أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن مخافة الله

4- قال القديس أنطونيوس: “رأس الحكمة مخافة الله. كما أن الضوء إذا دخل في بيتٍ مظلمٍ طرد ظلمته وأناره، هكذا خوف الله إذا دخل قلب الإنسان طرد عنه الجهل وعلَّمه كل الفضائل والحِكَمْ([10]).

5- سأل أخ أنبا أنطونيوس قائلاً: “ماذا أعمل لكي أجد رحمة الله ”؟ فقال له الشيخ: “احفظ هذا الذي أوصيك به: أينما ذهبتَ اجعل الله أمام عينيك دائمًا، وكل ما تفعله فلتكن لك عنه شهادة من الكتب المقدسة، وأي مكان تسكن فيه لا تنتقل منه سريعًا. احفظ هذه الأمور الثلاثة وأنت تخلص ”([11]).

6- قال القديس أنطونيوس: “ليكن خوف الله بين أعينكم دائمًا، واذكروا مَنْ يُميت ويُحيي، وابغضوا العالم وكل ما فيه من نياح (أي راحة) الجسد، وموتوا عن هذه الحياة الفانية لتحيوا بالله. اُذكروا ما وعدتم به الله فإنه يطلبه منكم في يوم الدينونة. جوعوا، اعطشوا، اسهروا، تعرّوا، نوحوا، ابكوا، تنهّدوا، إنّوا في قلوبكم. اختبروا أنفسكم هل أنتم مستحقون لله؟ تهاونوا بالجسد لتحيا نفوسكم ”([12]).

7- قال أنبا أنطونيوس: “أنطوني لا يخاف الله ”. فقال له تلميذه: “ما هذه الكلمة الصعبة يا أبتاه ”؟ قال: “نعم يا ابني لأنِّي أحبه، والحب يطرد الخوف من الله ” (1يو4: 18)([13]).

8- اعتاد أنبا أنطونيوس أن يقول: “يأتي وقت على بني البشر يصيرون فيه مجانين، وسيتركون عنهم مخافة الله، وعندما يرون إنسانًا ليس مجنونًا مثلهم يهاجمونه قائلين: أنت مجنون أبله، لأنه ليس مثلهم ”([14]).

 

(4) قوانين ووصايا من أقوال القديس أنبا أنطونيوس لأولاده الرهبان بدير النقلون([15]) لما سألوه عن ذلك، بسلامٍ من الرب، آمين.

9- قال: أنا أقول قوانين بما يقوله الرب على فمي للذين يحبون أن يُلقوا بذواتهم تحت هذا الحمل الثقيل الذي هو الرهبنة. يجب أن يسمعوا هذه الوصايا، والذي يحلّ واحدةً منها يُدعى حقيرًا في ملكوت السموات:-

أول كل شيء صلِّ بلا ملل، واشكر الله في كل ما يأتي عليك، ومتى قمتَ باكرًا في كل يوم فاسأل عن المرضى الذين عندك، وصُم إلى التاسعة في كل يوم ما خلا السبت والأحد، ومتى جاءت الساعة التاسعة فلا تمضِ إلى مسكن أحدٍ من الإخوة، ومتى جلستَ لتأكل فصلِّ أولاً قبل الأكل وكذلك بعده، واجعل صلاتك وقراءتك دائمة.

لا تتحدث مع صبي ولا طفل ولا تعاشره بالجملة ولا تجعله راهبًا، ولا تقبل إليك شابًا صغيرًا قبل لباس الإسكيم لئلاّ يصالح العدو الشيطان، ولا ترقد على حصيرةٍ واحدة مع الأصغر منك، واحفظ ساعات الصلوات ولا تُبطل واحدةً منها لئلاّ تعطي الجواب عنها، ولا تشدّ على المريض في مأكولٍ ولا تؤخِّره عنه فتعكِّر نفسه المذلولة. إذا جاء إليك أخٌ بعد زمان فافرح به لكي يشكر الله ويشكرك.

لا تخالط علمانيًا بالجملة ولا تُظهر نفسك مثل الفريسي الذي صنع أموره بالرياء. لا تقرِّب إليك امرأة ولا تدعها تدخل مسكنك فالغضب يسير خلفها، ولا تعُد تنظر أهلك الجسدانيين ولا تعطي لهم وجهك ليبصروه، ولا تذهب عندهم، ولا تُبقي لك أكثر من حاجتك، ولا تدفع أكثر من قوّتك، بل ادفع الصدقة لضعفاء الدير. صلِّ صلاتك في الليل قبل أن تذهب إلى الكنيسة، ولا تأكل مع أحدٍ يجسر عليك([16])، وإذا حدث شكٌّ من أجل شاب لم يلبس الإسكيم بعد فلا تُلبسه وأخرِجه من الدير([17]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن حروب الشياطين

10- قيل عن القديس أنطونيوس: إنه لما دخل البرية الداخلية نظر إليه الشياطين وانزعجوا واجتمعوا عليه وقالوا له: “يا صبي العمر والعقل، كيف جسرت ودخلت إلى بلادنا، لأننا ما رأينا ههنا آدميًا سواك ”؟! وابتدأوا يحاربونه كلهم، فقال لهم: “يا أقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف المسكين؟ وما هو قدري حتى تجتمعوا كلكم عليَّ وأنا تراب ووسخ ولا شيء ، وضعيف عن قتال أحد أصاغركم ”؟ وكان يُلقي بذاته على الأرض ويصرخ ويقول: “يا ربي أعنِّي وقوِّ ضعفي، ارحمني يا رب فإنِّي التجأتُ إليك، يا رب لا تتخلَّ عني، ولا يقوَ عليَّ هؤلاء الذين يحسبون أنِّي شيء، يا رب أنت تعلم أنني ضعيف عن مقاومة أحد أصاغر هؤلاء”. وكان الشياطين متى سمعوا هذه الصلاة المملوءة حياةً واتضاعًا يهربون منه ولا يقدرون على الدنوِّ إليه.

ومرةً جمع الأركون (= “أرخون ” أي رئيس الشياطين) كل آلات اللهو والطرب واللذات والتنعُّم والنساء وسائر أنواع الزنى ولذّاته، أمّا هو فكان يغمض عينيه ويقول: “عجبًا منكم! كيف تجعلون لي مقدارًا وتحتالون على سقوطي وأنا أضعف من مقاومة أحد أصاغركم؟ ابعدوا عن ضعفي أنا المسكين التراب والرماد”. وكانت الأفكار تسقط عنه بمعونة الرب، والشياطين تحترق من كثرة اتضاعه.

وفي عدة مرات كانوا يُحضرون له جميع أنواع التخويف والانزعاج والتهويل والعذاب، فكان يصرخ إلى الله باتضاع ويقول: “أنقذني يا رب بمعونتك ولا تبعد عن ضعفي ”. ففي الحال كانت الشياطين تهرب منه.

وفي مراتٍ كثيرةٍ كانوا يهجمون عليه ويضربونه ضربًا مؤلماً. وأقام هكذا ثلاثين سنة حتى نظر الرب يسوع المسيح إلى كثرة صبره واحتماله وكسر عنه شدَّة الأعداء. صلاته تكون معنا آمين([18]).

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

11- ويصف القديس أثناسيوس حروب الشيطان على أنبا أنطونيوس هكذا:-

لم يُطِق الشيطان أن يرى مثل هذا الثبات في شاب، ففي البداية حاول أن يُبعده عن النسك، هامسًا في أذنيه بذكريات ثروته والعناية بأخته، ومطالب الأقارب ومحبة المال والمجد، وملذات الطعام وسائر تنعُّمات الحياة، وأخيرًا صعوبة الفضيلة وما تتطلّبه من عناء، ثم صوّر أمامه أيضًا ضعف الجسد وطول الوقت، وبالاختصار أثار ذهنه كثيرًا محاولاً أن يُثنيه عن عزمه الثابت.

ولكنّ العدو عندما رأى نفسه ضعيفًا أمام عزم أنطونيوس، وغُلِب على أمره بسبب إيمانه العظيم وتجندل بسبب صلواته المستمرة، اعتمد أخيرًا على أسلحته التي في “عضل بطنه ”([19]) والتي يفتخر بها لأنها هي شراكه الأولى للشبان. وهاجم الشاب وأزعجه ليلاً وضايقه نهارًا، فعندما يعرض عليه الأفكار الشريرة يصدَّها بالصلوات، وعندما يصوِّب إليه سهام الشهوة يحمرُّ خجلاً ويحصِّن جسده بالإيمان والصلاة والصوم.

وفي إحدى الليالي اتخذ الشيطان شكل امرأةٍ وقلَّد كل حركاتها لإغواء أنطونيوس، أما هو فإذ امتلأ عقله بالمسيح، وإذ فكَّر في روحانية النفس أطفأ جمر خداع العدو. وحاول العدو أن يجذبه بنشوة الملذات، أما هو فإذ امتلأ غضبًا وحزنًا حوَّل تفكيره إلى تهديد الله (للإنسان) بالنار والدود الذي لا يموت، فجاز التجربة دون أن يُمسَّ بأذى.

كل هذا أخزى عدوَّه، لأنه إذ كان يعتبر نفسه كإله هزأ به شابٌ، وذاك الذي افتخر على اللحم والدم اضطر أن يهرب أمام إنسان في الجسد، لأن الرب كان يعمل مع أنطونيوس، الرب الذي من أجلنا أخذ جسدًا ووهب الجسد نُصرةً على إبليس حتى يستطيع كل من يحارب بإخلاصٍ أن يقول: »لستُ أنا بل نعمة الله التي معي«. (1كو 15: 10)

وأخيرًا لما عجز التنين عن غلبة أنطونيوس، ووجد نفسه أنه قد طُرد تمامًا من قلبه، صرَّ على أسنانه، كما هو مكتوبٌ، وخرج عن شكله وظهر لأنطونيوس كولدٍ أسود متخذًا شكلاً منظورًا يتفق مع لون عقله. وإذ تظاهر بالتذلُّل أمامه لم يشأ أن يُلحّ عليه بأفكار فيما بعد، لأنه لما تنكَّر هُزِم أمامه.

وأخيرًا تكلم بصوتٍ بشريٍّ وقال: “لقد خدعتُ كثيرين، وطرحتُ كثيرين، ولكنني برهنتُ على ضعفي إذ هاجمتُك وهاجمتُ كل جهودك وأتعابك كما هاجمتُ كثيرين غيرك ”. فسأله أنطونيوس: “مَنْ أنت يا من تتكلم هكذا معي ”؟ أجاب بصوتٍ أسيفٍ: “أنا صديق الزنى، وقد التحفتُ بالإغراءات التي تدفع الشبان إلى الزنى، وأنا أدعى روح الشهوة. كم خدعتُ كثيرين ممن أرادوا أن يعيشوا بالاحتشام! وما اكثر العفيفين الذين أقنعتهم بإغراءتي!؟ أنا الذي من أجلي يوبِّخ النبي أولئك الذين سقطوا قائلاً: »روح الزنى قد أضّلكم« (هو4: 12)، لأنهم بي قد أعثِروا. أنا الذي ضايقتك كثيرًا وغُلِبتُ منك كثيرًا”!

أما أنطونيوس فإذ قدَّم الشكر للرب قال له بكل شجاعةٍ: “إذًا فأنت حقيرٌ جدًا، لأنك أسود القلب، وضعيف كطفلٍ، ومن الآن لن أجزع منك لأنّ »الرب معيني وأنا سأرى بأعدائي« (مز118: 7). وإذ سمع هذا ذلك الأسود هرب في الحال مرتجفًا من الكلام، ولم يجسر حتى على الاقتراب إلى الرجل([20]).

12- عندما تقدَّم أنبا أنطونيوس في السن كان وحده في الجبل الداخلي يصرف وقته في الصلاة والنسك. وحينئذٍ احتمل مصارعةً عنيفةً »ليس مع لحم ودم« (أف6: 12) كما هو مكتوبٌ، بل مع الشياطين المقاومين كما علمنا ممن زاروه، لأنهم سمعوا هناك شغبًا وأصواتًا كثيرة وقرقعة كأنها قرقعة أسلحة، وفي الليل رأوا الجبل مليئًا بالوحوش البرية، كما رأوا أنطونيوس أيضًا مجاهدًا كأنه يجاهد ضد كائناتٍ منظورةٍ، ومصلِّيًا ضدّها جاثيًا ومجاهدًا في الصلاة، وكل الذين زاروه شجَّعهم.

إنه لأمرٌ عجيبٌ أنّ شخصًا وحيدًا في بريّةٍ كهذه لم يخشَ الشياطين التي هاجمته، ولا وحشية الوحوش والزحافات، لأنها كانت كثيرة جدًا، ولكنه حقًا كما هو مكتوب: »توكل على الرب مثل جبل صهيون« (مز125: 1)، بإيمانٍ لا يتزعزع ولا يضطرب، حتى إنّ الشياطين هربت منه، ووحوش البرية سالمته كما هو مكتوب (أي5: 23).

كان إبليس، كما يقول داود النبي في المزامير (مز35: 16)، يراقب أنطونيوس ويحرِّق عليه أسنانه. أما أنطونيوس فكان متعزِّيًا بالمخلِّص، وبقيَ سالمًا من حيله ومكائده المختلفة. كان يسهر بالليل فيرسل عليه إبليس وحوشًا برّيّة، وكأنّ كل ضباع تلك البرّية تقريبًا قد خرجت من مغايرها وأحاطت به، وكان وهو في وسطها يهدِّده كلُّ واحدٍ بالعضّ. وإذ رأى حيلة العدو قال لها كلها: “إن كان لكم سلطان عليَّ فأنا مستعدٌ أن تلتهموني، أمّا إن كنتم قد أرسِلتم عليَّ من قِبَل الشياطين فلا تمكثوا بل انصرفوا لأنني عبدٌ للمسيح ”. فهربت كلها أمام تلك الكلمة وكأنها قد ضُربت بالسياط([21]).

13- روى كثيرٌ من الرهبان – باتحاد الرأي – أنّ أمورًا كثيرة تمّت على يدي أنبا أنطونيوس . فقد كان مرةً مزمعًا أن يأكل، وقام ليصلِّي نحو الساعة التاسعة فأدرك أنه اختُطف بالروح، والعجيب أنه وقف ورأى نفسه كأنه خارج جسده، وأنه اقتيد في الهواء بواسطة أشخاص معينين. وبعد ذلك وقَفَتْ في الهواء كائنات أخرى مرعبة وأرادت أن تعرقل مسيره، ولكن لما قاومها مرشدوه سألَتْ عما إذا كان هو ليس مدينًا لها، وعندما أرادت أن تلخِّص ديونه منذ ولادته أوقفهم مرشدو أنطونيوس قائلين: “لقد مسح الرب خطاياه منذ ولادته، ولكن يمكنكم أن تحاسبوه منذ أن صار راهبًا وكرَّس نفسه لله ”. ولما لم تستطع أن تُثبِت عليه أية تُهمةٍ أصبح طريقه خاليًا وأزيلت عنه كل العراقيل، وللحال رأى نفسه كأنه قد أتى إلى جسده، وأصبح أنطونيوس كما كان من قبل.

وإذ نسيَ الأكل صار يئنّ ويصلِّي بقية النهار وطول الليل، لأنه دُهِش إذ رأى كيف أنّ مصارعتنا هي مع خصومٍ أشدّاء، وكيف أننا يجب أن نجتاز الهواء بجهودٍ شاقة، ثم تذكّر أن هذا هو ما قاله الرسول: »حسب رئيس سلطان الهواء« (أف2: 2). لأن العدو له فيه سلطان ليحارب ويحاول تعطيل الذين يجوزون فيه. ولذلك قدَّم النصيحة بكل قوةٍ: »احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير« (أف6: 13). وذلك لكي يخزى المضادّ إذ ليس له شيء رديء يقوله عنا (تي2: 8).

لقد اختُطِف بولس الرسول إلى السماء الثالثة، وإذ سمع أمورًا لا يُنطَق بها نزل؛ أما أنبا أنطونيوس فقد رأى أنه صار في الهواء، وصار يجاهد حتى تحرر([22]).

14- وقال أيضًا: “أيها الأبناء، لا نملّ من الطلب إلى صلاح الله لكي تدركنا معونته وتعلِّمنا أن نصنع ما ينبغي. وبحقٍ أقول لكم إنّ هذا الإناء الذي نحن حالُّون فيه، أعني الجسد، لَهو لنا هلاكٌ وموتٌ ومملوءٌ من كل الحروب.

وحقًا أقول لكم، يا أولادي، إنّ كل إنسانٍ يتلذّذ بالشهوة ويتنازل معها فإنّ أفكاره تفرغه وتحطَّه إلى أسفل. إذا كان يقبل ما يُلقَى في قلبه ويفرح ويتلذذ به ويقبله إليه كأنه سرٌّ عظيم، ولا سيما إذا كان ممتدحًا بأعماله؛ فالذين هم هكذا فإنّ نفوسهم تصير آلةً للأرواح الشريرة ومجمعًا للشرور، وأجسادهم خزائن لأسرار الظلمة مخزونةً فيها خفيةً، لأنّ الأرواح الشريرة تتسلّط على الذين هم هكذا.

ألا تعلمون أنه ليس فخٌّ واحدٌ للشياطين لكي ندركه ونهرب منه؟ لأنهم ليسوا متجسِّدين حتى نراهم عيانًا، بل افهموا أننا نُهلك الأجساد إذا قبلناهم، ونفوسنا أيضًا عندما تميل إلى أن تقبل شرورهم.

فالآن، أيها الأولاد الأحبّاء، لا نجعل لهم فينا موضعًا وإلاّ فنحن نثير على أنفسنا غضب الله وهم لا يذهبون عنا بل يسخرون بنا. وبحقٍ إنهم يمكرون بنا في كل وقت بمشورتهم الرديئة واضطهادهم الخفي لنا، وبرذائلهم الدنسة مع قلة الأمانة التي يُلقونها في قلوبنا كل يوم، وقساوة القلب والأوجاع التي يجلبونها علينا في كل حين، والقلق حتى نقلق كل يوم بما يجلبوه علينا، وربما يجعلوننا نضحك في وقتٍ يجب فيه البكاء ثم نبكي في وقت الفرح.

لذلك لا نملّ من الطلب إلى صلاح الله لتدركنا رحمته ومعونته لنتعلّم أن نصنع ما ينبغي لكي ننال العون والنجاة”([23]).

15- وقال أيضًا للإخوة: “بينما كنتُ سائرًا يومًا ما في الجبل، وجدتُ نعامةً مع صغارها، فلما رأوني لاذوا بالفرار، وكأنِّي سمعتُ الأمّ تقول لصغارها: ’انزلوا تحت الحجارة حتى لا يصطادوكم‘. وهكذا نحن أيضًا، إذا قذَفَنا الشياطين بالأفكار الرديئة فلنرمهم بالحجارة المأخوذة من الحجر الذي أُخِذ من الرحم غير الدنس الذي للقديسة العذراء مريم »حجر الزاوية« (أع4: 11؛ مز118: 22) الذي يقاتل عنا بمهارةٍ وينقذنا من فخاخهم الرديئة”([24]).

16- قال القديس أنطونيوس: “السيرة المستقيمة والإيمان بالله هما سلاحٌ عظيمٌ مقاومٌ للشياطين الذين يخافون من الصيام والنسك وسهر الليل والصلاة والهدوء والوداعة وبغضة الفضة والافتخار والتواضع ومحبة المسكنة والرحمة وعدم الغضب وفعل البرّ في المسيح، لأنّ الشياطين يجاهدون جدًا أن لا يُقهَروا، فلنذكر نحن في قلوبنا أن الرب كائنٌ معنا في كل حين فلا تقدر الشياطين أن تصنع بنا شيئًا، وإن رأوا أننا خفنا وضعفنا يجعلون الخوف يزداد بالأكثر في قلوبنا بأفكارهم. فإذا وجدونا فرحين بالرب في كل حين وأننا نفكِّر في قلوبنا في الخيرات العتيدة ونتكلم فيما للرب ونفكِّر قائلين: إنّ كل شيء هو بيد الرب؛ فإن الشياطين لا تقدر أن تصنع شيئًا ولا لهم سلطان في شيء من الأشياء البتّة. فإذا وجدوا النفس محصّنةً بهذه الأفكار هكذا يخزون للوقت ويرجعون إلى ورائهم، لأنه هكذا وجد العدو أيوب محصّنًا ثابتًا فتباعد عنه عندما لم يقدر أن يُميل فكره عن الله، ولأجل هذا افتُضِح.

فكمال كل الفضائل أن يكون الإنسان ثابتًا متقوِّيًا بكل قلبه وكل نفسه بالرب ولا يحيد عنه بالجملة بأي حال ولا في أي وقت، بل يكون متحدًا بأفكاره مع الله لأنّ الله هو متحدٌ معنا بإيماننا به ”([25]).

17- ذهب أخ اسمه سمعان إلى الأب أنطونيوس وقال له: “أيها الأب، رأيتُ في حلمٍ مَنْ يقول لي: ’اُسكن مع إنسان يكون له ضِعف جهادك‘ ”. فقال له القديس: “هذا الذي ظهر لك هو الشيطان لأنه مدحك ووصفك بأنك عمَّالٌ ”. فقال له الأخ: “لقد كان مكتسيًا بالنور”. فقال له أنبا أنطونيوس: “إنّ الشيطان نفسه يغيِّر شكله إلى شبه ملاك نور (2كو11: 14)”. فقال الأخ في نفسه: “إنّ الأب أنطونيوس يجهل الأمور المخفية”. ولكن الأب أنطونيوس علم بذلك وقال له: “ياعديم الشعور، لقد علمتُ أنه لما جاء إليك الشرير لم يقُل لك “سلام”، وأنت لم تتعرّف عليه على الأقل بكون السلام لم يكن في فمه ”([26])!

 

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

نصائح رهبانية للأنبا أنطونيوس

18- قال القديس أنطونيوس: “أدِّب بخوف الله ولا تُشفق، لا تأخذ بوجه صغير ولا كبير، بل اقطع بكلام الحق باستقامةٍ. احرس ثيابك لئلاّ تمشي عريانًا (رؤ3: 18) في يوم الحكم وتُفتضح. آباء الدير الذين ولدوك بالروح يتعجّبون من مجدك وسط القديسين. كُلْ خبزك بسكينةٍ وهدوءٍ وإمساكٍ (أي بعدم شراهةٍ). جلوسك يكون بأدب، ولا تتبع جميع أفكارك. قف قدام الرب وقوفًا مستقيمًا. إذا ضُرب الناقوس لا تتوانَ عن الحضور إلى الكنيسة”([27]).

19- قال القديس أنطونيوس: “لا تفطر بالجملة إلاَّ في مرضٍ شديدٍ. لا تتذمّر في أي عمل. لاتعيِّر أحدًا لأي سببٍ. إذا ذهبت عند أخ فلا تُبطئ في مسكنه. لا تتحدّث في الكنيسة. لا تجلس في أزقَّة الدير. لا تحلف بالجملة لا بالحق ولا إذا كنت متشكِّكًا. لا تذهب إلى كنيسة يجتمع فيها الناس (أي العلمانيين). تصدَّق بقدر قوَّتك. لا تدفن ميتًا في البيعة. لا تصنع وليمة ولا تذهب إلى دعوة وليمة.

“تعلَّم كل يوم الأدب من الكبار، ولا تعمل أي شغلٍ حتى تشاور أب الدير. إذا ذهبتَ لتملأ الماء فاقرأ وأنت سائر بقدر قوتك. إذا دفعتَ صدقةً فلا تتظاهر بها. وإذا حضرتَ في موضعٍ قد صُنِعت فيه صدقة فكُلْ واشرب واشكر الله. اِحزن في الليل والنهار من أجل خطيتك. كُنْ مربوطًا بقلسوتك ومئزرتك وإسكيمك في الليل والنهار. أضئ سراجك بزيت عينيك أي الدموع. إذا تعبَّدت فلا تفتخر. لا تردَّ أحدًا جاء يطلب المسيح. لا تتحدّث بأفكارك لجميع الناس ما خلا الذين لهم قوة على أن يخلِّصوا نفسك. وإذا ذهبتَ إلى الحصاد فلا تُبطئ بل أسرع بالعودة إلى الدير. لا تلبس ثيابًا تفتخر بها. لا تُظهر صوتك إلاّ في صلاة الفرائض. صلِّ في مسكنك قبل أن تأتي إلى البيعة. أمِت نفسك في كل يوم.

“لا تَغْتَبْ أحدًا بسبب ما يُقال فيه من الأوجاع. لا تفتخر، ولا تضحك بالجملة. اِلزم الحزن بسبب خطيتك كمثل مَنْ عنده ميت. اِعمل بقوّتك لتمجِّد أباك الذي في السموات. أدِّب ابنك بلا شفقةٍ فدينونته عليك. لا تأكل حتى تشبع. لا تَنَمْ إلاّ يسيرًا بقدر فتأتي عندك الملائكة. إذا صلَّيتَ وذكرتَ الله تصير ثيابك التي تلبسها أجنحةً تطير على بحر النار. اذهب إلى المرضى والضعفاء واملأ مكاييلهم. لا تكن مقاتَلاً باللسان. اجعل كل واحدٍ يبارك عليك، والرب يسوع المسيح يعيننا على العمل بمرضاته، فله المجد مع أبيه وروح قدسه إلى الأبد آمين ”([28]).

20- سأل أنبا بامو القديس أنطونيوس عمّا يصنعه لأجل خلاصه، فقال له الشيخ: “لا تتكل على برِّك، ولا تصنع أمرًا تندم عليه، وامسك لسانك وبطنك وقلبك ”([29]).

21- كان أنبا أنطونيوس ينصح الرهبان قائلاً: “آمنوا بالرب وأحبّوه، احفظوا أنفسكم من الأفكار الدنيئة والملذات الجسدية، وكما هو مكتوبٌ في سفر الأمثال: »لا تُخدَعوا بامتلاء البطن« (أم24: 15 حسب السبعينية). واظبوا على الصلاة، تجنّبوا الغرور والعجرفة، رتِّلوا المزامير عند النوم وعند الاستيقاظ، احفظوا في قلوبكم وصايا الكتاب المقدس، اذكروا أعمال القديسين حتى إذا ما تذكرت نفوسكم الوصايا ظلّت متوافقة مع غيرة القديسين ”.

وكان القديس ينصحهم بصفةٍ خاصةٍ دائمًا أن يتأملوا في كلمة الرسول: »لا تغرب الشمس على غيظكم« (أف4: 26). وكان يعتقد أن هذه تشمل كل الخطايا بصفةٍ عامة. فليس المقصود منها الغيظ فقط، بل إنه يجب ألاّ تغرب الشمس على أيّة خطيةٍ من خطايانا، لأنه حسنٌ، بل ضروري، أن لا تغيب الشمس على أي شرٍّ صنعناه نهارًا، ولا القمر على أيّة خطية بدرت منا ليلاً، ولا حتى على أي فكرٍ شرير. ولكي تستمر هذه الحالة فينا يحسن أن نسمع الرسول ونحفظ كلماته لأنه يقول: »جرِّبوا أنفسكم، امتحنوا أنفسكم.« (2كو13: 5)

إذًا يجب على كل واحدٍ أن يستخلص من نفسه كل يوم قصة أعماله في الليل والنهار، وإن كان قد أخطأ فليكُفّ عن الخطية، وإن لم يكن قد أخطأ وجب ألاّ يفتخر، بل ليتمسّك بالصالح دون إهمال، وأن لا يدين إخوته أو يُبرِّر نفسه »حتى يأتي الرب الذي يكشف الخفيات« (1كو4: 5 ؛ رو2: 16) كما يقول المغبوط بولس الرسول. لأننا كثيرًا ما فعلنا بغير قصدٍ الأشياء التي لا نعرفها، ولكنّ الرب يرى كل شيء؛ لذلك إذ نسلِّم الدينونة له فلنعطف بعضنا على بعض، لنحمل أثقال بعضنا بعضًا (غل6: 2)، ولكن لنمتحن أنفسنا ونسرع لملء ما نقص فينا.

وتجنُّبًا للخطية لنراعِ الآتي: لينتبه كلٌ منا، ولنسجِّل أعمالنا والدوافع المحرِّكة لنفوسنا كأننا سوف نقصَّها بعضنا على بعض، واثقين من أننا إن كنا سنخجل تمامًا من أن تُعرَف الخطية فوجب أن نكفَّ عنها وأن لا نُبقي على أية أفكار شريرةٍ في عقولنا، لأنه مَنْ ذا الذي يحب أن يُرى وهو يخطئ؟ أو بالحري مَنْ ذا الذي لا يكذب بعد ارتكاب الخطية بسبب الرغبة في تجنُّب معرفة الآخرين لها؟ وكما أننا إذا روقبنا من بعضنا بعضًا فإننا لا نرتكب الخطية المادية، هكذا إذا سجّلنا أفكارنا كأننا سنخبر بها بعضنا بعضًا نحفظ أنفسنا بسهولةٍ من الأفكار الرديئة بسبب الخجل لئلاّ تُعرَف.

لذلك فليكن ما نسجِّله على أنفسنا بمثابة أعين زملائنا النسّاك حتى إذا ما خجلنا من أن نسجِّل خطايانا كأننا قد أمسكنا بها فلن نفكِّر قط فيما لا يليق. فإن رتّبنا أنفسنا بهذه الكيفية أمكننا إخضاع الجسد لإرضاء الرب، كما أمكننا أن ندوس على حيل العدو([30]).

22- كما قال أيضًا: “لا تأكل مع امرأةٍ، ولا تصادق صبيًّا بالجملة، ولا ترقدا اثنان على حصيرةٍ واحدةٍ إلاّ إذا كان ذلك بسبب ضرورةٍ مُلحّة، وحينئذٍ يكون الذي معك هو أبوك أو أخوك وتفعل ذلك بخوفٍ شديدٍ. وإذا نمتَ فلا تُدخل يدك إلى داخلك لئلاّ تُخطئ بغير هواك. لا تحلّ منطقتك وأنت قوي. لا تمسك يد قريبك ولا خدَّه صغيرًا كان أو كبيرًا. وإذا تعرّيتَ من ثيابك فلا تنظر جسدك. لا تشرب ثلاثة أقداح خمر إلاّ في مرضٍ شديد. لا تُفسد وصية الله من أجل صداقة أحدٍ. لا تعُد إلى المدينة التي أخطأتَ لله فيها مرةً أخرى. لا تتخلَّ عن العبادة لئلاّ يصير ذلك لك فخًّا وعثرة”([31]).

23- وقال أيضًا: “أتعِب نفسك في قراءة كتب الله، فهي تخلّصك من النجاسة. إن جلستَ في خزانتك (أي قلايتك) فاعمل في شغل يديك، ولا تتخلَّ عن اسم الرب يسوع بل امسكه بعقلك ورتِّل به بلسانك وفي قلبك، وقُلْ: [ يا ربي يسوع المسيح ارحمني ، يا ربي يسوع المسيح أعنِّي ] وقُلْ أيضًا: [ أنا أسبحك يا ربي يسوع المسيح ].

“اِخترْ التعب فهو يخلِّصك من جميع الفواحش مع الصوم والصلاة والسهر، لأنّ تعب الجسد يجلب الطهارة للقلب، وطهارة القلب تجعل النفس تُثمر. لا تجعل نفسك معدودًا بالجملة حتى تتفرّغ للبكاء من أجل خطيتك. إيّاك والكذب فهو يطرد خوف الله من الإنسان. لا تتحدث بأفكارك لكل أحدٍ لئلاّ تكون عثرةً. كُنْ مُتعَبًا في شغل يديك فيأتيك خوف الله. حِبّ الاتضاع فهو يغطِّي جميع الخطايا. اِحذر من أن تحقد على أحدٍ بالجملة بل اغفر لأخيك. اصرف الأفكار الرديئة عنك وسلِّم نفسك إلى الله فيظللك بيمينه. لا تكن قليل السمع لئلاّ تكون وعاءً لجميع الشرور، اجعل في قلبك أن تسمع لأبيك فتحلّ بركة الله عليك ”([32]).

24- قال أنبا أنطونيوس: “لا تفتر على أخيك ولو رأيته عاجزًا عن جميع الفرائض لئلاّ تقع في أيدي أعدائك. الخطايا القديمة التي فعلتها لا تتفكّر فيها لئلاّ تتجدّد عليك، وتأكّد أنك بعد أن أعطيت نفسك لله قد سقطَتْ عنك ولا تتشكّك في ذلك.

“لا تتوهّم أنك عالمٌ وحكيمٌ لئلاّ يضيع تعبك وتمرّ سفينتك فارغة. عوِّد لسانك أن يقول في كل شيء وفي كل وقت ولكل أخ ولله تعالى: “اغفر لي ”، والاتضاع يأتيك.

“لا تدِنْ أحدًا لئلاّ يفارقك خوف الله وتسقط في أيدي أعدائك. لذّاتك وألعابك في زمان كسلك لا تذكرها، ولا تتحدث بها ولا تقُل: صنعتُ كذا وتركته، فتصير عثرةً لك.

“متى جلستَ في خزانتك (أي قلايتك) فلا تفارقك هذه الأشياء: القراءة في الكتب، التضرُّع إلى الله، شغل اليد. ولا تفكِّر في شيء من أوجاعك التي كانت لك في الدنيا لئلاّ تنشغل في شهواتها فتكون عثرةً في قلبك.

“اُطلب التوبة في كل لحظةٍ ولا تكسل نفسك لحظةً واحدةً. لا تستحِ أن تسأل أباك ببكاءٍ واتضاع أن يعرِّفك ما أنت عاجز عنه. تفكَّر في كل يوم أنّه آخر ما بقي لك في العالم لكي تُحفظ من الخطية، واعلم أنّ الاتضاع هو أن تُعِدَّ جميع البشر أفضل منك، وتتحقّق بقلبك أنك أكثر منهم خطية، ولتكن رأسك منكّسة، ولسانك يُسرع بأن يقول لكل أحدٍ: “اغفر لي ” حتى ولو افتُري عليك. ونظرك يكون للموت في كل حين.

“اُحرس نفسك ولا تتكلم بهموم أو أعمال الدنيا بشيء بالجملة. اِحذر من أن تحب أن تبلغ شهواتك وأغراضك. اِبغض الجسد وابغض جميع لذّاته فإنها ممتلئة شرورًا.

“اِجعل شهوتك ألاّ تُتعِب أحدًا وألاّ تقاتل أحدًا، وإن ضايقك المحتال (الشيطان) فلا تغضب. اُرفض الكبرياء وقل عن قريبك وعن كل الناس إنهم أخير منك.

“لا تُغطِّ على خطيتك التي صنعتها، اُرفض المجاوبة، ولا تفكِّر في قلبك بشرٍّ على مَنْ يُغضبك أو يُبغضك. لا تُسرِع إلى الغضب. اِحذر من أن تتكلم بكلامٍ فارغ، ولا تسمعه من غيرك لكي تعيه، وليكن كلامك في ذكر الله تعالى واستغفاره ”([33]).

25- قال أنبا أنطونيوس: “إياك والشره، ولا ترتبط بشهوتك فإنهما يطردان مخافة الله من القلب والحياء من الوجه، ويجعلا الإنسان مأسورًا من الشهوات الفانية الدنيئة، ويُضلاّ العقل عن الله. لا تفتخر وتقول بفمك ولا تفكِّر في قلبك أنك فعلتَ وصنعتَ وأنك لم تُتعِب أحدًا، فإنّ هذا يسبِّب لك المجد الباطل، فمَنْ كانت عنده هذه صارت نفسه مسكنًا للشياطين ومنزلاً للأرواح النجسة.

“اجعل أكلك مرةً واحدةً في النهار لقيام الجسد لا للشهوة، واجعله عاجزًا (ضعيفًا) قليلاً، وأَتعبه كثيرًا في المطانيات. لا تكن كسلانًا فتموت بأشرِّ حال. أضعِف جسدك كمثل من هو مُلقى على الفراش فتهرب الأوجاع عنك. اجعل فكرك في الوصايا كلّ حينٍ وداوم على فعلها ولا تتخلَّ عن شيءٍ منها لئلاّ تصير نفسك مسكنًا لجميع الفواحش.

“لا تغتبْ أحدًا من الناس لئلاّ يُبغض الله صلاتك. إياك واللعب والاستهزاء فإنه يطرد خوف الله من القلب. أَتعِب نفسك في قراءة الكتب واتباع الوصايا فتأتي رحمة الله عليك سريعًا، فمَنْ كان في خزانته مُغلق الفم وغير ذاكرٍ لله تعالى ولا قارئًا في الكتب فهو يكون كالبيت الخرب خارج المدينة الذي لا تفارقه جميع الجيف (أي القمامة)، وكلّ مَنْ احتاج إلى تنظيف بيته من الجيف رماها فيه.

“صلِّ دائمًا صلاةً في خزانتك (أي قلايتك) قبل صلاتك مع الإخوة وبعدها، ولا تملّ من ذلك. أكثِر البكاء دائمًا فإنّ الله يترحم عليك ويعزِّيك من جميع أحزانك. أبغض كل أعمال الدنيا وارفضها عنك، واعلم أنها هي التي تُبعدك من الله بحقٍ. اِحذر من أن تكون صغير القلب لأن صغر القلب يجلب الأحزان، أحِب التعب واظلم نفسك لكل أحدٍ، واغلق فمك، فبذلك تملك الاتضاع، والاتضاع يغفر جميع خطايا الإنسان. مَنْ لا يحفظ هذه فهو يُغضِب الله.

“أنا أنطونيوس أقول لك الحق، فاسمع الآن كلامي وأوعِه في نفسك، واعلم أنني بهذا الكلام أُسلِّمك للخالق فتفرح مع جميع الملائكة وتُحزِن الأرواح الشريرة جميعها. إذا لازمتَ هذه ومشيتَ فيها فإنّ الله يكون معك وملائكته تمشي معك ونفسك تمتلئ من طيب الأطهار، ويستنير وجهك بنور الحسنات، وتصير قربانًا لله مثل جميع القديسين، ويكون لقاؤك للرب بتهليلٍ وفرح، وتسمع الصوت القائل: »جيدًا عملتَ أيها العبد الصالح الأمين، وجدتك أمينًا في القليل فأُقيمك أمينًا على الكثير، اُدخل إلى فرح سيدك« (مت25: 21)، الذي له المجد إلى الأبد آمين ”([34]).

26- كان أخٌ محارَبًا من أفكاره أن يترك ديره، فأخبر أنبا أنطونيوس بذلك، فقال له الشيخ: “اذهب، اجلس في قلايتك وارهن جسدك لحوائط قلايتك ولا تغادرها، ودع الفكر يذهب حيثما يشاء، فقط لا تسمح لجسدك أن يخرج من القلاية. إنه سيُعاني، ولن يمكنه أن يعمل أي عمل، ثم إنه سيجوع، وفي وقت الأكل يحتال عليك لكي يأكل، فإذا قال لك نحو الوقت: “كُلْ قليلاً من الخبز لأجل حاجتك ”، فقُل له أنت أيضًا بتيقُّظٍ: »ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمةٍ تخرج من فم الله« (تث8: 3؛ مت4:4). وسيقول لك: “اشرب قليلاً من الخمر مثل الطوباوي تيموثاوس ” (1تي5: 23)، فأجبه أنت أيضًا: “اذكر أبناء يوناداب الذين حافظوا على وصايا أبيهم ” (إر35: 6). وإذا جاءك النوم فلا تستسلم له لأنه مكتوبٌ في الإنجيل المقدس: »اسهروا وصلُّوا« (مت26: 41)، ومكتوبٌ أيضًا: »كانوا نائمين ولم يكسبوا شيئًا« (مز75: 5 حسب السبعينية).

غذِّ نفسك بأقوال الله، بالأسهار والصلوات، وأيضًا بالذكر المستمر لاسم ربنا يسوع المسيح، وبذلك ستجد الإرشاد الذي به تعرف كيف تغلب الأفكار الرديئة. وإذا صنع لك الجسد فخاخًا لكي تخرج من قلايتك فهو سيحطِّمك ويبتلعك بعد أن تخرج بدون إفراز بين ما ينفعك وما يضرّك. إنه في الحقيقة يقاتلك بطرق كثيرة سواء في رجليك أو في يديك، سواء في قلبك أو في نظرك أو في سمعك أو في الأعمال أو في اللسان والفم أو في المشي. فإذا مكثتَ في قلايتك ستكون في مأمَنٍ من كل ما قلته لك ”([35]).

27- وقال أيضًا: “لا شيء يجدِّد النفس التي شاخت مثل مخافة الله والصلاة النقية والتأمل المتواصل في كلام الرب مع إمداد النفس بزاد الصلاة والمداومة على الأسهار وعدم الإفراط في شرب الماء، ففي الحقيقة يجب على الراهب أن يزهد في شرب الماء كما يزهد تمامًا في الخمر، لأنه كما أنّ الشجرة التي تُروى بالماء هي فقط التي تُحمَّل بالثمار هكذا أيضًا الجسد الذي يمتلئ بالماء فهو يُصاب بالرخاوة والخمول، ومن الرخاوة يأتي التواني والكسل، والتواني يلد النعاس، ومن النعاس يتولد الترف، وهكذا شيئًا فشيئًا تزداد أوجاع النفس وتطرحنا في عمق جهنم، وتصير أجسادنا مسكنًا للأرواح النجسة وأفكارنا مستعبَدةً للأوجاع المخزية.

إنّ هذه في الحقيقة شبكة تُخفي في ثناياها الكثيرة خداعات العدو. فالذي يشتبك ولو جزئيًا بهذه الأوجاع إذا لم يأخذ حذره بكل اهتمام فهي تتسلّط عليه تمامًا. وهذا مثل الملك الذي إذا حاصر مدينةً حصينةً وهاجم سكانها فلا يمكنه أن ينهبها إن لم يمنع الغذاء والماء عن سكانها، هكذا حال الجسد مع أوجاعه (أي شهواته)، فإن كنا لا نُشقيه بالحدِّ من الأطعمة والمشروبات لا نستطيع أن ننجو في حروبنا الروحية وثورة أعضائنا الجسدية. فلندع اللسان ييبس من العطش ولنضيِّق البطن التي اتسعت من الامتلاء بالأطعمة الشهية لأنّ هذا مرضيٌّ عند الله ”([36]).

