الفصل الأول المصادر المسيحية (هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟)
الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)
الفصل الثالث (المسيح والالهة الأخرى)
الفصل الرابع (هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية)
المقدمة
لقد بنيتُ ايماني عن موضوع قيامة المسيح من خلال المادة الدفاعية التي طرحها المسيحيين المؤمنين في كتبهم ولكن طرحت على نفسي سؤالاً قلت فيه (هل انا حقاً اتبع الايمان الذي اقتنعت به ام اتبع أفكار الاخرين؟) وفي النهاية وجدت نفسي اتبع فقط ما قدمه المدافعين في كتابتهم وطريق هم من قاموا بإنشائه ولم يكن لي يد غير السير فيه فقط وبنيت في وقت من الأوقات معتقدي عليه ولكن مع الوقت وكثرة القراءات تطور عقلي وقفزت من مكان إلى اخر وقلت لنفسي ان القيامة هي الدليل النهائي على صدق كل ما قدم بخصوص العقائد المسيحية
وهي الإجابة الحقيقية على الأسئلة الوجودية عند الانسان لذلك قلت لنفسي هناك حقيقة واحدة ووحيدة يجب ان ادرسها بنفسي من خلال بحث شخصي حتى اعطي في النهاية الناتج الذي أكون راضياً عنه او على الأقل طريق به ضوء قمت بحرفه واتخذت قول بولس (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،” (1 كو 15: 14) وجعلت من هذا القول هو القياس النهائي ان استطعت ان اثبت لنفسي انه حقا قام إذا أكون قد فتحت طريقي لينطلق ايماني ويحلق وان لم اثبت شيء في نهاية هذه البحث اكون قد أغلقت باب الايمان على الأقل حتى ثبوت الأدلة التي تكسر او تزيد من شدة القفل على الباب
فحين قررت البحث قلت لنفسي هي بنا نعود 2000 عام إلى الوراء لنعرف لماذا امن هؤلاء اليهود بالقيامة وما السر الذي غير مجموعة من صيادين المسك إلى مبشرين او ما السر وراء التغير في حالة شاول الطرسوسي فنعم عزيزي القارئ ان القيامة هي حجر الأساس الذي قامت عليه المسيحية وهذا ما أكده بولس كما ذكرنا مسبقاُ في الاقتباس وهذا أيضا كتب فيه أستاذ العهد الجديد Jirair Tashjian في مقاله (The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades)[1]
ولهذا سوف أصب كل جهدي لمعرفة لماذا امن هؤلاء بالقيامة وسوف اعتمدت في كل فصل على مجموعة مختلفة من العلماء الذين قدموا دراسات محايدة تتعلق بعنوان الفصل
الفصل الأول: المصادر المسيحية: هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟
لسوء الحظ ليس لدينا الة زمن للرجوع إلى الماضي ولكن يستطيع الماضي ان يأتي الينا من خلال ما سجله الاقدمون فقد سجل الانسان الأول تفاصيل يومه وهذا ما تذكره لنا المؤرخة الامريكية Cynthia Stokes Brown:
وأكثر ما يشير إلى بزوغ ضمير إنساني أكثر تعقيداً هي الآثار التي تركوها على صورة رسوم في الكهوف وهي موجودة في كل أرجاء العالم [2]
ومن هنا نستطيع معرفة كيف فكر وعاش الانسان القديم ولحسن الحظ فقد سُجل ايمان اتباع يسوع الأوائل في وثائق وهذه تعتبر نقطة هامة في دراسة التاريخ
فيذكر لنا المؤرخ المصري حسين مؤنس:
ولكي يكون التاريخ جديرًا بهذا الاسم والوصف ينبغي أن يقوم على أصول والأصول هي الوثائق، والوثائق تشمل كل ما يمكنك أن تعتمد عليه في كتابة تاريخ أو رجل أو حادث أو أمة[3]
ولكن أيضا عزيزي القارئ الأمور ليست بهذه البساطة فهناك الكثير من الكتابات التي تعود لفترة حدوث الاحداث وحملت اقوال مختلفة ومتناقضة او حملت احداث لم تحدث من الأساس واستطيع ان ابرهن على صحة اقوالي هذه من خلال احداث عصرنا الحالي اذهب إلى التلفاز في منزلك وافتح قنوات الاخبار مثلا تجد الحق والباطل وتجد الخيال والواقع فمن خلال تجربة نحن بالفعل نعيشها نستطيع ان نبرهن انه ليس بالضرورة ما ينقل لنا من الماضي ان يكون صحيحاً تماماً او خطأُ تماماً أيضاً.
لذلك هناك ما يسمى بالنقد التاريخي ولكن هذا سوف نأتي له فيما بعد ولكن الان نحن لدينا مصادر قديمة نقلت لنا ايمان الكنيسة تعرف باسم كتابات العهد الجديد فهي الكتابات التي انتهت في القرن الأول الميلادي حسب شهادة الناقد بارت إيرمان:
لا أحد يعرف على وجه اليقين متى مات يسوع، لكن العلماء يتفقون على أنه كان في وقت ما حوالي 30 بم. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد معظم المؤرخين أن مرقس كان أول أناجيلنا التي كتبت، في وقت ما بين منتصف الستينات إلى أوائل السبعينيات. من المحتمل أن متى ولوقا كتبا بعد حوالي عشر أو خمسة عشر عامًا، ربما حوالي عام 80 أو 85. وقد كتب يوحنا ربما بعد ذلك بعشر سنوات، في عام 90 أو 95. وهذه تقديرات تقريبية بالضرورة، لكن جميع العلماء تقريبًا يتفقون عليها في غضون بضع سنوات [4]
ويقدم لنا ايرمان أيضا خريطة بسيطة تعطي لنا معلومات عن تاريخ تأليف تلك الكتابات [5]
حياة يسوع بدأت من القرن الرابع قبل الميلاد إلى سنة 30 بعد الميلاد وأول الكتابات كانت لبولس من 50 إلى 60 بعد الميلاد وثاني الكتابات كان انجيل مرقس من 65 إلى 70 وهكذا إلى ان نصل إلى انجيل يوحنا الذي كتب سنة 95 بعد الميلاد هذا ان ارادنا ان نعرف ماهي الكتابات التي نستخلص منها احداث القيامة
والان لنعود مرة أخرى إلى النقد التاريخي نحن الان لدينا مجموع من الوثائق المختلفة التي ركزت على القيامة تعود إلى فترات مختلفة ولكنها جميعاً ترجع إلى القرن الأول ولكن قبل الشروع في تداولها يجب علينا اولاً معرفة كيفية التعامل معها وسوف اقتبس من المؤرخ الفرنسي Charles Seignobos الاتي:
فإنه لأجل الاستدلال من وثيقة مكتوبة على الواقعة التي كانت سببها البعيد، أى لأجل معرفة العلاقة التي تربط بين هذه الوثيقة وتلك الواقعة، ينبغي إعادة تركيب كل سلسلة العلل الوسطى التي أنتجت الوثيقة. ولا بد من تمثل كل سلسلة الأفعال التي قام بها مؤلف الوثيقة ابتداء من الواقعة التي شاهدها، حتى المخطوط (أو المطبوع) الذى أمام أعيننا الآن. فهذه السلسلة علينا أن نستعيد تكوينها في اتجاه عكسي بأن نبدأ بفحص المخطوطة (أو المطبوعة) ابتغاء الوصول إلى الواقعة القديمة. وتلك هي غاية التحليل النقدية وكيفية سيره[6]
يبدا المؤرخ بدراسة المخطوطات والمصادر المتاحة له التي نقلت نسخ عن نسخ من النص الأصلي وهذا في الحقيقة ليس موضوع في الوقت الحالي ولكن موضوع الأساسي هو الوثيقة الأولى التي كتبها المؤلف بخط يده التي نسخ عنها فيما بعد ونحن لدينا كتابات كما ذكرنا مسبقاً وكما ذكرنا أيضا تواريخ هذه الكتابات ولكن يفضل دائماً ان يأخذ الكتابات الأكثر قرابة من الاحداث وهذه نقطة مهمة فحين نحدث عن انجيل يوحنا الذي كتب بعد 65 سنة من الاحداث لا نستطيع ان نقارنه مثلا مع رسائل مثل رسائل بولس او انجيل مرقس التي كتبت بعد حوالي 20 او 30 سنة من الاحداث ولها سبب بسيط وهو لعبة الهاتف يذكر لنا ايرمان:
[لم يكن] كل هؤلاء الرواة في وقت مبكر لديهم معرفة مستقلة بما حدث [ليسوع]. لا يتطلب الأمر سوى القليل من الخيال لإدراك ما حدث للقصص. ربما تكون على دراية بلعبة “الهاتف” القديمة الخاصة بحفلات أعياد الميلاد. مجموعة من الأطفال يجلسون في دائرة، الأول يروي قصة قصيرة لمن يجلس بجانبه، والذي يرويها للتالي، ثم للتالي، وهكذا حتى تعود دائرة كاملة للشخص الذي بدأها. دائمًا ما تتغير القصة كثيرًا أثناء عملية إعادة سردها، مما يجعل الجميع يضحكون كثيرًا. تخيل أن هذا النشاط نفسه يحدث، ليس في غرفة معيشة منعزلة مع عشرة أطفال بعد ظهر أحد الأيام، ولكن على مساحة الإمبراطورية الرومانية (حوالي 2500 ميل)، مع آلاف المشاركين[7]
وهذا امر طبيعي لان طبيعة ذاكرة الانسان ليست صور فوتوغرافية على العكس من ذلك ذاكرة الانسان يمكن التلاعب بها:
فقد وجد علماء النفس أن تذكرنا للأحداث اليومية قد لا يكون موثوقًا به كما نعتقد. علاوة على ذلك، حتى بعد حفظ المعلومات في الذاكرة، يمكن تغييرها. يمكن التلاعب بذكرنا للذكريات ويمكن حتى الخلط بين مجموعات كاملة من الأحداث [8]
ويمكن أيضا زراعة ذاكرة لم تحدث ويظن العقل انها حدثت:
سنة 2002 امرأة تدعى Kimberly wade حاولت ان تقوم بعملية زرعة ذاكرة ذهبت لمنزل أحد العائلات وطلبت منهم صورة للأطفال وكان الشرط ان لا يكون هؤلاء الاطفال قد ركبوا المنطاد في حياتهم ابدا وبعد ان اخدت الصورة قامت بالتعديل عليها وجعلت هؤلاء الاطفال يركبون المنطاد وبعد ان كبر هؤلاء الاطفال اخذوا الصورة ونظروا لها وتفعلوا معها بالعكس بال قاموا بتأليف احداث لم تحدث اصلا فقط بعد ان شاهدوا الصورة مع انهم لم يركبوا المنطاد في حياتهم ابدا [9]
إذا فإذا أردنا البحث الدقيق لا نستطيع ان نأخذ كتاباً كتب بعد 65 سنة من وقت الحدث لأنه من الطبيعي وحتى ان كان الكاتب شاهد عيان ان يسطر الحدث كما حدث فعلاً بال على العكس سيكون هناك الكثير من المدخلات غير الصحيحة في كلامه لذلك سوف نستبعد انجيل يوحنا من القائمة وهذا الشيء لا يعني بالضرورة ان الانجيل غير دقيق
کتب رینولد پرایس (Reynold (Price) وهو أستاذ الأدب الإنكليزي البارز في جامعة ديوك لسنوات عديدة، والروائي الشهير أيضًا – كتابًا أسماه “ثلاثة أناجيل“ (Three Gospels)، وقد فسَّرَ فيه إنجيلي مرقس ويوحنا وحللهما، ثم كتب صياغته هو لحياة يسوع. ويتحدث پرايس بوصفه خبيرا في الأدب قائلا إنَّه لم يكن إنجيل يوحنا عملًا من نتاج الخيال، ولكنه عمل مكتوب من شاهد عيان صافي الذهن وثاقب الفكر، عاين أعمال يسوع وفكره [10]
ولكن سوف نركز على ما دونه بولس ومرقس لأنهم الأقرب زمنياً للحدث ونعم يا عزيزي 20 سنة ليست زمناً بعيداً ان احتك هؤلاء المؤلفين مع أقرباء يسوع سيكون لدنيا وثيقة هامة نقلت الكثير من الحقائق عنه فالذين كانوا في عمر يسوع ونقول انهم من اقربائه او أصدقائه أصبح عمرهم 50 عام ولكن مازالوا يتذكرونه ويتذكرون كيف مات وأيضا لماذا مات وكيف كانت طبيعة حياته وهذه شيء طبيعي يحدث حتى في وقتنا الحاضر لان هذه الذاكرة ممزوجة بالعاطفة والذاكرة الممزوجة بالعواطف تبقى فالعواطف تؤثر على الاحتفاظ بالذاكرة او استرجاعها [11]
فكما يقول James Dunn:
تعتبر معمودية يسوع وصلبه من أكثر الحقائق المؤكدة تاريخياً عن يسوع [12]
ويذكر لنا GRANT ALLEN:
ومهما قيل عن أصل المسيحية، فمن المتفق عليه إلى حد ما على الأقل من كلا الجانبين، سواء من قبل الأصدقاء أو الأعداء، أن هذا الدين العظيم نشأ حول شخصية معلم جليلي معين، اسمه يسوع، فيما يتعلق الذي، إذا كنا نعرف أي شيء على الإطلاق بأي قدر من اليقين، فإننا نعرف على الأقل أنه كان رجلاً من الشعب، معلقًا على الصليب في القدس تحت ولاية كايوس البطني بيلاطس. إن نواة الحقيقة تلك، الإنسان، وموته يسوع المسيح وصلبه، هي النواة التاريخية التي لا شك فيها [13]
وبما انه ثابت فعلاً ان يسوع قد صلب فمن الطبيعي ان تحفر هذه الذاكرة في عقول كل من يعرفه او راه معلقاً ولهذا لان طبيعة الصلب كانت تتم على القمم العالية حتى يراه الكل فيذكر لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans:
كان من المعتاد أن تضع السلطات الرومانية الصلبان على الطرق التي يستخدمها المسافرون كثيرًا، على قمم التلال، وعلى أبواب المدن. كان الشخص المدان يحمل خشبة صليبه patibulum (انظر: Plautus، Carbonaria 2; Miles gloriasus 2.4.6-78359-360; Plutarch، Mor. 554A-B حاملاً في بعض الأحيان لافتة titulus حول عنقه مسجل عليها اسمه وعقابه، ليتم تثبيتها لاحقا على الصليب حينما يُرفع راجع: Suetonius، Caligula 32.2 Dio 54.3.6-7 Cassius) [14]
إذا بعد كل هذا من الطبيعي ان يتذكر المعاصرين ليسوع هذا المشاهد الصعب وبالطبع سوف يطبع هذا المشهد وأيضا الكثير من جوانب شخصية يسوع في عقل اقربائه إلى نهاية حياتهم لذلك سوف نطرح السؤال الهام هل حقاً نقل بولس ومرقس الشهادة من عائلة يسوع او من تلاميذه وأصدقائه؟ نبدأ أولا بدراسة قدمها David A. deSilva عالم في العهد الجديد واللغة اليونانية في كتابه مقدمة للعهد الجديد الجزء الثاني ولكن قبلها يجب ان نعرف كيف كانت تتم كتابة الادبيات في هذه الفترة أي الطريقة اليونانية لكتابة الادب يذكر لنا الناقد حنا عبود:
في العالم أسلوبان: الأسلوب اليوناني والأسلوب الروماني. الأول أسلوب هادئ رزين واقعي يبتعد عن التطرف والمغالاة، ويراعي السمو الإنساني ويسعى الى ترويض وحوش الغرائز الحيوانية في أعماق الإنسان. والثاني نقيض الأول تماماً [15]
ولكن هل بولس حقاً اتبع الأسلوب اليوناني الرزين في الكتابة؟ يذكر لنا DeSilva عن الحياة التي كان يعيش فيها بولس الاتي:
كانت التَّربِيَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي كُلِّ هذه المجالات ستَكُونُ مُتَوَفِّرَةً لِبُولُس في أُورشليم، التي كانَت مَدينَةً عالَمِيَّةً مُرتَبِطَةً بالعالم اليوناني الرُّوماني، ولم تكُن مُنفَصِلَةً عَنْهُ إِنَّ هَلِيَئَةَ فلسطين حَقَّقَت تَقَدُّمًا هائلاً خلال الحقبتين اليونانية والهلينيَّة، وأُعطيت اهتمامًا مُتَجَدِّدًا خلالَ حَقَبَةِ السَّيطرةِ الرُّومانِيَّة في وضع مدرسة غمالائيل، المُشابِه رُبَّما لما كُنَّا سَتَجِدُهُ في مَدرَسَةِ يَشُوع بن سيراخ قبل ذَلِكَ بِقَرنَين، لا بُدَّ أَنَّ بُولُس تعلم ليس فقط عن التَّوراة وقواعد تطبيقها، بل وعن فَنَّ المُجادَلَةِ وعن تقليدِ الحِكمَةِ التي تَضَمَّنَتْ الحكمة اليونانية [16]
فمن دراسة البيئة المحيطة ببولس نستطيع القول انه كان اخذ تعليم يوناني وبالطبعة سوف يأخذ منه أسلوب الكتابة وهذا ما قال به أيضا Martin Hengel عن تَلَقَّي بولس لثقافَةِ يَهُودِيَّةٍ باللُّغَةِ اليُونانِيَّة، مع وُجُوبِ الأخذ بعين الاعتبار أهميَّة الوجهين، وذلِكَ فِي مُوْلَفِهِ [17]
ويقدم لنا بولس بنفسه اعتراف عن مصدره فيقول (“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،” (1 كو 15: 3) ومن تفسير كمبردج:
فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا] إن التشابه الوثيق بين هذا المقطع وقانون إيمان الرسل يُظهر أن هذا الملخص لعقائد إيماننا هو في الواقع ما يُعلن عنه، وهو ملخص قصير للتعليم الرسولي. يقدم إيريناوس، وهو كاتب من القرن الثاني، ومراقب دقيق للتقليد الرسولي، ملخصًا مشابهًا جدًا في أطروحته ضد الهرطقات، الكتاب الثالث. ج. 4.
