ضد الأريوسيين المقالة الثانية – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثانية – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثانية – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثانية – أثناسيوس الرسولي

 

المحتويات

مقدمة

الفصل الرابع عشر: شرح نصوص: رابعا عب 2:3 “كونه أمينا للذى أقامه”

الفصل الخامس عشر: شرح نصوص: خامساً أعمال36:2 “جعل يسوع رباً ومسيحاً”

الفصل السادس عشر: مقدمة لشرح أمثال 22:8 “أن الإبن ليس مخلوقاً”

الفصل السابع عشر: مقدمة لشرح أمثال 22:8 “أن الإبن ليس مخلوقاً” (تابع)

الفصل الثامن عشر: مقدمة لشرح أمثال 22:8 “أن الإبن ليس مخلوقاً” (تابع)

الفصل التاسع عشر: شرح نصوص سادساً: أمثال 22:8 “الرب خلقنى أول طرقه لأجل أعماله”

الفصل العشرون: شرح نصوص سادساً: أمثال 22:8 “الرب قنانى أول طرقه لأجل أعماله (تابع)”

الفصل الحادى والعشرون : “أول طرقه لأجل أعماله (تابع)”

الفصل الثانى والعشرون : “شرح نصوص : سادساً: أمثال 22:8 104 “اسسنى قبل الدهر”

ضد الأريوسيين المقالة الثانية – أثناسيوس الرسولي

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

كيف ينال المسيحي التأله بالنعمة؟

سنحاول الإجابة عن ذلك من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء

قال السيد المسيح لنيقوديموس:

” أَجَابَ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (إنجيل يوحنا5:3).

هنا شرط دخول الملكوت والحياة الأبدية (التأله بالنعمة) هو الولادة من الماء والروح أي بالمعمودية ننال الحياة الأبدية والتأله بالنعمة.

قال السيد المسيح أيضًا لتلاميذه واليهود:

“مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إنجيل يوحنا54:6).

هنا يؤكد السيد المسيح أن شرط الحياة الأبدية هو التناول من جسده ودمه الأقدسين لنوال الحياة الأبدية (التأله بالنعمة).

نستخلص مما سبق أن نوال الخلود والحياة الأبدية وهي حياة الله وصفة خاصة بالله يعطيها للإنسان كعطية من خلال الأسرار الكنسية كالمعمودية والميرون والافخارستيا والتأله بالنعمة هو شركة الطبيعة الإلهية وشركة الحياة الأبدية وشركة في صفات إلهية بالأساس كالقداسة والبر والصلاح والأبدية والحكمة والقوة وهذه كلها صفات إلهية يشترك فيها الإنسان مع الله كعطية وهبة ومنحة من الله للإنسان وهذا هو مفهوم “التأله بالنعمة” الذي تحدث عنه آباء الكنيسة الجامعة الذي يتحقق من خلا الأسرار كالتالي:

يقول ق. أغناطيوس الأنطاكي (الثيؤفوروس) عن الإفخارستيا إنها:

 “دواء الخلود وترياق عدم الموت” (الرسالة إلى أفسس ٢٠).

 فنحن بالتناول من جسد الرب ودمه ننال الخلود وعدم الموت أي ننال التأله بالنعمة من خلال الإفخارستيا.

يقول ق. إيرينيؤس أيضًا:

 “كيف يمكنهم أن يقولوا إن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي اغتذى من جسد الرب ودمه وصار عضوًا فيه” (ضد الهرطقات ٥: ٢: ٣).

 يؤكد القديس إيرينيؤس أن الحياة الأبدية هي عطية إلهية ننالها من خلال التغذي من الإفخارستيا والحياة الأبدية هي مرادف لمفهوم التأله بالنعمة” كما ذكرنا من قبل.

يقول ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق:

 “ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من (جسد الكلمة) ذاته” (الرسالة إلى مكسيموس ٢).

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا وبالتالي الأسرار الكنسية تعتبر ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية.

يقول ق. كيرلس الأورشليمي:

 “وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن (حاملي المسيح) بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (٢بط١: ٤)”

(العظة للموعوظين ٢٢: ٣).

 كما يؤكد ق. كيرلس هنا أيضًا على نوال شركة الطبيعة الإلهية (التأله بالنعمة) وباتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا ونصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا.

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي:

  “بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة (النفس) والثانية منظورة (الجسد) فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد”

(عظة ٤٠: ١٠).

ونجد ق. غريغوريوس هنا يؤكد على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله) ونلبس الإنسان الجديد ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية.

يقول ق. غريغوريوس النيسي:

“كما أن الله الذي أظهر ذاته قد (مزج) نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذا الشركة مع اللاهوت يتيسر للبشرية أن تصير (مؤلهة) في نفس الوقت. فيزرع ذاته بحسب خطة النعمة الخاصة به في كل المؤمنين بواسطة الجسد، الذي يستمد بقائه من الخبز والخمر، مازجًا ذاته بأجساد المؤمنين حتى أنه بواسطة الاتحاد بذاك الأزلي، يستطيع الإنسان أن يشترك في عدم الفساد”

(العظة التعليمية الكبرى ٣٧).

 يؤكد ق. غريغوريوس على نوال نعمة التأله من خلال سر الإفخارستيا حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة).

يقول ق. يوحنا الذهبي الفم:

“كذلك المسيح والكنيسة يُكوِّنان كيانًا كليًا واحدًا، ويتحقق هذا الاتحاد بالقوت السماوي (الإفخارستيا) الذي منحنا إياه المسيح… لأجل هذا وحَّد نفسه بنا كيانيًا، فمزج جسده ببشريتنا كالخميرة بالعجين، كي نصير كائنًا واحدًا في تماسك الجسد بالرأس”

(عظة ٣٠: ١ على رسالة ١كو).

 ونرى هنا ق. يوحنا يؤكد على اتحادنا الكياني بالمسيح ككيان واحد كلي من خلال الإفخارستيا ويسميها ” القوت السماوي” وهكذا يمزج المسيح جسده بجسد بشريتنا كامتزاج الخميرة والعجين وهكذا يصير الرأس (المسيح) والجسد (الكنيسة) كائن واحد متماسك.

يقول ق. باسيليوس الكبير:

“لذلك نحتاج من الآن فصاعدًا لأن نتغذى بطعام الحياة الأبدية، كما علّمنا ذلك الابن الوحيد الإله الحي… وفي مرة أخرى يكرر كلمة ” الحق” ليؤكد ما يقوله ويعطي الثقة التامة لسامعيه، فيقول:  “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ”.  (يو56-53:6)”

(شرح المعمودية ٣: ١).

وهكذا يُسمي ق. باسيليوس القيصري الإفخارستيا ب(طعام الحياة الأبدية) الذي به ننال (التأله بالنعمة).

وأخيرًا يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على أننا بالإفخارستيا أي “بشركة جسده الخاص الذي دخل فينا، ننال الشركة مع الله” (تفسير يو ٦: ٣٥).

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

سنبدأ مع بعض أحبائي دراسة جديدة حول الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس “هيراقليدس” الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني.

يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

“بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون.

لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً.

ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد.

لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى “تجسُدًا”، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد”.

(Heraclides 1: 34)

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة.

كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

هناك خلط شديد جدًا بين عقيدة التآله بالطبيعة الخاصة بالله (ثيؤلوجيا)، وبين عقيدة التآله بالنعمة الخاصة بالبشر (إيكونوميا).

وسوف أستعرض بعض النصوص الكتابية الدالة على عقيدة التآله بالنعمة مثل:

– “أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم” (مز82: 6)

 وهو قول صريح لا لبس فيه.

– “فقال الرب لموسى: أنظر أنا جعلتك إلهًا لفرعون. وهارون أخوك يكون نبيك” (خر7: 1)

 وهنا يقصد التآله بالنعمة طبعًا.

– يقول رب المجد نفسه: “أجابهم يسوع أليس مكتوبًا فى ناموسكم: أنا قلت انكم الهة، إن قال لأولئك الذين صارت لهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب فالذي قدسه اﻵب وارسله الى العالم، أتقولون له: إنك تجدف لاني قلت إني ابن الله؟” (يو10: 34 _36)

هنا يؤكد السيد المسيح على هذه العقيدة ويقول لا يمكن ان ينقض المكتوب.

– يقول رب المجد نفسه: “أجاب يسوع وقال له: إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً”.

هنا يؤكد رب المجد على سكنى اﻵب والابن في البشر بقوله نصنع عنده منزلاً.

– يقول معلمنا بطرس الرسول: “الذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الالهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط 1: 4).

وهنا يؤكد ق. بطرس على شركة الطبيعة الإلهية.

 

وسوف أستعرض بعض أقوال اﻵباء الدالة على عقيدة التآله بالنعمة وهو بعض من كل:

يقول ق. أثناسيوس فى كتابه تجسد الكلمة (ف54: 3):

 “ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يؤلهنا نحن”.

ويقول ق. أثناسيوس أيضًا فى كتابه (ضد الاريوسيين المقالة الاولى ف11: 42):

 ” فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تأله، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرحة أكثر”.

 

يؤكد ق. أثناسيوس على نعمة تآله الجسد التي أنعم بها الله بدرجة أكثر على البشر.

ويقول ق. أثناسيوس في رسالته الأولى عن الروح القدس إلى سرابيون الاسقف:

 “ولكن إن كنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألهون، وإن كان (الروح القدس) يؤله البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية”.

وهنا يؤكد ق. أثناسيوس أن مَن يشكك في تآليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يشكك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

 

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي في خطبته اللاهوتية عن الروح القدس رقم (31: 28):

  “فكيف يؤلهني الروح بالمعمودية إن لم تجب عبادته؟ وإذا وجبت عبادته، فكيف لا يكون جديرًا بمراسم تلك العبادة؟”.

وهنا يربط أيضًا ق.غريغوريوس بين التآله بالنعمة الذي نأخذه بالمعمودية والاعتراف بألوهية الروح القدس.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا في نفس الخطبة عن الروح القدس (31 :29):

 “الذي يجعلنا هياكله، الذي يؤلهنا، الذي يقودنا الى الكمال، بحيث أنه يسبق المعمودية، ويطلب بعد المعمودية جميع أعمال الله، وهو ينقسم ألسنة نار، ويوزع المواهب الروحية”.

 

ويقول ق. باسيليوس الكبير في كتابه عن “الروح القدس” (ف9: 23):

 “وتنال هذه النفوس من الروح معرفة المستقبل، وفهم الاسرار، وإدراك الخفايا، وتوزيع العطايا الصالحة، والمواطنة السماوية، ومكانًا في خورس تسبيح الملائكة، وفرحًا بلا نهاية، وبقاء دائم في الله، والتشبه به، وأسمى من كل هذا أن نصير آلهةً”.

