سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات


ثانيًا: إيمان البتوليين
:

أما الطريق الثانى، الذي ربط من خلاله الآباء بين البتولية والإيمان، فهو اعتبار أرثوذكسية الإيمان (أو الإيمان الأرثوذكسى) شرطًا ضروريًا كى تكون البتولية صحيحة ومقبولة. ومن هنا فإن بتولية الهراطقة مرفوضة وليس لها أية قيمة. هذه فكرة شائعة عند الآباء، ولنأخذ هنا بعض الأمثلة.

 

ترتليانوس

في معرض حديثه عن الهراطقة الذين يحتقرون الزواج مشيرًا غالبًا إلى المارقيونيين، يقول في مقالته عن “الزواج الواحد” (De Monogamia,1): قطعًا ذلك التبتل (أو التعفف) لا يستحق أى ثناء حيث أنه تبتل (أو تعفف) هرطوقى[2]. ويسمى ترتليانوس ذلك التبتل ” تجديفًا على إله الزواج “[3]. أما في مقالته عن “الحث على العفة” (De Exhortation Castitatis) فيتحدث ترتليانوس عن أولئك الذين “يمارسون التعفف الجنسى من أجل الشيطان[4]. ويقابل ترتليانوس بين التعفف المدفوع بدافع شيطانى ويقود إلى الهلاك”، و“عفة المسيحيين التي تقود إلى الخلاص[5].

 

2 ـ كليمنضس الاسكندرى:

يدين اكليمنضس الاسكندرى التبتل الذي يقوم على أساس هرطوقىّ مثل تبتل أولئك الذين ـ إنطلاقًا من كراهية الجسد ـ يسعون، بلا امتنان، إلى قطع كل صلة لهم بوحدة الزيجة” ويصفهم اكليمنضس بأنهم “منغلقوا العقل وملحدون، ويمارسوا عفة غير عاقلة، مثل الوثنيين .. إنهم يظنون أن العلاقة الجنسية غير طبيعية وضد الناموس[6]. ويعبر القديس كليمنضس الاسكندرى عن النظرة المسيحية الأرثوذكسية للعفة والبتولية بقوله: إننا نعطى قيمة كبيرة للتعفف الذي ينبع من محبة الرب وينشد الخير لذاته مقدسًا هيكل الروح القدس[7]. أما تعفف الغنوسيين فإن كليمنضس يعتبره تجديفًا على الله. ومثل ترتليانوس ويوحنا ذهبى الفم، يقول كليمنضس: لقد تبنوا مثال التعفف ـ على نحو تجديفى ـ لأسباب فاسدة تمامًا. فالتبتل يمكن أن يُختار شرعيًا بناء على أساس سليم ولأسباب مقدسة حيث يعطى المتبتلُ الشكر لله على النعمة التي منحه إياها، دون أن يكره خليقة الله، أو يحتقر المتزوجين[8].

 

3 ـ أوريجينوس:

يتكلم أوريجينوس عن الخصيان الذين يخدمون فرعون قائلاً “إن هذا النوع من البتولية ليس كاملاً “، وهو يدعوها “عفة الشيطان”[9]. إن البتولية، في نظره، لابد أن تُعطى من قبل الله كيما يكون لها قيمتها فوق الطبيعية Supernatural value. وفي هذه الحالة، فقط، تكون البتولية أفضل من الزواج[10]. إن أوريجينوس يقاوم بقوة ـ مثلما يفعل كليمنضس ـ الهراطقة الذين يحلون رابطة الزواج لأسباب دينية[11]. ويعتبر أوريجينوس أن بتولية الإيمان أهم من بتولية الأخلاق، وأن هذه الأخيرة لا قيمة لها إن كانت عقيدة المتبتل زائفة. ولذا فإن أوريجينوس ينتقد البتولية التي تفرضها بعض الطوائف الهرطوقية، مثل المارقيونيين، الذين يدينون الزواج من خلال بواعث تجديفية (whose motives are blasphemous). كذلك ينتقد أوريجينوس العذارى من الكاهنات الوثنيات[12]. وينتقد عفة الفلاسفة لأنها ليست مبنية على الإيمان بالله، ولا تهدف إلى مجد الله.

