كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

 

الفصل الثاني

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟

 

س 1 : إذا كان المسيح هو الله وفي نفس الوقت هو ابن مريم، فكيف يولد الله وهو الذي لم يلد ؟ وكيف يولد من امرأة مخلوقة وهو الخالق ؟

& ج : نحن نؤمن أن الله ليس مولوداً ولا يلد ولا يتوالد، مثل البشر، ليس له ذريه كما أنه ليس له أب أو أم فهو الذي لا بداية له ولا نهاية، الموجود الدائم الوجود وعله كل وجود ولم يوجده أحد وإنما هو الموجود بذاته، الموجود دائما بلا بداية ولا نهاية إذ يقول هو عن نفسه (كما بينّا في الفصل السابق) : 

† ” أنا أنا هو وليس اله معي . أنا أميت وأحي ” (تث39:32) .

V ” أكون الذي أكون ” الكائن ” (خر14:3)، أي الكائن، الموجود دائما علة كل وجود .

† ” أنا الأول وأنا الأخر ولا اله غيري ” (اش6:44) .

  والسيد المسيح باعتباره كلمة الله، الله ناطقا، ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1)، وصورة الله غير المنظور، هو الله ” هذا هو الإله الحق والحيوة الأبدية ” (1يو20:5) . وكلمة الله مولود من ذات الله بلا انفصال مثل ولادة الشعاع من النور والكلمة من العقل، مولود منذ الأزل ” أنت ابني أنا اليوم ولدتك ” (عب5:1)، مولود بلا بداية ولا نهاية ولا خلق ” مولود غير مخلوق “، فهو كلمة الله، وكلمة الله هو الله ” وكان الكلمة (هو) الله “، ” والكلمة

– 23 –

هو الله ” والله غير مولود وغير مخلوق ولا آب له ولا أم ولا نؤمن بتعدد آلهة بل نؤمن بإله واحد فقط بدون مشاركة من أي كائن آخر ” الرب إلهنا رب واحد ” (تث4:6) . والرب يسوع المسيح يقول ” :

† ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي كان والذي يأتي القادر علي كل شئ ” (رؤ8:1) .

† ” أنا هو الألف والياء الأول والآخر ” (رؤ11:1) .

† ” أنا الألف والياء البداية والنهاية . الأول والأخر ” (رؤ13:22) .

† ” قبل أن يكون إبراهيم أنا أكون (كائن) ” (يو8:58)، أي أنا أكون دائما، أنا الكائن دائما، في كل زمان، بلا بداية ولا نهاية .

† ” يسوع المسيح هو هو امسا واليوم والي الأبد ” (عب7:13) . ولكن الله قادر علي كل شئ ولا يستحيل عليه شئ، والذي كُتب عنه ؛ ” الله القادر على كل شيء ” (تك3:48)، ” الإله القادر على كل شيء ” (خر3:6)، ” الرب القادر على كل شيء ” (2كو18:6)، ” قدوس قدوس قدوس الرب الإله القادر على كل شيء الذي كان و لكائن و لذي يأتي ” (رؤ8:4)، وأيضا ” غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله ” (لو26:18)، والذي عرف أول ما عرف عند الآباء الأول بالقدير أو القادر علي كل شئ ” وأنا أظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأني الإله القادر علي كل شئ ” (خر3:6) .

  وقد شاءت أرادته الإلهية، منذ الأزل، أن يظهر للإنسان على هذه الأرض وفي هذا العالم بأن يتجسد ويظهر له عيانا، في الجسد، في مكان معين وزمان معين ومن ثم أختار أم معينه ليولد منها ” في ملء الزمان “، يظهر علي الأرض كإنسان، فحل في بطن هذه الأم، العذراء مريم، واتخذ منها جسدا وظهر علي الأرض كإنسان، اتخذ صورة العبد وصار في الهيئة كإنسان، وجد في هيئة إنسان، يقول الكتاب :

† ” في البدء (منذ الأزل) كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (الكلمة هو الله) كل شئ به كان (كون، صار، وجد) وبغيره لم يكن شئ مما كان 000 فيه كانت الحياة 000 والكلمة صار (اتخذ)(1) جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو1:1ـ3،14) .

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

† ” الذي إذ كان (هو) في صوره الله لم يحسب مساواته لله اختلاسا لكنه أخلى نفسه (تنازل من علاه) أخذا صورة عبد صائر في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت ” (في6:5-8) .

  كلمة الله وصوره الله غير المنظور، بهاء مجده ورسم (صورة) جوهره، الإله القدير، الله الكلمة، لما أراد أن يظهر علي الأرض، ولما جاء الوقت المحدد لذلك (ملء الزمان)، حل في بطن العذراء القديسة مريم واتخذ منها جسدا، اتخذ صورة العبد وصار علي الأرض في هيئة إنسان، ظهر في الجسد الكامل، اتخذ كل ما للإنسان حتى الموت، ولد من أم وهو الخالق الذي لم يخلقه أحد، ولد في الزمان وهو خالق الزمان، الأبدي الأزلي، ولد وهو الذي بطبيعته سلا يلد ولا يولد مثل سائر المخلوقات، نزل علي الأرض، نزل من السماء وظهر علي الأرض في هيئة إنسان وسار بين البشر وعاش بينهم ثلاث وثلاثين سنه وثلث !!

E س 2 : كيف يولد من العذراء في حين أنه نزل من السماء !؟؟ لو كان قد نزل من السماء فلا يمكن أن يكون ولد من امرأة، ولو كان قد ولد من امرأة فلا يمكن أن يكون من السماء !!

& ج : الكتاب واضع وصريح في أن المسيح قد نزل من السماء إذ يقول المسيح عن نفسه :

† “وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) وكرر في تعبيرات عديدة أنه نزل من السماء حتى أن اليهود لما سمعوه يقول ؛ ” لأني قد نزلت من السماء ” قالوا ” أليس هذا يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه : فكيف يقول هذا أنى نزلت من السماء ” (يو42:6) .

† والقديس بولس يقول بالروح ؛ ” وأما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضا إلى أقسام الأرض السفلي الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السموات لكي يملا الكل ” (أف9:4،10) .

  والكتاب أيضا واضح وصريح في أن المسيح قد ولد من العذراء مريم بالروح القدس، حل في أحشائها وأتخذ منها جسدا، إذ يقول :

† ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولوداً تحت الناموس ” (غل4:4) .

† ” ها العذراء تحبل تلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل ” (اش14:7) والذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1) .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا ألها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9) .

† وقال الملاك للعذراء ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع 000 الروح القديس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعي ابن الله ” (لو31:1،35) .

† وقال ليوسف النجار ؛ ” لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع ” (مت20:1) .

† وقالت اليصابات للعذراء ؛ ” مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك ” (لو42:1) .

† ويقول القديس لوقا الإنجيلي ؛ ” وبينما هما هناك (في بيت لحم) تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر ” (لو6:2،7) .

  فالعذراء قد حبلت بالمسيح حقا وولدته حقا، فهو قد ولد منها وهو أيضا ثمرة

ـ 26 ـ

بطنها .

