الخطية الجدية عند القديس ميثوديوس الأوليمبي الشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس ميثوديوس الأوليمبي الشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس ميثوديوس الأوليمبي الشهيد – د. أنطون جرجس

 

يُعتبر ق. ميثوديوس أسقف أوليمبوس أحد آباء الشرق في القرن الثالث الميلادي، وكان له العديد من الكتابات اللاهوتية المناوئة لتعاليم العلامة أوريجينوس، لم يتبق منها سوى كتاب المائدة أو الوليمة، وكتاب عن القيامة، وكتاب آخر عن الإرادة الحرة. لقد كان ق. ميثوديوس أول أساقفة مدينة أوليمبوس، ثم صار أسقفًا فيما بعد على مدينة باترا بإقليم ليكية في آسيا الصغرى (تركيا حاليًا).

سوف نتناول تعاليمه بخصوص الخطية الجدية من خلال كتابه مائدة العشر عذارى أو وليمة العشر عذارى عن البتولية، وهو عبارة عن محاكاة لاهوتية مسيحية لمحاورة أفلاطون المُسمى بالوليمة أو المائدة. ويُعتبر هذا العمل الوحيد الذي وصل إلينا كاملاً في أصله اليوناني من أعمال ق. ميثوديوس. لقد تأثر الآباء الكبادوك بكتابات ق. ميثوديوس خاصةً ق. غريغوريوس النيسي الذي كان مُطلعًا على كتاباته، وكان يستشهد بها في كتاباته ذاكرًا إياه بالاسم.

يؤكد ق. ميثوديوس على أن بذرة الإنسان التي تؤدي إلى إنجاب الأطفال غير مذنبة، على العكس من مفهوم انتقال الخطية الأصلية بالوراثة عن طريق نظرية العلل البذرية عند أوغسطينوس، حيث يقول التالي:

“فالبذرة التي تشترك في قوة الخلق الإلهية، لا يجب أن نعتقد أنها مذنبة لبحثها عن عدم ضبط النفس والفجور. فالفن يستخدم الأدوات الخاضعة له، ولا شيء يُعتبر فاسدًا من ذاته، ولكنه يصبح كذلك بسبب مَن يستخدمه بهذه الطريقة. فإذا استُخدم بطريقة لائقة طاهرة، يصبح طاهرًا؛ والعكس صحيح إذا استُخدم بطريقة شائنة، يصبح كذلك”.

(ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، ٢٠٠٩)، ٢: ٥، ص ١٠٧)

ثم يتحدث ق. ميثوديوس عن خلقة الإنسان في عدم فساد مثل الملائكة، ولكنه عندما تعدى وصايا الله، عانى من السقوط الفظيع المدمر، ونزل إلى حالة الموت كالتالي:

“وقد حُسب الإنسان ضمن هذا الجمع؛ لأنه خُلق أيضًا في عدم فساد حتى يمجد الملك وصانع كل شيء مستجيبًا لصيحات الملائكة وتسبيحاتهم الآتية من السماء. وعندما تعد ذلك، وعصى وصايا الله؛ فكان عليه أن يعاني من سقوط فظيع ومدمر، ولذلك نزل إلى حالة الموت”.

المرجع السابق، ٣: ٦، ص ١١٧.

ثم يؤكد ق. ميثوديوس على خلقة الإنسان في حالة وسطية بين الفساد وعدم الفساد مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه كالقديسين ثيؤفيلوس الأنطاكي، وإيرينيؤس، ويوستينوس، وغيرهم، فلم يكن الإنسان خالدًا بالطبيعة. حيث يقول التالي:

“والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيّرًا أو شريرًا، لكنه وُضع في الوسط بين الفساد وعدم الفساد. وميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة التي وُضعت فيه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا، وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا خالدًا، فهو في مكان وسط بين شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، والتي آكل من ثمرها فتغير إلى الطبيعة الأخيرة. فهو لم يكن من طبيعة شجرة الحياة، ولا من الفساد، ولكنه تغير إلى الطبيعة الفانية بعد ذلك، باشتراكه ووجوده في الفساد، وأيضًا كطاهر وخالد بارتباطه واشتراكه في الحياة”.

المرجع السابق، ٣: ٧، ص ١١٨، ١١٩.

ثم يؤكد ق. ميثوديوس على وراثة الفساد وليس الخطية كالتالي:

“ومن أجل ذلك: قهر السيد الرب – العديم الفساد- الموت حتى يقيم الجسد، ولا يعاني مرةً أخرى من وراثة الفساد”.

المرجع السابق، ص ١١٩.

كما يؤكد ق. ميثوديوس على أن المعمودية هي لتطهيرنا من الفساد، وليس الخطية الموروثة كالتالي:

“والآن تعبير وفوقها على القمر يشير في رأييّ إلى إيمان أولئك الذين تطهروا من الفساد بغسيل الميلاد الثاني (تي٣: ٥)”.

المرجع السابق، ٨: ٦، ص ١٧٤.

ويشير ق. ميثوديوس أيضًا إلى أن المعمودية هي ميلاد جديد واستنارة بنور جديد كالتالي:

“لأن الميلاد الجديد يسطع بتجديد شعاع جديد، أي نور جديد، وبتعبير أكثر وصفًا: تُدعى الاستنارة الجديدة؛ فالقمر الذي يظهر لهم دائمًا ومجددًا هو القمر الروحي المكتمل (البدر)، أي عهد وتذكار الحب؛ حتى يسطع المجد والنور الكامل لليوم العظيم”.

المرجع السابق، ص ١٧٥.

ويرفض ق. ميثوديوس فكرة القدرية، والجبرية، والإرادة المقيدة بالشر التي علم بها أوغسطينوس، حيث يقول التالي:

“والآن أولئك الذين يعتقدون، أنه ليس للإنسان إرادة حرة، ويؤكدون أنه مسيّر بواسطة ضرورات القدر التي لا مفر منها، وأوامرها المكتوبة؛ هم بالإلحاد مذنبون إلى الله نفسه، لأنهم استبعدوا أن يكون الله هو سبب وخالق شرور الإنسان. لأنه إذا كان الله بتناغم ينظم الحركة الدائرية بأكملها للنجوم، بحكمة يعجز الإنسان عن وصفها، أو فهمها، مديرًا لنظام الكون؛ والنجوم تثمر خصائص الفضيلة والرذيلة في حياة الإنسان، جاذبةً إياه إلى هذه الأشياء بسلاسل الضرورة؛ إذًا، فإنهم يعلنون أن الله هو السبب والمعطي للشرور. لكن الله ليس هو السبب في جراح أحد (يع١: ١٣)، وبالتالي القدر ليس هو السبب لكل هذه الأشياء”.

المرجع السابق، ٨: ١٦، ص ١٩٠، ١٩١.

ثم يؤكد ق. ميثوديوس على أن الله ليس هو علة الشر كالتالي:

“فأي إنسان لديه ولو قدر قليل من الذكاء، سوف يعترف أن الله خيّر، وقدوس، وحكيم، وصادق، ومعين، وليس هو السبب في الشرور؛ وخالي من الشهوة، وأي شيء من هذا القبيل. وإذا كان البار أفضل من الشرير، والشر ممقوت بالنسبة له؛ فالله لكونه بار يستمتع بالبر، والشر مكروه بالنسبة له، لكون الشر هو ضد وعدو البر، لذلك فإن الله ليس هو صاحب الشرور”.

المرجع السابق، ص ١٩١.

ثم يؤكد ق. ميثوديوس على نقطة في غاية الأهمية وهي أن ميلادنا ليس هو السبب في الشرور، فيدحض بذلك التعليم بوراثة الخطية كالتالي:

“إذا كان ما يفيد هو خير، وضبط النفس هو مفيد لبيت الإنسان وحياته وأصدقائه؛ إذًا، فضبط النفس هو خير. وإذا كان ضبط النفس بطبيعته خير، والشهوة هي ضد ضبط النفس، وكل ما هو ضد الخير هو شر؛ إذًا، فالشهوة شر. وإذا كانت الشهوة شر بطبيعتها، ومن الشهوة تخرج الدعارة، والسرقة، والمخاصمات، والقتل؛ إذًا، فالحياة الشهوانية هي في طبيعتها شريرة. لكن الوجود الإلهي ليس بطبيعته متورطًا في الشرور؛ إذًا، فإن ميلادنا ليس هو سبب تلك الأشياء”.

المرجع السابق، ص ١٩١، ١٩٢.

ثم يدحض ق. ميثوديوس تعليم القدرية والجبرية، وفكرة خطية الطبيعة، أو الذنب الطبيعي الموروث، أو الشر الطبيعي، أو الإرادة المقيدة بالشر، كما علم بتلك التعاليم أوغسطينوس في سياق شرحه لتعليم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“وإذا كان القدر يجعل الإنسان يؤذي الآخرين، فما الحاجة إلى وجود قوانين، ولكن إذا كانت القوانين قد وُضعت لاختبار الخاطئ، والله يعتني بمَّن يُصاب، فإنه من الأفضل أن الشر لا يكون بحسب القدر أكثر منه بحسب الوضع الصحيح بعد اداء الفعل. لكن الله خيّر، وحكيم، ويفعل ما هو أفضل، لذلك ليس هناك قدر ثابت. فأسباب الخطية إما نتيجة التعليم، أو العادات، أو نتيجة شهوات الروح؛ أو تلك الرغبات التي تثور خلال الجسد. فأيًا كان السبب، فالله ليس هو أحد هذه الأسباب.

فإذا كان من الأفضل أن يكون الإنسان بارًا أكثر من كونه شرير، فلماذا لا يكون الإنسان هكذا منذ لحظة ميلاده؟ لكن فيما بعد، إذا أصبح الإنسان ضابطًا لنفسه بواسطة التعليمات والقوانين؛ فهو بذلك يصير أفضل لامتلاكه إرادة حرة، ولكن ليس لامتلاكه طبيعة الشر. فإذا كان الشرير شريرًا بحسب القدر، فبحسب شرائع العناية الإلهية، لا لوم عليه، ولا يستحق العقاب بواسطة القوانين؛ حيث أنه يعيش بحسب طبيعته، وهو غير قادر على التغيير. ومرة أخرى، إذا كان الإنسان الخيّر يحيا بحسب طبيعته، فليس له المدح، حيث أن قدره الفطري هو سبب الخير الذي فيه.

والشرير الذي يحيا بحسب طبيعته، لا لوم عليه في عيني القاضي البار، لأنه إذا تحدثنا بصراحة: مَن يعيش بحسب الطبيعة التي تنتمي له لا يخطئ، لأنه لم يجعل نفسه كذلك، بل القدر الذي يعيش هو بحسب خطواته مدفوعًا بضرورة لا مفر منها. إذًا، لا يوجد إنسان سيء، لكن البعض سيئين، والرذيلة لها اللوم، وهي عدو الله كما يبين العقل. لكن الفضيلة محببة ولها المدح، وقد عيّن الله قانونًا لمعاقبة الشرير، ولذلك لا يوجد قدر”.

المرجع السابق، ص ١٩٤.

ثم يشدد ق. ميثوديوس على أن الموت كان لصالح الإنسان ليضع الله نهايةً للخطية بالموت، وليمنع فناء الإنسان الأبدي، وحتى لا يصير الشر أبديًا والخطية بلا نهاية كالتالي:

“والآن: كانت خيمتنا في الأول مزودةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحولت بواسطة التعدي وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهايةً للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون معرضًا للعنة الأبدية”.

المرجع السابق، ٩: ٢، ص ٢٠١.

ونستنتج من هنا أن ق. ميثوديوس الأوليمبي مثله مثل آباء الشرق آنذاك السابقين عليه كان يحارب فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل عامةً، وخاصةً عند العلامة أوريجينوس الذي كان يعلم بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب الخطية الأصلية وانحباسها في أجسادها عقابًا لها على هذه الخطية الأصلية الموروثة. كما حارب أيضًا التعليم بالقدرية والجبرية وخطية الطبيعة التي تجعل من الإنسان مسيرًا نحو الشر دون إرادته بسبب طبيعته الشريرة المقيدة بالشر من الأساس. ويؤكد ق.

ميثوديوس على أن الشر والخطية ليسا من صُنع الله، ولم يكن الله علة الشرور، بل الشر والخطية هي أفعال حرية الإرادة في الإنسان الذي يميل بإرادته نحو الخير أو الشر، وليس بواسطة القدر المحتوم. ويؤكد على أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يفنى بسبب ارتكابه للخطية، لذا وضع الله حدًا للخطية بالموت، فلا يصير الشر أبديًا، ولا الخطية بلا نهاية، وهكذا يحمي الإنسان من اللعنة الأبدية والموت الأبدي بسبب الخطية.

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

الخطية  الجدية عند القديس ميثوديوس الأوليمبي الشهيد – د. أنطون جرجس

كتاب آفاق البتولية المكرسة – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب آفاق البتولية المكرسة – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب آفاق البتولية المكرسة – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب آفاق البتولية المكرسة – المطران سليم الصائغ PDF

تحميل الكتاب PDF

تحميل كتب المطران سليم الصائغ

كتاب أعجوبة نقل جبل المقطم PDF – قراءة جديدة في مخطوط سير البيعة المقدسة – شريف رمزي

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

الزواج والبتولية – عرض لتفسير الآية 1 كورنثوس 7: 1

الزواج والبتولية – عرض لتفسير الآية 1 كورنثوس 7: 1

الزواج والبتولية – عرض لتفسير الآية 1 كورنثوس 7: 1

الزواج والبتولية عرض لتفسير الآية 1 كورنثوس 7: 1 د. جيؤرجيوس باترونوس [1]

الأستاذ بكلية اللاهوت جامعة أثينا

سوف يقتصر بحثنا عن الزواج والبتولية من خلال تفسير العدد رقم 1 فى الإصحاح السابع للرسالة الأولى لبولس الرسول إلى أهل كورنثوس: ” وأما من جهة الأمور التى كتبتم لى عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة “. ونحن نعتبر أن الترجمة الصحيحة وفهم هذا العدد له أهمية كبيرة فى التأثير المباشر ليس فقط لاهوتيًا وتفسيريًا على مواقفنا الإنسانية (الأنثروبولوجية) الكتابية، ولكن أيضًا على العمل الرعوى للكنيسة، وذلك من أجل إرشاد صحيح للمؤمنين بشأن مواضيع الزواج والعلاقات الزوجية.

من خلال دراسات كثيرة وُجد أن المسيحية منذ ولادتها قد صاحبتها ميولاً نُسكية شديدة، واليوم لا يوجد شك فى أنه منذ بداية نمو وانتشار الجماعات المسيحية قد لُوحظ تشديد على الأعمال النسكية، والتى أثرت على النظرة للجنس وعلى الموقف السلبى للناس تجاه الزواج[2].

الزواج والبتولية – عرض لتفسير الآية 1 كورنثوس 7: 1

ففى العالم اليونانى الرومانى، نجد على سبيل المثال كل من إبيكتيتوس “Ep…kthtoj” وسنيكا ” Senškaj ” اللذين عبرا عن أفكارهما النسكية الأخلاقية الرواقية[3]، فى حين أن الفلسفة الفيثاغورية (puqagÒreia filosof…a) استندت على الثنائية النسكية الشديدة[4]. نفس الشئ فى الشرق: ديانة /Isidoj كانت مرتبطة بعبادات ذات اتجاه ثنائى. وفى اليهودية حدث نفس الشئ تقريبًا مع الجماعات المنعزلة فى وادى قمران والفلسفة الأفلاطونية لفيلون اليهودى[5].

إن “الاتجاه النُسكي”  ظهر مبكرًا جدًا كظاهرة فى المسيحية الأولى، وكما يبدو فى الرسائل الرعوية (للعهد الجديد)، وقد حاول أن يدخل مباشرة فى التكوينات الناشئة للجماعات المسيحية[6]. ومن ثمَّ فإن ” ضبط النفس ”  و ” النسك ”  كانتا ظاهرة تاريخية عامة لذلك العصر. لقد بدأ الاعتقاد، بأنه بقيامة المسيح قد دخل العالم إلى واقع تاريخى جديد متطلع للأخرويات، بدأت هذه القناعة فى إعاقة الزواج.

هذا يظهر بوضوح فى الرسالة الأولى لكورنثوس، حيث يحاول بولس أن يغير اتجاه الأعمال النسكية التى ترفض الزواج وذلك من منظور أنها تعوق الحياة الروحية. إن الزواج عند بولس ليس شيئًا شريرًا وخاطئًا حتى من وجهة نظر أننا فى الأيام الأخيرة[7]، إذ يعطى لنا نصيحة مسهلاً الأمر قائلاً: ” لكنك وإن تزوجت لم تخطئ. وإن تزوجت العذراء لم تخطئ ” ولكن لو كان أحدًا ” يعمل بدون لياقة نحو عذرائه ” عندئذ فهذا يجب أن يُقاد إلى الزواج حيث إنه أيضًا ” لا يخطئ ” (1كو28:7و36).

هذه الأمور قد جعلت كثير من الدارسين يرون فى 1كو1:7 ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” أنه لا يعبر عن رأى بولس الرسول، لكن هو تعبير نُسكى لأهل كورنثوس قد أرسلوه فى رسالة إلى بولس لكى يرد على بعض الاستفسارات. لذلك فى بداية عدد 1 يقول ” وأما من جهة الأمور التى كتبتم لى عنها”. وعلى ذلك فإن الإصحاح السابع من الرسالة الأولى لكورنثوس هو مكتوب ضد الحركة النسكية الشديدة التى كانت فى ذلك الوقت، والقديس بولس أراد بكل ما كتبه أن يواجه هذه الحالة بفهم عظيم وحكمة رعوية [8].

إذن علينا أن نفهم ما يحويه هذا العدد من فكر لاهوتى وكيف فُهمت هذه الحركة النسكية المسيحية الأولى فى كنيسة كورنثوس، حيث توجد دراسات ومراجع كثيرة تُبين أنه كان يوجد فى مجمع كورنثوس تيار نُسكى فى ازدياد دائم له أصل أفلاطونى[9].

ولكى نفهم الجزء الأول من الإصحاح السابع الأعداد 1ـ7، فهمًا صحيحًا، يجب أن نفسر العدد1 تفسيرًا سليمًا، وذلك لأن مفسرين كثيرين لكتابات القديس بولس فى الشرق والغرب قد رأوا أن التعبير “حسن للرجل أن لا يمس امرأة” يمثل ـ حسب رأيهم ـ موقف بولس إذ تلخص كل آرائه السلبية وموقفه تجاه الزواج والعلاقات الزوجية، وموافقته على الاتجاه النُسكى للكورنثيين.

واليوم صارت هناك محاولات فى كل اتجاه لإعادة تفسير هذا العدد من الإصحاح السابع للرسالة الأولى لكورنثوس والتى أسفرت عن عدة آراء وتساؤلات حول محتوى هذا العدد:

  1. هل يعبر عن موقف بولس الرسول بصياغة شخصية له.
  2. هل أُخذ التعبير من الكورنثيين ويعبر عن رأيهم وموافقته هو شخصيًا على هذا الرأى.
  3. هل مجرد أنه ذكر تعبير يتعلق بالنسك الشديد لأهل كورنثوس بينما هو يرفض محتوى هذا العدد بعد ذلك.

بهذه المقدمة السريعة سوف نقدم الآراء التى صيغت لكى يُفهم محتوى هذا العدد بترجمة سليمة للنص ولكى يتضح الرأى الثالث أنه هو الرأى السليم بحسب اعتقادنا، أن بولس لا يوافق إطلاقًا هذا الفكر النسكى المتشدد ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” والمتأثر بالأفكار الأفلاطونية.

