الرسالة الفصحية الثانية ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الثانية ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الثانية ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

 

الرسالة الفصحية الثانية لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة الاسكندرية

(5) إن كلمة الله في محبته للجنس البشرى اجتذبنا كلنا نحو العبادة الحقيقية وأنهض لحياة الفضيلة أولئك الذين يسمعون شرائعه المقدسة بأكثر طاعة. ولكن ليس الجميع لهم نفس الشوق لهذا ولم يسلك كل أحد بنفس الغيرة. بالنسبة للبعض فإنهم يتقربون لله بأكثر جدية معتبرين أن لا شيء أكثر احتراما من العبادة لله، فيقدمون أنفسهم مثل رائحة سرور للرب كتقدمة كاملة وذبيحة بدون تجزئة. فتعبير “ذبيحة المحرقة” يكون غالبا ملائما لهم، وهذا هو حقيقة تقديم ذبيحة المحرقة عندما يقدم الإنسان نفسه لله بدون خطية على الإطلاق. لكن لننظر ما تقوله شريعة ذبيحة المحرقة في هذا: “هذه شريعة المحرقة. هي المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح ونار المذبح تتقد عليه” (لا 9:6). ما هي إذن النار الموضوعة على المذبح إلا الحضور المستمر للروح القدس قينا؟ لقد أرانا المخلص ذلك في الكلمات الآتية: “جئت لألقى نارا على الأرض” (لو 49:12). وهكذا فإن الذي يجعل نفسه ذبيحة محرقة ويقدمها كاملة سليمة (بلا عيب) لله، فسوف يحفظ فيها نارًا لا تطفأ أبدًا، وقوة سعيرها المقدسة سوف تزدهر باستمرار فيه. يقول الكتاب المقدس: “طوال الليل” التي تفهم على أنها الحياة الحاضرة. فلا يتفق أن عقلنا يترك أحيانا ليبرد ويميل نحو الشر وأحيانا أخرى يشتعل ثانية. فيجب أن يكون ثابتا ودائما “حارين في الروح” (رو 11:12) كما يقول بولس الرسول. هذا سيكون أكثر وضوحا لنا بأمثلة أخرى إذا فحصنا المعنى الدقيق للشريعة. لأن الله يقول ثانية لموسى مفسر الأقداس: “وهذا ما تقدمه على المذبح. خروفان حوليان كل يوم دائما. الخروف الواحد تقدمه صباحا. والخروف الثاني تقدمه في العشية. وعشر من دقيق ملتوت بربع الهين من زيت الرض وسكيب ربع الهين من الخمر للخروف الواحد” (خر 29: 38-40). لكن يمكننا بوضوح أن نفهم بذلك أن يكون على نحو صحيح ألا ندع أى وقت يمر دون أن نكرم فيه الله بطريقة ملائمة مثلما يقبل الرائحة الذكية لأعمالنا الصالحة كذبيحة مستمرة. فهو يأمر بأن يقدم خروف واحد كذبيحة في النهار والثاني في المساء وهذا على ما يبدو إشارة إلى “كل الوقت”، مشتملة ما بداخل حدود كل هذه المدة. كما أنه يأمر بأن يخلط الدقيق بالخمر والزيت، وألا يسكب عليها هينا كاملا، ولكن ربع الهين، ليعلمنا بذلك أن الذين يقدمون العبادة المستمرة لله أو يقدمون بالأحرى أنفسهم لمشرّع الناموس كذبيحة سرور، سينالون رحمة وسرور ويفوزون في هذه الحياة الحاضرة بجزء من المكافأة (لأنه يأمر بأن يصب الربع من الهين)، ولكن في الدهر الآتي فإن النعمة الكاملة ستحل عليهم، كما يقول النبي: “فرح أبدى على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم. ويهرب الحزن والتنهد” (إش 10:35). إذن عندما تأمر الشريعة بوضوح بأن لا نترك الميول الشريرة التي تجعل العقل يميل للخطية، ألا سنكون عرضة لأن نعانى كل أشكال العقاب لو أهملنا ما أمرت به الشريعة؟ لو فحصت ضعف الطبيعة البشرية ستجد مشقة في تحويل التوتر إلى سلوك مهذب (لأنه ربما تقول إنك غير قادر على تحمل المشقات المستمرة التي هي مثل السنديان) وسوف تصرح بأن تحقيق الخطة سيكون أيضا صعبًا وصارمًا لاستمراريتها. الشريعة سوف تضع حدًا لحجتك بأن تريك الطريق الأدنى الملائم للحياة، الذي هو أقل قسوة من الذي ذكرته، ولكن أكثر رفعة ورقيًا من الطريق الآخر. ما هو إذن منهج الحياة هذا؟ سوف أعطيك صورة واضحة عن منهج الحياة الذي أقصده بذكر مثال آخر من الكتاب المقدس. فعندما ظهر الله لبنى إسرائيل في النار والظلام والعاصفة (راجع تث 11:4)، وسن لهم الشريعة لممارسة العبادة، فإن موسى بحكمته وجد أنه من الضروري أن يسرع أيضا بمثل واضح ليظهر لبنى إسرائيل نموذج السلوك الذي يرضى واضع الناموس، كما يناسب حالتهم واعتقادهم، إذ أنهم لم يحتملوا تعليمًا أكثر كمالاً، لذلك يقول: “فكتب موسى جميع أقوال الرب. وبكر في الصباح وبني مذبحا في أسفل الجبل وإثنى عشر عمودا لأسباط إسرائيل الإثنى عشر. وأرسل فتيان بني إسرائيل فاصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران. فأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطسوس. ونصف الدم رشه على المذبح” (خر 24: 4-6).

لكن فلننظر ثانية لكل جزء من هذه الفقرة من الكتاب المقدس ونحللها بعناية لنرى ماذا يظهر لنا منها لنفعنا.           

(6) وهكذا نهض موسى مبكرا وِشيد المذبح، حيث يعلمنا انه يجب على المرء أن يستيقظ أولا كما من نوم ويرتفع إلى الاعتدال مقصيا ظلمة الخطية مثل ظلام الليل، ويسرع حينئذ نحو نور المعرفة حتى يتمكن بالتالي في المستقبل أن يحتفل بعبادة الله. لأني أعتقد أن إشعياء النبي قال عن ذلك: “روحي تستيقظ مبكرا بينما مازال الليل للقائك، يالله، لأن أحكامك هي نور على الأرض” (إش 9:26س)، وهذا يشير تقريبا إلى نهوض موسى مبكرا.

 ولكن لكي نقترب من تتابع الفكرة، سوف نقدم فيما يلي نظام بحثنا:

لقد أقام موسى المذبح ليس على الجبل ولكن أسفل الجبل، ليشير إلى أولئك الذين هم مازالوا بعيدين عن الكمال ولا يستطيعون أن يبلغوا إلى قمة كمال الوصايا، فهم ليسوا بعيدين ولكنهم يظلون هناك ولا يصلون إلى قمة الجبل بل أسفله خلال اقترابهم لله. بعد ذلك كان هناك 12 حجر حول المذبح لأجل أسباط إسرائيل الاثنى عشر، لكي نتعلم أنه يجب علينا دائما أن ندنو من الله بدون الوقوع مطلقا في خطية لا تغفر. لذلك فإن المرنم يعلن لنا بأكثر وضوح قائلا: “أطوف بمذبحك يا رب” (مز 6:26)، بعد هذا أيضا يقول: “أرسل فتيان بني إسرائيل فاصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب” (خر 5:24). سوف نقول إنه ليس عمل الكسول أو بطريقة أخرى عزم ضعيف ليكون قادرا على تقديم ذبيحة لله، ولكنه قرار نافع ونبيل. لهذا السبب يقول إن الذين أرسلوا كانوا فتيانا ليقدموا عجلاً كذبيحة سلامة.  لكن نلاحظ ثانية من هذا أن الحدث يتغير من مثال ورمز ليظهر طريقة التصرف، لأن اختيار المرسلين للذبيحة يكون جديرا بالثناء، ولكن يلاحظ هنا اختيار الأكبر والأكمل بدلا من الضعيف والأقل كمالاً، لأنه لا يقدم عجل صغير بل ثور بالغ قوى.

لقد أخذ موسى الدم ورش نصفه في الطاس والنصف الآخر على المذبح. هنا يجب أن نرى رمز الانقسام في حياة العبادة. لأن الدم يمثل النفس، تلك الحياة التي وزعها لنا الله بالتساو حتى لا يجب أن نعيش لأنفسنا فقط (راجع 2 كو 15:5)، ولكن نصون أيضا ذلك الجزء الخاص بالمذبح. إنه يكون نهج الحياة المعتدلة والملائمة التي لا تجعل الصرامة المفرطة أن تسود بقوة على الحياة ولا تقع بالأكثر في الخطية نتيجة الميول الشديدة نحو التهاون. بالتالي يرتفع من قبل الفطنة فوق حياة التراخ المفرط، ولكن يقدر بأن يتشبه بالحياة الأكثر كمالا، لذلك يلزم الغيرة الكافية. هكذا في هذه الحالة التي توازنت من مصدرين واتحدت صفاتها في واحد، الشخصية الواحدة التي نتجت هي جدية ومعتدلة. فبعلاقتهم مع كل واحد بالآخر فإن الطابع الهجومي يختفي، فالتوتر الناتج عن القسوة سيهدأ بعدم التهاون، بينما الإفراط في التهاون سوف يقلم بسكين الأفكار الثابتة، ويخلق طريقًا مستقيمًا للحياة لا عيب فيه.