E س 3 : هل كان ميلاده منها مجرد مرور أو عبور، حل فيها ومر من خلالها دون أن يأخذ منها شيئاً، كعبور الماء من القناة أو عبور السفن من القنوات ؟

& ج : كلا وحاشا فقد كان ميلاده من العذراء ميلادا حقيقيا كاملا وليس مرورا . فقد حل فيها وأتخذ منها جسدا حقيقيا، كاملا، إنسانا كاملا، ومكث في أحشائها تسعة اشهر كجنين حتى ولدته عندما تمت أيامها . لقد كان هو ثمرة بطنها أي أن ناسوته، جسده، طبيعته الإنسانية، مكون من لحم ودم وعظام، وأيضا من روح ونفس وجسد، داخل أحشائها ومن أحشائها ذاتها فهو بالحق والحقيقة ثمرة بطنها ” ولد منها ودعيت هي أمه ” أم ربي ” (لو43:1)، بالرغم من أنه، هو، خالقها . نعم ولد من امرأة ولكن باتخاذه جسدا منها . فهو مع كونه الإله الأبدي الأزلي أتخذ منها جسدا، احتجب به وسكن فيه واتحد به فكان هو جسده :

  ” احترزوا إذا لأنفسكم ولجميع الرعية 000 لترعوا كنيسة الله التي اشتراها بدمه ” (أع28:20)، ” الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة ” (1بط24:2) . وللتعبير عن هذه الحقيقة يستخدم القديس يوحنا تعبير ؛ ” المسيح انه قد جاء في الجسد ” (1يو2:4-3)، و ” المسيح آتيا في الجسد ” (2يو7:1) .

  ” وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد ” (1تي16:3) .

 

 

 

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

 

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

 

الفصل الأول

هل المسيح إله أم إنسان؟

هل هو ابن الله أم ابن مريم؟

 

يسأل البعض هذا السؤال الجوهري بالنسبة للمسيحية ، هل المسيح إله أم إنسان؟ هل هو ابن الله أم ابن الإنسان ، أبن مريم؟ فعند القراءة الأولي للعهد الجديد يجد الإنسان نفسه أمام هذا السؤال وغيره من الأسئلة العديدة المرتبطة به:

† هل المسيح هو الله الخالق أم أنه مجرد إنسان مخلوق خُلق مثل آدم؟

† هل هو الله الكلي الوجود ، الموجود في كل مكان وزمان ، غير المحدود بالزمان أو المكان ، الأبدي الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية ، أم أنه المولود من في بيت لحم ومن العذراء في زمن معلوم ومكان محدد؟

† هل هو الله الواحد غير المولود الذي لا أب له ولا أم ولا نسب؟ أو أنه الإنسان الذي له ولد من أم وله سلسلة أنساب تصل إلى آدم؟

† هل هو الله الذي لا يجوع ولا يعطش ولا يأكل ولا يشرب ولا يتعب ولا ينام ، أم أنه الإنسان الذي جاع وعطش وأكل وشرب وتعب واستراح ونام؟

† هل هو الله الحي الأبدي الذي لا يموت ، أم أنه الإنسان الذي مات ودفن في القبر ثلاثة أيام؟

  وكثيرا من الأسئلة التي سنذكرها في حينها .

E س 1 : هل المسيح هو الله وابن الله؟

& ج : نعم المسيح هو الله(1) وابن الله فقد نسب إليه الكتاب المقدس كل أسماء الله

وألقابه وصفاته وأعماله ، ودعي اسمه يسوع (مت21:1؛ لو31:1) واصله العبري ” يهوشاع ” ومعناه الله المخلص أو الله يخلص (يهوه يخلص) كما دعي ” عمانوئيل ” في سفر اشعياء وإنجيل متي وتفسيره ” الله معنا ” (اش14:7؛ مت23:1) كما دعاه الكتاب ” الله ” أو ” الإله ” : 

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9) .

† ” لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه ” (أع28:20) .

† ” لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5:2) .

† ” ونحن في الحق وفي ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5) .

† ” إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح ” (تي13:2) .

† ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن علي الكل الإله المبارك ” (رو5:9) .

† ” أما عن الابن يقول كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ” (عب8:1) .

† ” أجاب توما وقال له (ليسوع المسيح) ربي والهي ” (يو28:20) .

† ” يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم والي الأبد ” (عب8:13) .

† ” الإله الحكيم الوحيد مخلصنا له المجد والعظمة والقدرة والسلطان ” (يه25) .

† ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي يأتي القادر علي كل شئ ” (رؤ8:1) .

  وكانت أعماله هي أعمال الله : فهو خالق الكون ومدبره :

† ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” ( يو1:1ـ3) .

– 10 –

† ” الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين الكل به وله قد خلق الذي هو قبل كل شيء و فيه يقوم الكل ” (كو15:1ـ16) .

† ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب2:1ـ3) .

  وصاحب السلطان علي الكون ” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا13:7،14) .

  وصفاته هي نفس صفات الله كالوجود الأزلي بلا حدود والأبدية ، أي الأزلي الأبدي والوجود في كل مكان ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) والعلم بكل شئ ” الآن نعلم انك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد لهذا نؤمن انك من الله خرجت ” (يو30:16) ، والقدرة علي كل شئ ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي يأتي القادر علي كل شئ ” (رؤ8:1) .

  أما كون المسيح ابن الله ووصف الكتاب له بذلك باعتباره هو كلمة الله ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1) وعقل الله الناطق وصورة الله غير المنظور ” المسيح الذي هو صورة الله ” (2كو4:4) ، المساوي لله الآب ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله ” (في6:2) ، ” الذي هو صورة الله غير المنظور 000 فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين الكل به وله قد خلق ، الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو15:1) ، وبهاء

– 11 –

مجد الله الآب ورسم (صورة) جوهره ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب3:1) ، والموجود دائما وأبدا في حضن الآب من الأزل وإلى الأبد ، بلا بداية ولا نهاية ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الأب هو خبر ” (يو18:1) ، ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا ” (عب5:1) ، المولود من الآب وفي ذات الآب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق . من الآب ” أنا اعرفه لأني منه وهو أرسلني ” (29:7) ، وفي الآب ” أنا في الآب والآب في 000 صدقوني أني في الآب والآب في وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها ” (يو10:14،11) ، وواحد مع الآب ”  أنا والآب واحد ” (يو30:10) . وهذا ما يؤكده الكتاب أيضا في العشرات من آياته :

  فقد وُصف بـ ” ابن الله الحي ” ؛ ” أنت هو المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16) ، و ” المسيح ابن الله ” (مت63:26) ، وفي بدء الإنجيل للقديس مرقس يقول ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1:1) ، والشياطين ” كانت تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول أنت المسيح ابن الله ” (لو41:4) . وأكد الرب يسوع المسيح للجموع أنه ابن الله الذي من ذات الله الآب والذي له كل صفات الله الآب والذي يعمل جميع أعمال الله الآب ؛ ” فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون اكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا أن الله أبوه معادلا نفسه بالله ، فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك ، لان الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالا اعظم من هذه لتتعجبوا انتم ، لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء ، لأن الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ، لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله ، الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من

– 12 –

الموت إلى الحياة ، الحق الحق أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ، لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له حياة في ذاته ، وأعطاه سلطانا أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان ، لا تتعجبوا من هذا فانه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّآت إلى قيامة الدينونة ” (يو18:5ـ29) .