 

إن العفة الكاملة تستمد كمالها من الكنيسة. إنها تعتبر أسمى من الزواج فقط حين تمارس طبقًا لإيمان الكنيسة. إن عفة الهراطقة يشجعها الشيطان وهى ليست حقيقية، لأن العفة لا يمكن أن تكون حقيقية إلاّ إذا كان الإيمان عفيفًا. إن عفة اليهود والوثنيين لا تمنحهم سلامًا لأنهم لا يؤمنون بالمسيح ولم يولدوا من الماء والروح[13]. إن الإنسان يصبح بتولاً من أجل أن يولد المسيح فيه (أو فيها). وهذا يقودنا إلى الأساس والهدف الأقصى للبتولية وهو وحدة الزواج الروحى(mystical marriage) للنفس ـ بصفتها العروس ـ مع المسيح العريس. وهنا يصبح مفهومًا لماذا يكون الإيمان المسيحى شرطًا ضروريًا لصحة البتولية. وهذا يقودنا إلى ذهبى الفم.

 

4ـ القديس يوحنا ذهبى الفم:

ينكر القديس يوحنا ذهبى الفم بتولية الهراطقة الذين يمارسون البتولية خارج الكنيسة. فكونهم خارج الكنيسة يحرمهم من الاتحاد بالمسيح، كعرائس للعريس السماوى. يقول القديس يوحنا: ” أما البتوليون الهراطقة فإننى لا أستطيع أن أتمكن من اعتبارهم بتوليين. أولاً، لأنهم ليسوا متعففين، حيث أنهم لم يُخطبوا لرجل واحد، كما يقول رسول المسيح وقائد العروس “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو2:11). وحتى إن كان هذا قد قيل عن الكنيسة ككل، فإنه ينطبق أيضًا على البتوليين. ويتسائل ذهبى الفم عن البتوليين الهراطقة، أولئك الذين لم يكتفوا بزوج واحد، وارتبطوا بآخر غير الله[14]. ومن الجدير بالملاحظة هنا أن ذهبى الفم ينكر حتى عفة الهراطقة المتبتلين حيث إنه يفهم العفة لا بالمعنى الجسدى الجنسى بل بمعنى طهارة الإيمان وأرثوذكسية العقيدة. مذكرًا إيانا بتعبير “بتولية الإيمان”، الذي نجده عند أوريجينوس، وهى البتولية التي كانت مفتقدة لدى الهراطقة. يقول ذهبى الفم: كيف تستطيع أن تحافظ على جمال البتولية تلك التي لديها أفكار دنسة في داخلها [15]. فحتى وإن ظل جسدها غير معتدى عليه فإن العنصر الأفضل فيها قد تدنس أى أفكارها.

 

فإذا كانت البتولية تُعَّرف بأنها قداسة الجسد والروح فكيف تكون عذراء بتولاً تلك المرأة غير المقدسة من كل ناحية[16].

ولابد أن نؤكد هنا أن عدم قداسة الروح عند ذهبى الفم، لا يعنى الوضع الروحى المتردى بل يعنى العقيدة الفاسدة. فذهبى الفم يذكر صراحة أن أولئك العذارى يهينون الزواج[17]. وحين يصف ذهبى الفم العذارى الهرطوقيات بأن لهن “عيونًا فاسقة” (audacious eyes)، فإنه لا يعنى نظراتهن الشهوانية وإنما يشير إلى حقيقة أنهن ينظرن إلى خليقة الله على أنها سيئة”[18]. ويتساءل ذهبى الفم مستنكرًا: “كيف تُدعى عذراء مَن انحرفت عن الإيمان، وكرست حياتها للمضلَّين وأطاعت الشياطين، وأكرمت الزيف والبهتان؟ كيف تدعى عذراء مَن لها ضمير ذابل. إن العذراء لابد أن تكون طاهرة، ليس فقط في الجسد بل أيضًا في النفس، إذا كانت تريد أن تستقبل العريس السمائى[19].

 

وواضح هنا أن ذهبى الفم يتحدث عن طهارة النفس قاصدًا أرثوذكسية الإيمان. فأرثوذكسية الإيمان أمر جوهرى جدًا عند ذهبى الفم حتى إنه ينكر أية قيمة لبتولية كل من الوثنيين والهراطقة. إنه يعتبر أن هذه البتولية هى من اختراع الشيطان. والبتوليون هنا ليس فقط سيحرموا من أية مكافأة، بل أيضًا سيعاقبوا وسيتلقوا دينونة أشد من دينونة الفسقة. لقد فرضوا على أنفسهم مشقات بلا هدف، ولهلاكهم[20].