28- قال أبّا أنطونيوس: “لا ينبغي على الراهب أن يذهب إلى مكانٍ توجد فيه نساء، ولا أن تكون له دالّة معهنّ إذا كُنّ لسن من اللواتي عندهنّ تقوى الله، لأنّ التطلُّع إليهنّ لا يجعل للإنسان راحةً حينما يجلس في قلايته ”. فقال له واحدٌ: “ألا يوافق أن نذهب إليهنّ لأجل وعظهنّ ”؟ فقال له الشيخ: “إن نلتَ الروح القدس فاذهب إليهنّ وإلاّ فلا أريد لك أن تذهب، لأنّ في ذلك فرصة لك للسقوط أنت الذي تعظهنّ، وهنّ أيضًا معرّضات للسقوط لأن لهنّ نفس الطبيعة التي فينا، فقلب الإنسان دائمًا ميّالٌ إلى الشر”.

فقال الأخ: “ماذا أفعل في أمر التدبير الذي أنا مكلَّفٌ به ”؟ لأنه كان مدبِّرًا (إيكونوموس). فقال له الشيخ: “إذا نلتَ الروح القدس فاذهب إليهنّ وإلاّ فأنا لا أودُّ لك أن تذهب، وإنّ ذاك الذي يخدعك حتى يُسقِطك ألا يدفعهنّ هنّ أيضًا حتى يسقطن؟ لكن الإنسان إذا سلَّم قواه (إمكانياته) لله فسيصير نارًا على الأرض ”. فقال له الأخ: “إنني أقول، يا أبي، إنّ الإنسان الأمين يراقب نفسه في كل موضعٍ يذهب إليه ”. فقال له الشيخ: “لا، ولكن انتبه إلى أنه إذا وُجِد قطيعٌ من الخنازير الصاعد من النهر مغمورًا بالوحل ثم مشيتَ أنت في وسطهم ولم يُسقِطك الوحل إلاّ أنك ستُبلى كلك بقذارتهم ”([37]).

29- وقال أيضًا: “لا تمشي مع متكبِّر ولا مع غضوبٍ، بل سِرْ مع الذين هم متضعون في كل وقت، ولتكن كلماتك موزونة حتى يكون لها منفعة للذين يسمعونها. كن غيورًا، واقبل الآلام لأجل أخيك، وكن شفوقًا عليه. ليكن كلامك حلوًا في كل وقت. أحبّ الفقر جدًا، أحبّ الألم واسعَ إليه، اقبل الألم في جسدك لكي تغلب شهوات الجسد. قاتل لكي تغلب في الحروب التي تأتي عليك، لأن الحكيم يعرف طريقه الذي يجعله يحظى بملاقاة النور العُلوي في السموات ”([38]).

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

أقوال الأنبا أنطونيوس عن عدم الإبطاء خارج القلاية

30- وقال أيضًا: “كما أن السمك يختنق إذا بقي طويلاً خارج الماء، هكذا الرهبان الذين يتعوَّقون طويلاً خارج قلاليهم أو يقضون أوقاتهم مع أهل العالم، فإنهم يفقدون عمق سلامهم الداخلي، فينبغي علينا إذًا أن نُسرع إلى قلالينا كالسمك نحو البحر، خوفًا من أننا إذا تأخرنا خارجًا ننسى حرصنا الداخلي ”([39]).

31- سأل إخوةٌ شيخًا عن معنى القول السابق، فقال الشيخ: “لأنّ تذكار الله بربنا يسوع المسيح هو حياة النفس الذي يسميه الآباء “مستودع الحياة” وأيضًا “نسمة حياة النفس والذهن” ؛ فعندما يُبطئ الراهب في المدن وينظر ويتكلم مع العلمانيين يموت بالنسبة لنسمة الحياة التي في الله، أي ينسى تذكار الله وتبرد محبة المسيح في قلبه، المحبة التي تحصَّل عليها بأتعابٍ كثيرةٍ، وينسى فضائله وترتخي محبته للتجارب، ويحب الملذات ويميل إلى الشهوات وتضطرب زكاوة قلبه بما يدخل حواسه من سجسٍ، أي من النظر والحديث والسمع، التي هي بالحقيقة قوة النفس. بل يحدث أيضًا أن يسقط في أوجاعٍ عظيمةٍ، الله يحفظنا منها، آمين ”([40]).

32- مرةً جاء إليه بعضٌ ممن كانت لهم حاجات مُلِحّة، وبعد توسلاتٍ كثيرةٍ من قائد جندٍ، جاء وكلّمهم بإيجاز عمّا يؤول إلى خلاصهم وعمّا كانوا محتاجين إليه، ثم أسرع بالانصراف، وعندما توسل إليه القائد أن ينتظر أجاب بأنه لا يستطيع البقاء بينهم، وأقنعهم بابتسامةٍ حلوةٍ قائلاً: “إن السمك إذا بقي طويلاً على الأرض الجافة يموت، هكذا الرهبان يفقدون قوتهم إذا توانوا بينكم وصرفوا وقتهم معكم، لذلك كما يجب أن يسرع السمك إلى البحر ينبغي أن نسرع نحن إلى الجبل لئلاّ إذا تأخرنا ننسى ما بداخلنا”.

ولما سمع القائد ذلك وأمورًا كثيرة غيرها منه ذُهِل وقال: “يقينًا إنّ هذا الرجل هو خادم الله، لأنه لو لم يكن محبوبًا من الله فمن أين يكون مثل هذا الفهم العظيم لإنسانٍ جاهلٍ ”([41])؟

33- قال القديس أنطونيوس: “إذا خرجتُ من قلايتي لكي أذهب إلى الناس أخلع عباءتي (الرهبانية) وأذهب بدونها، ولمّا أرجع أرتديها مرةً أخرى، وهذا معناه: عندما أخرج إلى الناس أصير جسدًا وعندما أرجع إلى مسكني أصبح روحًا، فأصير إنسانًا مع الناس وأصير روحًا مع الله.

فالجسد هو مسكن القلب (أي الروح) وله بابٌ ونوافذٌ، فعندما أخرج إلى الناس تنفتح جميعها فتدخل العواصف والأمواج، أي أنّ الحواس تسمع وترى وتتكلم وتشعر. وعندما أمكث في قلايتي تكون كلها مغلقة وأكون بدون عواصف، وهذا لا يكون إلاّ مع قلبي الذي أُقاتل به، وأكون حرًّا من أربعة (حواس) أخرى، لأن الذي يتكلم بفهمٍ يبني نفسه وينفع رفيقه، والذي يصمت لا يتعرّض للخطر، لأن القديسة مريم العذراء مارست الفضيلة أولاً قبل وصولها إلى المعرفة الحقيقية لله (لو1: 30)”([42]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن ضبط اللسان

34- قيل إن بعض الإخوة من الأسقيط اتفقوا على زيارة القديس أنطونيوس، ولما ركبوا المركب وجدوا فيه شيخًا من الآباء يريد الذهاب إليه ولم يكن الإخوة يعرفونه، وإنهم اندفعوا يتحدثون بحديث الآباء وبما في الكتب ويتذاكرون أيضًا صنائع أيديهم والشيخ جالسٌ يسمع وهو صامتٌ، فلما غادروا القارب علموا أن الشيخ ذاهبٌ معهم إلى أنبا أنطونيوس. ولما وصلوا نظر إليهم القديس وقال للإخوة: “نِعمَ الرفيق وجدتموه ”، يقصد الشيخ. ثم قال للشيخ: “نِعمَ الرفقة وجدتهم أيها الأب ”. فقال له الشيخ: “أما هم فجيادٌ، ولكنّ دارهم ليس عليها باب، فمَنْ أراد أن يدخل الإسطبل ويحلّ الحمار ويأخذه لا يجد مانعًا”. يقصد أنهم كانوا يتكلمون بكل ما يجري على ألسنتهم([43]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن طاعة وصايا الله

35- قيل: ذهب بعض الإخوة إلى أنبا أنطونيوس وقالوا له: “يا أبانا، قل لنا كيف نخلص ”. فقال لهم: “أسمعتم ما يقول الكتاب ”؟ فقالوا: “من فمك أيها الأب ”. فقال لهم: “إن السيد يقول: »مَنْ لطمك على خدِّك الأيمن حوِّل له الأيسر«”. فقالوا: “لا نطيق ذلك ”. قال لهم: “إن لم تطيقوا ذلك فاصبروا على اللطمة الواحدة”. فقالوا له: “ولا هذا نستطيعه ”. فقال لهم: “إن لم تستطيعوا ولا هذا أيضًا فلا تكافئوا من يظلمكم ”. فقالوا له: “ولا هذا نستطيع ”. فدعا الشيخ تلميذه وقال له: “أصلح مائدةً للإخوة واصرفهم لأنهم مرضى، هذا لا يُطيقون وذاك لا يستطيعون ووصايا الرب لا يريدون، فماذا نصنع لهم ”([44])؟!

36- سأل إخوةٌ شيخًا: “ما معنى هذا القول (السابق)”؟ فقال الشيخ: “الطبيخ يعني به صلوات الشيوخ وأعمالهم، أي إن كنتم لا تقدرون على أن تحفظوا جزءً ا واحداً من وصية ربنا بالفكرة الإرادية فتفكيركم ضعيف، وأنتم محتاجون إلى صلاة عليكم من الآباء لشفاء نفوسكم كما يحتاج المرضى إلى طبيخ لضعف أجسادهم ”([45]).

37- وقال أيضًا: “إنه بالطاعة والتمسكن تخضع لنا الوحوش ”([46]).

38- وقالوا له: “ما معنى قول الرسول: »افرحوا بالرب«”؟ فقال: “إذا فرحنا بعمل الوصايا فهذا هو الفرح بالرب، فلنفرح بتكميل وصايا الرب وبنجاح إخوتنا، ولنحفظ أنفسنا من فرح العالم والضحك إن أردنا أن نكون من خواص ربنا، لأنه قال إنّ العالم يفرح وأنتم تبكون (يو16: 20)، وقال إنّ الويل للضاحكين وطوبى للباكين (لو6: 21و25). ولم يُكتب أنه ضحك قط، وكُتب أنه حزِنَ ودمعت عيناه (يو11: 35)”([47]).

39- وقال أيضًا: “إن أمِرتَ بشيءٍ يوافق مشيئة الله فاحفظه، وإن أمِرتَ بما يخالف الوصايا فقُل إنّ الطاعة لله أَولى من الطاعة للناس (أع5: 29)، واذكر قول الرب إنّ »غنمي تعرف صوتي وتتبعني ولا تتبع الغريب.« (يو10: 4و5)”([48])

40- وقال أيضًا: “إذا أعطيت نفسك لله فاحذر جميع الخطايا واعمل بوصية الله ولا ترفضها، فإنك إذا رفضتها فلن تُغفر لك خطيتك الأولى، وإن تمسّكتَ بها فتحقّق أنه قد تُرِكت لك جميع خطاياك الأولى”([49]).

41- وقال أيضًا: “إنّ الجمل لا يُعطَى إلاّ قليلاً من الغذاء فيحفظه داخله إلى أن يدخل حظيرته فيسترجعه ويجترّه حتى يتغلغل في عظامه ولحمه، أما الحصان فيُعطَى غذاءً كثيرًا فيأكله لساعته ثم يفقد ما أكله سريعًا. فالآن إذًا، نحن لا ينبغي أن نكون كالحصان، بمعنى أننا نتلو أقوال الله في كل وقت ولا نعمل بأيٍّ منها، ولكننا ينبغي أن نتشبّه بالجمل مردِّدين كل كلمةٍ من الأسفار المقدسة مراعين إياها حتى نتمِّمها، لأنّ الذين أكملوا هذه الأقوال كانوا بشرًا تحت الآلام مثلنا”([50]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن المغفرة للمسيئين واحتمال الإساءة

 

42- قال أنبا أنطونيوس: “لا تحزن ولا يوجعك قلبك على شيء لهذه الدنيا، ولا تقلق إذا شتمك جميع الناس، فهم يشبهون الغبار الذي تحمله الريح، بل احزن إذا عملتَ ما يستوجب الشتيمة”.

وقال أيضًا: “ما منفعة كلام الكرامة؟ إنه يطير في الهواء، وأما الخسارة الناتجة من الشتيمة الصائرة مجانًا فهي عارضة، لأنّ الناس يموتون وتموت كرامتهم، وشتيمتهم أيضًا تذهب معهم ”([51]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن التفكير في الفضيلة قبل الدخول فيها

43- وقال أيضًا: “الذي يطرق سبيكة من الحديد يضع أولاً في فكره ما هو عتيدٌ أن يعمله إمّا منجلاً أو سكينًا أو فأسًا هكذا نحن ينبغي أن نفكر في كل ما نبتدئ في الدخول فيه من الفضائل لئلاّ يكون عملنا وتعبنا باطلاً”([52]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن التشبُّه بالآباء في العمل الجيد

44- سُئل القديس أنطونيوس: “ما هو العمل الجيد”؟ فقال:“الأعمال الجيدة كثيرة، لأن الكتاب يقول إنّ إبراهيم كان مضيِّفًا للغرباء وكان الله معه، وإيليا كان يؤثر سكنى البرية والوحدة وكان الله معه، وداود كان متضعًا وديعًا وكان الله معه، ويوسف كان حليمًا عفيفًا وكان الله معه، فما يحبُّه قلبك من كل هذه افعله من أجل الله، واحفظ قلبك، وإذا قاتلتك أفكار كثيرة فقاتل رأسها، فإنّ هزمته هُزِم باقيها”([53]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن ملامة الذات

45- وقال أيضًا: “ينبغي على مَنْ يُشتم أن يعتقد أنه هو الذي تسبّب في أن يُشتم بسوء فعله، حتى يكون الشاتم مذلِّلاً له من الخارج وهو مذلِّلٌ لنفسه من الداخل، مثل داود الذي منع أصحابه من قتل شاتمه وقال: »اُتركوه فإنّ الرب جعله يشتمني، دعوه حتى ينظر الرب إلى ذُلِّي ويرحمني« (2صم16: 5-12)؛ وأن يتشبّه بالمسيح لأنه لمّا شُتِم لم يشتم، وأن تُفكِّر في أنّ شاتمك قد أعتقك من السبح الباطل إن احتملته بمعرفةٍ، وأنه قد أرسل لك على لسانه الدواء النافع.

“اقهر ذاتك وتعوّد على قطع مشيئاتك حتى بنعمة المسيح تصل إلى أن تمارس كل أمورك بدون تغصُّبٍ ولا حزن.

“أَحسن إلى كل أحدٍ، وإن لم تقدر فأحبّ كل أحد، وإن لم تقدر فلا أقل من أن لا تبغض أحدًا، ولن يتيسر لك شيء من ذلك ما دمتَ تحب العالميات ”([54]).

46- قال القديس أنطونيوس: “إنّ أفضل ما يقتنيه الإنسان هو أن يقرَّ بخطاياه قدام الله ويلوم نفسه، وأن يكون متأنِّيًا على كل بليةٍ تأتيه، ويتوقع التجربة حتى آخر نسمة من حياته ”([55]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن التعامل مع الآخرين

47- وقال أيضًا: “إن حدّثك أخٌ بأفكاره فاحذر من أن تُظهرها لأحدٍ، بل صلِّ عنه وعن نفسك لتخلُصا معًا”([56]).

48- وسُئل أنبا أنطونيوس: “هل جيدٌ أن يكتفي الراهب بنفسه فلا يأخذ من الإخوة ولا يعطيهم ”؟ فقال: “إذا تمسّك الراهب بذلك فهو يعيش بلا اتضاع ولا رحمة، فيبتعد من الخيرات المعدَّة للمتضعين والرحماء”([57]).

49- وسألوه أيضًا إن كان جيدًا أن يكتفي الراهب بنفسه فلا يخدم أحدًا ولا يدع أحدًا يخدمه؟ فقال: “إنّ الرب علّمنا أن نخدم إخوتنا كما يخدم العبيد مواليهم (أي سادتهم)، وذلك عندما شدَّ وسطه وغسل أرجل تلاميذه، فلا نمتنع من أن نخدم لأنّ بطرس لما امتنع عن غسل رجليه قال له: »إن لم أغسلك فلن يكون لك معي نصيب.«(يو13: 4-8)”([58]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن البعد عن الأهل والأصدقاء

50- وقال أيضًا: “إن شئتَ أن تخلص فلا تدخل بيتك الذي خرجت منه، ولا تسكن في القرية التي أخطأتَ فيها، ولا تُبصر آباءك ولا أقرباءك الجسدانيين، وإلاّ فأنت تظل كل زمانك بغير ثمرة”([59]).

51- كان القديس الجزيل الطوبى أنبا أنطونيوس الأب الحقيقي للرهبان في المسيح يجتمع مع تلاميذه، وكثيرًا ما كان يوصيهم أن يقطعوا من قلوبهم ذكر والديهم حسب الجسد وأقربائهم، ولا يكون لهم أي انشغالٍ أو اهتمامٍ باطلٍ بأعمالهم حتى تكون الروح حرّة طليقة بلا أي همٍّ جسداني، وحتى تتمكّن النفس من الالتصاق بالله بقوةٍ أكثر وبلا معوِّقات. ففي الحقيقة إنّ ثبات النفس يتحطّم كليّةً ويتقوّض بانشغالاتها بأقاربها، وهكذا ينطفئ فيها نور القلب حتى لا يعود الإنسان يرى نفسه بعد لدرجة أنّ النفس تنقسم وتتمزّق تحت ضغط الأفكار المتقلِّبة الخارجة عن الصواب.

ومن الواجب والنافع جدًا أنه لأجل خلاص النفس من الأهل والأقارب أن يلتجئ الرهبان دائمًا إلى التوسل بلا انقطاع إلى الرب أن ينتزعهم ويخلِّصهم من عذاب النار الأبدي الذي سيُصيب هذا العالم، ولكي يستحقوا أن يكون لهم نصيب في النور الحقيقي الأبدي الذي للأبرار عندما يأتي المسيح ابن الله الملك الأبدي في مجد جلاله مع الملائكة القديسين والقوات السماوية ليُدين الأحياء والأموات في يوم دينونة الله ذلك اليوم العظيم المرهوب.

ففي الحقيقة يجب على الرهبان أن يتشفعوا أيضًا لأجل ذويهم ويتوسلوا للرب لكي يستحقوا نوال الخلاص الأبدي في الحياة الدائمة، ولكي يكون لهم نصيبٌ في ملكوت يسوع المسيح ربنا، آمين([60]).

52- قال أنبا أبرآم: “جاء أحد الرهبان إلى أنبا أنطونيوس وأخبره بأن هناك حياة أعظم من حياة التوحد، إذ أنّ الفضيلة الأعظم هي أن يمارس الراهب حياة الكمال وهو يعيش بين الناس أكثر منه في البرية. فسأله أنبا أنطونيوس عن المكان الذي يعيش فيه هو، فأجابه بأنه يعيش بالقرب من أهله، وتباهى بأنه بسبب أنهم يمدّونه بكل احتياجاته فهو يعيش حرًّا من كل اهتمامٍ أو انشغالٍ بالعمل اليومي، وبذلك فهو متفرّغٌ تمامًا وبلا انقطاع للقراءة والصلاة خلوًا مما يُربِك الروح. فقال له القديس: “أخبرني يا عزيزي، هل أنت تحزن لأحزانهم وبلاياهم وتشاركهم أفراحهم في مسراتهم ”؟ فاعترف بأنه يفعل ذلك. فقال له الطوباوي: “ينبغي أن تعلم أنك ستُدان في اليوم الأخير بنفس الدينونة مع الذين أنت الآن ميّالٌ إلى مشاركتهم في مكسبهم أو خسارتهم وفي فرحهم أو حزنهم ”.

ولما لم يقتنع الأخ، تكلّم أنبا أنطونيوس في هذا الأمر بتوسُّعٍ قائلاً: “رغم أنك لا تشعر الآن بالضرر من هذه المعيشة إذ تذكر كلام الكتاب القائل: »ضربوني ولم أتوجَّع، لقد لكأوني (أو سخروا مني) ولم أعرف« (أم23: 35)، وأيضًا: »أكل الغرباء ثروته (أو قوّته) وهو لا يعرف« (هو7: 9)؛ إلاّ أنّ هذه الطريقة من الحياة وهذه الحالة الأكثر فتورًا تصيبك ليس بالضرر الذي كلّمتك عنه فحسب، بل إنها تجرّ قلبك يومًا فيومًا بلا توقُّف إلى الأمور الأرضية وتجعله يتغير وفقًا لمتطلّبات الظروف، بل إنها أيضًا تسلبك مما تجنيه يداك من ثمار ومن الجعالة التي تستحقها عن جهاداتك حيث إنها لا تسمح لك بأن تقتني خبزك من عمل يديك حسب تدبير ق. بولس الرسول الذي عندما كان يعطي توجيهاته الأخيرة لمدبِّري كنيسة أفسس أكّد لهم أنه رغم أنه كان مشغولاً بواجباته المقدسة في التبشير بالإنجيل؛ فقد كان يقتني الاحتياجات المادية بعمل يديه ليس لنفسه فقط بل أيضًا للذين كانوا معه في نفس الخدمة قائلاً: »أنتم تعلمون أنّ حاجاتي وحاجات الذين معي خدمَتها هاتان اليدان« (أع20: 34). كما أنه لكي يُظهر لنا أنه فعل ذلك كقدوة نافعة لنا يقول: »أنتم تعرفون كيف يجب أن يُتمثّل بنا لأننا لم نسلك بلا ترتيبٍ بينكم ولا أكلنا خبزًا مجانًا من أحدٍ بل كنا نشتغل بتعبٍ وكدٍّ ليلاً ونهارًا لكي لا نثقِّل على أحدٍ منكم، ليس أنّ لا سلطان لنا بل لكي نعطيكم أنفسنا قدوةً حتى تتمثّلوا بنا، فإننا أيضًا حين كنّا عندكم أوصيناكم بهذا أنه إن كان أحدٌ لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضًا.« (2تس3: 7 – 10)”([61]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن محبة الخاطئ

53- اتُّهم أخ في كينوبيون([62]) تهمةً باطلةً بأنه ارتكب خطية الزنى، فقام وجاء إلى أنبا أنطونيوس. فتبعه الإخوة الذين معه في الكينوبيون ليصالحوه ويردُّوه، وهناك تصدُّوا له محاولين أن يُثبتوا عليه التهمة، ولكنه أصرَّ على أنه لم يرتكب قط هذا الفعل. واتفق أنّ أبّا بفنوتيوس الكيفالاسي (أي ذو الرأس الكبيرة) كان هناك، فقال لهم هذا المثل: “رأيتُ على شاطئ النهر إنسانًا مغمورًا في الوحل حتى ركبتيه، فجاء إليه قوم ليساعدوه فأغرقوه إلى الرقبة”. فلما سمع أنبا أنطونيوس ذلك قال لهم عن أنبا بفنوتيوس: “هذا إنسانٌ قادرٌ حقًّا أن يُشفي ويخلِّص النفوس ”. حينئذٍ امتلأوا ندمًا من كلام الشيخين وصنعوا مطانية للأخ ورجعوا به إلى الكينوبيون([63]).

54- حدث أنّ أخًا في كينوبيون سقط في تجربةٍ فطردوه من هناك، فذهب إلى الجبل حيث أنبا أنطونيوس، ومكث الأخ عنده مدةً، ثم أعاده أبّا أنطونيوس إلى الكينوبيون الذي طُرِد منه، فلما رآه الإخوة طردوه ثانيةً، فرجع الأخ إلى أبّا أنطونيوس قائلاً: “رفضوا أن يقبلوني يا أبي ”. فأرسل الشيخ إليهم قائلاً: “سفينة كادت تغرق في البحر وتلفت كل شحنتها، وبتعبٍ كثير رجعَتْ سالمة إلى البرّ، فالذي سَلِمَ تريدون أنتم أن تُغرقوه ”؟! فلما علم الإخوة أنّ أنبا أنطونيوس هو الذي أعاد إليهم الأخ قبلوه في الحال([64]).

55- قيل عن أنبا أنطونيوس: ظهرت له مرةً رؤية بخصوص عذراء كانت قد سقطت في خطية، فنهض وأخذ عصاته الجريد في يده واتخذ طريقه نحو الدير (الذي فيه العذراء)([65]) لكي يوجِّه إلى العذارى توبيخات شديدة جدًا، وذلك بسبب طهارة سيرته. ولما تقدّم في سيره واقترب من الدير ظهر له المسيح ملك المجد الرحوم وحده، ذاك الذي عنده كنوزٌ عديدة من الرحمة، ذاك الذي يغفر ويمحو خطايا وتعدِّيات البشر، وقال له المخلِّص بوجهٍ باشٍّ وبابتسامةٍ مملوءة نعمة: “يا أنطونيوس، هل يوجد سبب لتكبُّدك هذا التعب ”؟ فلما سمع الشيخ هذا الكلام من الرب انطرح على الأرض على وجهه وقال: “يا رب، طالما أنك جعلتني أهلاً أن أعاين حضرتك، فأنت أول من يعرف ما هي حماقة تعبي ”. فقال له محبّ البشر: “لقد احتملتَ هذا التعب والمجهود بسبب خطية هذه العذراء الصغيرة”. فانطرح أنبا أنطونيوس على الأرض على وجهه وقال له: “يا رب، أنت تعلم كل الأمور قبل أن تحدث ”. فقال له الرب: “قُم، اتبعني ”.

ولما دخل معه إلى المكان الذي كانت فيه العذراء أغلِقت الأبواب، وسمع العذراء تبكي وتقول: “يا ربي يسوع المسيح، إن كنتَ للآثام راصدًا فمن يستطيع أن يقف أمامك؟ لأنّ من عندك المغفرة (مز129: 3و4 حسب السبعينية)، يا سيدي يسوع المسيح، انتقم لي من الذي يبغضني والذي يسبِّب لي الهلاك، يا سيدي يسوع المسيح، إنني أصلِّي إليك، لا تحجب وجهك عني (مز27: 9)، لأنني آنية ضعيفة (1بط3: 7)”. وكانت تقول ذلك بدموع غزيرة.

وإنّ ربنا يسوع المسيح إلهنا الرحوم الشفوق قال: “يا أنطونيوس، ألم تتحرك أحشاؤك الآن؟ ألا تبكي عيناك عندما تسمع بضعف طبيعتها القابلة للانكسار، وكيف هي تصرخ إليَّ بدموعٍ مؤلمةٍ؟ ألم تجتذب هي مراحمي إليها بالحق مثل الخاطئة التي غسلت قدميَّ بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، ولأجل توبتها نالت مني غفران خطاياها بسبب إيمانها (لو7: 36-50)؟ ومع ذلك فلن أترك تعبك يذهب سُدًى، أعطها قليلاً من التعليم ثم ارحل ”. ولما قال المخلِّص ذلك اختفى.

ورجع أنبا أنطونيوس ممجِّدًا الله، وكانت دموعه تسيل بغزارةٍ على الأرض، وكان مندهشًا جدًا من صلاح الله وفيض مراحمه العديدة على كل صنعة يديه، والطريقة التي بها يقبل إليه فورًا كل إنسانٍ يخطئ ويرجع إليه تائبًا بقلب مستقيم([66]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن الإفراز

56- قال القديس أبّا موسى في حديثه مع أبّا يوحنا كاسيان في شيهيت: “أذكر أنه في حداثتي لما كنت في الصعيد حيث يسكن الطوباوي أنطونيوس، أن جاء إليه الشيوخ يسألونه عن الكمال، ورغم أن الحديث امتدّ من المساء حتى الصباح التالي؛ إلاّ أنّ الجزء الأكبر من الليل انقضى في هذا السؤال وحده، لأنهم تباحثوا فيه بإسهابٍ، وهو: ’أية فضيلة أو نظام رهباني يحفظ الراهب بلا مضرّةٍ من فخاخ وضلالات الشيطان وتصعد به هذه الفضيلة في طريقٍ مأمونٍ صحيح بخُطى ثابتة إلى قمم الكمال‘؟

“وقال كل واحدٍ منهم رأيه حسبما يعتقد. فالبعض اعتبر أنّ الكمال كائنٌ في الصوم والسهر بغيرةٍ، فالنفس التي تكون قد انسحقت بهما واكتسبت نقاوة القلب والجسد يسهل عليها الاتحاد بالله. وآخرون اعتبروا الكمال متوقِّفًا على احتقار أمور هذا العالم حتى إذا تجرّد الذهن تمامًا يقترب بغير عوائق من الله، إذ لن تُربكه فيما بعد أيّة فخاخ شيطانية.

“وآخرون رأوا أنّ الحاجة الضرورية هي إلى البعد عن العالم أي التوحُّد وحياة النسك الخفيّة، إذ أنّها هي الحياة التي يتهيّأ فيها الإنسان أكثر للشركة مع الله والالتصاق به على وجهٍ خصوصي. بينما أكّد البعض أنّ الكمال هو في إتمام واجبات المحبة أي ممارسة أعمال الرحمة، لأنّ الرب وعد في الإنجيل أن يهب الملكوت لهؤلاء بالذات عندما قال: »تعالوا إليَّ يا مباركي أبي رثوا المُلك المعدّ لكم منذ تأسيس العالم، لأنّي كنتُ جوعانًا فأطعمتموني، كنتُ عطشانًا فسقيتموني « (مت25: 34-36). وعلى هذا المنوال ظهر أنه بواسطة فضائل مختلفة يمكن للإنسان إلى حدٍّ ما أن يتقرَّب إلى الله.

فلما عبر الجانب الأكبر من الليل في هذه المناقشة، تكلّم أخيرًا الطوباوي أنطونيوس وقال: ’كل ما ذكرتموه نحتاج إليه حقًّا وهو معينٌ للمتعطّشين إلى الله والمشتاقين للاقتراب إليه، إلاّ أنّ حوادث كثيرة وخبرة الكثيرين علّمتنا أنّ أهم المواهب ليست كائنة في هذه الفضائل. فقد يكون البعض جادّين في الصوم أو السهر بحرارةٍ ومنقطعين بشجاعةٍ للتوحد وقد اتجهوا إلى التجرُّد مما لهم إلى أقصى درجةٍ حتى إنهم لا يحملون همّ طعام يومٍ واحدٍ أو بقاء فلسٍ واحدٍ معهم، ويتمّمون كل واجبات المحبة بمنتهى الإخلاص، وإذ بنا نجدهم يُخدَعون فجأةً حتى إنهم لا يكمِّلون العمل الذي بدأوه إلى غايته الصحيحة، بل بغيرتهم الشديدة وحياتهم التي تستحق المديح يبلغون إلى نهايةٍ مرعبة.

’لذلك يمكننا أن نتعرّف بوضوح على الطريق المؤدّية بنا إلى الله مباشرةً إذا تتبّعنا بعنايةٍ علّة سقوطهم وانخداعهم. فعندما تتوافر فيهم الفضائل التي ذكرتموها بغزارةٍ يعوزهم شيءٌ واحد فقط وهو الإفراز، لذلك لا يتمكّنوا من المثابرة إلى النهاية، كما لا يمكنهم اكتشاف علّة سقوطهم لأنهم لم يتعلّموا من شيوخهم كما يجب، فلم يكتسبوا صحة الحكم على الأمور ولا الإفراز الذي يعلِّم الراهب ألاّ يتطرّف في سيرِهِ بل يتخذ الطريق الملوكي، فلا ينتفخ ويتكبّر بالانحراف في طريق الفضيلة يمينًا، وذلك بالاندفاع الأعمى في جسارةٍ غبيةٍ إلى درجة تخطِّي حدود الاعتدال المطلوب، ولا الانحراف يسارًا بأن يرتاح إلى التواني متظاهرًا بضبط الجسد فيزداد بالعكس تراخيًا إلى أن يبلغ إلى روح الفتور.

’لأنّ هذا هو الإفراز الذي عبّر عنه الإنجيل ب “العين” و “سراج الجسد” حسب قول المخلّص: »سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرًا، ولكن إن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا« (مت6: 22و23). فالعين إذ تميّز أعمال الناس وأفكارهم فهي ترى وتفحص كل الأمور التي ينبغي عملها، ولكن أيّ إنسان إن كانت عينه شريرة أي غير محصّنة بالمعرفة والحكم السليم أو مخدوعةً بأي خطأ أو تهوُّر، فإنّ جسده يصير كله مظلمًا، أي أنّ رؤيته العقلية وكل أعماله تصير مظلمة لأنها تكون غارقةً في ظلمة الرذائل وضباب الاضطرابات، لأنه يقول: »إن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون؟« (مت6: 23)

’فلا يشكّ أحدٌ أنه عندما يكون حكم القلب خاطئًا وغارقًا في ليل الجهالة، فإنّ أفكارنا وأعمالنا الناتجة عن عدم التأنّي وتشاور الفكر والإفراز تكون حتمًا غارقةً في ظلمة خطايا أعظم‘ ”([67]).

57- قال أحد الشيوخ([68]): “إنّ الإفراز الحقيقي لا يكون إلاّ من الاتضاع، والاتضاع هو أن نكشف لآبائنا أفكارنا وأعمالنا، ولا نثق برأينا بل نستشير الشيوخ المجرَّبين الذين نالوا نعمة الإفراز ونفعل كل ما يشيرون به علينا، فالذي يكشف أفكاره الرديئة لآبائه تخفّ عنه، وكما أنّ الحيّة إذا خرجت من موضعٍ مظلم إلى ضوء تهرب بسرعة، كذلك الأفكار الرديئة إذا كُشِفت تبطل من أجل فضيلة الاتضاع.

وإذا كانت الصناعات التي نُبصرها بعيوننا ونسمعها بآذاننا ونعملها بأيدينا لا نقدر أن نعملها من ذواتنا إن لم نتعلمها من معلِّميها، أَفليست هي جهالة وحماقة لمن يريد أن يعمل الصناعة الروحانية غير المرئية التي هي أكثر خفيةً (أي سرِّيةً) من جميع الصنائع، والخطأ فيها أعظم خسارةً من كل ما عداها، بغير معلِّم ”([69])؟!

58- جاء مرةً شيخ كبير زائرًا للقديس أنطونيوس في البرية وهو راكب حمار وحش، فلما رآه أنبا أنطونيوس قال: “هذا سَفَرٌ عظيم، ولكنني لا أعلم إن كان يصل إلى النهاية أم لا”([70])!

59- قيل إنّ شيوخًا كانوا ذاهبين إلى الأب أنطونيوس فضلُّوا وانقطع الرجاء منهم، وجلسوا في الطريق من التعب، فخرج إليهم شابٌ من صدر البرية، وكانت هناك حمير وحش ترعى، فأشار (الشاب) إليها بيده فحضرت إليه، فأمرها قائلاً: “احملوا هؤلاء إلى حيث يوجد أنطونيوس ”، ففعلت حمير الوحش ذلك. وجاءوا وأخبروا أنبا أنطونيوس بما حدث. أما هو فقال لهم: “هذا الراهب يشبه مركبًا مملوءً ا من كل خير، ولكنّي لا أعلم إن كان يصل إلى الميناء أم لا”!

وبعد زمانٍ دخل الشيخ في غيبوبةٍ، ثم بدأ يبكي وينتف شعره، فقال له تلميذه: “ماذا حدث أيها الأب ”؟ فقال له الشيخ: “عمودٌ عظيمٌ في الكنيسة سقط في هذه الساعة، أعني ذلك الشاب الذي أطاعته حمير الوحش ”. وأرسل الشيخ تلاميذه إليه فوجدوه جالسًا على حصير وهو يبكي. فلما رأى تلاميذ أنبا أنطونيوس قال لهم: “قولوا للشيخ أن يطلب إلى الله لكي يُمهلني في الحياة عشرة أيام لعلّي أتوب ”. ولكنه قبل أن تكمل خمسة أيام توفى([71]).

60- سأل إخوةٌ القديس فيلوكسينوس قائلين: “ذاك القديس الذي كان ساكنًا في البرية الداخلية بالقرب من أنبا أنطونيوس، الذي قال عنه إنّ عمودًا سقط اليوم من الكنيسة، لماذا لما سقط وطلب مهلةً لمدة عشرة أيام لم تُعطَ له سوى خمسة أيام؟ ولماذا لم يذكر الكاتب سقطته ”؟

أجاب الشيخ: “كان هذا الرجل عظيمًا في درجة أنبا أنطونيوس، بدليل ما فعله القديس أنطونيوس إذ نتف شعر لحيته وبكى وناح من أجله، لأنه كان قد ذاق النعمة السماوية ولذلك تكبَّر كثيرًا، ولأنّ سقوطه كان ممتلئًا إثمًا لذلك لم يُعطَ له زمانٌ للتوبة كما طلب رغم أن أنبا أنطونيوس صلَّى من أجله كثيرًا، وذلك لسببين: الأول: أنه لو أعطيَ زمانًا كما طلب ما كان سيتوب، والثاني: لكي يحترس أنبا أنطونيوس والكاملون مثله في ذلك الزمان. ورغم صلاة أنبا أنطونيوس لم تُعطَ له مهلة خمسة أيام أخرى لأنّ خطيته كانت مضاعفة: كبرياءه وسقوطه.

ولم يوضِّح الكاتب سبب سقوطه بل ذكره بالرمز للفاهمين لئلاّ يكون سبب شكٍّ (أي عثرة) لمن يعرفه ويسمعه، لأنه مع العطايا العظيمة والمواهب الكثيرة التي نالها قال الكاتب إنّ الوحوش كانت تطيعه عندما يركبها. أما سقوطه فواضحٌ مما قاله داود النبي: »الإنسان الذي لا يعرف كرامته يشبه البهائم التي لا عقل لها« (مز49: 20) . يا ربنا يسوع المسيح استرنا واحفظنا في كنفك لئلاّ نتكبّر ونسقط”([72]).

61- وقال أيضًا: “إنّ قومًا عذّبوا أجسادهم في النسك ولم يجدوا الافراز فظلُّوا بعيدين عن طريق الله ”([73]).

62- قيل إنّ الآباء مدحوا أخاً أمام أبّا أنطونيوس، فلما زاره ذلك الأخ أراد القديس أن يجرِّبه ليعرف إن كان يحتمل الإهانة، فلما وجد أنه لا يحتمل قال له: “إنك تشبه قرية (أو قصر) مزينةً من الخارج بأفخم الزينات ومن الداخل خاويةً منهوبةً من اللصوص ”([74]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن الأحلام التي من الشياطين

63- جاء مرةً بعض الإخوة إلى الأب أنطونيوس ليُخبروه عن أحلامٍ كانوا يرونها ليعلموا هل هي حقيقية أم من الشياطين. وكان معهم أتانٌ مات في الطريق، فلما سلَّموا على الأب ابتدرهم قائلاً: “كيف كان طريقكم؟ وكيف مات الأتان الصغير”؟ فأجابوه: “ومن أين علمتَ يا أبانا”؟ قال لهم: “الشياطين أروني ذلك في الحلم ”. فقالوا له: “ونحن لهذا الأمر جئنا لنسألك، لأننا نرى أحلامًا وتصدُق مرارًا كثيرة لئلاّ نكون قد ضللنا”.

فحقّق لهم الشيخ من أمر الأتان الذي أخبرهم به أنّ هذه التخيلات هي من الشياطين، وقال أيضًا: “وإن تظاهر الشياطين بالمعرفة المسبّقة فلا نميل إليهم، لأنهم يخبرون بأشياء كثيرة قبل كونها بأيامٍ ليُقنعوا الذين يُصغون إليهم، فإذا صدّقوهم يضلّونهم بعد ذلك ويهلكونهم بغشِّهم واحتيالهم. أما الشياطين فليست لهم معرفة مسبّقة، لأنّ علم الغيب عند الله وحده، وإنما هم سُعاة خفيفون مسرعون في الهواء، والذي يرونه يسبقون ويُنذرون به. فاطلبوا من الله أن يؤازركم على دحضهم، ومتى طرقوكم ليلاً قائلين إنهم ملائكة فلا تصدِّقوهم لأنهم كذبة”.

ثم قال أيضًا: “إذا بدأ إنسان يسافر من بلدةٍ بعيدةٍ تراه الشياطين فتسبق وتُنذر بمجيئه قبل أن يجيء، وقد يحدث مرارًا كثيرة أنّ ذلك الإنسان يتعوَّق أو يرجع بسبب عارضٍ ما فيظهر كذب الشياطين. وهكذا يُخبرون عن ماء النيل، لأنهم متى عاينوا أنّ الأمطار كثيرة في بلاد الحبشة يعرفون أنّ النهر سيفيض كثيرًا، فيسبقون ويُخبرون بذلك. وكما كان ديدبان (أي رقيب) داود الملك يقف على أعلى موضع فينظر ما لم ينظره مَنْ هو تحته فيُخبر به، هكذا هؤلاء الأرجاس أيضًا يفعلون ليُضلُّوا الناس ”([75]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن مشورة الآباء وطاعتهم

64- تصدَّق رجل غني بماله واحتفظ ببعضه لقلّة إيمانه، وأتى إلى الأب أنطونيوس وسجد له قائلاً: “أعلمني كيف أخلص ”. فقال له الشيخ: “إن آثرتَ الخلاص بحقٍ فافعل ما أقوله لك: اذهب إلى القرية واشترِ لحمًا، وانزع ثوبك وعلِّق اللحم في رقبتك وتعال ”. فأطاع الأخ واشترى اللحم وخلع ثوبه وحمله على رقبته، فلم يبقَ طيرٌ ولا كلبٌ في تلك القرية إلاّ وهجم عليه ونهشه الطير وجرح جسمه. فلما وصل إلى القديس على هذا الحال قال له: “مرحبًا بابن الطاعة! أعلمتَ يا بُنيَّ لماذا قلتُ لك أن تفعل ذلك؟ لكي أعطيك مثالاً، فكثيرٌ من الناس إذا سمعوا الوصايا لا يحفظونها، وآخرون ينسونها لقلّة الحسّ، فلذلك أمرتك بهذا ليكون لكلامي أثرٌ بسبب ألم الجراح، لأنّ قليلي الحسّ لا تنفع معهم الوصية شيئًا، فلهذا يا بُنيَّ أسّستُ فيك موضعًا ثابتًا لوصيتي، فإذ قد تنقّى حقلك من شوك الغفلة فلنبذر فيك الزرع المقدس.