على الجانب الآخر فإن اليهودية المعتدلة كانت تضاد أى أيديولوجية ثنائية نسكية ولم تكن توافق على التيارات التى تنادى بعدم الزواج[10]. وبولس الرسول كمسيحى من أصل يهودى منحدر من الجماعات الفريسية الغيورة، كان يجب أن يكون تقليديًا إيجابيًا تجاه الزواج والأسرة والتى كانتا تعتبران عطايا مقدسة من الله. وبالتالى يكون اتجاه بولس الرسول هو رفض هذا التعبير ” حسنًا للرجل أن لا يمس امرأة “، مقاومًا بذلك النُسك الأممى الذى حاول أن يتسلل إلى الجماعات المسيحية الناشئة.

إن الاعتقاد بأن بولس الرسول قد اعتبر الزواج والعلاقات الجنسية كشئ ملوم أخلاقيًا “تُبعد الإنسان عن الله وتقلل من شأنه ” بحسب رأى J. Weiss [11]. وكثيرين من الدارسين فى الغرب يدعون إلى الحاجة إلى إعادة النظر جذريًا فى هذا الموضوع لأن هذا الاعتقاد يستند على مواقف اللاهوتيين والآباء الغربيين وليس على آبائنا الشرقيين.

إن العلامة ترتليان أحد الآباء المدافعين والكاتب الكنسى المعروف فى القرن الثالث، وأحد المؤسسين للتقليد الغربى، ليس فقط هو صاحب فكر لاهوتى مختلف ولكن مؤسس لثقافة مختلفة تمامًا عن تلك التى كانت فى الشرق فى الفترة عينها ويمثلها كليمندس الأسكندرى وأوريجينوس. إن تأثير الفكر الرؤيوى واللاهوتى للجماعات النسكية لوادى قمران لهو عظيم فى نصوص ترتليان.

هذه حقيقة أن ترتليان فى البداية قد دخل فى الهرطقة المونتانية MontanismÒj والتى لها سمات نسكية شديدة، والتى أظهرت تشديدًا على الاحتفاظ بالتيارات العرقية والإسخاتولوجية[12] كان هذا هو المناخ الذى فيه تشكلت آراؤه تجاه الزواج.

إن ترتليان هو مؤسس وأب اللاهوت اللاتينى ومن الأساسيين الذين شكلوا الروحانية الغربية، وهو يعتبر المؤمن جنديًا فى صراعه ضد الشر. وتستند مبادئه التفسيرية بناء على ذلك على فهم المسيحية على أنها تجنيد روحى مستمر فى الزمن الحاضر، ومثل المجند لا ” يرتبك بأعمال الحياة ” (2تى4:2)، وهكذا كل مسيحى له التزام أساسى أن ” لا يمس امرأة ” (1كو1:7).

فالإيمان يُختبر والمؤمنون يُضطهدون، والاضطهادات اليومية والشهادة تعنى عنده تسليحًا مستمرًا ودعوة إلى جهاد روحى، إلى صوم، ومحبة، وبتولية. لذلك ينادى ترتليان بأنه ” شر عظيم ” أن ينشأ الرجل علاقة مع المرأة [13]، وأعمال كثيرة له مشحونة بالروح النسكية فى تفسير (1كو1:7). وبالرغم من أنه قَبِل أن هذا العدد يعبر عن موقف أهل كورنثوس وليس رأى بولس الرسول إلاّ أنه لم يتأثر جوهريًا بهذا الرأى وأصر على أولوياته النسكية الشديدة.

والقديس أمبروسيوس أسقف ميلانو فى القرن الرابع، وهو الذى عاش فى فترة طويلة فى الشرق وعرف هناك الحياة التوحدية فى قمة ازدهارها، أراد أن يصير هو مؤسس الرهبنة فى الغرب. أثر بكتاباته عن البتولية تأثيرًا قويًا على فهم الحياة المسيحية من خلال الروح النسكية الشديدة ودعا الجميع إلى ممارسات نسكية شديدة، وهو يعتبر (1كو1:7ـ7) هو نص أساسى وجوهرى ومقبول فى هذا الاتجاه.

لا يوجد شك لدى أمبروسيوس أن ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” يعبر عن اعتقاد القديس بولس، وأمبروسيوس نفسه يعطى تشديدًا خاصًا على علاقة هذا المقطع بالكهنوت مساهمًا بذلك فى تشجيع بتولية الإكليروس فى الغرب.

أما جيروم وأغسطينوس هذان الكاتبان العظيمان فى القرن الرابع وبداية الخامس (عصر ازدهار الكتابات اللاهوتية فى الغرب) إليهما ترجع النظرة النسكية للحياة التى تحتقر الزواج. إن حياتهما الشخصية لها انعكاس على هذه النظرة النسكية، فبعد رجوعهم إلى المسيحية ليس فقط هجروا حياتهم السابقة لأجل المسيح بل المجد العالمى وكرسوا الجسد والنفس للمسيح متدربين على أعمال النسك وضبط النفس بطريقة متشددة جدًا.

إنه من المتعارف عليه أن جيروم عاش فى البداية حياة شبابية خاطئة وعالمية وفوضوية وبعد ذلك زار الشرق حيث تعرف على جماعة بدعة مانى ManicaismÒj، وفيما بعد صار راهبًا ورئيسًا وأبًا فى أديرة كثيرة فى بيت لحم اليهودية. ثم عاد إلى الغرب ناقلاً المانوية إلى هناك، هذا الراهب العظيم فى القرن الرابع عبر عن معارضته للزواج بطريقة قاطعة، وحياته الرهبانية اعتُبرت كنوع من الشهادة اليومية (Cotidianum Martyrium).

لذلك اعتقد أنه لكى يعيش أحد الإيمان المسيحى فى هذا الزمان الحاضر عليه أن يسلك بنفس هذا المنهج [14]. ومن ضمن الأشياء التى دعا المؤمن أن يجحدها فى العالم هى المرأة. فبحسب رأيه يرى جيروم أن البتولية لا تُقارن بالنسبة للزواج، والشيء الحسن الوحيد الذى يمكن أن يعترف به فى الزواج هو ولادة البتوليين والبتوليات. لقد صاغ آراء تحط كثيرًا من شأن الزواج، لدرجة تجعل أى أحد يتساءل هل حقيقة كُتبت هذه الأمور من يد إنسان مسيحى [15].

عندما يذكر جيروم (1كو7:1) يكتب: [ إن كان من الأفضل للإنسان أن لا يمس امرأة عندئذ يكون من الشر أن يلمس أى امرأة، لأن الشر مضاد للصلاح…. لاحظتم إذن حكمة الرسول، لا يقول فقط إنه حسن للرجل أن يكون لديه زوجة بل يقول أيضًا لكن حسن للرجل أن لا يمس امرأة، لدرجة أنه يوجد خطر من مجرد لمس المرأة، فإن من يلمس النار بدون شك يُحرق.. ][16].

وبناء على ذلك فمن فكر القديس جيروم أن (1كو1:7) يعبر عن رأى القديس بولس وأن الرسول هو أول من فتح الطريق للحط من شأن الزواج والنظر للانجذاب الجنسى على أنه شئ شرير وغير مقبول لدى المؤمن. وهكذا اعتبر جيروم أن المرأة مصدرًا للشر ونار تحرق !. والإنسان الروحى يجب أن يختار طريق الرهبنة.

أما القديس أغسطينوس فهو الذى أثر تأثيرًا كبيرًا فى خلق أفكار سلبية فى الغرب بالنسبة للزواج والعلاقات الجنسية. هذا المعلم العظيم للمسيحية فى الغرب قد تأثر بشدة من تيارين مضادين لبعضهما فى موقفهما تجاه الزواج فى عصره. الموقف الأول كان تيار المانوية أى أتباع مانى الذين اعتبروا الجسد الإنسانى كشئ شرير، والحياة وفق ما يمليه الجسد، هى شئ بائس وتعيس تمامًا.

الحياة الجنسية، كتعبير للجسد، تقلل وتحط من شأن الإنسان. هكذا، فإن أغسطينوس من البداية انخدع لفترة زمنية كبيرة بالمذهب العقلى لهرطقة المانويين[17]، وهناك يستطيع المرء أن يجد جذور أفكاره المانوية ذات المذهب العقلى عندما يتحدث عن الأمور الأنثروبولوجية [18].

التيار الثانى المضاد للأول والذى تأثر به أغسطينوس هو الهرطقة البيلاجية والتى كانت منتشرة فى عصره. هذه الهرطقة تعتبر العمل الجنسى فى حد ذاته كشئ شرير، ولكن تربطه رباطًا محكمًا فقط بولادة البنين وتعتبر ولادة الأولاد كوصية لله، وإنجاب أولاد بدلاً من الذين يموتون.

تحت تأثير هذان التياران اتبع أغسطينوس فيما بعد طريقًا متوسطًا بين التيارين، فولادة الأبناء كوصية لله هى حسنة، ليس بالطبع لكى نكمل الأبناء، ولكن لنمو أعداد المختارين. وبهذا المفهوم فالولادة هى مفيدة ولا يجب أن تُرفض. أما الشهوة الجنسية والجسدية أو Concupiscentia تعتبر عند القديس أغسطينوس دنس وشر ومن بقايا الخطية الجدية وواقع لابد أن يخلق بغض وكراهية فى الإنسان الروحى.

إن الغرابة فى تعليم القديس أغسطينوس هى فى الواقع تُوجد فى أنه بينما يقبل الزواج على أنه حسنٌ من أجل الحياة، يعتبر العلاقات الزوجية غير مقبولة ومبتذلة. الجنس والميل الطبيعى للمارسة الجنسية هى عند أغسطينوس قناة بواسطتها يُنقل ذنب الخطية الجدية لآدم إلى أولاده. ولأجل هذا السبب، الزواج، من حيث إنه يستلزم الاتصال الجنسى، يتصل بالخطية ويمكن أن يُبرر فقط لغرض ولادة البنين[19].

كنتيجة لكل هذا، اعتبر أغسطينوس أن الآية ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” لم تأت من أهل كورنثوس، ولا يعبر عن رأى شخصى للرسول بولس فقط بل يأتى أيضًا من الله نفسه.. هنا يتكلم الله نفسه. وبالتالى يعطى لهذه الآية ثقل إلهى مكرسًا بذلك الموقف السلبى من موضوع العلاقة بين الجنسين سواء كانت هذه العلاقة داخل إطار الزواج أو خارجه.

إن أغسطينوس الذى ادخل الممارسات النسكية الشديدة إلى الجماعات الرهبانية [20]، قد علّم بناء على المقطع (1كو1:7ـ7) أن العلاقات الزوجية والتى تحدث فقط لأجل إرضاء متبادل للطرفين يجب أن تعتبر مرفوضة إذ أننا نتحدث هنا عن فعل خاطئ أو بطريقة أكثر تسامحًا نتحدث عن خطيئة قابلة للغفران [21].

هذا التقليد الغربى القديم عن الزواج والعلاقات الجنسية لم يظل بلا فاعلية لكنه أثر بطريقة سلبية فى كل التاريخ الكنسى والتفاسير اللاهوتية فى الغرب بعد ذلك. ومن الجدير بالملاحظة أن الفكر الغربى للجسد الإنسانى والعلاقات بين الجنسين، والزواج والجنس كان مستقى كله، حتى وقت قريب، من هذه التعاليم الغربية للمعلمين المشهورين وآباء الكنيسة فى الغرب ترتليان وأمبروسيوس وجيروم وخاصة أغسطينوس من القرن الثالث حتى القرن الخامس[22].

إذن، قد سيطر على اللاهوت الغربى حتى العصر الحديث الاعتقاد بأن (1كو1:7) يعبر عن رأى بولس الرسول وأنه بهذا العدد يسجل بطريقة شديدة جدًا رفضه للعلاقات الجنسية.

إن كالفن Calvin كان من القلائل الذين مارسوا نقدًا لهذا التقليد التفسيرى لكن دون أن ينجح فى خلق تقليد تفسيرى جديد لـ(1كو1:7) للأجيال اللاحقة. كان كالفن من ضمن الإصلاحيين المشهورين والمؤسسين للتيار البروتستانتى فى القرن السادس عشر، حاول حقيقةً أن يمارس تصحيح ما على مواقف جيروم.

وبالرغم من أنه لم يوصى بهجران العالم ولا رفض الزواج، إلاّ أنه شدّد على النُسك داخل العالم والابتعاد عن كل أنواع الاستمتاع والبهجة [23]. لقد رأى (1كو1:7) تحت نور الأفكار الإسخاتولوجية أن الوقت منذ الآن مقصر واعتبر أنه من المفيد والنافع أن يتورط أحدًا فى علاقة زواج[24].

فى القرن العشرين، عصر نمو العلم الكتابى واللاهوت التفسيرى الحديث، هناك تياران: الأول : المذهب العقلى والتحررى الذى هو مُؤسس على التقليد التفسيرى القديم والذى ذكرناه سابقًا، هذا المذهب يتهم بولس والمسيحية عامة بالتشدد فى الزهد والأعمال النسكية المحافظة واللاإنسانية. والثانى : يرى بولس من خلال (1كو1:7ـ7) والمسيحية الأولى على أنهما كانا ضد الأفكار الثنائية والنسكية المتشددة وتيارات الوسط المحيط بالعهد الجديد.

هكذا وفى عصرنا سيطر الفكر بأن (1كو1:7) يعبر جوهريًا عن موقف بولس نفسه تجاه العلاقات الجنسية وأن هذه العلاقات أساسًا تحط من شأن الإنسان وتبعده عن الله، لذلك ” فإنه حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” هذه الكلمات تعبر عن رأى J. Weiss الذى يُعتبر من المفسرين الأساسيين الذين شكلوا اللاهوت التفسيرى الحديث[25].

أيضًا لقد قَبِل بولتمان R. Bultman بدون تحفظ أن الرسول بولس كان متأثر تأثرًا شديدًا بالنظرة اليونانية الثنائية التى تحتقر الجسد (أنظر 2كو1:5ـ إلخ، 2:12ـ4) وهذا التأثير يتضح بشدة فى إجابات بولس على أسئلة أهل كورنثوس المتعلقة بالزواج والجنس (1كو1:7ـ7). إن بولس الرسول، بحسب رأى بولتمان، اتبع التيارات النُسكية الثنائية (التضاد بين الروح والجسد) ولم يعط للزواج قيمة كبيرة بل اعتبره شرًا لا مناص منه بسبب خطر الزنا (1كو2:7)، بالرغم من أنه كان من الأفضل أن يطبق أحد هذه النصيحة المطلقة “لا تمس امرأة ” (1كو1:7) [26].

إن الزهد فى الجنس عند بولس الرسول ـ بحسب رأى بولتمان ـ هو حالة أساسية[27] خصوصًا عندما يُنظر له من خلال الرؤية الإسخاتولوجية للتاريخ، لأنه حقيقةً فى الفصل السابع من رسالة كورنثوس الأولى نجد هذان العنصران مرتبطان [28].

إن كثير من المفسرين الذين أتوا بعد بولتمان استمروا فى أن يروا بولس على أنه متأثر بالثنائية التى كانت فى عصره. يقول C.S.C. Williams وهو أحد المفسرين الإنجليز المشهورين لكتابات بولس : [ إنه معروف أن بعض الغنوسيين من أهل كورنثوس رفضوا الزواج واعتقدوا أن كل المسيحيين يجب أن يعيشوا روحيًا، الأمر الذى يعنى أن لا يكون لديهم علاقات بالنساء، ويكونوا ممارسين حياة العفة فى علاقاتهم الزوجية.

إن فكرة عدم الزواج لم تكن يهودية مع أن بعض الربونيين Rabb…noi كانوا غير متزوجين، لكن بولس والذى كان ربونى (معلم) وكان غير متزوج، فضل أن يظل كل المسيحيين كما هو، غير متزوج وهو فى هذا يتطلع إلى الحالة الجديدة التى دشنها إعلان ملكوت الله ومجيء الرب القريب [29].

لكن كثيرون من المفسرين فى الكنيسة الكاثوليكية يتحركون فى نفس هذا الاتجاه، وقبلوا أن فى الإصحاح السابع من الرسالة الأولى لكورنثوس، يرد بولس الرسول ببساطة على الأسئلة التى أُرسلت إليه من أهل كورنثوس، ومن كل سياق النص وخاصة (1:7، 36:7) يظهر جليًا الاعتقاد السائد عند أهل كورنثوس أن الزواج كان خطية، وحسن لو تجنب أحدًا العلاقات بالنساء.

التأثير هنا واضح سواء من أفكار جماعات وادى قمران أو تعاليم الهراطقة عن الثنائية : أن المادة والجسد هما شر غير مرغوب فيه. بجانب كل هذا فإن تعبير ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” هى كلمات بولس وليس مقطع من رسالة ما[30]. كل هذا من الكتابات الكاثوليكية الحديثة، حيث هذا التفسير فى A New Catholic Commentary on Holy Scripture . نفس هذا الرأى تقريبًا، هو الرأى الرسمى للكنيسة الكاثوليكية والذى يعتقد بأن بولس حاول بهذا العدد من (1كو1:7) أن يؤثر على أهل كورنثوس لدفعهم لحياة البتولية كعمل روحى فائق وشكل كامل للحياة [31].

وهكذا فى نفس الاتجاه يتحرك هؤلاء المفسرون الذين بينما يقبلون مبدئيًا أن (1كو1:7) يعبر عن موقف مجموعة مؤمنين فى كورنثوس، يؤمنون بأن الرسول بولس يتفق مع أهل كورنثوس وأنه هنا يستحسن موقفهم تجاه التقشف والأعمال النسكية وضبط النفس، وبشكل عام يفرض علينا كمسيحيين عدم الزواج والبتولية كشكل كامل للحياة. أحد هؤلاء المفسرين فى بريطانيا والذى يتبنى هذا الرأى هو James Moffatto، حيث ترجم (1كو1:7) هكذا “إنه حقيقة شئ فائق (عظيم) للرجل أن لا يكون لديه علاقات مع امرأة ” [32].

إن ديفيد سميثDavid Smith هو من أدخل فى اللاهوت التفسيرى الحديث فى الغرب الرأى بأن الرسول بولس فى (1كو1:7) يذكر رأى أهل كورنثوس وهو نفسه يرفضه فى مناقشاته حول الزواج والبتولية [33].

وقد تبعه خاصة فى العشر سنوات الأخيرة كثيرون من الدارسين للعهد الجديد [34]، والذين ساعدوا الكتابات التفسيرية الغربية لكى تتحرر من خط التقليد اللاتينى القديم، والذى قد شددنا عليه فى بحثنا. والشهادة على ذلك ترجمة (1كو1:7) إلى الإنجليزية الحديثة للكتاب المقدس سنة 1991 بواسطة Bruce Metzger and Roland Murphy والناشر Oxford University :

“Now concerning the matters about which you wrote; “it is well for a man not to touch a woman”.

ومن أسفل كُتب كهامش أن هذا المقطع الذى بين القوسين هو من رسالة أهل كورنثوس (لبولس) والتى فيها يدافعون عن الأعمال النسكية [35].

نفس الترجمة صدرت فى اليونان سنة 1985 باللغة اليونانية الحديثة وعبارة ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” وُضعت بين قوسين على أنها مقطع من الرسالة التى توضح موقف مؤمنى كورنثوس والتى وُجهت إلى بولس الرسول والتى جاء بها بعض التساؤلات.