 

وفي عبارة مهمة تعبر عن الفهم الآبائى لفلسفة النسك ولاهوت البتولية في علاقتهما بالعقيدة الأرثوذكسية يقول ذهبى الفم: ” فالصوم والتبتل ليسا خيرًا ولا شرًا في ذاتهما بل ينبع خيرهما أو شرهما من الغرض الذي يمارسا لأجله. إن ممارسة التبتل ليست لها نفع أو فائدة بالنسبة للوثنيين، إنهم لا يعطون عنها أية مكافأة لأنهم لا يمارسونها انطلاقًا من مخافة الله. أما أنتم أيها الغنوسيون، فلأنكم تحاربون الله وتهينوا خليقته، ليس فقط لن تنالوا أى أجر على بتوليتكم بل أكثر من هذا ستعاقبوا عليها[21]

 

ثالثًا: الفضائل وحياة الإيمان

أما الطريقة الثالثة التي ربط بها الآباء بين البتولية والإيمان فهو تأكيدهم على أن البتولية الحقيقية لابد أن تعبر عن نفسها في حياة إيمان تنعكس فيها كل فضائل الإنجيل حيث السلوك المسيحى اللائق والمميز عن سلوك الوثنيين. إنها فكرة سائدة عند الآباء أن البتولية ليست مجرد حالة جسدية بل وضعًا روحيًا مستقرًا في النفس.

 

إن القديس الشهيد كبريانوس ـ على سبيل المثال ـ يخاطب العذارى قائلاً: ” إنه بدون فضيلة العفة، التي تتحلى بها النفس والتي تعبر عن نفسها في سلوكهن الوقور وثيابهن المحتشمة والبسيطة، فإن العذارى يمكن أن تكففن عن كونهن عذارى ويصبحن زانيات وخائنات من جهة إيمانهم للمسيح[22].

 

أما في مناظرة ميثوديوس (Methodius, Symposium) فإن العذراء مارسيلا تؤكد قائلة: إنه لا يكفى أن نحفظ أجسادنا غير مدنسة بل لابد أيضًا أن نعتنى بأرواحنا ونزينها بالبر[23]. وتؤكد العذراء آريتى (Aretee) قائلة إنه من السَخَف أن نحفظ أعضاءنا التناسلية طاهرة، دون أن نحفظ طهارة لساننا، أو أن نحفظ طهارة اللسان، دون طهارة العينين والأذنين واليدين، أو أن نحفظ طهارة هذه كلها، دون طهارة القلب، حيث نسمح له بأن يتدنس بالغضب وبالغرور[24].

 

أما عند جيروم فإن العذارى في أجسادهن فقط، وليس في أرواحهن أيضًا، هن العذارى الجاهلات اللاتي أغلق العريسُ دونهن الباب بسبب افتقارهن إلى الزيت الضرورى[25]. ويخاطب جيروم العذراء يوستوكيوم (Eustochium) قائلاً: إن البتولية يمكن أن تُفقد بمجرد الفكر[26]. وأن العذارى اللاتي يفتقدن المؤهلات الضرورية للبتولية الروحية لا يخلصن ببتولية الجسد[27].

 

أما القديس باسيليوس الكبير فيرى أن التحرر من الأهواء (apatheiadispassion)هو الذي يشكل جمال الصورة الإلهية في الإنسان. وهذا يقود إلى بتولية النفس، التي تمثل جوهر الحياة البتولية. ويؤكد القديس باسيليوس أن نعمة البتولية لا تقوم فقط على الامتناع عن انجاب الأطفال، بل أن كل حياتنا وسلوكنا وأخلاقنا لابد أن تكون بتولاً. فممكن جدًا أن يزنى الإنسان بالكلام أو بالنظر أو بالسمع أو بالقلب أو بالانغماس في ملذات الطعام والشراب. أما مَن يضبط نفسه في كل هذه الأمور، طبقًا لقانون البتولية الحقيقية، فإنه يُظهر حقًا نعمة البتولية في تمامها وكمالها[28].

ومن بين الفضائل الضرورية للعذارى فإن الاتضاع يحتل مكانة مميزة جدًا في التقليد الآبائى. ويحذر الآباء بكل حزم من الكبرياء.

 

ففي “الرسالة الأولى لكليمنضس إلى الكورنثيين” نجد أن أساس وصية عدم الافتخار بالبتولية هو أن البتولية هى هبة إلهية يمنحها الله للبتوليين[29].

