الآب[47].

إن الإبن هو الساهر و الموجه للإنسان مع الإقنوم الثالث، الروح القدس[48].

الكلمه يشفي جميع امراض الخليقه، النفسيه و الجسديه، و يغفر الخطايا كما يغفرها الآب السماوي[49].

 

الآب لم يكن بإمكانه ان يكون بدون ان يكون له إبن[50]. و هذا بحسب تعليم كيرلس عامود الدين ان اسم الإبن يشير إلي الآب الذي ولده ولا يمكن ان يكون لله إسم آب دون أن يكون له إبن من طبيعته .

فاللغوس عند اكليمندس هو المُرَبي و السيد و ملك اسرائيل و قبل ان يصبح إنساناً كان الإله الذي لا تسمية له فهو الله و اللوغوس و المُرَبي[51].

إنه اللوغوس الكوني المنتشر علي وجه الارض بواسطة عمله الالهي المنور، و بواسطة معرفته و توجيهه لكل شئ، مُظهراً ممعرفة الله اينما كان، و مُربياً البشرية كلها[52].

يُقصَد بلقب “الآب” أن “الابن” أيضًا كائن على الدوام بدون بداية.[53]

عندما كتب يوحنا الحكيم: “الذي كان من البدء” (1يو1:1)، كان يقصد الولادة بدون بداية للابن المتساوي مع الآب. إنها إذن إشارة إلى أزلية بدون بداية، كما أن الكلمة نفسه -الابن- أزلي وغير مخلوق، واحد مع الآب ومساوي له في الجوهر. فكينونة الابن دائمة “في البدء كان الكلمة” (يو1: 1).[54]

أي أن الابن سرمدي، ميلاده من الآب بلا بداية فهو واحد جوهريًا مع الآب، مادام الآب فيه وهو في الآب.[55]

إن الكلمة نفسه -الذي هو ابن الله- واحد مع الآب بمقتضى مساواته له في الجوهر، وهو أبدي وغير مخلوق.[56]

(الابن الكلمة) هو الله وهو الخالق. كما قيل “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 3).[57]

و يتحدث عن الروح القدس قائلاً: مبارك الانسان الذي عرف عطي الآب من خلال إنبثاق الروح كلي القدس[58] .

– مبارك الانسان الذي عرف و تقبل الروح القدس الذي هو عطية الآب الذي منحه علي هيأة حمامه، الروح الذي بلا شائبه عديم الغضب و المراره، الكامل المنطلق من قلب ( اعماق ) الآب ليدبر الدهور و يعلن غير المنظور، فهو الروح القدس الحق الآتي من الآب الذي هو قدرته و إرادته، المستعلن لتكميل ملء مجده. اما الذين ينالونه فإنهم ينطبعون بطابع الحق بكمال النعمة[59].

– الروح القدس هو متحد بالآب و الإبن، و علينا ان نؤدي له واجب الطاعه و الخضوع  كما لهما[60].

– إنه الإقنوم الثالث من الثالوث، إنه موجود في كل مكان[61].

 

[1]يوسابيوس 4 :20.

[2]الي اتوليكوس 2 ، 10

[3]الي اتوليكوس 2 ، 32

[4]الي اوتوليكوس 2 ، 10

[5]الي اوتوليكوس 1، 7

[6]دراسات في آباء الكنيسة ص 108.

[7]To Autolycus 2 :15.

[8] كنيسة مدينة الله انطاكيه العظمي. للمؤرخ الانطاكي اسد رستم، ج1 ص 75

[9]ad. Antol., ii, 10.

[10]ibid. 9

[11]ANF, Vol. V p. 227

[12]ضد نويسيوس 10، 11

[13]ضد نويسيوس 10 ، 11

[14]ANF, Vol. V p. 151

[15]Homily on the Theophania, 10.

[16]دحض جميع الهرطقات، 1، 10، 32 : 34

[17]تفسير نبوءة دانيال، 4:11

[18]الروح القدس الرب المحيي ، الاب متي المسكين ، ص 231

[19]مرجع سابق

[20]contra noetus 12 – 14

[21]ibid , 6

[22]ibid , 14

[23]de antichr . 2

[24]ضد نويسيوس 10، 11

[25] Strom 4: 156.

[26]Ibid 7: 58.

[27]Ibid 5: 94.

[28]Ibid 5: 16.

[29] Paed 1: 57.

[30] Prot 84

[31]Strom. 5: 34.

[32]Ibid 7: 7.

[33]Prot. 120.

[34]ANF, Vol. II , p. 574.

[35]ANF, Vol. II, p. 574.

[36]ANF, Vol. II, p. 234.

[37]Fragments, Part I, section III

[38]Exhortations, Chap 10

[39]fragment in Eusebius History, Bk 6 Ch 14; Jurgens, p. 188.

[40]The Instructor, B. 1, ch 8.

[41] Exhortation to the Greeks, 10:110:1.

[42] Exhortation To The Heathen, ch 2.

[43]الخطاب إلي اليونانيين 10 ،strom, 4, 25

[44]strom, 4, 25

[45]strom, 5, 7

[46]strom, 7, 2

[47]المُرَبي، 1، 3، 12

[48]المُرَبي، 1، 3، 12

[49]المثرَبي، 1، 1، 3

[50]strom, 5, 1

[51]موسوعة عظماء المسيحيه للاب جورج رحمه، ج6  ص 93

[52]ستروم 7، 3 ، المُرَبي، 10

[53] ANF, Vol. II , p. 574.

[54]fragment in Eusebius History, Bk 6 Ch 14; Jurgens, p. 188.

[55]الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والعقائد-الله-القمص تادرس يعقوب.

[56] ANF, Vol. II, p. 574.

[57] ANF, Vol. II, p. 234.

[58]lightfoot , on clement, p. 119

[59]ibid, 119

[60]المربي 1، 1، 6

[61]المربي، 1، 1، 6

كل هذا لأجلى – القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات

كل هذا لأجلى – القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات [1]

كل هذا لأجلى – القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات

كل هذا لأجلى – القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات

 

ذلك هو كلمة الله ذاته ـ  الأبدى الذي هو قبل كل الدهور، وهو غير المنظور، غير المفحوص وغير الجسدى، البدء الذي من البدء، النور الذي من النور، مصدر الحياة والخلود، صورة الجمال الأصلى الأول، الختم الذي لا يزول، الصورة التي لا تتغير، كلمة الآب وإعلانه[2]، هذا أتى إلى صورته[3]، وأخذ جسدًا لأجل جسدنا، ووحَّد ذاته بنفس عاقلة لأجل نفسى لكى يطّهر الشبه بواسطة شبهه، وصار إنسانًا مثلنا في كل شئ ماعدا الخطية إذ وُلد من العذراء التي طُهّرت أولاً نفسًا وجسدًا، بالروح القدس (لأنه كان يجب أن تُكرم ولادة البنين وأيضًا أن تنال العذراوية كرامة أعظم)، وهكذا حتى بعد أن اتخذ جسدًا ظل إلهًا، إذ هو شخص واحد من الاثنين، يا له من اتحاد عجيب، الكائن بذاته يأتى إلى الوجود، غير المخلوق يُخلق[4]، غير المحوى يُحوى بواسطة نفس عاقلة تتوسط بين الألوهة والجسد المادى.

ذاك الذي يمنح الغنى يصير فقيرًا، فقد أخذ على نفسه فقر جسدى، لكى آخذ غنى ألوهيته. ذاك الذي هو ملئ يخلى نفسه، لأنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة، ليكون لى نصيب في ملئه. أى صلاح هذا؟! وأى سر يحيط بى؟! اشتركت في الصورة؛ ولم أصنها، فاشترك في جسدى لكى يخلّص الصورة ولكى يجعل الجسد عديم الموت. هو يدخل في شركة ثانية معى أعجب كثيرًا من الأولى، وبقدر ما أعطى حينئذ الطبيعة الأفضل، فهو الآن يشترك في الأسوأ[5]. هذا العمل الأخير (التجسد) يليق بالله أكثر من الأول (الخلق)، وهو سامى جدًا في نظر الفاهمين.

 

هل تنظر إليه على أنه صغير بسبب أنه اتضع لأجلك؟ وهل تعتبره صغيرًا لأنه هو الراعى الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو11:10)، والذي أتى ليطلب الخروف الذي ضلّ فوق التلال والجبال والتي كانت تقدم فيها ذبائح لآلهة غريبة، وعندما وجده، حمله على منكبيه ـ اللتين حمل عليهما خشبة الصليب، وأعاده إلى الحياة الأسمى، وعندما أعاده حَسبَه مع أولئك الذين لم يضلوا أبدًا؟ هل تحتقره لأنه أضاء سراجًا الذي هو جسده، وكنس البيت، مطهرًا العالم من الخطية، وفتش عن الدرهم، أى الصورة الملكية التي دُفنت وغطتها الشهوات.

وجمّع الملائكة أصدقاءه؛ عندما وجد الدرهم جعلهم شركاء في فرحه والذين جعلهم أيضًا مشاركين في سر التجسد؟ فبعد سراج السابق الذي أعّد الطريق، يأتى النور الذي يفوقه في البريق، وبعد “الصوت” أتى “الكلمة” وبعد صديق العريس جاء العريس، صديق العريس الذي أعدَّ الطريق للرب شعبًا مختارًا، مطهرًا إياهم بالماء ليجهزهم للروح القدس؟ هل تلوم الله على كل هذا؟ هل على هذا الأساس تعتبره وضيعًا لأنه شدَّ الحزام على وسطه وغسل أرجل تلاميذه (يو4:13)، وأظهر أن التواضع هو أفضل طريق للرفعة؟

لقد اتضع لأجل النفس التي انحنت إلى الحضيض لكى يرفعها معه، تلك النفس التي كانت تترنح لتسقط تحت ثقل الخطية؟ كيف لا تتهمه أيضًا بجرم الأكل مع العشارين وعلى موائد العشارين (انظر لو27:5)، وأنه يتخذ تلاميذ من العشارين، لكى يربح… وماذا يربح؟ خلاص الخطاة. وإن كان الأمر هكذا، فيجب أن نلوم الطبيب بسبب أنه ينحنى على الجروح ويحتمل الرائحة النتنة لكى يعطى الصحة للمرضى، أو هل نلوم ذاك الذي من رحمته ينحنى لكى ينقذ حيوانًا سقط في حفرة كما يقول الناموس (انظر تث40:22، لو5:14).

المسيح أُرسل، لكنه أُرسل كإنسان لأنه من طبيعة مزدوجة[6]. لأنه شعر بالتعب وجاع وعطش وتألم وبكى حسب طبيعة كائن له جسد. وإذا استعمل تعبير “أُرسل” عنه، فمعناه أن مسرة الآب الصالحة يجب أن تعتبر إرسالاً، فهو يرجع كل ما يختص بنفسه إلى هذه الإرسالية، وذلك لكى يكرم المبدأ الأزلى وأيضًا لأنه لا ينبغى أن يُنظر إليه على أنه مضاد لله.

فقد كتب عنه أنه سُلم بخيانة وأيضًا سلّم ذاته، وأيضًا كتب عنه أنه أُقيم بواسطة الآب وأنه أُصعد، ومن جهة أخرى أنه أيضًا أقام ذاته وصعد. فما ذكر أولاً في كل عبارة فهو من إرادة الآب (أنه سُلِّم وأنه أُقيم)، أما الجزء الثانى من كل عبارة فيشير إلى قوته هو. فهل تفكر في الأمور الأولى التي تجعله يبدو وضيعًا، أما الثانية التي ترّفعه فأنت تتغافل عنها. وتضع في حسابك أنه تألم، ولا تحسب أن هذا الألم تم بإرادته…

 

كل هذا لأجلى:

بعد قليل سوف ترى يسوع ينزل ليتطهر في الأردن (مت17:3) لأجل تطهيرى أنا، أو بالحرى ليقدس المياه بطهارته (لأنه لم يكن في احتياج إلى التطهير ذاك الذي يرفع خطية العالم). وانشقت السماوات، وشهد له الروح الذي من نفس الطبيعة الواحدة معه؛ وسنراه يُجرب وينتصر على التجارب ويُخدم من الملائكة (انظر مت1:4ـ11)، ويشفى كل مرض وكل ضعف (مت23:4)، ويمنح الحياة للأموات (وليته يهبك الحياة أنت الذي مُتَّ بسبب هرطقتك)، ويطرد الشياطين (مت33:9) أحيانًا بنفسه وأحيانًا أخرى بواسطة تلاميذه.

ويُطعم بخبزات قليلة آلاف من البشر (مت14:14)، ويمشى على البحر كأرض جافة (مت25:14)، ويُسلّم ويُصلب صالبًا خطيتى معه، وقُدِّم ذبيحة كحمل، وأيضًا قدَّم ذاته ككاهن يقدم ذبيحة، ودُفن كإنسان وقام ثانية كإله، ثم صعد إلى السموات لكى يعود ثانية في مجده. كم من الأعياد توجد لأجلى في كل سر من أسرار المسيح! وغاية كل هذه الأسرار تجديدى وتكميلى أنا، لكى أرجع إلى حالة آدم الأولى.

إذًا، أرجوكم اقبلوا حمله في داخلكم (كما حملته العذراء في بطنها)، واقفزوا فرحًا أمامه إن لم يكن مثل يوحنا المعمدان وهو في بطن أمه (لو1:1)، فعلى الأقل مثل داود أمام تابوت العهد (2صم 14:6). وعليك أن تحترم الاكتتاب الذي بسببه كُتبت أنت في السموات. واسجد للميلاد (لو1:2ـ5) الذي بواسطته فُككت من ولادتك الجسدية. وأكرِم بيت لحم الصغرى التي أرجعتك مرة أخرى إلى الفردوس. واسجد لطفل المزود الذي به تغذيت باللوغوس (الكلمة) بعدما كنت ضالاً.

اعرف قانيك كما يعرف الثور قانيه، والحمار معلف صاحبه، حسب قول إشعياء (3:1)، ذلك إن كنت من الطاهرين الذين يكرمون الناموس وينشغلون بترديد أقواله باجترار، واللائقين للذبائح. أما إن كنت من أولئك الذين لا يزالون نجسين ولم يكن يحق لهم أن يأكلوا من المقدسات، وغير لائقين لتقديم الذبائح، وهم من الأمم الوثنيين، فاسرع مع النجم وقدِّم هدايا مع المجوس ذهبًا ولبانًا ومرًا كما لملك وإله، ولواحد قد مات لأجلك.

مجّده مع الرعاة، وسبحه مع خورس الملائكة، ورتل تسابيحك مع رؤساء الملائكة. فليكن هذا الاحتفال مشتركًا بين القوات السماوية والقوات الأرضية. لأننى أؤمن أن الأجناد السماوية يشتركون في التمجيد معنا، ويحتفلون بالعيد العظيم معنا اليوم، لأنهم يحبون البشر ويحبون الله، كما كتب داود عن أمثال هؤلاء الذين صعدوا مع المسيح بعد آلامه لكى يستقبلوه وهم ينادون أحدهم الآخر ان يرفعوا الأبواب الدهرية (مز7:24ـ9).

 

بيت لحم والصليب والقيامة:

هناك أمر واحد فقط مرتبط بمناسبة ميلاد المسيح، أريدكم أن تبغضوه، ألا وهو قتل الأطفال على يد هيرودس، أو بالحرى يجب أن تكرموا أيضًا، هؤلاء الذين ذُبحوا وهم من نفس عمر المسيح، هؤلاء صاروا ذبيحة قُدمت قبل الذبيحة الجديدة (أى الصليب).

 

كن ملازمًا للمسيح:

عندما يهرب إلى مصر اهرب أنت معه؛ ورافقه فرحًا في المنفى. إنه عمل عظيم أن تشترك مع المسيح المضطهد. وإن أبطأ كثيرًا في مصر فادعوه من هناك بتقديم عبادة خاشعة له هناك. اتبع المسيح بلا لوم في كل مراحل حياته وكل صفاته. تطَّهر واختَتِن؛ انزع البرقع الذي كان يغطيك منذ ولادتك. بعد ذلك علّم في الهيكل واطرد التجار من هيكل الله، اسمح لهم أن يرجموك لو لزم الأمر، فإنى أعرف جيدًا أنك سوف تفلت من بين هؤلاء الذين يرجموك مثل الله (انظر يو59:8). لأن الكلمة لا يُرجم. إن جاءوا بك إلى هيرودس لا تعطيه إجابة عن أغلب أسئلته؛ فسوف يحترم صمتك أكثر من احترامه لأحاديث الشعب الكثيرة.

إذا جلدوك اطلب منهم أن يتمموا كل الجلدات. ذُق المر واشرب الخل؛ واطلب أن يبصقوا على وجهك؛ اقبل منهم اللطمات والشتائم، وتوَّج رأسك بإكليل الشوك، أى بأشواك حياة التقوى. البس ثوب الأرجوان وأمسك القصبة في يدك، واقبل السجود بسخرية من أولئك الذين يسخرون من الحق؛ أخيرًا فلتُصلب مع المسيح واشترك في موته ودفنه بفرح لكى تقوم معه وتتمجد معه وتملك معه. انظر إلى الله العظيم الذي يُسجد له ويمجد في ثالوث، ودعه ينظر إليك وليته يظهر الآن بوضوح أمامك، بقدر ما تسمح قيود الجسد، بيسوع المسيح ربنا الذي له المجد من الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] عن كتاب “ثيئوفانيا: ميلاد المسيح” للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، ترجمة د. جورج عوض، ود. نصحى عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ديسمبر 2003م.

[2] انظر القداس الغريغورى الذي يخاطب المسيح الكلمة بقوله “الذي لا ينطق به، غير المرئى، غير المحوى، غير المبتدئ، الأبدى، غير الزمنى، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل (أى غير المتغير)”. وهذا يوضح أن القداس هو من وضع القديس غريغوريوس نفسه الذي تفوه بهذه العظة وغيرها من الخطب والعظات المعروفة باسمه.

[3] أى إلى الإنسان الذي خلق على صورته.

[4] بناسوت خلقه هو فى أحشاء العذراء.

[5] فى الخلق خلق الله الإنسان “على صورة الله”، بينما في التجسد أخذ الجسد: “أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له”.

[6] طبعًا من جهة طبيعته التي فيها اللاهوت متحد بالناسوت.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

كل هذا لأجلى – القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

لطالما اعترف العلماء الأرثوذكسيون بأهميّة مسألة التأويل في أبعادها المختلفة: التفسيرية، اللاهوتيّة والمسكونيّة[1]. فيما سعى المفكّرون الأرثوذكس نحو شرح التأويل الأرثوذكسي، تعاطى نتاجهم الأدبي بصورة أولية مع مظاهر عامة المسالة. لقد كتبوا جميعاً، بصورة افتراضية، من ضمن الأمانة للتقليد. بالنسبة إليهم، ليس لمسألة التأويل الإلحاحيّة ذاتها كما عند الغربيّين، لأن الأرثوذكس لا يفترضون مسبقاً إشكاليات الإصلاح ولا إشكاليّات التنوير.

