الإبن الكلمة الخالق في كتابات أثناسيوس الرسولي – ردًا على اعتراض
شيخ مسلم جاهل يفضح نفسه – هل كل من يقول أن المسيح خالق هو مبتدع؟ رداً على من يُسمي نفسه باحثًا!
ردًا على أبي عمر الباحث
يدَّعي من يُلقب نفسه باحثاً، أن كل من يقول أن المسيح خَلقَ، فهو مبتدع وجاهل ولا يعرف في دينه شيئاً ووقع في هرطقة خطيرة وبدعة شنيعة كما قال البابا أثناسيوس الرسولي في كتابه “تجسد الكلمة”.
وللرد نقول:
رغم سذاجة الطرح الذي أعتبره فاصلاً للمزاح، أراد به أن يرسم الابتسامة على وجوه متابعينه، ولكن جدية ملامح هذا “الباحث” جعلتني أتمنى لو كان بالفعل يمزح. لا أعرف من أين أبدأ في الرد، فركاكة هذا “الباحث” كفيلة أن تجعلك تدير له ظهرك ضاحكاً، شاكراً الله على نعمة العقل.
هذا “الباحث” أقتبس من كتاب “تجسد الكلمة” للقديس أثناسيوس الرسولي وضرب بكل قواعد الاقتباس عرض الحائط:
فاقتطع عبارة من سياق كامل.
أهمل رسالة باقي الكتاب الذي أقتبس منه.
أهمل باقي كتب وشروحات القديس أثناسيوس الرسولي والتي بلا شك كان سيجد فيها الإجابة بكل وضوح.
فالقديس أثناسيوس يقول في نفس ذات الكتاب الذي أقتبس منه:
والآن إذ نشرح هذا الأمر، فإنه يليق بنا أن نبدأ أولاً بالحديث عن خلقة الكون كله، وعن الله خالقه، وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن تجديد الخليقة تم بواسطة الكلمة الذي هو خالق الخليقة في البدء. وهكذا يتضح أنه ليس هناك تناقض في أن يتمم الآب خلاص العالم بالكلمة الذي به خُلق العالم.[1]
فهنا يوضح القديس أثناسيوس أن الفداء و تجديد الخليقة كانا لابد أن يتمَّا بواسطة المسيح (الكلمة) لأنه هو من خلقها من البدء. إذاً المسيح هو الكلمة الخالق. والأدهى أن العبارة التي اقتطعها هذا “الباحث” في صـ 6، ثم نجد هذا القول للقديس أثناسيوس في الصفحة التي تليها مباشرةً صـ7:
لكن الله خلق كل شيء بالكلمة من العدم وبدون مادة موجودة سابقاً… وهذا يشير إليه بولس قائلاً: بالإيمان ندرك أن العالمين أُنشئت بكلمة الله.[2]
ومن الصفحة التي تليهما نجد هذا القول أيضاً:
ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا.[3]
فلا أعلم ماهي حجة هذا “الباحث”؟!
ولمزيد من التوضيح، نقرأ هذا القول للقديس أثناسيوس في كتاب آخر له:
لأنه (بولس) وهو يتحدث عن الخليقة، فإنه يستمر أيضاً في الكتابة عن قوة الخالق في خليقته، تلك القوة التي هي “كلمة الله”، والذي من خلاله (بواسطته) قد خلق كل شيء. فلو أن الخليقة في طاقتها بذاتها وحدها أن تعرف الله بدون الابن، فالتفتوا لئلا تسقطوا في الغواية. فتظنوا، أنه بدون الابن أيضاً قد خلقت الخليقة. ولكن إن كانت الخليقة قد خلقت عن طريق الابن، وأنه “فيه تثبت (تقوم) كل الأشياء في الوجود”[4]. فأن الذى يتأمل الخليقة بطريقة مستقيمة، فلابد أن يرى أيضاً بالضرورة الكلمة الذى خلقها.[5]
إذاً فالقديس أثناسيوس بنفسه يقول إن من يظن أن الخليقة خُلقت بدون الابن (المسيح)، يكون قد سقط في الغواية، أي أن قول هذا “الباحث” هو الغواية في حد ذاتها! ثم يختم القديس أثناسيوس قوله بأن الكلمة هو خالق الخليقة. إذن، يتضح الآن بما لا يدع مجال للشك أن قول القديس أثناسيوس يسحق تماماً ما يدّعيه هذا “الباحث”.
ولنأتي الآن إلى السياق الذي أقتطعه ليوهم به متابعيه المساكين بأن المسيح ليس هو الخالق، بل والأدهى أن من يقول عكس ذلك يصبح مبتدع ومهرطق!!
يقول القديس أثناسيوس:
وهناك هراطقة أيضاً يتوهمون لأنفسهم خالقاً آخر لكل الأشياء غير أبى ربنا يسوع المسيح، وهم بهذا يبرهنون على منتهى العمي. لأن الرب كان يقول لليهود ” أما قرأتم أن الذي خلق في البدء خلقهما رجل وأنثى وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً “…وبعد ذلك يقول مشيراً إلى الخالق ” فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان “، فكيف يدّعي هؤلاء بأن الخليقة غريبة عن الآب؟ أو عندما يقول يوحنا في اختصار شديد إن ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيئاً مما كان ” فكيف يمكن أن يكون خالقاً آخر سوى الله أبى المسيح؟[6]
بدايةً، فإن كلمة “هراطقة” التي ذكرها القديس أثناسيوس يقصد بها الغنوصيون وماركيون على وجه الخصوص، حيث أنه كان يُعّلم بأن إله الخير قد خلق الأشياء غير المنظورة والسماء الثالثة بينما إله العهد القديم فقد خلق الأشياء المنظورة، وبالتالي فإن القديس أثناسيوس يرد عليهم بأن الله قد خلق كل شيء بالمسيح، كلمته. فهو لم يتكلم أبدًا أن الآب هو الخالق فقط والأبن (الكلمة) لم يخلق، هو يتكلم عن استحالة وجود شريك لله الواحد (الثالوث) في الخلق. ولم يقصد مطلقًا أن ينفي عن أقنوم الابن عمل الخلق.
فالقديس أثناسيوس في نفس السياق يقتبس قول القديس يوحنا الرسول “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”. أي أن الكلمة (المسيح) هو خالق كل شيء و بدون المسيح لم يكن لشيء أن يُخلق، فهو اللوجوس (عقل الله الناطق و نطقه العاقل).
فهل رأيتم مدى سَخف أطروحات هذا الذي يسمي نفسه باحثاً في الكتاب المقدس، الذي يتحدى هذا وذاك لمناظرات، ويدّعي أن المسيحيين يفرون من أمامه خوفاً من مواجهته؟! والعجيب أنه بنفسه قال إن القديس أثناسيوس هو من صاغ قانون الإيمان النيقاوي!!
إذاً لنرى ما قاله القديس أثناسيوس في قانون الإيمان الذي يحفظه كل طفل مسيحي عن ظهر قلب! يقول عن المسيح:
مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء.
إذاً من قانون الإيمان نجد أيضاً دليل واضح أن المسيح هو الخالق.
ويعلق على هذه العبارة القديس كيرلس الكبير قائلاً:
ولكنهم بعد أن أكدوا أن الآب هو خالق كل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، فإنهم قالوا إن كل الأشياء قد خُلقت بالابن، لا بسبب أنهم نسبوا للابن نصيباً أقل من المجد، حاشا. لأنه كيف يمكن أن يُرى ما هو أقل أو أكثر في وحدة الجوهر؟ ولكنهم يقولون إن الله بطبيعته لا يخلق أو يدعو أي شيء إلى الوجود بأي طريقة أخرى سوى بالابن في الروح، بقوته الذاتية وحكمته…. و يوحنا الحكيم جداً بتأكيده بالقول ” في البدء كان الكلمة….إلخ.[7]
والآن سيسألني هذا “الباحث” منتفشاً: أليس هذا تناقض، حينما تقول في موضع أن الآب هو الخالق، ثم في موضع آخر أن المسيح (الأبن) هو الخالق؟؟!
أجيبك بكل اتضاع: الآب خلق بالأبن (اللوجوس) أي عقله الناطق ونطقه العاقل.
دعني أعطيك مثالاً بسيطاً للتوضيح: إذا قلتُ: ” أنا حللت هذه المسألة”، ثم قلتُ: “عقلي حلّ هذه المسألة”، فهل هناك أي تناقض؟! بالطبع لا؛ لأن عقلي هو أنا. فأنا حللت المسألة بعقلي. إذن، حل المسألة يمكن أن يُنسب لي ولعقلي معًا، فأنا شخص واحد. وبالمثل، فالآب خلق الخليقة بالأبن. لأن الأبن هو اللوجوس عقل الله الناطق وكلمته، وهذه هي الطريقة التي يخلق بها الله منذ البدء. ففي بدايات كتابنا المقدس وبالتحديد في سفر التكوين، نجد الاتي: (وقال الله: ليكن نور… وقال الله: ليكن جلد… وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء…). (تك ١: ١ – ٩)
لاحظ معي هذا التعبير: “وقال الله”. أي أن هناك نطق عاقل وعقل ناطق الذي هو اللوجوس λογος باليونانية، الذي هو كلمة الله، المسيح. وأيضاً نجد نفس المفهوم عند اليهود. فمصطلح ” اللوجوس ” باليونانية λογος، يقابل في العبرية “دابار” “דבר” والتي ترجمت إلى الآرامية فيما يعرف بالترجومات إلى كلمة “ميمرا” “מימרא”. وكلمة “ميمرا” بإضافتها لاسم الله الأعظم “يهوه” كانت تستخدم في الثقافة اليهودية للتعبير عن الله الخالق، فهي تستخدم للإشارة لعملية الخلق[8]. وتم استخدامها في مواضع كثيرة في الترجوم بدلاً من الرب “يهوه” فهي تساوي يهوه نفسه.[9] لأن عقل الله هو الله لا فرق على الإطلاق. ونجد نفس المفهوم أيضاً بتوسع عند الفيلسوف اليهودي “فيلو”.
يقول Fragmentary Targum على التوراة:
في الليلة الأولى عندما ظهر كلمة الرب “Memra yhwh ” للعالم لكي يخلقه، كان العالم خالياً وخرباً وانتشرت الظلمة فوق كل اللاتكون، وكان كلمة الرب مشرقاً منيراً ودعاها الليلة الأولى[10].
يقول ترجوم يوناثان:
فخلق كلمة الرب “Memra yhwh ” الإنسان على صورته على صورة يهوه، يهوه خلقه[11]
ويقول ترجوم أورشاليم:
وكلمة الرب “Memra yhwh ” قال لموسى: ” أنا هو، الذي قال للعالم: كن! فكان، وهو من سيقول له في المستقبل: كن! فسيكون “، وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أنا هو أرسلني.[12]
وهناك العشرات من الشواهد الأخرى التي تثبت أن كلمة الله “ميمرا يهوه” أو “اللوجوس” هو الخالق، ليس فقط في المسيحية بل وفي الثقافة اليهودية أيضاً.
وأيضاً هذا دليل على أن الميمرا هي كلمة مشخصة كائنة (أقنوم) وليست مجرد كلمة “كن”، والدليل هو ظهورات الكلمة “الميمرا” في العهد القديم. فنجد فيما سبق ظهور “الميمرا” لموسى في العليقة على هيئة ملاك يهوه، وهو الذي قال “أهيه الذي أهيه”. فهو أقنوم مشخصن وليس مجرد كلمة ملفوظة، فهو نطق الله العاقل وعقله الناطق.
إذن، لا فرق بين اللوجوس والميمرا، وهذا دليل على وجود نفس المصطلح والمفهوم في الثقافة اليهودية من القرن الخامس قبل الميلاد وقت بداية استخدام مصطلح “ميمرا” الأرامي. فعن أي بحث تتحدث يا من تسمي نفسك “باحثاً”؟! هل فضحت جهل قساوسة الكنيسة أم أظهرت جهلك أنت؟!
ولكن هناك ملحوظة أخيرة دعني أهمس بها في أذنيك: أطروحتك الساذجة كانت ستُهدم فقط إذا قرأت عنوان كتاب البابا أثناسيوس جيداً. فعنوان الكتاب هو ” تجسد الكلمة “. فهل فهمت ما معنى “الكلمة” أم أنك أسرعت متلهفاً لاهثاً لقلب صفحات الكتاب بحثاً عن أي ثغرة دون حتى أن تفهم عنوان هذا الكتاب الذي تقلب في صفحاته؟
ومن له أذنان للسمع، فليسمع.
إلى هنا أعاننا الرب.
[1] القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية بالقاهرة، نصوص آبائية-٦٢، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، صـ 2، 3.
[5] القديس أثناسيوس الرسولي، الشهادة لألوهية المسيح، مركز دراسات الآباء، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، صـ28، 29.
[6] القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية بالقاهرة، نصوص آبائية-٦٢، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، صـ 6.
[7] القديس كيرلس الإسكندري، شرح قانون الإيمان، رسالة ٥٥ الجزء الرابع من رسائل القديس كيرلس، مؤسسة القديس أنطونيوس، مركز دراسات الآباء، ترجمة د. موريس توضروس، د. نصحي عبد الشهيد، ص 34.
التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان
التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د./ وهيب قزمان
التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د./ وهيب قزمان
مقدمة:
التبني عقيدة أساسية محبوبة للغاية عند القديس أثناسيوس ، وهى حصيلة وثمرة أساسية للاتحاد بالله عن طريق المعمودية ، التى بها نصير أبناء الله بالتبني:
[ لأن الله أمرنا أن نعتمد ” بأسم الآب والابن والروح القدس ” لأنه بهذا… نصير فى الحال أبناء الله ، مع كوننا من خليقته ] (ضد الأريوسيين 34:1).
وهذا التبني لله فى المعمودية هو برهان وثمرة مباشرة للاهوت المسيح ومساواته بالآب ، وأيضًا برهان لقيامته من الأموات التى أكملها فى جسم بشريته لحسابنا.
فالإيمان عند القديس أثناسيوس كلٌ واحد لايتجزأ: التجسد ، ولاهوت المسيح ، واتحاد الإنسان بالله (أى تأليه الإنسان وتبنى الله له). وهذا الإلهام فى الحقيقة لم يجارِه فيه أى أب من الآباء ولاأى لاهوتى من بدء الكنيسة حتى اليوم ، والخلاصة فإن هذا كان إيمان القديس أثناسيوس الذى يعيشه فى المسيح ، ومضمون خلاصه الذى كان يُبشر به ويدافع عنه ضد الهراطقة.
1- أزلية محبة الله وتبنيه للبشرية بالنعمة:
تبدأ العقيدة عند القديس أثناسيوس بلاهوت المسيح ، وتنتهى عند التبني ـ أى صيرورة الناس أبناء الله الحى ـ وارثين لأبوة الله فى المسيح ابن الله!!! ولكن إرادة الله من نحو تبنى الإنسان كانت منذ البدء وقبل إنشاء العالم:
[ إن هذه النعمة كانت قد أُعدت قبل أن يخلقنا (الله) بل حتى من قبل أن يخلق العالم ] (ضد الأريوسيين 75:2).
وعقيدة التبني عند القديس أثناسيوس ليست أمرًا يكتسبه الإنسان من الخارج ، بل هى وجود وسكنى واتحاد دائم للروح القدس و” الكلمة”. سكنى الروح القدس الذى يتكلم فينا ويخبرنا بأمور المسيح ويُمجّد المسيح فينا وبنا ، وكذلك سكنى الابن “الكلمة ” فينا واتحاده بنا فبهذه السكنى وهذا الاتحاد ننال نعمة وحق البنوة ، ونخاطب الله قائلين ” ياآبانا “:
[ لأن هذا هو حب الله لبنى البشر ، أنه أراد أن يكون لهم أبًا بالنعمة، هؤلاء الذين سبق أن خلقهم ، وهذا (التبني) إنما يحدث عندما يتّقبل الناس ، وهم مجرد خليقة ، روح الابن فى قلوبهم صارخين ” ياأبا الآب ” (غلا 6:4). نعم هؤلاء عندما يقبلون ” الكلمة ” ينالون به القوة التى يصيرون بها أولاد الله. ولأنهم أصلاً مجرد خلائق ، فإنهم لايمكن أن يصيروا أبناء إلا إذا قبلوا روحه ، أى روح الابن الذى هو من جوهره… ولهذا فإن كان الكلمة قد صار جسدًا ، فذلك لكى يجعل الإنسان مؤهلاً لقبول اللاهوت ] (ضد الأريوسيين 59:2).
2- الإنسان الأول كان غير مؤهل للتبنى بسبب طبيعته:
يؤكد القديس أثناسيوس إنه كان يستحيل على الإنسان الحصول على التبني ، ليس بسبب الخطيئة فى الأساس ، ولكن بسبب أن طبيعته المخلوقة غير مؤهلة للتبنى من تلقاء ذاتها ، لأنها من تراب أو من عدم على حد قوله:
[ الله فى خلقه للإنسان من العدم كسائر الكائنات الأخرى بواسطة اللوغوس ، قد تراءف على الجنس البشرى بصفة خاصة. إذ وهبه نعمة أخرى أضافية ، إذ رأى ضعفه ـ بطبيعة تكوينه ـ عن أن يبقى فى حالة واحدة ].
صحيح أنه يتحتم أولاً أن تُرفع الخطية ـ التى أقتحمت طبيعة الإنسان ـ ويُبطل فعلها القاتل للنفس ، قبل أن يحصل الإنسان على التبني ، وترفع الخليقة من حالة العبودية والموت إلى حالة الشركة فى الطبيعة الإلهية وبلوغ حرية البنين ، وذلك فىالابن الحقيقى الوحيد الجنس:
[ لايوجد تبنى بدون ” الابن الحقيقى “. لأنه هو نفسه يقول ” لاأحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ” (لو22:10) ، وعلى ذلك فإن كل الذين يُدعون أبناء الله وآلهة (أى نالوا الاتحاد بالله) ـ بالنعمة ـ سواء فى الأرض أو فى السماء قد نالوا التبني والتأله فى ” الكلمة ” ولأن الكلمة هو الابن الحقيقى فواضح أنه مصدر كل بنوة ، لأنه ابن قبل الكل ، وأنه حقًا الابن الوحيد الجنس (مونوجنيس) وأنه إله حق من إله حق ] (ضد الأريوسيين 39:1).
3- التبني ثمرة التجسد الإلهى:
المسيح هو الكرمة الحقيقية الذى وُلد لكى يحول أصلنا إلى نفسه ـ أى يصبح هو أصلنا الجديد بدلاً من آدم ـ لنصير أعضاء فيه وهكذا يحملنا إلى السماء. أى أن التبني ثمرة التجسد الإلهى ، تلك الثمرة التى تتجلى فى ثلاث مراحل رئيسية: ميلاد المسيح ، وموته وقيامته ، وميلادنا من الماء والروح. فالتجسد هو الذى كشف لنا عن ذات الله الواحد الآب والابن والروح القدس ، فالأبوة هى صفة ذات الله الجوهرية بالنسبة لأبنه ، وهذه الأبوة ، فى ذات الله هى التى انتقلت إلينا بالتبني فى المسيح بواسطة التجسد الإلهى ، وما ترتب عليه من موتنا وقيامتنا مع المسيح وميلادنا فى المعمودية بأسم الآب والابن والروح القدس. أى أننا بها ارتفعنا من مستوى المخلوقات العامة إلى مستوى البنين باتحادنا بالابن ـ وخاصة فى موته وقيامته ـ تأهلنا أن نرتفع من ادراك الله كخالق بالمستوى الفكرى ، إلى ادراك الله كأب بالمستوى السرى كشركة حياة:
[ وحين وُلِدَ (الكلمة) بالجسد من مريم والدة الإله (الثيؤطوكوس) قيل عنه أنه وُلِدَ مع أنه هو (الكلمة) الذى خلق كل الأشياء ، أى الذى يمنح الآخرين أصل وجودهم.ففى الحقيقة هذا هو ميلادنا نحن الذى أخذه لنفسه ، لكى يحول أصلنا إلى نفسه ، ولهذا لم نعد بعد مجرد تراب تعيّن لنا أن نعود إلى التراب ، ولكننا صرنا متحدين ” باللوغوس ” الكلمة من السماء كالأغصان بالكرمة ، الذى سوف يأخذنا إلى السماء…
أما الموت الذى كان ميراثنا بسبب ميلادنا الأول فقد بَطُل. فميلادنا وكل ضعفات الجسد قد تحولت عنا وصارت وحُسبت على ” الكلمة”. أما نحن فقد ارتفعنا عن التراب وأُزيلت عنا لعنة الخطية بواسطته وهو الكائن فينا ومن أجلنا.
وكما كنا بالحق مخلوقين من تراب ، وفى آدم قبلنا الموت جميعًا، هكذا نحن إذ نُولد من فوق من الماء والروح فإننا فى المسيح نحيا جميعًا. فلا يعود جسدنا فيما بعد أرضيًا بل يصير إلهيًا كالكلمة (has been made Word) وذلك بسبب الكلمة الذى صار جسدًا لأجلنا ] (ضد الأريوسيين 33:3).
4- التبني بالطبيعة والتبني بالكلمة:
يتحدث القديس أثناسيوس عن نوعين من البنوة لله:
(1) بنوة بالطبيعة: تخص الكلمة ـ ابن الله الوحيد الجنس وحده.
(2) بنوة بالنـعمة: تقبلها المخلوقات من الله.
ويوضح القديس أثناسيوس أن أولئك الذين يدعون أبناء الله بالنعمة ليسوا أبناء بالطبيعة مثل اللوغوس الابن الحقيقى ـ فالأبناء بالنعمة قد نالوا نعمة كونهم أبناء بالإكتساب وهم يختلفون عمن أعطى لهم:
” ونحن لسنا أبناء لله بالطبيعة ، ولكن ابن الله الذى فينا هو ابن الله بالطبيعة، وكذلك فإن الله ليس آبانا بالطبيعة ، ولكنه أبو ” الكلمة ” الذى فينا ، الذى فيه وبه نصرخ: يا أبا الآب ” (رو15:8) ، حتى إن الآب حينما ينظر أولئك الذين يرى فيهم ابنه يقول ” لقد ولدتكم ” (مز7:2) ويدعوهم أولاده…
لهذا فإننا خُلقنا أولاً كما هو مكتوب (لنصنع الإنسان…) ثم بعدذلك ” وُلدنا “ بواسطة قبولنا نعمة الروح وقيل أننا نُولد. لهذا فإن موسى العظيم قال هذا المعنى بوضوح فى أنشودته: إذ قال (عن الله) أنه أولاً أوجدنا (أى خلقنا) وبعد ذلك ولدنا. لئلا عند سماع (الناس) لفظ (وَلد) ينسون طبيعتهم من البداية وبهذا يعرفوا أنهم مخلوقات منذ البدء ، ثم عندما يُقال أن الناس يُولدون كأبناء بالنعمة ، فإنهم مع ذلك يجب أن يدركوا أنهم مصنوعات بالطبيعة ” (ضد الأريوسيين 59:2).
5- الإيمان الصحيح شرط لنوال نعمة التبني فى المعمودية:
وهناك نقطة شيقة يعرضها القديس أثناسيوس فى رده على الأريوسيين، وهى الارتباط الضرورى بين الإيمان الصحيح ونعمة البنوة التى تنتقل من خلال حميم المعمودية المقدس فى المسيح.