        (7) يا أحبائي، إنه حسن لنا أن نتحمس لعمل ما هو أفضل ونبتهج بالأحرى بالتصرف الذي يظهر الفضيلة. ولكن كما يقول بولس الرسول: “كل واحد له موهبته الخاصة من الله، الواحد هكذا والآخر هكذا” (1 كو 7:7). فإنه حسن أن خالقنا كلنا قد أعطى بنفسه للضعفاء أن يروا الخلاص. فهو يمدح الذين اجتهدوا في طريق الكمال، ومع ذلك يقبل أيضا بمحبته للبشر أولئك الذين لم يكن لهم نصيب كبير في الفضيلة. “أوجه لا تكون مشابهة لأوجه، كما يقول سليمان، كذلك عقول (قلوب) البشر” (أم 19:27). في الواقع نجد أن طبيعة الجسم هي واحدة وتتكون من نفس الأعضاء، ولكن الاختلاف في الشكل الخارجي للأشخاص هو الذي يحدث التمييز بينهم.  نفس الشيء نجده في العقل، فنجده يتكون من نفس القدرات المتماثلة عند الكل، لكن يتشعب إلى وظائف غير متشابهة بحسب صفات كل شخص. وأعتقد أن هذا التفسير يؤيده مثل من الكتاب المقدس، حين يقول: هوذا الزارع قد خرج ليزرع، وفيما هو يزرع سقط البعض على الطريق والأماكن المحجرة، والبعض سقط على الشوك، والبعض على الأرض الجيدة وأثمر. بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين (راجع مت 13: 3-8). أنت ترى كيف أنه قال في هذا المثل إن التربة كلها كانت جيدة، ولكن التمييز يظهر في اختلاف الثمار. وهكذا فإن العدد مائة يعنى أولئك الكاملين في الفضيلة والذين ارتفعوا حتى قمة التقوى؛ والعدد ستون يعنى أولئك الذين يصعدون قليلا خلف السابق ذكرهم ولم يتقدموا في الفضيلة، أما العدد ثلاثون فهم الذين مازالوا في احتياج، ومع ذلك لا يوجدون خارج الأرض كما أنهم لم يُحرموا من حمل الثمار، لذلك يحتلون المرتبة الثالثة في الفضيلة لأنهم يجيئون بعد الكاملين (العدد مائة) وكذلك بعد العدد ستين. كما يقول المخلص أنه يوجد منازل كثيرة عند الآب (راجع يو2:14)، حيث يحدد مقياس الشرف لكل أحد. هكذا حدث في توزيع المواهب على العبيد، حيث يقول الكتاب المقدس: “فأعطى واحد خمس وزنات، وآخر وزنتين، وآخر وزنة” (مت 15:25). غير أن الطبيعة كانت جيدة وتساوت عند الكل وتصنع نفس الشيء لأجل الكمال في حدود حالتها الخاصة، فإنه لن يكون هناك لزوم لصنع اختلاف بينهم، وتوزع المواهب الخمسة للكل بالتساوي. لكن في الواقع، فإن عدم التساوي في العطية يدخل تباين داخل الحالات، والذي لا يقابل نفس الدرجة من التقوى. فالذي أخذ خمس مواهب سمع القول: “نعما أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك” (مت 21:25). والذي ربح بالموهبتين أخذ نفس المديح والشرف لنفس الحكم. غير أن الله لا يظهر في هذا أنه غير عادل، ولكن بالأحرى أنه صالح وكريم، لأن كرمه الذي شمل به الثاني لن يقلل من الشرف المناسب للذين وفقوا، ولا للأقل توفيقا الذي سيكون سعيدا ليتسلم ما يستحقه في التوزيع بسبب مجهوده الخاص والنعمة تملأ ما ينقص في مكافأته. فمن يفكر باحتقار ليحسد نجاح الآخرين، فهو جاهل لأنه يوجه الاتهام لله محب البشر. لأنه يقول: “أعتقد أن الذي هو أقل في الفضيلة لن يستطيع أن يكون كاملا بنفس مقياس الكاملين بمعيار متساو في الحكم، لو صنع لهم تقدير عادل، ومقياس النعمة إنما يقيس كل أعمال كل إنسان كما بمثقال”. فلندعه يستمع إلى كلمات المسيح مخلصنا: “يا صاحب ما ظلمتك. أما اتفقت معي على دينار. فخذ الذي لك واذهب. فإني أريد أن أعطى هذا الأخير مثلك” (مت 20: 13-14). لندع بولس الرسول ينهض الرغبة لكل أحد ليفعل كل شيء صالح ويبعد التردد الضعيف للفكر بالصراخ: “لذلك يقول استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح” (أف 14:5). لأنك لو كنت قد استسلمت لنوم الضعف البشرى متجرعا الإثم كالخمر غير المختلط وانجرفت بعيدا منغمسا في ظلمة الهواجس المظلمة، فإن الوقت الآن هو لك لتفيق للخلاص وترفع عينيك إلى “شمس البر” (ملا 20:3)، فإن الرب سيستقبلك بمحبته للبشر، وسيرحمك كلية من الشرود، ولن يبتعد عن الباكي، وسيجعل التائب نقيا ويضمه للعبادة الحقيقية. 

سوف نقدم ثانية الآن بالأمثلة بعض الإثباتات للإسهاب في مثل هذه الأفكار لتقديم نتائج مفيدة جدا.    

(8) عندما أراد الله أن يعتق شعب إسرائيل من العبودية في أرض مصر، أمر موسى كاهن الأقداس أن يسرع إليهم ويشرح لهم مشيئة الرب الصالحة. كما أنه ينبغي عليه لكي يقنع السامعين أن يؤيد الكلمات بإثبات من خلال أدلة، لذلك قال الله له: “ما هذه في يديك. فقال عصا. فقال إطرحها إلى الأرض. فطرحها إلى الأرض. فصارت حية. فهرب موسى منها. ثم قال الرب لموسى مد يدك وامسك بذنبها. فمد يده وأمسك به. فصارت عصا في يده” (خر 4: 2-4). لكنني أعتقد أن موسى الطوباوي تعلم من هذا أن أولئك الذين عادوا للتمسك بالإثم في مصر وضلوا بعيدا في الخطية، سوف يهتدون إلى التقوى من خلال الخضوع للعزة الإلهية. في الواقع فإن الإنسان نبت من الأرض مثل العصا، ولكن عندما مال نحو شهوات الجسد، وقع إذا صح القول في يد واضع الناموس، حينئذ فقد وداعته واستُعبِد، ووجد ثعبان سام يوخز للخطية ويثير الغضب. ولكن حينما يشفيهم واضع الناموس، سيكونوا صالحين ويتحولوا ثانية إلى حالتهم الممتازة. سوف نطبق على موسى دور واضع الناموس. وكما أعتقد، فإنه من الواضح من كلماتي أن الله ينهض ثانية ليحول الإنسان الذي تكاسل وانزلق في طرق غير ملائمة. إن أصوات الأنبياء ستشهد باستمرار ناصحة الخطاة للرجوع إلى الله. لأن إلهنا محب البشر لم يترك أي فرصة لدعوة الجميع للخلاص. فنسمعه مهاجما صلابة وعناد الخطاة ومتهما موقفهم العنيد. فقال في إحدى المرات: “أإياى لا تخشون يقول الرب أو لا ترتعدون من وجهي أنا الذي وضعت الرمل تخوما للبحر فريضة أبدية لا يتعداها فتتلاطم ولا تستطيع وتعج أمواجه ولا تتجاوزها. وصار لهذا الشعب قلب عاص ومتمرد. عصوا ومضوا. ولم يقولوا بقلوبهم لنخف الرب إلهنا الذي يعطى المطر المبكر والمتأخر في وقته. يحفظ لنا أسابيع الحصاد المفروضة” (إر 5: 22-24). وأحيانا يهاجم بمرارة أولئك الذين يركضون بخزي بعيدا، حيث قال: “هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه. فأنتم أيضا تقدرون أن تصنعوا خيرا أيها المتعلمون الشر” (إر 23:13). بالنسبة لأب كل خطية، فقد حاول أن يسود على جنسنا بقوة، حتى وجد قليلون يكرمون الله تماما ويعرف أنهم سيذكرون واضع الناموس. لكن لن يكون هناك أي احتياج لنا لنضع حدا لهذه الرؤية، منذ أن أعلن المرنم بوضوح: “الكل قد زاغوا معا وفسدوا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد” (مز 3:14). لأنه منذ أن سادت الخطية على كل البشر في هذا الطريق، وتدفقت من الأرض مثل الضباب، فإن القديسون بدأوا يتوسلون إلى كلمة الله ليأتي إلينا ويسطع بنور خلاصه على كل تصورات البشر. وهكذا صرخوا قائلين: “أرسل نورك وحقك” (مز 3:42)، لذلك فإن النور الحقيقي أُرسِل إلينا وهو الذي “يضيء لكل إنسان يأتي إلى العالم” (يو 9:1). إنه كلمة الله الذي إتخذ شبهنا، وولد من القديسة العذراء ليخلص الجنس البشرى، ويعيد طبيعتنا إلى عدم الفساد، كما يقول بولس الرسول: طريقا كرسه لنا حديثا، ووحد السمائيين مع الأرضيين ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة (راجع عب 20:10، أف 2: 14-15، كو 14:2)، وكذلك فإن الملائكة اندهشوا وقالوا: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والمسرة في الناس” (لو 14:2). لأن مخلصنا عندما أرانا محبته وتألم على الصليب لأجلنا فإن رباطات الموت قد انحلت وكل دمعة مُسحت عن كل وجه كما يقول النبي: “وأحول نوحهم إلى طرب” (إر 13:31)، حتى يمكننا في فرح أن نقول: “حولت نوحي إلى رقص لي. حللت مسحي ومنطقتني فرحا” (مز 11:30). لأنه لأى سبب سنظل مكتئبين؟ أي سبب يجعلنا نبكى ثانية؟ على العكس من ذلك، فإن الذي حدث لأجل خلاصنا ألا يسبب لنا فرحًا في قلوبنا؟ لأنه أظهر طريق الخلاص ليس لنا فقط، بل أيضا كما يقول بطرس الرسول: “الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن إذ عصت قديما” (1 بط 3: 19-20). فإن محبته لم تكن لمجموعة معينة، بل تشمل كل الطبيعة البشرية. فمن خلال الأنبياء جاءت هذه الكلمات المناسبة: “أمطر على ضيعة واحدة والضيعة التي لم أمطر عليها جفت” (عا 7:4). هذه الكلمات تناسب المخلص الذي قال: “تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (مت 28:11). فعندما بشر للأرواح التي في الجحيم قال للمأسورين أخرجوا وللذين في الظلام اظهروا (راجع أش 9:49)، فقد نهض الهيكل الذي هو ذاته في اليوم الثالث، وفتح طريق جديد لطبيعتنا لنصعد للسماء، مقدما نفسه للآب كباكورة البشرية، ومعطيا إيانا نصيبًا في الروح القدس كعربون لنعمته للبشر الذين هم على الأرض.              

(9) فلنحتفل يا أحبائي بهذا الحدث الكبير، ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (راجع 1 كو 8:5)، مقدمين الكرامة لملكنا بكل شكر على البركات، وكذلك نرحب بالصوم بغيرة ملائمة إذ يتولد عنه كل صلاح، ولنتمسك بمحبة بعضنا لبعض عاكفين على ضيافة الغرباء بشوق عظيم، ومقدمين الرحمة للفقير، ذاكرين المقيدين كأننا مقيدون معهم وذاكرين المذلين كأننا مذلين أيضا معهم (راجع عب 3:13)، وباختصار، مكرمين كل الفضائل. وهكذا سنقدم صوما أفضل مبتدئين الأربعين المقدسة في الخامس من شهر برمهات وأسبوع الآلام الخلاصية في العاشر من شهر برمودة، وسوف ننهي الصوم في الخامس عشر من نفس الشهر في مساء السبت ونحتفل كالعادة في اليوم التالي فجر الأحد في السادس عشر من نفس شهر برمودة، وكحسب الناموس نضيف الأسابيع السبع للخماسين المقدسة التي تتبعها. وبهذا سوف نرث ملكوت السماوات مع القديسين بيسوع المسيح ربنا، الذي به ومعه المجد والسلطان مع الآب والروح القدس إلى ابد الآبدين آمين.      

 

الرسالة الفصحية الثانية ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الثانية ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الثانية ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الثانية ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

 

 مقدمة

أصدر المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة الرسالة الفصحية الأولى للقديس كيرلس الاسكندري في مايو 2004م من سلسلة النصوص الآبائية تحت رقم 78. هذه الرسالة كتبها القديس كيرلس عام 414م حيث إن احتفال الكنيسة في ذلك العام صادف يوم 26 من برمهات. وقد كتب القديس كيرلس الاسكندري 29 رسالة فصحية في السنوات 414-442م وذلك خلال فترة حبريته لكرسي مدينة الإسكندرية، خليفة للقديس مرقس الإنجيلي الشهيد والرسول.

وقد تكلم القديس كيرلس الإسكندري في رسالته الفصحية الأولى عن نياحة عمه وسلفه القديس ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية الثالث والعشرون في سلسلة باباوات الكرسي الإسكندري، ثم انتقل للحديث عن اختياره رئيسا لأساقفة الإسكندرية. تحدث بعد ذلك عن الاحتفال الحقيقي لعيد قيامة الرب الذي هو أعظم الأعياد، وعلى الإنسان أن يستعد للاحتفال به ليس فقط بالصوم الجسدي أي بالإمتاع عن الأطعمة، ولكن بالصوم الروحي من خلال الابتعاد عن ممارسة الخطية. كما أن الصوم يجب أن يرتبط بعمل الرحمة. وأخيرا يهاجم في رسالته اليهود الخائنين ويقدم تفسيرًا روحيًا لبعض الأحداث الكتابية حول البوقين اللذين ذكرا في سفر العدد الإصحاح الحادي عشر. ثم يختم الرسالة بالإعلان عن ميعاد بدء الصوم المقدس والاحتفال بالأسبوع الخلاصي لآلام ربنا يسوع المسيح ثم ميعاد الاحتفال بيوم قيامة الرب.

