رسائل القديس أنطونيوس ج3

رسائل القديس أنطونيوس ج3

رسائل القديس أنطونيوس

 

الرسالة 8

أحبائي في الرب…

          أكتب إليكم كأبناء أعزاء. فإنه حتى الآباء الجسديين يحبون أولادهم أكثر حينما يجدون هؤلاء الأولاد مشابهين لهم. وهكذا أنا أيضًا فبقدر ازديادكم في التمثل بي، فإني أصلي إلى الله لكي يعطيكم ما سبق أن أعطاه لآبائنا المغبوطين. وأصلي لكي ما آتى إليكم، وأسلمكم أسرارًا أخرى أيضًا، لا أستطيع أن أكتبها إليكم على الورق. فعيشوا في فرح وسلام مع أب المراحم، لكي ما تنالوا الموهبة التي نالها آباؤكم.

قبول الروح الناري والصلاة لنواله:

          والآن فإن أمكم سارة التي هي الروح تفرح بكم. هذه التي أكملت حملها وولدت روحًا إلهيًا فيكم وتشتهي أن تكملكم كما طلبت منها عنكم. وهذا الروح الناري العظيم الذي قبلته أنا اقبلوه أنتم أيضًا، وإذا أردتم أن تنالوه ويسكن فيكم فقدموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم إلى السماء ليلاً ونهارًا، واطلبوا بكل قلبكم هذا الروح النارى القدوس وحينئذ يُعطى لكم، لأنه هكذا حصل عليه إيليا التشبي وأليشع وجميع الأنبياء الآخرين. ولا تفكروا في قلوبكم وتكونوا ذوى قلبين وتقولوا ” من يستطيع أن يقبل هذا؟ ” فلا تدعوا هذه الأفكار أن تدخل إلى عقولكم بل اطلبوا باستقامة قلب وأنتم تقبلوه. وأنا أبوكم اجتهد معكم وأصلي لأجلكم لكي تقبلوه، لأني أعلم أنكم قد جحدتم ذواتكم لكي تستطيعوا أن تقبلوه. لأن كل من يفلح ذاته بهذه الفلاحة في كل جيل فإنه ينال نفس الروح، الذي يسكن في المستقيمي القلوب. وأنا أشهد لكم، إنكم تطلبون الله بقلب مستقيم فأديموا الطلبة باجتهاد من كل قلوبكم فإنه سيعطى لكم.

نتائج نوال الروح:

          وحينما تنالون هذا الروح، فإنه سيكشف لكم أسرار السماء، وأشياء أخرى كثيرة سيعلنها لكم لا أستطيع أن أعبر عنها على الورق. وهو سيجعلكم أحرارًا من كل خوف. ويغمركم فرح سماوي ليلاً ونهارًا، وهكذا ستصيرون كأناس انتقلوا إلى الملكوت وأنتم لا تزالون في الجسد، ولا تطلبون حينئذ عن أنفسكم فقط، بل تطلبون عن الآخرين أيضًا. لأن موسى لما قبل الروح صلي لأجل الشعب قائلاً لله: إن أهلكت هؤلاء فأمح أسمى من كتابك (خر31:32).

          وهكذا ترون أن اهتمامه كان منصبًا على أن يصلي من أجل الآخرين، إذ قد وصل إلى هذه القامة بالروح. ولكن قليلين من بين الكثيرين هم الذين وصلوا إلى هذه القامة: أن ينصرفوا إلى الصلاة لأجل الآخرين. وأنا لا أستطيع أن أكتب إليكم عن كل هذه الأمور بالتفصيل، أما أنتم فحكماء وتعرفون كل شيء. وحينما آتى إليكم فإني سأخبركم عن روح الفرح وكيف ينبغي أن تحصلوا عليه وسأخبركم بكل غناه وعظم لذته، مما لا أستطيع أن أكتبه على الورق.

          كونوا معافين في روح الحياة ولتكونوا نامين ومزدادين قوة يومًا بعد يوم.

 

الرسالة 9

أحبائي في الرب أرسل لكم السلام..

          إن الإنسان إن كان يريد أن يحب الله بكل قلبه وبكل نفسه وبكل قدرته، فإنه ينبغي أن يقتنى مخافة الله أولاً، والمخافة تولد فيه البكاء، والبكاء يولد الفرح، والفرح يولد القوة، وفي كل هذه تكون النفس مثمرة، وحينما يرى الله أن ثمرها جميل هكذا، فإنه يقلبها إليه كرائحة طيبة، ويفرح مع ملائكته بتلك النفس في كل حين، ويملأها بالبهجة، ويعطى للنفس حارسًا ليحفظها في كل طرقها لكي يجعلها تصل إلى موضع الحياة والراحة وليمنع الشيطان من أن يقوى عليها. لأن الشرير حينما يرى هذا الحارس الإلهي، أي القوة المحيطة بالنفس فإنه يهرب، خائفًا من الاقتراب من الإنسان.

اقتناء القوة الإلهية:

          والآن يا أحبائي في الرب، الذين تحبهم نفسي وأنا أعلم أنكم محبون لله، اقتنوا في أنفسكم هذه القوة، لكي يخاف منكم الشيطان، ولكي تكونوا مجتهدين وفرحين في كل أعمالكم ولكي تحلو لكم الإلهيات. فإن حلاوة الله سوف تمدكم بأعظم قوة، لأن حلاوة حب الله ” أحلي من العسل والشهد ” (مز20:19). إن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجامع لم يذوقوا حلاوة الله العظيمة هذه، لأنهم لم يقتنوا القوة الإلهية ـ فيما عدا قليلون منهم هنا وهناك ـ لأنهم لم يتاجروا في هذه القوة ولم يسعوا لطلبها ظانين أنهم قد اقتنوها، ولذلك فإن الله لم يعطها لهم. لأن كل من يسعى للحصول عليها، فإنه ينالها كعطية من الله، فإن الله ليس عنده محاباة، ولا يأخذ بالوجوه، بل هو في كل جيل، يعطيها لأولئك الذين يستثمرونها.

          والآن يا أحبائي في المسيح أنا أعلم أنكم تحبون الله. فبما أنكم أتيتم إلى هذا العمل، فقد أحببتم الله بكل قلبكم، ولهذا السبب فأنا أيضًا أحبكم بكل قلبي، ولأن قلوبكم مستقيمة، فإنكم تستطيعون أن تقتنوا هذه القوة الإلهية لنفوسكم، لكي تصرفوا كل زمان حياتكم في حرية وفرح، ويصير كل عمل من الله خفيفًا وسهلاً عليكم بتأثير هذه القوة التي يعطيها الله للإنسان هنا ( على الأرض)، وأيضًا، فإن هذه القوة تقود الإنسان إلى تلك الراحة، وتحفظه حتى يعبر كل ” قوات الهواء ” (أف2:2). فإنه توجد قوات عاملة في الهواء تحاول أن تعوق البشر وتمنعهم من المجيء إلى الله.

الصلاة لنوال القوة الإلهية:

          لذلك فلنرفع صلاتنا إلى الله، لكي لا يمنعونا من الصعود إليه. فمادام الأبرار يحصلون على القوة الإلهية معهم، فلا يستطيع أحد أن يعوقهم. وهذه القوة الإلهية حينما تسكن في الإنسان فإنها تجعله يحتقر كل إهانات، وكرامات البشر، ويبغض كل أمور هذا العالم، وكل راحة جسدية، ويطهر قلبه من كل فكر شرير، ومن كل حكمة هذا العالم الفارغة، فقدموا طلبات مع صوم ودموع ليلاً ونهارًا، وإن الله الصالح لن يتأخر عن إعطائكم هذه القوة.

 

 

 

نتائج نوال القوة:

          وحينما تنالون هذه القوة، فإنكم تصرفون زمان حياتكم في راحة وسلام وحرية من كل همّ، وتجدون دالة عظيمة أمام الله، وهو يعطيكم بنفسه هذه الدالة.

          وكان لي كثير أريد أن أكتبه لكم، ولكنى كتبت هذا القليل بمحبة عظيمة أكنها لكم.

          كونوا معافين في قلوبكم في الرب، في كل فعل محبة نحو الله.

 

الرسالة 10

الصلاة بكل القلب:

          أكتب إليكم كأناس تحبون الله وتسعون إليه بكل قلوبكم. فإن الله يسمع لمثل هؤلاء الناس حينما يصلون ويباركهم في كل شيء. ويهب لهم كل ما تسأله نفوسهم حينما يتوسلون إليه، أما أولئك الذين يأتون إليه ليس بكل قلبهم بل يكونون ذوى قلبين، والذين يعملون أعمالهم لكي يُمجدوا من الناس، مثل هؤلاء لا يستمع الله لهم في أي شيء يسألونه منه، بل بالأحرى يغضب من أعمالهم. لأنه مكتوب ” أن الله قد بدد عظام المرائيين” (مز5:53).

طلب مجد الناس يغضب الله:

          فترون إذن، كيف يغضب الله على أعمال هؤلاء الناس، ولا يعطيهم شيئًا من طلباتهم التي يسألونها منه، بل بالأحرى يقاومهم، لأنهم لا يعملون أعمالهم بإيمان بل يعملونها بتظاهر. لأجل ذلك فإن القوة الإلهية لا تسكن فيهم، بل يكونون ضعفاء ومرضى في كل أعمالهم، وفي كل ما تمتد إليه أيديهم.

قوة النعمة:

          لأجل هذا السبب فهم لم يعرفوا قوة النعمة، وكيف هي تحرر من الهمّ ولا يعرفون الفرح الذي تعطيه، بل تكون نفوسهم مثقله في كل أعمالهم. إن الغالبية العظمى من أبناء جيلنا هم بهذه الحالة: أنهم لم ينالوا القوة الإلهية التي تسمن النفس، وتملأها فرحًا وسرورًا، وتعطيها يومًا فيومًا تلك البهجة التي تجعل القلب مشتعلاً بحرارة إلهية. لأن العمل الذي يعملونه، إنما يعملونه كما لو كان ليراه الناس. ولهذا السبب فإن القوة الإلهية لا تحل عليهم، لأن قوة الله تبغض ذلك الإنسان الذي يعمل أعماله لأجل مجد الناس.

ارفضوا روح المجد الباطل:

          لذلك يا أحبائي، الذين قدمتم ثماركم لله، جاهدوا في كل أعمالكم ضد روح المجد الباطل، لكي تغلبوه في كل الأشياء، ولكي تكون حياتكم كلها وجسدكم مقبولة أمام الله، وتسكنون في الحياة مع خالقكم، ولكي تنالوا القوة الإلهية، التي هي أفضل من كل الأشياء. لأني متيقن يا أحبائي، لأنه طالما أنتم تفعلون كل ما في وسعكم في الحرب ضد روح المجد الباطل، ولا توافقونه بل ترفضونه باستمرار، فإن جسدكم يكون حيًا. لأن هذا الروح الشرير يهاجم الإنسان في كل أعمال البر، وهو يصارع مع أولئك الذين يريدون أن يكونوا مؤمنين أمناء، وحينما ينال أي واحد منهم مدحًا من الناس بسبب أمانته أو تواضعه، أو احتماله للعار، فإن الروح الشرير يدخل بسرعة في معركة معه، ويغلب بعضًا منهم، ويشتت ويطفئ حياتهم، وبعمله هذا فإنه يحرضهم أن يتركوا طريق حياتهم الفاضلة، وأن ينشغلوا بإرضاء الناس. وهكذا تتبدد حياتهم، رغم أن الناس يظنون أنهم قد ربحوا شيئًا. لهذا السبب فإن الله لا يعطيهم القوة الإلهية، بل يتركهم فارغين لأنه لم يجد نفوسهم مستعدة بثمرة صالحة، ويحرمهم لاهوته العظيم.

 

إذا خمدت الحرارة اطلبوها من جديد:

          أما أنتم يا أحبائي فاجتهدوا ضد روح المجد الباطل في كل الأوقات لكي تغلبوه في كل الأشياء، وذلك لكي ترافقكم القوة الإلهية في كل حين. وأنا أصلي لله من أجلكم، لكي يعطيكم هذا الفرح في كل حين، فإنه لا يوجد شيء آخر يجعل الإنسان هكذا حرًا من كل قلق. وإذا حدث بعد نوالكم هذا الفرح، أن رأيتم نفوسكم وقد خمدت الحرارة منها وانسحبت وتركتكم، فاطلبوها من جديد وهي سترجع إليكم. لأن هذه الحرارة هي مثل النار التي تغير الذهب وتنقله إلى طبيعتها. فإذا رأيتم أن قلبكم قد صار مثقلاً في أي وقت، فاحضروا نفوسكم أمامكم وراجعوها إلى أن تصير حارة مرة أخرى وتشتعل فيها نيران الله. لأن داود النبي أيضًا، حينما رأي قلبه مثقلاً: ” قد سكبت قلبي بنفسي ” (مز4:42)، ” تذكرت أيام القِدم، ولهجت بكل أعماله، بسطت إليك يدى، نفسي تعطش إليك كالأرض العطشانة ” (مز5:143،6).

          هذا ما فعله داود حينما رأي أن نفسه قد بردت وثقلت، لكي ما يجعلها حارة مرة أخرى، وهو قد نال الحلاوة الإلهية بالنهار والليل معًا. فافعلوا إذن هكذا يا أحبائي وأنتم ستنمون وتتقدمون، وسيعلن الله لكم أسرارًا عظيمة لا توصف.

          فليحفظكم الله في صحة الروح والنفس والجسد إلى أن يحضركم إلى ملكوته مع آبائكم الذين أكملوا الحياة الصالحة.

          كونوا فرحين بالرب الذي له المجد إلى أبد الآبدين.. آمين.

 

الرسالة 11

          اعلموا يا أولادي المباركين أنني أكتب إليكم كأولاد أحباء، أولاد الموعد، أولاد الملكوت. ولهذا السبب فإني أذكركم ليلاً ونهارًا، لكي يحفظكم الله من كل شر، ولكي يكون عندكم دائمًا حرص واجتهاد، وأن يعطيكم الإفراز والنظر الجديد، لكي تتعلموا تمييز الاختلاف بين الخير والشر في كل الأشياء. لأنه مكتوب “الطعام القوى هو للبالغين الذين بسبب التمرن صارت لهم الحواس مدربة للتمييز بين الخير والشر” (عب14:5).

موهبة الإفراز والتمييز:

          هؤلاء هم الذين صاروا أولاد الملكوت، وحُسبوا في حالة التبنى لله، هؤلاء يعطيهم الله هذا النظر الجديد في كل أعمالهم، لكي لا يستطيع إنسان أو شيطان أن يخدعهم. لأن المؤمن يمكن أن يُخدع بحجة الصلاح، وكثيرين خدعهم الشيطان بهذه الطريقة، لأنهم لم يكونوا قد نالوا هذا النظر الجديد من الله. ولأن الرسول بولس المغبوط عرف أن هذا هو غنى المؤمنين الذي لا حد لعظمته، كتب يقول ” إنى أحنى ركبتى لدى أبي ربنا يسوع المسيح.. لكي يعطيكم روح الحكمة والإعلان في معرفته، لكي تستنير عيون قلوبكم لكي تعرفوا العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا غنى ميراث القديسين ” (أنظر أف14:3،18، أف16:1ـ18). ولأن الرسول بولس أحبهم بكل قلبه، لذلك أراد أن يعطى لأبنائه الذين أحبهم، غنى المعرفة العظيم هذا، الذي هو النظر الجديد، لأنه يعرف أنه، إذا أُعطى لهم ذلك النظر الحقيقي فإنهم لا يتعبون في شيء بعد ذلك، ولا يجزعون من خوف، بل يكون فرح الله معهم ليلاً ونهارًا، وتصير أعمال الله حلوة عندهم في كل شيء ” أحلي من العسل والشهد ” (مز10:19). ويكون الله معهم بلا انقطاع، ويعطيهم إعلانات ويكشف لهم أسرارًا عظيمة لا يستطيع لساني أن يعبر عنها.

اطلبوا الإفراز:

          لذلك، فالآن يا أحبائي، الذين قد صرتم لي أولادًا، اطلبوا نهارًا وليلاً، لكي تأتى عليكم موهبة الإفراز هذه، التي لم تأت عليكم قبل الآن منذ دخولكم في هذا الطريق النُسكى.

          وأنا أيضًا، أبوكم، سأصلي لأجلكم، لكي تصلوا إلى هذه القامة، فإن كثيرين من الرهبان والعذراي لم يصلوا إلى هذه القامة ـ فيما عدا نفوس قليلة هنا وهناك.

الأحاديث العالمية تطفئ الروح:

          ولكن إذا أردتم أن تبلغوا إلى هذه القامة، فابتعدوا من كل الذين يحملون اسم الرهبنة والبتولية وهم يعيشون في التراخى بينكم لأنكم إذا خالطتموهم فلن يدعونكم تتقدمون، بل يطفئون الحرارة منكم. لأن الكسالي ليس فيهم حرارة وغيرة، بل يتبعون إرادتهم وشهواتهم، وإذا أتوا إليكم، فإنهم يتكلمون عن أمور هذا العالم، وبمثل هذا الحديث يطفئون حرارتكم. ولأجل هذا يقول الرسول ” لا تطفئوا الروح ” (1تس10:5)، فإن الروح ينطفئ بمثل هذا النوع منه الأحاديث، وبكل ما يسبب تشتت القلب. فحينما ترون أي واحد من هؤلاء الناس، فاصنعوا بهم خيرًا، ولكن لا تخالطوهم. فإن هؤلاء هم الذين لا يدعون الناس يتقدمون في القامة الروحية.

          وسلام لكم في الرب في روح الوداعة، يا أحبائي.

 

الرسالة 12

          إلي أحبائي في الرب..