وحيث ينكر الأريوسيون الإيمان الصحيح بخصوص لاهوت الابن ، فإن هذا الانكار يحرمهم تمامًا من نعمة المعمودية التى هى نعمة التبني لله ، إذ أنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس فيهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة ، بل يظلوا مُقفرين وعراة من اللاهوت:
[ فليس من يقول ببساطة يارب هو الذى يُعطى المعمودية ، بل هو ذلك الذى مع الأسم الذى يدعوه ، عنده أيضًا إيمان مستقيم. لهذا السبب فإن المُخلص لم يأمر فقط بالعماد ، بل قال أولاً ” تلمذوا ” ثم بعد ذلك قال ” عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت 19:28) ، لكى يأتى الإيمان المستقيم من التعليم ومع الإيمان يأتى اتمام المعمودية.
إن المعمودية التى يعطيها الهراطقة عديمة الجدوى ، وتعوزها التقوى حتى أن من يعمدونه يتلوث بإلحادهم بدل من أن يُفتدى… فإنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس لهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة… وحيث أن هؤلاء (المُعَمدين) التعساء خُدِعوا من هؤلاء الهراطقة فقد ظلوا عراة مُقفرين من اللاهوت] (ضد الأريوسيين 43:2).
6- التبني لله يعنى التمثل به فى فعل الخير Eupia ونقله إلى الآخرين Diakonia:
يوضح القديس أثناسيوس أن البنوة لله ، هى نعمة تُمنح من الله للبشر ، وهذه البنوة بالنعمة لاتتضمن أى تطابق فى الطبيعة مع الله ، بل تمثلاً أو (محاكاة) لله الآب وابنه اللوغوس فى فعل الخير (Eupia) ، ونقل ما وهبنا الله من خير للآخرين (Diakonia). وهذان العملان أى التشبه أو التمثل بالله فى فعل الخير (Eupia) وصنعه للآخرين (Diakonia) مرتبطان ارتباطًا وثيقًا أحدهما بالآخر ، فهما عبارة عن قبول البشر لفعل الله الخيِّر من جهة ، وتقديم ذلك العمل الإلهى الخيِّر من جهة أخرى:
[ إذ أن ابن الله الواحد الوحيد بالطبيعة والحق هو كائن بذاته ، فنحن أيضًا نصير أبناء لمن دعانا ، ليس كما هو بالحق والطبيعة بل بالنعمة… هكذا أيضًا فإننا وإن كنا عطوفين مثل الله ولكننا لانبلغ المساواة بالله. ولانصبح فاعلى خير بالحق ، لأن كوننا فاعلى خير ليس من صُنعنا نحن بل من صُنع الله ، حتى أنه يمكن لنا نحن أيضًا أن ننقل كل ما يعطيه لنا الله ذاته من نعمة الحب للآخرين (Diakonia) دون أن نميز بينهم، بل ببساطة نمتد بأعمال الخير (Eupia) إلى الجميع. لأننا بهذه الوسيلة نصير إلى حد ما متمثلين بالله ، أى نقوم بتوصيل ما يأتى إلينا من عطايا إلى الآخرين.] (ضد الأريوسيين 19:3).
7- نعمة التبني لله هى سلطان مُعطى للإنسان به نبلغ الكمال:
يوضح القديس أثناسيوس أنه لايكفى الحصول على نعمة التبني لله بالمعمودية فقط ، بل يجب أن نمارس الإيمان ونستثمر هذه النعمة فى حياتنا اليومية ، حتى بالممارسة العملية نصير أولاد الله بالنعمة وبالفعل معًا. إن نعمة التبني هى عطية الله المجانية للبشرية ” أما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” (يو12:1) ولهذا فإنها لاتفرض بالقوة على البشر بل تتضمن استجابتهم الحرة.
إن نعمة الله هنا هى فى الحقيقة الابن المتجسد ذاته ، الذى به يصير البشر أبناء لله بالتبني بالنعمة بواسطة شركة الروح القدس الذى هو روح الابن. كما أن استجابة البشر فى هذه الحالة تتضمن قبول الابن المتجسد كما هو وعلى ما صار عليه. أى إن الابن المتجسد هو القياس والنموذج الذى يُقتَدى به فى الحياة.
والقديس أثناسيوس يتجاسر ويستنطق ” الكلمة المتجسد ” موضحًا الكمال الذى حصلنا عليه بالتجسد والتبني ، ذلك الكمال الذى أسسه ابن الله فى جسده أولاً لحسابنا:
[ أنا حكمتك (أيها الآب) وأنت فىَّ ، ولكنى أنا فيهم بالجسد ، وبك قد أُكمِل خلاص البشرية فىَّ ، لذلك أسأل أن يكونوا واحدًا بحسب الجسد الذى فىَّ ، وبحسب الكمال الذى لهذا الجسد ، حتى إذ يتحدون بهذا الجسد ويصيرون واحدًا فيه ، يصيرون كاملين ، حتى يكونوا جميعًا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا ، وإنسانًا كاملاً ، كإنما احملهم جميعًا فى ذاتى ، لأنه من حيث إننا نشترك فى المسيح الواحد، ونملك فى داخلنا الرب الواحد ، نصير جميعًا جسدًا واحدًا ] (ضد الأريوسيين 22:3).
ويلاحظ أن ” الكمال ” الذى يبلغه الإنسان فى المسيح هو نتيجة اتحاد المؤمنين بجسد المسيح ، الأمر الذى يعتبر احدى خصائص اللاهوت عند القديس أثناسيوس.
التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان
تأثير القديس أثناسيوس الرسولي فى التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية (2)
تأثير القديس أثناسيوس الرسولي فى التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية (2)
تأثير القديس أثناسيوس الرسولى فى التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية
تأثير القديس أثناسيوس الرسولى فى التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية د. جوزيف موريس فلتس
(الحلقة الثانية)
شملت دراستنا فى الحلقة الأولى كلا من الجزء الأول فى هذا البحث والذى تناول ـ بصفة عامة ـ تأثير القديس أثناسيوس فى حياة الكنيسة القبطية وتعليمها اللاهوتى ابتداءً من القرن العاشر الميلادى وإلى الآن. وفى الجزء الثانى من البحث والذى يتناول تأثير القديس أثناسيوس فى التعليم اللاهوتى لأحد كُتّاب الكنيسة القبطية المشهورين فى القرن الثالث عشر الميلادى ألاّ وهو الأسقف القبطى بولس البوشى أسقف مصر عام 1240م. عرضنا ـ بإيجاز ـ لشخصية هذا الراعى وملامح عصره وكتاباته اللاهوتية وسماتها ، ثم تناولنا إحدى مقالاته وهى تدور حول موضوع ” التثليث والتجسد وصحة المسيحية “، فقمنا بتحليل الجزء الخاص بقضية التجسد من حيث الشكل وتركيب النص.
وفى هذه الحلقة سنتابع بعضًا من أفكار وتعاليم بولس البوشى اللاهوتية حول عقيدة التجسد، باحثين فيها عن مدى تأثره بفكر وتعاليم القديس أثناسيوس.
+ التعليم عن التجسد للأسقف بولس البوشى :
اعتمد بولس البوشى ـ كراعٍ وأسقف قبطى ـ فى تعليمه عن التجسد على الكتاب المقدس وعلى من سبقوه من آباء الكنيسة الكبار ، وذلك لكى يواجه مشاكل عصره ، والتى وإن اختلفت فى مظهرها الخارجى ، إلاّ أن جوهرها يتفق مع مثيلاتها فى القرون الأربعة الأولى ، كما يتضح من مضمون الأسئلة الافتراضية التى سبق الإشارة إليها.[1]
فلقد واجه الآباء الكبار كلاً من مشاكل إنكار ألوهية الابن وإمكانية تجسد الله الكلمة ، وأيضًا حتمية وضرورة تجسد ابن الله الوحيد. ومن أشهر من تصدى لهذه الأمور العقيدية فى القرن الرابع القديس أثناسيوس الرسولى ، بطريرك الأسكندرية العشرون ، الذى دافع بضراوة عن ألوهية الابن ضد ضلال آريوس وأتباعه وترك لنا مقالاته ” ضد الآريوسيين ” كأعظم نصوص دفاعية عن ألوهية الابن المتجسد ، وفى كتبه ” ضد الوثنيين ” ، ” تجسد الكلمة ” سلّم لنا تعليمًا أرثوذكسيًا عن عقيدة التجسد وضرورته لخلاص البشرية حيث عجز الإنسان الساقط عن استعادة علاقته بالله بسبب الموت الذى دخل إلى البشرية بالخطية ، فكان لابد أن توهب له الحياة مرة أخرى عن طريق تجسد ابن الله الحى ، الذى شهد هو عن نفسه بأنه ” الطريق والحق والحياة “.
إذن، فقد دافع بولس البوشى عن عقيدتى التجسد وألوهية المسيح مقتفيًا آثار القديس أثناسيوس ، وقدم فى وضوح تام لشعبه وكنيسته تعليمًا أرثوذكسيًا آبائيًا عنهما.
I ـ التجسد عهد جديد بين الله والإنسان:
فهم البوشى التجسد على أنه عهد جديد بين الله والإنسان ، إذ أن الله تعاهد الإنسان الساقط قديمًا ” بالناموس والأنبياء والوعد والوعيد ” [2]. غير أن البشرية تمادت فى طريق الضلال وابتعدت عن الإله الحق ، متخذة لنفسها آلهة كثيرة. وفى ابتعادها هذا وعصيانها، تعرضت للفناء بعد أن كان لها إمكانية عدم الفناء إن هى أبقت الله فى معرفتها، ولهذا كله احتاجت البشرية إلى تعاهد جديد ونهائى ، وهكذا نرى أن البوشى يرى التجسد فى ضوء “التعاهد الذى للعهد الجديد بين الله والبشر ” [3].
يستهل البوشى مقالته ـ موضع البحث ـ بوصف مختصر لتعاهد الله للإنسان وعنايته به، فيذكر فى الفقرات الثلاث الأولى من مقدمة مقالته أنه ” هكذا تعاهد الله خلقته بالناموس [4]، والأنبياء والوعد والوعيد ، ولما اشتد عصيانهم أدبهم بالضربات والنقمات والغلاء والجلاء ، وملوك عاتية تسود عليهم تسبونهم ” [5].ثم يتابع حديثه فيستعرض بعد ذلك الحالة التى جعلت من تدخل الله ضرورة [6].
ومن الجدير بالملاحظة أن القديس أثناسيوس وبولس البوشى كليهما يذكران هذه الأمور. فالقديس أثناسيوس يذكرها فى بداية كتابه ” تجسد الكلمة ” ثم يتعرض لها بالتفصيل فى الفصول الأربعة الأولى [7] عندما يتحدث عن أفعال الشر وعصيانهم وعباداتهم الوثنية والتى اتخذت أشكالاً مختلفة ، بينما نجد أن بولس البوشى يختصرها فى الفقرات الثلاثة السابق الإشارة إليها. وربما كان السبب ـ على ما نعتقد ـ فى إيجاز البوشى لوصف هذه الأفعال، أن تلك العبادات الوثنية لم تكن منتشرة بهذا الشكل فى عصره ، بينما كانت لا تزال منتشرة كلها أو بعضها فى زمن كتابة القديس أثناسيوس لتجسد الكلمة.
II ـ ضرورة التجسد لشفاء البشرية:
الله صالح بل هو نبع الصلاح [8]، والصالح لا يخرج إلاّ صلاحًا ، والشر ليس له كيان ، والله لم يخلق شيئًا شريرًا ، فكل ما خلقه الله وعمله كان ” حسنًا جدًا “[9] وبالتالى فالخطية هى مرض أصاب البشرية وأبعدها عن الله.
ولقد أدرك البوشى هذا التعليم الكتابى والآبائى، فعبر عنه فى مقدمة مقالته ، ليوضح ضرورة التجسد لشفاء البشرية. فالبشر فى سلوكهم فى الظلمة بعيدًا عن النور الحقيقى “تمادوا فى الرديء ، فاشتد الداء وكثر السقم وتزايدت العلة ” [10]. فبولس البوشى يدعو الخطية : ” الرديء ” وهى ” داء ” ، وهى ” سقم ” ، وهى ” علة “. وعندما ” أدنف المريض ” أى ثقل مرضه وأشرف على الموت[11] ، احتاج إلى ” غاية العلاج من الطبيب الحقيقى ” [12] ” مشفى النفوس والأجسام وهو تجسد الإله الكلمة ” ، ويبنى البوشى فهمه هذا على ما ذكره السيد المسيح عن نفسه، إذ قال للكتبة والفريسيين ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى ، لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة ” [13].
فالمقارنة هنا واضحة بين الخطية والمرض ، بين الخطاة والمرضى ، والعلاقة قوية بين التجسد بمعنى أن يأتى الله فى الجسد وعمله كطبيب حقيقى يعالج مرض البشرية ويخلصها لأنه هو خالقها. ولهذا يضيف البوشى ” لأن الصنعة لا يقدر أن يصلحها إلاّ صانعها ، وهكذا الخليقة لما هلكت احتاجت إلى تعاهد الخالق له المجد“[14]. فالبشرية صارت بعد السقوط فى طريقها إلى الفناء، وبالتالى كانت هناك حاجة إلى تجديدها ، ” والكلمة ” لأنه هو الخالق كان لابد أن يأخذ على عاتقه أمر تجديد خليقته [15].
III ـ التجسد وعلاقته بخلق الكون:
هناك علاقة وثيقة بين سر التجسد وسر الخلق ، والقديس أثناسيوس الرسولى كان هو أول من أوضح هذه العلاقة الوثيقة ، إذ يذكر فى بداية كتابه تجسد الكلمة ” إذن فيليق بنا أن نبدأ بحث هذا الموضوع (سبب ظهور كلمة الآب الجليل القدر فى الجسد) بالتحدث عن خلقه الكون وعن الله بارئه، وعندئذ يمكننا أن ندرك أن تجديد الخليقة كان من عمل نفس “الكلمة” التى خلقها فى البداية، إذ سوف يتضح أنه لم يكن أبدًا مخالفًا أن يتمم الله خلاص العالم بذلك الذى خلقه به أولاً ” [16]. ولقد فهم البوشى عمق هذا التعليم الجوهرى الآبائى ونجده قد أوجزه بوضوح كامل نلمسه فى وضعه لسؤال افتراضى من أحد المعترضين على القول بتجسد الله الكلمة: ” ما الذى اضطر الله للتجسد ” [17].
وإجابته عليه بسؤال آخر ” ومن الذى اضطره لخلق آدم وذريته ” [18]. وتتابع السؤالين يدل عن وعى البوشى بتعليم أثناسيوس الآبائى وإدراكه لأهمية هذا الربط بين سر التجسد وسر الخلق فى إثبات ألوهية الابن المتجسد كما سنرى.
وجواب السؤالين عند البوشى واحد ، فسر الخلق وسر التجسد مصدرهما شئ واحد هو “محبة الله للبشر ” [19]، فسر التدبير الإلهى لم يبدأ فقط بالتجسد ، بل إن هذا التدبير قد بدأ فى سر خلق الإنسان وذلك بسبب محبة الله وصلاحه من نحو الإنسان وبذلك يكون التجسد هو امتداد لمحبة الله التى هى منذ البدء لهذا يعطى البوشى جوابًا لمن يسأل عن سر الخلق وسر التجسد فيقول ” وإن سألوا عن ذلك يُقال لهم : جوده وتفضله ” [20]. مستخدمًا تعبير القديس أثناسيوس بأن التجسد كان عملاً يتناسب مع جود الله إذ يقول ” حقًا لقد كان هذا العمل العظيم متفقًا مع جود الله بشكل عجيب ” [21].
ويعطى البوشى أهمية كبرى لحقيقة ارتباط سر التجسد بسر الخلق ، إذ هى هامة وضرورية فى حواره مع الذين يرون استحالة تجسد الله الكلمة وينكرون ألوهية الابن . فالذى يعترف بأن الله خالق عليه وبالضرورة أن يعترف أن الابن المتجسد هو الله ، وذلك لأن التجسد هو امتداد للخلق ودليل على محبة الله وصلاحه كما سبق القول.
كما أن ربط سر التجسد والخلاص ، بسر الخلق ـ حسب كتابات البوشى ـ يثبت ألوهية الابن المتجسد. فالله الكلمة الذى خلق البشرية بنفسه [22] لا بواسطة ملاك ، كان ينبغى عليه أن يصلح الخليقة بنفسه لا بواسطة ملاك. وإذا كان هدف التجسد هو “إصلاح الخليقة”، لذلك كان ضروريًا أن يتجسد هو بنفسه لا ملاك من دونه ” لأن الصنعة إذا فسدت لا يقدر أن يصلحها إلاّ صانعها ” [23]، فالملاك إذن، ولأنه مخلوق لا خالق لا يستطيع أن يجدد الخليقة.
“لو أن ملاكًا تولى خلقة البرية من دونه (من دون الله) لكان واجبًا أن يرسله (الله) ليصلح خليقته ” [24] وهنا تجدر ملاحظة أنه بينما يتحدث القديس أثناسيوس فى الفصل 13 من كتابه “تجسد الكلمة” ، عن عدم إمكانية تجديد الإنسان الذى خُلق على صورة الله بواسطة الملائكة أو البشر ، ويعزى ذلك إلى أن الملائكة لم يكونوا صورًا لله [25]، نجد أن البوشى يعزى ذلك إلى أن الملائكة لم يتولوا خلقة البرية ، ويتحاشى استخدام مصطلح ” صورة ” للسبب السابق الإشارة إليه [26] ولهذا السبب عينه نجده ـ وهو يعلل عدم استطاعة البشر أيضًا ، تجديد الخليقة ، لا يصف ” كلمة الله ” بأنه هو صورة الآب كما يفعل القديس أثناسيوس فى الفقرة السابق الإشارة إليها [27].
IV ـ الموت هو النتيجة الحتمية للسقوط:
يتابع البوشى شرح تعليمه عن التجسد فيصف أولاً الحالة التى وصل إليها الإنسان ، وينعتها بـ ” الورطة التى كانت من البشرية “[28] ثم يعود فيعطى تفصيلاً لتلك الحالة بهدف إيضاح السبب الرئيسى الذى من أجله، كان لابد لله الكلمة فقط وليس غيره أن يتجسد.
وفى تركيز البوشى على أن الموت جاء تابعًا للسقوط ، وأن ثمرة التجسد الأولى هى تجديد البشرية ، نجده يتبع نفس الخط التعليمى الذى للقديس أثناسيوس، الذى يشدد على أن الموت ساد على البشر بالفناء ، وذلك لكى يوضح ضرورة وحتمية التجسد [29] الذى سيحول “المائت ” إلى ” الحياة الجديدة “. [30]
لقد كانت تعاليم القديس أثناسيوس عن سقوط الإنسان ، كسبب لتجسد الكلمة من فرط محبته للبشر ، تعاليم مناسبة وأساسية بالنسبة للبوشى لمواجهة أفكار عصره غير المسيحية عن الخلاص.
فحسب تعاليم أثناسيوس والتى تتفق مع الكتاب المقدس ، كان التجسد ضروريًا ، ليس للأسباب سابقة الذكر فقط ، بل ولأن التوبة لم تكن تصلح لرفع الفناء الذى أصبح طبيعة للإنسان نتيجة سقوطه [31]. غير أن هذه التعاليم هى غريبة على الفكر غير المسيحي ، والذى كان سائدًا حتى عصر البوشى أيضًا. فحسب اعتقادهم، فإن معصية آدم لا تعتبر خطية موجبة للموت. فآدم عصى وصية الله ، غير أنه تاب وقبل الله توبته. وحسب هذا الاعتقاد ونتيجة له، لا تُعطى لقضية الموت والفناء كنتيجة للتعدى ، تلك الأهمية التى لهما فى عقيدة الخلاص فى المسيحية الشرقية. وبالتالى فتجسد الله الكلمة ـ والذى بواسطته رُفع حكم الموت ووُهبت للإنسان حياة جديدة أبدية ـ لا يمثل أهمية أو ضرورة حسب هذا الفكر.
ولقد وضع البوشى إصبعه على هذه النقطة الخطيرة فى فكر الذين لا يرون ضرورة ولا حتمية لتجسد الله الكلمة ، للقضاء على الموت ولمنح الإنسان الحياة الجديدة ، ولهذا كتب لهم ” أن هذا الشيء بَعُد عن ذهنكم لكونكم لم تألفوه بالتربية، ولم تفهموا أقوال الأنبياء والرسل لأجله ” [32].
وفى إدراكه لخطورة هذا الفكر ، حاول البوشى أن يعطى المعنى العميق والكيانى لتعدى الوصية والبعد الواقعى للسقوط ـ فهو يري أن عدم طاعة آدم هى خطيئة مميتة، وذلك لأن الله عندما نهاه أن يأكل من ” عود المعصية ” [33] قال له ” فى اليوم الذى تأكل منه موتًا تموت ” [34].
وهنا يفرق البوشى بين نوعين من الموت ، الموت المحسوس وهو عبارة عن ” افتراق النفس من الجسم ” [35] ، والموت ” المعقول ” أو الموت الروحى ، وهو عبارة عن ” افتراق روح الله عن نفس الإنسان ” [36] وبمقارنة نوعى الموت وتأثيرهما على الإنسان ، نجد أن البوشى يصف الموت الروحى بأنه ، ” هو أشد الموت وأشنعه ” [37] إذ بالموت يفقد الإنسان كل اتصال له وشركة مع الله مصدر الحياة، وهو ما حدث بالفعل عندما أكل آدم من الشجرة، فلقد ” مات بحق ذلك اليوم ، الموت المعقول ” لقول الله الصادق ” إن فى اليوم الذى تأكل منه موتًا تموت ” [38].
ونلاحظ أن البوشى يكرر عبارة سفر التكوين ” موتًا تموت ” مرتين [39]. وتكرار الكلمة فى التعبير العبرى ” موتًا تموت ” هدفه التشديد على المعنى ، أى أن الموت سيلحق بالإنسان بالتأكيد وان هذا الموت هو الموت الحقيقى. أو كما يعلق القديس أثناسيوس على نفس الشاهد بقوله ” وماذا يعنى بقوله (موتًا تموت)؟ “. ليس المقصود مجرد الموت ، بل البقاء إلى الأبد فى فساد الموت ” [40].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن البوشى استخدم الشاهد الكتابى فى سفر التكوين بشيء من التغيير فى التعبير ، فذكر أن الله نهى آدم أن يأكل من ” عود المعصية ” بدلاً من ” شجرة معرفة الخير والشر ” قائلاً : ” فى اليوم الذى تأكل منه موتًا تموت ” وهدف البوشى من هذا التغيير ـ على ما نعتقد ـ هو أنه يريد أن يلفت الانتباه من البداية إلى أن توابع المخالفة أى ” المعصية ” هو الموت ، الموت الحقيقى والذى سيتبعه الموت المحسوس أو بتعبير البوشى “ثم بعد الموت المعقول حُكم عليه بالموت المحسوس ” [41].
نتيجة لكل هذا وُجدت البشرية فى ” ورطة ” وبالتالى فلقد وصل الحال بآدم أن ” رجاء الحياتين قد انقطع منه ، أعنى الحياة المؤبدة (الأبدية) مع الله والحياة الزمنية ” [42] وليس آدم فقط بل وكل ذريته.
وبينما يصف القديس أثناسيوس حالة آدم وذريته بعد السقوط ” نُزعت منهم النعمة التى سبق أن أُعطيت لهم وهى مماثلة صورة الله ” [43]، يستخدم البوشى عبارة أخرى ليوضح نفس الحالة فيقول ” فعند أكله من الشجرة نزع الله منه فى ذلك الوقت روح قدسه “ [44].