ويسر المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة أن يقدم الرسالة الفصحية الثانية للقديس كيرلس السكندري والتي كتبت عام 415م، وفيها يحث على حياة التقوى ويحذر من تقليد ذلك العبد الكسول والشرير. كذلك يتحدث عن الاستعداد الحقيقي للاحتفال بالقيامة موضحا بالتفسير الروحي أحداثا كثيرة من العهد القديم. ثم أعلن عن زمن الصوم المقدس الذي يبدأ في الخامس من شهر برمهات، ويعقبه الاحتفال بأسبوع الآلام في العاشر من شهر برمودة، وينتهي الصوم في مساء السبت الخمس عشر من برمودة وفي يوم الأحد التالي يحتفل بقيامة الرب يسوع المسيح في السادس عشر من نفس الشهر.

وقد ترجمت هذه الرسالة عن النص اليوناني الذي نشر في مجموعة الآباء الذين كتبوا باليونانية Migne “Patrologia Greaca” المجلد رقم 77 الأعمدة من 427-452.

نسأل إلهنا الصالح أن يجعل كلمات هذه الرسالة عونا لنا في جهادنا الروحي ونحن نقترب من نهاية الصوم المقدس حاملين ثماره المقدسة لنقدمها للقائم من بين الأموات لنستحق أن نفرح بسماع الصوت الإلهي “تعالوا إلى يا مباركي أبى رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم”.

شفاعة أمنا البتول العذراء مريم ــ ونحن نحتفل هذا العام بالتذكار الأربعين لتجليها المبارك فوق قباب الكنيسة التي على اسمها بضاحية الزيتون بالقاهرة ــ تشملنا وتؤازرنا، وصلوات القديس مرقس الرسول والقديس البابا كيرلس السكندري عمود الدين. وصلوات قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث، ولإلهنا القدوس الغالب الآب والابن والروح القدس كل مجد وتسبيح وسجود الآن وإلى الأبد. آمين.

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

الرسالة الفصحية الثانية لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة الاسكندرية

(1) “افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضا افرحوا” (في 4:4). إني في شوق لأن أبدأ رسالتي من هذه النقطة، وهذا ملائم للمناسبة المبهجة التي نعلن عنها. فكيف يمكن أن يوجد استهلال ملائم أكثر من الشيء الوحيد الذي وجدته عندما يكون هدفي الإعلان بابتهاج عن أعمال المخلص؟ لذلك فإن رسالتي سوف تبدأ مباشرة من هذه النقطة، وسوف أتجنب تماما أي أمور أخرى تشغل الانتباه عن هدفي الحقيقي وذلك بترك استطرادات عشوائية بدون التحدث في قصد الرسالة بأن تقدم في الوقت المناسب ما يصلح لمساعدة السامعين لفهمها، فالوحى الإلهي يعلن أن “هناك وقت لكل شيء” (جا 3:1). فاللحظة الحاضرة هي الأفضل بالنسبة لكل المناسبات لممارسة الوعظ. فالآن يكمل عيدنا الاحتفال دورته السنوية ويكون على أعتاب أبوابنا، ولم يعبر أعتابنا ولكنه يصنع منزلا في نفوسنا كلنا. لذلك كما يبدو لي أنه كان غريبا جدا أن اليهود المتفاخرين بالشريعة كظل وكشكل خارجي، يعلنون احتفالاتهم بالنفخ بالبوق، ولكن نحن الذين نكرم الاحتفال بالعيد بطرق أفضل منهم واتفقنا بإجماع صحيح ودقيق بضرورة الانتقال للحقيقة تاركين الرموز والظلال، فإننا سنحتفل بهذه المناسبة بغيرة شديدة أكثر منهم عندما يقول الواحد منا للآخر بأن يظل هادئا ويجلس في صمت تام ليحتفل بالعيد بدون ضجيج، رغم أن الله يقول: “إنفخوا بالبوق في رأس الشهر في اليوم المجيد لعيدنا” (مز 4:81)، لتأتى الرسالة في وسطنا لتعلن عن اليوم المجيد للعيد. لذلك فإذا ظللنا صامتين عن كل الامتيازات التي أتت للجنس البشرى من خلال محبة المخلص لنا، فإن “الحجارة سوف تصرخ” (لو 40:19) كما يقول المخلص بنفسه.

(2) حينما أدرس بدقة كل حدث تاريخي، يظهر أمامي حشد من الحقائق التي تسبب تأنيبًا عادلاً للذي سوف يختار الصمت في الحديث عنها. لأنه إذا كنا نهتم بالتمسك بالآراء الصحيحة والعادلة فسوف نعتبرها أفضل مهمة لتقديم الشكر لله لأجل إحساناته علينا، وعندما يهمل هذا بواسطتنا، ألا نشن حربا برغبتنا لو قاومنا فعل الأشياء التي ستبرئنا في توبيخ الآخرين لإهمالهم؟ لذلك فلنقدم للمخلص علامات اعترافنا له بالجميل. ولكن ربما نقول إننا لا نستطيع أن نجد الكلمات المناسبة التي توفيه حقه على إنجازاته، على الرغم من أن الكل سيوافق، كما أعتقد، على أن التخلي عن الانتصار بالأحرى الذي لا يجذب أي اقتراب للضعف، لكن يجعلك تتمسك بالحكمة. فماذا يمكن أن يكون أكثر عظمة من أعمال المخلص؟ هل كل الكلمات لن تتجاوز الأمور الإلهية؟ لأن الكتاب المقدس يقول: “مجد الله يخفي الحديث” (أم 2:25س). في الواقع، فإن موسى المبارك، بالرغم من أنه كان ذو فضائل عظمى حيث سمع صوت الله له قائلا: ” أعرفك فوق الرجال، وأنت وجدت نعمة معي” (خر 17:33س)، إلا أنه لم يكن في خجل أن يقول إنه متلعثم وبطيء الكلام وغير مناسب تماما لمهمة الوعظ. فإذا كان موسى لم يتعرض لأي توبيخ عندما قال ذلك ــ والمعروف بأنه نبي فاضل يستحق المديح ــ هل لن نسلّم بأن أعمال المخلص التي تتجاوز الناموس، يمكن أن تلغى كل التعبيرات القوية عنها؟ وأيضا سوف نضيف أننا لم نكن بارعين في التعبيرات المنمقة ولم نستخدم اللهجة الأتيكية. آخرون ربما يهتمون بذلك ولهم قدرة بارعة في الكلام، ولكن رسالتنا يا أحبائي هي وجيزة والكتابة فيها ضرورية، “فويل لي إن كنت لا أبشر. فإنه إن كنت أفعل هذا طوعا فلي أجر، ولكن إن كان كرها فقد إستؤمنت على وكالة” (1 كو 9: 16-17). لهذا السبب أعتقد أن كلماتي الوجيزة لن يهاجمها أحد. ومهما يكن فإن نعمة الله هي التي توحى لي بالأفكار، لذلك سأضع خطة مناسبة لمنفعتكم.

(3) عندما يقول موسى: “إحفظ شهر الحصاد الجديد واصنع فصح الرب إلهك” (تث 1:16)، فكيف لا نكون مضطرين الآن لأن نعلن زمن هذا العيد الذي هو وشيك الوقوع، لأن قسوة الشتاء قد مضت، والطقس الرديء والعتامة قد انقضت، والمطر وهبوب الرياح العاصفة لن تهاجمنا بعد، ويعود فصل الربيع بالأثمار الجديدة، ويتحرر الزارع من التراخي والخوف، والكل يقول للزارعين إنه وقت الذهاب إلى الحقل، لأن الأراضي الخضراء تنتج ثمار وفيرة، والنباتات في القفر والحدائق تكون نشطة ومحملة ببراعم جديدة تتدفق بقوة وحيوية بطبيعتها كما لو أنها تولد من الرحم، السهول خضراء تذكرنا بمحبة الله للبشر، لأنه لهذا السبب يقول: “المنبت عشبا للبهائم وخضرة لخدمة الإنسان” (مز 14:104). إننا لم نقتبس هذه الكلمات ببساطة، ولا نظن أننا اقتبسناها بدون سبب، ولكن لنظهر فائدة الوصية. فالشريعة لم تأمرنا بحفظ شهر الحصاد بلا سبب، ولكنها في الحقيقة أوجبت على الطبيعة البشرية أن تنافس نشاط حبوب الحقول، هكذا يقال، لترى أنها مزهرة في نمو جديد للدين الحقيقي. فلنحوّل إذن لأنفسنا معنى كل هذه الأحداث، كي تعطى منفعة لنفوسنا، فاحصين بعناية لكي يكون حديثنا متصلاً بالموضوع المسمى شهر الحصاد الجديد بأنه يرمز لزمن مجيء مخلصنا يسوع المسيح.

فالشيطان الآن، الذي هو مصدر كل أذى، والذي ينقضّ على نفوس الجنس البشرى مثل فصل الشتاء ويهطل علينا رغبات معاكسة مثل وابل المطر الثقيل، قد هلك. وقوة الأرواح الشريرة قد أُقصيتْ، وسحابة الخطية الكريهة قد تبددت بفعل النعمة. ومثلما ينتشر علينا ضوء الفجر، فقد أعطيت لنا الثمار الأولى للروح، وتهب على أنفسنا كلنا كالريح الغربي الذي يهب على أي زهرة، مثلما يقول بولس الرسول: “لأننا رائحة المسيح الذكية لله” (2كو 15:2). لقد تحررنا من الطباع القديمة في حياتنا الماضية مثل سقوط ورق النبات، وتجددت حياتنا في طريق آخر من الحياة حيث تزهر من جديد وتنبت ثانية. وفي هذا قال القديس بولس الرسول: “إذن إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدا” (2 كو 17:5). فإذا أراد أحد أن يرى من الكتب المقدسة أيضا أن كلماتي لم تبعد عن الحقيقة، فليستمع إلى قول العريس للعروس عن الشهر الحقيقي الجديد قائلا: ” قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالى، لأن الشتاء قد مضى والمطر مر وزال، الزهور ظهرت في الأرض، بلغ أوان القضب” (نش10:2ـ12). لأنه مثلما تقطع الفأس الفروع غير النافعة للكرمة، لكنها تسمح ببقاء التي تبدو أنها ضرورية لحمل الثمار لتبقى علي الكرمة، هكذا ربنا بحكمته المطلقة يفحص فكر كل إنسان، وربما يقول أحد، إنه يبعد تلك الأعضاء التي بدون فائدة للنمو في الدين الحقيقي مع تلك الأعضاء التي ذبلت، هكذا يقال، ولكنه يسمح بحفظ وبقاء الفكر العاقل ليثمر. هكذا في حديثنا عن الخلاص فإننا ننبذ آلام الجسد ونحمل نعمة الروح الخالصة لتسكن فينا، ونتغير لنعيش حياة أفضل متذكرين كلمات بولس الرسول: “إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضا للخطية لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية. فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضا معه” (رو 6-8:6). لأننا سوف نحيا معه بصدق ونقاء لو رفضنا الرغبات الدنسة التي تأتى من الجسد، وكما يقول أحد القديسين: “مبغضين حتى الثوب الدنس من الجسد” (يهوذا 23)، مادام هناك طهارة وضبط للنفس مقدمة لله، وحياة الفضيلة كذبيحة للمسيح الذي مات عنا. وهكذا يقول المرنم: “يا جميع الذين حوله. ليقدموا هدية للمهوب” (مز 11:76). ولكن ما هي طبيعة عطيتنا لله، وبأي طريقة ستُقدَم وكيف ستُقبَل، يلزم إذن أن نبحث ونتعلم ذلك من الكتاب المقدس.