لكن هذا المنحنى الجديد للفهم الصحيح ولترجمة (1كو1:7) أصبح من المسائل الثابتة إذ له ما يؤكده من آباء وكُتّاب الكنيسة الشرقية والذى ساعد فى فهم كل ما جاء فى الآيات من (1ـ7)، فى عصرنا هذا خصوصًا فى العشر سنوات الأخيرة. إن التفسير السليم الأول ينتمى إلى المفسر العظيم أوريجينوس من القرن الثالث، والذى من خلال تفسير الإصحاح السابع من رسالة كورنثوس الأولى أَمّن كل الكتابات التفسيرية لآباء الكنيسة فيما بعد وفى التقليد الآبائى بخصوص هذا الموضوع.

فبحسب أوريجينوس فإن الرسول بولس ينقل ببساطة مقطع من رسالة أهل كورنثوس المرسلة له، وهو يرد على تساؤلات مؤمنى كورنثوس[36]. وبناء على ذلك ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” عند أوريجينوس لا تعبر عن رأى أو حتى عن وصية لبولس الرسول [37].

هذا التفسير قد تبناه مفسرًا آخر عظيم لكنيستنا هو القديس يوحنا ذهبى الفم الذى أسس تقليدًا كاملاً ثابتًا فى الشرق، فى فترة تفسيرية خصبة استمرت حتى القرن الثانى عشر، من خلال الآباء : ثيؤدوروس كيروس Qeodèrhto KÚrou[38]، يوحنا الدمشقى[39]، إيكونوموس تريكاس [40]، ثيوفيلاكتوس الفلغارى [41]، حتى أفثيميوس EuqÚmio ZugabinÒ[42]. لقد خصص ذهبى الفم عظة موسعة على تفسير العدد الأول للإصحاح السابع من الرسالة الأولى لكورنثوس [43]، ويفضل الرأى القائل بأن أهل كورنثوس هم هؤلاء الذين يسألون الرسول ” أتمس المرأة أم لا “[44].

ومن هنا يمكننا أن نعتمد فى تفسير هذا العدد على آبائنا الشرقيين الذين أكدوا أن ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة ” لا يعبر بالقطع عن رأى بولس الرسول فى الزواج، بل هو فى رسالته هذه يعيد كتابة عبارة وردت من أهل كورنثوس له، ثم يعطى ردًا على تساؤلاتهم هذه، حيث مثلت إجاباته محتوى الرسالة كله، وبناء على ذلك فنحن نفضل قراءة الآية هكذا:(وأما من جهة الأمور التى كتبتم لى عنها : ” حسن للرجل أن لا يمس امرأة “…. ) (1كو1:7).

ــــــــــــــــــــــ

[1] مقال مترجم بتصرف عن اليونانية الحديثة عن كتاب : Marriage- Gelibacy, Hermenutical Approach to 1Cor. 1:1, By GEORGIOS PATRONOS, Professor of the University of Athens قام بترجمة المقال المهندس جورج عوض إبراهيم الباحث بالمركز.

[2] لمزيد من التفاصيل أنظر :

  1. Strathmann and P. Keseling, “Askese II (christlich)”, in R.A.C., I, p. 758-995. H. Chadwick, “enkrateia”, in R.A.C., V, p. 344-365. W. Rordorf, “marriage in the New Testament and in the Early Church” in journal of Ecclesiastical History, XX (1969), p. 1930210.

[3] لمزيد من التفاصيل عن التأثير الهيللينى على الأعمال النُسكية فى المسيحية الأولى أنظر :

  1. Reitzenstein, Hellenistische Wundererzählungen, Leipzig 1906.

[4] راجع : J. Leipoldt, Griechische Philosophie und Frühchristliche Askese, Berlin 1961.

[5] G. Quispel, “The Syrian Thomas and The Syrian Maccarius” in Vigiliae Christianae XVIII (1964) p. 226-235.

[6] H. F. Von Campenhausen, “Die Askese im Urchristentum”, in Tradition Und Leben, Krafte der Kirchengeschichte, Tubingen 1960.

[7] أى تحت ضغط التشديد على البُعد الأسخاتولوجى والاعتقاد بسرعة مجيء الرب.

[8] G. Patrènou, G£moj ka… Agam…a kat£ tÒn ¢pÒstolo Paàlo. ‘Aq»nai 1985, sel. 43.

[9] أنظر D. L. Balch, Backgrounds of 1Cor. VII: sauings of the Lord in Q? Moses as an Ascetic Qe‹j ‘An»r in II Cor. III, in New Testament studies, 18 (1972), p. 358.

[10] راجع : A. Robertson- A. Plummer, A criticl and exegetical commentary on the 1st Epistle of St. Paul to the Corinthians, Edinburgh 1958, p.132. 

[11] J. Weiss, Earliest Christianity, N. York 1937, p.582.

[12] راجع : استفانيدس، تاريخ الكنيسة، أثينا 1959، ص 79ـ80.

[13] أنظر ترتليان، ضد مرقيان 7:5.

[14] جيروم، رسالة 108 فقرة 31.

[15] أنظر : R.M. Bainton, Sex, Love and Marriage, A Critical Survey, London 1964, p. 31-32.

[16] جيروم، ضد يوفيانوس 1 فقرة 7.

[17] راجع استفانيدس، المرجع السابق ص 249.

[18] أنظر أغسطينوس، الاعترافات 5 فقرة 10، 7 فقرة 3.

[19] J. Meyendorf, Marriage, Athens 1983, p. 54.

[20] راجع استفانيدس، المرجع السابق، ص 304، 337.

[21] أنظر أغسطينوس، الاعترافات 2، 3.

[22] J. Meyendorf, ibid, p. 54.

[23] استفانيدس، المرجع السابق، ص 605،601.

[24] John Calvin, The First Epistle of Paul the Apostle to The Corinthians, Edinburgh 1960, p. 143-135.

[25] J. Wiess، المسيحية الأولى، تاريخ الفترة ما بين 30ـ 150م، أثينا 1983، ص 8.

[26] بولتمان، لاهوت العهد الجديد، الترجمة الإنجليزية، الجزء الأول، لندن 1959، ص 202.

[27] بولتمان، المرجع السابق، ص 102.

[28] بولتمان، المرجع السابق، ص 107.

[29] See C. S. C. Williams, I and II Cor., in Peake’s Commentary of the Bible 1962, p.873.

[30] W. Rees, I and II Cor., in A Catholic Commentary Holy Scripture, N. York 1953, p. 873.

[31] J.J. O’Rourke, I and II Cor., in A New Catholic Commentary Holy Scripture, N. York 1975, p. 1149.

[32] J. Moffatt, The First Epistle of Paul to The Corinthians, N. York 1938, p. 75.

[33] D. Smith, The Life amd Letters of St. Paul, N. York 1920, p. 262.

[34] E.W. Hunt, Portrait of Paul, London 1968, p. 207-209.

[35] The New Oxford Annotated Bible, ed. By Bruce M. Metzger and Ronal E. Murphy, New revised standard version, Oxford University Press, New your, 1991, p. 235NT.

[36] أوريجينوس، شرح رسالة كورنثوس الأولى، أكسفورد 1967، ص121.

[37] W. E. Phipps, “Is Paul’s attitude toward sexual relation contained in 1cor. 7:1” in New Testament studies, 28 (1982), p. 127.

[38] أنظر ثيودوريتوس كيروس، تفسير رسالة كورنثوس الأولى PG82, 272.

[39] PG 95, 621.

[40] PG 118, 724.

[41] PG 124, 649.

[42] أفثيميوس : تفسير رسائل بولس الرسول الأربعة عشر، ج1، أثينا 1878، ص245 وما بعدها.

[43] PG 61, 151-160.

[44] المرجع السابق، PG 61, 151.

الزواج والبتولية – عرض لتفسير الآية 1كو1:7 

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات


ثانيًا: إيمان البتوليين
:

أما الطريق الثانى، الذي ربط من خلاله الآباء بين البتولية والإيمان، فهو اعتبار أرثوذكسية الإيمان (أو الإيمان الأرثوذكسى) شرطًا ضروريًا كى تكون البتولية صحيحة ومقبولة. ومن هنا فإن بتولية الهراطقة مرفوضة وليس لها أية قيمة. هذه فكرة شائعة عند الآباء، ولنأخذ هنا بعض الأمثلة.

 

ترتليانوس

في معرض حديثه عن الهراطقة الذين يحتقرون الزواج مشيرًا غالبًا إلى المارقيونيين، يقول في مقالته عن “الزواج الواحد” (De Monogamia,1): قطعًا ذلك التبتل (أو التعفف) لا يستحق أى ثناء حيث أنه تبتل (أو تعفف) هرطوقى[2]. ويسمى ترتليانوس ذلك التبتل ” تجديفًا على إله الزواج “[3]. أما في مقالته عن “الحث على العفة” (De Exhortation Castitatis) فيتحدث ترتليانوس عن أولئك الذين “يمارسون التعفف الجنسى من أجل الشيطان[4]. ويقابل ترتليانوس بين التعفف المدفوع بدافع شيطانى ويقود إلى الهلاك”، و“عفة المسيحيين التي تقود إلى الخلاص[5].

 

2 ـ كليمنضس الاسكندرى:

يدين اكليمنضس الاسكندرى التبتل الذي يقوم على أساس هرطوقىّ مثل تبتل أولئك الذين ـ إنطلاقًا من كراهية الجسد ـ يسعون، بلا امتنان، إلى قطع كل صلة لهم بوحدة الزيجة” ويصفهم اكليمنضس بأنهم “منغلقوا العقل وملحدون، ويمارسوا عفة غير عاقلة، مثل الوثنيين .. إنهم يظنون أن العلاقة الجنسية غير طبيعية وضد الناموس[6]. ويعبر القديس كليمنضس الاسكندرى عن النظرة المسيحية الأرثوذكسية للعفة والبتولية بقوله: إننا نعطى قيمة كبيرة للتعفف الذي ينبع من محبة الرب وينشد الخير لذاته مقدسًا هيكل الروح القدس[7]. أما تعفف الغنوسيين فإن كليمنضس يعتبره تجديفًا على الله. ومثل ترتليانوس ويوحنا ذهبى الفم، يقول كليمنضس: لقد تبنوا مثال التعفف ـ على نحو تجديفى ـ لأسباب فاسدة تمامًا. فالتبتل يمكن أن يُختار شرعيًا بناء على أساس سليم ولأسباب مقدسة حيث يعطى المتبتلُ الشكر لله على النعمة التي منحه إياها، دون أن يكره خليقة الله، أو يحتقر المتزوجين[8].

 

3 ـ أوريجينوس:

يتكلم أوريجينوس عن الخصيان الذين يخدمون فرعون قائلاً “إن هذا النوع من البتولية ليس كاملاً “، وهو يدعوها “عفة الشيطان”[9]. إن البتولية، في نظره، لابد أن تُعطى من قبل الله كيما يكون لها قيمتها فوق الطبيعية Supernatural value. وفي هذه الحالة، فقط، تكون البتولية أفضل من الزواج[10]. إن أوريجينوس يقاوم بقوة ـ مثلما يفعل كليمنضس ـ الهراطقة الذين يحلون رابطة الزواج لأسباب دينية[11]. ويعتبر أوريجينوس أن بتولية الإيمان أهم من بتولية الأخلاق، وأن هذه الأخيرة لا قيمة لها إن كانت عقيدة المتبتل زائفة. ولذا فإن أوريجينوس ينتقد البتولية التي تفرضها بعض الطوائف الهرطوقية، مثل المارقيونيين، الذين يدينون الزواج من خلال بواعث تجديفية (whose motives are blasphemous). كذلك ينتقد أوريجينوس العذارى من الكاهنات الوثنيات[12]. وينتقد عفة الفلاسفة لأنها ليست مبنية على الإيمان بالله، ولا تهدف إلى مجد الله.

 

إن العفة الكاملة تستمد كمالها من الكنيسة. إنها تعتبر أسمى من الزواج فقط حين تمارس طبقًا لإيمان الكنيسة. إن عفة الهراطقة يشجعها الشيطان وهى ليست حقيقية، لأن العفة لا يمكن أن تكون حقيقية إلاّ إذا كان الإيمان عفيفًا. إن عفة اليهود والوثنيين لا تمنحهم سلامًا لأنهم لا يؤمنون بالمسيح ولم يولدوا من الماء والروح[13]. إن الإنسان يصبح بتولاً من أجل أن يولد المسيح فيه (أو فيها). وهذا يقودنا إلى الأساس والهدف الأقصى للبتولية وهو وحدة الزواج الروحى(mystical marriage) للنفس ـ بصفتها العروس ـ مع المسيح العريس. وهنا يصبح مفهومًا لماذا يكون الإيمان المسيحى شرطًا ضروريًا لصحة البتولية. وهذا يقودنا إلى ذهبى الفم.

 

4ـ القديس يوحنا ذهبى الفم:

ينكر القديس يوحنا ذهبى الفم بتولية الهراطقة الذين يمارسون البتولية خارج الكنيسة. فكونهم خارج الكنيسة يحرمهم من الاتحاد بالمسيح، كعرائس للعريس السماوى. يقول القديس يوحنا: ” أما البتوليون الهراطقة فإننى لا أستطيع أن أتمكن من اعتبارهم بتوليين. أولاً، لأنهم ليسوا متعففين، حيث أنهم لم يُخطبوا لرجل واحد، كما يقول رسول المسيح وقائد العروس “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو2:11). وحتى إن كان هذا قد قيل عن الكنيسة ككل، فإنه ينطبق أيضًا على البتوليين. ويتسائل ذهبى الفم عن البتوليين الهراطقة، أولئك الذين لم يكتفوا بزوج واحد، وارتبطوا بآخر غير الله[14]. ومن الجدير بالملاحظة هنا أن ذهبى الفم ينكر حتى عفة الهراطقة المتبتلين حيث إنه يفهم العفة لا بالمعنى الجسدى الجنسى بل بمعنى طهارة الإيمان وأرثوذكسية العقيدة. مذكرًا إيانا بتعبير “بتولية الإيمان”، الذي نجده عند أوريجينوس، وهى البتولية التي كانت مفتقدة لدى الهراطقة. يقول ذهبى الفم: كيف تستطيع أن تحافظ على جمال البتولية تلك التي لديها أفكار دنسة في داخلها [15]. فحتى وإن ظل جسدها غير معتدى عليه فإن العنصر الأفضل فيها قد تدنس أى أفكارها.

 

فإذا كانت البتولية تُعَّرف بأنها قداسة الجسد والروح فكيف تكون عذراء بتولاً تلك المرأة غير المقدسة من كل ناحية[16].

ولابد أن نؤكد هنا أن عدم قداسة الروح عند ذهبى الفم، لا يعنى الوضع الروحى المتردى بل يعنى العقيدة الفاسدة. فذهبى الفم يذكر صراحة أن أولئك العذارى يهينون الزواج[17]. وحين يصف ذهبى الفم العذارى الهرطوقيات بأن لهن “عيونًا فاسقة” (audacious eyes)، فإنه لا يعنى نظراتهن الشهوانية وإنما يشير إلى حقيقة أنهن ينظرن إلى خليقة الله على أنها سيئة”[18]. ويتساءل ذهبى الفم مستنكرًا: “كيف تُدعى عذراء مَن انحرفت عن الإيمان، وكرست حياتها للمضلَّين وأطاعت الشياطين، وأكرمت الزيف والبهتان؟ كيف تدعى عذراء مَن لها ضمير ذابل. إن العذراء لابد أن تكون طاهرة، ليس فقط في الجسد بل أيضًا في النفس، إذا كانت تريد أن تستقبل العريس السمائى[19].

 

وواضح هنا أن ذهبى الفم يتحدث عن طهارة النفس قاصدًا أرثوذكسية الإيمان. فأرثوذكسية الإيمان أمر جوهرى جدًا عند ذهبى الفم حتى إنه ينكر أية قيمة لبتولية كل من الوثنيين والهراطقة. إنه يعتبر أن هذه البتولية هى من اختراع الشيطان. والبتوليون هنا ليس فقط سيحرموا من أية مكافأة، بل أيضًا سيعاقبوا وسيتلقوا دينونة أشد من دينونة الفسقة. لقد فرضوا على أنفسهم مشقات بلا هدف، ولهلاكهم[20].

 

وفي عبارة مهمة تعبر عن الفهم الآبائى لفلسفة النسك ولاهوت البتولية في علاقتهما بالعقيدة الأرثوذكسية يقول ذهبى الفم: ” فالصوم والتبتل ليسا خيرًا ولا شرًا في ذاتهما بل ينبع خيرهما أو شرهما من الغرض الذي يمارسا لأجله. إن ممارسة التبتل ليست لها نفع أو فائدة بالنسبة للوثنيين، إنهم لا يعطون عنها أية مكافأة لأنهم لا يمارسونها انطلاقًا من مخافة الله. أما أنتم أيها الغنوسيون، فلأنكم تحاربون الله وتهينوا خليقته، ليس فقط لن تنالوا أى أجر على بتوليتكم بل أكثر من هذا ستعاقبوا عليها[21]

 

ثالثًا: الفضائل وحياة الإيمان

أما الطريقة الثالثة التي ربط بها الآباء بين البتولية والإيمان فهو تأكيدهم على أن البتولية الحقيقية لابد أن تعبر عن نفسها في حياة إيمان تنعكس فيها كل فضائل الإنجيل حيث السلوك المسيحى اللائق والمميز عن سلوك الوثنيين. إنها فكرة سائدة عند الآباء أن البتولية ليست مجرد حالة جسدية بل وضعًا روحيًا مستقرًا في النفس.

 

إن القديس الشهيد كبريانوس ـ على سبيل المثال ـ يخاطب العذارى قائلاً: ” إنه بدون فضيلة العفة، التي تتحلى بها النفس والتي تعبر عن نفسها في سلوكهن الوقور وثيابهن المحتشمة والبسيطة، فإن العذارى يمكن أن تكففن عن كونهن عذارى ويصبحن زانيات وخائنات من جهة إيمانهم للمسيح[22].

 

أما في مناظرة ميثوديوس (Methodius, Symposium) فإن العذراء مارسيلا تؤكد قائلة: إنه لا يكفى أن نحفظ أجسادنا غير مدنسة بل لابد أيضًا أن نعتنى بأرواحنا ونزينها بالبر[23]. وتؤكد العذراء آريتى (Aretee) قائلة إنه من السَخَف أن نحفظ أعضاءنا التناسلية طاهرة، دون أن نحفظ طهارة لساننا، أو أن نحفظ طهارة اللسان، دون طهارة العينين والأذنين واليدين، أو أن نحفظ طهارة هذه كلها، دون طهارة القلب، حيث نسمح له بأن يتدنس بالغضب وبالغرور[24].

 

أما عند جيروم فإن العذارى في أجسادهن فقط، وليس في أرواحهن أيضًا، هن العذارى الجاهلات اللاتي أغلق العريسُ دونهن الباب بسبب افتقارهن إلى الزيت الضرورى[25]. ويخاطب جيروم العذراء يوستوكيوم (Eustochium) قائلاً: إن البتولية يمكن أن تُفقد بمجرد الفكر[26]. وأن العذارى اللاتي يفتقدن المؤهلات الضرورية للبتولية الروحية لا يخلصن ببتولية الجسد[27].

