مُلخص كتاب القضية…المسيح


هل يمكن الوثوق بسير حياة يسوع ؟

ذات مرة اعتقدت أن الأناجيل كانت مجرد دعاية دينية , وأنها ملطخة بشكل ميئوس منه بتخيلات مثيرة ووحماسة تبشيرية .ولكن كريج بلومبيرج من معهد دينفر اللاهوتي –أحد أوائل المصادر الموثوق بها في الولايات المتحدة حول سير حياة يسوع- بنى حالة مقنعة للتأمل في شهادة شهود العيان وقبول العلامات المميزة التي لا  تخطئ من الدقة.إن هذه السجلات حول حياة يسوع مبكرة جداً لدرجة انه لا يمكن تفسيرها كاختراع تفسيري.قال بلومبيرج:

“خلال العامين الأولين بعد موت يسوع ,يبدو أن أعداداً مميزة من أتباعه قد صاغوا تعليماً عن الكفارة ,قانعين أنه قام من الموت جسدياً ,ورابطين بين يسوع والله , ومؤمنين أنهم وجودوا العون بالنسبة لكل هذه القناعات في العهد القديم ” تشير دراسة إلى أنه لم يكن هناك وقتٌ كافٍ بأي حال كي تنمو الأسطورة , وتمحو أساساً راسخاً من صميم الحق التاريخي.

 

هل سير حياة يسوع يمكنها أن تواجه الفحص ؟

أكد بلومبيرج بشكل مُقنع أن كُتّاب الأناجيل قصدوا الحفاظ على التاريخ الموثوق به, وقد كانوا قادرون على فعل ذلك , وكانوا أمناء ومستعدون لتضمين مادة صعبة للتفسير ,ولم يسمحوا للتحيز أن يلون تقاريرهم على نحو غير ملائم .إن التناغم بين الأناجيل حول الحقائق الجوهرية,الذي يصاحبه اختلاف في بعض التفاصيل الجانبية, يمنح التقارير المصداقية التاريخية .والأهم من هذا هو أن الكنيسة الأولى ما كان لها أن تتأصل وتنمو في أورشليم لو كانت تُعلّم الحقائق حول يسوع أن معاصريه كان من الممكن اكتشاف مبالغتهم أو زيفهم. وباختصار فإن الأناجيل كانت قادرة على اجتياز الاختبارات الدليلية الثمانية ,وهي توضّح مصداقيتها الرّئيسية كسجلات تاريخيّة.

 

هل حُفظت لنا سير حياة يسوع بشكل موثوق به؟

الباحث العالمي بروس ميتز[ج]ـر-أستاذ في معهد برنستون اللاهوتي-قال إنه مقارنة بالوثائق القديمة الأخرى , هناك عدد غير مسبوق من مخطوطات العهد الجديد التي يمكن أن تعود تاريخياً إلى توقيت الكتابات الأصلية بفترة قريبة.فالعهد الجديد الحالي خالي من الاختلافات النصية بنسبة 99,5%,بلا تعاليم رئيسية في الشك .فالمعايير التي استخدمتها الكنيسة الأولى لتحديد أي الكتب يجب اعتبارها ذات سلطان أكدت أننا نملك أفضل السجلات عن يسوع.

 

هل هناك براهين موثقة عن يسوع خارج سير حياته؟

قال إدوين ياموشي من جامعة ميامي –وهو خبير بارز في التاريخ القديم :”لدينا توثيق تاريخي عن يسوع أفضل مما لدينا عن مؤسس أي ديانة قديمة أخرى” فالمصادر من خارج الكتاب المقدس تؤيد أن كثيرين آمنوا أن يسوع أجرى معجزات شفاء ,وأنه كان المسيا ,وأنه صُلِب ,وأنه رغم موته المُخزي ,فإن اتباعه الذين آمنوا أنه كان لا يزال حيّاً قد عبدوه كالله. وثّق أحد الخبراء 39 مصدراً قديماً أكدت أكثر من مائة حقيقة حول حياة يسوع ,وتعاليمه وصلبه ,وقيامته .فهناك سبعة مصادر مدنية ,والعديد من القوانين المسيحية المبكرة تخص لاهوت المسيح ,وهو تعليم “حاضر تماماً في الكنيسة الأولى ” وفقاً للدكتور جاري هابرماس الذي كتب يسوع التاريخي.

 

هل علن الآثار يؤكد سير حياة يسوع أم يعارضها؟

جون ماكراي –أستاذ علم الآثار لأكثر من 15 عام , مؤلف كتاب “علم الآثار والعهد الجديد Archeology and the New Testament-قال إنه لا شك أن الاكتشافات الأثرية قد عززت مصداقية العهد الجديد.فلم يدحض اكتشاف واحد على الإطلاق إشارة تاريخية .والأهم أن علن الآثار قد برهن أن لوقا –الذي كتب حوالي ربع العهد الجديد- كان مؤرخاً مدققاً بشكل خاص .استنتج أحد الخبراء :”لو كان دقيقاً بصورة مثابرة تماماً في تقريره التاريخي [للتفاصيل الصغيرة],فعلى أي أساس منطقي يجب أن نفترض أنه كان ساذجاً وغير دقيق في تقريره عن الأمور الأكثر أهمية ,لا فقط بالنسبة له ,بل بالنسبة للآخرين أيضاً؟” وعلى سبيل المثال قيامة يسوع ,وهو الحدث الذي وثق تأكيده بأنه ابن الله الوحيد.