(4) لأنه ماذا يقول الكتاب؟ “وإذا قرب أحد قربان تقدمة للرب يكون من دقيق. ويسكب عليها زيتا ويجعل عليها لبانا” (لا 1:2). فحبيبات القمح عُجِنَت إلى خبزة واحدة إشارة إلى الحشد المتنوع من الفضائل التي تشكل وحدة العبادة التي نقدمها لله كذبيحة وكتقدمة. كما أنه يأمر بسكب الزيت عليها الذي هو رمز السرور، لأنه لا يليق أن يأسف الإنسان البار على المجهود الذي صنعه ليبلغ إلى التقوى، ولكن يلزمه أن يحارب الخطية على أمل أن يفرح. أما اللبان المرشوش فهو يرمز إلى الرائحة العطرية للأعمال الصالحة، لأنه إذا رغب أحد أن يقتنى زينة الطهارة فيجب عليه أن يعيش بعيدًا عن كل دنس ويحيد عن كل لذة رديئة، وهكذا يكون جديرا بالثناء وبالتالي تُقبَل تقدمته.

لنرَ طبيعة المعاني العميقة لهذه الكلمات مستخدمين الأمثلة البشرية التي تجعلنا نرى فكرة الحقيقة الإلهية. فإذا اتفق أن أحد ما قرر أن يقدم هدية لأحد مشاهير عالمنا، فهل يقدر أن يقترب منه بجسد مغطى بالقذارة؟ ألا يكون هذا الفعل هو وقاحة وسفاهة؟ ألا يستحق هذا الإنسان كل أنواع اللوم؟ حسنا، فإذا سمحنا لأنفسنا بأن نفعل ما هو أفضل وبدون أى خطأ للذين هم بشر مثلنا ويكون ملائمًا لمكانتهم الشهيرة في هذا العالم، ألا يشعر الذي يقترب إلى الله بدون أن يغتسل من دنس الخطية بعدم اللياقة والابتذال، مع أن الشريعة تقول بوضوح: “كل التقدمات التي تقربونها للرب لا تصطنع خميرًا. لأن كل خمير وكل عسل لا توقدوا منهما وقودا للرب. قربان أوائل تقربونهما للرب. لكن على المذبح لا يصعدان لرائحة سرور. وكل قربان من تقادمك بالملح تملحه ولا تخل تقدمتك من ملح عهد إلهك. على جميع قرابينك تقرب ملحا” (لا 2 :11-13). والذي يشار إليه بالخمير، يُفهَم من كلمات بولس الرسول عندما يقول: “إذا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينا جديدا كما أنتم فطير” (1 كو 7:5). لأنه كيف ستقدم الشرور العتيقة كرائحة سرور للرب الذي يطالبنا بحياة جديدة وبدون رياء. الشريعة تأمر برفض تقديم العسل لأنه يشير إلى الفرح. فبينما فعلها يظهر أنه حلو، فإن الفرح الذي سنجتنيه من كل خطايانا، ستكون نتيجته مرارة أكثر من العلقم. فلو تمسكنا بشرف لإرضاء الله، فلا يجب أن نواصل حياة الخزى والشهوة، ولا نفرح بلا مبالاة بالطريق الرديء، ولكن على العكس من ذلك يجب أن نجتهد لإقامة وزن لواضع الناموس. لذلك تأمر الشريعة بأن الذبائح يجب أن تملح بملح، وفي هذا نرى رمز المنطق والحكمة. لأنه كما أعتقد، أن القصد من ذلك هو أن الذين يقدمون حياتهم ذبيحة لله يجب أن ينضجوا في مخافة الله، كما بملح، خشية أن تتبدد وتتلاشى بعيدا في شهوات ضعيفة وتغوى إلى وضع أسوأ. ألا نعتبر كل المديح الذي نادى به بولس الرسول “ليكن كلامكم كل حين بنعمة مصلحا بملح” (كو 6:4) أنه هام؟ ولكنني أعتقد أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يظهر إن لم تكن حالتنا الذهنية جيدة. “فإنه من فضلة القلب يتكلم اللسان” (لو 45:6). إذن ليكن عقل الإنسان التقى مملحا، ورافضا الخطية كالنفاية، ولا ينمو بنعومة متقلبا ومنغمسا في لذات غريبة. لذلك يقول بولس الرسول: “كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين” (1 كو 58:15). ففي قوله “كونوا راسخين” فهو يبتعد عن كل مديح للذين ليس لهم بعد عقل ثابت وراسخ، كما أن سيدنا كلنا يتهمهم بنفسه في كلماته على فم أنبيائه: “هكذا أحبوا أن يجولوا. لم يمنعوا أرجلهم فالرب لم يقبلهم” (إر 10:14). إن “الأرجل” هنا تعنى الانتقال من مكان لآخر واضطراب العقل من جانب لآخر للأشياء الباطلة، أعنى المطالبة بالموافقة على الإعجاب لطرقهم. هذا يعنى أن الأرجل تكون راسخة كما هي متمسكة دائما بالثبات ومتجنبة الطريق الذي يؤدي للشر. لذلك فإن المرنم المبارك يقول عن ذلك الإنسان: “ثبت أرجلي على الصخر” (مز 2:40)، الذي يعنى تبعا لذلك الرسوخ المألوف وغير قابل للتغيير. والرسول بولس ينصحنا بأن يكثر الإنسان في عمل الرب (راجع 1 كو 58:15) بقدر ما يكون ممكنا لطبيعته، ويلازم الحب الإلهي بأعماله الصالحة. لأني أعتقد أن العقل الثابت لا يتمرد على الشرائع الإلهية في لحظة ثم يتمسك بها بثبات ثانية مثلما ينهض من نوم. مثل هؤلاء الناس، كما يبدو لي، هو مثل الانطباع بالصدمة للذين يسقطون من سفن البضائع في وسط أمواج المحيط، فإنه يمكنهم أن يتحرروا من الخوف بتجنب الطياشة، وعندما يجدوا أن الخطر محيط بهم حينئذ يرون بصعوبة ما هو لفائدتهم ويسعون نحو الأمان الذي فقدوه عن طريق العودة للسباحة إلى السفينة. فمن الأفضل عدم انتظارا الخطر حتى يحدث بل الاحتراس منه قبل أن يحدث، وبالتالي يكونون قد خططوا بأكثر وعى. فإذا وجد أحد أنه يكون طياشة تامة للإنسان الذي يقلد هؤلاء، فهل لا يكون صحيحا إظهار حماس صادق للتمسك باستقرار بالشرائع الإلهية وتقديم حياة بلا عيب مثل ذبيحة مستمرة؟ اسمع ماذا تقول لنا الشريعة الإلهية في هذا: “وكلم الرب موسى قائلا أوص هارون وبنيه قائلا. هذه شريعة المحرقة. هي المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح ونار المذبح تتقد عليه” (لا 6: 8-9). كيف يا أحبائي يمكنني أن أكون صغيرا وضعيفا، هل أستطيع أن أشرح على نحو كاف ماذا يعنى هذا الأمر؟ أى كلام يستطيع أن يعطينا قوة المعنى الدقيق؟ ولكن كما هو مكتوب: “افتح فمك وسوف أملأه ” (مز 11:81). حسنا، فلنتشجع ونتمسك بنعمة مخلصنا التي ستوضح هذه الكلمات.   

 

الرسالة الفصحية الثانية ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

 

الرسالة الفصحية الأولى لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

الفقرة الثالثة:

          ليأتِ إذن تلميذ المسيح فى وسطنا ويعلّمنا طريق الصوم، حيث نسمعه يقول: ” الصوم النقى والطاهر أمام الله هو هذا: زيارة الأرامل وافتقادهم فى ضيقهم، وحفظ نفسه بلا دنس من العالم” (يع27:1). إنه من السهل اكتشاف كيف وبأى طريقة ندرك الذى قيل بالتمام. من جهتى، أعتقد أن الفهم الجيد يجد أن ناموس الطبيعة وافٍ، وهو يعلّمنا أن نبغض كل ما يظهر متعارضًا مع الوصايا الإلهية وأن نخضع لإرادة معطى الناموس حتى يسود فينا. فلو شعر أحد ما بالاحتياج إلى تعاليم أوضح، فلندعه يستمع إلى الرسول بولس حينما يقول: ” أميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا، النجاسة، الشهوة الردية، الطمع” (كو5:3). لأننا لن نجد بالتأكيد الفائدة الحقيقية للصوم بالتقشف المجرد عن الأكل ورفض الطعام وأى شئ آخر مثل ذلك، ولن نكون أنقياء بالتمام ومقدسين بالابتعاد عن هذه الأشياء وحدها، ولكن بطرد الشرور من عقولنا والتى لأجلها وُضِعَ دواء الصوم. لذلك فلنطِع القديس يعقوب عندما يقول: ” نقوا أياديكم أيها الخطاة، وطهروا قلوبكم يا ذوى الرأيين” (يع8:4). هذا هو الطريق الحقيقى للصوم، لأنه بهذه المفاهيم تظهر الأعمال الأفضل. فلا تغذى العقل باللذة الفاسقة، وذلك لكى تبطل عنك شوكة الزنا؛ ليكن عقلك حرًا من الشهوات؛ اهرب من شركة الأشرار. بهذه الأمور ستظهر ذاتك أمام الله، و(هذه الأمور) ستكسبك إكليل الصلاح.

          بلا شك إنه يكون حسنًا الامتناع عن الأكل المفرط والابتعاد عن المائدة المسرفة، لكى لا نثير الخطية بإنغماسنا فى أكل مفرط وزائد عن احتياجاتنا. لأنه إذا سَمُنَ الجسد بالتساهل فى هذه الأمور، فإنه يكون جامحًا ويصير عدوًا للرغبات الروحية. وعندما يصير (الجسد) ضعيفًا ولا يزداد قوة بواسطة الإفراط (فى الأكل)، فإنه يُعطى الانتصار (للروح). وهذا هو ما يعلّمنا إياه الطوباوى بولس، إذ يقول: “ إن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (2كو 16:4). فحيث إن كل من الآراء المتعارضة والصفات المتنافرة تعوق الصداقة، لكن القوة الأعظم تجعل من المحتمل أن يتغلب طرف على الآخر. وأعتقد أن الكل سيتفق على أن الانتصار ينحاز للناحية الأفضل. أما بالنسبة للفائدة  التى سوف نحصل عليها من هذا الانتصار فإنها ستكون عظيمة مثل الخسارة التى سنعانيها إذا هُزِمَ الأفضل.

 

الفقرة الرابعة:

          لذلك فلنجعل الشر يخمد فينا ويتعطل، وليرحل عنا كل تنعم فى المأكل، ولندع الصوم المقرون بالزهد يدخل فينا، الذى هو عدو كل خطية. إننى أعتقد أيها الأحباء، أنه يجب علىَّ أن أظهر لكم جمال الصوم من الأمثلة القديمة بالرغم من أنكم تعرفونها.