“أرأيتَ يا بُنيَّ؟ كما نهشت الطيور والكلاب جسمك وجرحته، كذلك تنهش الشياطين وتجرح نفوس أصحاب القنية. فأوعِ الآن هذا الكلام في عقلك وتفكّر به كل أيام حياتك، وإياك يا ابني أن تتكل على المال بل اتكل على المسيح، فاذهب الآن يا بُنيَّ وفرِّق ما أبقيت لنفسك من المال حتى تكون رهبانيتك يا حبيبي نقية من الغش، لأنه سيّان عند الراهب إذا أبقى في قلايته دينارًا أو شيطانًا”.

وبعد أن دعّمه بالكلام أخذ زيتًا وصلَّى عليه ودهنه، ولوقته شُفيَ وكأنه لم يُصب بجراح ولا ألم قط، وذهب وهو مسرورٌ يسبِّح الله([76]).

65- قيل إنّ اثنين من الإخوة كانا يعيشان في دير، وكان كلٌ منهما قد وصل إلى درجةٍ عاليةٍ في الحياة النسكية، فقد كرَّس أحدهما نفسه لحياةٍ صارمةٍ من إنكار الذات والفقر، وكان الآخر مطيعًا ومتضعًا. وإذ حدث نقاشٌ بينهما أرادا أن يعرفا أي نوع من حياتهما هو الأعظم، فنزلا في نهرٍ كانت فيه تماسيح كثيرة، فدخل الأخ الذي كانت له ملَكة الطاعة ووقف بين التماسيح فانحنت كلها له. ثم صاح مناديًا زميله الذي كان إنسانًا نائحًا، فقال له: “اغفر لي يا أخي، فلم أبلغ بعد إلى درجة الإيمان هذه التي لك ”.

ولما رجعا إلى الدير سمع أنبا أنطونيوس (أب الدير) صوتًا يقول له: “إنّ الإنسان المطيع أفضل من ذاك الذي يعيش حياة فقر اختياري ”([77]).

66- وقال أيضًا: “ينبغي على الراهب الشاب أنه في كل خطوةٍ يخطوها في قلايته وكل نقطة ماء يشربها يشاور الشيوخ، لأنِّي رأيتُ رهبانًا كثيرين بعد تعبٍ كثير سقطوا في دهشة العقل والكبرياء والعُجب بالنفس لأنهم اتّكلوا على معرفتهم وحدهم، إذ لم يُصغوا إلى الوصية القائلة: »اسأل أباك فيُخبرك وشيوخك فيقولوا لك.«(تث32: 7)”([78])

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن الاتضاع

67- أبصر أنبا أنطونيوس فخاخ الشياطين مبسوطةً على الأرض كلها، فتنهَّد وقال: “يا رب مَنْ يفلت من كل هذه ”؟ فجاءه صوتٌ من السماء قائلاً: “المتضعون يفلتون منها”([79]).

68- سأل الإخوة شيخًا بخصوص القول السابق قائلين: “كيف رأى هذا القديس فخاخ الشيطان، هل بطريقةٍ محسوسةٍ أم معقولة؟ ومَنْ هم الذين قالوا له إنّ الاتضاع يخلِّص منها”؟

فأجاب الشيخ: “لقد رأى القديس أنبا مقار ما يشبه ذلك في البرية الداخلية من الأسقيط، فقد رأى شبه رجلين، الواحد عليه ثوبٌ مثقّبٌ وفيه أشياء ملونة والآخر يلبس ثوبًا باليًا مشبّكة به قوارير كثيرة، وكل واحدٍ منهما له أجنحةٌ كشبه غطاءٍ ملفوفٍ فيها، إلاّ أنه رأى ذلك بعين الجسد. أما القديس أنطونيوس فرأى بعين العقل جميع فخاخ الشيطان التي ينصبها للمتوحدين في كل حين ويكبِّلهم ويعوِّقهم عن السعي في طريق الفضيلة كما هو مكتوبٌ: »في طريقي نصبوا لي فخاخًا وحبالاً شبكوها في مسالكي« (مز140: 5). فلما رآها منصوبةً كشبه الفخاخ التي ينصبها الصيادون للوحوش تعجّب واحتار من كثرتها ومن أنّ الذين يسقطون فيها لا يخلصون، وهي مثل فخّ الشره وامتلاء البطن، وفخّ محبة الفضة، ومحبة الزنى، والمجد الباطل والكبرياء وبقية الأوجاع التي أظهرتها له الملائكة. كما أظهروا له جميع الحيل والخداعات التي يُخفون بها فخاخهم ويقيِّدون الإخوة بها.

فلما تعجّب واحتار من كل ذلك بكى وتنهّد وقال: ‘الويل لنا نحن المتوحدين، كيف نقدر أن نخلص من كل هذه ولا نكبَّل بها’؟! فقالت له الملائكة: ’الاتضاع يخلِّص منها كلها ولا يسقط فيها الذين اقتنوا الاتضاع‘. وهم لا يقصدون الاتضاع وحده بل ومعه الجهاد والعمل، لأنّ العمل يشبه اللحم والاتضاع يشبه الملح، فإذا عدم اللحم الملح ينتن ويفسد، وإذا اجتمع العمل الجسدي والجهاد المخفى في الذهن الذي في الهدوء والصلاة بغير فتور والاتضاع الكامل، فهي معًا تغلب جميع الأوجاع، وجميع الشياطين لا تصل إلى هؤلاء العمّالين، كما قالت الملائكة للقديس لأنطونيوس([80]).

69- في أحد الأيام جاء بعض الشيوخ لرؤية أنبا أنطونيوس وكان بينهم أنبا يوسف، وأراد الشيخ أن يمتحنهم فعرض عليهم نصًّا من الأسفار المقدسة، وسألهم مبتدئًا من الأصغر عن معنى هذا النص، فقال كل منهم رأيه حسب مقدرته، ولكنه قال لكل واحدٍ منهم: “أنت لم تفهمه ”. وأخيرًا قال لأبّا يوسف: “كيف تفسِّر هذا القول ”؟ فأجاب: “لا أعرف ”. حينئذٍ قال أنبا أنطونيوس: “بالحقيقة إنّ أبّا يوسف قد وجد الطريق (أي طريق الاتضاع وإنكار الذات) لأنه قال: ’لا أعرف‘ ”([81]).

70- كُشِف لأنبا أنطونيوس في البرية أنه كان هناك واحدٌ مساويًا له في المدينة، وكان هذا طبيبًا ويُعطي ما يكتسبه للفقراء والمعوزين ويقدِّس الله كل يوم، حيث يقضي النهار كله يرتل مع الملائكة الثلاث تقديسات([82]).

71- قيل عن أنبا أنطونيوس إنه بينما كان يصلِّي في قلايته ذات مرةٍ سمع صوتًا يقول له: “يا أنطونيوس، إنك لم تصل بعد إلى درجة رجلٍ يعمل خيّاطًا، وهو ساكن في الإسكندرية”. فنهض أنطونيوس في الصباح وأخذ معه جريدة نخل وسافر إليه، فلما رآه الرجل اضطرب. فقال له الشيخ: “أخبرني ماذا تفعل وكيف تعيش ”؟ فقال له الخياط: “أنا لا أعرف أنني أفعل أي صلاح، أعرف فقط أنني عندما أقوم في الصباح، قبل أن أجلس إلى عمل يديَّ أشكر الله وأسبِّحه، وأنا أضع أعمالي الشريرة نُصب عينيَّ قائلاً: ’كل الناس الذين في هذه المدينة سيدخلون ملكوت الله بسبب صدقاتهم وأعمالهم الصالحة ما عدا أنا فسأرث العقاب على خطاياي‘. وأيضًا في المساء قبل أن أنام أفعل نفس هذه الأمور”.

فلما سمع أنبا أنطونيوس ذلك قال: “مثل الرجل الذي يعمل في الذهب ويعمل أشياء جميلة نظيفة وهو في سلام، هكذا أنت بأفكارك الجميلة سترث ملكوت الله، في حين أنني أنا الذي قضيتُ كل حياتي في البرية منعزلاً عن الناس لم يحدث أنني فُقتُ عليك إطلاقًا”([83]).

72- سأل إخوةٌ شيخًا: “لماذا وجّه الله أبانا أنطونيوس وآباء آخرين في هذا العالم إلى علمانيين من الرجال والنساء فرأوا فضيلتهم ومدحوهم ”؟ فأجاب الشيخ: “من أجل اتضاع الآباء (أي لكي يتضعوا) وتعزية العلمانيين. فالآباء كانوا أغنياء بالأعمال والجهاد، وكانوا محتاجين إلى اتضاعٍ أكثر، والأفاضل الذين في العالم كانوا أغنياء بالاتضاع ومحتاجين إلى الشجاعة والتعزية، فأرسل الله عظماء قديسين إلى الأفاضل الذين في العالم حتى ينتفع كلا الطرفين ويكمل عونهم: هؤلاء بالأعمال والاتضاع وأولئك بالرجاء والعزاء”([84]).

73- سأل إخوةٌ شيخًا: “لماذا لما طلب بعض الآباء من الله أن يُعرِّفهم بمن يشبههم من القديسين كان يقودهم إلى قوم حقيرين في العالم كما قاد أنبا أنطونيوس إلى ذلك الإسكافي وأنبا مقاريوس إلى تينك المرأتين وأنبا ببنودة (بفنوتيوس الصعيدي) إلى ذاك اللص صاحب المزمار وغيرهم ”؟

فأجاب الشيخ: “إذا وصل الصدِّيقون الكاملون إلى علو التدبير الممجَّد يمتلئ قلبهم نورًا وفرحًا بالله، وإذ تكون لهم دالّة عنده – كدالّة يوحنا الرسول التي جعلته يسأل الرب على مائدة العشاء الربّاني عمّن سيسلِّمه – كانوا يطلبون أن يكشف لهم إلى أيّة درجةٍ وصلوا وبمَنْ مِن القديسين تشبّهوا ليكون لهم بذلك عزاء ويزدادوا حرارةً في حب الله. والرب بحكمته وصلاحه لا يعطيهم طلبتهم إذ ليس لهم فيها ربح، بل كان يقودهم إلى قوم حقيرين في العالم ذوي صلاح واتضاع، ولم يكن بقاؤهم في العالم بهواهم بل بحكم العادة أو مغصوبين أو عن ضرورةٍ، وذلك لثلاثة أسباب: الأول: لكي يتضعوا ولا يتكبّروا، والثاني:لخلاص الذين قادهم إليهم، والثالث: لكي يُعرَف حينئذٍ أنهم كاملون إذا اتفق مع برِّهم محقرة واتضاع وندم مثل الخطاة”([85]).

74- وقال أنبا أنطونيوس أيضًا: “اعتبر نفسك لا شيء، لأنّ عدم اعتبارك لنفسك هو دليل الاتضاع، والاتضاع يلد المعرفة، والمعرفة تلد الإيمان، والإيمان يلد الطاعة لله، والطاعة لله تلد المحبة الأخوية”([86]).

75- سأل إخوة شيخًا: “قال أنبا أنطونيوس إنّ الاتضاع هو أن لا يجازي الإنسان الشر بالشر، وإن كان لم يصل إلى هذه الدرجة فليحفظ السكوت والهدوء، فكيف من الهدوء يصل الإنسان إلى هذه الدرجة”؟

قال الشيخ: “عندما ينظر الإنسان في الهدوء إلى المسيح مصلوبًا ممّن قد أحسن إليهم ويرى نفسه مصلوبًا معه ممّن أحسن هو إليهم فهو يسأل الصفح عنهم، فقد تشبّه به الشهيد اسطفانوس في ذلك، فصار المسيح مثالاً لنا في الصبر. وكما علّمنا القديس بولس الرسول فلننظر يا إخوة إلى صليب ربنا لنرى كم صبر من أجل الخطاة. ولا تملُّوا ولا تنحلّ نفوسكم من الصبر والضيق والشتيمة والموت من أجل حبّه، واطلبوا بالصلاة الغفران لمن يضايقكم كما طلب ربنا عن صالبيه، وكما طلب اسطفانوس عن راجميه، فما دام الأخ يقتدي به في ذلك مع العمل بجميع الوصايا فهو يتضع ويقوى على كل الأوجاع، ليس بالصبر على الشتم بغير مجازاة فحسب، بل يفرح بذلك كثيرًا ويكمّل كل الفضائل ”([87]).

76- قال شيخ([88]): “إذا لم يأتِ علينا قتالٌ فعلينا أن نتضع جدًا عالمين أنّ الله لمعرفته بضعفنا رفع عنا القتال، ولكن إن افتخرنا يرفع عنا ستره (أي معونته) فنهلك ”([89]).

77- سأل إخوةٌ شيخًا: “قال أنبا أنطونيوس: ’إذا كنا بغير قتالٍ ينبغي أن نخاف كثيرًا ونتضع قدام الله، وهو يعرف ضعفنا ويظلِّل علينا بيمينه ويحرسنا، وإن تكبّرنا فهو يرفع عنا ظلّه فنهلك‘. فسِّر لنا ذلك ”. فأجاب الشيخ: “يوجد وقت علينا أن نتضع فيه، في زمان الشدّة والضيق والقتال وفي زمان الهدوء والسلامة، لأننا نحن في كل حين محتاجون إلى الله، ففي زمان القتال يعطينا العون ويقوِّينا على العمل بالصبر، وفي زمان السلامة والراحة يحفظنا من الكبرياء ويثبِّتنا بغير سقوطٍ لئلاّ ننحلّ وننساه، فهو لا يشاء أن نكون كل حين في الضيق. أما إن كنا في زمان الضيق والقتال نتضع من أجل الخوف والصعوبة، وفي زمان الراحة والأمن ننساه ونتكبّر فإنه يرفع عنا عونه ونهلك في السقوط وقطع الرجاء، فإذًا لا يوجد وقت إلاّ ونحن محتاجون فيه إلى الاتضاع في كل حين وفي كل مكان وكل فعل ”([90]).

78 – وقال أنبا أنطونيوس: “إنّ جميع القديسين من بعد الله يأتون إلى المسكنة التي هي اتضاعهم ويرتفعون بالمجد والكرامة وينسون سيرتهم الأولى، لكن علامة اتضاعهم هي مسكنتهم أمامهم في كل حين، ونحن أيضًا فلنكن هكذا ونميِّز الكتب ونذكر كل ما يُقرَأ فيها.

“بالحقيقة، يا أولادي، إننا إذا أعطينا جميع قوّتنا أن نطلب الله ونسأله فليس لنا في ذلك فضلٌ، لأنّ كل إنسان يطلب الله ويسأله فهذه هي طبيعة جوهره أن يسأله، وكل خطية يفكر فيها الإنسان هي غريبة عنه وليست هي في طبيعة جوهرنا.

“بالحقيقة، يا أحبائي في الرب، أيها الذين أعدُّوا ذواتهم أن يرفعوها قرابين لله بكل طهارةٍ، بالحق إنني لم أخفِ عنكم ما ينفعكم، لكن الأمور التي رأيتها أشهد لكم بها: أنّ المضادّ للفضيلة يظل بعيدًا عن الحق في كل حين، وكل الذين يحبون أن يحيوا بالعبادة ليسوع المسيح يُضطهدون، ولكن روح الله لا يدخل في الضعيف النفس ولا في جسدٍ مملوءٍ من الخطية.

“اصنع لك صبرًا كما علمتَ من الشهداء وجهادهم، ونحن لا نرضى أن نُشهِدَ سريرتنا علينا. فلتكن نفسك عندك أفضل من كل شيء وأنت تدرك رتب الفضيلة بلا تعبٍ، لأن كل ما في العالم يفنى، أما النفس فهي غير بالية”([91]).

79 – قال بالليديوس: “سألني مرةً القديس ديديموس (الضرير) أن أقدِّم صلاةً في حجرته ولم أُذعن، فروى لي هذه القصة: ’دخل المغبوط أنطونيوس هذه الحجرة عندما زارني للمرة الثالثة([92])، ولما طلبتُ منه أن يصلِّي ركع في الحال ليصلِّي ولم يضطرّني أن أعيد دعوتي له، معطيًا لي بذلك مثالاً للطاعة بخضوعه‘. ثم أكمل ديديموس قائلاً: ’فإذا كنتَ تسير على نفس خطوات حياته فالقِ عنك روح الجدل‘ ”([93]).

80 – قيل إنّ أخًا كان مقهورًا من الغضب ذهب مرةً لزيارة أنبا أنطونيوس، ولما انتهوا من الخدمة (أي الصلاة العامة) أراد أنبا أنطونيوس أن يمتحنه ليرى ما إذا كان قد غلب وجع الغضب، فقال له: “انهض واتلُ شيئًا مما حفظته ”. فلما وقف الأخ قال للشيخ: “في أيهما تريد أن أتأمل، في العهد القديم أم في الجديد”؟ فلما سمع أنبا أنطونيوس هذا الكلام قال له: “اجلس، فالمتكبِّر لا يمكن شفاؤه ”، فلما جلس الأخ قال له الشيخ: “أنا أقصد أن أقول: انهض، تأمل قليلاً فيما حفظته ”. ولما نهض الأخ قال للشيخ: “أتريد أن أفعل ذلك في العهد القديم أم الجديد”؟ فقال له الشيخ: “اجلس أيها المتكبِّر للغاية”. وجلس الأخ مرةً أخرى. فقال له الشيخ: “انهض وتأمل قليلاً فيما حفظته ”. فقال له الأخ مرةً أخرى: “أفعل ذلك في العهد القديم أم في العهد الجديد”؟ فقال له الشيخ: “في الحقيقة يا ابني إنك كاملٌ في كلا العهدين القديم والجديد، فقُل ما تريد”([94])!

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن المعونة التي تحيط بالرهبان

81- قال أنبا أنطونيوس: “توسلتُ إلى الله مرةً أن يدلّني على المعونة التي تحيط بالرهبان، ثم توسلتُ مرةً ثانيةً فرأيتُ مصابيح من نار محيطة بالرهبان وجموع من الملائكة بأيديهم سيوفٌ ملتهبة يحرسونهم مثل إنسان العين، وسمعتُ صوت الله القدوس يقول: ’لا تتركوهم ما داموا مستقيمي الطريق‘.

“فلما رأيتُ مثل هذه المعونة تنهّدتُ قائلاً: ’الويل لك يا أنطونيوس! لقد منحك الله هذه المعونة العظيمة وأنت متوانٍٍ في كل وقت! كل هذا العون محيط بالرهبان والشياطين تقوى عليهم‘؟!

فجاءني صوت الرب قائلاً: ’لا تقوى الشياطين على أحدٍ، لأني منذ أن تجسّدتُ سحقتُ قوتهم عن البشر، ولكن كل إنسان يميل إلى الشهوات ويتوانى عن خلاصه فإنّ شهوته هي التي تصرعه وتجعله يسقط‘. فصحتُ وقلتُ: طوبى لجنس البشر ولا سيما الرهبان لأنّ لنا سيِّدًا هكذا رحومًا ومحبًّا للبشر”([95]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن السكنى في البرية‎

82 – قال أنبا أنطونيوس: “الذي يسكن في البرية قد أراح نفسه من ثلاث حروب: السمع، والوقيعة، والنظر إلى ما يجرح القلب ”([96]).

83 – وقال أيضًا: “كنتُ أريد مرةً أن أذهب لأمكث قرب الريف الجنوبي، فأعاقني شيءٌ ما قائلاً لي: ’لا تذهب بل توجّه إلى الجبل (أي داخل البرية)، ففي العالم توجد ثلاثة أمور تحارب الإنسان غير موجودة في البرية هي: العين واللسان والأذن، أما في البرية فلا يوجد سوى القلب وحده الذي يحارب نفس الإنسان‘، وهذا الواحد أليس هو أفضل من أربعة (أي الثلاثة المذكورة بالإضافة إلى القلب)”([97])؟

84 – من تفسير البراديسوس: سأل الإخوة شيخًا قائلين: “ما معنى قول العظيم أنطونيوس إنّ الذي يجلس في البرية يخلص من ثلاث حروب: النظر والسمع والكلام، وتبقى معه حرب القلب فقط”؟

قال الشيخ: “إنّ القتال الذي يكون في الهدوء ليس هو بأقل من الذي يكون مع الإخوة الطائشين من النظر والسمع والكلام، بل إنّ الذين في الهدوء يكون قتال القلب لهم أكثر من القتال عند غيرهم من النظر وبقية الحواس. وكان الآباء يهربون إلى الهدوء لئلاّ تُزاد عليهم حروب الحواس مع حروب القلب، وكما أنّ الإخوة الذين يدخلون ويخرجون إذا ازداد عليهم قتال القلب مع القتال الذي من الحواس يسقطون بسرعة، لذلك فالمتوحدون الذين في الهدوء ومعهم قتال القلب إن كان يُضافُ إليه قتال الحواس فسقوطهم سهل كما حدث لبعض الإخوة الذين في الهدوء، ولما دخل عندهم نساء وازدادوا من نظر الجسد والوجوه غُلِبوا بسرعةٍ مع صعوبة حرب القلب فسقطوا.

إذن، فالقتال الذي يكون مع الذين في الهدوء في القلب من جهة حواس الجسد صعبٌ هو وقوي، لأن الذين في الهدوء يقاتلهم الشيطان بلا واسطة والذين في المجمع يكمّلون الفضيلة ويُحارَبون بواسطة الإخوة الذين يثيرهم الشيطان عليهم. لذلك فليس أَمَرّ ولا أصعب ولا أكثر مكرًا من قتال القلب الذي مع المتوحد، وهو أقل كثيرًا من القتال الذي من الحواس ”([98]).

85 – ذهب أحد الحكماء إلى القديس أنطونيوس وقال له: “كيف أنت ثابتٌ في هذه البرية وليس عندك كتب تتعزّى بها”؟ فأجابه قائلاً: “أيها الحكيم، إنّ كتبي هي شكل الذين كانوا قبلي وطبيعة الأشياء المخلوقة، أما إذا أردتُ أن أقرأ ففي كلام الله قرأت ”([99]).

 

أقوال الأنبا أنطونيوس عن الصلاة

86 – قال أخٌ لأنبا أنطونيوس: “صلِّ من أجلي ”. فقال له الشيخ: “أنا لن أرحمك ولا حتى الله سيرحمك إن لم تجاهد أنت نفسك وتصلِّ إلى الله ”([100]).

 

(1) بدء رهبنة الأنبا أنطونيوس

1- قيل عن القديس أنطونيوس: إنه كان من أهل صعيد مصر من جنس الأقباط، وسيرته عجيبة طويلة، فلنذكر اليسير من فضائله:-

إنه لما توفي والده دخل عليه وتأمله، وتفكَّر كثيرًا وقال: “تبارك اسم الله، أليست هذه الجثة كاملة ولم يتغير منها شيء البتة إلاّ توقُّف هذا النَفَس الضعيف؟! فأين هي همَّتك وعزيمتك وأمرك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟ أرى أن الجميع قد بطُل وتركته، فيا لهذه الحسرة العظيمة والخسارة الجسيمة”! ثم نظر إلى والده وقال: “إن كنتَ أنت قد خرجتَ من العالم بغير اختيارك فلا أعجبنَّ من ذلك، بل أعجب أنا من نفسي إن عملتُ كعملك ”… ثم إنه بهذه الفكرة الواحدة الصغيرة ترك والده بغير دفنٍ وترك كل ما خلّفه من مال ونعيم وحشم وخرج تائهًا (هائمًا) على وجهه قائلاً: “أخرج أنا من الدنيا طائعًا ولا يُخرجونني مثل أبي كارهًا”…

وظلَّ سائرًا حتى وصل إلى شاطئ النهر([1])، فوجد هناك جميزة كبيرة وعندها بربا([2])، فسكن هناك ولازم النسك العظيم والصوم الطويل وكان بالقرب من ذلك الموضع عربان([3])، فاتفق في يوم من الأيام أن امرأةً جميلة الصورة من العرب نزلت مع جواريها إلى النهر لتغسل رجليها، ورفعت ثيابها وكذلك جواريها، فلمَّا رآهن أنطونيوس حوَّل نظره عنهن وقتًا ما ظنًّا منه أنهن يمضين، لكنهن بدأن في الاستحمام، فقال لها القديس: “يا امرأة أما تستحين مني وأنا رجل راهب ”؟ أما هي فقالت له: “اصمت يا إنسان، من أين أنت راهب؟ لو كنت راهبًا لسكنتَ في البرية الداخلية ، لأنه ليس ههنا مسكن رهبان ”.

فلما سمع أنطونيوس هذه الكلمة لم يردّ عليها جوابًا، وكثر تعجُّبه لأنه لم يكن في ذلك الوقت قد شُوهد راهبٌ ولا عُرف اسمه، فقال لنفسه: “هذه الكلمة ليست من هذه المرأة، بل هذا هو صوت ملاك الرب يوبخني ”. ولوقته ترك ذلك الموضع وهرب إلى البرية الداخلية وأقام بها متوحدًا، لأنه لم يكن في ذلك الموضع أحدٌ غيره في ذلك الوقت، وكانت سكناه في قريةٍ عتيقةٍ مندثرةٍ في جبل العربة([4]). صلاته تكون معنا آمين([5]).

 

2- ذكر القديس أثناسيوس في كتابه “حياة القديس أنطونيوس ” قصة ترك أنطونيوس للعالم هكذا:

بعد وفاة أبيه وأمّه تُرك وحيدًا مع أختٍ واحدة صغيرة، وكان عمره 18 أو 20 عامًا، فأُلقيت عليه مسئولية العناية بالبيت والأخت، ولم يمضِ على وفاة والديه ستة أشهر حتى ذهب ذات يومٍ كعادته إلى بيت الرب، وفي ذلك اليوم ناجى نفسه وتأمل وهو سائر كيف أن الرسل تركوا كل شيء وتبعوا المخلِّص (مت4: 20)، وكيف ذُكر عنهم في أعمال الرسل أنهم باعوا ممتلكاتهم وأتوا بأثمانها ووضعوها عند أرجل الرسل لتوزيعها على المحتاجين (أع4: 34و35)، وكيف وُضع لهم رجاءٌ عظيمٌ في السماء.

وإذ كان يتأمل في هذه الأمور دخل الكنيسة، وأثناء قراءة الإنجيل سمع الرب يقول للغني: »إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبِع أملاكك واعطِ الفقراء وتعال اتبعني فيكون لك كنز في السماء« (مت19: 21). وكأن الله قد ذكَّر أنطونيوس بالقديسين، وكأن تلك الفقرة قُرِئت له خصيصًا، وللحال بعد خروجه من الكنيسة أعطى القرويين ممتلكات آبائه، وكانت ثلاثمائة فدان من أجود الأراضي، لكي لا تكون عثرةً في سبيله هو وأخته، وباقي المنقولات باعها، وإذ توفرت لديه أموال كثيرة أعطاها للفقراء محتفظًا بالقليل لأخته.

دخل الكنيسة ثانيةً، وسمع الرب يقول في الإنجيل: »لا تهتموا للغد« (مت6: 34)، فلم يستطع البقاء أكثر من ذلك، بل أعطى ذلك القليل أيضًا للفقراء، وإذ أودع أخته لبعض العذارى المعروفات الأمينات لتنشأ في ديرهن، تفرّغ للنسك خارج بيته محترسًا لنفسه ومدرِّبًا ذاته بالصبر، إذ لم تكن هنالك حتى ذلك الوقت أديرة في مصر، ولم يعرف أي راهب على الإطلاق أي شيء عن البراري البعيدة، بل كان على كل من أراد أن يحترس لنفسه أن يتدرب على النسك في عزلةٍ بجوار قريته.

في ذلك الوقت كان في القرية المجاورة شيخ عاش عيشة النسك منذ شبابه، وبعد أن رأى أنطونيوس ذلك الرجل اقتدى به في التقوى. وفي أول الأمر ابتدأ يُقيم في أماكن خارج القرية، وبعد ذلك كان كلما سمع عن رجل صالح في أي مكان خرج يطلبه مسرعًا كالنحلة النشيطة، ولا يرجع إلى مكانه إلاّ بعد أن يراه، فيعود بعد أن يتزوّد من صلاح الرجل بالزاد الكافي لارتحاله في طريق الفضيلة.

وإذ أقام هناك في بداية الأمر صمّم على عدم العودة إلى أماكن إقامة آبائه، أو العودة إلى ذكر أقربائه، بل عقد النية على إكمال النسك. وعلى أي حال فقد كان يعمل بيديه إذ كان قد سمع أن الكسول لا يأكل (2 تس3: 10)، وكان يُنفق جزءً ا لأجل القوت ويعطي الجزء الآخر للفقراء، وكان مثابرًا على الصلاة، عالمًا أن المرء ينبغي أن يصلِّي في السر بلا انقطاع (مت6: 7؛ 1تس5: 17)، لأنه كان يتمسك بما يقرأ بحيث لم يسقط منه إلى الأرض شيء مما كُتب، بل تذكَّر الكل، وبعد ذلك أغنته ذاكرته عن الكتب.

وإذ سلك أنطونيوس هكذا أصبح محبوبًا من الجميع، وكان يخضع بإخلاص لكل من زارهم من الصالحين، وعرف تمامًا أين كان يفوقه كل منهم في الغيرة والنسك: لاحظ لطف هذا وصلاة ذاك بلا انقطاع، وعرف تحرُّر هذا من الغضب ورقَّة ذاك. لاحظ هذا وهو يسهر وذاك وهو يدرس. أعجِب من هذا من أجل قوة احتماله، وبذاك من أجل صومه ونومه على الأرض. راقب باهتمامٍ وداعة هذا وطول أناة ذاك، كما لاحظ تقوى الجميع نحو المسيح ومحبتهم المتبادلة وهكذا إذ امتلأ كان يعود إلى مكان نسكه ويجاهد لاكتساب صفات الجميع، وتاق إلى إبراز فضائل الجميع في حياته. ولم يحاول منافسة نظرائه في السنّ سوى في أمرٍ واحدٍ، هو أن لا يكون أقل منهم في الأمور الأسمى. وهذا فعله بحيث لا يجرح شعور أي واحدٍ، بل جعلهم يفرحون به.

وهكذا عندما رآه بهذه الحال كل أهل تلك القرية والأشخاص الصالحون الذين تودّد إليهم، صاروا يدعونه حبيب الله، ورحّب به البعض كابن وغيرهم كأخ([6]).

 

(2) استلامه للحياة الرهبانية بيد ملاك

3- قيل عن القديس أنطونيوس: إنه ذات يوم وهو جالس في قلايته أتى عليه بغتةً صغر نفس وملل وحيرة عظيمة وضاق صدره، فبدأ يشكو إلى الله ويقول: “يا رب، إني أحب أن أخلص والأفكار لا تتركني، فماذا أصنع ”؟ وقام من موضعه إلى موضعٍ آخر وجلس، وإذ برجلٍ جالسٍ مقابله وعليه اسطوانة (أي هالة) ومتوشِّح بزنار صليب مثال الإسكيم، وعلى رأسه كوكلسة([7]) شبه الخوذة، وكان جالسًا يضفر الخوص، ثم قام ذلك الرجل عن عمله ووقف يصلِّي، ثم جلس يعمل أيضًا، ثم قام أيضًا وصلَّى، وأيضًا جلس يعمل، وكان ذلك الرجل هو ملاك الله أرسِل لعزاء القديس وتقويته. فقال له: “يا أنطونيوس، اعمل هكذا وأنت تستريح ”. فلما سمع كلام الملاك امتلأ فرحًا وتعزيةً، ومن ذلك الوقت اتخذ أنطونيوس ذلك الزيّ الذي هو شكل الرهبنة، وصار يصلِّي ويعمل أيضًا الضفيرة، ولم يعد الملل يضايقه بشدّة، واستراح بقوة الرب يسوع المسيح له المجد([8]).

وقيل إنّ أنبا أنطونيوس هو الذي سلَّم الزيّ الرهباني للرهبنة بعد أن رأى الملاك مرتديًا إياه([9]).

 

(5) يقصد نهر النيل بجوار مسقط رأسه: قرية “قمن العروس ” بمحافظة بني سويف.

(6) كلمة أصلها قبطية: πιερφει وتعني “هيكل”، والمقصود هنا معبد وثني قديم.

(7) أي جماعة من العرب، وربما يقصد “بدو” أي سكان البادية.

(8) كانت هي منطقة “بسبير” (مكان دير الميمون الآن في منتصف المسافة بين إطفيح وبني سويف) (ناسك).

(9) مخطوطة س 4 ص 6.

(10) “حياة”: أرقام 2 – 4.

(11) غطاء الرأس ويُدعى “كوكولاّ” أو “كوكوليون Κουκούλειον” أو بالقبطية “كلفت”، وهو يغطي الرأس والقفا معًا (الرقبة)، لذلك فهو يشبه غطاء رأس الأطفال تمامًا، لذلك فهو محسوبٌ أنه يشير إلى روح البساطة التي للطفل . وكل الإشارات التي جاءت عنه في أقوال الآباء تفيد أنه قطعة منفصلة بذاتها لا تتصل بأي ملابس أخرى، ويمكن خلعها في الحال فتسقط إما إلى الأمام أو إلى الخلف لأنها تكون مربوطة حول الرقبة، وقد رُسِمت على رأس أنبا أنطونيوس في صورته بحصن دير أنبا مقار. ويقرر “إيفيلين هوايت ” أنه رأى بعض الرهبان الشيوخ يلبسونها في وادي النطرون وبالأخص في رحلاتهم خارج الدير. (عن “رهبنة” ص 355؛Apoph., Zacharias, 3; Theodore of Pherme, 28; Ev. White, II, p. 195.)(13) Am., p. XXIII. (12) س4 ورقة6؛W. & W. I: 131, Apoph., Ant.,

(14) س 4 ورقة 6. (15) س 4 ورقة 9 ؛ Apoph., Ant., 3 ; W. & W., II: 35

(16) س 4 ورقة 8 ، ورقة 151 ؛ W. & W., II: 207 ; Apoph., Ant., 33

(17) س 4 ورقة 9 ؛ Apoph., Ant., 32 ; W. & W., II: 402

(18) Apoph., Ant., 25 ; W. & W., II: 178.

(19) بالقرب من الفيوم حيث كانت هناك مجموعة رهبان تحت رعايته. (“ناسك”).

(20) أي يفتري عليك أو يحاول أن يستعبدك.

(21) م23 ورقة 160.

(22) س 4 ص 7.

(23) أنظر أقوال أنبا مقار: قصة ظهور الشيطان له بأسلحته المحيطة بكل جسمه ليحارب بها المجاهد في طريق الرب.

(24) “حياة ” رقم 5 و 6.

(25) “حياة ” رقم 51 و 52.

(26) “حياة” رقم 65.

(27) المرجع السابق.

(29) م 41.

(28) Am., 24, 7.

(30) Arm., II: 430. (31) م 23 ورقة 164.

(32) من قوانين ووصايا القديس لأولاده الرهبان بدير النقلون: م 23 ورقة 162 ، 163.

(33) س 4 ورقة 9؛ Apoph., Ant., 6 ; W. & W., II: 196

(34) “حياة ” رقم 55.

(35) م 23 ورقة 165.

(36) س 4 ورقة 9 ؛ م 23 ورقة 165 و 166.

(37) س 4 ص 10 ؛ م 23 ورقة 166 و 167.

(38) س 4 ورقة 10 ؛ م 23 ورقة 167 و 168.

(39) Am., 22, 14. (40)

K., 295.

(41) Am., 41, 11. (42)

Am., 39, 1. (43)

Apoph., Ant., 10.

(44) س 9 جزء 4 رقم 23 ص 103 ؛

W. & W., II: 662 (45) “حياة” رقم 85.

(46) Am., 36, 16.

(47) س 4 ص 8؛

W. & W., I: 10; Apoph., Ant.,18 (48) س 4 ص 8 ؛

W. & W., I: 202; Apoph., Ant., 19 (49) س 9 جزء 4 رقم 64.

(50) س4 ورقة 8 ؛

Apoph.,Ant.,36 (51) س 4 ص 9.

(54) Am., 39, 10. (52) المرجع السابق.

(53) م 23 ورقة 164.

(55) س 4 ورقة 134. س 4 ورقة 8

(56) Apoph., Ant., 35 ;

(57) س 4 ورقة 8 ؛

W. & W., II: 21 (58) س 4 ص 9.

(59) س 4 ص 105و 146؛

Apoph., Ant., 4 ; W. & W., II: 367 (60) م 23 ورقة 163.

(61) س 4 ص 9.

(62) المرجع السابق.

(63) س 4 ورقة 9. (64) C S P, V, 1.

 (65) J. Cass., Conf. XXIV, ch.,11.

(66) كلمة “كينوبيون” تتكون من مقطعين: κοινός = مشترك، βίος = حياة، أي حياة مشتركة. ويمكن أن تُنطَق “كينوبيوس ” وتعني مؤسسة أو مكان به قلالي كثيرة أصحابها متّحدون في نظام الحياة، وتُرادف في المعنى الوصفي تمامًا كلمة “موناستيريون μοναστήριον” وأصلها μονάζειν أي يعيش منفردًا. فكلمة “موناستيريون” تعني مكان يحيا فيه الناس حياة منفردة، وقد انحرف معنى هذه الكلمة وتطورت لتشمل معنى الدير بوصفه الحالي حيث يعيش فيه جماعة = = حياة غير توحدية على الإطلاق. ومَنْ يعيش في كينوبيون هو عكس المتوحد: άναχωρητής الذي يعيش منفردًا بعيدًا عن الناس. (“رهبنة” الطبعة الثانية، ص 48).

(67) س 4 ص 10؛ W. & W., I: 406 ; Apoph., Ant., 29

(68) س 4 ورقة 10 ؛ Apoph., Ant., 21; W. & W., I: 606

(69) أي أحد بيوت العذارى حيث لم تكن قد وُجدت أديرة للراهبات بعد.

(70) Am., 33, 4.

(71) س 4 ص 11 ؛

J. Cass., Conf., II, ch. 2 (72) هو أنبا أنطونيوس في بعض المراجع.

(73) س 4 ص 104 ؛ س 5 ورقة 22.

(74) س 4 ورقة 87 ؛ Apoph., Ant., 14;

(75) س 4 ورقة 87 ؛ Apoph., Ant., 14 ; W. & W., II: 415 (76) س9رقم 283ص392.

(77) س 4 ورقة 10؛ Apoph., Ant., 8; W. & W.,I :296

(78) س 4 ورقة 90 ؛ Apoph., Ant., 15; W. & W., I: 229

(79) س 4 ص 116 ؛ Apoph., Ant., 12 ; W. & W., II: 56

(80) س 4 ص 124 ؛ Apoph., Ant., 20 ; W. & W., I: 178 (81) Am., 22, 5; Anonyme, 161.

Apoph., Ant., 37 , 38 (82) س 4 ص 11 ؛ س 7 ورقة 68؛

(83) س 4 ص 138 ؛ Apoph., Ant., 7 ; W. & W., I: 453

(84) س 9 رقم 133 ص 218.

(85) Apoph., Ant., 17 ; W. & W., I: 551.

(86) Apoph., Ant., 24 ; W. & W., II: 3 ; Ch., 172. (87)

W. & W., II: 2.

(88) س 9 جزء 4 رقم 199 ص 304.

(89) س 9 جزء 3 رقم 27 ص 69.

(90) Am., 32, 9. (91) س 9 رقم 30 ص 108.

(92) ذكرت مخطوطة س 9 في القول التالي أنه أنبا أنطونيوس.

(93) س 4 ص 114 ؛ W. & W., I: 519

(94) س 9 جزء 4 رقم 135 ص 222. (95) م 41.

(96) أغلب الظن أن زيارة أنبا أنطونيوس هذه للإسكندرية كانت لكي يثبِّت المؤمنين ضد البدعة الأريوسية، وذلك استجابةً لدعوة البابا القديس أثناسيوس له.

(97) Laus.,4, 3.

(98) Am., 21, 3. Am., 44: 3, 10 (99) س 4 ص 138 ؛

(100) Apoph. Ant., 11; W. & W., I: 46 ; س 4 ورقة 146

(101) Am., 36, 10.  ; س 4 ورقة 64

(103) D. F., p. 128: XVI

(102) س 9 رقم 28 ص 107.

(104) Apoph., Ant., 16; W. & W., II: 114.

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

رسائل القديس أنطونيوس ج3

رسائل القديس أنطونيوس ج3

رسائل القديس أنطونيوس

 

الرسالة 8

أحبائي في الرب…

          أكتب إليكم كأبناء أعزاء. فإنه حتى الآباء الجسديين يحبون أولادهم أكثر حينما يجدون هؤلاء الأولاد مشابهين لهم. وهكذا أنا أيضًا فبقدر ازديادكم في التمثل بي، فإني أصلي إلى الله لكي يعطيكم ما سبق أن أعطاه لآبائنا المغبوطين. وأصلي لكي ما آتى إليكم، وأسلمكم أسرارًا أخرى أيضًا، لا أستطيع أن أكتبها إليكم على الورق. فعيشوا في فرح وسلام مع أب المراحم، لكي ما تنالوا الموهبة التي نالها آباؤكم.

قبول الروح الناري والصلاة لنواله:

          والآن فإن أمكم سارة التي هي الروح تفرح بكم. هذه التي أكملت حملها وولدت روحًا إلهيًا فيكم وتشتهي أن تكملكم كما طلبت منها عنكم. وهذا الروح الناري العظيم الذي قبلته أنا اقبلوه أنتم أيضًا، وإذا أردتم أن تنالوه ويسكن فيكم فقدموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم إلى السماء ليلاً ونهارًا، واطلبوا بكل قلبكم هذا الروح النارى القدوس وحينئذ يُعطى لكم، لأنه هكذا حصل عليه إيليا التشبي وأليشع وجميع الأنبياء الآخرين. ولا تفكروا في قلوبكم وتكونوا ذوى قلبين وتقولوا ” من يستطيع أن يقبل هذا؟ ” فلا تدعوا هذه الأفكار أن تدخل إلى عقولكم بل اطلبوا باستقامة قلب وأنتم تقبلوه. وأنا أبوكم اجتهد معكم وأصلي لأجلكم لكي تقبلوه، لأني أعلم أنكم قد جحدتم ذواتكم لكي تستطيعوا أن تقبلوه. لأن كل من يفلح ذاته بهذه الفلاحة في كل جيل فإنه ينال نفس الروح، الذي يسكن في المستقيمي القلوب. وأنا أشهد لكم، إنكم تطلبون الله بقلب مستقيم فأديموا الطلبة باجتهاد من كل قلوبكم فإنه سيعطى لكم.