E س 2 : هل المسيح ابن مريم أيضا؟

& نعم الرب يسوع المسيح هو ابن العذراء القديسة مريم ، فقد كرر الكتاب المقدس في آيات كثيرة أن المسيح بالجسد حبل به وولد من العذراء القديسة مريم بالروح القدس ، يقول الكتاب : ” مريم التي وُلد منها يسوع الذي يدعى المسيح ” (مت16:1) ، ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ” (مت18:1) ، وقال الملاك لـ ” يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت20:1) ، وقالت الجموع عنه ” أليس هذا ابن النجار أليست أمه تدعى مريم ” (مت55:13) ، وقال لها الملاك ” وها آنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ، فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا؟ فأجاب الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو31:1ـ35) ، كما ووصفت العذراء مريم بـ أمه ” وكانت واقفات عند صليب  يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ” (يو25:19)  ، وأيضا بـ ” مريم أم يسوع ” (أع14:1) ، كما وصفتها اليصابات بالروح القدس بـ ” أم ربي ” ؛ ” فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي ” (لو43:1) .

 

– 13 –

E س 3 : إذا هل يولد الله أو يلد؟ هل هو مولود أو والد؟

& مبدئيا نقول أن الله فوق الحس أو الجنس ، فالله بطبيعته وجوهره غير مولود أو والد ، لم يلد ولم يولد ، فالله نور ” الله نور وليس فيه ظلمة البتة ” (1يو5:1) ، ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه الذي له الكرامة والقدرة الأبدية آمين ” (1تي 16:6) ، والله روح ” الله روح ” (يو24:4) ، والله واحد ، كائن في الكون وحده ، ليس معه أو مثله أو شبيه به أحد ولا إله آخر معه ولا غيره ولا قبله أو بعده هو الأول والآخر وليس إله غيره ؛ ” الرب هو الإله ليس آخر سواه ” (تث35:4) ، ” أنا الأول وأنا الآخر ولا اله غيري ” (اش6:44) ، ” هل يوجد اله غيري ” (اش8:44) ، أنا الرب وليس آخر لا اله سواي ” (اش5:45) ، ” وحدك الله وليس آخر ليس اله ” (اش14:45) ، ” إليس أنا الرب ولا اله آخر غيري اله 000 ليس سواي ” (21:45) ، ” لأني أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي ” (اش9:46) ، ” ليس اله آخر إلا واحدا ” (1كو4:8) ، ” أني أنا هو قبلي لم يصور اله وبعدي لا يكون ” (اش10:43) . فالله أزلي أبدي لا بداية له ولا نهاية . ولم يوجد أصلا بالتوالد إنما هو الموجود الذاتي ، الموجود بذاته دون أن يوجده أحد لأنه هو موجد كل الخليقة ، خالقها ومدبرها .

  ولكنه موجود كامل في ذاته ، فيه الحياة وفيه العقل ، فهو موجود بذاته عاقل بعقله حي بروحه ، وخاصية الوجود الذاتي في الذات الإلهية هي ما يسميها الله بالآب ، وخاصية العقل في ذات الله يسميها بالكلمة : كلمة الله والذي هو أيضا صورة الله ، فالله ناطق بكلمته ، ويسميها أيضا بالابن ، ابن الله ، وخاصية الحياة في الذات الإلهية يسميها بالروح ؛ الروح القدس أو روح الله ، روح الله القدوس . الله موجود بذاته ، ناطق بكلمته أو عاقل بعقله ، حي بروحه .

  إذا فالله موجود بذاته ، الآب ، ناطق بكلمته ، وكلمته ، ابنه ، موجود في ذاته ، في حضنه ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ” (يو18:1) ، وروحه القدوس من ذاته وفي ذاته ، منبثق عنه ، خارج عنه ” الروح القدس الذي من عند

– 14 –

الآب ينبثق ” (يو26:15) .

  كلمة الله خارج من ذات الله وفي ذاته ومن ثم يسمى بالابن ، خارج من ذاته أي مولود من ذاته وفي ذاته ولادة أبدية مثل ولادة النور من النور ، كما نقول في قانون لأيمان ” مولود من الآب قبل كل الدهور ، نور من نور إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ” . وهذه الولادة فوق الحس والجنس ، مولود من الآب وغير منفصل عنه ، فهذه صفات الإله الواحد الكامل في ذاته . ولكن هذا غير ولادته من العذراء ، أي تجسده في ملء الزمان .

E س 4 : إذا كان هو الله الأبدي الأزلي ، الأزلي الأبدي ، غير المحدود في الزمان والمكان فكيف تكون العذراء مريم هي أمه ، وهي مخلوقة ولها بداية؟ كيف يكون للأزلي أم حادثة ومخلوقة؟

& نعم العذراء مريم هي أمه بحسب الناسوت (بالجسد) ولكنها دعيت بوالده الإله لأنها ولدت الإله المتجسد ودعتها اليصابات بالروح القدس ” أم ربي ” (لو43:1) . ولكن أمومة العذراء للمسيح وحبلها به وولادتها له لا يعني أنها اسبق منه في الوجود كإله أو أنها أصله ومصدره كإله ، حاشا ! فهو بلاهوته اصلها وخالقها فهو الأزلي الأبدي ، الأزلي الأبدي ، غير الزمني وغير المحدود بالزمن أو المكان ، كقوله ” أنا هو الألف والياء الأول والأخر ” (رؤ11:1) ، ” أنا هو الأول والأخر ” (رؤ17:1) ، ” أنا الألف والياء البداية والنهاية الأول والأخر ” (رؤ13:22) . فهو الموجود دائما قبل العذراء بل وقبل الخلائق ، فهو خالق كل شئ ؛ ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان هند الله وكان الكلمة الله 000 كل شئ به كان (كون ـ صار) وبغيره لم يكن شئ مما كان (كون) . فيه كانت الحياة 000 والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو1:1،2،14) ، ” فأنه فيه (المسيح) خلق الكل ما في السموات وما علي الأرض ما يري سواء كان عروشا أم رياسات أم سيادات أم سلاطين الكل به وله قد خلق ” ( كو15:1،16) . فوالدته العذراء مريم مخلوقة بواسطته

هو ، فهو خالقها وأصلها .

– 15 –

E س 5 : إذا كيف يكون المولود سابقا لأمه؟ وإذا كان هو الله فكيف تكون له أما مخلوقة؟ علما بأن الله لا أم له ولا أهل فهو نفسه علة الوجود والذي يستمد منه كل شئ وجوده؟

& أن الحبل بالمسيح وميلاده من العذراء لكونه عجيبا وغريبا علي الأفهام صار آية الكون ودعاه الوحي آية ” ولكن يعطيكم السيد نفسه آيه . ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعوا اسمه عمانوئيل ” (اش14:7) . نعم أن دخول الله في البشرية وولادته من عذراء هو آيه الآيات وتحار الأفكار والعقول في إدراكها ، ولكن فكر الله يختلف عن فكر الإنسان ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما ابعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لان من عرف فكر الرب أو صار له مشيرا ” (رو33،34:11).