 

هل يسوع التاريخ هو نفسه يسوع الايمان ؟  

جريجوري بودي- باحث جامعة ييل ,والمتعلم في جامعة برينستون ,والذي كتب الكتاب الأشهر “الحكمة الساخرة أم ابن الله cynic sage or son of God”-عرض نقداً قوياً لسيمينار يسوع ,وهو مجموعة تتساءل ما إذا كان يسوع قد قال أو فعل معظم ماهو منسوب إليه .لقد عرّف السّيمينار ك “عدد صغير تماماً من الباحثين المتشددين الذين هم على الجانب الأقصى من تفكير العهد الجديد” لقد استبعد السيمينار إمكانية المعجزات في البداية , وطرح معايير مشكوك فيها , وأعلن بعض المشتركين وثائق محيرة ذات جودة قصوى مريبة . والأبعد من ذلك هو أن فكرة أن القصص عن يسوع قد خرجت من الأساطير تفشل في مواجهة الفحص .قال بويد :”إن برهان يسوع بأن ماقاله التلاميذ عنه ….هو أبعد ما يكون عن صحة تفكير سيمينار يسوع “,بالاختصار يسوع الإيمان هو نفسه يسوع التاريخ.

 

هل كان يسوع مُقتنعاً حقاً أنّهُ ابنُ الله؟

بالرّجوعِ إلى أكْثَرِ التّقاليْد المُبَكِرة ,الآمنة بلا شَكٍ مِنَ التّطورِ الأُسطوريّ,كانَ بن ويزنجتون الثّالث مُؤلّف كِتاب the Christology of Jesus,قادِرَاً أنْ يوضّحَ أنّ يَسوع كانَ لَديْهِ وَعيْ بالذّاتِ سامٍ وفائِق.وبِناءً على الدّليل قال ويزنجتون :”هل آمنَ يُسوع أنّهُ كانَ ابْنَ الله,مسيحُ اللهِ؟” والإجابَةُ نعم.هلْ رأَى نفْسَهُ باعتِبارهْ المسيّا الأخيْر؟ نعم ,هذهِ هيَ الطريقة التي رأَى بِها نُفْسَهُ ,هلْ آمنَ أنْ أيّ إنسانٍ أقلّ شأناً مِنَ الله يُمكنهُ خلاصَ العالَم؟ لا لُسْتُ أؤمن بِذلك” قالَ الباحثونَ إنّ اشارة يُسوعْ المُتكررة إلى نفْسِه باعتباره ابْنُ الإنسْانِ لمْ تأكيْداً على الناسوْت ,بلْ كانَت إشارةً إلى دانيال 13:7-14,حيْثُ يُرى ابْنُ الإنسانِ وهوَ لهُ السُّلطانٌ الكُليّ والمُلك الأبديّ , والذيْ يَقبَلُ عِبادةَ كلّ الأممِ. قالَ باحثٌ :”وهَكذا فإنْ تأكيْدَ أنّ يسوع ابنُ الإنسانِ هوَ تأكيدٌ على الألوهيّةِ”.

 

هل كان يسوعُ مجنوناً عندما أكدّ أنّهُ ابنُ الله؟

جاري كولنز- أُستاذُ عِلمِ النّفسِ لمدةِ 20 عاماً, ومؤلفُ 25 كتاباً متعلقاً بعلمِ النّفسِ – قالَ إنّ يسوعَ لم يُبيّن مشاعر غيرَ مُناسبة ,بل كانَ مُتصلاً بالواقع , وكانَ لامعاً ذاتَ أفكارٍ مدهِشة في الطّبيعة الإنسانية , وقد تمتع بعلاقات مُستمرة عميقة .واستنتج كولنز :”لا أرى علامات أن يسوع كان يُعاني من أي مرض عقلي معروف .”وبالإضافة إلى ذلك , فقد دعمَ يسوع تأكيده بأنه الله من خلال الأعمال الإعجازية للشفاء , والإظهارات المُدهِشة لِسُلطانه على الطّبيعة , والتّعليم الذي لا يُنافَس , والفهم الإلهي للبشر , وقيامته التي كانت الدّليل الجوهري على ألوهيته.

 

هل حققّ يسوعُ صفاتَ الله ؟

بينمَا التّجسدُ –الله يصيْرُ جَسَداً ,اللامحدود يصيرُ محدوداً –يوسّعُ خيالنا ,أشارَ اللاهوتيّ اللامع د.أ كارسون إلى أَنَّ هُناكَ الكثيْرَ من الأدلة أن يسوع قد أظهرَ خصائص الإلوهيّة .فبالرجوع إلى فيلبي 2 ,يؤمنُ كثيرٌ من اللاهوتيينَ قد أخلى نفْسَهُ طوعاً من الاستخدام الحُرّ لصفاتهِ الإلهية بينما تتبع مُهِمَتهُ لفداء البشر .ورغمَ ذلك, فإنّ العهد الجديد يؤكدُ بشكلٍ خاص أنّ يسوعَ قد امتلك أساساً كلّ مؤهلاتِ الإلوهيّة ,بما فيها كُليّة المعرفة ,وكلية الوجود ,وكلية القُدرة, والخلود ,والثّبات.

 

هل ضاهى يسوع-ويسوع وحده-شخصية المسيّا؟

قبل مئات السنوات من ميلادِ يسوعَ,تنبّأ الأنبيْاءُ بمجيء المسيّا ,أو الممسوح ,الذي سَيفديْ شعْبَ اللهِ.ونتيجةَ ذلِكَ ,فإن عشرات من نبوات العهدِ القديم هي بمثابةِ بصمةِ اصبع استطاعَ المسيّا الحقيقي وحدهُ أنْ يُناسِبها .وهذا أعطى اسرائيلَ طريقةً لاستبعادِ الدّجالينَ , وتصديق اعتمادات المسيّا الحقيقي .على خلافِ الشّواذ الفلكية –فرصة من تريليون ,تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون-فإنّ يسوع ,ويسع وحده عبر التّاريخ ,ضاهى بصمة الإصبع النبوية هذه .وهذا يؤكد شخصية يسوع لدرجة هائلة من اليقين .فالخبير الذي حاورته حول هذا الموضوع –لويس لابيديس- مثال إنسان نشأ في بيتٍ يهودي محافظ ,وآمن أنّ يسوع هو المسيا بعد دراسة منظمة للنبوّاتِ .أمّا اليوم فهو راعي كنيسة كاليفورنيا ,والرئيس السّابق لشبكة قومية من 15 تجمع مسياني.