ومن هذه المقابلة يتضح أن البوشى يطابق بين النعمة الإضافية التى أعطاها الله للإنسان بخلقته إياه ” حسب صورته ” حسب تعبير أثناسيوس [45]، وبين ” روح الله ” بمعنى ” نسمة الحياة ” التى نفخها الله فى آدم وحده [46] دون سائر المخلوقات.
وهذا التطابق نجده أيضًا عندما يصف البوشى حالة الإنسان قبل السقوط والإمكانيات التى كان يتمتع بها حينذاك ، فيقول البوشى إن الروح القدس ” كان سبب حياته المؤبدة (الأبدية) مع الله “ [47] ونتيجة لهذا كان آدم ” متصلاً مع القوات العقلية الغير متجسدة وحيا مع الله دائمًا “ [48].
بل أن آدم قبل السقوط ، كان يقيم حوارًا مع الله من خلال الروح ” كذلك كان كلامه معه أولاً فى ذوات الأرواح ” [49]. حالة آدم هذه، والتى تكلم عنها البوشى يوضحها القديس أثناسيوس قائلاً أن الله ” لم يكتف بخلق البشر مثل باقى الكائنات غير العاقلة على الأرض ، بل خلقهم على صورته وأعطاهم قوة ” كلمته “، حتى يكون لهم بطريقة ما بعض ظلال “الكلمة” صائرين عقلاء ، فيستطيعوا أن يبقوا فى سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية ، حياة القديسين فى الفردوس ” [50].
وبمقارنة تعاليم بولس البوشى بتعاليم القديس أثناسيوس نخلص إلى أن الإنسان ـ حسب فكرهما ـ كمخلوق على صورة الكلمة ، أو ككائن لديه شركة روح الله ، لم يكن لديه أى عقبات فى أن يعرف الله ، لأن الشبيه بالشبيه يُعرف ، غير انه ابتعد عن الله ، فعاد إلى العدم بعد أن كان فى شركة مع الله ، الكائن الحقيقى وحده. لقد كانت هذه الشركة هى الضمان الوحيد لوجوده ، لكيانه ، وطالما كانت للإنسان هذه الشركة ، فقد كان بالفعل كائنًا ، كان بالفعل موجودًا.
ولقد أدرك البوشى ان ما يقصده أثناسيوس فى النص السابق بعبارة ” على صورته ” ، يشير إلى الجانب الروحى فى الإنسان، والذى بسببه يمكن تمييز الإنسان عن الحيوانات الغير عاقلة ، لهذا نجد البوشى يصف تبعات فقدان الإنسان لحالة الخلق ” حسب الصورة ” بنفس تعبيرات القديس أثناسيوس تقريبًا. فنرى أن القديس أثناسيوس يذكر أن البشر بعد السقوط “لم يعودوا يظهرون بعد، كخليقة عاقلة ، بل دلت طرقهم على أنهم مجردون من العقل ” [51]، وبالمثل يصف البوشى نفس هذه الحالة بقوله ” فعاش آدم كمثل حياة البهائم ” [52]
ولم تكن تبعات التعدى هى الموت فقط بل أيضًا الفساد (الفناء). ويربط القديس أثناسيوس بشدة مصطلحى ” الموت ” ، و” الفناء ” كما يتضح من مواضع عديدة فى كتابه “تجسد الكلمة” [53]. غير أن البوشى فى حديثه عن حالة الإنسان بعد السقوط لا يظهر أنه يستخدم تعبير ” الفناء ” ، بل يذكر فقط معنى هذا المصطلح مرتبطًا بمصطلح “الموت”، فيقول إن آدم ” أُفقد ذلك المجد والبهاء الذى كان له أولاً ثم مات ورجع إلى ترابه ” [54]. ومن الملاحظ أنه استخدم مصطلح ” الفناء ” الذى استخدمه أثناسيوس وأيضًا مرتبطًا بمصطلح ” الموت ” فى سياق حديثه عن قيامة المسيح، حيث يصفه بأنه ” غالب الموت والفناء ” [55].
V ـ حتمية تجسد الله الكلمة:
نختم بحثنا هذا لبعض أفكار وتعاليم بولس البوشى اللاهوتية حول عقيدة التجسد ومدى تأثرها بأفكار وتعاليم القديس أثناسيوس الرسولى اللاهوتية ، باستعراض نقطة جوهرية فى هذه العقيدة ، مفادها أن إنسانًا لا يستطيع أن يخلص البشر من الموت ، ولهذا لابد وأن يتجسد الله الكلمة ليقوم بهذه المهمة [56].
فبعد أن أوضح البوشى فى النقطة IV أن تبعة السقوط هى الموت ، يحاول الآن أن يتكلم فى المقابل عن الحياة الأبدية ، تلك التى يستطيع الله الكلمة وحده ، بتجسده أن يهبها للبشرية الساقطة ..
فبسبب السقوط ساد الموت على آدم وبنيه ” ثم مات ورجع إلى ترابه كقول الله ، وهكذا نسله من بعده صائرون إلى التراب مثله، تابعون أبيهم” [57] ونتيجة لهذا “كل من أتى من نسله من النبيين والصديقين، لم يقدر أحد منهم بالجملة أن يوصل إلينا الحياة المؤبدة (الأبدية)” [58]ويُرجع البوشى عدم استطاعة أى منهم، إلى أن “الحياة الأبدية لم تكن فى جوهره“[59] فالكل باق فى الفساد[60].
فالبشر هم جميعًا من المخلوقات ، وحياة كل مخلوق لها بداية كما أن لها نهاية. أما ذلك الذى يستطيع وحده أن يهب الحياة الأبدية ويقضى على الموت ، فهذا لا يُحسب ضمن المخلوقات. فهو أزلى أبدى، ” لأن الحياة التى بلا نهاية لم تكن إلاّ للذى بلا ابتداء ” [61]. والمخلوقات لها بداية ولها نهاية ، أما كلمة الله فهو غير مخلوق لكونه ” خارجًا عن الطريقتين أعنى الابتداء والانتهاء ” [62]. ولهذه الأسباب لا يستطيع أحد من البشر نبيًا كان أم صديقًا أن يهب الحياة الأبدية ، ناقضًا الموت للبشرية الساقطة إلاّ الله وحده، والذى بتجسده أوصل إلينا الحياة الأبدية ـ بالنسبة لذلك الجسد المأخوذ منا [63].
وهنا يشدد البوشى ولمرة أخرى على أن الكلمة المتجسد، ليس هو مجرد إنسان مُرسل من الله ليخلص شعبه ” لكنه هو الخالق والذى بسبب كمال تحننه وتفضله تعاهد بريته وصنعته للخلاص ” [64].
وبهذه الطريقة يُجمل البوشى أدلته على ألوهية الابن المتجسد أمام من ينكرونها ، مستعينًا فى ذلكن بلاهوت آباء الكنيسة الكبار وخصوصًا القديس أثناسيوس الرسولى والذى واجه نفس هذه الأفكار فى عصره عندما قاوم الهرطقة الآريوسية والتى حَسَبت الابن المتجسد من بين المخلوقات فأنكرت بذلك ألوهيته..
وأخيرًا فلقد أعطى البوشى فى اعتماده على فكر القديس أثناسيوس وتعاليمه ـ بالرغم من مرور حوالى تسعة قرون حينذاك على انتقاله ـ مثلاً حيًا لأهمية تراث هذا الأب والمعلم ليس فقط لعصر البوشى بل لجميع العصور وحتى الآن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الموضوع:
[1] أنظر الحلقة الأولى من هذه الدراسة : دورية دراسات آبائية ولاهوتية، السنة الأولى 1998، العدد 2، ص 50ـ51.
[2] بولس البوشى : مقالة فى التثليث والتجسد وصحة المسيحية ، تحقيق الأب سمير خليل اليسوعى : سلسلة التراث العربى المسيحى 4 ، لبنان 1983:فقرة1.
[3] وهذا الفكر مؤسس على الفكر الكتابى والذى يوضحه القديس بولس الرسول فى بداية رسالته إلى العبرانيين قائلاً ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى ابنه ” (عب1:1ـ2).
[4] حسب فكر القديس أثناسيوس ، تظهر عناية الله بالإنسان خاصة ، دون باقى المخلوقات غير العاقلة فى أنه خلقه على صورته ومثاله (تجسد الكلمة فصل3). والبوشى لا يجهل هذه التعاليم الكتابية والآبائية بل يذكرها فى مواضع أخرى من كتاباته أنظر :
Nagi Edelby: Bulus al- Busi, l’homolie de l’annonication. Pontificia universitas Gregoriana, facultas Theologie, Romae, P. III.
وأيضًا القس منقريوس عوض الله : مقالات الأنبا بولس البوشى ، أسقف مصر وأعمالها ، القاهرة 1972، المقالة الرابعة عن الشعانين ص 48ـ54 وخصوصًا ص 54. غير أن البوشى هنا يتحاشى استخدام عبارة ” خلق الإنسان على صورة الله ومثاله ” بسبب أن مقالته هذه دفاعية يمكن ان تصلح أيضًا لغير المؤمنين ، وبالتالى فهو يحاول استخدام تعبيرات لاهوتية مفهومة بالنسبة لهم.
[5] البوشى : المرجع السابق فقرة 1ـ3 ص189.
[6] المرجع السابق : فقرة4ـ7 ص 189.
[7] أثناسيوس الرسولى : تجسد الكلمة الفصول 3،4،5،8،10،11.
[8] القديس أثناسيوس : تجسد الكلمة فصل 3 ” لأن الله صالح أو بالحرى لابد وأن يكون هو مصدر الصلاح “.
[9] تكوين 31:1.
[10] البوشى : المرجع السابق فقرة 4 ص 189 ، وهنا أيضًا نرى تأثر البوشى بالقديس أثناسيوس فى فهمه عن تمادى البشر فى الشر والخطية حيث يقول القديس أثناسيوس ” وإذ تسفل إهمال البشر قليلاً قليلاً إلى السفليات ، أعد الله مرة أخرى علاجًا لضعفهم ” أى لمرضهم. تجسد الكلمة فصل 12. وأيضًا فصل 5 يقول ” لأن البشر لم يقفوا عند حد معين فى سوء أفعالهم بل تدرجوا فى الشر حتى تخطوا كل حدود ” ، وفصل 8 ” وإذا رأىفوق هذا شر البشر المستطير وأنهم يتزايدون فيه شيئًا فشيئًا “.
[11] قارن ” جلبوا على أنفسهم الموت والفساد ” أثناسيوس : تجسد الكلمة فصل 5.
[12] والبوشى كأسقف وراعى ، مشبع فكره بصلوات الكنيسة يستعير من أوشية المرضى فى رفع صلوات بخور عشية وباكر تعبير ” الطبيب الحقيقى ” غير أن هذا التعبير يتكرر كثيرًا فى كتابات آباء الكنيسة مثل القديس أثناسيوس، والقديس كيرلس، والقديس غريغوريوس النيسى ، وهنا نسوق وصف القديس أثناسيوس لعمل الرب المخلص فى تجسده وعلاجه لهذا الداء “فليعلموا أن الرب لم يأت لكى يتظاهر ويتباهى بل لكى يشفى ويعلم أولئك الواقعين تحت الآلام. فالطريق لمن يريد أن يتظاهر هو أن يظهر ويبهر أنظار الناظرين ويذهل عقولهم ، أما الطبيب والمعلم فعليه أن لا يكتفى بمجرد حلوله هنا بل أن يقدم نفسه لمساعدة المحتاجين ” تجسد الكلمة فصل 43.
ويكرر القديس أثناسيوس نفس التعبير بإضافة صفة ” المخلص ” ليوضح حقيقة هذا العمل وهدفه أى الخلاص أو ما عبر عنه البوشى بعبارة ” غاية العلاج ” فيقول أثناسيوس فى فصل 44 ” أما وقد خلق الإنسان وأصبح الأمر يحتاج بطبيعة الحال إلى علاج ما هو موجود ، لا ما هو ليس موجودًا ، دعت الضرورة بطبيعة الحال إلى أن يظهر الطبيب والمخلص فيما وُجد ووصل إلى تلك الحال لكى يبرئ (يشفى) ما وُجد “.
كما نجد الصورة التى رسمها البوشى لذلك ” الطبيب الحقيقى ” تتكرر عند القديس غريغوريوس النيسى فى كتاباته ضد أبوليناريوس PG45.1180C وأيضًا فى مقالة للموعوظين J.H.Srawley, M.A:The Catechetical Oration of Gregory of Nyssa, Cambridge 1956, ch.29. حيث يقول إن ” الطبيب الحقيقى ـ لأنه متمكن من نفسه ـ فلكى يعالج المرضى علاجًا تامًا وشافيًا فقد تركه لكى تظهر أعراضه (أدنف المريض حسب تعبير البوشى) وحينذاك يكون تدخله حاسمًا ويكون بذلك عمله هو ” غاية العلاج “.
[13] مرقص17:2.
[14] البوشى : المرجع السابق : فقرة 6ـ7 ص 190.
[15] يرد هذا الفكر الأساسى فى فهم عقيدة التجسد عند القديس أثناسيوس الرسولى فى كتابه تجسد الكلمة فصل 7 ” أو من ذا الذى يستطيع أن يعيد إليه (للإنسان) تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلاّ كلمة الله الذى خلق كل شئ من العدم فى البدء؟” وأيضًا يكرر هذا التعليم فى فصل 10 ” إنه لم يكن مستطاعًا لأحد آخر أن يرد البشرية عن الفناء الذى بدأ ، غير كلمة الله الذى خلقهم أيضًا من البدء “
[16]تجسد الكلمة فصل 1، وأيضًا “لأنناعند التحدث عن ظهور المخلص بيننا يتحتم علينا التحدث عن أصل البشر ” فصل4.
[17] البوشى : المرجع السابق : فقرة 84 ص 205.
[18] البوشى : المرجع السابق : فقرة 85 ص 205
[19] وهنا يرجع البوشى للقديس أثناسيوس الذى يذكر أن خلقه البشر كانت بسبب محبة الله وتحننه فيذكر أن البشر إذ ” كانت لهم طبيعة عدم الوجود إلاّ أنهم بحضور الكلمة وتحننه دُعوا إلى الوجود ” (تجسد الكلمة فصل 4)، كما أن التجسد كان بسبب تعطف الرب ومحبته ” إن عصياننا استدعى تعطف الرب ” فصل16 وأيضًا ” لأن المخلص بمحبته للبشر يتم بتأنسه شيئين ” فصل16.
[20] البوشى : المرجع السابق : فقرة86 ص 205.
[21] أثناسيوس : تجسد الكلمة : فصل 4 وأيضًا يقول : “… ولأنه هو محب البشر وصالح فقد أعد من قبل تدبير خلاصنا بكلمته الذاتى الذى به أيضًا خلقنا ” (ضد الآريوسيين75:2).
[22] يضع البوشى سؤالاً افتراضيًا “ لماذا لم يرسل (الله) ملاكًا من دونه لخلاص شعبه.. أو يرسل رسولاً ويعضده لخلاص شعبه ” (فقرة 95 ، 101) ويريد بسؤاله هذا أن يوضح ويثبت ألوهية الابن المتجسد أمام من ينكرون ذلك ويؤمنون بإمكانية إصلاح البشرية عن طريق ملاك أو نبى آخر ، ويصل البوشى فى شرحه إلى أن الخالق هو وحده القادر على إصلاح خليقته وبالتالى فالكلمة المتجسد الذى يمكنه إصلاح الخليقة هو بالتالى الله الخالق.
[23] البوشى المرجع السابق فقرة6 ص 190.
[24] البوشى : المرجع السابق فقرة 96 ص 209.
[25] ” كان ذلك مستحيلاً أن يتم بواسطة البشر لأنهم هم أيضًا خُلقوا على مثال تلك الصورة ولا أيضًا بواسطة الملائكة لأنهم لم يكونوا صورًا لله ” (تجسد الكلمة13).
[26] أنظر الملاحظة رقم 4 من المقالة ” حسب فكر القديس أثناسيوس.. “.
[27] أثناسيوس : تجسد الكلمة فصل 13 ” لهذا أتى كلمة الله بذاته لكى يستطيع وهو صورة الآب أن يجدد خلقة الإنسان ذلك المخلوق على حسب الصورة “. غير أن البوشى لا ينكر بالطبع هذه الحقيقة الجوهرية فى الإيمان المسيحى. ففى بداية مقالته هذه يعطى وصفًا ” للكلمة ” يوضح فيه كل هذه الحقائق الإيمانية مستندًا فيه على الكتاب المقدس وقانون الإيمان ، فيقول فيه عن كلمة الله إنه ” القدوس الذى لا يتدنس ، الصورة الأزلية التى لا تفسد ” فقرة 12.
[28] البوشى : المرجع السابق فقرة 99 ص 209.
[29] أثناسيوس : تجسد الكلمة فصل 8 ” وإذ رأى الجنس (البشرى) العاقل يهلك وأن الموت يملك عليهم بالفناء ، وإذ رأى أيضًا عقوبة التعدى (الموت) قد خلدت الفناء فينا.. إذ رأى أن كل البشر خاضعين للموت ، رحم جنسنا.. فقد اتخذ لنفسه جسدًا لا يختلف عن جسدنا “.
[30] أثناسيوس : تجسد الكلمة فصل 10 ” لأنه بذبيحة جسده وضع حدًا لحكم الموت.. ووضع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة.. وهذا هو السبب الأول الذى من أجله تأنس المخلص “.
[31] أثناسيوس : المرجع السابق فصل 7 ” لأنه لو كان (تعدى الإنسان) مجرد خطية ولم يستتبعه فساد ، كانت ستصبح التوبة كافية “.
[32] البوشى : المرجع السابق فقرة 104 ص210.
[33] البوشى : المرجع السابق فقرة 108 ص 211.
[34] البوشى : نفس الفقرة.
[35] البوشى : المرجع السابق فقرة 111 ص 211.
[36] البوشى : المرجع السابق فقرة 113 ص 211.
[37] البوشى : المرجع السابق فقرة 114 ص 211.
[38] البوشى : المرجع السابق فقرة 118 ص 212.
[39] فى الفقرات 108 ص211، 118 ص212.
[40] أثناسيوس : تجسد الكلمة : فصل 3.
[41] البوشى : المرجع السابق فقرة 119 ص 212، ويذكر القديس إيريناوس أن الله سمح بموت الإنسان (الموت المحسوس) حتى لا يبقى فى الخطية إلى الأبد ” أنظر : ‘ElegcÒj G’ XXIII.6.
[42] البوشى : المرجع السابق فقرة 121 ص 213.
[43] تجسد الكلمة فصل 7. وهنا أيضًا يتضح تجنب البوشى لاستخدام تعبير ” صورة ” كما سبق القول.
[44] البوشى : المرجع السابق فقرة 116 ص 212.
[45] تجسد الكلمة فصل 3.
[46] تك8:2.
[47] البوشى : المرجع السابق فقرة 117 ص 212.
[48] البوشى : المرجع السابق نفس الفقرة ، ويقصد البوشى بتعبير ” القوات العقلية الغير متجسدة ” والذين أيضًا ربما كان يقصد القديس أثناسيوس فى قوله عن حياة القديسين الحقيقية ” ويحيوا الحياة الحقيقية ، حياة القديسين فى الفردوس ” (تجسد الكلمة فصل3) أنظر أيضًا Hl. Moutsoula, H areianikh eris kai o megas Aqanasios, meros B’, Aqhnai 1978, sel. 159..
[49] البوشى : المرجع السابق فقرة 115 ص 211ـ212.
[50] أثناسيوس : تجسد الكلمة : فصل 3.
[51] أثناسيوس : تجسد الكلمة : فصل 12.
[52] البوشى : المرجع السابق فقرة 122 ص 213، حيث يعنى تعبير البهائم ” الكائنات الحية غير العاقلة “.
[53] تجسد الكلمة : فصول 4،6،8،9،10،13.
[54] البوشى : المرجع السابق فقرة 122ـ123 ص 213.
[55] البوشى : المرجع السابق فقرة 145 ص 217.
[56] كان هذا الفرض وراء إثارة البوشى لسؤاله الافتراضى ممن ينكرون ألوهية الابن المتجسد والذين يعتقدون فى إمكانية خلاص البشر بواسطة نبى ، وسألوا ما الدليل على تجسده هو خاصة (فقط) ؟ فقرة 102 ص 210. ومن خلال استعراضه لعجز الإنسان إذ هو مخلوق مائت ليست له الحياة الأبدية فى جوهره ، يصل فى نهاية حديثه وبيانه لصفات المخلص.. فيقول ” ولم يكن كذلك إلاّ الله الكلمة ” فقرة 129 ص 214.
[57] البوشى : المرجع السابق فقرة 124 ص 213.
[58] البوشى : المرجع السابق فقرة 125 ص 214، وهذا تعليم ليس فقط كتابى لكنه أيضًا آبائي حيث يذكر القديس أثناسيوس ” ولهذا فهناك أمثلة لكثيرين قد تقدسوا وتطهروا من كل خطية.. ومع ذلك فقد ملك الموت.. وهكذا ظل البشر مائتين وقابلين للفساد كما كانوا ومعرضين للأوجاع الخاصة بطبيعتهم ” (ضد الآريوسيين 33:3).
[59] البوشى : المرجع السابق فقرة 126 ص 214، وهنا يشير البوشى إلى الرب المخلص والذى يملك الحياة الأبدية فى جوهره. قارن أثناسيوس ضد الآريوسيين 77:2 ” ولم يكن من اللائق إذن ان تؤسس حياتنا بأى طريقة أخرى سوى ان تؤسس فى الرب الذى هو كائن منذ الأزل والذى به قد خُلقت العالمين لكى نستطيع نحن أيضًا ان نرث حياة أبدية إذ أن هذه الحياة كائنة فيه “.
[60] البوشى : المرجع السابق فقرة 126 ص 214.
[61] البوشى : المرجع السابق فقرة 127 ص 214.
[62] البوشى : المرجع السابق فقرة 128 ص 214.
[63] البوشى : المرجع السابق فقرة 133 ص 215، قارن أثناسيوس : ضد الآريوسية 69:2 ” لو كان الابن مخلوقًا لظل الإنسان مائتًا كما كان قبلاً حيث إنه لم يتحد بالله فإنه لا يستطيع مخلوق أن يوحد المخلوقات مع الله ، إذ أنه هو نفسه فى حاجة لمن يوحده بالله ، وليس فى وسع جزء من الخليقة أن يكون خلاصًا للخليقة إذ هو نفسه فى حاجة إلى الخلاص. ولكى لا يحدث هذا أرسل الله ابنه وصار ابن الإنسان باتخاذه الجسد المخلوق. وحيث إن الجميع كانوا خاضعين للموت وكان هو مختلفًا عن الجميع فقد قدم جسده الخاص للموت من أجل الجميع. إذن حيث إن الجميع ماتوا بواسطته هكذا قد تم الحكم ، وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية واللعنة الناتجة عنها. ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات ولابسين عدم الموت وعدم الفساد “.
[64] البوشى : المرجع السابق فقرة 97 ص 209.
تأثير القديس أثناسيوس الرسولي فى التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية (2)
1 ـ تجسد ابن الله وموته على الصليب وقيامته هى محور الإيمان المسيحى والحياة المسيحية:
كان القديس أثناسيوس الرسولى يملك رؤية واضحة لرسالة المسيح في عمقها واتساعها. هذه الرؤية الواضحة كانت ثمرة للتسليم الذي استلمه من الآباء الذين سبقوه والذي تفاعل مع إختباره الروحى الحى. فهو يؤكد في كتاباته أن تجسد ابن الله الكلمة وموته على الصليب وقيامته، هذه الثلاث عناصر المرتبطة معًا هى محور الإيمان المسيحى كله والحياة المسيحية كلها، هى مركز الإيمان والتقوى.