  والآية هنا هي في تجسد الله الأزلي الأبدي ؛ صائراً ، مولوداً ، من امرأة ” عذراء ” ودخوله في الزمان وهو غير الزمني وظهوره بحجم محدود بالأبعاد الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) وهو الغير محدود علي الإطلاق . صارت العذراء مريم أمه مع أنه خالقها ، صارت أما لمن أنشأها قال لها الملاك : ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع هذا يكون عظيما وابن العلي يدعي ” (لو31:1) ، ” القدوس المولود منك يدعي ابن الله ” (لو35:1) ، فالمولود من العذراء هو ” يسوع ـ يهوشاع ـ يهوه المخلص ـ الله المخلص ” أنه ” القدوس ” القدوس الحق ” (رؤ7:3) ” ابن العلي ـ ابن الله ” ، ” عمانوئيل ـ الله معنا ” ، ” الإله القدير ـ  الأب الأبدي ” (اش6:9) .

  نعم فالعذراء حبلت به وولدته مع أنه هو الله الأزلي الأبدي ، غير المحدود ، القدوس . كما دعي أيضا بـ ابن داود ومع ذلك يؤكد المسيح أنه وأن كان ابنا لداود فهو رب داود وخالقه إذ يقول في سفر الرؤيا ” أنا أصل وذرية داود ”  (رؤ16:22) . ونظرا لصعوبة ذلك علي الفهم البشري فقد عجز عن فهمه وإدراكه عظماء الدارسين اليهود في عصره (أيام تجسده) فقال لهم متسائلا :

† ” ماذا تظنون في المسيح ابن من هو؟ قالوا ابن داود . وقال لهم فكيف يدعوه

– 16 –

داود بالروح ربا قائلا : قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك . فأن كان داود يدعوه بالروح ربا فكيف يكون ابنه؟ ” (مت42:22ـ45) ، وهنا عجز الكتبة والفريسيون عن الإجابة علي سؤاله !

  أنه رب داود وخالقه ومع ذلك دعي ابنه !

  كما دعي أيضا ابن يهوذا لأنه جاء من سبط يهوذا ” فانه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب14:7) ومع ذلك يقول الكتاب أنه ” اصل يهوذا ” (اش1:11) ، أنه من نسل يهوذا وفي نفس الوقت رب واصل يهوذا !    

   كما دعي أيضا بـ ابن إبراهيم ومع ذلك قال هو نفسه لليهود : ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (أكون) ” (يو58:8) ، أي قبل أن يوجد إبراهيم أنا موجود ، أنا أكون دائما ، أنا كائن من الأزل والي الأبد .

  مما سبق يتضح أن المسيح هو ابن العذراء وخالقها وابن داود وربه وخالقه وابن يهوذا وأصله وابن إبراهيم مع أنه الكائن الأزلي الأبدي الدائم الوجود ! وهذا يعود بنا للإجابة علي السؤال مرة أخري : كيف يكون المولود سابقا لأمه؟ 

  فتقول أن المولود ، هنا ، سابقا لأمه لأنه هو ذاته خالقها ، والله ليس في حاجة إلى الولادة من امرأة ولكن شاءت أرادته الإلهية لكي يظهر للبشرية أن يتجسد في ملء الزمان ويأخذ صورة الإنسان وأن يظهر لنا علي الأرض كإنسان ، بالجسد أو في الجسد ، ويصبح غير المرئي مرئيا وغير المنظور منظوراً وغير المدرك مدركا ، كما يقول القديس يوحنا بالروح القدس ؛ ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده ” (يو14:1) ، ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الأب وأظهرت لنا ” (1يو1:1ـ3) ، وأيضا يقول القديس بولس بالروح ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي 16:3) ، ” الذي إذ كان في صورة الله 000 أخلى نفسه أخذا صورة عبد ” (في5:2،6) ، ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة ” (غل4:4) .

– 17 –

  إذا فالمسيح هو الله وابن الله وهو أيضا ابن مريم بالجسد وابن داود وثمرة صلبه بالجسد ”  فإذ كان (داود) نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه ” (أع30:2)(2) ، وابن إبراهيم ونسله الموعود (غل14:3،16) ورب إبراهيم (يو58:8) ، فهو الإله المتجسد الذي يجمع في أقنومه وذاته اللاهوت والناسوت ، فهو كلمة الله وحكمه الله وقوة الله ، الله معنا ، وهذه حقيقة لاهوته ، وهو أيضا ابن الإنسان وهذه حقيقة ناسوته ، أي أنه كإله فهو الله ذاته ، كلمة الله ، ابن الله ، وكإنسان فهو ابن مريم .

E س 6 : هل ولدت العذراء إنساناً لأنها لا يمكن أن تلد الله؟ فالله ، كما بينا ، لا يولد مثل البشر فهو فوق المادة والحس والجنس !؟

& العذراء ولدت يسوع المسيح ، ويسوع المسيح هو كلمة الله وهو نفسه ابن الإنسان ، أنه الإله المتجسد ، عمانوئيل ، الله معنا ، القدوس الحق ” القدوس المولود منك يدعى ابن الله “ (لو35:1) ، ” ابن العلي ” (لو32:1) وقد خاطبتها اليصابات بعد أن سجد الطفل الذي في بطنها لمن كان في بطن العذراء : ” أم ربي ” (لو43:1) ، فقد ” ارتكض الجنين (يوحنا المعمدان) بابتهاج في ” بطن اليصابات  (لو44:1) لربه وخالقه الحال في بطن العذراء ليتخذ لنفسه جسدا ، وعلمت هذه الحقيقة اليصابات بالروح القدس فهتفت  ” من ابن لي أن تأتى أم ربي إلى ” .

  ولدت العذراء الإله المتجسد فهي لم تلد إنساناً عادياً لأن الملاك بشرها أنها ستحبل وتلد بالقدوس ولم تلد الله بلاهوته ، لأن الله لا يلد ولا يولد ولا يتوالد وهو فوق الحس والجنس ، أنه روح وواحد لا شبيه له ولا مثيل ولا اله غيره ليس له والد أو والده فهو الدائم الوجود وعله كل وجود . كما أنها لم تلد اثنين الهاً وإنساناً ، إنسان ولد منها وإله مر بأحشائها ، إنما ولدت الإله المتجسد الذي هو اله وفي نفس الوقت إنسان ، أنها لم تلد اللاهوت ولكن اللاهوت هو الذي حل في أحشائها واتخذ لنفسه منها وفيها جسدا فولدت الناسوت المتحد باللاهوت ، ولدت الناسوت متحدا باللاهوت ، ولدت كلمة الله المتجسد . قال قداسة البابا شنوده الثالث متسائلا :

  ” من الذي ولدته العذراء؟ هل ولدت إلها فقط؟ أم ولدت إنسانا فقط؟ ولدت إلها و إنسانا؟ أم ولدت الإله المتجسد؟ ” وأجاب قداسته :

  ” من المستحيل أن تكون قد ولدت إلها فقط لأنها ولدت طفلا رآه الكل . ولا يمكن  أن تكون ولدت إنسانا فقط ، لأن هذه هرطقة نسطور . ثم ما معني قول الكتاب الروح القدس يحل عليك ، وقوة العلي تظللك . فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعي ابن الله (لو35:1) وما معني أن ابنها يدعي عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت23:1)؟ وما معني قول اشعياء النبي ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا ، وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا لها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9)؟ إذا هو لم يكن مجرد إنسان ، وإنما كان ابن الله وعمانوئيل وإلها قديرا والعذراء أيضا لم تلد إنسانا وإلها وإلا كان لها ابنان ، الواحد منها اله ، والآخر منها إنسان لم يبق إلا أنها ولدت الإله المتجسد(3) .