بالطبع، تأثّر المسيحيّون في كل مكان، بمن فيهم الأرثوذكس، بميزات التنوير عبر العلم والتربية والتكنولوجيا والعلمانية. لكن المفكرين الأرثوذكس يحسّون أنّ لديهم أدوات نظرية وتطبيقيّة للسيطرة على الحضارة المعاصرة طالما أنّهم لا يذعنون للافتراضات المسبقة والثنائيات المسبقة والثنائيات الخاطئة التي في الإشكاليات الغربيّة.

هم يدركون أن المسألة الملحّة في التأويل بالنسبة إليهم هي على مستوى الحياة وليست على مستوى المبادئ النظريّة التي تحتاج، مع ذلك، إلى إيضاح. شعارهم هو الممارسة القويمة التي تتضمّن رؤية واسعة من التجدد بحسب الأصول الكنسية واللاهوتية الأرثوذكسيّة، بما فيها إعطاء الصوت الكامل لشهادة الكتاب المقدّس عبر العلم السليم.

مع ذلك، لا تتمّ الشهادة الأرثوذكسية الحيّة بمعزل عن الجهود لصياغة علم تفسير واضح في العبارات العامّة والخاصة. بالنسبة إلى الأرثوذكس، أسس جورج فلوروفسكي الإطار الواسع للمناقشة بتحديد خُلُق ethos الكنيسة الأرثوذكسيّة مستعملاً تركيبة آبائية جديدة neopatristic… هي اليوم مهمّة اللاهوت الأرثوذكسي وهدفه[2]. بحسب فلوروفسكي، تضمّ التركيبة الآبائية الجديدة بعدين لا يمكن فصلهما: لاهوتيّ وروحيّ.

أحد البعدين هو عقائدي مؤسّس على الأسرار الخريستولوجيّة الثالوثية المفهومة والمحتَفَل بها على أنها حقيقة خلاصيّة. أما البعد الآخر فهو روحيّ مثبّت على استعادة “فكر الآباء”، الذي هو رؤية بصيرة خلاقة متأصّلة في الإيمان والخليقة الجديدة ضمن حياة الكنيسة جسد المسيح. هذان البعدان لا ينفصلان لأن الحقيقة المطلّقة ليست مبدأ مجراً بل هي شخص، أي المسيح. ممارسة اللاهوت يجب أن تتمّ، بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتيّ، على طريقة الرسل، وليس على طريقة أرسطو[3].

كتب فلوروفسكي: “بمعزل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أيّ قناعة، وإذا فُصل عن حياة الإيمان، ينحط اللاهوت بسهولة إلى جدليات فارغة، إلى حشو فارغ[4]. لقد جسد فلوروفسكي هذه الرؤية الآبائية الجديدة في إخلاصة للتقليد كما في اتباعه العلمي للحقيقة.

حول المواضيع الكتابية، قدم فلوروفسكي رؤى ديناميكية للكتاب والإعلان والوحي والتقليد والكنيسة بمفتاح آبائي[5]. على مستوى اللاهوت الكبير، مساهماته كلاسيكية. لقد شدد على سلطة الكتاب كإعلان فيما يشير إلى سلطة التقليد على أنه “أساس التأويل” بالنسبة إليه، لا “يضيف” التقليد شيئاً إلى الكتاب إنما يكشف معناه الحقيقي ويفعله. التقليد، كتقليد حي، يعمل كمبدأ في التأويل لا فقط عبر القانون المعياري للإيمان، أي حمل العقائد المتوارثة، بل أيضاً عبر تفعيل رسالة الكتاب الخلاصية في التعليم والوعظ ومجمل حياة الكنيسة العبادية، “حياة مستمرة من الحقيقة والحق”. إنه يستعير Ellen Flessman-van-Leen مؤكداّ:

“الكتاب بدون تفسير ليس كتاباً بالمطلق. إنه يصبح حياً لحظة استعماله وتفسيره. التفسير الحقيقي للكتاب هو الوعظ في الكنيسة، إنه التقليد”[6].

ومع ذلك، لا يتورط فلوروفسكي في المناقشة العصرية لمسألة التأويل ولا يظهر بنفسه كيف أن ممارسة اللاهوت بحسب فكر الآباء تقدر على معالجة المسائل الجديدة بشكل خلاق والوصول إلى أجوبة متجددة. لا يناقش نقدياً مسائل من نوع تأثير التنوير على اللاهوت المعاصر أو طبيعة الدراسات التاريخية[7]. كما أنه قليلاً ما يأخذ مسائل محدّدة مثل مقارنة أدوار ومقاربات الكتاب الأدبية – اللغوية، الرمزية والمجازية وصحّتها.

ما هو بالتحديد دور الكتاب وسلطته على التقليد وبأي وسائل تُطبّق؟ ما هي العلاقة بين التفسير الوعظيّ والتفسير النقدي للإنجيل؟ ماذا عن سوء التفسير وسوء التطبيق في التقليد الوعظيّ الشعبيّ؟ وكيف نستطيع أن نتعامل مع الأمور المعاصرة، مثل الجنس والجنسانيّة، بطريقة أرثوذكسيّة أصيلة؟ لقد ترك فلوروفسكي هذه التحديات للآخرين المتأصلين في المبدأ الآبائي القائل بالعلاقة الإيجابية بين التقليد والكتاب، والذين حاولوا أن يدفعوا إلى الأمام مناقشة التأويل مع مزيد من التفاصيل.

من المناسب أن نراجع على ضوء هذه الاعتبارات جهود عدد من علماء الأرثوذكس المعاصرين في اليونان والولايات المتحدة. هدفنا إيجابيّ وهو تطوير موقف منظّم للتأويل الأرثوذكسي عبر نقد بنّاء ومناقشة متفاعلة، كلاهما دليل على البحث العلميّ الناضج[8].

قبل حوالي عشرين عاماً، بانايوتيس أندريابولوس Panagiotis Andreapoulos، أستاذ في جامعة أثينا، قام بقفزة جريئة إلى فكر التأويل الحديث عبر عمله الضخم والمميّز مسألة “يسوع التاريخيّ ” في فكر علم تفسير العهد الجديد المعاصر على ضوء لاهوت كيرلّس الإسكندري[9]. مع الأخذ في اعتبار السمة التقليدية للدراسات اللاهوتيّة اليونانيّة، هذا كان غزواً نادراً للإشكاليات البولتمانيّة.

بعد مراجعة الفكر التأويليّ عند شلايرماخر، ديلثي، هايدجر وغادامر، تابع أندريابولوس التأويل عند بولتمان وتلاميذه المتعلق بمناقشتهم للبحث الجديد عن يسوع الناريخيّ. بموازاة ذلك، قدّم فكر كيرلّس الإسكندري الخريستولوجيّ. رغم وضوح المعالم في وصفه الاثنين، إلا أن عمله المقارن لم يكن وافياً لأنه لم يطلع بشكل كاف في مسألة أطرهما المتباينة وافتراضاتهما الإبيستيمولوجيّة المختلفة. لقد انتهى متحيّراً في كيفيّة توصّل البولتمانيّين إلى هذه الاستنتاجات المسيحانيّة غير المقبولة، مع الأخذ في الاعتبار مبدأ البروتستانت “الكتاب وحده”[10].

لا يبدو أنه استوعب أن الإشكاليات البولتمانيّة كانت محددة بشكل حاسم بالتراث التنويريّ والأزمنة الناتجة من سلطة الكتاب في البروتستانتية. بافتراضه أنّ الإنسان المعاصر بحاجة إلى شيء على شكل التأويل البولتماني لمجابهة مسائل العصرية الحقيقية، لم يميّز أندريابولوس أرضية الفكر البولتمانيّ الفلسفية ولا قيمته العابرة، كما فعل المفكرون الغربيّون.

رغم جهوده اللافتة للنظر والمستحقة الثناء والتي بذلها في مصارعة المفكرين التأويليين المعاصرين، فهو مثال عن الصعوبات التي تواجه محاولات الأرثوذكس للاطلاع على قضايا مهمّة في لاهوت الغرب التعددي بدون الانتباه المناسب للأمور الإبيستيمولوجيّة الأوسع.

سابا أغوريدس، أستاذ دراسات كتابية في تسالونيكي وفي أثينا لسنوات عديدة، ومفكر متحفز بين المفكرين اليونان المعاصرين، عالج مسألة التأويل من زوايا مختلفة في أعماله العديدة[11]. ما يحتل المرتبة الوسطى في فكره التفسيري هو عمل مطوّل عنوانه “تفسير النصوص المقدسة”[12] إنجازه كان طرح مسألة التأويل على ضوء الحياة المعاصرة.

ويقدم اكتشافات فيها تحد وبلاغة في مواضيع الكنيسة والمجتمع، الكتاب والتقليد، الإعلان والتاريخ، الدراسات الكتابية الآبائية والمعاصرة، اللاهوت والروحانية، الليتورجيا والبحث الكتابي، وكلها بأسلوب عميق ونبويّ.

ومع هذا، فإن إنجاز البروفسور أغوريدس التفسيري مبهم. رغم ملاحظاته العميقة، يحتاج عمله إلى وضوح أكثر تكامليّة وشمولاً في الفكر. هو يوافق على أنّ المشكلة التفسيرية “المعذِّبة سببها” المسافة بين الفكرين الكتابي والمعاصر، لكن يبدو أنّه لا يعرف مدى فاعلية أوجه التنوير السلبيّة على مفهوميّة هذه المشكلة مع أنه يرفض التنوير بشكل عابر في مكان آخر[13]. لكونه التزام البحث التاريخيّ، هو يميّز عن حق التفسير والشروحات، ويقدّر كثيراً حرية البحث.

علاوة على ذلك، يجد أن عالم العبادة يعبّر عن جوهر الكتاب المقدس من دون أن يظهر العلاقة الإبيستيمولوجيّة بين الليتورجيا والدراسات النقدية[14]. هو يؤكد أن التقليد يحمل الحقيقة المعلنة ويضمنها، لكنّه يهمل مناقشة علاقة التوافق التي بين التقليد والكتاب نظراً لسلطة الكتاب في التقليد والمؤيدة له[15].

هو يتمسك بأن الحقيقة اللاهوتية الأساسية تُكشف على المستويين الاختباري والجماعي أكثر منها على المستوى الفكري، لكنه لا يقيم وزناً لوظيفة قانون الإيمان وحسّ الكنيسة العقائدية ولا يبدو أنه استوعب أن مفهومه الخاص لمسألة التأويل يتغذى جزئياً بمنظار عقلاني[16].

بالجوهر، هو يقول، على عكس رأي الآخرين، إن الجواب الأرثوذكسي الحاسم على مسالة التأويل هو في تركيبة ملتبِسة من الرؤية الأخروية في الليتورجيا ومفهوم التاريخ العالميّ الذي حكى عنه Pannenverg، لكن من دون محاول ردم الهوة الإبيستيمولوجيّة بين شلكيّات فكرهما التسبيحيّ والفلسفي[17].

ما يبدو أنّه يميز جهود الأستاذ أغوريدس هو تركيبة متلازمة من العظمة والإحباط. فيما هو يضطلع بمواضيع واسعة وملائمة، لا يحدّد الأوجه المهمّة والنقاط الحاسمة في مسألة التأويل يجب السعي نحو صياغة أوضح للتأويل الأرثوذكسي عبر مناقشة أكثر دقّة في تمييز مستويات التأويل المختلفة وعناصر هذا العلم: الإيمان والعقل، الكتاب والتقليد، الكنيسة والحضارة المعاصرة، بتعابير محددة.

الأب جون براك (Breck)، باحث كتابيّ أميركي أرثوذكسي، كرس عددا من أعماله لمناقشة التأويل. نشر مقالتين في 1976 و1983 وكتابه The Power of the Word in the Worship ظهر في 1986[18]. وقد لخص فكره لاحقاً في محاضرة ألقاها أمام حضور مسيحيّ مختلط[19]. هدف الأب براك الأساس هو إيجاد طريقة أرثوذكسية بين المقاربتين الأصوليّة والتاريخيّة. هو أيضاً يميّز بشكل صحيح بين المستويّين التفسيري والشرحي ويستوعب أن مشكلة التأويل الأولى تقع على المستوى التفسيريّ.

بالنسبة إليه، المنهجي التاريخية – النقدية هي بحد ذاتها حيادية، وهكذا هو يمنح كل الوزن للدراسة العلمية الدقيقة بهدف اكتشاف رسالة الكتاب وجعلها معاصرة “الأرض الحقيقية للإيمان والحياة الأرثوذكسيين”[20]. مع هذا، لا الدارسات التاريخية النقدية ولا مقاربات التأويل الغربية أثبتت ملاءمتها مهمّة حمل قوة كلمة الله. جواب التأويل الحاسم، بحسب البروفسور براك، موجود في تعليم الآباء حول الثايوريا، أي فعل تقبّل، أو الرؤية الروحية، لوجود الله المخلص والعمل الذي تشهد له كلمة الكتاب ويتفعّل بأسمى شكل في عبادة الكنيسة[21].

كما في حالة الأستاذ أغوريدس، يمكن طرح الأسئلة المشابهة حول فكر الأب براك التفسيري. فهو أيضاً يأخذ على عاتقه فكرة غير كافية عن الهوة التي بين الفكرين الكتابيّ والمعاصر، وهكذا هو يتكلم على الحاجة إلى ترجمة رسالة الكتاب بشكل ذي معنى إلى “الفكر المعاصر وإلى عالم من الشك الفطري”[22]. لكنه ليس واضحاً بالكلية كيف أن الدراسة العلمية تستطيع بهذا الشكل أن تتخذ مهمة العصرنة، أي حمل معنى الكتاب وقوته بشكل قادر إلى القراء المعاصرين.

على أساس أي مقومات وبأي أشكال سوف نسعى إلى الملاءمة مع العصريّة. لا يأخذ الأب براك في الحسبان فشل المسيحية الليبرالية بسبب تكيّفها مع الحضارة المعاصرة ولا المشاكل الإبيستيمولوجية التي طرحها التنوير كما ناقشها على نحو واسع الباحثون الإنجيليون (Evangelical)، على سبيل المثال[23].

نموذجه المقارن لجسر التأويل بين الكتاب والإنسان المعاصر: العظة عند البروتستانت، وسلطة البابا عند الكاثوليك والروح القدس عند الأرثوذكس، هو نموذج عمومي جداً[24]. لا يتغاضى فقط عن التعددية التأويلية عند الكاثوليك والبروتستانت، بل أيضاً عن أن كل المسيحيين يقدرون الروح القدس والعظة وأشكال التفسير الصادرة عن سلطة[25].

يركز الأب براك بشكل رئيس على الثايوريا بحسب الآباء، التي هي بالفعل مرساة قيمة في التأويل لكنها أحادية الطرف. في فهمه الثايوريا، فيما يرفض المجاز، يبرر البروفسور براك دارسة الرموز بدون أي إشارة مهمة إلى تفاسير رمزية سطحية في التقليد. كما أنه يربط عن حق الثايوريا بالبعد الليتورجي الذي يناقشه مطولاً في كتابه. الصعوبة هي أن الثايوريا هي بشك أساس رؤية روحية، كما ينتهي هو نفسه مؤكداً، وليست طريقة تفسيرية.

وكفعل تلق وحي، تؤثر الثايوريا نوعياً على مقاربة كل شيء بما فيه الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تبتلع المهمة الاستطرادية في التعاطي مع ما عبر عنها فلوروفسكي “المحيطات الفكرية” للحقيقة المسيحية. في قراءة آباء الكنيسة، لا يقدم براك فرقاً مهماُ بشكل كاف بين الثايوريا كطريقة تفسيرية والثايوريا كمفهوم موحى به، وهي تمييز مقارن في اللاهوت الاستطرادي والمستيكي أو بين التفكير اللاهوتي والتعبير التمجيدي.

بالطبع، أثناسيوس وياسيليوس وأخوه غريغوريوسن مع أنهم عملوا في رؤية روحية غامرة، فقد فسروا الكتاب بتعابير عقلانية قرينية ونحوية، بخاصة في مجادلاتهم المتجولة مع الهراطقة. رغم أن البعدين لا ينفصلان، فهما يتضمنان عمليات تفسيرية متمايزة لا يستطيع أحدهما أن يختزل الآخر.

كنتيجة، ينبغي ألا تعتم العبارة التقنية على حقيقة أن الثايوريا كرؤية روحية ليست سوى أفق الإيمان الحي، أي الالتزام والانفتاح الروحي، الذي يقبض على قوة الكلمة الكتابية التي تغيّر وتخلص والتي أطلقها الروح القدس، سواء عبر عظات أو قراءات شخصيّة أو الاحتفال الجماعي في العبادة[26].

كل المسيحيين، أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، يؤكدون هذه الحقيقة. رغم فقدان الغنى الليتورجي عند الكثير من البروتستانت، ليس صحيحاً أن التشديد على العظة، أي الإنجيل وعرضه، يحول الكلمة إلى “ظاهرة محض كلامية”[27]. كل المسيحيين التقليديين يتمسكون بالتعليم حول الاستنارة الداخلية بالروح. الكل يغذي البعدين الكلامي والتأملي ويسعى إلى توازن صحيح بينهما. من الجانب الأرثوذكسيّ، الملء الإفخارستي بدون شرح الحقيقة الكتابية ممكن أن يتمزق بممارسات طقسية.

الإيمان، الصلاة، الانتباه لكلمة الإنجيل، سواء مقروءة أو مسموعة أو موعوظة، كما العبادة الجماعية والعيش المسيحي الملتزم، هذه كلها تشكل روحياً العالم المتقبل الذي فيه يحول الروح القدس الكلمة الكتابية إلى كلمة حية لكل المسيحيين.

فلنسلم كلياً أن آباء الكنيسة، على مثال نظرية الإنجيليين، طوروا تفاسير رمزية ومجازية مختلفة من منظار رؤية موحى بها. ولكن من المنظار عينه، هم أيضً قدّموا كمّاً من التفاسير المباشرة مطبّقة على الإيمان والممارسة. أغلب هذه، كما في تعليقات الذهبي الفم الوعظيّة، أُعطيت بدون إشارة إلى الثايوريا أو الرؤيا الإفخارستية، التي قد تكون افترضت مسبقاً، لكنها لم تُستحضر علناً ولم تكن ضروريّة لفهم تعليم الكتاب وتطبيقه.

علاوة على هذا، في محيط التربية اليونانية العالية اللغوية والفلسفية، مال الآباء الكبادوكيون نحو التفسير النصي واللغوي المتأني، بخاصة فيما يتعلق بالمناظرات العقائدية التي تضع مسألة الدقة القياسية (syllogistic) والترابط المنطقي في الواجهة[28]. إذاً، منظار الثايوريا، سواء علناً أو ضمنياً، أدى إلى فيض من التفاسير الأدبية – اللغوية، الرمزية، والمجازية بين آباء الكنيسة.