أ ـ إذ يقول: ” إن أساس إيماننا هو أن نتحدث عن الهدف الذي من أجله جاء وعاش فيما بيننا بالجسد، وعن كيفية موت جسده”[1]. فأساس الإيمان هو الحديث عن تجسد المسيح وعن موت جسده.
ب ـ وأيضًا الكلمة ” ببذله لجسده الذي إتخذه لنفسه كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر… فقد كان لائقًا به أن يقدم هيكله الخاص فدية عن حياة الجميع موفيًا دين الجميع بموته. وهكذا.. بإتحاده بالبشر.. فإنه ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات، ولم يعد الفساد الفعلى بالموت له أى سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي سكن بينهم بواسطة جسده”[2].
فعندما يتحدث القديس أثناسيوس عن الفدية عن حياة الجميع فهو يقصد طبعًا أنه يخلّص البشر من الموت ويهبهم الحياة الأبدية وعدم الفساد. فهذا هو أول أهداف تجسده حسب شرحه في نفس كتاب تجسد الكلمة.
ج ـ التجسد لأجل خلاصنا: وأيضًا في تقديمه لكتاب تجسد الكلمة يقول: ” ولكونه هو الكلمة فإنه بسبب صلاح أبيه ومحبته للبشر، ظهر لنا في جسد بشرى لأجل خلاصنا “[3]. ويظهر مرات عديدة من كلام القديس أثناسيوس أن الدافع للتجسد وعمل الخلاص هو محبة الله للبشر وصلاحه. وهذا يوضح كما ذكرنا أنه استلم روح الإنجيل وخبرة الرسل من الآباء السابقين مع إختياره الروحى. أى أن محبة الله وحنان الله وصلاحه هى سبب التجسد، هى سبب البذل، هى سبب الخلاص. إذ يقول: ” لأجل قضيتنا تجسد لكى يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قبل أن يتأنس ويظهر في جسد بشرى”[4]. وأيضًا ” أتى (الكلمة) إلينا في تنازله، ليظهر محبته لنا ويفتقدنا (بخلاصه)”[5].
2 ـ معنى الخلاص عند القديس أثناسيوس:
لكى نعرف معنى الخلاص عند القديس أثناسيوس، يحسن أن نطرح 3 أسئلة:
أولاً: من ماذا نخلص؟ أى ما هو الذي يخلّصنا المسيح منه؟
ثانيًا: ما معنى موت المسيح وقيامته بالجسد عند القديس أثناسيوس؟ أى ما هو معنى موت الممسيح عنده؟
ثالثًا: ما هو المصير الذي يوصلنا إليه موت المسيح وقيامته؟ أى نتائج الموت والقيامة.
للإجابة على هذه الأسئلة من كتابات القديس أثناسيوس نلاحظ ما يلى:
أولاً: من ماذا نخلص؟
لكى نعرف ” من ماذا نخلص “، نحتاج أن نحصل على إيضاحات من كلام القديس أثناسيوس عن:
أولاً: أ ـ حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط.
ب ـ وما هى الحالة التي صار عليها بالسقوط.
ج ـ ما الذي يحتاج إليه الإنسان لعلاجه من نتيجة السقوط.
أ ـ من جهة حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط، يعرفنا القديس أثناسيوس أن الإنسان عند خلقته، هو قابل للموت والإضمحلال حتى قبل السقوط، وأنه بدون نعمة الخلق على صورة الله لم يكن ممكنًا للإنسان أن يحيا الحياة الحقيقية ويعيش في السعادة إلى الأبد وليس له خلود في ذاته بدون الكلمة. فالموت بالنسبة للجسد بل وحتى النفس هو أمر طبيعى للمخلوقات كلها. فيقول إن البشر ” إذ صاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم”[6].
ويقول القديس أثناسيوس، إن الإنسان ” كان عاجزًا بطبيعة تكوينه عند خلقته عن البقاء على الحالة التي خلق فيها .. ولذلك فإن الله تحنن عليه وأعطاه نعمة إضافية.. بأن خلقه على صورته.. حتى يستطيع وله بعض من ظل الكلمة أن يبقى في السعادة ويحيا الحياة الحقيقية في الفردوس “[7].
أى أن الإنسان خلق على غير فساد بكونه مخلوقًا على صورة الله ـ صورة الله الذي هو الكلمة اللوغوس. وعدم الفساد ليس من طبيعة الإنسان بل من صورة الله فيه. الله غير المائت غير الفاسد غير المضمحل، الخالد. وهنا يتميز تعليم القديس أثناسيوس عن نظرة اللاهوت الغربى الذي يقول إن الإنسان وُهب عطية فائقة للطبيعة بعد خلقته أى أن النعمة مخلوقة، ولذلك فيمكن أن يفقد النعمة تمامًا. أما القديس أثناسيوس فيقول إن النعمة الإضافية وهى الخلق على صورة الله هى عنصر رئيسى في تكوين طبيعة الإنسان منذ البداية. ومعنى كلامه هذا هو أن الإنسان يملك في داخله إمكانية إلهية بطبيعة خلقته، وأن النظرة الصحيحة للإنسان بحسب الكتاب المقدس هى أنه يكون إنسانًا بإرتباطه بالله وبدون الوجود في الله لا يكون الإنسان إنسانًا حقًا. فالإنسان الأصلى هو الإنسان الموجود في الله أو هذه هى حالة الإنسان الأصلية. ولذلك يرى القديس أثناسيوس أن الصورة لا يمكن أن تتلاشى تمامًا ولكن يمكن أن تتشوه أو تعتم أو تضعف، ولكن لا تفقد فقدانًا مطلقًا. وهذا ما يشرحه في كتاب تجسد الكلمة فصل14 عندما يعطى مثلاً بالصورة المرسومة على قماش ثم تلطخت من الخارج بالأقذار مما أدى لإختفاء ملامحها، فلابد من حضور صاحب الصورة نفسه لكى يمكن إعادة تجديد الصورة وعلى نفس القماش ولا يلقى بالقماش.. “[8].
كما يوضح القديس أثناسيوس أننا رغم أننا قد خلقنا على صورة الله، وندعى صورة الله، ومجد الله معًا، فهذا ليس من ذواتنا بل بسبب ذلك الذي هو صورة الله، وهو مجد الله الحقيقي الساكن فينا ـ الذي هو كلمته، الذي من أجلنا صار جسدًا فيما بعد ـ بسببه هو ننال نحن نعمة دعوتنا هذه[9]، أى نعمة كوننا على صورة الله وندعى صورة الله ومجده. فالمسيح هو “صورة الله غير المنظور ” كما يقول الرسول بولس في رسالة كولوسى15:1 أما الإنسان فهو مخلوق على صورة الله، أى هو صورة الصورة.
+ معنى الخلق على صورة الله:
1 ـ معرفة الله وكلمته ورؤيته في عقل أو قلب الإنسان وإدراك الأمور العقلية مثل الكائنات العقلية والأفكار والحقائق العقلية[10].
2 ـ الشركة مع الله الآب ومع الكلمة (اللوغوس) والحياة والخلود مع الله[11].
ب ـ الحالة التي صار عليها الإنسان بالسقوط:
1 ـ أى ما صار إليه بالعصيان بتحويل فكره إلى الأشياء الحسية المخلوقة بدلاً من النظر في الله والتأمل فيه[12]، وذلك بمشورة الشيطان.
2 ـ ونتج عن تحويل فكر الإنسان من النظر في الله أن البشر فقدوا معرفة الله.
3 ـ وعادوا إلى العدم. وعادوا تعنى أنهم خلقوا أصلاً من العدم، فعادوا إلى العدم، لأنهم كانوا يستمدون وجودهم من الله الذي هو “الكائن”، ولذلك فإنهم يُحرمون إلى الأبد من الوجود.
4 ـ والنتيجة هى الإنحلال والبقاء في حالة الموت والفساد (الفناء)[13].
+ ولكن مشابهة الإنسان لله ـ أى صورة الله فيه ـ فقدها الإنسان تدريجيًا، وبدأ الفساد يسود على البشر بصورة أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك نتيجة عصيان الوصية .. والفساد يعتبر عملية Process خطيرة تؤدى إلى العدم مع مرور الزمن[14].
وفقدان الإنسان لصورة الله الكلمة الساكن فيه، أدى بالبشر إلى إزدياد جهلهم بالله، وإزدياد الجهل بالله يؤدى إلى السقوط في الشرور بكثرة وهذا بدوره يؤدى إلى إزدياد جهلهم أكثر بالله. وهكذا صارت الأمور عبارة عن خلقة خبيثة: خطأ يؤدى إلى فساد، فساد يؤدى إلى جهل بالله، جهل بالله يؤدى إلى شرور أكثر. وهذا يؤدى إلى فساد أكثر حتى يؤدى إلى العدم.
بفضل الكلمة وحده كان البشر يستطيعون أن يقرأوا في الكتاب المفتوح (أى الخليقة المنظورة) عن معرفة الله، وإظهاره لنفسه في الكون المخلوق[15].
فالقديس أثناسيوس يركز في وصفه لإنحراف الإنسان وسقوطه على النظرة المرضية أى التغيير المرضى الذي أصاب طبيعة الإنسان بسبب تحوله من النظر في الله، أكثر من النواحى الأخرى التي نتجت عن السقوط مثل الإنحرافات السلوكية والأخلاقية، وإن كان يذكر هذه الإنحرافات بإعتبارها أعراض طبيعية للمرض الروحى داخل نفس الإنسان في طبيعته وكيانه. وهكذا فإن إنحراف الإرداة وكذلك إنحراف السلوك بالتالى يدخلان ضمن الفكرة العامة عند القديس أثناسيوس ألا وهى fqÒra = الفساد[16] أى التحلل والإضحلال مما يؤدى إلى الفناء. فالفساد في طبيعة الإنسان الداخلية يؤدى إلى فساد في المعاملات والسلوك والأخلاق كنتيجة طبيعية لفساد الداخل.
ج ـ ما يحتاج إليه الإنسان:
يحتاج الإنسان أساسًا وقبل كل شئ إلى شفاء الطبيعة التي مرضت أى إلى تغيير جذرى في كيانه وطبيعته، أى بالأحرى إعادة غرس الطبيعة الإلهية السامية من جديد، وهى الحياة الإلهية التي كانت له، والتي فقدها تدريجيًا كما ذكرنا.
وهذا ما يشرحه القديس أثناسيوس في فصل كامل من تجسد الكلمة، يبين فيه لماذا كان من الضرورى أن يتجسد الكلمة، وأنه كما إلتصق الفساد بالجسد يحتاج الأمر أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد، لابد أن تتحد الحياة بالجسد لتطرح عنه الفساد، ويتم تغيير الطبيعة البشرية وتجديدها بإتحاد الكلمة بالجسد[17].
ثانيًا: الخلاص بالتجسد والصلب والقيامة:
1 ـ يعتبر القديس أثناسيوس أن مجرد التجسد أى حضور الكلمة في الجسد هو في ذاته له دور في إعادة الحياة الإلهية إلى طبيعتنا البشرية .. فيعطى تشبيهًا بالمدينة التي سكن الملك في أحد بيوتها وكيف أنه لا يجرؤ أى عدو أو عصابة أن تدخل إليها بسبب سكنى الملك في أحد بيوتها وهكذا لأن الكلمة جاء وسكن في جسد بشرى فبدأت تبطل مؤامرة العدو ضد البشر وأبطل فساد الموت[18]، كل هذا بدأ بالتجسد ويكتمل طبعًا بالصليب والقيامة. كما يذكر في المقالة الثانية ضد الآريوسيين أن الإنسان المخلوق يتحد بالله عن طريق تجسد الكلمة خالق الجسد[19]. وفي نفس هذه المقالة يذكر أيضًا أن ” الكلمة قد لبس الجسد البشرى المخلوق لكى بعد أن يجدده فإنه يؤله هذا الجسد ففي ذاته. صار الإتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، ويصير خلاص للإنسان وتأليهه مؤكدًا[20].
2 ـ صلب المسيح وقيامته:
يقدم القديس أثناسيوس الخطوات التالية:
1 ـ معضلة سقوط الإنسان:
أ ـ الإنسان بعد أن خلقه الله على صورته ـ الكلمة الابن الوحيد ـ خالف الوصية، فساد عليه الموت سيادة شرعية، وفسدت طبيعة الإنسان وصار سلطان الفساد على كل الجنس البشرى أكثر من سلطانه الطبيعى وذلك بالموت والبقاء فى حالة الموت والفساد والحرمان من الوجود إلى الأبد ـ أى الحرمان من الوجود الحقيقى مع الله[21].
ب ـ لم يكن ممكنًا أن يترك الله الصالح المحب ـ فى صلاحه وحبه ـ الإنسان المخلوق على صورته ليهلك ويصير تحت سلطان الفساد والموت ويرجع إلى عدم الوجود[22].
ج ـ فإهمال الإنسان لا يتفق مع صلاحه ولا مع قدرته بل يعلن ضعفه[23].
د ـ ولكن فى نفس الوقت لابد أن يتم حكم الموت على الإنسان فهو عقوبة الخطية العادلة، فالإنسان ورط نفسه بالتعدى فوقع عدلاً تحت حكم الموت لذلك يلزم أن يتم الموت إيفاءً لمطلب الله العادل ـ “إيفاء الدين المستحق على الجميع”.[24]
هـ ـ التوبة بدون التجسد والفداء لا تكفى[25]:
1 ـ لأنها لا تستطيع أن توفى مطلب الله العادل الذى هو حكم الموت على المخالف.
2 ـ تعجز التوبة عن أن تغير وتجدد طبيعتة الإنسان. وتجديد خلقه على الصورة الإلهية التى هى حالته الأولى.
2 ـ حل المعضلة:
لذلك أخذ الكلمة من أجسادنا جسدًا مماثلاً لطبيعتنا (من العذراء ـ كهيكل له ـ وجعله جسده الخاص واتخذه أداة له، وفيه أعلن ذاته إذ حلّ فيه)[26]. وبذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله بمحبته لنا وشفقته علينا، وذلك لكى:
أولاً: يبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ أن الكل قد ماتوا فيه، لأن قوة الموت قد استنفدت تمامًا فى جسد الرب، ولم يعد الموت يجد له أى أساس يمسك به ضد البشر نظراء الرب.
ثانيًا: لكى يعيد البشر الذين انحدروا فى الفساد، يعيدهم إلى عدم الفساد، ويحييهم من الموت بامتلاك جسده وبنعمة القيامة مبيدًا الموت منهم كما تلتهم النار القش[27].
” إذ أن الكلمة هو وحده الذى بطبيعته يستطيع أن يجدد خلقة كل شئ ويتحمل الآلام عن الجميع ويكون شفيعًا عن الجميع عند الاب” تجسد الكلمة[28].
3 ـ عند القديس أثناسيوس المسيح كلمة الله تجسد وقدم جسده ذبيحة بالصليب لسببين رئيسيين:
أولاً: ليوفى الدين علينا ـ وهو حكم الموت الناتج عن الخطية.
ثانيًا: ويبطل الموت والفساد ويجدد خلقة الإنسان على صورة الله بموته وقيامته، إذ يقول:
أ ـ [ لما كان ضروريًا أيضًا وفاء الدين المستحق على الجميع ـ وهو سبب جوهرى حقيقى لمجئ المسيح بيننا ـ لأجل هذه الغاية ـ قدم نفسه أيضًا ذبيحة عن الجميع، إذ سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع… لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة (أولاً)، (وثانيًا لكى يظهر أنه أقوى من الموت) بإظهار أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع][29].
ب ـ وفى المقالة الثانية ضد الآريوسيين: [ لأجل ذلك فإن كلمة الله الكامل قد لبس الجسد الناقص… لكى بعد أن يوفى الدين بدلاً منا، يكمل بنفسه ما هو ناقص عند الإنسان، فالإنسان ينقصه الخلود والطريق إلى الفردوس]. [30]
ج ـ وأيضًا [ وعندما أراد الآب أن تُقدم فدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة للكل، … عندئذ أخذ هو جسدًا من الأرض.. حتى إذ يكون له ـ كرئيس كهنة شئ يقدمه، فهو يقدم نفسه للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ” ويقيمنا من بين الأموات” ][31].
د ـ [ لهذا أخذ الكلمة لنفسه جسدًا قابلاً للموت… وإذ قدم للموت ذلك الجسد… كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة، فقد رفع حكم الموت فورًا عن جميع نظرائه، إذ قدم عوضًا عنهم جسدًا ممائلاً لأجسادهم..
ولأن كلمة الله متعالٍ فوق الكل، كان من الطبيعى بواسطة تقديم هيكله الخاص وأداته البشرية لأجل حياة الجميع، أن يوفى الدين بموته]. وإذ اتحد ابن الله عديم الفساد بالجميع بطبيعة مماثلة فقد ألبس الجميع عدم فساد كأمر طبيعى بوعد القيامة[32].
هـ ـ [ لأنه سابقًا إذ كان العالم ـ كمسئول ـ يُدان بواسطة الناموس، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع ][33].
و ـ [ أرسل الله ابنه الخاص وصار ابن الإنسان باتخاذه الجسد المخلوق. وحيث إن الجميع كانوا خاضعين للموت، وكان هو مختلفًا عن الجميع (فى عدم الخضوع للموت) فقد قدم جسده الخاص للموت من أجل الجميع. إذن حيث إن الجميع ماتوا بواسطته هكذا قد تمت كلمة ذلك الحكم (إذ أن الجميع ماتوا فى المسيح). وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقون على الدوام قائمين من الأموات ولابسين عدم موت وعدم فسادٍ ][34].
[… وحيث إن أعمال إبليس قد نُقضت من الجسد فقد تحررنا جميعًا بسبب علاقتنا بجسده، وصرنا متحدين مع الكلمة…][35].
4 ـ نظرة القديس أثناسيوس لموت المسيح:
أ ـ يرى القديس أثناسيوس أن المسيح سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع ليوفى العقوبة على المعصية (حسب إنذار الله)، وبذلك فإن الصليب وضع نهاية للموت كعقاب وكعرض من أعراض فساد الطبيعة البشرية. ولكنه لا يدخل فى النظرة القضائية للفداء التى نشأت فى اللاهوت الغربى منذ ترتليانوس ووصلت إلى ذروتها عند أنسلم فى القرن 11.
ورغم أن القديس أثناسيوس يذكر أن السبب الأول الذي من أجله قدم جسده للموت هو أن يوفى العقوبة على المعصية إلاّ أنه يركز أكثر فى شرحه للفداء على ناحية الكيان والطبيعة: إبطال الموت والفساد، تجديد الطبيعة، إعادة خلق الإنسان حسب الصورة التى خُلق عليها أصلاً [ والآن إذ قد مات مخلّص الجميع نيابة عنا فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت (بحكم) الموت الذى كان سابقًاحسب وعيد الناموس لأن هذا الحكم قد أُبطل؛ وبما أن الفساد قد بَطُل وأُبيدَ بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحلّ فى الوقت الذى حدده الله لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل ] [36].
ب ـ الناحية التى يركز عليها أكثر فى موت المسيح هى أن قوة الموت قد استنفدت تمامًا فى جسد الرب، ولم يعد له سلطان على البشر، ولم يعد الموت يجد له أساسًا يمسك به ضد البشر، وأن فساد الجنس البشرى يستهلك فى جسد الرب، فيتلاشى الفساد والموت من طبيعة الإنسان، فقوة حياة الكلمة قد ابتعلت الموت فى موت جسده وحوّل فساد الإنسان إلى عدم فساد[37].
5 ـ انتصار المسيح هذا على الموت وعلى الشياطين تم بالموت، ولكن أُعلن وأُظهر بقيامته فالقيامة هى الدليل على الانتصار:
” أبطلت الموت بموتك، وأظهرت القيامة بقيامتك” (الساعة التاسعة)
لذلك فموت المسيح هو ” بداية جديدة للحياة “[38].
[ لأنه بذبيحة جسده وضع حدًا لحكم الموت الذى كان قائمًا ضدنا، ووضع لنا بداية جديدة للحياة αρχή Ζωής، برجاء القيامة من الأموات الذى أعطاه لنا… بطل الموت، وتمت قيامة الحياة بتأنس كلمة الله… وهكذا نحن الآن لا نموت بعد كخاضعين للدينونة بل كأناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميع، التى سيبينها فى أوقاتها الله، الذى أكملها ، والذى وهبنا إياها (1تى15:6)][39].
+ وبموت المسيح مات الموت حقيقة[40].
6 ـ [ الآن بعد قيامة المخلص بالجسد ـ لم يعد الموت مرعبًا والمؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شئ، ويفضلون أن يموتوا عن أن ينكروا المسيح. لأنهم يعلمون يقينًا أنهم لا يهلكون بالموت، بل يبداون الحياة فعلاً، .. ويصبحون عديمى الفساد بفضل القيامة][41].
[ احتمل الموت لا من أجل نفسه بل من أجل خلود الجميع وخلاصهم][42].
ثالثًا: النتيجة التي يوصلنا إليها تجسد المسيح وموته وقيامته
أى ما نناله نتيجة إبطال الموت والفساد
يؤكد القديس أثناسيوس في مواضع عديدة جدًا من كتاباته على الحالة السامية جدًا التي يهبها المسيح للإنسان بفضل إبطاله لقوة الموت والفساد فهو يوضح أن الإنسان بفضل نعمة المسيح وعمل الروح القدس فيه كنتيجة للإنتصار على الموت وعلى الفساد ينال نعمة البنوة لله بسكنى المسيح في داخل الإنسان وفي مرات كثيرة يستعمل تعبير يؤلهنا بدلاً من تعبير يصيرنا أبناء، وأحيانًا يستعمل تعبير “نصير شركاء الطبيعة الإلهية” الوارد في رسالة بطرس الرسول الثانية.
وفي بعض الأحيان يستعمل تعبير الإتحاد بالله أو يوحدنا بالله بدلاً من تعبير التأليه أو يؤلهنا. كل هذه التعبيرات البنوة، التأليه، الشركة في الطبيعة الإلهية، الإتحاد بالله يقصد بها القديس أثناسيوس أن المسيح بعمله الفائق في تجديد الطبيعة البشرية يوصل الإنسان إلى حالة أسمى من الحالة التي كان عليها الإنسان قبل السقوط، وعندما يستعمل تعبير يؤلهنا لا يقصدإننا نصير من جوهر الله فهذا مستحيل طبعًا فلا يمكن أن يكون في جوهر الله أى أقنوم سوى الآب والابن والروح القدس الذين هم واحد في جوهر الألوهية. ولكنه يقصد بإشتراكنا في الله أو إتحادنا به أو تأليهنا إننا ننال فيضًا من غنى الحياة الإلهية التي تنسكب في داخلنا بالروح القدس الذي يعمل فينا من خلال الأسرار المقدسة.
والآن نذكر بعض أقوال القديس أثناسيوس عن نتائج إبطال الموت والفساد:
+ [ لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكى نحصل على معرفة الآب غير المنظور وإحتمل إهانة البشر لكى نرث نحن عدم الموت (أى نرث الخلود)][43].
+ [ إذًا فقد كمل فيه الجنس البشرى وأُعيد تأسيسه كما كان في البدء (عند خلقته) بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول … وهذا لأن كلمة الله الذاتى عينه الذي من الآب قد لبس الجسد وصار إنسانًا … لأنه بدون ذلك لبقى الإنسان كما كان دون أن يتحد بالله ][44].