  أنه ابن مريم وابن الله وكلمته ، صورة الله ، الله معنا . أنه اله وإنسان في أن واحد ، شخص واحد مسيح واحد طبيعة واحدة من طبيعتين بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير أو استحالة أو انفصال ، أو افتراق ، أنه الإله المتجسد الذي هو اله بلاهوته وإنسان بناسوته . له خصائص وصفات اللاهوت وخصائص وصفات الناسوت مع أنه واحد مسيح واحد ” يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5:2) الذي قال عنه يوحنا الرسول والإنجيلي ” هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5) .

  وهذا الإيمان هو ما آمنت به الكنيسة منذ نشأتها الأولى :

† قال القديس اغناطيوس الإنطاكي تلميذ بطرس الرسول :

  ” يوجد طبيب واحد هو في الوقت نفسه روح وجسد (اله وإنسان) مولود وغير مولود . الله صار جسدا ، حياه حقيقية في الموت من مريم ومن الله(4) .

† وقال يوستينوس الشهيد (110ـ165م) :

  ” لقد صار المسيح إنسانا بواسطة العذراء 000 أما مريم العذراء فأمنت وابتهجت عندما بشرها الملاك فالقدوس الذي يولد منها هو ابن الله ”  (5).

† وقال ايريناؤس (120ـ 202م) :  

  ” إذا لم يكن المسيح اله حق وإنسان حق لأصبح خلاصنا مستحيل “(6)

  فالمسيح باعتباره الإله المتجسد فقد جمع في شخصه الإلهي بين الإله والإنسان ، اللاهوت والناسوت . فهو من حيث لاهوته واحد مع الأب في الجوهر ومع حيث ناسوته فهو شريك للإنسان ، لنا في اللحم والدم (عب 14:2)(7) وكل ما يتصل بنا . أنه اله من حيث لاهوته وإنسان من حيث ناسوته . 

† جاء في ثاؤطوكية لأحد :

  ” الله الكلمة 000 صار إنسانا بغير افتراق . واحد من اثنين . لاهوت قدوس بغير فساد مساو للآب ، وناسوت طاهر بغير مباضعة مساو لنا في التدبير “(8) .

† وجاء في ثاؤطوكية الثلاثاء :

  ” التي ولدت لنا الله الكلمة الذي صار إنسانا لأجلا خلاصنا . وبعد أن صار إنسانا هو الإله أيضا(9) .

† وجاء في ثاؤطوكية الخميس : 

  ” هو اتحاد الاثنين : لاهوت وناسوت . ولهذا سجد له المجوس ، ساكتين

وناطقين بلاهوته “(10) .

† وجاء في قانون الإيمان الاثناسيوسي :

  ” لأن الإيمان المستقيم هو أن نؤمن ونعترف بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله ، هو اله وإنسان معا 000 هو اله مولود من جوهر الأب قبل العالمين . وهو إنسان مولود من جوهر أمه في العالم . هو اله تام ، وهو إنسان تام ذو نفس ناطقة وجسد بشري “(11) .

† وقال القديس اثناسيوس الرسولي :

  ” الكلمة نفسه الذي ولد من مريم فقد اتخذ منها جسدا وصار إنسانا ، إذ هو بطبعه وجوهره كلمه الله ، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم “(12) .

† وقال القديس كيرلس الاسكندري عمود الدين البطريرك والعشرين (404 ـ 435) : ” وماذا يمكن أن يكون ذاك الذي ولد عن العذراء ، إلا مثلنا في مظهره وطبيعته؟ لكن بالإضافة إلى أنه إنسان هو أيضا الإله الحقيقي(13) .

  وقال أيضا : ” نقر ، حسب إقرار الكنيسة الجامعة ، أن الله كاملا اتخذ الإنسان كاملا(14)

† وقال ساويرس بن المقفع أسقف الاشمونين (ولد حوالي 915م) :

  ” أن المسيح خالق ورازق ، وحي ، وعالم ، من حيث هو اله ونقول ” أن المسيح أكل وشرب وقتل ومات ” ، من حيث هو إنسان “(15) .

  نعم أنه إله من جهة لاهوته وهو أيضا إنسان من جهة ناسوته ، الإله المتجسد الذي يجمع في شخصه اللاهوت والناسوت ، خصائص وصفات اللاهوت وخصائص وصفات الناسوت ، هو الأزلي الأبدي ، وكإنسان دعي ابن مريم العذراء لكنه الإله المتجسد والمسيح الواحد والرب الواحد والطبيعة الواحدة المتحدة من طبيعتين بدون افتراق أو انفصال أو تحول أو تغيير أو امتزاج .

E إذا كان المسيح هو الله فكيف يحل في بطن العذراء في وسط الدم والنجاسة؟ ومن كان يدير الكون عندما كان في بطن العذراء؟!!

  يسأل البعض هذا السؤال بدون وعي أو حتى مجرد التوقف لحظة للتفكير فيما يقولون ، فقد بينا أن الله غير محدود لا بالمكان ولا الزمان ، فهو ، بلاهوته ، يملأ الكل وموجود في كل مكان كقول الرب يسوع المسيح عن نفسه ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) ، كما قال عنه الكتاب أيضاً أنه ” الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السموات لكي يملأ الكل ” (أف10:4) . فالمسيح بلاهوته لا يحده مكان ولا زمان لذا قال لتلاميذه ” حيثما أجتمع أثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم ” (مت20:18) ، كما قال لهم عند صعوده إلى السماء ” وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر ” (مت16:28) . وقال القديس أثناسيوس الرسولي ” صار له كل ما للبشر كأنه واحد منهم مع أنه في نفس الوقت خالقهم ويملأ بلاهوته السماء والأرض ” ، وقال القديس كيرلس عامود الدين ” ونحن لا نُعلم بأن الكلمة عندما تجسد وصار إنساناً كاملاً أصبح محدوداً . فهذا هو الغباء بعينه . إنما نحن نُعلم بأنه يملأ السموات والأرض وما تحت الأرض ” .

  ولأنه ماليء المسوات والأرض بلاهوته فقد كان في بطن العذراء متجسداً وكان في نفس الوقت موجوداً في كل مكان ، في السماء وعلى الأرض ، بلاهوته ، كما أنه ، بلاهوته ، لا يمكن أن يتأثر لا بالدم أو أي سوائل أو بأي مادة مهما كانت مثل شعاع الشمس الذي لا يتأثر بمياه البحار أو أي سوائل ينعكس عليها .