يعني عطية التآله بالنعمة هى أسمى العطايا والنعم التي اعطاها لنا الروح القدس.

ويقول ق. كيرلس عمود الدين في كتابه (حوار حول الثالوث، الحوار السابع) عن الروح القدس:

 “كيرلس: ماذا يعني الاسم إله؟ إرميا: يعنى مَن له هذه الطبيعة. كيرلس: غير أن خصائص هذه الطبيعة هي الازلية، وعدم الفساد، بينما الاسم إله هو خاص بالملائكة أيضًا وبنا نحن على اﻷخص حتى لو كان مضاف إلينا ومُعطَى لنا”.

وهنا قالها ق. كيرلس الكبير بكل صراحة إن اسم إله مُعطَى لنا من الله كعطية وإضافة لنا وفيه بالطبيعة.

ويقول ق.كيرلس عمود الدين في نفس الحوار السابع:

 “ﻷننا هياكل للروح الحقيقي الكائن، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهة، لانه من خلال اتحادنا به نصبح شركاء الطبيعة الالهية غير الموصوفة. أما لو كان الروح الذي يؤلهنا هو غريب ومختلف بحسب جوهره عن الطبيعة الالهية، فحينئذ سنفقد رجاءنا”.

وهنا أيضًا ق. كيرلس مثل ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس اللاهوتي يربط بين عقيدة التآله بالنعمة والاعتراف بألوهية الروح القدس مَن يرفض التآله بالنعمة يعترف بعدم ألوهية الروح القدس.

 

يقول ق. أوغسطينوس في كتابه (خواطر فيلسوف في الحياة الروحية، ف13):

 “جعلك الله أخًا لابنه دون أن يلدك، فتبناك، وجعلك له شريكًا في الميراث، ثم جعل المسيح شريكًا لك في الموت ليؤهلك للاشتراك معه في اللاهوت”.

وهنا أيضًا يؤكد ق. أوغسطينوس على عقيدة التآله بالنعمة وشركة الطبيعة الالهية.

ويقول ق. أوغسطينوس أيضًا عن الروح القدس فى كتابه عن (الثالوث، الكتاب الاول، ف 6: 13):

 “ولكن إن كان غير مخلوق، فمن ثم لا يكون إلهًا فقط (لأن البشر يُدعون آلهةً أيضًا)، بل هو أيضًا الله ذاته، ولذا فهو مساوٍ كليًا للآب والابن في وحدانية الثالوث ومن نفس الطبيعة”.

 

ويقول ق. أوغسطينوس أيضًا في حديثه عن تجسد وصلب رب المجد في كتابه عن (الثالوث، الكتاب الاول، ف 13: 28):

 “لأنه صلب بحسب صورة العبد ولكنه رب المجد المصلوب لان الاتخاذ (التجسد) قد جعل الله إنسانا واﻹنسان إلهًا”.

 وهنا يؤكد ق. أوغسطينوس أيضًا على عقيدة التآله بالنعمة كبركة من بركات التجسد الإلهى.

أكتفي بهذا القدر القليل من أقوال اﻵباء التي لاحصر لها عن التآله بالنعمة. وأرجو ألا نهاجم هذه النعمة الكبيرة ونطلب من الله أن يجعلنا ننمو أكثر وأكثر في هذه النعمة، ولا نعترض على الله، ونقوم عمل الروح القدس فينا.

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

معرفه الابن لليوم والساعه . (مر 32:13 .. لو 52:2) . ضد الاريوسيين

 

 

شرح نصوص (مر32:13، لو52:2)

معرفة الابن لليوم والساعة،

التقدّم في النعمة والحكمة

 

          1ـ وحيث إن الأمور هى هكذا فدعنا نأتي الآن لكي نبحث الآية ” وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلم يعلم بها أحد ولا الملائكة ولا الابن إلاّ الآب ” (مر32:13).

 

          ولكونهم في جهل عظيم من جهة هذه الكلمات فقد أصابهم الدوار بسببها ويظنون أنهم قد وجدوا فيها حجة هامة تسند هرطقتهم. فإن كان هؤلاء الهراطقة قد سبق فقرّروا هذا ويسلّحون أنفسهم به. فإني أراهم كالعمالقة[1] الذين يحاربون الله. لأن رب السماء والأرض الذي به خُلقت كل الأشياء، يطالب بتقديم حساب أمامهم عن اليوم والساعة. والكلمة الذي يعرف كل الأشياء يتهمونه بأنه يجهل اليوم، والابن الذي يعرف الآب يقولون إنه يجهل ساعة من ساعات اليوم. والآن ماذا يمكن أن يكون أكثر حماقة من هذا، أو أى جنون يمكن أن يشابه هذا؟

          لأنه بالكلمة قد خُلقت كل الأشياء والأزمنة، والأوقات والليل والنهار وكل الخليقة، فهل يقال بعد ذلك إن الخالق يجهل عمله؟ ولكن بمواصلة القراءة في هذا الفصل يتضّح أن ابن الله يعرف تلك الساعة وذلك اليوم، رغم أن الآريوسيين قد سقطوا بشدة في جهلهم لأنه بينما يقول (ولا الابن) يشرح للتلاميذ ما يحدث قبل ذلك اليوم قائلاً سيكون هذا وذاك، ثم يأتي المنتهى (انظر مت24). فالذي يتكلّم عن ما يحدث قبل ذلك اليوم، يعرف بالتأكيد اليوم أيضًا، الذي سوف يأتي بعد كل ما سبق وأخبر به، ولكن لو لم يكن يعرف الساعة، لما كان قد تحدّث عن الأمور التي تسبقها لكونه لا يعرف متى ستكون. ومثل إنسان يريد أن يدل أولئك الذين يجهلون مكان منزل ما أو مدينة، فهو يذكر لهم بالتفصيل الأشياء التي تقابلهم قبل المنزل أو المدينة وبعد أن يشرح لهم كل شئ يقول ” وبعد ذلك تجدون المدينة أو المنزل مباشرة فهذا المشير يعرف تمامًا أين يوجد المنزل أو المدينة ـ لأنه لو لم يكن يعرف، لما استطاع أن يشرح لهم ما يجدونه قبلها. وحتى لا يتسبب دون قصد في أن سامعيه يضّلون الطريق، أو أنهم يذهبون بعيدًا عن المكان بسبب وصفه الخاطئ. هكذا فإن الرب بحديثه عن ما يسبق ذلك اليوم وتلك الساعة فهو يعرف بالضبط، ولا يجهل متى تأتي الساعة ويكون اليوم.

 

          2ـ والآن فلماذا رغم أنه كان يعرف، لم يخبر تلاميذه بوضوح في ذلك الحين. لا يستطيع أحد أن يفحص ما صَمَتَ الرب عنه،      ” لأن مَنْ عَرِفَ فكر الرب؟ أو من صار له مشيرًا ” (رو34:11)، ولماذا رغم أنه عَرِفَ، قال “ولا الابن” يعرف. أظن أن هذا لا يجهله أى واحد من المؤمنين: إنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى ـ كإنسان بسبب الجسد فهذا ليس نقصًا في الكلمة، بل هو بسبب تلك الطبيعة البشريّة التي تتصّف بعدم المعرفة.

          وهذا أيضًا يمكن أن يُرى جيدًا إن كان أحد يفحص المناسبة بإخلاص: متى ولِمَنْ تكلّم المخلّص هكذا[2]؟ فهو لم يتكلّم هكذا حينما خُلقت السموات بواسطته، ولا حينما كان مع الآب نفسه، الكلمة الصانع كل الأشياء (انظر أم27:8ـ30). وهو لم يَقُل هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان ولكن حينما صار الكلمة جسدًا. ولهذا السبب فمن الصواب أن ننسب إلى ناسوته كل شئ تكلّم به إنسانيًا بعد أن تأنس. لأنه من خاصية الكلمة أن يعرف مخلوقاته، وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هى أعماله. وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شئ ونهايته، فإنه يعرف بالتأكيد النهاية العامة والمشتركة للكل. وبالتأكيد فحينما يتكلّم في الإنجيل عن نفسه إنسانيًا قائلاً: ” أيها الآب، قد أتت الساعة مجد ابنك” (يو1:17)، فواضح أنه بصفته الكلمة، يعرف أيضًا ساعة نهاية كل الأشياء رغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، وخاصةً في هذه الأمور.

 

          وبالأكثر فإن هذا لائق بمحبة المخلّص للبشر، لأنه منذ أن صار إنسانًا لم يخجل ـ بسبب الجسد الذي يجهل ـ أن يقول لا أعرف لكي يوضّح أنه بينما هو يعرف لأنه هو الله، فهو يجهل جسديًا. ولذلك فهو لم يقل ” ولا ابن الله يعرف “، لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل، بل قال ببساطة “ولا الابن” لكي تكون عدم المعرفة منسوبة لطبيعة الابن البشرية.

 

          3ـ ولهذا السبب فهو يتحدّث عن الملائكة أنهم لا يعرفون اليوم والساعة ولكنه لم يواصل ويقول ” ولا الروح القدس يعرف” لكنه صمت لسببين: أولاً: لأنه إن كان الروح يعرف فبالأولى فإن الكلمة لابد أن يعرف لأن الكلمة الذي يستمد منه الروح المعرفة هو بالأولى يعرف.

 

          ثانيًا: وبصَمْته عن ذكر الروح أوضَحَ أن قوله “ولا الابن” هو عن خدمته البشرية. وهذا برهان على ذلك: أنه، حينما تكلّم إنسانيًا قائلاً “ولا الابن يعرف” لكونه هو الله فهو يُظهر نفسه أنه يعرف كل الأشياء. لأن ذلك الابن الذي يقال إنه لا يعرف اليوم، يقول هو عن نفسه إنه يعرف الآب لأنه يقول ” لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ” (مت27:11). وكل الناس عدا الآريوسيين يعترفون أن الذي يعرف الاب هو بالأحرى يعرف كل شئ عن الخليقة ومن ضمن هذا الكل نهاية الخليقة. وإن كان اليوم والساعة قد تحدّدا من الآب فواضح، أنهما قد تحدّدا بواسطة الابن وهو نفسه يعرف الأشياء التي قد تحدّدت بواسطته.

 

          لأنه لا يوجد شئ إلاّ وقد وُجِدَ وتحدّد بوساطة الابن لذلك فإذ هو خالق الكون، فهو يعرف إلى أى درجة وإلى أى حدود أراد الآب للكون أن يصير.