+ [ الكلمة صار جسدًا لكى يقدم جسده من أجل الجميع، ولكى إذا اشتركنا في روحه القدوس نصير آلهة ][45].
+ [ المخلص لم يكن إنسانًا ثم صار فيما بعد إلهًا، بل كان إلهًا وفيما بعد صار إنسانًا كى يؤلهنا ][46].
+ [ فهذه النعمة وهذا التمجيد العالى إنما هو لنا، فبالرغم من أنه صار إنسانًا … فإنه يُعبد. لذلك لن تدهش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا المتحدين معه في نفس الجسد داخلين إلى مناطقهم السمائية ][47].
+ [ حيث إننا أبناء وآلهة بسبب الكلمة الذي فينا هكذا أيضًا سنصير في الابن وفي الآب، وسوف نُحسب أننا صرنا واحدًا في الابن وفي الآب، بسبب وجود ذلك االروح فينا نحن، وهو الروح الذي في الكلمة الكائن في الآب ][48].
+ [ لأنه كما أن الرب نفسه بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله بالكلمة بإتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن نرث الحياة الأبدية ][49].
+ [ وكما أنه لو لم يكن الجسد الذي لبسه الكلمة جسدًا بشريًا لما كنا قد تحررنا من الخطية ومن اللعنة. هكذا لم يكن للإنسان أن يُؤله لو لم يكن الكلمة هو ابن طبيعى حقيقي وذاتى من الآب. لهذا إذًا صار الإتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، فيصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكدًا ][50].
التأليه يتممه الروح القدس:
+ [ ولكن إن كنا بالإشتراك في الروح نصير “شركاء الطبيعة الإلهية” فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون. وإن كان هو يؤله البشر فلا ينبغى أن يُشك أن طبيعته هى طبيعة إلهية ][51].
بالمعمودية نصير أبناء بالحق:
+ [ حينما نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس فإننا نصير أبناء بالحق وإذ ندعو اسم الآب فإننا نعترف بالابن الكلمة في الآب ][52].
التأليه بالتناول من جسد المسيح:
+ [ ونحن نتأله ليس باشتراكنا في جسد إنسان ما، بل بنوالنا جسد الكلمة ذاته ][53].
وفي الختام يتضح أن نتيجة التجسد والموت والقيامة أى البنوة أو التأليه تبدأ في الحياة الحاضرة بفعل الروح القدس في الإيمان والمعمودية والافخارستيا، وتصل إلى كمالها في الدهر الآتى بإكتمال البنوة بافتداء الجسد وتجديده والتمجيد مع المسيح عند مجيئه بالمجد العظيم من السماء حسب وعده.
[1] تجسد الكلمة 4:19، ص55 الترجمة الجديدة عن اليونانية، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 2003.
[2] المرجع السابق 1:9، 2، ص23، 24.
[3] المرجع السابق 3:1، ص2.
[4] تجسد الكلمة 3:4، ص10.
[5] المرجع السابق 1:8، ص20.
[6] المرجع السابق 4:3، ص9.
[7] انظر تجسد الكلمة فصل 3 فقرة 3 كلها. وانظر أيضًا ضد الوثنيين 2:2ـ4 و 2:34ـ3.
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس
والرد على القائلين بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة وعلى أقوال أخرى
من التراث العربي المسيحي للأقباط
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2
تحدّثنا في الجزء الأول المنشور هنا من هذا البحث، عن لمحة تاريخية عن هذه الرسالة، ثم أوردنا كيف تناول التراث العربي المسيحي هذه الرسالة الهامة، وسجّلنا ملاحظات عامة حولها، وأخيرًا أوضحنا بعضًا من تعاليم ق. أثناسيوس الخريستولوجية التي وردت بها.
ونستكمل في الجزء الثاني، عرض باقي تعاليم هذا الأب والمعلّم، كما جاءت برسالته التي بعث بها إلى الأسقف إبكتيتوس ردًا على مذكرات أرسلها الأخير لبابا الأسكندرية العشرين يسترشد فيها بتعاليمه في مواجهة الأفكار المنحرفة التي نادى بها البعض في كورنثوس حينذاك.
2ـ([1]) ففي رده على القائلين بأن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وكل الجسد وتغيّر عن طبيعته الخاصة، يشدّد ق. أثناسيوس على أن طبيعة الكلمة لم تتغير بالمرة، بل وكما أشار من قبل [ إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد كان في الجسد الذي سُمِر على الخشبة وتألم ] (فقرة 5). وفي موضع آخر من نفس الرسالة يؤكد أن [ الابن إذ هو الله ورب المجد، كان في الجسد الذي سُمِرَ وأُهين بخزي أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه المطعون دم وماء.
ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت، ولهذا السبب إذًا عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم في الجسد المُهان، سحبت أشعتها، واظلمت الأرض ولكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (اضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي فوق الإنسان هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل) ] (فقرة: 10).
ويتابع تعليمه بقوله: [ هذا الجسد هو الذي وضع في القبر ـ عندما تخلى عنه الكلمة ـ ولكنه لم ينفصل عنه ـ وذلك ” ليكرز للأرواح التي في السجن ” كما يقول بطرس (1بط19:3) ] (فقرة: 5).
وهنا يضع ق. أثناسيوس القائلين إن الكلمة تحوّل إلى لحم وعظم، أمام معضلة تفسير أحداث موت المسيح وقيامته، فيوضح قائلاً: [ لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك حاجة إلى قبر ولكان الجسد ذاته قد مضى بنفسه ليكرز للأرواح التي في الهاوية، أما الآن فإنه مضى هو بنفسه ليكرز، أما الجسد فبعد أن كفّنه يوسف بالكتان (قارن مر46:15) وضعه في الجلجثة ] (فقرة: 6).
وهكذا يعلّم ق. أثناسيوس بكل وضوح [ أن الجسد لم يكن الكلمة وإنما هو جسد الكلمة، والكلمة لم يفارق الجسد لا عند الموت ولا بعد القيامة[2]. لذا يتابع ق. أثناسيوس تعليمه في نفس الفقرة بقوله: إنه عندما قام الجسد من بين الأموات لمَسَه توما ورأى فيه آثار المسامير (قارن يو25:20).
التي احتملها الكلمة ذاته والتي رآها توما مخترقة جسد (الكلمة) ذاته، والتي كان في استطاعته أن يمنعها ولكنه لم يمنعها، بل بالعكس فإن الكلمة الذي بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته ][3] (فقرة: 6).
ونتيجة لهذا الإتحاد الأقنومي كما وصفه فيما بعد القديس كيرلس، بين الطبيعة الإلهية (الكلمة) والطبيعة البشرية (الجسد) حدث ما يسمى بتبادل الخصائص، أو كما عبّر عنه ق. أثناسيوس قائلاً: [ فلماذا حينما ضرب العبد، الجسد، تألم الكلمة نفسه وقال: لماذا تضربني (يو23:18) ورغم أن الله بطبيعته لا يمكن لمسه، إلاّ أنه قال ” أسلمت ظهري للسياط وخدي للطمات، ولم أرد وجهى عن خزي البصقات ” (إش6:50) ] (فقرة: 6).
ويُجمل ق. أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة مبينًا البُعد الخلاصي في هذا التعليم وأن ما فعله الكلمة عندما تجسد، إذ أنه وهو غير المتألم قد قَبِلَ الآلام في جسده الخاص، كان كل هذا من أجلنا ومن أجل خلاصنا فيقول بكل وضوح [ إن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم لأن الكلمة ـ إذ هو إله بالطبيعة ـ فهو لا يقبل التألم.
وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل الذي قبلها في جسده وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا (أى الجسد) ويقدمه ذبحة، يقضي على العلل والضعفات كلها، وهكذا يلبسنا ما له ][4] (فقرة: 6).
ويختم رده بشهادة كتابية مشيرًا إلى ما جاء على لسان ق. بولس: ” وهذا ما جعل الرسول يقول: ” لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم الموت” (1كو53:15).
وفي شرحه لما حدث بعد قيامة الرب من بين الأموات حيث ظهر لتلاميذه: ” وأراهم يديه ورجليه ” (لو39:24، 40)، يشدّد ق. أثناسيوس مرة أخرى على حقيقة أن الكلمة لم يتغيّر أو يتحوّل إلى لحم وعظام، عندما تجسّد[5]، أو عندما قام، فقد ظلّت الطبيعة الإلهية لله الكلمة كما هى، والطبيعة البشرية التي اتحد بها كما هى أيضًا بدون تغيير أو تحول حتى بعد القيامة، لهذا يعلّق ق. أثناسيوس على حديث الرّب القائم مع تلاميذه فيقول:
[ من هذا الكلام نستطيع أن نفند كلام الذين يتجاسرون مرّة أخرى أن يقولوا إن الرّب قد تغيّر إلى لحم وعظام لأنه لم يقل كما تشاهدونني وأنا لحم وعظام، بل قال: كما ترون إنه لي به لكي لا يعتقد أحد أن الكلمة نفسه قد تحوّل إلى هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة ] (فقرة: 7).
ويعود ق. أثناسيوس ليشدّد مرّة أخرى على أهمية الاعتقاد أن الكلمة نفسه لم يتحوّل إلى عظام ولحم بل قد صار في الجسد، لهذا نجده في فقرة: 8 من هذه الرسالة يقول: [ وإذ قد تم إثبات هذه الأشياء هكذا فإنه يكون من نافله القول أن نتعرّض للموضوعات الأخرى وندخل في جدل حولها، إذ أن الجسد الذي كان فيه الكلمة لم يكن من نفس جوهر اللاهوت، بل هو حقًا مولود من مريم. والكلمة نفسه لم يتحوّل إلى عظام ولحم بل قد صار في الجسد ].
ويستند ق. أثناسيوس على تعاليم الكتاب المقدس ويستشهد بما جاء في إنجيل يوحنا في هذا السياق فيقول [ لأن ما قيل في إنجيل يوحنا “الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) له هذا المعنى ] (فقرة: 8). ويضيف: [ لأن القول: ” الكلمة صار جسدًا ” هو مساو أيضًا للقول: ” الكلمة صار إنسانًا ” حسب ما قيل في يوئيل ” إني سأسكب من روحي على كل جسد ” (يوئيل28:2)، لأن الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنسانًا ] (فقرة:8).
ومن الجدير بالملاحظة أن القديس أثناسيوس يعتمد ـ مثله مثل باقي آباء الكنيسة ـ على وحدة الكتاب المقدس. لذا نجده يقارن بين ما جاء في إنجيل يوحنا عن تجسد الكلمة، وما جاء في رسائل معلّمنا بولس الرسول حول نفس المفهوم، فيكتب قائلاً: [ لأن ما قيل في إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) يمكن أن نجد معناه في موضع مشابه، فقد كتب بولس ” المسيح صار لعنة لأجلنا (غلا13:3).
وكما أنه لم يصر هو نفسه لعنة، بل قيل إنه صار لعنة لأنه احتمل اللعنة من أجلنا هكذا أيضًا، فإنه قد صار جسدًا لا بتحوّله إلى جسد، بل باتخاذه لنفسه جسدًا حيًا من أجلنا وصار إنسانًا ] (فقرة:8).
3ـ ويفند ق. أثناسيوس الآراء التي نادت بأن الرّب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا، حال تجسده، وهنا يبدو أن هذه الآراء قد عادت وانتشرت في القرن الرابع الميلادي أى وقت كتابة هذه الرسالة، إذ أن أساس هذه التعاليم كان قد نادى به بعض الهراطقة في القرون الأولى للمسيحية والذين علّموا أن المسيح لم يكن له جسد حقيقي لكن له فقط جسد خيالي.
ولهذا فقد دعوا بالدوستين Δοκηταί وبالتالي فقد أنكروا تَجسُّد كلمة الله، ويشهد ق. يوحنا الإنجيلي في رسائله عن وجود مثل هذه التعاليم في عصره فيقول ” لأنه قد دخل إلى العالم مضلّون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتيًا في الجسد ” (2يو7) كما يذكر في رسالته الأولى أن ” كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء بالجسد فليس من الله.
وهذا هو روح ضد المسيح ” (1يو3:4). ولقد حارب القديس أغناطيوس الأنطاكي الذي عاش وعلّم في القرن الثاني الميلادي، أصحاب هذه المعتقدات الخاطئة وذلك في رسائله واصفًا إياهم أنهم “غير مؤمنين” بل “وملحدين”[6].
كما أنه شدّد على أن المسيح ” بالحقيقة وُلِدَ، وأكل، وشَرَبَ وبالحقيقة صلب ومات … وبالحقيقة قام من الأموات “[7]. وفي القرن الثالث انتشرت هذه البدعة أكثر والتحمت أفكارهم مع أفكار الغنوسيين الذين كانوا يحتقرون كل ما هو مادي، أرضي، مخلوق، والذين كانوا ينادون أن الكلمة الأزلي نزل من العالم الروحي الأعلى وأنه اتحد في المعمودية، بالمولود من يوسف ومريم العذراء، بدون أن يصير إنسانًا حقيقيًا، بل حسب الظاهر.
وقَبلْ موت يسوع على الصليب، فإن الكلمة الأزلي قد فارقه حتى يكون موت الصليب هو موت الإنسان فقط. وفي تعاليم أخرى لهم قالوا إن جسد المسيح، هو جسد سماوي وإنه استخدم مريم العذراء كوسيلة فقط لكي يظهر بها على الأرض. والبعض الآخر كان يرفض بشدة أن يكون للمسيح جسد مخلوق[8].
ولم يقف ق. أثناسيوس صامتًا أمام كل هذه التعاليم الخاطئة، بل وضع أمام أسقف كورنثوس ابكتيتوس إيمان الكنيسة بكل وضوح حتى يساعده في مواجهة القائلين بهذه التعاليم المنحرفة، فكتب له قائلاً: [ وهذه الأشياء[9] لم تحدث بمجرد الظن كما يقول أولئك، فإن هذا الظن يكون ضربًا من الخيال ] (فقرة: 7).
وفي عبارات واضحة يربط القديس أثناسيوس البُعد الخريستولوجي بالبُعد السوتيرولوجي، بمعنى أنه بسبب تجسد الابن الوحيد وكلمة الله، واتحاده الأقنومي بطبيعتنا البشرية، اتحادًا حقيقيًا وطبيعيًا، صار خلاصنا، أمرًا حقيقيًا، وواقعًا ملموسًا، لهذا يستكمل ق. أثناسيوس في نفس الفقرة تعليمه ردًا على هذه الأفكار التي لو صدقت لكان [ خلاص الإنسان وقيامته يعتبران مجرد إدعاء غير حقيقي ] (فقرة 7)
ويستطرد موضحًا إيمان الكنيسة فيقول: [ إلاّ أن خلاصنا في واقع الأمر، لا يعتبر خيالاً، فليس الجسد هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقًا، لقد صار له الخلاص في الكلمة ذاته ][10] (فقرة 7).
ويَخلُص القديس أثناسيوس إلى حقيقة الأمر وهى أن جَسَد الرّب [ المولود من مريم هو بشري بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية، وأن جسده هو جسد حقيقي[11]. وهو حقيقي لأنه هو نفس جسدنا، حيث إن مريم هى أختنا، لأننا نحن جميعًا (هى ونحن) أيضًا من آدم ] (فقرة: 7).
4ـ تفنيد الرأي القائل إن الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة، بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على الدوام حيث إنه قد تكون من جوهر الحكمة.
بعد أن أجمل ق. أثناسيوس ـ في بداية رسالته ـ كل التعاليم التي علّم بها المنحرفون، وذلك من خلال قراءة المذكرات التي بعث بها إليه الأسقف ابكتيتوس، نجده هنا يبيّن خطورة التعليم بأن الجسد المأخوذ من العذراء مريم ليس هو جسدًا بشريًا يشبه طبيعتنا المخلوقة في كل شئ ما عدا الخطية وحدها، إذ أن مثل هذا التعليم معناه أن الجسد من نفس جوهر الكلمة الأزلى، وحجتهم في هذا هو أنهم يدافعون عن عقيدة الثالوث، بقولهم: [ إن الجسد من نفس جوهر الكلمة وهكذا يبقى الثالوث ثالوثًا.
لأنه لا يكون هناك شيئًا غريب قد أضيف إلى الكلمة، ولكن إن قلنا إن الجسد المأخوذ من مريم، إنما هو بشري، فمن الضروري حيث إن الجسد غريب في جوهره عن الكلمةوالكلمة كائن فيه، فإن إضافة الجسد تجعل هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث ] (فقرة: 8).
غير أن القديس أثناسيوس يُفند هذه المزاعم الكاذبة بقوله: [ إن الذين يتناولون هذه الأمور بهذه الطريقة، لا يدركون أنهم يقعون في تناقض مع أنفسهم، لأنهم حتى وإن قالوا إن الجسد ليس من مريم بل إنه من نفس جوهر الكلمة، (وهذا ما يتظاهرون أنهم يفكرون به وذلك لكي لا يظهروا حقيقة ما يفكرون فيه)
فإنه بحسب تفسيرهم هذا، يمكننا أن نوضح أنهم يقولون برابوع، لأنه كما أن الابن، بحسب الآباء، هو من نفس جوهر الآب، وليس هو الآب نفسه، بل يُقال إنه ابن من نفس جوهر الآب، هكذا جسد الكلمة (الذي يقولون) إنه من نفس جوهر الكلمة لا يكون هو الكلمة ذاته بل هو آخر بالنسبة للكلمة … ولكونه آخر (غير الكلمة) فإنه بحسب رأيهم يكون ثالوثهم رابوعًا ] (فقرة: 9).
وهنا يضع القديس أثناسيوس ـ بكل وضوح ـ إيمان الكنيسة في الثالوث القدوس فيقول: [ لأن الثالوث الحق، والكامل[12] بالحقيقة وغير المنفصل لا يقبل إضافة ] (فقرة:9). بل ويختم هذه الفقرة شاهدًا أن هذا الإيمان الثالوثي هو ما يُكرَز به في الكنيسة فيقول: [ إذًا فالثالوث هو ثالوث، رغم أن الكلمة حصل على جسد من مريم. والثالوث كامل لا يقبل زيادة أو نقصان، ولا نعرف إلاّ لاهوتًا واحدًا في الثالوث، وهكذا يكرز في الكنيسة بإله واحد هو أب الكلمة ] (فقرة:9).
ويضع ق. أثناسيوس أصبعه على علّة هذا الاعتقاد الخاطئ من جهة الثالوث لدى هؤلاء المخالفين فيقول [ إن فكرة (الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص ] (فقرة:9).
ويوضح سبب هذا الفكر الخاطئ لديهم بقوله: [ لأنهم يظنون أنه بسبب ما هو موجود في الكتب وما قيل فيها من أن جسد المخلّص هو من مريم وأنه بشري، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث كما لو كانت قد حدثت إضافة بسبب الجسد ] (فقرة: 9). أما نتيجة هذا الفكر الخاطئ فهو [ إن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثيرًا، إذ أنهم يتوهمون أنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة. وعجزوا عن أن يدركوا أن الكلمة صار جسدًا، ليس لأجل إضافة (شئ ما) إلى اللاهوت بل من أجل أن ينال الجسد قيامة ] (فقرة: 9).
وفي تعبيرات واضحة كل الوضوح يعلّم عن علاقة كلمة الله الأزلي، بالجسد الذي اتخذه من الروح القدس ومريم العذراء عندما تجسد فيقول: [ ولم يأتي الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشري. فكيف إذًا يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شئ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس فإن الجسد البشري ذاته هو الذي الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأن (الجسد) صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا) فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية] (فقرة: 9).
5ـ الرد على الذين يَشكّون كيف أن الرب المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم:
وتتمثل خطورة التعاليم التي كان ينادي فيها البعض في كورنثوس والتي سجلها القديس ابكتيتوس في المذكرات التي بعث بها للقديس أثناسيوس في أن هذه التعاليم كانت تنكر وبطريقة مباشرة ألوهية المسيح، الله الذي ظهر في الجسد.
لهذا بعد أن بيّن القديس أثناسيوس إيمان الكنيسة القويم في ألوهية الكلمة المتجسد وكمال طبيعته البشرية، يدعوهم قائلاً: [ من أجل هذا فليصمت أولئك الذين سبق أن قالوا إن الذي جاء من مريم ليس هو المسيح والرب والإله، لأنه لو لم يكن إلهًا في الجسد، فكيف بمجرد ولادته من مريم دُعيّ ” عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1) ].
ويسوق ق. أثناسيوس شهادة القديس بولس عن نفس الحقيقة فيقول: [ وأيضًا لو لم يكن هو الكلمة في الجسد، فكيف كتب بولس الرسول إلى أهل رومية: ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين ” (رو5:9) ] (فقرة: 9).
6ـ تفنيد الرأى القائل إن المسيح المتألم بالجسد المصلوب ليس هو الرّب المخلّص والإله وابن الآب:
ويضع ق. أثناسيوس هؤلاء الذين ينكرون الابن المتجسد، والمصلوب من أجلنا، في المواجهة مع حقيقة ما رآه توما بعينيه وما لمسه بيديه وما شهد به علانية فيقول: [ أولئك الذين سبق لهم أن أنكروا أن المصلوب هو إله، فليعترفوا بأنهم قد أخطأوا، لأن الكتب الإلهية تحصنهم ـ وبنوع خاص ـ توما، الذي بعد أن رأى آثار المسامير صرخ قائلاً: ” ربي وإلهي ” (يو28:20) ] (فقرة: 10).
ومرّة أخرى يُسجل ق. أثناسيوس في رسالته في عبارات عميقة وواضحة إيمان الكنيسة بألوهية الابن المتجسد ووعيها بأحداث الصليب ونتائجه فيقول: [ لأن الابن إذ هو الله ورب المجد، كان في الجسد الذي سُمر وأُهين بخزي، أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه (المطعون) دم وماء.
ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت. ولهذا السبب إذًا عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم في الجسد المُهان، سحبت أشعتها واظلمت الأرض، ولكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (اضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي هو فوق الإنسان، هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل) ] (فقرة: 10).
7ـ دحض الرأى القائل إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أى واحد من الأنبياء، ولم يعد هو نفسه (الكلمة) إنسانًا باتخاذه الجسد من مريم:
في رده المباشر على هذه الإنحرافات أو كما يسميها ق. أثناسيوس في رسالته [ ما يتخيله البعض ] (فقرة:11)، يكتب مؤكدًا: [ من العبث أن نجادل هذا القول، حيث إن جنونهم يحوي في طياته دينونته الواضحة.
لأنه لو كان قد جاء بهذه الطريقة، فلماذا جاء هذا الإنسان من عذراء ولم يولد هو أيضًا من رجل وامرأة؟ فإن جميع (الأنبياء) القديسين وُلِدوا هكذا (من رجل وامرأة) أما وقد جاء الكلمة هكذا (من عذراء)، فلماذا لا يقال إن موت كل واحد (من الأنبياء) قد حدث لأجلنا[13]، بل (يقال هذا فقط) على موت هذا الإنسان وحده؟ ] (فقرة: 11).