إذا كانت الرمزيّة والمجازيّة تنطلقان من منظار نظري، لماذا نَبذُ الأولى واتخاذ العناء لتبرير الأخيرة؟ هل هما، كطريقتين، مختلقتان فعلاً إلى درجة تثبيت واحدة ورفض الأخرى؟ أيضاً، لماذا إعمال التفاسير المتعدّدة المباشرة والتعليمية التي هي لا مجازيّة ولا رمزيّة؟

لماذا، بهدف الوضوح، لا نميّز بين الأدبي، المجازي والرمزي من التفاسير ونسميها بأسمائها الحقيقية كممثلة لمقاربات منهجية مختلفة، ونترك الثايوريا في مهمتّها الروحيّة والمستيكيّة الخاصّة في ملاءمة قوة الله المتعالية، التي لها وزنها بحدّ ذاتها؟ إن حقيقة كون الثايوريا الأنطاكية قد مالت نحو أخذ النص الكتابيّ والتاريخ بشكل أكثر جديّة من الثايوريا الإسكندرية، هي حقيقة لا تحول وحدها التفسير الرمزي على تفسير تاريخي – نقدي، كما أنها لا تجعل التفاسير الرمزيّة بلا معنى.

كلا المجازيّة والرمزية تتخطيّان مستوى التفسير النصيّ – اللغوي ويجب تقديرهما على مستوى التأويل بسبب أهدافهما وعملهما. فيما الاثنتان قد تقودان إلى المبالغات، إلا أن لكل منهما جدارتها لكن ليس كتفسير تاريخيّ – نقديّ.

قد يمكن توضيح أحجية التأويل في أطروحة الأب براك بتمييز بُعدين إبيستيمولوجيين على المستوى التفسيريّ: الأول منطقيّ بالدرجة الأولى وحاسم، والثاني تأمليّ وحدسيّ. في دعمه للثايوريا كفهم للحقيقة الإلهية الموحى بها من الروح القدس، وفي تأييده التفسير النظري على أنه المثاليّ للمفسّرين اليوم، ينظر الأب براك إلى هدف الليتورجيا وعملها فيكتب: “كما يشترك اليهود بالخروج من كل فصح، كذلك يشترك المسيحيّون باللحظات الحاسمة من حياة المسيح وبشارته”[29]، أي في عبادة الكنيسة.

مع هذا، فالعبادة هي عالم خصوصي وليست تقويماً عقلياً للحقيقة التي في تقاليد الجماعة المقدسة. فالعبادة بطبيعتها الخاصّة هي مستوى من التأمل التفسيريّ تقوم عليه كل جماعة دينية بالاحتفال بنصوصها المقدّسة وبتخليدها مع ما تدّخر فيها من خبرة مع الله. وقد تنتج منها تفاسير “نظرية أرثوذكسية أو كاثوليكية أو بروتستانتية أو يهودية.

وهما كانت العبادة مهمّة بهدفها وعملها، إلا أنه لا تستطيع أن تحل محل اللاهوت النقدي، أي محل المقاربة المنطقة للحقيقة كفيض تمّ إثباته في المناظرات العقائدية التي كانت بالدرجة الأولى استئنافات قياسيّة أكثر منها نظرية في تفسير النصوص الكتابيّة من قِبَل الآباء والهراطقة. كما أن أحداً لا يستطيع أن يشير إلى احتكام الآباء إلى سلطة التقليد الليتورجي لشرح العقيدة لأنّ هذا الشرح تمّ على مستوى اللاهوت المنطقيّ.

إذاً، في اتّباع آباء الكنيسة، يجد المرء صعوبة في المصادقة على دراسة الكتاب النقديّة وفي إرساء تفسيره على إدراك روحي أحادي الجانب باستطاعة كل إنسان أن يدعيه. بالطبع، يجب عدم التقليل من أهميّة الإدراك الروحيّ كصيغة حاسمة من الخصوصيّة الشخصية والجماعيّة للحقيقة الخلاصيّة وقوة كلمة الله. لكنّ هذه الخصوصيّة، إن لم تكن زلّة إلى الذاتانيّة المرفوضة، يجب أن ترتبط بشدة وتؤسَّس على “الأطر الفكرية” للشهادة الكتابية لبعض المنهجيات التب تتضمن عملية قياسيّة مركزة استناداً إلى التوافق الآبائي بين الإيمان والعقل.

لا يمكن اعتبار أيّا من الطرائق، سواء أكانت الأدبية أم المجازيّة أم الرمزيّة أم غيرها من الطرائق المعاصرة، مطلقة، كما لا يمكن رفض أياّ منها، كونها جميعاً، من حيث المبدأ، تسعى إلى توصّل عمليّ إلى المعنى المفاهيميّ للنصوص الكتابية. ينبغي بالأحرى تقويم كلّ منها على أساس هدفها وجدارتها. السؤال الحاسم ليس التلقي الروحي فقط بل أيضاً الحقيقة اللاهوتية.

من هذا المنظار، العوامل الحاسمة في التأويل هي ما أدركه آباء الكنيسة منذ زمن طويل: ادّعاءات الكتاب الحقيقيّة التي، عند تفنيدها، يجب تفسيرها بشكل موثوق بحسب التوافق العقائدي في الكنيسة. الغريب هو أنّ لا الأستاذ أغوريدس ولا الأب الأستاذ برك اختار أن يناقش بشكل تقديّ ارتباط العقائد بالتأويل[30]. علاوة على ذلك، الإشارة الأرخميديّة في التأويل هي بالتحديد البحث عن الحقيقة، الحقيقة اللاهوتية المعيارية، التي تعمل في آن واحد كإطار توحيديّ ومعيار مطلق للطرائق كافّة ومختلف التفسيرات المتنوعة.

هذا السعي إلى الحقيقة المعيارية هو اضطلاع بأكثر أسئلة التأويل حدّة. وفيه نجد التأمّلي والمنطقي، النسكيّ والعقلي، الإيمان والعقل متلازمة نقدياً. على أي أساس يستطيع التقليد الحي والخلاق أن يواجه بشكل أصيل ظروفاً جديدة ومعرفة جديدة؟ هذا للقول بأيّ ميازين نستطيع كشف ما هو معياريّ في الإيمان والممارسة وتحديده، ليس فقط في الماضي البعيد، إنما أيضاً في الحاضر المليء بالتحديات والمفتوح على أمور جديدة تطرأ؟

موقف الأب يوحنا رومانيدس في التأويل، وهو الأخير في هذه المراجعة، يجيب جزئياً عن الأسئلة الأخيرة التي يمكن طرحها إذا استطاع المرء الإشارة إلى سلطة حيّة تجمع ذاتها النسكيّ والمنطقيّ، النظريّ والعمليّ، وبهذا تعمل كمقياس معياريّ وكشف لا يخطئ للحقيقة المسيحيّة في الحاضر الدائم التغير والمستقبل المجهول. هذا هو تماماً موفق الأب رومانيدس التفسيريّ وهو يبني علماً كاملاً لاهوتياً وكتابياً على أساس نموذج القديس المواهبيّ (charismatic)[31]. في المقاطع التالية تلخيص لموقفه هذا.

بالنسبة إلى البروفسور رومانيدس، القديسون بامتيازهم الأنبياء والرسل أي أولئك الذين كانت لهم خبرات مباشرة مع الله بحلة مستمرّة وديناميكيّة من التمجيد الذي يسميّه آباء الكنيسة ثايوريا أو تمجيداً بالنعمة. فخبرات الأنبياء والرسل الإلهية السامية كانت فوق المفاهيم التأملية والصور، وكانت تمنح أصحابها معرفة مباشرة عن الله وتؤهلهم لقيادة الآخرين نحو الله بشكل لا يخطئ عبر كلمات وصور تحمل المفاهيم التي تناسب مستوى فهم المستمعين.

هذا التقليد حول رؤية الله والمشاركة في المجد الإلهي هو تقليد حيّ في المسيحيّة الشرقية، ويُفترض أنه مستمر في عدد محدود من القديسين المعروفين أو المجهولين، أيّ أنه عنصره مستمرّة تشكل أعلى إعلان عن الله ومعرفة له. إحدى النقاط التي تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس هي أن المعنى الحقيقي لمبدأ “الكتاب وحده (sola scriptura)” هي لا شيء غير التمجيد بالنعمة جامعاً وحدة الخبرة المباشرة وهويتها ومعرفة الله عند الأنبياء والرسل والقديسين.

هذه الخبرة الموحدة هي “المفتاح لفكّ أسرار الكتاب… التي بدونها يبقى الكتاب سراً مخبئاً حتى لعلماء الكتاب[32]، من الأرثوذكسيين وغيرهم. بالنسبة إلى رومانيدس، وحده القديّس الحقيقي، أي ذاك الذي تخطى مرحلة التطهّر وبلغ مرحلتي الاستنارة والكمال، يستطيع تفسير الإعلان الكتابيّ بشكل لا يخطئ على مستوى الكلمات والمفاهيم بفعل تمتّعه “بالنوع ذاته من المعرفة” التي كانت للأنبياء والرسل أنفسهم.

اقتراح البروفسور رومانيدس يدعى بقوّة مفاهيم نظريّة وتطبيقات عمليّة تتكل على بعضها البعض[33]، أي أنه يدعو إلى وحدة بين النسكي والعمليّ. فعلى المستوى العملي، ممكن أن نجد قديسين غير معلنين بلغوا الثايوريا، وهم متحرّرون كليّاً من عبوديّة الخطيئة والشيطان ومحبّة الذات، وهم في مجد الله والمحبّة غير الأنانيّة شهود معصومون يعلّمون الطرائق التي تؤدي إلى الله.

إنهم لاهوتيّون بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي عارفون موثوقون لله ومتحدثون باسمه، لا بالعقل التأمليّ بل بالخبرة المباشرة معه على طريقة الأنبياء والرسل. هؤلاء الأشخاص، هم وحدهم، الذين تطهّروا من أهوائهم الفاسدة وبلغوا على الأقل الاستنارة وكشف الأرواح، أن لم يكن التمجيد الفعليّ، هم المرشدون الحقيقيون في التفسير الكتابيّ. كل الآخرين هم مجرد “لاهوتيين بالاسم”، ومحتَمَل أنهم دجالون ومنحرفون عن الحقيقة بدرجات مختلفة. بحسب هذا اللاهوت المؤسّس على الثايوريا، يترافق التعلّم مع التطبيق.

على الطالب أن يلازم معلماً قد اختبر الاستنارة. أمّا المعلّم، كأب روحيّ، يستطيع أن يقود الطالب لكنّه لا يستطيع أن يفعّل فيه الثايوريا، التي هي عطية من الروح القدس وحده. ورغم ذلك، كل هذا يعني أنّ:

اللاهوتيّ الأرثوذكسي والأب الروحي هما واحد. لا يستطيع الرجل أن يكون لاهوتياً بدون أن يكون أباّ روحياً ولا يستطيع أن يكون أباً روحياً إن لم يكن لاهوتياً[34].

من الجانب النظريّ، يقدم الأب رومانيدس ملاحظات على القدر ذاته من الأهمية. إنّه يطرح مسألة الافتراضات المسبقة التي في ممارسة اللاهوت. بحسب الأب يوحنا، المقاربة الأوغسطينية للكتاب المقدّس واللاهوت انحرفت عن النموذج الكتابيّ والآبائي القائم على الخبرة وفقدت الرؤية حتى في التمييز الحاسم بين الخالق والمخلوق.

لقد افترضت بطريقة أفلاطونية وجود نماذج أولى أو عوالم غير مخلوقة، وبهذا افترضت مسبقاً وجود تشابه حقيقي وتناظر وظيفي بين مراتب الكائنات المخلوقة وغير المخلوقة، وكأن الاثنين ينتميان إلى نظام واحد من الحقيقة، يمكن اختراقه بالعقل البشريّ. يذكر الأب رومانيدس أنه، بحسب تعليم أوغسطين، يبلغ الله ما يريد إلى الإنجيليين في لحظات محدّدة من الوحي وبشكل لا يخطئ وفي كلمات تحمل مفاهيم وصوراً لم يفهمها الكتّاب بالضرورة.

في هذا المنظار الأوغسطينيّ، تماهي الكتاب المقدس مع أشكال مخلوقة مع الإعلان الإلهي إذا اعتُبر، خطأ، أن كلمات الكتاب المقدس بحد ذاتها هي الاعلان. تالياً، الفكر البشري الذي طالما امتحن عالم الحقائق الإلهية الثابتة، يستطيع أن يكتسب تدريجياً معرفة أعلى للنماذج الأولى الأبدية، بما فيها سر الثالوث القدوس، وهي معرفة قد تكون أعلى من تلك التي بلغها الأنبياء والرسل أنفسهم.

هذه الإبيستيمولوجيا الأوغسطينية هي البنية الأساسية التي تهلك كل الفكر التأمليّ الغربي، الذي تصدع بالضرورة في العصور الحديثة، حيث الإسمانية الفلسفية والدارسة العلمية لتدفق كل الأمور “أضعفت فكرة الحقائق الثابتة غير المتغيرة العزيزة على الأنظمة الفلسفية واللاهوتية في الغرب. بتعابير أخرى، يستطيع المرء أن يشرح لماذا انهار الإيمان بالحقيقة المطلقة والقانون والقيم الأخلاقية كمعايير للفكر والتصرف في الحضارة الغربية بشكل شامل[35].

هنا تلخيص البروفسور رومانيدس لموقفه في التأويل:

لا يستطيع التأمل الجدلي مطلقاً أن يكون مصدراً للتعليم الموثوق كما لو أن الكنيسة، عبر بابا أو مجامع أو علماء كتاب بروتستانت، تستطيع أن تحول البحث إلى عقيدة.

سلطة الحقيقة المسيحية ليست كلمات الكتاب المقدس المكتوبة بحد ذاتها، التي لا تستطيع من ذاتها أن تعبر عن الله أو أن تنقل مفهوماً ملائماً عنه، بل بالأحرى هذه السلطة هي الرسول والنبي والقديس الذي تمجد بالمسيح واتحد في خبرة المجد هذه بكل أصدقاء الله من كل العصور.

إذاً، الكتاب المقدّس وكتابات الآباء وقرارات المجامع ليست وحياً بل حول الوحي. فالوحي ذاته هو فرق الكلمات والمفاهيم، مع أنه يلهم هؤلاء المشاركين في المجد الإلهي للتعبير بدقة وبدون خطأ عن ما لا يمكن وصفه بالكلمات والمفاهيم.

بالنسبة إلى الآباء، الموثوقية ليست الكتاب وحده، بل الكتاب يضاف إليه المتمجّدون. فالكتاب ككتاب ليس بحدّ ذاته ملهَماً ولا معصوماً. إنّه ملهّم ومعصوم ضمن شركة القديسين الذين اختبروا المجد الإلهي الموصوف ولكن غير المنقول فيه. بالنسبة إلى الذين خارج تقليد الثايوريا الحي، الكتاب المقدس هو كتاب لا تُحل أسراره[36].

فكر البروفسور رومانيدس التفسيري واضح المعالم في تركيزه الكتابي على خبرة الله المباشرة التي هي قلب الإعلان الكتابيّ، كما في حنكته الفلسفيّة التي هي تحرّرٌ في الفكر من الإبيستيمولوجيا الأفلاطونية. ما يخص الأخيرة، التأكيد على وجوب السعي إلى الحقيقة في عبارات شخصية وعلائقية أكثر منها في نماذج أولى مجردة وأزلية، هي في الوقت ذاته إراحة من القلق على طريق فلسفي مسدود وفتح آفاق جديدة في السعي إلى الحقيقة المُعاشة.

ما يتعلّق بالأول، إعلاء شأن خبرة الله المباشرة هو تضمين جوهر شهادة الكتاب المقدس كما هو جوهر التجوال البشري المشترك. لا يوجد شيء أكثر عمقاً وإلحاحاً بالنسبة إلى كل كائن بشري من اكتساب خصوصيات مع الله الحي.

بالواقع، يتداخل المنظاران، الشخصي – الاختباري والإسمانيّ – الفلسفي، بطريق تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس، طريقة تدويّ صحيحة وتعطي فكرة وحدة قويّة جذابة. إنها بالتأكيد شهادة قيّمة لآباء الكنيسة العظماء، الذين كانوا أصحاب حنكة فلسفية في عصورهم، وتدريجياً أداروا ظهرهم لأفلاطون وبتأن تبعوا طريقة الكتاب في معرفة الله. ليس أقل فضائل الأب رومانيدس تذكير العلماء المعاصرين باستمرارية اللاهوت الكتابي والآبائي الأساسية وبوحدته.

في جهوده لطرد الشبح الأفلاطوني الذي يوجّه دائماً الأشخاص إلى الاتكال على الحقائق المجردة أكثر من الاتكال على الله الحي نفسه، لقد بيّن ما هو لبّ الفكر الآبائي أي المحتوى والرؤية الروحيين. طريقة الآباء هي طريقة الكتاب المقدس. بإمكاننا أن نضيف أن الإخلاص للكتاب كان تماماً القوة التي تحركت ودفعت آفاق الأفلاطونية إلى الخلف في فكر المفكرين المسيحيين القدامى، وهي طريقة تفكير مثيرة للاهتمام حول كيف أن “موسى تخطى أفلاطون”، أي كيف فتح علم الوجود (ontology) الأفلاطوني الطريق للشخصانية الكتابية[37].

في أي حال، طرح رومانيدس في التأويل مثقل بالأحادية من جهة طريقته الخاصة، بسبب بعض الادعاءات الصارمة أكثر من اللازم والتي تؤثر على قيمة فكره وقدرته على الإقناع. على المستوى الفلسفي، مع ترك مسألة التفسير الأوغسطيني للخبراء في هذا المجال، إن نوعاً من الاسمانية يجب تلطيفه باعتبار أن “الكلمات والصور الحاملة المفاهيم” تحمل نوعاً من استقرار المعنى.

في رفض فكرة النماذج الأولى والكونيات الخالدة، يجب الأخذ في الاعتبار النظرة الكتابية والآبائية بأن في الكتاب المقدس تعاليم واضحة وملزمة حول الله وطرائقه المتاحة للجميع. ليس بالضرورة أن يتبنى المرء ما ورائيات أفلاطون حول الحقيقة الثابتة ليؤكد أن الكتاب، على مستوى تبادل الكلمات والصور، يحتوي على نظرات ثابته وأسس وحقائق تتعلق بأمور كالله والأوثان، النعمة والإرادية الحرة، المحبة والكراهية، الصدق والكذب، الغفران والثأر، العدالة والاستغلال، العطاء والأنانية، والرجاء واليأس.

ليس ضرورياً أن يمضي المرء بعيداً في قراءته كتابات آباء الكنيسة اللاهوتية والعملية، كباسيليوس والذهبي الفم، حتى يرى الموثوقية الكبيرة الي يعزونها إلى الحرف والمعنى الجلي للكتاب المقدس كمصدر للتعليم عن الله وإرادته، مؤمن للجميع. لقد اتكل هؤلاء الآباء بشدة على وضوح المعنى وثباته في النص الكتابي واستخرجوه بالتفسير الحرفي واعتبروا أن أي قارئ قادر على المتابعة بدون أي تقنيات باطنية.

إن الادعاء بأن “الكتاب غير ملهم” هو وقوف في وجه كل التقليد الآبائي واقتطاع من قاعدة شهادة الكتاب لتعاطي الله مع كل الشعوب. الظهور بمظهر الادعاء بأن المعنى الثابت والأكيد على مستوى الكلمات والصور لا يمكن بلوغه بالفهم البشري العادي هو اجتثاث للتواصل البشري والبحث العلمي كما والرجاء بحوار ذي معنى ومصالحة ممكنة بين المتنازعين، الأرثوذكسيين والهراطقة على السواء. نحن لا نقول إن معنى الكلمات والصور الكامل المتاح للجميع هو كل شيء، لكنه جزء أساس من الحقيقة التي عن الله ومنه، والتي جميعنا مدعون للسعي إليها.