 

أما القديس أغناطيوس الأنطاكى فيقرر بوضوح أن البتول الذي يأخذه الزهو ببتوليته يضيع [30].

 

أما أوريجينوس فيؤكد أن العذارى أو البتوليين الذين يفتخرون ببتوليتهم سيسقطون مثل داود، حيث أن الله سوف يسحب نعمته منهم[31]. ولا يتردد أوريجينوس ـ كما يؤكد عَالِم الآباء هنرى كروزيل ـ في التأكيد على أن الإنسان المتزوج، المتحلى بفضيلة الاتضاع، أكثر سموًا من المتبتل المتكبر المصاب بالمجد الباطل أو بمحبة المال.

 

 ونعود إلى جيروم مرة أخرى لنجده يقول ليوستوكيوم لا أريد للكبرياء أن يدخلك بسبب قرار التبتل الذي اتخذتيه بل بالحرى الخوف. فمَن تسير وهى متزينة بالذهب الكثير لابد أن تأخذ حذرها من اللصوص[32].

 

خلاصة:

مما سبق نتحقق من أن تحمس آباء الكنيسة للبتولية كان نابعًا من خبرة مسيحية فريدة، وكان متفقًا ـ في مضمون تعليمهم عنها ـ مع جوهر الإنجيل. ومن هنا فلم تكن للبتولية ـ في نظر الآباء ـ أية قيمة بمعزل عن الإيمان الحقيقى والتكريس الأصيل للمسيح. إن سمات البتولية الحقيقية عند الآباء هى هى سمات الحياة المسيحية الحقيقية. وبالتالى، فنحن نجد عند الآباء لاهوتًا مميزًا للبتولية يميز هذه الظاهرة، كما فهمها وكما مارسها المسيحيون، عن العزوف الجنسى الذي وُجد عند بعض الطوائف الفلسفية والدينية خارج المسيحية الأرثوذكسية.

 

حين اعتبر الآباء البتولية أسمى من الزواج، كما ذكرنا، كانوا ينطلقون من منطلق نسكى. ولم يقصد الآباء أن يقللوا من قدسية الزواج، ولا أن يقولوا أن البتولية هى وحدها تؤهل للملكوت أكثر من الزواج. وهكذا إن الآباء لم يتوانوا في الدفاع عن قداسة الزواج عندما تطرفت بعض الطوائف ونادت بتعاليم منحرفة عن الجنس والزواج.

ــــــــــــــــــــــ

[1] قُدَّم هذا الموضوع أولاً كبحث قصير Paper في المؤتمر السنوى العاشر للجمعية الأمريكية للدراسات الآبائية  The North American Patristic society في جامعة Loyola بشيكاغو في مايو 1994 ثم قُدَّم كمحاضرة في المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة في 6أغسطس 2001م

[2] Tertullian, Treatises on Marriage and Remarriage, To his wife, An Exhortation to Chastity, Monogany. Trans. and annotated. William. P. Le Saint. Ancient Christian writers, 13 (New York : Newman Press, 1951), p.70.

[3] 1bid.

[4] 1bid,p.63

[5] bid.

[6] Strom.III.7.60 (Chadwick, p.68).

[7]Strom.III.7.58. (Chadwick, p.67)

[8] Strom.III.18.105, (Chadwick, p.90)

[9]Henri Crouzel,Virginitné et mariage selon Origéne (Paris and Bruges: Desclee de Brouwer, 1962), p.90

[10] 1bid,p.100

[11] 1bid,p. 148.

[12]1bid,p. 141  

[13]1bid, p.90-100.

[14] St. John Chrysostom, On Virginity, Against Remarriage. Trans. Sally Rieger Shore and intro. Elizabeths A. Clark. Studies in Women and Religion, 4 (Lewiston: The Edwin Mellen Press, 1983) 1.1, p.1

[15] 1bid, 5.2,p.7.

[16] 1bid, 6.1, p.8.

[17] 1bid, 1.2, p.1

[18] 1bid, 6.1, p.8.

[19] 1bid, 5.2,p.7.

[20] 1bid, 6.2.p.9.

[21] 1bid 4.2.p6.