ويأتي ق. أثناسيوس ببرهان كي يثبت أن تجسد كلمة الله يختلف عن حالة الأنبياء الذين قد صارت كلمة الله إلى كل واحد منهم، فيقول: [ وإن كان الكلمة قد سكن بيننا لفترة قصيرة، والأنبياء مثله قد أقاموا أيضًا فترة على الأرض، فلماذا يقال عن المولود من مريم إنه استوطن بيننا مرة واحدة عند انقضاء الدهر (عب26:9). وإن كان قد جاء هو، كما سبق أن جاء في القديسين (الذين قبله)، فلماذا مات جميع هؤلاء القديسين الآخرين ولم يقوموا بعد، في حين أن المولود من مريم وحده، قام من خلال فترة الثلاثة أيام؟ ] (فقرة: 11).
ويستطرد ـ في نفس الفقرة ـ في سرد البراهين الكتابية التي تدعم تعاليمه العقيدية فيقول: [ وإن كان الكلمة قد جاء بطريقة مماثلة لتلك التي سبق أن جاء بها في الآخرين، فلماذا يُدعى المولود من مريم وحده، عمانوئيل، أى الذي وُلِد منها جسدًا مملوءً بالألوهية؟ لأن عمانوئيل تفسيره “الله معنا” ] (فقرة:11).
ويوضح ق. أثناسيوس أن هناك فرقًا واضحًا بين الأنبياء والكلمة المتجسد ذلك أنه [ بينما يقال عن الآخرين أنهم فقط وُلِدوا متناسلين، يقال في حالة المولود من مريم وحده أن “الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) ] (فقرة: 11).
وأخيرًا يختم ق. أثناسيوس رسالته فيوضح عمل الكلمة في الأنبياء، ويقدّم شهادة إيمان واضحة، تعكس ما آمنت به الكنيسة دائمًا من جهة ألوهية الكلمة المتجسّد، وكمال ناسوته فيقول: [ من كل هذا تبيّن أن الكلمة جاء إلى جميع الآخرين (الأنبياء) لكي يتنبأوا، أما الكلمة نفسه الذي وُلِدَ من مريم فقد اتخذ منها جسدًا وصار إنسانًا، إذ هو بطبيعة جوهره كلمة الله، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم كما قال بولس (انظر رو3:1) ].
ولما كان البابا أثناسيوس هو المدافع الأول عن ألوهية الكلمة المتجسد، ضد هرطقة الآريوسيين، والذي شهد التاريخ لموقفه الحاسم، ودوره الفعّال في مجمع نيقية، فقد أراد في ختام رسالته أن يشدّد مرّة أخرى على أهمية الربط بين قانون الإيمان وقانون العبادة فالإله الذي نؤمن به هو الذي نقدم له العبادة وبهذا يتحقق فداؤنا، فيقول:
[ … وقد أظهره الآب في الأردن وعلى الجبل قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (مت13:3) والآريوسيين أنكروه، أما نحن فنعترف به ونعبده ولا نفصل الابن عن الكلمة، بل نعرف أن الابن هو نفسه الكلمة الذي به قد كان كل شئ والذي به افتدينا نحن ] (فقرة: 11).
لقد كان جون كواستن John Quasten عالِم الآبائيات، محقًا عندما شهد عن القديس أثناسيوس قائلاً: [ إن أعظم فضل لأثناسيوس يتركز في أنه دافع عن المسيحية التقليدية وحفظها من خطر التلوث اليوناني الكامن في هرطقة آريوس وأتباعه ][14].
وها نحن نرى تأثير تعاليم القديس أثناسيوس يمتد في الكنيسة الجامعة في عصره، الأمر الذي جعل أسقف كورنثوس باليونان يطلب مشورته، بل وأيضًا نجد أن الآباء الأقباط في القرن العاشر الميلادي، قد أعطوا لهذه التعاليم وتلك الكتابات، المكانة التي تستحقها فعملوا على ترجمتها وحفظها في تراثهم العربي المسيحي.
[1] نتابع هنا تعاليم ق. أثناسيوس التي سبق أن عرضناها في الجزء الأول من هذا المقال.
2 ولقد عبّرت الكنيسة عن هذا الإيمان في القداس الإلهي قائلة: ” لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين “.
3 كثيرًا ما كرر ق. أثناسيوس أن جسد الكلمة هو جسده الخاص. انظر مثلاً كتاب تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الرابعة 2006 ص21، 22، 25، 57، 58، 73، 88.
4 وهذا هو أيضًا ما تُعبّر عنه الكنيسة في صلوات التسبحة قائلة في ثيؤطوكية الجمعة: ” هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له .. ” انظر الابصلمودية السنوية، طبعة دير البراموس الطبعة الثالثة 2007 ص373.
5 يردد الكاهن هذه الحقيقة في صلوات القداس الإلهي فيقول: ” بل أنت وحدك بغير استحالة (تحوّل) تجسّدت وتأنست .. ” انظر الخولاجي المقدس، طبعة دير البراموس الطبعة الرابعة سنة 2006 ص317.
6 الرسالة إلى أهل تراليا:10، الرسالة إلى أهل سميرنا1:5ـ2.
7 الرسالة إلى تراليا1:9ـ2، الرسالة إلى سميرنا 2:4.
9 يقصد كل ما فعله الله الكلمة، في سر التدبير الإلهي، بتجسده وموته وقيامته من أجلنا ومن أجل خلاصنا.
10 في موضع آخر من كتاباته يشرح ق. أثناسيوس بإسهاب معنى أن خلاصنا هو أمر واقع فيقول: ” وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب.
كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، وذلك لأن سلطان الموت قد استنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش. تجسد الكلمة، المرجع السابق. فصل 4:8 ص22.
11 يشرح ق. أثناسيوس معنى أن جسد المسيح الذي اتحد به هو جسد حقيقي معتمدًا على ما جاء في الكتاب المقدس فيقول ” عندما يتحدّث الكتاب الموحى إليهم عنه أنه يأكل ويشرب وأنه وُلِدَ فإنهم يقصدون أن الجسد كجسد وُلِدَ واقتات بالطعام المناسب لطبيعته.
أما الله الكلمة نفسه الذي كان متحدًا بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء. وكل أعماله التي عملها وهو في الجسد تُظهر أنه لم يكن إنسانًا بل كان الله الكلمة، وأما هذه الأمور فإنها تُذكر عنه لأن الجسد الذي أكل ووُلِد تألم لم يكن جسد أحد آخر بل كان جسد الرب نفسه. ولأنه صار إنسانًا كان من المناسب أن يقال عنه هذه الأمور كإنسان حتى يتبيّن أنه أخذ جسدًا حقيقيًا لا خياليًا ” تجسد الكلمة، المرجع السابق فصل 1:18 ص51.
12 وترد الكنيسة في صلواتها الليتورجية هذه الحقيقة عندما ترنم قائلة: ” لأنه مبارك الآب والابن والروح القدس الثالوث الكامل نسجد له ونمجده “.
13 كما نردد في قانون الإيمان .. هذا الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا ..
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1
والرد على القائلين بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة وعلى أقوال أخرى
د. جوزيف موريس فلتس
من التراث العربي المسيحي للأقباط
I ـ لمحة تاريخية عن الرسالة:
كتب القديس أثناسيوس الرسولي هذه الرسالة حوالي سنة 371/372م إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس، ردًا على مذكرات كان قد أرسلها إليه تتضمن تساؤلات أثيرت في إيبارشيته من بعض أتباع الفكر الآريوسي الذين تأثروا بأفكار أبوليناريوس وأيضًا من كانوا يعتقدون بمبدأ الخياليين Δοκηταί أو الدوستيين، من جهة حقيقة التجسد وعلاقة الجسد الذي إتخذه الإبن، بلاهوت الكلمة الأزلي.
شَرَحَ القديس أثناسيوس في هذه الرسالة الهامة تعاليم الكنيسة وإيمانها السليم فيما يخص علاقة لاهوت المسيح بناسوته وبالتالي البعد الخلاصي المبنى على هذه العلاقة.
ولذلك كان لهذه الرسالة أهمية كبيرة في الصراع الخريستولوجي الذي كان يشغل الكنيسة في القرنين الرابع والخامس، فنجد مثلاً أن القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (315ـ403) قد أستعان بهذه الرسالة في الرد على بدعة أبوليناريوس التي أنكرت أن المسيح أتخذ جسدًا مثل جسدنا ذو نفس عاقلة، وفي كتابه المشهور الرَّد على الهراطقة” استشهد أيضًا بما جاء في هذه الرسالة.
ونظرًا لأن كاتب هذه الرسالة هو البابا أثناسيوس الرسولي وحامي الإيمان الذي دافع عن إلوهية الابن المتجسد وصارت كتاباته مصدرًا أمينًا للتعاليم اللاهوتية وقد أقرتها الكنيسة، فقد حاول إتباع الهرطقة النسطورية في القرن الخامس تزييف نص هذه الرسالة مستغلين اسم ومكانة كاتبها، كي ينشروا أفكارهم المضللّة.
غير أن البابا كيرلس عمود الدين الذي كان دائمًا ما يستعين بكتابات البابا أثناسيوس في كتاباته وتعاليمه[1]، كشف زيفهم هذا في رسالة كتبها إلى يوحنا الأنطاكي قائلاً: “علمنا أن البعض قد نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس إلى المبارك أبكتيتوس، وهي رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر (بسبب هذا التشويه)، ولهذا السبب رأيت أنه من النافع والضروري للأخوة أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصيلة[2]”.
النص الأصلي والترجمات:
النص الأصلي لهذه الرسالة كُتب باليونانية، لغة الآباء الشرقيون في القرون الأولى. غير أنه تمّ نشر ترجمات لهذه الرسالة بلغات أخرى منها اللاتينية، الأرمنية والسريانية والإنجليزية والعربية[3].
II ـ الرسالة إلى أبكتيتوس في التراث العربي المسيحي للأقباط:
أهتم الأقباط بكتابات ق. أثناسيوس فترجموها من اليونانية إلى القبطية والعربية[4].
من أهم المخطوطات المعروفة في التراث العربي المسيحي للأقباط هو مخطوط يرجع تاريخ تدوينه إلى القرن الحادي عشر ويحمل أسم “اعتراف الآباء”، وهو لمؤلف مجهول الاسم، وأهمية هذا المخطوط تكمن في أن كاتبه قد حاول أن يجمع فيه نخبة من نصوص من كتابات الآباء والكتاب الكنسيون منذ العصر الرسولي وحتى القرن الحادي عشر زمن حبرية البابا خرستوذولوس (1047م ـ1077م) تمّت ترجمتها من اليونانية والقبطية إلى العربية.
بلغت النصوص المترجمة التي جاءت في هذا المخطوط 234 نصًا لعدد 66 من هؤلاء الآباء والمعلّمين والكتاّب الكنسّيين. الجدير بالذكر أن للقديس أثناسيوس 17 نصًا عبارة عن فقرات منتقاه من كتاباته الدفاعية والعقائدية. أما الأمر الملفت للإنتباه فهو أن من بين هذه النصوص الـ 17، توجد ترجمة كاملة للرسالة التي نحن بصدد دراستها هنا، ويعتبر نص هذه الرسالة هو النص الوحيد، من بين كل نصوص المخطوط، الذي تم ترجمته بالكامل.
هذا الأمر يبين مستوى الوعي اللاهوتي لجامع هذه النصوص ومدى إدراكه لأهمية محتوى هذه الرسالة وما فيها من تعاليم خرستولوجية وخلاصية علّم بها ق. أثناسيوس بابا الأسكندرية العشرون، وتمسّك بها ودافع عنها من بعده ق. كيرلس البابا الرابع والعشرون.
وتتضح الصورة أكثر لو علمنا أن الهدف العام للمخطوط هو بيان ما تعترف به كنيسة الأسكندرية المتمثل في عنوان المخطوط “إعتراف الآباء” من عقائد خلاصية مثل عقيدة التجسد والفداء والثالوث، وخصوصًا عقيدة طبيعة المسيح وما أثير حولها من أفكار في القرنين الرابع والخامس الميلادي.
ملاحظات عامة حول الرسالة[5]:
* تبدو من الرسالة ملامح شخصية أبكتيتوس أسقف كورنثوس وصفاته وحُسن تصرّفه في هذا الموقف، الأمر الذي صار مصدرًا لإعجاب ق. أثناسيوس الذي كتب له قائلاً ” أني تعجبت لمعاناة واحتمال تقواكم، وأن قدسكم لم يوقف هؤلاء الذين يقولون هذه الأشياء، بل شرحت لهم الإيمان المستقيم حتى إذا سمعوا يهدأون، أما إذا قاوموا فإنهم يُعتبرون هراطقة” (فقرة3).
* يتضح من المذكّرات التي أرسلها أبكتيتوس إلى ق. اثناسيوس أن صبره وطول أناته وتمسّكه بإيمان الكنيسة ومحبته للسلام والتصالح، كل هذا قد أثمر، لذا نجد أن ق. أثناسيوس يشاركه فرحه لِما إنتهت إليه الأمور فيكتب إليه قائلاً ” شكرًا للرّب إنه بقدر حزننا عند قراءة مذكراتكم، بقدر ما فرحنا بما أنتهت إليه هذه المذكرات، لأنهم مضوا بعد اتفاق وتصالح على الإعتراف بالإيمان الأرثوذكسي الحسن العبادة” (فقرة12).
* ” كان أثناسيوس معيار الأرثوذكسية الحيّ “[6]، لهذا كانت شهادته للإيمان هي شهادة تسبب فرحًا لكل نفس لها هذا الإيمان عينه. فنجده يختم رسالته قائلاً “هذا في الواقع ما دفعنا أيضًا أن أكتب هذه الكلمات القليلة بعد أن أمعنت الفكر كثيرًا أولاً، خوفًا من أن يسبب صمتي ألمًا بدلاً من الفرح لأولئك الذين سببوا لنا فرحًا باتفاقهم معًا” (فقرة12).
* معيار الحُكم لدى ق. أثناسيوس، على الأقوال التي رددها البعض والتي جاءت في المذكرات التي أرسلها الأسقف أبكتيتوس إليه، كان الآتي:
+ ” يكفي أن أقول مجيبًا على مثل هذه الأقوال بما يلي: يكفي أن هذا ليس تعليم الكنيسة الجامعة، ولا أعتقد الآباء بهذه الأمور” (فقرة 3).
+ “بعد إطلاعي على المذكرات التي كتبتها قدسك…أقول مَنْ سمع بمثل هذه الأمور قط؟ مَنْ هو الذي علّم هذا أو تعلّمه؟
+ إن ما يقولونه لا يوجد منه شيء في الكتب الإلهية. (فقرة4).
+ “هم يقولون…. أما الآباء الذين اجتمعوا في نيقية فقد قالوا…. فإما أن تنكروا إذن المجمع المنعقد في نيقية وكهراطقة يجلبون تعليمًا بالإضافة إلى ما قرره المجمع.
وإما إن أردتم أن تكونوا أبناء الآباء فلا تعتقدوا بغير ما كتبه هؤلاء الآباء.
* بعد أن قرأ ق. أثناسيوس مذكرات أبكتيتوس، لخص في بداية رسالته الأفكار التي علّم بها هؤلاء المنحرفون، ثم بدأ في الرد عليها إستنادًا على تعاليم الكنيسة الجامعة وتقليدها الحي والكتب الإلهية، فقد نادوا بأن:
1ـ الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟
2ـ إن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وكل الجسد وتغيّر عن طبيعته الخاصة.
3ـ إن الربَّ لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا.
4ـ إن اللاهوت ذاته الذي من نفس جوهر الآب قد صار ناقصًا خارجًا من كامل، والذي سُمرّ على خشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الكلمة الخالق ذاته.
5ـ إن الكلمة حوّل لنفسه جسدًا قابلاً للألم وهذا الجسد ليس من مريم بل من جوهره الذاتي.
6ـ الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على الدوام حيث إنه قد تكوّن من جوهر الحكمة.
7ـ يشكّون كيف أن الربَّ المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم.
8ـ إن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب ليس هو الربَّ والمخلّص والإله وإبن الآب.
9ـ إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أي واحد من الأنبياء، ولم يَصْر هو نفسه (الكلمة) إنسانًا بإتخاذه الجسد من مريم.
10ـ إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم وهو ابن الآب من قبل الدهور، هو شخص آخر.
وبخبرته اللاهوتية والروحية يدرك القديس أثناسيوس أبعاد هذه الأفكار ويصفها بأنها ” رغم تباينها لكنها تحوي فكرًا واحدًا يهدف بفاعليته نحو عدم التقوى” (فقرة3) ويذهب في وصف ما قالوه بأنها ” أقوال غريبة من كل ناحية عن التعليم الرسولي… ومن الواضح أنها شريرة” (فقرة3).
ويُرجع أفكارهم الخاطئة هذه إلى تعاليم الآريوسيين الذين قالوا أن الإبن مخلوق (فقرة4) وإلى تعاليم ماني الذي أنكر أن جسد المسيح هو جسد حقيقي بل خيالي. (فقرة7) بل وأنهم ذهبوا بأفكارهم ” بعيد إلى كفر آخر أشر من تعاليم الآريوسيين (فقرة4) وأخيرًا انهم ” إنحرفوا” إلى الكفر أكثر من كل هرطقة” (فقرة4).
III ـ تعاليم ق. أثناسيوس الخريستولوجية:
بعد أن أجمل ق. أثناسيوس كل الأفكار الخاطئة التي جاءت بالمذكرات التي أرسلها له الأسقف أبكتيتوس، أخذ يفند بإسهاب، كل هذه التعاليم المنحرفة كالآتي.
1ـ ففي رده على القائلين بإن الجسد واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة كتب يقول: ” إن الابن نفسه وليس الجسد ـ هو من نفس جوهر الآب” وإن الآباء في مجمع نيقية قد اعترفوا بحسب الكتب بإنه “بينما الابن هو من جوهر الآب إلاّ أن الجسد هو من مريم” ويحلل
ق. أثناسيوس النتائج الخطيرة التي تؤدي إليها مثل هذه الآراء الخاطئة والتي تصل إلى أفكار ألوهية الآب نفسه، الأمر الذي لم يذهب إليه الآريوسيين أنفسهم رغم أفكارهم عن إلوهية الإبن فيقول ” فإنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد الذي هو من طبيعة أرضية، في حين أن الكلمة هو من نفس جوهر الآب، بحسب إعتراف الآباء، فإن الآب نفسه أيضًا يكون من نفس جوهر الجسد الصائر من الأرض، فلماذا يكرمون الآريوسيين الذين يقولون إن الإبن مخلوق. وأنتم أنفسكم تزعمون أيضًا أن الآب من نفس جوهر المخلوقات” (فقرة4).
إن تعاليمهم هذه تؤدي إلى أن طبيعة الكلمة تتحوّل إلى طبيعة الجسد المخلوق وهذا يعني “تغيير الكلمة ذاته” وهنا نجد أن القديس أثناسيوس يواجه هذه الأفكار الخاطئة بتقديم منهج لاهوتي خلاصي، أي بإيضاح خطورة مثل هذه التعاليم على إيماننا بخصوص ما أتمه الكلمة من أجلنا ومن أجل خلاصنا، عندما إتخذ جسدًا من الروح القدس ومريم العذراء وسكن بيننا، فيقول ” لأنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد، فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهما، إذ إنه كان من المستطاع أن يكون موجودًا أزليًا قبل مريم…
كما أن الكلمة ذاته أزلي أيضًا. فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟” (فقرة4).
وهنا يبرز ق. أثناسيوس البعد الخلاصي في تعاليمه اللاهوتية، الأمر الذي تميّز به في كل كتاباته، كمعلّم في الكنيسة فيقول: ” لأن اللاهوت لم يأت لمساعدة نفسه حتى يلبس ما هو من نفس جوهره، كما أن الكلمة لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويقدّم ذاته ذبيحة لأجل نفسه وأفتدى نفسه” (فقرة4).
ويتابع ق. أثناسيوس حججه اللاهوتية معتمدًا على ما جاء في الكتاب المقدّس فيقول: ” لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم[7]، ومن ثم كان ينبغي أن “يشبه أخوته في كل شيء” ويتخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا كانت مريم في الحقيقة مفترضة من قبل[8]، ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به وتقدمه من أجلنا”. (فقرة 5).
ويجد في إنجيل “لوقا” عدة آيات تخدم عرضه في إيضاح بشرّية الكلمة المتجسد التي أتخذها من الروح القدس ومِن كائن بشري هو العذراء القديسة مريم، فاستغل دقة الوحي الإلهي فيما سجله البشيرين لتدعيم حجته فيقول: ” أرسل الله جبرائيل إلى العذراء، ليس إلى مجرد عذراء بل إلى “عذراء مخطوبة لرجل” (لو27:1) لكي يبين من كونها مخطوبة أن مريم كائن بشري بالحقيقة ولهذا السبب ذكر الكتاب أيضًا إنها وَلَدَته وإنها قمطّته (لو7:2) ولذلك فإن الثديين اللذين رضعهما يعتبران مباركين (قارن لو27:11). وقد قدّم ذبيحة، لأنه بولادته فتح الرحم (انظر لو32:2) وهذه كلها براهين على أن العذراء هي التي وَلَدَته” (فقرة 5).
ويرى ق. أثناسيوس في بشارة الملاك للعذراء بميلاد ربّ المجد دليلاً آخر على أن الجسد الذي أتحد به الكلمة هو جسد بشرّي، به شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها، فالملاك { لم يقل مجرد “المولود فيك” حتى لا يُظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج، بل قال “المولود منك” لكي يعتقد الجميع أن المولود خارجًا منها}. (فقرة 5).
ويسوق ق. أثناسيوس براهين مما يحدث في طبيعة البشر، فإن كان قد ذُكِرَ في الإنجيل أن العذراء قد طوّبت لأنها أرضعت الطفل يسوع من ثدييها (لو27:11) فهذا معناه أن ولادته من العذراء كانت ولادة حقيقية ” إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح، فمن المستحيل على عذراء أن تدر لبنًا إن لم تكن قد وَلَدَت. ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن ويُقمّط إن لم يكن قد وُلِدَ بصورة طبيعية قبل ذلك” (فقرة5).
ويعطي القديس أثناسيوس المفهوم السليم والعميق لأحداث في حياة المسيح له المجد، على الأرض، فكيف يَصْدِقُ الإدعاء بأن الجسد هو واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة إذ كان الطفل يسوع قد أختتن وأن سمعان قد حمله وأنه كان ينمو حتى صار عمره إثنتا عشرة سنة، وإنه بلغ الثلاثين عامًا عندما بدء خدمته العلنية؟
لأن عكس هذا الإدعاء، “هو المقصود بالختان في اليوم الثامن بعد ولادته، وإن سمعان تلقاه في أحضانه وهذا يدل على إنه قد صار طفلاً، وإنه نما حتى صار له من العمر إثنتا عشر سنة (انظر لو21:2ـ42) إلى أن بلغ الثلاثين عامًا (لو23:3) وليس كما يظن البعض أن جوهر الكلمة نفسه قد خُتن بعد أن تحوّل. لأنه لا يقبل التحول أو التغيّر. لأن المخلّص نفسه يقول ” أنظروا، لأني أنا هو ما تغيّرت” (ملاخي6:3س)” (فقرة5).
ويختم ق. أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة بقوله ” إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد كان في الجسد الذي خُتِن وحُمِلَ والذي أكل وشرب والذي تعب والذي سُمر على الخشب وتألم” (فقرة 5)[9].
1 رسائل ق. كيرلس إلى نسطور وبوحنا الأنطاكي: ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحي عبد الشهيد. يونيو 1988. رسالة رقم (39) فقرة (7) ص47.
2 رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي: المرجع السابق. رسالة (39) فقرة (8) ص49.