          أخبرونى، لماذا ظهر المعمدان الطوباوى أنه رجل عظيم ومشهور؟ ولماذا فاز بالحكم الممتاز، عندما قال عنه مخلصنا الصالح: ” لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11؛ لو28:7)؟ كيف أعد الله موسى معلّم الأقداس ليدخل فى السحاب ويظهر أمام الله؟

          أليس هو الصوم الذى يُوّلد فينا صورة كل فضيلة، الصوم الذى هو عبارة عن مشابهة الحياة الملائكية، ومصدر الاعتدال، وأساس ضبط النفس، ومحطم الشهوة؟

          بواسطة الصوم فإن الثلاث فتية وجدوا أمام أعين البابليين مخيفين ولا يُقهرون، فبالرغم من أنه سُمح لهم ليشاركوا المائدة الملكية الفخمة، ودُعوا ليتسمنوا من ثمار الأرض (راجع دانيال12:1)، لكنهم تركوا البدانة وشهوة الجسد للبابليين، ومُنحوا الانتصار حيث كانت لهم هناك تمجيدات لا تُقهر، وأحبوا كمية ضئيلة من طعام بسيط.

          أتوسل إليكم، لاحظوا ثمر هذا، لقد كانوا يفكرون فى الرؤى الإلهية. وقد شاهدوهم فوجدوهم أقوى من النار، واحتقروا تهديدات الملك؛ لقد قهروا الأسود محوّلين إياها إلى طبيعة أليفة (راجع دانيال17:6ـ25). لماذا ظل أهل نينوى مصونين من التهديد العظيم؟ عندما أعلن النبى: ” أن نينوى ستنقلب” (يون4:3)، لأنهم تمسكوا بحصن الصوم المنيع وهدأّوا الغضب الإلهى ومنعوا الكارثة المتوقعة. يمكننا أن نذكر فوائد أخرى كثيرة للصوم، لكن فى رأىِّ أنه يكون من غير المفيد البحث فى إظهار عدد من الأمثلة لمعرفة فائدته، وهى واضحة ومعروفة للكل.

          وحيث إن مقارنة المتضادات تكشف لنا فى الواقع صورًا كثيرة لجمال (الصوم)، لذلك دعنا نظهر الأخطار التى تنجم عن الإسراف فى الطعام وندعو أولئك الذين تألموا كشهود لكلامى. عندما كان العبرانيون مخيمين فى البرية ودُعى موسى إلى جبل سيناء لاستلام الشريعة من الله، حدث أن الناس بحماقتهم استغيبوا معلّمهم، واستهانوا بتهذيبهم السابق وتحولوا إلى الشهوات الغريبة، حيث قيل: ” وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” (خر6:32). كلمة “اللعب” هنا هى عبارة عن تورية فى الكتاب المقدس لكلمة “الزنا”، والتى أُشير إليها بمعنى خفى تحت تعبير اللهو (التسلية).

          واسمع ما يقوله بولس عن الشر الذى ينجم عن ذلك بالنسبة للزناة: ” ولا نزنى كما زنى أناس منهم فأهلكتهم الحيات” (1كو 8:10و9)، كذلك أى تعاسة عانوها عندما ازدروا بالطعام السماوى، أى المّن، وتذكروا الطعام فى مصر قائلين: ” ليتنا متنا بيد الرب فى أرض مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزنا للشبع” (خر3:16). لذلك، على ما أعتقد، قد أشير إليكم بوضوح عن فائدة الصوم من خلال هذه الأمثلة. لكن ربما يقول أحد ما: “أنا أعلم أن الصوم لا يكون بدون فائدة، ولكن ممارسته لا تكون بدون ألم، إنه فى الواقع يتعارض مع طبيعتنا”. ألاّ يكون إذن شيئًا مخزيًا وفى قمة السخف أننا نتشوق للأفضل ونضع قيمة عالية لاقتناء ما هو لفائدتنا، وحينما نأتى لمعرفة كيفية تهيئة هذه الفائدة وابتداء استخدامها، تظهر بعض درجات التهاون والقول إن الصوم لا يكون بدون فائدة، لكى نتجنب الألم (المصاحب للصوم) والذى به سنحصل على الفائدة! فهو (الصوم) مثل النباتات التى تنمو من التربة ولها جذور بدون أن يكون لها فرصة للظهور فى الحياة، هكذا أيضًا فإن بداية الفرح (εὐθυμια) توجد من خلال الآلام، وبالآلام يثمر ويُظهر. لذلك علينا أن نختار واحدًا من اثنين. فعندما نقرر أن نكون معارضين لعمل أى مجهود، فلن نملك أى نصيب أو شرف فى كل الاسم الصالح، ونكون تمامًا مثل أناس مائتين، وليس لنا اهتمام بخلاصنا؛ أما إذا أحببنا ألم الصوم، فسوف نظفر بحق بتلك المكافآت التى ستضيع علينا بعدم الصوم. إنه من الواضح، إذا أردنا أن نكون حكماء فإننا سوف نختار الرأى الممتاز فى صالحنا ونفضل الطريق الأفضل عن ذلك الذى لا يفيد. ولكن إذا تحاشينا الأعمال العظيمة بسبب الآلام الضئيلة، فسيكون هناك ضرر بالنسبة للذين يتحاشون الآلام، بل تجعل أولئك الذين اختاروا أن يفعلوا الأعمال العظيمة آمنين من كل ضرر أو خطر. فلو تحاشينا الالام الصغيرة ووقعنا مجبرين فى إحدى الأخطار الأعظم، فهل لا يتبع ذلك أن نفضل اختيار الطريق الذى فيه آلام وأخطار أقل؟.

          إننى أود الاستماع لأولئك الذين يميلون للقول إن الصوم أو الدينونة الأبدية، هى أمور ذميمة، أعتقد أنهم ربما يسلّمون على مضض بأن الشرير سوف يُسلّم للعقاب، لذلك بما أن الضرورة تجلب لنا كل فهم، فلماذا لا نتخذ القرار الأصوب لأنفسنا بإدراك الطريق الأفضل؟ لأنه يجب أن نهرب من الشر ولو باحتمال الألم، أما إذا رفضنا أن نفعل هكذا فإننا سنكون مدانين لعدم إخماد النار.

          إن أولئك الذين يرقدون مرضى تكون نعمة الصحة أكثر وضوحًا بالنسبة لهم. وأولئك الذين أُخمدوا بالهزال وعوز ضروريات الحياة يكونون أكثر لهفة للحصول على المكسب المادى. والذين هم مضطرون للبحث عن متعة لا يملكونها، يرغبون أن تزداد عندهم الأشياء المبهجة بدلاً من عوزهم.

          أيضًا فإن الله، الفنان الأعظم، أعد الكون ورتب للشمس أن تظهر بعد الليل والليل بعد الشمس حتى أنه بواسطة تعاقبهما يكون وجودهما لازمًا ومرحبًا بهما (عند البشر).

          لذلك نجد أن الصوم لا يكون بدون فائدة لدرجة أنه يجب أن يتملككم سرور عذب عندما يُعلن عن بداية الصوم.

 

الفقرة الخامسة:

          لذلك علينا أن نحب الصوم باعتباره مصدر كل صلاح وبهجة. اليونانيون الذين هم حكماء فى أعين أنفسهم، يحتقرونه؛ لكن اليهود الذين يفوقون كل البشر فى استحداث البدع، لا ينكرون أنهم يعرفونه، ولكنهم يمارسونه بخزى حتى أنه يكون من الأفضل لهم ألاّ يمارسوه. وكما يقال عنهم إنهم مملؤون من كل خبث وفيهم كل أثقال الدنس، فإنهم يتباهون فقط بالصوم اسميًا، ويتباهون بصنع الفضيلة. لأنه ماذا يمكن أن يُقال عن ذلك الفريسى الجاهل والأحمق، والذى وصفه المسيح ربنا فى الأناجيل وهو يصلى فى الهيكل ويصيح:        ” اللهم أنا اشكرك إنى لست مثل باقى الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار. أصوم مرتين فى ألأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه” (لو11:18ـ12). ماذا تقول أيها الفريسى الغبى بافتخارك بالصوم؟ ألاّ ترى الكبرياء الذى تعانيه بالحديث المتحذلق عن هذه الأشياء المبتذلة؟ ألاّ ترى الغرور فى افتخارك؟ هل لن تتوقف عن تصفية البعوضة وابتلاع الجمل (راجع مت24:23)، كما يقول مخلصنا؟ إنك تقول عن نفسك إنك تعلمت الناموس، ولكنك تجهل بالكامل كل ما كُتب: ” ليمدحك جارك لا فمك. الغريب لا شفتاك” (أم2:27). ” الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المرأوون لأنكم تشبهون قبورًا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهى من داخل مملوءة عظام أموات ونجاسة” (مت27:23). بالنسبة لليهود فقد امتلأ تفكيرهم بكل نوع من النجاسة ولا يوجد شئ قبيح لم يُكَرِّموه. وكما أنهم لا يريدون معرفة الناموس الإلهى، فقد لفظوا الوصية المعطاة لهم، واستمروا فى التمرد والعصيان. لهذا اتهمهم الله بالنبى صارخًا: ” من أكلمهم وأنذرهم فيسمعوا. ها إن أذنهم غلفاء فلا يقدرون أن يصغوا. ها إن كلمة الرب صارت لهم عارًا، لا يُسرون بها” (إر10:6). فأولئك الذين اعتادوا على الإثم، تكون النصيحة لممارسة الصلاح هى عبارة عن ثقل بالنسبة لهم، ولأولئك الذين يريدون أن يحيوا باستهتار فإن الاعتدال بالنسبة لهم ليس له جاذبية. فمثلما يغرق عقل السكارى من شرب الخمر، فى عدم الإحساس، ويكونون تبعًا لذلك عاجزين عن التفكير الصحيح؛ كذلك بنفس الشكل فإن الذين هُزموا بحب اللذة وسقطوا فى الخطية كما فى مستنقع عميق، وسيجوا العقل الرشيد بالشهوات غير الطاهرة، واقتنوا الشر لأنفسهم، واستغرقوا فيه بالتمام واستُعبدوا له، فإنهم يكونون قد تقيدوا بهذا المرض.

 

الفقرة السادسة:

          اليهود ألأكثر طياشة فى كل الجنس البشرى، الذين بسبب آثامهم تفوقوا على آبائهم فى عدم التقوى، اعتقدوا فى فعل ما هو مضحك ومخزى، لو أنهم كانوا قد نالوا الانتصار على اقتراف الإثم. فقد افترضوا أنهم سيُظهرون حالة أفضل من أسلافهم، ولكنهم تورطوا فى نفس الآثام وبدرجة أسوأ. وهذا قد تسبب فى سخط الله، سيد الكل ونقمته، إذ قال: ” فمن اليوم الذى خرج فيه آباؤكم من أرض مصر إلى هذا اليوم أرسلت إليكم كل عبيدى الأنبياء مبكرًا كل يوم ومُرسلاً. فلم يسمعوا لى ولم يميلوا أذنهم بل صَلَّبوا رقابهم. أساءوا أكثر من آبائهم” (إر25:7ـ26). أنتم يا من أظهرتم بتجاديفكم أنكم أبناء الذين أنجبوكم، وشابهتموهم فى الأفكار، وبذلك أكدتم أنكم أولادهم. أنتم يا من تفوقتم على الذين أنجبوكم، فى عدم التقوى، بتعديكم من جديد على الناموس، ومتهمين إياهم (أى أسلافهم) بالضعف، أنتم الذين وُهِبَ لكم وحدكم الانتصار فى الحروب حيث كان من الأفضل أن تعانوا الهزيمة. أنتم يا من انتزعتم نصرًا أكثر حزنًا، حيث لا يُدخل السرور.