يلفت ستانلي الانتباه إلى حقيقة أن هذا التأكيد الجريء على حقيقة القيامة، ربما هو الأقدم لدينا (انظر أعلاه الفصل 1 كو 11: 23) تمت كتابته بالكاد بعد خمسة وعشرين عامًا من الحدث الذي لم يذكره القديس بولس هنا. الذي تلقى منه عقيدته، ولكن لا بد أنه قد حصل على بعض التعليم الأولي في المبادئ الأولى للإيمان المسيحي من مخالطته مع التلاميذ (أع 9: 19) [18]
ويقول أيضا DeSilva: لهذا، يُظهِرُ بُولُس معرِفَةً عَميقَةً واحترامًا واستخداما لتقاليد يسوع التي كانت قد أصبَحَت معرُوفَةً في تلك الفترة عبر مَرقُس وعبر تقليد Q المادَّة المُشْتَرَكَة بينَ متَّى ولوقا)، وصار ينظُرُ إلى هذه التَّقاليد بأنَّها ذات سُلطَةٍ وتكوين لمُجتَمَعاتِ أتباع المسيح في دائِرَتِهِ [19]
ويذكر لنا أيضا اندرو ملر مؤرخ الكنيسة المبكرة: ولكننا نعود إلى أورشليم حيث قضى الرسول خمسة عشر يوما مع بطرس ويعقوب يباحث اليونانيين، ثم أن الأخوة انحدروا به إلى قيصرية وأرسلوه إلى طرسوس، وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تبنى وتسير في خوف الرب، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر (اع ۹: ۳۰،۳۱) [20]
وهذا أيضا قال به ايرمان: من الواضح في كل من سفر الأعمال ورسائل بولس أن بولس كانت له علاقات مع أولئك الذين كانوا رسلًا قبله، وعلى رأسهم تلاميذ يسوع السابقين (بطرس، يوحنا، إلخ.) ويعقوب شقيق يسوع [21]
ولكن ما هو الدليل على صحة كل هذا من الممكن ان يكون كل ذلك تم اختراعه لإعطاء شرعية لبولس وما دونه؟ هذه وجهة نظر ولكن على ما اظن ليست لها فائدة لأنه بكل بساطة من يريد ان يقول ان بينه وبين هذا الشخص علاقة وثيقة ويريد من الناس ان تصدق كلامه ان يذكر خلاف دار بينهم مثلا ونعم عزيزي أعني بكلامي الخلاف الذي دار بين بولس والتلاميذ ولكن قبل الذهاب له اريد ان ابرهن على هذه الجزئية من خلال التحليل النفسي وأعني بكلامي هنا هو انكار حدوث الخلاف لتثبيت شرعية لكلامك يذكر لنا المؤلف Dave Lakhani:
يحدث انتقال السلطة كل يوم في عشرات المواقف؛ فأنت ترشّح حلاقك لجارك، فيبدأ هو في التعامل مع هذا الحلاق، وكذلك عندما تريد الذهاب إلى أفضل طبيب في المدينة، فيكون لديك صديق ينصحك بطبيب جيد كذلك عندما تريد الحصول على أفضل وظيفة، يكون لديك أفضل معارف يمكن الرجوع إليهم للسؤال عنك. في كلٌّ من الأمثلة السابقة حدث انتقال فعّال للسلطة، بعضها أكثر صراحةً من الآخر، لكن في كل منها ساعَدَ شخص ما غيره قائلًا بفاعلية: «أنت تستطيع الثقة في هذا الإنسان لأنني أقول لك هذا وأنت تثق بي.»[22]
فهذه هي الفكرة من أراد ان ينقل لنفسه شرعية من احد لا يذكر مشاكل بينهم ولكنه سوف يسترسل كثيراً جداً في مدى علاقتهم القوية التي يغلب عليها المحبة والود ولكن على العكس فقد ذكر مشكلة بولس مع التلاميذ الذي من المفترض ان يأخذ منهم الشرعية فيقول لنا الاب هنري هولستاين اليسوعي:
حين انفجر النزاع علانية، كانت العلاقات بين كنيسة أورشليم وبولس متوترة، وكانت على أهبة الاحتدام في أي لحظة. في الحقيقة، كان ارتياب مسيحي أورشليم حيال بولس يعود إلى زمن اهتدائه: إذ إن معرفتهم للعداوة التي كان الرابي الشاب شاول يكنها لهم كانت أكبر من أن لا يترددوا في التسليم بصدق اهتدائه [23]
وهذا أكبر دليل على ان بولس بالفعل ذهب إلى اتباع يسوع من تلاميذه او اقاربه واحتك به واختلف معهم وذكر الاختلاف معهم هو أكبر دليل على صدق التعامل معهم وبتالي عرف بولس معلومات عن يسوع من المقربين من يسوع شخصياً
نترك بولس ونذهب مباشرة إلى المرجع الثاني وهو انجيل مرقس ونطرح السؤال لماذا نثق في هذا الانجيل بعد 30 عام من يسوع قام شخص ذكرت عنه المصادر القديمة انه لم يرى يسوع أصلا ولم يعرفه [24]
سوف نعتمد على ما قدمه لنا الناقد الكاثوليكي ريموند بروان كبداية لهذا البحث يذكر في البداية ريموند بروان هذه الشخصية التي اسمها مرقس ويقول عنها الاتي:
وبغض النظر عن القيمة التاريخية لتقليد بابياس، دعونا نسأل عن مرقس الذي يتحدث عنه. لم يكن الاسم مرقس نادرًا (على سبيل المثال، مارك أنتوني)، وهذا يساعد على تعقيد إشارات العهد الجديد إلى شخص يحمل هذا الاسم. يقدم سفر الأعمال معلومات عن رجل يدعوه ثلاث مرات “يوحنا ولقبه مرقس” ولكن مرة واحدة فقط (15: 39) ببساطة “مرقس”، والذي يربطه ببطرس [25]
ولكن أيضا هذا لا يكفي وليس من الضرورة ان يكون هو مرقس الكاتب او ممكن ان يكون شخصية انتحلت شخصية مرقس ما الدليل على ان الكاتب هو فعلاً رفيق بطرس؟
يكمل ريموند بروان ويقول:
يشير بابياس إلى أن مرقس لم يكن شاهد عيان، وأنه اعتمد على الوعظ، وأنه فرض أمره الخاص على ما كتبه – كل ما يمكن أن يطابق الدليل الداخلي للإنجيل عن المبشر. ومع ذلك فإن العلاقة الوثيقة والمباشرة التي طرحها بابياس بين الإنجيلي وبطرس (شاهد عيان) هي علاقة صعبة؛ لأن بعض روايات أقوال وأفعال يسوع في مرقس تبدو ثانوية مقارنة بالروايات الواردة في Q أو الأناجيل الأخرى. مرة أخرى، إذا أراد المرء أن يمنح مصداقية محدودة على الأقل لبابياس، فيمكن للمرء أن يعتبر “بطرس” شخصية نموذجية تم تحديدها مع التقليد الرسولي في القدس ومع الوعظ الذي يجمع بين تعاليم يسوع وأفعاله وعواطفه [26]
ويطرح لنا جون درين هذه النقاط الاتية:
وعلى هذا دارت مجادلات، فالبعض اقترح أن المحتوى ما زال من شاهد عيان خصوصا في بعض الأجزاء مثل دعوة بطرس (١٤:١ – (۲۰) شفاء حماة بطرس (۱: ٢٩- ٣٤). بعض التلميحات للتلاميذ، وخاصة بطرس. لم تكن في صالحهم، كما أن التلاميذ يتم تصويرهم عادة في صورة عدم المعرفة وعدم القدرة على فهم ما كان يسوع يحاول أن يعلمهم لذا فليس من السهل أن يرسم مرقس صورة كهذه للتلاميذ إن لم يكن بطرس نفسه مصدر المعلومات. [27]
ولكن يحسم DeSilva هذه النقطة ويقول:
ينفرُ العَديدُ مِنَ الدَّارسين بشكل مُبَرَّر من تأكيد تفسير بابياس لأصل إنجيل مرقس بسُرعَةِ، وَلَكِن يَستَحيلُ القَولُ قطعًا أَنَّ عَزْوَهُ مَعْلُوط على أية حال، ما تُخبرنا بهِ الشَّهَادَةُ هُوَ أَنَّ الكنيسة الأولى منَحَت ختم مُوافَقَتِها من دون تَحَفْظِ لهذا النَّص الذي رُغمَ أنَّهُ لم يُكتب كشهادَةِ عِيان إِلَّا أَنَّهُ وفَرَ تَمثيلاً مَوثُوقًا ودقيقًا لتقليد يسوع كما تمت صياغته وتمريره إلينا عبر الوعظ الرَّسُولي. هذا التَّناغُمُ مَعَ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّة، كما أشار Lane بحَقِّ، هو “السؤال المركزي” في النِّقَاشَاتِ الدَّائِرَة حولَ هُويَّةِ الكاتب [28]
ولكن ان اتبعنا منهج الشك الديكارتي فأول شيء سوف نشك به هو هذه الاقتباسات المتضاربة بمعنى هناك العدد من الآراء التي تنفي او تؤكد ان انجيل مرقس منقول عن شاهد عيان وهو بطرس ولكن هناك طريقة وحيدة تحسم حقاُ هذا الجدال الا وهي النصوص المذكورة نفسها فشاهد العيان سوف يذكر احداث ونقاط معينة يستحيل ان يعرفها احد غيره وهذا أيضا ما عول عليه جون درين لذلك علينا البحث في ثنايا نصوص الانجيل حتى نعطي بالأدلة التي كشفها الانجيل بنفسه الرد الحاسم
يذكر لنا D. A. Carson بعد دراسة في نص انجيل مرقس الاتي:
هل القليل الذي نعرفه عن يوحنا مرقس من العهد الجديد يمثل أي صعوبة في تحديد هويته ككاتب الإنجيل الثاني؟ يعتقد بعض العلماء ذلك، مشيرين إلى جهل مرقس المزعوم بالعادات اليهودية والأخطاء المتعلقة بالجغرافيا الفلسطينية. لكن أيًا من الصعوبتين لا تصمد أمام التدقيق؛ إن التفسير الدقيق والمتعاطف لمقاطع المشكلة المزعومة لا يكشف عن أي أخطاء في مثل هذه الأمور. في المقابل، هناك سمتان من سمات مرقس ومسيرته كما وردتا في العهد الجديد تناسبان كاتب الإنجيل الثاني. إن الأسلوب اليوناني لإنجيل مرقس بسيط ومليء بالساميات التي يتوقعها المرء من مسيحي نشأ في أورشليم. وقد تساعد علاقة مرقس ببولس في تفسير ما وجده العديد من العلماء أنه تأثير لاهوتي بولسي في الإنجيل الثاني. كلتا الميزتين عامتان جدًا بحيث لا تقدمان أي دليل إيجابي لتحديد الهوية. لكن النقطة المهمة هي أنه لا يوجد شيء في الإنجيل الثاني يقف في طريق قبول التقليد الأقدم الذي يحدد يوحنا مرقس كمؤلف له [29]
اذن بعد الذي قدم من خلال دراسة نص انجيل مرقس لا ينفي ان الكاتب نقل من شاهد عيان ولا ينفي ان يكون كاتب الانجيل هو مرقس كما ذكر التقليد القديم عنه
إذا نختم هذا الفصل بقول ايرمان عرف بولس عن يسوع خلال عام واحد فقط، أو على الأكثر من خلال عامين من وفاته. يحافظ بولس أيضًا على التقاليد التي تنبع من الفترة المبكرة من حياته المسيحية، مباشرة بعد تحوله حوالي 32-33 م. يدعي بولس أنه زار أقرب تلاميذ يسوع، بطرس، ومع أخيه يعقوب بعد ثلاث سنوات من تحوله، أي حوالي 35-36 م. ولذلك فإن الكثير مما قاله بولس عن يسوع ينبع من نفس الطبقة المبكرة من التقليد التي يمكننا تتبعها، بشكل مستقل تمامًا، في الأناجيل. [30]والاستنتاج النهائي انه بالفعل يحمل بولس ومرقس ايمان الكنيسة من المنبع نفسه من المسيحيين الأوائل أنفسهم اتباع يسوع من تلاميذه وأصدقائه واقاربه الخ..
قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت
الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)
بعد ان وصلنا انه نقل لنا ايمان اتباع يسوع هل نستطيع ان نثق في هذا الايمان اصلاً؟ بمعنى ما المانع انه يكون هذا الحدث مختلق؟ شيء تم اختراعه من اتباع يسوع لهدف ما مثلاً؟ لماذا يجب علينا مباشرة ان نفترض انها القيامة؟ وهذه الأسئلة يجب ان تسأل قبل الشروع في البحث عن حقيقة ايمان تلاميذ بالقيامة فنحن لا نعيش معهم الان ولكن نستطيع ان نفهم تفكريهم من خلال دراسة ثقافتهم والبيئة المحيطة بهم فيذكر لنا الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:
إذا كان من الصحيح أن سجية النفس وأهواء القلب تختلفان إلى الغاية في مختلف الأقاليم؛ فإن على القوانين أن تكون تابعة لاختلاف هذه الأهواء واختلاف هذه السجايا [31]
ويذكر لنا الفيلسوف الألماني فيورباخ:
الشعور بالتبعية عند الإنسان هو مصدر الدين ولكن موضوع هذه التبعية، أي التي يكون ويشعر الإنسان بتبعيته لها هي في الأصل ليست إلا الطبيعة، فالطبيعة هي الموضوع الأصلي الأول للدين، كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والامم بدرجة كافية [32]
إذا فتلعب الطبيعة والبيئة المحيطة بالإنسان دور هام في تكوين معتقداته الأخلاقية والدينية ويمكننا نطبق هذا الامر على اتباع يسوع الأوائل ولكن السؤال الهام هنا هل حقاً علم اتباع يسوع بما يسمى القيامة بشكل عام أي هل هناك في عقيدتهم او بيئتهم الذين ولدوا فيها وتأثروا بها هذه الفكرة القيامة والخلود والحياة الأخرى؟
ننظر أولا إلى البيئة اليهودية التي كان يعيشها بها هؤلاء البشر ونسأل هل كان هناك اعتقاد أصلا ظهر مع هذا المعتقد يقول بالقيامة والحياة الأخرى؟
يذكر لنا الفيلسوف الفرنسي فولتير: فموسى يكرر لمرات عدة:
إن الرب يعاقب الآباء في أبنائهم إلى رابع الله عن أجيالهم». وقد كان هذا التهديد ضرورياً بالنسبة إلى شعب لم يكشف له خلود النفس، ولا عن العذابات والمكافآت في الآخرة. فهذه الحقائق لم يأت لها ذكر في «الوصايا العشر»، ولا في شرائع «سفر اللاويين» أو «سفر التثنية». فتلك عقائد كانت سائدة عند الفرس والبابليين، والمصريين والإغريق، وأهل جزيرة كريت، ولكنها لم تكن تؤلف البتة جزءاً من عقائد الدين اليهودي فموسى لا يقول: «أكرم أباك وأمك، إن أردت أن تصعد إلى السماء»، وإنما «أكرم أباك وأمك كي تعيش طويلاً على الأرض». وهو لا يهدد اليهود إلا بالآلام الجسدية [33]
إذا لم يكن في اصل الدين اليهودي نفسه أي شيء له علاقة بالحياة الأخرى او الخلود ولكن على العكس كان الموضوع ارضي فقط بمعنى الثواب والعقاب في الأرض وليس في حياة أخرى او عالم اخر ولذلك نجد ان اليهود كان عندهم خلاف في حقيقة هل هناك حياة أخرى ام لا
يذكر لنا دكتور الفلسفة وحاخام كنيس برمنجهام أ. كوهن:
لقد كانت القيامة واحدةً من المواضيع الهامة للخلاف بين الفريسيين والصدوقيين. يقول الصدوقيون إن الروح تنطفئ أثناء موت الجسد، وهذا الموت يعتبرونه نهاية الكائن البشري، فهم لا يعترفون بالعالم الآخر، ويرفضون عقيدة الثواب والجزاء والقصاص التي يمنحها الفريسيون أهمية عالية جداً، يدافعون عنها بحماسة شديدة فقد جعلوا منها موضوع الصلاة الثامنة عشرة التي تُردد كل يوم [34]
ويذكر أيضا:
يبدو أن هناك سبباً من أجله كان الصدقيون يرفضون هذه العقيدة، يأتي من أنه وبحسبهم لم يذكر في الكتب الخمسة التي تشكل جزءاً من التورا الشفهية التي كانوا لا يقبلون إلا بسلطتها [35]
وحتى ان نظرنا للردود الحاخامية المدافعة عن وجود عقيدة القيامة في التوراة لوجدناه عبارة عن مغالطات ليس أكثر فمثلاً يذكر لنا الكاتب في نفس الكتاب:
باسم الحاخام شمعون بن حزقيال: عندما يتعلق القرار الشرعي العائد لسلطة دينية متوفاة فهو يذكر في هذا العالم شفاه أولئك النائمين أخيراً يذكر لهم هذا النص: ولكي تطول أيامكم على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرضاً تدر لبناً وعسلا تثنية الاشتراع (11،9) ولم يقل «يعطيها لكم» بل «لهم» إذن العقيدة المتعلقة بالقيامة يمكن استنتاجها من التورا يؤكد آخرون أنه يمكن استنتاجها من هذا النص أيضاً [وأما انتم المستعصمين بالرب إلهكم فكلكم أحياء اليوم (تثنية الإشتراع (4،4) وبصريح العبارة: انتم جميعاً أحياء في هذا اليوم، إذن حتى اليوم حيث الشعوب ميتة، ستعيشون، وبما أنكم كلكم أحياء في ذلك اليوم، فإنكم ستعيشون في العالم الآتي. مكتوب [انظروا الآن. إنني أنا هو ولا إله معي أميت وأحيي وأجرح وأشفي وليس من يُنقذ من يدي] (تثنية الاشتراع 32، 39) [36]
وحين نحلل هذا الرد لا يعطينا بالضرورة أي تأكيد على ثبوت عقيدة القيامة في التوراة على العكس من ذلك نجد ان الرد هو مغالطة قياس باطل بمعنى هو هنا اتى بنصوص لا تتحدث عن القيامة بشكل واضح وصريخ ويمكن تفسيرها بصور أخرى ولكن قاسها على القيامة واستنتج في النهاية انها تتحدث عن القيامة والان لننظر إلى النصوص ونرى هل هي فعلاً لها علاقة بالقيامة ام لا ولكن في البداية قبل التفسير يجب علينا معرفة كيف نفسر النصوص الكتابية
يذكر لنا W. Randolph Tate :
وحتى إذا كان الله هو مؤلف القصص والشعر المقدس، لكنه استخدم الشطر والنثر الخاصين بالثقافتين العبرية والهلنستية. لذلك، حتى إذا كان الكتاب المقدس جزء من الإعلان الإلهي والانكشاف الذاتي له للبشرية، لكنه إعلان معبّر عنه بلغة بشرية. من ناحية وظف كتاب النصوص الكتابية محدودية الحديث المكتوب ليقولوا شيئًا عن الله غير المحدود [37]
إذا يجب علينا ان نعود لنفس الثقافة التي كان يكتب فيها الكاتب حتى نعلم ماذا يريد ان يقول لنا لنرجع لسياق النص ونفهم الحدث كاملاً
فمن خلال قرأه السياق نجده لا يتحدث عن عالم اخر ولكنه يتحدث عن مكان هنا على الأرض فيقول في البداية يجيب ان تحفظ الوصايا (فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا) حتى يعيشوا مدة أطول على الأرض التي سوف يأخذنها هنا على هذا الكوكب وليس في عالم اخر (وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا) وهم بالفعل كانوا على وشك الدخول لها (أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا) فمن خلال دراسة سياق النص نجده لا يتحدث ابداً عن ارض خارج هذا العالم على العكس هي ارض هم بالفعل ذاهبون لها وسوف يدخلونها
يذكر جون جيل اقتباساً من ترجوم يوناثان:
ولكي تطيلوا الأيام في الأرض…. لا تدخلوها وتمتلكوها فقط، بل أطيلوا فيها، وذلك حسب طاعتهم لشرائع الله التي أقسم الرب لآبائكم. ليعطيهم ونسلهم. لقد وعدوا بقسم، ليتأكدوا من التمتع بها، مع أنهم لا يستطيعون الاستمرار فيها ما لم يطيعوا الأوامر الإلهية: أرض تفيض لبنا وعسلا؛ تزخر بكل الخيرات، وثمرها سمينة كاللبن وحلوة كالعسل [38]
وحين نكمل في باقي الاصحاح ناجد انه بالفعل لا يتحدث عن عالم اخر ولكن عن هذه الأرض فيقول الكاتب:
فمن الواضح جداً ان النص يتحدث رضا الاله لكي يعيطهم امطار وخير وغيرها من الأمور في الأرض التي هنا على الكوكب وليس له أي علاقة بأي ارض في عالم اخر وهذا ما نجده حتى في الحضارات القديمة
تحتاج الآلهة في الفكر السومري إلى جميع ما یحتاج إليه البشر من طعام وشراب؛ فنرى الإنسان یُقدِّم لها القرابين المختلفة من أغنامٍ وأبقارٍ لكسب الرضا، من هنا نجد العلاقة الوثيقة بین الإنسان والآلهة والتي تجسَّدَت بشكلٍ واضح من خلال الميثولوجيا السومرية والأكدیة والمخلفات الفنية عن طريق الخصائص المماثلة للإنسان [39]
فطبيعة الالهة في الشرق القديم كنت قد تكلمت فيها مسبقاً في بحث (ملخص عن طبيعة الله في الشرق الأدنى القديم) فنجد ان يهوه هنا مثله مثل أي اله اخر في الشرق القديم في وصفه وطبيعته وحتى الأرض نفسها هي ارض على هذا الكوكب وليست ارض في عالم اخر ونستطيع اتباع هذا المنوال لنقد استدلال الحاخام بالتوراة لأثبات انه بها أي تلميح لوجود حياة أخرى
ويذكر لنا أيضا أ. كوهن:
إلى جانب الصدوقيين هناك مذهب السامريين الذي يرفض نفس العقيدة. هؤلاء يحاربهم النص التالي: كان الحاخام أليعازر بن جوزي يقول: هي ذي الكيفية التي أثبت بها بطلان كتاب السامريين. التي تؤكد أن التورا تتكلم عن القيامة. كنت أقول لهم: لقد زوّرتم تصحيحكم للتورا، غير أن هذا لم يسد إليكم أي خدمة تدعم نفيكم للقول على أنها غير موجودة في التورا [40]
فبين كل هذه الخلافات التي كانت بين الصدوقيين والفرسيين والسامريين حول وجود هذه العقيدة في التوراة بين الجانب الرافض لوجودها مثل الصدوقيين والسامريين او القائلين بها من الفريسيين ولكن ما مدى تأثير هذا على المجتمع اليهودي الأول
وحتى كان مفهوم الدينونة الأخيرة حسب ما ورد في مكتبة قمران ليس دينونة نهاية العالم ولكن دينونة تطهير العالم من الشر فيذكر لنا هارتموت شتيغيمان:
بعد ذلك، وفق الأسانيون بين العدد ۳۹۰ في حزقيال ٤ ٥، والأسابيع السنوية السبعين، أي ٤٩٠ سنة، في دانيال ٩، وحدّدوا الموعد النهائي للدينونة الأخيرة المستقبلية في السنة ۷۰ ق.م. بفضل الأنبياء عرفوا أخيرا، لماذا لم يبدأ الله الدينونة الأخيرة العام ۱۷۰ ق.م. ولم يمح كل ما هو شرير من هذا العالم [41]
بجانب الثقافة اليهودية كانت هناك الثقافات الأخرى المحيطة باليهود منها الثقافة الهلنستية التي سيطرة على هذه المنقطة وعلى تفكير هذا الشعب الذي ولد بها فيذكر لنا مايكل باركر:
وبعد أن اجتاح الإسكندر الأكبر العالم القديم، أصبحت إسرائيل تحت حكم المحتلين اليونانيين في مصر. (البطالمة). ثم أصبحت تحت حكم المحتلين اليونانيين في سوريا (السلوقيين). وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير (١٦٨-١٤٢ ق. م). وقد استولوا على أورشليم وطهروا الهيكل في عام ١٦٤ ق.م، ويحيي اليهود ذكرى هذا اليوم في العيد المقدس المعروف باسم الحانوكا (عيد التجديد) [42]
وهنا نقف قليلاً عند هذه الجزئية (وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير) يذكر لنا فراس السواح الاتي:
كان التيار الإصلاحي بقيادة النخبة المتعلمة في أورشليم، راغباً في تحويل النظام السياسي الديني المتخلف إلى نظام حديث يتفق وروح العصر. ورغم أن الدوافع وراء هذا التوجه كانت اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى، إلا أن بعض الإصلاحيين كان يتوق إلى أبعد من ذلك، وكانت النوايا تتجه إلى إصلاح الدين اليهودي والمزاوجة بين اليهودية واليهلينية فلقد رأوا أن التوحيد اليهودي ينطوي على أفكار شمولية عالمية، ولكن التفسير الحرفي الأصولي قد كبتها من خلال فهمه الضيق لفكرة الإله الواحد الذي يختص بشعب واحد من دون بقية الشعوب. كما رأوا أن هذه الأفكار الشمولية المكبوتة تتفق مع فكرة الثقافة العالمية الواحدة التي آمن بها الاسكندر وعمل على تطبيقها. [43]
ويذكر أيضا: لم تصلنا أفكار هؤلاء الإصلاحيين عبر نصوص مباشرة بل عبر كتابات نقادهم اللاحقين الذين اتهموهم بالهرطقة ومحاولة تقويض أصول الدين [44]
ويقول أيضا بخصوص عصيان المكابيين:
بعد عامين من حرب العصابات ضد السلوقيين ومناصريهم في الداخل، استطاع الأخوة الخمسة بقيادة يهوذا الملقب بالمكابي طرد الحامية السلوقية خارج منطقة أورشليم عام ١٦٤ ق.م، وطهروا المعبد من كل رموز الإصلاح الديني [45]
إذا فنستطيع ان نلقي نظرة ان التأثر بالثقافة الهيلينية لم يكن بين عامة ً الشعب ولكن كان بين الفئة المثقفة فقط وحتى هذه الفئة تمت محاربتها وتطهيرها وتطهير الإصلاح الدين الذي اعتمد على الثقافة الهيلينية ورجع الحاخامات يعلمون بما توارثه مسبقاً ونجد C. D. ELLEDGE بروفسور الدين يقول:
أولئك الذين أنكروا الحياة الآخرة كان لديهم تركيبتهم الهائلة من التقاليد السابقة، والتي ظلت حية إلى حد كبير في العصور الهلنستية الرومانية [46]
لذلك لا يمكنا القول بالتأكيد ان الشعب اليهود قد كان متأثراً بالقيامة او الحياة الأخرى لأنه مثل أي شعب متدين يتبع الكهنة ورجال الدين التي كانت عندهم تقاليدهم التي تنفي وجود حياة وتحارب التأثير اليوناني عليهم ولكن كان لدى هذا الشعب امل واحد مهم هو المسيا المنتظر وهذا الامل كان يسيطر عليهم بكل ما تعنيه الكلمة لذلك يجب ان نعود 2000 سنة إلى الخلف لنعرف كيف فكر هؤلاء الناس في طبيعة المسيا وهل المسيا في مفهومهم قائم من الأموات ام لا
يذكر لنا Trevan G. Hatch هو متخصص في الأنثروبولوجيا والكتاب المقدس والشرق الأدنى القديم والشرق الأوسط والدراسات الدينية: وفي القرن الثاني قبل الميلاد، بدأت التوقعات بشأن الملك المنقذ تتوسع. وتشمل الأسباب الرئيسية ما يلي. أولاً، اشتد القمع من جانب السادة اليونانيين، وبلغ ذروته بتدنيس المعبد (164 قبل الميلاد).