محبة الله ومحبة الاخوة:

          أنا أعلم أن محبة الله هي التي تحصر قلب الإنسان وتجعله يفكر في الاخوة. وأخونا هو ذلك الذي يفكر دائمًا في الدعوة السماوية الكاملة، مصليًا لأجلنا ليلاً ونهارًا كما يصلي لأجل نفسه. ولأني أحسبكم أصدقائي، فإني أذكركم ليلاً ونهارًا في صلواتى، لكي تزدادوا في إيمانكم وفي كل الفضائل، ولكي تنالوا قوة أعظم مما حصلتم عليه حتى الآن. وهذه طلبتى لأجلكم دائمًا لأنكم قد صرتم لي أولادًا في الرب. وحينما كتب بولس لتيموثيئوس، الذي كان أحد أولاده قال له هكذا، ” إنى أذكرك في صلواتى ليلاً ونهارًا، مشتاقًا أن أراك ذاكرًا دموعك لكي أمتلئ فرحًا. إذ أتذكر إيمانك عديم الرياء ” (2تى3:1ـ5)، والآن يا أحبائي فمن أجل استقامة قلوبكم يحبكم قلبي، وكما صنع بولس مع تيموثيئوس هكذا أصنع أنا معكم، إذ أذكركم، وأصلي لأجلكم واشتهي أن أراكم، وأنا أتذكر تنهداتكم وحزن قلوبكم وأتعابكم.

اشتاق أن أراكم لأمنحكم هبة روحية:

          والآن يا أولادي، أنا أطلب من الرب أن يسهل طريقى لآتى إليكم. لأني أعلم أنكم أنتم أيضًا تشتهون أن ترونى كما اشتهي أنا أيضًا أن أراكم.

          وهذا شيء حسن جدًا. لأن الرسول بولس يقول ” لأني مشتاق أن أراكم بكى أمنحكم هبة روحية لثباتكم ” (رو11:1). وهكذا الأمر في حالتكم أنتم أيضًا، رغم أنكم تعلمتم من الروح، فحينما آتى إليكم سأشددكم بتعليم هذا الروح نفسه، وسأعرفكم بأشياء أخرى لا أستطيع أن أكتبها لكم في خطاب.

          سلام لكم في ربنا، في روح الوداعة.

 

الرسالة 13

أسرار اللاهوت العظيمة:

          أقول لكم يا أحبائي أنني أصلي ليلاً ونهارًا لكي تزداد قوة الله فيكم، وتعلن لكم أسرار اللاهوت العظيمة، التي ليس من السهل على أن أعبر عنها باللسان، لأنها عظيمة جدًا وليست من هذا العالم، وهي لا تعلن إلاّ للذين طهروا قلوبهم من كل نجاسة ومن كل أباطيل هذا العالم، وأولئك الذين أبغضوا هذا العالم وحتى نفوسهم أيضًا وحلموا الصليب، وأيضًا تشددوا وصاروا مطيعين لله في كل شيء.

الله يحل فيهم ويغذى نفوسهم بالفرح:

          هؤلاء يحل فيهم اللاهوت ويغذى نفوسهم بالفرح، وهذا الفرح يُغنى النفس ويجعلها تنمو كثيرًا. لأنه كما أن الأشجار لا تنمو إن لم تشرب من الماء، هكذا أيضًا النفس فهي لا تستطيع أن تنمو وتصعد إلى العلاء إن لم تقبل الفرح السماوي. ومن بين الذين يقبلون الفرح السماوي، فهناك قليلون يعلن الله لهم الأسرار التي في السماء، ويريهم مواضعهم السماوية بينما هم لا يزالون في الجسد. ويكون لهم دالة أمامه ويعطيهم كل ما يطلبونه.

          فهذه هي طلبتى ليلاً ونهارًا، أن تصلوا إلى هذه الدرجة وتعرفوا غنى المسيح الذي لا يُستقصى. لأن قليلين هم الذين يصلون إلى هذا الكمال.

ينالون المواهب ويعينون الناس:

          وهؤلاء هم الذين يحصلون على المواعيد العظمى التي يعطيها الابن الوحيد: فهم ينالون المواهب ويصيرون عونًا للناس. وفي كل جيل يوجد أُناس بلغوا إلى هذه الدرجة، والأجيال الآتية لا تخلو من أمثال هؤلاء، وليس من الرجال فقط بل ومن النساء أيضًا، وكل واحد من هؤلاء يكون مثالاً لأهل جيله كما أنه يدين جيله، لأن هؤلاء الكاملون جاهدوا حتى يكملوا، والذين كملوا هم الذين يدينون المسكونة. ولأجل هذا فأنا أصلي لأجلكم بلا انقطاع أن تبلغوا إلى هذا المقدار، وذلك بسبب المحبة التي عندى من نحوكم. فإن الرسول المغبوط بولس تكلم هكذا أيضًا عن أولئك الذين أحبهم، ” كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط بل أنفسنا أيضًا لأنكم صرتم محبوبين إلينا ” (1تس8:2). هكذا قد رتبت أن أرسل إليكم ابنى الحبيب، إلى أن يعطينى الرب أيضًا أن آتى إليكم بالجسد، ليكون لكم نمو وفرح أكثر مما عندكم الآن. لأن الرب عندما يرى الأب يحب أبناءه فإنه يعطى الجميع فرحًا وقوة عظيمة مع سلام عميق في كل شيء.

          سلام لكم في الرب.

 

الرسالة 14

          إلي أحبائي في الرب الذين صار لهم نصيب في ملكوت السماوات: لأنكم هكذا طلبتم الله، متمثلين بآبائكم في الإيمان، لكي تنالوا المواعيد أيضًا، لأنكم صرتم أبناء لهم، لأن الأبناء يرثون بركة آبائهم، إذ لهم نفس الغيرة التي لآبائهم. ولهذا السبب، فلأن يعقوب اتبع مسالك التقوى التي سار فيه والداه، فإن بركات أبويه حلت عليه أيضًا. وإذ قد نال بركتهم، فقد أُعطى له أن يرى السلم والملائكة صاعدة ونازلة عليه (أنظر تك28).

نوال البركة والرؤية السماوية:

          وهكذا الآن فإن الأبناء الذين نالوا بركة آبائهم وقد رأوا القوات السماوية، لا تستطيع قوة في الوجود أن تزعزعهم لأنه حينما رأي بولس الطوباوى هذه القوات، تقوى وصار ثابتًا، وصرخ قائلاً ” من سيفصلنى عن محبة المسيح، لا سيف ولا جوع ولا عرى، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا علو ولا عمق ولا أي خليقة أخرى تقدر أن تفصلنى عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ” (رو35:8ـ39).

          لذلك فالآن يا أحبائي، اطلبوا بلا انقطاع ليلاً ونهارًا أن تحل عليكم بركات آبائكم، ولكي تفرح أجناد الملائكة بكم في كل شيء، ولكي تكملوا بقية أيامكم في ملء فرح القلب. لأنه إذ وصل إنسان إلى هذه الدرجة، فإن فرح الله يكون معه، ولذلك فإنه لا يتعب من أي شيء فإنه مكتوب: ” نور الأبرار لا ينطفئ أبدًا ” (أم9:13).

 

وصايا المسيح ليست ثقيلة:

          واعلموا يا أولادي أن وصايا المسيح ليست ثقيلة ولا متعبة بل نور حقيقى وسرور أبدى لمن كمل الطاعة. وأنا أصلي لأجلكم لكي تأتوا إلى موضع الحياة. وهذا أنا أفعله بسبب طاعتكم.

الطاعة ونوال البركة:

          فإنه حينما رأي الرب أن تلاميذه يطيعونه، طلب من أبيه لأجلهم قائلاً: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا، لأنهم قد حفظوا كلامى” (يو6:17،24). وأيضًا طلب من الآب أن “يحفظهم من الشرير ” (يو15:17) إلى أن يصلوا إلى موضع الراحة. وهذا هو ما أصلي به وأطلبه من الرب أن يحفظكم من الشرير وتصلوا إلى موضع راحة الله وتنالوا البركة. لأن يعقوب بعد قبوله البركة رأي السلم ورأي أجناد الملائكة وجهًا لوجه، وهكذا صارع مع الملاك وغلب، وهذا عمله الله معه لكي يباركه. والله الذي خدمته منذ حداثتى فليبارككم.

 

 

الرسالة 15

          قبل كل شيء، يا  إخوتي المحبوبين، أنا أصلي من أجل صحتكم ونموكم في الأمور غير المنظورة. لأن ” الأشياء التي تُرى وقتية، أما التي لا تُرى فهي أبدية ” (2كو18:4).

الجسد الحى والجسد الميت:

          والآن أنا أرى أن جسدكم هو من فوق وأنكم في ملئ الحياة. فالذي يكون جسده حيًا [1] فإن الله يهبه ميراثًا، ويُحسب ضمن ميراث الله، ويعطيه الله المكافأة عن كل أتعابه. لأن هذا الإنسان يحرص على حفظ جسده حيًا، لكي يُحسب ضمن ميراث الله. لذلك فأنا الآن أفرح بكم وبجسدكم الحي. لأن من كان جسده ميتًا، لا يُحسب ضمن ميراث الله، ولكن يحسبه الله بالأحرى، مذنبًا، وهو لكي يوضح أن أجسادهم كانت مائتة يقول هكذا بواسطة النبي ” نادِ بصوت عال. لا تمسك. أرفع صوتك كبوق وأخبر شعبي بتعديهم وبيت يعقوب بخطاياهم. وإيأي يطلبون يومًا فيومًا ويُسرون بمعرفة طرقى، كأمة عملت برًا ولم تترك قضاء إلهها. يسألوننى عن أحكام البر. يسرون بالتقرب إلى الله. يقولون: لماذا صمنا ولم تنظر، ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ ” (إش1:58ـ3). ويجيبهم الرب عن كلامهم فيقول ” ها إنكم في أيام صومكم تصنعون مشيئتكم الخاصة، والذين تحت سلطانكم تعاملونهم بقسوة وتضربونهم. ها أنكم للخصومة والنزاع تصومون وتضربون بلكمة الشر. لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء. أمثل هذا يكون صوم أختاره يومًا يذلل الإنسان فيه نفسه، يحني كالأسلة عنقه، ويفرش تحته مسحًا ورمادًا. هل تسمى هذا صومًا مقبولاً للرب؟” (إش3:58ـ5) وأيضًا كل ما هو مكتوب في إشعياء بعد هذه الكلمات.

          فاعلموا يا أولادي أن هذا هو الجسد المائت وأن كل الذين يصنعون هكذا لا يسمع الله لهم عند تضرعهم بل بالأحرى يلومهم. والإنجيل المقدس قد بيّن لنا هذا بقوله ” إن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون ” (مت23:6). ويقول النبي في موضع آخر ” إن جميع أعمال برنا كخرقة الحائض ” (إش6:64). ولكنكم يا  إخوتي الأحباء ليس فيكم شيء من هذا الجسد المائت، بل إن جسدكم حى.

الجسد الحي والازدياد في النعمة والمحبة وثمار القداسة:

          وأنا أصلي إلى الله من أجلكم أن يحفظكم، وان يحفظ جسدكم الحى من الفساد ويجعلكم تزدادون أكثر فأكثر في النعمة وفي الفرح وفي محبة الاخوة وفي محبة الفقراء، وفي كل عملٍ صالح، وفي كل ثمار القداسة، إلى أن تخرجوا من هذا المسكن، ويقبل الرب كل واحد منا في الموضع الذي ليس فيه حزن ولا فكر شرير ولا مرض ولا اضطراب، وإنما فرح وسرور ومجد، ونور أبدى. إنه الفردوس الذي لا تذبل ثماره. ويستقبلكم الرب يسوع في مساكن الملائكة، وإلي ” كنيسة أبكار مكتوبين في السموات ” (عب23:12) وإلي مواعيد وخيرات لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على قلب بشر.

          هذا ما كتبته إليكم لأجل محبتى فيكم، وذلك لكي تتعزى قلوبكم، وهناك أشياء كثيرة أريد أن أكتبها إليكم. ولكن ” أعطِ فرصة للحكيم، فيكون أوفر حكمة” (أم8:9).

          فليحفظكم الرب من هذا العالم الشرير لكي تكونوا أصحاء في الجسد والروح والنفس. وليعطكم ” فهمًا في كل الأشياء ” (2تى7:2)، لكي تُنقذوا من ضلال وشر الزمان الحاضر.

          تذكروا أن الجسد المائت ينشأ في الإنسان نتيجة محبة المجد الباطل ومحبة الملذات الجسدية.

          كونوا معافين بالرب يا أحبائي واخوتى.

 

الرسالة 16

التجارب والأتعاب:

          أنا أعلم أنكم تتعرضون لأتعاب كثيرة وقد دخلتم في تجربة كبيرة. ولكن إن احتملتم التجربة بشكر فسيحل فيكم الفرح لأنه إذ لم تأت عليكم تجارب سواء كانت ظاهرة أم خفية لا تستطيعون أن تتقدموا وتنمو أكثر من قامتكم الحاضرة. لأن جميع القديسين، حينما طلبوا أن يزداد إيمانهم دخلوا في تجارب. فإنه حينما ينال الإنسان نعمة من الله ففي الحال تزداد عليه التجربة من العدو، الذي يريد أن يحرمه من البركة التي باركه بها الله. لأن الشياطين يعرفون أن النفس تتقدم بنوالها النعمة، ولذلك يحاربون ضدها سواء في السر أو في العلانية. لذلك فحينما نال يعقوب البركة من أبيه أتت عليه تجربة عيسو بعد ذلك: لأن الشرير حرك قلبه ضد يعقوب، راغبًا أن يضيع منه البركة. ولكن الشرير ليس له قوة وسلطان على الأبرار لأنه مكتوب ” لأنه لا تستقر عصا الأشرار على نصيب الصديقين ” (مز3:25). وكانت النتيجة أن يعقوب لم يفقد البركة التي نالها بل ازدادت يومًا بعد يوم. وأنتم أيضًا اصنعوا كل ما في وسعكم لتخرجوا منتصرين من التجارب. فإن احتمال التجارب هو ضرورة بالنسبة لأولئك الذين ينالون البركات. وأنا أبوكم، قد احتملت أيضًا تجارب عظيمة علانية وخفية معًا. وثابرت، متوسلاً برجاء كثير، والرب أنقذنى.

          وهكذا في حالتكم أنتم، يا أحبائي، فلأنكم نلتم بركة الله، فكونوا مستعدين لقبول التجارب إلى أن تعبروا خلفها، وحينئذ تحصلون على نمو عظيم وازدياد في كل فضائلكم ويعطى لكم فرح عظيم من السماء لم يسبق لكم تذوقه قبل ذلك.

العلاج لاجتياز التجارب:

          والعلاج اللازم للعبور خلال التجارب هو أن لا تكلوا ولا تخوروا، بل أن تصلوا لله بكل قلبكم مقدمين تشكرات ومظهرين صبرًا في كل الأشياء، وحينئذ فإن التجربة سوف تعبر عنكم. فإن إبراهيم جُرب هكذا، وبواسطة التجربة ظهر ” كبطل مُدرب ” مجيد: وهكذا هو مكتوب، ” كثيرة هي بلايا الصديق ولكن من جميعها ينجيه الرب ” (مز19:34) وأيضًا يعقوب يقول في رسالته ” أعلى أحد بينكم مشقات ؟، فليصلِ ” (يع13:5).

          فانظروا أن جميع القديسين، حينما دخلوا في التجارب، كانوا يطلبون الله. وأيضًا، مكتوب ” الله آمين، وهو لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون ” (1كو13:10).

          والآن، فإن الله يعمل فيكم بسبب استقامة قلبكم. فإنه لو لم يكن يحبكم لما سمح بأن تأتى التجارب عليكم. ” الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله ” (عب6:12) لذلك فالتجارب نافعة للمؤمنين، أما الذين ليس لهم خبرة بالتجارب فإنهم يكونون غير مدربين، وهم يرتدون الثوب الرهباني، ولكنهم ينكرون معناه.

التجارب ودخول الملكوت:

          فلا يستطيع إنسان أن يدخل إلى ملكوت الله بدون تجارب. والقديس بطرس المغبوط يقول في رسالته:

          ” إن ما تبتهجون به الآن، رغم الألم الناتج من التجارب المتنوعة، فإنه يهدف إلى كشف لمعان إيمانكم، الذي يفوق بريق الذهب الذي يمتحن بالنار ” (1بط6:1،7). ويُقال عن الأشجار إنها تتأصل وتنمو بقدر ما تهزها الريح. هكذا الحال أيضًا في احتمال الأبرار للضيقات (إذ يزيدهم نموًا وتأصلاً). ولكن سواء في هذا الأمر أو في أي أمور أخرى، أطيعوا مرشديكم لكي تنموا وتتقدموا.

فرح الروح واحتجابه:

          ينبغي أن تعرفوا كيف أنه في بداية الحياة الروحية يعطى الروح القدس فرحًا للإنسان حينما يرى أن قلبه يتحول إلى النقاوة. ولكن بعد أن يعطى الروح فرحًا وحلاوة فإنه يحتجب ويترك الإنسان. وهذا دليل على نشاط الروح وفاعليته. وهذا الأمر يحدث مع كل نفس تطلب الله وتخافه. إنه يحتجب ويبقى على بُعد مسافة من الإنسان إلى أن يعرف هل يستمر الإنسان في طلبه أم لا، إن بعض الناس، حينما يحجب الروح نفسه عنهم، يتثقلون ويجلسون هكذا مثقلين بدون حركة، لأنهم لا يطلبون من الله أن يرفع الثقل من عليهم وأن يعطيهم من جديد الفرح والحلاوة التي سبق أن تذوقوها، ولكن بسبب إهمالهم وبسبب إرادة ذواتهم، فإنهم يتغربون عن الحلاوة الإلهية. ولهذا السبب فإنهم يصيرون جسدانيين ويرتدون الزى (الرهبانى) بينما هم ينكرون معناه. هؤلاء هم الذين عُميت عيونهم، فلا يتعرفون على عمل الله في داخلهم.