 

          وهو يعرف ما هو الحد الزمني للكون. وأيضًا إن كان كل ما للآب هو للابن [ وهذا ما قد قاله هو نفسه (انظر يو15:16) ]، ومن خصائص الآب أن يعرف اليوم، فواضح أن الابن أيضًا يعرف اليوم إذ أن له هذه الخاصية من الآب. وأيضًا إن كان الابن في الآب والآب في الابن، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن لكونه في الآب ويعرف كل ما هو للآب، هو نفسه أيضًا يعرف اليوم والساعة. وإن كان الابن هو أيضًا صورة الاب ذاته، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن له هذه المماثلة أيضًا للآب في معرفة اليوم والساعة. وليس غريبًا إن كان هو الذي به صارت كل الأشياء (انظر يو3:1)، وفيه يقوم الكل (انظر كو17:1)، هو نفسه يعرف المخلوقات التي خُلقت، ومتى تكون نهاية كل منها ونهايتها كلها معًا.

 

          ولكن الوقاحة الناتجة عن جنون الآريوسيين اضطّرتنا أن نلجأ إلى دفاع طويل هكذا. ولأنهم يحصون ابن الله الكلمة الأزلي بين المخلوقات فليسوا بعيدين عن أن يقولوا أيضًا إن الآب نفسه أقل من الخليقة. لأنه إن كان ذلك الذي يعرف الآب لا يعرف اليوم ولا الساعة، فإني أخشى لئلا تكون معرفة الخليقة أو بالحرى معرفة الجزء الأدنى منها أعظم من معرفة الآب ـ كما يقولون في جنونهم.

 

          4ـ ولكن أولئك بسبب أنهم يجدّفون على الروح هكذا، فلا ينبغي أن ينتظروا الحصول على الغفران إطلاقًا عن تجديفهم هذا كما قال الرب (انظر مت32:12). وأما المحبون للمسيح والذين يحملون المسيح، فيعرفون أن الكلمة باعتباره أنه هو الكلمة، قال لا أعرف، ليس لأنه لا يعرف، إذ هو يعرف (كل شئ)، ولكن لكي يُظهر الناحية الإنسانية، إذ أن عدم المعرفة خاص بالبشر، وأنه قد اتخّذ الجسد الذي يجهل، والذي بوجوده فيه قال بحسب الجسد “لا أعرف”.

 

          ولهذا السبب، فبعد قوله ” ولا الابن يعرف” وتحدّثه عن جهل الناس في أيام نوح، أضاف مباشرةً قائلاً: ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم” وأيضًا ” في ساعة لا تعلمون يأتي ابن الإنسان ” (مت42:24، 44)، ولكني إذ قد صرت مثلكم من أجلكم، قلت “ولا الابن”. لأنه لو كان يجهل بكونه هو الله لكان ينبغي أن يقول “اسهروا إذًا، لأني لا أعرف، وفي ساعة لا أعلمها” ولكن في الواقع ليس هذا هو ما قاله. ولكنه بقوله “لا تعلمون” و “في ساعة لا تعلمونها” أوضح بذلك أن الجهل خاص بالبشر، الذين لأجلهم أخذ جسدًا مشابهًا لأجسادهم، وصار إنسانًا وقال ” ولا الابن يعرف ” لأنه لا يعرف بالجسد رغم أنه يعرف بكونه هو الله الكلمة.

 

          وأيضًا مثال نوح[3] يكشف وقاحة أعداء المسيح، لأنه في ذلك التشبيه لم يقل “لا أعرف”، بل قال ” لم يعلموا حتى جاء الطوفان ” (مت39:24).

 

          لأن البشر لم يعلموا، أما الذي جاء بالطوفان (والذي هو المخلّص نفسه) فقد عَرِفَ اليوم والساعة، التي فيها فتح طاقات السماء وفجّر ينابيع الغمر، وقال لنوح ” أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك ” (تك1:7) لأنه لو كان لا يعرف لما كان قد سبق فأخبر نوح قائلاً: ” بعد سبعة أيام آتي بطوفان على الأرض ” (انظر تك4:7).

 

          ولكنه إذ يستخدم مثال زمن نوح ويعرف يوم الطوفان، إذًا فهو يعرف أيضًا يوم مجيئه.

 

          5ـ وأيضًا، في مثل العذارى يظهر بوضوح أكثر من هم الذين كانوا يجهلون اليوم والساعة بقوله ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعرفون اليوم والساعة ” (مت13:25). والذي قال قبل ذلك بقليل ” لا أحد يعرف ولا الابن ” (مت36:24) لا يقول الآن “لا أعرف” بل يقول “أنتم لا تعرفون”.

 

          وبنفس الطريقة، عندما سأله التلاميذ عن النهاية، حسنًا قال حينئذٍ “ولا الابن” جسديًا، بسبب الجسد، لكي يظهر أنه كإنسان، لا يعرف لأن الجهل هو من خصائص البشر، ولكن إذ هو الكلمة، وهو الذي سوف يأتي، وهو الديّان وهو العريس، فهو يعرف متى وفي أية ساعة سيأتي، ومتى سيقال ” استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح ” (أف14:5). كما أنه إذ صار إنسانًا فقد كان يجوع ويعطش ويتألم مع الناس، هكذا مع الناس كإنسان فهو لا يعرف، رغم أنه لكونه هو الله إذ هو كلمة الآب وحكمته فهو يعرف، ولا يوجد شئ لا يعرفه.

 

          وهكذا أيضًا في حالة لعازر فهو يسأل كإنسان بينما كان في طريقه لكي يقيمه، ويعرف من أين سيدعو نفس لعازر مرّة ثانية.

 

          وقد كان أمرًا أعظم أن يعرف أين كانت النفس أكثر من أن يعرف أين وُضِعَ الجسد، ولكنه سأل إنسانيًا لكي يقيمه إلهيًا. هكذا أيضًا سأل تلاميذه عندما جاءوا إلى نواحي قيصرية، رغم أنه يعرف حتى قبل أن يجيب بطرس. لأنه إن كان الآب قد أعلن لبطرس الإجابة على سؤال الرب، فواضح أن الاعلان كان بواسطة الابن لأنه يقول ” لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا الآب إلاّ الابن، ومن أراد الابن أن يُعلِن له ” (لو22:10). ولكن إن كانت معرفة الآب والابن تُكشف بواسطة الابن، فليس هناك أى مجال للشك في أن الرب الذي سأل بطرس هو نفسه قد استُعلن أولاً لبطرس من الآب، وبعد ذلك سأله إنسانيًا، لكي يظهر أنه يسأل جسديًا بينما هو يعرف إلهيًا ما سوف يقوله بطرس. إذًا فالابن يعرف، وهو يعرف كل الأشياء ويعرف أباه، تلك المعرفة التي لا توجد معرفة أعظم أو أكمل منها.

 

          6ـ هذا يكفي لدحض أولئك، ولكن لكي أوضّح أكثر أنهم معادون للحق وأعداء للمسيح، فإني أريد أن أسألهم سؤالاً: يكتب الرسول في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس: ” أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم ” (2كو2:12).

 

          فماذا يقولون الآن؟ هل عرف الرسول ما قد حدث له في الرؤيا، رغم أنه يقول لا أعرف، أو لم يعرف؟ فإن كان لم يعرف فانتبهوا إذًا، لئلا إذ تتعوّدون على الخطأ تسقطون في مخالفة الفريجيين[4] الذين يقولون إن الأنبياء وخدّام الكلمة الآخرين، لا يعرفون ما يفعلونه، ولا ما يكرزون به.

 

          ولكن إن كان الرسول يعرف، حينما قال لا أعرف، لأنه كان قد أخذ المسيح في داخله ـ الذي يكشف له كل الأشياء أفلا يكون قلب أعداء الله هؤلاء منحرفًا بالحقيقة ومدانًا من نفسه؟ لأنه في الوقت الذي يقول الرسول “لا أعرف” يقولون هم أنه يعرف، بينما حينما يقول الرب “لا أعرف” يقولون هم أنه لا يعرف، لأنه إن كان بسبب أن المسيح كان فيه، عرف بولس ما قد قال عنه إنه لا يعرفه. أفلا يعرف المسيح نفسه بالأكثر حتى إن قال “لا أعرف”؟ إذًا فبسبب أن الرسول، قد كشف له الرب، فإنه عرف ما رآه، لهذا يقول ” أعرف إنسانًا في المسيح” ولأنه يعرف هذا الإنسان، فهو يعرف أيضًا كيف أُختُطِفَ هذا الإنسان. وهكذا أليشع الذي رأى إيليا عرف أيضًا كيف أُصعد. ولكن رغم أنه عرف، إلاّ أنه حينما ظن أبناء الأنبياء أن إيليا قد طرحه الروح على أحد الجبال، فأليشع لأنه يعرف من البداية ما قد رآه، حاول أن يقنع هؤلاء الرجال، ولكن لما ألحوا عليه صمت وتركهم يمضون للبحث عنه (انظر 2مل2). إذًا ألم يكن أليشع يعرف وبسبب ذلك صَمَتَ؟ هو يعرف بالتأكيد، ولكنه صمت وكأنه لم يكن يعرف، ولذلك تركهم، لكي عندما يقتنعون لا يشكّون بعد ذلك في صعود إيليا. إذًا فبالأكثر جدًا بولس نفسه وهو الشخص الذي أُختطف، لابد أنه كان يعرف أيضًا كيف أُختطف، لأن إيليا عرف ولو كان أحد قد سأله، لكان قد أجابه كيف أُصعد. ومع ذلك فبولس يقول “لا أعرف”، لهذين السببين على الأقل: الأول كما قال هو نفسه لئلا بسبب كثرة الإعلانات يظن أحد فيه أكثر مما يراه. والسبب الثاني هو أن مخلّصنا قد قال “لا أعرف” فيليق به هو أيضًا أن يقول “لا أعرف” لئلا يظهر أن العبد أعظم من سيده، والتلميذ أفضل من معلّمه.

          7ـ من ثم فالذي أعطى لبولس أن يعرف، بالأولى جدًا أن يعرف هو نفسه. لأنه طالما تكلّم عن الأمور التي تسبق اليوم كما سبق أن قلت ـ فهو يعرف أيضًا متى يكون اليوم ومتى تكون الساعة، ورغم أنه يعرف إلاّ أنه يقول ” ولا الابن يعرف” فلماذا إذًا قال عندئذٍ “لا أعرف” عن الأمر الذي عرفه لكونه هو الرّب؟ ولابد للمرء أن يفكر بعمق حتى يصل إلى النتيجة التي تبدو لي واضحة وهى أن الرّب قد تكلّم هكذا لأجل منفعتنا، وذلك لكي يمنحنا الفهم الحقيقي لكلامه! ويحرص المخلّص على منفعتنا من الناحيتين[5]، لأنه قد أعلن لنا من ناحية ما سيأتي قبل النهاية، لكي لا نندهش ولا نرتاع ـ كما قال هو نفسه ـ حينما تحدّث هذه الأمور، بل ننتظر النهاية التي تأتي بعدها.