ثانيًا، عندما انتزع مقاتلو حرب العصابات اليهود يهودا والهيكل بعيدًا عن اليونانيين، سيطرت الأسرة الحشمونائية اليهودية (142-63 قبل الميلاد) على العرش؛ لكن المشكلة بالنسبة للعديد من اليهود هي أن الحشمونيين لم يكونوا من نسل داود. وبالتالي، فإن الملك الداودي المنتظر لن يأتي من سلالة الحشمونائيم. ثالثًا، تم اغتصاب الكهنوت الأعظم وإفساده من قبل الأرستقراطيين الأثرياء من غير آرون (أي أولئك الذين لم ينحدروا من هارون). شهد الشعب اليهودي هجمات على دينهم وعبادة معبدهم من جميع الجهات، بما في ذلك من الغرب [47]
ويذكر أيضا:
تدهورت معنويات الأمة اليهودية الشابة المستقلة، وازدادت التوقعات المسيانية عندما اجتاح الرومان، بمساعدة بعض اليهود، وأطاحوا بسلالة الحشمونائيم في عام 63 قبل الميلاد. قامت روما في نهاية المطاف بتعيين حاكم غير شرعي (أي نصف يهودي) في المنطقة. هيرودس، بموافقة روما، حكم بقبضة من حديد. وفقًا ليوسيفوس، أعدم هيرودس العديد من الأشخاص الذين اشتبه في معارضتهم له. وكان من بينهم صهره (رئيس الكهنة)، وحماته، وزوجته الثانية، وثلاثة من أبنائه، وثلاثمائة من القادة العسكريين. ولم يهرب الفساد والعنف من الشعب، حتى بعد هيرودس. مات. وفي مناسبات عديدة، احتجت الحشود على الظلم الذي تعرضت له.
جلب بيلاطس البطني، الحاكم الروماني للمنطقة (حوالي 26-36 م)، إلى القدس (وربما إلى مجمع المعبد) “تماثيل قيصر” بموافقة الطبقة الكهنوتية. وعندما اكتشفت الجماهير التماثيل النصفية، طالب “جموع” بيلاطس بإزالتها. وفي مناسبة أخرى، سمح الكهنة لبيلاطس باستخدام الأموال من خزانة الهيكل لدفع ثمن قناة مائية إلى أورشليم. وعندما اندلعت الاحتجاجات، أرسل بيلاطس جنودًا لتفريق الحشود بالتهديد بقتلهم. وفي مواجهة هذا القمع والفساد، انتشرت حماسة مسيانية أكثر حدة. في هذين القرنين قبل خدمة يسوع، اختبر اليهود توقعًا واسع النطاق لظهور المسيح، الذي سيكون ملكًا من نسل داود ليحرر إسرائيل من خلال التخلص من نير العبودية الإمبراطورية. بحلول الوقت الذي بدأ فيه يسوع خدمته، وفي العقود التي تلت انتهاء خدمته، كانت التوقعات المسيحانية عالية [48]
إذا فالمسيا لم يكن سوى ملك محارب في هذه الفترة بمعنى ان الشعب اليهودي كان ينظر إلى المسيا في هذه الفترة إلى انه ملك محارب فموضوع قيامة المسيا من الأموات او انه سوف يموت لم يسيطر على عقول الشعب اليهودي لذلك يظهر لنا الانجيل ان التلاميذ لم يكونوا يفهموا اقوال يسوع بخصوص موته وقيامته لان هذا الشئ كان بعيد عن تفكيرهم في المسيا المنتظر لذلك لا يمكننا القول باختراع اتباع يسوع الأوائل قصة القيامة
قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت
الفصل الثالث: المسيح والالهة الأخرى
كما وضحنا في الفصل السابق انه من غير الممكن اختلاق قصة القيامة لأنها كانت بعيدة كل البعد عن الخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل ولكن ما المانع من سرقتها من الأديان الأخرى مثلا؟ بمعنى انظر معي لهذا القول من الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز:
فبما أن كل الأديان القائمة مؤسسة أوّلاً على إيمان مجموعة بشخص واحد لا يعتقدون أنه إنسان حكيم فحسب، وأنه يعمل لتأمين سعادتهم، بل كذلك أنه إنسان مقدّس عهد الله إليه إعلان مشيئته بصورة فائقة للطبيعة [49]
وبالنظرة إلى حياة يسوع التاريخي الذي كان يشفق على الفقراء ويريد تحرير اليهود من خطاياهم حتى لا تأتيهم الدينونة كما ذكر الاب البرت نولان الدومينيكاني:
ربّما يسوع قد بدأ بالسير على نهج يوحنا المعمدان بتعميد الشعب في نهر الأردن (يو: ٢٢ – ٢٦. إذا كان الأمر كذلك، فإنّه سرعان ما تخلّى عن تلك الممارسة (يو ١:٤ – فلا دليل أيا كان يشير إلى أنه بعد أن غادر الأردن والبرية، قام بتعميد أي شخص، أو أرسل أي شخص لكي يعمده يوحنّا، أو أي أحد آخر. نظر إليه كثيرون اعتباره خليفة يوحنا المعمدان، ولكن سواء أكان خليفته أم لم يكن، فإنّ يسوع لم يعمد حدا. فعوضا عن ذلك خرج ليطلب، ويساعد ويخدم خراف إسرائيل الضالة.
هنا نحن أمام قرار ثانٍ وإشارة ثانية لا يمكن الجدال بشأنها تشير إلى فكر يسوع نواياه. فهو لم يشعر أنه دعي الخلاص إسرائيل بأن يأتي بكل واحد منهم إلى معمودية لتوبة في نهر الأردن بل رأى أنّ هناك شيئًا آخر لا بد منه، شيئًا له علاقة بالفقراء، الخطأة والمرضى؛ خراف بيت إسرائيل الضالة. إن الشعب الذي أولاه يسوع اهتمامه أشير إليه في الأناجيل بتعبيرات متنوعة: لفقراء، العمي، العرج، البرّص الجوعى، البؤساء، الخطأة، الزناة، العشارين، والذين بهم مس شيطاني، المضطهدين المظلومين، المسبيين، ثقيلي الأحمال، الغوغاء الذين لا يعرفون شيئًا عن القانون، الصغار، خراف بيت إسرائيل الضالة [50]
فلا مانع بعد ذلك ان تلاميذه أرادوا ان يكملوا مسيرته فاخترعوا قصة القيامة هذه وكان معهم بولس الذي في الأصل كان فريسي (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ (سفر أعمال الرسل 23: 6) وذكرنا مسبقاً ان الفريسيين كانوا يؤمنون بقيامة الأموات وموضوع قيامة المسيح كان قد ساعد بولس في نشر تعاليمه عن قيامة الأموات (لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ ٱلرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ ٱللهُ أَيْضًا مَعَهُ (تَسَالُونِيكِي ٱلأُولَى ٤:١٤) فأخذوا قصة قيامة الاله يسوع من الأديان الأخرى وهذا تفسير واضح وعقلي عن الحدث
ولكن عزيزي هذه الفكرة بعيدة كل البعد لأنه اولاً ليس لدينا دليل على صحتها بل هي تفسير فقط للحدث وهناك على الجانب الاخر دليل ضدها وهي الحالة النفسية لاتباع يسوع الأوائل وهو الخوف من مواجهة نفس مصير يسوع فلا يمكن لهم ان يخترعونها من الأساس بمعنى لم يكن تلاميذ يسوع فعلاً قادرين على اختراع هكذا قصة خوفاً من الموت وكذلك بولس لم يكن ليدمج هذا بذاك لأنه في الأصل كان مضطهد لاتباع يسوع من البداية (“وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.” (أع 7: 58). “فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي».” (أع 7: 59).
“وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ (أع 8: 1) فإذا أراد بولس ان يخترع هذه القصة لكان معهم منذ البداية ولم يكن بحاجة للهجوم عليهم بل كان منذ ان قالوا بالقيامة لكان ذهب معهم فيعترف بولس بنفسه انه كان يضطهد الكنيسة (“فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلًا فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا.” (غل 1: 13) ومن ثم تحول إلى شخص اخر مباشرة بالإيمان ومؤمن بالقيامة ولم يكن بولس بحاجة لشخص مصلوب مثل يسوع حتى يقوم بتأكيد تعاليمه ويذكر إيرمان الاتي:
إنها حقيقة تاريخية أن بعض أتباع يسوع اعتقدوا أنه قام من بين الأموات بعد وقت قصير من إعدامه. نحن نعرف بعض هؤلاء المؤمنين بالاسم؛ أحدهم، الرسول بولس، يدعي بوضوح تام أنه رأى يسوع حياً بعد موته [51] فهذا إذا دليل على ان بولس لم يلفق شيء
والنقطة الأهم في كل هذا عزيزي القارئ هو انه لا يوجد شيء اسمه الهة قائمة من الأموات وهذا هو موضوع البحث في هذا الفصل هل حقاً هناك ما يسمى الهة قائمة من الأموات؟
في الحقيقة يا عزيزي القارئ لا يمكن لتلاميذ يسوع ان يسرقوا هذه الفكرة من الحضارات الاخرى لانها لم تكن موجودة أصلا لان الله في الحضارات القديمة لم تكن تموت فيذكر لنا جاك شورون:
هوميروس يجعل ظل أخيل يعبر عن وجهة النظر السائدة: «أناشدك، يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت، فلن تعيش على الأرض عبدا لأخر… خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية» أن الموت هو الشر الأعظم، تقول سافو.. sapho: « أن الآلهة تعده كذلك وإلا لكانت قد ماتت» [52]
فالإنسان خلق الله على صورة الانسان ومثاله بمعنى ان الانسان اعطى لله صفات الكمال التي كانت يريدها وهناك نقطة هامة يذكرها فيورباخ:
في كتب زندافستا يعبر عن الشمس والقمر بوضوح على أنهما خالدين بسبب استمرارهم وقال Inca البيروني [من بيرو] الى راهب من الدومنيكان: «إنك تعبد الها مات على الصليب ولكني أعبد الشمس التي أبداً لا تموت» [53]
وهنا يجب ان نتوقف لنتسأل إذا كان موت الاله شيء طبيعي في الوثنية لما كان حدث هذا النقد على إله المسيحية بمعنى ان كنت انا أؤمن بشيء واعرف شخصاً يوم بنفس الشيء فكيف اذهب له وأقول هذا وهذاك ولكن على العكس هنا هو يقول له انظر انت تعبد كذا الذي مات وانا اعبد كذا الذي هو لا يموت وهذه نقطة هامة لا يجب ان تمر هكذا مرور الكرام! واحد اهم الاكتشافات الاثرية التي تؤكد حقيقة حدوث السخرية هو نقش Alexamenos graffito
عادةً ما يُنظر إلى النقش على أنه تصوير ساخر للمسيحي أثناء العبادة. في ذلك الوقت، كان الوثنيون يسخرون من المسيحيين لأنهم يعبدون رجلاً مصلوباً [54]
ولكن أيضا يا عزيزي نجد ان يوستينوس المدافع المسيحي من القرن الثاني يعترف بالأمر ويقول:
وعندما نقول إن المسيح شفى العرج والمشلولين والعميان منذ ولادتهم وأقام الموتى، ألا تنسبون مثل هذه الأعمال إلى أسكلبيوس؟ [55]
ومن هنا نستطيع ان نقول ان القصة انتهت بالفعل اعتراف واضح من احد مدافعين الكنيسة في القرن الثاني قال بوضوح هناك تشابه بين يسوع واله الطب عند اليونانيين أسقليبيوس إذا نحن قفلنا هذا الملف بهذا الاعتراف الصريح، ولكن عزيزي هذه سطحية ليس اكثر فمن الحضارات القديمة وفي العهد القديم نجد ان الاله تقوم بالمعجزات هذه ليس المشكلة هنا ولكن النقطة الأهم هي إقامة الموتى فالحقيقة يقول يوستينوس في الاقتباس (وأقام الموتى) هذه الجملة لا يمكن الاخذ بها قبل القول المسيحي بالقيامة لأنه بكل بساطة في الفلسفة او الميثولوجيا اليونانية ليس هناك ما يسمى بقيامة الأموات مرة أخرى وهذا نجده في الالياذة [56] الكتاب المقدس عند اليونانيين
ان هذه التحفة هي جنازة باتروكلوس من القرن الرابع قبل الميلاد وتذكر الالياذة الاتي:
ادفِنِّي بأسرعِ ما يمكن حتى يَتسنَّى لي عبور بوابات هاديس؛ فالأرواح psychai، أشباح الرجال الموتى الذين عبَروا، تدفعني وتُبقيني بعيدًا ولن تسمح لي بأن أنضم إليها فيما وراء النهر، ولكني أَهِيم بلا هدفٍ عبْر بيت هاديس ذي البوابات الهائلة [57]
ويذكر لنا واحد من اعظم العلماء الكلاسيكيين Erwin. Rohde:
إن طبيعة هذا الثنائي الغامض للبشرية، التي تنفصل عن الإنسان عند الموت وترحل بعد ذلك، يمكن أن تتحقق على أفضل وجه إذا أوضحنا لأنفسنا أولاً ما هي الصفات التي لا تمتلكها. إن نفسية المعتقد الهوميري، كما كان من المفترض، لا تمثل ما اعتدنا أن نطلق عليه «الروح» في مقابل «الجسد». إن كل قوى “الروح” الإنسانية بالمعنى الأوسع – والتي يمتلك الشاعر مفردات كبيرة ومتنوعة بشأنها – هي في الواقع نشطة وممكنة فقط طالما أن الإنسان لا يزال على قيد الحياة: عندما يأتي الموت، لا تعود الشخصية الكاملة مكتملة. في وجود. الجسد، أي الجثة، يصبح الآن مجرد “أرض لا معنى لها” ويتساقط إلى أشلاء، بينما تبقى النفس دون أن تمس [58]
ويذكر ايضاً جاك شورون:
ينظر إلى النفس على أنها ذات أصل سماوي وأنها تقطن الجسم كما لو كانت سجينة، وبوسعها الهرب عند الموت واستعادة ألوهيتها. وكما يشير کورنفورد، فليس ثمة هوة هنا بين الإلهي والإنساني على نحو ما نجد في اللاهوت الهومري والخلود بهذا المعنى يتميز على نحـو حـاد عـن الدوام المحض» [59]
وعن الجانب الفلسفي كانت الفلسفة الرواقية هي المنتشرة في هذه الفترة حتى ان بولس كما هو مشهور عنه تعلم منهم الفلسفة فتبالي يجب ان ينظر إلى الفلسفة الرواقية كيف كانت ترى قيامة الموتى او الخلود في عالم اخر وكان من الفلاسفة المشهورين في هذا العصر واعني بكلامي عصر التلاميذ هو الفيلسوف الرواقي سينيكا فيقول عنه الفيلسوف المصري عثمان امين:
فلسنا ندرى مثلا إذا كان سنكا يرى أن الله شخص مستقل عن الكون – كما هو الحال عند أرسطو – أم أن الله والكون أمر واحد، كما رأى أهل الرواق الأولون. ولسنا نعرف على التحقيق إذا كان العالم عنده يحكمه «القدَر» المحتوم أو تسهر عليه عناية مديرة، ولا إذا كانت الروح – كما يرى أفلاطون – من فيض الله وإلى الله تعود، أم هي كما يقول الرواقيون تفنى بفناء الجسد والحقيقة أن سنكا لا يرى لهذه الأمور أهمية عظيمة. ذلك أنه كغيره من فلاسفة الرواق فى رومه لا يتمثل العلم الحقيقي إلا ما كان متجها إلى الأخلاق من أجل هذا نراه يعد الميتافيزيقا منفصلة عن الأخلاق جدلا باطلا، ومضيعة للعمر فيما لا يستحق أن يلتفت إليه [60]
إذا لا يمكننا القول انه قبل انتشار المسيحية وانتشار معها قيامة المسيح ان هناك مفهوم عن القيامة الجسدية كما هو موضح في ترنيمة فيلبي [61] كان هناك نفس المفهوم في الثقافات القديمة بخصوص موضوع الالهة التي كانت تموت وتقوم في الاساطير القديمة
فيقول عالم الاشوريات Gerfrid G. W. Müller: أن العصور القديمة غير المسيحية لم تعرف أبدًا شيئًا مشابهًا للفصح المسيحي [62]
ومن هنا نأتي لدراسة قدمها المؤرخ السويدي Tryggve N.D. Mettinger في كتابه لغز القيامة “الآلهة المحتضرة والقائمه” في الشرق الأدنى القديم فيقول:
كبار العلماء في مجالات مقارنة الأديان والكتاب المقدس يجدون أن فكرة موت الآلهة وقيامتها مشبوهة أو لا يمكن الدفاع عنها [63]
ولكنه يقول أيضا بخصوص موت أدونيس:
يبدو من الصعب القول بأن موضوع موت أدونيس وقيامته كان نتيجة لمصادرة فكرة مسيحية. فقط إذا كان التاريخ ما قبل المسيحي لفكرة قيامة أدونيس غير محتمل بشكل مباشر، سيكون من الممكن الجدال لصالح مثل هذا التفسير. لكن هذا ليس هو الحال بالتأكيد [64]
حسناً إذا؟ ما الصواب هنا فهناك تناقضات في هذه القصص التي لها علاقة بموت الالهة وقيامتها في الحضارات القديمة فمن يقول انه لم يحدث ذلك ومن يقول انها حدثت نحن نريد دليل قاطع على هذا الفعل حتى ننهي هذه القصة، يقدم المؤرخ نفس التساؤل ويقول:
والسؤال المطروح أمامنا، حول ما إذا كان هناك في الشرق الأدنى القديم فكرة ثابتة عن الثلاثية، يجب أن يكون في النهاية ومن الحكمة أن نعترف باحتمالية حدوث ذلك، ولكن هذا لا يزال بعيدًا عن كونه حقيقة [65]
يقصد هنا بالثلاثية هو الموت والقيامة بعد ثلاث أيام كما في قصة المسيح ولكنه يقول ان هذا الموضوع لا يزال بعيداً عن كونه حقيقة بل هو احتمالية أي ليس الموضوع مؤكد وهذا بالطبع نتج عن دراسة للمصادر المتضاربة في القصص واختلاف الاقوال فنحن اذن لا يمكننا القول بصريح العبارة على تأكيد موت وقيامة الالهة في الحضارات القديمة وهذا الشيء قدم فيه المؤرخ وعالم العهد الجديد N. T. Wright دراسة في كتابه (قيامة ابن الله)
فيقول:
كان الطريق إلى العالم السفلي يسير في اتجاه واحد فقط. في جميع أنحاء العالم القديم، بدءًا من “الكتاب المقدس” لهوميروس وأفلاطون [66]
ويقول أيضا:
كان الشعور بالموت بمثابة خسارة فادحة لكل من المحتضر والثكلى، وكان من النادر حقًا أن يتغلب هؤلاء (سقراط، وربما سينيكا) على مثل هذه المشاعر. ما هو الحل؟ إذا تم النظر إلى التجسيد أو إعادة التجسيد على أنه مشكلة، فإن الحل النهائي سيكون الهروب منها تمامًا. ولكن إذا كان الموت، أي انفصال الروح عن الجسد، هو المشكلة – كما كان الحال من قبل الغالبية العظمى من الناس، كما تشهد بذلك نقوش المقابر والطقوس الجنائزية في جميع أنحاء العالم القديم – فلا يوجد حل.