نتائج نوال الروح:

          وحينما تنالون هذا الروح، فإنه سيكشف لكم أسرار السماء، وأشياء أخرى كثيرة سيعلنها لكم لا أستطيع أن أعبر عنها على الورق. وهو سيجعلكم أحرارًا من كل خوف. ويغمركم فرح سماوي ليلاً ونهارًا، وهكذا ستصيرون كأناس انتقلوا إلى الملكوت وأنتم لا تزالون في الجسد، ولا تطلبون حينئذ عن أنفسكم فقط، بل تطلبون عن الآخرين أيضًا. لأن موسى لما قبل الروح صلي لأجل الشعب قائلاً لله: إن أهلكت هؤلاء فأمح أسمى من كتابك (خر31:32).

          وهكذا ترون أن اهتمامه كان منصبًا على أن يصلي من أجل الآخرين، إذ قد وصل إلى هذه القامة بالروح. ولكن قليلين من بين الكثيرين هم الذين وصلوا إلى هذه القامة: أن ينصرفوا إلى الصلاة لأجل الآخرين. وأنا لا أستطيع أن أكتب إليكم عن كل هذه الأمور بالتفصيل، أما أنتم فحكماء وتعرفون كل شيء. وحينما آتى إليكم فإني سأخبركم عن روح الفرح وكيف ينبغي أن تحصلوا عليه وسأخبركم بكل غناه وعظم لذته، مما لا أستطيع أن أكتبه على الورق.

          كونوا معافين في روح الحياة ولتكونوا نامين ومزدادين قوة يومًا بعد يوم.

 

الرسالة 9

أحبائي في الرب أرسل لكم السلام..

          إن الإنسان إن كان يريد أن يحب الله بكل قلبه وبكل نفسه وبكل قدرته، فإنه ينبغي أن يقتنى مخافة الله أولاً، والمخافة تولد فيه البكاء، والبكاء يولد الفرح، والفرح يولد القوة، وفي كل هذه تكون النفس مثمرة، وحينما يرى الله أن ثمرها جميل هكذا، فإنه يقلبها إليه كرائحة طيبة، ويفرح مع ملائكته بتلك النفس في كل حين، ويملأها بالبهجة، ويعطى للنفس حارسًا ليحفظها في كل طرقها لكي يجعلها تصل إلى موضع الحياة والراحة وليمنع الشيطان من أن يقوى عليها. لأن الشرير حينما يرى هذا الحارس الإلهي، أي القوة المحيطة بالنفس فإنه يهرب، خائفًا من الاقتراب من الإنسان.

اقتناء القوة الإلهية:

          والآن يا أحبائي في الرب، الذين تحبهم نفسي وأنا أعلم أنكم محبون لله، اقتنوا في أنفسكم هذه القوة، لكي يخاف منكم الشيطان، ولكي تكونوا مجتهدين وفرحين في كل أعمالكم ولكي تحلو لكم الإلهيات. فإن حلاوة الله سوف تمدكم بأعظم قوة، لأن حلاوة حب الله ” أحلي من العسل والشهد ” (مز20:19). إن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجامع لم يذوقوا حلاوة الله العظيمة هذه، لأنهم لم يقتنوا القوة الإلهية ـ فيما عدا قليلون منهم هنا وهناك ـ لأنهم لم يتاجروا في هذه القوة ولم يسعوا لطلبها ظانين أنهم قد اقتنوها، ولذلك فإن الله لم يعطها لهم. لأن كل من يسعى للحصول عليها، فإنه ينالها كعطية من الله، فإن الله ليس عنده محاباة، ولا يأخذ بالوجوه، بل هو في كل جيل، يعطيها لأولئك الذين يستثمرونها.

          والآن يا أحبائي في المسيح أنا أعلم أنكم تحبون الله. فبما أنكم أتيتم إلى هذا العمل، فقد أحببتم الله بكل قلبكم، ولهذا السبب فأنا أيضًا أحبكم بكل قلبي، ولأن قلوبكم مستقيمة، فإنكم تستطيعون أن تقتنوا هذه القوة الإلهية لنفوسكم، لكي تصرفوا كل زمان حياتكم في حرية وفرح، ويصير كل عمل من الله خفيفًا وسهلاً عليكم بتأثير هذه القوة التي يعطيها الله للإنسان هنا ( على الأرض)، وأيضًا، فإن هذه القوة تقود الإنسان إلى تلك الراحة، وتحفظه حتى يعبر كل ” قوات الهواء ” (أف2:2). فإنه توجد قوات عاملة في الهواء تحاول أن تعوق البشر وتمنعهم من المجيء إلى الله.

الصلاة لنوال القوة الإلهية:

          لذلك فلنرفع صلاتنا إلى الله، لكي لا يمنعونا من الصعود إليه. فمادام الأبرار يحصلون على القوة الإلهية معهم، فلا يستطيع أحد أن يعوقهم. وهذه القوة الإلهية حينما تسكن في الإنسان فإنها تجعله يحتقر كل إهانات، وكرامات البشر، ويبغض كل أمور هذا العالم، وكل راحة جسدية، ويطهر قلبه من كل فكر شرير، ومن كل حكمة هذا العالم الفارغة، فقدموا طلبات مع صوم ودموع ليلاً ونهارًا، وإن الله الصالح لن يتأخر عن إعطائكم هذه القوة.

 

 

 

نتائج نوال القوة:

          وحينما تنالون هذه القوة، فإنكم تصرفون زمان حياتكم في راحة وسلام وحرية من كل همّ، وتجدون دالة عظيمة أمام الله، وهو يعطيكم بنفسه هذه الدالة.

          وكان لي كثير أريد أن أكتبه لكم، ولكنى كتبت هذا القليل بمحبة عظيمة أكنها لكم.

          كونوا معافين في قلوبكم في الرب، في كل فعل محبة نحو الله.

 

الرسالة 10

الصلاة بكل القلب:

          أكتب إليكم كأناس تحبون الله وتسعون إليه بكل قلوبكم. فإن الله يسمع لمثل هؤلاء الناس حينما يصلون ويباركهم في كل شيء. ويهب لهم كل ما تسأله نفوسهم حينما يتوسلون إليه، أما أولئك الذين يأتون إليه ليس بكل قلبهم بل يكونون ذوى قلبين، والذين يعملون أعمالهم لكي يُمجدوا من الناس، مثل هؤلاء لا يستمع الله لهم في أي شيء يسألونه منه، بل بالأحرى يغضب من أعمالهم. لأنه مكتوب ” أن الله قد بدد عظام المرائيين” (مز5:53).

طلب مجد الناس يغضب الله:

          فترون إذن، كيف يغضب الله على أعمال هؤلاء الناس، ولا يعطيهم شيئًا من طلباتهم التي يسألونها منه، بل بالأحرى يقاومهم، لأنهم لا يعملون أعمالهم بإيمان بل يعملونها بتظاهر. لأجل ذلك فإن القوة الإلهية لا تسكن فيهم، بل يكونون ضعفاء ومرضى في كل أعمالهم، وفي كل ما تمتد إليه أيديهم.

قوة النعمة:

          لأجل هذا السبب فهم لم يعرفوا قوة النعمة، وكيف هي تحرر من الهمّ ولا يعرفون الفرح الذي تعطيه، بل تكون نفوسهم مثقله في كل أعمالهم. إن الغالبية العظمى من أبناء جيلنا هم بهذه الحالة: أنهم لم ينالوا القوة الإلهية التي تسمن النفس، وتملأها فرحًا وسرورًا، وتعطيها يومًا فيومًا تلك البهجة التي تجعل القلب مشتعلاً بحرارة إلهية. لأن العمل الذي يعملونه، إنما يعملونه كما لو كان ليراه الناس. ولهذا السبب فإن القوة الإلهية لا تحل عليهم، لأن قوة الله تبغض ذلك الإنسان الذي يعمل أعماله لأجل مجد الناس.

ارفضوا روح المجد الباطل:

          لذلك يا أحبائي، الذين قدمتم ثماركم لله، جاهدوا في كل أعمالكم ضد روح المجد الباطل، لكي تغلبوه في كل الأشياء، ولكي تكون حياتكم كلها وجسدكم مقبولة أمام الله، وتسكنون في الحياة مع خالقكم، ولكي تنالوا القوة الإلهية، التي هي أفضل من كل الأشياء. لأني متيقن يا أحبائي، لأنه طالما أنتم تفعلون كل ما في وسعكم في الحرب ضد روح المجد الباطل، ولا توافقونه بل ترفضونه باستمرار، فإن جسدكم يكون حيًا. لأن هذا الروح الشرير يهاجم الإنسان في كل أعمال البر، وهو يصارع مع أولئك الذين يريدون أن يكونوا مؤمنين أمناء، وحينما ينال أي واحد منهم مدحًا من الناس بسبب أمانته أو تواضعه، أو احتماله للعار، فإن الروح الشرير يدخل بسرعة في معركة معه، ويغلب بعضًا منهم، ويشتت ويطفئ حياتهم، وبعمله هذا فإنه يحرضهم أن يتركوا طريق حياتهم الفاضلة، وأن ينشغلوا بإرضاء الناس. وهكذا تتبدد حياتهم، رغم أن الناس يظنون أنهم قد ربحوا شيئًا. لهذا السبب فإن الله لا يعطيهم القوة الإلهية، بل يتركهم فارغين لأنه لم يجد نفوسهم مستعدة بثمرة صالحة، ويحرمهم لاهوته العظيم.

 

إذا خمدت الحرارة اطلبوها من جديد:

          أما أنتم يا أحبائي فاجتهدوا ضد روح المجد الباطل في كل الأوقات لكي تغلبوه في كل الأشياء، وذلك لكي ترافقكم القوة الإلهية في كل حين. وأنا أصلي لله من أجلكم، لكي يعطيكم هذا الفرح في كل حين، فإنه لا يوجد شيء آخر يجعل الإنسان هكذا حرًا من كل قلق. وإذا حدث بعد نوالكم هذا الفرح، أن رأيتم نفوسكم وقد خمدت الحرارة منها وانسحبت وتركتكم، فاطلبوها من جديد وهي سترجع إليكم. لأن هذه الحرارة هي مثل النار التي تغير الذهب وتنقله إلى طبيعتها. فإذا رأيتم أن قلبكم قد صار مثقلاً في أي وقت، فاحضروا نفوسكم أمامكم وراجعوها إلى أن تصير حارة مرة أخرى وتشتعل فيها نيران الله. لأن داود النبي أيضًا، حينما رأي قلبه مثقلاً: ” قد سكبت قلبي بنفسي ” (مز4:42)، ” تذكرت أيام القِدم، ولهجت بكل أعماله، بسطت إليك يدى، نفسي تعطش إليك كالأرض العطشانة ” (مز5:143،6).

          هذا ما فعله داود حينما رأي أن نفسه قد بردت وثقلت، لكي ما يجعلها حارة مرة أخرى، وهو قد نال الحلاوة الإلهية بالنهار والليل معًا. فافعلوا إذن هكذا يا أحبائي وأنتم ستنمون وتتقدمون، وسيعلن الله لكم أسرارًا عظيمة لا توصف.

          فليحفظكم الله في صحة الروح والنفس والجسد إلى أن يحضركم إلى ملكوته مع آبائكم الذين أكملوا الحياة الصالحة.

          كونوا فرحين بالرب الذي له المجد إلى أبد الآبدين.. آمين.

 

الرسالة 11

          اعلموا يا أولادي المباركين أنني أكتب إليكم كأولاد أحباء، أولاد الموعد، أولاد الملكوت. ولهذا السبب فإني أذكركم ليلاً ونهارًا، لكي يحفظكم الله من كل شر، ولكي يكون عندكم دائمًا حرص واجتهاد، وأن يعطيكم الإفراز والنظر الجديد، لكي تتعلموا تمييز الاختلاف بين الخير والشر في كل الأشياء. لأنه مكتوب “الطعام القوى هو للبالغين الذين بسبب التمرن صارت لهم الحواس مدربة للتمييز بين الخير والشر” (عب14:5).

موهبة الإفراز والتمييز:

          هؤلاء هم الذين صاروا أولاد الملكوت، وحُسبوا في حالة التبنى لله، هؤلاء يعطيهم الله هذا النظر الجديد في كل أعمالهم، لكي لا يستطيع إنسان أو شيطان أن يخدعهم. لأن المؤمن يمكن أن يُخدع بحجة الصلاح، وكثيرين خدعهم الشيطان بهذه الطريقة، لأنهم لم يكونوا قد نالوا هذا النظر الجديد من الله. ولأن الرسول بولس المغبوط عرف أن هذا هو غنى المؤمنين الذي لا حد لعظمته، كتب يقول ” إنى أحنى ركبتى لدى أبي ربنا يسوع المسيح.. لكي يعطيكم روح الحكمة والإعلان في معرفته، لكي تستنير عيون قلوبكم لكي تعرفوا العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا غنى ميراث القديسين ” (أنظر أف14:3،18، أف16:1ـ18). ولأن الرسول بولس أحبهم بكل قلبه، لذلك أراد أن يعطى لأبنائه الذين أحبهم، غنى المعرفة العظيم هذا، الذي هو النظر الجديد، لأنه يعرف أنه، إذا أُعطى لهم ذلك النظر الحقيقي فإنهم لا يتعبون في شيء بعد ذلك، ولا يجزعون من خوف، بل يكون فرح الله معهم ليلاً ونهارًا، وتصير أعمال الله حلوة عندهم في كل شيء ” أحلي من العسل والشهد ” (مز10:19). ويكون الله معهم بلا انقطاع، ويعطيهم إعلانات ويكشف لهم أسرارًا عظيمة لا يستطيع لساني أن يعبر عنها.

اطلبوا الإفراز:

          لذلك، فالآن يا أحبائي، الذين قد صرتم لي أولادًا، اطلبوا نهارًا وليلاً، لكي تأتى عليكم موهبة الإفراز هذه، التي لم تأت عليكم قبل الآن منذ دخولكم في هذا الطريق النُسكى.

          وأنا أيضًا، أبوكم، سأصلي لأجلكم، لكي تصلوا إلى هذه القامة، فإن كثيرين من الرهبان والعذراي لم يصلوا إلى هذه القامة ـ فيما عدا نفوس قليلة هنا وهناك.

الأحاديث العالمية تطفئ الروح:

          ولكن إذا أردتم أن تبلغوا إلى هذه القامة، فابتعدوا من كل الذين يحملون اسم الرهبنة والبتولية وهم يعيشون في التراخى بينكم لأنكم إذا خالطتموهم فلن يدعونكم تتقدمون، بل يطفئون الحرارة منكم. لأن الكسالي ليس فيهم حرارة وغيرة، بل يتبعون إرادتهم وشهواتهم، وإذا أتوا إليكم، فإنهم يتكلمون عن أمور هذا العالم، وبمثل هذا الحديث يطفئون حرارتكم. ولأجل هذا يقول الرسول ” لا تطفئوا الروح ” (1تس10:5)، فإن الروح ينطفئ بمثل هذا النوع منه الأحاديث، وبكل ما يسبب تشتت القلب. فحينما ترون أي واحد من هؤلاء الناس، فاصنعوا بهم خيرًا، ولكن لا تخالطوهم. فإن هؤلاء هم الذين لا يدعون الناس يتقدمون في القامة الروحية.

          وسلام لكم في الرب في روح الوداعة، يا أحبائي.

 

الرسالة 12

          إلي أحبائي في الرب..

محبة الله ومحبة الاخوة:

          أنا أعلم أن محبة الله هي التي تحصر قلب الإنسان وتجعله يفكر في الاخوة. وأخونا هو ذلك الذي يفكر دائمًا في الدعوة السماوية الكاملة، مصليًا لأجلنا ليلاً ونهارًا كما يصلي لأجل نفسه. ولأني أحسبكم أصدقائي، فإني أذكركم ليلاً ونهارًا في صلواتى، لكي تزدادوا في إيمانكم وفي كل الفضائل، ولكي تنالوا قوة أعظم مما حصلتم عليه حتى الآن. وهذه طلبتى لأجلكم دائمًا لأنكم قد صرتم لي أولادًا في الرب. وحينما كتب بولس لتيموثيئوس، الذي كان أحد أولاده قال له هكذا، ” إنى أذكرك في صلواتى ليلاً ونهارًا، مشتاقًا أن أراك ذاكرًا دموعك لكي أمتلئ فرحًا. إذ أتذكر إيمانك عديم الرياء ” (2تى3:1ـ5)، والآن يا أحبائي فمن أجل استقامة قلوبكم يحبكم قلبي، وكما صنع بولس مع تيموثيئوس هكذا أصنع أنا معكم، إذ أذكركم، وأصلي لأجلكم واشتهي أن أراكم، وأنا أتذكر تنهداتكم وحزن قلوبكم وأتعابكم.

اشتاق أن أراكم لأمنحكم هبة روحية:

          والآن يا أولادي، أنا أطلب من الرب أن يسهل طريقى لآتى إليكم. لأني أعلم أنكم أنتم أيضًا تشتهون أن ترونى كما اشتهي أنا أيضًا أن أراكم.

          وهذا شيء حسن جدًا. لأن الرسول بولس يقول ” لأني مشتاق أن أراكم بكى أمنحكم هبة روحية لثباتكم ” (رو11:1). وهكذا الأمر في حالتكم أنتم أيضًا، رغم أنكم تعلمتم من الروح، فحينما آتى إليكم سأشددكم بتعليم هذا الروح نفسه، وسأعرفكم بأشياء أخرى لا أستطيع أن أكتبها لكم في خطاب.

          سلام لكم في ربنا، في روح الوداعة.

 

الرسالة 13

أسرار اللاهوت العظيمة:

          أقول لكم يا أحبائي أنني أصلي ليلاً ونهارًا لكي تزداد قوة الله فيكم، وتعلن لكم أسرار اللاهوت العظيمة، التي ليس من السهل على أن أعبر عنها باللسان، لأنها عظيمة جدًا وليست من هذا العالم، وهي لا تعلن إلاّ للذين طهروا قلوبهم من كل نجاسة ومن كل أباطيل هذا العالم، وأولئك الذين أبغضوا هذا العالم وحتى نفوسهم أيضًا وحلموا الصليب، وأيضًا تشددوا وصاروا مطيعين لله في كل شيء.

الله يحل فيهم ويغذى نفوسهم بالفرح:

          هؤلاء يحل فيهم اللاهوت ويغذى نفوسهم بالفرح، وهذا الفرح يُغنى النفس ويجعلها تنمو كثيرًا. لأنه كما أن الأشجار لا تنمو إن لم تشرب من الماء، هكذا أيضًا النفس فهي لا تستطيع أن تنمو وتصعد إلى العلاء إن لم تقبل الفرح السماوي. ومن بين الذين يقبلون الفرح السماوي، فهناك قليلون يعلن الله لهم الأسرار التي في السماء، ويريهم مواضعهم السماوية بينما هم لا يزالون في الجسد. ويكون لهم دالة أمامه ويعطيهم كل ما يطلبونه.

          فهذه هي طلبتى ليلاً ونهارًا، أن تصلوا إلى هذه الدرجة وتعرفوا غنى المسيح الذي لا يُستقصى. لأن قليلين هم الذين يصلون إلى هذا الكمال.

ينالون المواهب ويعينون الناس:

          وهؤلاء هم الذين يحصلون على المواعيد العظمى التي يعطيها الابن الوحيد: فهم ينالون المواهب ويصيرون عونًا للناس. وفي كل جيل يوجد أُناس بلغوا إلى هذه الدرجة، والأجيال الآتية لا تخلو من أمثال هؤلاء، وليس من الرجال فقط بل ومن النساء أيضًا، وكل واحد من هؤلاء يكون مثالاً لأهل جيله كما أنه يدين جيله، لأن هؤلاء الكاملون جاهدوا حتى يكملوا، والذين كملوا هم الذين يدينون المسكونة. ولأجل هذا فأنا أصلي لأجلكم بلا انقطاع أن تبلغوا إلى هذا المقدار، وذلك بسبب المحبة التي عندى من نحوكم. فإن الرسول المغبوط بولس تكلم هكذا أيضًا عن أولئك الذين أحبهم، ” كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط بل أنفسنا أيضًا لأنكم صرتم محبوبين إلينا ” (1تس8:2). هكذا قد رتبت أن أرسل إليكم ابنى الحبيب، إلى أن يعطينى الرب أيضًا أن آتى إليكم بالجسد، ليكون لكم نمو وفرح أكثر مما عندكم الآن. لأن الرب عندما يرى الأب يحب أبناءه فإنه يعطى الجميع فرحًا وقوة عظيمة مع سلام عميق في كل شيء.

          سلام لكم في الرب.

 

الرسالة 14

          إلي أحبائي في الرب الذين صار لهم نصيب في ملكوت السماوات: لأنكم هكذا طلبتم الله، متمثلين بآبائكم في الإيمان، لكي تنالوا المواعيد أيضًا، لأنكم صرتم أبناء لهم، لأن الأبناء يرثون بركة آبائهم، إذ لهم نفس الغيرة التي لآبائهم. ولهذا السبب، فلأن يعقوب اتبع مسالك التقوى التي سار فيه والداه، فإن بركات أبويه حلت عليه أيضًا. وإذ قد نال بركتهم، فقد أُعطى له أن يرى السلم والملائكة صاعدة ونازلة عليه (أنظر تك28).

نوال البركة والرؤية السماوية:

          وهكذا الآن فإن الأبناء الذين نالوا بركة آبائهم وقد رأوا القوات السماوية، لا تستطيع قوة في الوجود أن تزعزعهم لأنه حينما رأي بولس الطوباوى هذه القوات، تقوى وصار ثابتًا، وصرخ قائلاً ” من سيفصلنى عن محبة المسيح، لا سيف ولا جوع ولا عرى، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا علو ولا عمق ولا أي خليقة أخرى تقدر أن تفصلنى عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ” (رو35:8ـ39).

          لذلك فالآن يا أحبائي، اطلبوا بلا انقطاع ليلاً ونهارًا أن تحل عليكم بركات آبائكم، ولكي تفرح أجناد الملائكة بكم في كل شيء، ولكي تكملوا بقية أيامكم في ملء فرح القلب. لأنه إذ وصل إنسان إلى هذه الدرجة، فإن فرح الله يكون معه، ولذلك فإنه لا يتعب من أي شيء فإنه مكتوب: ” نور الأبرار لا ينطفئ أبدًا ” (أم9:13).

 

وصايا المسيح ليست ثقيلة:

          واعلموا يا أولادي أن وصايا المسيح ليست ثقيلة ولا متعبة بل نور حقيقى وسرور أبدى لمن كمل الطاعة. وأنا أصلي لأجلكم لكي تأتوا إلى موضع الحياة. وهذا أنا أفعله بسبب طاعتكم.

الطاعة ونوال البركة:

          فإنه حينما رأي الرب أن تلاميذه يطيعونه، طلب من أبيه لأجلهم قائلاً: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا، لأنهم قد حفظوا كلامى” (يو6:17،24). وأيضًا طلب من الآب أن “يحفظهم من الشرير ” (يو15:17) إلى أن يصلوا إلى موضع الراحة. وهذا هو ما أصلي به وأطلبه من الرب أن يحفظكم من الشرير وتصلوا إلى موضع راحة الله وتنالوا البركة. لأن يعقوب بعد قبوله البركة رأي السلم ورأي أجناد الملائكة وجهًا لوجه، وهكذا صارع مع الملاك وغلب، وهذا عمله الله معه لكي يباركه. والله الذي خدمته منذ حداثتى فليبارككم.

 

 

الرسالة 15

          قبل كل شيء، يا  إخوتي المحبوبين، أنا أصلي من أجل صحتكم ونموكم في الأمور غير المنظورة. لأن ” الأشياء التي تُرى وقتية، أما التي لا تُرى فهي أبدية ” (2كو18:4).

الجسد الحى والجسد الميت:

          والآن أنا أرى أن جسدكم هو من فوق وأنكم في ملئ الحياة. فالذي يكون جسده حيًا [1] فإن الله يهبه ميراثًا، ويُحسب ضمن ميراث الله، ويعطيه الله المكافأة عن كل أتعابه. لأن هذا الإنسان يحرص على حفظ جسده حيًا، لكي يُحسب ضمن ميراث الله. لذلك فأنا الآن أفرح بكم وبجسدكم الحي. لأن من كان جسده ميتًا، لا يُحسب ضمن ميراث الله، ولكن يحسبه الله بالأحرى، مذنبًا، وهو لكي يوضح أن أجسادهم كانت مائتة يقول هكذا بواسطة النبي ” نادِ بصوت عال. لا تمسك. أرفع صوتك كبوق وأخبر شعبي بتعديهم وبيت يعقوب بخطاياهم. وإيأي يطلبون يومًا فيومًا ويُسرون بمعرفة طرقى، كأمة عملت برًا ولم تترك قضاء إلهها. يسألوننى عن أحكام البر. يسرون بالتقرب إلى الله. يقولون: لماذا صمنا ولم تنظر، ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ ” (إش1:58ـ3). ويجيبهم الرب عن كلامهم فيقول ” ها إنكم في أيام صومكم تصنعون مشيئتكم الخاصة، والذين تحت سلطانكم تعاملونهم بقسوة وتضربونهم. ها أنكم للخصومة والنزاع تصومون وتضربون بلكمة الشر. لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء. أمثل هذا يكون صوم أختاره يومًا يذلل الإنسان فيه نفسه، يحني كالأسلة عنقه، ويفرش تحته مسحًا ورمادًا. هل تسمى هذا صومًا مقبولاً للرب؟” (إش3:58ـ5) وأيضًا كل ما هو مكتوب في إشعياء بعد هذه الكلمات.

          فاعلموا يا أولادي أن هذا هو الجسد المائت وأن كل الذين يصنعون هكذا لا يسمع الله لهم عند تضرعهم بل بالأحرى يلومهم. والإنجيل المقدس قد بيّن لنا هذا بقوله ” إن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون ” (مت23:6). ويقول النبي في موضع آخر ” إن جميع أعمال برنا كخرقة الحائض ” (إش6:64). ولكنكم يا  إخوتي الأحباء ليس فيكم شيء من هذا الجسد المائت، بل إن جسدكم حى.

الجسد الحي والازدياد في النعمة والمحبة وثمار القداسة:

          وأنا أصلي إلى الله من أجلكم أن يحفظكم، وان يحفظ جسدكم الحى من الفساد ويجعلكم تزدادون أكثر فأكثر في النعمة وفي الفرح وفي محبة الاخوة وفي محبة الفقراء، وفي كل عملٍ صالح، وفي كل ثمار القداسة، إلى أن تخرجوا من هذا المسكن، ويقبل الرب كل واحد منا في الموضع الذي ليس فيه حزن ولا فكر شرير ولا مرض ولا اضطراب، وإنما فرح وسرور ومجد، ونور أبدى. إنه الفردوس الذي لا تذبل ثماره. ويستقبلكم الرب يسوع في مساكن الملائكة، وإلي ” كنيسة أبكار مكتوبين في السموات ” (عب23:12) وإلي مواعيد وخيرات لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على قلب بشر.

          هذا ما كتبته إليكم لأجل محبتى فيكم، وذلك لكي تتعزى قلوبكم، وهناك أشياء كثيرة أريد أن أكتبها إليكم. ولكن ” أعطِ فرصة للحكيم، فيكون أوفر حكمة” (أم8:9).

          فليحفظكم الرب من هذا العالم الشرير لكي تكونوا أصحاء في الجسد والروح والنفس. وليعطكم ” فهمًا في كل الأشياء ” (2تى7:2)، لكي تُنقذوا من ضلال وشر الزمان الحاضر.

          تذكروا أن الجسد المائت ينشأ في الإنسان نتيجة محبة المجد الباطل ومحبة الملذات الجسدية.

          كونوا معافين بالرب يا أحبائي واخوتى.

 

الرسالة 16

التجارب والأتعاب:

          أنا أعلم أنكم تتعرضون لأتعاب كثيرة وقد دخلتم في تجربة كبيرة. ولكن إن احتملتم التجربة بشكر فسيحل فيكم الفرح لأنه إذ لم تأت عليكم تجارب سواء كانت ظاهرة أم خفية لا تستطيعون أن تتقدموا وتنمو أكثر من قامتكم الحاضرة. لأن جميع القديسين، حينما طلبوا أن يزداد إيمانهم دخلوا في تجارب. فإنه حينما ينال الإنسان نعمة من الله ففي الحال تزداد عليه التجربة من العدو، الذي يريد أن يحرمه من البركة التي باركه بها الله. لأن الشياطين يعرفون أن النفس تتقدم بنوالها النعمة، ولذلك يحاربون ضدها سواء في السر أو في العلانية. لذلك فحينما نال يعقوب البركة من أبيه أتت عليه تجربة عيسو بعد ذلك: لأن الشرير حرك قلبه ضد يعقوب، راغبًا أن يضيع منه البركة. ولكن الشرير ليس له قوة وسلطان على الأبرار لأنه مكتوب ” لأنه لا تستقر عصا الأشرار على نصيب الصديقين ” (مز3:25). وكانت النتيجة أن يعقوب لم يفقد البركة التي نالها بل ازدادت يومًا بعد يوم. وأنتم أيضًا اصنعوا كل ما في وسعكم لتخرجوا منتصرين من التجارب. فإن احتمال التجارب هو ضرورة بالنسبة لأولئك الذين ينالون البركات. وأنا أبوكم، قد احتملت أيضًا تجارب عظيمة علانية وخفية معًا. وثابرت، متوسلاً برجاء كثير، والرب أنقذنى.

          وهكذا في حالتكم أنتم، يا أحبائي، فلأنكم نلتم بركة الله، فكونوا مستعدين لقبول التجارب إلى أن تعبروا خلفها، وحينئذ تحصلون على نمو عظيم وازدياد في كل فضائلكم ويعطى لكم فرح عظيم من السماء لم يسبق لكم تذوقه قبل ذلك.

العلاج لاجتياز التجارب:

          والعلاج اللازم للعبور خلال التجارب هو أن لا تكلوا ولا تخوروا، بل أن تصلوا لله بكل قلبكم مقدمين تشكرات ومظهرين صبرًا في كل الأشياء، وحينئذ فإن التجربة سوف تعبر عنكم. فإن إبراهيم جُرب هكذا، وبواسطة التجربة ظهر ” كبطل مُدرب ” مجيد: وهكذا هو مكتوب، ” كثيرة هي بلايا الصديق ولكن من جميعها ينجيه الرب ” (مز19:34) وأيضًا يعقوب يقول في رسالته ” أعلى أحد بينكم مشقات ؟، فليصلِ ” (يع13:5).

          فانظروا أن جميع القديسين، حينما دخلوا في التجارب، كانوا يطلبون الله. وأيضًا، مكتوب ” الله آمين، وهو لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون ” (1كو13:10).

          والآن، فإن الله يعمل فيكم بسبب استقامة قلبكم. فإنه لو لم يكن يحبكم لما سمح بأن تأتى التجارب عليكم. ” الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله ” (عب6:12) لذلك فالتجارب نافعة للمؤمنين، أما الذين ليس لهم خبرة بالتجارب فإنهم يكونون غير مدربين، وهم يرتدون الثوب الرهباني، ولكنهم ينكرون معناه.

التجارب ودخول الملكوت:

          فلا يستطيع إنسان أن يدخل إلى ملكوت الله بدون تجارب. والقديس بطرس المغبوط يقول في رسالته:

          ” إن ما تبتهجون به الآن، رغم الألم الناتج من التجارب المتنوعة، فإنه يهدف إلى كشف لمعان إيمانكم، الذي يفوق بريق الذهب الذي يمتحن بالنار ” (1بط6:1،7). ويُقال عن الأشجار إنها تتأصل وتنمو بقدر ما تهزها الريح. هكذا الحال أيضًا في احتمال الأبرار للضيقات (إذ يزيدهم نموًا وتأصلاً). ولكن سواء في هذا الأمر أو في أي أمور أخرى، أطيعوا مرشديكم لكي تنموا وتتقدموا.

فرح الروح واحتجابه:

          ينبغي أن تعرفوا كيف أنه في بداية الحياة الروحية يعطى الروح القدس فرحًا للإنسان حينما يرى أن قلبه يتحول إلى النقاوة. ولكن بعد أن يعطى الروح فرحًا وحلاوة فإنه يحتجب ويترك الإنسان. وهذا دليل على نشاط الروح وفاعليته. وهذا الأمر يحدث مع كل نفس تطلب الله وتخافه. إنه يحتجب ويبقى على بُعد مسافة من الإنسان إلى أن يعرف هل يستمر الإنسان في طلبه أم لا، إن بعض الناس، حينما يحجب الروح نفسه عنهم، يتثقلون ويجلسون هكذا مثقلين بدون حركة، لأنهم لا يطلبون من الله أن يرفع الثقل من عليهم وأن يعطيهم من جديد الفرح والحلاوة التي سبق أن تذوقوها، ولكن بسبب إهمالهم وبسبب إرادة ذواتهم، فإنهم يتغربون عن الحلاوة الإلهية. ولهذا السبب فإنهم يصيرون جسدانيين ويرتدون الزى (الرهبانى) بينما هم ينكرون معناه. هؤلاء هم الذين عُميت عيونهم، فلا يتعرفون على عمل الله في داخلهم.

          ولكنهم لو عرفوا هذا الثقل غير المعتاد، الذي هو عكس الفرح الذي كان لهم سابقًا، وطلبوا الله بدموع وصوم، فإنه حينئذ، حينما يرى أنهم يطلبون باستقامة من كل قلبهم، ويجحدون إرادة ذواتهم، فإن الله في نعمته سوف يعطيهم فرحًا أعظم من الفرح الأول الذي كان لهم. ويحفظهم بثبات أكبر. هذه هي العلامة التي يعطيها لكل نفس تطلب الله.

DCD

            وبعد أن كتبت إليكم رسالتي تذكرتً كلمة معينة، ووجدت إلحاحًا في داخلي أن أكتب إليكم عن التجربة التي يتعرض لها الإنسان المتقدم (في الروح)، والذي يهبط إلى أعماق الهاوية من مستوى الكمال الروحى.

تجربة المتقدم في الروح:

          فعن مثل هذا الإنسان يصرخ النبي قائلاً: “وقد نجيت نفسي من أعماق الهاوية” (مز13:86). إن التجارب تقترب من كل من يلتصق بروح الله، ولكنه عن طريق التجارب يقتنى الإفراز ويصير له مجد من نوعٍ آخر. لذلك ففي صعود النبي حينما جاء إلى السماء الأولي دُهش من نورها، ولكنه حينما جاء إلى الثانية دُش دهشة عظيمة حتى أنه قال “إنى اعتبرت نور السماء الأولي كأنه ظلمة” [2]. وهكذا إلى أن وصل إلى مرحلة الكمال النهائية. لذلك فإن نفس الإنسان الكامل البار تتقدم إلى الأمام إلى أن تصعد إلى سماء السموات. فحينما تصلون إلى هذا فإنكم تكونون قد عبرتم كل التجارب. وحتى الآن فإنه يوجد أُناس على الأرض قد وصلوا إلى هذه المرحلة.

 

فائدة التجارب للمؤمنين:

          وأنا أكتب إليكم هذا أيها الأحباء لكي ما تعرفوا بصورة أكيدة أن التجارب تأتى على المؤمنين لا لضررهم بل لفائدتهم، وبدون التجارب التي تأتى على النفس، فإنها لا تستطيع أن ترتفع إلى موضع الحياة، أي موضع ذلك الذي خلقها. ” الروح يهب حيث يشاء ” (يو8:3)، وهو يهب على النفوس النقية والمقدسة، النفوس البارة والصالحة. وإذا أطاعوا الروح، فإنه يعطيهم مخافة الله، مع حرارة في البداية. وحين يبذر بذاره فيهم، فإنه يجعلهم يبغضون كل ما في العالم، سواء كان ذهبًا أو فضة أو زينة، أو كان أبًا أو أمًا أو أولادًا، وهكذا فإنه يجعل كل عمل الله حلوًا لهم أكثر من العسل والشهد، سواء كان هذا العمل تعبًا أو صومًا أو سهرًا أو سكونًا أو أعمال رحمة. وكل شيء يُعمل من أجل الله يصير حلوًا لهم، إلى أن يعلمهم كل شيء (يو26:14). وحينما يكون قد علمهم كل هذه الأشياء، فإن الواحد منهم يكون معرضًا للتجربة. وعندئذ (أي وقت التجربة) فإن كل الأشياء التي كانت قبلاً حلوة لهم تصير ثقيلة عليهم، ولهذا السبب فإن كثيرين حينما يُجربون يظلون في حالة ثقل ويصيرون جسدانيين. هؤلاء الذين يقول عنهم بولس، ” أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون بالجسد؟ أهذا المقدار احتملتم عبثًا؟ ” (غل3:3،4). وبدون هدف؟

مقاومة الشيطان في التجربة:

          ولكن إن قاوم الإنسان الشيطان في تجربته الأولي وهزمه، فحينئذ يعطيه الله حرارة مملوءً سلامًا، وتعقلاً وثباتًا. لأن الحرارة الأولي يشوبها الاضطراب وعدم التعقل.

الحرارة الثانية:

          أما الحرارة الثانية فهي أفضل من الأولى، وهي تولد في الإنسان قدرة على رؤية الأمور الروحية أثناء جهاده في المعركة العظيمة، إذ يكون له صبر غير مضطرب. فكما يحدث مع السفينة عندما تكون الريح حسنة فإن دفتاها تدفعان أكثر، وهكذا تقطع السفينة مسافة كبيرة، وهكذا أيضًا فإن البحارة يفرحون ويكونون في راحة واطمئنان. وبمثل هذا تكون الحرارة الثانية إذ تعطى الإنسان هدوءً وسلامًا في كل شيء وفي كل طريق.

          والآن يا أبنائى الأعزاء اقتنوا لأنفسكم هذه الحرارة الثانية، لكي تكونوا متأصلين ومتأسسين في كل شيء. لأن الحرارة التي يكون الله هو غايتها وهدفها تلغى كل الأهواء الخداعة، وتمسح وتبطل عتاقة الإنسان العتيق، وتجعل الإنسان هيكلاً لله، كما هو مكتوب ” إنى سأسكن فيهم وأسير بينهم (2كو17:6). فإذا كنتم ترغبون أن تعود إليكم الحرارة التي كانت فيكم سابقًا ثم خمدت وأن تأتى إليكم من جديد، فهذا هو العمل الذي يلزم للإنسان أن يعمله: ينبغي أن يقطع عهدًا بينه وبين الله، ويصرخ إليه بأنين القلب وبكل قلبه ويقول له: ” اغفر لي ما فعلته بجهلى، وأنني لن استمر في العصيان “.

          وبعد ذلك لا ينبغي أن يسير تحت سلطان إرادته الذاتية لإرضاء ذاته سواء في جسده أو في نفسه، بل بالأحرى ينبغي أن ترتفع أفكاره إلى الله وأمام الله، بينما هو يؤنب ويوبخ نفسه قائلاً، ” كيف احتقرت الصلاح، واستخففت بحالة فراغك وعقمك كل هذه الأيام! “. ينبغي أن تتذكر كل العذابات، وتتذكر الملكوت الأبدي، موبخًا نفسك في كل الأوقات وقائلاً لها: ” انظرى مقدار الكرامة التي أعطاها الله لك، وأنت أهملتها وازدريت بها”. حينما يقول الإنسان هذا لنفسه، موبخًا إياها ليلاً ونهارًا، فإن الحرارة الإلهية تحل عليه فجأة، وهذه الحرارة الثانية هي أعظم من الحرارة الأولى. لأنه حينما رأي داود النبي الثقل الذي أتى عليه قال: ” تفكرت في أيام القِدم السنين الدهرية وتأملت فيها ” (مز5:77).

          ويقول أيضًا “تذكرت أيام القِدم ولهجت بكل أعمالك، بصنائع يديك أتأمل وبسطت إليك يدى. نفسي تعطش إليك كأرض يابسة ” (مز5:143،6). وأيضًا إشعياء يقول: ” بالرجوع والأنين تخلصون، وتفهمون كيف كان الأمر معكم ” (إش15:30السبعينية).

 

الرسالة 17

والآن يا إخوتي، وأحبائي في الرب، الذين أحبكم بكل قلبي، إني أسمع أن التجربة تتعبكم، وأخاف أن تكون التجربة آتية عليكم من أنفسكم.

التجربة الآتية من الدوافع الذاتية:

          لأني سمعت أنكم تريدون أن تتركوا موضعكم، وحزنت حينما سمعت هذا، رغم أنه قد مضى وقت طويل منذ أن أصابني ذلك الحزن. لأني أعلم بصورة أكيدة، أنكم إن تركتم موضعكم الآن، فلن تتقدموا أو تنموا بالمرة. لأن هذا ليس هو مشيئة الله، وإذ تصرفتم بمشيئتكم الخاصة، فإن الله لن يعمل معكم ولن يخرج معكم، وأخاف أننا سنسقط في شرور كثيرة (نتيجة لذلك).

أخطار أتباع المشيئة الذاتية:

          فإذا تبعنا مشيئتنا الخاصة، فإنه لا يعود يرسل قوته التي تثرى وتبنى وتثبت كل طرق الإنسان. فإذن كان الإنسان يفعل شيئًا، متخيلاً أن هذا الشيء هو من الله، بينما هو في الحقيقة تعبير عن مشيئته الخاصة، فإن الله لا يمده بالعون، وتجد أن قلبه قد أصابته مرارة، وأصبح ضعيفًا في كل شيء تمتد إليه يده. وأن المؤمن على أمل التقدم إلى الأفضل يمكن أن يمضى في طريق خطأ وتكون النتيجة أن يُهزأ به (من الشياطين). فإن حواء لم تنخدع بوهم آخر سوى الصلاح والتقدم. لأنها حينما سمعت “ستصيران مثل الله ” (تم5:3) وفشلت أن تميز صوت المتكلم، فإنها عصت وصية الله، وبذلك فإنها ـ ليس فقط لم تأت بصلاح، بل ايضًا صارت تحت اللعنة.