 

          ومن جهة اليوم والساعة فهو لم يَرِدْ أن يقول “أعرف” بحسب طبيعته الإلهية و “لا أعرف” بحسب الجسد، وذلك بسبب الجسد الذي كان يجهل، كما قلت سابقًا، لئلا يسألوه أكثر، وعندئذٍ إما أن يحزن التلاميذ بعدم إجابته لهم، وإما أن يجيبهم لأجلنا حيث إن الكلمة صار جسدًا لأجلنا أيضًا. لذلك فلأجلنا قال ” ولا الابن يعرف” وهو لم يكن غير صادق بقوله هذا (لأنه إنسانيًا، كإنسان، قال “لا أعرف”)، ولا سمح للتلاميذ أن يضطّروه إلى الكلام، لأنه بقوله “لا أعرف” فقد أوقف تساؤلاتهم. وهكذا كُتب في أعمال الرسل، أنه حينما صعد مع الملائكة، فقد صعد كإنسان ورفع معه إلى السماء الجسد الذي اتخذه وقبل أن يرى التلاميذ هذا سألوه أيضًا متى تكون النهاية ومتى تأتي أنت؟ قال لهم بأكثر وضوح ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه ” (أع7:1). وعندئذٍ لم يقل ” ولا الابن” كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال “ليس لكم أن تعرفوا” لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله، ولم يعد يليق به أن يجيب حسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السموات، بل أن يعلّم بطريقة إلهية أنه: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطاته، ولكنكم ستنالون قوة ” (أع7:1ـ8). وأية قوة هى للآب سوى الابن؟ لأن: ” المسيح هو قوة الله وكلمة الله ” (1كو24:1).

 

          8ـ إذًا فالابن يعرف لكونه الكلمة، فكأنه يقول: أنا أعرف ولكن هذه المعرفة التي أعرفها ليست لكي أعرفكم بها فحينما كنت جالسًا على الجبل قلت حسب الجسد ” ولا الابن يعرف” وهذا لأجل منفعتكم ومنفعة الجميع. لأنه نافع لكم أن تسمعوا هكذا عن الملائكة وعن الابن، بسبب أولئك المضّلين الذين سوف يظهرون كملائكة رغم أنهم شياطين وسيحاولون أن يتكلّموا عن النهاية، فلا ينبغي أن تصدقوهم لأنهم لا يعرفون. وأيضًا حتى إن أخفى ضد المسيح نفسه وقال “أنا هو المسيح” وحاول بدوره أن يتكلّم عن ذلك اليوم وعن تلك النهاية، لكي يُضل السامعين، فأنتم الذين قد سمعتم مني هذه الكلمات: ” ولا الابن”، لا تصدقوه أيضًا. ومن جهة أخرى، لأنه ليس نافعًا للناس أن يعرفوا متى تكون النهاية أو متى يكون يوم النهاية، لئلا عندما يعرفون، يصيرون متهاونين في الفترة المتبقيّة من الزمن، وينتظرون فقط الأيام التي هى قرب النهاية فقط. لذلك أيضًا صَمَتَ الرب ولم يتكلّم عن الوقت الذي سيموت فيه كل واحد لئلا عندما يصير الناس منتفخين بسبب المعرفة، فإنهم يهملون أنفسهم طوال الجزء الأكبر من زمانهم. إذًا فالكلمة قد أخفى عنا كلاً من نهاية كل الأشياء، ونهاية كل واحد منا (لأن نهاية كل الأشياء هى نهاية لكل واحد ويمكن أن نستنتج من نهاية كل واحد، نهاية كل الأشياء).

          لأنه في الواقع حينما يكون الوقت غير معروف، ونحن ننتظره دائمًا، فإننا كمدعويين نتقدّم يومًا فيومًا، ممتدين إلى ما هو قدّام وناسين ما هو وراء (انظر في13:3). لأن مَنْ هو الذي عندما يعرف يوم النهاية لا يكون متراخيًا خلال تلك الفترة، ولكن إن كان يجهل اليوم أفلا يصير مستعدًا كل يوم؟ لهذا السبب أضاف المخلّص قائلاً: ” اسهروا إذًا لأنكم لا تعرفون، أية ساعة يأتي ربكم ” (مت42:24)، وأيضًا ” في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان ” (لو40:12) لذلك فبسبب المنفعة التي تأتي من عدم المعرفة، قال هذا، وهو عندما يقول هذا، فهو يريد أن نكون نحن مستعدين دائمًا. فكأنه يقول: بالنسبة لكم أنتم لا تعرفون ولكن أنا الرب، أعرف متى سآتي، رغم أن الآريوسيين لا ينتظرونني، أنا الذي هو كلمة الآب.

 

          9ـ فالرّب إذًا، لأنه يعرف ما هو نافع لنا أكثر منا، لذلك طمأن التلاميذ، وهم أيضًا إذ علموا هكذا فإنهم صحّحوا موقف أولئك الذين من تسالونيكي حينما كانوا على وشك أن يضلوا في هذا الأمر (انظر 2تس2:2). ولكن حيث إن أعداء المسيح لا يتأثرون بهذا الكلام ورغم أني أعرف أن لهم قلب أكثر قساوة من فرعون فإني أريد أن أسألهم ثانية عن هذا. سأل الله آدم في الفردوس قائلاً: ” آدم، أين أنت“؟ (تك9:3). وسأل قايين أيضًا ” أين هابيل أخوك “؟ (تك9:4). فماذا تقولون إذًا عن هذا الأمر؟ لأنكم إن ظننتم أنه لا يعلم ، ولذلك سأل، فإنكم بذلك تنضمون إلى جماعة المانويين[6]، لأن هذا هو تفكيرهم المتجاسر. ولكن إن كنتم تخشون أن يطلق عليكم هذا الاسم جهارًا تضطرون أنفسكم للقول إنه يسأل بينما هو يعرف. فأي غرابة إذًا توجد في هذا التعليم إن كان الابن الذي هو كلمة الله هو الذي قد سأل آدم وقايين، هو نفسه الابن وقد لبس الآن جسدًا، يسأل التلاميذ كإنسان؟ إلاّ إذا كنتم قد صرتم بالطبع مانويين وتريدون عندئذٍ أن تنتقدوا السؤال الذي وجّهه الله لآدم (انظر تك9:3) وتعطوا لأنفسكم الفرصة كاملة للإنحراف. ولأنكم قد انكشفتم من كل ناحية، فإنكم لا تزالون تتهامسون متذمّرين من كلمات لوقا، التي كُتِبَت باستقامة، ولكن أنتم تسيئون فهمها. وما هى هذه الكلمات؟ ينبغي أن نذكرها، لكي يتضّح أيضًا المعنى المنحرف الذي أعطيتموه لها.

 

التقدّم في الحكمة والنعمة:

          10ـ يقول القديس لوقا ” وأما يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو51:2). هذه إذًا هى الآية، وحيث إنهم عثروا فيها، فنحن مضطّرون أن نسألهم، مثل الفريسيين والصدوقيين، عن الشخص الذي يتكلّم عنه لوقا. والسؤال هو هكذا: هل يسوع المسيح هو إنسان مثل كل الناس الآخرين أم هو الله وقد اتخذ جسدًا؟

 

          فإن كان إنسانًا عاديًا مثل باقي الناس، إذًا فهو كإنسان يتقدّم. لكن هذا هو مذهب الساموساطي[7]، الذي تعتقدون به أنتم في الحقيقة رغم أنكم تنكرونه بالاسم بسبب الناس، لكن إن كان هو الله وقد اتخذ جسدًا، كما هو هكذا بالحقيقة، لأن الكلمة صار جسدًا، ولكونه الله الذي نزل على الأرض، فأي نمو أو تقدّم يكون لذلك الكائن المساوي لله؟ أو كيف حصل الابن على ازدياد، وهو كائن على الدوام في الآب؟ لأنه إن كان وهو الكائن دائمًا في الآب يتقدّم، فماذا يكون هناك بعد الآب حتى يأخذ منه تَقدّمه؟ ومن المناسب أيضًا أن نكرّر هنا ما قلناه عن “كيف يأخذ” و “كيف يتمجّد”. فإن كان قد تقدّم حينما صار إنسانًا، فيكون واضحًا أنه كان غير كامل، قبل أن يصير إنسانًا، ويكون الجسد بالنسبة له قد صار بالحري سببًا لكماله، أكثر مما أعطى هو كمالاً للجسد، وأيضًا إن كان وهو الكلمة يتقدّم، فما الذي يمكن أن يصير إليه أكثر من كونه الكلمة والحكمة والابن وقوّة الله؟ لأن الكلمة هو كل هذه، التي إن استطاع أحد أن يشترك فيها كأنها شعاع واحد، فإن مثل هذا الإنسان يصير كاملاً تمامًا بين الناس، ومساويًا للملائكة. لأن الملائكة ورؤساء الملائكة، والسيادات، وكل القوات والعروش باشتراكهم في الكلمة ينظرون دائمًا وجه أبيه. كيف يكون إذًا أن ذلك الذي يُعطي الكمال للآخرين يتقدَّم هو نفسه معهم؟ لأن الملائكة خَدَموا ولادته البشرية، والآية المأخوذة من لوقا المذكورة أعلاه قد قيلت بعد خدمة الملائكة هذه، فكيف يمكن أن يأتي هذا الفكر بالمرة للإنسان؟ أو كيف تتقدّم الحكمة في الحكمة؟ أو كيف من يُعطى النعمة للآخرين “كما يقول بولس، في كل رسالة، عارفًا أنه بواسطته تُعطى النعمة: ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم ” (2تس18:3)، أقول كيف يتقدّم هو في النعمة؟ لأنهم إما أن يقولوا إن الرسول غير صادق، ويتجرأون أن يقولوا إنه ليس هو الحكمة، وإلاّ فإن كان الابن هو الحكمة، كما قال سليمان وكتب بولس ” المسيح قوّة الله وحكمة الله ” (1كو24:1) فأى نوع من التقدّم تقبله الحكمة؟