كان الموت قويا. لا يمكن للمرء الهروب منه في المقام الأول ولا كسر قوته بمجرد مجيئه. وهكذا انقسم العالم القديم إلى أولئك الذين قالوا إن القيامة لا يمكن أن تحدث، على الرغم من أنهم ربما أرادوا ذلك، وأولئك الذين قالوا إنهم لا يريدون أن يحدث ذلك، مع العلم أنه لا يمكن أن يحدث على أي حال [67]
ولكن نحن لدينا أقدم شهادة بعيداً عن كل هذه التناقضات في قصص موت الالهة وهي قصة ايزيس واوزوريس هي قصة قبل المسيحية بقرون عديدة وهي مذكورة في نصوص الأهرام هذه النقوش القديمة وثقت الحدث فلا داعي إذا للخلاف والجدال بشأن القصة يبدوا ان المسيحيين اقتبسوا قيامة المسيح منها! ولكن يا عزيزي القصة لا تتحدث ابدا عن اله مات وقام وهذا ما تذكره لنا الموسوعة البريطانية
منذ حوالي عام 2000 قبل الميلاد فصاعدًا، كان يُعتقد أن كل رجل، وليس فقط الملوك المتوفين، أصبح مرتبطًا بأوزوريس عند وفاته. ومع ذلك، فإن هذا التماهي مع أوزوريس لا يعني القيامة، فحتى أوزوريس لم يقم من بين الأموات [68]
على العموم نحن ليس لدينا دليل قاطع يؤكد حقيقة قيامة الالهة من الموت كما حدث في قصة يسوع حتى لو كان هناك قيل هنا وهناك فهذا ليس دليلاً قاطعاً على العكس من ذلك نجد ان الموت كان شراً والالهة لا تموت وحتى الحياة الأخرى كانت ليست حياة جسدية بل روحية لان المادة كانت تعد شراً وحتى ان قلنا بوجود هذه الأفكار هذا لا يعني بالضرورة انها سرقت لتوضع على يسوع فكما قلنا في الفصل السابق عن طبيعة الحياة الثقافة والاجتماعية التي عاش فيها تلاميذ يسوع هي بعيدة كل البعد عن اختلاق قصة موت وقيامة المسيا المنتظر وفي النهاية اريد ان اختم هذا الفصل بقول الفيلسوف الألماني فيورباخ:
وهكذا فقد أزالت المسيحية «الروحانية» الصبغة الروحية عما كان روحانياً بالنسبة للمسيحيين فإن خلود العقل، النفس، كان تجريدياً وسلبياً إلى درجة كبيرة؛ فلم يكن لهم في قلوبهم غير الخلود الشخصي، وهو بحد ذاته كان سيرضي مشاعرهم، وضمان هذا يكمن في قيامة جسدية فحسب. قيامة الجسد هي أكبر انتصار للمسيحية على روحانية وموضوعية القدامى الساميتين، لكنهما حتماً تجريديتان. لهذا السبب لم يكن ممكناً قط استيعاب فكرة القيامة من قبل العقل الوثني [69]
حقاً قد راه ولكنها كانت مجرد هلاوس وهذا له تفسير علمي وهي Grief hallucinations او هلاوس الحزن ويظن المصاب بها انه يرى الميت كانه مازال معه [70] فهي حدثت لاتباع يسوع وظنوا انه قام ولكن القيامة هنا ليست جسدية بل روحية لانهم تأثروا بمفهوم القيامة الروحية التي كانت عند الفريسيين والحضارات الأخرى وظنوا انه تمجد كاله في السماء (“لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” (في 2: 9) وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 8: 1) وبهذا لم يكذب تلاميذه ولم يختلقوا شيء بل ما حدث ان القصة تطورت فيما بعد كما حدث مع غيرها من القصص في العالم القديم بمعنى
يسوع صلب مات شاهد تلاميذه مجموعة من الهلاوس ظنوا انه قام بمفهوم القيامة الروحية بشروا به تطورت الفكرة إلى ان وصلت للقيامة الجسدية
وهكذا أصبح لدينا تفسير عقلاني عن الحدث وقريب من ثقافة التلاميذ ونستطيع ان نستدل عليه علمياُ ويفسر سبب ايمان التلاميذ الشديد والتضحية بأنفسهم من اجل يسوع ومن هنا نستطيع القول انتهت القصة، ولكن لا لم نقل انتهت القصة لأننا كما ذكرنا في الفصل الأول ان بولس ومرقس نقلوا ايمان التلاميذ وعائلته مباشرة منهم وفي هذه الكتابات لم تكن قيامة المسيح روحية ابدا
وهذه نقطة تاريخية وهي نقطة قبر المسيح الفارغ هل كان فعلاً قبر المسيح فارغاُ كما ذكر في انجيل مرقس ام لا؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا ان نطرح سؤال اخر وهو هل دفن المسيح أصلا؟
في البداية حسب نصوص الكتاب المقدس اليهودي (العهد القديم) انه يجب ان يتم دفن المتوفي
والنقطة الثانية يذكرها لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans الا وهي الدليل الاثري الذي يؤكد دفن المصلوب، فيقول:
يقدم الاكتشاف المهم في عام ١٩٦٨م لمعظمة (مَعظَمة رقم ٤ في مقبرة، Givat ha-Mivtar خاصة برجل يهودي يسمى ياهوحنان Yehohanan، والذي قد صُلب على الأغلب، دليلاً أثريا ورؤية للكيفية التي قد تم بها صلب يسوع. ترجع المعظمة ومحتوياتها إلى أواخر العشرينيات بعد الميلاد – أي خلال فترة حكم بيلاطس ذات الحاكم الروماني الذي حكم على يسوع بالموت صلبًا [71]
ان هذه القطعة هي جزء من جسد هذا الرجل الميت
ويذكر أيضا Craig A. Evans:
يمكن رؤية بقايا المسمار الحديد (طوله ١١،٥ سم) مغروسة في عظم الكعب الأيمن. يبدو أنَّ أولئك الذين أنزلوا ياهوحنان لم يقدروا على إزالة المسمار، مما أدى إلى أنَّ قطعة من الخشب (من شجرة زيتون) ظلت متصلة بالمسمار[72]
ويذكر أيضا الناقد ريموند بروان: من الممكن أن تكون بعض العوامل التاريخية قد أثرت على ذكرى المكان. أحد أقرباء يسوع، يعقوب “أخ الرب”. كان شخصية رئيسية في المجتمع المسيحي في القدس (غل 2: 9) بعد قيامة يسوع مباشرة (1 كور 15: 7: “ظهر ليعقوب”) حتى عام 62 م عندما تم إعدامه على يد رئيس الكهنة حنانوس الثاني. (Josephus، Ant. 20.9.1; 200) في تلك الفترة ربما كان لديه اهتمام عائلي بالقبر، وهو اهتمام يمكن أن يكون تقليدًا حيًا بين أقارب يسوع الذين من المفترض أنهم كانوا بارزين في فلسطين. المسيحية حتى القرن الثاني (Eusebius، EH 3.19-20) [73]
اذن نحن لدينا هنا ثلاث نقاط هامة (الدفن هو فرض على اليهودي، الاكتشافات الاثرية تؤيد حقيقة دفن المصلوبين وخاصة اليهود منهم، حقيقة اهتمام عائلة يسوع بقبره وكان تقليداً ليعقوب حتى سنة 62 م) فنستطيع ان نقول نعم يسوع دفن فلا يوجد دليل ينفي انه لم يدفن ولكن على العكس الأدلة تقف في صف الدفن اذن فلا يمكننا رفض عدم دفن يسوع ولكن نستطيع القول بحقيقة دفنه
والنقطة الثانية هي القول بحقيقة ان قبره كان فارغاً كما ذكر في (مر 16: 6) ماذا لدينا من معطيات نستطيع دراستها؟ يقدم لنا متى هذه المعطيات (فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً” (مت 28: 12) قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ.” (مت 28: 13) فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.” (مت 28: 15)
إذا كان هناك ادعاء واضح وصريح ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع ولكن أيضا الا يبدوا هذا الادعاء ينفي حقيقة قيامة المسيح من الأساس اعني لماذا لا نأخذ ادعاء اليهود على محمل الجد ونقول فعلاً ان تلاميذه سرقوا جسده؟
بكل بساطة يا عزيزي هذا الادعاء لا يصح بسبب عقوبة مذكورة في نقش الناصرة فيذكر لنا Joseph M. Holden وNorman Geisler: تم اكتشاف نقش في الناصرة عام 1878 يحظر سرقة المقابر، يعود تاريخه إلى زمن أغسطس قيصر وكلوديوس قيصر. وبما أن الناصرة كانت قرية صغيرة، فقد توقع العلماء أن المرسوم ربما صدر رداً على الشائعات التي نقلتها السلطات في إسرائيل بشأن سرقة قبر يسوع، ولكن ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح [74]
وماذا بعد؟ المرجع نفسه يقول (ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح) فلا يمكننا الاستدلال عليه أصلا من اجل اثبات حقيقة القيامة فيصبح النقش بلا فائدة والاستدلال به مجرد استخفاف بالعقول!!
ولكن من قال ان الاستشهاد بالنقش الهدف منه هو اثبات حقيقة القيامة؟ بالطبع من يستخدمه لأثبات حقيقة القيامة هو الذي يجعل مشاعره تقوده ولكن ليس الهدف منه هو التأكيد على القيامة ولكن التأكيد على الحكم المترتب على سرقة القبور وهذا أيضا ما وضحه الناقد ريموند بروان من فائدة هذا النقش فيقول:
لا يوجد دليل جدي على أن بيلاطس قدم أي تقرير من هذا القبيل، أو أن روما كانت مهتمة بالمشكلة، أو أن مثل هذا النقاش حدث مباشرة بعد قيامة يسوع. ومع ذلك، فإن النقش يملأ خلفية قصة حارس القبر. فمن ناحية، يُظهر أن انتهاك القبر كان خطيرًا للغاية وربما ارتكاب الجنود الرومانيين للانتهاكات عندما كان هناك سبب لتوقع سرقة جثة شخص كانت وفاته ذات سمعة سيئة. ومن ناحية أخرى، فإن المعرفة العامة بأن أولئك الذين يسرقون جسداً سوف يعاقبون بشدة من قبل الرومان قد تجعل القراء يدركون سخافة الادعاء اليهودي بأن التلاميذ الذين فروا عندما تم القبض على يسوع قد اكتسبوا الآن الشجاعة لسرقة جسد يسوع [75]
فإذا هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد وهذا يدل على ان قبر يسوع كان فارغاً وهناك على الجانب الاخر تأكيد على انه من المستحيل ان يسرق تلاميذ يسوع جسده خوفاً من الموت ولكن هل حقاً كان هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد؟ أي ما الدليل على ان موضوع القبر الفارغ كان مشهوراً في اليهودية بعد موت يسوع او على الأقل قبل كتابة متى لأنجليه؟
في مناظرة وليم لين كريج وعالم العهد الجديد الملحد ليدمان قام كريج بوضع سؤال واضح وهو لماذا لم يكشف اليهود لاتباع يسوع جسد يسوع؟
فيقول اللاهوتي Paul Copan واستاذ الفلسفة Ronald K.Tacelli الذين قاموا على جمع هذه المناظرة في كتاب:
هنا يبدو أن ليدمان قد ترك جناحه مكشوفًا عن غير قصد؛ لأنه إذا كان أعداء يسوع قد دفنوه فلا بد أنهم عرفوا مكان قبره. فقط لو كان تلاميذه قد دفنوه وأبقوا الموقع سرا عن أعدائه، لكان من الممكن أن لا يتمكن الأخير من الإشارة إلى قبر يحتوي على جثة يسوع. حسنا، ليس تماما “فقط”. مثل أعداء يسوع، يمكن لليندمان أن يقترح السرقة من قبل تلاميذ يسوع. ما يفعله ليندمان بدلاً من ذلك هو الإشارة إلى أن التلاميذ لم يبدأوا بالتبشير بقيامة يسوع إلا بعد وقت طويل من موته (بعد خمسين يومًا وفقًا لأعمال الرسل 1: 3 مع 2: 1، 24-28) بحيث “لن ترى” بقي الكثير [من الجسم).” لكنك سترى شيئًا ما، على الأقل الهيكل العظمي؛ وسترون أن القبر كان مشغولا، وليس فارغا. لذا فإن سؤال كريج يحتفظ بقوته: لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟ [76]
ولكن هذا الاقتباس الاعزال لا يثبت قول اليهود بسرقة الجسد بأي شكل من الاشكال فهو اقتباس تم القول به على اثبات انه بالفعل اليهود قالوا ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع فبدون التأكيد على هذا الحدث يصبح هذا الاقتباس بلا فائدة
ولكن الدليل واضح امامنا هو ما قدمه الانجيل نفسه فيذكر عالم اللاهوت الأمريكي Hagner، D. A:
كتب الإنجيلي (μέχρι τῆς σήμερον [ἡμέρας]، “إلى الحاضر [اليوم]”)، قصة أن تلاميذ يسوع سرقوا الجسد استمرت في انتشار على نطاق واسع بين الشعب اليهودي (بعد عدة عقود انعكس هذا في حوار يوستينوس (، Dial. 108.2). لا تشير هذه العبارة إلى تاريخ الإنجيل ولكنها متوافقة تمامًا مع تاريخ ما قبل سنة سبعين [77]
إذا كانت هذه القصة منشرة قبل سنة 70 ميلادياً وقد اثرت هذه القصة في اليهود حتى بعدها بقرن وقال بها أيضا تريفون في حواره مع يوستينوس في القرن الثاني:
وبالرغم من أن السيد المسيح أعلن لكم أنه سيعطيكم آية يونان طالبًا منكم أن تتوبوا عن خطاياكم على الأقل بعد قيامته من الأموات وأن تنوحوا أمام الله كما فعل أهل نينوى حتى لا تهلك أُمتكم ومدينتكم كما حدث ولكنكم لم ترفضوا التوبة بعد علمكم بقيامته من الأموات فحسب، بل أيضًا. كما قلتُ من قبل. اخترتم بعض الرجال وكلفتموهم ليطوفوا المسكونة جمعاء ويقولوا: “إن هرطقة كافرة ومخالفة للناموس أسسها رجل جليلي مُضِل يُدعى. يسوع وقد صلبناه ولكن سرق تلاميذه الجسد من القبر ليلا [78]
ونطرح أيضا السؤال الاتي ما الذي يجعل الإنجيلي يخترع هذه القصة أصلا؟ فموضوع اختراع هذه القصة ليس له أي أهمية بالعكس كان يستطيع ان يخترع شيء اخر أكثر اقناعاً بحقيقة القيامة كمثال ان رئيس الكهنة رأى القيامة وقتله او مثلا ان أحد مجمع السنهدرين رأى القيامة هناك الكثير من القصص التي نستطيع ان نضعها في هذا المكان لذلك نجد عالم العهد الجديد Robert Stein يقول:
“[حتى] لو أنها نشأت في وقت متأخر، لما كانت هناك حاجة لخلق مثل هذا الجدل. في مثل هذا التاريخ كان من الممكن أن يثير المرء أسئلة مثل “أي قبر فارغ؟ ومن أين يأتي هذا الادعاء الجديد بأن القبر الفارغ كان خاليا؟ لم نسمع قط أي شيء عن قبر فارغ». إن حقيقة أن الجدل اليهودي لم يعترض أبدًا على وجود القبر الفارغ يشير إلى أن هذا التقليد قديم جدًا. يفترض مثل هذا التنازل أن المسيحيين منذ البداية أعلنوا أن قبر يسوع كان فارغاً. وربما يشير أيضًا إلى أن زعماء اليهود وجدوه فارغًا [79]
ويضع ريموند براون هذه الجزئية الخطيرة فيقول لقد دفن يسوع في مكان معين. ولو كان هذا المكان معروفا، لكان من الممكن زيارته في وقت معين. إذا تمت زيارة القبر وكان يحتوي على جثة أو هيكل عظمي ليسوع، فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نفهم كيف كان يمكن للتلاميذ أن يكرزوا بأن الله أقام يسوع من بين الأموات، لأنه سيكون هناك دليل دامغ على أنه لم يقم. ومن المؤكد بشكل معقول أن القبر لم يكن معروفًا، أو أنه كان فارغًا إذا كان معروفًا [80]
إذا اما قبر يسوع لم يكن معروفاً او كان معروفاً وفارغاً ولكن ما الاصح بينهم؟
يكمل بروان ويقول:
إن التقليد القائل بأن القبر كان معروفًا وكان فارغًا هو أقدم بكثير من روايات الإنجيل التي تم بناؤها حول اكتشاف القبر الفارغ. وهي تستحق الأفضلية على الفرضية غير المدعومة بشكل جيد بأن مكان دفن يسوع كان غير معروف [81]
وكما قلنا مسبقاً ان قبر يسوع كان معروفاً لدى اتباعه اقتباس عن ريموند بروان وبتالي سيكون معروفاً أيضا لأعداءه وهنا تظهر حجة وليم لين كريج مجدداً (لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟) وموضوع سرقة جسد يسوع ليس له فائدة كما واضحنا مسبقاً ويقدم أيضا كريج شيء مهم في كلامه وهو الاجماع العلمي فيقول:
وجد غاري ها بيرماس (Gar Habermas) في، مسح لأكثر من ۲۲۰۰ منشورًا عن القيامة بالإنكليزية والفرنسية والألمانية منذ ١٩٧٥ أنَّ ٧٥٪ من العلماء يقبلون تاريخية اكتشاف قبر يسوع الفارغ. ” ويُعد الدليل قاطعًا حتى إن عددًا من العلماء اليهود، مثل فينحاس لا پيد وجيزا فيرمس (Geza Vermes)، صرَّحوا أنهم مقتنعون على أساس البرهان أن قبر يسوع وجد فارغا [82]
إذا يمكننا إعادة رسم المخطط على النحو التالي:
مات يسوع – دفن يسوع – قبره كان فارغاً – ظهر لتلاميذه – بشر تلاميذه بقيامته
[6] النقد التاريخي لـ أنجلو اوسينوبوس وبول ماس وامانويل كنت، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص 45
[7] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings، 5th ed. (New York: Oxford University Press، 2012)، 72–74
[8] Coan، J.A. (1997). Lost in a Shopping Mall: An Experience with Controversial Research. Ethics & Behavior
[23] تاريخ الكنيسة المفصل – المجلد الأول – ترجمة صبحي حموي اليسوعي – ص 34
[24] كان مرقس ترجمان بطرس فكتب بدقة، لا بترتيب، كل ما تذكّره من أقوال الرب وأعماله. فهو لم يسمع الرب ولم يتبعه، بل كما قلت، تبع بطرس فيما بعد. قدَّم بطرس تعليماً حسب الحاجة ولم يؤلف أقوال الرب تأليفاً مرتباً. وهكذا لم يخطئ مرقس حين دوّن بعض هذا التعليم كما تذكَّره. لم يكن لديه إلا هَمّ واحد؛ أن لا يهمل شيئاً مما سمعه، أن لا يقول شيئاً كاذباً (بولس الفغالي – الأناجيل الإزائية، متى – مرقس – لوقا (1994) الفصل العاشر: مدخل إلى إنجيل مرقس)
[25] An Introduction to the New Testament: The Abridged Edition by Raymond E. Brown، P. 158
[28] مقدمة للعهد الجديد ج1 – – ديفيد أ ده سيلفا – ص 265
[29] An Introduction to the New Testament by D. A. Carson and Douglas J. Moo) P، 175
[30] Bart D. Ehrman، Did Jesus Exist?: The Historical Argument for Jesus of Nazareth، (New York: HarperOne، 2012) 172، Kindle edition، ch. 4–5، “Evidence for Jesus Outside the Gospels” and “Two Key Data for the Historicity of Jesus
[49] اللفياثان – توماس هوبز – ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب – ص 127
[50] يسوع قبل المسيحية – البرت نولان الدومينيكاني – ص 47، 48
[51] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings. Third Edition (New York، Oxford: Oxford University Press، 2004)، 276
[56] يذكر لنا سليمان البستاني مترجم الالياذة عن الزمن الذي عاش فيه مؤلفها فيقول: أن مؤرخي الرومان مجمعون على أن هوميروس نبغ قبل بناء رومية بقرن ونصف، فإذا أضفنا ذلك إلى ٧٥٣ وهي السنة التي بنيت فيها رومية كان نبوغ هوميروس نحو سنة 903ق.م (الالياذة – سليمان البستاني – ص 20) وهذا يدل على ان عمر تأليف هذه الملحمة كانت قبل المسيح ب 9 قرون تقريباً
[61] الاصحاح الثاني من الرسالة إلى فيلبي وبالتحديد هذا المقطع: +[2:6 الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله 2:7 لكنه اخلى نفسه اخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس 2:8 واذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب 2:9 لذلك رفعه الله ايضا واعطاه اسما فوق كل اسم 2:10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض 2:11 ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب]
[62] Müller، G.G.W. 1994. “Akkadische Unterweltsmythen.” TVAT 3: fascicle 4 ([S]o etwas wie ein Osterfest hat die ausserchristliche Antike offenbar nicht gekannt)
[63] The Riddle of Resurrection “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East by Tryggve N.D. Mettinger، P. 17
[70] Baethge، Chr.2002). Grief hallucinations: True or pseudo? Serious or not? An inquiry into psychopathological and clinical features of a common phenomenon. Psychopathology، 35، 296-302.
[71] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ – ص 87، 88
[73] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1281
[74] The Popular Handbook of Archaeology and the Bible: Discoveries That Confirm the Reliability of Scripture by Joseph M. Holden and Norman Geisler، P. 363
[75] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1294
[76] Jesus’ Resurrection: Fact or Figment?: A Debate Between William Lane Craig Gerd Ludemann by Paul Copan (Editor)، Ronald K. Tacelli، P. 88
[77] Hagner، D. A. (2002). Vol. 33B: Word Biblical Commentary: Matthew 14-28. Word Biblical Commentary (877). Dallas: Word، Incorporated.
كتب هذا الكتاب كـ إستجابة للعديد من الشباب والبالغين الذين طلبوا مقدمة عن “الجدل حول العلم والله” يمكن الوصول إليها بسهولة أكبر في كتابي العلمووجود الله God’s Undertaker: Has Science Buried God? بالإضافة إلى ذلك، طلب مني الكثير منهم أن أتعامل بشكل أكثر تحديدًا مع العلاقة بين المسيحية والعلم على أنها تختلف عن حصر نفسي في الأدلة على وجود الله فقط. آمل أن يجدوا أن هذا الكتاب الصغير يفي بطلباتهم إلى حد ما.
مقدمة: الكيمياءالكونية
قم بعمل بحث عن موضوع العلم والدين، وسوف يستغرق الأمر بضع نقرات فقط لإقناعك بأنك دخلت منطقة حرب.