          ولكنهم لو عرفوا هذا الثقل غير المعتاد، الذي هو عكس الفرح الذي كان لهم سابقًا، وطلبوا الله بدموع وصوم، فإنه حينئذ، حينما يرى أنهم يطلبون باستقامة من كل قلبهم، ويجحدون إرادة ذواتهم، فإن الله في نعمته سوف يعطيهم فرحًا أعظم من الفرح الأول الذي كان لهم. ويحفظهم بثبات أكبر. هذه هي العلامة التي يعطيها لكل نفس تطلب الله.

DCD

            وبعد أن كتبت إليكم رسالتي تذكرتً كلمة معينة، ووجدت إلحاحًا في داخلي أن أكتب إليكم عن التجربة التي يتعرض لها الإنسان المتقدم (في الروح)، والذي يهبط إلى أعماق الهاوية من مستوى الكمال الروحى.

تجربة المتقدم في الروح:

          فعن مثل هذا الإنسان يصرخ النبي قائلاً: “وقد نجيت نفسي من أعماق الهاوية” (مز13:86). إن التجارب تقترب من كل من يلتصق بروح الله، ولكنه عن طريق التجارب يقتنى الإفراز ويصير له مجد من نوعٍ آخر. لذلك ففي صعود النبي حينما جاء إلى السماء الأولي دُهش من نورها، ولكنه حينما جاء إلى الثانية دُش دهشة عظيمة حتى أنه قال “إنى اعتبرت نور السماء الأولي كأنه ظلمة” [2]. وهكذا إلى أن وصل إلى مرحلة الكمال النهائية. لذلك فإن نفس الإنسان الكامل البار تتقدم إلى الأمام إلى أن تصعد إلى سماء السموات. فحينما تصلون إلى هذا فإنكم تكونون قد عبرتم كل التجارب. وحتى الآن فإنه يوجد أُناس على الأرض قد وصلوا إلى هذه المرحلة.

 

فائدة التجارب للمؤمنين:

          وأنا أكتب إليكم هذا أيها الأحباء لكي ما تعرفوا بصورة أكيدة أن التجارب تأتى على المؤمنين لا لضررهم بل لفائدتهم، وبدون التجارب التي تأتى على النفس، فإنها لا تستطيع أن ترتفع إلى موضع الحياة، أي موضع ذلك الذي خلقها. ” الروح يهب حيث يشاء ” (يو8:3)، وهو يهب على النفوس النقية والمقدسة، النفوس البارة والصالحة. وإذا أطاعوا الروح، فإنه يعطيهم مخافة الله، مع حرارة في البداية. وحين يبذر بذاره فيهم، فإنه يجعلهم يبغضون كل ما في العالم، سواء كان ذهبًا أو فضة أو زينة، أو كان أبًا أو أمًا أو أولادًا، وهكذا فإنه يجعل كل عمل الله حلوًا لهم أكثر من العسل والشهد، سواء كان هذا العمل تعبًا أو صومًا أو سهرًا أو سكونًا أو أعمال رحمة. وكل شيء يُعمل من أجل الله يصير حلوًا لهم، إلى أن يعلمهم كل شيء (يو26:14). وحينما يكون قد علمهم كل هذه الأشياء، فإن الواحد منهم يكون معرضًا للتجربة. وعندئذ (أي وقت التجربة) فإن كل الأشياء التي كانت قبلاً حلوة لهم تصير ثقيلة عليهم، ولهذا السبب فإن كثيرين حينما يُجربون يظلون في حالة ثقل ويصيرون جسدانيين. هؤلاء الذين يقول عنهم بولس، ” أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون بالجسد؟ أهذا المقدار احتملتم عبثًا؟ ” (غل3:3،4). وبدون هدف؟

مقاومة الشيطان في التجربة:

          ولكن إن قاوم الإنسان الشيطان في تجربته الأولي وهزمه، فحينئذ يعطيه الله حرارة مملوءً سلامًا، وتعقلاً وثباتًا. لأن الحرارة الأولي يشوبها الاضطراب وعدم التعقل.

الحرارة الثانية:

          أما الحرارة الثانية فهي أفضل من الأولى، وهي تولد في الإنسان قدرة على رؤية الأمور الروحية أثناء جهاده في المعركة العظيمة، إذ يكون له صبر غير مضطرب. فكما يحدث مع السفينة عندما تكون الريح حسنة فإن دفتاها تدفعان أكثر، وهكذا تقطع السفينة مسافة كبيرة، وهكذا أيضًا فإن البحارة يفرحون ويكونون في راحة واطمئنان. وبمثل هذا تكون الحرارة الثانية إذ تعطى الإنسان هدوءً وسلامًا في كل شيء وفي كل طريق.

          والآن يا أبنائى الأعزاء اقتنوا لأنفسكم هذه الحرارة الثانية، لكي تكونوا متأصلين ومتأسسين في كل شيء. لأن الحرارة التي يكون الله هو غايتها وهدفها تلغى كل الأهواء الخداعة، وتمسح وتبطل عتاقة الإنسان العتيق، وتجعل الإنسان هيكلاً لله، كما هو مكتوب ” إنى سأسكن فيهم وأسير بينهم (2كو17:6). فإذا كنتم ترغبون أن تعود إليكم الحرارة التي كانت فيكم سابقًا ثم خمدت وأن تأتى إليكم من جديد، فهذا هو العمل الذي يلزم للإنسان أن يعمله: ينبغي أن يقطع عهدًا بينه وبين الله، ويصرخ إليه بأنين القلب وبكل قلبه ويقول له: ” اغفر لي ما فعلته بجهلى، وأنني لن استمر في العصيان “.

          وبعد ذلك لا ينبغي أن يسير تحت سلطان إرادته الذاتية لإرضاء ذاته سواء في جسده أو في نفسه، بل بالأحرى ينبغي أن ترتفع أفكاره إلى الله وأمام الله، بينما هو يؤنب ويوبخ نفسه قائلاً، ” كيف احتقرت الصلاح، واستخففت بحالة فراغك وعقمك كل هذه الأيام! “. ينبغي أن تتذكر كل العذابات، وتتذكر الملكوت الأبدي، موبخًا نفسك في كل الأوقات وقائلاً لها: ” انظرى مقدار الكرامة التي أعطاها الله لك، وأنت أهملتها وازدريت بها”. حينما يقول الإنسان هذا لنفسه، موبخًا إياها ليلاً ونهارًا، فإن الحرارة الإلهية تحل عليه فجأة، وهذه الحرارة الثانية هي أعظم من الحرارة الأولى. لأنه حينما رأي داود النبي الثقل الذي أتى عليه قال: ” تفكرت في أيام القِدم السنين الدهرية وتأملت فيها ” (مز5:77).

          ويقول أيضًا “تذكرت أيام القِدم ولهجت بكل أعمالك، بصنائع يديك أتأمل وبسطت إليك يدى. نفسي تعطش إليك كأرض يابسة ” (مز5:143،6). وأيضًا إشعياء يقول: ” بالرجوع والأنين تخلصون، وتفهمون كيف كان الأمر معكم ” (إش15:30السبعينية).

 

الرسالة 17

والآن يا إخوتي، وأحبائي في الرب، الذين أحبكم بكل قلبي، إني أسمع أن التجربة تتعبكم، وأخاف أن تكون التجربة آتية عليكم من أنفسكم.

التجربة الآتية من الدوافع الذاتية:

          لأني سمعت أنكم تريدون أن تتركوا موضعكم، وحزنت حينما سمعت هذا، رغم أنه قد مضى وقت طويل منذ أن أصابني ذلك الحزن. لأني أعلم بصورة أكيدة، أنكم إن تركتم موضعكم الآن، فلن تتقدموا أو تنموا بالمرة. لأن هذا ليس هو مشيئة الله، وإذ تصرفتم بمشيئتكم الخاصة، فإن الله لن يعمل معكم ولن يخرج معكم، وأخاف أننا سنسقط في شرور كثيرة (نتيجة لذلك).

أخطار أتباع المشيئة الذاتية:

          فإذا تبعنا مشيئتنا الخاصة، فإنه لا يعود يرسل قوته التي تثرى وتبنى وتثبت كل طرق الإنسان. فإذن كان الإنسان يفعل شيئًا، متخيلاً أن هذا الشيء هو من الله، بينما هو في الحقيقة تعبير عن مشيئته الخاصة، فإن الله لا يمده بالعون، وتجد أن قلبه قد أصابته مرارة، وأصبح ضعيفًا في كل شيء تمتد إليه يده. وأن المؤمن على أمل التقدم إلى الأفضل يمكن أن يمضى في طريق خطأ وتكون النتيجة أن يُهزأ به (من الشياطين). فإن حواء لم تنخدع بوهم آخر سوى الصلاح والتقدم. لأنها حينما سمعت “ستصيران مثل الله ” (تم5:3) وفشلت أن تميز صوت المتكلم، فإنها عصت وصية الله، وبذلك فإنها ـ ليس فقط لم تأت بصلاح، بل ايضًا صارت تحت اللعنة.

          وسليمان يقول في الأمثال: ” توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة ولكن عاقبتها تكون إلى الهاوية ” (أم12:14). وهو يقول هذا عن أولئك الذين لا يفهمون مشيئة الله، بل يتبعون مشيئتهم الخاصة. فإن مثل هؤلاء الناس، إذ لا يعرفون مشيئة الله، فإنهم يقبلون في البداية حرارة وحماسًا من الشيطان تشبه الفرح، ولكنها ليست فرحًا، وفيما بعد تتحول هذه الحرارة إلى كآبة ويفتضح الشيطان بوضوح. أما الذي يتبع مشيئة الله، فإنه يحتمل تعبًا كثيرًا في البداية، ولكن فيما بعد يجد راحة وفرحًا. إذن فلا تفعلوا شيئًا بحسب مشيئتكم الخاصة، حتى آتى وأتحدث إليكم.

الدوافع الثلاثة ومعرفة مشيئة الله:

          توجد ثلاثة دوافع تحرك الإنسان في أي مكان، وغالبية النُساك يجهلونها، ما عدا أولئك الذين صاروا كاملين، الذين يقول عنهم الكتاب: “أما الطعام القوى فللبالغين، الذين بسبب التمرن صارت حواسهم مدربة للتميز بين الخير والشر” (عب14:5). فما هي هذه الدوافع الثلاثة ؟:

            أحد هذه الدوافع يأتى به العدو، ودافع آخر ينشأ من القلب، بينما الدافع الثالث يزرعه الله في الإنسان. ومن بين هذه الثلاثة، فإن الله يقبل الدافع الذي هو منه فقط.

          لذلك، امتحنوا أنفسكم، أي من هذه الدوافع هو الذي يلح عليكم أن تتركوا موضعكم. فلا تتركوا موضعكم إلى أن يأذن الله لكم. وأنا أعلم ما هي مشيئة الله بالنسبة لكم، ولكن من الصعب عليكم أن تتعرفوا على مشيئة الله. فإذا لم ينكر الإنسان ذاته، وينكر مشيئته الخاصة، ويطيع آبائه الروحيين، فإنه لن يستطيع أن يتعرف على مشيئة الله، وحتى إذا عرفها، فإنه يحتاج إلى معونة الله لتعطيه القوة لكي يتمم هذه المشيئة.

التعرف على مشيئة الله ثم العمل بها:

          وهكذا أنتم ترون، أن التعرف على مشيئة الله واكتشافها هو أمر عظيم، أما ما هو أعظم منه فهو أن نعمل هذه المشيئة. أما يعقوب فقد كانت عنده هذه القوات (أي معرفة مشيئة الله، والعمل بها) لأنه أطاع والديه. فإنهما حينما أخبراه أن يمضى إلى ما بين النهرين، عند لابان (أنظر2:28)، أطاع في الحال، رغم أنه لم يكن يريد أن ينفصل عن والديه. وبسبب طاعته ورث البركة. ولو لم أكن أنا ـ أبوكم الروحى ـ قد أطعت آبائى الروحيين قبل ذلك، لما أعلن الله مشيئته لى. لأنه مكتوب: ” بركة الأب تبنى بيوت البنين ” (جا9:3).

          وإن كنت أنا قد احتملت أتعابًا كثيرة في البرية والجبال، طالبًا الله نهارًا وليلاً، إلى أن أعلن الله مشيئته لى، أفلا تسمعون الآن لأبيكم في هذا الأمر، وذلك لأجل راحتكم وتقدكم.

          ولكنى سمعت أنكم تقولون: ” إن أبانا لا يعرف مقدار تعبنا، وكيف هرب يعقوب من عيسو “. ولكن ألاّ تعرفون أنه لم يمض من نفسه، بل أُرسل من والديه. أفلا تتمثلون إذن بيعقوب، وتظلون في مكانكم إلى أن يطلقكم أبيكم، لكي يبارككم حينما تذهبون، وحينئذ فإن الله يبارك أعمالكم.

          كونوا معافين في الرب. آمين.

 

الرسالة 18

حياة الهدوء:

          وأنتم تعلمون أيضًا، يا  إخوتي الأحباء، أنه منذ أن حدثت المعصية (الأولى)، فإن النفس لا تستطيع أن تعرف الله إن لم تبتعد عن الناس، وعن كل تشتت. لأن النفس حينئذ سوف ترى العدو الذي يحارب ضدها. وحينما تكون قد رأت العدو وانتصرت عليه في كل مرة يحارب ضدها، فإن الله يسكن في تلك النفس، ويتحول كل تعبها إلى فرح وابتهاج. أما إذا انهزمت النفس، فحينئذ يأتى عليها حزن، وضجر، وأنواع أثقال أخرى كثيرة. ولكنها لا ينبغي أن ترتعب (وتفشل)، لأن (الأعداء) لن يكون لهم سلطان عليها إذا سارت في هدوء.

الخروج من الهدوء بأمر الله:

          ولهذا السبب فإن الآباء القديسين أمثال إيليا التشبي ويوحنا المعمدان، اعتزلوا في البرية على انفراد. فلا تظنوا أن هؤلاء الرجال الأبرار حققوا برهم عن طريق وجودهم وسط الناس. بل بالأحرى، فإنهم مارسوا أولاً هدوءً كثيرًا، وبعد ذلك حصلوا على حلول قوة الله فيهم، وبعد ذلك أرسلهم الله إلى وسط الناس وهم قد اقتنوا جميع الفضائل، لكي يكونوا هم حاملي المؤن الإلهية، ويشفوا الناس من ضعفاتهم. فإنهم كانوا أطباء للروح، قادرين على شفاء ضعفات الناس. ولأجل الحاجة إلى الشفاء فإنهم أُخذوا من هدوئهم وأُرسلوا إلى الناس.

 

الخروج من الهدوء بالمشيئة الذاتية:

          ولكنهم لم يُرسلوا إلاّ بعد أن شُفيت جميع أمراضهم الخاصة لأن النفس لا يمكن أن تُرسل إلى وسط الناس لأجل بنيانهم إن كان فيها بعض النقائص. وأولئك الذين يذهبون قبل أن يكملوا، إنما يذهبون بمشيئتهم الخاصة وليس بمشيئة الله. ويقول الله موبخًا مثل هذا التصرف: ” أنا لم أرسلهم، ولكنهم جروا من أنفسهم ” (إر21:23). ولهذا السبب فإنهم لا يستطيعون لا أن يحفظوا أنفسهم ولا أن يبنوا أي نفس أخرى.

طاعة أمر الله والتشبه بالمسيح:

          أما أولئك الذين يُرسَلون من الله فإنهم لا يريدون أن يتركوا هدوءهم، إذ يعرفون أنهم بواسطة الهدوء قد حصلوا على القوة الإلهية، ولكنهم لكي لا يعصوا الخالق (الذي يأمرهم بالذهاب)، فإنهم يخرجون متمثلين به، لأجل البناء الروحي للناس. كما أرسل الآب ابنه الوحيد من السماء لكي يشفي كل ضعفات وأمراض البشر. كما هو مكتوب: ” هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا ” (إش4:53).

          وهكذا كل القديسون الذين جاءوا وسط الناس لكي يشفوهم، فإنهم يتبعون مثال خالق الكل، لكي يُحسبوا أهلاً بالتبني كأبناء لله ويملكون إلى دهر الدهور مع الآب والابن.

          فانظروا يا أحبائي ها أنا قد عرّفتكم قوة الهدوء، وكيف أنه يشفي من كل ناحية، وإنه إرادة الله لنا. ولهذا السبب كتبت إليكم، لكي تتشددوا فيما أنتم تفعلون، وتعرفوا أن جميع القديسين نموا وتقدموا في الهدوء، ولأجل هذا السبب أتت القوة الإلهية وسكنت فيهم، وكشفت لهم الأسرار السماوية، ولذلك طردوا بعيدًا كل عتاقة هذا العالم وفساده. والذي يكتب إليكم هذا قد وصل إلى هذه القامة بواسطة الهدوء.

حياة الهدوء وجحد الذات:

          إن رهبانًا كثيرين في الوقت الحاضر لم يستطيعوا أن يثبتوا في الهدوء لأنهم لم يستطيعوا أن ينتصروا على إرادتهم الذاتية. ولهذا السبب فإنهم يعيشون بين الناس في كل الأوقات، لأنهم لا يستطيعون أن يجحدوا ذواتهم، ويهربوا من معاشرة الناس، أو لا يستطيعون أن يجاهدوا في الرب، ولذلك فإنهم يتركون الهدوء، ويظلون في رفقة أقربائهم وجيرانهم لينالوا تعزيتهم منهم، طوال حياتهم. ولذلك فإنهم لم يُحسبوا أهلاً للحلاوة الإلهية أو لنوال سكنى القوة الإلهية في داخلهم، فإن تلك القوة حينما تتطلع إليهم من فوق، تجد أنهم ينالون تعزياتهم من هذا العالم ومن الشهوات التي تخص النفس والجسد. وكنتيجة لذلك فإن القوة الإلهية لا تعود تستطيع أن تظللهم، إذ أن محبة المال ومحبة المجد البشرى الباطل، وكل أمراض النفس وارتباكاتها، تمنع تلك القوة الإلهية من أن تظللهم.