          فالله حاكم الكل (ضابط الكل) يدينك عندما يقول: ” صَلَّبوا رقابهم” (إر26:7). علاوة على ذلك فإنه يدعو النبى ليندب عليهم قائلاً: “جزى شعرك واطرحيه وارفعى على الهضاب مرثاة لأن الرب قد رفض ورذل جبل رجزه. لأن بنى يهوذا قد عملوا الشر فى عينى يقول الرب” (إر29:7ـ30). بعد ذلك يشرح طريق جحودهم فيقول: ” وضعوا مكرهاتهم فى البيت الذى دُعى باسمى لينجسوه. وبنوا مرتفعات توفة…” (إر30:7ـ31). لقد وصلوا إلى درجة من التجاهل ورفضوا المحسن (إليهم) نفسه ورأوا أن عبادة الأوثان أكثر نفعًا؛ وهكذا اخترعوا أسماء لآلهتهم وقدموا لها الضحايا. آخرون (منهم) كرسوا أفكارهم للشهوات الجامحة معتمدين على جهادهم الخاص واستولوا على البساتين الأكثر ترفًا فى الجبال مقدمين ذبائحهم للشياطين، وكما أتصور أنهم ناجوا الحوريات بحسب الشعراء اليونانيين، “حورية الغابات” (Ἀμαδρύαδα) و”حورية الجبال” (Ὀρείαδα). وفى إدمانهم لشهواتهم القبيحة فقد تباهوا بهذه ألأشياء التى سوف تتلاشى، والتى سببت لمعطى الناموس حزنًا ليس بقليل. لذلك يقول إرميا النبى: ” هل رأيت ما فعلت العاصية إسرائيل، انطلقت إلى كل جبل عال، وإلى كل شجرة خضراء وزنت هناك. فقلت بعدما فعلت كل هذه ارجعى إلىَّ فلم ترجع” (إر6:3ـ7). بالنسبة لأولئك الذين لا يُسرّون بالخلاص، فإنهم يكرهون الطرق النافعة ولا يستطيعون الهروب من وقت الفرح إلاّ برفضه كلية؛ وحيث إنهم لا يملكون معرفة السرور المتعقل، لذلك يسعون دائمًا إلى الأسوأ . إن موقف اليهود المتصلب والمعاند يشهد على الأقوال، حيث إنهم لم يكونوا متيقظين لكى لا يتورطوا فى الآثام، واحتقروا إحسان الرب. لأنه عندما كان يمكنهم الندم ويكونون محفوظين، فإنهم يزدرون بكل ما هو صالح لهم ولا يُقدِّرون عظمة محبة الله للبشر؛ لذلك سوف لا يُحفظون ولا يستحقون أى رحمة.

          وهكذا هم يتجاوزون حدود كل غطرسة، فعندما كانت لهم فرصة الهروب من العقاب بالتخلى عن الخطية، جلبوا العقاب على أنفسهم مضيفين بذلك خطايا جسيمة لتلك التى اُقترفت؟ فالناس الذين يميلون لذلك سيُعاقبون أكثر بدلاً من أن يتحرروا من نتائج الشرور. لذلك ستمتنع الرحمة عن هؤلاء الأشخاص.

          هذا القول ليس منى، ولكن رب كل البشرية هو الذى تكلم بهذا عندما صرف النبى الذى كان يصلى متشفعًا لهم قائلاً: ” وأنت فلا تُصل لأجل هذا الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاء ولا صلوة ولا تلح على لأنى لا أسمعك. أما ترى ماذا يعملون فى مدن يهوذا وفى شوارع أورشليم؟ الأبناء يلتقطون حطبًا والآباء يوقدون النار والنساء يعجن العجين ليصنعن كعكًا لملكة السموات ولسكب سكائب لآلهة أخرى لكى يغيظونى” (إر16:7ـ18). الأبناء يجمعون حطبًا والآباء يوقدون النار والنساء يعجن لدرجة أن لا شئ سيكون بريئًا من الخطية. إنهم يعملون بجهد لأجل خطاياهم وسوف يسمعون بعدل:     ” لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تكهن لى. ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضًا بنيك” (هو6:4). إن طريقة العقاب تتلائم دائمًا مع جسامة الخطايا، لذلك يجب على المذنبين أن يتحملوا عقابًا مساويًا لخطاياهم. فأى معاناة أعظم وأقسى يمكن أن توجه لأولئك الذين سقطوا فى الخطية، من أن يمنعوا من خدمة (الكهنوت) المقدسة ويفقدوا الحق فى التمتع بامتياز ذكر الله لهم، الذى من خلاله كانت لهم حياة كريمة ولم يشعروا بأى عوز أو احتياج بل كانت لهم كل بهجة. هذا حدث لشعب إسرائيل. فقد احتقروا محبة الله للجنس البشرى وعارضوا واجب حفظ شريعة الله، ولكنهم بأكثر غضب تمسكوا بكسلهم وانحرفوا إلى شهوات غير طبيعية، وكانوا غير راغبين فى القيام بمهام غير مهامهم، حسب ما كان يريد معطى الناموس. فكانت رغباتهم الخاصة هى ناموسهم ولم يسترشدوا إلاّ برأيهم الخاص. لقد حزن الرجال القديسون بحق على هؤلاء بسبب أفكارهم وتصورات قلبهم قائلين: ” اسمعوا هذا القول الذى أنا أنادى به عليكم مرثاة يا بيت إسرائيل. سقطت عذراء إسرائيل لا تعود تقوم” (عا1:5ـ2)؛ وأيضًا: ” ادعوا النادبات فيأتين وارسلوا إلى الحكيمات فيقبلن ويسرعن ويرفعن علينا مرثاة لأن قطيع الرب سُحق” (إر17:9ـ 18). ولكن النبى إرميا رآهم كما لو كانوا قد ابتُلوا، واقترب عقابهم وأظهر لهم حزنه عليهم قائلاً: ” قربت نهايتنا. كملت أيامنا لأن نهايتنا قد أتت. صار طاردونا أخف من نسور السماء” (مراثى 18:4ـ19). فمنذ أن استولى هذا الرعب الكبير على كل شئ وعلى كل المسكونة التى هُزمت من الشيطان، لذلك كما يقول النبى: ” وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاها بلا حد” (إش14:5). بالنسبة لليونانيين فإنهم بسبب غباءهم العظيم، يسقطون فى الشرك (الإيمان بتعدد الآلهة) ” وأبدلوا مجد الله الذى لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات” (رو23:1؛ عد15:4ـ19؛ مز20:106؛ إر11:2)، فكما لو كانوا يسرعون فى رحلتهم مسابقين الريح، كذلك فإنهم كانوا يسرعون إلى هاوية الموت الداخلية.

          من جهة أخرى فإن اليهود يزدرون بالوصية المعطاة لهم. فقد اخطأوا لدرجة من الحماقة حيث فكروا، بحسب زعمهم، وبشئ مخجل فى إظهار حياتهم الممتازة وأسرعوا ليسيروا فى نفس طريق اليونانيين. ولكن عندما ساد الليل والظلمة على الأرض والبحر، فإن الله سيد الكل، لم يشأ أن يرى هلاك خليقته على الأرض، أعنى الإنسان، بل على العكس، فلأجل أنه رأى أن الطبيعة البشرية قد أُصيبت بمرض عُضال، فقد أرسل كلمته الذى يستطيع وحده أن يحطم مملكة الشيطان ويحررنا من الشرور التى أمسكتنا فى قبضتها.

          فقد أخذ شبهنا وصار إنسانًا مثلنا (راجع فى7:2)، ووًلد من العذراء القديسة مريم، ولم يفقد ما كان له ولكن أضاف إليه ما لم يكن له، وتمم خلاصنا، وكما يقول بولس: ” هو أمسًا واليوم وإلى الأبد” (عب8:13)، فلم يخضع لأى تغيير أو تبديل فى ألوهيته بصيرورته إنسانًا، بل ظل كما كان وسيظل دائمًا. بمجيئه إلى العالم جعل الشيطان موضع هزء وسخرية عند الذين آمنوا بالمسيح، ذلك الشيطان الذى كان يصرخ طويلاً: ” فأصابت يدى ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف” (إش14:10). فقد حطم المسيح الخطية التى سيطرت علينا، بواسطة الاغتسال بالمعمودية والتى صارت ميلادًا جديدًا وأظهرت نقاوة العالم. لقد أرشدنا إلى طريق الخلاص، مبددًا غشاوة الجهل وضبابه ومظهرًا لنا معرفة الإيمان بالله فى كل لمعانها. لقد صار لنا بنفسه رفيقًا شريكًا لوطن الملائكة فى السماء. لقد وحَّدَ بنفسه الأشياء التى على الأرض بالتى فى السماء، وأظهر أن طبيعة الإنسان تشارك حياة الأرواح التى تُوجد فعلاً هناك (أى الملائكة فى السماء)، تلك الطبيعة التى انفصلت عن الله طويلاً بالخطية وكانت باستمرار مثل عبد، لكن الآن ارتبطت به بالإيمان والتقوى. اليهود فى شقائهم كانوا معاندين للاعتراف به كمخلص ورب، بل قاوموه وهو الذى جاء بينهم لمنفعة البشرية كلها، أى ليخلصنا من الهلاك الأبدى.

          وعوضًا عن ذلك عَبّروا عن انكارهم للجميل عن الإحسانات (التى صنعها معهم) وأسلموه للموت وللصليب. وعندما رأوه معلقًا على الخشبة، فإنهم جحدوه ثانية وسبوه بالكلمات: ” لو كنت ابن الله انزل من على الصليب فنؤمن بك” (مت40:27).

          وعندما تحمل المخلص الموت عنا كلنا ونزل إلى الجحيم، سلب ممالك الشيطان قائلاً: ” حتى سبى الجبار يسلب وغنيمة العاتى تفلت” (إش25:49)، كما يقول النبى. مقيمًا هيكله الخاص (جسده) فى اليوم الثالث ” كباكوة الراقدين” (1كو20:15)، محررًا طبيعتنا من قيود الموت، ومعلّمًا إيانا أن نقول بانتصار: ” أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا هاوية” (هو14:13؛ 1كو55:15، انظر 2تى10:1؛ عب14:2). لقد جعل السماء تنفتح على طبيعتنا وأُصعد بعد اكتمال العمل المحدد لتجسده، وقدم ذاته للآب كباكورة للطبيعة البشرية وأعطانا الروح كعلامة للرجاء الآتى، قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس” (يو22:20).

          هذه هى علامات ظهور مخلصنا، لذلك نبشر به أنه هو المحسن والمخلص. فحيث إنه يكون صحيحًا أن الأبناء يثبتون شرعيتهم بأعمالهم؛ وحسنًا يردون للسيد المكافأة، دعنا نستمع لكلمات بولس:     ” لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة فى خوف الله” (2كو1:7). ولهذا دعنا نحتفل للرب بعيد نقى. وبداية الأربعين تكون فى الخامس عشر من شهر أمشير، مع أسبوع الفصح الخلاصى الذى يبدأ فى العشرين من برمهات منهيين الصوم فى الخامس والعشرين من نفس الشهر، وكعادتنا سنحتفل بالعيد فجر يوم الرب (أى يوم الأحد) فى السادس والعشرين من نفس الشهر، ومضيفين بعد ذلك الأسابيع السبعة للخمسين المقدسة. لذلك سوف نرث ملكوت السموات فى المسيح مع القديسين إلى الأبد. آمين.