في التعليقات حول كل موضوع يمكن تصوره تقريبًا في العلوم -من أخلاقيات البيولوجيا وعلم النفس إلى الجيولوجيا وعلم الكونيات -ستجد تبادلات عدائية وتسميات من جانبين أنت مقتنع بأنهما لن يلتقيا أبدًا عبر طاولة المفاوضات -حتى لو دعت الأمم المتحدة إلى وقف إطلاق النار.
هناك ما يمكن أن نطلق عليه، للتسهيل، “الجانب العلمي”. إنهم يعتبرون أنفسهم صوت العقل. إنهم يعتقدون أنهم يعملون على دحر موجة الجهل والخرافات التي استعبدت البشرية منذ أن زحفنا خارج الوحل البدائي. إذا كان بإمكاني تلخيص موقفهم، فهو كالتالي:
العلم قوة لا يمكن وقفها من أجل التنمية البشرية والتي ستقدم إجابات لأسئلتنا العديدة حول الكون، وستحل العديد، إن لم يكن كل، مشاكلنا البشرية: المرض، الطاقة، التلوث، الفقر. في مرحلة ما في المستقبل، سيتمكن العلم من شرح كل شيء والاستجابة لجميع احتياجاتنا.
قد يفترضون أيضًا أنه في مرحلة ما في المستقبل، سيقدم العلم إجابات على الأقل لبعض أسئلتنا الكبيرة في الحياة: من أين أتينا؟ لماذا نحن هنا؟ ما معنى وجودنا؟
في الطرف الآخر، هناك ما يمكن أن نسميه “جانب الله”. إنهم يعتقدون أن الذكاء الإلهي هو وراء كل ما هو موجود وكل ما نحن عليه. إنهم يبحثون بل ويزعمون أنهم عثروا على إجابات لنفس الأسئلة الكبيرة التي يطرحها العلماء، ولكن في مكان مختلف تمامًا. إنهم ينظرون إلى تعقيد الكون وعجائبه وكوكبنا الأزرق الغني والمتنوع بشكل مذهل، ويجدون أنه من البديهي أن هناك عقلًا رائعًا وراء عالمنا الجميل والمدهش. يبدو أنهم مندهشون من احتمالية وجود أشخاص لا يرون الأشياء بهذه الطريقة.
في بعض الأحيان تكون النتيجة قتالًا وتراشقاً بالألفاظ في المواجهات الشديدة التي تولد حرارة أكثر من الضوء (تصنع خلاف أكثر مما تنير الطريق المشترك أمامنا).
لذلك ليس من المستغرب أن يستنتج الكثير من الناس أن الله والعلم لا يختلطان؛ كما هو الحال عندما تضع الصوديوم أو البوتاسيوم المعدني على الماء، سيكون هناك الكثير من الأزيز والنار والحرارة التي تنتهي بضجة عالية.
ولكن ماذا لو كانت هناك طريقة أخرى للنظر في هذا العمل برمته؟ ماذا لو تم خداعنا في حرب لا طائل من ورائها على أساس المعلومات المضللة والتفكير الخاطئ؟ فإنه لن تكون المرة الأولى. ماذا لو كان هناك نوع مختلف من الكيمياء الكونية عن تلك التي تنتهي بانفجار؟
منأينأتيت
جغرافيًا، أتيت من أيرلندا الشمالية، وهي مكان للأسف يتمتع بسمعة مشكوك فيها عندما يتعلق الأمر بـ “مسألة الله”. لقد نشأت في بلد يمزقه انقسام طائفي وثقافي عميق، وتم تمثيله شعبياً على أنه معركة بين “البروتستانت” و “الكاثوليك” (على الرغم من أن الأمر كان أكثر تعقيدًا من ذلك بالطبع). لقد أدى إلى ثلاثة عقود من القتل الوحشي والتفجيرات والإرهاب المعروفين مجتمعين باسم “الاضطرابات”.
في خضم كل هذا كان والدايّ شخصين مميزين. لقد كانا مسيحيين، نعم، لكنهما لم يكونا طائفيين -وهو موقف صعب لأي شخص في تلك الأيام. أظهر والدي عدم وجود الطائفية من خلال توظيف أشخاص في متجره من مختلف الانقسامات الدينية. تم قصف متجره نتيجة لذلك، وأصيب أخي بجروح خطيرة في الانفجار. لقد أصاب الإرهاب بيتنا بطريقة حقيقية للغاية.
أنا مدين لوالدايّ بالكثير، ولكن ربما كان الشيء الأكبر هو أنهما أحباني بدرجة كافية لمنحي مساحة للتفكير بنفسي؛ وهذا ليس شيئًا شائعًا في بلدي، يؤسفني الاعتراف بهذا، حيث كان هناك الكثير من التعصب والرأي الراسخ. كنت ممتنًا أيضًا لأنني عندما وصلت إلى جامعة كامبريدج في خريف عام 1962، شجعني والدي بالفعل على القراءة على نطاق واسع والتفكير بعمق في وجهات النظر العالمية بخلاف المسيحية.
بعد ذلك، تشرفت بالتحدث عن هذه القضايا ومناقشة الحجج ذات الصلة علنًا على مدار العشرين عامًا الماضية مع الملحدين الرائدين، الذين ربما لا يزال زعيم العالم ريتشارد دوكينز، مثلي، أستاذ في جامعة أكسفورد. لقد حاولت دائمًا أن أعامل الأشخاص الذين لديهم وجهات نظر مختلفة عن العالم باحترام، وأن أكتشف كيف وصلوا إلى موقفهم، ولماذا يشعرون بشغف شديد حيال ذلك.
ربما كنت تقرأ هذا، وتشعر بقوة أن العلم كافٍ لشرح كل شيء، وأنه لم يعد هناك مكان لله في العالم بعد الآن. أو قد تكون مجرد فضولي وتريد الحصول على منظور حول هذا السؤال. أيا كنت، أتمنى أن تستمتع بقراءة هذه المقدمة للسؤال، وأن تحفزك على تناول هذا السؤال بطريقة علمية: أي الانفتاح على النتيجة، والاستعداد لمتابعة الأدلة حيث تقود، حتى لو كان ذلك غير مريح لك بطريقة ما.
أريد أن أقترح أن الفكرة الشائعة بأن العلم والله لا يختلطان هي ببساطة فكرة غير صحيحة، وأنه من السهل نسبيًا إثبات ذلك. في هذا الكتاب القصير، أريد أن أفحص العديد من المفاهيم الخاطئة لدى الناس، ليس فقط عن الإيمان بالله ومفهوم الإيمان نفسه ولكن عن العلم نفسه. من خلال القيام بذلك، أريد أن أوضح أن هناك طريقة مختلفة للنظر إلى الأشياء التي هي أكثر عقلانية، وأكثر منطقية، وأكثر إفادة من الصراع المزعوم المألوف بين العلم والدين.
أريد أن أقترح أن نوعًا مختلفًا من الكيمياء الكونية ممكن: أن هناك نوعًا مختلفًا من التفاعل بين العلم والدين يكون أكثر صدقًا لروح وجوهر كليهما، وأكثر إثمارًا من الجدل المرهق والمتجذر الذي نراه يلعب في كل مكان حولنا.
الهيدروجين والأكسجين، مثل البوتاسيوم والماء، يشكلان أيضًا خليطًا قابلاً للانفجار، لكن النتيجة النهائية لا يمكن أن تكون أكثر اختلافًا -مياه منعشة تنبض بالحياة.
أولاً. هل يمكنك أن تكون عالماً وتؤمن بالله؟
“بالتأكيد لا يمكنك أن تكون عالماً وتؤمن بالله في هذه الأيام؟”
إنها وجهة نظر سمعتها عبر عنها الكثير من الناس على مر السنين. لكني أظن أنه غالبًا ما يكون الشك غير المعلن هو الذي يمنع الكثيرين من الانخراط بجدية مع المفكرين الجادين حول كل من العلم والله.
ردا على ذلك، أحب أن أطرح سؤالا علميا جداً: “لما لا؟”
“حسنًا،” تأتي الإجابة، “لقد أعطانا العلم مثل هذه التفسيرات الرائعة للكون ويوضح أن الله ليس ضروريًا. الإيمان بالله شيء قديم الطراز. إنه ينتمي إلى الأيام التي لم يفهم فيها الناس الكون حقًا، وأخذوا الطريق البطيء للخروج وقالوا إن “الله فعل ذلك”. هذا النوع من “تفكير إله الفجوات” ببساطة لن يفعل أكثر من ذلك. في الواقع، كلما أسرعنا في التخلص من الله والدين، كان ذلك أفضل”.
إنني أتنهد من الداخل، وأجهز نفسي لمحادثة طويلة أحاول فيها حل العديد من الافتراضات وسوء الفهم وأنصاف الحقائق التي تم استيعابها دون تمحيص من الحساء الثقافي الذي نسبح فيه.
وجهةنظرشائعة
ليس من المستغرب أن تكون وجهة النظر هذه شائعة جدًا لدرجة أنها أصبحت الوضع الافتراضي للكثيرين، إن لم يكن المُعظم؛ إنها وجهة نظر تدعمها بعض الأصوات القوية. على سبيل المثال، قال ستيفن واينبرغ Stephen Weinberg، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء،
على العالم أن يستيقظ من كابوس الدين الطويل. يجب علينا نحن العلماء القيام بأي شيء يمكننا فعله لإضعاف سيطرة الدين، وقد يكون هذ في الواقع أكبر مساهمة لنا في الحضارة.[3]
آمل ألا يفوتك العنصر الشمولي الذي يبدو شريرًا في هذا البيان: يجب علينا نحن العلماء القيام بأي شيء يمكننا فعله …“
هذا الموقف ليس جديدًا. تعرضت له لأول مرة منذ خمسين عامًا أثناء دراستي في جامعة كامبريدج. وجدت نفسي في مأدبة عشاء رسمية بالكلية جالساً بجانب فائز آخر بجائزة نوبل. لم يسبق لي أن قابلت عالمًا بهذا التميّز من قبل، ومن أجل الاستفادة القصوى من المحادثة، حاولت أن أطرح عليه بعض الأسئلة. على سبيل المثال، كيف شكّل علمه نظرته للعالم -صورته الكبيرة عن مكانة الكون ومعناه؟ على وجه الخصوص، كنت مهتمًا بما إذا كانت دراساته الواسعة قد دفعته إلى التفكير في وجود الله.
كان من الواضح أنه غير مرتاح لهذا السؤال، وتراجعت على الفور. ومع ذلك، في نهاية الوجبة، دعاني للحضور إلى مكتبه. كما قام بدعوة اثنين أو ثلاثة من كبار الأكاديميين ولكن لم يقم بدعوة طلاب آخرين. دعاني للجلوس، وعلى ما أذكر، ظلوا واقفين.
قال: “إذن، أمام الشهود، الليلة، يجب أن تتخلى عن هذا الإيمان الطفولي بالله. إذا لم تقم بذلك، فسوف يشلك عقليًا وستعاني بالمقارنة مع أقرانك. أنت ببساطة لن تنجح”.
تحدث عن الضغط! لم أختبر شيئًا كهذا من قبل.
جلست على الكرسي مشلولاً ومصدوماً من الوقاحة وعدم توقع الهجوم. لم أكن أعرف حقًا ماذا أقول، لكنني تمكنت في النهاية من التفوه بالآتي، “سيدي، ما الذي لديك لتقدمه لي وهو أفضل مما لدي؟” رداً على ذلك، قدم لي مفهوم “التطور الإبداعي” الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون Henri Bergson عام 1907.
في الواقع، بفضل سي إس لويس C.S.Lewis، عرفت القليل عن بيرجسون وأجبت بأنني لا أستطيع أن أرى كيف كانت فلسفة بيرجسون كافية لتأسيس رؤية عالمية كاملة وتوفير أساس للمعنى والأخلاق والحياة. بصوت مرتعش، وبكل احترام قدر المستطاع، أخبرت المجموعة التي تقف حولي أنني وجدت النظرة الكتابيّة للعالم أكثر ثراءً إلى حد كبير والأدلة على حقيقتها مقنعة، وبالتالي، مع كل الاحترام الواجب، سأخاطر واستمر في ذلك.[4]
لقد كان وضعاً رائعاً. كان هنا عالم متميز يحاول أن يضايقني كي أتخلى عن المسيحية. لقد فكرت عدة مرات منذ ذلك الحين، إذا كان الأمر بالعكس، وكنت ملحدًا على كرسي محاطًاً بأكاديميين مسيحيين يضغطون عليّ للتخلي عن إلحادي، فقد كان سيتسبب ذلك في حدوث أصداء في جميع أنحاء الجامعة، ولربما انتهى هذا الحوار بإجراءات تأديبية ضد الأساتذة المعنيين.
لكن هذا الحادث المخيف إلى حد ما وضع الصلابة في قلبي وعقلي. لقد عقدت العزم على أن أبذل قصارى جهدي لأكون عالِمًا جيدًا بقدر ما أستطيع، وإذا أتيحت لي الفرصة أبدًا، لتشجيع الناس على التفكير في الأسئلة الكبيرة عن الله والعلم واتخاذ قراراتهم دون التعرض للتخويف أو الضغط. لقد كان امتيازًا لي في السنوات التي تلت الانخراط بعمق مع العديد من الأشخاص، صغارًا وكبارًا، بروح الصداقة والتساؤل المفتوح حول هذه الأسئلة. ما يلي في هذا الكتاب هو بعض الرؤى والأفكار التي وجدت أنها مفيدة للغاية لمشاركتها مع الناس، وبعض المحادثات الأكثر إثارة للاهتمام وغير العادية التي أجريتها.
الجانبالمُظلممنالأوساطالأكاديمية
لقد تعلمت درسًا قيمًا آخر في ذلك اليوم: عن وجود جانب مظلم للأوساط الأكاديمية. هناك بعض العلماء الذين انطلقوا بأفكار مُسبّقة، ولا يرغبون حقًا في مناقشة الأدلة، ويبدو أنهم يركزون ليس على السعي وراء الحقيقة ولكن على نشر المفاهيم القائلة بأن العلم والله لا يختلطان وأن أولئك الذين يؤمنون بالله هم ببساطة جهلة.
هذا ببساطة غير صحيح.
علاوة على ذلك، لا تحتاج إلى قدر كبير من البصيرة لترى أنه أمر خاطئ. فكر في جائزة نوبل في الفيزياء، على سبيل المثال. فاز بها في عام 2013 بيتر هيغز Peter Higgs، الإسكتلندي والملحد، لعمله الرائد على الجسيمات دون الذرية، وتنبؤاته، التي أثبتت لاحقًا، بوجود بوزون هيغز Higgs boson. قبل ذلك ببضع سنوات، فاز بها الأمريكي المسيحي ويليام فيليبس William Phillips.
إذا لم يختلط العلم والله، فلن يكون هناك فائزون مسيحيون بجائزة نوبل. في الواقع، بين عامي 1901 و2000 كان أكثر من 60٪ من الحائزين على جائزة نوبل مسيحيين.[5] أريد أن أقترح أن ما يفرق بين الأستاذين هيغز وفيليبس ليس فيزياءهما أو مكانتهما كعلماء -لقد فاز كلاهما بجائزة نوبل. ما يفرقهما هو نظرتهما للعالم. هيغز ملحد وفيليبس مسيحي. ويترتب على ذلك أن ادعاء هؤلاء الأكاديميين الذين حاولوا تخويفي في كامبريدج منذ سنوات عديدة -أنه إذا كنت ترغب في أن تكون محترمًا علميًا عليك أن تكون ملحدًا -هو ادعاء خاطئ بشكل واضح. لا يمكن أن يكون هناك تعارض أساسي بين كونك عالمًا والإيمان بالله.
ومع ذلك، هناك صراع حقيقي بين النظرة إلى العالم التي يتبناها هذان الرجلان اللامعان: الإلحاد والإيمان بالله.
ماهوالإلحادبالضبط؟
بالمعنى الدقيق للكلمة، الإلحاد يعني ببساطة عدم الإيمان بالله. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الملحدين ليس لديهم رؤية للعالم. لا يمكنك إنكار وجود الله دون التأكيد على مجموعة كاملة من المعتقدات حول طبيعة العالم. هذا هو السبب في أن كتاب ريتشارد دوكينز “وهم الإله” ليس مجرد جزء من صفحة واحدة يذكر فيها أنه لا يؤمن بالله. إنه مجلد مطول مخصص لرؤيته الإلحادية للعالم، المذهب الطبيعي، الذي يرى أن هذا الكون/الأكوان هو كل ما هو موجود، وأن ما يسميه العلماء “طاقة الكتلة” هو المادة الأساسية للكون، وأنه لا يوجد شيء آخر.
يشرح الفيزيائي شون كارول، في كتابه الأكثر مبيعًا الصورة الكبيرة، كيف ينظر المذهب الطبيعي إلى البشر:
نحن البشر عبارة عن كتل من الطين المُنظّم، والتي من خلال الأعمال غير الشخصية لأنماط الطبيعة طورت القدرة على التفكير والاعتزاز والتعامل مع التعقيد المخيف في العالم من حولنا … المعنى الذي نجده في الحياة ليس متسامياً …[6]
هذه هي النظرة التي يؤمن بها كثير من الملحدين.
وجهة نظري للعالم هي الإيمان المسيحي. أعتقد أن هناك إلهًا ذكيًا خلق الكون ونظمه ودعمه. لقد خلق البشر على صورته، مما يعني أنهم مُنِحوا القدرة ليس فقط على فهم الكون من حولهم ولكن أيضًا للتعرف على الله نفسه والاستمتاع به. بالنسبة للمسيحيين، للحياة معنى فائق مجيد متسام. أود أن أوضح لكم أن العلم، بعيدًا عن تقويض وجهة النظر هذه، يدعم وجهة النظر المسيحية بقوة. ومع ذلك، سنرى لاحقًا أن الإلحاد هو الذي لا يقدم العلم دعمًا له كثيرًا. لكن قبل ذلك، أود أن أُعد الأرضية من خلال إعطاء بعض السياق التاريخي لكيفية وصولنا إلى هذا الموقف الغريب من التفكير بأن العلم والله لا يختلطان.
دروسمنالتاريخ
لطالما كانت لديّ براعة مع اللغات -غالبًا ما تتوافق الرياضيات واللغات معًا. في الواقع، عندما كنت أكاديميًا مبتدئًا فقيرًا ومكافحًا في كارديف، انتهزت الفرصة لكسب القليل من المال الإضافي لعائلتي المتنامية من خلال ترجمة الأوراق البحثية في الرياضيات من الروسية إلى الإنجليزية.
من خلال قطار (تسلسل) فضولي من الأحداث، وجدت نفسي بعد بضع سنوات على متن طائرة روسية متهالكة تهبط في مدينة نوفوسيبيرسك Novosibirsk في سيبيريا Siberia لأمضي شهرًا في إلقاء المحاضرات والبحث في الجامعة هناك.
على الرغم من أن البنية التحتية التكنولوجية كانت متخلفة في تلك الأيام من الحكم الشيوعي، كان بعض علماء الرياضيات الروس من قادة العالم، وكان من الشرف مقابلتهم وقضاء بعض الوقت مع أعضاء هيئة التدريس والطلاب. لكنهم كانوا في حيرة شديدة من أمر واحد: أنني آمنت بالله!
دُعيت في النهاية من قِبَل رئيس الجامعة لأشرح في محاضرة عن لماذا آمنت، كعالم رياضيات، بالله. على ما يبدو، كانت أول محاضرة حول هذا النوع من القضايا تُعقد هناك منذ 75 عامًا. كانت القاعة ممتلئة بالعديد من الأساتذة والطلاب. في عرضي التقديمي، من بين أشياء أخرى، تحدثت عن تاريخ العلم الحديث وربطت كيف كان رواده العظماء -جاليليو Galileo وكبلر Kepler وباسكال Pascal وبويل Boyle ونيوتن Newton وفارادي Faraday وكليرك ماكسويل Clerk Maxwell -جميعًا مؤمنين حازمين ومقتنعين بالله.
عندما قلت هذا، لاحظت غضبًا في الجمهور، ولم أرغب في غضب الناس في محاضراتي، توقفت مؤقتًا لسؤالهم عن سبب إنزعاجهم الشديد. قال أستاذ في الصف الأول: “نحن غاضبون لأن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها أن هؤلاء العلماء المشهورين الذين نقف على أكتافهم كانوا مؤمنين بالله. لماذا لم يتم إخبارنا بهذا؟ ” أجبته: “أليس من الواضح أن هذه الحقيقة التاريخية لا تتناسب مع” الإلحاد العلمي “الذي تعلمته؟”
وذهبت للإشارة إلى أن العلاقة بين النظرة الكتابية للعالم وظهور العلم الحديث كانت معروفة جيدًا. كتب المؤرخ الأسترالي البارز Edwin Judge إدوين جودج:
العالم الحديث هو نتاج ثورة في المنهج العلمي … تنبع كل من التجربة العلمية والاستشهاد بالمصادر كدليل في التاريخ من النظرة العالمية الخاصة بأورشليم، وليس أثينا، من اليهود والمسيحيين وليس اليونانيين.[7]
يلخص C. S. Lewis الأمر جيدًا عندما يقول،”أصبح الرجال علميين لأنهم توقعوا القانون في الطبيعة، وتوقعوا القانون في الطبيعة لأنهم آمنوا بالمشرع.”[8]
مؤرخو العلوم الحديثون، مثل بيتر هاريسون Peter Harrison، أكثر دقة في صياغتهم للطريقة التي أثر فيها الفكر المسيحي على المشهد الفكري الذي نشأ فيه العلم الحديث، لكنهم توصلوا إلى نفس الاستنتاج الأساسي: بعيدًا عن إعاقة صعود العلم الحديث، الإيمان بالله كان أحد المحركات التي دفعته للأمام. لذلك أعتبر أنه امتياز وشرف، وليس إحراجًا، أن أكون عالمًا ومسيحيًا في نفس الوقت.