          وسليمان يقول في الأمثال: ” توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة ولكن عاقبتها تكون إلى الهاوية ” (أم12:14). وهو يقول هذا عن أولئك الذين لا يفهمون مشيئة الله، بل يتبعون مشيئتهم الخاصة. فإن مثل هؤلاء الناس، إذ لا يعرفون مشيئة الله، فإنهم يقبلون في البداية حرارة وحماسًا من الشيطان تشبه الفرح، ولكنها ليست فرحًا، وفيما بعد تتحول هذه الحرارة إلى كآبة ويفتضح الشيطان بوضوح. أما الذي يتبع مشيئة الله، فإنه يحتمل تعبًا كثيرًا في البداية، ولكن فيما بعد يجد راحة وفرحًا. إذن فلا تفعلوا شيئًا بحسب مشيئتكم الخاصة، حتى آتى وأتحدث إليكم.

الدوافع الثلاثة ومعرفة مشيئة الله:

          توجد ثلاثة دوافع تحرك الإنسان في أي مكان، وغالبية النُساك يجهلونها، ما عدا أولئك الذين صاروا كاملين، الذين يقول عنهم الكتاب: “أما الطعام القوى فللبالغين، الذين بسبب التمرن صارت حواسهم مدربة للتميز بين الخير والشر” (عب14:5). فما هي هذه الدوافع الثلاثة ؟:

            أحد هذه الدوافع يأتى به العدو، ودافع آخر ينشأ من القلب، بينما الدافع الثالث يزرعه الله في الإنسان. ومن بين هذه الثلاثة، فإن الله يقبل الدافع الذي هو منه فقط.

          لذلك، امتحنوا أنفسكم، أي من هذه الدوافع هو الذي يلح عليكم أن تتركوا موضعكم. فلا تتركوا موضعكم إلى أن يأذن الله لكم. وأنا أعلم ما هي مشيئة الله بالنسبة لكم، ولكن من الصعب عليكم أن تتعرفوا على مشيئة الله. فإذا لم ينكر الإنسان ذاته، وينكر مشيئته الخاصة، ويطيع آبائه الروحيين، فإنه لن يستطيع أن يتعرف على مشيئة الله، وحتى إذا عرفها، فإنه يحتاج إلى معونة الله لتعطيه القوة لكي يتمم هذه المشيئة.

التعرف على مشيئة الله ثم العمل بها:

          وهكذا أنتم ترون، أن التعرف على مشيئة الله واكتشافها هو أمر عظيم، أما ما هو أعظم منه فهو أن نعمل هذه المشيئة. أما يعقوب فقد كانت عنده هذه القوات (أي معرفة مشيئة الله، والعمل بها) لأنه أطاع والديه. فإنهما حينما أخبراه أن يمضى إلى ما بين النهرين، عند لابان (أنظر2:28)، أطاع في الحال، رغم أنه لم يكن يريد أن ينفصل عن والديه. وبسبب طاعته ورث البركة. ولو لم أكن أنا ـ أبوكم الروحى ـ قد أطعت آبائى الروحيين قبل ذلك، لما أعلن الله مشيئته لى. لأنه مكتوب: ” بركة الأب تبنى بيوت البنين ” (جا9:3).

          وإن كنت أنا قد احتملت أتعابًا كثيرة في البرية والجبال، طالبًا الله نهارًا وليلاً، إلى أن أعلن الله مشيئته لى، أفلا تسمعون الآن لأبيكم في هذا الأمر، وذلك لأجل راحتكم وتقدكم.

          ولكنى سمعت أنكم تقولون: ” إن أبانا لا يعرف مقدار تعبنا، وكيف هرب يعقوب من عيسو “. ولكن ألاّ تعرفون أنه لم يمض من نفسه، بل أُرسل من والديه. أفلا تتمثلون إذن بيعقوب، وتظلون في مكانكم إلى أن يطلقكم أبيكم، لكي يبارككم حينما تذهبون، وحينئذ فإن الله يبارك أعمالكم.

          كونوا معافين في الرب. آمين.

 

الرسالة 18

حياة الهدوء:

          وأنتم تعلمون أيضًا، يا  إخوتي الأحباء، أنه منذ أن حدثت المعصية (الأولى)، فإن النفس لا تستطيع أن تعرف الله إن لم تبتعد عن الناس، وعن كل تشتت. لأن النفس حينئذ سوف ترى العدو الذي يحارب ضدها. وحينما تكون قد رأت العدو وانتصرت عليه في كل مرة يحارب ضدها، فإن الله يسكن في تلك النفس، ويتحول كل تعبها إلى فرح وابتهاج. أما إذا انهزمت النفس، فحينئذ يأتى عليها حزن، وضجر، وأنواع أثقال أخرى كثيرة. ولكنها لا ينبغي أن ترتعب (وتفشل)، لأن (الأعداء) لن يكون لهم سلطان عليها إذا سارت في هدوء.

الخروج من الهدوء بأمر الله:

          ولهذا السبب فإن الآباء القديسين أمثال إيليا التشبي ويوحنا المعمدان، اعتزلوا في البرية على انفراد. فلا تظنوا أن هؤلاء الرجال الأبرار حققوا برهم عن طريق وجودهم وسط الناس. بل بالأحرى، فإنهم مارسوا أولاً هدوءً كثيرًا، وبعد ذلك حصلوا على حلول قوة الله فيهم، وبعد ذلك أرسلهم الله إلى وسط الناس وهم قد اقتنوا جميع الفضائل، لكي يكونوا هم حاملي المؤن الإلهية، ويشفوا الناس من ضعفاتهم. فإنهم كانوا أطباء للروح، قادرين على شفاء ضعفات الناس. ولأجل الحاجة إلى الشفاء فإنهم أُخذوا من هدوئهم وأُرسلوا إلى الناس.

 

الخروج من الهدوء بالمشيئة الذاتية:

          ولكنهم لم يُرسلوا إلاّ بعد أن شُفيت جميع أمراضهم الخاصة لأن النفس لا يمكن أن تُرسل إلى وسط الناس لأجل بنيانهم إن كان فيها بعض النقائص. وأولئك الذين يذهبون قبل أن يكملوا، إنما يذهبون بمشيئتهم الخاصة وليس بمشيئة الله. ويقول الله موبخًا مثل هذا التصرف: ” أنا لم أرسلهم، ولكنهم جروا من أنفسهم ” (إر21:23). ولهذا السبب فإنهم لا يستطيعون لا أن يحفظوا أنفسهم ولا أن يبنوا أي نفس أخرى.

طاعة أمر الله والتشبه بالمسيح:

          أما أولئك الذين يُرسَلون من الله فإنهم لا يريدون أن يتركوا هدوءهم، إذ يعرفون أنهم بواسطة الهدوء قد حصلوا على القوة الإلهية، ولكنهم لكي لا يعصوا الخالق (الذي يأمرهم بالذهاب)، فإنهم يخرجون متمثلين به، لأجل البناء الروحي للناس. كما أرسل الآب ابنه الوحيد من السماء لكي يشفي كل ضعفات وأمراض البشر. كما هو مكتوب: ” هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا ” (إش4:53).

          وهكذا كل القديسون الذين جاءوا وسط الناس لكي يشفوهم، فإنهم يتبعون مثال خالق الكل، لكي يُحسبوا أهلاً بالتبني كأبناء لله ويملكون إلى دهر الدهور مع الآب والابن.

          فانظروا يا أحبائي ها أنا قد عرّفتكم قوة الهدوء، وكيف أنه يشفي من كل ناحية، وإنه إرادة الله لنا. ولهذا السبب كتبت إليكم، لكي تتشددوا فيما أنتم تفعلون، وتعرفوا أن جميع القديسين نموا وتقدموا في الهدوء، ولأجل هذا السبب أتت القوة الإلهية وسكنت فيهم، وكشفت لهم الأسرار السماوية، ولذلك طردوا بعيدًا كل عتاقة هذا العالم وفساده. والذي يكتب إليكم هذا قد وصل إلى هذه القامة بواسطة الهدوء.

حياة الهدوء وجحد الذات:

          إن رهبانًا كثيرين في الوقت الحاضر لم يستطيعوا أن يثبتوا في الهدوء لأنهم لم يستطيعوا أن ينتصروا على إرادتهم الذاتية. ولهذا السبب فإنهم يعيشون بين الناس في كل الأوقات، لأنهم لا يستطيعون أن يجحدوا ذواتهم، ويهربوا من معاشرة الناس، أو لا يستطيعون أن يجاهدوا في الرب، ولذلك فإنهم يتركون الهدوء، ويظلون في رفقة أقربائهم وجيرانهم لينالوا تعزيتهم منهم، طوال حياتهم. ولذلك فإنهم لم يُحسبوا أهلاً للحلاوة الإلهية أو لنوال سكنى القوة الإلهية في داخلهم، فإن تلك القوة حينما تتطلع إليهم من فوق، تجد أنهم ينالون تعزياتهم من هذا العالم ومن الشهوات التي تخص النفس والجسد. وكنتيجة لذلك فإن القوة الإلهية لا تعود تستطيع أن تظللهم، إذ أن محبة المال ومحبة المجد البشرى الباطل، وكل أمراض النفس وارتباكاتها، تمنع تلك القوة الإلهية من أن تظللهم.

          فكونوا أقوياء فيما أنتم تفعلون. وان أولئك الذين يتركون الهدوء لا يستطيعون أن يغلبوا شهواتهم، ولا أن يقاتلوا ضد عدوهم، لأنهم مستعبدين لشهواتهم. أما أنتم فإنكم تغلبون الشهوات، وقوة الله حاضرة معكم.

          كونوا معافين في الروح القدس.

 

الرسالة 19

          أحييكم في روح الوداعة المملوءة بالسلام، والذي يفوح رائحة زكية حلوة في نفوس الأبرار.

رائحة الروح القدس:

          فمن هم الذين عرفوا لذة ذلك الروح وحلاوته إلاّ الذين حُسبوا أهلاً أن يحل فيهم. لأن ذلك الروح لا يحل في أي نفس كيفما اتفق، ولكنه يحل فقط في أولئك الذين يتطهرون تمامًا من شهواتهم، لأنه روح قدوس، ولا يستطيع أن يدخل في نفس نجسة.

الروح يحل في الأطهار:

          ولهذا السبب فإن الرب لم يعطى هذا الروح للرسل إلاّ بعد أن تطهرت نفوسهم. ومن أجل ذلك قال لهم، ” إن ذهبت، سأرسل إليكم المعزى، روح الحق، وهو سيخبركم بكل شيء ” (يو7:16،13). لأن هذا الروح منذ هابيل وأخنوخ وإلى هذا اليوم يعطى نفسه لنفوس أولئك الذين قد طهروا أنفسهم تمامًا.

روح التوبة والروح القدس:

          لأن الروح الذي يظلل نفوسًا أخرى ليس هو هذا الروح وإنما هو روح التوبة، وحينما يظللهم روح التوبة، فإنه يدعوهم ويغسلهم من نجاستهم ويجعلهم أنقياء تمامًا، وحينئذ يقدمهم للروح القدس، وهذا الروح لا يكف عن أن يسكب عليهم رائحة ذكية وحلاوة كما سبق وقرأنا ” من هو الذي عرف بهجة الروح، إلاّ أولئك الذين جعل مسكنه فيهم؟ “. وأن كثيرين لم يُحسبوا مستحقين حتى لروح التوبة، أما روح الحق فإنه يسكن فقط في نفوس قليلة في كل جيل.

فإن الجوهرة كثيرة الثمن لا توجد في كل بيت، بل يصعب وجودها حتى في بيوت الملوك، وهكذا أيضًا هذا الروح فإنه لا يوجد إلاّ في نفوس الأبرار الذين جُعلوا كاملين.

نوال الروح والتسبيح لله:

          وأولئك الذين حُسبوا أهلاً له قد قدموا تشكرات عظيمة لله قائلين، “نسبحك يا الله، لأنك منحتنا الروح الذي أعطيته لخدامك “. وبالحقيقة فإن كل الأبرار الذي أُرسل إليهم الروح قدموا تشكرات عظيمة لله. فإن هذا هو ” الجوهرة ” التي يخبرنا عنها الإنجيل (أنظر مت44:13)، التي اشتراها التاجر الذي باع كل ممتلكاته. هذا هو ” الكنز المخفي في الحقل الذي وجده إنسان “، ففرح فرحًا عظيمًا. وهذا الروح يعلن أسرارًا عظيمة للنفوس التي يسكن فيها، ويجعل ليلهم مثل النهار. وهو يملأ أرواحهم بينما هم لا يزالون في هذه الخيمة (الجسدية). فانظروا ها أنا أعلمتكم ببعض أفعال هذا الروح القدوس وأريدكم أن تعرفوا، أنه منذ اليوم الذي فارقتكم فيه، أنجح الرب طريفي في كل شيء إلى أن وصلت إلى موضعي، والآن وأنا في وحدتي، فهو يُنجح طريفي أكثر ويعضدنى في الخفاء وفي العلانية. ولقد كنت أرغب أن تكونوا بالقرب منى لكي أعرفكم بالإعلانات التي أعطاها الروح لي. لأنه كل يوم يكشف لي إعلانات أخرى غير السابقة.

نوال الروح والتجربة:

          وأريد أيضًا أن أعرفكم عن التجربة. فأنتم تعلمون أن التجربة لا تأتى على إنسان إن لم يكن قد نال الروح وحينما يقبل الروح، فإن الروح يسمح للشيطان أن يجربه. ولكن من الذي يسلمه للتجربة؟ روح الله هو الذي يسلمه. لأنه يستحيل على الشيطان أن يجرب مؤمنًا، إن لم يسلمه الله للتجربة. ولذلك فحينما تجسد الرب، وصار مثالاً لنا في كل الأشياء، حينما اعتمد لأجل أن يعلمنا البر، وأتى عليه الروح مثل حمامة، فحينئذ اقتاده الروح إلى البرية ليجرب من إبليس، وإبليس لم يكن له قوة عليه.

          ولكن قوة الروح تقوى المؤمنين أكثر، بعد التجربة، وتزيد قامتهم. وهكذا كانت تجربتى. لأنه كما أن الرب حينما نزل من السماء، وجد جوًا آخر مظلمًا على الأرض، وأيضًا حينما كان مزمعًا أن ينزل إلى الهاوية (بالصليب)، رأي جوًا أكثر ثقلاً من الجو الأول وقال ” الآن نفسي قد اضطربت ” (أنظر يو27:12)، وهكذا أيضًا على نفس المثال تألمت أنا أيضًا بكل أنواع التجارب، واضطربت نفسي أيضًا، ولكننى أعطى المجد لله الذي أعبده وأخدمه منذ حداثتي، من كل قلبي، والذي أنا أطيعه في كل شيء سواء كان في هوانٍ أم في مجد، لأنه رفعني من ظلمة الأعداء وردنى إلى الرفعة الأولي مرة أخرى، كما رد آدم والقديسين إلى رتبتهم الأولى، لأنه مكتوب: ” إذ صعد للعلاء سبي سبيًا وأعطى الناس عطايا ” (أف8:4).

          وأنا أعرفكم يا أحبائي أن تجربتي الأخيرة هذه تشبه تجربة يوسف الأخيرة. فحينما وصل يوسف الطوباوي إلى تجربته الأخيرة في السجن (أنظر تك20:29) اضطرب أكثر من كل التجارب الأخرى السابقة. ولكنه بعد السجن ـ الذي هو مثال للهاوية ـ من ذلك الوقت فصاعدًا لم تصبه أي تجربة. وهكذا يا أبنائي المحبوبين أُعطى كرامة كاملة، لأنه صار ملكًا، (أنظر تك40:41)، ولذا فإني لم أخفِ عنكم ما تعرضت له من التجربة، وعرفتكم بالحالة التي أنا فيها في هذه الأيام.

مثال الكاملين:

          وبعد أن كتبت لكم هذا الكلام، تذكرت الكلمة المكتوبة في حزقيال عن مثال الكاملين. فإنه رأي عند نهر خابور، كائنًا حيًا له أربعة أوجه وأربعة أقدام وأربعة أجنحة، والأوجه الأربعة هي وجه كاروب ووجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر (حز1، وأنظر حز14:10). أما وجه الكاروب فيُرى عندما يستريح روح الله في النفس ويقودها لتقديم التسبيح بجمال وحلاوة.

          ولكن حينما يريد الروح أن ينهض لكي يطلب إنسانًا فإنه يأخذ وجه إنسان. وماذا يكون وجه الثور إلاّ حينما تقف النفس للجهاد والحرب ضد قوات الشر، فإن الروح يعينها مثل ثور قوى يستطيع أن يجرح الشيطان بقرنه.

          وماذا عن وجه النسر؟ إن النسر يطير عاليًا أكثر من جميع الطيور الأخرى، وحينما ترتفع النفس عاليًا ـ كما لو كانت ـ بوجه نسر، فإن الروح يدخل فيها ويجعلها تبقى في العلاء، إلى جوار الله.

          ويوجد الكثير من الكلام عن هذا الكائن الحي. الذي كلمتكم عنه قليلاً فقط. ولكن إذا صليتم فسآتي إليكم، وستدخلون معي إلى ” بيت إيل “، وهناك سنكمل نذورنا ونقدم محرقتنا كاملة، وهي التي نطقت بها شفتانا (أنظر مز13:66،14)، وحينئذ سنشرح عن هذا الكائن الحي بحسب قدرتنا. لأن بيت إيل معناها ” بيت الله “. ولذلك فإن الله يحارب عن بيته الذي دُعي باسمه.

الشركة في التعب وفي المجد:

          سلامى لكل لأولئك الذين يشتركون في أتعاب وعرق آبائهم في التجربة، كما يقول يوحنا ” بعرق الإنسان يتمجد الله “، هكذا النفس أيضًا بعرقها يصيرها الرب شريكة له. وهكذا كل الذين يصيرهم شركاء في ثمار تعبه، لأنه مكتوب ” إن كنا نتألم معه، فسنحيا أيضًا معه ” والرب أيضًا يقول لتلاميذه: ” أنتم الذين تعبتم معى في تجاربي، وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي ” (لو28:22ـ30).

          وهكذا ترون يا أحبائي أن الذين يصيرون شركاء في الأتعاب يصيرون شركاء في الراحة أيضًا، والذي يصير شريكًا في احتمال الهوان يكون شريكًا في الكرامة أيضًا. لذلك مكتوب أيضًا في الآباء، ” الابن الصالح هو الذي يرث ميراث آبائه وبركاتهم “.

          وهذا هو أيضًا ما قد زرعناه: إنه زرع الله، والأبناء الصالحين هم أولئك الذين يرثون ميراثنا وبركتنا.

          وحقًا أقول لكم أنني أذكركم دائمًا في صلواتي وأنا أنظر إليكم بالروح كنظر الوالدة الحنون على أولادها. ومرات كثيرة أراد سيدي الرب أن يريحني من أتعاب هذا الجسد ويأخذ نفسي إليه. ولكن لأجل استراحة روح الرب عليكم، قد ترك روحى المسكينة في جسدها لأجل تربيتكم. وقال لها: إنك والدة حسنة ومربية صالحة، فاعتنى عناية شديدة بأولئك الذين في رعايتك، لأنه يسر الله أن يأخذك من هذه الخيمة بعد أن تتركى وراءك زرعًا صالحًا، لأني أعلم أنك معلم ومربي أمين. ولكن نذكر أنه لأجل هذا النسل قد تركك الله في هذه الخيمة (أي في الجسد).

          كونوا معافين في الرب، في روح السلام الوديع الذي يسكن في نفوس الأبرار.

 

هذا هو كتاب أبيكم الذي كتبته لكم، وهذا هو ميراث الآباء الروحانيين الذين يورثونه لأولادهم ويتركونه لهم ليرثوه بالبر. فالآباء الجسديون يتركون لأولادهم تركة ميراث من الذهب والفضة. أما الأبرار فيتركون لأولادهم ميراث البر. وانظروا إلى رؤساء الآباء الذين رغم أنهم كانوا أغنياء في الذهب والفضة، إلاّ أنهم عند وفاتهم لم يُعطوا لأولادهم أي وصية إلاّ بخصوص البر، الذي يبقى إلى دهر الدهور. فإن الذهب والفضة تزول وتضمحل، وهي تخص هذه الخيمة الجسدية القصيرة العمر، أما البر فهو يخص ذلك المسكن الذي يدوم للإنسان إلى دهر الدهور.

          كونوا معافين في الرب وفي مسرة البر الذي يعطيها الله لكم يومًا فيومًا إلى أن تخرجوا من هذا الجسد.

 

 

[1] يستعمل القديس أنطونيوس كلمة جسد بمعنى إيجابى جدًا ليعبر به عن الإنسان كله، وذلك حسب تقليد العهد القديم العبرى حينما يتكلم عن الإنسان بكلمة جسد مثل ” ويبصر كل جسد خلاص الله ” أى ” كل بشر ” وكاستعمال إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسدًا ” أى صار ” إنسانًا ” وبهذا فإن تعليم القديس أنطونيوس بعيد تمامًا عن أى فكرة تعتبر الجسد شريرًا في جوهره. فالجسد الحى هو الإنسان الذى يحيا بالروح ويعمل مشيئة الله، والجسد الميت هو الإنسان يعيش في الشر في داخله حتى لو كان يتظاهر بأعمال البر.

[2] كتاب صعود إشعياء (21:8). وهو وثيقة يهودية مسيحية من القرن الثانى تصف رحلة روح إشعياء النبى بعد استشهاده وصعوده إلى السماوات.

رسائل القديس أنطونيوس ج3

رسائل القديس أنطونيوس ج1

رسائل القديس أنطونيوس ج1

رسائل القديس أنطونيوس

مؤسسة القديس أنطونيوس – مركز دراسات الآباء

رسائل القديس أنطونيوس

ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة

مقدمة

ملامح من حياة الأنبا أنطونيوس (251-356)

          ولد أنطونيوس حسب رواية المؤرخ الكنسي سوزمين سنة 251م في كوما Coma الآن “قمن العروس” قرب بوش – محافظة بني سويف – (سوزمين تاريخ الكنيسة 1: 13) – وقد سجل القديس اثناسيوس الكثير عن هذا الرجل الذي وصفه بأنه “مؤسس الرهبنة” وانسان نال “الحكمة الالهية” (حياة انطونيوس بقلم اثناسيوس: 72). ولم يتعلم انطونيوس علوم الدنيا، بل لقد سجلت المصادر التاريخية الموثوق منها انه لم يكن يعرف القراءة والكتابة. وقد أراد البعض أغاظته بأنه لا يعرف شيئاً عن الآداب والعلوم، فأجاب على هذه الإغاظة بقوله “حسناً ماذا تقولون؟ أيهما سبق الآخر: العقل ام الحروف؟ وأيهما هو السبب في وجود الآخر: العقل هو السبب في وجود الحروف أم الحروف هي السبب في وجود العقل؟ وعندما اعترف هؤلاء بأن العقل هو السبب في وجود الحروف وان العقل هو الذي اخترعها. أجاب انطونيوس “من له عقل صحيح ليس له احتياج إلى الحروف” (حياة انطونيوس: 72 – سقراط، تاريخ الكنيسة 4: 23). ولم يكن انطونيوس عاطل العقل فقد سأله أحد الفلاسفة: “أيها الأب كيف يمكنك الصمود في هذه الحياة الصعبة وأنت قد حُرمت من تعزيات الكتب؟” أجاب انطونيوس “ان كتابي ايها الفيلسوف هو الكون ولذلك أنا استطيع أن أقرأ لغة الله في أي وقت أشاء” (سقراط 4: 23). وهذه الإجابة ليست بسيطة ولا تنم عن سذاجة وجهل وانما تؤكد أن المعرفة الروحية لا تحتاج إلى علوم الفلسفة والطب والزراعة والصيدلة.. الخ. وانما تحتاج إلى القلب والعقل اليقظ الذي يرغب في معرفة الله. وعندما يتحول الكون والطبيعة إلى كتاب يقرأ فيه الإنسان لغة الله فإن هذا الإنسان لا يحيا في فراغ الجهل الذي خاف منه هذا الفيلسوف وانما في ملء معرفة حكمة الله. ويكفي أن القديس اثناسيوس سجل هذه الملاحظة الدقيقة عنه “لقد نال انطونيوس شهرة واسعة – ليس بسبب الحكمة العالمية وليس بسبب فن أتقنه وإنما بسبب خدمته لله” (حياة أنطونيوس: 93).

          في مقدمة السيرة يذكر القديس اثناسيوس أن انطونيوس ولد من أسرة غنية مسيحية وانه بعد وفاة والديه بستة أشهر أي أن عمره كان حوالي 18 سنة – دخل إلى الكنيسة وسمع قول الرب المشهور “إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل مالك وتعال اتبعني” وقد علق أحد الآباء على هذه الحادثة بقوله “ان انطونيوس لم يسمع هذه الكلمات من المسيح في الجسد وانما سمعها من قارئ في الكنيسة فذهب إلى منزله فوراً، وقرر أن يعمل ما فيها ولذلك لا يجب أن نتمنى أن نكون معاصرين لابن الله وهو في الجسد بيننا وانما علينا أن نكون معاصرين عمله في النفس وان نختبر ما في كلماته من حق ليس بالجدل العقيم بل بطريق الطاعة الشاق”. وهكذا اختبر انطونيوس وكان اختباره برهان على صدق مواعيد الإنجيل. والاختبار هو طريق واضح لفهم الانجيل وتذوقه. وليس لدى الإنسان سوى هذا الطريق الواحد الذي يؤدي إلى أسرار الله.

          ولأن كل الطرق الأخرى فاشلة، فشل كثيرون من العباقرة والعلماء في سلوك الطريق الضيق.

          ولم يكن انطونيوس وحده في طريق الله لأنه عندما أراد أن يبيع قسماً من أملاكه ويبقي على جزء لأخته تذكر القول الإلهي “لا تفكروا في الغد”. وعندما استراح لقول الرب ترك أخته في رعاية سيدة مسيحية قديسة ووزع كل أمواله (سوزمين 1: 13). وهنا نلمح بشكل أساسي أن وجود القديسين في هذه الدنيا هو أحد الوسائل الأساسية التي تساعدنا على تذوق أسرار الله واختبار طاعته لأن ما قدمته هذه المرأة القديسة من عناية بأخت انطونيوس كانت دون شك أحد عوامل الاستقرار ولكن انطونيوس كان شجاعاً في تنفيذ الوصية بشكل لم يجعله يتردد أو يخاف.

          وقد سلك انطونيوس طريقه الشاق فكان أول من ارتاد البراري وجعل الحياة النسكية تمتاز بسكنى الصحراء لأن الذين سبقوه كانوا يعيشون قرب الأماكن الآهلة أي المدن والقرى ولكنه سكن قلعة قديمة قرب قمن العروس مدة عشرين عاماً ولكنه وجد نفسه مضطراً للخروج من هذه العزلة في عام 311م. وعندما أثار مكسيميانوس الاضطهاد على الكنيسة والذي استشهد فيه القديس بطرس خاتم الشهداء اضطر انطونيوس إلى الذهاب إلى الاسكندرية لكي يشدد من عزيمة المؤمنين وهو ما يؤكد أن عزلة وتوحد انطونيوس لم يقطعا محبة الكنيسة والاهتمام بالأيمان من قلبه مطلقاً. وقد كانت نتيجة هذه الرحلة هي التوغل بشكل أعمق في البرية فعاد من الاسكندرية إلى البحر الأحمر إلى البقعة الكائن فيها ديره الآن. وقام بزراعة جزء صغير من الأرض لكي يقيت نفسه.

          واضطر انطونيوس إلى العودة مرة ثانية إلى الاسكندرية في سنة 335م يطلب البابا اثناسيوس الرسولي لكي يقاوم معه البدعة الأريوسية وظل في الاسكندرية مدة غير معروفة عاد بعدها إلى الصحراء حيث ظل فيها إلى أن رقد في الرب سنة 356م بعد أن قضى على هذه الأرض 105 عاماً.

الرسائل:

          يذكر البابا اثناسيوس في كتاب “حياة انطونيوس” أن القديس انطونيوس تلقى الكثير من الرسائل من الأباطرة قسطنطين – قسطنطينوس – قنسطنس، وانه لم يهتم بهذه الرسائل. وقال للرهبان “لا تتعجبوا إذا كان الامبراطور يكتب لنا فهو انسان مثلنا وجدير بكم أن تتعجبوا بالحري من أن الله قد كتب الناموس للإنسانية ثم بعد ذلك كلمنا في ابنه الوحيد”. وبعد ذلك يذكر القديس اثناسيوس أن انطونيوس كتب بعد ذلك إلى هؤلاء الأباطرة “يوصيهم أن يعبدوا المسيح وأعطاهم وصايا خلاصية بأن لا يهتموا بمجد هذا العالم وانما أن يتذكروا دائماً الدينونة الآتية وان يعرفوا أن المسيح وحده هو الملك الأبدي والحقيقي. وقد توسل إليهم ايضاً أن يكونوا أكثر انسانية وان يهتموا بالعدل وان يهتموا بالفقراء” (حياة انطونيوس: 81). وتسجل هذه السطور ليس فقط رسائل انطونيوس التي كتبها لعظام عصره بل تعطي لمحة عن شخصية المتوحد الذي يطلب من الحاكم أن يكون عادلاً وان يهتم بالفقراء مما ينفي عن انطونيوس تهمة “المانوية” التي لصقها به بعض مفكري الغرب.

الرسائل السبع:

          احتفظت لنا الوثائق القديمة بسبعة رسائل للقديس انطونيوس بالقبطية والسريانية واليونانية. وهي أقدم إشارة جاءت في كتاب “مشاهير الرجال” لجيروم: “كتب انطونيوس الراهب الذي سجل اثناسيوس – أسقف الاسكندرية – حياته، سبعة رسائل بالقبطية إلى عدة أديرة وهي رسائل رسولية في منهجها وأسلوبها وقد تُرجمت إلى اليونانية. وأهم هذه الرسائل، الرسالة إلى الذين في ارسينوي (فقرة 88). وبالتالي حصر جيروم عدد الرسائل وذكر أهمها وهي الرسالة إلى ارسينوي – أي منطقة الفيوم – (الرسالة السادسة). وقد وصلنا النص القبطي الأصلي ليس لكل الرسائل السبعة بل بداية الخامسة ونهاية السادسة وكل السابعة وبذلك تكون الترجمة اليونانية والسريانية ثم الأرمنية هي النص الكامل الوحيد. وقد وصلتنا الرسائل السبع مضافاً اليها ثلاثة عشر رسالة أخرى باللغة العربية. ويقف علماء كتابات الآباء موقف الشك من باقي الرسائل ويتمسكون فقط بما ذكره جيروم أي الرسائل السبع فقط، وان كان من الواضح أن العالم الكاثوليكي كواستن Quasten لا يرفض أن باقي الرسائل – أي الثلاثة عشر رسالة – من وضع أحد تلاميذ انطونيوس وهو الأنبا أموناس، وتظهر فيها ايضاً روح انطونيوس وافكاره.

الطبعات الهامة للرسائل السبع والترجمات:

          تُعد الترجمة اللاتينية في مجموعة الآباء باليونانية طبعة Migne هي أهم طبعة يستخدمها علماء الرهبنة من الأجانب (مجلد 40: 977-1000) وبعدها الترجمة السريانية ثم الأرمنية مع ما تبقى من النصوص القبطية.

          أما الترجمات الحديثة فقد كانت أهم الترجمات والدراسات للعالم الكاثوليكي L. Bouyer في كتابه المعروف باسم “حياة انطونيوس” دراسة للحياة الروحية الرهبانية وقد صدر عام 1950م. ثم جاءت الترجمة الانجليزية مع مقدمة مختصرة للعالم الانجليكاني الذي كرس حياته لدراسة الرهبنة Fr. Derwas Chitty الأب درواس شيتي والتي صدرت عام 1975م بأكسفورد بانجلترا وهي أول مرة تظهر فيها الرسائل السبع بالانجليزية.

وهذه الترجمة العربية للرسائل السبع:

          هي عن الترجمة الانجليزية للأب درواس شيتي Fr. Derwas Chitty وقد تمت مقارنتها في كثير من المواضع بالترجمة العربية القديمة المترجمة عن القبطية، والمطبوعة بمطبعة التوفيق بالفجالة بالقاهرة 1899م بعنوان “روضة النفوس في رسائل القديس انطونيوس” وذلك من أجل الوصول إلى أفضل القراءات قدر المستطاع.

          وقد قام بهذه الترجمة بعض الإخوة والأخوات من أعضاء “التكريس البتولي” وقد اشترك الدكتور جورج حبيب بباوي معنا في مراجعة الترجمة كما كتب هذه المقدمة. ليعوض الرب كل من له تعب في هذا العمل، بكل نعمة من فيض الروح القدس الذي لا ينضب، بصلوات أبينا القديس العظيم الأنبا انطونيوس. آمين.

مقدمة الطبعة الثالثة

          صدرت الطبعة الأولى لهذه الرسائل سنة 1979م. ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1984م. وأصدر الطبعتين “بيت التكريس لخدمة الكرازة” والآن تقوم مؤسسة القديس انطونيوس بنشر هذه الطبعة الثالثة بعد تنقيح وتصحيحات في الطبعتين السابقتين. ولإلهنا الثالوث القدوس كل حب وسجود وتمجيد وتسبيح الآن والى الأبد. آمين.

الرسالة الأولي

(رسالة من أنطونيوس المتوحد ورئيس المتوحدين إلى الأخوة الساكنين في كل مكان)

          أولاً وقبل كل شئ أهدى سلامى إلى محبتكم في الرب !..

          أرى يا إخوة أن النفوس التي تقترب من محبة الله هي ثلاثة أنواع، سواء من الرجال أو من النساء.

          1ـ النوع الأول هم أولئك الذين دُعوا بناموس المحبة الذي في طبيعتهم، تلك المحبة التي غُرست فيهم من الصلاح الأصلي عند خلقتهم الأولي ـ وعندما جاءت إلىهم كلمة الله، لم يشكوا فيها مطلقًا. بل قبلوها وتبعوها بكل استعداد ونشاط، مثل ابراهيم أب الآباء. فلما رأي الله أنه لم يتعلم محبة الله عن طريق تعلىم البشر وإنما تعلمها من الناموس المغروس في طبيعة خلقته الأولى، ظهر الله له وقال ” أخرج من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي سوف أريك” (تك1:12) فخرج دون أن يشك، بل كان مستعدًا لدعوته. إن ابراهيم هو نموذج لهذا النوع من الاقتراب إلى محبة الله، والذي لايزال موجودًا إلى الآن في أولئك الذين يسلكون في خطواته. إنهم يتعبون طالبين مخافة الله بالصبر والسكون ويحصلون على الحياة الحقيقية لأن نفوسهم مستعدة لأن تتبع محبة الله. هذا هو أول نوع للدعوة.

          2ـ الدعوة الثانية هي هذه: يوجد أناس يسمعون الكلمة المكتوبة وما تشهد به عن الآلام والعذابات المعدة للأشرار، والمواعيد المعدة لمن يسلكون بلياقة في مخافة الله، وبشهادة الشريعة المكتوبة تتيقظ نفوسهم وتطلب الدخول إلى الدعوة كما يشهد داود عندما يقول ” ناموس الرب طاهر يرد النفس، شهادة الرب صادقة تعطى حكمة للبسطاء (الودعاء) (مز7:19)، وفي موضع آخر يقول ” فتح كلامك يضئ عقل البسطاء ” (مز130:119). وأقوال أخرى كثيرة، لانستطيع كلها أن نذكرها الآن.

          3ـ الدعوة الثالثة هي هذه: توجد نفوس كانت سابقًا قاسية القلب مستمرة في أعمال الخطية ولكن الله الصالح في رحمته رأي أن يرسل علىهم تأديبات الآلام والضيقات حتى يتعبوا، فيستفيقون وينتبهون ويتغيرون ويتقربون من الله ويدخلون في معرفته، ويتوبون من كل قلوبهم، وهؤلاء أيضًا يبلغون إلى الحياة الحقيقية مثل أولئك الآخرين الذين تكلمنا عنهم سابقًا.

          v هذه هي طرق الاقتراب الثلاثة التي تأتى بها النفوس إلى التوبة لكي تنال نعمة ودعوة ابن الله.

الروح القدس يسهل للنفس طريق التوبة[1]:

          والآن فيما يخص أولئك الذين دخلوا بكل قلوبهم وقرروا أن يحتقروا كل شدائد الجسد وبشجاعة يقاومون الحرب التي تقوم ضدهم إلى أن ينتصروا، فإنى اعتقد، أولاً أن الروح هو الذي يوجه إلىهم الدعوة وهو يجعل الحرب هينة وسهلة بالنسبة لهم، ويجعل أعمال التوبة حلوة ويريهم كيف يجب أن يتوبوا بالجسد والنفس حتى يبلغ بهم إلى التحول الكامل إلى الله الذي خلقهم.. ويعطيهم أعمالاً بواسطتها يمكنهم أن يقمعوا النفس والجسد حتى يتطهرا ويدخلا معًا إلى ميراثهما (حياة الأبد).

الروح القدس يرشد الإنسان حتى يتطهر جسدًا وروحًا:

          أولاً، فإن الجسد يتطهر بالصوم الكثير وبالسهر وبالصلوات وبالخدمة التي تجعل الإنسان ينضبط في جسده ويقطع من نفسه كل شهوات الجسد. ويصبح روح التوبة هو مرشده في هذه الأمور، ويختبره بواسطتها لئلا يقتنصه العدو إلىه مرة ثانية.

          وعندئذ يبدأ الروح الذي يرشده، أن يفتح عينى نفسه لكي يعطيها التوبة أيضًا لكيما تتطهر ويبدأ العقل أيضًا في التمييز بين الجسد والنفس، وذلك عندما يبدأ أن يتعلم من الروح كيف يطهرهما بالتوبة. وعندما يتعلم العقل من الروح فإنه يصبح مرشدًا لكل أعمال الجسد والنفس معلمًا إيانا كيف نطهرهما. ويفصلنا عن كل الثمار اللحمية التي اختلطت بأعضاء الجسد منذ المعصية الأولى. ويعيد كل عضو من أعضاء الجسد إلى حالته الأصلية دون أن يكون فيه أي شئ من روح الشيطان. ويصبح الجسد تحت سلطان العقل المتعلم من الروح كما يقول الرسول بولس ” أقمع جسدى واستعبده ” (1كو27:9) لأن العقل يطهره في أكله وفي شربه وفي نومه، وبكلمة واحدة فإنه يطهره في كل حركاته. حتى أنه من خلال طهارة (العقل) يتحرر الجسد حتى من الحركات الطبيعية التي فيه.

حركات الجسد الثلاث:

          واعتقد أنه توجد ثلاثة أنواع لحركة الجسد:

          1ـ توجد حركة مغروسة في الجسد بالطبيعة غُرست فيه في خلقته الأولي ولكنها لا تعمل (ما هو خاطئ) بدون إرادة النفس، وإنما عملها فقط هو أن تنبهنا إلى أنها حاضرة وموجودة، وذلك بواسطة حركة غير شهوانية في الجسد.

          2ـ وتوجد حركة أخرى وهي تحدث عندما يملأ الإنسان جسده بالطعام والشراب وتتسبب حرارة الدم المتولدة من كثرة الأطعمة في إثارة الحرب في الجسد بسبب نهمنا. ولهذا السبب يقول الرسول ” لا تشربوا الخمر الكثير ” (أف18:5) وأيضًا حذر الرب تلاميذه ” احترزوا لئلا في أي وقت تثقل قلوبكم بالشبع والسكر” (لو34:21) أو اللذة. وخاصة أولئك الذين يطلبون ملء النقاوة علىهم أن يقولوا اخضع جسدي واستعبده” (1كو27:9).

          3ـ أما الحركة الثالثة فهي من الأرواح النجسة التي تجربنا بسبب حسدها لنا وتسعى لأن تدنس هؤلاء الذين يبدأون السير في طريق النقاوة.

          والآن يا أولادي المحبوبين، إذا تسلحت النفس بالصبر، في هذه الحركات الثلاثة، وثبتت في الشهادة التي يشهد بها الروح داخل القلب فإن النفس والجسد كليهما يتطهران من هذا النوع من المرض. لكن إذا رفض القلب الشهادة التي يشهدها فيه الروح بخصوص هذه الحركات الثلاث فإن الأرواح الشريرة تتسلط علىه وتزرع في الجسد كل الشهوات وتحركها وتثير حربًا عنيفة ضده حتى تخور النفس وتمرض، فإن رجعت وصرخت طالبة الحصول على المعونة فإنها تتوب، وتطيع وصايا الروح، وتشفي، عندئذ تتعلم من الروح أن تجد راحتها في الله، وتعرف أنه هو (الله) وحده سلامها.

          هذه الأشياء قلتها لكم يا محبوبون لكي تعلموا كيف ينبغي على الإنسان أن يتوب جسدًا ونفسًا (بجسده ونفسه) ويطهرهما كليهما. فإذا ما غلب العقل في هذا النضال، فإنه حينئذ يصلي بالروح (القدس) ويبدأ في أن يطرد من الجسد شهوات النفس التي تأتى إلىها من إرادتها الخاصة. حينئذ يصير للروح القدس شركة وألفة مع العقل، لأن العقل يحفظ الوصايا التي سلمها إلىه الروح.

الروح القدس وتقديس الحواس والأعضاء:

          ويُعلّم الروح العقل كيف يشفي جراحات (شهوات) النفس وكيف تتخلص منها كلها، تلك الشهوات التي امتزجت بأعضاء الجسد، وشهوات أخرى غريبة تمامًا عن الجسد ولكنها اختلطت بالإرادة:

العينان: ويضع الروح للعينين قانونًا لكي تنظرا باستقامة ونقاوة ولكي لا يوجد فيها أي خداع.

الأذنان: وبعد ذلك يضع قاعدة للأذنين كيف تسمعا بسلام ولا تشتاقا أو تشتهيا سماع الكلام الرديء، ولا أن تسمع عن فضائح الناس بل يعلمهما كيف تبتهجان بالسمع عن الأشياء الصالحة، وعن الطريقة التي يثبت بها كل إنسان، وعن الرحمة المعطاة لكل الخليقة التي كانت مريضة فيما سبق.