 

هل كانَ موتُ يسوع أكذوبة وقيامتهُ خدعة ؟

بتحليلِ البياناتِ الطّبية والتّاريخية ,استنتج د.الكسندر ميزريل –وهو طبيب يحمل أيضاً الدكتوراه في الهندسة ,استنتج أن يسوع لم يستطع تحمّل الآم الصلب المُرعبة, والجُرح الغائر الذي طعنَ رئتيه وقلبه. في الواقع,حتى قبل الصلب ,كانَ يسوع في حالة حرجة يعاني من صدمة hypovolemic نتيجة الجلد المُرعب .إن فكرة أن يسوع قد تعرض للإغماء نوعاً ما على الصّليب ,وأنهُ قد ادّعى الموتَ ,تفقد أيّ أساس برهاني .فمنفذو الإعدامِ الرّوماني كانوا يتصفون بالشّراسة ,عالمين أنهم بأنفسهم سيواجهونَ الموتَ لو أنّ أيّاً من ضحاياهُم قد نزلَ من الصّليبِ حيّاً .وحتى لو أنّ يسوع قد عاشَ نوعاً ما أثناءَ العذابِ ,فإن حالتهُ المُرعِبة لم تكن تستطِع إطلاقاً أن تُوحي بحركة عالمية مبنية على أساسِ أن يسوع قد انتصر على القبر في مجد.

 

هل كانَ جسدُ يسوع غائباً حقاً عن قبرهِ؟

ويليام لين كريج الذي حصل على شهادتي دكتوراه ,وكتبَ كُتباً كثيرة حول القيامة ,قدّم الدّليل المُدهِش أنّ الرّمز الدائِم للقيامة-وهو قبرُ يسوع الفارِغ-كانَ حقيقة تاريخيّة.فالقبرُ الفارغ مُسجل أو مُتضمن في المصادِر المُبكرة-انجيل مُرقس ,والقانون 1كورنثوس 15 –التي تعود إلى فترة أقرب جداً من الحدث الذي لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تكون قد كانت نتاجات الأسطورة. فحقيقة أن تقرير الأناجيل أن النّسوة قد اكتشفن القبر الفارغ تدعمُ أصالة القصة لأن شهادة النّسوة افتقدت المصداقية في القرن الأول , ومن هنا لم هناك دافع لتقرير أنهنّ وجدن القبر الفارغ لو لم يكن هذا حقيقياً .لقد كانَ قبر يسوع معروفاً بالنسبة للمسيحيين, واليهود ,والرّومان , ومن ثًمّ فقد كانَ من الممكن أن يتعرض للفحص من قبل المُتشككين .في الواقع ,لا أحد – و لا حتى السلطات الرّومانية ,أو القادة اليهود – أكد على الإطلاق أن القبر كانَ لا يزالُ يحوي جسد يسوع .وبدلاً من هذا , كانوا مُجبرين لاختلاقِ القصة السّخيفة بأن التلاميذ-رغمَ عدمَ توافرِ دافع أو قصة- قد سرقوا الجسد- وهي نظرية لا يؤمن بها حتى أكثرُ النّقادِ تشكيكاً.

 

هل رؤى يسوع حياً بعد موتهِ على الصليب ؟

إن بُرهانِ ظهوراتِ يسوع بعد القيامة لم تتطور تدريجياً عبر السنوات كما شوّهت الأسطورة ذكرياتَ حياتِه.بل بالأحرى فإن قيامتهِ كانت “الإعلان المركزي للكنيسة الأولى منذُ لحظةِ البداية .”كما قالَ خبيرُ القيامة اللامع جاري هابيرماس .إن القانون القديم 1 كورنثوس 15 يذكر أفراد معينيين لاقوا المسيحَ القائمَ .وقد تحدّى بولس مُتشككي القرنِ الأول للتحدثِ مع هؤلاء الأفرادِ شخصياً لتحديدِ حقيقةِ الأمر لأنفسهم . وسفرُ أعمالِ الرّسل منثورةٌ في ثناياهُ تأكيدات مُبكرة جداً عن قيامةِ يسوع ,بينما تصفُ الأناجيلُ لقاءات عديدةً بالتفصيل .استنتجَ اللاهوتي البريطاني مايكل جرين:”إن ظهورات يسوع موثقة تماماً كأيّ شيءٍ في الأصالة …ولا يمكن أن يكون هناك شك عقلاني بحدوثها .”

 

هل هناكَ أيّ حقائقَ مُدعمة تشيرُ إلى القيامةِ؟

قدمَ بروفيسور مورلاند برهاناً مُفصلاً أكد توثيقاً قوياً للقيامة . أولاً,كانَ التلاميذُ في وضعٍ فريدٍ لمعرفة ما إذا كانت القيامةِ قد حدثت , وقد ضحوا بحياتِهم لإعلانِ صدقها .لا أحد يموتُ طوعاً وعن معرفة من أجلِ أكذوبة .ثانياً ,بغضِ النّظرِ , ليسَ هناك سبب مُقنع يدفعُ مثلَ أولئكَ المُتشككين كبولس ويعقوبَ للإيمانِ والموتِ في سبيلِ إيمانهِم .ثالثاً , أثناء أسابيعِ الصّلب ,صارَ الآف اليهودُ مُقتنعين بأنّ يسوع قد كانَ ابن الله ,وبدأوا يتبعونهُ ,تاركينَ الممارساتِ الاجتماعية الرئيسية التي كانَ لها أهميّة دينية واجتماعية وقصوى لقرونٍ .لقد آمنوا أنهُم خاطروا بالإدانة لو كانوا على خطأ .رابعاً, فإن أسرار التّناولِ والمعمودية قد أكدت على قيامةِ يسوع وألوهيتهِ .خامساً, الانبثاق الإعجازي للكنيسة في مواجهة الاضطهاد الرّومانيّ الوحشيّ “يشقُ ثقباً عظيماً في التّاريخِ ,ثقباً بشكلِ وحجمِ القيامة “كما قال مول C.F.D Moule