فيما يلي بعض الأمثلة على قناعات كبار العلماء. كتب Johannes Kepler يوهانس كيبلر 1571 -1630، الذي اكتشف قوانين حركة الكواكب:
يجب أن يكون الهدف الرئيسي لجميع تحقيقات العالم الخارجي هو اكتشاف النظام العقلاني الذي فرضه عليه الله والذي كشفه لنا في لغة الرياضيات.
لم يكن هذا تعبيرًا عن الربوبية فقط لأن كيبلر كشف في مكان آخر عن عمق قناعاته المسيحية: ” أنا أؤمن فقط وبشكل متفرد في خدمة يسوع المسيح. فيه كل الملاذ والعزاء “.
مايكل فاراداي 1867-1791 Michael Faraday، الذي يُمكن القول أنه أعظم عالم تجريبي على الإطلاق، كان رجلاً لديه قناعة مسيحية عميقة. بينما كان مستلقيًا على فراش الموت، سأله صديق زائر، “سيدي مايكل، ما هي التكهنات التي لديك الآن؟” بالنسبة لرجل قضى حياته في التفكير في مجموعة واسعة من الموضوعات العلمية، في تجاهل بعضها وتأسيس البعض الآخر، كانت إجابته قوية: “تكهنات، يا رجل، ليس لدي أي شيء من هذا! لدي يقين. أشكر الله أنني لا أريح رأسي المحتضر على التكهنات لأنني أعرف من كنت أؤمن به وأنا مقتنع بأنه قادر على الحفاظ على ما التزمت به تجاهه إستعداداً لذلك اليوم”.
عندما واجه الأبدية، كان لدى فاراداي اليقين الذي أيد الرسول بولس قبله بقرون.[9]
جاليليو
“لكن ألم تضطهد الكنيسة جاليليو؟” سألني هذا السؤال عضوًا آخر من جمهوري السيبيري. “بالتأكيد هذا يظهر أنه لا يوجد اتفاق بين العلم والإيمان بالله.”
في إجابتي، أشرت إلى أن جاليليو كان في الواقع من أشد المؤمنين بالله والكتاب المقدس وظل كذلك طوال حياته. قال ذات مرة إن “قوانين الطبيعة مكتوبة بواسطة يد الله بلغة الرياضيات” وأن “العقل البشري هو عمل الله وواحد من أفضلها”.
علاوة على ذلك، فإن النسخة الشعبية المبسطة من هذه القصة قد تم ترويجها لدعم وجهة نظر إلحادية للعالم. في الواقع، تمتع جاليليو في البداية بقدر كبير من الدعم من رجال الدين. دعم علماء الفلك في المؤسسة التعليمية اليسوعية القوية Collegio Romano، في البداية عمله الفلكي ومدحوه من أجله. ومع ذلك، فقد عارضه بشدة فلاسفة علمانيون غضبوا من انتقاده لأرسطو.
كان من المُحتّم أن يسبب هذا المتاعب. ومع ذلك، اسمحوا لي أن أؤكد، ليس في البداية مع الكنيسة. في رسالته الشهيرة “Letter to the Grand Duchess Christina رسالة إلى الدوقة العظيمة كريستينا” (1615)، زعم جاليليو أن الأساتذة الأكاديميين هم الذين عارضوه بشدة هم من حاولوا التأثير على سلطات الكنيسة للتحدث ضده. كانت القضية على المحك بالنسبة للأكاديميين واضحة: كانت حجج جاليليو العلمية تهدد الأرسطية المنتشرة في الأوساط الأكاديمية.[10]
في روح تطوير العلم الحديث، أراد جاليليو أن يقرر نظريات الكون على أساس الأدلة، وليس على أساس الحجج القائمة على مناشدة النظريات السائدة الحالية بشكل عام وسلطة أرسطو بشكل خاص.[11] نظر جاليليو إلى الكون من خلال تليسكوبه، وما رآه ترك بعض التكهنات الفلكية الرئيسية لأرسطو في حالة يرثى لها. لاحظ جاليليو البُقع الشمسية، التي شوهت وجه ما علّمه أرسطو بأنها “شمس مثالية”. في عام 1604، رأى جاليليو مستعرًا أعظم (إنفجار نجمي) supernova، مما أدى إلى التشكيك في وجهة نظر أرسطو بأن السماوات كانت غير قابلة للتغيير -“ثابتة”.
كانت الأرسطية هي النظرة السائدة للعالم في ذلك الوقت وشكلت النموذج الذي تم فيه العلم، لكنها كانت وجهة نظر بدأت تظهر فيها الشقوق بالفعل.[12] علاوة على ذلك، كان الإصلاح البروتستانتي يتحدى سلطة روما وبالتالي، من منظور روما، كان الأمن الديني تحت تهديد متزايد. شعرت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية المحاصرة، والتي كانت تشترك مع أي شخص آخر تقريبًا في ذلك الوقت، في وجهة نظر أرسطو عن العالم، بأنها غير قادرة على السماح بأي تحد خطير لأرسطو، على الرغم من وجود تذمر (خاصة بين اليسوعيين) بأن الكتاب المقدس نفسه لم يدعم دائمًا وجهة نظر أرسطو للأشياء.
لكن هذا التذمر لم يكن قوياً بما يكفي لمنع المعارضة القوية لجاليليو التي ستنشأ من الأوساط الأكاديمية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية. لكن، حتى ذلك الحين، لم تكن أسباب تلك المعارضة مجرد أسباب فكرية وسياسية. الغيرة، وأيضًا، يجب أن يقال، افتقار جاليليو للمهارة الدبلوماسية، كانا من العوامل المساهمة. على سبيل المثال، أثار غضب النخبة في عصره من خلال النشر باللغة الإيطالية وليس باللاتينية، من أجل إعطاء بعض التمكين الفكري للناس العاديين. لقد كان واعداً ويستحق الشكر بما يسمى الآن بالفهم العام/الشعبي للعلم.
طور جاليليو أيضًا عادة قصيرة النظر غير مفيدة في إدانة أولئك الذين يختلفون معه بعبارات لاذعة. كما أنه لم يروج لقضيته من خلال الطريقة التي تعامل بها مع توجيه رسمي لتضمين حجة صديقه ومؤيده السابق البابا أوربان الثامن -مافيو باربيريني في كتابه “Dialogue Concerning the Two Principal Systems of the World حوار بشأن النظامين الرئيسيين في العالم“. جادل البابا أنه بما أن الله كلي القدرة، يمكنه إنتاج أي ظاهرة طبيعية معينة بعدة طرق مختلفة، وبالتالي سيكون من الافتراض من جانب الفلاسفة الطبيعيين الادعاء بأنهم وجدوا الحل الفريد. أدرج جاليليو هذه الحجة في كتابه بإخلاص، لكنه فعل ذلك بوضعها في فم شخصية باهتة أطلق عليها اسم Simplicio (“المهرج”). قد نرى هذا على أنه حالة كلاسيكية من إطلاق النار على قدمه.
بالطبع، ليس هناك أي عُذر على الإطلاق لاستخدام الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لسلطة محاكم التفتيش لتكميم جاليليو، ولا لاستغراق عدة قرون لاحقًا لرد اعتباره. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن جاليليو لم يتعرض أبدًا للتعذيب، خلافًا للاعتقاد السائد؛ وقضى فترة إقامته الجبرية اللاحقة، في الغالب، مستمتعًا بضيافة مساكن خاصة فاخرة تابعة لأصدقائه.
تحديالنظرةالعالمية
الدرس الرئيسي الذي يجب استخلاصه هو أن جاليليو، المؤمن بالنظرة الكتابية للعالم، هو الذي كان يطور فهمًا علميًا أفضل للكون، ليس فقط، كما رأينا، في معارضة بعض رجال الكنيسة ولكن ضد مقاومة وظلامية الفلاسفة العلمانيين في عصره الذين كانوا، مثل رجال الكنيسة، من تلاميذ أرسطو أيضًا.[13]
يحتاج الفلاسفة والعلماء اليوم أيضًا إلى التواضع في ضوء الحقائق، حتى لو تم توضيح هذه الحقائق لهم من قِبل المؤمن بالله. لم يعد عدم الإيمان بالله ضمانًا للأرثوذكسية-الإستقامة-العلمية أكثر من الإيمان بالله. ما هو واضح، في كل من عصر جاليليو وعصرنا، هو أن نقد النموذج العلمي السائد محفوف بالمخاطر، بغض النظر عمن يشارك فيه -وهي نقطة لم أضيعها على جمهوري من الأكاديميين الروس الذين يعيشون في ظل نظام ديكتاتوري.
وتعليقًا على قضية جاليليو (وهذا الحدث الأيقوني الذي تم تحريفه كثيرًا، النقاش بين صموئيل ويلبرفورس Samuel Wilberforce وتي إتش هكسلي T. H. Huxley في أكسفورد عام 1860) ، استنتج مؤرخ العلوم كولين راسل:
الاعتقاد السائد بأن … العلاقات الفعلية بين الدين والعلم تميزت عبر القرون القليلة الماضية بالعداء العميق والدائم … ليس فقط غير دقيق تاريخيًا ولكنه في الواقع رسم كاريكاتوري بشع لدرجة أن ما يجب شرحه هو كيف يمكن أن يحقق هذا الرسم أي درجة من الاحترام.[14]
ثانياً. كيفوصلناإلىهنا: مننيوتنإلىهوكينج
ربما كان أكثر العلماء شهرة في العصر الحديث ستيفن هوكينج، الذي شغل كرسي لوكاسيان Lucasian للرياضيات في جامعة كامبريدج، وهو نفس الكرسي الذي شغله السير إسحاق نيوتن قبل 300 عام. كان نيوتن مؤمنًا راسخًا وعاطفيًا بالله ولم ير أي تعارض بين إيمانه والسعي وراء العلم؛ أعلن هوكينج نفسه ملحدًا وقال إن علينا الاختيار بين العلم والله.
كيف حدث هذا؟ كيف وصلنا من إيمان نيوتن بالله إلى عدم إيمان هوكينج؟ هل كان ذلك مجرد تقدم في العلم؟ أو أي شيء آخر؟
هناك شيئان يجب التفكير فيهما -كلاهما واضح ولكن غالبًا ما يتم تفويتهما.
البياناتالتيتُصاغبواسطةالعلماءوالبياناتالعلمية
في بداية مسلسله التلفزيوني الشهير كوزموس، قال عالم الفلك وعالم الكونيات الأمريكي كارل ساجان Carl Sagan، “الكون هو كل ما هو، أو ما كان، أو ما سيكون في أي وقت”. هذا ليس بيانًا علميًا، يجب وضعه في نفس التصنيف، على سبيل المثال، البيان العلمي بأن الجاذبية تخضع لقانون التربيع العكسي. بيان ساجان هو ببساطة تعبير عن إيمانه بالإلحاد. تكمن المشكلة في أن الكثير من الناس يعطون جميع تصريحات العلماء السلطة بحق بسبب العلم، لمجرد أن العلماء صرحوا بها.
هذا أمر محفوف بالمخاطر، لأن العلماء -حتى العلماء المتفوقين -يمكنهم فهم الأمور بشكل خاطئ. قال عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان Richard Feynman الحائز على جائزة نوبل أن العالم خارج مجاله يكون شخص عاديّ تمامًا مثل أي شخص أخر. مثال صارخ إلى حد ما على هذا الخطأ قدمه ستيفن هوكينج Stephen Hawking في كتابه، The Grand Design التصميم العظيم. هناك يقول إن “الفلسفة ماتت … أصبح العلماء حاملي شعلة الاكتشاف في سعينا وراء المعرفة”.[15] اعتقدت أنه ليس من الحكمة القول بأن الفلسفة ماتت في بداية كتاب موضوعه الرئيسي فلسفة العلم!
هلالعلمهوالسبيلالوحيدإلىالحقيقة؟
كما أنه من الخطأ الإيحاء بأن العلم هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة. هذه الفكرة، المنتشرة اليوم، هي اعتقاد يسمى “العلموية –scientism “.
فكر في الأمر: إذا كان العلم هو السبيل الوحيد إلى الحقيقة، فسيتعين عليك التخلص من نصف الكليات في أي مدرسة أو جامعة -التاريخ والأدب واللغات والفن والموسيقى، كبداية.[16]
قال أينشتاين ذات مرة إن العلماء يمكن أن يكونوا فلاسفة فقراء. يؤسفني أن أقول إن هوكينج، العالم اللامع رغم أنه كان كذلك، أظهر بالتأكيد هذا الضعف. سُئِلَ عالم الفلك البريطاني الملكي، البارون ريس من لودلو Martin John Rees، الذي كان صديقًا لستيفن هوكينج، من قِبَل صحيفة الجارديان Guardian عن رأيه في بيان هوكينج أن خلق الكون لا يتطلب وجود إله. أجاب ريس: “أعرف ستيفن هوكينج جيدًا بما يكفي لأعرف أنه قرأ القليل في الفلسفة وأقل من ذلك في علم اللاهوت، لذلك لا أعتقد أنه يجب أخذ آرائه بأي وزن خاص”.[17] لقد أوضح نفس النقطة في نعي هوكينج.
لسوء الحظ، غالبًا ما تدفع فكرة أن العلم هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة إلى الاعتقاد بأن كلمة “علمي” تعني نفس معنى “عقلاني”، أي بما يتفق مع العقل. هذا خطأ، ومن الواضح أنه كذلك، لأن جميع التخصصات المذكورة أعلاه -التاريخ والأدب وما إلى ذلك -تتطلب استخدام العقل، مثل معظم الأشياء في الحياة. العقل له نطاق أكبر بكثير من العلم.
سيعزز المثال التوضيحي التالي حدود العلم. تخيل أن عمتي ماتيلدا قد خبزت كعكة، وقدمناها إلى مجموعة من أفضل العلماء في العالم ليتم تحليلها. سيُطلعنا علماء الكيمياء الحيوية على بنية البروتينات والدهون وما إلى ذلك من مكوناتها؛ الكيميائيون، حول العناصر المعنية؛ سيتمكن الفيزيائيون من تحليل الكعكة من حيث الجسيمات الأساسية؛ وسيقدم لنا علماء الرياضيات بلا شك مجموعة من المعادلات الأنيقة لوصف سلوك تلك الجسيمات.
الآن نحن نعرف كيف تم صنع الكعكة ومما هي مصنوعة، لكن لنفترض أننا نسأل العلماء الآن لماذا تم صنع الكعكة؟ تظهر الابتسامة على وجه العمة ماتيلدا إنها تعرف الإجابة، لأنها صنعت الكعكة. لكن من البديهي بالتأكيد أن أفضل العلماء في العالم لن يكونوا قادرين على إخبارنا بواسطة تحقيقاتهم عن سبب قيامها بذلك. ما لم تكشف عن الإجابة، فلن يعرفوا أبدًا. يمكن أن تتعامل العلوم الطبيعية مع الأسئلة المتعلقة بطبيعة وهيكل الكعكة، لكنها لا تستطيع الإجابة على سؤال “لماذا” المتعلق بالهدف.[18] العلم له حدوده.
يشير السير بيتر Peter Medawar مدور الحائز على جائزة نوبل إلى أن وجود حد للعلم محتمل جدًا بسبب عدم قدرته على الإجابة على الأسئلة الأولية البدائية الطفولية:
أفكر في أسئلة مثل: “كيف بدأ كل شيء؟” “لماذا نحن جميعًا هنا؟” “ما هي الفائدة من العيش؟”[19]
هناك ثلاث حجج شائعة وذات صلة غالبًا ما يتم طرحها ضد الإيمان بالله والتي تبدو علمية وعقلانية ومنطقية ولكنها في الواقع ليست من هذا النوع.
الإيمانباللهوهم
هذه هي الحجة المطروحة في كتاب ريتشارد دوكينز “وهم الإله”. وأكثر من ذلك، يقول إنه وهم خطير وضار بحياة الناس.
“الوهم” مفهوم مأخوذ من الطب النفسي. إنه يعني استمرار الاعتقاد الخاطئ في مواجهة أدلة مُضادة قوية. أريد أن أدور حول هذا الادعاء وأقترح أن إلحاد دوكينز هو الذي يناسب هذا التعريف بشكل أفضل.
نظرًا لأن دوكينز ليس طبيبًا نفسيًا، فإن ادعائه بأن “الله وهم” هو خارج نطاق خبرته الأساسية. كعالم، كان من الأفضل له أن يفحص ما يقوله الخبراء في هذا المجال. بما أنني لست طبيباً نفسياً أيضًا، فقد أجريت بعض الأبحاث لمعرفة ما إذا كان الخبراء يدعمون ما زعمه دوكينز.
لقد وجدت أنهم لم يفعلوا ذلك.
كتب البروفيسور أندرو سيمز Andrew Sims، الرئيس السابق للجمعية الملكية للأطباء النفسيين، “إن التأثير المفيد للمعتقد الديني والروحانية هو أحد أفضل الأسرار المحفوظة في الطب النفسي والطب بشكل عام”.[20] إذا كانت نتائج الكم الهائل من الأبحاث حول هذا الموضوع قد سارت في الاتجاه المعاكس ووُجِدَ أن الدين يضر بصحتك العقلية، لكان ذلك على الصفحة الأولى لكل صحيفة في البلاد.
علاوة على ذلك، يخبرنا سيمز أن استطلاعًا رئيسيًا في المجلة الأمريكية للصحة العامة يشير إلى أنه في غالبية الدراسات في هذا المجال، ترتبط المشاركة الدينية ارتباطًا وثيقًا بالرفاهية والسعادة والرضا عن الحياة والأمل والتفاؤل والغرض والمعنى في الحياة، تقدير أعلى للذات، وتكيف أفضل مع الفقد/الحرمان، ودعم اجتماعي أكبر، ووحدة أقل، ومعدلات أقل من الاكتئاب، ومعدلات أسرع للتعافي من الاكتئاب، على سبيل المثال لا الحصر. لكننا نقرأ في كتاب دوكينز عبثًا لنجد أي وعي بهذا الحجم الضخم من الأبحاث.
يبدو أن دوكينز هو من يوهمنا. يدعي أنه يستخدم العلم لتوضيح وجهة نظره، لكن من الواضح أنه غير مدرك أن العلم لا يدعمه، لأنه لم يُعير اهتمامًا كافيًا لما يقوله. لقد فشل في القيام بالبحث.
الكثير من أجل “الضرر” الذي يسببه الإيمان بالله. سوف نأتي في فصول لاحقة إلى الدليل على حقيقة الله، حيث سأقترح أن الإلحاد هو الوهم، لأنه إيمان ثابت في مواجهة أدلة قوية مضادة.
اعتراضفرويد
قد تكون على دراية بأن الشخص الأكثر ارتباطًا بفكرة أن الله وهم هو Sigmund Freud سيغموند فرويد. في كتابه الأكثر مبيعًا، الله: تاريخ موجز للأعظم،[21] يشير الطبيب النفسي الألماني مانفريد لوتز Manfred Lütz إلى أن تفسير فرويد للإيمان بالله يعمل جيدًا بشرط أن يكون الله غير موجود. ومع ذلك، يتابع، على نفس المنوال، إذا كان الله موجودًا، فستُظهِر لك نفس الحجة الفرويدية بالضبط أن الإلحاد هو الوهم المريح، والهروب من مواجهة الواقع، وإسقاط الرغبة في عدم الاضطرار إلى أن تقابل الله في يوم من الأيام وتقدم حساباً عن حياتك.
تبنت الماركسية هذه النظرة الفرويدية بأن الدين هو أفيون الشعب. لكن أولئك الذين عانوا من قمع الحياة في ظل الدول الديكتاتورية الماركسية فهموا الجانب الآخر من الحجة. كتب الحائز على جائزة نوبل في الأدب البولندي Czesław Miłosz تشيسلاو ميتوش:
أفيون الشعب الحقيقي هو الإيمان بالعدم بعد الموت -العزاء الكبير للاعتقاد بأن خياناتنا وجشعنا وجبننا وجرائمنا لن يحكم عليها/لن نعطي حساباً عنها.[22]
إذا كان الله موجودًا، إذن، باتّباع فرويد، يمكن اعتبار الإلحاد آلية هروب نفسية نتجنب من خلالها تحمل المسؤولية الأخلاقية النهائية عن حياتنا. من الواضح أن ما يفشل فرويد في فعله هو الإجابة على سؤال ما إذا كان الله موجودًا أم لا.
اسمحوا لي أن أوضح كيف تقطع هذه الحجة طريقتين. في مقابلة مع صحيفة الجارديان، قال ستيفن هوكينج “لا جنة ولا حياة أخرى/بعد الموت … هذه قصة خرافية لأناس يخافون من الظلام،”[23] إجابة فرويدية نموذجية. لقد طُلِبَ مني الرد. كان إجابتي الفاترة (الفرويدية) ذات السطر الواحد، “الإلحاد قصة خيالية لأناس يخافون من الضوء”. لقد سررت لسماع نقل هذا التبادل على بي بي سي نيوز. ومع ذلك، لكي نكون مُنصِفين، يجب أن أشير إلى أنه لا تصريح هوكينج ولا بياني كان بيانًا علميًا. كانت تصريحات إيمانية. سواء كانت صحيحة أم لا، فهذه مسألة أخرى، وهي مسألة ليس لدى فرويد ما يقوله عنها، كما رأينا للتو.
جنيةالأسنان
المثال الأخير للطريقة التي يخطئ بها العلماء هو الإيحاء بأن الإيمان بالله يشبه الإيمان بسانتا كلوز/ بابا نويل أو وحش السباغيتي الطائر أو جنية الأسنان. لقد قابلت هذا الاتهام في عدة أماكن عامة. في إحدى المناسبات، في نقاش جامعي كبير، تحداني أحد العلماء بهذه الحجة. لتسوية المشكلة، طلبت من الجمهور أن يرفعوا أيديهم إذا كانوا قد آمنوا بسانتا كلوز وهم بالغين. لم يفعل أحد ذلك، لكن المئات رفعوا أيديهم عندما سألت عن أولئك الذين يؤمنون بالله وهم بالغين.
وضع الله في نفس فئة بابا نويل فقط لا معنى له. بعد كل شيء، عبر التاريخ، أعطت بعض أفضل العقول نفسها للتفكير في الله. لم يفعلوا ذلك مع سانتا كلوز. قد تحظى الحجة بالتصفيق أو الضحك من الجمهور المتعاطف، لكنها ببساطة ما يسميه الفلاسفة خطأ التصنيف.