– 22 –

ـ 9 ـ

(2) أنظر ( 2صم12:7ـ13؛مز11:132؛رو3:1؛2تي8:2) .

ـ 18 ـ

– 19 –

(4) أفسس 7

(5) Dial. With Try. 100.

(6) Ag. Her. b. 3.

(7) تاريخ الفكر المسيحي جـ 1: 453 .

(8) الأبصلمودية المقدسة .

(9) الأبصلمودبة .

– 20 –

(10) السابق .

(11) الفقرات 28 ـ 30 .

(12) الرسالة إلى أبكتيكس : 13 .

(13) تفسيره ليوحنا 7:19 .

(14) في سر التجسد لنيافة الأنبا أغريغوريوس 18 .

(15) مصباح العقل ، تحقيق الأب سمير خليل ص 61 .

ـ 21 ـ

 

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

كيف ينال المسيحي التأله بالنعمة؟

سنحاول الإجابة عن ذلك من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء

قال السيد المسيح لنيقوديموس:

” أَجَابَ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (إنجيل يوحنا5:3).

هنا شرط دخول الملكوت والحياة الأبدية (التأله بالنعمة) هو الولادة من الماء والروح أي بالمعمودية ننال الحياة الأبدية والتأله بالنعمة.

قال السيد المسيح أيضًا لتلاميذه واليهود:

“مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إنجيل يوحنا54:6).

هنا يؤكد السيد المسيح أن شرط الحياة الأبدية هو التناول من جسده ودمه الأقدسين لنوال الحياة الأبدية (التأله بالنعمة).

نستخلص مما سبق أن نوال الخلود والحياة الأبدية وهي حياة الله وصفة خاصة بالله يعطيها للإنسان كعطية من خلال الأسرار الكنسية كالمعمودية والميرون والافخارستيا والتأله بالنعمة هو شركة الطبيعة الإلهية وشركة الحياة الأبدية وشركة في صفات إلهية بالأساس كالقداسة والبر والصلاح والأبدية والحكمة والقوة وهذه كلها صفات إلهية يشترك فيها الإنسان مع الله كعطية وهبة ومنحة من الله للإنسان وهذا هو مفهوم “التأله بالنعمة” الذي تحدث عنه آباء الكنيسة الجامعة الذي يتحقق من خلا الأسرار كالتالي:

يقول ق. أغناطيوس الأنطاكي (الثيؤفوروس) عن الإفخارستيا إنها:

 “دواء الخلود وترياق عدم الموت” (الرسالة إلى أفسس ٢٠).

 فنحن بالتناول من جسد الرب ودمه ننال الخلود وعدم الموت أي ننال التأله بالنعمة من خلال الإفخارستيا.

يقول ق. إيرينيؤس أيضًا:

 “كيف يمكنهم أن يقولوا إن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي اغتذى من جسد الرب ودمه وصار عضوًا فيه” (ضد الهرطقات ٥: ٢: ٣).

 يؤكد القديس إيرينيؤس أن الحياة الأبدية هي عطية إلهية ننالها من خلال التغذي من الإفخارستيا والحياة الأبدية هي مرادف لمفهوم التأله بالنعمة” كما ذكرنا من قبل.

يقول ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق:

 “ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من (جسد الكلمة) ذاته” (الرسالة إلى مكسيموس ٢).

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا وبالتالي الأسرار الكنسية تعتبر ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية.

يقول ق. كيرلس الأورشليمي:

 “وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن (حاملي المسيح) بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (٢بط١: ٤)”

(العظة للموعوظين ٢٢: ٣).

 كما يؤكد ق. كيرلس هنا أيضًا على نوال شركة الطبيعة الإلهية (التأله بالنعمة) وباتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا ونصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا.

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي:

  “بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة (النفس) والثانية منظورة (الجسد) فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد”

(عظة ٤٠: ١٠).

ونجد ق. غريغوريوس هنا يؤكد على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله) ونلبس الإنسان الجديد ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية.

يقول ق. غريغوريوس النيسي:

“كما أن الله الذي أظهر ذاته قد (مزج) نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذا الشركة مع اللاهوت يتيسر للبشرية أن تصير (مؤلهة) في نفس الوقت. فيزرع ذاته بحسب خطة النعمة الخاصة به في كل المؤمنين بواسطة الجسد، الذي يستمد بقائه من الخبز والخمر، مازجًا ذاته بأجساد المؤمنين حتى أنه بواسطة الاتحاد بذاك الأزلي، يستطيع الإنسان أن يشترك في عدم الفساد”

(العظة التعليمية الكبرى ٣٧).

 يؤكد ق. غريغوريوس على نوال نعمة التأله من خلال سر الإفخارستيا حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة).

يقول ق. يوحنا الذهبي الفم:

“كذلك المسيح والكنيسة يُكوِّنان كيانًا كليًا واحدًا، ويتحقق هذا الاتحاد بالقوت السماوي (الإفخارستيا) الذي منحنا إياه المسيح… لأجل هذا وحَّد نفسه بنا كيانيًا، فمزج جسده ببشريتنا كالخميرة بالعجين، كي نصير كائنًا واحدًا في تماسك الجسد بالرأس”

(عظة ٣٠: ١ على رسالة ١كو).

 ونرى هنا ق. يوحنا يؤكد على اتحادنا الكياني بالمسيح ككيان واحد كلي من خلال الإفخارستيا ويسميها ” القوت السماوي” وهكذا يمزج المسيح جسده بجسد بشريتنا كامتزاج الخميرة والعجين وهكذا يصير الرأس (المسيح) والجسد (الكنيسة) كائن واحد متماسك.

يقول ق. باسيليوس الكبير:

“لذلك نحتاج من الآن فصاعدًا لأن نتغذى بطعام الحياة الأبدية، كما علّمنا ذلك الابن الوحيد الإله الحي… وفي مرة أخرى يكرر كلمة ” الحق” ليؤكد ما يقوله ويعطي الثقة التامة لسامعيه، فيقول:  “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ”.  (يو56-53:6)”

(شرح المعمودية ٣: ١).

وهكذا يُسمي ق. باسيليوس القيصري الإفخارستيا ب(طعام الحياة الأبدية) الذي به ننال (التأله بالنعمة).

وأخيرًا يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على أننا بالإفخارستيا أي “بشركة جسده الخاص الذي دخل فينا، ننال الشركة مع الله” (تفسير يو ٦: ٣٥).

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

هناك دائمًا خوف من القول بأن الروح القدس يسكن البشر بأقنومه وجوهره، لئلا نصير آلهة مثل الله، وهذا بالطبع خطأ فادح جدًا، ﻷننا لانستطيع أن نصير مثل الله في كمال لاهوته بل نصير بالنعمة مشابهين لله وننمو في صورته ومثاله وشبهه، فلابد أن يسكن الروح القدس بذاته وجوهره وأقنومه فينا، ﻷنه مثلا كيف يسكن اﻹنسان مسكنا بمواهبه وقدراته وطاقاته بدون أن يسكن بجوهره وذاته في هذا المسكن، وهناك أدلة كتابية كثيرة على الحلول اﻷقنومى للروح القدس في البشر كالتالي:

يقول رب المجد لتلاميذه أن روح الحق ماكث معهم ويكون فيهم وليست مواهبه في إنجيل يوحنا الأصحاح 14 اية 17

17 رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ.