 

القضية للإيمان -لي ستروبل – ترجمة حنا يوسف-ط1(2007) -صـ337-343

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/09/هل-يمكن-الوثوق-بسير-حياة-يسوع.pdf”]

تابع دراسة في الذبائح (21) ملخص مفهوم الخطية في العهدين άμαρτία.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                     تابع مفهوم الخطية : [رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهدين
                                                للرجوع للجزء العشرون أضغط هنــا.

[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهد القديم :

باختصار نستطيع أن نفهم المعنى الشامل للخطية ونستوعب خطورتها وشناعتها، عموماً في العهد القديم تأتي الخطية بعدة معاني هامة كما رأينا سابقاً وهي: ضلال، يضل [ كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه ] (إشعياء 53: 6)، إخفاق، يخسر نفسه، يُذنب، يتعدى الحدود، يغلط (عن جهل أو عن قصد )، وعموماً توصف الخطية بوجه عام كتحول عن الله وانتهاك العهد، والنتيجة الطبيعية للخطية هو الهروب من محضر الله كما فعل آدم وحواء حينما أخفوا أنفسهم لكي لا يراهم الله [ تك3: 9 ]، ونفس ذات الهروب يحدث لكل خاطي اليوم في هروبة من الصلاة والإنجيل… 

وبسبب الخطية تغرب الإنسان عن الله الذي هو الحياة واختطف لنفسه قضية الموت، لأن أجرة الخطية هي موت، فالموت ملازم حتمي للخطية وأثاره تظهر في كآبة الإنسان وحزنه بعد ارتكاب الخطية التي تُسيطر عليه وتقيده وتفسد طبيعته: [ الشرير تأخذه آثامه وبحبال خطيتة يُمسك ] (أمثال 5: 22)، والخطية تجعل الإنسان يدخل في حالة تيه وتغرب عن الله وعن نفسه، مثلما تاه شعب إسرائيل في البرية بسبب التمرد وعدم طاعة وصية الله وتخطيها [ لماذا لا تطيعون وصية الرب ] (عدد14: 41)، وقد صارت الخطية خطيرة للغاية لأنها تفصل بين الخطاة وبين الله [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] (إشعياء 59: 2)، فالخطية باختصار هي عصيان وتمرد وكسر عهد، وإعلان خصومة…

عموماً نجد ونلاحظ في العهد القديم أنه بالرغم من أنه ركز بشدة على مشكلة الخطية وفظاعتها وإظهار عواقبها الوخيمة وعلى الأخص أنها تجلب الموت لفاعلها، ولكنه يضع روح الرجاء الحي بالتوبة وتقديم ذبيحة للتكفير عن الخطية والتي تظهر وعد الله بالخلاص عن طريق الذبيحة الكاملة التي بابنه الوحيد الجنس الواحد معه في الجوهر، لأن منذ أول يوم ارتكب فيه الإنسان المعصية ودخل في شرك الموت التي نصبه له إبليس بالخطية نجد أن الله يعطي الوعد [ نسل المرأة يسحق رأس الحية ]، كما سوف نرى كيف قدم المسيح الرب نفسه ذبيحة خطية عن حياة العالم …

[خامساً] الخطية في العهد الجديد :

يستخدم العهد الجديد (1الاستخدام السائد [ άμαρτάνω – hamartano ]، وتصريف أفعالها في الترجمة السبعينية للعهد القديم كتعبير شامل عن كل شيء يُعارض الله، ويجد المفهوم الإنجيلي عن الخطية أشمل تعبيراته عند القديس بولس والقديس يوحنا، فقد وردت كلمة [ άμαρτία – hamartia ] حوالي 173 مرة، وكلمة [ άμαρτάνω – hamartano ] حوالي 42 مرة، وترد كلمة [ άμαρτημα – hamartema ] أربعة مرات فقط ويُشير إلى ارتكاب الفرد للخطية: [ اهربوا من الزنا كل خطيةάμαρτημα يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده ] (1كورنثوس6: 18)، ويستخدم اللفظة أيضاً في سياق الغفران: [ الحق أقول لكم أن جميع الخطايا άμαρτηματα تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها ] (مرقس 3: 28)، [ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجلالصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية3: 25)، أو تظهر كصفة توضح أنه لا يوجد من ليس له خطية [ وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر ] (يوحنا8: 7)، عموماً نجد في العهد الجديد أن لفظة [ άμαρτωλός، – hamartolos ] خاطئ، هي الصفة المعتاد استخدامها …

ومن الملاحظ أن هناك مزج ما بين لفظتين في العهد الجديد [ الجيل الفاسق والخاطئ ]، [ لأن من استحى بي و بكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين ] (مرقس8: 38)، وهذا يوضح أن الخطية هي رفض المسيح الرب ووصاياه وعدم الحياة بها والشهادة الحسنة بالتقوى لله الحي، لذلك فالخطية تفصل الإنسان فصلاً تاماً عن الله ويتم رفضه في اليوم الأخير، لذلك فأن التوبة أمر حتمي وضروري لينال الإنسان الغفران ويأخذ قوة الله وينال النعمة 