          11ـ فالبشر لأنهم مخلوقات، عندهم القابلية بطريقة ما أن يمتّدوا للأمام وأن يتقدّموا في الفضيلة. فأخنوخ على سبيل المثال هكذا نُقِلَ، وموسى إزداد وصار كاملاً، واسحق صار عظيمًا بتقدّمه (تك13:26). والرسول قال إنه يمتّد يوم فيومًا إلى ما هو قدّام، لأن كل واحد له الفرصة للتقدّم ناظرًا إلى الدرجة التي أمامه. أما ابن الله، الذي هو واحد ووحيد، فما هى الفرصة التي له ليمتّد؟ لأن كل الأشياء تتقدّم بتطلّعها إليه، وأما هو فلكونه الوحيد، هو في الآب الوحيد الذي لا يمتد منه إلى الأمام، بل هو ثابت فيه إلى الأبد. إذًا فالتقدّم هو خاص بالبشر، أما ابن الله حيث إنه غير محتاج لأن يتقدّم لكونه كاملاً في الآب فقد أنقَصَ نفسه لأجلنا، لكي بتواضعه نستطيع نحن أن نتقدّم وننمو. وتقدّمنا ليس هو شيئًا آخر غير أن نتخلّى عن المحسوسات وأن نصل إلى الكلمة نفسه، حيث إن تواضعه ليس شيئًا آخر سوى اتخاذه لجسدنا. إذًا فالكلمة باعتباره الكلمة، ليس هو الذي تقدّم فهو الكامل من الآب الكامل، وهو لا يحتاج شيئًا بل هو يأتي بالآخرين إلى التقدّم، ولكن كُتب هنا أنه يتقدّم إنسانيًا، حيث إن التقدم هو خاص بالبشر، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلّم بدقة وحذر قد ذَكَرَ القامة عندما تحدّث عن التقدم، ولكن لكونه هو الكلمة وهو الله، فهو لا يقاس بالقامة، التي تخص الأجساد. إذًا فالتقدّم هو للجسد، لهذا ففي تقدّمه كان ظهور اللاهوت لأولئك الذين رأوه يزداد فيه أيضًا، وكلما كان اللاهوت ينكشف أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كل الناس فهو كطفل حُمِل إلى الهيكل، وحينما صار صبيًا بقى هناك في الهيكل وكان يسأل الكهنة حول ما جاء بالناموس. وكان جسده ينمو شيئًا فشيئًا والكلمة كان يُظهر نفسه (في هذا الجسد). لذا اعترف به بطرس أولاً وبعد ذلك الجميع أيضًا قائلين: بالحقيقة هذا هو ابن الله (انظر مت16:16، 54:27).

 

          ولكن اليهود القدماء والجدد[8] معًا يتعمّدون إغلاق عيونهم لكي لا يروا أن التقدّم في الحكمة، ليس هو تقدّمًا للحكمة ذاتها، لكن بالحرى هو تقدم الناسوت في الحكمة لأن يسوع ” كان يتقدّم في الحكمة والنعمة “، ولكي نتكلّم بدقة أكثر نقول إنه هو نفسه قد تقدّم لأنه هو ” الحكمة بَنَت بيتها ” (أم1:9)، أى جعل بيته يتقدّم في الحكمة.

 

          12ـ فماذا يكون هذا التقدّم الذي نتحدّث عنه سوى ـ كما قلت سابقًا ـ سوى التأليه[9] والنعمة المعطاة من الحكمة للبشر وإبطال الخطية والفساد منهم بحسب مشابهتهم وانتسابهم لجسد الكلمة؟ لأنه هكذا بازدياد الجسد في القامة كان يزداد فيه ظهور اللاهوت أيضًا ويظهر للكل أن الجسد هو هيكل الله. وأن الله كان في الجسد. ولكن إن جادلوا قائلين إن الكلمة الذي صار جسدًا[10] دُعي يسوع، ونسبوا له تعبير “يتقدّم” فيجب أن يسمعوا أنه حتى هذا لا يقلّل نور الآب، الذي هو الابن، بل لا يزال يُظهر أن الكلمة صار إنسانًا واتخذ جسدًا حقيقيًا[11]. وكما قلنا، إنه تألّم بالجسد، وجاع بالجسد، وتعب بالجسد، هكذا يكون معقولاً أيضًا أن يقال إنه تقدّم بالجسد لأن أى تقدم مثل الذي شرحناه لا يمكن أن يحدث للكلمة بدون الجسد. لأن فيه كان الجسد الذي تقدّم وهو يُدعى جسده، وذلك لكي ما يظل تَقَدُّم البشر مستمرًا ولا يضعف، بسبب وجود الكلمة في الجسد. إذًا فالتقدّم ليس للكلمة كما أن الجسد لم يكن هو الحكمة، ولكن الجسد صار جسد الحكمة. لذلك فكما سبق أن قلنا ـ ليست الحكمة كحكمة هى التي تقدّمت في ذاتها، ولكن الناسوت هو الذي كان يتقدَّم في الحكمة، بأن يرتفع شيئًا فشيئًا فوق الطبيعة البشرية وبأن يتأله[12] ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه. لذلك فالبشير لم يَقُل: ” إن الكلمة تقدَّم”، لكن “يسوع” وهو الاسم الذي دُعى به الرّب عندما صار إنسانًا حتى يكون التقدّم هو للطبيعة البشريَّة، مثلما شرحنا قبلاً.

 

1 العمالقة هم جنس أسطوري عند الرومان لهم هيئة ممسوخة وقوة تفوق طاقة البشر، عُرفوا أساسًا بتصادمهم مع آلهة أوليمبيوس.

2 يشدّد ق. أثناسيوس على أن الطريقة السليمة في فهم آيات الكتاب المقدس هو أن يسأل المرء عن متى قيلت هذه الآيات وعن مَن تتحدث وعن السياق العام لها. أنظر أيضًا “المقالة الأولى ضد الآريوسيين ” فقرة رقم 54.

3 وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلاّ أبي وحده. وكما كانت أيام نوح كذلك يكون مجيء ابن الإنسان ” (مت37:36).

4 يقصد البدعة التي ظهرت في منطقة فريجية phrygia بأسيا الصغرى، والتي علّم بها أتباع مونتانوس Montanos وتسمى Montanism في القرن الثاني الميلادي.

5 يقصد بالناحيتين أنه يعرف من ناحية وأنه لا يعرف من الناحية الأخرى.

6 المانويين هم أتباع ماني ويؤمنون بالمبدأ الثنائي الذي يقول إن العالم تحكمه قوتان متضادتان: قوّة الخير وقوّة الشر ـ النور والظلام، الله والمادة. وهم يعتقدون أن المسيح صُلِبَ لأن لديه في داخله عنصر خاضع للألم والمعاناة كما أنهم لا يؤمنون أن المسيح هو الله الذي تجسّد. انظر هامش 22 ص36 بالفصل 25.

7 انظر هامش رقم 27 ص54.

8 يقصد باليهود الجدد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد مثلما فعل اليهود. انظر أيضًا هامش رقم 14 ص23.

9 انظر هامش 27 ص50.

10 انظر يو14:1.

11 هنا يعود ق. أثناسيوس ليؤكد على حقيقة التجسد في مواجهة بدعة الخياليين التي سبق ذكرها. انظر هامش 28 ص63.

12 انظر فقرة 48.

 

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات 

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات

 

1. وحيث إن الأمور هي هكذا فدعنا نأتي الآن لكي نبحث الآية ” وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلم يعلم بها أحد ولا الملائكة ولا الابن إلاّ الآب ” (مر32:13).

ولكونهم في جهل عظيم من جهة هذه الكلمات فقد أصابهم الدوار بسببها ويظنون أنهم قد وجدوا فيها حجة هامة تسند هرطقتهم. فإن كان هؤلاء الهراطقة قد سبق فقرّروا هذا ويسلّحون أنفسهم به. فإني أراهم كالعمالقة [1] الذين يحاربون الله. لأن رب السماء والأرض الذي به خُلقت كل الأشياء، يطالب بتقديم حساب أمامهم عن اليوم والساعة. والكلمة الذي يعرف كل الأشياء يتهمونه بأنه يجهل اليوم، والابن الذي يعرف الآب يقولون إنه يجهل ساعة من ساعات اليوم. والآن ماذا يمكن أن يكون أكثر حماقة من هذا، أو أي جنون يمكن أن يشابه هذا؟

لأنه بالكلمة قد خُلقت كل الأشياء والأزمنة، والأوقات والليل والنهار وكل الخليقة، فهل يقال بعد ذلك إن الخالق يجهل عمله؟ ولكن بمواصلة القراءة في هذا الفصل يتضّح أن ابن الله يعرف تلك الساعة وذلك اليوم، رغم أن الأريوسيين قد سقطوا بشدة في جهلهم لأنه بينما يقول (ولا الابن) يشرح للتلاميذ ما يحدث قبل ذلك اليوم قائلاً سيكون هذا وذاك، ثم يأتي المنتهى (انظر مت24).

فالذي يتكلّم عن ما يحدث قبل ذلك اليوم، يعرف بالتأكيد اليوم أيضًا، الذي سوف يأتي بعد كل ما سبق وأخبر به، ولكن لو لم يكن يعرف الساعة، لما كان قد تحدّث عن الأمور التي تسبقها لكونه لا يعرف متى ستكون.

ومثل إنسان يريد أن يدل أولئك الذين يجهلون مكان منزل ما أو مدينة، فهو يذكر لهم بالتفصيل الأشياء التي تقابلهم قبل المنزل أو المدينة وبعد أن يشرح لهم كل شيء يقول ” وبعد ذلك تجدون المدينة أو المنزل مباشرة فهذا المشير يعرف تمامًا أين يوجد المنزل أو المدينة ـ لأنه لو لم يكن يعرف، لما استطاع أن يشرح لهم ما يجدونه قبلها. وحتى لا يتسبب دون قصد في أن سامعيه يضّلون الطريق، أو أنهم يذهبون بعيدًا عن المكان بسبب وصفه الخاطئ. هكذا فإن الرب بحديثه عن ما يسبق ذلك اليوم وتلك الساعة فهو يعرف بالضبط، ولا يجهل متى تأتي الساعة ويكون اليوم.

والآن فلماذا رغم أنه كان يعرف، لم يخبر تلاميذه بوضوح في ذلك الحين. لا يستطيع أحد أن يفحص ما صَمَتَ الرب عنه، ” لأن مَنْ عَرِفَ فكر الرب؟ أو من صار له مشيرًا ” (رو34:11)، ولماذا رغم أنه عَرِفَ، قال “ولا الابن” يعرف. أظن أن هذا لا يجهله أي واحد من المؤمنين: إنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى ـ كإنسان بسبب الجسد فهذا ليس نقصًا في الكلمة، بل هو بسبب تلك الطبيعة البشريّة التي تتصّف بعدم المعرفة.