 

أما القديس باسيليوس الكبير فيرى أن التحرر من الأهواء (apatheiadispassion)هو الذي يشكل جمال الصورة الإلهية في الإنسان. وهذا يقود إلى بتولية النفس، التي تمثل جوهر الحياة البتولية. ويؤكد القديس باسيليوس أن نعمة البتولية لا تقوم فقط على الامتناع عن انجاب الأطفال، بل أن كل حياتنا وسلوكنا وأخلاقنا لابد أن تكون بتولاً. فممكن جدًا أن يزنى الإنسان بالكلام أو بالنظر أو بالسمع أو بالقلب أو بالانغماس في ملذات الطعام والشراب. أما مَن يضبط نفسه في كل هذه الأمور، طبقًا لقانون البتولية الحقيقية، فإنه يُظهر حقًا نعمة البتولية في تمامها وكمالها[28].

ومن بين الفضائل الضرورية للعذارى فإن الاتضاع يحتل مكانة مميزة جدًا في التقليد الآبائى. ويحذر الآباء بكل حزم من الكبرياء.

 

ففي “الرسالة الأولى لكليمنضس إلى الكورنثيين” نجد أن أساس وصية عدم الافتخار بالبتولية هو أن البتولية هى هبة إلهية يمنحها الله للبتوليين[29].

 

أما القديس أغناطيوس الأنطاكى فيقرر بوضوح أن البتول الذي يأخذه الزهو ببتوليته يضيع [30].

 

أما أوريجينوس فيؤكد أن العذارى أو البتوليين الذين يفتخرون ببتوليتهم سيسقطون مثل داود، حيث أن الله سوف يسحب نعمته منهم[31]. ولا يتردد أوريجينوس ـ كما يؤكد عَالِم الآباء هنرى كروزيل ـ في التأكيد على أن الإنسان المتزوج، المتحلى بفضيلة الاتضاع، أكثر سموًا من المتبتل المتكبر المصاب بالمجد الباطل أو بمحبة المال.

 

 ونعود إلى جيروم مرة أخرى لنجده يقول ليوستوكيوم لا أريد للكبرياء أن يدخلك بسبب قرار التبتل الذي اتخذتيه بل بالحرى الخوف. فمَن تسير وهى متزينة بالذهب الكثير لابد أن تأخذ حذرها من اللصوص[32].

 

خلاصة:

مما سبق نتحقق من أن تحمس آباء الكنيسة للبتولية كان نابعًا من خبرة مسيحية فريدة، وكان متفقًا ـ في مضمون تعليمهم عنها ـ مع جوهر الإنجيل. ومن هنا فلم تكن للبتولية ـ في نظر الآباء ـ أية قيمة بمعزل عن الإيمان الحقيقى والتكريس الأصيل للمسيح. إن سمات البتولية الحقيقية عند الآباء هى هى سمات الحياة المسيحية الحقيقية. وبالتالى، فنحن نجد عند الآباء لاهوتًا مميزًا للبتولية يميز هذه الظاهرة، كما فهمها وكما مارسها المسيحيون، عن العزوف الجنسى الذي وُجد عند بعض الطوائف الفلسفية والدينية خارج المسيحية الأرثوذكسية.

 

حين اعتبر الآباء البتولية أسمى من الزواج، كما ذكرنا، كانوا ينطلقون من منطلق نسكى. ولم يقصد الآباء أن يقللوا من قدسية الزواج، ولا أن يقولوا أن البتولية هى وحدها تؤهل للملكوت أكثر من الزواج. وهكذا إن الآباء لم يتوانوا في الدفاع عن قداسة الزواج عندما تطرفت بعض الطوائف ونادت بتعاليم منحرفة عن الجنس والزواج.

ــــــــــــــــــــــ

[1] قُدَّم هذا الموضوع أولاً كبحث قصير Paper في المؤتمر السنوى العاشر للجمعية الأمريكية للدراسات الآبائية  The North American Patristic society في جامعة Loyola بشيكاغو في مايو 1994 ثم قُدَّم كمحاضرة في المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة في 6أغسطس 2001م

[2] Tertullian, Treatises on Marriage and Remarriage, To his wife, An Exhortation to Chastity, Monogany. Trans. and annotated. William. P. Le Saint. Ancient Christian writers, 13 (New York : Newman Press, 1951), p.70.

[3] 1bid.

[4] 1bid,p.63

[5] bid.

[6] Strom.III.7.60 (Chadwick, p.68).

[7]Strom.III.7.58. (Chadwick, p.67)

[8] Strom.III.18.105, (Chadwick, p.90)

[9]Henri Crouzel,Virginitné et mariage selon Origéne (Paris and Bruges: Desclee de Brouwer, 1962), p.90

[10] 1bid,p.100

[11] 1bid,p. 148.

[12]1bid,p. 141  

[13]1bid, p.90-100.

[14] St. John Chrysostom, On Virginity, Against Remarriage. Trans. Sally Rieger Shore and intro. Elizabeths A. Clark. Studies in Women and Religion, 4 (Lewiston: The Edwin Mellen Press, 1983) 1.1, p.1

[15] 1bid, 5.2,p.7.

[16] 1bid, 6.1, p.8.

[17] 1bid, 1.2, p.1

[18] 1bid, 6.1, p.8.

[19] 1bid, 5.2,p.7.

[20] 1bid, 6.2.p.9.

[21] 1bid 4.2.p6.

[22]See On the Dress of Virgins, 19-20. Trans. Ernest Walls, in Ante Nicene Fathers, Vol. 5, p. 433. See also Saint Cyprian, Treatises. Trans.& ed .Roy J. Deferrari. The Fathers of the Church, vol. 36 (Washington D.C: The Catholic University of America Press, 1981), p. 48.

[23] St. Methodius, The symposium, A Treatise On Chastity. Trans.& annotated by Herbert Musurillo. Ancient Christien Writers, 27 (Westminster, MD: The Newman Press, 1958), 1-1, p.42.

[24] 1bid.II, p.73

[25] Letter 22.5.2 in The Letters of st. Jerome. Trans. Charles Christopher Mierow. Intro.& notes by Thomas Comperford Lawler. Ancient Christian Writers, 33 (New York: Newman Press, 1963). Vol.1,p.183.

[26] 1bid 5.3, p.138.

[27] 1bid 6.1, p.138

[28] St. Basil, An Ascetical Discourse in Saint Basil, Ascetical works. Trans. Sister M. Monica Wagner. The Fathers of the church,Vol. 9(Washington, D.C: The Catholic University of America Press, 1970), p. 207-8.

[29] The First Epistle of Clement to the Corinthians, 38.2, in The Apostolic Fathers. Trans. Kirsopp Lake. Vol. I (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1985), p.75.

[30] Ignatius To polycarp, 5.2. Trans. Lake. 1bid, p. 273.

[31] Crouzel, Virginite p.106.

[32] Letter 22.3.1, P.135.

سمات البتولية الحقيقية عند الآباء (2) – د. حشمت كيرلس – دفاعيات

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس  

مقدمة:

شهدت الدراسات الآبائية ودراسات تاريخ الكنيسة الأولى في الغرب في السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بموضوع النسك بصفة عامة والبتولية بصفة خاصة. وقد عُقدت مؤتمرات دولية، وكتبت مؤلفات مهمة في هذين الموضوعين[2]. ولا غرو في هذا، فالكنيسة الأولى كانت بحق كنيسة ناسكة، والبتولية كانت ظاهرة عاشها المسيحيون الأوائل بغيرة متقدة، وكتب عنها آباء الكنيسة بحفاوة كبيرة وحماس شديد، الأمر الذي لا يمكن ألاّ يسترعى انتباه دارسى تاريخ كنيسة القرون الأولى وكتابات آبائها الأوائل.

 

سمات البتولية الحقيقية:

تهدف هذه الدراسة إلى التأكيد على أنه بينما رفع آباء الكنيسة البتولية إلى عنان السماء، وأثنوا عليها جدًا، واعتبروها أسمى من الزواج، إلاّ أنهم لم يقبلوها بلا قيد أو شرط. بل ميزوا بين البتولية الحقيقية والبتولية الزائفة. ومن أهم شروط البتولية الحقيقية عند الآباء: أرثوذكسية الإيمان عند البتوليين. وقبل أن نتناول هذه النقطة، التي ستكون موضوع هذه الدراسة، فيجدر بنا أن نذكر، باختصار شديد، بعض النقاط الأخرى التي تشكل سمات ضرورية للبتولية الحقيقية.

فمن سمات البتولية الحقيقية عند الآباء[3]:

1ـ أن تكون من أجل الرب، وبدافع من محبة الإنسان له، وأن تكون بحسب إرادة الله، وتلبية لدعوة إلهية. وأن يعيشها البتول بلا عيب، وفي كمال.

أن تُقبل بشكر كنعمة إلهية موهوبة من الله.

3ـ أن تكتسى برداء الاتضاع، فالكبرياء (أو التعالى على المتزوجين) يفسد البتولية ويقود إلى السقوط.

4ـ أن تقترن بفضيلة العفة، أو بتولية القلب، وطهارة الفكر والإنسان الداخلى. يذكر القديس يوحنا كاسيان قول القديس باسيليوس الكبير ” إننى لم أعرف امرأة. ومع هذا فأنا لست بتولاً “[4] ثم يعلق عليه قائلاً ” إنه قد أدرك أن عطية البتولية لا تُقتنى بالامتناع عن الاتصال الجنسى بامرأة، وإنما بقداسة وطهارة النفس، هذه التي بدورها تُقتنى بواسطة مخافة الله. والآباء أكدوا أيضًا أن فضيلة الطهارة لا يمكن أن تُقتنى إلاّ إذا اقتنينا أولاً اتضاع القلب”.

5ـ أن تنبع من الإيمان الصحيح والمستقيم: كيف يمكن أن يعتبر الجسد عفيفًا، وبأى معنى يكون صحيحًا، حين تزنى النفس ضد الله الحقيقى”؟ (القديس أغسطينوس)

وللأهمية الخاصة التي أولاها آباء الكنيسة لأرثوذكسية الإيمان، عند البتوليين، كيما تكون بتوليتهم صحيحة ومقبولة، نخصص هذه الدراسة لهذا الموضوع.

 

كانت أرثوذكسية الإيمان، أو استقامة العقيدة، عند الآباء هى المعيار الذي يقاس عليه كل شئ. وفي تحمسهم الشديد للبتولية طبقوا هذا المعيار وأكدوا أنه لا قيمة للبتولية إن لم تنبع من إيمان أرثوذكسى وعقيدة صحيحة.

 

لقد ربط كثير جدًا من آباء الكنيسة بين البتولية والإيمان، وفعلوا ذلك بطرق ثلاثة:

1ـ الطريق الأول هو أن البتولية هى ثمرة للإيمان المسيحى.

2ـ الطريق الثانى هو أن أرثوذكسية الإيمان عند البتوليين هى شرط ضرورى لكى تكون بتوليتهم صحيحة ومقبولة.

3ـ والطريق الثالث هو أن البتولية لابد أن تظهر في حياة إيمان تتجسد فيها كل فضائل الإنجيل.

وسنتناول الآن هذه النقاط بشيء من التفصيل.

 

أولاً: البتولية كثمرة للإيمان المسيحى:

لقد أكد الآباء أن العفة والبتولية قد ميزتا المسيحيين في حياتهم الجديدة في المسيح كثمرتين للإيمان الجديد، مقابل الإباحية والانحلال الجنسى التي كانت قبل الإيمان بالمسيح. وهذه الفكرة نجدها أولاً في أسفار العهد الجديد، ولاسيما عند القديس بولس الرسول، في مواضع كثيرة من رسائله. ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس ـ مثلاً ـ وفي الإصحاح السادس، يذكر مجموعة من الخطايا والانحرافات الجنسية التي لا يستطيع مُقترفوها أن يرثوا ملكوت الله بسببها، فيقول لمسيحيى كورنثوس: ” وهكذا كان أُناس منكم. لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

 

وفي رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكى يحثهم القديس بولس على الامتناع عن الزنا، فلا يتشبهوا بالأمم الذين لا يعرفون الله. إنه يقول: ” لأن هذه هى إرادة الله: قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتنى إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر، لأن الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلاً وشهدنا. لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة. إذًا مَن يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس” (1تس3:4ـ8)[5].

 

لقد كان هناك عند المسيحيين الأوائل صلة قوية جدًا بين تعاليم الإيمان، من ناحية، والسلوك الأخلاقى للجنس البشرى، من ناحية أخرى، حتى إن العالِم Wayne Meeks يقول “إن المسيحيين الأوائل حين تكلموا عن السلوك البشرى فلقد تكلموا عن الله في نَفسِ واحد “[6].

أما عن الصلة بين العفة والبتولية، من ناحية، وبين الإيمان المسيحى، من ناحية أخرى عند آباء الكنيسة، فتظهر في الأمثلة التالية:

1ـ في كتاب “الراعى”، وفي “الرؤية الثالثة”، نجد قائمة بسبع[7] فضائل، يأتى الإيمان، في بدايتها، ثم تتبعه العفة) ( self-restraint بصفتها ابنة الإيمان[8]. ثم تتكرر نفس الفكرة مرة أخرى في “المثل التاسع” حيث تأتي العفة مرتبطة بالإيمان بصفتها ثانى فضيلة في مجموعة من الفضائل يُرمز إليها بالعذارى[9]. بينما يأتي عدم الإيمان، وعدم الطهارة، والانغماس في الملذات الحسية كرذائل عكسية يُرمز إليها بنساء مكتسيات بملابس سوداء[10]. وفي “الوصية الأولى” يُنصح هرماس بأن يؤمن بالله ويخافه، وفي مخافته لله يكون متعففًا وضابطًا لنفسه[11].

يوستينوس الشهيد، في دفاعه الأول:14، يقارن ويقابل بين الانحلال الجنسى الذي ساد حياة الوثنيين قبل قبولهم للإيمان المسيحى، والعفة التي أصبحت تميزهم بعد قبولهم للإيمان، فيقول: ” نحن الذين سُررنا ذات يوم بالزنا، الآن لا نجد مسرتنا إلاّ في العفة فقط[12].

3ـ القديس كليمنضس الأسكندرى، في الكتاب الثالث من “المتنوعات” (Strom.III.8.62) يقتبس 2كو17:5: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا”. ويعلق القديس كليمنضس على هذا النص شارحًا طبيعة أو معنى الخليقة الجديدة هنا بالمقارنة بالخليقة العتيقة قائلاً: ” هناك العفة بدلاً من الزنا؛ ضبط النفس بدلاً من الانحلال؛ والبر بدلاً من الفساد”[13].

أما القديس أثناسيوس الرسولى فإنه يكّرم البتولية جدًا، ويعتبرها سمة خاصة للإيمان المسيحى، ودليلاً قويًا على صحة هذا الإيمان، وهبة ثمينة منحها المسيح للمسيحيين. يقول: ” إن ابن الله، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، حين صار إنسانًا لأجلنا، فإنه بالإضافة إلى كل هباته التي منحنا إياها قد أسبغ علينا هذه الهبة أيضًا وهى أن نقتنى ونحن على الأرض، حياة البتولية التي هى صورة لقداسة الملائكة. وبالتالى فإن الكنيسة الجامعة قد اعتادت أن تسمى أولئك الذين اقتنوا هذه الفضيلة (‘Aret») بعرائس المسيح. والوثنيون الذين يرونهم يعبرون عن إعجابهم بهن بصفتهن هياكل للكلمة. فبالحقيقة إن هذه الحياة المقدسة والسمائية ليس لها وجود في أى مكان إلاّ بيننا نحن المسيحيين. وهى دليل قوى جدًا على أن ديانتنا هى الديانة الأصيلة والحقيقية[14].

 

هذه الفكرة، أن البتولية هى ثمرة للإيمان المسيحى ودليل على صحته، كانت سائدة في فكر القديس أثناسيوس، حتى أننا نجده يكررها في أعماله الرئيسية. ومثل يوستينوس الشهيد من قبله، الذي ربط بين استهانة المسيحيين بالموت وتحليهم بفضيلة العفة وبين صدق وصحة ديانتهم، اعتبر القديس أثناسيوس أن عفة العذارى والنساك الشباب، بجانب الاستشهاد، هما إعلان عن الحق الكامن في الإيمان المسيحى.

 

ففي مقالته عن “تجسد الكلمة” يدعو أثناسيوس كل مَن يساوره أى شك في أصالة المسيحية قائلاً: ” تعال وانظر فضيلة عذارى المسيح، والشباب الذي يعيش حياة طاهرة عفيفة، والإيمان بالخلود في طغمة عظيمة من الشهداء”[15]. على أننا ينبغى أن نلاحظ هنا أن ما يشيد به القديس أثناسيوس بصفة خاصة، هى فضيلة (‘Aret») العذارى وعفة النساك، وليس التبتل (أو العزوف عن الزواج) في حد ذاته. ففضيلة العفة في نظره، هى عمل المسيح في المسيحيين، حيث أصبحت هذه الفضيلة سمة خاصة بهم تميزهم في إيمانهم بالمسيح عما كانوا من قبل. وهذا ما يحرص القديس أثناسيوس على تأكيده حين يقول: مَن ـ سوى المسيح ـ حرر البشر من أهواء نفوسهم، حتى أن الزناة أصبحوا متعففين، والقتلة طرحوا عنهم سيوفهم، والمستعبدين للخوف أصبحوا شجعانًا”[16]. فالمُهم في البتولية إذن؛ هى فضيلة العفة التي كانت تعتبر بالنسبة للمسيحيين أحد العناصر الجوهرية في حياة فاضلة صاروا يتميزوا بها في إيمانهم الجديد بالمسيح. هذا يؤكده أثناسيوس مرة أخرى بقوله: ” مَن مِن الناس بعد موته أو حتى أثناء حياته، علَّم عن البتولية، دون أن يعتقد أنه من المستحيل لهذه الفضيلة أن توجد بين البشر. أما مخلصنا ملك الكل؛ المسيح، فلقد كان لتعليمه عن البتولية من القوة حتى أن الأطفال الذين لم يصلوا بعد إلى السن القانونية، أصبحوا ينذرون بتوليتهم بما يتجاوز القانون. ومَن مِن البشر حتى اليوم تمكن من أن يتجول في أماكن عديدة جدًا، وأن يصل إلى الحبشة وبلاد فارس و أرمينيا وما وراء المحيط ومصر، لكى يكرز بهذه الفضيلة لهؤلاء الذين يؤمنون بالسحر، الذين كان التوحش سمتهم، كما فعل ربنا، قوة الله يسوع المسيح، الذي لم يكرز فقط لتلاميذه، ولكن حثهم على أن يتحولوا عن الوحشية في طرق الحياة، وألا يعبدوا، فيما بعد، الآلهة التي هى من صنع أيديهم، بل أن يقبلوه (أى المسيح)، وبواسطته يعبدون الآب[17].

 

1 قُدَّم هذا الموضوع أولاً كبحث قصير Paper في المؤتمر السنوى العاشر للجمعية الأمريكية للدراسات الآبائية The North American Patristic society في جامعة Loyola بشيكاغو في مايو 1994 ثم قُدَّم كمحاضرة في المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة في 6أغسطس 2001م

2 أنظر على سبيل المثال Vincent L. Wimbush and Richard Valantasis, eds. Asceticism (New York, Oxford: Oxford University Press, 1995); Peter Brown, “The Notion of Virginity in the Early Church”, in Christian Spirituality: Origins to the Twelfth century. Eds. Bernard McGinn, John Meyendorf, and Jean Leclarcq, World Spirituality: An Ency lopedic History of the Religious Quest, 16 (New York: Crossroad, 1985); Peter Brown, The Body and society: Men, Women and sexual Renunciation in the Early Church (New York: Columbi University Press, 1988).