ونجد أن الرب يسوع تخطى المفهوم اليهودي للخطية ويوضح أبعادها ومشكلتها الحقيقية، لأنه أوضح أن الممارسات الشكلية ليس لها اعتباراً عند الله، بل الاعتبار عنده هو أن يحيا الإنسان بالوصية ما عدا ذلك فهو خطية واضحة [ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ] (مت7: 21 – 23)، فواضح هنا أن التركيز على أن الخطية هي عدم عمل إرادة الله وهي الحياة بحسب وصاياه المُحيية وهي تُسمى حسب الكتاب المقدس : الطاعة 
وسوف نوضح المفهوم الشامل في العهد الجديد بعد أن نشرح ذبيحة الخطية والتي يقصد بها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا الغير متعمدة أو بسبب حالة نجاسة كما سوف نرى بالتفصيل …

[سادساً] خلاصة مفهوم الخطية من العهدين :

عموماً وباختصار شديد: الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة (اللا مبالاة) أو عدم الإيمان والثقة في محبة الله، أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو الناموس أو في الإنجيل، سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الاتجاه، أو السلوك أو النية …
والخطية هي في الأساس قطع الصلة بالله ورفض مقاصد محبته من نحو خليقته، كما هي أيضاً علاقة خاطئة مع الآخرين أي ضد المحبة، وهي مقاومة الناموس الإلهي الذي أعطاه الله لخليقته، وانحراف لقوى الإنسان الشخصية مما يؤدي إلى الموت الروحي والأدبي … 
وتعتبر الخطية قناعة طائشة بمستوى أخلاقي هابط من الانغماس في اللذات المنطوي في أعماقه على تأليه الذات دون اعتبار لله أو لأخيه الإنسان …

_____يتبــــــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن

ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 

 

ملخص تجسد الكلمة – أثناسيوس الرسولي

ملخص تجسد الكلمة – أثناسيوس الرسولي

ملخص تجسد الكلمة – أثناسيوس الرسولي

كتاب تجسد الكلمة كاملا للقديس أثناسيوس الرسولي 57 فصل

خلقنا على صورته ومثاله ..

الله خالق وصالح، خلق الله الإنسان من العَدَم، على صورته ومثاله، وكان قصده أن يبقى الإنسان فى سعادة وفي غير فساد، مانحا إياه – بنعمة الكلمة – الحياة الأبدية إن هو أبقي الله في معرفته ولم يخالف، الوصية ، كما يقول سفر الحكمة ” الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته ” (٢٣:٢)

السقوط وحكم الموت..

ولكن البشر حَوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وأحتقروا التفكير في الله ورفضوه  ، وبمشورة الشيطان تعدوا الوصية وتحولوا إلى أعمال الفساد الطبيعي وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت.
 
نتيجة السقوط هي موت الإنسان لأنه إنفصل عن الله مصدر الحياة وفقد كل معرفة عن الله وبالتالي بدأ الفساد يَسود علي البشر ، ونزعت عنهم نعمة مماثلة صورة الله. هذه النعمة التي كانت تمكنهم من أن يبقوا في شركة الحياة وعدم الفساد…
 
تمادي البشر في الشر فلم يقفوا عند حد معين في خطاياهم بل صاروا يخترعون الشر.. وكل شر كان يقودهم إلي شر جديد.. وصاروا يسلكون في الفساد والظلم أفرادا وجماعات.. فنشبت الحروب وقامت الأمم ضد بعضها وتمزقت المسكونة كلها..
 

المشكلة الآن

  1. من المستحيل التهرب من حكم الناموس
  2. من غير اللائق أن لا ينفذ الله حكم الموت وإلا أصبح الله كاذبا أو طبيعته غير ثابتة.
  3. من غير اللائق أن تهلك خليقة الله العاقلة بسبب غواية الشيطان.
  4. من غير اللائق أن يصبح الإنسان العاقل اﻟﻤﺨلوق على صورة الله آخذا في التلاشي والإنحلال.
  5. لو أهمل الله خليقته وتركها تهلك لدل ذلك على ضعفه.
  6. لو ترك الله البشر ينقادوا للفساد دون تدخل لتعارض ذلك مع صلاح الله.
 
هل الايمان بتجسد الكلمة هو ايمان وثنى حسب سفر اعمال الرسل

من يستطيع :

أن يوفي الدين عن الجميع
أن يُحوَّل الفاسد إلى عدم فساد
أن يعيد خَلقْ البشر، ليكونوا على صورة الله
أن يجعل الإنسانَ المائت غير مائت
أن يُعلّم البشر عن الآب، ويقضى على عبادة الأوثان
 
+ هل تستطيع التوبة:
 
التوبة لا تستطيع أن تغير طبيعة الإنسان التي صارت إلى الفساد بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية..
 

+ هل يكفي إصدار أمر لخلاص البشرية:

لماذا لم يُتمم الله أمر خلاص البشرية بإصدار أمر بدون بدون تجسد ، أى بنفس الطريقة التي أَوجَدَ بها البشرية ؟
 
“في البدء لم يكن شئ موجودًا بالمرّة، فكل ما كان مطلوبًا هو مجرّد نطق مع إرادة (إلهية) لإتمام الخلق، ولكن بعد أن خلق الإنسان وصار موجودًا استدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، لأن الأشياء غير الموجودة لم تكن هى المحتاجة للخلاص، بل كان يكفيها مجرد كلمة أو صدور أمر، ولكن الإنسان (اﻟﻤﺨلوق) الموجود فعلاً والمنحدر إلى الفساد والهلاك هو المحتاج إلى أن يأتى الطبيب أو اﻟﻤﺨلص لكي يشفي الخلائق الموجودة “
 

+ هل يستطيع إنسان أو ملاك أن يعيد تجديد الخليقة؟

لا البشر ولا الملائكة، كانوا قادرين على تجديد خلقة الإنسان على صورة الله، وذلك لأن الإنسان هو مجرد مخلوق على مثال تلك الصورة، وليس هو الصورة نفسها، كما أن الملائكة ليسوا هم صورة الله. وكذلك لابد أن يصبح كلمة الله معروفاً مرة أخرى بين البشر وبه يُعرف الآب، لأن الخليقة كانت موجودة بالفعل، ومع ذلك كان البشر يسقطون في نفس الضلالة عن الله ، ولم يعودوا يعرفون الله عن طريق أعمال الخليقة، بل إنهم ما عادوا يرفعون أعينهم إلى فوق بل صاروا يشخصون إلى أسفل.
 