          فكونوا أقوياء فيما أنتم تفعلون. وان أولئك الذين يتركون الهدوء لا يستطيعون أن يغلبوا شهواتهم، ولا أن يقاتلوا ضد عدوهم، لأنهم مستعبدين لشهواتهم. أما أنتم فإنكم تغلبون الشهوات، وقوة الله حاضرة معكم.

          كونوا معافين في الروح القدس.

 

الرسالة 19

          أحييكم في روح الوداعة المملوءة بالسلام، والذي يفوح رائحة زكية حلوة في نفوس الأبرار.

رائحة الروح القدس:

          فمن هم الذين عرفوا لذة ذلك الروح وحلاوته إلاّ الذين حُسبوا أهلاً أن يحل فيهم. لأن ذلك الروح لا يحل في أي نفس كيفما اتفق، ولكنه يحل فقط في أولئك الذين يتطهرون تمامًا من شهواتهم، لأنه روح قدوس، ولا يستطيع أن يدخل في نفس نجسة.

الروح يحل في الأطهار:

          ولهذا السبب فإن الرب لم يعطى هذا الروح للرسل إلاّ بعد أن تطهرت نفوسهم. ومن أجل ذلك قال لهم، ” إن ذهبت، سأرسل إليكم المعزى، روح الحق، وهو سيخبركم بكل شيء ” (يو7:16،13). لأن هذا الروح منذ هابيل وأخنوخ وإلى هذا اليوم يعطى نفسه لنفوس أولئك الذين قد طهروا أنفسهم تمامًا.

روح التوبة والروح القدس:

          لأن الروح الذي يظلل نفوسًا أخرى ليس هو هذا الروح وإنما هو روح التوبة، وحينما يظللهم روح التوبة، فإنه يدعوهم ويغسلهم من نجاستهم ويجعلهم أنقياء تمامًا، وحينئذ يقدمهم للروح القدس، وهذا الروح لا يكف عن أن يسكب عليهم رائحة ذكية وحلاوة كما سبق وقرأنا ” من هو الذي عرف بهجة الروح، إلاّ أولئك الذين جعل مسكنه فيهم؟ “. وأن كثيرين لم يُحسبوا مستحقين حتى لروح التوبة، أما روح الحق فإنه يسكن فقط في نفوس قليلة في كل جيل.

فإن الجوهرة كثيرة الثمن لا توجد في كل بيت، بل يصعب وجودها حتى في بيوت الملوك، وهكذا أيضًا هذا الروح فإنه لا يوجد إلاّ في نفوس الأبرار الذين جُعلوا كاملين.

نوال الروح والتسبيح لله:

          وأولئك الذين حُسبوا أهلاً له قد قدموا تشكرات عظيمة لله قائلين، “نسبحك يا الله، لأنك منحتنا الروح الذي أعطيته لخدامك “. وبالحقيقة فإن كل الأبرار الذي أُرسل إليهم الروح قدموا تشكرات عظيمة لله. فإن هذا هو ” الجوهرة ” التي يخبرنا عنها الإنجيل (أنظر مت44:13)، التي اشتراها التاجر الذي باع كل ممتلكاته. هذا هو ” الكنز المخفي في الحقل الذي وجده إنسان “، ففرح فرحًا عظيمًا. وهذا الروح يعلن أسرارًا عظيمة للنفوس التي يسكن فيها، ويجعل ليلهم مثل النهار. وهو يملأ أرواحهم بينما هم لا يزالون في هذه الخيمة (الجسدية). فانظروا ها أنا أعلمتكم ببعض أفعال هذا الروح القدوس وأريدكم أن تعرفوا، أنه منذ اليوم الذي فارقتكم فيه، أنجح الرب طريفي في كل شيء إلى أن وصلت إلى موضعي، والآن وأنا في وحدتي، فهو يُنجح طريفي أكثر ويعضدنى في الخفاء وفي العلانية. ولقد كنت أرغب أن تكونوا بالقرب منى لكي أعرفكم بالإعلانات التي أعطاها الروح لي. لأنه كل يوم يكشف لي إعلانات أخرى غير السابقة.

نوال الروح والتجربة:

          وأريد أيضًا أن أعرفكم عن التجربة. فأنتم تعلمون أن التجربة لا تأتى على إنسان إن لم يكن قد نال الروح وحينما يقبل الروح، فإن الروح يسمح للشيطان أن يجربه. ولكن من الذي يسلمه للتجربة؟ روح الله هو الذي يسلمه. لأنه يستحيل على الشيطان أن يجرب مؤمنًا، إن لم يسلمه الله للتجربة. ولذلك فحينما تجسد الرب، وصار مثالاً لنا في كل الأشياء، حينما اعتمد لأجل أن يعلمنا البر، وأتى عليه الروح مثل حمامة، فحينئذ اقتاده الروح إلى البرية ليجرب من إبليس، وإبليس لم يكن له قوة عليه.

          ولكن قوة الروح تقوى المؤمنين أكثر، بعد التجربة، وتزيد قامتهم. وهكذا كانت تجربتى. لأنه كما أن الرب حينما نزل من السماء، وجد جوًا آخر مظلمًا على الأرض، وأيضًا حينما كان مزمعًا أن ينزل إلى الهاوية (بالصليب)، رأي جوًا أكثر ثقلاً من الجو الأول وقال ” الآن نفسي قد اضطربت ” (أنظر يو27:12)، وهكذا أيضًا على نفس المثال تألمت أنا أيضًا بكل أنواع التجارب، واضطربت نفسي أيضًا، ولكننى أعطى المجد لله الذي أعبده وأخدمه منذ حداثتي، من كل قلبي، والذي أنا أطيعه في كل شيء سواء كان في هوانٍ أم في مجد، لأنه رفعني من ظلمة الأعداء وردنى إلى الرفعة الأولي مرة أخرى، كما رد آدم والقديسين إلى رتبتهم الأولى، لأنه مكتوب: ” إذ صعد للعلاء سبي سبيًا وأعطى الناس عطايا ” (أف8:4).

          وأنا أعرفكم يا أحبائي أن تجربتي الأخيرة هذه تشبه تجربة يوسف الأخيرة. فحينما وصل يوسف الطوباوي إلى تجربته الأخيرة في السجن (أنظر تك20:29) اضطرب أكثر من كل التجارب الأخرى السابقة. ولكنه بعد السجن ـ الذي هو مثال للهاوية ـ من ذلك الوقت فصاعدًا لم تصبه أي تجربة. وهكذا يا أبنائي المحبوبين أُعطى كرامة كاملة، لأنه صار ملكًا، (أنظر تك40:41)، ولذا فإني لم أخفِ عنكم ما تعرضت له من التجربة، وعرفتكم بالحالة التي أنا فيها في هذه الأيام.

مثال الكاملين:

          وبعد أن كتبت لكم هذا الكلام، تذكرت الكلمة المكتوبة في حزقيال عن مثال الكاملين. فإنه رأي عند نهر خابور، كائنًا حيًا له أربعة أوجه وأربعة أقدام وأربعة أجنحة، والأوجه الأربعة هي وجه كاروب ووجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر (حز1، وأنظر حز14:10). أما وجه الكاروب فيُرى عندما يستريح روح الله في النفس ويقودها لتقديم التسبيح بجمال وحلاوة.

          ولكن حينما يريد الروح أن ينهض لكي يطلب إنسانًا فإنه يأخذ وجه إنسان. وماذا يكون وجه الثور إلاّ حينما تقف النفس للجهاد والحرب ضد قوات الشر، فإن الروح يعينها مثل ثور قوى يستطيع أن يجرح الشيطان بقرنه.

          وماذا عن وجه النسر؟ إن النسر يطير عاليًا أكثر من جميع الطيور الأخرى، وحينما ترتفع النفس عاليًا ـ كما لو كانت ـ بوجه نسر، فإن الروح يدخل فيها ويجعلها تبقى في العلاء، إلى جوار الله.

          ويوجد الكثير من الكلام عن هذا الكائن الحي. الذي كلمتكم عنه قليلاً فقط. ولكن إذا صليتم فسآتي إليكم، وستدخلون معي إلى ” بيت إيل “، وهناك سنكمل نذورنا ونقدم محرقتنا كاملة، وهي التي نطقت بها شفتانا (أنظر مز13:66،14)، وحينئذ سنشرح عن هذا الكائن الحي بحسب قدرتنا. لأن بيت إيل معناها ” بيت الله “. ولذلك فإن الله يحارب عن بيته الذي دُعي باسمه.

الشركة في التعب وفي المجد:

          سلامى لكل لأولئك الذين يشتركون في أتعاب وعرق آبائهم في التجربة، كما يقول يوحنا ” بعرق الإنسان يتمجد الله “، هكذا النفس أيضًا بعرقها يصيرها الرب شريكة له. وهكذا كل الذين يصيرهم شركاء في ثمار تعبه، لأنه مكتوب ” إن كنا نتألم معه، فسنحيا أيضًا معه ” والرب أيضًا يقول لتلاميذه: ” أنتم الذين تعبتم معى في تجاربي، وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي ” (لو28:22ـ30).

          وهكذا ترون يا أحبائي أن الذين يصيرون شركاء في الأتعاب يصيرون شركاء في الراحة أيضًا، والذي يصير شريكًا في احتمال الهوان يكون شريكًا في الكرامة أيضًا. لذلك مكتوب أيضًا في الآباء، ” الابن الصالح هو الذي يرث ميراث آبائه وبركاتهم “.

          وهذا هو أيضًا ما قد زرعناه: إنه زرع الله، والأبناء الصالحين هم أولئك الذين يرثون ميراثنا وبركتنا.

          وحقًا أقول لكم أنني أذكركم دائمًا في صلواتي وأنا أنظر إليكم بالروح كنظر الوالدة الحنون على أولادها. ومرات كثيرة أراد سيدي الرب أن يريحني من أتعاب هذا الجسد ويأخذ نفسي إليه. ولكن لأجل استراحة روح الرب عليكم، قد ترك روحى المسكينة في جسدها لأجل تربيتكم. وقال لها: إنك والدة حسنة ومربية صالحة، فاعتنى عناية شديدة بأولئك الذين في رعايتك، لأنه يسر الله أن يأخذك من هذه الخيمة بعد أن تتركى وراءك زرعًا صالحًا، لأني أعلم أنك معلم ومربي أمين. ولكن نذكر أنه لأجل هذا النسل قد تركك الله في هذه الخيمة (أي في الجسد).

          كونوا معافين في الرب، في روح السلام الوديع الذي يسكن في نفوس الأبرار.

 

هذا هو كتاب أبيكم الذي كتبته لكم، وهذا هو ميراث الآباء الروحانيين الذين يورثونه لأولادهم ويتركونه لهم ليرثوه بالبر. فالآباء الجسديون يتركون لأولادهم تركة ميراث من الذهب والفضة. أما الأبرار فيتركون لأولادهم ميراث البر. وانظروا إلى رؤساء الآباء الذين رغم أنهم كانوا أغنياء في الذهب والفضة، إلاّ أنهم عند وفاتهم لم يُعطوا لأولادهم أي وصية إلاّ بخصوص البر، الذي يبقى إلى دهر الدهور. فإن الذهب والفضة تزول وتضمحل، وهي تخص هذه الخيمة الجسدية القصيرة العمر، أما البر فهو يخص ذلك المسكن الذي يدوم للإنسان إلى دهر الدهور.

          كونوا معافين في الرب وفي مسرة البر الذي يعطيها الله لكم يومًا فيومًا إلى أن تخرجوا من هذا الجسد.

 

 

[1] يستعمل القديس أنطونيوس كلمة جسد بمعنى إيجابى جدًا ليعبر به عن الإنسان كله، وذلك حسب تقليد العهد القديم العبرى حينما يتكلم عن الإنسان بكلمة جسد مثل ” ويبصر كل جسد خلاص الله ” أى ” كل بشر ” وكاستعمال إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسدًا ” أى صار ” إنسانًا ” وبهذا فإن تعليم القديس أنطونيوس بعيد تمامًا عن أى فكرة تعتبر الجسد شريرًا في جوهره. فالجسد الحى هو الإنسان الذى يحيا بالروح ويعمل مشيئة الله، والجسد الميت هو الإنسان يعيش في الشر في داخله حتى لو كان يتظاهر بأعمال البر.

[2] كتاب صعود إشعياء (21:8). وهو وثيقة يهودية مسيحية من القرن الثانى تصف رحلة روح إشعياء النبى بعد استشهاده وصعوده إلى السماوات.

رسائل القديس أنطونيوس ج3

رسائل القديس أنطونيوس ج2

رسائل القديس أنطونيوس ج2

رسائل القديس أنطونيوس

الرسالة الرابعة

البر الذي يقود إلى التبني:

          أنطونيوس يتمنى لكل اخوته الأعزاء فرحًا في الرب. يا أعضاء الكنيسة سوف لا أمِل من ذكركم، أريد أن تعرفوا أن المحبة التي بيننا ليست محبة جسدية ولكن روحية إلهية. لأن الصداقة الجسدية ليس لها صلابة وثبات، إذ تحركها رياح غريبة. إن كل من يخاف الله ويحفظ وصاياه، فهو خادم الله. وهذه الخدمة ليست هي الكمال بل فيها البر الذي يقود إلى التبني. ولهذا السبب فإن الأنبياء والرسل، وهم الجماعة المقدسة الذين اختارهم الله وائتمنهم على الكرازة الرسولية، أصبحوا بصلاح الله أسرى في المسيح يسوع. لذلك يقول بولس ” بولس أسير يسوع المسيح المدعو رسولاً ” (أف1:3، رو1:1). لذا فإن الناموس المكتوب يعمل فينا بعبودية صالحة، إلى أن نصبح قادرين على السيادة على كل شهوة. ونصبح كاملين في الخدمة الصالحة للفضيلة من خلال هذا المستوى الرسولي.

روح التبني:

          لأنه إذا اقترب إنسان من النعمة فإن يسوع سيقول له ” سوف لا أدعوكم عبيدًا، بل أدعوكم أصدقائي وإخوتي لأن كل الأشياء التي سمعتها من أبى أخبرتكم بها ” (يو15:15) فإن كل الذين اقتربوا من النعمة وتعلموا من الروح القدس قد عرفوا أنفسهم حسب جوهرهم العقلي. وفي معرفتهم لأنفسهم صرخوا قائلين ” لأننا لم نأخذ روح العبودية للخوف ولكن روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب ” (رو15:8) حتى نعرف ماذا اعطانا الله “إذا كنا أبناء فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع القديسين ” (رو17:8).

الفضائل لكم:

          يا أحبائي الأعزاء والوارثين مع القديسين إن كل الفضائل ليست غريبة عنكم، ولكنها لكم إذا كنتم لستم تحت الخطية (الذنب) من هذه الحياة اللحمية، ولكنكم ظاهرون أمام الله. لأن الروح لا يسكن في نفس الإنسان المدنس القلب، ولا في الجسد الخاطئ؛ لأنه قوة مقدسة ومنفصل عن كل خداع وشر.

اعرفوا أنفسكم:

          حقيقة يا أحبائي إني أكتب لكم كما لرجال عقلاء عرفوا أنفسهم ـ لأن من عرف نفسه عرف الله ومن عرف الله يستحق أن يعبده بالحق. أحبائي في الرب اعرفوا أنفسكم لأن الذين عرفوا ذواتهم يعرفون زمانهم، والذين يعرفون زمانهم، يستطيعون أن يبقوا ثابتين، لا يتحركون باللغات المتنوعة (بالتعإلىم الغريبة). لأنه بالنسبة لآريوس الذي تعظم (تكبر) في الإسكندرية وتكلم بأقوال غريبة عن الابن الوحيد جاعلاً بداية للذي لا بداية له ونهاية لمن يفوق فحص وإدراك البشر، وحركة لمن هو غير متحرك. فإذا أخطأ إنسان ضد آخر فإنهم يستعطفون الله من أجله ولكن إذا أخطأ إنسان ضد الله فمن الذي يصلي لأجله؟ (أنظر1صم25:2). لذلك فإن هذا الرجل أخذ على عاتقه أمرًا خطيرًا، وجرحه غير قابل للشفاء. لأنه لوعرف مثل هذا نفسه، لما تكلم لسانه عما لا يعرفه. ولكن من الواضح أنه لم يعرف نفسه.

 

الرسالة الخامسة

أنطونيوس إلى أبنائه الأعزاء، الإسرائيليين القديسين في جوهرهم العقلي[1]. ليس هناك حاجة إلى ذكر أسماءكم الجسدية التي ستفنى لأنكم أنتم أبناء إسرائيليون. حقًا يا أحبائي، أن الحب الذي بينى وبينكم ليس حبًا جسديًا لكمه حب روحاني إلهي.

معرفة نعمة الله:

          ولهذا السبب لا أمل من الصلاة إلى إلهي ليلاً ونهارًا من أجلكم، كى تتمكنوا من معرفة النعمة التي قد عملها الله من نحوكم. لأنه ليس في وقت واحد فقط افتقد الله خلائقه، لكن منذ بداية العالم وضع الله ترتيبًا لكل خلائقه، وهو في كل جيل يوقظ كل شخص بواسطة فرص عديدة وبواسطة النعمة. والآن يا أحبائي لاتهملوا الصراخ إلى الله ليلاً ونهارًا لتستعطفوا صلاح الآب، وهو في سخائه ونعمته سوف يهبكم معونة من السماء معلمًا إياكم، لكي تدركوا ماهو صالح لكم.