الصعوبة المركزيّة في طرح رومانيدس هي التركيز المفرط على القديس المواهبي الذي يبدو فوق الكتاب والمجامع وحتى فوق الكنيسة. نحن لا نتساءل حول تقليد الآباء الروحيين الغني والقيم في المسيحيّة الشرقيّة[38].

كما أننا لا نتساءل حول الدور الأساس للصور الكتابية الرئيسة وللقديسين العظماء في مجمل حياة شعب الله. نحن نتساءل حول اقتصاريّة النموذج المواهبي الذي يبدو أنه يرفع القديس إلى رمز لاهوتي مُغالى فيه. قد يُجرب المرء بمقارنة التباس القديس المثالي المطالب بالكثير بغموض تشديد البروتستانت على كلمة الله التي ينسبون إليها رفعة مماثلة.

ولكن من هم هؤلاء القديسون المتمتعون بالخبرة الإلهية ذاتها والقادرون على الاتصال بدون خطأ بينهم ومع الآخرين، وغير المباركين بالثايوريا؟ بعد خبرة تجلي يسوع، يوحنا ويعقوب لم يترفعا عن التطلع إلى كرامات خاصة في المجيء الثاني الذي كانا ينتظرانه ولكن بشك أرضي (مرقص 10: 35). بغض النظر عن مكانتهما غير القابلة للمناقشة، كان بين الرسولين بطرس وبولس اختلاف لافت للنظر حول أمر مهم في حياة الكنيسة، ما أدى ببولس إلى مواجهة بطرس علناً (غلاطية 2: 11-14)[39].

كما أن كتاب الأعمال يشير إلى مشاجرة بين بولس وبرنابا حول عدم استقرار يوحنا مرقص ما سبب افتراقهما في العمل البشاري (أعمال 15: 36-41). إذا كانت هذه النزاعات جرت بين الرسل، فلن يحس المرء بالحرج إذا سرد عدداً من الأمثلة بين آباء الكنيسة. بالواقع، أغلب الهراطقة ممكن وصفهم بالرموز المواهبية.

ما هو الدليل الذي يقدمه رومانيدس لهذا النموذج المشار إليه أعلاه في التأويل؟ يتمثّل في ثلاثة اسنادات من القديس غريغوريوس اللاهوتيّ حول استحالة فهم الله وضرورة التطهر الروحي في السعي إلى معرفة سر الله[40]. إنه يشير إلى الفعل (يلاحظ، يفهم، أو يمتلك…) المستَعمل في إنجيل يوحنا للكلام على رؤية المسيح أو معرفته. أخذ الأب رومانيدس حرية ترجمة هذا الفعل كاسم: “لينظروا مجدي” (يوحنا 17: 24). تالياً هو يبث فيه المعنى الآبائي التقني.

لكن استعمال الاسم ليس محصوراً في انجيل يوحنا بل في مرة أخرى في العهد الجديد وبفارق دقيق مختلف (لوقا 23: 49)، بشكل يصعب اعتباره دليلاً على فهم تقني عميق للثايوريا. بالواقع، يقدم الإنجيل الرابع فيضاً من العبارات المعرفية وكلها مطبقة بدون تمييز على علاقات المسيح بالجميع، مؤمنين وغير مؤمنين على السواء.

فيما يتعلق بخطبتي غريغوريوس، فالهدف منهما هو: إذا تطهرنا كما ينبغي، “فلنتفلسف ضمن حدودنا”[41] لأن “الطبيعة الإليه لا تُفهم بالعقل البشري”[42]. يتكلم غريغوريوس على الاستعمال الحسن للعقل مكملاً بالإيمان[43]. إن احتكامه إلى المعرفة المستيكية هو ضد المذهب العقلي الأريوسي والأقنومي. وليس ضد الاستعمال العادي للعقل في اكتساب معرفة كتابية عن الله مُتاحة للجميع.

غريغوريوس نفسه يستعمل كثيراً العقل والبلاغة المكتسبين من تربيته الإغريقية الكلاسيكية، على الأقل في استعماله الإغريقي للتمجيد الذي يملؤه بشكل أكيد من المعنى الكتاب. كل هذا ليس بأي طريقة للقول إن البعد الاختباري والمستيكي غير مهم في الإنجيل الرابع أو في غريغوريوس. على العكس، نحن نؤكد الأهمية في كليهما.

في أي حال، إنه للإشارة إلى أنه لا الإنجيل الرابع ولا غريغوريوس، في مجمل شهادتهما، يرفعان المؤمن المواهبي أو القديس كمعيار معصوم لمعرفة الله والمعرفة عن الله فوق الكتاب وفوق الكنيسة. إن كامل شهادة الكتاب والآباء لا تدعم هذا النموذج المطلق كمعيار في التأويل.

في التأويل الكتابي واللاهوتي، لا يمكننا الاكتفاء بطرح يفترض ظاهرياً أن الشخص المواهبي الموثوق هو فوق النقد، ما يشكل موقفاً معرضاً للاتهام بالاعتباطية والذاتانية. الشخص المواهبي مهم في التقليد اليهودي – المسيحي لكن لا يمكن فصله عن شعب الله أي عالم الجماعة المؤمنة التي تشكل شخصيتها المشتركة نقطة السلطة المسيطرة. التوجيه الرسولي هو: “لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم” (1يوحنا 4: 1).

من بين آباء الكنيسة، القديس سمعان اللاهوتي الحديث يدعو، كما لم يفعل أي قديس أرثوذكسي آخر، الحكمة المعصومة وحتى الطهارة من الخطيئة، عند الذي يحمل مجد الله، وهو اعتبر نفسه واحداً منهم. مع هذا، رغم حدة عباراته عن عمى الآخرين جميعاً، يدعو مستمعيه الذين لم يمسكون بعد بمجد المسيح القائم، ليحكموا بأنفسهم على صحة كلماته. أحد الأمثلة على ما يكتب: “هذه هي برأيي حقيقة الأمر، وهذا هو تدبير الله لنا… أنتم، من جهتكم، يجب أن تمتحنوا ما نقول”[44].

تقليد الجماعة وحياة الكنيسة هما المعيار النهائي لامتحان الادعاءات المواهبية. خبرة الله ملك الكنيسة جمعاء وليست فقط لمجموعة نخبوية، ما قد يذكرنا بالغنوصية. للمعرفة المستيكية الشخصية قيمتها لكنها لا تستطيع وحدها أن تطغى على معرفة الله المتاحة للجميع أو تمتصها.

وإلا لا يتجرد المؤمنون فقط من دورهم كحُماة للإيمان، بل الكنيسة أيضاً سوف تُقطع من التواصل مع العالم الذي هي مسؤولة عن تعليمه الإنجيل بشكل هادف. في الواقع، في التأويل، الحاجة هي إلى نموذج يأخذ باعتباره توازناً أكبر بين الإيمان والعقل، المعرفة المستيكية والبحث العلمي، إيمان الفرد وإيمان الجماعة، الكنيسة والثقافة، وهذا كله بحسب شهادة آباء الكنيسة.

 

[1] See the diverse bibliography in Chapter Two, notes 51 through 54. From an Ecumenical perspective, largely centered on the work of the World Council of Churches, sample contributions include Metropolitan Chrysostomos Konstantinidis, “The Significanse of the Eastern and Western Traditions within Christendom,” Orthodoxy: A Faith ans Order Dialogue, (Geneva: WCC, 1960), pp. 62-72; Nikos A. Missions, “The Unity of Scripture and Tradition:

An Eastern Orthodox Contribution to the prolegomena of Hermeneutlcs,’ GOTR 11 (2, 1965-1966), pp. 183-208; and Ion Bria, The Sense of Ecumenical Tiwition (Geneva: WCC Publications, 1991). A Standard for the ecumenical discussion is The Bible: Its Authority and Interpretation in the Ecumenical Movement, ed. Ellen Flesseman-van Leer (Geneva: World Council of Churches, 1980).

[2] G. Florovsky, “The Ethos of the Orthodox Church, “in Orthodoxy: A Faith and Order Dialogue, pp. 45ff.

[3] Cited by Florovsky, ibid, p.41.

[4] Ibid.

[5] The relevant articles on these subjects have been conveniently collected in his book Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox view.

[6] G. Florovsky, “The Function of Tradition in the Ancient Church, “GOTK9 (Winter, 1963-1964), pp. 187-188, and reprinted in Bible, Church, Tradition.

[7] Even Florovky’s articles “The Predicament of the Church Historian,” in Religion and Culture, ed. W. Leibrecht (New York: Harper & Row, 1959), pp. 140-166, and “The Patterns of Historical Interpretation, “ATR 50 (2, 1968), pp. 144-145, are written in a grand theological perspective rather than a truly critical one, as for example by Van A Harvey, The Historian & the Believer (New York: MacMillan, 1966).

[8] Orthodox theological scholars have tacitly shown ectreme sensitivity about constructive mutual criticism. Although they quote one another in oblique or supportive ways, each usually presents his or her own ideas of other Orthodox authors. But advancement in Orthodox scholarship cannot occur without honest, interactive discussion on the basis of mutual respect and the putting aside of personal attacks and recriminations.

[9] (Athens: Maurogeorges, 1975). A fervent believer and inspiring teacher, Andriopoulos died at a young age, a great loss to Orthodox biblical studies.

[10] Ibid., pp. 405-408.

[11] FornBibliographical entry into his works, see Chapter Two, notes 52 through 54.

[12] ## (Athens, 1979). See also his forthright and stimulating article on biblical studies in modern Greece mentioned and commented on in Chapter Two, note 53.

[13] Ibid., pp. 8-9, 16, 57-58,328.

[14] Ibid., pp. 45,61ff., 71-72,339,342,349,360.

[15] Ibid., pp. 318ff. and 326ff.

[16] Ibid., pp. 8-9, 57-58, 67, 323-327. In his passionate concern for the hermeneutical question and pastoral care, he expects that scholars, students, and Lay people alike must bear the same hermeneutical burden without qualification, pp. 14-15, 315-316, as if all must experience the gap or distance between Bible and modern thought before they can derive any value from Scripture.

[17] Ibid., pp. 16,71-72, 302,310-315.

[18] The two articles are “Theoria and Orthodox Henneneurics,” SVTQ^IO (4, 1976), pp. 95-219 and “Exegesis and Interpretation: Orthodox Reflections on the ‘Hermeneutic Problem,'” SVTQ 27(2, 1983), pp. 75-92. These are essentially reproduced in his book, published bu St. Vladimir’s Seminary Press in Crestwood, New York, which includes Substantive additions on patristic exegesis and rich sections on Scripture as “Living Word” in liturgical Celebration, creedal confessions, and iconography.

[19] John Breck, “Orthodoxy and the Bible Today,” in The Legacy of St. Vladimir, ed. John Breck and others, pp. 141-157.

[20] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 195-196; “Exegesis and Interpretation, “pp. 75-76; The Power of the Word, pp. 25-28.

[21] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 196, 211, 217-219″ Exegesis and interpretation,”pp. 78-84; 90-92; The Power of the Word, pp. 9-10, 28-36,44-47, 109-113.

[22] John Breck, “Ecegesis and Interpretation,” p. 76; The power of the Word, p.28.

[23] For example C. H. Pinnock, The Scripture principle; D. G. Blocsch, Holy Scripture: Revelation; Inspiration & Interpretation; M. A. Noll, Between Faith and Criticism; and many others in Scripture and Truth, ed. D. A. Carson and J. D. Woodbridge.

[24] John Breck, “Exegesis and Interpretation,” pp. 80-84; The Power of the Word, pp. 31-36.

[25] For Example, M. A. Noll, Between Faith and Criticism, pp. 151 and 205, finds forms of a Protestant magisterium among Evangelicals based on the priesthood of all believers and in the pronouncements of exalted Evangelical leaders.

[26] In a differenc chapter of his book, pp. 117-122, Father Breck himself includes an inspiring section on faith but apparently does not see its affinity to the patristic ##

[27] John Breck, The Power of the Word, pp. 32 and 35. Fathe Breck himself, p. 31, defines the classic Protestant position as “charismatic,” that is, anchored on the principle of the personal illumination by the Holy Spirit, Which is to be applied o he ongregation s well as the preacher during the sermon.

[28] For Example, Gregory of Nyssa, prior to the controversy with Eunomios and his followers, practiced mostly allegorical exegesis. But the controversy led him to a much more precise and contextual approach to the biblical text on the basis of a more sophisticated understanding of epistemology and the philosophy of language.

So Mariette Canevet, Gregore de Nysse et l’hermeneutique biblique: Etude des rapports entre le langage et la conaissance de Dieu (Paris: Etudes Augustiniennes, 1983). I owe this reference to my colleague Nicholas Constas.

[29] The emphasis is Father Breck’s in The Power of the Word, p. 104. CF. pp. 110-113.

[30] In Part II of his Power of the Word, Father Breck includes lengthy chapters on creedal formulations on the New Testament and the liturgical tradition but oddly does not raise the question of the hermeneutical role of doctrine, that is, the quest for normative truth. Thus, Part I on “Interpreting the Word” and Part II “Living the Word” seem essentially unconnected> Father Breck’s connection of course is ## as the only hermeneutical key.

The erroneous impression remains that the “living word” occurs only in worship and not other areas of ministry, for example, biblical teaching, which is part of theology’s burden for the world. In his later article “Orthodoxy and the Bible Today,” pp. 149-150, Father Breck does include and incipient discussion of how doctrinal formulations should “determine hermeneutic presuppositions,” an issue that needs far greater attention.

[31] A Comprehensive statement of his position may be found in his lengthy article Critical Examination of the Applications of Theology,” in Proces Verbaux du deuxieme congress de Theologie Orthodoxe, ed.  Savas Ahouridis (Athens, 1978), pp. 413-441. Father Romanides many years ago was my first theology professor at Holy Gross Greek Orthodox School of Theology, and he opened my eyes to exciting heological nsights and to the necessity of paying close attention to “presuppositions.

To him I owe my foundational theological thinking, albeit qualified by critical historical scholarship of the Bible and the Church fathers. Father Romanides is now retired but still active in Greece and abroad.

[32] Ibid., p. 423 and more broadly pp. 421-426.

[33] Father Romanides time and again confidently parallels his theological and hermeneutical approach to the ecpermental method of the hard and soft sciences, involving both interdependent theorizing and actual testing by observable and measurable standards, pp. 413, 423, 432, and 436-437.

[34] Ibid., p. 433. See also pp. 432-433.

[35] Ibid., p. 413, 416, 418-421.

[36] Ibid., p. 427 and 432.

[37] J. Pelikan, The Christian Tradition 2: The Spirit of Eastern Christendom (600-1700) (Chicago: University of Chicago Press, 1974), p. 33, Writes that, according to the Eastern fathers, “Theology was ont a Science of divine ontology but of divine revelation.

“The patristic emphasis on faith and Scripture, rather than on reason and philosophical speculation – while viewing the two perspectives as complementary and mutually supportive, not antithetical – is more fully laid out by Pelican in his Christianity and Classical Culture.

In contemporary Orthodox theology, biblical and partristic personalism as contrasted to Greek philosophica; ontology is the touchstone of the work of John D. Zizioulas, Being as Communion (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1985) and Christos Yannarars, The Freedom of Morality, trans. Elizabeth Briere (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1984).

[38] See Kallistos Ware, “The Spiritual Father in Orthodox Christianity, “CC Summer/Fall, 1974), pp. 296-312, and Irenee Hausherr, S. J., Spirtual Direction in the Early Christian East (Kalamazoo: Cistercian Publication, 1990), with a foreword by Kallistos Ware.

Douglas Burton-Chrisrie, The Word in the Desert, ends his study on the ancient monastic use of Scripture by underscoring the significance of persons who lived Scripture and were “Christ-bearers” and “mediators of God to Humanity.” His ending sentence reads: “The ultimate expression of the desert hermeneutic was a person [his emphasis], one who embodied the sacred texts and who drew others out of themselves into a world of infinite possibilities,” p.300.

[39] One can understand but not accept the interpretation of some Church fathers, going back to Origen, that peter and paul simulated the conflict in order to teach a lesson to Jewish and Gentiles Christians. But, on the premise of the dignity and unfailing agreement between apostles, would not thes Christians also be offended even by a simulated conflict, just as later Christians were apparently offended who took the disagreement as real?

[40] Theological Orations, 1.2; 2.3, and 2.14.

[41] Theological Oration, 1.5.

[42] 7W., 211.

[43] See Fullness to reasoning: The Five Theological Orations of Gregor of Nazianzen by Frederick W. Norris who lifts up the following Gregorian citation, p.v: “When we abandon faith to take the power of reason as our shield when we use philosophical enquiry to destroy the credibility of the Spirit, the reason gives way in the face of the vastness of realities… Give way it must… [being] the frail organ of human understanding.

What happens then? The frailty of our reasoning looks like a frailty in our creed. Thus it is that as Paul too Judges smartness of argument is revealed as a nullifying if die Cross. Faith, in fact, is what gives fullness to our reasoning” (Oration 29.21).

[44] C. J. deCatanzaro, trans., Symeon the New Theologian: Discourses, p. 354.

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس7 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس7 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، مقدمة عن الرسائل وأهميتها

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الأولى عن: الصوم والأعياد

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الثانية بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الثالثة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الرابعة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية الخامسة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السادسة بمناسبة عيد القيامة

  • الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السابعة بمناسبة عيد القيامة

(1)

لنحمل سمات المصلوب:

          كتب الطوباوى بولس لأهل كورنثوس[1] أنه كان يحمل دائمًا إماتة الرب يسوع فى جسده، ليس كأنه هو وحده الذى كان يفتخر بهذا، بل أهل كورنثوس يشاركونه هذا الافتخار، ونحن أيضًا معهم. وليتنا نقتدى به فى هذا المضمار يا إخوتى. وليكن هذا هو افتخارنا جميعًا كل حين. وقد اشترك داوود النبى فى هذا قائلاً فى المزامير: “ لأننا من أجلك نُمات اليوم كله. قد حُسبنا كغنم للذبح[2]

          وهذا هو ما يليق بنا، خاصة فى أيام عيد الفصح، عندما يحين تذكار موت مخلصنا. لأن من يتمثل بمخلصنا فى موته يكون مجاهدًا أيضًا فى الأعمال الفاضلة، إذ يكون قد أمات أعضاءه التى على الأرض[3]، وبصلبه الجسد مع الأهواء والشهوات، فإنه يحيا فى الروح، ويسلك خاضعًا للروح[4]. وهو دائم التفكير فى الله، ولا ينساه، ولا يتمم أعمال الموت على الإطلاق. 

          ولكى نحمل الآن فى جسدنا إماتة الرب يسوع، فقد أضاف الرسول بعد ذلك، مبينًا طريقة مثل هذه الشركة قائلاً: “ فإذ لنا روح الإيمان عينه، حسب المكتوب، آمنت لذلك تكلمت، نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا“[5]. وقد أردف الرسول أيضًا، متحدثًا عن النعمة التى تنبع من المعرفة: “ عالمين أن الذى أقام الرب يسوع، سيُقيمنا نحن أيضًا بيسوع ويُحضرنا معكم“[6].