وهذا أيضًا يمكن أن يُرى جيدًا إن كان أحد يفحص المناسبة بإخلاص: متى ولِمَنْ تكلّم المخلّص هكذا[2]؟ فهو لم يتكلّم هكذا حينما خُلقت السموات بواسطته، ولا حينما كان مع الآب نفسه، الكلمة الصانع كل الأشياء (انظر أم27:8ـ30). وهو لم يَقُل هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان ولكن حينما صار الكلمة جسدًا. ولهذا السبب فمن الصواب أن ننسب إلى ناسوته كل شيء تكلّم به إنسانيًا بعد أن تأنس. لأنه من خاصية الكلمة أن يعرف مخلوقاته، وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هي أعماله.

وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شيء ونهايته، فإنه يعرف بالتأكيد النهاية العامة والمشتركة للكل. وبالتأكيد فحينما يتكلّم في الإنجيل عن نفسه إنسانيًا قائلاً: ” أيها الآب، قد أتت الساعة مجد ابنك” (يو1:17)، فواضح أنه بصفته الكلمة، يعرف أيضًا ساعة نهاية كل الأشياء رغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، وخاصةً في هذه الأمور.

وبالأكثر فإن هذا لائق بمحبة المخلّص للبشر، لأنه منذ أن صار إنسانًا لم يخجل ـ بسبب الجسد الذي يجهل ـ أن يقول لا أعرف لكي يوضّح أنه بينما هو يعرف لأنه هو الله، فهو يجهل جسديًا. ولذلك فهو لم يقل ” ولا ابن الله يعرف “، لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل، بل قال ببساطة “ولا الابن” لكي تكون عدم المعرفة منسوبة لطبيعة الابن البشرية.

ولهذا السبب فهو يتحدّث عن الملائكة أنهم لا يعرفون اليوم والساعة ولكنه لم يواصل ويقول ” ولا الروح القدس يعرف” لكنه صمت لسببين: أولاً: لأنه إن كان الروح يعرف فبالأولى فإن الكلمة لابد أن يعرف لأن الكلمة الذي يستمد منه الروح المعرفة هو بالأولى يعرف.

ثانيًا: وبصَمْته عن ذكر الروح أوضَحَ أن قوله “ولا الابن” هو عن خدمته البشرية. وهذا برهان على ذلك: أنه، حينما تكلّم إنسانيًا قائلاً “ولا الابن يعرف” لكونه هو الله فهو يُظهر نفسه أنه يعرف كل الأشياء. لأن ذلك الابن الذي يقال إنه لا يعرف اليوم، يقول هو عن نفسه إنه يعرف الآب لأنه يقول ” لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ” (مت27:11). وكل الناس عدا الأريوسيين يعترفون أن الذي يعرف الآب هو بالأحرى يعرف كل شيء عن الخليقة ومن ضمن هذا الكل نهاية الخليقة.

وإن كان اليوم والساعة قد تحدّدا من الآب فواضح، أنهما قد تحدّدا بواسطة الابن وهو نفسه يعرف الأشياء التي قد تحدّدت بواسطته. لأنه لا يوجد شيء إلاّ وقد وُجِدَ وتحدّد بوساطة الابن لذلك فإذ هو خالق الكون، فهو يعرف إلى أي درجة وإلى أي حدود أراد الآب للكون أن يصير.

وهو يعرف ما هو الحد الزمني للكون. وأيضًا إن كان كل ما للآب هو للابن [ وهذا ما قد قاله هو نفسه (انظر يو15:16) ]، ومن خصائص الآب أن يعرف اليوم، فواضح أن الابن أيضًا يعرف اليوم إذ أن له هذه الخاصية من الآب. وأيضًا إن كان الابن في الآب والآب في الابن، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن لكونه في الآب ويعرف كل ما هو للآب، هو نفسه أيضًا يعرف اليوم والساعة.

وإن كان الابن هو أيضًا صورة الاب ذاته، والآب يعرف اليوم والساعة، فواضح أن الابن له هذه المماثلة أيضًا للآب في معرفة اليوم والساعة. وليس غريبًا إن كان هو الذي به صارت كل الأشياء (انظر يو3:1)، وفيه يقوم الكل (انظر كو17:1)، هو نفسه يعرف المخلوقات التي خُلقت، ومتى تكون نهاية كل منها ونهايتها كلها معًا.

ولكن الوقاحة الناتجة عن جنون الأريوسيين اضطّرتنا أن نلجأ إلى دفاع طويل هكذا. ولأنهم يحصون ابن الله الكلمة الأزلي بين المخلوقات فليسوا بعيدين عن أن يقولوا أيضًا إن الآب نفسه أقل من الخليقة. لأنه إن كان ذلك الذي يعرف الآب لا يعرف اليوم ولا الساعة، فإني أخشى لئلا تكون معرفة الخليقة أو بالحري معرفة الجزء الأدنى منها أعظم من معرفة الآب ـ كما يقولون في جنونهم.

ولكن أولئك بسبب أنهم يجدّفون على الروح هكذا، فلا ينبغي أن ينتظروا الحصول على الغفران إطلاقًا عن تجديفهم هذا كما قال الرب (انظر مت32:12). وأما المحبون للمسيح والذين يحملون المسيح، فيعرفون أن الكلمة باعتباره أنه هو الكلمة، قال لا أعرف، ليس لأنه لا يعرف، إذ هو يعرف (كل شئ)، ولكن لكي يُظهر الناحية الإنسانية، إذ أن عدم المعرفة خاص بالبشر، وأنه قد اتخّذ الجسد الذي يجهل، والذي بوجوده فيه قال بحسب الجسد “لا أعرف”.

ولهذا السبب، فبعد قوله ” ولا الابن يعرف” وتحدّثه عن جهل الناس في أيام نوح، أضاف مباشرةً قائلاً: ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم” وأيضًا ” في ساعة لا تعلمون يأتي ابن الإنسان ” (مت42:24، 44)، ولكني إذ قد صرت مثلكم من أجلكم، قلت “ولا الابن”. لأنه لو كان يجهل بكونه هو الله لكان ينبغي أن يقول “اسهروا إذًا، لأني لا أعرف، وفي ساعة لا أعلمها” ولكن في الواقع ليس هذا هو ما قاله. ولكنه بقوله “لا تعلمون” و “في ساعة لا تعلمونها” أوضح بذلك أن الجهل خاص بالبشر، الذين لأجلهم أخذ جسدًا مشابهًا لأجسادهم، وصار إنسانًا وقال ” ولا الابن يعرف ” لأنه لا يعرف بالجسد رغم أنه يعرف بكونه هو الله الكلمة.

وأيضًا مثال نوح[3] يكشف وقاحة أعداء المسيح، لأنه في ذلك التشبيه لم يقل “لا أعرف”، بل قال ” لم يعلموا حتى جاء الطوفان ” (مت39:24). لأن البشر لم يعلموا، أما الذي جاء بالطوفان (والذي هو المخلّص نفسه) فقد عَرِفَ اليوم والساعة، التي فيها فتح طاقات السماء وفجّر ينابيع الغمر، وقال لنوح ” أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك ” (تك1:7) لأنه لو كان لا يعرف لما كان قد سبق فأخبر نوح قائلاً: ” بعد سبعة أيام آتي بطوفان على الأرض ” (انظر تك4:7). ولكنه إذ يستخدم مثال زمن نوح ويعرف يوم الطوفان، إذًا فهو يعرف أيضًا يوم مجيئه.

وأيضًا، في مثل العذارى يظهر بوضوح أكثر من هم الذين كانوا يجهلون اليوم والساعة بقوله ” اسهروا إذًا، لأنكم لا تعرفون اليوم والساعة ” (مت13:25). والذي قال قبل ذلك بقليل ” لا أحد يعرف ولا الابن ” (مت36:24) لا يقول الآن “لا أعرف” بل يقول “أنتم لا تعرفون”.

وبنفس الطريقة، عندما سأله التلاميذ عن النهاية، حسنًا قال حينئذٍ “ولا الابن” جسديًا، بسبب الجسد، لكي يظهر أنه كإنسان، لا يعرف لأن الجهل هو من خصائص البشر، ولكن إذ هو الكلمة، وهو الذي سوف يأتي، وهو الديّان وهو العريس، فهو يعرف متى وفي أية ساعة سيأتي، ومتى سيقال ” استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح ” (أف14:5). كما أنه إذ صار إنسانًا فقد كان يجوع ويعطش ويتألم مع الناس، هكذا مع الناس كإنسان فهو لا يعرف، رغم أنه لكونه هو الله إذ هو كلمة الآب وحكمته فهو يعرف، ولا يوجد شيء لا يعرفه.

وهكذا أيضًا في حالة لعازر فهو يسأل كإنسان بينما كان في طريقه لكي يقيمه، ويعرف من أين سيدعو نفس لعازر مرّة ثانية.

وقد كان أمرًا أعظم أن يعرف أين كانت النفس أكثر من أن يعرف أين وُضِعَ الجسد، ولكنه سأل إنسانيًا لكي يقيمه إلهيًا. هكذا أيضًا سأل تلاميذه عندما جاءوا إلى نواحي قيصرية، رغم أنه يعرف حتى قبل أن يجيب بطرس. لأنه إن كان الآب قد أعلن لبطرس الإجابة على سؤال الرب، فواضح أن الإعلان كان بواسطة الابن لأنه يقول ” لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا الآب إلاّ الابن، ومن أراد الابن أن يُعلِن له ” (لو22:10).

ولكن إن كانت معرفة الآب والابن تُكشف بواسطة الابن، فليس هناك أي مجال للشك في أن الرب الذي سأل بطرس هو نفسه قد استُعلن أولاً لبطرس من الآب، وبعد ذلك سأله إنسانيًا، لكي يظهر أنه يسأل جسديًا بينما هو يعرف إلهيًا ما سوف يقوله بطرس. إذًا فالابن يعرف، وهو يعرف كل الأشياء ويعرف أباه، تلك المعرفة التي لا توجد معرفة أعظم أو أكمل منها.

هذا يكفي لدحض أولئك، ولكن لكي أوضّح أكثر أنهم معادون للحق وأعداء للمسيح، فإني أريد أن أسألهم سؤالاً: يكتب الرسول في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس: ” أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم ” (2كو2:12). فماذا يقولون الآن؟ هل عرف الرسول ما قد حدث له في الرؤيا، رغم أنه يقول لا أعرف، أو لم يعرف؟ فإن كان لم يعرف فانتبهوا إذًا، لئلا إذ تتعوّدون على الخطأ تسقطون في مخالفة الفريجيين[4] الذين يقولون إن الأنبياء وخدّام الكلمة الآخرين، لا يعرفون ما يفعلونه، ولا ما يكرزون به.