[22]See On the Dress of Virgins, 19-20. Trans. Ernest Walls, in Ante Nicene Fathers, Vol. 5, p. 433. See also Saint Cyprian, Treatises. Trans.& ed .Roy J. Deferrari. The Fathers of the Church, vol. 36 (Washington D.C: The Catholic University of America Press, 1981), p. 48.

[23] St. Methodius, The symposium, A Treatise On Chastity. Trans.& annotated by Herbert Musurillo. Ancient Christien Writers, 27 (Westminster, MD: The Newman Press, 1958), 1-1, p.42.

[24] 1bid.II, p.73

[25] Letter 22.5.2 in The Letters of st. Jerome. Trans. Charles Christopher Mierow. Intro.& notes by Thomas Comperford Lawler. Ancient Christian Writers, 33 (New York: Newman Press, 1963). Vol.1,p.183.

[26] 1bid 5.3, p.138.

[27] 1bid 6.1, p.138

[28] St. Basil, An Ascetical Discourse in Saint Basil, Ascetical works. Trans. Sister M. Monica Wagner. The Fathers of the church,Vol. 9(Washington, D.C: The Catholic University of America Press, 1970), p. 207-8.

[29] The First Epistle of Clement to the Corinthians, 38.2, in The Apostolic Fathers. Trans. Kirsopp Lake. Vol. I (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1985), p.75.

[30] Ignatius To polycarp, 5.2. Trans. Lake. 1bid, p. 273.

[31] Crouzel, Virginite p.106.

[32] Letter 22.3.1, P.135.

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس  

مقدمة:

شهدت الدراسات الآبائية ودراسات تاريخ الكنيسة الأولى في الغرب في السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بموضوع النسك بصفة عامة والبتولية بصفة خاصة. وقد عُقدت مؤتمرات دولية، وكتبت مؤلفات مهمة في هذين الموضوعين[2]. ولا غرو في هذا، فالكنيسة الأولى كانت بحق كنيسة ناسكة، والبتولية كانت ظاهرة عاشها المسيحيون الأوائل بغيرة متقدة، وكتب عنها آباء الكنيسة بحفاوة كبيرة وحماس شديد، الأمر الذي لا يمكن ألاّ يسترعى انتباه دارسى تاريخ كنيسة القرون الأولى وكتابات آبائها الأوائل.

 

سمات البتولية الحقيقية:

تهدف هذه الدراسة إلى التأكيد على أنه بينما رفع آباء الكنيسة البتولية إلى عنان السماء، وأثنوا عليها جدًا، واعتبروها أسمى من الزواج، إلاّ أنهم لم يقبلوها بلا قيد أو شرط. بل ميزوا بين البتولية الحقيقية والبتولية الزائفة. ومن أهم شروط البتولية الحقيقية عند الآباء: أرثوذكسية الإيمان عند البتوليين. وقبل أن نتناول هذه النقطة، التي ستكون موضوع هذه الدراسة، فيجدر بنا أن نذكر، باختصار شديد، بعض النقاط الأخرى التي تشكل سمات ضرورية للبتولية الحقيقية.

فمن سمات البتولية الحقيقية عند الآباء[3]:

1ـ أن تكون من أجل الرب، وبدافع من محبة الإنسان له، وأن تكون بحسب إرادة الله، وتلبية لدعوة إلهية. وأن يعيشها البتول بلا عيب، وفي كمال.

أن تُقبل بشكر كنعمة إلهية موهوبة من الله.

3ـ أن تكتسى برداء الاتضاع، فالكبرياء (أو التعالى على المتزوجين) يفسد البتولية ويقود إلى السقوط.

4ـ أن تقترن بفضيلة العفة، أو بتولية القلب، وطهارة الفكر والإنسان الداخلى. يذكر القديس يوحنا كاسيان قول القديس باسيليوس الكبير ” إننى لم أعرف امرأة. ومع هذا فأنا لست بتولاً “[4] ثم يعلق عليه قائلاً ” إنه قد أدرك أن عطية البتولية لا تُقتنى بالامتناع عن الاتصال الجنسى بامرأة، وإنما بقداسة وطهارة النفس، هذه التي بدورها تُقتنى بواسطة مخافة الله. والآباء أكدوا أيضًا أن فضيلة الطهارة لا يمكن أن تُقتنى إلاّ إذا اقتنينا أولاً اتضاع القلب”.