3 لمزيد من المعلومات عن هذه الترجمات وأماكن نشرها راجع: أثناسيوس (راهب من الكنيسة القبطية): فهرس كتابات آباء كنيسة الأسكندرية ـ الطبعة الأولى يناير 2003م ص216.
4 عن هذه الأهتمامات راجع: د. جوزيف موريس فلتس: تأثير القديس أثناسيوس الرسولي في التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية: دراسات آبائية ولاهوتية. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. السنة الأولى 1998، العدد الثاني ص40ـ53.
5 رجعنا إلى نص عربي مترجم عن نص يوناني محقق وليس إلى نص المخطوط، راجع: المسيح في رسائل ق. أثناسيوس عربها عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد و د. نصحي عبد الشهيد طبعة ثانية 2000م، الرسالة إلى ابكتيتوس ص34ـ48.
[6] Bouyer, L’incarnation et l’Eflise – corpus du Christ dans la theologie de st. Athanase 1943, p. 22.
7 أي عبيدك نسل إبراهيم (انظر عب16:2، 17).
8 كانت متضمنة في خطة الخلاص في قصد الله ليأخذ منها الكلمة جسدًا.
9 نوجه عناية القارئ إلى إنه مع الإنتهاء من قراءة هذه الدراسة يكون قد قرأ فيما بين القوسين، النص الكامل تقريبًا لرسالة القديس اثناسيوس إلى ابكتيتوس.
رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس
الكتاب المقدس في حياة وفكر ق. أثناسيوس الرسولي – د. وهيب قزمان
الكتاب المقدس في حياة وفكر ق. أثناسيوس الرسولي – د. وهيب قزمان
الكتاب المقدس في حياة وفكر القديس أثناسيوس الرسولي د. وهيب قزمان
أولاً: في الرسائل ضد الآريوسيين
د. وهيب قزمان
إن كانت المؤلفات التي كتبها القديس أثناسيوس بعنوان “رسالة إلى الوثنيين” و”تجسد الكلمة”، و”حياة القديس أنطونيوس” قد جعلت القديس أثناسيوس يحظى بمكانة مرموقة في كتابات الآباء “Patrologia“، لكن ما اكتسبه من مركز متميز بالفعل في التقليد الكنسي شرقًا وغربًا، إنما يُعزى إلى رسائله ضد الآريوسيين[1].
وتكشف كتاباته الإضطهاد الذي تعرضت له الكنيسة منذ طفولته، لكن تشويه الآريوسيين المتعمد للفكر اللاهوتي والذي اجتاح الأسكندرية في عشرينيات عمره، فقد كان علامة فارقة في كل حياته وخدمته.
ويوفر لنا التاريخ تلك الجدلية الفريدة بينه وبين آريوس إبان البدعة الآريوسية[2]. وقد أثبتت السنين المتتالية، دأب القديس أثناسيوس على توحيد الكنيسة القبطية تحت رئاسة كرسي الأسكندرية، وذلك بتأصيل فكره اللاهوتي بعد عصفه بالحركة الميليتية المناهضة للكنيسة، والتصدي للهراطقة الآريوسية، مما ساهم بحق في سلام الكنيسة.
1ـ استخدامه للكتاب المقدس:
ونجد في الرسائل الثلاث ضد الآريوسيين، زخمًا واضحًا لاستخدام القديس أثناسيوس للكتاب المقدس. وحسب الإحصائيات هناك 156 كلمة من الكتاب المقدس لكل ألف كلمة في هذه الرسائل الثلاث، وهو حضور مكثف للغة الكتابية هنا، أكثر منه في الكتابات التاريخية الدفاعية أو الراعوية[3].
والأكثر لفتًا للإنتباه هذا العدد الضخم من الكلمات المقتبسة من الكتاب المقدس[4]. ومن المعروف أن الجدل التعليمي التفسيري يتطلب الإستشهاد المُركّز بالكتاب المقدس، من أجل العرض التفسيري والشروحات، أكثر من البنية التي تعتمد على الصياغات في الكتابات الراعوية، والحوار حول السلوك والحياة المسيحية العملية. وتُظهِر جداول الإحصاء أن استخدامات نصوص العهد الجديد حوالي ضعف استخدامات واقتباسات العهد القديم. سواء كان القياس من خلال عدد الاقتباسات أو حتى عدد الكلمات المستخدمة من الكتاب المقدس نفسه.
ويأتينا القسم الأكبر من نصوص العهد الجديد من الأناجيل، والتي يبلغ الاقتباس منها وحدها أكثر من ثلث إجمالي الاقتباسات في الرسالة الأولى ضد الآريوسيين. وأكثر الأناجيل إقتباسًا منها كان إنجيل يوحنا، إذ يبلغ حوالي ربع الاقتباسات الإجمالية والاستشهاد بالآيات في الرسائل الثلاث ضد الآريوسيين.
نلاحظ أيضًا هنا أن القديس أثناسيوس يلتزم بحرفيه النص، على خلاف ما كان يقتبسه في الكتابات غير العقائدية. نخلص من هذا أنه يدقق في النص بحرفيته، بهدف توثيق التفسير العقائدي، ونجد في تلك الكتابات أن لأثناسيوس الرسولي نصوصًا مفضلة في إنجيل يوحنا، دائمًا ما يكرر الإستشهاد بها[5].
ومن العهد القديم تأتينا الأغلبية من سفر الأمثال، خاصة وهو يستشهد بأمثال[6] وبعض المزامير[7]. أما بالنسبة للعهد الجديد فبعد الأناجيل يلجأ بالأكثر إلى رسائل القديس بولس الرسول. ويقبل القديس أثناسيوس رسالة العبرانيين ودون أي شك على أنها للرسول بولس، بل ونصف ما يقتبسه من القديس بولس يأتينا من هذه الرسالة[8]، مما يؤكد أنه كان يعشقها، وقد درسها جيدًا وبعمق لأهميتها للمؤمن.
أما بالنسبة للإشارات الواردة من الأسفار الخمسة الأولى لموسى النبي فإنها تأتينا بصفة خاصة من قصة الخلق في سفر التكوين. ولا يرى القديس أثناسيوس أن رسائل الكاثوليكون بنفس القوة التي تضاهي رسائل بولس الرسول في الاعتماد عليها في توضيح ما غمض من الأسرار في العقيدة، خاصة في الحديث عن طبيعة وشخص المسيح Christology.
وفي كتاباته يؤكد القديس أثناسيوس أن الآريوسيين، ورغم استخدامهم لنفس نصوص الكتاب المقدس الذي يستخدمه، فإنهم قد رفضوا الله الكلمة، ومن ثم رفضوا العمل بالكتاب المقدس، ككلمة الله. وهم يعصون الوصايا الكتابية، لذا فهم يُشبهون القوم الذين تنبأ عنهم الكتاب بالهلاك في سفر الأمثال، أما بقية الاقتباسات فتتناول أمورًا تعليميه.
وقد اشتهر القديس أثناسيوس بالترتيب والمنهجية في دراسة نصوص الكتاب، فيما يخص تفنيد المزاعم الآريوسية، التي قسمها إلى أجزاء أولية وأخرى ثانوية، بشكل غاية في الدقة، وبطريقة تجعل القارئ ودون عناء، يكتشف على الفور كيف أساء الآريوسيين تأويل النص الكتابي.
ولا يركز القديس أثناسيوس على الأجزاء الثانوية لأنها لا تؤثر كثيرًا على سير الأحداث وتفنيد المزاعم الآريوسية، لكنه يشدد على تلك الأولية (الرئيسية) التي لجأ إليها الآريوسيون في تدعيم فكرهم اللاهوتي المنحرف. ولتسهيل الأمر نطلق عليها “النصوص الآريوسية السلبية”.
أما النصوص التي يلفت القديس أثناسيوس أنظارنا إليها فهي التي يمكن أن نطلق عليها “النصوص التعليمية العقيدية الإيجابية”، أي تلك التي يبني بها قديسنا اللاهوت النيقاوي الأرثوذكسي، أما النصوص التي يظل القديس أثناسيوس يكرر الإشارة إليها دائمًا فندعوها النصوص الرئيسية.
وهي التي يعتبرها الدعامات الثابتة في تفسيراته وتفنيده للنصوص التي لجأ إليها الآريوسيين. وبالنسبة للقديس أثناسيوس، فإن الله الكلمة يتحدث من خلال كل الكتاب المقدس، لهذا فإن أي إقتباس أو إستشهاد لابد أن ينسبه للرب.
وأحيانًا كان القديس أثناسيوس يلجأ إلى الذاكرة في اقتباس النصوص الكتابية ولذلك لا يأتي الاقتباس حرفيًا[9].
كما كان يلجأ إلى تقديم وتأخير ألفاظًا معينة في النص، بغرض التركيز على المعنى الأساسي، مقدمًا إياه على باقي النص ونعطي مثالاً على ذلك، كلمة سماوي حين يستبدلها القديس أثناسيوس بكلمة في السماء[10]، أو مثلما يُتبع الكلمات التي نطق بها الرب يسوع عن الآب في إنجيل مت29:10 بعبارة الذي في السماوات أو السماوي: “أليس عصفوران يباعان بفلس؟ وواحد منها لا يسقط على الأرض بدون أبيكم، (الذي في السموات أو السماوي)”.
2ـ تفسيره للكتاب المقدس
يمكن فهم الكتاب على أنه “حقل واسع ممتد من الكلمات والصور مرتبطة بعضها ببعض بواسطة موضوع رئيسي أو قصة مركزية “[11]. وليس هذا الوصف إقتباسًا من القديس أثناسيوس، لكنه يناسب طريقة قراءته للكتاب المقدس[12]، لأن اهتمامه الأكبر كان بهذا الموضوع الرئيسي أو القصة المحورية في الكتاب. وهذه القصة المحورية هي قصة الخلق والسقوط والفداء، والتي تتخلل كل أحداث الكتاب من أوله إلى آخره[13].
إن فهمه لهذه القصة تجعله بطرحها واضحة المعالم في رسالته إلى الوثنيين، إذ يصف حالة البشرية في الكون المخلوق قائلاً: [إذا ما تأمل المرء في نظام الكون يجب أن يدرك الله صانعه وبارئه، حتى وإن كان لا يُرى بالأعين الجسدية…. كما قال بولس الرسول ” لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات ” (رو20:1) وأيضًا “نحن أيضًا بشر تحت الآلام مثلكم، نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها (أع15:14، 16)][14].
أما كتابه “تجسد الكلمة“، فيعتبر أعظم تسجيل مسيحي يوضح بقوة ومنطق لا يُجارى عمل الله العجيب وتدبيره في فداء البشرية من الهلاك، وتجديدها، إذ يقول إن: [ الرب قد أكمل عملين عجيبين في وقت واحد: الأول تكميل موت الجميع في جسده، والثاني قضاؤه على الموت والفساد كلية بسب إتحاد “الكلمة” بالجسد، لأنه كان لابد من الموت، وكان لابد أن يتمم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع ] [15].
لذا يعتبر القديس أثناسيوس أن موت المسيح هو أصل ورأس ومبدأ الحياة لنا = ἀρχὴ ζωής لأنه بذبيحة جسده وضع حدًا لحكم الموت الذي كان قائمًا ضدنا، ووضع لنا أصل ورأس الحياة برجاء القيامة من الأموات الذي أعطاه لنا.
وهذان السفران كما يؤكد شاف Schaff[16]، هما أول مجهود علمي في المسيحية عن أهم العقائد المسيحية المتعلقة بالله والعالم، الخطية والفداء. ويمكن اعتبارهما الفاكهة الناضجة للبراهين الإيجابية في الكنيسة الأرثوذكسية. وويتضح من سيرة وحياة القديس أنطونيوس ذلك التحدي اليومي الذي يواجه كل إنسان مسيحي من جانب قوات الشر التي هزمها الرب، والتي لا تزال تمارس محاولاتها ضد الإنسان، بما تبقى لها من أساليب خداع بغرض هزيمته وقهره.
وتأتي تالية في الأهمية، تلك الصور التي تذخر بها روايات الكتاب كعناصر للسرد. وهي مفيدة في توصيل المفاهيم إلى القراء والسامعين. ويكمن الحق الإلهي وراء مدى إدراك البشر له، وهم محدودو الفكر في إدراكهم للكلمات المستخدمة، لكن الصور وهي كلمات في شكل صور للإشارة إلى وقائع وحقائق معينة لا يمكن إدراكها بالكلمات وحدها، فإن تلك الصور تجعل اللاهوت مفهومًا.
وعلى المستوى الأخلاقي، مثلما هو الحال في الكتابات التاريخية والدفاعية، تأتي الصور في شكل أمثلة Exempla ، ونعني بها هؤلاء الأشخاص الذين نقرأ عن أفعالهم، ونتأمل سلوكياتهم في الروايات الكتابية. ومن ثم فهم مرتبطون بالأساس بالصور النهائية للخير والشر، للخطية والخلاص. وقيمة هؤلاء الأشخاص في السرد الكتابي تعتمد على مدى أمانتها في الاقتداء بالكلمة (اللوغوس) ومدى شركتهم فيه.
ومن هنا يمكننا أن نحاكي النماذج الأمينة ونتمثل بهم ونشترك في الله الكلمة كما اشتركوا هم، مقتدين بهذه النماذج الكتابية لشخوص حية أمينة، هذا ما نعنيه بلفظة Biblical exempla.
ولكن على المستوى العقيدي، فإن النماذج أو الصور المرشدة لنا هي الباراديجماتا الكتابية[17]Biblical Paradeigmata أي النماذج العقيدية في الكتاب المقدس التي توحي لنا بالطرق والسبل التي نتبعها في فهم الحق الإلهي. وفي حالة الرسائل ضد الآريوسيين، فإنها توضح لاهوت الكلمة (اللوغوس).
ومن الطبيعي أنه في حالة الكتاب المقدس. كما هو الحال في أية وثيقة مكتوبة، فإن وسيلة التعبير هي بالكلمات. فالكلمات إذن هي حاملة المعاني، بل هي حاملة الكلمة (اللوغوس) نفسه في الكتاب المقدس. ويمكن للقديس أثناسيوس الحديث عن الحضور الإلهي في كلمات الكتاب المقدس بلغة تتجاوز المصطلح السرائري على مستوى التجسد الإلهي.
ولكن التعبيرات مهما كانت فهي قاصرة عن إدراك هذه المعاني العميقة. فقد ننظر إليها بشكل مختلف ونسيء فهمها، أو قد نخلط بين مفهوم وآخر. ومن هنا نعجز عن إدراك تلك النماذج Paradeigmata الكتابية الرائعة، التي تصورها تلك الكلمات. وبهذا يحل رأينا القاصر محل القصد الإلهي الكامل، أي يحل رأينا هنا epinoia محل القصد الكامل Dianoia وتلتبس علينا القصة بكاملها.
ولهذا كان من المهم ألا نفسر الكتاب المقدس كشبكة من كلمات فقط دون التركيز وإعادة التركيز على المجموعة الكاملة للصور التي تتكون منها القصة. فإن كان الكل يُصيغ الأجزاء ويشكلها فهو يبقى كاملاً، ولكن قراءة الأجزاء “مجهريًا” وهو ما يسمى “بالاجتزاء أو الإنتقاد” قد يسبب شرخًا أو تصدعًا في القصة بكاملها.
إن دراسة حالة واحدة للجدل التفسيري عند القديس أثناسيوس مثل فيلبي9:2، 10، الواردة في الرسالة الأولى ضد الآريوسيين في الفصول 37ـ50، سوف يخدم هذا الغرض جيدًا. لأنه نموذج لكل الاستراتيجيات والآليات في علم التأويل الكتابي. ففي الرسالة الأولى ضد الآريوسيين[18]. يبدأ القديس أثناسيوس الحوار مع الآريوسيين قائلاً:
[ بما أنهم يتعللون بالأقوال الإلهية في فيلبي9:2، 10 ويفرضون عليها تفسيرًا منحرفًا بحسب فكرهم الخاص، لذلك من الضروري أن نرد عليهم لكي نثبت صحة الأقوال الإلهية، ونوضح أنها تحوي الفكر المستقيم. فهم إذ يقولون إن الرسول بولس قد كتب يقول: ” لذلك رفعه الله أيضًا (مجده مجدًا عاليًا)، وأعطاه إسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض ” (في9:2، 10). ويزعمون كما لو أنه “لذلك” مُجِّد وحصل على نعمة ( بإعتبار أن هذه النعمة) كأجر لاختياره وما أنجزه ].
ثم في الفصل التالي من الرسالة[19] يستكمل رده عليهم قائلاً: [إن الرب لم يكن أصلاً في حالة وضيعة ثم رُقيَّ، بل بالأحرى إذ كان إلهًا فقد أتخذ صورة عبد، وبإتخاذه صورة العبد، لم يرتقِ، بل أذل (وضع) نفسه. إذن أين أجر الفضيلة في هذه الأمور؟ لأنه إن كان وهو الإله، قد صار إنسانًا، وبتنازله من علوه لا يزال يُقال إنه يُرفَّع (أي يمجد مجدًا عاليًا) فمن أين يُرفَّع وهو الله!].
ثم يستنكر إدعاءهم بأنه نال إسمًا للعبادة كأجر له مستندًا إلى المزامير قائلاً: [كيف نال هو الاسم للعبادة، وهو الذي كان دائمًا معبودًا باسمه؟ ومن قبل أن يصير إنسانًا، كان القديسون يتوسلون إليه قائلين: “خلصني يا الله باسمك” (مز1:54)، وأيضًا “البعض يفتخر بالمركبات، والبعض الآخر بالخيل، وأما نحن فباسم الرب إلهنا نتمجد” (مز7:20) ].
ويتبع القديس أثناسيوس منهجًا متماسكًا في تفنيد النصوص الآريوسية الكتابية، التي أعتمد عليها الآريوسيين في محاولة تحوير معنى النص لخدمة مزاعمهم، تجعله يأتي بنصوص تؤكد فكرته، وتؤيد منهج الكتاب في تدعيم شخص اللوغوس، خصوصًا تلك التي تتحدث عن اسم اللوغوس صراحة في فيلبي9:2 “لذلك رفَّعه الله أيضًا وأعطاه إسمًا فوق كل اسم”.
فهو يأتي كما رأينا بكل النصوص المتاحة والتي تتضمن “الاسم”، لتدعيم شرحه اللاهوتي عن شخص الابن قبل تجسده الإلهي لأجل خلاصنا. تدعيمًا لنقطة بحثه هذه، مثل (مز3:53، مز8:19، عب6:1)، ورغم أن نص عب6:1 لا يذكر اسم المسيح هكذا صراحة، إلا أن القديس أثناسيوس يفهم أن كلمة “الاسم” المذكور في رسالة فيلبي9:2 له علاقة بالعبادة، والتي لا يذكرها هذا النص الحالي.
وثمة نصان محوريان يشيران إلى هذا الاسم الإلهي، هما يو1:1، يو14:1. لهذا يعمل القديس أثناسيوس فكره من خلال الكلمات الواردة بنص فيلبي9:2 كنص محوري.
ثم ينشغل قديسنا في الرسالة الأولى ضد الآريوسيين في الفصلين 42،41 بنسج ترفيّعأنه الابن مع ترفيع البشرية المفتداة في عبارات غاية في القوة والوضوح. وهو ما يلزمنا ذكره هنا.
لأن هذا الترفيع والرفعة “كتبت أيضًا من أجلنا نحن”: [وعبارة “رفعَّه” (أي مجده مجدًا عاليًا)، لا تعني أن جوهر الكلمة قد أرتفع، ولكنها تعني ارتفاع (أو ترفع) بشريته. لأن الإنسان هو الذي كان في مسيس الحاجة إلى هذا (التمجيد)، بسبب وضاعة الجسد، وبسبب الموت…
ولأجل هذا يُقال عنه إنه كإنسان مُجد أيضًا عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح… فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجدنا مجدًا عاليًا، مُقامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السموات ][20].
هذه الصورة الكاملة إذن تعطي لأثناسيوس الرسولي أساس العودة إلى ذلك الإتحاد بالمسيح، ويؤكد على أن هذه العِلة (αίτιον) الخاصة بالإتحاد بالمسيح، التي يشير إليها، هي السبب في الرِفعة التي نالتها البشرية. أي أن المسيح “قد ترفع” وأنه فد أُعطي إسمًا فوق كل إسم”، وهذا كله كان لحسابنا ولأجلنا نحن υπέρ ημῶν, δι ημᾶς .
ولما كانت القراءة السطحية لنص فيلبي9:2 تجعل البعض يظن أنها تعني أنه رُفِّع، لأنه “وضع نفسه وأطاع حتى الموت”، فإن القديس أثناسيوس يوضح هذا الأمر في العبارات الإفتتاحية للرسالة الأولى ضد الآريوسيين في الفصل 44، والتي يقول فيها القديس أثناسيوس صراحة {إن هذه الآية (فيلبي9:2) لا تعني تمجيد اللوغوس ذاته، بإعتباره لوغوس، (لأنه كما سبق أن قلنا، إن اللوغوس عالٍ وإنه مثل الآب)، ولكن نص الآية يُشير إلى قيامته من بين الأموات بسبب تأنسه.
فقوله: “أذل (وضع) نفسه وأطاع حتى الموت” (في8:2)، والتي يُضيف القديس بولس بعدها “لذلك مجدَّه (رفَّعه) الله مجدًا عاليًا” (في9:2) فإن القديس بولس يرغب أن يُبين أنه رغم أن الكلمة المتجسد كإنسان كان يُقال عنه إنه قد مات، ولكن لكونه الحياة، قد مُجِّد (رفِّع) بالقيامة.. لأنه هو نفسه الإله المتجسد.
(يتبع)
[1] المرجع الرئيسي:J.D. Eenst, Leiden 2004, pp. 105 The Bible in Athansius of Alexandria,
2 ذلك الحوار المعروف باسم خطاب ضد آريوس في P.G28:440-501 وهناك أيضًا نسخة أرمينية.
3 استخدمت آيات الكتاب: 75 كلمة في الكتابات الدفاعية، 64 كلمة في التاريخية، 84 كلمة في الراعوية.
4 بالنسبة للرسائل الثلاث ضد الآريوسيين، يوجد 115 إقتباسًا لكل 1000 كلمة، وفي الكتابات التاريخية36، والراعوية 45.
5 إن الآيات التي يكرر قديسنا الاستشهاد بها أكثر هي يو1:1، 3، 14، 30:10، 14: 9ـ10.
6 تكرر الاستشهاد بأمثال8 عدة مرات في الرسالة الثانية ضد الآريوسيين.
7 يستشهد بالمزامير عمومًا بغزارة في كافة أعماله، ولكنها ترد أكثر نسبيًا في الرسائل الأولى والثانية ضد الآريوسيين.
8 يستشهد كثيرًا بالأعداد الأولى من الرسالة إلى العبرانيين في رسالته الأولى ضد الآريوسيين، وأيضًا بالعدد الثاني من الإصحاح الثالث من العبرانيين في رسالته الثانية ضد الآريوسيين.
9 ربما يرجع تعديل الاقتباس إلى أخطاء في النقل من المخطوطات الأصلية للرسائل الثلاث ضد الآريوسيين، خاصة أنه لا توجد لدينا هذه المخطوطات.
10 وردت في الفصلين10، 19 من الرسالة الثالثة ضد الآريوسيين.
[11] Rebert L. Wilken, Thinking Biblially: Exegetical and Hermenutical Studies, May 1999. CF. Wilken, The Spirit of Christian Thought, Yale university Press, 2003, PP.61-69.