 

(2)

بالإيمان والمعرفة نقبل الفرح السماوى:

          وعندما احتضن القديسون مثل هذه الحياة الحقيقية بالإيمان والمعرفة، فإنهم نالوا الفرح السماوى، ذلك الفرح الذى لا يهتم به الأشرار، ولذلك يستحقون الحرمان من البركة الناشئة منه. لأنه قيل: ” ليُؤخذ الشرير بعيدًا لكى لا يرى مجد الرب“[7]. 

          ومع أنهم عندما يسمعون النداء العام الموعود به “ استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات“[8]، سوف يقومون، ويأتون حتى إلى السماء، قارعين (الباب) قائلين: “ يا سيد افتح لنا“[9]، لكن الرب سوف يوبخهم، كمن أبعدوا عنهم معرفته، قائلاً: ” لا أعرفكم“[10]. ويصيح الروح القدس ضدهم قائلاً: “ الأشرار يرجعون إلى الهاوية، كل الأمم الناسين الله“[11].

          والآن، نحن نقول إن الأشرار مائتون، لكن موتهم ليس موت الحياة النسكية المضادة للخطية، ولا هم مثل القديسين، الذين يحملون الإماتة فى أجسادهم. لكنهم يدفنون النفس فى الخطايا والجهالات، ويصيرون مع الأموات، ويشبعون النفس بالغذاء المُميت، مثل فراخ النسور، التى تحوم فوق جثث الموتى، الأمر الذى نهت عنه الشريعة، وأمرت رمزيًا: ” لا تأكل النسر، ولا أى طير يتغذى على الجثث الميتة“[12]. واعتبرت كل من يأكل الجيف نجسًا. 

          أما هؤلاء فإنهم يقتلون النفس بالشهوات، ولا يقولون شيئًا سوى: ” لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت“[13]. وبعد ذلك مباشرة يصف النبى نوع الثمر الذى يحمله أولئك الذين يحبون الملذات، إذ يضيف قائلاً:   “ فأعلن فى أذنى رب الجنود، لا يغفرن لكم هذا الإثم حتى تموتوا“[14].

          نعم، بل إنهم حتى فى حياتهم يكونون فى عارٍ، لأنهم يعتبرون إلههم هو بطنهم، وعندما يموتون يُعذبون لأنهم افتخروا بموتٍ كهذا. ويشهد القديس بولس لهذه النتيجة قائلاً: “ الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك“[15]. وقد سبق أن أعلنت الكلمة الإلهية عن هؤلاء قائلة: ” موت الخطاة شر، ومبغضو الصديق يخطئون“[16]. لذلك يرث الأشرار الدود المر، والظلمة المحزنة.

 

(3)

كيف يعيش الأبرار؟

          أما القديسون وأولئك الذين يمارسون الفضيلة بحق، فإنهم:       “ يمُيتون أعضاءهم التى على الأرض: الزنا، النجاسة، الأهواء، والشهوة الرديئة[17]. ونتيجة لهذا يكونون أنقياءً وبلا عيب، واثقين فى وعد مخلصنا، الذى قال: ” طوبى لأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله[18].

          هؤلاء قد ماتوا عن العالم، وازدروا بتجارة العالم، لذا فإنهم يربحون موتًا مُشرِّفًا، لأنه “ عزيز فى عينى الرب موت أتقيائه[19]. وهم يقدرون أيضًا على الاقتداء بالرسول القائل: “مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىَّ“[20]. لأن هذه هى الحياة الحقيقية التى يحياها الإنسان فى المسيح. فإنهم وإن ماتوا عن العالم، لكنهم يعيشون كأنهم فى السماء، مهتمين بتلك الأشياء التى هى فوق، كما قال ذاك الإنسان محب مثل هذه المساكن السماوية: “بينما نحن نسير على الأرض، فإن مسكننا هو فى السماء[21].

 

كيف يعيد القديسون ؟

          والآن، فإن أولئك الذين يحيون هكذا، مشتركين فى فضيلة كهذه، فإنهم وحدهم الذين يستطيعون أن يقدموا المجد لله. وهذا هو ما يعنيه أساسًا العيد والعطلة الرسمية[22]. فالعيد لا يكمن فى الأطعمة الشهية، أو الملابس الفاخرة، أو أيام الراحة، بل تكمل بهجته فى الاعتراف بالله، وتقديم الشكر والتمجيد له[23]. وهذا هو سلوك القديسين وحدهم، الذين يعيشون فى المسيح، لأنه مكتوب: ” ليس الأموات يسبحونك يا رب، ولا من ينحدرون إلى أرض السكوت. لكن نحن الأحياء الذين يباركون الرب من الآن وإلى الدهر“[24]. 

          هكذا كان الأمر مع حزقيا، الذى نجا من الموت[25]، فسبح الله قائلاً: “ أولئك الذين فى الهاوية لا يستطيعون أن يحمدوك، الموتى لا يباركونك. لكن الحى هو الذى يباركك، كما أفعل أنا أيضا (اليوم)“[26]. فالذين يعيشون فى المسيح هم وحدهم الذين يمجدون الله ويباركونه، وبهذا يصعدون إلى العيد، لأن عيد الفصح ليس للأمم (الوثنيين)، ولا لليهود بحسب الجسد، بل لمن يعترفون بالحق الذى فى المسيح، كما صرح ذاك الذى أرُسل لينادى بعيدٍ كهذا قائلاً: “ لأن فصحنا أيضًا المسيح، قد ذبح لأجلنا[27].

 

(4)

المسيح إله الأحياء يحيى الجميع

    لذلك وإن كان الأشرار يتزاحمون ليُعيدوا، ويسبحون الله كأنهم فى عيد، ويتطفلون على كنيسة القديسين، فإن الله يعنفهم، قائلاً للخاطئ: “ مالك تُحدث بفرائضى؟”[28] والروح القدس الوديع يوبخهم قائلاً: ” ليس حسنًا التسبيح فى فم الخاطئ“[29]. وليس للخطية أى مكان فى تمجيد الله. لأن فم الخاطئ يتحدث فى أمور غير مستقيمة، كما يقول سفر الأمثال: “ فم الأشرار ينبع شرورًا“[30]. لأنه كيف نسبح الله بفم دنس؟ طالما أن الأشياء المتناقضة لا يمكن أن تجتمع معًا؟ ” لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة؟”[31]، هذا ما يعلنه بقوة بولس خادم الإنجيل.

          ولذلك فطالما أن الخطاة، وكل الغرباء عن الكنيسة الجامعة، والهراطقة، والمنشقين، مُستبعدين عن تمجيد الله مع القديسين، فإنهم لا يستطيعون أن يستمروا فى حفظ العيد. أما البار، فإنه وإن كان يبدو ميتًا عن العالم، لكنه يتجاسر على الكلام، قائلاً: ” أنا لا أموت، بل أحيا، وأُحِدث بأعمالك العجيبة[32].

فإن الله نفسه لا يخجل أن يُدعى إلهًا[33] لأولئك الذين بالحق يُميتون أعضاءهم التى على الأرض[34]، لكنهم يحيون فى المسيح، لأنه هو إله الأحياء، لا إله الأموات. وهو الذى يُحيى جميع البشر بكلمته الحية، ويُعطى المسيح غذاءً، وحياة للقديسين، كما يعلن الرب: “ أنا هو خبز الحياة“[35].

          ولما كان اليهود ضعفاء الإدراك، ولم تكن حواسهم مدربة على الفضيلة، لهذا لم يفهموا هذا الحديث عن الخبز، وتذمروا على الرب، لأنه قال: ” أنا هو الخبز (الحى) النازل من السماء، الواهب حياة للبشر“[36].

 

(5)

الخبز الحى يُحيى من يأكله:

    لأن الخطية لها خبزها الخاص المؤدى إلى الموت، وهى تدعو محبى الملذات، وناقصى الفهم قائلة: ” لتسرق خبز الخِفية اللذيذ، والمياه المسروقة حلوة“[37]، لأن من يلمس فقط هذا الخبز لا يُدرك أن المولود من الأرض سوف يهلك معها. لأنه حتى لو ظنَّ الخاطئ أنه سوف يجد لذة، فإن عاقبة ذلك الطعام غير سارة، كما تقول أيضًا حكمة الله: ” خبز الكذب لذيذ للإنسان، لكن فمه بعد ذلك يمتلئ حصى“[38]. و” شفتا المرأة الزانية تقطران عسلاً، يكون حلوًا لحلقك إلى حين، لكنك تجده أخيرًا أكثر مرارة من الافسنتين، وأكثر حدة من سيف ذى حدين“[39].

          إذن فهو هكذا يأكل ويفرح لوقت قصير، ولكنه بعد ذلك يرفض بازدراء هذا العسل عندما يذهب بنفسه بعيدًا. لأن الأغبياء لا يدركون أن أولئك الذين يبتعدون عن الله يهلكون. وعلاوة على ذلك، فهناك التحذير النبوى الرادع الذى يقول: “مالك وطريق مصر لشرب مياه جيحون؟ ومالك وطريق أشور لشرب مياه الأنهار“[40]؟ وتُنهى حكمة الله التى تحب البشر عن هذه الأمور، صارخة: ” اهرب سريعًا، لا تلبث فى ذلك المكان، ولا تُثبت عينك عليه، لأنك هكذا تتجاوز(عن) مياه غريبة، وتهجر سريعًا النهر الغريب“[41]. 

          وتدعوهم الحكمة إليها قائلة: ” الحكمة بنت بيتها، ودعمته على سبعة أعمدة، ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها فى الكؤوس، ورتبت مائدتها. أرسلت جواريها، داعية إلى الكأس، منادية بصوت عال، قائلة: ” من هو جاهل فليمل إلىَّ (هنا)، ولناقصى الفهم قالت: هلموا كلوا من طعامى، واشربوا من الخمر التى مزجتها لكم“[42].

          فماذا نرجو بدلاً من هذه الأمور؟ “ اتركوا الجهالة فتحيوا، واطلبوا الفهم فتثبتوا“[43]، لأن خبز الحكمة ثمر حى، كما قال الرب: “ أنا هو الخبز الحى، الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد[44]. لأنه رغم أن إسرائيل أكل المن، الذى كان حقًا لذيذًا وجميلاً، إلاّ أنه مات، وبالتالى فمن أكل المن لم يحيا إلى الأبد، بل ماتت كل تلك الجماهير فى البرية. ويعلّمنا الرب قائلاً: ” أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت[45].

 

(6)

الأبرار يشبعون، والخطاة يشتهون:

          الأشرار يشتهون خبزًا كهذا، لأن النفوس المنهمكة فى الملذات تجوع. أما الأبرار فيشبعون لكونهم مستعدين، قائلين: ” أما أنا فبالبر أنظر وجهك. أشبع عندما أرى مجدك[46]. لأن من يتناول من الخبز الإلهى يجوع دائمًا مشتاقًا، ومن يجوع هكذا ينال موهبة لا تضعف، كوعد الحكمة (الإلهية) القائلة: ” الرب لا يُميت نفس الصديق جوعًا“[47]. وهو يعد أيضًا فى المزامير: طعامها أُبارك بركة، مساكينها أُشبع خبزًا[48].

          ونحن أيضًا نسمع مخلصنا يقول: طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يُشبعون[49]. حسنًا إذن ما يفعله القديسون ومحبو الحياة التى فى المسيح، إذ يشتاقون إلى هذا الطعام.

          وإن الإنسان ليتضرع بلهفة قائلاً: ” كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله! عطشت نفسى إلى الإله الحى. متى أجئ وأتراءى قدام الله؟”[50]، ويتوسل آخر قائلاً: ” إلهى إلهى، إليك أبكر. عطشت إليك نفسى. يشتاق إليك جسدى، فى أرض ناشفة ويابسة، وبلا ماء. هكذا أظهر أمامك فى قداسة لكى أُبصر قوتك ومجدك“[51]. 

(7) 

الخبز الحى والإيمان ومحبة الله:

          ولما كانت هذه الأمور هكذا، يا أخوتى، فليتنا نُميت أعضاءنا التى على الأرض[52]، ونتغذى بالخبز الحى، بالإيمان وبمحبة الله، عالمين أننا بدون إيمان يستحيل أن نشترك فى خبز كهذا. لأن مخلصنا، عندما دعا كل الناس إليه، وقال: ” إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب[53]، وللحال تحدث عن الإيمان الذى بدونه لا يستطيع إنسان أن ينال خبزًا مثل هذا، وقال: ” من آمن بى، كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار ماء حى“[54].

 

          من أجل هذا الهدف كان الرب يغذى تلاميذه المؤمنين بكلماته بصفة مستمرة، ويعطيهم حياة بلاهوته باقترابه منهم. أما المرأة الكنعانية، فلأنها لم تكن قد آمنت بعد، لم يتعطف عليها حتى بالرد، رغم أنها كانت فى أمس الحاجة إلى طعام منه. وهو لم يفعل هذا ازدراءً بها.

حاشا (لأن الرب مُحب البشر، وطيب، ولهذا ذهب إلى ساحل صور وصيدا)، بل لعدم إيمانها، ولأنها لم تكن ممن نالوا الكلمة. وقد فعل الرب هذا بعدل، يا إخوتى، لأنها لم يكن ممكنًا أن تنال شيئًا بمجرد توسلها قبل أن تؤمن.لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن (أولاً) بأنه موجود، وأنه يجازى الذين يطلبونه. وأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه[55]. هذا ما يعلم به القديس بولس.

          ولكى يوضح الرب أن تلك المرأة الكنعانية لم تكن إلى تلك اللحظة قد آمنت بعد، قال: ” ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب“[56]. وبعد ذلك، إذ اقتنعت بقوة الكلمة، وغيرت طرقها، نالت أيضًا الإيمان، لأن الرب لم يعد يتحدث معها كأنها كلبة، بل تكلم معها باعتبارها مخلوق بشرى قائلاً: ” يا امرأة عظيم إيمانك“[57]. ولأنها آمنت منحها الرب فى الحال ثمر إيمانها قائلاً لها: ” ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة“.

 

(8)

          لأنه إذ يتغذى الرجل البار بالإيمان والمعرفة، وحفظ الوصايا الإلهية، تكون نفسه دائمًا فى صحة. من أجل هذا كانت الوصية:     ” ومن هو ضعيف فى الإيمان فاقبلوه“[58]، وغذوه حتى إن كان لا يقدر أن يأكل خبزًا، بل عشبًا (بقولاً): ” لأن الضعيف يأكل بقولاً“[59]. لأنه حتى الكورنثيون أنفسهم كانوا لا يقدرون أن يأكلوا خبزًا كهذا، إذ كانوا لا يزالون أطفالاً، وكأطفال كانوا يشربون لبنًا. ” لأن كل من يتناول اللبن وهو عديم الخبرة فى كلام البر“[60]، كما قال الرجل الإلهى.

          وقد قدم الرسول النصيحة لابنه المحبوب تيموثيئوس، فى رسالته الأولى، ليكون ” متغذيًا بكلمة الإيمان والتعليم الحسن الذى ناله“[61]. وفى رسالته الثانية قال له: ” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذى سمعته منى، فى الإيمان والمحبة التى فى المسيح يسوع“[62].

 

الرب طعامنا وفرحنا هنا وفى السماء:

          وهذا الخبز ليس هو طعام الأبرار فى هذا العالم فقط، يا إخوتى، وليس القديسون على الأرض فقط هم الذين يتغذون بهذا الخبز أى الجسد والدم، لكننا نأكلهما أيضًا فى السماء، لأن الرب هو طعام الأرواح العلوية، والملائكة أيضًا، وهو فرح كل الطغمات السماوية[63].

وهو للكل كل شيء، ويشفق على الجميع كحنان محبته. لقد سبق أن أعطانا الله خبز الملائكة[64]، وهو يعطى الوعد لمن يثبتون معه فى تجاربه قائلاً: ” وأنا أجعل لكم ملكوتًا، كما جعل لى أبى ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى، وتجلسوا على أثنى عشر عرشًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر“[65].

    آه، يا لهذه الوليمة، يا إخوتى، ويا لانسجام وفرح الذين يأكلون على هذه المائدة السماوية ! لأنهم لا يمتعون أنفسهم بالطعام البائد، بل بالطعام الذى يهب حياة أبدية. إذن من ذا الذى يحسب مستحقًا لذلك الاجتماع؟ من هو المبارك هكذا، حتى يدعى ويحسب مستحقًا لذلك العيد السماوى؟ حقًا ” طوبى لمن يأكل خبزًا فى ملكوتك“[66].

 

(9)

          إن من حسب مستحقًا للدعوة السماوية، وبهذه الدعوة قد تقدس، فإنه، إن تمادى فى إهمالها، يتدنس حتى وإن كان قد اغتسل، لأنه “حسب دم العهد الذى قدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة”[67]، ويسمع هذه الكلمات: ” يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟“[68]، ولأن وليمة القديسين طاهرة وبلا لوم، ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون“[69].

          وأنا أعنى هذا أنه رغم أن يهوذا جاء إلى العشاء، فقد خرج من حضرة الرب، لأنه ازدرى بالعشاء. وإذ تخلى عن حياته شنق نفسه. أما التلاميذ، الذين استمروا مع الفادى، فقد اشتركوا فى سعادة العيد.

 

اعترف الشاب، فاستحق أكثر مما يطلب

          وذلك الشاب الذى ذهب إلى كورة بعيدة، وهناك بذر ماله، وعاش فى الخطية، إذ اشتهى هذه الوليمة الإلهية، عندما رجع إلى نفسه، وقال: ” كم من أجير لأبى يفضل عنه الخبز وأنا هنا أهلك جوعًا!“، ثم قام ورجع لأبيه، واعترف له قائلاً:

أخطأت إلى السماء وقدامك، ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا، اجعلنى كأحد أجراك“[70]، فإنه عندما يعترف هكذا، يحسب مستحقًا لأكثر مما يطلب. لأن الأب لا يقبله كأجير، ولا ينظر إليه كأنه غريب، بل يقبله كابن، ويعيده إلى الحياة، كما من الموت، ويحسبه مستحقًا للوليمة الإلهية، ويعطيه ثوبه السابق النفيس، وهكذا يكون تهليل وفرح فى بيت أبيه.

(10)

الله لا يحييه من الموت فقط:

          وهذا هو عمل محبة الله الشفوقة وصلاحه: إنه لا يحييه من الموت فقط، بل يظهر محبته بالروح القدس. ولذلك فبدلاً من الفساد يلبسه ثوبًا لا يفسد، وبدل الجوع يذبح العجل المسمن، وبدل السفر البعيد يترقب الأب عودته، ويهيئ حذاء لرجليه. والأعجب جدًا أنه يضع خاتمًا إلهيًا فى يده. وبهذا كله يلده الله من جديد فى صورة مجد المسيح.

 

عطايا الله لأحبائه

          هذه هى عطايا الله الآب، التى بها يكرم الرب ويغذى الذين يثبتون فيه، وأيضًا الذين يرجعون إليه ويتوبون. لأنه يعد قائلاً:     ” أنا هو خبز الحياة من يقبل إلى لا يجوع، ومن يؤمن بى فلا يعطش أبدًا[71].