لنعد الآن إلى سؤالنا حول نيوتن وهوكينج.
هلعليناالاختيار؟
لماذا اعتقد ستيفن هوكينج أن علينا الاختيار بين العلم والله بينما لم يكن السير إسحاق نيوتن كذلك؟
أعتقد أن هناك سببين رئيسيين: الارتباك حول طبيعة الله والارتباك حول طبيعة التفسير العلمي.
1. الارتباك حول طبيعة الله
كنت أفترض أنني عندما أتحدث عن الله، فسيعرف الناس أنني أعني إله الكتاب المقدس: الخالق الشخصي والذكي والقوي والداعم للكون. ومع ذلك، أجد الآن أن الكثير من الناس يعتقدون أنه بكلمة “الله”، أعني “إله الفجوات” -إله نبتكره لتفسير الفراغات في فهمنا: “لا أستطيع شرح ذلك؛ لذلك فعلها الله”. هذا هو نوع الإله الذي آمن به الإغريق القدماء. لم يفهم الإغريق البرق، لذلك اخترعوا إله البرق لشرح ذلك. ومع ذلك، فإن القليل من فيزياء الغلاف الجوي في أي جامعة حديثة يُظهر لك في الحال أن الإيمان بمثل هذا الإله غير ضروري. ولكن هناك فكرة منتشرة اليوم مفادها أن إله الكتاب المقدس هو مجرد إله فجوات -يختفي شيئًا فشيئًا مع تقدم العلم، مثل ابتسامة قطة شيشاير التي يُضرَب بها المثل.
الشيء المهم الذي يجب فهمه هنا هو هذا: إذا قمت بتعريف الله على أنه هو إله الفجوات -صاحب مكان، علامة “س” للوقوف مؤقتًا لشيء لم يشرحه العلم بعد -إذن بالطبع عليك الاختيار بين العلم والله، لأن هذه هي الطريقة التي حددت بها الله. لكنك إذن لا تفكر في إله الكتاب المقدس. إنه خطأ فادح آخر في التصنيف.
يشير فيرنر ييجر Werner Jaeger، الخبير العالمي في ديانات الشرق الأدنى القديمة، إلى أن آلهة العالم القديم كانت تشترك في هذا: أن أصولهم وُصِفت من حيث كونها “منحدرة من السماء والأرض”. لقد كانت نتاج الفوضى البدائية للكتلة والطاقة وكذلك كانت في الأساس آلهة مادية. على النقيض من ذلك، كتب ييجر، يوصف إله الكتاب المقدس، الإله العبري، بأنه خالق السماوات والأرض. لم يكن منحدر أي منهم (السماوات والارض). إن إله الكتاب المقدس ليس إله الفجوات. إنه إله العرض كله. إنه إله أجزاء الكون التي لا نفهمها والأجزاء التي نفهمها. قد نلاحظ فقط أن سفر التكوين لا يبدأ بالعبارة،” في البدء خلق الله أجزاء الكون التي لم نفهمها بعد!”
إنه لمن السطحي للغاية الاعتقاد بأن الفهم العلمي المتزايد يطرد الله. عندما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية الخاص به، لم يقل، “الآن لدينا قانون الجاذبية، لسنا بحاجة إلى الله”. ما فعله هو كتابة كتاب بعنوان Principia Mathematica، ربما يكون أشهر كتاب في تاريخ العلم. وأعرب فيه عن أمله في أن تقنع حساباته وملاحظاته الشخص المفكر للإيمان بوجود إله.[24]
كما ترى، مع معظم الأشخاص العاديين، من الصحيح أنه كلما زاد فهمهم لبعض الأشياء الجميلة أو المعقدة، زاد إعجابهم بعقل الشخص الذي صنعها. كلما فهموا أكثر عن الرسم، زاد إعجابهم بعبقرية رامبرانت، ولا يقل هذا الإعجاب. كلما فهموا أكثر عن الهندسة، زاد إعجابهم بعبقرية رولز أو رويس. وكلما فهم نيوتن الطريقة التي يعمل بها الكون، زاد إعجابه بعبقرية الله الذي جعله يعمل بهذه الطريقة.
النقطة الأساسية هنا هي أن العلم لا ينافس الله كتفسير. يعطي العلم نوعًا مختلفًا من التفسير. هذا يقودنا إلى التفكير في الخلل التالي في تفكير هوكينج.
2. الإرتباك حول طبيعة التفسير العلمي
يشترك نيوتن وهوكينج في إهتمام مشترك بـ “الجاذبية”. اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، وأجرى هوكينج بحثًا أساسيًا عن الجاذبية والثقوب السوداء. لكن هناك فرق صارخ بينهما. اعتبر نيوتن، كما رأينا، أن قانون الجاذبية هو أحد الأدلة على عبقرية الله في تصميم الكون، بينما قدم هوكينج الجاذبية كسبب رئيسي لإنكار وجود الله.
يفترض الكثير من الناس أن سبب هذا التحول في الموقف هو أن أكثر من 300 عام قد مرت منذ أن قام نيوتن باكتشافاته، وأن العلم في هذه الأثناء قد تقدم كثيرًا لدرجة أن الإيمان بالله أصبح أمرًا لا يصدق. لكني لا أعتقد أن هذا صحيح. إن رفض هوكينج لله بسبب الجاذبية، وبالفعل رفض دوكينز وآخرين لله، يستند بدلاً من ذلك إلى العديد من سوء الفهم الخطير لطبيعة التفسير.
ماذايُفسِّرالعلم؟
يوضح مثال “العمة ماتيلدا والكعكة” أن العلموية -الاعتقاد بأن العلم يمكن، على الأقل من حيث المبدأ، شرح كل شيء -خاطئ. دعونا الآن نطرح سؤالاً أكثر دقة: ما الذي يشرحه العلم بالضبط؟ على سبيل المثال، بما أننا كنا نفكر في الجاذبية، فلنسأل: ماذا يفسر قانون الجاذبية؟ أنت تقول بالتأكيد هذا واضح؛ يشرح قانون الجاذبية الجاذبية. قد تتفاجأ عندما تكتشف أنه ليس كذلك،
في الواقع! اعتدت أن أستمتع بتعليم الطلاب كيف يمنحنا قانون الجاذبية طريقة رياضية رائعة لحساب تأثير الجاذبية حتى نتمكن من حساب السرعة التي يحتاجها الصاروخ للهروب من مجال جاذبية الأرض، أو القيام بالحسابات اللازمة لإرسال مسبار إلى المريخ. لكن قانون الجاذبية لا يخبرنا ما هي الجاذبية في الواقع -فقط كيف تعمل. لقد فهم نيوتن هذا التمييز وقال ذلك.
أي أن قانون الجاذبية لا يقدم لنا شرحًا كاملاً للجاذبية. غالبًا ما يكون هذا هو الحال مع العلم -حتى في نطاقه الخاص، نادرًا ما يكون التفسير العلمي كاملاً. كان الفيلسوف Ludwig Wittgenstein لودفيج فيتجنشتاين يشير إلى هذا عندما كتب:
في أساس النظرة الحديثة للعالم كله يكمن الوهم بأن ما يسمى بقوانين الطبيعة هي تفسيرات الظواهر الطبيعية … النظام الحديث يجعل الأمر يبدو كما لو كان كل شيء تم شرحه.[25]
الحقيقة هي أن قوانين الطبيعة تصف الكون. لكنها في الواقع لا تشرح شيئًا. نتوقف لنعكس أنه، من منظور العلم، فإن وجود قوانين الطبيعة هو لغز في حد ذاته. كتب Richard Feynman ريتشارد فاينمان، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء:
… حقيقة وجود قواعد يجب التحقق منها على الإطلاق هي نوع من المعجزة. أنه من الممكن إيجاد قاعدة، مثل قانون التربيع العكسي للجاذبية، هو نوع من المعجزة. إنه غير مفهوم على الإطلاق، ولكنه يؤدي إلى إمكانية التنبؤ -وهذا يعني أنه يخبرك بما تتوقع حدوثه في تجربة لم تقم بها بعد.[26]
حقيقة أن هذه القوانين يمكن صياغتها رياضياً كانت بالنسبة لأينشتاين مصدرًا دائمًا للدهشة وأشار إلى ما وراء الكون المادي إلى روح ما “تفوق كثيرًا روح الإنسان”.[27]
تفسيرعقلاني
الشيء التالي الذي يجب أن ندركه هو أن التفسير العلمي لشيء ما ليس بالضرورة التفسير العقلاني الوحيد الممكن. يمكن أن يكون هناك تفسيرات متعددة صحيحة بنفس القدر في نفس الوقت.
افترض أنك تسأل: لماذا يغلي هذا الماء؟ قد أقول إن الطاقة الحرارية من لهب الغاز يتم توصيلها من خلال القاعدة النحاسية للغلاية وتهيج جزيئات الماء لدرجة أن الماء يغلي. أو قد أقول إن الماء يغلي لأنني أريد كوبًا من الشاي. نرى في الحال أن كلا التفسيرين عقلانيان بشكل متساوٍ -كل منهما له معنى كامل -لكنهما مختلفان تمامًا. الأول علمي والثاني شخصي، ويتضمن نواياي وإرادتي ورغبتي. ما هو واضح أيضًا هو أن التفسيرين لا يتعارضان أو حتى يتنافسان. يُكملان بعضهما البعض.
علاوة على ذلك، كلاهما ضروري لشرح كامل لما يجري. أيضًا، يمكن القول إن التفسير من حيث القدرة الشخصية هو الأهم -فقد استمتع الناس بشرب الشاي لآلاف السنين قبل أن يعرفوا أي شيء عن الديناميكا الحرارية! أشار أرسطو إلى كل هذا منذ قرون عندما ميز بين سبب مادي (الغلاية والماء والغاز وما إلى ذلك) والسبب الغائي (رغبتي في مشروب مُحفِّز).
وبالمثل، من أجل شرح محرك السيارة، قد نذكر فيزياء الإحتراق الداخلي، أو قد نتحدث عن Henry Ford هنري فورد. كلاهما تفسيران منطقيان. وكلاهما ضروري لتفسير شامل. بتوسيع هذا المثال التوضيحي إلى حجم الكون، قد نقول إن الله لم يعد ينافس العلم كتفسير للكون أكثر من تنافس هنري فورد مع العلم كتفسير للسيارة. الله هو الوكيل -الخالق لتفسير الكون. إنه ليس تفسيرا علمياً. لو كان أرسطو على قيد الحياة اليوم، سوف يتفاجأ بمعرفة عدد الأشخاص الذين يبدو أنهم غير قادرين على رؤية الفرق.
بعد كل شيء، لنذكر تشبيهًا مبهجًا استخدمته الروائية Dorothy Sayers دوروثي سايرز:
نفس عشرات النغمات كافية ماديًا لتفسير سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن والضوضاء التي تصدرها القطة عند المشي على المفاتيح. لكن أداء القطة لا يثبت ولا يدحض وجود بيتهوفن.[28]
ادعى ستيفن هوكينج أن الله ليس ضروريًا لشرح سبب وجود الكون في المقام الأول -لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء. كان يعتقد أن العلم يمكن أن يقدم الإجابة. لقد كتب:
نظرًا لوجود قانون مثل الجاذبية، يمكن للكون أن يخلق نفسه من العدم وسيظل يفعل هذا.[29]
يبدو هذا البيان علميًا، وقد كتبه بالتأكيد أحد العلماء. لكنه ليس فقط غير علمي؛ إنه ليس عقلانيًا أيضاً، كما سيُظهِر بعض المنطق البدائي.
العيب الأول: التناقض الذاتي
إن بيان هوكينج متناقض مع نفسه: “نظراً لوجود قانون مثل الجاذبية” -أي لأن هناك شيئًا ما -“الكون … سيخلق نفسه من” لا شيء””. يفترض هوكينج أن قانون الجاذبية موجود. هذا ليس” لا شيء”، لذا فهو مذنب بارتكاب تناقض صريح.
العيب الثاني: القوانين لا تخلق
لاحظ بعناية ما يقوله هوكينج: “نظرًا لوجود قانون مثل الجاذبية …” عندما قرأت هذا لأول مرة، فكرت، “بالتأكيد كان يقصد أن يقول،” لأن هناك جاذبية … “لأنه، ماذا سيعني قانون الجاذبية إذا لم تكن هناك جاذبية لوصفها؟ علاوة على ذلك، لم يقتصر الأمر على أن العلماء لم يضعوا الكون هناك؛ ولا العلم ولا قوانين الفيزياء الرياضية. ومع ذلك، يبدو أن هوكينج يعتقد أنه ربما يكون قد فعلوا ذلك بشكل جيد. في كتابه تاريخ موجز للزمن، اقترح أن النظرية قد تجلب الكون إلى حيز الوجود:
لا يمكن للنهج المعتاد للعلم في بناء نموذج رياضي أن يجيب على أسئلة لماذا يجب أن يكون هناك كون للنموذج ليصفه. لماذا يأتي الكون إلى كل عناء الوجود؟ هل النظرية الموحدة مقنعة لدرجة أنها تؤدي إلى وجوده؟ أم أنه بحاجة إلى خالق، وإذا كان الأمر كذلك، فهل له أي تأثير آخر على الكون؟[30]
قد تبدو فكرة وجود نظرية أو قوانين فيزيائية تجلب الكون إلى الوجود مثيرة للإعجاب ولكنها في الواقع لا معنى لها. رأينا أعلاه أن قانون نيوتن للجاذبية لا يفسر الجاذبية. علاوة على ذلك، فهو بالتأكيد لا يخلق الجاذبية. في الواقع، فإن قوانين الفيزياء ليست فقط عاجزة عن خلق أي شيء؛ لا يمكنها أيضاً إحداث أي شيء. قوانين الحركة المشهورة لنيوتن لم تتسبب قط في تحرك كرة سنوكر واحدة على الطاولة. يمكن أن يتم ذلك فقط بواسطة الأشخاص الذين يستخدمون عصا السنوكر. تمكننا القوانين من تحليل الحركة ورسم خريطة لمسار حركة الكرة في المستقبل (بشرط ألا يتدخل أي شيء خارجي)،[31] لكنها عاجزة عن تحريك الكرة، ناهيك عن إحضارها إلى حيز الوجود.
ومع ذلك، يبدو أن الفيزيائي المعروف بول ديفيز Paul Davies يتفق مع هوكينج:
ليست هناك حاجة لاستدعاء أي شيء خارق للطبيعة في أصول الكون أو الحياة. لم أحب أبدًا فكرة الترقيع الإلهي: بالنسبة لي، من الملهم أكثر بكثير أن أؤمن أن مجموعة من القوانين الرياضية يمكن أن تكون ذكية جدًا بحيث تحضر كل هذه الأشياء إلى حيز الوجود.[32]
لاحظ عند تمرير اللغة غير العلمية في هذا البيان: “لم أحب أبدًا … من الملهم أكثر بكثير أن أؤمن“. ومع ذلك، في العالم الحقيقي الذي نعيش فيه، فإن أبسط قانون حسابي – (1 + 1 = 2) – لم يجلب أي شيء إلى الوجود بمفرده. من المؤكد أنه لم يضع أي أموال في حساب مصرفي لأي شخص. إذا قمت أولاً بوضع 100 جنيه إسترليني في البنك ثم بعد ذلك 100 جنيه إسترليني أخرى، فإن قوانين الحساب سوف تشرح منطقيًا كيف أن لديك الآن 200 جنيه إسترليني في البنك. ولكن إذا لم تضع أي أموال في البنك مطلقًا وتركت الأمر لقوانين الحساب لتُكوّن لك المال، فستظل فقيرًا مُفلسًا. إن قوانين الحساب ليست “ذكية” بمعنى أنها يمكن أن تحضر شيئًا ما إلى حيز الوجود. لا يمكن تطبيقها إلا على الأشياء الموجودة بالفعل.
لقد رأى C. S. Lewis هذا منذ فترة طويلة. كتب عن قوانين الطبيعة:
إنها لا تنتج أي أحداث: إنها تحدد النمط الذي يجب أن يتوافق معه كل حدث … تمامًا كما تنص قواعد الحساب على النمط الذي يجب أن تتوافق معه جميع المعاملات مع المال -إذا كان بإمكانك فقط فسيمكنك الحصول على أي مال … لكل قانون، في الملاذ الأخير، يقول: “إذا كان لديك A، فستحصل على B”. لكن عليك أولاً أن تحصل على A: القوانين لن تفعل ذلك من أجلك.[33]
إن العالم الذي تجلب فيه القوانين الرياضية الذكية الكون والحياة إلى حيز الوجود هو خيال (علمي) خالص. النظريات والقوانين لا تجلب المادة أو الطاقة إلى الوجود أو أي شيء آخر. يبدو الرأي القائل بأن لديهم هذه القدرة بطريقة ما ملاذًاً يائسًا إلى حد ما (ومن الصعب أن نرى ما يمكن أن يكون غير ملجأ) من الاحتمال البديل الذي أثير في سؤال هوكينج المذكور أعلاه: “أم أنه بحاجة إلى خالق؟”
العيب الثالث: الخلق الذاتي متناقض
أخيرًا، تصريح هوكينج بأن “الكون يستطيع وسيخلق نفسه من لا شيء” لا معنى له. إذا قلت، “X يخلق Y”، فهذا يفترض مسبقًا وجود X في المقام الأول من أجل إحضار Y إلى الوجود. إذا قلت، “X يخلق X”، فأنا أفترض مسبقًا وجود X من أجل تفسير وجود X. والافتراض المسبق لوجود الكون لتفسير وجوده أمر متناقض منطقيًا.
ما يظهره هذا هو ببساطة أن البيان غير المنطقي يظل بيانًا غير منطقي حتى عندما يكتبه عالم مشهور عالميًا.
لقد فشل هوكينج بشكل قاطع في الإجابة على السؤال المركزي: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ يقول إن وجود الجاذبية يعني أن خلق الكون كان حتميًا. لكن كيف نشأت الجاذبية في المقام الأول؟ ما هي القوة الخلاقة وراء ولادتها؟ من الذي وضعها هناك بكل خصائصها وإمكانيات الوصف الرياضي لها؟ وبالمثل، عندما يجادل هوكينج، دعماً لنظريته في الخلق التلقائي، بأنه كان من الضروري فقط أن تضاء “ورقة اللمس الزرقاء (تعبير بمعنى إثارة شئ ما) ” “لتهيئة الكون”، فإنني أميل إلى التساؤل: من أين أتت هذه الورقة ذات اللمسة الزرقاء؟ من الواضح أنها ليست جزءًا من الكون إذا كانت قد أطلقت الكون للوجود؟ فمن أشعلها إن لم يكن الله من فعل ذلك؟
ألان سانديج Allan Sandage، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أب علم الفلك الحديث، الذي اكتشف (الكوازرات) أشبها النجوم وفاز بجائزة كرافورد، التي تعادل جائزة نوبل في علم الفلك، لا يساوره أدنى شك في إجابته:
أجد أنه من غير المحتمل تمامًا أن يكون هذا الترتيب قد خرج من الفوضى. يجب أن تكون هناك بعض المبادئ التنظيمية. الله بالنسبة لي هو لغز ولكنه تفسير معجزة الوجود -لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء.[34]
في محاولة لتجنب الدليل الواضح على وجود ذكاء إلهي وراء الطبيعة، يضطر العلماء الملحدين إلى إسناد قوى إبداعية إلى مرشحين أقل معقولية مثل الكتلة/الطاقة وقوانين الطبيعة. الإلحاد ببساطة لا يفي بالغرض.
منخلقالخالق
عادة ما يسأل شخص ما حول هذه النقطة من المناقشة: إذا كنت تؤمن أن الله قد خلق الكون، فمن المنطقي بالتأكيد أن تسأل، من الذي خلق الله؟ ألا يجعل هذا الإيمان بالله يبدو سخيفًا جدًا؟ يستخدم دوكينز هذه الحجة كأحد أسبابه الرئيسية لرفض الله في “وهم الإله”.[35]
ومع ذلك، فمن السهل أن نرى أن هذا -مهما بدا مثيرًا للإعجاب في البداية -ليس في الحقيقة حجة على الإطلاق. فقط فكر في الأمر: إذا طرحت السؤال عمن أو ما الذي خلق الله، فعليك أن تكون واضحًا بشأن ما تفترضه. أنت تفترض، أليس كذلك، أن الله قد تم خلقه؟ ولكن ماذا لو لم يكن كذلك؟ إذن سؤالك غير ذي صلة. وهذه مشكلة خطيرة لأن الكتاب المقدس يصف الله بأنه كائن أزلي وغير مخلوق في نفس الوقت. لذلك سؤالك لا ينطبق عليه حتى، ناهيك عن تهديد وجوده، أوتهديد إيمان من يؤمن به. أظن أنه لو كان كتاب ريتشارد دوكينز قد أطلق عليه اسم وهم الآلهة المخلوقة، لما اشتراه أحد. يمكن لأي شخص أن يرى أن الآلهة المخلوقة -ما نسميها عادة الأصنام -هي وهم. إنه شيء يتفق معه التقليد المسيحي بكامله بحماس.
تنطبق حجة دوكينز بالتأكيد على الأشياء المخلوقة، لكنها تقصر لأنها يمكن تطبيقها على رؤيته الخاصة للكون. إذا أصر على أن الله ليس تفسيرًا، لأنه عليك أن تسأل، “من خلق الله؟”، إذن، وبالمثل، فإن أي سبب يقدمه للكون ليس تفسيراً، إلا إذا كان يستطيع أن يقول ما الذي أتى بتفسيره هذا إلى حيز الوجود. لذلك سألته في نقاش عام هذا السؤال: أنت تعتقد أن الكون قد خلقك، فمن الذي خلق الكون الذي خلقك؟
لقد كنت أنتظر أكثر من عشر سنوات للحصول على إجابة على ذلك. لم يكن هناك شيء قادم.