ضرورة تجسد كلمة الله

إذن لا يمكن أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ووفاء الدين المستحق على الجميع، إذ كان الجميع مستحقين الموت فلابد من أن يقدم نفسه ذبيحه عن الجميع، يبرّرهم ويحرّرهم من المعصية الأولى ويعيدهم لحالتهم الأولى قبل السقوط. ويثبت أن جسده الخاص أقوى من الموت وأنه عديم الفساد وهو باكورة لقيامة الجميع.
 
كما أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد بل كان ملتصقا به لذا لابد وأن تلتصق الحياة به بدلا من الفساد حتى كما صار الموت فى الجسد تصير الحياة داخل الجسد أيضا.
 
كلمة الله وحده هو الذي يستطيع أن يُعيد للإنسان تلك النعمة ويَرُدّه إلى حالته الأولى فهو الذي خَلَقَ في البدء كل شئ من العدم وهو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد وأيضاً أن يصون ِ صدق
 
الآب من جهة الجميع. وحيث إنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، كان هو وحده القادر أن يُعيد خلق كل شيء وأن يتألم ويموت عوض الجميع وأن يكون شفيعاً عن الكُل لدى الآب.
 

تجسد كلمة الله:

أخذ جسداً من جنسنا، وليس ذلك فحسب، بل أخذه من عذراء طاهرة نقية لم تعرف رجلاً، جسداً طاهرًا وبدون زرع بشر. لأنه وهو الكائن الكلّى القدرة وبارئ كل شئ، أعد الجسد في العذراء ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة ليسكن فيه ويُظهر ذاته به. وهكذا إذ اتخذ جسداً مماثلاً لطبيعة أجسادنا وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر.

 
أولاً: لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفَذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب).
 
ثانياً: وأيضاً فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد، الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش.
 
ثالثا: أتي إلي عالمنا كلي القداسة ابن الله وهو صورة الآب لكي يجدد الإنسان الذي خلق مرة علي صورته ويخلص ما قد هلك بمغفرة الخطايا، ”إن كان أحد لا يولد ثانية“ (يو ٥،٣:٣) .. فلابد من إعادة ميلاد النفس وتجديد خلقتها علي صورة الله ومثاله..
 
رابعا: ولد وظهر كإنسان، كون لنفسه جسدا من عذراء وحدها بدون رجل ليثبت للجميع أنه الإله صانع جميع الأشياء ، وأظهر سلطانه على كل الأشياء (حول الماء إلي خمر ، وأظهر سلطانه علي البحر ، وشفى الأمراض وطهر البرص وجعل العمي يبصرون والعرج يمشون وأقام الموتى وأظهر سلطانه على الأرواح النجسة) حتى يبصروا الأعمال التي عملها باالجسد ويعرفوا أنه كلمة الله المتجسد ومن خلاله يعرفون الآب.
 

موته وقيامته من بين الأموات

هو الحياة وكلمة الله، ولكن كان من المحتم أن يموت نيابة عن الجميع، لهذا ولأنه هو الحياة والقوة فقد نال الجسد منه قوة. ولكن لا يمكن أن تكون هناك قيامة ما لم يسبقها موت. ولذا فهو مات أمام شهود، لتكون قيامته أيضاً معلومة للجميع.
 
قد مات لأجل فداء الجميع، لكنه لم ير فسادا. فقد قام جسده سليماً تماماً إذ لم يكن سوى جسد ذاك الذي هو الحياة عينها. أتى ليقبل الموت المستحق على الآخرين ويموت لينتصر على الموت ُ مقدماً قيامته دليلاً على انتصاره الأكيد على الموت.
 

ترقب مجيئه الثاني ويوم الدينونة

تخبرنا الكتب المفدسة بأن كلمة الله سيأتي في ظهوره الثاني اﻟﻤﺠيد، الإلهي والحقيقي. حيث لا يظهر بعد في فقر بل في مجد، ولا يظهر بعد متخفياً متواضعاً بل في عظمته. وهو سيأتي لا ليتألم ثانية بل ليقدم للجميع ثمر صليبه، أي القيامة وعدم الفساد. ولا لكي يُحكم عليه بعد بل ليدين الجميع بحسب ما صنع كل واحد في الجسد خيراً كان أم شراً حيث أعد للصالحين ملكوت السموات، أما للذين عملوا السيئات فالنار الأبدية والظلمة الخارجية.
 
لأنه هكذا يقول الرب نفسه أيضاً ” من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء في مجد الآب “. ولهذا السبب عينه نجد أيضاً كلمة للمخ ّ لص تهيئنا لذلك اليوم إذ يقول ” كونوا مستعدين واسهروا لأنه يأتي في ساعة لا تعلمونها “. لأنه بحسب قول الرسول بولس ” لأنه لابد أننا جميعاً نُظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً “
 

إعتراضات على التجسد:

١- هل كان العالم بدون إله وقت تجسد السيد المسيح؟

لم يكن كلمة الله محصوراً في الجسد كما قد يتوهم البعض أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كل مكان آخر خالياً منه، أو أنه بينما كان يحرّك الجسد كان العالم محروماً من أفعال قدراته وعنايته. غير أن الأمر العجيب والمدهش جداً هو أنه مع كونه هو الكلمة الذي لا يحويه شيء فإنه هو نفسه يحوي كل الأشياء.
 