12 كما تقول Frances Young في كتابها Biblical exegesis and the formation of Christian Culture “فأن القصة المحورية عن قيام الابن بالخلاص العجيب هي التي تعيننا على فهم تفسير القديس أثناسيوس للكتاب، والمعبر عنها بكلماته الغنية، وصوره العميقة.
13 يستخدم نقاء الكتاب المحدثون عبارة القصة المحورية بطرق مختلفة، فيقولون إنها من حيث المبدأ تشمل الكل، ويمكن أن تسري على كل شخص.
14 الرسالة إلى الوثنيين للقديس أثناسيوس الرسولي، تعريب القمص مرقس داود سنة1981، فصل 35، ص104.
15 تجسد الكلمة: الفصول5:20؛ 1:21، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية سنة2000.
[16] Schaff, Nicene Christianity, P.82.
كما جاء في مقدمة كتاب الرسالة إلى الوثنيين، ص9.
17 الباراديجم هو النموذج أو المثال الذي يوضح العقيدة ويشرحها من خلال الكرازة، لأننا رسالة المسيح المقروءة من جميع الناس.
18 الفصل 17 من الرسالة الأولى ضد الآريوسيين، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد و الأستاذ صموئيل عبد السيد، إصدار مركز دراسات الآباء، سنة 1984.
19 الفصل 18 من الرسالة الأولى ضد الآريوسيين.
20 الفصل 41 من الرسالة الأولى ضد الآريوسيين.
الكتاب المقدس في حياة وفكر ق. أثناسيوس الرسولي – د. وهيب قزمان
القديس أثناسيوس الرسولي – حياته وجهاده – د. نصحى عبد الشهيد
القديس أثناسيوس الرسولي – حياته وجهاده – د. نصحى عبد الشهيد
القديس أثناسيوس الرسولي – حياته وجهاده – د. نصحى عبد الشهيد
1 ـ مقدمة عن القديس أثناسيوس الرسولي:
القديس أثناسيوس هو أحد أكثر الشخصيات مهابة وجلالاً وتأثيرًا في كل التاريخ الكنسي وهو بلا شك أروع أساقفة (أو باباوات) الإسكندرية إطلاقًا كما يقول البروفيسور كواستن (J. Quasten). وتميز بشجاعة لا تهتز بالترويع، ولم يكن يجفل في مواجهة الخطر أو الشدة ولا يخيفه التهديد ولذلك كان هو البطل الثابت الوفى والمدافع العظيم عن إيمان مجمع نيقية المسكونى (325م) و”عمود الكنيسة” كما سماه القديس غريغوريوس النزينزى (Or 21, 26).
ويقول عنه المؤرخ المشهور شاف (P. Schaff)[ أثناسيوس هو المحور الذي كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت في العصر النيقاوى… وقد لقب بالـ “الكبير” عن جدارة تأكدت بالاضطهادات والآلام التي تحملها سنينًا طويلة في مقاومة أخطاء شنيعة تحصنت أحيانًا بسلطان الامبراطور… وما التعبير المشهور “أثناسيوس وحده صار ضد العالم وصار العالم كله ضده” إلاّ تعبير جيد عن جرأته الفريدة الحرة وأمانته التي لا تهتز من جهة ما يؤمن به…
كان أثناسيوس بمفرده في وقت من الأوقات ـ وقد حرمه مجمع أساقفة مصدقًا عليه من الإمبراطور ـ كان هو وحده الحامل للحق. ولذلك سُمّى فيما بعد “أبو الأرثوذكسية” (الكنيسة اليونانية). ودعاه الأسقف ثيئودريت المؤرخ (تنيح 460م) “المنبر الأعظم”، ودعاه يوحنا الدمشقى “حجر الزاوية في كنيسة الله”…] (History of The Christian Church Vol. III p885). أما كنيسة روما فتعده أحد الآباء الأربعة الشرقيين.
لقد اعتبره الآريوسيون عدوهم الأساسي وحاولوا أن يفعلوا كل شيء ليحطموه. وحاولوا أن يسكتوه واستعانوا بسلطة الإمبراطور كما استخدموا الأساقفة الفاسدين.
أُبعد عن كرسيه خمس مرات وقضى حوالي 20 سنة في المنفى. ولكن كل هذه المعاناة والآلام لم تستطع أن تزعزعه عن ثباته. كان مقتنعًا أنه يكافح لأجل الحق، واستخدم كل وسيلة في متناول يده ليغلب أعداء الإيمان المستقيم، الذين كانوا في أوج قوتهم.
وتميز القديس أثناسيوس بميزة نادرة في مثل ظروف هذا الكفاح المشتعل ضد الهرطقة، وهى قدرته ـ حتى في وسط نيران المعركة ـ على التسامح والاعتدال مع الذين انحرفوا عن الإيمان بحسن نية. فكثيرون من الأساقفة الشرقيين رفضوا اصطلاح هوموأوسيوس ـ أى “المساواة في الجوهر” أو “من نفس الجوهر”، الذي استعمله مجمع نيقية عن الابن، وكان رفضهم عن سوء فهم، فأظهر أثناسيوس نحوهم تعاطفًا واحتملهم لكى يربحهم ويعيدهم إلى الحق.
2 ـ نشأة القديس أثناسيوس الرسولي:
وُلد القديس أثناسيوس (ومعنى اسمه “خالد”) حوالي سنة 296م، على الأرجح في الإسكندرية. وحصل هناك على تعليمه المدنى واللاهوتى سواء بدراسته الخاصة أو في مدرسة الإسكندرية. فقرأ للفلاسفة والشعراء اليونانيين ودرس الكتاب المقدس بشغف شديد كما يظهر من كتاباته التي وصلتنا مثل تجسد الكلمة والرسالة ضد الوثنيين وضد الآريوسيين وغيرها.
ذكر المؤرخ روفينوس (Ruf 1, 14) أن ألكسندروس بابا الإسكندرية التاسع عشر كان في يوم من الأيام مطلاً من نافذة البيت الذي يقطنه على البحر، فرأى صبية يلعبون على الشاطئ، فلما تحقق من حركاتهم وجدهم يمثلون طقس العماد الذي تجريه الكنيسة؛ فأخذ يراقبهم بشغف وابتدأ يحس أن عملهم هذا أصبح له وضعه السرائري، فاستدعاهم وكان ذلك بحضرة بعض الإكليروس، ولما استجوبهم علم أن الصبي أثناسيوس كان هو الذي يقوم بدور الأسقف في العماد (والمعروف أنه في العصور الأولى للكنيسة كان الأسقف وحده هو المنوط بإجراء العماد من دون الكهنة).
وقام فعلاً بعماد بعض الأولاد رفقائه عن قصد وبكل مستلزمات الطقس، وهؤلاء لم يكونوا مسيحيين بعد؛ أما البابا ألكسندروس فلم يأخذ الموضوع ببساطة. وبعد مداولات مع الإكليروس اعتبر أن هذا العماد ساري المفعول وامتدح أثناسيوس واحتفظ به عنده، وأمر أن تُجرى لبقية الأولاد ما يلزمهم من الطقوس والتعاليم اللازمة لتكميل الطقس. وكذلك يؤكد المؤرخ سوزمين صحة هذه القصة (انظر (Soz, 11,17 عن قيام الصبى أثناسيوس بتعميد أولاد وثنيين، ورؤية الكسندروس البطريرك 19 له).
بعد ذلك رسمه البابا الكسندروس (سنة319) دياكونًا (شماسًا) واتخذه سكرتيرًا له.
ويتضح من بداية كتابه عن “حياة أنطونيوس” أنه كان على علاقة بالرهبان في صعيد مصر في وقت مبكر، ويقول هو نفسه [ لقد رأيت أنطونيوس مرارًا وتعلمت منه لأننى لازمته زمنًا طويلاً وسكبت ماء على يديه ] (حياة أنطونيوس: 1).
سنة 325 وهو شماس، رافق أسقفه البابا الكسندروس (الـ19) إلى مجمع نيقية، حيث لفتت مناقشاته مع الآريوسيين انتباه الجميع (Socr 1,8)، إذ يقول عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي: [كان أثناسيوس في نيقية أعظم المرافقين للأساقفة.. مجاهدًا إلى أقصى حد لحصر الكارثة وضغطها في أقل حيز ممكن] (Or. 21).
3 ـ أسقفية القديس أثناسيوس وجهاده:
وبعد ثلاث سنوات عندما تنيح البابا الكسندروس سنة 328م أختير أثناسيوس بإجماع الأساقفة والشعب خلفًا له رغم أنه كان دون السن القانونية بحسب التقليد الكنسي (Apol. C. Arian. 6) وكان الجمهور ينادى ” إنه صالح وقديس وناسك “.
ولم تكن مهمته الجديدة سهلة فرغم أن الفكر الآريوسى حُكم عليه في مجمع نيقية إلاّ أنه كان لا يزال له مؤيدون في الإسكندرية، يضاف إلى ذلك مقاومة الميليتيين في الصعيد.
حقبة أسقفية القديس أثناسيوس حتى نياحته 373م هى 45 سنة وتنقسم إلى خمسة فترات:
1 ـ الفترة الأولى من أسقفية القديس أثناسيوس وجهاده: 328ـ337م
زيارته لكنائس الوجه القبلى حتى وصل أسوان.
ورحب به باخوميوس ورهبانه (حوالي سنة 329) بفرح عظيم. وكانت كل الكنائس بمصر ملتفة حوله.
ورسامة فرمنتيوس أسقفًا على أثيوبيا (وهناك احتمال من الوثائق أن يكون ذلك في سنة 357م).
بدأت المؤامرات ضد أثناسيوس وضد الإيمان المستقيم من الآريوسيين بقيادة يوسابيوس النيقوميدى لتحقيق غرضين: (1) قبول آريوس في كنيسة الإسكندرية. (2) اسقاط أثناسيوس من كرسيه.
واستطاعوا أن يقنعوا الإمبراطور قسطنطين أن يأمر أثناسيوس بقبول آريوس، ولما رفض أثناسيوس تمكن الآريوسيون من عقد مجمع في صور سنة 335 ضده وحكم هذا المجمع بعزله. وأمر الإمبراطور بنفيه إلى ترير (حاليًا غرب ألمانيا قرب حدود بلجيكا) وبقى هناك حتى سنة 337 (أى حوالي سنتين)، ثم عاد إلى الإسكندرية في نوفمبر سنة 337 بعد وفاة قسطنطين الكبير، بأمر قسطنطين الصغير إمبراطور الغرب. وهكذا انقضى النفي الأول.
2 ـ الفترة الثانية من 337ـ346: النفي الثاني (339ـ346)
تجدد الاضطرابات إذ قام الآريوسيون بعقد مجمع في إنطاكيا سنة 339 وحكموا بعزل أثناسيوس وعينوا مكانه غريغوريوس الكبادوكى وأدخلوه الإسكندرية بالقوة استنادًا على أمر الإمبراطور قسطنطيوس (إمبراطور الشرق) بعد والده قسطنطين الكبير.
ذهاب أثناسيوس إلى روما سنة 339 وهناك عقد مجمع برئاسة أسقف روما يوليوس برأ أثناسيوس سنة 341 ثم عقد مجمع في سرديكا (صوفيا) سنة 343 ثبت قرار مجمع روما واعترف بأثناسيوس أنه الأسقف الشرعى الوحيد للإسكندرية. ولكن أثناسيوس لم يتمكن من العودة للإسكندرية إلاّ بعد وفاة الأسقف الدخيل غريغوريوس في سنة 345. ووصل أثناسيوس إلى الإسكندرية في أكتوبر سنة 346.
3 ـ فترة العقد الذهبى (346ـ356م)
فترة سلام وازدهار روحي غير عادى يسجله أثناسيوس في كتابه “تاريخ الآريوسية” (Hist. Arian., 25.27).
أولاً:
أـ بالنسبة للشابات: ” كم من عذارى نذرن أنفسهن للمسيح بعد أن كن يطلبن الزواج “.
ب ـ بالنسبة للشبان: ” كم من شباب تسلحوا بالغيرة الحسنة بسبب رؤيتهم لنماذج الآخرين، فخرجوا من العالم للحياة الرهبانية “.
ثانيًا: إقبال الأُسر على أعمال النسك والتدقيق في الحياة، من صوم وصلاة وصدقة وحضور الاجتماعات الكنسية: ” كم من آباء أقنعوا أولادهم وكم من أولاد أقنعوا آباءهم لمزيد من النسك المسيحي “.
ثالثًا: دخول المتزوجين في تنافس مع النساك والرهبان، للقداسة بروح إنجيلية: ” كم من زوجات أقنعن أزواجهن وأزواج أقنعوا زوجاتهم وتفرغوا للدخول في عهد الصلاة “.
رابعًا: تكوين منظمات شعبية بسبب انفعال المحبة الروحية العملية، لخدمة الأرامل والأيتام من جهة الأعواز الجسدية: ” كم من أرامل وكم من يتامى كانوا جياعًا عرايا، وبحماس الشعب امتلأوا شيعًا واكتسوا “.
خامسًا: ” تكوين اجتماعات روحية في البيوت للصلاة والتسبيح والشكر، حتى صار كل بيت كأنه كنيسة: ” كانت غيرة الشعب ومنافسته في الفضيلة شديدة حتى يكاد يُظن أن كل عائلة وكل بيت قد صار كنيسة، بسبب صلاح الساكنين فيه والصلوات التي يرفعونها أمام الله “. ” سرور وسط الشعب في كل اجتماعاتهم “.
سادسًا: نشاط الخدمات داخل الكنائس والصلوات وعلاقات الأساقفة والكهنة كان يسودها السلام العميق: ” أما في الكنائس فكانت هناك موجة من السلام العجيب والعميق، والأساقفة كتبوا من كل ناحية واستلموا من أثناسيوس الرسائل السلامية كالمعتاد ” ” والسلام هكذا كان يرفرف على الكنائس “. ” أُلفة بين الأساقفة واتفاقهم في كل مكان “.
سابعًا: نشاط ملحوظ في الوعظ والنشرات الدورية لإقناع الآريوسيين والميليتيين بالعودة إلى الكنيسة، وإظهار روح الصفح والقبول: ” كم من أعداء تابوا “، ” كم من أشخاص اعتذروا له عما بدر منهم نحوه من ظلم أو اتهام بالزور “. ” كم من أشخاص كانوا معه في عداوة فصاروا في تعاطف وحب “، ” كم من أشخاص انحازوا تحت الضغط والإرهاب جاءوا ليلاً وقدموا توبتهم “.
4 ـ فترة النفي الثالث: (356ـ362م)
هرب إلى الرهبان في الصحراء. وقضى بينهم سنوات. وفي هذه الفترة كتب ” دفاعه إلى الإمبراطور قسطنطيوس ” و”الدفاع عن هروبه “، و” الرسالة إلى الرهبان ” و” تاريخ الآريوسيين “.
بدأت هذه الفترة بهجوم الوالي على كنيسة ثيؤناس أثناء وجود أثناسيوس مع المؤمنين للتسبيح والصلاة فيها. وفرض الأسقف الدخيل جورج الكبادوكى.
موت قسطنطيوس في 361، والأسقف الدخيل قُتل في ديسمبر من سنة 361م. وفي فبراير 362 عاد أثناسيوس إلى كرسيه هو وغيره من الأساقفة المنفيين بأمر الإمبراطور يوليانوس.
5 ـ الفترة من 362ـ366م:
أ ـ مجمع الإسكندرية: (سنة 362 ـ النفيان الرابع والخامس)
بعد عودته من المنفى عقد القديس أثناسيوس مجمعًا بالإسكندرية لمعالجة المسائل التي تعطل عودة السلام إلى الكنيسة، وأهم ما اتفق عليه المجمع:
1 ـ قبول كل الأساقفة الذين سقطوا من شركة الكنيسة، عن طريق الاعتراف بإيمان نيقية، وبأن يعترفوا بأن الروح القدس غير مخلوق وأنه من جوهر واحد مع الآب والابن ضمن الثالوث.
2 ـ حل الخلاف في فهم معنى الهيبوستاسيس Hypostasis فأشباه الآريوسيين تعودوا أن يقولوا أن هناك 3 “هيبوستاسيس” في الله ولكن الأغلبية كانت لا تزال تفهم بالمعنى القديم أن في الله “هيبوستايس” واحد. فهؤلاء الأخيرين يتهمون أصحاب الـ 3 هيبوستاسيس بالآريوسية وهؤلاء يتهمون أصحاب “الهيبوستاسيس الواحد” بالسابيلية. وحل المجمع هذه المشكلة بقيادة أثناسيوس الحكيمة ـ بأن التعليم واحد والاختلاف في التعبير عن المعنى أى بسبب سوء الفهم للألفاظ وهكذا يمكن أن يستعمل كلا من التعبيرين رغم أنه كان يفضل تعبير الهيبوستاسيس بمعنى الجوهر الواحد.
وبفضل قيادة أثناسيوس في هذا المجمع أمكن عودة كثيرين من الأساقفة إلى الكنيسة. ولذلك قال القديس إيرونيموس عن هذا المجمع انه ” بمنهجه التصالحى الحكيم انتزع العالم كله من بين فكى الشيطان” (Jerome adv. Lucif,20).
ب ـ الإمبراطور يوليانوس يأمر بطرد أثناسيوس من الإسكندرية (النفي الرابع) فتركها في أكتوبر 362م. وبعد وفاة يوليانوس سنة 363م عاد أثناسيوس في فبراير سنة 364 بأمر الإمبراطور جوفيان المسيحي، مدة نفيه الرابع 15 شهرًا.
ج ـ نفى أثناسيوس للمرة الخامسة بأمر الإمبراطور فالنز الآريوسى إمبراطور الشرق فخرج أثناسيوس من كنيسة ديونيسيوس في نفس الليلة التي حاول الوالي فيها أن يقبض عليه (5 أكتوبر 365) واختبأ في بيت ريفي كما يقول سوزومين. أما سقراط المؤرخ فيقول إنه اختبأ 4 أشهر في مقبرة أبيه.
د ـ ثار الشعب في الإسكندرية ثورة شديدة مما جعل الإمبراطور يأمر بعودة أثناسيوس في فبراير سنة 366. فذهب الوالي ومعه وفد من المدينة وأحضروا أثناسيوس بإكرام كبير من ضواحي المدينة حتى كنيسة ديونيسيوس. وكان يوم فرح عظيم لكل الشعب.
6 ـ الفترة السلامية الأخيرة (من 366ـ373).
في ذلك الوقت كان أثناسيوس في عقد السبعينيات من عمره، فقضى فترة سلام ورعاية أمينة لشعبه.
وأيضًا في هذه الفترة حدث تبادل الرسائل بين القديس أثناسيوس والقديس باسيليوس (الذي صار أسقفًا في سنة 370 لقيصرية كبادوكية). وحصل باسيليوس على مؤازرة أثناسيوس له في محاربة الآريوسيين في أسيا الصغرى.
وقد عبر باسيليوس في رسائله إلى أثناسيوس عن شعوره باحترام ومديح بلا حدود نحو أثناسيوس. كما دافع أثناسيوس عن أرثوذكسية باسيليوس في مواجهة المشككين فيها إذ قال عنه إنه “أسقف تتمنى أى كنيسة أن يكون هو أسقفها” (رسالة 63 إلى القس بالاديوس N.P.N. Vol 4. p.570).
وفي هذه الفترة ـ كما يفترض بعض العلماء ـ كتب أثناسيوس كتابين ضد أخطاء أبوليناريوس ـ دون أن يذكر فيهما اسم أبوليناريوس الذي كان مشتركًا معه في مجمع الإسكندرية سنة 362، وأكد فيهما وجود نفس أو عقل بشرى في جسد المسيح غير اللوغوس الذي هو اللاهوت المتحد بالجسد.
وظل أثناسيوس يكتب ويشرح ويرد على رسائل الذين يستشيرونه من كل كنائس المسكونة في أمور الإيمان ويحل المشاكل العملية المرتبطة بتثبيت الكنائس في مواجهة الآريوسيين، ويؤازر كل أسقف مضطهد وكانت رسائله ومشوراته ذات تقدير كبير عند كل أساقفة المسكونة.
وتنيح القديس أثناسيوس يوم 7 بشنس سنة 19 للشهداء (2 مايو 373م) وله من العمر 77 عامًا.
* المراجع:
1ـ القديس أثناسيوس الرسولي ـ للأب متى المسكين
2- Patrology vol.III by J. Quasten.
3- History of the Christian Church. Vol.III by Ph. Schaff.
القديس أثناسيوس الرسولي – حياته وجهاده – د. نصحى عبد الشهيد
عن الكلمات رفعه و اعطاه و مجده للقديس اثناسيوس الرسولي
بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ
إِلَهٌ وَاحِدٌ
+آمين+
45ـ وبما أنه يقال إنه “مجّده ورفّعه”، وأن الله “أعطاه” فالهراطقة يظنون أن هذا نقيصة، أو عيبًا خاصًا بجوهر اللوغوس. فمن الضروري أن نقول، بأي معنى تقال هذه الكلمات. إذ يقول إنه رُفِعَ وأُصعِدَ من أقسام الأرض السفلى. لأن الموت صار خاصًا به أيضًا. وكلا الأمران يقالان عنه حيث إنهما خاصان به وليس بآخر غيره. إذن فالجسد الذي أقيم من بين الأموات هو الذي رُفِعَ إلى السموات. وحيث إن الجسد كان يخصه ولا يوجد للجسد كيان إلاّ باللوغوس نفسه، لذى فمن الطبيعي أنه بتمجيد وترفيع الجسد يقال أيضًا إنه كإنسان قد ارتفع بسبب الجسد.
إذن فلو لم يكن قد صار إنسانًا، لما كانت لتقال عنه هذه الأقوال. أما عبارة “الكلمة صار جسدًا” فإنه كانت هناك ضرورة، أن يقال عنه إنه قام وتمجّد كما يقال عن إنسان، لكي يكون هذا الموت الذي يشار به إليه، فداءًا لخطية البشر، وأبطالاً للموت، أما القيامة والتمجيد فإنهما يدومان فينا بالضرورة بسببه.
وفى كلتا الحالتين قال عنه “مجده الله مجدًا عاليًا”، و “الله أعطاه” كي يبين بهذا أنه ليس الآب هو الذي صار بل كلمته هو الذي صار إنسانًا، فإنه بحسب النمط البشرى، يأخذ من الآب ويتمجد منه. كما سبق أن قال.
فيكون واضحًا ـ ولا يستطيع أحد أن يشكّك في ذلك ـ أن تلك الأشياء التي يعطيها الآب، إنما يعطيها عن طريق الابن، ويكون عجيبًا، وأمرًا مثيرًا للاستغراب حقًا أن النعمة التي يعطيها الابن من لدن الآب، نفس هذه النعمة، يقال أن الابن ذاته قد قبلها. والرفعة التي حققها الابن من لدن الآب، بهذه الرفعة نفسها يُرفّع الابن نفسه.
إذن فإذ هو ابن الله نفسه قد صار ابن الإنسان أيضًا، ولأنه هو اللوغوس فهو يعطى الأشياء من لدن الآب، لأن كل من يصنعه ويعطيه الآب، إنما يصنعه ويعطيه من خلاله.
وكابن الإنسان فيقال إنه بحسب بشريته ينال ما يخصه من ذاته، بسبب أن جسده ليس سوى جسده الخاص به الذي هو بطبيعته أن يتقبل النعمة كما قد قيل.
وبحسب هذه الرفعة إذن، أخذ الإنسان فى داخله. وكانت هذه الرفعة من أجل تأليه الإنسان أما اللوغوس فله خاصية (التأليه) هذه بحسب الألوهية والكمال الأبوي الخاصين به.