قدموا أنفسكم ذبيحة لله في كل قداسة:

          حقًا يا أحبائي إننا نسكن في موتنا، ونمكث في منزل اللص، ونحن مكبلون برباطات الموت، فالآن إذًا، لا تعطوا نعاسًا لعيونكم ولا نومًا لأجفانكم (مز4:132)، حتى تقدموا أنفسكم ذبيحة لله في كل قداسة لكي ما تروه، لأنه بدون قداسة لا يستطيع أحد أن يرى الرب كما يقول الرسول (عب14:12). حقيقة يا أحبائي في الرب، لتكن هذه الكلمة واضحة لكم. وهي أن تفعلوا الصلاح وهكذا تنعشون القديسين وتعطون بهجة للطغمات الملائكية في خدمتهم، وفرحًا لمجيء يسوع، لأنهم لا يكفون عن التعب في خدمتنا حتى هذه الساعة، وأنا أيضًا الفقير البائس الساكن في جسد من تراب ستمنحون فرحًا لروحي.

          حقًا يا أولادي إن مرضنا وحالتنا الوضيعة هي سبب حزن لجميع القديسين. وهم يبكون وينوحون لأجلنا أمام خالق الكل، ولهذا السبب يغضب الله من أعمالنا الشريرة بسبب تنهدات القديسين، وأيضًا فإن تقدمنا في البر يعطى فرحًا لجموع القديسين، وهذا يجعلهم يرفعون صلوات أكثر بابتهاج وتهليل عظيم أمام خالقنا. وهو نفسه خالق الجميع، يفرح بأعمالنا بشهادة قديسيه ويمنحنا مواهب نعمته بلا كيل.

محبة الله لنا:

          لذلك علىكم أن تعرفوا أن الله يحب خلائقه بصورة دائمة، إذ أن جوهرهم خالد ولن يتحلل مع أجسادهم، وقد رأي الله كيف أن الطبيعة العاقلة قد انحدرت كلية إلى الهاوية، وماتت كلية، وأن ناموس العهد الذي فيهم قد جف وتوقف. ومن صلاحه افتقد البشرية بواسطة موسى. وأسس موسى بيت الحق وأراد أن يشفي الجرح العظيم وأن يرجعهم إلى الاتحاد الأول، ولكنه لم يستطع أن يفعل هذا فابتعد عنهم. ثم أيضًا جوقة الأنبياء الذين بنوا على أساس موسى ولم يستطيعوا أن يشفوا الجرح العظيم الذي لأعضائهم. ولما رأوا أن قواهم خارت اجتمع أيضًا شعوب القديسين بنفس واحدة وقدموا صلاة أمام خالقهم قائلين: ” إلىس بلسان في جلعاد؟ فلماذا لم تعصب بنت شعبي؟ داوينا بابل فلم تشف دعوها ولنذهب كل واحد إلى أرضه (إر12:8،9:51).

مجئ المسيح وموته لأجل خلاصنا:

          وجميع القديسين طلبوا صلاح الآب من جهة ابنه الوحيد، لأنه إن لم يأت بنفسه هنا فإن أحدًا من كل الخلائق لم يكن يستطيع أن يشفي جرح البشر العظيم. من أجل هذا تكلم الآب في صلاحه قائلاً: ” وأنت يا ابن آدم فهيئ لنفسك آنية أسر وأذهب إلى الأسر بإرادتك” (حز3:12 وأيضًا إر19:46). إن الآب ” لم يشفق على ابنه الوحيد بل بذله لأجل خلاصنا أجمعين” (رو32:8)، ” وهو مسحوق لأجل آثامنا وبجلداته شفينا ” (إش5:53). وهو قد جمعنا من كل أطراف العالم صانعًا لقلوبنا قيامة من الأرضيات معلمًا إيانا أننا بعضنا أعضاء البعض (أف25:4). كونوا حريصين يا أحبائي لئلا تنطبق علىنا كلمة بولس بأن لنا صورة التقوى ولكننا ننكر قوتها “(2تى5:3) والآن ليمزق كل واحد منكم قلبه أمام الله ويبكي أمامه قائلاً ” ماذا أرد للرب من أجل كل احساناته لي ” (مز12:116). وإنني أخشى أيضًأ يا أولادي لئلا تنطبق علىنا هذه الآية ” ما الفائدة من دمى إذا نزلت إلى الحفرة ” (مز9:30).

ضرورة بغضة طبيعة العالم والصلاة لأب الكل:

          حقًا يا أحبائي إنني اتحدث إلىكم كما إلى حكماء لكي تفهموا ما أقوله لكم وهذا ما أشهد به لكم: أن من لا يبغض كل ما يختص بطبيعة المقتنيات الأرضية ويزهدها مع كل أعمالها من كل قلبه ويبسط يدىّ قلبه إلى السماء إلى أب الكل فلن يستطيع أن يخلص.

مجيء الروح القدس إلىنا ليسكن فينا:

          أما إذا تمم ما قد قلته فإن الله يتراءف على تعبه ويمنحه ناره غير المرئية التي ستحرق كل الشوائب منه، وسوف تتطهر روحنا؛ وعندئذ سيسكن فينا الروح القدس ويمكث يسوع معنا، وهكذا سنكون قادرين أن نسجد للآب كما يحق. لكن إن بقينا متصالحين مع طبائع العالم، فإننا نكون أعداء لله ولملائكته ولجميع قديسيه.

لا تهملوا خلاصكم وتمثلوا بأعمال القديسين:

          والآن يا أحبائي أتوسل إلىكم باسم ربنا يسوع المسيح، ألا تهملوا خلاصكم وإلا تحرمكم هذه الحياة السريعة الزوال من الحياة الأبدية، ولا يحرمكم هذا الجسد الفاسد من مملكة النور التي لاتحد ولا توصف، ولا هذا الكرسي الهالك أن ينزلكم عن كراسى محفل الملائكة. حقًا يا أحبائي إن قلبى مندهش وروحى مرتعبة، لأننا أُعطينا الحرية أن نختار وأن نعمل أعمال القديسين، ولكننا قد سكرنا بالأهواء والشهوات ـ كالسكارى بالخمر ـ لأن كل واحد منا قد باع نفسه بمحض إرادته وقد صرنا مستعبدين باختيارنا، ونحن لا نريد أن نرفع عيوننا إلى السماء لنطلب مجد السماء، وعمل كل القديسين، ولا أن نسير في إثر خطواتهم.

          لذلك افهموا الآن أنه سواء أكانت السماء المقدسة أو الملائكة أو رؤساء الملائكة أو العروش أو السلاطين أو الشاروبيم أو السيرافيم أو الشمس أو القمر أو النجوم أو البطاركة أو الأنبياء أو الرسل أو إبليس أو الشيطان أو الأرواح الشريرة أو قوات الهواء… أو(بدون أن نقول أكثر) سواء رجل أو امرأة كل هؤلاء في بدء خلقتهم نشأوا من مصدر واحد كلهم، وهو الثالوث كلي القداسة الآب والابن والروح القدس. وبسبب سلوك بعضهم الشرير صار من الضروري أن يعطى الله أسماء لكل نوع منهم طبقًا لأعمالهم. وأولئك الذين تقدموا كثيرًا أعطاهم مجدًا فائقًا.

الرسالة السادسة

          من أنطونيوس إلى جميع الاخوة الأعزاء الذين في أرسينوى[2] وما حولها، وإلى أولئك الذين معكم، سلام لكم. إلىكم جميعًا يا من أعددتم أنفسكم لتأتوا إلى الله. أحييكم يا أحبائي في الرب من أصغركم إلى أكبركم، رجالاً ونساءً، أنتم الأبناء الإسرائيليون القديسون في جوهركم العقلي. حقيقة يا أحبائي أن غبطة عظيمة قد أتت إلىكم، فما أعظم النعمة التي حلت علىكم في أيامكم هذه. ويليق بكم بسببه هو (المسيح) الذي قد افتقدكم، أن لاتكلوا في جهادكم حتى تقدموا أنفسكم ذبيحة لله في كل قداسة. فإنها بدونها لا يستطيع أحد أن ينال الميراث.

جوهر الإنسان وسقوطه:

حقًا يا أحبائي ـ إن هذا أمر عظيم لكم، أن تطلبوا ما يختص بفهم الجوهر العقلي الذي لايوجد فيه ذكر أو انثى، لكنه كيان غير مائت له بداية لكن ليس له نهاية. وأن تعلموا أن هذا الجوهر العقلي قد سقط في الهوان والعار العظيم الذي قد اتى علىنا جميعًا لكنه جوهر غير مائت لايفنى مع الجسد ولذلك رأي الله أن جرحه غير قابل للشفاء. ولأنه كان جرحًا خطيرًا هكذا، فإن الله افتقد البشر برحمته ـ ومن صلاحه بعد مرور عدة أزمنة، سلم لهم ناموسًا لمساعدتهم بواسطة موسى معطى الناموس، وأسس موسى لهم بيت الحق وأراد أن يشفي ذلك الجرح العظيم ولم يستطع أن يكمل بناء هذا البيت.

مجئ المخلص لشفاء نفوسنا:

ومرة أخرى اجتمع معًا جوقات القديسين (الأنبياء) وطلبوا رحمة الآب بخصوص مخلصنا، لكي يأتى إلىنا لأجل خلاصنا جميعًا. لأنه هو رئيس كهنتنا والأمين والطبيب الحقيقى الذي يستطيع أن يشفي الجرح العظيم. لذلك حسب إرادة الآب، أخلي نفسه من مجده. لقد كان إلهًا وأخذ صورة عبد (في7:2،8). لقد أخذ جسدنا وبذل نفسه لأجل خطايانا، وآثامنا سحقته، وبجراحاته شفينا جميعًا (إش5:53). لذلك يا أحبائي الأعزاء في الرب أريدكم أن تعرفوا، أنه بسبب جهالتنا أخذ شكل الجهالة، وبسبب ضعفنا أخذ شكل الضعف، وبسبب فقرنا أخذ شكل الفقر، وبسبب موتنا لبس صورة المائت وذاق الموت، واحتمل كل هذا من أجلنا. حقًا يا أحبائي في الرب يجب ألا نعطى نومًا لعيوننا ولا نعاسًا لأجفاننا (مز4:132) لكن يجب علىنا أن نصلي ونطلب بلجاجة إلى صلاح الآب حتى ننال رحمة، وبهذه الطريقة سوف يتجدد حضور المسيح (فينا) ونُعطِى قوة لخدمة القديسين، الذين يعملون لأجلنا على الأرض في وقت تراخينا، وسوف نحثهم ليتحركوا إلى مساعدتنا وقت ضيقنا. حينئذ يفرح الزارع والحاصد معًا.

حيل الشيطان لإهلاكنا:

          أريدكم أن تعلموا يا أحبائي، حزني العظيم الذي اشعر به لأجلكم حينما أرى الاضطراب العظيم الآتى علىنا وأفكر في تعب القديسين العظيم وتنهداتهم التي ينطقون بها أمام الله من أجلنا، لأنهم يشاهدون كل أتعاب وعمل خالقهم لأجل خلاصنا، وكل المشورات الشريرة التي لأبليس وخدامه والشر الذي يفكرون فيه دائمًا لأجل هلاكنا منذ صار نصيبهم في جهنم، ولأجل هذا السبب يريدوننا أن نهلك معهم وأن نكون مع جمعهم الكثير. حقًا يا أحبائي في الرب اتحدث إلىكم كما إلى رجال حكماء لكيما تعرفوا تدبيرات خالقنا التي جعلها لأجلنا، والتي تعطى لنا بواسطة البشارة الظاهرة والخفية. لأننا ندعى عاقلون، لكننا قد لبسنا حالة الكائنات غير العاقلة بسبب ميلنا مع العدو، أم لستم تعلمون كيف تكون حيل الشيطان وفنونه الكثيرة، لأن الأرواح الشريرة تحسدنا منذ أن عرفوا أننا حاولنا أن نرى عارنا وخزينا وقد بحثنا عن طريقة للهروب من أعمالهم التي يعملونها معنا، ولم نحاول فقط أن نرفض مشوراتهم الشريرة التي يزرعونها فينا بل أن كثيرين منا يهزأون بحيلهم. والشياطين تعرف احسان خالقنا في هذا العالم، وانه قد حكم علىهم بالموت وأعد لهم جهنم ليرثوها بسبب غفلتهم وكثرة خبثهم.

          أريدكم أن تعلموا يا أحبائي أننى لا أكف عن التوسل لله لأجلكم ليلاً ونهارًا لكي يفتح عيون قلوبكم حتى تبصروا كثرة خبث الشياطين الخفي وشرهم الذي يجلبونه علىنا كل يوم في هذا الوقت الحاضر. وأرجو الله أن يمنحكم قلب معرفة وروح تمييز حتى تستطيعوا أن تقدموا قلوبكم كذبيحة نقية أمام الآب في قداسة عظيمة بلا عيب. حقًا يا أحبائي، إن الشياطين تحسدنا في كل الأوقات بمشورتهم الشريرة واضطهاداتهم الخفية ومكرهم الخبيث وروح الإغراء، وأفكارهم التجديفية وعصيانهم، وكل الشرور التي يبذرونها في قلوبنا كل يوم، وقساوة القلب والأحزان الكثيرة التي يجلبونها علىنا في كل ساعة، والمخاوف التي بها يجعلون قلوبنا تضعف يوميًا، وكل غضب وذم بعضنا لبعض الذي يعلموننا إياه، وكل تبرير لذواتنا في كل ما نفعل، والإدانة التي يدخلونها في قلوبنا، التي تجعلنا عندما نجلس منفردين، أن ندين اخوتنا بالرغم من عدم سكناهم معنا، والاحتقار الذي يضعوه في قلوبنا بواسطة الكبرياء ـ عندما نكون قساة القلوب ونحتقر بعضنا البعض، وعندما تكون عندنا مرارة ضد بعضنا البعض بكلماتنا القاسية، وعندما نحزن في كل ساعة، وعندما نتهم بعضنا البعض، ولانلوم أنفسنا ظانين أن اخوتنا هم سبب متاعبنا، بينما نحن جالسون نصدر أحكامنا على ما يظهر خارجًا (الأشياء الظاهرة)، بينما السارق موجود بكليته داخل بيتنا، وكل المجادلات والانقسامات (في الرأي) التي نتجادل بها مع بعضنا البعض إنما تهدف إلى اثبات كلمة ذواتنا لنظهر مبررين أمام بعضنا البعض.

التوسل لطلب المعونة للخلاص:

إن الأرواح الشريرة تجعلنا نتحمس لأعمال لا نستطيع القيام بها. بينما تتسبب في أن نفشل ونخور في المهام التي في أيدينا والتي هي نافعة لنفوسنا ـ لذلك فإنهم يجعلوننا نضحك في وقت البكاء ونبكى في وقت الضحك وهكذا ببساطة، فإنهم يحولوننا كل مرة عن الطريق الصحيح. وتوجد خداعات أخرى كثيرة يجعلوننا بواسطتها عبيدًا لهم، لكن لا يوجد وقت الآن لكي نصف كل هذه. لكنهم عندما يملأون قلوبنا بهذه الخدع (الحيل) فإننا نتغذى بها، فتصير طعامًا لنا، ومع ذلك فإن الله يصبر علىنا ويفتقدنا لكي نتركها ونرجع إلىه. هذا وإن أعمالنا الشريرة التي ارتكبناها ستظهر لنا في جسدنا وستلبس نفوسنا هذا الجسد مرة أخرى ـ لأن الله بصبره يسمح بذلك ـ فتصير أواخرنا (في هذه الحالة) أشر من أوائلنا (مت45:12). لذلك لا تملوا من التوسل والصلاة إلى صلاح الآب حتى إذا أتتكم معونته، تستطيعون أن تعلموا نفوسكم ما هو الصواب.

سلطان الشيطان على من يُستعبد لشهواته ويبرر نفسه بأعماله الظاهرة:

          حقًا أخبركم يا أحبائي أن هذا الاناء الذي نسكن فيه هو هلاك لنا، وبيت مملوء بالحرب. بالحقيقة يا أحبائي، أخبركم بأن الإنسان الذي يُسر بإرادته الذاتية ويُستعبد لأفكاره ويقبل الأشياء التي زُرعت في قلبه ويلتذ بها، ويتصور في قلبه أن هذه الأفكار سر شئ عظيم ممتاز، ويبرر نفسه بأعماله الظاهرة فإن نفس هذا الإنسان تكون مأوى للأرواح الشريرة التي تعلمه وتقوده إلى الشر، وجسده يمتلئ بنجاسات شريرة يخفيها في داخله: ويصير للشياطين سلطان عظيم على مثل هذا الإنسان، لأنه لم ينفر منهم ولم يخزهم أمام الناس.

متى نصير أجسادًا للشياطين:

          ألا تعرفون أن الشياطين ليس لهم طريقة واحدة للاصطياد، حتى يمكننا معرفتها والهروب منها؟

أنتم تعرفون أن شرهم وأثمهم غير ظاهرين بشكل منظور، لأنهم ليسوا أجسامًا منظورة، ولكن ينبغي أن تعرفوا بأننا نصير أجسادًا لهم حينما تقبل نفوسنا أفكارهم المظلمة الشريرة، وعندئذ يصيرون هم ظاهرين بواسطة جسدنا الذي نسكن فيه. فالآن إذن يا أحبائي، دعونا لا نعطيهم مكانًا فينا، لئلا يأتي غضب الله علىنا، أما هم فسيمضون إلى موضعهم وهم يضحكون ساخرين بنا.

محبة الاخوة:

          وهم يعلمون أن هلاكنا هو عن طريق (بغضة) قريبنا، وأن حياتنا أيضًا وخلاصنا هي عن طريق (محبة) قريبنا. من رأي الله قط، حتى يفرح معه ويحتفظ به داخل نفسه، حتى أن الله لايمكن أن يفارقه، بل يعينه أثناء سكناه في هذا الجسد الثقيل؟ أو من رأي قط شيطانًا في محاربته ضدنا، عندما يمنعنا من عمل الصلاح ويهاجمنا، واقفًا في مواجهتنا بشكل محسوس، لكي نخاف منه ونهرب منه؟ فإن الشياطين يعملون خفية، ونحن نجعلهم ظاهرين بواسطة أعمالنا. وهم جميعًا من مصدر واحد في جوهرهم العقلي، ولكنهم عندما ابتعدوا عن الله صاروا أنواعًا متعددة عن طريق تنوع أعمال شرهم.