وبينما هو موجود في كل الخليقة فإنه بحسب جوهره هو متميز عن كل الخليقة. فهو حاضر في كل الأشياء بقدرته فقط (وليس بجوهره)، ضابطاً كل الأشياء ومظهراً سيادته على كل شيء، وعنايته بكل شيء، وواهباً الحياة لكل شيء. ومع أنه يحوي كل الأشياء ولا يحتويه شيء، إلاّ أنه كائن كلية في أبيه وحده.
 
لم يكن مقيداً بسبب الجسد، بل بالحري كان يستخدم جسده، ولذلك فهو لم يوجد في الجسد فقط بل كان موجوداً بالفعل في كل شيء. وبينما كان خارج الكائنات فقد كان في أبيه وحده مستقراً.
 

٢- كيف يسكن الله كلي القداسة في جسد الإنسان؟

رغم وجود كلمة الله في كل الأشياء إلا أنه لا يستمد منها شيئاً، بل العكس فإن كل الأشياء تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها.
 
مثال: الشمس : لأنه أن كانت الشمس التي خلقها هو والتي نراها وهى تدور في السماء لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب ظلمة هذه الأجسام، لكنها بالعكس تنيرها وتطهرها أيضاً؛ فبالأولى جداً كلمة الله كلّي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وط ّ هره، فهو الذي كُتب عنه ” الذي لم يفعل خطية ولا وُجدَ في فمه مكر”.
 

٣- لماذا مات كلمة الله ؟ لماذا لم يمنع حدوثه بقدرته ؟

اتخذ كلمة الله لأجل هذا (الموت) جسداً، ولم يكن لائقاً أن يمنع الموت لئلا تتعطل القيامة أيضاً. ولم يكن لائقاً أيضاً أن يسبق المرض موته لئلا يُظن أن ذاك الذي كان في الجسد كان ضعيفاً. ألم يعان الجوع إذن؟ نعم إنه جاع بسبب أن (الجوع) هو من خواص جسده، على أن (هذا الجسد) لم يهلك من الجوع لأن الرب لبس هذا الجسد. لهذا فإنه وإن كان قد مات لأجل فداء الجميع، لكنه لم ير فسادا. فقد قام جسده سليماً تماماً إذ لم يكن سوى جسد ذاك الذي هو الحياة عينها.
 
أتى ليقبل الموت المستحق على الآخرين ويموت لينتصر على الموت مُقدماً قيامته دليلاً على انتصاره الأكيد على الموت. وأيضاً لأنه لم يكن ممكناً أن يموت من الضعف وهو الذي يشفى الآخرين.
 
وقد يقول أحد:
كان من الأفضل أن يختفي من مؤامرات اليهود لكي يحفظ جسده كلية من الموت. فليسمع مثل هذا أن ذلك الأمر أيضاً لم يكن لائقاً بالرب. لأنه كما لم يكن لائقاً بكلمة الله وهو الحياة أن يُوقِع الموت على جسده بنفسه، كذلك لم يكن لائقاً أن يهرب من الموت الذي يوقعه الآخرون عليه، بل بالحري أن يتعقبه حتى يقضى عليه. ولهذا السبب فإنه بطبيعة الحال لم يسلّم جسده من تلقاء نفسه، كما أنه لم يتهرب من مؤامرات اليهود ضده.
وهذا بين أنه هو اﻟﻤﺨلص وهو الحياة، إذ إنه أولاً: انتظر إلى أن يأتيه الموت ليبيده وثانياً: عندما قُدِّمَ إليه الموت فإنه عجّل بإتمامه لأجل خلاص الجميع.
 

٤- لماذا لم يُسلِّم جسده بكرامة (على فراش للموت وفى موضع خاص) بدلاً من أن يحتمل موت الصليب المشين هذا ؟.

ما فعله اﻟﻤﺨلّص فهو حقاً عمل إلهي ولائق بلاهوته لأسباب كثيرة.
 
أولا: إن الموت الذي يصيب البشر عادة يأتيهم بسبب ضعف طبيعتهم وإذ هم لا يستطيعون البقاء لزمن طويل فإنهم ينحلون في الزمن (المحدد). وبسبب هذا أيضاً تنتابهم الأسقام فيمرضون ويموتون. أما الرب فإنه ليس ضعيفاً بل هو قوة الله، وكلمة الله، وهو الحياة عينها.
 
ثانيا: جاء اﻟﻤﺨلّص لكي يتمم موت البشر، لذلك قَبِل في جسده ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تماماً عندما يلتقي به في جسده. ولكي يؤكد للكل أنه أزال الفساد، وأنه منح أجسادهم عدم الفساد من ذلك الحين فصاعداً. وكضمان وبرهان على القيامة المُعَدّة للجميع فقد حفظ جسده بغير فساد.
 
ثالثا: لو أنه وضع جسده (للموت) في مكان خاص وعلى فراش كما يموت البشر عادة لكان الناس قد ظنوا أنه ذاق ذلك (الموت) بسبب ضعف طبيعته، ولظنوا أيضاً أنه لم يكن فيه ما يميّزه عن سائر البشر. أما وأنه هو الحياة وكلمة الله، وكان من المحتم أن يتم الموت نيابة عن الجميع، لهذا ولأنه هو الحياة والقوة فقد نال الجسد منه قوة.
 
رابعا: الموت لابد وأن يسبق القيامة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك قيامة ما لم يسبقها موت. فلو أن موت جسده كان قد حدث سراً في أي مكان ولم يكن الموت ظاهراً، ولم يحدث أمام شهود، لكانت قيامته أيضاً مخفيّة ولا يوجد دليل عليها.
 