5ـ أن تنبع من الإيمان الصحيح والمستقيم: كيف يمكن أن يعتبر الجسد عفيفًا، وبأى معنى يكون صحيحًا، حين تزنى النفس ضد الله الحقيقى”؟ (القديس أغسطينوس)

وللأهمية الخاصة التي أولاها آباء الكنيسة لأرثوذكسية الإيمان، عند البتوليين، كيما تكون بتوليتهم صحيحة ومقبولة، نخصص هذه الدراسة لهذا الموضوع.

 

كانت أرثوذكسية الإيمان، أو استقامة العقيدة، عند الآباء هى المعيار الذي يقاس عليه كل شئ. وفي تحمسهم الشديد للبتولية طبقوا هذا المعيار وأكدوا أنه لا قيمة للبتولية إن لم تنبع من إيمان أرثوذكسى وعقيدة صحيحة.

 

لقد ربط كثير جدًا من آباء الكنيسة بين البتولية والإيمان، وفعلوا ذلك بطرق ثلاثة:

1ـ الطريق الأول هو أن البتولية هى ثمرة للإيمان المسيحى.

2ـ الطريق الثانى هو أن أرثوذكسية الإيمان عند البتوليين هى شرط ضرورى لكى تكون بتوليتهم صحيحة ومقبولة.

3ـ والطريق الثالث هو أن البتولية لابد أن تظهر في حياة إيمان تتجسد فيها كل فضائل الإنجيل.

وسنتناول الآن هذه النقاط بشيء من التفصيل.

 

أولاً: البتولية كثمرة للإيمان المسيحى:

لقد أكد الآباء أن العفة والبتولية قد ميزتا المسيحيين في حياتهم الجديدة في المسيح كثمرتين للإيمان الجديد، مقابل الإباحية والانحلال الجنسى التي كانت قبل الإيمان بالمسيح. وهذه الفكرة نجدها أولاً في أسفار العهد الجديد، ولاسيما عند القديس بولس الرسول، في مواضع كثيرة من رسائله. ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس ـ مثلاً ـ وفي الإصحاح السادس، يذكر مجموعة من الخطايا والانحرافات الجنسية التي لا يستطيع مُقترفوها أن يرثوا ملكوت الله بسببها، فيقول لمسيحيى كورنثوس: ” وهكذا كان أُناس منكم. لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

 

وفي رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكى يحثهم القديس بولس على الامتناع عن الزنا، فلا يتشبهوا بالأمم الذين لا يعرفون الله. إنه يقول: ” لأن هذه هى إرادة الله: قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتنى إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر، لأن الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلاً وشهدنا. لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة. إذًا مَن يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس” (1تس3:4ـ8)[5].

 

لقد كان هناك عند المسيحيين الأوائل صلة قوية جدًا بين تعاليم الإيمان، من ناحية، والسلوك الأخلاقى للجنس البشرى، من ناحية أخرى، حتى إن العالِم Wayne Meeks يقول “إن المسيحيين الأوائل حين تكلموا عن السلوك البشرى فلقد تكلموا عن الله في نَفسِ واحد “[6].

أما عن الصلة بين العفة والبتولية، من ناحية، وبين الإيمان المسيحى، من ناحية أخرى عند آباء الكنيسة، فتظهر في الأمثلة التالية:

1ـ في كتاب “الراعى”، وفي “الرؤية الثالثة”، نجد قائمة بسبع[7] فضائل، يأتى الإيمان، في بدايتها، ثم تتبعه العفة) ( self-restraint بصفتها ابنة الإيمان[8]. ثم تتكرر نفس الفكرة مرة أخرى في “المثل التاسع” حيث تأتي العفة مرتبطة بالإيمان بصفتها ثانى فضيلة في مجموعة من الفضائل يُرمز إليها بالعذارى[9]. بينما يأتي عدم الإيمان، وعدم الطهارة، والانغماس في الملذات الحسية كرذائل عكسية يُرمز إليها بنساء مكتسيات بملابس سوداء[10]. وفي “الوصية الأولى” يُنصح هرماس بأن يؤمن بالله ويخافه، وفي مخافته لله يكون متعففًا وضابطًا لنفسه[11].

يوستينوس الشهيد، في دفاعه الأول:14، يقارن ويقابل بين الانحلال الجنسى الذي ساد حياة الوثنيين قبل قبولهم للإيمان المسيحى، والعفة التي أصبحت تميزهم بعد قبولهم للإيمان، فيقول: ” نحن الذين سُررنا ذات يوم بالزنا، الآن لا نجد مسرتنا إلاّ في العفة فقط[12].