3 أهم مَن تكلم عن سمات البتولية الحقيقية كليمنضس الاسكندرى في “المتنوعات”، الكتاب الثالث، الذي خصصه للحديث عن البتولية والزواج. أنظر Clement of Alexandria, Stromata, III (On Marriage), in Alexandrian Christianity. Trans. Henry Chadwick (Philadelphia: Westminster Press, 1954).

ومن أهم مَن تكلم بصفة خاصة عن ضرورة الاتضاع للبتولية، وخطورة الكبرياء، القديس يوحنا كاسيان: المناظرة الثامنة، ف5 NPNF 2nd ser. Vol. X1 (Grand Rapids, M1: William B. Eerdmans Publishing Company, 1978).

أيضًا مجمع غنفرة، قوانين 14،10،4،1 أنظر The Seven Ecumenical Councils of the Undivided Church: their Canons and Dogmatic Decrees. Ed. Henry R. Percival. in NPNF 2nd series, vol. XIV.

[4] St. John Cassian: “On the Eight Vices”. The Philokalia: The complete Text. Compiled by St. Nikodimos of the Holy Mountain and St. Makarios of Corinth. Vol.1. Trans. and ed. C.E.H. Palmer, Philip Sherrard, and Kallistos Ware (London: Faber and Faber, 1986), p77.

5 أنظر أيضًا 2بط5:1ـ6 ، 20:2.

[6] The Origins of Christian Morality, p.150

7 الخمس فضائل الباقية هى: البساطة . العلم . البراءة . الوقار . المحبة.

8 هذه الفضائل السبع يرمز إليها بسبع نساء يمسكن ببرج لئلا يقعThe Pastor of Hermas, Vision 3.8.ANF vol.2.p.15-16 . PG2. p. 906.

9 هؤلاء العذارى هن: الإيمان. العفة. القوة. طول الأناة.

[10] The Pastor, similitude 9.15.2-3 ANF.p.49

[11] The Pastor, commandment1, ANF.p.20.

[12] Early Christian Fathers,ed. Cyril C. Richardson, p.249; St. Justine Martyr, The First Apology, 14, trans. Thomas B. Falls. In The Fathers of the Church, vol. 6 (Washington D.C.: The Catholic University of America Press, 1977), p 47.  

[13] H.Chadwick, trans., in Alexandrian Christianity, p.69

[14] Apologia ad Constentium 33 NPNF, 2.4.p.252.

15 التجسد 48 Contra Gentes and De Incarnation. Ed. and trans. Robert W. Thompson (Oxford: The Clarendon Press, 1971), p.255 

16 التجسد 49 (Thompson p.251) وانظر أيضًا “حياة أنطونيوس” 79ـ80

NPNF2:4, p.217,29.Historia Arianum 25.1bid p. 278.

17 التجسد 51 ) (Thompson p.263

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

ما هي صورة القديسة مريم العذراء في الكتاب المقدس خصوصاً في العهد الجديد؟

هل توجد ملامح خاصة لهذه الصورة كما صوّرها العهد الجديد، ولماذا يختلف المسيحيون في تكريمها إن كانت لمريم العذراء صورة محددة في الكتاب؟

ما هي صورة القديسة مريم العذراء في الكتاب المقدس خصوصاً في العهد الجديد؟

القديسة مريم العذراء أم المسيح مذكورة في العهد الجديد صراحة ومُشار إليها في العهد القديم في أكثر من موضع. سنستعرض هنا دراسة مختصرة لمريم العذراء في العهد الجديد(16). لكن في البداية يجب الانتباه إلى ملاحظتين هامتين:

1- الغاية من كتابة العهد الجديد لم تكن التبشير بمريم أو الكلام عنها أو مدحها. هذا لا يعني أن العهد الجديد لم يذكرها أو لم يمدحها أو يمجدّها. لكن الغاية الرئيسية لكتابة العهد الجديد كانت ما قاله يوحنا 20: 30 “وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه”.

2- مريم قُدِّمت لنا في العهد الجديد من خلال البشارة بيسوع. الإيمان بمريم (أو العلم المتعلق بها Mariology) متعلّق بالعلم المتعلق بشخص المسيح (Christology).

لن أتبع هنا أسلوب علماء الكتاب المعاصرين في مناقشة هذا الموضوع. بل سأستعمل أسلوباً أنطاكياً مغايراً إن صح التعبير: أسلوباً يعتمد على عناصر تاريخية ولاهوتية وكتابية وروحية للوصول إلى المعنى المقصود من قبل الإنجيلي.

إنجيل القديس لوقا كان أكثر إنجيل ذكر القديسة مريم العذراء، لهذا سنبدأ به باختصار.

القديسة مريم العذراء في إنجيل لوقا:

في إنجيل البشارة (لوقا 1) نجد معلومات قيّمة انفرد بقصّها علينا القديس لوقا.

مريم كانت “عذراء” مخطوبة ليوسف (لوقا 1: 27). الأناجيل كلها متفقة على أن حبل مريم بيسوع المسيح كان بالروح القدس وبطريقة عجائبية لا مثيل لها. فعاقرات العهد القديم حبلن بعد معاشرة زوجية طبيعية وبتدخل إلهي في الوقت نفسه. تنشد الكنيسة الأرثوذكسية: “يا مَن بغير فساد ولدت كلمة الله”. الفساد الناجم عن سقوط آدم وحواء والذي دخل الطبيعة البشرية كان غريباً عن حبل مريم بيسوع وعن ولادتها له.

“سلام عليكِ أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت في النساء” (لوقا 1: 28). في اليونانية “المنعَم عليها دائماً”. بالمقارنة مع لو 1: 13: “لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سُمعت…”، نجد أن سلام جبرائيل لمريم يختلف كثيراً عن سلامه لزكريا. فجبرائيل ألقى “السلام” على مريم بينما قال لزكريا: “لا تخف”. زكريا كان “يكهن” في نوبته في الهيكل. مريم كانت تصلّي عند الظهور الملائكي. كانت تقوم بعمل أعظم من زكريا الكاهن.

“نعمة عند الله… تحبلين بيسوع… عظيماً وابن العلي يُدعى… كرسي داود أبيه… يملك على بيت يعقوب إلى الأبد… لا يكون لملكه نهاية.” (لوقا 1: 30-33): فحوى كلام جبرائيل هو أمرٌ فائق الطبيعة: كلمة “يسوع” تعني “الله يخلّص”. و”ابن العلي” هو “العلي ذاته”.

ومَن يملك إلى الأبد على بيت يعقوب ومَن لا يكون لملكه نهاية سوى الله وحده؟ من الواضح أن الألقاب المُسبغة هنا على يسوع الذي سيولَد من مريم لا تليق إلى بالله وحده، بيهوه العظيم. لهذا يكون المولود من مريم هو الله نفسه وليس مجرد إنسانٍ. هذا سيبرّر اللقب الخالد الذي دوّنه لوقا لنا على لسان أليصابات “أم الرب” (لوقا 1: 43).

“كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً” (لوقا 1: 34): لو كانت مريم تنوي إتمام الزواج من خطيبها يوسف لما استغربت أن تحبل لاحقاً، ولما سألت الملاك “كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً؟”. فالملاك لم يحدّد موعد حبلها. مريم تسأل الملاك عن الكيفية لتنفّذ. هي لم تشكّك مثل زكريا. هذه الآية إشارة غير مباشرة وإنما قوية للبتولية الدائمة لمريم.

“الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلي تظلّلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله” (لوقا 1: 35): لاحظ الحضور الثالوثي هنا: الروح القدس، العلي (أي الآب)، ابن الله. الحلول والظلّ تعبيران من العهد القديم لحضور الله في تابوت العهد؟ فمريم هي الآن تابوت عهد الله ومكان حلوله وحضوره. وتابوت العهد في العهد القديم كان رمزاً لمريم. هنا يحلّ الثالوث القدوس له المجد على مريم بصورة فريدة لا مثيل لها في التاريخ البشرية.

“لأنه ليس شير غير ممكن لدى الله” (لوقا 1: 37): كل المسيحيين يؤمنون (أو يظنّون أنهم يؤمنون) بهذا القول. أما عندما نأتي إلى الحياة العملية نجدهم لا يؤمنون به حقاً.

إن كنّا نؤمن أن الله قادرٌ على كل شيء فلماذا نتعجّب من أن العذراء حبلت بالروح القدس؟

ولماذا نتعجّب من أن مريم بقيت عذراء قبل الولادة وأثناءها وبعدها؟ ولماذا نتعجّب من أن يوسف لم يجرؤ على معرفتها معرفة جسدية بسبب المولود منها؟ إن كان كل شيء ممكناً لدى الله فيجب أن نطيع ونتعجّب لا أن نشكك!

“هوذا أنا أمَة الرب، فليكن لي كقولك” (لوقا 1: 38): قبول مريم للتدبير الإلهي هو قبول البشرية له. لم يقادرها الملاك إلا بعد أن وافقت على الخطة الإلهية. مريم كانت حرّة في القبول وحرّة في الرفض. تقواها وضميرها وحياتها مع الله لم تسمح لها إلا أن تكون “أمَة للرب”، للذي نذرت له كل كيانها منذ نعومة أظفارها. الملاك شرح لها كيفية الحبل لكي تقبل به. فالله لا يستطيع أن يُجبر مريم على قبول الحبل بيسوع. مريم ليست أداة منفعلة بل فاعلة. لو كانت مريم أداة منفعلة ومجرد “جسد” أو “مستودع” أو “قناة” عبر منها الرب كما توهّم البعض لما أعلنت موافقتها ولما انتظر جبرائيل أن توافق.

“لمّا سمعت أليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها” (لوقا 1: 41): ارتكض الجنين في بطن أليصابات بسبب سلام مريم. لوقا يربط بين سلام مريم وابتهاج الجنين بصورة مباشرة. الارتكاض حركة قد تكون منفعلة (حدثت عفواً كما هو حال الأجنّة) أو حركة فاعلة (وهو أمر غير مألوف لدى الأجنّة).

لوقا (الطبيب) يؤكّد هنا أن ارتكاض الجنين في بطن أليصابات كان حركة فاعلة لسببين. أولاً: لأن لوقا ربط بين سلام مريم وارتكاض الجنين، كما لو كان الجنين قد سمع هذا السلام وابتهج به، وحلّت عليه بركة خاصة. وثانياً: لأن لوقا يؤكد أن الجنين ارتكض ابتهاجاً (لوقا 1: 44). الابتهاج حركة فاعلة (تنمّ عن وعي وفهم) لا حركة منفعلة.

كيف يرتكض الجنين في بطن أليصابات ابتهاجاً بسلام مريم؟ لوقا أجاب المشكّكين سلفاً إذ سبق وقال كما أشرنا: “لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله” (لوقا 1: 37). فإما أن تؤمن أو لاتؤمن. نلاحظ هنا أن حضور مريم وسلامها كانا سبب بركة كبيرة لأليصابات ولجنينها.

“وامتلأت أليصابات من الروح القدس” (لوقا 1: 41): لوقا يربط بين سلام مريم وامتلاء أليصابات من الروح القدس. مريم هي شفيعة بواسطتها حلَّ الروح القدس على أليصابات وعلى جنينها. مريم لعبت دور كاهن، بواسطتها، حلَّ الروح القدس على الآخرين. مريم لم تطلب أن يحلّ الروح القدس على أليصابات (على غرار حلول الروح القدس على المعتمَدين في الكنيسة الأولى. مثلاً أع 8: 14…). الحالة المماثلة لحالة لوقا 1: 41 هي أع 10: 44… (حلول الروح القدس على الذين كانوا يسمعون بطرس): مريم لم تكن أقل من بطرس بسبب تقواها وإيمانها وبسبب الذي كان في بطنها.

“مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك” (لوقا 1: 42): كيف عرفت أليصابات بحبل مريم؟ الروح القدس ألهمها وهو روح معرفة. كيف عرفت أليصابات بأن ثمرة بطن مريم هي أمر عجيب ومتميّز عن سائر الأجنة؟ أيضاً الروح القدس الذي حلَّ على أليصابات بسبب حضور مريم وسلامها هو نفسه الذي ألهم أليصابات وعلّمها ما لم تعلم. لوقا هنا يقدّم لنا مريم على أنها نبع بركة وسلام وحلول للروح القدس.

العذراء كل حين – للقديس جيروم ضد هلفيديوس

“فمن أين لي هذا: أن تأتي أمُّ ري إليَّ؟ (لوقا 1: 43):

ليست هذه الزيارة الأولى لمريم إلى إليصابات نسيبتها. لماذا إذاً اعتبرت أليصابات أن زيارة مريم لها هذه المرة بالذات هي شرف عظيم لأليصابات؟ ولماذا اعتبرت أليصابات نفسها أنها غير مستحقة لزيارة مريم لها هذه المرة؟

الجواب هو أن حالة مريم هذه المرة تختلف عن حالتها في المرات السابقة التي تزاورت فيها مريم وأليصابات. بالطبع مريم اليوم حاملٌ بيسوع في بطنها. هذا الجواب تقدّمة أليصابات بقولها: “أمُّ ربّي”.

كيف عرفت أليصابات أن الجنين هو “رب” أليصابات نفسه؟ “الرب” لليهودي (أي لأليصابات ومريم ولوقا كاتب الإنجيل) هو “الله” نفسه. فمريم هي إذاً أمً الله، لأن الجنين هو الله المتجسد نفسه، لهذا اعتبرت أليصابات نفسها غير مستحقة لزيارة مريم لها.

لو رأي لوقا (ومعه الكنيسة الأولى) أن لقب “أم الله” (ثيؤتوكوس) هو لقب خاطئ لاهوتياً لما كان وتجرأ على استعمال تعبير “أم ربي” هنا، لأن “أم الرب” وأم الله” تعبيران متماثلان.

إذا كانت مجرد زيارة مريم هي شرف عظيم لا يستحقه أيٌ كان، فكم بالأكثر مريم نفسها: هي أم الله وتابوت عهده وهيكل قدسه؟

لهذا فمريم “مباركة في النساء” بطريقة فريدة عن أية بركة أخرى. بركة مريم تجعلها شخصاً لا يستحقه أيٌ كان إلا إذا كان قريباً جداً من الله.

لهذا تنشد الكنيسة الأرثوذكسية: “يا مَن هي أكرم من الشيروبيم وأرفع مجداً بغير قياس من السرافيم. يا مَن بغير فسادٍ ولدت كلمة الله؛ حقاً إنكِ والدة الإله إياكِ نعظّم”

مريم أعظم من الملائكة ومن البشر جميعاً. لأن مريم وحدها صارت تابوت الله وهيكل قدسه ومكان حلول الثالوث القدوس.

الكنيسة الأرثوذكسية (ومعها الكاثوليكية) تؤكد أن لقب “والدة الله” أو “والدة الإله” لمريم العذراء هو ليس لقب تكريم، وإنما يقع في صلب عقيدة التجسد، ومَن ينكره على القديسة مريم العذراء إنما يطعن في صحة التجسد الإلهي. لهذا السبب يقول القديس يوحنا الدمشقي: “إن اسم أم الله Theotokos يحوي كي سرّ التدبير (الإلهي)، لأنه إن كانت التي حبلت به هي أم الله فالمولود منها هو بالتأكيد إله وأيضاً إنسان” (الإيمان الأرثوذكسي 12: 3).

“الرب”: “الرب معك”، “ويعُطيه الرب الإله”،”هوذا أمَة الرب”، “أمّ الربي”، “ما قيل لها من قبل الرب”، “تعظّم نفسي الرب”…. كل هذا له معنى واحد: “الرب” هو واحد لليهودي، وهو الله نفسه: يهوه. لهذا “أم ربي” لا يمكن أن تُفهم إلى بمعنى واحد: أم الله، أم يهوه.

“فهوذا حين صار صوت سلامك في أذنيَّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني” (لوقا 1: 44):

إليصابات تفسّر لمريم ماذا حدث: صوت سلام مريم جعل الجنين يرتكض ابتهاجاً في بطن أليصابات، كما أن صوت سلام مريم جعل الروح القدس يحلّ على أليصابات.

“فطوبى للتي آمنت أن يتمّ ما قيل لها من قبل الرب” (لوقا 1: 45):

مريم تستحق التطويب لأنها آمنت.

القديسة مريم العذراء آمنت: أي بذلت جهداً وقبولاً وعملاً فاعلاً نحو المبادرة الإلهية نحوها.

القديسة مريم العذراء آمنت: أي مريم لم تكن أداةً منفعلة، بل فاعلة في التجسد الإلهي.

القديسة مريم العذراء آمنت: لم تكن مريم قنا عبَرَ الربُ منها.

القديسة مريم العذراء آمنت: لأن مريم كانت أفضل امرأة في التاريخ اختارها الله أمّاً لابنه.

القديسة مريم العذراء أمنت: كانت أتقى امرأة، فاختارها الله، فاستحقّت التطويب لا لأن الله اختارها، بل لأنها أمنت وصارت أمّة للرب. لهذا يقول يسوع: “مَن أمّي وأخوتي؟…. لأن مَن يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي” (مر 3: 33-35).

القديسة مريم العذراء تستحق التطويب، لا لأنها صارت أم الله. بل تستحق التطويب لأنها كانت مؤمنة وأفضل امرأة في التاريخ بسبب إيمانها وتقواها، ولأنها كانت تفعل مشيئة الله. بسبب هذا كله تستحق التطويب، وبسبب هذا كله اختارها الله أمّاً لابنه. فلو وجدت امرأة أفضل من مريم لتكون أماً للمسيح، الله المتجسد، لما كان الله عادلاً في اختياره!

“تعظّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلّصي” (لوقا 1: 46-47):

الله مخلّص مريم. لهذا ترفض الكنيسة الأرثوذكسية تعليم “الحبل بلا دنس” الكاثوليكي. الله اختار مريم لأنها الأفضل في إنسانية الساقطة التي تحتاج إلى مخلّص. “الحبل بلا دنس” يجعل مريم أداة منفعلة جعلها الله صالحة لتكون أمّه بدون إيمان منها أو جهد أو تقوى. هذا كله يعاكس جميع الآيات السابق ذكرها في لوقا.

“فهوذا منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال” (لوقا 1: 48-49):

جميع الأجيال تطوّب مريم. لم يقل أي أنسان من قبل إن جميع الأجيال تطوّبه. جميع الأجيال: أي الأجيال المؤمنة. لا يوجد مؤمن لا يطوّب مريم. فقط غير المؤمنين لا يطوّبون مريم!

لماذا تطوّب جميع الأجيال مريم؟ ذُكرت الأسباب: فهي “الممتلئة نعمة”، و”المباركة بين النساء”، وهي “أم يسوع: يهوه المخلّص”، “أم ابن العلي” و”أم الرب”، وعليها يحلّ الثالوث القدوس، وبواسطة مريم يحلّ الروح القدس حتى على الأجنّة، وسلام مريم مصدر ابتهاج وفرح وبركة ونعمة. يسوع صنع بمريم عظائم بأن تجسّد منها. فمريم هي أم عظائم القدير، عظائم الله. “لأن القدير صنع بي عظائم” (لو 1: 49): القدير هو الله، ويسوع هو الله.

“واسمه قدوس” (لو1: 49): أسم الله قدوس، فاسم يسوع قدوس، ومريم أم القدوس الساكن في حشاها والمولود منها. وبما أن القدوس لا يسكن إلا في قدوس ولا يولد إلا من قدوس: فمريم إذاً قدوس (صارت هكذا بحلول الروح القدس عليها).