وكيف يكون لتلاميذه الجسارة على أن يتكلموا عن القيامة إن كانوا لا يستطيعون أن يقولوا إنه مات أولاً؟ أو كيف يمكن أن يصدق أحد قولهم إن الموت حدث أولاً ثم بعد ذلك القيامة لو لم يكن هناك شهود على موته من بين الذين يكلمونهم؟
 

أما عن موت الصليب:

لأنه إن كان قد جاء ليحمل اللعنة الموضوعة علينا، فكيف كان ممكناً أن (يصير لعنة) بأي طريقة أخرى ما لم يكن قد قَبِلَ موت اللعنة الذي هو (موت) الصليب؟ لأن هذا هو المكتوب:” ملعون كل من علق على خشبة “.
 
وإضافة إلى ذلك، إن كان موت الرب هو فدية عن الجميع وبواسطة موته هذا نقض “حائط السياج المتوسط” وصارت الدعوة لجميع الأمم، فكيف كان ممكناً أن يدعونا إليه لو لم يكن قد صُلِبَ؟ لأنه على الصليب وحده يمكن أن يموت إنسان باسطاً ذراعيه. لهذا كان لائقا بالرب أن يحتمل هذا الموت ويبسط ذراعيه، لكي بأحدهما يجتذب الشعب القديم وبالذراع الأخر يجتذب الذين هم من الأمم, ويوّحد الاثنين في شخصه. ” وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع “
 
وأيضاً، إن كان الشيطان عدو جنسنا إذ قد سقط من السماء، يجول في أجوائنا السفلية ويتسلط فيها على الأرواح الأخرى المماثلة له في المعصية، ويحاول أن يخدع الذين تغويهم هذه الأرواح كما أنه يعوق الذين يرتفعون إلى فوق ، وعن هذا يقول الرسول ” حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية ” ، فإن الرب قد جاء ليطرح الشيطان إلى أسفل ، ويطهّر الهواء ويُعِدّ لنا الطريق الصاعد إلى السماء كما يقول الرسول ” بالحجاب أي جسده ” ، وهذا يلزم أن يتم بالموت.
 
فبأي نوع آخر من الموت كان ممكناً أن يتم هذا، إلاّ بالموت الذي تم في الهواء، أي (موت) الصليب؟ فإن الذي يموت بالصليب هو وحده الذي يموت (معلقاً) في الهواء. ولذلك كان لائقاً جداً بالرب أن يموت بهذه الطريقة. لأنه إذ رُفع هكذا فقد طهّر الهواء من كل خبث الشيطان وكل الأرواح النجسة كما يقول: “رأيت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء” وافتتح طريقاً جديداً للصعود إلى السماء كما هو مكتوب “ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية”.
 
فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب إذ هو رب الكل، بل نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدّم جسده للموت عن الجميع، هكذا، بنفس هذا الجسد أيضاً، أعدّ الطريق للصعود إلى السموات.
 

٥- لماذا قام في اليوم الثالث بالتحديد ولم يقم قبله أو بعده؟

أظهر كلمة الله نفسه على الصليب بل بالحري فإنه جعل الطبيعة كلها تشهد لحضور خالقها، وبعد ذلك لم يَدَع هيكل جسده يظل وقتاً طويلا ميتاً، إلاّ بالقدر الذي أظهر فيه أن الجسد مات باحتكاك الموت به، ثم أقامه حالا في اليوم الثالث، حاملا عدم الفساد وعدم التألم اللذين حصلا لجسده، كعلامة للظفر والانتصار على الموت.
 
١-كان يستطيع أن يقيم جسده بعد الموت مباشرة، ويظهره حياً، ولكن اﻟﻤﺨلّص بحكمة وبُعد نظر لم يفعل هذا لأنه لو كان قد أظهر القيامة في الحال لكان من المحتمل أن يقول أحدهم إنه لم يمت بالمرة أو إن الموت لم يلمسه بشكل كامل.
 
٢ وربما لو كانت القيامة قد حدثت في اليوم التالي للموت مباشرة لما ظهر مجد عدم فساد جسده. ولذلك فلكي يتأكد موت الجسد فإن الكلمة أبقاه يوماً آخر، وفى اليوم الثالث أظهره عديمَ الفساد أمام الجميع. إذاً فلكي يتأكد موت الجسد لذلك أقامه في اليوم الثالث.
 
٣ ولكن لو أنه أقام الجسد بعد أن بقى فترة طويلة، وبعد أن يكون قد فسد تماماً، فقد يُشَك فيه كأنه قد استبدل جسده بجسد أخر. لأن الإنسان بمرور الزمن قد يشك فيما سبق أن رآه، وينسى ما قد حدث فعلاً. لهذا السبب فإن الرب لم ينتظر أكثر من ثلاثة أيام، كما أنه لم يترك الذين سبق فأخبرهم عن القيامة معلقين لفترة طويلة.
 
ولكن بينما كانت أقواله لا تزال ترن في آذانهم، وكانت عيونهم لا تزال في حالة توقع وعقولهم معلّقة حائرة، وإذ كان الذين قتلوه لا يزالون أحياءً على الأرض وفى نفس المكان، ويمكن أن يشهدوا بموت جسد الرب؛ فإن ابن الله نفسه بعد فترة ثلاثة أيام أظهر جسده الذي كان قد مات غير مائت وعديم الفساد. وقد اتضح للجميع أن الجسد قد مات ليس بسبب أي ضعف في طبيعة الكلمة الذي اتحد بالجسد، بل لكي يُباد الموت فيه (في الجسد) بقوة اﻟﻤﺨلّص.
 
 
 
المرجع: ملخص من إعداد د. جوزيف موريس (كتاب تجسد الكلمة للقديس أثناسيوس الرسولي، ترجمة د. جوزيف موريس، مركز دراسات الآباء بالقاهرة)
 

ملخص تجسد الكلمة – أثناسيوس الرسولي

Exit mobile version