3ـ القديس كليمنضس الأسكندرى، في الكتاب الثالث من “المتنوعات” (Strom.III.8.62) يقتبس 2كو17:5: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا”. ويعلق القديس كليمنضس على هذا النص شارحًا طبيعة أو معنى الخليقة الجديدة هنا بالمقارنة بالخليقة العتيقة قائلاً: ” هناك العفة بدلاً من الزنا؛ ضبط النفس بدلاً من الانحلال؛ والبر بدلاً من الفساد”[13].

أما القديس أثناسيوس الرسولى فإنه يكّرم البتولية جدًا، ويعتبرها سمة خاصة للإيمان المسيحى، ودليلاً قويًا على صحة هذا الإيمان، وهبة ثمينة منحها المسيح للمسيحيين. يقول: ” إن ابن الله، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، حين صار إنسانًا لأجلنا، فإنه بالإضافة إلى كل هباته التي منحنا إياها قد أسبغ علينا هذه الهبة أيضًا وهى أن نقتنى ونحن على الأرض، حياة البتولية التي هى صورة لقداسة الملائكة. وبالتالى فإن الكنيسة الجامعة قد اعتادت أن تسمى أولئك الذين اقتنوا هذه الفضيلة (‘Aret») بعرائس المسيح. والوثنيون الذين يرونهم يعبرون عن إعجابهم بهن بصفتهن هياكل للكلمة. فبالحقيقة إن هذه الحياة المقدسة والسمائية ليس لها وجود في أى مكان إلاّ بيننا نحن المسيحيين. وهى دليل قوى جدًا على أن ديانتنا هى الديانة الأصيلة والحقيقية[14].

 

هذه الفكرة، أن البتولية هى ثمرة للإيمان المسيحى ودليل على صحته، كانت سائدة في فكر القديس أثناسيوس، حتى أننا نجده يكررها في أعماله الرئيسية. ومثل يوستينوس الشهيد من قبله، الذي ربط بين استهانة المسيحيين بالموت وتحليهم بفضيلة العفة وبين صدق وصحة ديانتهم، اعتبر القديس أثناسيوس أن عفة العذارى والنساك الشباب، بجانب الاستشهاد، هما إعلان عن الحق الكامن في الإيمان المسيحى.

 

ففي مقالته عن “تجسد الكلمة” يدعو أثناسيوس كل مَن يساوره أى شك في أصالة المسيحية قائلاً: ” تعال وانظر فضيلة عذارى المسيح، والشباب الذي يعيش حياة طاهرة عفيفة، والإيمان بالخلود في طغمة عظيمة من الشهداء”[15]. على أننا ينبغى أن نلاحظ هنا أن ما يشيد به القديس أثناسيوس بصفة خاصة، هى فضيلة (‘Aret») العذارى وعفة النساك، وليس التبتل (أو العزوف عن الزواج) في حد ذاته. ففضيلة العفة في نظره، هى عمل المسيح في المسيحيين، حيث أصبحت هذه الفضيلة سمة خاصة بهم تميزهم في إيمانهم بالمسيح عما كانوا من قبل. وهذا ما يحرص القديس أثناسيوس على تأكيده حين يقول: مَن ـ سوى المسيح ـ حرر البشر من أهواء نفوسهم، حتى أن الزناة أصبحوا متعففين، والقتلة طرحوا عنهم سيوفهم، والمستعبدين للخوف أصبحوا شجعانًا”[16]. فالمُهم في البتولية إذن؛ هى فضيلة العفة التي كانت تعتبر بالنسبة للمسيحيين أحد العناصر الجوهرية في حياة فاضلة صاروا يتميزوا بها في إيمانهم الجديد بالمسيح. هذا يؤكده أثناسيوس مرة أخرى بقوله: ” مَن مِن الناس بعد موته أو حتى أثناء حياته، علَّم عن البتولية، دون أن يعتقد أنه من المستحيل لهذه الفضيلة أن توجد بين البشر. أما مخلصنا ملك الكل؛ المسيح، فلقد كان لتعليمه عن البتولية من القوة حتى أن الأطفال الذين لم يصلوا بعد إلى السن القانونية، أصبحوا ينذرون بتوليتهم بما يتجاوز القانون. ومَن مِن البشر حتى اليوم تمكن من أن يتجول في أماكن عديدة جدًا، وأن يصل إلى الحبشة وبلاد فارس و أرمينيا وما وراء المحيط ومصر، لكى يكرز بهذه الفضيلة لهؤلاء الذين يؤمنون بالسحر، الذين كان التوحش سمتهم، كما فعل ربنا، قوة الله يسوع المسيح، الذي لم يكرز فقط لتلاميذه، ولكن حثهم على أن يتحولوا عن الوحشية في طرق الحياة، وألا يعبدوا، فيما بعد، الآلهة التي هى من صنع أيديهم، بل أن يقبلوه (أى المسيح)، وبواسطته يعبدون الآب[17].