ولكن إن كان الرسول يعرف، حينما قال لا أعرف، لأنه كان قد أخذ المسيح في داخله ـ الذي يكشف له كل الأشياء أفلا يكون قلب أعداء الله هؤلاء منحرفًا بالحقيقة ومدانًا من نفسه؟ لأنه في الوقت الذي يقول الرسول “لا أعرف” يقولون هم أنه يعرف، بينما حينما يقول الرب “لا أعرف” يقولون هم أنه لا يعرف، لأنه إن كان بسبب أن المسيح كان فيه، عرف بولس ما قد قال عنه إنه لا يعرفه. أفلا يعرف المسيح نفسه بالأكثر حتى إن قال “لا أعرف”؟

إذًا فبسبب أن الرسول، قد كشف له الرب، فإنه عرف ما رآه، لهذا يقول ” أعرف إنسانًا في المسيح” ولأنه يعرف هذا الإنسان، فهو يعرف أيضًا كيف أُختُطِفَ هذا الإنسان. وهكذا أليشع الذي رأى إيليا عرف أيضًا كيف أُصعد. ولكن رغم أنه عرف، إلاّ أنه حينما ظن أبناء الأنبياء أن إيليا قد طرحه الروح على أحد الجبال، فأليشع لأنه يعرف من البداية ما قد رآه، حاول أن يقنع هؤلاء الرجال، ولكن لما ألحوا عليه صمت وتركهم يمضون للبحث عنه (انظر 2مل2). إذًا ألم يكن أليشع يعرف وبسبب ذلك صَمَتَ؟

هو يعرف بالتأكيد، ولكنه صمت وكأنه لم يكن يعرف، ولذلك تركهم، لكي عندما يقتنعون لا يشكّون بعد ذلك في صعود إيليا. إذًا فبالأكثر جدًا بولس نفسه وهو الشخص الذي أُختطف، لابد أنه كان يعرف أيضًا كيف أُختطف، لأن إيليا عرف ولو كان أحد قد سأله، لكان قد أجابه كيف أُصعد. ومع ذلك فبولس يقول “لا أعرف”، لهذين السببين على الأقل: الأول كما قال هو نفسه لئلا بسبب كثرة الإعلانات يظن أحد فيه أكثر مما يراه. والسبب الثاني هو أن مخلّصنا قد قال “لا أعرف” فيليق به هو أيضًا أن يقول “لا أعرف” لئلا يظهر أن العبد أعظم من سيده، والتلميذ أفضل من معلّمه.

من ثم فالذي أعطى لبولس أن يعرف، بالأولى جدًا أن يعرف هو نفسه. لأنه طالما تكلّم عن الأمور التي تسبق اليوم كما سبق أن قلت ـ فهو يعرف أيضًا متى يكون اليوم ومتى تكون الساعة، ورغم أنه يعرف إلاّ أنه يقول ” ولا الابن يعرف” فلماذا إذًا قال عندئذٍ “لا أعرف” عن الأمر الذي عرفه لكونه هو الرّب؟

ولابد للمرء أن يفكر بعمق حتى يصل إلى النتيجة التي تبدو لي واضحة وهي أن الرّب قد تكلّم هكذا لأجل منفعتنا، وذلك لكي يمنحنا الفهم الحقيقي لكلامه! ويحرص المخلّص على منفعتنا من الناحيتين[5]، لأنه قد أعلن لنا من ناحية ما سيأتي قبل النهاية، لكي لا نندهش ولا نرتاع ـ كما قال هو نفسه ـ حينما تحدّث هذه الأمور، بل ننتظر النهاية التي تأتي بعدها.

ومن جهة اليوم والساعة فهو لم يَرِدْ أن يقول “أعرف” بحسب طبيعته الإلهية و “لا أعرف” بحسب الجسد، وذلك بسبب الجسد الذي كان يجهل، كما قلت سابقًا، لئلا يسألوه أكثر، وعندئذٍ إما أن يحزن التلاميذ بعدم إجابته لهم، وإما أن يجيبهم لأجلنا حيث إن الكلمة صار جسدًا لأجلنا أيضًا. لذلك فلأجلنا قال ” ولا الابن يعرف” وهو لم يكن غير صادق بقوله هذا (لأنه إنسانيًا، كإنسان، قال “لا أعرف”)، ولا سمح للتلاميذ أن يضطّروه إلى الكلام، لأنه بقوله “لا أعرف” فقد أوقف تساؤلاتهم.

وهكذا كُتب في أعمال الرسل، أنه حينما صعد مع الملائكة، فقد صعد كإنسان ورفع معه إلى السماء الجسد الذي اتخذه وقبل أن يرى التلاميذ هذا سألوه أيضًا متى تكون النهاية ومتى تأتي أنت؟ قال لهم بأكثر وضوح ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه ” (أع7:1).

وعندئذٍ لم يقل ” ولا الابن” كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال “ليس لكم أن تعرفوا” لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله، ولم يعد يليق به أن يجيب حسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السموات، بل أن يعلّم بطريقة إلهية أنه: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطاته، ولكنكم ستنالون قوة ” (أع7:1ـ8). وأية قوة هي للآب سوى الابن؟ لأن: ” المسيح هو قوة الله وكلمة الله ” (1كو24:1).

إذًا فالابن يعرف لكونه الكلمة، فكأنه يقول: أنا أعرف ولكن هذه المعرفة التي أعرفها ليست لكي أعرفكم بها فحينما كنت جالسًا على الجبل قلت حسب الجسد ” ولا الابن يعرف” وهذا لأجل منفعتكم ومنفعة الجميع. لأنه نافع لكم أن تسمعوا هكذا عن الملائكة وعن الابن، بسبب أولئك المضّلين الذين سوف يظهرون كملائكة رغم أنهم شياطين وسيحاولون أن يتكلّموا عن النهاية، فلا ينبغي أن تصدقوهم لأنهم لا يعرفون. وأيضًا حتى إن أخفى ضد المسيح نفسه وقال “أنا هو المسيح” وحاول بدوره أن يتكلّم عن ذلك اليوم وعن تلك النهاية، لكي يُضل السامعين، فأنتم الذين قد سمعتم مني هذه الكلمات: ” ولا الابن”، لا تصدقوه أيضًا.

ومن جهة أخرى، لأنه ليس نافعًا للناس أن يعرفوا متى تكون النهاية أو متى يكون يوم النهاية، لئلا عندما يعرفون، يصيرون متهاونين في الفترة المتبقيّة من الزمن، وينتظرون فقط الأيام التي هي قرب النهاية فقط. لذلك أيضًا صَمَتَ الرب ولم يتكلّم عن الوقت الذي سيموت فيه كل واحد لئلا عندما يصير الناس منتفخين بسبب المعرفة، فإنهم يهملون أنفسهم طوال الجزء الأكبر من زمانهم. إذًا فالكلمة قد أخفى عنا كلاً من نهاية كل الأشياء، ونهاية كل واحد منا (لأن نهاية كل الأشياء هي نهاية لكل واحد ويمكن أن نستنتج من نهاية كل واحد، نهاية كل الأشياء).

لأنه في الواقع حينما يكون الوقت غير معروف، ونحن ننتظره دائمًا، فإننا كمدعوين نتقدّم يومًا فيومًا، ممتدين إلى ما هو قدّام وناسين ما هو وراء (انظر في13:3). لأن مَنْ هو الذي عندما يعرف يوم النهاية لا يكون متراخيًا خلال تلك الفترة، ولكن إن كان يجهل اليوم أفلا يصير مستعدًا كل يوم؟ لهذا السبب أضاف المخلّص قائلاً: ” اسهروا إذًا لأنكم لا تعرفون، أية ساعة يأتي ربكم ” (مت42:24)، وأيضًا ” في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان ” (لو40:12) لذلك فبسبب المنفعة التي تأتي من عدم المعرفة، قال هذا، وهو عندما يقول هذا، فهو يريد أن نكون نحن مستعدين دائمًا. فكأنه يقول: بالنسبة لكم أنتم لا تعرفون ولكن أنا الرب، أعرف متى سآتي، رغم أن الأريوسيين لا ينتظرونني، أنا الذي هو كلمة الآب.

فالرّب إذًا، لأنه يعرف ما هو نافع لنا أكثر منا، لذلك طمأن التلاميذ، وهم أيضًا إذ علموا هكذا فإنهم صحّحوا موقف أولئك الذين من تسالونيكي حينما كانوا على وشك أن يضلوا في هذا الأمر (انظر 2تس2:2). ولكن حيث إن أعداء المسيح لا يتأثرون بهذا الكلام ورغم أني أعرف أن لهم قلب أكثر قساوة من فرعون فإني أريد أن أسألهم ثانية عن هذا. سأل الله آدم في الفردوس قائلاً: ” آدم، أين أنت”؟ (تك9:3). وسأل قايين أيضًا ” أين هابيل أخوك “؟ (تك9:4).

فماذا تقولون إذًا عن هذا الأمر؟ لأنكم إن ظننتم أنه لا يعلم، ولذلك سأل، فإنكم بذلك تنضمون إلى جماعة المانويين[6]، لأن هذا هو تفكيرهم المتجاسر. ولكن إن كنتم تخشون أن يطلق عليكم هذا الاسم جهارًا تضطرون أنفسكم للقول إنه يسأل بينما هو يعرف. فأي غرابة إذًا توجد في هذا التعليم إن كان الابن الذي هو كلمة الله هو الذي قد سأل آدم وقايين، هو نفسه الابن وقد لبس الآن جسدًا، يسأل التلاميذ كإنسان؟

إلاّ إذا كنتم قد صرتم بالطبع مانويين وتريدون عندئذٍ أن تنتقدوا السؤال الذي وجّهه الله لآدم (انظر تك9:3) وتعطوا لأنفسكم الفرصة كاملة للانحراف. ولأنكم قد انكشفتم من كل ناحية، فإنكم لا تزالون تتهامسون متذمّرين من كلمات لوقا، التي كُتِبَت باستقامة، ولكن أنتم تسيئون فهمها. وما هي هذه الكلمات؟ ينبغي أن نذكرها، لكي يتضّح أيضًا المعنى المنحرف الذي أعطيتموه لها.