“ورحمته إلى جيل فجيل للذين يتّقونه” (لو 1: 50):

رحمة الله هنا أنه أرسل يسوع لخلاصنا من مريم: فمريم أم مراحم الله. هذه الرحمة هي للذين يتّقون الله، لهذا مريم تتقي الله، لهذا هي فاعلة، لا منفعلة، في دورها لقبول التجسد.

“ابنها البكر” (لوقا 2: 7): يشير لوقا إلى أن يسوع هو ابن مريم البكر وليس ابن يوسف أو ابنهما البكر. هذه إشارة أخرى إلى بتولية الحبل بيسوع.

يسوع هو “المسيح الرب” (لوقا 2: 11)، لا “مسيح الرب”، أي يهوه نفسه، فمريم هي أم المسيح الرب، أم يهوه.

“وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها” (لوقا 2: 19؛ ولو 3: 51):

لوقا هنا يقول صراحة إن لمريم رؤية مختلفة عن الآخرين، وإيماناً مختلفاً وتأمّلاً مختلفاً، لأنها كانت تعرف أكثر وتحب أكثر وتطيع أكثر وتؤمن أكثر. مريم فهمت أكثر كلَّ شيء بعد العنصرة: حلول الروح القدس الأول عليها (البشارة) كان لتقديسها وتهيئتها للحبل بيسوع. حلول الروح القدس الثاني (العنصرة) كان لقداستها الشخصية.

لوقا يربط بين الحوادث التي مرّت بالعائلة المقدسة وبين حفظ مريم لها في ذاكرتها وبين تفسير مريم له فيما بعد، بعد العنصرة. إشارة لوقا ههنا مهمّة لتفسير دور مريم في إنشاء الأناجيل، إذ كان لها دورٌ فاعل، فالكثير من المعلومات المدوّنة لنا أتت منها.

“أمّي وأخوتي هما الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها” (8: 19-21)(17)، وأيضاً: “بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه” (لو 11: 27-28): تعريف العائلة الإسكاتولوجية هنا: مَن يسمع كلام الله ويحفظه. مريم استحقت أن تطوبها جميع الأجيال لأنها سمعت كلام الله وحفظته. مريم استحقت أن تُطوَّب لأنها أيضاً أم الله.

و”كان جميع معارفه ونساءٌ كنَّ قد تبعنه من الجليل وافقين من بعيد ينظرون ذلك” (لو 23: 49): جميع معارف يسوع كانوا عند الصليب وهذا يشمل مريم.

القديسة مريم العذراء في إنجيل متى:

القديسة مريم العذراء

“ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (متى 1: 25):

هذه المرة الثالثة في هذا الأصحاح الذي يذكر فيها متى أن الحبل بيسوع هو من الروح القدس(18). متى يدفع القارئ إلى استنتاج سبب عدم معرفة يوسف لمريم معرفة جسدية: سبب عدم معرفة يوسف لمريم قبل الولادة هو نفسه سبب عدم معرفته لها جسدياً بعد الولادة. هذا السبب هو: ابنها البكر، يسوع المسيح، مسيح الرب، عمانوئيل، المخلّص، يسوع. إذاً لا توجد علاقة زوجية بعد معرفة أن يسوع هو الله(19).

“قم وخذ الصبي وأمّه واهرب إلى مصر” (متى 2: 13؛ 14؛ 20؛21): الملاك (والإنجيلي متّى) يدعو مريم “أم يسوع” وليس زوجة يوسف. إذاً: لا يعرف الإنجيل مريم إلا من خلال يسوع، وليس من خلال أية علاقة أخرى. بيسوع قُدِّمت مريم لنا، وبيسوع نعرف مريم، ونحو يسوع تقودنا مريم بصلواتها وشفاعاتها.

“ها أمي وأخوتي. لأن مَن يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي” (متى 12: 46-50):

هذا المشهد يقدّمه متّى لنا لغاية واحدة تلخصها كلمات يسوع في نهايته. فالحدث مهمّ بأهمية التعليق الإلهي الآتي من الرب. وباختصار نقول إن هذا التعليق الإلهي على هذا الحث هو أن العائلة الإيمانية أهم بكثير من العائلة الجسدية. الإيمان رابطة أقوى وأعمق من الدم واللحم. هذا لا يعني أن العائلة الجسدية مرفوضة. يسوع قال: “أكرم أباك وأمك” (متّى 19: 19)، ولكنه قال: “وكلّ مَن ترك… أو أباً أو أماً… من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية” (متى 19: 29).

القديسة مريم العذراء في هذا المشهد هي النموذج الذي تحقّق فيه كلام الرب: مريم فعلت مشيئة الآب: “ليكن لي بحسب قولك”. وبالتالي هي أخو الرب وأخته وأمّه. لا بل هي أم كل مؤمن. وإن أوصى المسيح بالأم الجسدية فكم بالأكثر أن يوصي بأمّ الإيمان؟ لهذا السبب لا مفر لأي “مسيحي” أن يتخذ مريم أمّاً له. لا يمكنك أن تؤمن بالمسيح “فقط” ولا تبالي بمريم. المسيح لم ينزل من السماء مباشرة. أتانا من مريم وبمريم وعبر مريم.

“أليست أمّه تُدعى مريم وأخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟” (متّى 13: 53-58):

يسوع أتى إلى المجتمع من عائلة حقيقية (فيها الأب والأم والأخوة والأخوات). هذا أعثر الكثيرين الذين لم يستطيعوا مشاهدة أي شيء أعظم من الإنسان في يسوع. أيضاً إيمان الكنيسة بمريم ومعاينتها لمريم “أمّاً لله” أعثر الكثيرين الذين رفضوا أن يروا فيها أكثر من مجرد امرأة، مجرد إنسان.

موضوع أخوة الرب مذكور من مكان آخر(20).

مريم في إنجيل مرقس:

في مرقس 3: 31-35 نجد موضوع العائلة الإيمانية يتكرر كما في متّى 12: 46-50. وفي مرقس 6: 1-4 نجد موضوع أخوة الرب السابق ذكره.

مريم في إنجيل يوحنا:

إنجيل يوحنا يذكر مريم في مناسبتين رئيسيتين: عرس قانا الجليل وعند الصليب. هل توجد علاقة لاهوتية بين هذين المشهدين؟ طبعاً توجد وعلاقة قوية جداً.

الملاحظة الثانية هي أن يوحنا لا يدعو مريم باسمها بل فقط بلقبها “أم يسوع”: إنه لا يريد معرفتها إلا من خلال يسوع.

القديسة مريم العذراء في عرس قانا الجليل: (يوحنا 2: 1-11)

مريم مذكورة قبل يسوع وتلاميذه بسبب دورها البارز في هذا المشهد(21). مريم تتحسّس نضوب الخمر في العرس، والعرس هو العلاقة بين الله وشعبه. والخمر هو الفرح. إذاً مريم تتحسّس أن علاقة الله بشعبه في “ملء الزمان” صارت بدون “خمر”، بدون فرح، بدون بركة فقالت ليسوع “ليس لهم خمر”.

يسوع يعرف أن الخمر نضبت، لكن مريم تُخبره بهذا لأنها أمّه ولها دالّة عنده. مريم إذاً تتشفّع لنا عند ابنها وإلهها، أي تصلّي من أجلنا. يسوع أجاب مريم: “يا امرأة”: ليس هذا توبيخاً، ولا تعبيراً غير مهذّب من يسوع وهو القائل: “أكرم أباك وأمّك فهذه أول وصيةٍ بوعدٍ”. لكن يسوع خاطب نسوة أخريات بهذا اللقب مثل: الكنعانية (متّى 15: 28)، والمنحنية (لو 13: 12) والسامرية (يو 4: 21، 23)، والزانية (يو 8: 10)، والمجدلية (يو 20: 15).

العنصر المشترك بين هذه المشاهد كلها هو: أن يسوع استعمل لقب “يا امرأة” عندما كان على وشك أن يُظهر ألوهيته. استعمل يسوع لقب “يا امرأة” عندما كان على وشك القيام بمعجزة (الكنعانية والمرأة المنحنية)، وعندما أصدر دينونةً وحُكماً لامرأة أدانتها الشريعة اليهودية (الزانية). وعندما أعلن طريقة العبادة الحقيقية لله الآب (السامرية). وعندما وقف كإلهٍ ناهضٍ من الأموات (المجدلية). أخيراً استعمل لقب “يا امرأة” عندما كان على معلّقاً على الصليب يحتضر، فخاطب أمّه: “يا امرأة، هوذا ابنك” (يو 17: 26)، وخاطب تلميذه قائلاً: “هوذا أمّك” (يو 17: 27)

علاقة مشهد الصلب مع عرس قانا الجليل واضحة. فهما المشهدان الوحيدان في يوحنا حيث تظهر أم يسوع. لقد خاطبها يسوع بالعبارة نفسها: “يا امرأة”. عرس قانا الجليل حدث قبل “الساعة” (2: 4)، أي قبل ساعة الصلب والموت والتمجيد، يحدث هذا المشهد بعد أن أتت الساعة (19: 26).

إذاً، عندما يستعمل يسوع لقب “يا امرأة” فإنه يستعمله لا كمجرد إنسانٍ أو معلّم، بل كإلهٍ يُعلن شفاءً أو حُكماً أو شريعةً أو كشفاً عن علاقة جديدة بين الإله المصلوب والقائم من الأموات وبين الإنسان المدعو إلى الإيمان به والتلمذة له. في استعماله تعبير “يا امرأة” يكون يسوع في موقف خاص يعلن اعلاناُ خاصاً، اعلاناً يتعلّق بألوهيته وربوبيته. فما هو هذا الإعلان الذي جاء في كلامه لأمّه هنا عندما قال: “مالي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي بعد”؟

حتى نفهم لماذا استعمل الرب تعبير “يا امرأة” في عرس قانا علينا أن نفهم معنى قوله “مالي ولك يا امرأة، لم تأتِ ساعتي بعد”. “مالي ولكِ”: هو تعبير سامي معناه باختصار: “ما علاقتي بك؟” عندما يُطلب من طرف التدخل في مسألة، يشعر أن لا علاقة له بها، يستطيع أن يقول لمَن يطلب منه التدخل: “مالي ولك؟”، أي هذا شغلك، كيف أتدخّل أنا هنا؟(22)

فالرب في قوله: “لم تأتٍ ساعتي بعد” يفسّر لأمّه ماذا يقصد بجملة: “مالي ولك يا امرأة”. وكي نفهم معنى قوله “مالي ولكِ يا امرأة” علينا أن نفهم المقصود بقوله: “لم تأتِ ساعتي بعد”. فما المقصود من “الساعة” هنا؟

ما هي “الساعة” إذاً في إنجيل يوحنا؟ الساعة هي ساعة الآلام والصلب والموت: فيها الموت يؤدّي إلى حياة كما أن حزن الماخضة يؤدي إلى ولادة جديدة وحياة جديدة(23).

الآن نستطيع فهم لغز هذا الحوار بين مريم ويسوع في قانا. مريم تقول ليسوع: “ليس لهم خمر”. بالنسبة ليسوع الخمر هي رمز الدم. بما أن خمر العهد القديم قد نضبت وخسرت بركتها، احتاج الشعب إلى عهد جديد مختوم بدم جديد هو دم المسيح، والخمر هنا رمز لدم المسيح. وبما أن “الساعة”، ساعة الآلام والصلب لم تأتِ بعد عندما سيقدّم يسوع للشعب “الخمر الجديدة”، “الخمر الحقيقية” التي هي دمه، لهذا قال لمريم: “مالي ولك يا امرأة، لم تأتِ ساعتي بعد”. لأن يسوع وحده هو مَن يحدّد ساعة الصلب، ساعة إهراق دمه “الخمرة الحقيقية”.

مريم طلبت خمراً ويسوع فهم طلبها على مستوى آخر، أعمق. مريم فهمت قول الرب لها فقالت للخدام: “افعلوا كلَّ ما يقوله لكم”. لم تفهم قول الرب لها رفضاً لطلبها أو إهانة لا سمع الله. ويسوع فهم طلب مريم منه لكنه أراد التلميح إلى أن الخمر الحقيقية هي الوحيدة المستحقة أن تُطلب. هذه الخمر الحقيقية هي دمه القدوس.

“فآمن به تلاميذه” (يو 2: 11).

يوحنا لا يقول إن مريم آمنت بيسوع، لأنها كانت مؤمنة به سلفاً حتى قبل أول الآيات. قد يسأل سائل: من أين تعلم أن مريم كانت مؤمنة بيسوع قبل أول الآيات؟ سأجيب على هذا السؤال هنا لأنه سؤال الكثيرين من غير الأرثوذكس.

قال الإنجيلي يوحنا إن تلاميذه هم الذين آمنوا به ولم يذكر أمَّ يسوع. حقاً لم يكن في العذراء أيُّ شكٍ بيسوع أو بمقدرة يسوع. كيف سيدخل إليها أيُّ أثرٍ من شك وهي التي حبلت بالروح القدس بحسب قول جبرائيل نفسه، وأنجبت عمانوئيل، يسوع، يهوه المخلِّص، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم؟ يكف تشكُ وهي التي سمعت من أليصابات أن يوحنا المعمدان الجنين قد ارتكض ابتهاجاً في بطن أليصابات لدى سماعه صوت مريم، أمّ الرب؟

كيف سيداخلها أيُّ شكٍ وهي التي رأت المجوس الغرباء يأتون إليه ليسجدوا له سجودهم لملكٍ وإلهٍ؟ كيف يداخلها أيُّ شكٍ وهي التي رأت الرعاة يزورون الطفل الإلهي بعد أن سمعوا رسالةً ملائكية سماوية تسبّح الله في الأعالي؟

كيف يساورها أيُّ شكٍ وهي التي سمعت سمعان البارّ يقول عن الطفل الإلهي، عن مسح الرب، إنه خلاص يهوه ونور إعلان للأمم ومجداً لشعب يهوه (لو 2: 26-32)؟ كيف ستشكّ وهي التي سمعت من ابنها يسوع نفسه أن الله هو أبوه (لو 2: 49)، “فكانت أمّه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها” (لو 2: 51)؟ من الواضح أن يوحنا الإنجيلي يضع مريم على حدة بالنسبة لتلاميذ يسوع. كان أمُّ يسوع متميّزة عنهم.

لكن الرب وهو على الصليب أراد أن يُظهر أن أمّه هي التلميذ المثالي، فقام بإيداعها لتلميذه الذي يحبّه، ليوحنا، مُظهراً أن التلمذة ليسوع أهمّ من العائلة الطبيعية. فمريم صارت أمّ الرب منذ الحبل بيسوع، لكنها كان تلميذته قبل ذلك لأنها كانت أفضل مَن كان يصلح ليكون أمّاً لابن الله وإلا لما عَدَلَ الله في اختياره لها.

” يا امرأة هوذا ابنك…. هوذا أمّك…” (يو 19: 25-27):

أم يسوع لم تغادره عند الصليب. الإنجيليين الإزائيين لم يذكروا وجودها عن الصليب. من يوحنا نعلم أنها كانت موجودة. إذا قاعدة: عدم ذكر مريم في مناسبة ما لا يعني عدم وجوده.

يسوع يؤسّس العائلة الإسكاتولوجية التي سبق وعرّفها سابقاً: التلميذ الذي كان يسوع يحبّه هو ابن مريم. كل تلميذ يحبّه يسوع هو ابن مريم وبالتالي مريم أمه. مريم جزء لا يتجزأ من العائلة المسيحية لا يمكن أن نتجاهله. يسوع كإلهٍ مصلوبٍ يؤسس العائلة الإسكاتولوجية. لهذا السبب يسوع يخاطب أمه “يا امرأة” وليس “يا أمّي”. هذا لا يعني أم مريم ليس ام يسوع أو أنه ينكرها, إنما يعني أن علاقة يسوع بمريم من الآن فصاعداً هي علاقة أهم وأعظم: علاقة إلهٍ بخليقته، ومعلّم بتلميذه. ولأن يوحنا هو التلميذ المثالي والذي كان يسوع يحبّه، فمريم هي التلميذة المثاليّة التي كان يسوع يحبّها.

إذاً: يسوع يعطي التلميذة المثالية إلى التلميذ المثالي. هذا يفسّر تعريف العائلة الإسكاتولوجية، ويفسّر “يا امرأة”.

“ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته” (يو 19: 27). لو كان لمريم أبناء غير يسوع لما كانت قد سكنت مع يوحنا. حتى لو كان أخوة غير مؤمنين به آنذاك، فهذا لا يسمح ليسوع بتسليم مريم ليوحنا، لأن مريم، في تلك الحالة لو وجدت، كانت تسكن معهم (حتى لو كانوا غير مؤمنين).

أيضاً: “إلى خاصته” تعني إلى بيته، إلى حياته: كل مؤمن يجب أن يدعو مريم للدخول إلى بيته وحياته أي إلى خاصته كما فعل يوحنا: هذه وصية إلهية من الرب يسوع، لأن كل مؤمن مدعوٌ أن يكون “التلميذ المثالي” وبالتالي ينال شرف أن يكون ابن مريم، وأن تكون مريم أمّه، وبالتالي يأخذها إلى “خاصته”، إلى حياته.

مريم في أعمال الرسل:

“هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة (والطلبة) مع النساء ومريم أم يسوع ومع اخوته” (أعمال 1: 14):

مريم أم يسوع منفصلة ومتميّزة عن “النساء” لأنها لا تُقاس بهن: “تطوبني جميع الأجيال” الخ…

مريم أم يسوع منفصلة عن “اخوته” لأنها جزء من العائلة الإيمانية وليس بحسب الجسد بعد الآن.

مريم العذراء

مريم في سفر الرؤيا:

“وظهرت آيةٌ عظيمة في السماء، امرأة متسربلةٌ بالشمس… وعلى رأسها إكليلٌ… والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها…” (رؤ 12: 1-6): المرأة هنا تتمخض لتلد ابناً.

كثيرون من المفسّرين يعتبرون “المرأة” في رؤيا 12 أنها الكنيسة. لكن الكنيسة ليس أمّ المسيح، بل عروسه. إذاً المرأة في رؤيا 12 يمكن أن ترمز أيضاً إلى القديسة مريم العذراء أم المسيح. القديسة مريم العذراء لها إكليل على رأسها فهي الملكة. مريم متسربلة بالشمس: دلالة على مكانة مريم في الكنيسة. توجد وجهات نظر متباينة تؤيد التفسيرّين معاً.