          نحن أيضًا سوف نحسب مستحقين لهذه، إن كنا دوامًا نتمسك بمخلصنا فى كل الأوقات، وإن كنا طاهرين، ليس فقد فى ستة أيام عيد الفصح[72]، بل نحسب حياتنا كلها عيدًا، ونستمر قريبين منه، دون أن نبتعد عنه، قائلين له: ” يارب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك“[73].

          ليت البعيدين من بيننا يرجعون معترفين بآثامهم، ولا يكون لنا على أحد شيء، بل بالروح نميت أعمال الجسد[74]. فإننا إذا ما غذينا الروح أولاً هنا سوف نشترك مع الملائكة فى تلك المائدة السماوية الروحية. ولا نقرع الباب ونطرد كالعذارى الجاهلات[75]، بل ندخل مع الرب، كالعذارى الحكيمات اللاتى أحببن العريس، ونظهر إماتة يسوع فى أجسادنا[76]، وننال منه الحياة والملكوت.

 

(11)

العيد يوم الرب المقدس فى كل شئ:

          يبدأ صوم الأربعين يومًا المقدسة فى الثالث والعشرين من أمشير (17 فبراير)، والصوم المقدس الذى للعيد المبارك فى الثامن والعشرين من برمهات (24مارس)، وإذ نضم إلى هذه ستة أيام بعدها فى الصوم والسهر، حسبما يقدر كل واحد، فإننا نستريح فى الثالث من برمودة (29مارس)، فى مساء اليوم السابع.

          وأيضًا ذلك اليوم الذى هو مقدس، ومبارك فى كل شئ الذى يحمل اسم المسيح، أى يوم الرب[77]، إذ يهل علينا فى الرابع من برمودة (30مارس). بعد هذا فلنعيد عيد الخمسين. لنعبد الآب كل حين فى المسيح، الذى به وله يليق المجد والسلطان بالروح القدس إلى الأبد. آمين.

          يسلم عليكم كل الأخوة الذين معى. سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة.

 

(هنا تنتهى الرسالة الفصحية السابعة

للقديس أثناسيوس البطريرك)

[1] 2كو4: 10.

[2] مز44: 22.

[3] كو3: 5.

[4] غل 5: 24ـ25.

[5] 2كو 4: 1.

[6] 2كو4: 14.

[7] إش26: 10 سبعينية.

[8] أف5: 14.

[9] مت25: 11.

[10] لو13: 25.

[11] مز9: 17.

[12] لا13:11

[13] إش22: 13.

[14] إش22: 14.

[15] 1كو6: 13.

[16] مز34: 21(س).

[17] كو3: 5.

[18] مت5: 8.

[19] مز116: 15.

[20] غل2: 20 .

[21] لا نعرف مصدر هذا القول، لكن انظر الرسالة إلى ديوجنيتس، القطعة9 وكذلك انظر (فى20:3).

[22] انظر الرسالة الثالثة: “ماذا يعنى العيد أيضاً، إلا خدمة الرب؟”.

[23] انظر الرسالة السادسة ، القطعة 3.

[24] مز 115: 17 – 18 .

[25] معروف أن حزقيا نجا من الموت نتيجة صلاته ودموعه، حتى أن الرب أضاف إلى أيامه 15 سنة، انظر إش38: 3–8.

[26] أش 38: 18 – 19.

[27] 1كو 5: 7.

[28] مز 50: 16.

[29] مز 1: 16 ، ابن سيراخ 15: 9.

[30] أم 15: 28.

[31] 2كو 6: 14.

[32] مز 118: 17.

[33] انظر عب 11: 16.

[34] انظر كو3: 5.

[35] يو6: 48 .

[36] انظر يو6: 33.

[37] أم 9: 17.

[38] أم 20: 17.

[39] أم 5: 3 – 4.

[40] أر 2: 18.

[41] أم 9: 18 سبعينية.

[42] أم9: 1ـ5س.

[43] أم9: 6س.

[44] يو6: 51.

[45] يو6: 48ـ50.

[46] مز17: 15 النسخة السبعينية.

[47] أم10: 3.

[48] مز132: 15.

[49] مت5: 6.

[50] مز42: 1.

[51] مز63: 1ـ2 س.

[52] كو3: 5 .

[53] يو7: 37.

[54] يو7: 38.

[55] عب11: 6 .

[56] مت15: 26 .

[57] مت15: 28 .

[58] رو14: 1 .

[59] رو14: 2 .

[60] 1كو3: 1 ، عب5: 13  .

[61] 1تى4: 6.

[62] 2تى1: 13 .

[63] انظر الرسالة الأولى القطعة السادسة .

[64] مز 78: 25 .

[65] لو22: 29ـ30 .

[66] انظر لو14: 15 .

[67] عب10: 29 .

[68] مت 22: 12 .

[69] مت 22: 14 .

[70] لو 15: 17 .

[71] يو6: 35 .

[72] أسبوع الفصح، أى البصخة يعنى الستة أيام السابقة على أحد الفصح .

[73] يو6: 68 .

[74] رو 8: 13 .

[75] مت25: 1 – 12 .

[76] 2كو4: 10 .

[77] حيث نرتل مز 118: 24 .

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس7 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

 

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

 

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السادسة بمناسبة عيد القيامة

 

 

الرسالة السادسة

كتبت بمناسبة عيد القيامة

12 برمودة سنة 50 ش ـ 7 إبريل 334م

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

مفهوم العيد

          والآن يا أحبائى، قد أتى بنا الرب إلى موسم عيد الفصح مرة أخرى، وبمحبته الحانية وصلنا إلى فترة تجمعنا لأجل هذا العيد. لأن الله الذى أخرج إسرائيل[1] من أرض مصر، هو يدعونا إلى العيد حتى هذا الوقت، قائلاً على لسان موسى النبى: “ احفظ شهر الثمار الجديدة[2] (شهر أبيب)، واعمل فصحًا للرب إلهك[3].

وقال بصوت النبى “عيدى يا يهوذا أعيادك، أوفى للرب نذورك[4]. فإن كان الله نفسه يحب العيد، ويدعونا إليه، فلا يليق إذن يا إخوتى أن نؤجل الاحتفال به أو نحتفل به بتراخ، بل يجب أن نُعيِّده بسرور وغيرة، حتى إذا بدأنا هنا فرحين تشتاق نفوسنا للعيد السماوى. لأننا إذا احتفلنا بالعيد باجتهادٍ هنا، فإننا بلا شك ننال الفرح الكامل الذى فى السماء، إذ يقول الرب: “ شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأنى أقول لكم إنى لا أكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله[5]

          والآن نحن نتناوله، إن كنا نسلك كما يليق بنعمته، مدركين سبب العيد، ومعترفين بالمخلص، كقول بولس الرسول: ” إذن لنعيد ليس بخميرة عتيقة. ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق[6]. لأن الرب مات فى تلك الأيام، حتى لا نعود بعد نعمل أعمال الموت.  لقد بذل الرب حياته، لكى نحفظ حياتنا من فخاخ الشيطان. 

          والأكثر عجبًا، أن الكلمة صار جسدًا، لكى لا نعيش بعد فى الجسد، بل بالروح نعبد الله، إذ هو روح. ومن لا يسلك هكذا، يسئ استخدام الأيام، ولا يحفظ العيد، بل يلوم نعمة الله، كإنسان جاحد، ويبالغ فى إكرام الأيام، غير متضرعٍ إلى الرب، الذى خلّصه فى مثل تلك الأيام. 

          فليسمع بكل اهتمام حتى وإن كان يتوهم حفظ العيد ـ الصوت الرسولى موبخًا إياه: “ تحفظون أيامًا، وشهورًا، وأوقاتًا، وسنين: أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا[7]

 

(2)  

فصح الرب، وفصح اليهود:

          نحن نحتفل بالعيد ” لأن فصحنا المسيح قد ذبح لأجلنا[8]، فالعيد لم يُرتب بسبب الأيام، بل من أجل الرب، الذى تألم حينئذ من أجلنا. وكما قال موسى النبى عندما كان يُعلم إسرائيل، أن لا يعتبروا العيد مُتعلقًا بالأيام، بل بالرب، إذ ” هو فصح للرب[9]. كان عيد الفصح بلا جدوى بالنسبة لليهود لأنهم اضطهدوا الرب، ولو ظنوا أنهم كانوا يحفظون الفصح. لأن ذلك العيد كان لا يحمل بعد اسم الرب، حتى حسب شهادتهم أنفسهم.

فلم يكن فصحًا للرب، بل فصح اليهود[10]. لقد دُعى الفصح باسم اليهود (أى فصح اليهود) يا إخوتى، لأنهم أنكروا رب الفصح. لأجل هذا حول الرب وجهه عن تعاليمهم هذه قائلاً: “رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسى” (إش1: 14). 

 

 

(3)

لنشكر الرب ونمجده:

          لذلك، فأولئك الذين يحفظون الفصح على هذا المنوال (الخاص باليهود)، يوبخهم الرب أيضًا، كما وبخ أولئك البرص الذين طُهِّروا. فإنه إذ أحب الأبرص الذى شكر، كان مُستاءً من الآخرين الجاحدين، لأنهم لم يعترفوا بجميل من أنقذهم، بل فكروا فى الشفاء من البرص، أكثر من تفكيرهم فى الرب الذى شفاهم: ” فواحد منهم لما رأى أنه شُفى رجع يُمجد الله بصوت عظيم، وخر على وجهه عند رجليه شاكرًا له. وكان سامريًا. فأجاب يسوع وقال أليس العشرة قد طهروا؟ فأين التسعة ؟ ألم يوجد من يرجع ليعطى مجدًا لله غير هذا الغريب الجنس[11]؟.

          ولهذا أعطى الرب للذى شكر أكثر مما أعطى للباقين. لأنه بعد أن طهر من برصه سمع الرب يقول له: “ قم وامضى. إيمانك خلصك[12]. لأن من يشكر، ومن يمجد، تكون لهم عواطف متشابهة، لأنهم يباركون الرب الذى ساعدهم، من أجل ما نالوه من فوائد. لذا حَّث الرسول كل البشر على هذا قائلاً: ” مجدوا الله فى أجسادكم[13].

ويوصى النبى قائلاً: ” اعطوا مجدًا لله[14]. ومع أن قيافا شهد ضد فادينا، واليهود استهزأوا به، وبيلاطس حكم عليه بالموت فى تلك الأيام، إلا أن صوت الآب الذى جاءه كان مجيدًا جدًا: ” مجدت وأُمجد أيضًا[15]. لأن تلك الأشياء التى احتملها من أجلنا قد انتهت، أما تلك التى تتعلق به كمخلص، فإنها تبقى إلى الأبد.

 

(4) 

لنعِش فى نور المسيح القائم:

          وإذ نحتفل بذكر هذه الأمور الخاصة بمخلصنا، يا إخوتى، ليتنا لا ننشغل باللحوم، بل لنمجد الرب، ولنصر أغبياء من أجل ذاك الذى مات من أجلنا، كما قال القديس بولس ” إن كنا أغبياء (مختلين) فلله، أو كنا عاقلين فلكم..، لأنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذن ماتوا (لله). وهو مات لأجل الجميع، كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذى مات لأجلهم وقام[16]. 

          فينبغى إذن أن لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل كعبيد للرب. ويجب أن لا نقبل النعمة  باطلاً، لأن الوقت وقت مقبول[17]، وقد أشرق يوم الخلاص، أى يوم موت فادينا ومخلصنا[18]. فمن أجلنا نزل “الكلمة”، ولكونه (خالد) غير قابل للموت، لبس جسدًا قابلاً للموت، لأجل خلاصنا جميعًا، الأمر الذى كان بولس واثقًا منه إذ قال: ” لأن هذا الفاسد (القابل للموت) لابد أن يلبس عدم فساد[19]. وقد ذبح الرب أيضًا لكى يُبطل الموت بدمه.

ووبخ الرب بحق أولئك الذين اشتركوا باطلاً فى سفك دمه، فى حين أنهم لم يستفيدوا أنفسهم من جسد “الكلمة”، قائلاً فى المزامير: ” ما الفائدة من دمى إذا نزلت إلى الفساد[20]. هذا لا يعنى أن نزول الرب (إلى الجحيم) كان بلا فائدة، فإنه بنزوله ربح العالم كله. لكنه يعنى بالحرى أنه رغم أنه تألم هكذا، يُفضل الخطاة أن يخسروا حياتهم، بدلاً من أن يستفيدوا من هذا النزول إلاّ أنه اعتبر خلاصنا مسرة، وربحًا عظيمًا، وبعكس ذلك ينظر إلى هلاكنا كخسارة كبيرة. 

 

(5) 

لنتاجر بالوزنات:

          يمدح الرب فى الإنجيل أيضًا أولئك العبيد الذين ضاعفوا النعمة التى أخذوها، كلٍ ممن تاجر بالخمس وزنات وجعلها عشرة، ومن جعل الوزنتين أربعة، لأنهما ربحًا محققين بالوزنات حسابًا جيدًا.

أما العبد الذى خبأ الوزنة، فقد طرحه السيد خارجًا كشخص غير كفء، قائلاً له: “ أيها العبد الشرير أما كان ينبغى أن تضع فضتى عند الصيارفة؟! فعند مجيئى كنت آخذ الذى لى مع ربا. فخذوا منه إذن الوزنة، وأعطوها للذى له العشر وزنات. لأن كل من له يُعطى، ومن ليس له فالذى عنده يؤخذ منه. والعبد (البطال) غير النافع اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان[21]

          لأن الله لا يريد أن تكون النعمة التى نلناها منه غير نافعة، لكنه يطالبنا أن نحتمل أتعابًا، لكى نقدم له ثماره اللائقة، كما يقول الطوباوى بولس: ” وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام[22]. لذا إذ كانت للرسول هذه العزيمة المستقيمة، ولم يكن مديونًا لأحد بأى شئ، صار معلمًا للمبادئ الصحيحة، قائلاً: “ اعطوا الجميع حقوقهم[23]. لقد كان الرسول مثل أولئك الذين أرسلهم (صاحب الأرض) رب البيت ليتسلموا ثمار الكرم من الكرامين[24] لأنه كان ينصح كل البشر لكى يردوا الجميل لله.

          أما إسرائيل فقد ازدروا بالمرسلين، ولم يقوموا برد الجميل، بل والأكثر من هذا قتلوا أولئك المرسلين إليهم، ولم يخجلوا حتى من رب الكرم بل قتلوه هو أيضًا. ولما جاء حقًا ولم يجد فيهم ثمرًا لعنهم عن طريق شجرة التين قائلاً: ” لا يكن منك ثمر بعد[25] فماتت شجرة التين وصارت عديمة الثمر، حتى تعجب التلاميذ عندما يبست. 

 

(6)

تحقيق النبوات عن خراب إسرائيل

          عندئذ تم ما قيل بالنبى: “ وأبيد منهم صوت الطرب وصوت الفرح، صوت العريس وصوت العروس، رائحة المر ونور السراج، وتصير كل الأرض خرابًا[26]. لأنه قد بطلت كل خدمة الناموس من عندهم، وهكذا يبقون بغير عيد منذ ذلك الوقت وإلى الأبد. ولم يعودوا يحتفلون بعيد الفصح. وكيف كان يمكنهم هذا؟ إذ لم يعد لهم مكان مستقر، بل صاروا مشتتين فى كل مكان.

وهم يأكلون فطيرًا (خبز غير مختمر) بخلاف الناموس، طالما كانوا لا يستطيعون أولاً ذبح خروف الفصح، لأنهم كانوا قد أُمروا أن يذبحوا (الخروف) عندما يأكلون فطيرًا لكنهم كانوا يتعدون الناموس فى كل مكان، ويحفظون أيام الحزن عوض أيام الفرح، حسب ما قضى به الله عليهم.

          وكان صلبهم للرب سبب هذا القضاء، إذ أنهم لم يوقروا الابن الوحيد الجنس. هكذا كان حال الهراطقة الأشرار والمنشقون الأغبياء. فالأولون ذبحوا الله الكلمة، والآخرون مزقوا ثوبه. وهو أيضًا لا يزالوا محرومون من العيد، لأنهم يعيشون بغير تقوى ولا معرفة، وهم يقلدون موقف اليهود من قضية باراباس اللص، الذى أراد اليهود إطلاقه بدلاً من المخلص.

لذلك لعنهم الرب فى رمز شجرة التين. ومع ذلك فقد استبقاهم الرب فى محبته المترفقة، فلم يبدهم نهائيًا، لأنه لم يستأصلهم. إذ أنه لم يلعن جزر الشجرة، بل قال لا يأكل منه أحد ثمرًا بعد الآن. 

          وعندما فعل الرب هذا، أبطل الظل إذ جعله ييبس، لكنه أبقى الأصل، حتى [لا][27] نطعم نحن فيه: “ وهم أيضًا إن لم يثبتوا فى عدم الإيمان، سيطعمون فى زيتونتهم[28]. وحينما لعنهم الرب بسبب إهمالهم، نزع عنهم رؤوس الشهور، والحمل الحقيقى، وكذلك نزع عنهم الفصح الحقيقى.

 

(7)

لنفرح بالعيد

          أما بالنسبة لنا، فقد جاءنا العيد، إذ أتى أيضًا يوم الفرح، الذى فيه يجب علينا أن نُبوق داعين إلى العيد[29]، مكرسين أنفسنا للرب بالشكر، معتبرين أنه عيدنا الخاص[30]. لأنه يجب علينا الاحتفال به، ليس لأنفسنا بل للرب وبأن نفرح فيه، لا فى أنفسنا، بل فى الرب، الذى حمل أحزاننا، قائلاً “ نفسى حزينة جدًا حتى الموت[31]. فالأمم (الوثنيون) وكل الغرباء عن إيماننا، يُعَيِّدون حسب إراداتهم الذاتية، وليس لهم سلام، إذ يرتكبون الشر نحو الله.

          أما القديسون، فإنهم إذ يعيشون للرب، هكذا يعيدون له، قائلين:    ” أبتهج بخلاصك” و” أما نفسى فتفرح بالرب[32]. ” فالوصية لهم جميعًا: افرحوا أيها الصديقون بالرب[33]. حتى إذ يجتمعون معًا يترنمون بذلك المزمور الخاص بعيد الفصح: “هلم نفرح فى الرب[34]، وليس فى أنفسنا.

(8) 

ذبح اسحق وذبح المسيح:

          لأنه هكذا تهلل أب الآباء (البطريرك) إبراهيم ليرى لا يومه، بل يوم الرب. وإذ تطلع إلى الأمام ” رآه وفرح[35].

وعندما جُرِّبَ قدم إسحق بالإيمان، جاعلاً ابنه الوحيد، الذى به قبل المواعيد ذبيحة. وفى تقديم ابنه ذبيحة، قدم العبادة لابن الله. وعندما منعه الرب من ذبح إسحق، رأى المسيا فى الكبش[36]؛ الذى قُدم لله ذبيحة عوضًا عن إسحق. لقد جُرِّبَ أب الآباء فى إسحق، مع أنه لم يتم تقديمه ذبيحة، لكن (الابن) الذى ذُبِحَ، هو الذى أشار إليه إشعياء النبى: “لقد سيق إلى الذبح كشاه (حمل)، وكنعجة صامته أمام جازيها، فلم يفتح فاه”[37]. إنما رفع (حمل) خطية العالم.