اللسان: وأيضًا فإن الروح يعلم اللسان النقاوة، وذلك لأن اللسان كان مريضًا بمرض خطر، لأن المرض الذي أصاب النفس كان يعبر عنه بواسطة اللسان الذي تستخدمه النفس كأداة لها، وبهذه الطريقة أصيب اللسان بمرض خطير وجُرح جرحًا عظيمًا، وأيضًا بواسطة هذا العضو ـ اللسان ـ بنوع خاص، قد مرضت النفس. والرسول يعقوب يشهد (عن هذا الأمر) قائلاً ” إن ظن إنسان إنه دَيّن وهو لايلجم لسانه بل يخدع قلبه فديانة هذا الإنسان باطلة ” (يع26:1) وفي موضع آخر يقول ” اللسان هو عضو صغير ويدنس الجسد كله ” (يع5:3). وكثير أيضًا غير ذلك لا أستطيع أن اقتبسه كله الآن. ولكن إذا تقوى العقل بالقوة التي ينالها من الروح فإنه أولاً يتطهر ويتقدس، ويتعلم التمييز والافراز في الكلمات التي يسلمها إلى اللسان (لكي ينطقها)، لكي تكون هذه الكلمات بدون تحزب وبدون إرادة ذاتية أنانية، وهكذا يتم قول سليمان ” كل كلمات فمى بالحق ليس فيها عوج ولا إلتواء ” (أم8:8)، وفي موضع آخر يقول ” أما لسان الحكماء فشفاء ” (أم18:12) وأقوال أخرى كثيرة.

حركات إلىدين: وبعد ذلك يشفي الروح إلىدين التي كانت تتحرك بطريقة مضطربة ـ متبعة إرادة العقل، أما الآن فإن الروح يعلم العقل كيف يطهرهما لكي يعمل ويشتغل بهما في عمل الرحمة وفي الصلاة وبذلك تتم الكلمة التي قيلت عنهما ” ليكن رفع يدى كذبيحة مسائية ” (مز12:141) وفي موضع آخر ” أما أيدى المجتهدين فتغنى ” (أم4:10).

البطن (الأكل والشرب): وبعد ذلك يطهر الروح البطن في أكلها وفي شربها لأنه طالما أن رغبات النفس نشيطة فيها، فإنها لاتشبع في نهمها إلى الطعام والشراب، وبهذه الطريقة فإن الشياطين يقومون بهجومهم على النفس. وعن هذا تكلم الروح في داود قائلاً ” مستكبر العين ومنتفخ القلب لا آكل معه ” (مز5:100 س) وكل الذين يطلبون الطهارة في هذا الأمر فإن الروح القدس يضع لهم قواعد للتطهير، وهي الأكل باعتدال بما يكفي لأجل قوة الجسد، وبدون تلذذ شهواني، وبهذا يتم قول بولس ” فإن كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شئ لمجد الله” (1كو31:10).

الأفكار الجنسية: وأما عن الأفكار الجنسية التي تتحرك من الجزء أسفل البطن، فإن العقل يتعلم بالروح كيف يميز بين الحركات الثلاثة التي تكلمنا عنها سابقًا ويثابر في تطهير هذه الأعضاء حسب ما يعينه الروح ويقويه، حتى أن كل الحركات تنطفئ بقوة الروح الذي يصنع سلامًا في كل الجسد ويقطع منه كل الشهوات. وهذا ما يقوله القديس بولس ” فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الرديئة… إلخ “(1كو5:3).

خطوات القدمين: وبعد كل هذا يعطى القدمين أيضًا طهارتهما. لأنهما قبلاً لم تكن خطواتهما مستقيمة بحسب إرادة الله، أما الآن فإذ قد صار العقل موحدًا تحت سلطان الروح، فإنه (العقل) يطهر القدمين لكي تسيرا حسب إرادته لتذهبا وتخدما في الأعمال الصالحة.

النتيجة تغيير وتجلي الجسد: وبذلك يتغير الجسد كله ويتجدد ويصبح تحت سلطان الروح. وأعتقد أنه عندما يتطهر كل الجسد ويأخذ ملء الروح فإنه بذلك يكون قد نال بعض النصيب من ذلك الجسد الروحاني العتيد أن يكون في قيامة الأبرار.

          هذا قد قلته عن أمراض النفس التي اختلطت بأعضاء الطبيعة الجسدية التي فيها تتحرك النفس وتعمل، وهكذا تصبح النفس مرشدًا للأرواح النجسة التي تأتى وتعمل في أعضاء الجسد. ولكنني قد قلت أيضًا أن النفس لها شهوات أخرى مختلفة عن شهوات الجسد، وهذه هي التي سنوضحها الآن.

شهوات النفس:

          الكبرياء، الذي هو مرض خاص بالنفس، ولا علاقة له بالجسد، وكذلك الافتخار والحسد، والكراهية والغضب والتراخي وغيرها. ولكن إذا سلّمت النفس ذاتها لله بكل قلبها فإن الله يرحمها، ويسلّمها إلى روح التوبة الذي يشهد لها عن كل خطية، لكي لا تقترب منها مرة أخرى، ويكشف للنفس عن أولئك الذين يحاربونها ويحاولون أن يمنعوها من الانفصال عن الخطايا باذلين كل جهدهم لكي لا تثبت (النفس) في التوبة، ولكن إذا احتملت النفس واطاعت الروح الذي يرشدها للتوبة فإن الخالق يتحنن بسرعة على تعب توبتها وإذ يرى أتعاب الجسد: في الصلاة الكثيرة والصوم والتضرع وتعلم كلمات الله، وفي جحد العالم وفي الاتضاع والدموع والثبات في الانسحاق، عند ذلك فإن الله الرحيم إذ يرى تعبها وخضوعها، يتحنن علىها ويخلصها (يحررها).

الرسالة الثانية

          إخوتي الأعزاء المبجلين، أنا أنطونيوس أحييكم في الرب.

          حقًا يا أحبائي في الرب، ليس مرة واحدة فقط أفتقد الرب خليقته، بل منذ تأسيس العالم، حينما يأتى أي واحد من البشر إلى خالق الكل، بواسطة شريعة عهد الله المغروسة في القلب، فإن الله يكون حاضرًا مع كل واحد من هؤلاء بصلاحه وبالنعمة، بواسطة روحه. أما في حالة تلك الخلائق العاقلة التي اضمحل فيهم عهده وماتت بصيرتهم العقلية، فصاروا غير قادرين على أن يعرفوا أنفسهم كما كانوا في حالتهم الأولي (الأصلية التي خُلقوا علىها)، عن هؤلاء أقول إنهم صاروا غير عاقلين (فقدوا الحكمة) وعبدوا المخلوق دون الخالق، لكن خالق الكل، في صلاحه العظيم افتقدنا بواسطة ناموس العهد المغروس فينا. فإن الله جوهر عديم الموت. إن كثيرين صاروا أهلاً (مستحقين) لله ونموا وتقدموا بواسطة ناموسه المغروس فيهم، وتعلموا بواسطة روحه القدوس، ونالوا روح التبني، هؤلاء صاروا قادرين على أن يعبدوا خالقهم كما يجب. وعن هؤلاء يقول بولس ” لم ينالوا المواعيد بدوننا ” (عب29:11).

محبة الله ثابتة:  

          وخالق الكل لا يتراجع عن محبته، وإنه يرغب في أن يفتقد مرضنا وحيرتنا، لذلك أقام موسى واضع الناموس، الذي أعطانا الناموس المكتوب وأسس لنا بيت الحق أو الكنيسة الجامعة التي تجعلنا واحدًا في الله، لأنه (الله) يرغب في أن نعود إلى الحالة الأصلية التي كنا علىها في البدء. وموسى بنى البيت إلاّ إنه لم يكمله بل تركه ومضى. وأيضًا مرة ثانية أقام الله جوقة من الأنبياء (الذين تكلموا) بروحه. وهم بدورهم بنوا على الأساس الذي وضعه موسى إلاّ أنهم لم يستطيعوا أن يكملوا البيت، وبدورهم تركوه أيضًا ومضوا. وكلهم إذ كانوا لابسين الروح رأوا أن الجرح عديم الشفاء، وأنه لا يوجد مخلوق يستطيع أن يشفيه، وإنما واحد فقط، وهو الابن الوحيد الذي هو عقل الآب ذاته وصورته، الذي خلق كل المخلوقات العاقلة على صورته. وهؤلاء (الأنبياء) عرفوا أن المخلص هو الطبيب العظيم ولذلك اجتمعوا معًا وقدموا صلاة لأجل أعضائهم أي لأجلنا، وصرخوا وقالوا ” ألا يوجد بلسان في جلعاد؟ أم ليس هناك طبيب؟، فلماذا لم تسترد بنت شعبي صحتها؟”(إر22:8)، حاولنا أن نشفيها فلم تُشف، لذلك فلنتركها ولنذهب بعيدًا (إر9:51).

مجئ المسيح وموته لأجلنا:

          لكن الله في محبته الفياضة والتي لا زيف فيها، جاء إلىنا، وقال بواسطة قديسيه ” يا ابن آدم هيئ لنفسك آنية أسر” (حزقيال3:12). والذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته بالله اختلاسًا، بل أخلي ذاته آخذًا صورة عبد، وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (فيلبى6:2ـ11). والآن يا أحبائي لتكن هذه الكلمة ظاهرة عندكم أن صلاح الآب لم يشفق على ابنه الوحيد بل أسلمه لأجل خلاصنا جميعًا (راجع رومية32:8) وهو بذل نفسه لأجل خطايانا (غلا4:1)، وذنوبنا سحقته ” وبجلداته شُفينا ” (إشعياء5:53). وبقوة كلمته جمعنا من كل الشعوب ومن أقصاء الأرض إلى أقصائها وصنع قيامة لعقولنا، وغفرانًا لخطايانا، وعلمنا إننا أعضاء بعضنا البعض.

الخلاص والتبني:

          أرجوكم أيها الاخوة افهموا هذا التدبير العظيم وهو: إنه صار مثلنا في كل شئ ماعدا الخطية (عب15:4). ويجب على كل واحد من الخلائق العاقلة التي جاء المخلص أساسًا لأجلها، أن يفحص حياته وأن يعرف عقله وأن يميز بين الخير والشر، لكي ما يتحرر (يخلص) بمجيء (يسوع) لأن كثيرين تحرروا (خلصوا) بتدبيره ودعوا (عبيد) خدام الله. إلاّ أن هذا ليس هو الكمال بعد، وإنما في وقته الخاص كان هو البر، وهو يقود إلى تبنى البنين. وقد أعلن يسوع مخلصنا أن (الرسل) كانوا قريبيين من نوال روح التبني، وإنهم (الرسل) عرفوه لأنهم تعلموا بالروح القدس، ولذلك قال ” فيما بعد لا أدعوكم عبيدًا بل أخوة وأصدقاء لأني أخبرتكم بكل ما سمعته من أبى “(يو15:15). لذلك إذ صارت لهم جرأة في عقلهم، لأنهم عرفوا نفوسهم وجوهرهم العقلي[2]، لذلك قالوا بصوت واحد أن كنا قد عرفناك حسب الجسد إلاّ إننا الآن لا نعرفك كما عرفناك (حسب الجسد) (راجع 2كورنثوس 16:5) بل نالوا روح التبني وصرخوا وقالوا ” إننا لم نأخذ روح العبودية أيضًا للخوف بل اخذنا روح التبني الذي به نصرخ ياأبا الآب ” (رو15:8) لذلك الآن نحن نعرف يا الله أنك قد اعطيتنا أن نكون أبناء وورثة لله ووارثون مع المسيح (رو17:8).

التوبة والدينونة:

          لكن لتكن هذه الكلمة ظاهرة لكم، يا أحبائي، إن كل من لم يتهيأ للتصحيح (التوبة) ولم يتعب بكل قوته فليعرف مثل هذا، أن مجئ المخلص يكون دينونة له، لأنه (المخلص) بالنسبة للبعض هو رائحة موت لموت وللبعض رائحة حياة لحياة (2كو16:2) لأنه ” وُضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تُقاوَم ” (لو34:2).

          أرجوكم يا أحبائي باسم يسوع المسيح أن لا تهملوا خلاصكم، بل ليمزق كل واحد منكم قلبه وليس ثيابه (يوئيل13:2)، خوفًا من أن نكون قد لبسنا ثوب الرهبنة باطلاً، وإننا بذلك نقود أنفسنا إلى الدينونة. فانظروا إن الوقت الآن قريب الذي فيه سوف تُمتحن أعمال كل واحد منا. أما عن تفاصيل ما أكتبه إلىكم فيوجد كثير من الأمور التي يجب أن أكتبها لكم. لكنه مكتوب ” اعط فرصة للحكيم، فيصير أكثر حكمة ” (أم9:9).

          أحييكم جميعًا من الصغير إلى الكبير. وإله السلام ليحفظكم جميعًا. يا أحبائي آمين.

الرسالة الثالثة

معرفة النفس ومعرفة الله:

          الإنسان العاقل الذي أعد نفسه لكي يتحرر (يخلص) بظهور ربنا يسوع يعرف نفسه في جوهره العقلي، لأن الذي يعرف نفسه يعرف تدابير الخالق وكل ما يعمله وسط خلائقه.

          يا أعزاءي المحبوبين في الرب (أنتم) أعضاؤنا والورثة مع القديسين. نتوسل (لأجلكم) باسم يسوع، أن يعطيكم الله روح التمييز، لكي تدركوا وتعرفوا عظم المحبة التي في قلبى من نحوكم، وتعرفوا أنها ليست محبة جسدية بل روحية إلهية. لأنه لو أن الأمر بخصوص أسمائكم الجسدية لما كانت هناك حاجة لأن أكتب إلىكم بالمرة لأنها (هذه الأسماء) مؤقتة. لكن إذا عرف إنسان اسمه الحقيقى فسوف يرى (يعرف) أيضًا اسم الحق. ولهذا السبب أيضًا عندما كان يعقوب يصارع طوال الليل مع الملاك كان لا يزال اسمه يعقوب، لكن عندما أشرق النهار دُعىَّ اسمه إسرائيل أي “ العقل الذي يرى الله ” (تك24:32ـ30).

افتقاد الله لخلائقه دائمًا:

          وأعتقد أنكم لا تجهلون أن أعداء الفضيلة يتآمرون دائمًا ضد الحق. لهذا السبب فقد افتقد الله خلائقه ليس مرة واحدة فقط، بل من البدء كان هناك البعض مستعدين لأن يأتوا إلى خالقهم بواسطة ناموس عهده المغروس فيهم، هذا الناموس (الداخلي) الذي علمهم أن يعبدوا خالقهم باستقامة. ولكن بسبب انتشار الضعف وثقل الجسد والاهتمامات الشريرة جف وتوقف الناموس المغروس (في البشر) وضعفت حواس النفس، حتى أن البشر أصبحوا غير قادرين أن يجدوا أنفسهم على حقيقتها بحسب خلقتهم، أي كجوهر (طبيعة) عديم الموت لا يتحلل مع الجسد. ولذلك فهذا الجوهر (النفس) لم يتمكن من التحرر (الخلاص) بواسطة بره الذاتي. ولهذا السبب سكن الله معهم (البشر) حسب صلاحه بواسطة الناموس المكتوب، لكي يعلمهم (الناموس) كيف يعبدون الآب كما يجب. الله واحد، أي أنه جوهر واحد عاقل. وأنتم تفهمون هذا، يا أحبائي، إنه في كل مكان حيث لا يوجد توافق وانسجام، يحارب البشر بعضهم بعضًا ويقاضون (في المحاكم) بعضهم البعض.

مجئ المسيح للشفاء والخلاص:

          وقد رأي الخالق أن جرحهم يعظم وأنه يحتاج لرعاية طبيب ـ ويسوع نفسه هو خالقهم وهو نفسه الذي يشفيهم، ولذلك أرسل أمام وجهه السابقين. ونحن لا نخاف أن نقول إن موسى واضع الناموس هو أحد سابقيه، وإن نفس الروح الذي كان مع موسى كان يعمل أيضًا في جماعة القديسين (جوقة الأنبياء) وإنهم جميعًا صلوا لابن الله الوحيد. ويوحنا أيضًا هو أحد سابقيه ولهذا السبب فإن الناموس والأنبياء كانوا إلى مجيء يوحنا “وملكوت الله يُغصب والغاصبون يأخذونه بالقوة “(مت12:11،13). وإذ كانوا لابسين للروح رأوا أنه ولا واحد من الخليقة قادر أن يشفي هذا الجرح العظيم وإنما فقط صلاح ونعمة الله، أي ابنه الوحيد الذي أرسله ليكون مخلصًا للعالم كله، لأنه هو الطبيب العظيم الذي يستطيع أن يشفي الجرح العظيم. وطلبوا إلى الله، وهو في صلاحه ونعمته، وهو آب كل الخليقة، لم يضن بابنه لأجل خلاصنا، بل سلمه لأجلنا جميعًا ولأجل خطايانا (رو32:8). ووضع نفسه وبجلداته شُفينا (راجع فيلبى8:2 ـ إشعياء5:53). وبقوة كلمته جمعنا من كل الشعوب ومن أقصاء الأرض إلى أقصائها ورفع قلوبنا بعيدًا عن الأرض وعلمنا أننا أعضاء بعضنا البعض.

لنتحرر نحن أيضًا بمجيئه:

          أتوسل إلىكم يا أعزاءي المحبوبين في الرب، افهموا أن هذا الكتاب المقدس هو وصية الله. وإنه لأمر عظيم جدًا أن نفهم الصورة التي أخذها يسوع لأجلنا، لأنه صار في كل شئ مثلنا ماعدا الخطية (عب15:4). والآن إنه من الصواب أن نتحرر(نخلص) نحن أيضًا من كل شئ بواسطة مجيئه، حتى أنه بجهله يجعلنا حكماء وبفقره يجعلنا أغنياء، وبضعفه يقوينا، ويهب القيامة لنا كلنا، مبيدًا ذاك الذي له سلطان الموت (عب14:2). وحينئذ نكف عن أن نطلب يسوع لأجل احتياجاتنا الجسدية. إن مجيئ يسوع يساعدنا على أن نفعل كل صلاح، إلى أن نبيد تمامًا كل رذائلنا. وعند ذلك يقول يسوع لنا لا أدعوكم بعد عبيدًا بل إخوة (راجع يوحنا15:15).

          وعندما وصل الرسل إلى قبول روح التبني علمهم الروح القدس أن يعبدوا الآب كما يجب.

الخلاص والدينونة بمجيء يسوع:

أما بالنسبة لي أنا الأسير الفقير ليسوع، فإن الوقت الذي نعيشه قد تسبب في فرح ونوح وبكاء. لأن الكثير من جنسنا (الرهبان) قد لبسوا الثوب الرهباني ولكنهم أنكروا قوته. أما الذين أعدوا أنفسهم للتحرر (الخلاص) بمجئ يسوع، فهؤلاء أنا أفرح بهم.

          أما الذين يتاجرون باسم يسوع بينما هم يعملون مشيئة قلوبهم وأجسادهم، فهؤلاء أنا أنوح علىهم. أما الذين نظروا إلى طول الوقت وخارت قلوبهم وخلعوا ثوب الرهبنة وصاروا وحوشًا فإنا أبكى لأجلهم. لذلك اعلموا أن مجئ يسوع يصير دينونة عظيمة لمثل هؤلاء. لكن هل تعرفون نفوسكم يا أحبائي في الرب، لكي تعرفوا هذا أيضًا هذا الوقت، وتستعدوا بتقديم نفوسكم ذبيحة مقبولة لدى الله. وبكل يقين يا أحبائي في الرب ـ أنا أكتب لكم كأناس حكماء قادرين أن يعرفوا أنفسهم وأنتم تعرفون أن من يعرف نفسه يعرف الله وأن من يعرف الله يعرف أيضًا تدابيره التي يصنعها من أجل خلائقه.

          لتكن هذه الكلمة ظاهرة لكم، إنه لا يوجد عندي حب جسدي من ناحيتكم وإنما محبة روحية إلهية، لأن الله يتمجد في جميع قديسيه (مز8:88س). هيئوا نفوسكم طالما أن لكم من يتوسلون عنكم لله لأجل خلاصكم، لكيما يسكب الله في قلوبكم النار التي جاء يسوع لكي يلقيها على الأرض (لو49:12)، لكي تستطيعوا أن تدربوا قلوبكم وحواسكم وتعرفوا كيف تميزوا بين الخير والشر وإلىمين من الشمال والحقيقة من الوهم. إن يسوع عرف أن الشيطان يستمد قوته من الأشياء المادية الخاصة بهذا العالم، ولذلك دعى تلاميذه وقال لهم ” لا تكنزوا لأنفسكم كنوزًا على الأرض ” “ولا تهتموا للغد ” (مت19:6،34). وحقًا يا أحبائي إنكم تعرفون أنه عندما تهب ريح معتدلة يفتخر ربان السفينة (عندما يكمل الرحلة)، لكنه في وقت الرياح العاصفة المضادة يظهر كل ربان ماهر. اعرفوا إذًا من أي نوع هو هذا الوقت الذي نعيش فيه.

          أما عن تفاصيل كلمة الحرية فتوجد أمور كثير أقولها لكم. لكن اعطوا الفرصة للحكيم فيكون أكثر حكمة (أم9:9).

          أحييكم من الصغير إلى الكبير في الرب، آمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع الترجمة العربية.

[2] الجوهر العقلى أو الجوهر الروحى ـ عبارة يكررها القديس أنطونيوس كثيرًا فى رسائله ـ وهي تعنى العقل أو القلب أو الروح، ففي اللغة القبطية نستعمل كلمة واحدة للتعبير عن العقل والقلب وليس مثل إلىونانية واللغات الأخرى فالإنسان مخلوق على صورة الله، وهذا هو كيانه الروحي أو العقلى أو القلبي أو كيانه الحقيقي، أو الحياة الداخلية، أو نفسه الحقيقية، ولذلك يتحدث القديس أنطونيوس مرات كثيرة عن أهمية معرفة النفس، وارتباطها بمعرفة الله، المعرفة بالروح، ومحبة النفس الحقيقية التي هي ضد محبة الذات والأنانية والبغضة. 

رسائل القديس أنطونيوس ج1

كتاب حياة الأنبا أنطونيوس بقلم البابا أثناسيوس الرسولي وبعض من أقواله PDF دير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر

كتاب حياة الأنبا أنطونيوس بقلم البابا أثناسيوس الرسولي وبعض من أقواله PDF دير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر

كتاب حياة الأنبا أنطونيوس بقلم البابا أثناسيوس الرسولي وبعض من أقواله PDF دير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر

كتاب حياة الأنبا أنطونيوس بقلم البابا أثناسيوس الرسولي وبعض من أقواله PDF دير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر

تحميل كتاب حياة الأنبا أنطونيوس بقلم البابا أثناسيوس الرسولي

 

أقوال الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان مع سيرة حياته

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

للقراءة أيضًا: 

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

 

للمساهمة في استمرار خدمة فريق اللاهوت الدفاعي وفي تطوير خدماته:

https://www.patreon.com/difa3iat

يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).

[اضغط هنا للقراءة والتحميل]

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

للقراءة أيضًا: 

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

للمساهمة في استمرار خدمة فريق اللاهوت الدفاعي وفي تطوير خدماته:

https://www.patreon.com/difa3iat

يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).

[اضغط هنا للقراءة والتحميل]

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

للقراءة أيضًا: رسائل القديس أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

للمساهمة في استمرار خدمة فريق اللاهوت الدفاعي وفي تطوير خدماته:

https://www.patreon.com/difa3iat

يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).

[اضغط هنا للقراءة والتحميل]

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

النظافة في المسيحية

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

ليه المسيحيين ريحتهم وحشه؟

يخرج علينا أحمد سبيع بين الحين والآخر، بفيديو يصعب تصنيفه، أهو للبحث العلمي حقًا، أم للدعابة والمرح. وعلى الرغم من أن ما يقوله لهو أقرب للدعابة عن كونه حتى رأيًا يُحترم، إلا أننا كنا في السابق نرد عليه بموضوعية شديدة ونبين قصور علمه في الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية، وإلى الآن لم يرد. لكن اليوم يقدم لنا أحمد سبيع تأكيدًا أنه لا يقصد أي بحث علمي بل لا يفهم ما هو البحث العلمي من الأساس، بل يقوم بتصوير الفيديو تلو الآخر لإضحاكنا بما يقول، فاليوم، مثلا، خرج علينا بفيديو يتكلم فيه عن نظافة المسيحيين، وهل لهم رائحة كريهة كما يدعي البعض؟

ولشمول الرد على الفكرة العامة والكلام الساذج الذي طرحه، سنقسم الرد إلى جزئين رئيسيين، لأن أحمد لم يكتف بدعوة المسيحيين للرد عليه في أكاذيبه، بل دعاهم أيضًا للاقتداء بما يعتقده في دينه من النظافة، فوجب علينا نحن المسيحيين أن نستعرض النظافة التي يدعونا أحمد وأن نرد على ما قاله في حق المسيحيين. فالذي يريد معرفة هذه النظافة الحقيقية التي يتكلم عنها أحمد سبيع، فليذهب إلى “رابعًا” مباشرًة، وسيجد هناك ما يسره ويُحزن أحمد سبيع.

 

الجزء الأول: النظافة مسيحيًا

أولاً: المبدأ المنطقي المغلوط الذي بنى عليه أحمد الشبهة كلها.

ثانيًا: هل يدعونا الكتاب المقدس للاهتمام بنظافة الجسد أم يدعونا لإهماله؟

ثالثًا: الرهبنة والرهبان، والأمثلة التي ذكرها أحمد سبيع.

 

الجزء الثاني: النظافة إسلاميًا

رابعًا: النظافة حسب الإسلام كما يحبها أحمد سبيع (تعلموا يا مسيحيين!)

 

 

 أولاً: المبدأ المنطقي المغلوط الذي بنى عليه أحمد الشبهة كلها.

 

من المتعارف عليه بين أصحاب العقول، أن النظافة الشخصية – كما يظهر من اسمها- لهي أمر شخصي، فهي تخص الشخص وحده وفق عدة عوامل تختلف من انسان لآخر. فمن يعيش في البلاد الحارة مثل الدول الافريقية بشكل عام سيتعرق مثلاً أكثر من الذي يعيش في دولة مثل روسيا وشمال كندا. وهذا ربما يلاحظه كل شخص سافر إلى هذه البلدان او غيرها من البلدان التي تحمل نفس الصفات. وهذا أمر طبيعي ومنطقي، حيث أن حرارة الشمس والرطوبة العالية في هذه البلدان تجعل الجسد يخرج العرق لا سيما عند بذل المجهود. ومن يعمل طوال اليوم في أعمال تتطلب مجهودًا عضليًا سيتعرق أكثر من ذا الذي يجلس على مكتبٍ ليدير أعماله من الكمبيوتر المحمول الخاص به مستمتعًا بمكيف الهواء. ومن لديه سيارة خاصة حديثة يختلف عمن يرتاد المواصلات العامة كل يوم ذهابًا وإيابًا، فضلا عن هؤلاء الذين يذهبون لأعمالهم سيرًا على الأقدام.

كل هذا لهو من سبيل التعريف بالبدهيات المعروفة لكل ذي عقل. وتبعًا لهذا فإن من يعمل في أعمال البناء سيختلف عمن يعمل على مكتب، فالأول سيتعرق كثيرا والآخر بالكاد سيتعرق. وعملية التنظيف لكل منهما تختلف، فالأول غالبًا ما يكون ذا حياة بسيطة وليس معه المال الكثير الذي ينفقه على أدوات ووسائل النظافة الحديثة، رغم انه الذي تعرق أكثر، بينما الآخر، الذي بالكاد يتعرق، إن كان ميسور الحال، فسيستخدم أدوات ووسائل حديثة لإزالة العرق ورائحته والمنظفات الخاصة بالاستحمام، مما تجهله نظيفًا أكثر ورائحته أفضل جدًا.  هذا يعرفه كل من له عقل.

لكن، أحمد سبيع يعترض على هذا، ربما لكون كل ذي عقل يعرف هذا، ويريد أن يخصص مسألة النظافة من عدمها في دين معين، المسيحية. فكأنه يريد أن يقول إن كل مسيحي حقيقي لابد وألا يكون مهتمًا بنظافته الشخصية. وعلى العكس، فإن كل مسلمٍ حقيقيٍ فلابد وأن يكون مهتما بمظهره وبنظافته الخارجية والداخلية. ولا يشك عاقل أن هذا هراء محض، مخلوط بجهل مدقع. فأحمد للأسف يعتقد بخفه عقله أن الشخص الأكثر نظافة تكون عقيدته هي الصحيحة، وعلى العكس، فكلما لم تعتن بنفسك كان دينك خاطئ.  فقد تجد ملحدًا يعيش في السويد أو الدنمارك مثلاً أكثر نظافة جسدية من غالبية المؤمنين في البلاد العربية، فهل يدل هذا لصحة معتقده؟ وخطأ معتقد من هم أكثر اتساخًا منه؟

العامل الثاني هنا، والذي تناساه أحمد عمدًا، هل يمكن أن يقول إنسان أن كل مسيحي هو غير نظيف، وكل مسلم هو نظيف؟ وأنا لا أعتقد أن أحمد يقول بهذا، فسيقول إن المسألة ليست مسألة البشر بل مسألة ما يأمره به دينهم وعقيدتهم. وهنا نرد عليه ونقول:

 

الأول: إذن لماذا لم تعرض أي نص كتابي أو تعليم آبائي بعدم الاستحمام مثلاً أو بعدم النظافة بشكل عام؟ فكل ما عرضته هو مجموعة من الكتب تقول كلامًا غير موثقًا بأي حال من الأحوال (وهذا يدل على أن أحمد لا يعرف كيفية الاستشهاد ولا توثيق المعلومة، فهو كحاطب ليل يجمع كل ما يراه يناسب فكره وهواه السقيمان) ثم عرض فيديو سنأتي إليه فيما بعد. فمدار ما عرضه أحمد، حتى بفرض صحته، هو أفعال لأشخاص معينة لها ظروف معينة في عصور معينة لأسباب معينة، ولم يعرض أي تعليم يخص الكنيسة أو الكتاب المقدس أو حتى من هؤلاء الأشخاص أنفسهم للشعب كدعوة للتمثل بهم مثلا، هذا على فرض صحة ما نقله أصلاً. في نهاية هذا البحث سنرى كيف أن أحمد يرضى أن يستشهد بأفعال أشخاص غير ملزمة لأي شخص آخر غيرهم، ويتغاضى عن التعليم الموحى به في دينه، وهل هذه التعاليم تجعل الإنسان نظيفا أم لا.

الثاني: إن مسألة النظافة الجسدية بشكل عام هي أمر نسبي متغير من عصر لعصر ومن منطقة جغرافية لأخرى ومن ثقافة لأخرى. فلا يمكن أن نحصر أنفسنا في خطوات أو وسائل معينة للتنظيف، فكل وسائل النظافة الحالية، سواء للبشر أو للمسكن أو للملبس لم يتكن موجودة منذ عصر قريبٍ جدًا، فكم بالأحرى تلك العصور المظلمة التي لم يكن يجد المرء فيها ماء ليشرب هو وقبيلته وماشيته، فكانوا يترحلون من مكان لمكان تبعًا للماء. فكما سنرى أن النظافة التي يتغنى بها أحمد لهي مصدر للميكروبات والجراثيم، لكن أحمد يجهل كل هذا مادام سيهاجم المسيحيين بما عنده. وسوف يأتي تفصيل كل ما تكلم عنه أحمد في الأجزاء التالية.

 

أيضًا، فإنه من الأخطاء المرصودة للجهلة، التعميم. فأنهم يضربون مثالاً ثم يقيسون عليه ما لا يمكن قياسه وفقا لهذا المثال. ولكي نوضح كلامنا، فأحمد ضرب مثال بالأنبا أنطونيوس والراهب إبيفانيوس الأنبا بولا، ثم عمم هذا المثال على كل مسيحي، فما علاقة كل مسيحي بهذا المثال؟ فهما مجرد رهبان، وليس كل مسيحي هو راهب، وفضلا عن ذلك ما علاقة كل المسيحيين من كل الطوائف في كل بلدان العالم؟ فهؤلاء رهبان مُعينون من طائفة معينة، فهل إن فعل شخص مسيحي شيء حسن، فيكون كل مسيحي هو شخص جيد لأجل هذا الذي فعله ذلك الشخص؟ وعلى العكس، هل إن فعل شخص مسيحي شيء غير جيد، فيكون كل مسيحي هو شخص غير جيد لأجل هذا الذي فعله ذلك الشخص؟ فحتى لو افترضنا صحة كلام أحمد جدلاً، فلا علاقة لهؤلاء الرهبان بكل مسيحي العالم ولا علاقة لكل مسيحي في العالم بهؤلاء الرهبان.

فيكفيك مثلاً أن تدخل المترو في القاهرة والجيزة ولو كان في بداية يوم جديد، وستجد أن الرائحة العامة للمترو كريهة، وتبعا لنظرية أحمد سبيع، فأن العدد الأكبر من الركاب يوميا لن يكونوا من المسيحيين، بل سيكونون قطعا من المسلمين، فهل يمكننا -وفقا لأحمد- أن نقول أنه بما أن رائحة المترو الذي يرتاده العدد الأكبر من المسلمين، رائحة كريهة، فالمسلمون بعمومهم رائحتهم كريهة، ثم نشطح أكثر وأكثر بالقول فنقول أن الإسلام يحرضهم على عدم النظافة؟ هل يقول بهذا عاقل؟ بالطبع لا، لكن أحمد سبيع قال به.

 

ثانيًا: هل يدعونا الكتاب المقدس للاهتمام بنظافة الجسد أم يدعونا لإهماله؟

يقول أحمد سبيع (بالعامية المصرية):

لما بنشوف النظافة عند المسيحيين، خاصة الرهبان والمتدينين منهم، بنلاقي أشياء عجيبة. حتى أنهم شايفيين إن اعتزال الماء والبعد عن النظافة قربة لله! لا أدري، هل الله عز وجل يريد الإنسان قذرًا أم نظيفًا، يعني إنسان لديه القدرة على تنظيف جسده، ومع ذلك لا يفعل، فهل هذا الفعل يحبه الله؟ هل يحب الله من الإنسان أن يكون قذرا؟ وأن يهلك نفسه بالأمراض؟ هل يريد الله الإنسان جميلاً أم قذرًا؟ هل الإنسان القذر يكون صورة جميلة للدين عند غير المؤمنين؟ لما بنقرأ التاريخ المسيحي نجد حالات عجيبة لرهبان وعلماء مسيحيين كبار بيعتبروا ان الاستحمام جريمة وعار.

 

كما رأينا، يدعي البعض ومنهم أحمد سبيع، ان للمسيحيين رائحة كريهة. ويروجون لهذا الطرح بين العامة من الجهلاء، ويتم تلقين الأطفال منهم بهذا التعليم الجهولي فيتشبع اطفالهم بأفكار مغلوطة تنم على الجهل ثم يسلمها هؤلاء الأطفال عندما يصيروا آباء وأمهات لأطفالهم وهكذا تستمر الخرافات بين الجهلاء من العامة. لكن على النقيض، فقد علَّم الكتاب المقدس عن النظافة القلبية وأيضًا النظافة الجسدية في مواضع عديدة. فنجد انه منذ بدء الكتاب المقدس، فإن التشريعات حول الطهارة والنظافة متواجدة حتى في أسفار موسي الخمسة ووصلت لمراحل متطورة في البيئات القديمة البدائية حيث يندر وجود الماء. فالكتاب المقدس لم يمنع الاستحمام والنظافة الجسدية بل، على العكس، أثنى عليه بحسب سفر يهوديت.

 

يهودت 10: 1- 4

1 وكان لما فرغت من صراخها الى الرب انها قامت من المكان الذي كانت فيه منطرحة امام الرب 2 ودعت وصيفتها ونزلت الى بيتها والقت عنها المسح ونزعت عنها ثياب ارمالها 3 واستحمت وادهنت بأطياب نفيسة وفرقت شعرها وجعلت تاجا على راسها ولبست ثياب فرحها واحتذت بحذاء ولبست الدمالج والسواسن والقرطة والخواتم وتزينت بكل زينتها 4 وزادها الرب ايضا بهاء من اجل ان تزينها هذا لم يكن عن شهوة بل عن فضيلة ولذلك زاد الرب في جمالها حتى ظهرت في عيون الجميع ببهاء لا يمثل.

 

نجد انها استحمت وتزينت بأطياب نفسية، فهل اغاظ الرب هذا؟ على النقيض تمامًا، فقد أثنى الرب على تزينها وزادها الرب جمال، لان تزينها لم يكن لأجل خطية جسدية بل عن فضيلة وورع. فنستعجب اين وجد أحمد سبيع النهي عن الاستحمام في الكتاب المقدس؟ فهل يسقط طارح الشبهة ما به على المسيحيين؟ فالجسد المسيحي هو هيكل لله. وهيكل الله ينبغي ان يكون نظيف قلبياً وايضاً جسدياً:

 

رسالة كورنثوس الأولى 3: 16

أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم.

 

وايضاً الرب يريد ان نكون اصحاء جسدياً والنظافة أحد شروط الصحة الجسدية.

 

رسالة يوحنا الثالثة 1: 2

ايها الحبيب في كل شيء اروم ان تكون ناجحا وصحيحا كما ان نفسك ناجحة.

أفسس 5: 29

فانه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب ايضا للكنيسة.

 

وفي هذا ا لنص السابق يظهر مدى اهتمام المسيحية بجسد المسيحي، حيث أن الرسول بولس قد عقد مقارنة بين المسيح وجسده، أي الكنيسة من جهة، والإنسان وجسده من جهة أخرى، فكان المقابل للكنيسة هو جسد الإنسان، ووصف الاهتمام الذي يجب أن يكون عليه المسيحي تجاه جسده بأنه على نفس قدر الاهتمام الذي يقدمه المسيح للكنيسة. فأي اهتمام أعظم من هذا؟

 

سفر خروج 19: 10

فقال الرب لموسى: «اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدا، وليغسلوا ثيابهم،

سفر العدد 31: 20

وكل ثوب، وكل متاع من جلد، وكل مصنوع من شعر معز، وكل متاع من خشب، تطهرونه»

 

سفر العدد 31: 24

٢٤ وتغسلون ثيابكم في اليوم السابع فتكونون طاهرين، وبعد ذلك تدخلون المحلة.

 

ولم يقتصر الأمر على الإستحمام وغسل الملابس، بل إمتد للتعطر ايضاً، ونجد ان العطر مستخدم في العهد الجديد وقد سكبت قارورة طيب على راس الرب يسوع وكانت القارورة غالية الثمن وسكبت ايضاً على راسه وهو يتكئ على الطاولة، حيث سبب هذا الغضب الكثير من بعض الحضور قائلين ان هذا المال كان يجب ان يعطى للفقراء. لكن يسوع وضح لهم ان هذه المرأة فعلت شيء نبيل وجميل وأثنى على فعلها. وقال لهم انا معكم زمناً قليلاً لكن الفقراء سيكونون بينكم. وسيكون فعل هذه المرأة ذكرى عبر العصور وهذه القصة جاءت في (متى 26: 6 – 13). وفي العهد القديم نجد ان العطور كانت تستخدم كدهن للمسحة.

 

خروج 30: 25

وتصنعه دهنا مقدسا للمسحة. عطر عطارة صنعة العطّار. دهنا مقدسا للمسحة يكون.

 

ويضرب لنا الكتاب مثال رائع للحفاظ على الصحة في موضوع التغوط (التبرز) وقد كتب فيه كثيرون وهو ما جاء في سفر التثنية 23: 12 – 14 والتغوط في مثل هذه البيئة الصعبة والقديمة، لم يكن هناك ما يوازي هذا التشريع فيها. فقد كان هذا حفاظاً على الانسان وصحته. ويطول شرحه. فالرب امرهم بدفن التغوط لكي يقيهم من الامراض التي اصابت البلدان الأخرى.

 

تثنية 23: 12 – 14

12 ويكون لك موضع خارج المحلة لتخرج اليه خارجا. 13 ويكون لك وتد مع عدّتك لتحفر به عندما تجلس خارجا وترجع وتغطي برازك. لان الرب إلهك سائر في وسط محلتك لكي ينقذك ويدفع اعداءك امامك.

كورنثوس الثانية ٧: ١

فاذ لنا هذه المواعيد ايها الاحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله. المواعيد

 

فالرب امر الناس ان يتطهروا من كل دنس يشوِّه الجسد، وشمل هذا التدخين والادمان بأنواعه فكل هذا يقلل من خطر الاصابة المرضية.  فيعلمنا الكتاب المقدس، أن أجسادنا هي هياكل لله، ويسكن فيها روح الله، وأن من يفسد جسده سيفسده الله:

 

كورنثوس الأولى 3: 16 – 17

16 أما تعلمون انكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. 17 ان كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لان هيكل الله مقدس الذي أنتم هو.

 

وبحسب الخلفيات الحضارية كان يتم ايضاً غسل الارجل نتيجة ان الصندل يكون مفتوح فيكون استقبال الضيف بغسل رجيله. والرب نفسه غسل أرجل تلاميذه. فغسل الارجل علامة، من حيث الخلفيات الحضارية، على اكرام الضيف وايضاً نظافة الارجل من أي غبار.

يوحنا 13: 5

ثم صبّ ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرا بها.

 

نجد ان الرب يسوع غسل أرجل تلاميذه ثم مسحها فهنا يظهر إن استعمال الماء كان قبل القرن السادس الميلادي وهي إشارة واضحة إلى تطور اليهود عن غيرهم من العرب الذين كانوا يستنجون بعد تبرزهم بحجرات ثلاث.