 

التقدّم في الحكمة والنعمة:

يقول القديس لوقا ” وأما يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو51:2). هذه إذًا هي الآية، وحيث إنهم عثروا فيها، فنحن مضطّرون أن نسألهم، مثل الفريسيين والصدوقيين، عن الشخص الذي يتكلّم عنه لوقا. والسؤال هو هكذا: هل يسوع المسيح هو إنسان مثل كل الناس الآخرين أم هو الله وقد اتخذ جسدًا؟

فإن كان إنسانًا عاديًا مثل باقي الناس، إذًا فهو كإنسان يتقدّم. لكن هذا هو مذهب الساموساطي[7]، الذي تعتقدون به أنتم في الحقيقة رغم أنكم تنكرونه بالاسم بسبب الناس، لكن إن كان هو الله وقد اتخذ جسدًا، كما هو هكذا بالحقيقة، لأن الكلمة صار جسدًا، ولكونه الله الذي نزل على الأرض، فأي نمو أو تقدّم يكون لذلك الكائن المساوي لله؟ أو كيف حصل الابن على ازدياد، وهو كائن على الدوام في الآب؟ لأنه إن كان وهو الكائن دائمًا في الآب يتقدّم، فماذا يكون هناك بعد الآب حتى يأخذ منه تَقدّمه؟ ومن المناسب أيضًا أن نكرّر هنا ما قلناه عن “كيف يأخذ” و “كيف يتمجّد”.

فإن كان قد تقدّم حينما صار إنسانًا، فيكون واضحًا أنه كان غير كامل، قبل أن يصير إنسانًا، ويكون الجسد بالنسبة له قد صار بالحري سببًا لكماله، أكثر مما أعطى هو كمالاً للجسد، وأيضًا إن كان وهو الكلمة يتقدّم، فما الذي يمكن أن يصير إليه أكثر من كونه الكلمة والحكمة والابن وقوّة الله؟ لأن الكلمة هو كل هذه، التي إن استطاع أحد أن يشترك فيها كأنها شعاع واحد، فإن مثل هذا الإنسان يصير كاملاً تمامًا بين الناس، ومساويًا للملائكة.

لأن الملائكة ورؤساء الملائكة، والسيادات، وكل القوات والعروش باشتراكهم في الكلمة ينظرون دائمًا وجه أبيه. كيف يكون إذًا أن ذلك الذي يُعطي الكمال للآخرين يتقدَّم هو نفسه معهم؟ لأن الملائكة خَدَموا ولادته البشرية، والآية المأخوذة من لوقا المذكورة أعلاه قد قيلت بعد خدمة الملائكة هذه، فكيف يمكن أن يأتي هذا الفكر بالمرة للإنسان؟

أو كيف تتقدّم الحكمة في الحكمة؟ أو كيف من يُعطى النعمة للآخرين “كما يقول بولس، في كل رسالة، عارفًا أنه بواسطته تُعطى النعمة: ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم ” (2تس18:3)، أقول كيف يتقدّم هو في النعمة؟ لأنهم إما أن يقولوا إن الرسول غير صادق، ويتجرأون أن يقولوا إنه ليس هو الحكمة، وإلاّ فإن كان الابن هو الحكمة، كما قال سليمان وكتب بولس ” المسيح قوّة الله وحكمة الله ” (1كو24:1) فأي نوع من التقدّم تقبله الحكمة؟

فالبشر لأنهم مخلوقات، عندهم القابلية بطريقة ما أن يمتّدوا للأمام وأن يتقدّموا في الفضيلة. فأخنوخ على سبيل المثال هكذا نُقِلَ، وموسى إزداد وصار كاملاً، واسحق صار عظيمًا بتقدّمه (تك13:26). والرسول قال إنه يمتّد يوم فيومًا إلى ما هو قدّام، لأن كل واحد له الفرصة للتقدّم ناظرًا إلى الدرجة التي أمامه. أما ابن الله، الذي هو واحد ووحيد، فما هي الفرصة التي له ليمتّد؟ لأن كل الأشياء تتقدّم بتطلّعها إليه، وأما هو فلكونه الوحيد، هو في الآب الوحيد الذي لا يمتد منه إلى الأمام، بل هو ثابت فيه إلى الأبد.

إذًا فالتقدّم هو خاص بالبشر، أما ابن الله حيث إنه غير محتاج لأن يتقدّم لكونه كاملاً في الآب فقد أنقَصَ نفسه لأجلنا، لكي بتواضعه نستطيع نحن أن نتقدّم وننمو. وتقدّمنا ليس هو شيئًا آخر غير أن نتخلّى عن المحسوسات وأن نصل إلى الكلمة نفسه، حيث إن تواضعه ليس شيئًا آخر سوى اتخاذه لجسدنا.

إذًا فالكلمة باعتباره الكلمة، ليس هو الذي تقدّم فهو الكامل من الآب الكامل، وهو لا يحتاج شيئًا بل هو يأتي بالآخرين إلى التقدّم، ولكن كُتب هنا أنه يتقدّم إنسانيًا، حيث إن التقدم هو خاص بالبشر، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلّم بدقة وحذر قد ذَكَرَ القامة عندما تحدّث عن التقدم، ولكن لكونه هو الكلمة وهو الله، فهو لا يقاس بالقامة، التي تخص الأجساد.

إذًا فالتقدّم هو للجسد، لهذا ففي تقدّمه كان ظهور اللاهوت لأولئك الذين رأوه يزداد فيه أيضًا، وكلما كان اللاهوت ينكشف أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كل الناس فهو كطفل حُمِل إلى الهيكل، وحينما صار صبيًا بقى هناك في الهيكل وكان يسأل الكهنة حول ما جاء بالناموس. وكان جسده ينمو شيئًا فشيئًا والكلمة كان يُظهر نفسه (في هذا الجسد). لذا اعترف به بطرس أولاً وبعد ذلك الجميع أيضًا قائلين: بالحقيقة هذا هو ابن الله (انظر مت16:16، 54:27).

 

ولكن اليهود القدماء والجدد[8] معًا يتعمّدون إغلاق عيونهم لكي لا يروا أن التقدّم في الحكمة، ليس هو تقدّمًا للحكمة ذاتها، لكن بالحرى هو تقدم الناسوت في الحكمة لأن يسوع ” كان يتقدّم في الحكمة والنعمة “، ولكي نتكلّم بدقة أكثر نقول إنه هو نفسه قد تقدّم لأنه هو ” الحكمة بَنَت بيتها ” (أم1:9)، أي جعل بيته يتقدّم في الحكمة.

 

فماذا يكون هذا التقدّم الذي نتحدّث عنه سوى ـ كما قلت سابقًا ـ سوى التأليه[9] والنعمة المعطاة من الحكمة للبشر وإبطال الخطية والفساد منهم بحسب مشابهتهم وانتسابهم لجسد الكلمة؟ لأنه هكذا بازدياد الجسد في القامة كان يزداد فيه ظهور اللاهوت أيضًا ويظهر للكل أن الجسد هو هيكل الله. وأن الله كان في الجسد. ولكن إن جادلوا قائلين إن الكلمة الذي صار جسدًا[10] دُعي يسوع، ونسبوا له تعبير “يتقدّم” فيجب أن يسمعوا أنه حتى هذا لا يقلّل نور الآب، الذي هو الابن، بل لا يزال يُظهر أن الكلمة صار إنسانًا واتخذ جسدًا حقيقيًا[11].

وكما قلنا، إنه تألّم بالجسد، وجاع بالجسد، وتعب بالجسد، هكذا يكون معقولاً أيضًا أن يقال إنه تقدّم بالجسد لأن أي تقدم مثل الذي شرحناه لا يمكن أن يحدث للكلمة بدون الجسد. لأن فيه كان الجسد الذي تقدّم وهو يُدعى جسده، وذلك لكي ما يظل تَقَدُّم البشر مستمرًا ولا يضعف، بسبب وجود الكلمة في الجسد. إذًا فالتقدّم ليس للكلمة كما أن الجسد لم يكن هو الحكمة، ولكن الجسد صار جسد الحكمة.

لذلك فكما سبق أن قلنا ـ ليست الحكمة كحكمة هي التي تقدّمت في ذاتها، ولكن الناسوت هو الذي كان يتقدَّم في الحكمة، بأن يرتفع شيئًا فشيئًا فوق الطبيعة البشرية وبأن يتأله[12] ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه. لذلك فالبشير لم يَقُل: ” إن الكلمة تقدَّم”، لكن “يسوع” وهو الاسم الذي دُعى به الرّب عندما صار إنسانًا حتى يكون التقدّم هو للطبيعة البشريَّة، مثلما شرحنا قبلاً.

 

1 العمالقة هم جنس أسطوري عند الرومان لهم هيئة ممسوخة وقوة تفوق طاقة البشر، عُرفوا أساسًا بتصادمهم مع آلهة أوليمبيوس.

2 يشدّد ق. أثناسيوس على أن الطريقة السليمة في فهم آيات الكتاب المقدس هو أن يسأل المرء عن متى قيلت هذه الآيات وعن مَن تتحدث وعن السياق العام لها. أنظر أيضًا “المقالة الأولى ضد الأريوسيين ” فقرة رقم 54.

3 وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلاّ أبي وحده. وكما كانت أيام نوح كذلك يكون مجيء ابن الإنسان ” (مت37:36).

4 يقصد البدعة التي ظهرت في منطقة فريجية phrygia بأسيا الصغرى، والتي علّم بها أتباع مونتانوس Montanos وتسمى Montanism في القرن الثاني الميلادي.

5 يقصد بالناحيتين أنه يعرف من ناحية وأنه لا يعرف من الناحية الأخرى.

6 المانويين هم أتباع ماني ويؤمنون بالمبدأ الثنائي الذي يقول إن العالم تحكمه قوتان متضادتان: قوّة الخير وقوّة الشر ـ النور والظلام، الله والمادة. وهم يعتقدون أن المسيح صُلِبَ لأن لديه في داخله عنصر خاضع للألم والمعاناة كما أنهم لا يؤمنون أن المسيح هو الله الذي تجسّد. انظر هامش 22 ص36 بالفصل 25.

7 انظر هامش رقم 27 ص54.

8 يقصد باليهود الجدد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد مثلما فعل اليهود. انظر أيضًا هامش رقم 14 ص23.

9 انظر هامش 27 ص50.

10 انظر يو14:1.

11 هنا يعود ق. أثناسيوس ليؤكد على حقيقة التجسد في مواجهة بدعة الخياليين التي سبق ذكرها. انظر هامش 28 ص63.

12 انظر فقرة 48.

معرفة الابن لليوم والساعة التقدّم في النعمة والحكمة – دفاعيات 

Exit mobile version