 

1 قُدَّم هذا الموضوع أولاً كبحث قصير Paper في المؤتمر السنوى العاشر للجمعية الأمريكية للدراسات الآبائية The North American Patristic society في جامعة Loyola بشيكاغو في مايو 1994 ثم قُدَّم كمحاضرة في المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة في 6أغسطس 2001م

2 أنظر على سبيل المثال Vincent L. Wimbush and Richard Valantasis, eds. Asceticism (New York, Oxford: Oxford University Press, 1995); Peter Brown, “The Notion of Virginity in the Early Church”, in Christian Spirituality: Origins to the Twelfth century. Eds. Bernard McGinn, John Meyendorf, and Jean Leclarcq, World Spirituality: An Ency lopedic History of the Religious Quest, 16 (New York: Crossroad, 1985); Peter Brown, The Body and society: Men, Women and sexual Renunciation in the Early Church (New York: Columbi University Press, 1988).

3 أهم مَن تكلم عن سمات البتولية الحقيقية كليمنضس الاسكندرى في “المتنوعات”، الكتاب الثالث، الذي خصصه للحديث عن البتولية والزواج. أنظر Clement of Alexandria, Stromata, III (On Marriage), in Alexandrian Christianity. Trans. Henry Chadwick (Philadelphia: Westminster Press, 1954).

ومن أهم مَن تكلم بصفة خاصة عن ضرورة الاتضاع للبتولية، وخطورة الكبرياء، القديس يوحنا كاسيان: المناظرة الثامنة، ف5 NPNF 2nd ser. Vol. X1 (Grand Rapids, M1: William B. Eerdmans Publishing Company, 1978).

أيضًا مجمع غنفرة، قوانين 14،10،4،1 أنظر The Seven Ecumenical Councils of the Undivided Church: their Canons and Dogmatic Decrees. Ed. Henry R. Percival. in NPNF 2nd series, vol. XIV.

[4] St. John Cassian: “On the Eight Vices”. The Philokalia: The complete Text. Compiled by St. Nikodimos of the Holy Mountain and St. Makarios of Corinth. Vol.1. Trans. and ed. C.E.H. Palmer, Philip Sherrard, and Kallistos Ware (London: Faber and Faber, 1986), p77.

5 أنظر أيضًا 2بط5:1ـ6 ، 20:2.

[6] The Origins of Christian Morality, p.150

7 الخمس فضائل الباقية هى: البساطة . العلم . البراءة . الوقار . المحبة.

8 هذه الفضائل السبع يرمز إليها بسبع نساء يمسكن ببرج لئلا يقعThe Pastor of Hermas, Vision 3.8.ANF vol.2.p.15-16 . PG2. p. 906.

9 هؤلاء العذارى هن: الإيمان. العفة. القوة. طول الأناة.

[10] The Pastor, similitude 9.15.2-3 ANF.p.49

[11] The Pastor, commandment1, ANF.p.20.

[12] Early Christian Fathers,ed. Cyril C. Richardson, p.249; St. Justine Martyr, The First Apology, 14, trans. Thomas B. Falls. In The Fathers of the Church, vol. 6 (Washington D.C.: The Catholic University of America Press, 1977), p 47.  

[13] H.Chadwick, trans., in Alexandrian Christianity, p.69

[14] Apologia ad Constentium 33 NPNF, 2.4.p.252.

15 التجسد 48 Contra Gentes and De Incarnation. Ed. and trans. Robert W. Thompson (Oxford: The Clarendon Press, 1971), p.255 

16 التجسد 49 (Thompson p.251) وانظر أيضًا “حياة أنطونيوس” 79ـ80

NPNF2:4, p.217,29.Historia Arianum 25.1bid p. 278.

17 التجسد 51 ) (Thompson p.263

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

Exit mobile version