          وعلى هذا الأساس مُنع إبراهيم من مد يده على الغلام، لئلا يتخذ اليهود من ذبح إسحق فرصة لرفض الإعلانات النبوية عن مخلّصنا، كل الإعلانات وبخاصة تلك التى نطق بها صاحب المزامير قائلاً:    ” بذبيحة وتقدمه لم تُسر (يا الله) لكن هيأت لى جسدًا[38]. ولئلا يظنوا أن كل هذه (الإعلانات) تشير إلى ابن إبراهيم.

 

(9)

فرح العيد ممتد إلى السماء:

    لم يُقصد بالذبحية إسحق، بل إبراهيم الذى قدمها، والتى بها قد اُمتحِن إيمانه. وهكذا قبل الله نية مقدم الذبيحة، لكنه منعه من تقديم ابنه ذبيحة. لأن موت إسحق لم يكن ليهب الحرية للعالم، بل موت مخلّصنا وحده، الذى بجلداته (جراحاته) شُفينا جميعًا[39]. لأنه أقام الساقطين، وشفى المرضى، وأشبع أولئك الجياع وسدَّ أعواز المحتاجين، والأعجب من كل هذا أنه أقامنا نحن جميعًا من الموت. وإذ أبطل الموت أخرجنا من الحزن والتنهد إلى راحة وفرح هذا العيد، ذلك العيد الذى يمتد إلى السماء.

          ولسنا نحن وحدنا الذين نتأثر بهذا (العيد)، بل حتى السموات تفرح به معنا، وكل كنيسة الأبكار المكتوبين فى السماوات[40]. يفرح الكل معًا، كما يُعلن النبى قائلاً: ” ترنمى أيتها السماوات لأن الرب قد صنع رحمة مع إسرائيل، اهتفى يا أسافل (أساسات) الأرض. أشيدى أيتها الجبال ترنمًا، الوعر وكل الأشجار التى فيه، لأن الرب قد فدى يعقوب، وفى إسرائيل تمجد[41]. ويقول النبى أيضًا: “ ابتهجى وترنمى أيتها السموات، لتذوب الجبال (لتشد) بالترنم، لأن الرب قد رحم شعبه وعزى بائسيه[42].

 

(10)

تسبحة الغلبة والنصرة:

          كل الخليقة تُعَيِّد، يا إخوتى، وكل نسمة فلتسبح الرب[43]، كما يقول المرنم بسبب هلاك الأعداء، وخلاصنا. وهذا عادل بالحقيقة، لأنه إن كان هناك فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب[44]، فكيف لا يكون فرح عظيم بإبطال الخطية، وقيامة (جميع) الموتى؟! 

آه، يا له من عيد، وياله من فرح عظيم فى السماء!

          كيف يجب أن تفرح وتتهلل كل الطغمات السمائية، كما يفرحون إذ يراقبون اجتماعاتنا التى تُعقد باستمرار، وخاصة بمناسبة عيد القيامة؟! 

          لأنهم يتطلعون إلى الخطاة أثناء ممارستهم للتوبة، وإلى الذين يحولون وجوههم بعيدًا (عن الخطية)، عندما تجددت حياتهم. وإلى الذين يذللون الآن أنفسهم بالأصوام وضبط النفس، بعدما كانوا يصّرون على الشهوة والخلاعة. 

    وأخيرًا ينظرون إلى العدو (الشيطان) وهو مطروح ضعيفًا بلا حياة، مربوط القدمين واليدين، لكى نسخر منه قائلين : ” أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية[45] (أين غلبتك يا موت، أين شوكتك يا هاوية). إذن فلنرنم للرب تسبحة الغلبة والنصرة.

 

(11)

من يقودنا إلى شركة مع الملائكة كهؤلاء؟ 

          من يقول ـ وهو يُقبل مشتاقًا نحو العيد السماوى، واليوم الملائكى مثل النبى: إننى أمر إلى مكان الخيمة العجيبة، إلى بيت الله، بصوت ترنم وحمد، بهتاف الذين يُعيِدون[46]. ويشجعنا أيضًا القديسون على سلوك هذا الطريق قائلين: ” هلم نصعد إلى جبل الرب، إلى بيت إله يعقوب[47].

          لكن هذا العيد ليس للدنسين، ولا يصعد إليه الخطاة، بل الطاهرين والمجتهدين والذين يَحيُون حسب قصد القديسين، لأنه: “من يصعد إلى جبل الرب، ومن يقوم فى موضع قدسه؛ إلا الطاهر اليدين والنقى القلب، الذى لم يحمل نفسه إلى الباطل، ولا حلف كذبًا لقريبه“، كما يكمل المرنم قائلاً: “ ينال (يحمل) بركة من عند الرب[48].

          لأنه واضح أن هذه تشير إلى ما يمنحه الرب للذين عن يمينه قائلاً: ” تعالوا يا مباركى أبى، رثوا الملكوت المعد لكم[49]. أما الإنسان المخادع، وغير النقى القلب والذى ليس لديه أى شئ طاهر كما يقول سفر الأمثال: ” الرجل المخادع ليس لديه شئ صالح[50]. فإنه يُعتبر غير مستحق لأكل الفصح بكل تأكيد، لأنه غريب، ومن جنس مختلف عن (جنس) القديسين، لأن: “ الغريب لا يأكل منه[51]

          لذلك، فإن يهوذا بينما كان يظن أنه قد حفظ الفصح، كان قد تغرب عن المدينة السماوية، وعن شركة القديسين، لأنه تآمر على المخلص. لأن الناموس أمر أن يؤكل الفصح بما يليق به من حرص. لكن يهوذا بينما كان يأكل الفصح غربله الشيطان ([52]) الذى كان قد دخل نفسه.

(12)

كيف نعيد فرحين فى الرب؟

          لذا يجب أن نحتفل بالعيد كما لو أننا فى السماء مع الملائكة، وليس بطريقة أرضية. لنمجد الرب بحياة العفة والبر، مع باقى الفضائل. 

          ولنفرح فى الرب، لا بأنفسنا، حتى نكون ورثة مع القديسين.

          ولنحتفل بالعيد مثل موسى النبى، ولنسهر مع داود النبى الذى كان ينهض للصلاة سبع مرات، وفى نصف الليل كان يُقدم الشكر لله على أحكامه العادلة.

          ولنبكر كما قال داود النبى: ” بالغداة تسمع صوتى، بالغداة (فى الصباح) أقف أمامك وترانى[53]. ولنصم مثل دانيال النبى.  

          ولنصلِ بلا انقطاع، كما أوصى بولس الرسول، ولنحرص كلنا على وقت الصلاة، خاصة المتزوجين بوقار، لكى نستطيع أن ندخل فرح المسيح[54] فى ملكوت السموات، إذ نكون قد اختبرنا هذه الأمور، وهكذا عَيَّدنا.

          وكما أن إسرائيل عندما كان صاعدًا إلى أورشليم، تنقى أولاً فى البرية، متدربًا على نسيان العادات المصرية (الوثنية). بهذه (النقاوة فى البرية) كان “الكلمة” يرمز إلى صوم الأربعين يومًا المقدسة، فلنتطهر نحن أولاً ونتحرر من الدنس، حتى إذا صُمنا بتدقيق، فإننا عندما نرحل من هنا يمكننا أن نصعد إلى العلية مع الرب، لنتعشى معه، ونكون شركاء فى الفرح السماوى. فإنه بدون الحرص على صوم الأربعين، لا يمكننا أن نصعد إلى أورشليم، ونأكل الفصح هناك.

(13)

موعد العيد:

          نبدأ صوم الأربعين فى اليوم الأول من شهر برمهات (25 فبراير)، ونستمر فيه حتى اليوم الخامس من شهر برمودة (31 مارس)، باستثناء أيام السبوت والآحاد[55]. وبعد هذا الصوم، نبدأ أيام البصخة المقدسة، فى السادس من شهر برمودة (أول إبريل). ونتوقف فى الحادى عشر من نفس الشهر (6 إبريل)، فى عشية الأحد[56]، حيث يطلع علينا الأحد المقدس، فى الثانى عشر من برمودة (7 إبريل). الذى فيه تشرق علينا نعمته المنيرة، بأشعتها الممتدة إلى سبعة أسابيع الخماسين (البنديكستى) المقدسة.

    وهكذا نستريح فرحين فى ذلك اليوم بعيد القيامة، فى المسيح يسوع ربنا، الذى به يليق للآب المجد والسلطان إلى الآبد آمين.

    يهديكم السلام جميع الإخوة الذين معى سلموا الواحد على الآخر بقبلة مقدسة. 

 

(هنا تنتهى الرسالة الفصحية السادسة

للقديس أثناسيوس اللابس الروح)

[1] خروج إسرائيل من مصر كان صورة رمزية لانعتاق الإنسان من عبودية العالم، وإذ تم هذا الخروج بذبح خروف الفصح، هكذا ذبح الحمل الحقيقى عنا، فبطلت الذبيحة الأولى، وهكذا انتفت عن جماعة اليهود صفة إسرائيل، والشعب المختار.

[2] اعتاد اليهود الاحتفال بما يليق بهذا العيد، فى شهر أبيب، أى شهر الثمار الجديدة حسب الناموس(انظر الرسالة الأولى: 9) .  

[3] تث16: 1 سبعينية.

[4] ناحوم1: 15.

[5] لو22: 15ـ16.

[6] 1كو5: 8.

  (7) غل4 : 10 و 11 .

(8) 1كو 5: 7.

(9) خر 12: 11 .

(10) ( يو6: 4) “وكان الفصح عيد اليهود قريباً” .

[11] لو17: 15 – 18.

[12] لو17: 19.

[13] 1كو6: 20.

[14] إش42: 12، مت65:26.

[15] يو12: 28 .

[16] 2كو5: 13ـ15.

[17] 2كو 6: 1ـ2 .

[18] انظر القديس كيرلس العظة الفصحية 24 ، 1كو 15: 53.

[19] 1كو15: 53.

[20] مز30 : 9 .

[21] مت 25: 26-30.

[22] غل5: 22.

[23] رو 13: 7. 

[24] مت 21: 33.

[25] مت21: 19.

[26] إر25: 10ـ11.

[27] ” لا ” هنا وُجِدت فى النص السريانى.

[28] رو11: 23.

[29] انظر الرسالة الأولى من رسائل القيامة للقديس كيرلس الجزء الرابع.

[30] لم يعد الفصح بعد عيدًا لليهود، بل المسيحيون يحتفلون به كعيد للرب القائم، انظر هذه الرسالة (السادسة) : 2.

[31] مت 26: 38.

[32] مز9: 14، 35: 9.

[33] مز 33: 1.

[34] مز95 : 1.

[35] عب11: 18، يو8: 56 .

[36] تك 22: 15 وفى الترجمة السريانية جاءت كلمة كبش (ram) تحت اسم الجنس العام خروف. وهى نفس الكلمة المستخدمة فوراً بعد ذلك ، فى النص المستخدم بسفر إشعياء، تحت كلمة حمِل (شاه)N.P. N. Fathers Vol.4 , P.522. Lamb. .

[37] إش53 : 7.

[38] مز 40: 6 ، عب 10: 5.

[39] إش53: 5.

[40] عب12: 23.

[41] إش44: 23.

[42] إش49: 13.

[43] مز150: 6.

[44] لو15: 7.

[45] 1كو15: 55. من هنا جاءت أيقونة القيامة القبطية الطقسية.

[46] مز42: 4.

[47] إش2: 3.

[48] مز 24: 3ـ5.

[49] مت 25: 34.

[50] أم 13 : 13 سبعينية.

[51] خر 12: 43.

[52] لو 22: 31.

[53] مز 5 : 3.

[54] قد حُفظ هذان السطران باللغة اليونانية الأصلية، فى مخطوطة قزمان.

[55] كانت أيام السبوت والآحاد خلال فترة الصوم الكبير لا يُصام فيها انقطاعيًا، فيما عدا يوم السبت الذى يسبق عيد القيامة مباشرة (أى سبت النور)، وذلك كما هو متبع حتى الآن. جاء هذا عند القديس امبروسيوس أيضاً ، عن الأعياد الجزء الأول صـ545 .

[56] انظر البابا ديونيسيوس الأسكندرى N.P. N. Fathers Vol.4 , P.522.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس6 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسالة الخامسة

كتبت بمناسبة عيد القيامة 20برمودة سنة 49ش،16إبريل سنة333م

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

نعمة العيد الغنية

          إننا ننتقل يا أحبائى هكذا من أعياد إلى أعياد، ومن صلوات إلى صلوات، ونتقدم من أصوام إلى أصوام، ونصل أيامًا مقدسةً بأيامٍ مقدسةٍ. لقد أتى مرة أخرى الوقت الذى يحمل إلينا بداية جديدة[1]، أى الإعلان عن الفصح المبارك، الذى فيه قُدم الرب ذبيحة نحن نأكل طعام الحياة، وإذ نعطش على الدوام، نمتع نفوسنا كل الأزمان بدمه الكريم، الذى يفيض كما من نبع. وإذ تشتعل فينا الرغبة باستمرار فإن الرب واقف يرحب بأولئك العطشى، وتوجد كلمة مخلصنا لأولئك الذين يعطشون، تلك الكلمة التى نطق بها فى حنو محبته يوم العيد قائلاً: ” إن عطش أحد، فليقبل إلى ويشرب[2].

وهو لم يرو عطش كل من اقترب إليه حينذاك فحسب، بل إن كل من طلب المخلّص فى أى وقت فإنه فى الحال يجده. لأن نعمة العيد (الغنية) لا يحدها وقت، وضياؤها البهى لا يخفت، لكنها قريبة دائمًا، لتنير عقول المشتاقين إليها برغبة خالصة[3]. ففى هذه النعمة فضيلة دائمة لأصحاب العقول المستنيرة، الذين يتأملون فى الكتب الإلهية نهارًا وليلاً، مثل ذلك الرجل الذى طُوِّب فى المزامير المقدسة:

طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار وفى طريق الخطاة لم يقف وفى مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن فى ناموس الرب مسرته، وفى ناموسه يلهج نهارًا وليلاً[4]. لأنه لا يستنير بضوء الشمس أو القمر أو مجموعة الكواكب الأخرى، بل يتلألأ ببهاء الله السامى، الذى يضيء على الكل.

(2)

 فرح الخلاص المجيد:

          إنه الله يا أحبائى، الله الذى أسس لنا العيد فى البداية، هو الذى يمنحنا أن نحتفل به عامًا بعد عام. فهو الذى سمح بذبح ابنه لخلاصنا، ووهبنا هذا السبب للعيد المقدس، الذى يحمل الشهادة بذلك كل عام، كلما نودى بالعيد فى هذا الموسم. هذا يقودنا أيضًا من الصليب مجتازين هذا العالم، إلى ذلك الذى أمامنا، والذى منه ينشئ لنا الله فرح الخلاص المجيد الآن، آتيًا بنا إلى نفس الاجتماع، ويوحدنا جميعًا فى الروح فى كل مكان، راسمًا لنا صلوات عامة، ونعمة عامة تنبع من العيد.

وهذا هو العجب فى محبته الحانية أنه يجمع معًا فى نفس المكان أولئك الذين على بعد، ويجعل أولئك الذين يبدو أنهم بعيدين بالجسد، قريبين معًا فى وحدانية الروح.

 

(3)

ماذا نرد للرب من أجل حسناته؟

          لماذا إذن، يا أحبائى، لا نعترف بالنعمة، كما يليق بالعيد؟ لماذا لا نرد الجميل للمحسن إلينا؟ حقًا إنه يستحيل أن نرد لله حسناته علينا بما يليق به، ومع ذلك فإنه أمر شرير أن ننال العطية الثمينة دون أن نعترف بها. فالطبيعة نفسها تظهر عجزنا، لكن إرادتنا توبخ جحودنا. لذلك عندما كان الطوباوى بولس يتعجب من عظم عطية الله، قال: ” ومن هو كفؤ لهذه الأمور؟”[5]،  لأن الله حرر العالم بدم المخلص، ثم جعل القبر يُداس بالأقدام بموت المخلص، ومهد طريقًا للأمجاد السماوية، خاليًا من كل العقبات لأولئك الذين يصعدون إلى أعلا[6].

          لذلك عندما اعترف أحد القديسين بالنعمة، ولكنه كان عاجزًا أن يرد لله مقابلها، قال: ” ماذا أرد للرب من أجل كثرة حسناته لى[7]. لأنه تقبل الحياة عوض الموت، وتقبل الحرية بدل العبودية[8]، وتقبل ملكوت السموات بدل القبر.

          فقديمًا ” ملك الموت من آدم إلى موسى[9]. لكن الآن قد قال الصوت الإلهى: ” اليوم تكون معى فى الفردوس[10]. وإذ أدرك القديسون هذا قالوا: “ لولا أن الرب كان معى، لهلكت نفسى فى الجحيم (الهاوية)”[11]. علاوة على هذا، فإنه إذ كان عاجزًا عن رد الجميل، فإنه اعترف بنعمة الله، كاتبًا فى النهاية: ” كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو.. عزيز فى عينى الرب موت قديسيه[12].

          أما عن الكأس، فقد قال الرب: ” أتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا“، وحينما قبل التلميذان هذا، قال الرب لهما: ” أما كأسى فتشربانها وأما عن الجلوس عن يمينى وعن يسارى، فليس لى أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبى[13].

            لذلك، يا أحبائى، يجب أن ندرك العطية الممنوحة لنا، رغم أننا بالطبيعة عاجزون أن نرد عما قدمه لنا. وعلى قدر طاقتنا، يجب أن نغتنم الفرصة. لأنه إن كنا بالطبيعة غير قادرين، على أن نوفى الابن الكلمة بما يليق به عن مثل هذه البركات التى أتمها لنا، إلا أنه يجدر بنا أن نقدم له تشكرات، إذ نحن محفوظون فى التقوى.

وكيف يمكننا أن نعيش عمق التقوى إلا بالتعبير عن شكرنا لله، الذى فى محبته للبشر أغدق علينا مثل هذه البركات؟ لأننا هكذا سوف نحفظ الناموس طائعين، سالكين فى وصاياه. وبالإضافة إلى هذا، فإننا سوف لا نعتبر متعدين على الشريعة، كأشخاص غير شاكرين، ولا نحسب فاعلين تلك الأشياء التى يجب بغضتها، لأن الرب يحب الشاكرين.

          وأيضًا عندما نقدم أنفسنا للرب مثل القديسين، مكرسين أنفسنا بالكامل له، كما لو كنا نعيش من الآن ليس لأنفسنا بل للرب الذى مات من أجلنا، كما فعل الطوباوى بولس أيضًا عندما قال: “ مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى[14].