أنواع الملائكة الأبرار والأشرار:

ولذلك أُعطيت لهم (الملائكة الأبرار والأشرار) أسماء مختلفة على حسب نوع عمل كل واحد منهم. فالبعض من الملائكة (الأبرار) يُسمون رؤساء ملائكة، والبعض منهم كراسى وربوبيات، والبعض رئاسات وسلاطين والشاروبيم، وهذه الأسماء أُعطيت لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم. ومن الجهة الأخرى فإن شر الآخرين (الملائكة الساقطين) جعل من الضروري تسميتهم بأسماء: إبليس والشيطان، بسبب حالتهم الشريرة، والبعض منهم دُعوا شياطين، والبعض أرواح شريرة وأرواح نجسة، والبعض أرواح مُضلة، والبعض دُعوا باسم رؤساء هذا العالم. وتوجد أيضًا أنواع أخرى كثيرة منهم.

ويوجد أيضًا بين البشر الذين سكنوا في هذا الجسد الثقيل، هذا الذي نسكن فيه، من قد قاوموا الشياطين، والبعض من هؤلاء البشر دعوا رؤساء آباء، والبعض أنبياء وملوك وكهنة وقضاة ورسل، وآخرون كثيرون صاروا مختارين بسبب صلاحهم. وسواء كانوا رجالاً أم نساءً، فقد أُعطيت لهم كل هذه الأسماء على حسب نوع أعمالهم، ولكنهم جميعًا هم من واحد.

المحبة للغير محبة لنفوسنا والعكس:

          لذلك فلأجل هذا السبب، إن الذي يُخطئ ضد قريبه يخطئ ضد نفسه، والذي يفعل شرًا بقريبه فإنه يفعل شرًا بنفسه، والذي يصنع خيرًا بقريبه يصنع خيرًا لنفسه. ومن جهة أخرى، من الذي يستطيع أن يفعل شرًا بالله أو من هو الذي يستطيع أن يؤذيه أو من يستطيع أن يغنيه أو من يستطيع قط أن يخدمه أو من يستطيع قط أن يباركه؛ كأن الله محتاج إلى مباركة البشر وشكرهم، أو من الذي يستطيع أن يكرم الله الإكرام الذي يليق به أو أن يمجده بالمجد الذي يستحقه؟ لذلك ففي أثناء غربتنا ونحن لابسون هذا الجسد الثقيل، فلنعطي الفرصة لله لكي يكون حيًا وفعالاً وحاضرًا في نفوسنا عن طريق حث وتحريض بعضنا البعض. ولنبذل ذواتنا حتى الموت لأجل نفوسنا ولأجل بعضنا البعض، فإذا فعلنا هذا فإننا بذلك نظهر طبيعة رحمة الله وحنانه من نحونا. فلا نكن محبين لذواتنا لكي لا نكون مستعبدين لسلطانها المتقلب غير الثابت. لذلك فإن من يعرف نفسه، فهو يعرف جميع الناس. لذلك مكتوب “إن الله دعا كل الأشياء من العدم إلى الوجود” (أنظر حكمة14:1). ومثل هذه الشهادات تشير إلى طبيعتنا العقلية المختفية في هذا الجسد الفاسد، ولكنها لم منتمية إلىه منذ البداية بل سوف تتحرر منه. ولكن من يستطيع أن يحب نفسه يحب كل الناس.

قدموا جسدكم مذبح واطلبوا النار الإلهية:

          يا أحبائي الأعزاء، إننى أصلي لكي لا يكون هذا الأمر شاقًا علىكم ومتعبًا لكم، ولكي لاتكلوا وتضجروا من محبة بعضكم البعض. يا أحبائي ارفعوا وقدموا جسدكم هذا الذي تلبسونه، واجعلوا منه مذبحًا (لأحراق البخور)، وضعوا علىه كل أفكاركم واتركوا علىه أمام الرب كل مشورة شريرة، وارفعوا يدىّ قلوبكم إلى الله ـ العقل الخالق ـ متوسلين إلىه بالصلاة، أن يرسل علىكم من الأعإلى وينعم علىكم بناره غير المرئية العظيمة، لكي تنزل من السماء وتحرق كل ماهو موضوع على المذبح، وتطهر المذبح ،وبذلك فإن كهنة البعل ـ الذين هم أعمال العدو المضادة ـ سيخافون ويهربون من أمام وجوهكم، كهروبهم أمام وجه إيليا (أنظر 1مل38:18ـ44) وحينئذ ستبصرون سحابة ” قدر كف إنسان” صاعدة من البحر، وهي التي ستأتى إلىكم بالمطر الروحاني ليسقط علىكم، الذي هو تعزية الروح المعزى.

معونة القوة الإلهية للإنسان:

يا أحبائي الأعزاء في الرب، الأبناء الإسرائيليون القديسون، إنه لا توجد حاجة إلى تسمية أسماءكم الجسدية، التي ستمضي وتنتهي. ولكنكم تعرفون مقدار المحبة التي بيني وبينكم، وهي ليست محبة جسدية، بل محبة روحية إلهية. وإنى واثق تمامًا أنكم قد نلتم نعمة وغبطة عظيمة، عن طريق اكتشافكم لخزيكم وعاركم الخاص بكم، واهتمامكم بتقوية وتشديد وثبات جوهركم غير المنظور (إنسانكم الباطن) الذي لا يفنى ولا يضمحل مع الجسد. وبهذه الطريقة أعتقد أنكم تحصلون على النعمة والبركة والغبطة من هذا الزمان الحاضر. لذلك فلتكن هذه الكلمة واضحة دائمًا أمامكم، وهي أن لا تظنوا، في تقدمكم (في النعمة) وسيركم في الطريق (الروحى)، أن هذا هو من فضل أعمالكم، بل افهموا أن الفضل في هذا يرجع إلى قوة إلهية مقدسة تشترك معكم وتعينكم دائمًا في كل أعمالكم. اجتهدوا أن تقدموا ذواتكم كذبيحة لله دائمًا. واعطوا فرحًا لتلك القوة التي تعينكم، وابهجوا قلب الله في مجيئه، وكذلك كل جماعة القديسين، واعطوا فرحًا لي انا أيضًا ـ أنا المسكين البائس ـ الذي أسكن في هذا المسكن المصنوع من طين وظلمة. من أجل هذا فأنا أخبركم بهذه الأمور، لكي أنعش وأعزى نفوسكم، وأصلى، حيث إننا جميعًا من نفس الجوهر غير المنظور ـ الذي له بداية ولكنه بلا نهاية ـ أن نحب بعضنا بعضًا بمحبة واحدة. لأن كل الذين عرفوا أنفسهم، يعرفون أنهم جميعًا من جوهر واحد عديم الموت.

المسيح رأسنا ـ وضرورة المحبة بقوة:

          وأريدكم أن تعرفوا هذا، أن يسوع المسيح ربنا، هو نفسه عقل الآب الحقيقى وبه قد خُلقت كل الخلائق العاقلة على مثال صورته، وأنه هو نفسه، رأس الخليقة، ورأس جسده أي الكنيسة (كو15:1ـ18). لذلك فإننا جميعًا أعضاء بعضنا البعض ونحن جسد المسيح. والرأس لا تستطيع أن تقول للقدمين، لا حاجة لي إلىكما، وإن كان عضو واحد يتألم، فالجسد كله يتألم معه (أف25:4، 1كو26:12،27). أما إذا انفصل عضو وخرج من الجسد ولم يعد له اتصال بالرأس، بل يجد مسرته في أهواء وشهوات نفسه وجسده، فهذا معناه أن جرحه عديم الشفاء، وقد نسى أصل حياته وبدايتها ونسى نهايتها وغايتها. ولذلك فإن آب الخليقة كلها قد تحرك بالحنو والرحمة نحو جرحنا هذا، الذي لم يستطع أحد من الخلائق أن يشفيه، ولكن شفاءه هو بصلاح الآب وحده. الذي بصلاحه ومحبته، أرسل لنا ابنه الوحيد، الذي من أجل عبوديتنا أخذ صورة العبد (في7:2)، وبذل نفسه من أجل خطايانا، مسحوقًا لأجل آثامنا، وبجرحه شفينا جميعًا (إش5:53) ؛ وهو جمعنا من كل الجهات لكي يصنع قيامة لقلوبنا من الأرض ويعلمنا أننا جميعًا من جوهر واحد وأعضاء بعضنا لبعض. لذلك ينبغي علىنا أن نحب بعضنا بعضًا بقوة عظيمة. فإن الذي يحب أخاه، يحب الله، والذي يحب الله فإنه يحب نفسه.

قدموا ذواتكم ـ اطلبوا القوة من الأعإلى:

          لتكن هذه الكلمة ظاهرة أمامكم، يا أحبائي الأعزاء في الرب ـ الأبناء الإسرائيليون القديسون ـ وأعدوا أنفسكم للمجيء إلى الرب، لتقدموا ذواتكم كذبائح لله بكل نقاوة، تلك التي لا يستطيع أحد أن يحصل علىها بدون تطهير. أم تجهلون يا أحبائي، أن أعداء الصلاح يتآمرون دائمًا، مدبرين شرورًا ضد الحق؟ لأجل هذا أيضًا يا أحبائي، كونوا حريصين، ولا تعطوا عيونكم نومًا، ولا أجفانكم نعاسًا (مز4:132). وأصرخوا إلى خالقكم نهارًا وليلاً، لكي تأتيكم القوة والمعونة من الأعإلى، وتحيط وتحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح. حقًا يا أحبائي إننا متغربون الآن في بيت السارق، ومربوطون برباطات الموت. أقول لكم بالحقيقة، يا أحبائي، إن اهمالنا وحالتنا الوضيعة وانحرافنا عن طريق الرب، ليست خسارة وهلاك لنفوسنا فقط، ولكنها أيضًا سبب حزن وتعب للملائكة ولجميع القديسين في المسيح يسوع. حقًا يا أحبائي، إن انحطاطنا واستعبادنا، يسببان حزنًا عظيمًا لهم جميعًا، كما أن خلاصنا وسمونا ومجدنا هي سبب فرح وتهليل لهم جميعًا.

محبة الآب لا تتوقف:

          اعلموا أن محبة الآب ورأفته لاتتوقف أبدًا، فمنذ بداية تحركه بالمحبة من نحونا وإلى إلىوم، وهو لا يكف عن العمل لخيرنا وخلاصنا، لكي لانجلب الموت على أنفسنا بسبب سوء استعمال الإرادة الحرة التي خلقنا بها. لأجل هذا فإن الملائكة أيضًا يحيطون بنا في كل الأوقات كما هو مكتوب ” ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم ” (مز7:34).

          والآن يا أحبائي أريدكم أن تعرفوا، أنه منذ بدأت حركة محبة الله نحونا حتى الآن، فإن كل الذين ابتعدوا عن الصلاح وسلكوا في الشر، يُحسبون أنهم أبناء إبليس، وجنود إبليس يعرفون ذلك ولهذا السبب يحاولون أن يحولوا كل واحد منا لنسير في طريقهم.

الكبرياء والبغضة تقطعنا عن الله:

          ولأن الشياطين يعرفون، أن إبليس سقط من السماء عن طريق الكبرياء، لهذا السبب أيضًا فإنهم يهاجمون أولاً، أولئك الذين بلغوا درجة عإلىة (في الفضيلة)، محاولين ـ بواسطة الكبرياء والمجد الباطل ـ أن يحركوهم الواحد ضد الآخر. وهم يعرفون ـ أنهم بهذه الطريقة ـ يستطيعون أن يقطعوننا عن الله، لأنهم يعلمون أن من يحب أخاه يحب الله، ولهذا السبب فإن أعداء الصلاح يزرعون روح الانقسام في قلوبنا، لكي نمتلئ بعداوة وبغضة شديدة ضد بعضنا البعض، لدرجة أن الإنسان في هذه الحالة لا يستطيع أحيانًا أن يرى أخاه أو أن يحدثه ولو من بعيد.

أهمية التمييز والتواضع:

          حقًا، يا أحبائي، إنى أريدكم أن تعرفوا أن كثيرين قد سلكوا طريق النسك طوال حياتهم، ولكن نقص التمييز والإفراز تسبب في موتهم. حقًا يا أحبائي، إنكم إذا أهملتم نفوسكم، ولم تميزوا أعمالكم وتمتحنوها فلا أظن أنه يكون أمرًا عجيبًا أن تسقطوا في يدىّ إبليس بينما أنت تظنون أنكم قريبون من الله، وبينما أنتم تنتظرون النور تستولي علىكم الظلمة. فأي احتياج كان ليسوع حتى يمنطق نفسه بمنشفة ويغسل أرجل من هم أقل منه ـ إلاً لكي يعطينا مثالاً، ولكي يعلم أولئك الذين سيأتون ويتحولون إلىه لينالوا منه الحياة من جديد؟ (أنظر يو4:13ـ17). لأن بداية حركة الشر كانت هي الكبرياء التي حدثت أولاً. ولهذا فبدون اتضاع عظيم بكل القلب والعقل والروح والنفس والجسد، لن تستطيعوا أن ترثوا ملكوت الله.

من يعرف موته يعرف حياته الأبدية:

          حقًا يا أحبائي في الرب، إني أصلي نهارًا وليلاً إلى إلهي الذي نلت منه عربون الروح (2كو22:1)، أن يفتح عيون قلوبكم لتعرفوا المحبة التي عندي من نحوكم، ويفتح آذان نفوسكم لكي تكتشفوا ارتباككم. فإن من يعرف خزيه، فإنه يسعى من جديد لطلب النعمة التي وُهبت له: والذي يعرف موته يعرف أيضًا حياته الأبدية.

التطلع للرؤيا وجهًا لوجه:

إنى أكلمكم يا أحبائي، كأناس حكماء: إنى أخاف لئلا يستولي علىكم الجوع في الطريق، بينما كان من المفروض أن نصير أغنياء. كنت أرجو أن أراكم وجهًا لوجه في الجسد. ولكننى اتطلع إلى الأمام، إلى الوقت القريب، الذي فيه سنصير قادرين على أن نرى بعضنا البعض وجهًا لوجه حينما يهرب الألم والحزن والتنهد، ويكون الفرح على رؤوس الجميع(إش10:35).

          وهناك أمور أخرى كثيرة أريد أن أخبركم بها. ولكن ” أعط فرصة حكمة للحكيم فيزداد حكمة ” (أم9:9).

          سلامى لكم جميعًا، يا أحبائي الأعزاء كل واحد باسمه.

الرسالة السابعة

السقوط والنعمة:

          أحبائي ” إنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلنا افتقر وهو غنى لكي نستغني نحن بفقره “(2كو9:8). انظروا إنه قد صار عبدًا، فجعلنا احرارًا بعبوديته، وضعفه قد شددنا وأعطانا القوة، وجهالته قد جعلتنا حكماء. وأيضًا بموته صنع قيامة لنا. حتى نستطيع أن نرفع صوتنا عإلىا ونقول ” وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لانعرفه بعد كذلك، ولكن إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كو16:5ـ17).

          حقًا يا أحبائي الأحباء في الرب، إنى أخبركم أنه فيما يخص نواحى الحرية التي تحررنا بها، فلا يزال عندى أشياء أخرى كثيرة لأقولها لكم، ولكن ليس هناك وقت الآن لذلك. الآن أحييكم جميعًا يا أحبائي الأعزاء في الرب، أيها الأبناء القديسون الإسرائيليون في جوهركم العقلي (حسب حياتكم الروحية). حقًا إنه من المناسب لكم، يا من اقتربتم من خالقكم، أن تطلبوا خلاص أنفسكم بواسطة ناموس العهد المغروس (في الداخل). ذلك الناموس الذي جف وتوقف بسبب كثرة الأثم، وإثارة الشر، واشتعال الشهوات، وانعدمت حواس النفس، ولذلك لمن نعد قادرين على إدراك الجوهر العقلي المجيد (الإنسان الباطن)، بسبب الموت الذي سقطنا فيه. لذلك كما هو مكتوب في الكتب الإلهية “كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سَيُحيا الجميع “(1كو22:15). لذلك فإنه هو الآن حياة كل طبيعة عاقلة مخلوقة على مثال صورته، وهو نفسه(المسيح) عقل الآب وصورته غير المتغيرة (عب3:1). أما المخلوقات المصنوعة على صورته فإنها من طبيعة متغيرة لأن الشر قد دخل فينا، وبه متنا جميعًا، حيث أنه غريب عن طبيعة جوهرنا العقلي (الروحى). ومن خلال كل ما هو غريب عن طبيعتنا، صنعنا لأنفسنا منزلاً مظلمًا ومملوءًا بالحروب. وأشهد الآن لكم أننا قد فقدنا كل معرفة الفضيلة. ولذلك فإن الله أبونا رأي ضعفنا، ورأي أننا أصبحنا غير قادرين أن نلبس لباس الحق بطريقة سليمة، لذلك جاء لكي يفتقد خلائقه بواسطة خدمة قديسيه.

محبة الله غير المحدودة:

          أتوسل إلىكم جميعًا في الرب، يا أحبائي، أن تفهموا ما أكتبه لكم، لأن محبتى لكم ليست محبة جسدية، بل محبة روحية إلهية. لذلك أعدوا أنفسكم للمجيء إلى خالقكم، “ومزقوا قلوبكم لاثيابكم ” (يؤ13:2) ؛ وأسألوا أنفسكم ماذا نستطيع ” أن نرد للرب من أجل احساناته لنا ” (مز11:116)، الذي حتى ونحن في مسكننا هنا، وفي مذلتنا، ذكرنا في صلاحه العظيم وحبه غير المحدود ” ولم يصنع معنا حسب خطايانا ” (مز10:103)، وهو الذي سخر لنا الشمس لتخدمنا في بيتنا المظلم هذا، وعين القمر وجميع الكواكب لأجل خدمتنا، وجعلهم يخضعون للبطل الذي سيبطل (انظر رو20:8) وذلك لأجل تقوية أجسادنا. وتوجد أيضًا قوات أخرى كثيرة قد جعلها لخدمتنا، وهي قوات لا نراها بالعين الجسدية.