في هذه اللمحة السريعة تناولنا مناقشة النصوص الكتابية التي تذكر القديسة مريم العذراء في العهد الجديد. نلخص النقاط المهمّة التي وجدناها كما يلي:

  1. الحبل بيسوع المسيح كان حبلاً عجائبياً من الروح القدس وبدون علاقة زوجية مع يوسف، مما يميّز حبل القديسة مريم العذراء عن حبل العاقرات في العهد القديم. بالحري، إن القديسة مريم العذراء هي أعظم مخصبة لأنها ولدت المسيح، الحياة الأبدية.
  2. مريم “الممتلئة نعمة” هي أفضل امرأة وأصلح نساء الكون لتكون أمّاً ليسوع وإلا لكان الله قد أجحف في اختياره لها. قداستها ومحبتها وغيرتها جعلتها موضع اختيار الله.
  3. مريم لم تكن منفعلة في التجسد الإلهي، ولم يستعملها الله كأداة أو قناة أو مجرد “رحم” ليلد منه المسيح. كان دورها فاعلاً لدرجة تطلب أن توافق على الخطة الإلهية.
  4. يوسف لم يعرف مريم قبل زواجها بسبب يهوه المخلّص الموجود في بطنها. هذا السبب دفع يوسف لعدم معرفة القديسة مريم العذراء معرفة جسدية بعد ولادة المسيح الرب.
  5. مريم هي تابوت الله وهيكله ومكان حلول الثالوث القدوس. “لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله”.
  6. مريم نبع سلام وبركة ونعمة وبواسطتها يحلّ الروح القدس حلولاً عجائبياً وصانعاً للعجائب.
  7. مريم هي أم الرب أي أم الله لأن المولود منها هو نفسه الرب، عمانوئيل، المسيح الرب. هي أم المولود منها وليس أم جزء منه.
  8. يجب أن نكون مستحقين لحضور القديسة مريم العذراء في حياتنا، فهي ليست إنساناً عادياً، علاقتنا بمريم هي علاقة إيمانية، مبنية على العائلة الأخروية أو الإيمانية. جميع الأجيال مطالبة بتطويب مريم وبصنع علاقة إيمانية خاصة معها.
  9. مريم تتشفّع من أجلنا إلى ابنها وإلهها. إنها تتحسّس حاجاتنا وضعفاتنا فتقول لابنها: “ليس لهم خمرٌ”، أي نضبت النعمة لديهم. وابنها يستجيب لطلباتها من أجلنا.

إيمان الكنيسة الأرثوذكسية بالقديسة مريم العذراء، هو إيمان مبني على الكتاب المقدس في كل تفاصيله. لهذا السبب لا يستقيم الإيمان بالمسيح بدون الإيمان الصحيح بالقديسة مريم العذراء بدون مغالاة، سواء برفضها كلياً أو بنسبة أمور غير صحيحة لها. (د. عدنان طرابلسي)

“ومن ثمّ فإنه لعدلٌ وحق أن نسمّي القديسة مريم العذراء والدة الإله، لأن هذا الاسم يوطّد سرّ التدبير كله. فإذا كانت الوالدة والدة الإله. فالمولود منها إلهٌ بكامله وإنسان أيضاً بكامله.” (القديس يوحنا الدمشقي)

“خلّصي عبيدك من الشدائد يا والدة الإله، لأننا كلنا بعد الله إليكِ نلتجئ، كمثل حصن لا ينشق ولا ينصدع، وشفيعة” (خدمة الباراكليسي)

 

(16) ستصدر لاحقاً دراسة عن “القديسة مريم العذراء في العهد الجديد”.

(17) قارن مع متى 12: 46-50 ومرقس 3: 31-35 (تعريف العائلة الإسكاتولوجية: الأخروية).

(18)  متى 1: 18؛ 20: 23.

(19) راجع دراسة “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” في شرح إنجيل متى، الجزء الأول، ص 283 (ترجمة د. عدنان طرابلسي).

(20) راجع دراسة “اخوة الرب” في الجزء الثاني من شرح إنجيل متى، ص 369، ترجمة د. عدنان طرابلسي.

(21) سننشر دراسة لاحقة مستقلة عن “عرس قانا الجليل”. سأستعرض هنا بعض النقاط مختصرة تجنباً للتكرار (المحرر).

(22) 2ماو 3: 13؛ هوشع 14: 8.

(23) راجع يوحنا 16: 4؛ 16: 21؛ 17: 1؛ متى 26: 45؛ مر 14: 35؛ 14: 41؛ يو 12: 23؛ يو 13: 1؛ الخ.

ما هي صورة القديسة مريم العذراء في الكتاب المقدس خصوصاً في العهد الجديد؟

هل للسيد المسيح اخوة؟ ومن هم أخوة يسوع؟؟ بقلم Mor Antonios

هل للسيد المسيح اخوة؟ ومن هم أخوة يسوع؟؟ بقلم Mor Antonios

هل للسيد المسيح اخوة؟ ومن هم أخوة يسوع؟؟ بقلم Mor Antonios
بقلم mor antonios
ما معنى عبارة اخوة يسوع:…..يقول البعض أن القديسة مريم العذراء لم تظلّ عذراء بعد ولادة السيد المسيح له المجد، لأن للسيد المسيح أخوة كما يقولون ذكرهم كلمن مرقس ومتى. ويستدلون على الآيات التالية:
  • فقالوا له هوذا امك واخوتك خارجا يطلبونك ” ( مر 3: 32).
  • أليس هذا هو النجار ابن مريم واخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان ” ( مر 6: 3).
  • أليس هذا ابن النجار.أليست امه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا ” (مت 13: 55).
  • أوليست اخواته جميعهنّ عندنا فمن اين لهذا هذه كلها ” (مت 13: 56).
– معنى الاخ عند الشعب اليهودي وفي اللغة الآرامية والعبرية:
في اللغتين العبرية والأرامية القديمتين، لم تكن هناك لفظة خصوصية، كما في لغاتنا اليوم، للإشارة إلى ابن(بنت)العمّ أو أبن ( بنت ) الخال، ابن أو ( بنت ) العمّة وابن ( بنتالخالة).
بل كانت تدعو ” أخاً ” أو ” أختاً ” كلّ من جمعتك به قرابة أو حتى صداقة. لذلك نرى مراراً في الكتاب المقدس أن كلمة ” أخ ” تدل لا على شقيق فقط بل على قريب بالدم أيضاً:
 
كان لوط ابن أخي ابراهيم، ومع ذلك يقول الكتاب المقدس عن سبي لوط مع أهل سدوم:
فلما سمع ابرام ( ابراهيم ) ان اخاه سبي جرّ غلمانه المتمرّنين …” ( تك 13: 13).
فاعتبر أن لوط أخوه مع أنه ابن أخيه، بسبب القرابة الشديدة.
وكذلك قول ابراهيم لأبن أخيه لوط ” لاننا نحن اخوان ” (تك 13: 8).

 

ويقول يعقوب ” واخبر يعقوب راحيل انه اخو ابيها ” ( تك 29: 12 ). وهو أبن أخته، وابو راحيل هو خاله وقد تكررت عبارة خاله في هذا النص مرات كثيرة..

 

و يقول الكتاب أيضاً ” ومات العازار ولم يكن له بنون بل بنات فأخذهنّ بنو قيس اخوتهنّ” أخبار الأيام الأولى 23: 22. (أي تزوّجوهنّ) .
وبنفس الاسلوب قيل اخوة يسوع عن أولاد خالته مريم زوجة كلوبا أوحلفي.
(البعض يتبنى الرأي القائل: ان اخوة يسوع هم اولاد مار يوسف من إمرأته المتوفاة لأنه كان أرملاً).
وكلوبا اسم يوناني لحلفي الاسم الآرامي .
من الجدير بالذكر أن أخوة يسوع لا يوصفون قطّ بأنهم أولاد مريم أو بناتها، كما لا تذكر ولادة أيّ واحد ولا موت أي واحد منهم قبل موت السيد المسيح له المجد!!!.
 
والان لندرس الآيات التالية بإمعان:
أليس هذا هو النجار ابن مريم واخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان ” ( مر 6: 3).
وكانت ايضا نساء ينظرن من بعيد بينهنّ مريم المجدلية ومريم ام يعقوب الصغير ويوسي وسالومة ” ( مر 15: 40 ). وسمي يعقوب هذا الصغير لتمييزه عن يعقوب بن زبدي الكبير. ويدعى ايضاً يعقوب بن حلفى ( مت10: 3) وكان من الرسل كما ورد في شهادة مار بولس الرسول:
ولكنني لم ار غيره من الرسل الا يعقوب اخا الرب” ( (غل 1: 19).
القديس متى يذكر المريمات عند الصليب :
وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهنّ كنّ قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه، وبينهنّ مريم المجدلية ومريم ام يعقوب ويوسي وام ابني زبدي ” ( مت 27: 55 ،56).
السؤال المهم:

إذا كانت مريم أم يعقوب ويوسي هي مريم العذراء ألا يجب أن تسمى

مريم أم يسوع ويعقوب ويوسي ويهوذا !! باعتبار ان يسوع هو ابنها البكر والشخصية التي تدور هذه الأحداث لكل هذه الاحداث!.
* فمن هي مريم أم يعقوب ويوسي هذه؟ هل هي مريم العذراء ؟ وهل يعقل أن العذراء أنجبت كل هذه المجموعة الكبيرة من الأبناء!!.
أُم هؤلاء الأخوة ( اخوة يسوع ) هي مريم زوجة حلفي أو كلوبا، التي قال عنها يوحنا الرسول:

وكانت واقفات عند صليب يسوع امه ( أم يسوع ) واخت امه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية

( يو 19: 25 ). هنا ميزت الاية بين أم يسوع وأخت أم يسوع مريم زوجة كلوبا خالة يسوع. وان عدد المريمات ثلاثة عند الصليب مريم العذراء ومريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية!فهل يجرء احد الان ان يقول ان العذراء مريم ولدت هؤلاء الاولاد كلهم!.

قارن مع:

وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهنّ كنّ قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهنّ مريم المجدلية ومريم ام يعقوب ويوسي ( زوجة كلوبا ) وام ابني زبدي ” ( مت 27 : 55 ، 56).
” وكانت مريم المجدلية ومريم ام يوسي تنظران اين وضع ” ( مر 15: 47). هنا تدعى مريم ام يوسي.
وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم ام يعقوب وسالومة حنوطا ليأتين ويدهنّه
(مر 16 : 1) هنا تدعى مريم أم يعقوب.
مريم أم يعقوب ويوسي كانت مع مريم المجدلية عند صليب المسيح ( مت 27: 55، 56)
وهما نفسهما مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي التين كانتا واقفتين وقت الدفنتنظران أين وضع ” ( مر 15 :47).
وهما أيضاً أحضرتا حنوطاً بعدما مضى السبتوبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم ام يعقوب وسالومة حنوطا ليأتين ويدهنّه ” ( مر 16 : 1).

وهما أيضاً كانتا عند الصليب مع مريم أمهأم يسوع(يو 19: 25وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية.

اذا مريم زوجة كلوبا هي نفسها مريم زوجة حلفيّ.

ملاحظة مهمة : ان كلوبا اسم يوناني لحلفي وهوالاسم الآرامي.

*أما الأخوان الآخران وهما سمعان ويهوذا فذكرهما لوقا الانجيلي:
متّى وتوما. يعقوب بن حلفى وسمعان الذي يدعى الغيور. يهوذا اخا يعقوب )” لو 6: 15).هنا يدعى يعقوب ويهوذا اولاد لحلفي.
وكانت واقفات عند صليب يسوع امه واخت امه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية” ( يو 19: 25).هنا مريم زوجة كلوبا! .
وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهنّ كنّ قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهنّ مريم المجدلية ومريم ام يعقوب ويوسي وام ابني زبدي ” ( مت 27 : 55 ، 56).هنا مريم ام يعقوب ويوسي نفسها التي دعيت زوجة كلوبا نقول عنها انها نفسها زوجة حلفي لأن يعقوب ابنها دعي ابن حلفي وكذلك يهوذا اخوه، كما في ( يو19: 25).

الخلاصة:

إذن اخوة الرب يسوع هم أولاد خالته مريم زوجة كلوبا المعروف أيضا ب حلفي هي أم يعقوب ويوسي وباقي الأخوة (اختمريم العذراء لها نفس الأسم وهذا ليس غريبا عن عادة ذاك الزمان).
إثبات ان مريم زوجة كلوبا هي ذاتها مريم زوجة حلفي وذلك من اسم يعقوب ويهوذا اولادها:
بالنسبة للأخوين الأخرين:
نقرأ أيضا عن يعقوب ويهوذا إنهم اخوة:
يعقوب بن حلفى(مت 10: 3).هو نفسه يعقوب بن كلوبا
ولكنني لم ار غيره من الرسل الا يعقوب اخا الرب)” غل 10: 3).اذاً يعقوب بن حلفي هو أخو الرب يسوع فهو ابن حلفي المسمى كلوبا.
متّى وتوما يعقوب بن حلفىوسمعان الذي يدعى الغيور، يهوذا اخا يعقوب(لو6: 15 – 16).
يعقوب بن حلفى ولباوس الملقب تداوس ( يهوذا) ” ( مت 10: 3 ). يهوذا هنا اسمه تداوس.
يهوذا عبد يسوع المسيح واخو يعقوب الى المدعوين المقدسين في الله الآب والمحفوظين ليسوع المسيح ” ( يهوذا 1) . ونلاحظ انه لم يقل يهوذا اخو يسوع ويعقوب بل عبد يسوع! واخو يعقوب!.
ويعقوب بن حلفى وسمعان الغيورو يهوذا اخو يعقوب(أع 1: 13).
وسمعان ذكر انه من اخوة يسوع ايضاً:
أليس هذا هو النجار ابن مريم واخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان(مر 6: 3).
أليس هذا ابن النجار أليست امه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا.
اثبتنا بالدليل والايات ان اخوة يسوع هم اولاد مريم زوجة كلوبا او حلفي، فهل بعد هذا هناك من يعتقد بانهم اخوة يسوع المسيح بالجسد ( من العذراء مريم ام يسوع ويوسف خطيبها).
 
مما سبق نستنتج ان مريم زوجة كلوبا التي كانت عند الصليب:
1- هي زوجة كلوبا ( يو 19: 25).
2- هي أخت مريم العذراءوكانت واقفات عند صليب يسوع أمه (أم يسوع) وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية ( يو 19: 25 ). واسم أولادها يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان وتكون العذراء مريم خالتهم وهم اولاد خالة يسوع.
3- دعيت مريم زوجة كلوبا أم يعقوب ويوسي ( مت 27: 56).
ودعيت مريم أم يوسي ( مر 15: 47)
ودعيت مريم أم يعقوب ( مر 16: 1(.
4- ودعي يعقوبأخا الرب(غل 10: 3).
5- ودعي يعقوبيعقوب بن حلفي، ويهوذا أخا يعقوب (لو6: 15 – 16).
6- يهوذا هذا كان عنده أسمين لباوس وتداوس ( مت 10: 3).
 
اذاً يعقوب بن حلفي أخا يهوذا. ومريم زوجة كلوبا هي نفسها زوجة حلفي لأن ابنها دعي يعقوب بن حلفي، فكلوبا وحلفي اسمان لشخص واحد. والكتاب المقدس اطلق اسم اخوة يسوع على يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان بسبب شدة القرابة معه فهم اولاد خاله ويسوع ابن خالتهم.
** واضح إذن أن مريم أم يعقوب ويوسي ليست هي مريم العذراء ام يسوع، ولم يحدث مطلقاً أن دعاها الكتاب المقدس مريم العذراء أُم يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان. بل دعاها مريم ” أم يسوع ” فقط !!! انظر (مت 27: 17 )، ( يو 2: 1)، ( يو 2: 3)، (أع 1: 14).

هل للسيد المسيح اخوة؟ ومن هم أخوة يسوع؟؟ بقلم Mor Antonios

هل ظلت السيدة العذراء بتولاً بعد ولادتها للسيد المسيح؟

دوام بتولية العذراء مريم – هل ظلت السيدة العذراء بتولاً بعد ولادتها للسيد المسيح؟

هل ظلت السيدة العذراء بتولاً بعد ولادتها للسيد المسيح؟

هل ظلت السيدة العذراء بتولاً بعد ولادتها للسيد المسيح؟

تعقيبا علي ما اثير في الاعلام من شخص جاهل بالمسيحية يشارك للاسف في كتابة دستور دولة بحجم مصر حيث ادعي ان العذراء تزوجت في سن 12 عام نقدم رد مفصل عن اغلب الشبهات حول دوام بتولية العذراء مريم

هل السيدة العذراء بقيت بتول بعد ولادتها للسيد المسيح؟

دوام بتولية العذراء مريم

لانجد آية في الكتاب المقدس أو دليل واحد يبيّن على ان:

  1. المدعوّين اخوة يسوع ولدتهم مريم العذراء أم يسوع.
  2. أو انهم اولاد مريم العذراء أو بناتها.
  3. أو انهم قالوا أن اباهم هو القديس مار يوسف خطيب العذراء.
  4. أو ان احداً منهمقال ان العذراء أمه ويوسف ابوه.
  5. أو ان القديس مار يوسف كان متزوجاً ولديه اولاداً ثم ترمل وخطب العذراء.

– بتولية العذراء تحدث عنها آباء الكنيسة منذ القرنين الثاني والثالث وكذلك الرابع والخامس.

– والقديس (جيروم) دافع عن بتولية العذراء ضد رجل اسمه (هلفيديوس) سنة 383م.

يستشهد مهاجمي دوام بتولية العذراء مريم بالآيات التالية:

1- عبارة” أبنها البكر ” (وقا 2: 7)، (متى 1: 25) معتمدين على أن البكر معناه الأول وسط أخوته.

2- عبارة”امرأتك” التي قيلت ليوسف عن العذراء، (مت 1: 20)، (مت 1: 24). وكلمة امرأة عموماً أينما كانت اطلقت على العذراء.

3- عبارة” لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (مت 1: 20). وكذلك ” قبل أن يجتمعا وجدت حُبلى من الروح القدس” (مت 1: 18).

4- الآيات التي وردتفيها عبارة ” اخوته” عن السيد المسيح له المجد مثل (مت 12: 46) (يو 2: 12) و (مت 13: 54 – 56) (مر 6: 1 – 3) (أع 1: 14) (غل 1: 18 ، 19).

وللمزيد من العلومات عن اخوة يسوع الشبهات ضدها يرجى مراجعة الموضوع الذي كتبته في المنتدى على الرابط التالي:

http://www.arabchurch.com/forums/showthread.php?t=57106

– هدف الإنجيل هو إثبات أن السيد المسيح له المجد قد حُبل به من عذراء لم تعرف رجلاً لسببين:

1- لإثبات أن المولود لم يولد ولادة طبيعية من أبوين كباقي الناس، إنما ولادته من عذراء دليل على لاهوته، لأنه ولد من الروح القدس وهذا ما عبر عنه الملاك بقوله ” لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت 1: 20).

2- لأن ولادته من عذراء بدون زرع بشر، تجعلنا نؤمن أنه لم يرث الخطيئة الأولى أي اول كل الخطايا البشرية التي فعلها آدم وحواء(الأصليه). وبهذا يكون قادر على خلاصنا.

لذلك كان تركيز الرسول متى هو على أن العذراء لم تجتمع برجل قبل ميلاد السيد المسيح لإثبات ميلاده العذراوي.

1- بتولية مريم العذراء قبل الولادة:

” قبل أن يجتمعا ..”(مت 1: 18) لانجد اية واحدة في الكتاب المقدس ولا دليلا على ان:

  1. مريم العذراء عندها اولاد قبل ولادة السيد المسيح.
  2. أو المدعوّين اخوة يسوع ولدتهم مريم العذراء أم يسوع.
  3. أو انهم اولاد مريم العذراء أو بناتها.
  4. أو انهم قالوا أن اباهم هو القديس مار يوسف خطيب العذراء.
  5. أو ان احدأ منهم قال ان العذراء أمه ويوسف ابوه.

– سؤال:

هل تؤمن بأن العذراء مريم كانت بتولاً قبل الولادة وبعدها ؟

قال الملاك لمريم العذراء:

” وها انت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وانا لست اعرف رجلا” (أي انا عذراء)و(لو 1: 31 – 34).

” ولكن فيما هو متفكر في هذه الامور اذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف ان تأخذ مريم امرأتك.لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس” (مت 1: 20).