وأيضًا: متى 6: 17

وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ،

ركزت المسيحية على النظافة الداخلية للقلب لان في بداية المسيحية كان الفكر موجه لليهود فاليهود على علم بجميع شرائع النظافة وأكثر المتزمتين بها حتى أنهم ركزوا على هذا النوع من الطهارة الجسدية على حساب طهارة القلب والفكر. فبعبارة اخرى كانت النظافة لديهم امر مُسلم به. لذلك كان تركيز الرب يسوع ان النظافة الداخلية اهم من أي نظافة خارجية. فالنظافة الخارجية لا تحتاج لمواقيت لتحديدها أي مثلا خمس مرات! فبفرض ان شخصًا قد سار أسفل الشمس الحارة جداً في وقت غير وقت الصلاة الرسمي، فهل لا يستحم ويكتفي بالوضوء؟ ولماذا لم يأمره دينه بالاستحمام الكامل بدلا من غسل بعض المناطق بشكل صوري مما لا يفيد في النظافة لجسدية شيء؟

وماذا عن الذين يعملون في جمع القمامة هل يقول المعترض انهم ليسوا من دينه! اين تشريع الاستحمام بعد الاجهاد هل لديه اية صريحة؟! هل النظافة بالمسح السريع للأجزاء الظاهرية؟ أم أن الأجزاء الداخلية من الجسد هي التي تحتاج أكثر إلى التنظيف من تلك الظاهرية؟ فبالطبع هناك مواضع أخرى في الجسد تحتاج للنظافة. فإن كان دين المعترض يحثه على النظافة، فلماذا لم يحثه على النظافة الحقيقية أو الكاملة واكتفى فقط بمسح الماء الصوري على الأجزاء الظاهرية التي لا تفيد في النظافة شيء؟ وهل التيمم بالرمال نظافة؟ وهذا التيمم يحدث في حالة انقطاع الماء؟ فاين النظافة في جلب تراب ووضعه على الجسد! هل يستخدم التراب للتنظيف أم يستخدم الماء للتنظيف من التراب؟

 

فالفكر المسيحي يقول ان الاهتمام بالقلب والروح هو الاولوية وهذا لكون الانسان يمكن أن يراعي جسده ونظافته لكنه وفي نفس الوقت يغفل عن نظافة قلبه من الحقد والطمع والكرة والرياء والنميمة، فهناك ملحدون أنظف جسدياً من المعترض نفسه بكثير، فما الذي يفيده بنظافة جسده؟ فالمعيار المسيحي صحيح ولا يتنافى مع نظافة الجسد فقد اسردت بالأعلى العديد من الامثلة.

 

الطهارة في المسيحية عدة أوجه وهي: جسديّة، وروحيّة، وعقليّة، وأدبيّة. فجسديًا مطلوب من المؤمن المسيحي الاهتمام بنظافة بدنه، وفي مظهره الخارجي وفي نظافة ثيابه والاهتمام بالطيب والتعطر بالروائح العطرة، أما روحيًا فتعني الابتعاد عن النجاسة الروحيّة وهي الخطيئة حسب المفهوم المسيحي والتي تنبع من القلب ومصدرها القلب وحده حسب المفهوم المسيحي، أمّا من الناحية العقلية فهي اجتناب الأفكار النجسة مثل الاشتهاء.

 

أمر الكتاب المقدس أيضًا بالاغتسال بعد قذف السائل المنوي وبعد عملية الجماع الزوجي، وذلك لتجنب الامراض الجنسية، بحسب لاويين 15: 18،16 وبعد مسّه شخصا مصابا بداء السيلان أو أيا من أغراضه لتجنب الامراض الجنسية، بحسب لاويين 15: 12،11 وبعد رجوعه من الحرب لتجنب الامراض الجنسية (حيث ان الشعوب المجاورة لإسرائيل في ذاك الزمان كانت في حالة انحطاط اخلاقي مما يعتبر بيئة رطبة لنشر الامراض الجنسية المميتة) بحسب سفر العدد 31: 24،19.
وبعد مسّه حيوان غير طاهر او حيوان مات من جراء اسباب طبيعية لتجنب الامراض المعدية، انظر لاويين 11: 42،30،29. وبعد مسّه امرأة في طمثها لتجنب نقل الالتهابات بواسطة الدم، انظر الى لاويين 15: 27،21.
فهناك العديد والعديد من الامثلة في الكتاب بالكامل التي تتكلم عن النظافة الشخصية في كل مناحي الحياة اليومية له، لكن نعذر طارح الشبهة لأنه لم يدرس الكتاب المقدس لأنه لا ليس بطاهرٍ وفقا حتى للعهد القديم فقط.

 

ثالثًا: الرهبنة والرهبان، والأمثلة التي ذكرها أحمد سبيع.

على الرغم من أن أحمد افتتح الفيديو الخاص به بالحديث عن المسيحيين عمومًا، وهذه هي قيمة الفيديو، فالفيديو يهدف أصلا إلى تأكيد أن المسيحيين بشكل عام تكون رائحتهم منفرة، ورغم عن ذلك لم يتكلم عن أي شيء عقيدي أو يخص المسيحيين بعمومهم بل أنه انتقل فجأة للحديث عن الأنبا أنطونيوس أب الرهبان، ثم قفز مرة أخرى إلى آمون، ثم إلى أثناسيوس الرسولي، ثم قفز مرة ثالثة إلى القمص إبيفانيوس (التي نطقها بشكل خاطئ وكأنها كلمة غير معروفة ولم يسمعها من قبل) الأنبا بولا والمعروف باسم القمص فانوس الأنبا بولا.

 

وكتعليق عام نقول:

أولاً: من المعروف عند الباحثين المدققين، أن هناك ما يسمى المصادر الأولية والمصادر الثانوية، فالمصادر الأولية هي التي كُتبت بيد المؤلف نفسه أو على أقصى تقدير يكون قد اطلع عليها المؤلف ووافق عليها او تكون مصادر معاصرة لفترة حياته. أما المصادر الثانوية فهي تلك المصادر التي كتبت عن الشخص أو الشيء وجاءت بعده. أما ما فعله أحمد فهو يدل على مستواه البحثي الحضيضي، فقد أتى بكتاب ليس من المصادر الأولية ولا الثانوية ولا حتى الكتاب نفسه ذكر مصدراً، ولو كان لا أولي ولا ثانوي، لكلامه عن الأنبا أنطونيوس! فهل يظن أحمد أن المسيحي يقبل أي كلام مكتوب من غير مصدر طالما أن كاتبه مسيحي أيضًا؟ يبدو أنه يظن ذلك! فمن هذه النقطة وحدها، ينتهي اقتباسات سبيع جميعها إلا الأخير! لأنها كلها بلا مصدر.

ثانيًا: حتى بفرض أن كل ما جاء به صحيح، فهؤلاء أشخاص في ظروف تاريخية ومعيشية ونسكية تختلف تمامًا حتى عن الرهبان المعاصرين أنفسهم بل تختلف حتى عن تلاميذهم هم، فكم بالأحرى اختلاف كل تلك الظروف عنا نحن؟ فإما أن أحمد يظن أنهم طالما هم رهبان فتكون أفعالهم، سواء حسنة أو سيئة، حجة عليها أو يجب ان يقتدي بها كل مسيحي! وهذا لن يكون غريبا عن مستوى جهله المعروف لدينا. لكن المفاجئة ستكون لو أنه يظن أنهم بأفعالهم هذه يعطونا نحن المسيحيين هذه التعاليم لننفذها مثلهم، فإن كان يقصد هذا فذلك سيكون مستوى جديدًا من الجهل وعدم الفهم الذي ما كنا نتوقعه في سبيع، لكنه غير مستبعد. فلا هم قالوا هذا، ولا نحن يجب علينا فعل ما يفعلوه.

 

الأنبا أنطونيوس أب الرهبان

تكلم أحمد سبيع عن الأنبا أنطونيوس، ورغم أن للأنبا أنطونيوس رسائل يمكن معرفة أفكاره وفضائله ومعجزاته منها، وللبابا أثناسيوس الرسولي كتاب يشرح فيه حياة الأنبا أنطونيوس، إلا أن أحمد لم يجد في أي منهما ضالته الخبيثة، وكيف له أن يجد ضالته في مثل تلك الكتب الموثوقة؟ فذهب لأي شيء يدعى كتاب، فحتى ان كان من خصوم الأقباط أنفسهم، وحتى إن كان بلا دليل أو مصدر أو عزو، فطالما أنه كتاب ليس لمسلم وطالما أن كاتبه يقول ما نريد فيكون كلامه صحيحًا قطعا، وكيف لا وهو يقول ما نريد؟ فهذه سمة أحمد والمهاجمين للمسيحية عمومًا من المسلمين، وللرد نقول في عجالة:

 

  1. في العصور القديمة لم يكن الماء متوفر لكل واحد كما الآن. ونحن سنستعرض ما هو مفهوم النظافة الحقيقية عند مؤسس الإسلام ألا وهو رسول الإسلام ومعاصريه، فأحمد يعتمد في نقده للمسيحية على كلام هنا وهناك من كتب غير موثقة، فعلى العكس من هذا، سنأتي بشهادات صحيحة صريحة في تعريف النظافة بحسب مفهوم أحمد من كل الأدلة الصحيحة، لتعرفوا لماذا يهاجم أحمد المسيحيين.
  2. الأنبا أنطونيوس كان يعيش في الصحراء المقفرة التي لا طعام ولا شراب فيها، وأحمد نفسه قال [يعني إنسان لديه القدرة على تنظيف جسده، ومع ذلك لا يفعل، فهل هذا الفعل يحبه الله؟]، فهل كان للأنبا أنطونيوس القدرة على توفير؟ وهو معتكفا في الصحراء البعيدة وحده، ويصوم عن الماء والطعام لأيام عديدة متتالية ولا يرى وجه إنسان؟
  3. لم يطلعنا أحمد على شهادة من معاصري الأنبا أنطونيوس أو غيره تقول إن رائحته كانت رائحة كريهة مثلاَ أو أن أصابه القروح أو الأمراض الناتجة عن قلة النظافة (هذا بفرض صحة الكلام الذي أتى به أصلا)، بل سنجد الشهادات الكثيرة تفيض بعكس هذا، فقد تنيح الأنبا أنطونيوس عن عمر 105 عام وكان يتلمذ رهبان آخرين ويعلمهم.
  4. هذا الذي يقول عنه احمد أنه لم يستحم، كان يفعل المعجزات العظيمة ويقهر ويخرج الأرواح الشريرة من الناس، وغيرها من المعجزات التي حكى عنها التاريخ كله، حتى أنه أب لجميع رهبان العالم من شدة ما وجدوه فيه من كرامة ونسك وحب للإله، فكيف لشخص مثل ما يصوره أحمد أن يكون بهذا الورع والتقوى والقوة إن كان هناك علاقة بين ما يقوله وما تنقله المصادر الصحيحة عن الأنبا أنطونيوس (هذا بافتراض صحة كلامه الأول أصلا).
  5. كيف عرف صاحب الاستشهاد الذي نقل عنه أحمد، أن الأنبا أنطونيوس لم يستحم طوال حياته والأنبا أنطونيوس كان في عزلة تامة أغلب حياته الرهبانية؟

البابا أثناسيوس الرسولي

 

جاء أحمد كعادته بكتاب للسيدة Edith Louisa تتكلم فيه عن القديس آمونيوس الراهب، وأيضًا تنقل كلامًا على لسان القديس أثناسيوس، ولم تعط لأي من هذين القولين أي مصدر من كلام القديس أثناسيوس على الإطلاق، فقط قالت الكلام ونسبته له. وهذا الكلام نفسه يختلف عما موجود في النسخة الإنجليزية التي تُرجمت عنها هذه الترجمة العربية في النص نفسه، إلا أن معنى الكلام هو نفسه. فكيف يستشهد أحمد سبيع بكلام غير موثق لمجرد أن يهاجم البابا أثناسيوس؟ ولا يطعن في البابا أثناسيوس فقط، بل يعمم -بجهل- هذا الكلام الذي هو أصلا ليس عليه دليل، يعممه على كل مسيحي، فهكذا نرى كيف أنهم فقراء لا يملكون دليلاً ضد الإيمان المسيحي.

ولنبطل هذا الكلام الذي لا يقوم عليه دليل أو منطق، سنعطي نحن دليلًا موثقًا من كلام القديس أثناسيوس نفسه عن نظيف إفرازات الأنف والفم والبطن (التبرز)، ونسأل المعترض بعدها، كيف للذي يقول بتنظيف الأنف والفم والبطن أن يمنع من الاستحمام؟!

يقول البابا أثناسيوس في رسالته لآمون ومخاطبًا إياه:

For tell me, beloved and most pious friend, what sin or uncleanness there is in any natural secretion,—as though a man were minded to make a culpable matter of the cleanings of the nose or the sputa from the mouth? And we may add also the secretions of the belly, such as are a physical necessity of animal life.[1]

 

الترجمة:

ولكن أخبرني، أيها الصديق المحبوب والتقي جدًا، ما الخطية أو الدنس في أي من الإفرازات الطبيعية، وكأن تنظيف الأنف واللُعاب يُعد شيئًا ملوما لو فعله إنسان!؟ ويمكن أن نضيف أيضًا إفرازات البطن، والتي هي من الضرورات الجسمية للحياة الحيوانية (الجسدانية).

 

ويمكن الرجوع لكامل الرسالة في السلسلة الثنية في مجموعة آباء نيقية وما بعدها، في المجلد الرابع. فإن كان هذا رأي أثناسيوس فلماذا يدلس عليه أحمد ويأتي بأقوال بلا مصدر من كلام أثناسيوس نفسه؟ أهو الهوى والزيغان فقط؟

 

ثم يستشهد بأفعال بعض الرهبان وهم قله لكي يوحي للمستمع ان هؤلاء هم اكثرية وان المسيحية تدعوا لعدم النظافة بإهمال الجسد. ولا يعلم ان هؤلاء قلة قليله قد فهموا ترك العالم وقمع الجسد بهذا الشكل. فهذا فهمهم هم كما اوضحنا ان الكتاب يتكلم عن نظافة الجسد والروح والعقل وغيره. فمعيارنا كمسيحين هو الكتاب. فوجود رهبان في بيئة صحراوية غير متوفر بها الماء ليس مقياس على وجودنا نحن الان.

 

 

 

إلى هنا ينتهي الشق المتعلق بالنظافة عند المسيحيين، ولكن يبدأ من هنا أيضا فصل جديد حول الطهارة عند المسلمين، فلنتعلم نحن المسيحيين النظافة التي يدعونا إليها أحمد سبيع.

 

رابعًا: النظافة كما يحبها أحمد سبيع (تعلموا يا مسيحيين!)

 

قبل البدء في عرض مظاهر النظافة الإسلامية التي يريدنا أحمد سبيع أن نترك المسيحية ونتجه إليها، علينا التنبيه لعدة أمور:

  1. عرض أحمد سبيع من كتب لا تمثل أي مصدر للمسيحيين، فلم يعرض لآباء الكنيسة تعلميًا أو نصوصا من الكتاب المقدس تمنع الاستحمام مثلاً أو تمدح الشخص كلما كان أقل نظافة جسدية، ولكننا سنعرض له من أمهات كتبه المعترف بها عند أهل السنة والجماعة المنتمي إليهم أحمد، وسنعرض أحاديث صحيحة، ومن المذاهب المعتمدة لديه. فلن نفعل مثله بأن نأتي بأي كلام وكفى، بل سنأتي له من أمهات كتبه التي يعترف بها هو.
  2. سنتعرض لأكثر من مظهر من مظاهر النظافة الإسلامية عند أحمد، وليس مظهراً واحدا، داعمين كلامنا بالأبحاث العلمية والنصوص الإسلامية الصحيحة في كل هذه المظاهر، وهذا لكي يتعرف القاريء على مظاهر النظافة التي يريدها أحمد ويحبها ويعيش فيها.
  3. لن نعلق بتعليقات كثيرة في هذا الجزء، بل سنترك أغلب الكلام للمصادر الإسلامية فهي المتحدثة عن نفسها وسنترك لعلماء الإسلام أنفسهم شرح ما يقصدون. لكن سنحاول بيان الكلام الذي لربما لا يكون مفهوما للجميع.
  4. نحن هنا لا يهمنا الجانب الفقهي الإسلامي من القضية بل جانب النظافة فقط، فهذا محور كلامنا كله. فعندما نتكلم عن الوضوء مثلاً فنحن لا نتكلم عن النواقض الشرعية التي يقرها علماء الإسلام للوضوء، بل نتكلم عن جانب النظافة في الوضوء وهل يحقق الوضوء النظافة وهل يرتبط الوضوء بالنظافة أم أنه مجرد طقس فقهي لا يتعلق بنظافة الإنسان الحقيقية. نقول هذا لكي لا يأتي متعالم ومتذاكي ويقول أن كذا لا ينقض الوضوء، فنقول له: وهل ترانا في حلقة فقه نتباحث فيما ينقض الوضوء عند المذاهب وما لا ينقضها؟ نحن نتكلم في جانب النظافة فقط، بغض النظر عن نظرتك الفقهية له.
  5. ليس مقصدنا من هذا التالي إلا بيان تناقض أحمد سبيع بين ما يشنعه على المسيحيين كاذبًا، وبين ما يؤمن به هو. وأيضًا إنما وضعنا التالي لبيان كيف أنه صاحب هوى وزيغ، يصحح ما يروق له ويخطيء ما لا يروق له، فصار ذوقه حكما على الحقيقة، فظهر من هذا كيف أنه يكيل بأكثر من مكيال.

 

الوضوء الإسلامي، هل يؤدي إلى النظافة فعلاً؟

قال أحمد سبيع في بداية الفيديو ما نصه:

فالإسلام اهتم جدا بنظافة الإنسان وجعل الوضوء شرط لصحة الصلاة، لا تصح الصلاة بدون تنظيف الجسد بالوضوء، وهكذا ستجد نصوص الإسلام مجمعة على أهمية النظافة، وجعلت النظافة عبادة لله، فالجسد غير النظيف يكون عرضة للجراثيم والأمراض المعدية أكثر بكثير من الجسد النظيف.

فكما قرأنا، فأحمد سبيع قد ربط بين الوضوء من ناحية وبين النظافة من ناحية أخرى. وسوف نثبت بالدليل القاطع خلاف ذلك. وفي النقاط القادمة سيكون هذا تركيزنا الذي دعانا إليه أحمد، ألا وهو: النظر في العلاقة بين النظافة والممارسات التي يقبلها أحمد كمعيار للنظافة، غير ناظرين لغير ذلك من أمور سنجدها في خضم بحثنا.

 

التعليق:

 

ما هو الوضوء؟ وكيف يكون؟ يمكنكم مشاهدة هذه الفيديوهات لمعرفة كيفية الوضوء، والقصد هنا هو مراقبة أماكن وصول الماء إلى أجزاء الجسم، إلى أي الأجزاء سيصل الماء وإلى أيها لن يصل أبدًا؟

https://www.youtube.com/watch?v=ryY2syEVKe8

https://www.youtube.com/watch?v=wP32W46GWwA

https://www.youtube.com/watch?v=dP7cr1JTdok

 

أولا: بعدما شاهدتم هذه الفيديوهات التي تبين تفصيلا كيف يكون الوضوء، هل لاحظتم الأماكن التي لا يصل إليها الماء أبدًا؟ هل يصل الماء إلى منطقة الرقبة (الزور) أي بداية الصدر من الأعلى؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى الإبطين؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى الفخذ؟ الإجابة: لا، هل يصل الماء إلى الصدر أو الظهر؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى المؤخرة؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى محل الفرج (العضو الذكري أو الأنثوي)؟ الإجابة لا. فما الذي تم تنظيفه إذن في هذا الطقس؟ تقريبًا، لا شيء. هذه الأماكن التي لم يصل إليها الماء معروفة عند كل إنسان أنها أكثر الأماكن التي تتعرق (مع الجبهة) والعرق هذا ينتج عنه أمراض إذا تُرك. فجل المناطق المتحركة التي تحتك بعضها ببعض مثل منطقة الإبطين والفخذين والمؤخرة تتعرق كثيرا، وبالأخص في البلاد الحارة مثل بلادنا، فهل زالت هذه الأوساخ بهذا الشكل من الوضوء؟ بالطبع لا، وهل زالت رائحة العرق والملابس المتعرقة؟ بالطبع لا. إذن فما العلاقة بين الوضوء والنظافة التي يتكلم عنها أحمد؟ لنضرب مثالاً، لنفترض أن انسانا مسلما يعمل في أعمال البناء (بَنَّى) أو يعمل في جمع القمامة وفرزها وتصنيفها، وحان وقت الصلاة وهو يعمل، فقام مسرعًا وتوضأ، فهل أزال هذا الشخص عرق جسده؟ هل أزال رائحته؟ هل يكفي لغسل يديه ورجليه ورأسه وذقنه تمرير هذا القليل من الماء لتنظيف كل هذه المناطق؟ فكم بالأحرى المناطق التي لم تلمسها المياه مطلقًا! ثم يدعونا أحمد بالاقتضاء به للنظافة!

ثانيًا: هل الوضوء بغرض النظافة أم أنه طقس؟ لقد ربط أحمد بين الوضوء والطهارة، بإعتبار أن الطهارة هنا هي النظافة، فماذا لو لم يجد الإنسان ماء وأراد أن يصلي؟ فإن كان الوضوء بالماء للنظافة الجسدية، فسوف يكون البديل هو أيضا للنظافة الجسدية في حال عدم وجود ماء، لكن المفاجئة التي لربما لا يعرفها أغلب المسيحين، أنه لدى الإخوة المسلمين شيء أسمه التيمم، وهو عبارة عن استخدام التراب بترتيب معين لجواز الصلاة بعده، فهل في استخدام التراب على الوجة أي نوع من أنواع النظافة؟ هل يكون الإنسان نظيفا عندما يضع التراب على وجهه أم أنه يستخدم الماء ليزيل الأتربة وغيرها على وجهه؟ لنعرف أولا كيفية التيمم:

https://youtu.be/TodMQFcq-4U?t=173

https://www.youtube.com/watch?v=9ubHzWIJYkQ

https://www.youtube.com/watch?v=B0vii9W1-W0

https://www.youtube.com/watch?v=5psXVs-KZ3o

وهنا نسأل، كيف لمن أراد النظافة أن يضع يده في التراب وهو الذي يعتبره الإنسان وسخًا ويغسل يديه منه؟ وكيف يكون وضع اليدين في التراب ثم مسح الوجه كاملاً بالتراب لهو من النظافة؟ هل إذا جاءت الأتربة على وجة الإنسان، فيكون قد إتسخ أم تنظف؟ فالأتربة يمكن ان يكون بها بعض الحشرات الدقيقة المؤذية جدًا، فكيف يكون التراب نظافة؟

 

مرة أخرى أذكر أني لا أتكلم في القصد الشرعي من التيمم ولا أنه بديلا عن الوضوء متى تعذر إستخدام الماء، لكني هنا أنقض المبدأ الذي يستخدمه أحمد سبيع في الربط بين النظافة من ناحية، والوضوء او التيمم من ناحية، فقد رأينا أن الوضوء لا يجعل الإنسان نظيف البدن أو الرائحة، ورأينا ان التيمم بالتراب يعتبره الإنسان في الظروف العادية إتساخًا ويغسل نفسه منه ليكون نظيفًا، فكيف يقول احمد سبيع هذا الكلام الخاطيء؟

 رائحة الفم في وقت صيام رمضان

ربما يعرف كل من تحدث مع شخص صائم في رمضان أن رائحة فمه تكون كريهة، ولذلك سبب علمي معروف، فلماذا تكون رائحة فم أحمد سبيع في رمضان رائحة كريهة؟ السبب ببساطة لأنه يصوم كما أمره دينه، ويعرف أن رائحة فمه تكون سيئة جدًا، ومع ذلك يستمر ف صومه، وأنا هنا لا أدعوه لعدم الصيام، بل أني أوجه نظره لما أراد هو عدم الحديث فيه تبعا للهوى والكيل بمكيالين. فأحمد إن سألته عن رائحة فمه، فسيقول لك أن هذا شيء طبيعي في نهار رمضان وهو صيام مفروض علينا كمسلمين ولا يحق لنا عدم الصيام إلا بعذر شرعي، وهذا صحيح، لكن بيت القصيد هنا أن هذا الصيام الذي فرضه عليه دينه هو السبب في أن رائحة فمه تكون كريهة. فهنا يمكن ببساطة أن يقول شخص له تبعا لمنهج احمد في الحكم “إن دينك هو السبب في رائحة فمك الكريهة، فهل تتقرب لله برائحة فمك الكريهة؟ أين الطهور شطر الإيمان، وأين النظافة من الإيمان”؟ وسيرد أحمد أن الله هو من فرض عليه هذا، وهذا هو المطلوب إثباته، أن أحمد يسير خلف أوامر دينه حتى إن أدت إلى نتائج ينتقضها هو بنفسه في الآخرين، لكن يقبلها عنده برحابة صدر بلا مشكلة لأنه دينه! فلماذا يلوم الآخرين حتى إن كان دينهم يأمرهم -جدلا- بعدم النظافة (قد أثبتنا خطأ ذلك سابقًا)؟ فطالما أن لأحمد الحق في إتباع دينه الذي يكون من ضمن نتائجه أن تكون رائحة فمه كريهة، ولا يكف عن الصيام إن قال له أحد إن رائحة فمك كريهة، فلماذا يلوم غيره على اتباع تعاليم دينهم -جدلا-؟ إنه الهوى والزيغ. وكما قال الرب يسوع المسيح: 

متَّى 7: 5

1 «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، 2 لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. 3 وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ 4 أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ 5 يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!

 

اللحية

إن أحمد سبيع لهو شخص ملتحي، وقد ظهر بلحيته هذه في هذا الفيديو الذي يتكلم فيه عن “النظافة”، فهو يتكلم عن النظافة وهو ملتح. قد يكون كلامي غامضًا، فما العلاقة بين النظافة واللحية التي يطلقها أحمد سبيع؟ العلاقة -وهنا المفاجئة- أن اللحية تساعد على وجود بعض البكتريا التي تتواجد بكثرة فيها. وقبل أن نعلق، دعوني أثبت لكم أولا كلامي. ففي دراسة علمية نُشرت في دورية European Radiology على لحية 18 رجل وفروة 30 كلب، وكانت الدراسة تهدف أصلاً إلى معرفة هل من الآمن اصطحاب كلبًا معك قبل الدخول إلى جهاز الرنين المغناطيسي لفحصك؟ فقد وجدت الدراسة أن لحية الرجال تحتوي على بكتريا أكثر من تلك الموجودة في فراء الكلاب! وهذه هي النتيجة الرسمية:

Our study shows a significantly higher bacterial load in specimens taken from men’s beards compared with dogs’ fur (p = 0.036). All of the men (18/18) showed high microbial counts, whereas only 23/30 dogs had high microbial counts and 7 dogs moderate microbial counts. Furthermore, human-pathogenic microorganisms were more frequently found in human beards (7/18) than in dog fur (4/30), although this difference did not reach statistical significance (p = 0.074). More microbes were found in human oral cavities than in dog oral cavities (p < 0.001). After MRI of dogs, routine scanner disinfection was undertaken and the CFU found in specimens isolated from the MRI scanning table and receiver coils showed significantly lower bacteria count compared with “human” MRI scanners (p < 0.05).[2]

للمزيد برجاء مراجعة الروابط:

http://www.bbc.com/arabic/media-48051406

https://p.dw.com/p/3HOlj

https://www.hespress.com/varieties/430128.html

https://ar.rt.com/lq5v

 

 وفي دراسة أخرى، وُجدَ أن اللحية بها بعض البكتريا التي تتواجد في الأمعاء والبراز![3] وأنا هنا لا أعيب على أحمد اللحية، فهو حر أن يتركها أو يطلقها، لكن العيب كله أن يخرج ويربط بين النظافة والدين حصرًا (لأن أحمد يطلق لحيته لأن هذه سُنة عن نبي الإسلام) ويكون في الوقت نفسه يربي لحيته التي بها البكتريا أكثر من تلك الموجودة في فراء الكلاب والموجودة في البراز والامعاء.

وهنا ربما يقول قائل أن الأنبياء والمسيح والكهنة والقساوسة والرهبان يربون لحاهم، فنرد عليهم ونقول أننا هنا لسنا ضد اللحية، بل ضد ربطها كسُنة بالنظافة، فلا الأنبياء ولا المسيح ولا الكهنة ولا القساوسة أو الرهبان ربطوا بين اللحية والنظافة ودعونا لإطلاقها لزيادة النظافة!

 

وفي نهاية هذا الجزء، نهدي لأحمد سبيع هذا الفيديو ليعرف من هم أصحاب الرائحة غير الجيدة من فم الشيخ خالد الجندي نفسه:

https://www.youtube.com/watch?v=W8NfpC0O7wk

 

فإن كان الشيخ خالد الجندي يشهد بذلك بنفسه عند المسلمين، فلماذا يدعونا أحمد بما عنده؟

 

من هنا، سنبدأ في عرض الأحاديث الصحيحة الصريحة التي يعتمد عليها أحمد سبيع في دينه، ولا نريد من عرض هذه الأحاديث إلا أن نبين لأحمد ما هو مقياس النظافة التي يدعونا لها والذي وفقا لهذا المقياس يقول إن رائحة المسيحيين كريهة. فسنعرض العديد من الأحاديث وسنعلق بتعليق قصير بعد كل منها إما لإيضاح الغرض من الاستشهاد به أو لإيضاح بعض الألفاظ الواردة فيها.

 

الصلاة في مكان التبول

174 – وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (البخاري)

 

التعليق:

استشهدنا بهذا الحديث فقط لأن أحمد سبيع أتى بفيديو لراهب يقول إن المقص فانوس كان يسجد على سطح قلايته وسط الفضلات، فأتينا له بهذا الحديث لنثبت له أن نبي الإسلام نفسه ومعه الصحابة كانوا يصلون صلوات كاملة في المسجد بينما كانت الكلاب تبول في هذا المسجد، ولم يكن أي من الصحابة يرشون هذا البول! فمن أعظم، أهو نبي الإسلام والصحابة عند أحمد سبيع أم القمص فانوس عند المسيحيين؟ بالطبع نبي الإسلام أعظم عند المسلمين، فهو نبي ورسول وآخر الأنبياء والرسل والشفيع وخير خلق الله ..إلخ. فإن كان خير خلق الله يصلي مع صحابته صلوات كاملة في مسجد كانت الكلاب تبول فيه، فلماذا يستنكر أحمد على مجرد راهب أن يسجد (فقط) في مكان به فضلات ويسمي هذا “قرف” ولا يسمي ذلك قرفًا؟ ألانه يؤمن بهذا فقط؟ هل رأيتم كيف أنه صاحب هوى وليس بصاحب حق؟

 

النوم في مكان التبول

14014 – وَعَنْ حَكِيمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ يَبُولُ فِيهِ وَيَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَامَ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَسَأَلَ فَقَالَ: ” أَيْنَ الْقَدَحُ؟ “. قَالُوا: شَرِبَتْهُ بَرَّةُ – خَادِمُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي قَدِمَتْ مَعَهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ – فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” لَقَدِ احْتَظَرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ».

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكِيمَةَ وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ.[4]

 

وأخرج الطبراني والبيهقي بسند صحيح عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت كان للنبي {صلى الله عليه وسلم} قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل عنه فقال أين القدح قالوا شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} لقد احتظرت من النار بحظار.[5]

 

1426 – حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ فِي قَدَحٍ مِنْ عِيدَانٍ، ثُمَّ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ».

رقم طبعة با وزير = (1423)

[تعليق الألباني] حسن صحيح – «صحيح أبي داود» (16).

 

19 – عن حُكَيمة بنت أُميمة بنت رُقيقة عن أمها أنها قالت: كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدح من عَيْدان تحت سريره، يبول فيه بالليل. (قلت: حديث صحيح، وقال الحاكم: “صحيح الإسناد”، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان).[6]

 

4832 – «كان له قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل». (صحيح) [د ن ك] عن أميمة بنت رقيقة. المشكاة 362: صحيح أبي داود 19: ن – عائشة.[7]

 

32 – أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ» [حكم الألباني] حسن صحيح[8]

 

التعليق:

تعليقي هنا كسابقه، فقد استشهدتُ بهذه الروايات الصحيحة الكثيرة التي تقول إن رسول الإسلام كان ينام في مكان فيه قدح (إناء) يبول فيه وموجود أسفل سريره، أي أنه ينام على سرير كان تحته هذا الإناء وبه البول الذي يبوله فيه، وجميعنا يعلم رائحة البول السيئة جدًا.

فأحمد سبيع قد استشهد براهب يحكي عن القمص فانوس أنه كان يسجد في مكان فيه فضلاته وقال عن هذا الكلام أنه مقذذ ومقرف، فماذا يقول إن كان هذا القمص ينام في قلايته وتحت سريره إناء يبول فيه ثم ينام أعلاه ورائحة البول يشمها طوال الليل؟ فكان سيقول كيف ينام هذا الراهب في مكان أشبه بالمراحيض (الحمَّامات) وأن هذه علامة على عدم نظافة ليس الراهب فقط، وليس كل الرهبان فقط وليس طائفة هذا الراهب فقط، بل كل المسيحيين!

هكذا بكل بساطة، فهل يستطيع أن يستنكر هذا الفعل الذي قام به رسول الإسلام ويقول عنه ذات الكلام بل يعمم كلامه على كل المسلمين مثلما عمم كلامه على كل المسيحيين؟ فصدقوني إن فعل هذا، ولا يجرؤ أن يفعل، فستكون فعلته هذه منطقية أكثر، لأن القمص فانوس ليس نبيًا ولا طلب من أحد اتباع سنته ولا هو قائد للمسيحيين …إلخ، لكن على العكس، فأحمد سبيع يؤمن أن كل فعل أو قول صادر عن رسول الإسلام لهو من السنة الفعلية أو القولية، والتي إن فعلها يؤجر عليها حسنات في الآخرة.

ولكي تعرف عزيزي القارئ كيف أن أحمد سبيع يكيل بمكيالين، فتخيل معي ان أحد المسيحيين جاء بهذه الروايات ليقول لأحمد كيف لنبيكم ان ينام وأسفل منه إناء فيه بول، فهل يسوغ عقلا أن يرد عليه سبيع ويقول له، إن الراهب فانوس كان يسجد وسط الفضلات؟ فالمسيحي هنا يستطيع بكل سهولة أن يقول له أن الراهب فانوس أفعاله له وعليه هو وحده، وليس سيد الخلق وإمام النبيين وسيد المرسلين، وليست أفعاله بحجة على المسيحيين، بينما رسول الإسلام له كل هذه الصفات وأكثر بكثير! فما وجه المقارنة؟

 

 

الصحابة يشربون ماء الوضوء بعد الوضوء

189 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ وَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِهِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ.

 

190 – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

تعرفنا سابقا على الوضوء وكيفيته، ورأينا أنه ماء يغسل فيه الإنسان كفيه ويديه وقدميه ووجهه جزء من رأسه، ويمضمض فيه ويدخل الماء في أنفه ويخرجه مرة أخرى. جيد؟ ما رأيكم في هذا الماء الآن؟ أهو نظيف أم غير نظيف؟

إن كنت مسلما ستقول أنه ماء نظيف لأن من توضأ به هو رسول الله، وهذه إجابة عاطفية إيمانية فقط، أما إن كنت غير مسلم فستقول أن الماء غير نظيف بالطبع لأنه فائدته أصلا -حسب أحمد سبيع- هي التنظيف، فبعد التنظيف يكون الإنسان نظيفا (كما يعتقد أحمد)، ويتسخ الماء. فهنا في الرواية تقول إن هذا الماء هو ماء قد توضأ به رسول الإسلام ومج (لفظ) الماء فيه، وشربه السائب بن يزيد، بل كان الصحابة يتسابقون لكي يشربوه! فهل هذه هي النظافة التي تدعونا إليها يا أحمد؟!

ربما يقول أحمد أن هذا الفعل خاص برسول الله فقط وأنه طاهر وان وضوئه طاهر ..إلخ، وهنا نجد أن أحمد قد خالف الشيء المنطقي المعروف عن كل البشر لكون هذا الفعل فعله إنسان يُجله ويكرمه أحمد لأنه نبي ورسول. فنرد عليه ونقول إذن، نفس الشيء عند غيرك، فعندما يؤمن غيرك ان هناك شخص قديس لله ومكانته عند الله عالية جدا وان له معجزات تظهر قيمته عند الله، فهو يفهم هذه الأفعال بنفس الطريقة التي تفهم بها أنت أفعال سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين، كما تعتقد عندك.

 

الصحابة يتلقفون النخامة ويدلكون بها وجوهم وجلودهم

2732- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا …. وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ أَيْ غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ….[9]

 

التعليق:

كلمة “نخامة” تعني البلغم، الذي يخرجه الإنسان من حلقه. ونجد هنا الرواية لا تتكلم فقط عن شرب ماء الوضوء الذي ينظف الإنسان به جسده (كما يعتقد احمد)، فيصبح الماء متسخًا جدًا، بل تقول الرواية أنه في كل مرة تنخم (أخرج البلغم) رسول الإسلام إلا وقد جاء أحد الصحابة واستلمها على يده، أي أخذ هذه النخامة، البلغم، على يده. وليس هذا فحسب، بل أن الرواية تقول أن من كان يمسكها بيده كان يدلك (يدهن) بها وجهه وجلده. أريدكم أن تتخيلوا معي هذا الذي تحكيه الرواية! الرواية تقول أنه في كل مرة أخرج النبي محمد هذا البلغم إلا وقد استقبل أحد الصحابة هذا البلغم على يده ووضعه على وجهه وجسده!

وهنا سيقول لنا أحمد سبيع أن هذه بركة لأنها نخامة النبي …إلخ، وليست هذه قضيتي الآن، فلتؤمن بما تريد. فقضيتي أن ما تعتبره أنت “بركة” قد يعتبره غيرك “قرفًا” ويشمئز منه جدًا. تماما، كما تعتبر أنت أفعال غيرك “قرفًا” ويعتبرها غيرك “بركة”، فأنت تضع إيمانك هو الحكم، فتقبل به هذه الأفعال بين رسول الإسلام وصحابته بصدر رحب جدا وتتبسم وتقول في نفسك “اللهم صلي وسلم وبارك عليك يا رسول الله” بناء على عاطفة إيمانية فقط! فلماذا تلوم على غيرك إن إعتقد أن عدم إستحمام راهب أو سجود راهب ليس لهما أي صفة تشريعية على بقية المسيحيين، لهو من القذارة والعفن؟!! لماذا تناقض نفسك وتكيل بمكيالين؟ قم بتوحيد المعيار الذي تقيس عليه القذارة والنظافة، وقس به الأفعال وأسمها بالأسماء الحقيقية.

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل هذا الفعل الذي فعله الصحابة، لهو من أفعال النظافة أم عدمها؟

 

البصاق في العجين ثم طبخه وأكله

4102 – حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

يقول هذا الحديث باختصار، أن امرأة قدمت للنبي عجين، فماذا فعل النبي؟ بثق فيه وأعطاها لتخبزه، فخبزته وأكلته. وليس لي تعليق على هذه الرواية سوى أني أطلب من كل قارئ أن يتخيل أنه يقرأ هذه الرواية عند المسيحيين عن شخص مسيحي! فماذا سيقول عن هذا الفعل؟ أهو فعل نظيف أم غير نظيف؟!! أحمد سبيع ينتقد النظافة عند المسيحيين ويقبل تلك الروايات بكل رحابة صدر!

 

دعوة الصحابة لشرب ماء الوضوء بعد الوضوء وصبه على وجوههم وأجسامهم

4328 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَالَ لَهُ أَبْشِرْ فَقَالَ قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.

 

التعليق:

هذه الرواية قريبة مما قرأناه سابقًا، لكن المختلف هنا أن نبي الإسلام بعدما غسل يديه ووجهه وأخرج الماء من فمه في هذا القدح، قال هو بنفسه لأبي موسى وبلال أن يشربها من هذا الماء الذي غسل فيه يديه ووجهه ومج فيه، وأن يضعوا هذا الماء على وجوههم ونحورهم! والسؤال هنا هو سابقه: تخيل أنك تقرأ أن كاهن أو راهب فعل هذا الفعل، فماذا ستقول عنه وعن فعلته هذه إن كنت غير مسيحي؟

 

مجامعة 9 أو 11 امرأة بغُسلٍ واحد[10]

28 – (309) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» (صحيح مسلم)

 

268 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

الكثير ممن تناولوا هذا الحديث، حتى من علماء المسلمين علقوا على أن النبي قد أعطاه الله قوة جسدية تعادل 30 رجل، ورأى غير المسلمين من وجهة نظر أخرى وهي عن عدم الزهد في الدنيا وخلافه. وأنا هنا لا يهمني هؤلاء أو هؤلاء أو ما قالوه. فقط أريد التركيز على أنه جامع زوجاته كلهم بغسل واحد! والغسل المقصود به هنا هو استخدام الماء بعد عملية الجماع الجنسي بين الرجل وزوجته. فالروايات هنا تقول إنه جامع كل زوجاته في ليلة (أو ساعة) واحدة، دون أن يغتسل ولا مرة واحدة بين الزوجة والأخرى.

ولا يخفى على جميعكم الأمراض الجنسية المنقولة حتى بين الزوجين الفردين، فكم وكم بالأمراض المنقولة بين كل هذا العدد من النساء مع رجل واحد في ليلة واحدة بدون حتى غُسل واحد؟ المشكلة أن أحمد سبيع يرى كل هذا ولا يستطيع أن ينطق ببنت شفه! بل يرى أن هذا كله لا مشكلة فيه، بل هو قمة الطهور والنظافة التي من الإيمان.

لكنه يستنكر على رجل عاش حياته في الصحراء الجرداء وحده بأقل الماء والغذاء، وبعيدا عن البشر لفترات طويلة جدا، ألا يستحم! يعترض على عدم الاستحمام ولا يعترض على عدم الغسل ولو لمرة واحدة بين كل هذا العدد من النساء الذي بلغ 11 امرأة!! صدقوني إنها مشكلة الكيل بالمكاييل!