 

(4)

لنقدم له مما لدينا:

          والآن، أيها الاخوة، إن حياتنا تكمن بحق فى إنكارنا للأمور الجسدية، وتمسكنا بثبات بما يتعلق بمخلصنا فقط. لذا فالموسم الحالى يتطلب منا لا مجرد ترديد كلمات كهذه (التى نقولها)، بل يجب علينا بالأحرى أن نقتدى بأعمال القديسين. نحن نتمثل بهم حينما نعترف بالمسيح الذى مات، فلا نعود نحيا لأنفسنا فيما بعد، بل أن المسيح يحيا فينا منذ الآن.

وعندما نرد الجميل للرب بكل قدرتنا، مع إننا عندما نرد فإننا لا نعطى أصلاً من عندياتنا، بل مما سبق أن أخذناه منه. وهذه أصلاً من نعمته بصفة خاصة. لذا فإنه عندما يسألنا عن هباته الخاصة، وكأنها منا. وهو يشهد لهذا حينما يقول: ” قرابينى هى عطاياى[15]، أى أن تلك القرابين التى تقدمونها لى، هى ملككم، والتى سبق أن أخذتموها منى، إنما هى عطايا الله.

          لنقدم للرب كل فضيلة، وتلك القداسة الحقيقية التى فيه، ولنحفظ العيد الذى له فى تقوى، بتلك الأشياء التى قدسها لنا. ولنهتم بالاشتراك فى الأصوام المقدسة لأنه وضعها لفائدتنا، لكى تقودنا إلى الله. لكن ليتنا لا نكون مثل الوثنيين، أو اليهود الجهلاء، أو الهراطقة والمنشقين فى الوقت الحاضر. فالأمميون (الوثنيون) يظنون أن العيد يكتمل بوفرة الطعام.

واليهود يضلون إذ يعيشون فى الرمز والظل ظانين أنها لا تزال باقية. ويعيّد المنشقون فى أماكن منعزلة، بتصورات باطلة، أما نحن يا إخوتى فلنسمو على الوثنيين، معيدين بإخلاص النفس وطهارة الجسد. ولنسمو على اليهود، فلا نعيّد بعد بالرمز والظل، بل بكوننا قد استنرنا ببهاء نور الحق، وكأننا ناظرون إلى شمس البر[16]. ولنسمو على المنشقين بعدم تمزيقنا ثوب المسيح، بل لنأكل فصح الرب فى بيت واحد، أى فى الكنيسة الجامعة. وإذ رتب الرب نواميسه المقدسة، قادنا إلى الفضيلة، ونصحنا بالزهد والتقشف فى هذا العيد.

          لأن الفصح فى الحقيقة هو الامتناع عن الشر، للتدرب على الفضيلة، والانتقال من الموت إلى الحياة. وهذا يمكن أن نتعلمه حتى من الرمز فى الزمن القديم (العهد القديم). فإنهم حينذاك تعبوا كثيرًا للعبور من مصر إلى أورشليم، أما الآن فنحن ننتقل من الموت إلى الحياة . هم فى ذلك الزمان عبروا من فرعون إلى موسى، أما الآن فإننا نقوم من الشر والشرير إلى المخلص. وكما أن رمز النجاة كان يشهد كل سنة فى ذلك الوقت، هكذا نحن أيضًا نحتفل الآن بذكرى خلاصنا.

نحن نصوم متأملين فى الموت، لكى نكون قادرين على الحياة ونسهر لا كحزانى، بل كمن ينتظرون الرب، متى يرجع من العرس، لكى ننافس بعضنا البعض فى فرحة الانتصار، مسرعين لإعلان علامة الغلبة على الموت.

(5)

لنذكر المسيح القائم على الدوام:

          ليتنا إذن، يا أحبائى نضبط أنفسنا ضبطًا كاملاً فى كل الأوقات كما يتطلب منا الكلمة، وهكذا نعيش غير ناسين على الإطلاق أعمال الله العظيمة، ولا نكف عن ممارسة الفضيلة! كما يحثنا بولس الرسول قائلاً: اذكر يسوع المسيح الذى قام من الأموات[17]، ليس كأن موسمًا معينًا قد حدد للذكرى، بل يجب أن نكون متفكرين فى الرب فى جميع الأوقات، لكننا نؤجل من يوم إلى يوم، نتيجة كسل الكثيرين. فلنبدأ إذن فى هذه الأيام.

     لذلك سُمح بتحديد وقت للتذكر، لكى يعلن للقديسين مكافأة دعوتهم، ويحث المتكاسلين موبخًا إياهم[18]. لذلك ليتنا نتمسك بالسلوك فى الفضيلة، بقية أيامنا، لأنه يجب أن نعيش التوبة عن كل ما أهملنا، مهما كان، لأنه ليس أحد طاهرًا من الدنس، ولو كانت حياته ساعة واحدة (يومًا واحدًا) كما يشهد بذلك أيوب البار، ذلك الرجل الذى تمتع بقوة فائقة.

          ” وإذ نمتد لما هو قدام[19]. ليتنا نصلى حتى لا نأكل الفصح بغير استحقاق، حتى لا نكون فى خطر. لأن لهؤلاء الذين يعيدون فى نقاوة، يكون الفصح طعامهم السماوى؛ أما أولئك الذين يحتفلون به فى دنس واستهتار، يكون لهم خطرًا وعارًا. لأنه مكتوب: ” أى من يأكله أو يشربه بدون استحقاق، يكون مجرمًا فى موت (جسد) الرب[20].

لذلك ليتنا لا نتقدم لمجرد إتمام طقوس عيد الفصح، بل لنستعد للاقتراب من الحمل الإلهى ولكى نلمس الطعام السماوى. لننقِ أيدينا، ولنطهر الجسد. لنحفظ عقلنا كليًا من الخداع غير مسلمين أنفسنا للإسراف فى الشراب، والشهوات، بل منشغلين بكليتنا بربنا، وبالتعاليم الإلهية، حتى إذا كنا طاهرين بالكلية، نستطيع أن نكون شركاء ” الكلمة”[21].

(6)

موعد العيد:

          نبدأ صوم الفصح فى الرابع عشر من شهر برمودة (9إبريل)، فى أول مساء من الأسبوع[22]. وإذ نكف (عن الصوم) فى التاسع عشر من نفس شهر برمودة (14 إبريل) فإن اليوم الأول فى الأسبوع المقدس يشرق علينا فى العشرين من نفس شهر برمودة (15إبريل)، والذى نضم إليه السبعة الأسابيع التى للبنديكستى/ عيد الخمسين؛ بالصلوات، والشركة مع إخوتنا، ومحبة بعضنا بعضًا، والسلام الذى هو فوق الكل، لأنه هكذا نرث ملكوت السموات، بربنا يسوع المسيح الذى به ومعه يليق للآب المجد والسلطان إلى الأبد، آمين.

          يسلم عليكم كل الإخوة الذين معى. سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة.

 

(هنا تنتهى الرسالة الخامسة للقديس أثناسيوس)

[1] انظر رؤ3: 14، الرسالة الأولى ضد الآريوسيين20 .

[2] يو7: 37 .

[3] انظر الرسالة الأولى، الملحوظة2.

[4] مز1:1ـ2.

[5] 2كو2: 16، وقد حفظت هذه القطعة ضمن المخطوطة اليونانية، للبحار قزمان، وتوضح أن المخلص حرر العالم بدم صليبه وموته، إذ داس الجحيم، مزيلاً كل العقبات من الطريق الموصل إلى السماء .

[6] This sentence is preserved in Greek in Cosmas , Topogr . Christ . P. 316 .

(7) مز 116 : 12 .

[8] بعد الإشارة إلى رومية 5 : 4 فإنه فى  النص اليونانى الأصلى ، Migne 28, 1025  يقول إن المسيح حرر الأسرى، وأحيا الذين ماتوا N.P.N vol .4.P.518 .

[9] رو5: 14.

[10] لو23: 43.

[11] مز17:23.

[12] مز116: 13ـ15.

[13] مت20: 22ـ23.

[14] غل2: 20.

[15] عد28: 2سبعينية.

[16] ملا4: 2.

[17] 2تى2 : 8 .

[18] يقصد القديس أثناسيوس هنا تذكر القيامة، أى الاحتفال بعيد القيامة دوريًا، لأن الاحتفال بهذا العيد يجعلنا نهتم بتأملنا للقيامة واختبارها N.P.N.F. vol. 4, p519 .

[19] فى3: 13 .

[20] 1كو11: 27 .

[21] 2بط1: 4 .

[22] Sabbath بالسريانى.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس5 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

 

الرسالة الرابعة[1]

كتبت بمناسبة عيد القيامة

فى 7 برمودة سنة 48ش ـ 2 إبريل 332م

 

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

          أرسل إليكم يا أحبائى رسالتى هذه متأخرًا عن الوقت المعتاد، لكنى أثق أنكم سوف تسامحونى على تأخيرى، وذلك لطول رحلتى، ولأننى ضُربت بمرض. فقد أعاقنى هذان السببان، مع حدوث عواصف شديدة غير عادية، ولذلك أرجأت الكتابة اليكم. لكن رغم طول رحلتى ومرضى الشديد، فإننى لم أنس أن أنبئكم بعيد القيامة، وإتمامًا لواجبى أخبركم الآن بموعد العيد.

لنرنم “الفرس وراكبه طرحهما فى البحر “.

          ومع أن تاريخ هذه الرسالة جاء متأخرًا عن التاريخ المعتاد لهذا الإعلان[2]، لكنها لا تزال تعتبر فى وقتها، لأن الكنيسة قد وبخت أعداءنا، وصاروا فى خزى لأنهم اضطهدونا بلا سبب. فلنرنم الآن ترنيمة العيد  مرددين تسبحه الانتصار على فرعون قائلين: ” نرنم للرب، لأنه يجب أن يُسبح ممجدًا، الفرس وراكبه طرحهما فى البحر[3].

(2)

لنعيد بالغذاء الروحى:

     يحسن بنا، يا أحبائى أن نعبر من عيد إلى عيد، فنحتفل بعيد الفصح فى اجتماعات مكررة، وأسهار مقدسة ترتفع بعقولنا، تدعونا إلى السهر والتأمل فى أعمال الله الصالحة. ليتنا لا ندع هذه الأيام تمر علينا، كالذين يحزنون، بل إذ نتمتع بالطعام الروحى نخمد شهواتنا الجسدية[4]، لأنه بهذه الوسائط نستطيع أن نغلب أعداءنا، كالمباركة يهوديت[5]، التى دربت نفسها أولاً على الأصوام والصلوات، فغلبت الأعداء وقتلت أليفانا.

          وعندما أوشك الهلاك أن يعصف بكل جنس الطوباوية أستير، وكادت أمة إسرائيل أن تباد، فإن ثورة الطاغية لم تنهزم إلا بالصوم والصلاة إلى الله، وهكذا حولت أستير هلاك شعبها إلى طمأنينة[6]. وكما اعتبرت تلك الأيام أعيادًا لإسرائيل، هكذا كانت الأعياد قديمًا ترتب عند قتل عدو، أو إحباط مؤامرة ضد الشعب، ونجاة إسرائيل.

          لذلك رتب الطوباوى موسى قديمًا عيد الفصح العظيم، ورتب احتفالنا به، لأن فرعون قد قتل، والشعب قد تحرر من العبودية. ففى تلك الأوقات، بصفة خاصة، رتب الأعياد المؤقتة والعطلات فى اليهودية عندما قُتل الذين طغوا على الشعب.

 

(3)

لنعترف بالنعمة ممتلئين فرحًا:

     والآن يا أحبائى وقد ذبُح إبليس، ذلك الطاغية المعتدى على العالم كله، فنحن لا نأتى إلى عيد وقتى، بل إلى عيد أبدى سمائى. معلنين إياه لا خلال ظلال، بل نأتى إليه يقينًا. لأن أولئك بعدما شبعوا من لحم خروف أخرس، تمموا العيد. وإذ مسحوا قوائم أبوابهم بالدم، التمسوا مساعدة الله ضد المهلك[7].

          أما نحن الآن فإذ نأكل ” كلمة” الآب، ونختم قوائم أبواب قلوبنا بدم العهد الجديد[8]، فإننا نعترف بالنعمة الموهوبة لنا من المخلص، الذى قال: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو[9]. لأن الموت لا يسود فيما بعد، بل الحياة حلت محل الموت منذ ذلك الوقت، لأن ربنا قد قال: ” أنا هو الحياة[10]. ولذلك امتلأ كل شيء بالفرح والبهجة..

كما هو مكتوب: ” الرب قد ملك، فلتبتهج الأرض[11] لأنه عندما ملك الموت “ بكينا ونحن جالسون على أنهار بابل[12]، ونحنا لأننا شعرنا بمرارة الأسر. أما الآن، وقد أبُيد الموت ومملكة الشيطان، فقد امتلأ كل شيء تماما بالفرح والسعادة. ولم يعد الله يُعرف فى اليهودية وحدها، بل فى كل الأرض: ” فى كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم[13].

          أما الأمور التالية فهى واضحة يا أحبائى. وهى ألا نقترب إلى عيد كهذا بثياب رثة، بل لتلتحف عقولنا بثياب نقية. فنحن نحتاج أن نلبس ربنا يسوع فى هذا العيد، لكى نستطيع أن نحتفل بالعيد معه. ونحن نلبسه الآن عندما نحب الفضيلة ونبغض الشر، وعندما ندرب أنفسنا على الاعتدال ونكبح شهواتنا، عندما نحب البر أكثر من الإثم، عندما نكرم القناعة ونكون ناضجين فى الفكر. حينما لا ننسى الفقير، بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نعين الضعفاء، ونبغض الكبرياء.

 

(4)

بين الخروف الرمزى، والمسيح فصحنا:

          وإذ جاهد إسرائيل قديمًا بهذه الأمور فى طريق النصرة، كانوا يقتربون إلى العيد، لأن هذه الأمور كانت حينئذ فى ظلال ورموز. أما نحن أيها الأحباء، فقد تحقق لنا ما كان ظلالاً، وتم ما كان رمزًا. لذا يجب ألا نعتبر العيد رمزيًا، وهكذا لا نذهب إلى أورشليم التى هى هنا على الأرض لنذبح خروف الفصح، كعادة اليهود التى أنقضى وقتها، لئلا نحسب أننا نسلك فيما لا يناسب وقتنا[14]، إذ فات وقت (ذلك الخروف) بل ينبغى أن نتعدى حدود الرمز حسب وصية الرسل، ونرنم الترنيمة الجديدة مسبحين الله.

          وإذ أدرك التلاميذ هذا، واجتمعوا مع الحق[15]، اقتربوا من مخلصنا وقالوا له: “ أين تريد أن نعد لك الفصح؟”[16]، ولأن هذه الأمور التى تتعلق بأورشليم الأرضية لم تعد تمارس بعد، ولم يعد يُحتفل بالعيد هناك فى أورشليم فقط، بل فى أى مكان يريده الله.

          والآن، لقد أراد (رب الجنود) أن تتمم هذه الأمور فى كل مكان، لكى ” فى كل مكان يقرب لأسمه بخور وتقدمة (ذبيحة) طاهرة[17]. ومع أن عيد الفصح لم يكن يحفظ فى أى مكان آخر إلا فى أورشليم. حسبما حدث تاريخيًا. لكن عندما أكُملت الأمور المتصلة بذلك الزمان، وزال ما كان يتعلق بالظلال، وأوشكت الكرازة بالإنجيل على الانتشار فى كل مكان، وأصبح التلاميذ يحتفلون بالعيد فى كل الأرجاء، لذا سألوا المخلص: ” أين تريد أن نعد لك الفصح“؟.

          ولما كان المخلص يحول الأمور الرمزية إلى روحية، فقد وعد (التلاميذ) بأن لا يعودوا يأكلون لحم خروف بعد، بل جسده قائلاً:    ” خذوا كلوا هذا هو جسدى، وأشربوا… هذا هو دمى[18]. ونحن إذ نتغذى بهذه الأشياء، فإننا نحتفل أيضًا بحق بعيد الفصح كما يليق.

 

(5)

لنعيد عند إشراق اليوم الأول المقدس:

          نحن نبدأ (أسبوع الفصح) فى اليوم الأول من شهر برمودة (27 مارس)، ونستريح فى اليوم السادس من نفس الشهر (أول أبريل)، فى عشية اليوم الثامن. وإذ يشرق علينا اليوم الأول المقدس من الأسبوع، فى السابع من نفس الشهر (برمودة)، فإننا نعيد محتفلين بأيام الخماسين المقدسة بعد ذلك، معلنين فيها الدهر الآتى[19]. لكى نكون من الآن فصاعدًا مع المسيح إلى الأبد، مسبحين الله فوق الكل فى المسيح يسوع، وبه، قائلين للرب مع كل القديسين، آمين. 

          قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة. يهديكم السلام كل الإخوة الذين معى. نبعث إليكم بهذه الرسالة من البلاط، بيد أحد الجنود المرافقين، الذى سلمها إليه ابلافيوس[20]، والى مقاطعة بروتوريوم، الذى يخاف الله بالحق. لأننى الآن فى البلاط، إذ دعانى الإمبراطور قسطنطين لكى أراه. لكن المليتينيين الذين كانوا هناك، حاولوا أن يقتلونا أمام الإمبراطور، لحسدهم وغيرتهم. لكنهم صاروا فى خزى، وطُردوا كمفترين، إذ اتهموا بأمور كثيرة. أولئك الذين طردوهم: كالينيكوس، إيسيون، ويوديمون، وجيلوس هيراكامون[21]؛ الذى غير اسمه إلى أولوجيوس بسبب العار الذى لحق باسمه.

 

(هنا تنتهى الرسالة الفصحية الرابعة للقديس أثناسيوس)

[1] أرسل القديس أثناسيوس هذه الرسالة من البلاط الإمبراطورى بواسطة أحد الجنود الذين كانوا ملازمين للقديس أثناسيوس بدار الإمبراطور.

[2] انظر الفقرة الخامسة فى هذه الرسالة، والرسالة الخامسة : 6، إذ تأخر إعلان القديس أثناسيوس المعتاد عن بدء الصوم الأربعينى.

[3] خر15: 1.

[4] St. Cyril, Hom. Pasch. XX.

[5] يهوديت13: 8.

[6] أستير4: 16.

[7] St. Cyril. Hom. Pasch.24. P.223. Ed. Paris , 1638.

[8] مت 26 : 28.

[9] لو10 : 19.

[10] يو14 : 6.

[11] مز97 : 1.

[12] مز137: 1.

[13] مز76 : 1،  19: 4.

[14] انظر بداية القطعة الأولى من الرسالة الفصحية الأولى.

[15] هنا إشارة إلى المسيح الذى هو الحق يو14: 6.

[16] مت26 : 17.

[17] ملا1: 11.

[18] مت26: 26ـ28.

[19] CF. Bingham , 20.ch.6 ; St. Cassian. Coll. 21. II ; St. Cyrip uses the same comparison towards the end of his 26th paschap discourse.

[20] كان أبلافيوس رئيسًا للإقليم الشرقى، ووزيرًا فى الإمبراطورية، وكان محبوبًا جدًا لدى قسطنطين الكبير وقد قتل بعد موت قسطنطين. انظر Smith’s Dictionary of Gr. and Rom Biography Zozimus 2 : 40

[21] هذا الاسم يعنى باليونانية الضاحك.

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس4 – عيد القيامة

Exit mobile version