يقول بولس الرسول أن الله أعطانا روحه ولم يعط مواهبه فقط الرسالة الأولى إلى تسالونيكى الأصحاح 4 اية 8

8 إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ.

يقول يوحنا الرسول أن الله أعطانا من روحه للثبات فيه ولم يقل من مواهبه رسالة يوحنا الأولى الأصحاح 4 اية 13

13 بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ.

يقول رب المجد أن الروح القدس روح اﻵب هو المتكلم فينا وليست مواهبه وطاقاته في انجيل متى الأصحاح 10 اية 20

20 لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.

يقول بولس الرسول أن الروح القدس روح الابن هو الصارخ فينا إلى اﻵب وليست مواهبه وطاقاته ونعمه في الرسالة إلى غلاطية الأصحاح 4 اية 6

6 ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا:«يَا أَبَا الآبُ».

يقول بولس الرسول أن روح الله يسكن فينا ولم يقل مواهبه تسكن فينا الرسالة الأولى إلى كورنثوس الأصحاح 3 اية 16

16 أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟

يقول بولس الرسول أن الروح القدس الذي أقام المسيح من اﻷموات ساكن فينا ولا أعتقد أن مواهب ونعم الروح القدس هى التى أقامت المسيح من اﻷموات كما في الرسالة إلى رومية الأصحاح 8 اية 11

11 وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ.

يؤكد بولس الرسول على ان الروح القدس روح الله وروح المسيح ساكن فينا ولم يقل طاقاته ومواهبه كما في الرسالة إلى رومية الأصحاح 8 اية 9

9 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ.

يقول بولس الرسول ان جسدنل هو هيكل للروح القدس وليس لمواهب الروح القدس كما في الرسالة الأولى إلى كورنثوس الأصحاح 6 اية 19

19 أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟

يقول بطرس الرسول أن روح المجد والله يحل فينا ولم يقل مواهب روح المجد كما في رسالة بطرس الأولى الأصحاح 4 اية 14

14 إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ.

هناك الكثير من اﻵيات الكتابية التى تؤكد الحلول اﻷقنومى ولكنى أكتفي بهذا القدر.

 

هناك العديد من أقوال آباء الكنيسة الجامعة تؤكد على الحلول اﻷقنومى للروح القدس فينا كالتالى:

– يقول ق.أثناسيوس في رسالته الاولى إلى سرابيون الاسقف (١: ٤):

 “وواضح هنا انه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس. وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس في البشر، حتى إذا ذكرت كلمة الروح بدون أى إضافة، فليس هناك من شك أنها تعنى الروح القدس وعلى اﻷخص عندما تذكر الكلمة مقترنة باداة التعريف”.

ويقول أيضًا في نفس الرسالة (١: ٢٠):

 “كيف حينما يوجد الروح فينا يقال إن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا يقال ان اﻵب فينا؟ وعندما يكون الثالوث بحق ثالوثًا، فكيف يفهم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يقال إن الثالوث* موجود فينا؟”

* وهنا يسأل ق.أثناسيوس محاربي الروح القدس كيف إذا كان الروح القدس فينا لا يكون الثالوث ساكن فينا ويقول إن كان أحد أقانيم الثالوث فينا ولم يقل مواهب أحد الاقانيم.

 

يقول ق.كيرلس الاورشليمى في عظاته للموعوظين العظة (١٦: ٢٦) عن الروح القدس:

“لقد نطق بهذا متنبأ ‘حين يجعل الرب روحه عليهم’. العبارة تقول ‘إذ يجعل الرب’ أى يجعله يحل على الكل… إنه سيعطى بسخاء. لقد ألمح في السر إلى ما كان مزمعًا أن يحدث بيننا في يوم الخمسين، ﻷن الروح القدس بنفسه* حل بيننا”

*قال الروح القدس بنفسه حل بيننا وليس بمواهبه ونعمه فقط.

 

يقول ق.غريغوريوس اللاهوتى في عظته عن عيد العنصرة رقم (٣٦: ١١):

“وفي المناسبة الثالثة في وقت توزيع الالسنة النارية عليهم الذي نحتفل بذكراه اليوم ولكن في المناسبة الاولى كان ظهور الروح القدس بطريقة خافتة وفي الثانية بطريقة معبرة وواضحة أما في الثالثة فبطريقة أكثر كمالا، حيث أنه لم يعد حاضرا بالقدرات والطاقات والافعال كما كان فيما سبق، بل حاضرًا بجوهره* يشاركنا ويعايشنا، إذ لا يستطيع أحد أن يقول غير ذلك “.

 *لا يستطيع أحد أن يقول غير الحلول اﻷقنومى للروح القدس فينا بجوهره.

يقول ق. يوحنا فم الذهب في تفسيره لسفر أعمال الرسل العظة الرابعة:

“أما بالنسبة للانبياء فالوضع مختلف إذ لم يحل الروح القدس على أحدهم بالطريقة التى حدثت مع الرسل. … لكن الذي حل هنا هو الروح القدس. … لكن لم ينل أحد منهم الروح القدس بنفس الطريقة التى حدثت للرسل هنا”.

 

ويقول أيضًا في نفس العظة:

“ليس أنهم نالوا نعمة الروح القدس فقط، * بل امتلأوا منه* وابتدوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا”.

*هنا يؤكد ذهبى الفم على حلول الروح القدس بنفسه على الرسل وليس مثل الانبياء في القديم.

يقول العلامة ديديموس الضرير في كتابه عن الروح القدس (109- 106):

“الروح القدس يسكن في العقل وفي الانسان الباطن بنفس الطريقة التى يسكن بها اﻵب والابن ” هنا لم يتحدث عن سكنى مواهب بل سكنى أقانيم الثالوث

ويقول أيضًا في نفس الكتاب: “وهكذا فأى من كان له شركة في الروح القدس يصير على الفور في شركة مع اﻵب والابن”.

*هنا يتحدث عن شركة مع اﻷقانيم وليست شركة مواهب. والكتاب كله ملئ بالادلة على الحلول الاقنومى ولكنى سأكتفي بهذا.

 

يقول ق.إبيفانيوس أسقف سلاميس في كتابه أنكوراتوس أو المثبت بالمرساة عن الروح القدس:

“فإنه يعطى الخير للكل بشكل مختلف (الرسالة الأولى إلى كورنثوس الأصحاح 12 اية 8 فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ. …… وهو يظهر لنا الوجود الاقنومى للروح القدس من خلال تلك اﻷشياء”.

*وهنا يؤكد بكل صراحة على الوجود الاقنومى للروح القدس في كل هذه الاشياء المعطاة للبشر من مواهب الروح القدس.