* في الوقت الذي لم تعرف فيه مريم رجلاً يسميها الكتاب المقدس إمرأة . لأن الزوجة تُدعى امرأة بعد كتابة كتابها حتى لو بقيت بتولاً.

يقول الانسان عندما يقبل على الزواج: تزوجّت امرأة ويقصد بذلك جنس النساء ولا يصفها بأنها فتاة بل امرأة بعد الزواج.

– قال الملاك لمريم العذراء ” مباركة انت في النساء “(لو 1: 28)، وكذلك اليصابات قالت نفس الكلام ” مباركة انت في النساء” (لو 1: 42). أي بين جنس النساء ولم يقصد انها لم تعد بتولاً.

– هكذا أكد مار بولس الرسول:

” أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ” (غل4: 4)، أي من جنس حواء ومن طرف واحد، من امرأة، لا من امرأة ورجل. وبرهان ذلك ماذكر في (لوقا 1: 24) ” وأنا لا اعرف رجلاً ” أي أنا عذراء.

– يقول الكتاب المقدس: “هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (مت 1: 23). وهي نبوة اشعياء النبي قديماً: ” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية.ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل (7: 14).

وللمزيد من المعلومات عن اصل كلمة علماه وكيف انها تعني العذراء، وبالمناسبة كتبت البحث بعد ان شاهد اغلب العلماء والدارسين يقولون بان علماه تعني سيدة او فتاة صغيرة، لذلك اثبتت انها تعني ايضا عذراء من القواميس العبرية المرفقة بالبحث. يرجى مراجعة البحث الذي كتبته في المنتدى على الرابط التالي:

http://www.arabchurch.com/forums/showthread.php?t=53999

عبارة إمرأتك

عبارة امرأتك تعني زوجتك وكانت تطلق على المرأة منذ خطوبتها، قال الملاك ليوسف النجار:

” لاتخف أن تأخذ (كمن عهد به من الله وليس من أبويها) مريم امرأتك (وهي مخطوبة له). لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت 1: 20). لذلك شكّ مار يوسف عندما رأى علامات الحمل على العذراء مريم لكن الملاك بدَّد شكّه في الحلم وأكد له إنها حبلى بواسطة الروح القدس وليس من رجل ما.

– كما ان لقب امرأة أو زوجة كان يمنح أيضاً للمخطوبات، يقول الكتاب المقدس ” اذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فاخرجوهما كليهما الى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من اجل انها لم تصرخ في المدينة والرجل من اجل انه اذل امرأة صاحبه فتنزع الشر من وسطك ” (تث 22: 23 ، 24).

– وكذلك ” ومن هو الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها. ليذهب ويرجع الى بيته لئلا يموت في الحرب فياخذها رجل آخر” (تث 20: 7).

– نرى ان الكتاب استخدم كلمة امرأة بتعبيره عن العذراء المخطوبة وكلمة امرأة تدل على الأنوثة وليس على الزواج.

حواء دُعيت إمرأة:

حواء سُميت أولاً إمرأة لأنها من امرء أُخذت ” فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لانها من امرء اخذت ” (تك 2: 23).

وسميت حواء لأنها أم لكل حي ” ودعا آدم اسم امرأته حوّاء لانها ام كل حيّ ” (تك 3: 20).

– فكلمة امرأة تدل على خلقها وأنوثتها. وكلمة حواء تدل على أمومتها.

سؤال هام:

ما الدليل ان كلمة امرأة بالنسبة لمريم العذراء كانت تدل على خطوبتها وليس زواجها ؟

إن الدليل ان كلمة امرأة بالنسبة لمريم العذراء كانت تدل على خطوبتها وليس زواجها قول القديس لوقا الإنجيلي:

” فصعد يوسف ايضا من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التي تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته، ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى ” (لو 2: 4، 5).وهذه الاية تنسف كل الادعاءات والاباطيل التي قيلت عن القديسة مريم العذراء.

– إذن عبارة ” لاتخف أن تأخذ مريم امرأتك ” (مت 1: 20) معناها خطيبتك.

– مريم دعيت امرأة ليس لأنها فقدت بتوليتها فالكتاب يشهد أنه لم يعرفها، ولكن لأن هذا هو التعبير المألوف عند اليهود، أن تدعى الخطيبة امرأة بل وحتى الفتاة البكر كانت تدعى امرأة بدليل أن حواء عقب خلقها مباشرةً دعيت امرأة، قبل الخطية والطرد من الجنة والانجاب..

– الملاك لم يستخدم مع القديس يوسف عبارة امرأتك بعد ميلاد المسيح. وإنما قال له:

” قم خذ الصبي وأمه ” (مت 2: 20).

وفي عودته من مصر قال له ” قم خذ الصبي وأمه” (مت 2: 20).

وفي قصة السفر إلى مصر وفي الرجوع منها ” قام وأخذ الصبي وأمه ” (مت 2: 14 ، 21). ولم يستخدم عبارة امرأته.

– اذن عبارة امرأته استخدمت قبل الحمل وأثناءه:

عبارة امرأته استخدمت قبل الحمل وأثناءه لكي تُحفظ مريم فلا يرجمها اليهود إذ أنها قد حَبلت بدون زرع رجل أو زنى لأن فعل الزنى يستحق الرجم:

” يخرجون الفتاة الى باب بيت ابيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت لانها عملت قباحة في اسرائيل بزناها في بيت ابيها.فتنزع الشر من وسطك ” (تث 22: 21).

لذلك قال الكتاب المقدس ” وهو على ما كان يُظن ابن يوسف… ” (لوقا 3: 32) وهو دليل أن يسوع المسيح ليس ابن يوسف حقيقة بل يظن انه أبنه، فالمسيح لا أب أرضي له.

أما بعد ولادة السيد المسيح له المجد فلم يستخدم الوحي الإلهي عبارة امرأة ، لا بالنسبة إلى كلام الملاك مع يوسف، ولا بالنسبة إلى ما فعله يوسف. ولا بالنسبة إلى المجوس الذين:

“رأوا الصبي مع مريم أمه ” (متى 2: 11).

ولا بالنسبة إلى الرعاة الذين:

” وجدوا مريم ويوسف والطفل مضطجعاً” (مت 2: 16).

2- بتولية العذراء بعد الولادة

لانجد اية واحدة في الكتاب المقدس ولا دليلاً على ان:

  1. مريم العذراء عندها اولاد قبل أو بعد ولادة السيد المسيح.
  2. أو أن المدعوّين اخوة يسوع ولدتهم مريم العذراء أم يسوع.
  3. أو انهم اولاد مريم العذراء أو بناتها.
  4. أو إن أحدهم قال إن أباه هو القديس يوسف خطيب العذراء.
  5. أو ان احدأ منهم قال ان العذراء أمه ويوسف ابوه.

يقول النبي اشعياء:

“ولكن يعطيكم السيد نفسه آية.ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل” (اش 7: 14) وأكد القديس متى أن نبوءة أشعياء هذه تمت في السيد المسيح:

” وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت 1: 22 – 23).

نلاحظ:

أنَّ أشعياء النبي والرسول متى يطلقان على مريم لقب العذراء مع ” أل ” التعريف، مع العلم بأنّ الطبيعة تنفي أن تكون والدة عذراء. ووصف مريم بأنها ” العذراء ” يعني ديمومة بتوليتها، لأن النساء العاديات يمكن أن نقول عنهنّ: ” ها إنّ عذراء حبلت وولدت ” وبذلك لن تبقى عذراء بسبب زوال بكارتها. أما هنا فإن القديسان متى وأشعيا يُصرّان على أنّ والدة السيد المسيح هي العذراء المقصودة بالنبوة وقد ولدت السيد المسيح له المجد وظلّت عذراء.

يشبه احد الاباء السريان هذه الولادة العجيبة بالنور الذي يمر عبر زجاجة مليئة بالماء وينفذ إلى الجهة الأخرة دون أن يثقب الزجاجة أو يسيل الماء الذي بداخلها. هكذا كانت ولادة ” الكلمة الذي صار جسداً” (يو 1: 14) من رحم العذراء مريم دون أن تفقد بكارتها لذلك نقول في قانون الإيمان عن السيد المسيح له المجد:

” نور من نور “.

– لماذا لَقبت إذاً مريم العذراء القديس مار يوسف أباً ليسوع:

” هوذا ابوك وانا كنا نطلبَك معذبَين ” (لو 2: 48).

لم تكن القديسة مريم العذراء تجهل سرّها (حملها العجيب) إلا أنّ اللطف والذوق والإحترام جعلها تخفي السرّ وتتصرف أمام الناس كأنّ أمرها طبيعي وكأنّ يوسف هو الأب، وذلك للأسباب التالية:

1- احتراماً ليوسف أمام الناس خاصة ان الكتاب يقول عن السيدالمسيح:

” وهو على ما كان يُظن ابن يوسف… ” (لوقا 3: 32).

2- لو فاهت القديسة مريم العذراء بسر حبلها العجيب لما صدّقها أحد. ولأتهموها بالزنى، وعقوبة الزانية الرجم كما في(تث 22: 21).

3- لأن ليوسف شرعاً حقوق الأب وهو الذي يسمي الطفل ويربيه:

يقول الكتاب ” ودعا اسمه يسوع ” (مت 1: 25).

أي يوسف دعاه يسوع بعدما استيقظ من النوم (مت 1: 24).

القديس يوسف هو كالبستاني الذي نبتت شجرة في بستانه بغير أن يزرعها هو، فهي مع ذلك له لأنّها في أرضه.

لذلك عبر القديس لوقا عن هذه الأبوة الطاهرة بقوله:

” وهو على ما كان يُظن ابن يوسف… ” (لوقا 3: 32). ولم يقل بحسب الواقع.

حسم هذا الموضع السيد المسيح له المجد ووضع النقاظ على الحروف وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره وأوضح من كان أباه الحقيقي:

” فقال لهما لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما انه ينبغي ان اكون فيما لأبي (لله)” (لو 2: 49).

وبذلك نفى السيد المسيح أيّة بنوة أرضية من زرع بشر.

ولدت ابنها البكر

يقول بعض الجهلة ان العذراء لم تظلّ عذراءً بعد ولادة السيد المسيح لأن الإنجيل يدعو المسيح ابنها البكر .

” ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (مت 1: 25).

” فولدت ابنها البكر” (لو 2: 7).

كلمة حتى في اللغة اليونانية تقرأ ” هيوس هو ” وتأتي بمعنى (إلى أن – حتى).

والبكر معناه أول مولود حتى ولو لم يعقبه آخرون (كالأبن الوحيد).

والله القدوس يدعو السيد المسيح ابنه البكر مع أنه الوحيد:

” كلمنا في هذه الايام الاخيرة في إبنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين ” (عب 1: 2).

و ” وايضا متى ادخل البكر الى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب 1: 6).

” لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ،لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية ” (يو 3: 16).

– الكتاب المقدس أوضح تعريف معنى كلمة البكر قبل تأسيس الكهنوت الهاروني اذ يقول:

” وكلم الرب موسى قائلا قدس لي كل بكر كل فاتح رحم من بني اسرائيل من الناس ومن البهائم. انه لي ” (خر 13: 1 – 2).

وليس من المعقول والمنطقي أن ينتظر موسى المرأة لكي تضع الولد الثاني حتى يقدّس البكر الأول ويقدمه إلى الهيكل ؟. فالمولود هنا هو الابن البكر لا لأنه كبير أخوته (فيمكن ان يكون وحيد)، بل لأنه فاتح رحم.

حتى بكر الحيوانات النجسة كان يقبل فداؤه من ابن شهر، يقول الكتاب:

” كل فاتح رحم من كل جسد يقدمونه للرب من الناس ومن البهائم يكون لك غير انك تقبل فداء بكر الانسان وبكر البهيمة النجسة تقبل فداءه. وفداؤه من ابن شهر تقبله ” (عدد 18: 15 – 16).

– وهكذا فإن السيد المسيح (كأبن بكر للعذراء) قدموا عنه ذبيحة للرب في يوم الأربعين (يوم تطهير العذراء بعد ولادتها) وفي هذا يقول الكتاب المقدس عن السيدة العذراء:

” ولما تمت ايام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به الى اورشليم ليقدموه للرب. كما هو مكتوب في ناموس الرب ان كل ذكر فاتح رحم يدعى قدوسا للرب. ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام او فرخي حمام ” (لو 2: 22 – 24).

وواضح أن السيد المسيح طبقت عليه شريعة البكر في يوم الأربعين من مولده. وهذا دليل على ان السيدة العذراء لم يكن لها اولاد قبل ولادة السيد المسيح (ولاحتى بعد ولادته).

** وهنا يسأل القديس جيروم: هل حينما ضرب الرب أبكار المصريين، ضرب فقط الأبكار الذين لهم أخوة، أم كل فاتحي الرحم سواء كان لهم أخوة أو لم يكن.

وحتى يومنا هذا يقولون مثلاً وهو: ” ماتت فلانة في بكرها “.

لم يعرفها ” حتى ولدة ابنها …” (مت 1: 25).

يقول العلاّمة مار ديونيسيوس يعقوب ابن الصليب مطران مدينة آمد المولود في أوائل القرن الثاني عشر للميلاد، في كتابه الدر الفريد في تفسير العهد الجديد الجزء الأول عن هذه الآية بعد الشرح السابق ما يلي:

وقال آخرون (من الشُّراح) ان معنى قوله “لم يعرفها ” يعني لم يعرف سمو مقامها وجلال قدرها وانها والدة الإله حتى ولدت ابنها. اذ رأى العجائب وقت ولادته. فالملائكة سبحت والرعاة بشرت والمجوس سجدت ونحن نقول كما ان الله المولود منها لم يتغير كذلك بتولية والدتهِ لم تفسد تلك التي يقول الكتاب انها لم تعرف رجلاً.

وزكريا رتبها مع البتولات في الهيكل. ولكن الهراطقة يقولون بانه ان كان لم يحل البتولية فهو لم يأخذ جسداً ولكنه قد حلّ البتولية بخروجِه.

فنقول: ان كانت البتول قد ولدت إلهاً فآمن وصدق انها لبثت بتولاً بعد الميلاد لأنها ولدت الهاً قديراً كما يدعوه اشعياء (اش 9: 6) والبرهان كما انه خرج من القبر وهو غير مفتوح ودخل العلية والأبواب مغلقة. هكذا خرج من البطن ولم ينقض البتولية. وأيضاً ولج جسم في جسم ولم يثلمهُ.

والادلة على ذلك كثيرة فحواء خرجت من جنب آدموالمياه جرت من الصخرة… فكم احرى ان يلد المسيح من البتول بدون ان ينقض بتوليتها. انتهى الاقتباس.

ومعنى ذلك أنها ولدت أبنها البكر بغير أن يعرفها مار يوسف قبل مغادرة الملاك ولا بعدها.

وفي الكتاب المقدس هناك الكثير من الدلائل التي تثبت ان عبارة ” حتى ” تنفي العمل بالنسبة للماضي ولكنّها لا تقول شيئاً عن المستقبل.

وكتب القديس جيروم (إيرونيموس) وهو علاّمة في الكتاب المقدس في القرنين الرابع والخامس عن هذه العبارات ” إنها تنفي الماضي بطريقة لا تؤكّد فيها شيئاً عن المستقبل “. وكان له موقف صارم ممن كانوا يقاومون بتوليّة مريم العذراء الدائمة، مثل شخص اسمه ((هلفيديوس) سنة 383م.

من الأمثلة التي اعطاها القديس جيروم لهفيديوس عن كلمة حتى ويطلب أن لا يُستنتج منها أنَّ علاقات جسدية حصلت بعد ميلاد السيد المسيح بين مريم ويوسف:

” قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك ” (مز 110: 1). فهل يعني ذلك أنّ المسيح سيترك يمين أبيه بعد تذليل أعدائه؟.

” وارسل الغراب. فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الارض ” (تك 8: 7). فهل يعني ذلك أنه عاد إلى التابوت بعد الطوفان ؟ طعباً لا فهو خرج ولم يرجع.

* في الكتاب المقدس الكثير من الامثلة على ذلك منها:

قول الكتاب المقدس عن ميكال أبنة شاول الملك:

” ولم يكن لميكال بنت شاول ولد الى يوم موتها” (2 صم 6: 32). هل بعد موتها صار عندها ولد !!.

أيضاً في قصة المولود الأعمى:

” فلم يصدق اليهود عنه انه كان اعمى فأبصر حتى دعوا ابوي الذي ابصر” (يو 9: 18). لا تعني العبارة أن اليهود صدّقوا أنّه ولد أعمى فأبصر، بعد أن نادوا والديه. بل نص الإنجيل يؤكد أنَّ اليهود بقوا على عدم إيمانهم ، والبرهان أن اليهود لم يصدّقوا حتى أبوي الأعمى الذي أبصر، أنهم دعوه مرّة ثانية وقالوا له:

” فدعوا ثانية الانسان الذي كان اعمى وقالوا له اعطي مجدا لله. نحن نعلم ان هذا الانسان (يسوع) خاطئ ” (يو 9: 24).

قال السيد المسيح:

” وها انا معكم كل الايام الى (حتى) انقضاء الدهر “(مت 28: 20).

فهل معنى ذلك أن السيد المسيح سيترك تلاميذه وتلاميذهم ولن يبقى معهم بعد نهاية العالم؟ طبعاً لا.

اذن كلمة حتى لا تعني بالضرورة عكس ما بعدها، فيوسف لم يعرف مريم حتى ولدت ابنها البكر، ولا بعد أن ولدته عرفها أيضاً.

لأنه إن كان قد احتشم عن أن يمسّها قبل ميلاد السيد المسيح، فكم بالأولى بعد ولادته!!، وبعد أن رأى المعجزات والملائكة والمجوس وتَحقق النبوءات، وعَلم يقيناً أنه مولود من الروح القدس، وأنه ابن العلي يدعى، وأنه القدوس وعمانوئيل الذي تفسيره (الله معنا) والمخلص. وأنه هو الذي تحققت فيه نبؤة أشعياء النبي القائل:

” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية.ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل ” ((اش 7: 14).

وأيضاً:

” لانه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً الهاً قديراً ابا ابدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية لملكه على كرسي داود وعلى مملكته…” (اش 9: 6 ، 7).

أتساءل هنا هل بعد كل هذه النبوءات يتجرأ يوسف أن يمسها!!.

المراجع:

1- الكتاب المقدس الترجمة العربية فان دايك. والكتاب المقدس باللغة السريانية.والكاتب المقدس باللغة العبرية.

2- اللاهوت المقارن الجزء الأول لقداسة البابا المعظم الانبا شنودة الثالث.

3- كتاب الدر الفريد في تفسير العهد الجديد الجزء الأول للعلامة مار ديونيسيوس ابن الصليبي مطران مدينة آمد. الترجمة العربية من الأصل السرياني تمت سنة 1728 بيد الراهب عبد المسيح دولباني السرياني.

4- الجواب من الكتاب تأليف الأب يعقوب سعاده والأب بيتر مدروس.

هل ظلت السيدة العذراء بتولاً بعد ولادتها للسيد المسيح؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

البتولية في فكر الاباء – القمص اثناسيوس فهمي جورج

البتولية في فكر الاباء – القمص اثناسيوس فهمي جورج

البتولية في فكر الاباء – القمص اثناسيوس فهمي جورج

 

البتولية في فكر الاباء – القمص اثناسيوس فهمي جورج

 

للتحميل اضغط هنا 

Exit mobile version