          والآن بماذا سنجيب الله في يوم الدينونة، وأي خير ينقصنا، وهو لم يهبنا إياه؟ ألم يتألم رؤساء الآباء لأجلنا ألم يمت الأنبياء لأجل خدمتنا؟ أو لم يُضطهد الرسل من أجلنا؟ أو لم يمت ابنه المحبوب لأجلنا أجمعين؟ والآن ينبغي أن نعد أنفسنا لملاقاة خالقنا في قداسة. لأن الخالق رأي خلائقه ـ وحتى القديسين ـ لم يستطيعوا أن يشفوا الجرح العظيم الذي لأعضائهم. لذلك لكونه أب المخلوقات، فإنه عرف ضعف طبيعتهم جميعًا، وأظهر لهم رحمته، بحسب محبته العظيمة. ولم يشفق على ابنه الوحيد لأجل خلاصنا جميعًا بل بذله لأجل خطايانا (أنظر رو32:8). وهو مسحوق بآثامنا وبجلداته شُفينا (إش4:53). وجمعنا من كل الجهات بكلمة قدرته، حتى يصنع قيامة لعقولنا (أرواحنا) من الأرض، معلمًا إيانا أننا ” أعضاء بعضنا لبعض ” (أف25:4).

معرفة تدبير يسوع لأجلنا:

          لذلك يجب علينا في اقترابنا من الله أن ندرب عقولنا وحواسنا لنفهم ونميز الفرق بين الخير والشر، ولكي نعرف تدبير يسوع الذي صنعه في مجيئه، كيف أنه جُعل مثلنا في كل شئ ما عدا الخطية وحدها (عب14:4). ولكن بسبب أثمنا العظيم، وإثارة الشر، وتقلباتنا المحزنة، فإن مجئ يسوع صار جهالة في نظر البعض، وللبعض عثرة، وأما للبعض الآخرين فهو ربح، وللبعض حكمة وقوة، وللبعض قيامة وحياة (1كو23:1ـ24). وليكن هذا واضحًا لكم، أن مجيئه قد صار دينونة لكل العالم. لأنه يقول “ها أيام ستأتى يقول الرب، وسيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، ولا يعلمون كل واحد قريبه وكل واحد أخاه قائلاً إعرف الرب؛ وسأجعل أسمى يصل إلى كل أطراف الأرض: لكي يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله؛ لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله ” (إر34:31، رو19:3،21:1). وبسبب غباوتهم لم يستطيعوا معرفة حكمته، بل إن كل واحد منا باع نفسه لعمل الشر بإرادته وصار عبدًا للخطية.

الحرية بالمسيح:  

          لهذا السبب أخلي يسوع نفسه وأخذ صورة عبد (في7:2)، لكيما يحررنا بعبوديته. ونحن قد صرنا أغبياء، وفي غباوتنا وجهالتنا ارتكبنا كل أنواع الشر، ولذلك أخذ شكل الجهالة حتى بجهالته نصبح حكماء. وقد صرنا فقراء وفي فقرنا افتقرنا إلى كل صلاح وفضيلة، لذلك أخذ شكل الفقر لكي بفقره نصبح أغنياء في كل حكمة وفهم (2كو9:8). وليس هذا فقط بل إنه أخذ شكل ضعفنا حتى بضعفه نصبح أقوياء. وأطاع الآب في كل شئ حتى الموت موت الصليب (في8:2)، لكي بموته يقيمنا جميعًا. لكي يبيد ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (عب14:2). فإذا تحررنا بالحقيقة بواسطة مجيئه وتشبهنا بتواضعه فإننا نصير تلاميذ للمسيح، ونرث معه الميراث الإلهي.

حقًا يا أحبائي في الرب إنني منزعج جدًا ومضطرب في روحي لأننا نلبس ثوب الرهبنة ولنا اسم القديسين، ونفتخر بهذا أمام غير المؤمنين. وأنني أخشى لئلا تنطبق علينا كلمة بولس الذي يقول لهم صورة التقوى ولكنهم ينكرون قوتها” (2تى5:3). وبسبب المحبة التي عندي من نحوكم، أصلي إلى الله من أجلكم، أن تفكروا بعمق في حياتكم، وأن ترثوا الأمجاد غير المنظورة.

          حقًا يا أحبائي اننا حتى إذا أكملنا عملنا بكل قوتنا في طلب الله فأي شكر نستحق؟ لأننا نطلب فقط مكافأة لنا؛ نحن فقط نطلب ما يتفق مع طبيعة حياتنا الروحية وجوهرنا العقلي. لأن كل إنسان يطلب الله ويخدمه بكل قلبه، فإنما يفعل ذلك وفقًا لجوهره وهذا طبيعي بالنسبة له. أما إن صدرت منا خطية، فإنما هي غريبة عن طبيعة جوهرنا (الروحى).

الذبيحة والآلام:

          يا أحبائي الأعزاء في الرب يامن أنتم مستعدون لتقديم انفسكم ذبيحة لله بكل قداسة، إننا لم نخف عنكم أي شئ نافع، بل أظهرنا لكم كل ما قد رأيناه: أن أعداء الصلاح يدبرون الشر دائمًا ضد الحق. وخذوا من هذا كلمة منفعة بأن ” الذي حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح” (غل29:4). “وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون ” (2تى12:3).

          ولأن يسوع عرف كل الآلام والتجارب التي ستأتي على الرسل في العالم، وانهم بصبرهم سيقضون على قوة العدو، أي عبادة الأوثان، لذلك عزاهم بقوله ” في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم ” (يو33:16). وعلمهم قائلاً ” لا تخافوا من العالم لأن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا. إن كانوا قد اضطهدوا الأنبياء الذين قبلكم، فسيضطهدونكم، وإن كانوا يبغضوننى فسيبغضونكم أيضًا. ولكن لا تخافوا: لأنكم بصبركم ستبطلون كل قوة العدو ” (رو 18:8، مت 12:5، يو20:15، لو19:21).

ما نحتاج أن نعرفه لنتحرر:

          أما عن معاني الحرية التي نلناها فعندى الكثير، ولكن أعط فرصة للحكيم فيصير أوفر حكمة (أم9:9). ومع ذلك فإننا نحتاج إلى التعزية المتبادلة بكلماتنا البسيطة. ولمحبتى فيكم كلمتكم بهذه الكلمات القليلة الروحانية لتعزية قلوبكم، لأني أعلم أنه إذا كان العقل قد بلغ الإدراك الحقيقى فلا يحتاج إلى كثرة الكلام الجسدانى. ولكننى أفرح بكم جميعًا أيها المحبوبون في الرب، أنتم الأبناء القديسون الإسرائيليون في جوهركم العقلي. لأن أول ما يحتاج إلىه الإنسان العاقل هو (أ) أن يعرف نفسه. (ب) ثم بعد ذلك يحتاج أن يعرف أمور الله، وكل الهبات السخية التي تهبها نعمة الله دائمًا وأبدًا للإنسان. (ج) وبعد ذلك يحتاج أن يعرف أن كل خطيئة وكل أثم إنما هي غريبة عن طبيعة جوهره العقلي (الروحى). وأخيرًا إذ رأي الله أنه باختيارنا قد صارت لنا هذه الأشياء الغريبة عن طبيعتنا الروحية وأصبحت هي سبب موتنا هنا، لهذا السبب تحرك بالرحمة نحونا وبصلاحه أراد أن يرجعنا ثانية إلى تلك البداية التي بلا نهاية، (أي حالتنا الأولي التي لأموت فيها) وافتقد خلائقه، ولم يشفق على نفسه لأجل خلاصنا جميعًا. لقد بذل نفسه لأجل خطايانا (غل4:1) وصار مسحوقًا بسبب آثامنا، ولكننا بجلداته شُفينا (إش4:53). وبكلمة قدرته جمعنا من كل مكان من أقصاء الأرض إلى أقصائها، وعلمنا أننا أعضاء بعضنا لبعض (أف25:4). لذلك فإن كنا قد تهيأنا وعزمنا أن نحرر أنفسنا بواسطة مجيئه إلىنا، فلنمتحن أنفسنا كأناس عاقلين لنرى ماذا يمكننا ” أن نرد للرب من أجل حسناته التي صنعها معنا”(مز11:116). وهكذا أنا أيضًا، المسكين البائس الذي أكتب هذه الرسالة، إذ قد نبه عقلي من نوم الموت بنعمته، قد صرفت معظم زمان عمري على الأرض باكيًا منتحبًا وأنا أقول ” ماذا يمكننى أن أرد للرب من أجل كل حساناته التي صنعها معى”. فليس هناك شئ ينقصنا إلاّ وقد تممه لنا وعمله لأجلنا ونحن في مذلتنا. فقد جعل ملائكته خدامًا لنا. وأمر أنبيائه أن يتنبأوا، ورسله أن يكرزوا لنا بالإنجيل. والتدبير الذي هو أعظم كل تدبيراته أنه جعل ابنه الوحيد يأخذ صورة عبد لأجلنا.

لنطهر قلوبنا بالتوبة لنرث الميراث والروح المعزى:

          لذلك فإنى أتوسل إلىكم، يا أحبائي في الرب، أنتم الوارثون مع القديسين، أن تنهضوا عقولكم في مخافة الله. لأنه يجب أن تكون هذه الكلمة واضحة لكم، أن يوحنا السابق ليسوع عمد بالماء للتوبة لمغفرة الخطايا ليجتذبنا إلى معمودية ربنا يسوع الذي عمد بالروح القدس والنار. فلنستعد الآن بكل قداسة أن ننقى ذواتنا جسدًا وروحًا لنقبل معمودية ربنا يسوع المسيح، لكي نقدم ذواتنا ذبيحة لله. والروح المعزى يعزينا ليردنا ثانية، إلى حالتنا الأولي فنستعيد الميراث وملكوت ذلك الروح المعزى نفسه. واعلموا أن ” كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح، ليس ذكر أو أنثى، ليس عبد ولا حر ” (غل27:3،28). وحينما ينالون تعلىم الروح القدس تبطل منهم حركات الأفكار الجسدانية في ذلك الوقت، حينما ينالون الميراث المقدس ويسجدون للآب كما يجب بالروح والحق” (يو24:4). ولتكن هذه الكلمة واضحة لكم، ولا تنتظروا دينونة آتية عندما يأتى يسوع ثانية، لأن مجيئه (الأول) قد سبق وصار دينونة لنا أجمعين.

          لذلك اعلموا الآن أن القديسين والأبرار، الذين لبسوا الروح، يصلون دائمًا لأجلنا لكيما ننسحق أمام الله ونتحد بربنا ونلبس ثانية ذلك الثوب الذي خلعناه، والذي كان لنا منذ البدء أي صورتنا الأولي الروحية التي خلعناها بالمخالفة. لأنه كثيرًا أيضًا ما جاء ذلك الصوت من الله الآب إلى كل الذين لبسوا الروح قائلاً لهم: ” عزوا عزوا شعبي يقول الرب. أيها الكهنة كلموا قلب أورشليم ” (إش1:40، 2س). لأن الله دائمًا يفتقد خلائقه ويسكب عليهم صلاحه.

          بالحقيقة يا أحبائي، إنه يوجد معاني للحرية التي بها قد تحررنا ويوجد أشياء أخرى كثيرة لأخبركم بها. ولكن الكتاب يقول: ” اعطى فرصة للحكيم فيكون أوفر حكمة ” (أم9:9). ليت إله السلام يعطيكم نعمة وروح الإفراز، لتعرفوا أن ما أكتبه إلىكم هو وصية الرب. وليحفظكم إله كل نعمة مقدسين في الرب إلى آخر نسمة من حياتكم، إني أصلي إلى الله دائمًا لأجل خلاصكم جميعًا، يا أحبائي في الرب. نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم جميعًا. آمين.

[1] يخاطب القديس أنطونيوس أولاده فى مختلف الرسائل بلقب الإسرائيليين، أو الإسرائيليين حسب الجوهر العقلى، وهذه العبارة تفيد أن إسرائيل الحقيقى هو الشعب الجديد أى المؤمنين بالمسيح، أعضاء جسد المسيح، أنظر الرسالة الثالثة التى يشرح فيها معنى “إسرائيل” ـ أى “العقل الذى يرى الله” عن طريق معرفة يسوع المسيح الذى هو اسم الحق.

[2] أرسينوى بالفيوم

رسائل القديس أنطونيوس ج2

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

للقراءة أيضًا: 

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

 

للمساهمة في استمرار خدمة فريق اللاهوت الدفاعي وفي تطوير خدماته:

https://www.patreon.com/difa3iat

يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).

[اضغط هنا للقراءة والتحميل]

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون 

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون [1] 

الأستاذ بجامعة لوند بالسويد

 

لا يوجد مصري واحد معروف ومشهور فى تاريخ المسيحية كلها أكثر من القديس أنطونيوس . ورغم وجود كثير من البطاركة ومعلمو الأسكندرية المشهورين ، فإن اسم هذا الراهب البسيط الذى اختلى فى الصحراء ، هو الذى جذب أكبر انتباه خلال الـ1600 عامًا الماضية .

إن سيرة حياته كانت ولا تزال واحدة من أكثر الكتب المقروءة انتشارًا فى كل التاريخ المسيحى ، وقد ألهمت سيرته ليس الرهبان فقط من كل أنحاء العالم، بل ألهمت أيضًا مؤلفين مشهورين ورسامين مشهورين مثل ماتياس جرينوالد M. Gruenwald، هيرونيموس بوسكس Hier. Boschs، جوستاف فلاوبرت، لارز جايللينستن Lars Gyllonsten.

إن صورة القديس أنطونيوس كما وصلتنا فى كتاب ” حياة الأنبا أنطونيوس ” بقلم القديس أثناسيوس ، بطريرك الأسكندرية الشهير فى القرن الرابع ، قد صارت على مدى التاريخ النموذج القياسى للدعوة الرهبانية ، وهى بالنسبة لكثيرين ، افضل شرح لـ: ماذا يعنى أن يكون الإنسان مسيحيًا ؟

وفى مشروع بحث تموله الحكومة النرويجية يحاول 20 عالمًا من السويد والنرويج حاليًا أن يكتشفوا وأن يصفوا ماذا كان يعنى فعلاً وحقًا بالنسبة للناس والمجتمع فى القرنين الثالث والرابع أن المسيحية صارت هى ديانة الإمبراطورية . وما هى التأثيرات التى حدثت ، وكيف تغيرت طرق التفكير . إن عنوان هذا البحث هو : ” المسيحى . صياغة هوية جديدة فى التاريخ القديم المتأخر Late Antiquity ” . وبدون نقاش كثير فقد صارت ” حياة أنطونيوس بسرعة فى بؤرة التركيز into Focus .

ما هى الشخصية المسيحية وكيف كانت تفهم، وكيف كانت تختلف عن الشخصية الوثنية . وربما تبدو هذه أكثر وضوحًا فى هذه “الحياة ” (السيرة) من أى نص آخر من نصوص ذلك العصر .

ولكى نمسك بروحانية القديس أنطونيوس ، من الضرورى أن نبدأ بالحديث عن ” حياة أنطونيوس “، وهى السيرة التى كتبها القديس أثناسيوس . فروحانية هذا الكتاب ” الحياة ” قد كان لها أكبر الأثر وصارت مرادفة لشخص أنطونيوس نفسه. وطوال المائة سنة الأخيرة فإن باحثون كثيرون قد حللوا هذا النص من جميع زواياه . هل الذى كتبه هو القديس أثناسيوس ؟ وهل اعتمد على أية مصادر؟ وهل يُعتمد عليه (يوثق به) تاريخيًا historically reliable ؟ وهل نحن نلتقى فى هذا الكتاب بأنطونيوس نفسه، أم أن ما نقرأه هو الصورة المثالية التى رسمها البطريرك أثناسيوس ؟

وبالمقارنات مع النصوص الأخرى التى كتبها أثناسيوس وكذلك الإشارات إلى المراجع التاريخية، فقد اقتنع كل الباحثين تقريبًا أن نسبة هذا الكتاب للقديس أثناسيوس ، هى صحيحة. والنص الآخر الذى يُعتمد عليه فى هذا المجال هو ” رسائل القديس أنطونيوس ” . والتى سأعود للحديث عنها بعد ذلك .

والآن نحتاج أن نفحص بعمق ” سيرة حياته ” نفسها ، ونحاول أن نفهم منها كيف ترسم لنا روحانية القديس أنطونيوس ، وكيف تريد هذه السيرة لنا أن نفهم حياته الموضوعة أمامنا كنموذج ” لحياة مسيحية حقيقية ” ، كما ورد فى مقدمة الكتاب .

ولكى نكتشف أين يوجد تشديد الكاتب نفسه ، يلزمنا أن نلاحظ كيف يبدأ النص وكيف ينتهى هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى إن أمكن أن نجد أية تعبيرات أو أفكار متكررة . ولكى يمكننا أن نحقق هذه الناحية الثانية الخاصة بالتعبيرات المتكررة ينبغى فى جميع الأحوال أن نفحص بعناية تامة كيفية تركيب النص، وكيف تبدأ أجزاءه الصغيرة وكيف تنتهى .

وفى كل الكتابات يتم التأكيد على بعض الأفكار بوضع تعبيرات معينة فى بداية الجملة أو فى نهايتها ، أو فى بداية كل فصل أو فى نهايته أو فى بداية الكتاب أو فى نهايته . فالقارئ يتأثر دائمًا اكبر تأثرًا بالبدايات والنهايات . كان أنطونيوس رجلاً زاهدًا فى الحركة وزاهدًا فى الشهرة ، فهو لم يكن يريد أن يصير معروفًا على الإطلاق. ومنذ البداية ـ قيل عنه إنه اشتاق أن يمكث بالبيت بكل بساطة ، واشتاق أن لا يتعلم ، وقد قيل فى الفصل الأخير ـ إن معجزة قد حدثت حتى أن ذاك الذى تحاشى كل علانية وعاش منفردًا فى جبل قد صار مشهورًا فى العالم كله.