يقول ق.كيرلس عمود الدين في حواره حول الثالوث الحوار السابع عن الروح القدس :

“فمن يعمل في داخلنا ويكمل فينا عمل الله، هل يمكن ألا يكون الله؟ …. قل لى إذن، بأى طريقة كان يوجد الله في القدماء عندما كان الروح داخلهم؟ أو كيف يمكن أن يأتى في داخلنا نحن عندما يكون الروح ذاته في داخلنا؟ لانه لا يمكن أن يتحقق فينا وجود الله حسب طبيعته إن الروح مختلف عن اﻵب في الجوهر”.

*وهنا يقول ق.كيرلس صراحة الروح بذاته في داخلنا ولم يقل مواهبه فقط.

سأختم بقول ق.هيلارى أسقف بواتييه في كتابه عن الثالوث (ك8: 26، 27)حيث يقول  :

“فإن المسيح يسكن فينا وحيثما يسكن المسيح يسكن الله. وحينما يسكن فينا روح المسيح، فإن تلك السكنى لا تعنى أن هناك روحا أخرى تسكن فينا سوى روح الله، فلابد أن نعترف اﻵن بأن روح الله هذا هو أيضا روح المسيح، بما أن الطبيعة تسكن فينا سكنى حقيقي. …فإن معلم اﻷمم يؤكد أنهما ليسا روحيين – روح الله وروح المسيح- هذين اللذين يوجدان في المؤمنين بل روح المسيح الذي هو أيضا روح الله.

هذا ليس سكنى مشترك بل سكنى واحد، ومع ذلك فهو سكنى سرى مشترك. … فإن روح الله فينا وكذلك روح المسيح فينا.  وحينما يكون روح المسيح فينا يكون روح الله أيضا “.

أكتفي بهذا الجزء من الكل.  وأدعو مهاجمى الحلول الاقنومى للروح القدس فينا التروى والتعقل والخضوع بمحبة لتعاليم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة الجامعة.

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

يحارب ق. كيرلس السكندري منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول أننا نتحد بالله ونصير واحدًا معه وشركاء الطبيعة الإلهية بشركتنا ووحدتنا مع الروح غير المخلوق، حيث يقول التالي:

“هكذا أيضًا ذاك الذي صار شريكًا للروح القدس* يصير واحدًا مع الرب، وبالتالي الروح القدس هو الله، الذي بواسطته، نلتصق بالله ونصير واحدًا معه*، وشركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط ١: ٤)، بشركتنا ووحدتنا مع الروح*. فإذا كان الروح هو الله، فكيف يكون مخلوقًا”.

(الكنوز في الثالوث ٣٤: ٥٠)

يحارب القديس كيرلس عمود الدين الأفنوميين الهراطقة منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول التالي:

“فإن كان الروح* يحل ويسكن فينا، وبواسطته يسكن المسيح أيضًا فينا، إذن، الروح القدس هو قوة المسيح. فإذا كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا هذا الذي من طبيعته أن يوجد في الابن؟ إنها ساعة إذن ليقولوا: إن كلمة الله -الذي لا تركيب فيه ولا ازدواج- مركب، وذلك بسبب هذا الشيء الذي يأتي من الخليقة* مضافًا إلى طبيعته. لكن هذا محض عبث، فالروح ليس مخلوقًا ولا مجبولاً، إنما هو يأتي من أعلى، من الجوهر الإلهي، كقوة وفعل طبيعي له*”.

(الكنوز في الثالوث ٣٤: ٥٥)

يحارب القديس كيرلس الكبير منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، والذين يدّعون أن شركتنا مع الروح القدس هي شركة مع مخلوق، حيث يقول التالي:

“إذن، عندما يسكن الروح* في غير المرفوضين، يكون المسيح* هو ذاك الذين يسكن فيهم، وبالتالي يكون من الضروري أن نقول إن هذا هو الجوهر الإلهي* الذي يجعل كل الذين يشاركونه* شركاءً. لأنه ما من أحد يملك عقلاً* يمكنه أن يقول إن شركتنا مع الله* يمكن أن تصير بواسطة مخلوق*، طالما كان هذا المخلوق -بحسب رأي الهرطقة*- لديه طبيعة مختلفة، وهو مختلف تمامًا عن الآب والابن، وإن هناك فرقًا شاسعًا بين الجوهر المخلوق والجوهر غير المخلوق*”.

(الكنوز في الثالوث ٣٤: ٥٦).

يدحض ق. كيرلس السكندري المعتقدين بالحلول المواهبي للروح القدس في البشر، ويقول التالي:

“أما لو كانت النعمة المعطاة لنا بواسطة الروح القدس هي نعمة منفصلة عن جوهره*، فحينئذ لماذا لم يقل موسى النبي (تك٢: ٧) إنه عندما أوجد الخالق الكائن الحي (الإنسان)، إنه نفخ فيه النعمة مع نفخة الحياة، ولماذا لم يقل المسيح لنا: اقبلوا النعمة التي أهبها لكم بعمل الروح القدس؟ والعكس هو الصحيح، لأن موسى قال: نفخة الحياة، ولأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.

كما قال بعض شعرائكم أيضًا: لأننا أيضًا ذريته (أع١٧: ٢٨)، بينما دعاه المخلص الروح القدس*، وهكذا سكن في نفوس أولئك الذين يؤمنون بالروح الحقيقي نفسه*، والذي بواسطته وبه يقودهم إلى هيئتهم الأولى. بمعنى أنه يجعلهم مشابهين له عندما يقدسهم، وهكذا يعيدنا إلى صورتنا الأولى أي إلى حالة ختم الآب.

ومن جهة الدقة في وصف وحدة الجوهر، فإن الابن ذاته هو الختم الحقيقي، في الوقت نفسه فإن الروح القدس هو شبه واضح وطبيعي للابن، والذي نتغير نحن بالتقديس بواسطته أي لنأخذ صورة الله […] إذن الروح هو الله الذي يعطينا أن نكون على صورة الله.

وهذا لا يتأتى عن طريق النعمة الخادمة*، لكن بالاشتراك في الطبيعة الإلهية مانحًا ذاته عينها* للمستحقين […] هل يمكن أن تسأل المعاندين: لماذا نُدعى هياكل لله، بل بالحري آلهة*، إن كنا بالفعل شركاء مجرد نعمة بسيطة* لا كيان لها*؟ لكن الأمر ليس كذلك، لأننا هياكل للروح الحقيقي الكائن*، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهةً، لأنه من خلال اتحادنا به* نصبح شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة”.

(الحوار حول الثالوث، الحوار السابع، ص ٣٥٣- ٣٥٥).

وبذلك يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، وليس مجرد حلول مواهبي أو حلول لنعم مخلوقة كما يدّعي الهراطقة، ويدحض بشدة ويستنكر الهراطقة القائلين بأننا نتحد بنعمة خادمة (مخلوقة)، أو أننا نتحد بمجرد نعمة بسيطة لا كيان لها، بل يؤكد على اتحادنا بالروح الحقيقي الكائن الذي يصيرنا شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة.

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

سنبدأ مع بعض أحبائي دراسة جديدة حول الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس “هيراقليدس” الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني.

يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

“بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون.

لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً.

ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد.

لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى “تجسُدًا”، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد”.

(Heraclides 1: 34)

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة.

كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version