 

الرسالة الفصحية الأولى ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

 

مقدمة

أصل الرسائل الفصحية:

          يُعتبر البطريرك الأسكندرى ديونيسيوس هو أول من بدأ كتابة الرسائل الفصحية[1] ἐπιστολαὶ ἑορταστικαί ، وكان الغرض من كتابة هذه الرسائل الفصحية هو:

1 ـ تحديد تاريخ الاحتفال بعيد القيامة وما يرتبط به من بداية الصوم المقدس.

2 ـ كان بطاركة الأسكندرية يعتبرون هذه الرسائل مناسبة لكتابة رسالة رعوية عن الصوم توجه إلى الكنائس التابعة لهم.

ظل تقليد كتابة الرسائل الرعوية معروفًا فى كنيسة الأسكندرية حتى القرن التاسع الميلادى حسب ما يذكر كواستن أستاذ الباترولوجى[2]، ولكن هناك ما يدل على أن تقليد كتابة هذه الرسائل استمر إلى القرن الحادى عشر حسب ما ورد فى مخطوط “اعتراف الآباء” بوجود خمس رسائل للبابا خرستوذولوس (ق11)[3]. ومن بطاركة الأسكندرية الذين كتبوا رسائل فصحية، بالإضافة إلى البطريرك ديونيسيوس: القديس أثناسيوس الرسولى، والقديس  ثاوفيلوس، والقديس كيرلس الأول عمود الدين. وكانت الرسائل الفصحية تحتوى على موضوعات كنسية ورعوية وعقائدية بالإضافة إلى تحديد بداية الصوم وتاريخ الاحتفال بالعيد.

          هناك بعض الآراء تؤكد على أن البابا البطريرك ديمتريوس فى نهاية القرن الثانى الميلادى كتب رسائل فصحية، كما يخبرنا بذلك المؤرخ الكنسى أوسابيوس القيصرى[4]. ويُقال إن البابا ديمتريوس كان قد أرسل رسائل فصحية بشأن موضوع الاحتفال بعيد القيامة إلى كل من كنائس روما وفلسطين[5]. لذلك يمكننا القول إن تقليد كتابة الرسائل الفصحية نشأ فى الأسكندرية. ويعتقد أوسابيوس أن هذه الرسائل كانت تُكتب فى زمن الاضطهاد حيث يُقال إن البابا بطرس الأسكندرى المُلقب بخاتم الشهداء كتب رسائل فصحية أثناء زمن الاضطهاد الذى اثاره الإمبراطور ديقلديانوس[6]. ولم يتبق منها إلاّ رسالة واحدة كُتبت عام 309م والتى قام بنشرها M. Richard [7]. وكان بطريرك الأسكندرية منذ القرن الثالث الميلادى يرسل إلى أساقفة الإيبارشيات التابعة له رسائل فصحية عقب الاحتفال بعيد الغطاس يحدد فيها بداية الصوم المقدس وتاريخ الاحتفال بعيد القيامة. وفى عام 325م قرر المجتمعون فى مجمع نيقية المسكونى الأول أن يقوم بطريرك الأسكندرية بإخطار كنائس المسكونة بتاريخ الاحتفال بالعيد حيث إن آباء الأسكندرية كانت لهم خبرة ودراية بالحسابات الفلكية[8]. وبعد انعقاد المجمع المسكونى أرسل الملك قسطنطين خطابات إلى أساقفة كنائس العالم أخطرهم فيها بقرار مجمع نيقية فى أمر إسناد تحديد ميعاد عيد القيامة إلى بطريرك الأسكندرية[9].

          وقد ذكر فى المقدمة المكتوبة باللاتينية الخاصة برسائل القديس كيرلس الفصحية والتى نُشرت فى Migne المجلد 77، أنه كان هناك قرار مجمعى بأن تاريخ الاحتفال بعيد القيامة يجب أن يُعلن أولاً فى الأسكندرية ثم يُرسل إلى كنيسة روما وبعد ذلك إلى كنائس المسكونة[10].

 

الرسالة الفصحية الأولى للقديس كيرلس

محتويات النص:

          كتب القديس كيرلس الأسكندرى 29 رسالة فصحية خلال فترة رئاسته لكنيسة الأسكندرية. والرسالة التى بين أيدينا تتحدث عن أنوار عيد القيامة المبهجة التى تضئ على المسكونة، وحث المؤمنين بالإسراع للإنضمام إلى موكب المنتصرين الصاعدين للاحتفال بالعيد بالنقاء والطهارة، وتحدث بعد ذلك عن أهمية الاستعداد للاحتفال بالعيد عن طريق الصوم النقى حيث ذكر أهمية وفائدة الصوم مقتبسًا من تعاليم الكتاب المقدس ومن بعض أحداث العهد القديم. فالصوم هو ضبط النفس ومحطم اللذة والشهوة الجسدية.

          فى الفقرة السادسة من هذه الرسالة الفصحية هاجم القديس كيرلس اليهود الذين شابهوا آبائهم فى عدم التقوى ورفضوا الإيمان المسيحى. ثم تكلم باختصار عن تجسد كلمة الله الأزلى الذى احتمل الموت عنا ونزل إلى الجحيم وسلب ممتلكات الشيطان.

          ثم أعلن القديس كيرلس فى نهاية الرسالة عن زمن الاحتفال بالعيد مستخدمًا التقويم القبطى وهو التقويم الذى اتبعه فى جميع رسائله الفصحية.

 

ترجمة الرسالة:

          أو من نشر الرسائل الفصحية هو Ottobonianus فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر باليونانية، وقد أعاد نشرها عام 1618 Antonio Salmatia من ميلانو والذى اعتمد على نسخة نُشرت عام 1610 بواسطة Johannes Sanctmaura، وفى عام 1638م قام Jean Aubert بإعادة نشر هذه الرسائل الفصحية.

          وهذه الرسالة تُرجمت عن النص اليونانى الذى نُشر فى مجموعة الآباء الذين كتبوا باليونانية، Migne, “Patrologia Greaca” المجلد 77 عمود 401 ـ 426.

 

 

          إلهنا ومخلصنا الصالح يسوع المسيح القائم من بين الأموات والذى اشرق علينا نحن الجلوس فى الظلمة يفرحنا بأنوار قيامته المقدسة لننضم إلى صفوف الغالبين الظافرين القائلين بفرح:

” أين شوكتك ياموت ، أين غلبتك يا هاوية “.

          بشفاعة والدة الإله القديسة مريم وصلوات القديس كيرلس وجميع الآباء القديسين، وصلوات قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث، ولإلهنا القدوس الغالب الآب والابن والروح القدس كل مجد وتسبيح وسجود الآن وإلى الأبد. آمين.

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

 

الرسالة الفصحية الأولى لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية

الفقرة الأولى:

          إن الأنوار المُبهجة لعيدنا الإلهى المجيد، تسطع بقوة لتنير كل المسكونة ولا تسمح بحدوث أى ظلمة أو عتمة للذين يريدون أن يحتفلوا بالعيد فى فضيلة. لذلك فإن الرسول الطوباوى يظهر الطريق الصحيح لأولئك المستعدين (للاحتفال بالعيد) ويقول: ” قد تناهى الليل وتقارب النهار، لنسلك بلياقة كما فى النهار” (رو12:13و13)، وبذلك ينقادون بنور مصابيح المخلص التى لا تنطفئ. ونحن أيضًا يمكننا أن نصل إلى أورشليم العليا لنشارك صفوف الملائكة القديسين فى السماء. وهكذا نجد أن الطوباوى داود حينما يدعونا إلى الحشد الجليل فإنه يحثنا أن نرتل أنشودة الانتصار للمسيح الذى تجسد لأجلنا وأبطل بالصليب قوة الموت، حيث يقول: ” هلم نرتل للرب، نهتف لله مخلصنا” (مز1:95)، كما يدعو أولئك المتمسكين بالشرائع الإلهية للدخول فى خورس المفديين، معلّمًا إياهم أن يكونوا متحدين فى رأى واحد مشترك، ومعترفين بإيمانهم بالمسيح بدون تردد وبفكر غير منقسم، وبدلاً عن ذلك، كما يقول بولس: ” نهتم اهتمامًا واحدًا” (راجع رو5:15؛ 16:12؛ فى2:2)، متمسكين باعتراف إيماننا (بالمسيح)، راسخًا وقويًا. وكذلك بالنسبة للاحتفال الإلهى السليم، إذ يدعونا للصعود إلى أورشليم الروحية وينهضنا للسعى نحو التقوى، فلنستمع إلى قول النبى: ” أيها الناجون من السيف اذهبوا، لا تقفوا، اذكروا الرب من بعيد ولتخطر أورشليم ببالكم” (إر50:51). لذلك ينادى بولس: ” اركضوا لكى تنالوا” (1كو24:9)، وعندما يشرق عيدنا المقدس كالشمس، فلنطرح إذن بعيدًا عنا الحيرة وضعفات التوانى والإهمال، ونتغلب على كآبة ظلمة الكسل، ونتقدم بالشجاعة وبعقل مستنير نحو كل فضيلة قائلين لبعضنا البعض كلمات الكتاب: ” هلّم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلّمنا من طرقه ونسلك فى سبله” (إش3:2).

          إن اليهود لم يقدروا أن يهربوا من العبادات الجسدية ” الرمزية”، لذلك سمعوا الكلمات: ” لماذا لى كثرة ذبائحكم يقول الرب. اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات. وبعجول وخرفان وتيوس ما أُسرّ حينما تأتون لتظهروا أمامى” (إش11:1). لذلك فإن الذين ابتعدوا عن هذه الممارسات وقد تدربوا على رؤية الله من خلال العبادة بالروح وبقلب صادق مختتن كما يقول النبى: ” اطلبوا الرب مادام يُوجد ادعوه وهو قريب، ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره وليتب إلى الرب فيرحمه وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران” (إش6:55و7). فمثلما اقترب إلينا مخلصنا المسيح واتخذ شبهنا (فى التجسد)، لذلك يجب علينا ـ كما يقول الكتاب ـ أن ” نخلع الإنسان العتيق ونلبس الجديد الذى يتجدد حسب صورة خالقه” (راجع أف22:4ـ24؛ كو9:3ـ10)؛ ولننسَ ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام (راجع فى13:3)، صاعدين بالنقاوة للاحتفال الإلهى. ويصرخ النبى إرميا قائلاً: ” احرثوا لأنفسكم حرثًا ولا تزرعوا فى الأشواك، اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم” (إر3:4). لقد نمت أفكارنا مع الشوك وأجدبت من عدم التقوى، لذلك يجب علينا أن ننقيها بنار المخافة الإلهية حتى يمكننا أن نتقبل بذرة المخلص الصالحة (أى تعاليمه الصالحة)، حيث يعلّمنا بألاّ نتبع الفرائض الباطلة أو العبادات الشكلية، كما أنه يدعونا بأن نتجدد للخلاص بالوصية النافعة، مظهرين لله، “اليهودى” الذى فينا فى الخفاء، و”الختان” الذى فينا فى الخفاء (راجع رو29:2)، ومقتلعين كل الشرور من قلوبنا، وحينئذٍ نستطيع أن نسمع بحق: ” احتفلوا بأعيادكم، يا يهوذا، قدم صلواتك إلى السيد الرب” (نا1:2).