وهذا الأمر يتكرر فى مواضع عديدة . فحينما دخل أنطونيوس تدريجيًا إلى الصحراء ـ تؤكد السيرة دائمًا أنه كان يعيش وحده ، وأن كل ما حدث له إنما أثناء اعتزاله فى مكانه الخاص. وفى الفصول الـ15 الأولى من الكتاب نجد أن أنطونيوس ليس عنده شئ يقوله (للآخرين)، وأنه لم يكن له تلاميذ ، ولا أصدقاء. وإنه حينما استقر فى البرية الداخلية وجد سلامًا فى عزلته.

وعلى مستوى أعمق سوف نجد أن هذا التأكيد على العزلة والخلوة يرتبط بفكرة هامة أخرى : وهى فكرة المحافظة على الطبيعة الأصلية. أما كون أنطونيوس لا يذهب إلى المدرسة ـ فكما أوضحت فى كتابى ـ فإن هذا لا علاقة له بمعرفة القراءة أو عدم معرفتها، إنما هذا يدل على أن روحانيته لم تُكتسب من الخارج ، أى ليست من صنع الإنسان ، بل هى موهوبة له من الله خالقه.

ومرة تلو مرة يستعمل المؤلف كلمات وتعبيرات تشير إلى الحماية والحفظ فى مقابل الاضطراب والتغير. وتوصف أهمية ما هو طبيعى بصورة حية جدًا فى فصل 14 حينما يخرج أنطونيوس من صومعته التى قيل عنها إنه عاش فيها 20 سنة فى عزلة كاملة . ويُقال هنا إنه لم يتغير بالمرة، فهو لم يصر نحيلاً من الصوم ولا صار بدينًا من قلة التمرن . كان فى توافق كامل بحسب حالته الطبيعية والأصلية . وبالنسبة للمؤلف ، فإن جسده هو علامة تدل على الثبات الداخلى الكامل.

وفى أحد الفصول الأخيرة يتكرر نفس الحديث فيُقال هذه المرة إن أنطونيوس البالغ من العمر 105 سنة والذى كان على وشك الوفاة، قد احتفظ بصحة جسمية كاملة، فعيناه لم تكلاً ولم يفقد ولا سنّة واحدة من أسنانه ويداه ورجلاه كانت كلها فى صحة كاملة. لقد كان فى حالة أفضل من أولئك الذين يحاولون أن يحسّنوا ما قد أعطاه الله بأنواع من الأطعمة والحمامات المترفة . وكما قلت ، فقد كان جسد أنطونيوس علامة تشير إلى شئ روحانى.

فحفظ الجسم وصحته إنما هى العلامة الخارجية فقط لفكرة تتخلل كل سيرة الحياة: فمعرفة الله مرتبطة بمعرفة النفس معرفة حقيقية. فمعرفة الله لا تأتى من الخارج بالتعلّم ، بل من الداخل ، بأن يكون الإنسان أمينًا لخلقته الأصلية. وفى المجادلات مع الفلاسفة التى يحاول المؤلف فيها أن يشرح الصفات المسيحية لفلسفة أنطونيوس ، أى يشرح طريقة معيشته، نجد أن أنطونيوس يخبر الفلاسفة ، أن اليونانيون يتعبون باطلاً بأسفارهم فى كل مكان لأجل الحصول على المعرفة فى حين أن المعرفة الحقيقية إنما توجد فى داخل الإنسان .

والقراءة المدققة لعظة أنطونيوس الموجهة للرهبان تظهر نفس التشديد ولكن من منظور آخر . نجد هنا أن أنطونيوس يحاول أن يخبر تلاميذه كيف يعرفون إن كانت الرؤى أو الأفكار آتية من الله أم من الشياطين . فالقديس أنطونيوس يقول إن الشياطين يسببون القلق على الدوام ، إنهم يحاولون أن يقسّموا ويمزقوا ؛ بينما الملائكة يسببون السلام والهدوء ويقودون إلى الوحدة بدلاً من التفرق.

ولكن هل هذا يعنى أن روحانية القديس أنطونيوس ـ بحسب كتاب سيرته ـ هى روحانية ترفض وجود أية علاقات مع الآخرين ، أو مع المحتاجين ؟ كلا . فالسيرة تنقسم إلى قسمين متميزين تمامًا .

القسم الأول يصف خلوة أنطونيوس وتكوينه الروحى فى حياة الوحدة ويسجل عظته الطويلة التى يلخص فيها تعليمه. وينتهى القسم الأول بالقول إن أنطونيوس صار مثل الشهداء بسكناه فى البرية الداخلية . أما القسم الثانى فيخبرنا عن اهتمامه بالعالم. وفى هذا القسم يلتقى أنطونيوس أولاً بمجموعة من الناس يطلبون المساعدة ، ويلتقى بعد ذلك بمجموعة من الفلاسفة ، وأخيرًا بمجموعة من ممثلى الدولة .

ليس هناك شك أن المؤلف يريدنا أن نرى فى أنطونيوس، راهبًا يشفى المرضى، ويصنع السلام بين المتخاصمين ويتشفع لأجل الفقراء، ويدحض الهرطقات ويقاوم ذوى السلطان. والنظرة الفاحصة إلى هذه الفصول من الكتاب تكشف أنها قد كُتبت بطريقة واعية تمامًا. وفى كل هذه الفصول نجد أنها تحتفظ بمسافة معينة. فحينما يأتى المرضى إلى أنطونيوس، فهو يخبرهم أن يعودوا إلى بيوتهم لينالوا الشفاء هناك. إنه لا يلمسهم ، حيث إنه ليس هو الذى يشفى بل “الرب“.

فهو يظل فى عزلته ويشفى من بعيد. وفى لقائه مع الهراطقة يضع نفسه خلف رؤساء الكنيسة ويتحاشى أية مقابلات عن قرب. والأمر ذو الدلالة العظيمة. فإن علاقاته مع السلطة العليا ـ مع الإمبراطور ـ رغم أنه إمبراطور مسيحى ، ومع الحاكم المُعين منه ، إنما تتم فقط بواسطة الرسائل . وفى كل معاملاته مع العالم فإن أنطونيوس لا يترك خلوته الداخلية ، لا يتخلى عن سلامه وهدوئه .

 

ولكى نلخص روحانية القديس أنطونيوس كما وصفتها سيرة حياته ، فيمكننا أن نقول إن أنطونيوس كان مبتعدًا بطريقة ما عن حدود المكان والزمان فهو ـ كما لو كان ـ موضوع خارج القيود التى يختبرها البشر . فهو ـ كما تؤكد السيرة فى النهاية ـ حاضر فى كل مكان حيث إنه مختفى عن كل إنسان. هو غير مرتبط بأى شئ ، وغير متأثر بأى شئ ولا معتمد على أى شئ حصل عليه من العالم ـ أى من الناس ومن حضارتهم.

فهو ـ كما يقول المؤلف متعلم من الله فقط ـ وتنبع قوته من السلام الداخلى ومن الانسجام الداخلى المتأصل فى طبيعته الروحية الأصلية . والأمر الضرورى ـ بالنسبة لسيرة حياة أنطونيوس ـ أن يظل الإنسان على الحالة التى خُلق عليها .

 

إن روحانية أنطونيوس هى روحانية تجد أصولها فى الاقتناع الأكيد بأن الإنسان مخلوق على صورة الله، وأن الفضيلة لا تُكتسب ، بل تحتاج فقط أن نحافظ عليها .

والآن ، بعد أن حصلنا على هذه النظرة لروحانية “سيرة أنطونيوس” ، يمكن أن ننتقل إلى رسائل القديس أنطونيوس لنسأل إن كانت تحمل إلينا نفس الروحانية. ولكى نركز الحديث على روحانية هذه الرسائل ، فإنى لن أتحدث عن محتواها ولن أناقش كل المشاكل اللاهوتية التى تنتج من تحليل محتواها ، ولكنى أشير فقط إلى نقطتين هامتين فى تكوين روحانية هذه الرسائل .

 

النقطة الأولى هى ، وحدة المعرفة . فالتشديد على المعرفة هو أحد الملامح البارزة للرسائل . فكاتب الرسائل يؤكد مرة تلو أخرى على أهمية المعرفة والفهم . وكل الرسائل تقريبًا تختم باقتباسين من سفر الأمثال 9:9 ومن رسالة كورنثوس الأولى 15:10 والاقتباسان يتحدثان عن أهمية الحكمة . فبدون أن يعرف الإنسان نفسه ـ أو كما يعبر القديس أنطونيوس ـ بدون أن يعرف الإنسان جوهره الروحى ، فإنه لا يستطيع أن يعرف الله ، لا يستطيع الإنسان أن يدرك أعمال الله الخلاصية.

فالإنسان، بإدراكه لنفسه تمامًا يستطيع فقط أن يعرف زمانه وبالتالى أن يعرف كيف يعبد الله عبادة لائقة. ورغم أن الإشارات إلى المعرفة متنوعة جدًا وموضوعات المعرفة تختلف عن بعضها، إلاّ أن الرسائل تشدد دائمًا على أن كل أنواع المعرفة مرتبطة ببعضها؛ فمعرفة الله ومعرفة النفس ومعرفة الزمان، ومعرفة الخلاص، كل هذه تعتمد كل منها على الأخرى.

 

ولكى ندرك أهمية المعرفة فى روحانية أنطونيوس ينبغى أن نعرف ، ما الذى يعنيه أنطونيوس عندما يتحدث عن المعرفة ، وذلك لكى نعرف مفهوماته الأساسية . إن القراءة المدققة للرسائل تكشف أن أنطونيوس يمثل نفس النظرة الأساسية عن المعرفة مثل مدرسة الأسكندرية بميراثها الأفلاطونى ، فهذه النظرة ترى أنه : “أن تعرف” هو أن تصير جزءً من شئ .

فالمعرفة ليست أن تملك معلومة عن شئ ، بل أن تشاكله وتتوافق معه. وأكثر من ذلك فإنك تستطيع فقط أن تعرف ذلك الذى يملك ميلاً طبيعيًا نحوك أنت الذى تعرفه. الإنسان يستطيع أن يعرف الله حيث إن الإنسان له صلة بالله، ليس فقط بأن تكون عنده معلومات عن الله ؛ بل أن يكون له نصيب حقًا فى طبيعة الله، ولذلك فالمعرفة لا تحصل بجمع المعلومات والتعاليم، بل أن نأتى لنعرف ، نأتى لنقترب منه ولكى نحيا معه. المعرفة تفترض وجود المحبة.

لذلك من السهل أن نفهم أنه رغم أن أنطونيوس يتكلم عن أنواع مختلفة من المعرفة ، إلاّ أن المعرفة واحدة. وإضافة إلى ذلك ، فمن الواضح أن المعرفة التى يكتب عنها أنطونيوس هى المعرفة الروحية، وهى معرفة تأخذ أصولها من الجوهر الروحى للإنسان . والتقدم فى المعرفة هو الاقتراب أكثر إلى الله ، أن يصير الإنسان أكثر فأكثر إدراكًا لذاك الذى يتجاور كلماتنا. المعرفة تختلف عن العقيدة .

فكلمات الإنجيل ، وتعاليم الكنيسة هى نقطة انطلاق، أما المعرفة الحقيقية فتكمن فى الالتصاق بالله التصاقًا حميمًا بالحب. وحدة كل أنواع المعرفة لا توجد فى العقائد بل فى قلب الله.

 

النقطة الثانية فى روحانية رسائل أنطونيوس هو وحدة الكيان ، وكما سبق أن ذكرنا، فإن أنطونيوس يرى أن الشرط المسبق لكل معرفة حقيقية هو فى الجوهر الروحى للإنسان، وهو جوهر متصل بالله اتصالاً وثيقًا . وفى محاولاته أن يشرح هذا ، فإن أنطونيوس يعكس تحليل أوريجينوس عالم مدرسة الأسكندرية العظيم. وبحسب الرسائل ، فإن جوهر الإنسان الداخلى هو جزءه الروحانى ، أى عقله .

كل البشر يشتركون فى نفس الجوهر الروحى ، وينتمون إلى بعضهم البعض فى أرواحهم ، وفى الواقع فإن كل ما هو روحى يشترك فى نفس الكيان، بل حتى إبليس والشياطين أيضًا يشتركون فيه . ولكن عند السقوط تحطمت هذه الوحدة الروحية . والله لكى يخلص الإنسان ، فإنه خلق العالم وأعطى للإنسان جسدًا وهو ما لم يحصل عليه الشياطين ، ولذلك هم يحسدون الإنسان.

وبواسطة الجسد يستطيع الإنسان أن ينمو فى الفضيلة وفى المعرفة ، ولكن فى الوقت نفسه فإن الجسد يجذب الإنسان إلى أسفل ويضع حدًا لحياته. الجسد يخلص عن طريق التجسد، وهكذا تُستعاد الوحدة ويستطيع الإنسان أن يرجع إلى الله وإلى جوهره الروحى الأصلى، ولكن بجسد القيامة. وبدون الاستطراد أكثر فى هذه الأفكار اللاهوتية يمكننا أن نرى بسهولة أنها هى روحانية أنطونيوس.

فوحدة الوجود تجعل محبتنا بعضنا لبعض جزءً من محبة الله. وأن يعرف الإنسان نفسه هو أيضًا أن يعرف جاره. أو كما يقول أنطونيوس فى الرسالة 6 : ” لذلك ينبغى أن نحب أحدنا الآخر بحرارة ، لأن من يحب أخاه يحب الله والذى يحب الله يحب نفسه ” .

 

وهكذا ، فإننا فى روحانية أنطونيوس نجد تشديدًا قويًا على العلاقة بالآخرين، والحاجة إلى أن نعتنى كل منا بالآخر. ويصير واضحًا فى كل الرسائل كم هو هام خلاص الاخوة لأجل خلاص أنطونيوس نفسه. وهنا يصير فهم تعليم يسوع المسيح، عنصرًا هامًا . والمقطع الذى يتحدث فيه الرسول بولس فى رسالته إلى فيلبى عن إخلاء الابن لنفسه صائرًا فى هيئة عبد ، عادة يُربط بكلمات يسوع فى الإنجيل التى يقول فيها ، إنه لا يعود يسمى التلاميذ عبيدًا بل أحباء .

فيسوع بصيرورته عبدًا استطاع أن يجعلنا أحباء له ، وهكذا عن طريق صيرورتنا عبيدًا كل منا للآخر ، يمكننا أن نربح بعضنا بعضًا كأصدقاء . وهكذا فالفرح والبكاء لأجل خلاص الآخرين هو جزء جوهرى من الحياة الروحية .

 

خاتمة

وحينما ننظر إلى سيرة حياة أنطونيوس وإلى الرسائل ، يمكننا أن نرى أننا نجد نفس الروحانية رغم التعبير عنها بطريقتين مختلفتين تماما . ففى سيرة حياته، تُرسم روحانية أنطونيوس بواسطة شخص آخر كأنما يرسم أيقونة . وفى عظة أنطونيوس فقط نجد تشابهًا كبيرًا مع ما ذُكر فى الرسائل .

ولكن هنا فى العظة يحل الصراع مع الشياطين محل التأملات الشخصية الموجودة فى الرسائل ، وفى السيرة نجد أن قصص اختلاء أنطونيوس تجعل نفس التشديد على وحدة الكيان والجوهر مفعمة بالحيوية مثل الرسائل، ولكن بعكس الرسائل فإن الجسد فى ” السيرة ” ليس أساسًا الذى تهاجمه الشياطين بسهولة ، بل بالحرى تجعل منه ” السيرة ” صورة للنفس .

الرسائل تقدم أنطونيوس كأحد الرهبان الذى يصرخ من أجل خاصته ولأجل خلاصهم. أما فى ” السيرة ” فلم يعد ظاهرة فى الصورة ، بل نجده فى وضع متميز كنموذج يُقتدى به . فى “الرسائل” نراه مثل أب اعتراف يمكنك أن تتحدث إليه ، أما فى “السيرة” فهو أيقونة تقف أمامها لكى تتأمل . ولكن بصفة جوهرية ، فمن الواضح أن كلا الكتابين تقدم نفس الروحانية الأساسية، ونفس التشديد على الحاجة إلى الثبات الداخلى والهدوء، والحاجة إلى المعرفة الحقيقية للنفس ، وإلى المحبة للغير .

ويمكننا أن نعتبر “السيرة ” بمثابة مقدمة رائعة عن كيف نقاوم بها الفساد ، وكيف نحفظ الكمال والسلام ، أما “الرسائل” فتلمس القلب ، وتفتح طريقًا صاعدًا نحو سر الالتصاق الحميم مع الله.

 

ونعود أخيرًا إلى مشروع البحث عن ” الشخصية المسيحية (Christian Identity) كما صيغت فى المسيحية الأولى”، فإنى أظن أن هذا المشروع وثيق الصلة بموضوعنا . وبقدر ما أستطيع أن أرى، فإن أوربا بل العالم كله حصلت على ذلك الفهم للكائن البشرى ، الذى يضع الشخص ـ كل شخص ـ قبل أى شئ آخر. فبدون مفهوم سلامة وقيمة كل شخص  لا نستطيع أن نتكلم عن حقوق الإنسان بصورة حقيقية.

بدون مفهوم السلامة الشخصية والمسئولية الشخصية التى تظهر مفعمة بالحيوية فى سيرة القديس أنطونيوس، لن يكون عندنا أية أسلحة حقيقية لمحاربة الفساد. فلأجل مستقبل التقليد المسيحى بل ولأجل مستقبل مجتمعاتنا ، ينبغى أن نعطى انتباهًا أكبر واهتمامًا أشد بروحانية القديس أنطونيوس .

1  ترجمها عن الإنجليزية د. نصحى عبد الشهيد بطرس .

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

Exit mobile version