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل مجامعة الرجل لزوجاته الأربعة لهو من أفعال النظافة؟

 

الصلاة بعد أكل الشاة وعدم غسل اليد

(355) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (صحيح مسلم)

 

(354) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح، وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَرْقًا، أَوْ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»

 

التعليق:

السؤال المباشر هنا: هل الحياة في صحراء شبه الجزيرة العربية في هذا الوقت من التاريخ، والأكل من اللحم أو العرق باليد، حيث لا ملعقة أو شوكة للأكل كالتي نستخدمها الآن، ثم بعدها الذهاب للصلاة دون أن يغسل الإنسان يده بالماء، من النظافة؟ أترك لحضراتكم الإجابة الصادقة، فقد عرفنا ان أحمد سبيع يكيل بمكيالين تبعًا للهوى!

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل عدم غسل اليد بعد الأكل لهو من أفعال النظافة؟

 

الأكل بعد التبرز وعدم غسل اليد

(374) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»، قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» وَزَعَمَ عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (صحيح مسلم)

 

2016 – حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ” أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَرَّزَ، فَطَعِمَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً[11] (مسند أحمد وتعليق شعيب الأرنؤوط)

 

1932 – حدثنا سفيان/ عن عمرو عن سعيد بن الحُوَيْرث سمع ابن عباس يقولِ: كنا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – فأتى الغائطَ، ثم خرج فدعا بالطعام، وقال مرةً: فأُتى بالطعام، فقيل: يا رسول الله، ألا توضَّأُ؟ قال: “لم أُصَلِّ فأتَوضَّأَ“. (مسند أحمد، تعليق أحمد شاكر)[12]

 

2016 – حدثنا يحيى عن ابن جُريِج قال: حدِثني سعيد بن الحُوَيِرْث عن ابن عباس: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تَبرَّز فَطعِمَ ولم يمسَّ ماءً. (مسند أحمد، تعليق أحمد شاكر)[13]

 

رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ: أَلَا تَتَوَضَّأُ فَقَالَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَمْ أُصَلِّ فَأَتَوَضَّأَ»[14]

 

التعليق:

تعليقي هنا لن يكن تعليقي الخاص، بل تعليق الصحابة أنفسهم! الرواية تقول أن النبي ذهب ليقضي حاجته، أي كما تقول رواية أخرى أنه ذهب ليتبرز، ثم جاء، فتم تقديم الطعام له، فإستنكر الصحابة أنفسهم هذا الفعل، وسألوه سؤالا استنكاريا وقالوا: ألا توضأ؟ أي: ألن تتوضأ؟!، فماذا كان رد النبي؟ قال لهم أنه لن يصلي لكي يتوضأ! أي أنه يقول لهم، ولماذا أتوضأ وأنا لن أصلي؟!

فالصحابة استنكروا أنه سيأكل بيده وهو للتو عائد من قضاء الحاجة ولم يمس ماء! فسألوه لعله نسى، فأكل وقال لهم أنه لن يتوضأ لأنه لن يصلي! فواضح من هذه الرواية أن الصحابة أنفسهم كانوا ينبهونه أن يغسل يده. ولكنه أكل ولم يمس ماء!

السؤال المحوري هنا: هل لو فعل أحد القادة المسيحيين هذا الفعل، ماذا سيقول أحمد سبيع لنا؟!

ويحضرني هنا كلام اليهود أنفسهم، الذي ادعى أحمد سبيع أنه مثلهم، فلنقارن بين ما قالوه وبين هذه الأحاديث أعلاه:

مرقس 7: 2-5

2 ولما رأوا بعضا من تلاميذه يأكلون خبزا بايد دنسة اي غير مغسولة لاموا. 3 لان الفريسيين وكل اليهود ان لم يغسلوا ايديهم باعتناء لا يأكلون. متمسكين بتقليد الشيوخ. 4 ومن السوق ان لم يغتسلوا لا يأكلون. واشياء اخرى كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس واباريق وآنية نحاس واسرّة. 5 ثم سأله الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون خبزا بأيد غير مغسولة.

فنجد هنا أن هؤلاء اليهود المغضوب عليهم والأنجاس وأحفاد القردة والخنازير، يغسلون أيديهم عند الأكل بإعتناء، ويغسلون الأطعمة التي أتت من الأسواق ويغسلون الكؤوس والأباريق وأواني النحاس، في حين أن النظافة الاسلامية في قِمتها بحسب احمد سبيع تعني الأكل بعد التبرز دون مس الماء حتى! 

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل التبرز وعدم غسل اليد ثم الأكل بها، لهو من أفعال النظافة؟

 

الوضوء بماء بئر يُطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن

59 – عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَديج عن أبي سعيد الخدري:

أنه قيل لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئر يُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتْن؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “الماء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ”.

قال أبو داود: “وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع”. (قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: “حسن”، وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين)[15].

 

60 – عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثمّ العدوي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وهو يقال له: إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعَذِر الناس؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “إن الماء طهور لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ”. (قلت: حديث صحيح)[16].

 

326 – أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْحِيَضُ وَالنَّتَنُ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [حكم الألباني] صحيح[17]

 

327 – أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ – وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ – عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي نَوْفٍ، عَنْ سَلِيطٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقُلْتُ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّتَنِ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [حكم الألباني] صحيح[18]

 

التعليق:

كما أسلفنا، فأحمد سبيع يربط بين الوضوء والنظافة، وهذه الروايات ترد على هذا الزعم تمامًا، فالصحابة قد استنكروا استخدام ماء البئر الذي ترمي فيه الناس لحوم الكلاب الميتة، والحيض، والنتن، فسألوه، فقال لهم أن الماء طهور لا ينجسه شيء! وأني لأسأل، كيف لماء بئر معروفة بين الناس أن بها كل هذه القذارات أن تكون ماء نظيفة؟!! لا تعليق!

 

حك النخامة باليد، والدعوة للبصاق في المسجد أو على الملابس وفركها

405 – حدثنا قتيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه» ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: «أو يفعل هكذا» (البخاري)

 

التعليق:

هذا الحديث غريب جدًا، ويضرب كل ما قاله أحمد سبيع عن نظافة الملبس في مقتل! فالرواية تقول أن النبي وهو داخل المسجد رأى نخامة (أي: بلغم) في القبلة، أي حيثما يوجِّه المصلون وجوههم ويصلون ناظرين إليها. فماذا فعل؟ ذهب إليها وأزالها بيده! وإلى هنا يمكن أن يقبل أي إنسان هذا الفعل، فالنبي لا يريد بيت الله أن يتسخ بهذه الأفعال. لكن ما لا يقبله أي إنسان، أن يقوم النبي بتعليم الصحابة أنفسهم ألا يبصقوا أمامهم لأن الله يكون بينهم وبين القبلة! وأن يبصقوا في المسجد عن يسارهم، أو تحت أرجلهم!

 

والسؤال هنا لأحمد، هل من سمات ومظاهر النظافة التي تؤمن بها وتدعونا إليها، أن يبصق الإنسان في المسجد وهو يصلي ويسجد برأسه على هذا البصاق؟ فأحمد استنكر على القمص فانوس أنه كان يسجد وسط الفضلات، ورغم ان القمص فانوس عندنا ليس بمثابة نبي الإسلام عند أحمد، إلا أن أحمد يعيب على القمص فانون فعلته هذه ويسميها قذارة وقرفا، ويسمي هذا الفعل في المسجد في وقت الصلاة نظافة وطهارة!!

 

الرواية لا تقف عند هذا الحد! بل تكمل فتقول أن النبي أعطاهم خيارا آخرا غير البصاق عن اليسار او اسفل أقدامهم، فماذا هو؟ هل قال لهم مثلا أن من أراد البصق فليخرج خارج المسجد ويبصق في الخلاء على التراب مثلا؟! لا، بل قال لهم أن من يريد البصاق، فليبصق على ثوبه ويدهس هذا البصاق بالثوب نفسه، كما يسميها المصريون بالعامية المصرية (دعك الهدوم) أو باللغة العربية “الفَرك”، وقام النبي بشرح هذا عمليا امامهم حيث بثق أمامهم على ثيابه وفركه!

وللتعليق على هذا، أقول: لا تعليق!

 

 

في النهاية أؤكد أن مسألة النظافة مسألة شخصية تتبع ظروف كثيرة جدًا وتختلف من أخ لأخيه، فضلا عن بقية البشر. وقد أكد الكتاب المقدس على كل هذا بإعتبار أن أي مسيحي هو هيكل لله وروح الله يسكن فيه، فكيف لا يعتني الإنسان المسيحي بجسده؟ وما عرضتُ هذه الروايات الإسلامية إلا لبيان أن أحمد يتبع هواه ولا يطلب الحق ولا يقوله، ويميت ما تبقى من ضميره ويكيل بمكيال العقل تارة ومكيال الهوى البغيض تِئار.

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

[1]ECF 3.4.1.21.3.0.

[2] https://link.springer.com/article/10.1007%2Fs00330-018-5648-z

[3] https://www.medicaldaily.com/your-hipster-beard-may-have-more-fecal-matter-dirty-toilet-it-really-unhygienic-332002

[4] الكتاب: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد – المؤلف: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ) – المحقق: حسام الدين القدسي – الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة – عام النشر: 1414 هـ، 1994 م، جـ8، صـ271.

[5] الكتاب: الخصائص الكبرى – المؤلف / أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي – دار النشر / دار الكتب العلمية – بيروت – 1405هـ – 1985م. – جـ2، صـ 377.

[6] الكتاب: صحيح سنن أبي داود – المؤلف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ) – الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت – الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 م، جـ1، صـ53.

[7] الكتاب: صحيح الجامع الصغير وزياداته – المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ) – الناشر: المكتب الإسلامي، جـ2، صـ874.

[8] المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي – المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ) – تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة – الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب – الطبعة: الثانية، 1406 – 1986 – عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج ومذيل بأحكام الألباني، وهو متن مرتبط بشرح السيوطي والسندي]، جـ1، صـ 31.

[9] اختصرنا هذا الحديث قدر الإمكان، فالحديث قد بلغت عدد كلماته ما يزيد عن 1600 كلمة، فلعدم الإطالة اختصرناه، وعلى من يريد قراءته كاملا اتباع الرابط التالي: https://bit.ly/2XNvZcN.

[10] يمكن الاستزادة من هذه الروايات عبر الضغط هنا: https://bit.ly/2xBD9Sw .

[11] قال شُعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن الحويرث، فمن رجال مسلم. وأخرجه النسائي في “الكبرى” (6736) من طريق يحيى القطان، بهذا الإسناد.

[12] قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، سعيد بن الحويرث المكي مولى آل السائب: تابعي ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وترجمه البخاري في الكبير 2/ 2 / 424. والحديث رواه مسلم 1: 111 من طريق ابن عيينة وغيره، وأشار في التهذيب 4: 11 إلى أنه رواه أيضاً الترمذي في الشمائل والنسائي، وأنه ليس لسعيد في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، قوله “لم أصل فأتوضأ” أي لا أريد الصلاة حتى أتوضأ لها، وضبطه النووي في شرح مسلم 4: 69 “لم” بكسر اللام، و”أصلي” بإثبات الياء في آخره، وقال: “وهو استفها م إنكار”.

[13] إسناده صحيح، وهو مختصر 1932.

[14] الكتاب: المحلى بالآثار – المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ) – الناشر: دار الفكر – بيروت، جـ1، صـ 223، 224. مما أحتج به وقال في مقدمة الكتاب: وَلْيَعْلَمْ مَنْ قَرَأَ كِتَابَنَا هَذَا أَنَّنَا لَمْ نَحْتَجَّ إلَّا بِخَبَرٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ مُسْنَدٍ وَلَا خَالَفْنَا إلَّا خَبَرًا ضَعِيفًا فَبَيَّنَّا ضَعْفَهُ، أَوْ مَنْسُوخًا فَأَوْضَحْنَا نَسْخَهُ.

[15] صحيح سنن أبي داود – الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ) – الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت – الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 م – جـ1، صـ110.

[16] المصدر السابق: جـ1، صـ115.

[17] المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي – المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ) – تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة – الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب – الطبعة: الثانية، 1406 – 1986 – عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج ومذيل بأحكام الألباني، وهو متن مرتبط بشرح السيوطي والسندي]، جـ1، صـ 174.

[18] المصدر السابق: جـ1، صـ 174.

 

رائحة المسيحيين الكريهة (لماذا المسيحيين لا يتطهرون) – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

صدى البلد : أديرة البحر الأحمر منبع الرهبنة

صدى البلد : أديرة البحر الأحمر منبع الرهبنة

صدى البلد : أديرة البحر الأحمر منبع الرهبنة

صدى البلد : أديرة البحر الأحمر منبع الرهبنة

■ دير الأنبا أنطونيوس أول دير قبطي أنشئ في العالم يحتوي على 13 كنيسة أثرية
■ دير الأنبا بولا يحتوي على 4 كنائس أثرية.. ومكتبته تضم 764 مخطوطا

تعد منطقة البحر الأحمر منبع الرهبنة القبطية الأرثوذكسية فى مصر بل فى العالم، حيث تضم دير الأنبا أنطونيوس الذي يعد أول دير ينشأ في العالم، فضلا عن دير الأنبا بولا أحد أقدم الأديرة القبطية.

دير الأنبا أنطونيوس

أول دير أنشئ في العالم وينسب إسمه إلي الأنبا أنطونيوس أول الرهبان في العالم وأب جميع الرهبان.

يقع دير الأنبا أنطونيوس علي سفح جبل الجلالة القبلي بصحراء العرب بمصر، كما تمثل مساحة الدير الأصلية 18 فدانًا أضيفت لها 350 فدانا آخرين ضمن ملكية الدير بعد حل مشكلة كان متنازع عليها مع المحافظة مؤخرا والتي قضت بشراء الدير لـ 350 فدانا وجعل 150 فدانا آخرين غابة شجرية.

ويرجع تاريخ الدير إلي إقامة الأنبا أنطونيوس فى مغارته و التفاف عدد كبير من الرهبان حوله ما دعا الى بناء كنيسة يجتمع فيها مع الرهبان و بعد انتقاله بدأ الرهبان فى بناء مخزن للطعام ومطبخ وقلالى وذلك على مساحه لا تزيد عن 3 افدنه يضمها سور من الحجر وذلك كان اثناء حكم الامبراطور يوليانوس الملك الكافر 360 -363 م وفى ايام حكم الامبراطور جستنيان ضاعف الامبراطور مساحته فبعد ان كانت ثلاثه افدنه اصبحت ستة افدنه وذلك سنة 537م استمر ذلك حتى ايام البابا كيرلس الرابع.

كما بنى حصنا لحماية الدير من الاعتداءات الخارجية علية/ وقد تعرض الدير لاعتداء الفرس سنة 610م فى عصر البابا انسطاسيوس البابا الـ36 ما بين 605-616 م، كما تعرض للنهب من جهة البدو اثناء تولى البابا خائيل الاول ما بين 743-767م، وما بين سنة 1004 -1032م تعرض الدير للدمار الشامل واستشهاد الرهبان فى ايام البابا زخارياس الاول وقد دمر البدو الذين عاشوا فى الدير لخدمه الرهبان المكتبة العظيمة بالدير واحرقو كل المخطوطات الموجوده وظل الدير خربا خالى من الرهبان ما يقرب من 65 سنة.

تم تعمير الدير بعد رسامه الراهب روفائيل السريانى بطريركا فى اكتوبر سنة 1525م باسم البابا غبريال السابع الـ95من بطاركه الاسكندرية فارسل 20 راهبا من دير السريان الذى كان يسكنه فى ذلك الوقت 63 راهبًا الى دير الانبا انطونيوس بعد ان زودهم بالكتب واوانى المذبح و كل ما يلزم لتعمير الدير من غذاء وكساء وقد سجل رهبان الدير نياحه الانبا غبريال السابع البابا الــ 95 على جدران كنيسة الانبا انطونيوس الاثرية فى الجهه القبلية الشرقية من الخورس الثانى يوم الثلاثاء الموافق 29 بابهسنة 1285 للشهداء.

وفى أواخر القرن الثامن عشر تمت بالدير كثير من التغيرات، وفى عام 1766م قام حسب الله البياضى باعاده بناء كنيسة القديس مرقس الانطونى و فى عام 1772 م اعاد المعلم لطف الله شاكر بناء كنيسة الرسل و فى عام 1783م قام المعلم ابراهيم الجوهرى بتوسيع الدير فضم اليه رقعه واسعه من الارض و شيد السورين الغربى و القبلى و الساقية مع السور البحرى.

يعتبر دير الانبا انطونيوس اغنى الاديرة فى عدد الكنائس حيث يضم 13 كنيسة ، وهم: كنيسة الاربعه حيوانات غير المتجسدين ، كنيسة الانبا انطونيوس الاثرية، كنيسة رئيس الملائكه ميخائيل، كنيسة القديسين بطرس و بولس الرسولين ، كنيسة الانبا مرقس الانطونى ، كنيسة الانبا بولا و الانبا انطونيوس الجديده ، كنيسة السده العذراء، كنيسة الشهيد مارجرجس، كنيسة الشهيد ابانوب و الست رفقه ، كنيسة القديس بولس البسيط ، كنيسة الصخرة ، كنيسة فى وسط الجبل تظهر من الباب الكبير للدير ، مذبح الانبا انطونيوس.

دير الأنبا بولا

يعد دير القديس الأنبا بولا التابع للكنيسة القبطية الأرثوذوكسية واحدًا من أقدم الأديرة في العالم، و يعود تاريخه إلى أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث يقع في أعماق جبال البحر الأحمر في الصحراء الشرقية لمصر.

وقد كشفت المخطوطات القديمة الكثير عن تاريخ دير القديس الأنبا بولا حيث كان أول ذكر لمغارة هذا الناسك سنة 400 م، بيد العالم المسيحي القس سلبيسيوس سفيروس.

عرف الدير بصورة أكبر في القرن السادس الميلادي عن طريق الرحالة أنطونينس، الذي جاب بقاعًا كثيرة في أسفاره بما في ذلك المدينة المقدسة أورشليم، ليعبر عبر الصحراء إلى المكان الذي سماه “مغارة المبارك بولا..” بالقرب من ينبوع ماء يروي كل المكان حتى هذا الوقت.

تشير بعض المخطوطات من القرن ال13 وما بعده إلى أن السريان كانوا يسكنون الدير في وقت من الأوقات، في 1395، سجل الرحالة الفرنسيون وجود ستين راهبًا بالدير.

خلال العصور الوسطى، حدث نهب للدير من قبل البدو وترك خربًا على الأقل مرتين. تولى البابا يوأنس السادس عشر زمام المبادرة لتعمير الدير في عام 1701 بعد أن كان مهجورًا لمدة 119 عامًا.

ويحتوي دير الأنبا بولا بالبحر الأحمر على أربع كنائس أثرية هى: –

– الكنيسة الأثرية: سكنها الأنبا بولا لمدة 70 سنة لم يره أحد. نصف الكنيسة منحوت فى الصخر غطيت حوائطها برسومات.
– كنيسة ابو سفين : أعاد بناءها المعلم الجوهرى فى أواخر القرى الثامن الميلادى
– كنيسة الملاك: وبها الكثير من القبب يبلغ عددها الاثنى عشر قبة كعدد تلاميذ السيد المسيح يرجع تاريخها الى سنة 1777م .

كما تشتمل مكتبة الدير على 764 مخطوطًا يرجع أقدمها إلى القرن 14.

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون 

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون

روحانية القديس أنطونيوس – للبروفيسور صموئيل روبنسون [1] 

الأستاذ بجامعة لوند بالسويد

 

لا يوجد مصري واحد معروف ومشهور فى تاريخ المسيحية كلها أكثر من القديس أنطونيوس . ورغم وجود كثير من البطاركة ومعلمو الأسكندرية المشهورين ، فإن اسم هذا الراهب البسيط الذى اختلى فى الصحراء ، هو الذى جذب أكبر انتباه خلال الـ1600 عامًا الماضية .

إن سيرة حياته كانت ولا تزال واحدة من أكثر الكتب المقروءة انتشارًا فى كل التاريخ المسيحى ، وقد ألهمت سيرته ليس الرهبان فقط من كل أنحاء العالم، بل ألهمت أيضًا مؤلفين مشهورين ورسامين مشهورين مثل ماتياس جرينوالد M. Gruenwald، هيرونيموس بوسكس Hier. Boschs، جوستاف فلاوبرت، لارز جايللينستن Lars Gyllonsten.

إن صورة القديس أنطونيوس كما وصلتنا فى كتاب ” حياة الأنبا أنطونيوس ” بقلم القديس أثناسيوس ، بطريرك الأسكندرية الشهير فى القرن الرابع ، قد صارت على مدى التاريخ النموذج القياسى للدعوة الرهبانية ، وهى بالنسبة لكثيرين ، افضل شرح لـ: ماذا يعنى أن يكون الإنسان مسيحيًا ؟

وفى مشروع بحث تموله الحكومة النرويجية يحاول 20 عالمًا من السويد والنرويج حاليًا أن يكتشفوا وأن يصفوا ماذا كان يعنى فعلاً وحقًا بالنسبة للناس والمجتمع فى القرنين الثالث والرابع أن المسيحية صارت هى ديانة الإمبراطورية . وما هى التأثيرات التى حدثت ، وكيف تغيرت طرق التفكير . إن عنوان هذا البحث هو : ” المسيحى . صياغة هوية جديدة فى التاريخ القديم المتأخر Late Antiquity ” . وبدون نقاش كثير فقد صارت ” حياة أنطونيوس بسرعة فى بؤرة التركيز into Focus .

ما هى الشخصية المسيحية وكيف كانت تفهم، وكيف كانت تختلف عن الشخصية الوثنية . وربما تبدو هذه أكثر وضوحًا فى هذه “الحياة ” (السيرة) من أى نص آخر من نصوص ذلك العصر .

ولكى نمسك بروحانية القديس أنطونيوس ، من الضرورى أن نبدأ بالحديث عن ” حياة أنطونيوس “، وهى السيرة التى كتبها القديس أثناسيوس . فروحانية هذا الكتاب ” الحياة ” قد كان لها أكبر الأثر وصارت مرادفة لشخص أنطونيوس نفسه. وطوال المائة سنة الأخيرة فإن باحثون كثيرون قد حللوا هذا النص من جميع زواياه . هل الذى كتبه هو القديس أثناسيوس ؟ وهل اعتمد على أية مصادر؟ وهل يُعتمد عليه (يوثق به) تاريخيًا historically reliable ؟ وهل نحن نلتقى فى هذا الكتاب بأنطونيوس نفسه، أم أن ما نقرأه هو الصورة المثالية التى رسمها البطريرك أثناسيوس ؟

وبالمقارنات مع النصوص الأخرى التى كتبها أثناسيوس وكذلك الإشارات إلى المراجع التاريخية، فقد اقتنع كل الباحثين تقريبًا أن نسبة هذا الكتاب للقديس أثناسيوس ، هى صحيحة. والنص الآخر الذى يُعتمد عليه فى هذا المجال هو ” رسائل القديس أنطونيوس ” . والتى سأعود للحديث عنها بعد ذلك .

والآن نحتاج أن نفحص بعمق ” سيرة حياته ” نفسها ، ونحاول أن نفهم منها كيف ترسم لنا روحانية القديس أنطونيوس ، وكيف تريد هذه السيرة لنا أن نفهم حياته الموضوعة أمامنا كنموذج ” لحياة مسيحية حقيقية ” ، كما ورد فى مقدمة الكتاب .

ولكى نكتشف أين يوجد تشديد الكاتب نفسه ، يلزمنا أن نلاحظ كيف يبدأ النص وكيف ينتهى هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى إن أمكن أن نجد أية تعبيرات أو أفكار متكررة . ولكى يمكننا أن نحقق هذه الناحية الثانية الخاصة بالتعبيرات المتكررة ينبغى فى جميع الأحوال أن نفحص بعناية تامة كيفية تركيب النص، وكيف تبدأ أجزاءه الصغيرة وكيف تنتهى .

وفى كل الكتابات يتم التأكيد على بعض الأفكار بوضع تعبيرات معينة فى بداية الجملة أو فى نهايتها ، أو فى بداية كل فصل أو فى نهايته أو فى بداية الكتاب أو فى نهايته . فالقارئ يتأثر دائمًا اكبر تأثرًا بالبدايات والنهايات . كان أنطونيوس رجلاً زاهدًا فى الحركة وزاهدًا فى الشهرة ، فهو لم يكن يريد أن يصير معروفًا على الإطلاق. ومنذ البداية ـ قيل عنه إنه اشتاق أن يمكث بالبيت بكل بساطة ، واشتاق أن لا يتعلم ، وقد قيل فى الفصل الأخير ـ إن معجزة قد حدثت حتى أن ذاك الذى تحاشى كل علانية وعاش منفردًا فى جبل قد صار مشهورًا فى العالم كله.

وهذا الأمر يتكرر فى مواضع عديدة . فحينما دخل أنطونيوس تدريجيًا إلى الصحراء ـ تؤكد السيرة دائمًا أنه كان يعيش وحده ، وأن كل ما حدث له إنما أثناء اعتزاله فى مكانه الخاص. وفى الفصول الـ15 الأولى من الكتاب نجد أن أنطونيوس ليس عنده شئ يقوله (للآخرين)، وأنه لم يكن له تلاميذ ، ولا أصدقاء. وإنه حينما استقر فى البرية الداخلية وجد سلامًا فى عزلته.

وعلى مستوى أعمق سوف نجد أن هذا التأكيد على العزلة والخلوة يرتبط بفكرة هامة أخرى : وهى فكرة المحافظة على الطبيعة الأصلية. أما كون أنطونيوس لا يذهب إلى المدرسة ـ فكما أوضحت فى كتابى ـ فإن هذا لا علاقة له بمعرفة القراءة أو عدم معرفتها، إنما هذا يدل على أن روحانيته لم تُكتسب من الخارج ، أى ليست من صنع الإنسان ، بل هى موهوبة له من الله خالقه.

ومرة تلو مرة يستعمل المؤلف كلمات وتعبيرات تشير إلى الحماية والحفظ فى مقابل الاضطراب والتغير. وتوصف أهمية ما هو طبيعى بصورة حية جدًا فى فصل 14 حينما يخرج أنطونيوس من صومعته التى قيل عنها إنه عاش فيها 20 سنة فى عزلة كاملة . ويُقال هنا إنه لم يتغير بالمرة، فهو لم يصر نحيلاً من الصوم ولا صار بدينًا من قلة التمرن . كان فى توافق كامل بحسب حالته الطبيعية والأصلية . وبالنسبة للمؤلف ، فإن جسده هو علامة تدل على الثبات الداخلى الكامل.

وفى أحد الفصول الأخيرة يتكرر نفس الحديث فيُقال هذه المرة إن أنطونيوس البالغ من العمر 105 سنة والذى كان على وشك الوفاة، قد احتفظ بصحة جسمية كاملة، فعيناه لم تكلاً ولم يفقد ولا سنّة واحدة من أسنانه ويداه ورجلاه كانت كلها فى صحة كاملة. لقد كان فى حالة أفضل من أولئك الذين يحاولون أن يحسّنوا ما قد أعطاه الله بأنواع من الأطعمة والحمامات المترفة . وكما قلت ، فقد كان جسد أنطونيوس علامة تشير إلى شئ روحانى.

فحفظ الجسم وصحته إنما هى العلامة الخارجية فقط لفكرة تتخلل كل سيرة الحياة: فمعرفة الله مرتبطة بمعرفة النفس معرفة حقيقية. فمعرفة الله لا تأتى من الخارج بالتعلّم ، بل من الداخل ، بأن يكون الإنسان أمينًا لخلقته الأصلية. وفى المجادلات مع الفلاسفة التى يحاول المؤلف فيها أن يشرح الصفات المسيحية لفلسفة أنطونيوس ، أى يشرح طريقة معيشته، نجد أن أنطونيوس يخبر الفلاسفة ، أن اليونانيون يتعبون باطلاً بأسفارهم فى كل مكان لأجل الحصول على المعرفة فى حين أن المعرفة الحقيقية إنما توجد فى داخل الإنسان .

والقراءة المدققة لعظة أنطونيوس الموجهة للرهبان تظهر نفس التشديد ولكن من منظور آخر . نجد هنا أن أنطونيوس يحاول أن يخبر تلاميذه كيف يعرفون إن كانت الرؤى أو الأفكار آتية من الله أم من الشياطين . فالقديس أنطونيوس يقول إن الشياطين يسببون القلق على الدوام ، إنهم يحاولون أن يقسّموا ويمزقوا ؛ بينما الملائكة يسببون السلام والهدوء ويقودون إلى الوحدة بدلاً من التفرق.

ولكن هل هذا يعنى أن روحانية القديس أنطونيوس ـ بحسب كتاب سيرته ـ هى روحانية ترفض وجود أية علاقات مع الآخرين ، أو مع المحتاجين ؟ كلا . فالسيرة تنقسم إلى قسمين متميزين تمامًا .

القسم الأول يصف خلوة أنطونيوس وتكوينه الروحى فى حياة الوحدة ويسجل عظته الطويلة التى يلخص فيها تعليمه. وينتهى القسم الأول بالقول إن أنطونيوس صار مثل الشهداء بسكناه فى البرية الداخلية . أما القسم الثانى فيخبرنا عن اهتمامه بالعالم. وفى هذا القسم يلتقى أنطونيوس أولاً بمجموعة من الناس يطلبون المساعدة ، ويلتقى بعد ذلك بمجموعة من الفلاسفة ، وأخيرًا بمجموعة من ممثلى الدولة .

ليس هناك شك أن المؤلف يريدنا أن نرى فى أنطونيوس، راهبًا يشفى المرضى، ويصنع السلام بين المتخاصمين ويتشفع لأجل الفقراء، ويدحض الهرطقات ويقاوم ذوى السلطان. والنظرة الفاحصة إلى هذه الفصول من الكتاب تكشف أنها قد كُتبت بطريقة واعية تمامًا. وفى كل هذه الفصول نجد أنها تحتفظ بمسافة معينة. فحينما يأتى المرضى إلى أنطونيوس، فهو يخبرهم أن يعودوا إلى بيوتهم لينالوا الشفاء هناك. إنه لا يلمسهم ، حيث إنه ليس هو الذى يشفى بل “الرب“.

فهو يظل فى عزلته ويشفى من بعيد. وفى لقائه مع الهراطقة يضع نفسه خلف رؤساء الكنيسة ويتحاشى أية مقابلات عن قرب. والأمر ذو الدلالة العظيمة. فإن علاقاته مع السلطة العليا ـ مع الإمبراطور ـ رغم أنه إمبراطور مسيحى ، ومع الحاكم المُعين منه ، إنما تتم فقط بواسطة الرسائل . وفى كل معاملاته مع العالم فإن أنطونيوس لا يترك خلوته الداخلية ، لا يتخلى عن سلامه وهدوئه .

 

ولكى نلخص روحانية القديس أنطونيوس كما وصفتها سيرة حياته ، فيمكننا أن نقول إن أنطونيوس كان مبتعدًا بطريقة ما عن حدود المكان والزمان فهو ـ كما لو كان ـ موضوع خارج القيود التى يختبرها البشر . فهو ـ كما تؤكد السيرة فى النهاية ـ حاضر فى كل مكان حيث إنه مختفى عن كل إنسان. هو غير مرتبط بأى شئ ، وغير متأثر بأى شئ ولا معتمد على أى شئ حصل عليه من العالم ـ أى من الناس ومن حضارتهم.

فهو ـ كما يقول المؤلف متعلم من الله فقط ـ وتنبع قوته من السلام الداخلى ومن الانسجام الداخلى المتأصل فى طبيعته الروحية الأصلية . والأمر الضرورى ـ بالنسبة لسيرة حياة أنطونيوس ـ أن يظل الإنسان على الحالة التى خُلق عليها .

 

إن روحانية أنطونيوس هى روحانية تجد أصولها فى الاقتناع الأكيد بأن الإنسان مخلوق على صورة الله، وأن الفضيلة لا تُكتسب ، بل تحتاج فقط أن نحافظ عليها .

والآن ، بعد أن حصلنا على هذه النظرة لروحانية “سيرة أنطونيوس” ، يمكن أن ننتقل إلى رسائل القديس أنطونيوس لنسأل إن كانت تحمل إلينا نفس الروحانية. ولكى نركز الحديث على روحانية هذه الرسائل ، فإنى لن أتحدث عن محتواها ولن أناقش كل المشاكل اللاهوتية التى تنتج من تحليل محتواها ، ولكنى أشير فقط إلى نقطتين هامتين فى تكوين روحانية هذه الرسائل .

 

النقطة الأولى هى ، وحدة المعرفة . فالتشديد على المعرفة هو أحد الملامح البارزة للرسائل . فكاتب الرسائل يؤكد مرة تلو أخرى على أهمية المعرفة والفهم . وكل الرسائل تقريبًا تختم باقتباسين من سفر الأمثال 9:9 ومن رسالة كورنثوس الأولى 15:10 والاقتباسان يتحدثان عن أهمية الحكمة . فبدون أن يعرف الإنسان نفسه ـ أو كما يعبر القديس أنطونيوس ـ بدون أن يعرف الإنسان جوهره الروحى ، فإنه لا يستطيع أن يعرف الله ، لا يستطيع الإنسان أن يدرك أعمال الله الخلاصية.

فالإنسان، بإدراكه لنفسه تمامًا يستطيع فقط أن يعرف زمانه وبالتالى أن يعرف كيف يعبد الله عبادة لائقة. ورغم أن الإشارات إلى المعرفة متنوعة جدًا وموضوعات المعرفة تختلف عن بعضها، إلاّ أن الرسائل تشدد دائمًا على أن كل أنواع المعرفة مرتبطة ببعضها؛ فمعرفة الله ومعرفة النفس ومعرفة الزمان، ومعرفة الخلاص، كل هذه تعتمد كل منها على الأخرى.

 

ولكى ندرك أهمية المعرفة فى روحانية أنطونيوس ينبغى أن نعرف ، ما الذى يعنيه أنطونيوس عندما يتحدث عن المعرفة ، وذلك لكى نعرف مفهوماته الأساسية . إن القراءة المدققة للرسائل تكشف أن أنطونيوس يمثل نفس النظرة الأساسية عن المعرفة مثل مدرسة الأسكندرية بميراثها الأفلاطونى ، فهذه النظرة ترى أنه : “أن تعرف” هو أن تصير جزءً من شئ .

فالمعرفة ليست أن تملك معلومة عن شئ ، بل أن تشاكله وتتوافق معه. وأكثر من ذلك فإنك تستطيع فقط أن تعرف ذلك الذى يملك ميلاً طبيعيًا نحوك أنت الذى تعرفه. الإنسان يستطيع أن يعرف الله حيث إن الإنسان له صلة بالله، ليس فقط بأن تكون عنده معلومات عن الله ؛ بل أن يكون له نصيب حقًا فى طبيعة الله، ولذلك فالمعرفة لا تحصل بجمع المعلومات والتعاليم، بل أن نأتى لنعرف ، نأتى لنقترب منه ولكى نحيا معه. المعرفة تفترض وجود المحبة.

لذلك من السهل أن نفهم أنه رغم أن أنطونيوس يتكلم عن أنواع مختلفة من المعرفة ، إلاّ أن المعرفة واحدة. وإضافة إلى ذلك ، فمن الواضح أن المعرفة التى يكتب عنها أنطونيوس هى المعرفة الروحية، وهى معرفة تأخذ أصولها من الجوهر الروحى للإنسان . والتقدم فى المعرفة هو الاقتراب أكثر إلى الله ، أن يصير الإنسان أكثر فأكثر إدراكًا لذاك الذى يتجاور كلماتنا. المعرفة تختلف عن العقيدة .

فكلمات الإنجيل ، وتعاليم الكنيسة هى نقطة انطلاق، أما المعرفة الحقيقية فتكمن فى الالتصاق بالله التصاقًا حميمًا بالحب. وحدة كل أنواع المعرفة لا توجد فى العقائد بل فى قلب الله.

 

النقطة الثانية فى روحانية رسائل أنطونيوس هو وحدة الكيان ، وكما سبق أن ذكرنا، فإن أنطونيوس يرى أن الشرط المسبق لكل معرفة حقيقية هو فى الجوهر الروحى للإنسان، وهو جوهر متصل بالله اتصالاً وثيقًا . وفى محاولاته أن يشرح هذا ، فإن أنطونيوس يعكس تحليل أوريجينوس عالم مدرسة الأسكندرية العظيم. وبحسب الرسائل ، فإن جوهر الإنسان الداخلى هو جزءه الروحانى ، أى عقله .

كل البشر يشتركون فى نفس الجوهر الروحى ، وينتمون إلى بعضهم البعض فى أرواحهم ، وفى الواقع فإن كل ما هو روحى يشترك فى نفس الكيان، بل حتى إبليس والشياطين أيضًا يشتركون فيه . ولكن عند السقوط تحطمت هذه الوحدة الروحية . والله لكى يخلص الإنسان ، فإنه خلق العالم وأعطى للإنسان جسدًا وهو ما لم يحصل عليه الشياطين ، ولذلك هم يحسدون الإنسان.

وبواسطة الجسد يستطيع الإنسان أن ينمو فى الفضيلة وفى المعرفة ، ولكن فى الوقت نفسه فإن الجسد يجذب الإنسان إلى أسفل ويضع حدًا لحياته. الجسد يخلص عن طريق التجسد، وهكذا تُستعاد الوحدة ويستطيع الإنسان أن يرجع إلى الله وإلى جوهره الروحى الأصلى، ولكن بجسد القيامة. وبدون الاستطراد أكثر فى هذه الأفكار اللاهوتية يمكننا أن نرى بسهولة أنها هى روحانية أنطونيوس.

فوحدة الوجود تجعل محبتنا بعضنا لبعض جزءً من محبة الله. وأن يعرف الإنسان نفسه هو أيضًا أن يعرف جاره. أو كما يقول أنطونيوس فى الرسالة 6 : ” لذلك ينبغى أن نحب أحدنا الآخر بحرارة ، لأن من يحب أخاه يحب الله والذى يحب الله يحب نفسه ” .

 

وهكذا ، فإننا فى روحانية أنطونيوس نجد تشديدًا قويًا على العلاقة بالآخرين، والحاجة إلى أن نعتنى كل منا بالآخر. ويصير واضحًا فى كل الرسائل كم هو هام خلاص الاخوة لأجل خلاص أنطونيوس نفسه. وهنا يصير فهم تعليم يسوع المسيح، عنصرًا هامًا . والمقطع الذى يتحدث فيه الرسول بولس فى رسالته إلى فيلبى عن إخلاء الابن لنفسه صائرًا فى هيئة عبد ، عادة يُربط بكلمات يسوع فى الإنجيل التى يقول فيها ، إنه لا يعود يسمى التلاميذ عبيدًا بل أحباء .

فيسوع بصيرورته عبدًا استطاع أن يجعلنا أحباء له ، وهكذا عن طريق صيرورتنا عبيدًا كل منا للآخر ، يمكننا أن نربح بعضنا بعضًا كأصدقاء . وهكذا فالفرح والبكاء لأجل خلاص الآخرين هو جزء جوهرى من الحياة الروحية .

 

خاتمة

وحينما ننظر إلى سيرة حياة أنطونيوس وإلى الرسائل ، يمكننا أن نرى أننا نجد نفس الروحانية رغم التعبير عنها بطريقتين مختلفتين تماما . ففى سيرة حياته، تُرسم روحانية أنطونيوس بواسطة شخص آخر كأنما يرسم أيقونة . وفى عظة أنطونيوس فقط نجد تشابهًا كبيرًا مع ما ذُكر فى الرسائل .

ولكن هنا فى العظة يحل الصراع مع الشياطين محل التأملات الشخصية الموجودة فى الرسائل ، وفى السيرة نجد أن قصص اختلاء أنطونيوس تجعل نفس التشديد على وحدة الكيان والجوهر مفعمة بالحيوية مثل الرسائل، ولكن بعكس الرسائل فإن الجسد فى ” السيرة ” ليس أساسًا الذى تهاجمه الشياطين بسهولة ، بل بالحرى تجعل منه ” السيرة ” صورة للنفس .

الرسائل تقدم أنطونيوس كأحد الرهبان الذى يصرخ من أجل خاصته ولأجل خلاصهم. أما فى ” السيرة ” فلم يعد ظاهرة فى الصورة ، بل نجده فى وضع متميز كنموذج يُقتدى به . فى “الرسائل” نراه مثل أب اعتراف يمكنك أن تتحدث إليه ، أما فى “السيرة” فهو أيقونة تقف أمامها لكى تتأمل . ولكن بصفة جوهرية ، فمن الواضح أن كلا الكتابين تقدم نفس الروحانية الأساسية، ونفس التشديد على الحاجة إلى الثبات الداخلى والهدوء، والحاجة إلى المعرفة الحقيقية للنفس ، وإلى المحبة للغير .

ويمكننا أن نعتبر “السيرة ” بمثابة مقدمة رائعة عن كيف نقاوم بها الفساد ، وكيف نحفظ الكمال والسلام ، أما “الرسائل” فتلمس القلب ، وتفتح طريقًا صاعدًا نحو سر الالتصاق الحميم مع الله.

 

ونعود أخيرًا إلى مشروع البحث عن ” الشخصية المسيحية (Christian Identity) كما صيغت فى المسيحية الأولى”، فإنى أظن أن هذا المشروع وثيق الصلة بموضوعنا . وبقدر ما أستطيع أن أرى، فإن أوربا بل العالم كله حصلت على ذلك الفهم للكائن البشرى ، الذى يضع الشخص ـ كل شخص ـ قبل أى شئ آخر. فبدون مفهوم سلامة وقيمة كل شخص  لا نستطيع أن نتكلم عن حقوق الإنسان بصورة حقيقية.

بدون مفهوم السلامة الشخصية والمسئولية الشخصية التى تظهر مفعمة بالحيوية فى سيرة القديس أنطونيوس، لن يكون عندنا أية أسلحة حقيقية لمحاربة الفساد. فلأجل مستقبل التقليد المسيحى بل ولأجل مستقبل مجتمعاتنا ، ينبغى أن نعطى انتباهًا أكبر واهتمامًا أشد بروحانية القديس أنطونيوس .

1  ترجمها عن الإنجليزية د. نصحى عبد الشهيد بطرس .

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

Exit mobile version