 

الفقرة الثانية:

          بالنسبة لأولئك الذين أُرسلوا ليكرزوا، توجد رهبة غير قليلة، وبأكثر تحديد، هناك تأديبات غير بسيطة عن التوانى فى هذا المجال الكرازى، حيث يقول: ” ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة” (إر1:48). ويمكننا أن نتأكد من هذا بوضوح، إذا تذكرنا المبارك يونان بهيجان البحر عليه والحوت المفزع والمروع مقبلاً نحوه. لأننى أرى أنه توجد رهبة للخدمة الإلهية عند كل الرجال القديسين. فموسى ـ معلم الأقداس ـ عندما أمره الله أن يُخرج شعبه (من أرض مصر)، قاس قدر طبيعته البشرية بالنسبة إلى عظم هذه الخدمة الكرازية، فقال: ” لست أنا صاحب كلام” (خر10:4)؛ وبنفس الطريقة نجد أن المبارك إرميا عندما أُرسِلَ (من قِبل الله) للنبوة، هتف قائلاً:   ” فقلت آه يا سيد الرب إنى لا أعرف أن أتكلم لأنى ولد” (إر6:1).

          فإن كان القديسون، الذين هم بالنسبة لنا، مثالٌ حسنٌ للتقوى، يقولون مثل هذه الأقوال، ومع ذلك فإن الطريق (أى طريق الكرازة الإلهية) الذى جعلهم يشعرون بالرهبة، لم يسبب لهم أى تردد ضئيل ولا أى مخاطرة (لإتمام هذا العمل الكرازى)؛ لأن الله يخجلنا ويدعونا أن نطرح الخوف، عندما يقول لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو أنا الرب؟ فالآن اذهب وسوف أفتح فمك” (خر11:4ـ12). كما أنه يقول للطوباوى إرميا: ” لا تقل إنى ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به” (إر7:1). فبناء على ذلك، هكذا أنا الضعيف، مثلما تتطلب منى وظيفة الكهنوت العظيمة أن أعظ، فإنى أجد خشية فى كلمات الكتاب: ” تكلم ولا تبقى صامتًا” (أع19:18)، وأجد نفسى مضطرًا لكتابة مثل هذه الأشياء. لأنه منذ أن ترك أبونا ثاوفيلس صاحب الذكرى العطرة والجدير بالثناء، أسقفنا الأخير، الحياة الأرضية حسب أحكام الله وصعد إلى المنزل السماوى (كيف حدث ذلك للمتصرف فى كل المعرفة ـ إنى أشعر بالخشية عندما أكتب)، عندئذٍ أتت إلىَّ أنا الصغير خلافة الأسقفية. فعندما أسمعُ لبولس حينما يكتب: ” فويل لى إن كنت لا أبشر” (1كو16:9)، فإنى آتى فى خشية لأعظ، وأفتكر أن الكرازة تتجاوز قدرتى.

          لذلك فكما أن احتفالنا المقدس يسطع بشدة ويدعونا للعفة، لذلك أضطر أن أقول لأولئك الذين ما يزالون ملتصقين بالشر ” نقوا أيديكم أيها الخطاة وطهروا قلوبكم يا ذوى الرأيين” (يع8:4)؛ وأقول أيضًا لأولئك الذين يهربون من عار الخطية البغيض ويسلكون فى طريق الحياة المقدس، أن يستمعوا إلى النبى وهو يبشرهم قائلاً: ” استنيرى استنيرى يا أورشليم لأن مجدك أتى ومجد الرب حلّ عليك” (إش1:60). لأن كل البشر الساكنين تحت الشمس صاروا، كما هو مكتوب ” نصيبًا لبنات آوى” (مز10:63ب)، وانقسموا إلى أنواع وأشكال متعددة من فعل الشر، وهُزموا بظلمة الجهل، وأيضًا سقطوا فى عمق أعماق الخطية. لذلك نجد أن المرنم داود اضطر أن يتضرع إلى الله الكلمة لكى يأتى إلينا من السماء قائلاً: ” يا راعى إسرائيل إصغِ يا قائد يوسف كالضأن يا جالسًا على الكاروبيم أشرق، قدام إفرايم وبنيامين ومنسى أيقظ جبروتك وهلم لخلاصنا” (مز2:80ـ3). وعندما أدرك (المرنم) أن مجئ كلمة الله سيحدث فى الوقت المناسب، حيث كنا ساقطين ومنطرحين، صرخ أيضًا: ” لماذا أيها الرب تقف بعيدًا؟ هل نسيتنا فى الوقت المناسب وفى ألمنا” (مز22:90). فالمخلص قبل التجسد، لم يكن بعد قد أخذ شبهنا، ووُجد بعيدًا عنا، ، لأن المسافات كانت كبيرة بين الطبيعة البشرية وطبيعة كلمة الله؛ ويقول احد رجالنا القديسين: ” أنا تراب ورماد” (تك 27:18ب)؛ ويقول النبى إشعياء عن وجود الابن الوحيد الجنس: “من يصف طريقة ميلاده” (إش8:53). فعندما كنا نعانى ألامًا كثيرة، فإن المخلص أضاء علينا فى الوقت المناسب، مولودًا من امرأة حسب الجسد، ليخلص الإنسان مولود المرأة، ويحرره من رباطات الموت، ولكى يعلّمه أن يقول بفرح: ” أين غلبتك يا موت، أين شوكتك يا هاوية” (هو14:13؛ 1كو54:15ـ55). فالمخلص لم يمنحنا فقط عطية القيامة، ولكنه كَسَرَ شوكة الجحيم، التى هى الخطية التى أصابتنا، حيث يقول: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ” (لو19:10؛ انظر مز13:91). هذا العمل الذى تحقق بتجسد مخلصنا يفوق أى شئ آخر، لذلك استوطنت القداسة فى كل الأرض، كما أن الظلام الذى يحجب الحقيقة قد أُبطل، وتنبأ عن هذا أيضًا المرنم وقال بقوة روح الله: ” يُشرق فى أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر” (مز7:72)؛ وكما يقول بولس: ” لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه” (رو10:5أ)، وسيشرق علينا ملء السلام. لذلك عندما يحدث ذلك، فلابد أن يضمحل القمر تمامًا، الذى هو الشيطان رئيس الليل والظلام، حيث يسمى هنا مجازيًا “بالقمر”.

          لذلك فإن الأشعة تبرق علينا بقدر كبير وبقوة عظيمة ويسطع علينا نور عيدنا الإلهى. كذلك فإن هذا الاحتفال اللامع يجذبنا ويحثنا بأن نهجر الأعمال المخزية وبصوت قوى يرشدنا قائلاً: ” اغتسلوا تنقوا إعزلوا شر أفعالكم” (إش16:1أ). فعندما يكون كاتب الأمثال حكيمًا ويقول: ” لكل شئ زمان ولكل أمر وقت” (جا1:3)، فكيف لا نعترف بحق أن هذا الوقت (زمن العيد) يتعارض مع كل أفعال الشر، ومن ثم يدعو لمعرفة الناموس الإلهى وتوقيره، وأنه يحث الذين أطاعوه (أى الناموس) ويعطيهم الثقة فى أنهم سوف ينالون المصير الحسن للمراحم الإلهية؟ لذلك نجد أن البعض فى هذه الحياة الحاضرة يناضلون رياضيًا(ἀγωνοθετεῖν) ويشترون هذا اللقب (المجاهد/ المناضل) ببذل كثير من المال، حيث يُنظم جهد المنافسة (المباريات) على الشباب، وبالرغم من أنهم يكرمون المنتصر بجوائز قيّمة، إلاّ أن السرور الذى يُعطى لهم يكون ضئيلاً، بالإضافة إلى أن هذا السرور يكون فقط فى هذه الحياة. وعلى النقيض من ذلك، فالله الذى يختبر الأبرار، هو نفسه يهب الأتقياء ” ما لم تر عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان” (1كو9:2، إش4:64، 16:65، إر16:3).

          فكما أن صفات هؤلاء الأشخاص (الأبرار) تظهر من إنجازاتهم حيث إنهم تفوقوا على الطبيعة، لذلك بالتالى فإن طريقة مكافأتهم تتخطى بالتأكيد حدود مقدرة الإنسان، لكى ينالها بالطريقة التى تحدث بها، وسوف يجدون كل المجد الملائم لأفعالهم وسوف تعانقهم محبة الله اللانهائية، وسوف يمرحون فى بركات فائقة للطبيعة.

          هيا بنا ندعو محبى العبادة لجهاد (أسبوع) الآلام السنوى، وكما يقول النبى: ” اضربوا بالبوق فى صهيون قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف” (يؤ15:2). لنصِح عاليًا وبصوتٍ مدوٍ محركين بوق الكنيسة المقدس ومعلنين قدوم عيدنا المقدس ببشارة واضحة وعلنية، وكما يقول الله الفائق الحكمة لموسى معلّم الأقداس: ” اصنع لك بوقين من الفضة. مسحولين تعملهما فيكونان لك لمناداة الجماعة ولارتحال المحلات” (عد1:10)، ومجهزين حسنًا لقوة الكلمات. فهو يأمر بأن يكون هناك بوقين، وذلك لأن رسالة الكنيسة تكون مضاعفة، فالواحد (أى البوق) ما يزال يدعو المتجاهلين لاستقامة التعاليم العقائدية الإلهية، والآخر يحثنا أن لا نتدنس بالأعمال الباطلة. كما أنه يأمر أن تكون الأبواق من الفضة، وذلك لأن الكلام (التعليم) يجب أن يكون واضحًا غير مشوه ويبتعد عن الخطأ فى العقيدة.

          لذلك، فلنجعل حديثنا ينطلق من هذه البداية، ويدعو (الإنسان) البعيد إلى بيت الشريعة (الكنيسة) لكى يتغير تجاه إرادة معطى الشريعة المنفصل عن كل خطية، مُقدِّسًا الصوم ومُناديًا بالاعتكاف، كما يقول النبى (راجع يوئيل15:2). كيف يمكننا أن نحقق فعل مثل هذه الأشياء؟ كيف يمكننا أن نتمم الوصية الإلهية بالابتعاد عن الشر وتجنب الارتباط بأولئك المخزيين تمامًا، ونكون متلهفين لأى شئ يمكن أن يُقدِّس الصائمين؟ بهذه الطريقة فإن الذين يريدون أن يحتفلوا بالعيد كما ينبغى سوف يُكرّمون إلهنا الصالح.

 

[1] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 20:7.

[2] Quasten, Vol. II, p. 108

[3] انظر البحث المنشور بعنوان: ” رسائل الأرطستيكا: تاريخيًا وعقيديًا” للدكتور جوزيف موريس فلتس، دورية دراسات آبائية ولاهوتية، يوليو 1999، ص25.

[4] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 25:5.

[5] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 3:23:5؛ 22:5.

[6] أوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 20:7.

[7]  M. Richard, Le Florilège du cod. Vatopédi 236 sur le corruptible et l’incorruptible, in: Le Muséon 8b (1973) 267-268.

[8] انظر:

 A Dictionary of Christian Antiquities, edd. W. Smith and S. Cheetham, London, 1875 & 1880, on Easter, Vol. 1, pp. 586-595, and Paschal Letters, Vol. 2, pp. 1562-1564

[9] سقراطوس، تاريخ الكنيسة 9:1.

[10] Migne, P.G. 74, 383-390.

 

الرسالة الفصحية الأولى ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. ميشيل بديع عبد الملك

كتاب رسائل القديس كيرلس الكبير ج3 – الرسائل 32 – 50

كتاب رسائل القديس كيرلس الكبير ج3 – الرسائل 32 – 50

كتاب رسائل القديس كيرلس الكبير ج3 – الرسائل 32 – 50

كتاب رسائل القديس كيرلس الكبير ج3 – الرسائل 32 – 50

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version