ثالثاً. تدمير الخرافات الجزء الأول: الدين يعتمد على الإيمان ولكن العلم لايعتمد على الإيمان
كثيرًا ما يُقال لي أن المشكلة مع المؤمنين بالله هي فقط: أنهم مؤمنون. أي أنهم أهل الإيمان. العلم أسمى بكثير لأنه لا يتطلب الإيمان. يبدوا رائعاً. المشكلة هي أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر خطأ منه.
اسمحوا لي أن أخبركم عن لقاء أجريته مع بيتر سينجر، عالم الأخلاق المشهور عالميًا من جامعة برينستون في الولايات المتحدة الأمريكية. إنه ملحد، وقد تناظرت معه في مسقط رأسه مدينة ملبورن، أستراليا، حول مسألة وجود الله. في ملاحظاتي الافتتاحية، أخبرت الحضور بما قلته لكم سابقًا: أنني نشأت في أيرلندا الشمالية وأن والديّ مسيحيان.
كان رد فعل سنجر هو القول إن هذا كان مثالًا على أحد اعتراضاته على الدين -أن الناس يميلون إلى وراثة العقيدة التي نشأوا عليها. بالنسبة له، الدين هو مجرد مسألة وراثة وبيئة، وليس مسألة حقيقة. قلت، “بيتر، هل يمكنني أن أسألك -هل كان والداك ملحدين؟”
أجاب: “كانت والدتي ملحدة بالتأكيد”. “ربما كان والدي أكثر حيادية”.
قلت: “إذن أنت تُخلِّد إيمان والديك أيضًا، مثلي”.
قال: “هذا ليس إيمانًا من وجهة نظري”.
أجبته:”بالطبع إنه إيمان، ألا تؤمن به؟”
كانت هناك ضحكات كثيرة.
ليس هذا فقط ولكن، كما اكتشفت لاحقًا، أضاء الفضاء الإلكتروني بالسؤال: ألا يدرك بيتر سينجر، الفيلسوف الشهير، أن إلحاده هو نظام عقائدي؟ ألم يسمع قط عن أناس، مثل عالم الكونيات آلان سانديج، الذين اقتنعوا بدليل وجود الله واعتنقوا المسيحية فيما بعد؟
ماهو الإيمان
يشترك العديد من الملحدين البارزين في ارتباك سينجر بشأن الإيمان، ونتيجة لذلك، يدلون بتصريحات سخيفة. مثل أن “الملحدين ليس لديهم إيمان،”[36] يقول ريتشارد دوكينز هذا، ومع ذلك فإن كتابه “وهم الإله” يدور حول ما يؤمن به -فلسفته الإلحادية عن المذهب الطبيعي التي يؤمن بها إيمانًا كبيرًا. يعتقد دوكينز، مثل سينجر، أن الإيمان هو مفهوم ديني يعني الإيمان حيث لا يوجد دليل. إنهم مخطئون تمامًا. الإيمان هو مفهوم يومي، وهم يعلنون عن هذا من خلال استخدامه بشكل متكرر على هذا النحو.
وفقًا لقاموس أكسفورد الإنجليزي، تأتي الكلمة من الكلمة اللاتينية fides، والتي تعني الولاء أو الثقة. وإذا كان لدينا أي إدراك، فإننا لا نثق عادة بالحقائق أو الأشخاص الذين ليس لديهم دليل. بعد كل شيء، فإن اتخاذ قرارات محفزة وقائمة على الأدلة هو فقط الطريقة التي تمارس بها الإيمان عادة -فكر في كيفية جعل مدير البنك يثق بك أو الأساس الذي اتخذته لقرارك بالصعود إلى حافلة أو طائرة.
والاعتقاد الذي لا يوجد دليل عليه هو ما يسمى عادة بالإيمان الأعمى. ولا شك أنك ستجد في كل الأديان أتباعًا يؤمنون بشكل أعمى. يمكن أن يكون الإيمان الأعمى خطيرًا جدًا – شاهد عيان على ذلك هو 11 سبتمبر. لا أستطيع التحدث عن ديانات أخرى، لكن الإيمان المتوقع من جانب المسيحيين ليس أعمى بالتأكيد. لن يكون لدي أي مصلحة في ذلك بصورة أخرى.
يخبرنا يوحنا أن روايته عن حياة يسوع تحتوي على سجل شهود العيان للأدلة التي يمكن أن يُبنى عليها الإيمان بالمسيح. في الواقع، يمكن تقديم حجة قوية مفادها أن الكثير من المواد في الأناجيل تستند إلى شهادات شهود عيان.[37][38]
هليؤمنالملحدون؟
هذا الالتباس حول طبيعة الإيمان يقود الكثير من الناس إلى خطأ فادح آخر: الاعتقاد بأن لا الإلحاد ولا العلم ينطويان على الإيمان. ومع ذلك، فإن المفارقة هي أن الإلحاد هو نظام عقائدي ولا يمكن للعلم الاستغناء عن الإيمان.
يقول الفيزيائي بول ديفيز أن الموقف العلمي الصحيح هو في جوهره لاهوتي: “لا يمكن للعلم أن يتقدم إلا إذا تبنى العالم وجهة نظر لاهوتية في الأساس”. ويشير إلى أنه “حتى أكثر العلماء إلحادًا يقبلون كعمل إيماني… نظامًا شبيهًا بالقانون في الطبيعة يكون على الأقل جزئيًا مفهوماً بالنسبة لنا”.[39] قال ألبرت أينشتاين من مقولاته الشهيرة:
… العلم لا يمكن أن يصنع إلا من قبل أولئك المشبعين تمامًا بالطموح نحو الحقيقة والفهم. لكن مصدر الشعور هذا ينبع من المجال الديني. وينتمي إلى هذا أيضًا الإيمان بإمكانية أن تكون الأنظمة الصالحة لعالم الوجود عقلانية، أي مفهومة للعقل. لا أستطيع أن أتخيل رجل علم حقيقي بدون هذا الإيمان العميق. يمكن التعبير عن الموقف من خلال صورة: العلم بدون دين أعرج، والدين بدون علم أعمى.[40]
من الواضح أن أينشتاين لم يكن يعاني من وهم دوكينز بأن كل الإيمان هو إيمان أعمى. يتحدث أينشتاين عن “الإيمان العميق” للعالم في الوضوح العقلاني للكون. لا يستطيع تخيل عالِم بدونه. على سبيل المثال، يعتقد العلماء (= لديهم إيمان) أن الإلكترونات موجودة وأن نظرية النسبية لأينشتاين مثبتة لأن كلاهما مدعوم بأدلة تستند إلى الملاحظة والتجريب.
كتب أستاذي في ميكانيكا الكم في كامبريدج، الأستاذ السير جون بولكينجهورن، “العلم لا يشرح الوضوح الرياضي للعالم المادي، لأنه جزء من الإيمان التأسيسي للعلم [لاحظ استخدامه الصريح للكلمة] أن هذا صحيح … “[41] لسبب بسيط هو أنه لا يمكنك البدء في القيام بالفيزياء دون الإيمان بـ “وضوحها”.
على أي دليل، إذن، يبني العلماء إيمانهم على الوضوح العقلاني للكون، والذي يسمح لهم بالقيام بالعلم؟ أول ما نلاحظه هو أن العقل البشري لم يخلق الكون. هذه النقطة واضحة لدرجة أنها قد تبدو تافهة في البداية. لكنها في الواقع ذات أهمية أساسية عندما نأتي لتقييم صحة قدراتنا المعرفية. ليس مجرد أننا لم نخلق الكون فقط، لكننا لم نخلق قوى العقل الخاصة بنا أيضًا. يمكننا تطوير قدراتنا العقلانية بالاستخدام؛ لكننا لم نخلقها. كيف يمكن، إذن، أن ما يحدث في رؤوسنا الصغيرة يمكن أن يعطينا أي شيء قريب من سرد حقيقي للواقع؟ كيف يمكن لمعادلة رياضية تدور في ذهن عالم رياضيات أن تتوافق مع طريقة عمل الكون؟
كان هذا السؤال بالذات هو الذي دفع أينشتاين إلى القول، “أكثر ما لا يمكن فهمه في العالم هو أنه مفهوم”. وبالمثل، كتب الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل يوجين فيجنر ذات مرة ورقة بحثية مشهورة بعنوان “الفعالية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية”.[42] لكن هذا غير معقول فقط من منظور إلحادي. أمّا من وجهة نظر الكتاب المقدس، فإنه يتوافق تمامًا مع العبارات: “في البدء كان الكلمة … والكلمة كان الله … وكل شيء به كان” (يوحنا 1: 1، 3).
في بعض الأحيان، عندما أتحدث مع زملائي العلماء، أسألهم “بماذا تقومون بعمل العلم؟”
يقول البعض “عقلي”، والبعض الآخر ممن يؤمنون بالرأي القائل بأن العقل هو الدماغ، ويقولون “مخي”.
“أخبرني عن دماغك؟ كيف وُجِدَ؟
“عن طريق عمليات طبيعية، طائشة، غير موجهة.”
فأسأل “لماذا إذن تثق به؟”. “إذا كنت تعتقد أن جهاز الكمبيوتر الخاص بك هو المنتج النهائي لعمليات طائشة وغير موجهة، فهل تثق به؟”
يأتي الرد “ولو بعد مليون سنة”.
“من الواضح أن لديك مشكلة إذن.”
بعد فترة توقف مُثقلة بالمعنى يسألونني أحيانًا من أين أتت هذه الحجة -ويجدون الإجابة مفاجئة إلى حد ما: تشارلز داروين. كتب يقول:
… ينشأ معي الشك المريع دائمًا فيما إذا كانت قناعات عقل الإنسان، التي نشأت من عقل الحيوانات الدُنيا، ذات قيمة أو جديرة بالثقة على الإطلاق.[43]
وبأخذ المنطق الواضح لهذه العبارة إلى أبعد من ذلك، يقول الفيزيائي جون بولكينجهورن إنه إذا اختزلت الأحداث العقلية إلى الفيزياء والكيمياء، فإنك تدمر المعنى. كيف؟
لاستبدال الفكر بأحداث كهروكيميائية عصبية. حدثان من هذا القبيل لا يمكن أن يواجه أحدهما الآخر في الخطاب العقلاني. إنهما ليسا على صواب ولا على خطأ -إنهما يحدثان ببساطة. يختفي عالم الخطاب العقلاني في الأحاديث السخيفة المتمثلة في إطلاق المشابك العصبية. بصراحة لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا ولا أحد منا يعتقد أنه كذلك.[44]
بولكينجهورن مسيحي، لكن بعض الملحدين المعروفين يرون المشكلة أيضًا. يكتب جون جراي:
“النزعة الإنسانية الحديثة هي الإيمان بأنه من خلال العلم يمكن للبشرية معرفة الحقيقة -وبالتالي تكون حرة. ولكن إذا كانت نظرية داروين عن الانتقاء الطبيعي صحيحة فهذا مستحيل. يخدم العقل البشري النجاح التطوري وليس الحقيقة”.[45]
فيلسوف رائد آخر، توماس ناجل، يفكر بنفس الطريقة. لقد كتب كتابًا بعنوان “العقل والكون” بعنوان فرعي مثير للاهتمام “لماذا نظرة الداروينية الجديدة إلى العالم خاطئة بالتأكيد”. ناجل ملحد قوي يقول بشيء من الصدق “لا أريد أن يكون هناك إله”. ومع ذلك فهو يكتب:
ولكن إذا لم يكن الذهن في حد ذاته مجرد شيء مادي، فلا يمكن تفسيره بالكامل من خلال العلوم الفيزيائية. يشير المذهب الطبيعي التطوري إلى أننا لا ينبغي أن نأخذ أيًا من قناعاتنا على محمل الجد، بما في ذلك الصورة العلمية للعالم التي يعتمد عليها المذهب الطبيعي التطوري نفسه.[46]
وهذا يعني أن المذهب الطبيعي، وبالتالي الإلحاد، يقوض أسس العقلانية ذاتها اللازمة لبناء أو فهم أو الإيمان بأي نوع من أنواع الحجج على الإطلاق، ناهيك عن الجدل العلمي. بدأ الإلحاد في الظهور وكأنه وهم كبير متناقض مع الذات -“اعتقاد خاطئ مستمر في مواجهة أدلة مضادة قوية”.
بالطبع، أنا أرفض الإلحاد لأنني أعتقد أن المسيحية صحيحة. لكنني أرفضه أيضًا لأنني عالم. كيف يمكنني الإعجاب بنظرة عالمية تقوض العقلانية ذاتها التي نحتاجها للقيام بالعلم؟ العلم والله يختلطان جيدا. إن العلم والإلحاد هما اللذان لا يختلطان.
البساطةوالتعقيد
طريقة أخرى للنظر إلى هذا هي التفكير مرة أخرى في التفسير. غالبًا ما نتعلم في العلم أن التفسير الصحيح يسعى إلى شرح الأشياء المعقدة إنطلاقاً من الأشياء الأبسط. نحن نطلق على هذا التفسير “الاختزالي” وقد نجح في العديد من المجالات. أحد الأمثلة على ذلك هو حقيقة أن الماء، وهو جزيء معقد، يتكون من أبسط العناصر، الهيدروجين والأكسجين.
ومع ذلك، فإن الاختزال لا يعمل في كل مكان. في الواقع، هناك مكان واحد حيث لا يعمل على الإطلاق. أي شرح كامل للكلمات المطبوعة في القائمة، على سبيل المثال، يجب أن يتضمن شيئًا أكثر تعقيدًا من الورق والحبر اللذين يُكونان القائمة. نحن نفهم هذا التفسير جيدًا. قام شخص ما بتصميم القائمة، ولكن العمليات الآلية هي التي أدت إلى صنع الورق والحبر وتنفيذ الطباعة.
النقطة المهمة هي أنه عندما نرى أي شيء يتضمن معلومات تشبه اللغة، فإننا نفترض تلقائياً مشاركة العقل.
نحن نفهم الآن أن الحمض النووي هو جزيء ضخم يحمل المعلومات. الجينوم البشري مكتوب بأبجدية كيميائية تتكون من أربعة أحرف فقط. يبلغ طوله أكثر من 3 مليارات حرف ويحمل الشفرة الوراثية. وبهذا المعنى، فهو أطول “كلمة” تم اكتشافها على الإطلاق. إذا كان لا يمكن إنشاء قائمة مطبوعة وذات مغزى (لها معنى) من خلال عمليات طبيعية طائشة ولكنها تحتاج إلى مُدخلات من العقل، فماذا نقول عن الجينوم البشري؟ ألا يشير بقوة إلى أصل عقلي -عقل الله؟
تبدأ فلسفة الملحدين بالمادة/الطاقة (أو، في هذه الأيام، بـ “لا شيء”) وتدعي أن العمليات الطبيعية وقوانين الطبيعة، أينما جاءت، أُنتِجَت من لا شيء -الكون والمحيط الحيوي والعقل البشري. أجد أن هذا الادعاء يمد عقليتي إلى نقطة فقدان القوة، لا سيما عند مقارنته بوجهة النظر الكتابية القائلة: في البدء كان الكلمة … والكلمة كان الله … وكل شيء به كان” (يوحنا 1: 1، 3).
يتردد صدى هذه النظرة المسيحية للعالم أولاً مع حقيقة أنه يمكننا صياغة قوانين الطبيعة واستخدام لغة الرياضيات لوصفها. ثانيًا، يتوافق جيدًا مع اكتشاف المعلومات الجينية المشفرة في الحمض النووي. لقد كشف العلم أننا نعيش في عالم قائم على الكلمات، واكتسبنا تلك المعرفة من خلال التفكير.
يجادل سي إس لويس في هذه النقطة قائلاً: “ما لم يكن التفكير البشري صحيحًا، فلا يمكن لأي علم أن يكون صحيحًا.” إذا لم يكن الواقع المُطلق ماديًا، فإن عدم أخذ ذلك في الاعتبار في سياقنا يعني إهمال أهم حقيقة على الإطلاق. ومع ذلك، لم يتم نسيان البعد الخارق للطبيعة فحسب، بل تم استبعاده من المحكمة من قبل الكثيرين. يلاحظ لويس ما يلي:
انخرط علماء الطبيعة في التفكير في الطبيعة. إنهم لم يحترموا حقيقة أنهم كانوا يفكرون. في اللحظة التي ينتبه فيها المرء إلى هذا، من الواضح أن تفكير المرء لا يمكن أن يكون مجرد حدث طبيعي، وبالتالي يوجد شيء آخر غير الطبيعة.[47]
لا يفشل العلم في استبعاد ما هو خارق للطبيعة فحسب -بل فعل العلم ذاته أو أي نشاط عقلاني آخر يحكمه. يعطينا الكتاب المقدس سببًا للثقة في العقل. الإلحاد لا. هذا هو عكس ما يعتقده الكثير من الناس.
رابعاً. تدمير الخرافات الجزء الثاني: العلم يقوم على العقل بينما المسيحية لا تقوم على العقل
الوجه الآخر للاعتراض الشائع الذي تناوله الفصل السابق هو أن العلم يعتمد على العقل، والإيمان بالله لا يعتمد عليه. هذه الفكرة منتشرة وخاطئة تمامًا مثل موضوع الفصل السابق. مرة أخرى سأقتصر على المسيحية. من الواضح أن هناك أديانًا تتميز بمعاداة الفكر. إن المسيحية الكتابية ليست كذلك، على الرغم من بعض أتباعها المزعومين الذين يعتقدون خطأً أنها كذلك.
ماهو العلم تحديداً؟
ربما لاحظت أننا ذهبنا بسعادة إلى التشويش على العلم دون أن نقول ما هي ماهيته بالفعل. الآن هو الوقت المناسب للقيام بذلك. اتضح -خاصة عندما يتدخل الفلاسفة -أن العلم ليس من السهل تعريفه. ومع ذلك، يمكننا أن نقنع أنفسنا هنا بأشياء معينة نربطها جميعًا بالعلم.
قبل القرن التاسع عشر، كان مصطلح “الفلسفة الطبيعية” يستخدم لوصف ما نسميه الآن “العلم”. من الناحية اللغوية، تعني “الفلسفة الطبيعية” ببساطة “حب الحكمة بشأن الطبيعة”. العلم إذن طريقة للتفكير في العالم الطبيعي، وسنعرف جميعًا من المدرسة أنه مرتبط بإجراء الملاحظات والبحث عن التفسيرات وإجراء التجارب لاختبارها. إن لها تاريخ طويل جدا. في الواقع، يمكن القول أن أرسطو كان من أوائل ممارسيها في القرن الثالث قبل الميلاد، أي منذ ما يقرب من 2500 عام.[48] اشتهر بملاحظاته عن الكائنات الحية، واعتبره الكثيرون أب علم الأحياء.
ومع ذلك، مثل أفلاطون من قبله، فقد فضل أحيانًا التفكير في الطبيعة من المبادئ الفلسفية بدلاً من الملاحظة التجريبية، مما أدى به إلى الضلال من وقت لآخر. على سبيل المثال، اشتهر بأنه يعتقد أن الأجسام الثقيلة، عند إسقاطها، ستصل إلى الأرض أسرع من الأجسام الأخف وزناً. من المعروف أن جاليليو تحدى هذا وابتكر تجربة ذكية لإظهار أن أرسطو كان مخطئًا. قام بدحرجة الكرات على مستوى مائل واكتشف أن المسافة المقطوعة كانت متناسبة فقط مع مربع الوقت المستغرق، وليس مع كتلة الكرات على الإطلاق. دحضت تجربته الفرضية (وهي كلمة أخرى مهمة في العلم) التي مفادها أن الأشياء تسقط بسرعات مختلفة إذا كانت ذات كتل مختلفة.
هذا يذكرنا بأنه حتى الأشخاص الأذكياء جدًا مثل أرسطو لا يفهمون الأمر بالشكل الصحيح دائمًا. كما يخبرنا أن العلم مسعى بشري تقدُّمي ونجاحه التراكمي، على الرغم من أنه يحدث أحيانًا بنوبات متقطعة، إلا أنه مثير للإعجاب للغاية.
المنهج العلمي
الآن، تدوين الملاحظات والبحث عن التفسيرات واختبارها ليست طريقة تفكير تقتصر على العلوم. إنها طريقة تفكير نستخدمها جميعًا في قدر كبير من الوقت. لنفترض أننا مهتمون بشراء درّاجة جديدة. نلاحظ في البداية الكثير من الدّرّاجات على الطريق وفي المجلات وعلى الإنترنت. نحن نقارن الأسعار. بعضها غالي جدًا، ونحاول معرفة سبب ارتفاع السعر: ربما يكون الإطار مصنوعًا من التيتانيوم، أو توجد مكونات عالية التقنية مُدمجة في الدّرّاجة. المزيد من الأبحاث تكشف عن أشياء ربما نكون قد أهملناها في البداية. نركز أفكارنا على بعض الاحتمالات ثم نذهب ونختبرها من خلال ركوب الدّرّاجات لمعرفة ما إذا كانت ترقى إلى مستوى ما نأمله. بعد كل ذلك، نُسلِّم نقودنا الثمينة ونقود الدراجة بسعادة حتى غروب الشمس.
ما فعلناه هو التفكير المنطقي الفِطري، ومع ذلك فهو بالضبط ما يفعله العلماء في معظم الأوقات. النقطة المهمة هي أن الفكر العلمي (أو ما ينبغي أن يكون عليه) عقلانيُّ، لكن التفكير العقلاني لا يقتصر بأي حال من الأحوال على العلوم.
ما سيفاجئ بعض قرائي الآن -لكن لا ينبغي أن يفجائهم -هو حقيقة أن هذا النوع من التفكير موجود في كل مكان في الكتاب المقدس. عندما سُئل يسوع عن أعظم الوصايا، قال إن الأولى كانت “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ.” (مرقس 12: 30). لاحظ إدراج كلمة “فكر” في هذه القائمة. الله ليس ضد العقل. إنه يعطينا أعلى مستوى ممكن من التشجيع لاستخدام عقولنا؛ وليس فقط استخدامها للتفكير فيه ولكن للتفكير في العالم الطبيعي الذي نعيش فيه. عند مدخل مختبر كافنديش للفيزياء الشهير في كامبريدج، كان السير جيمس كلارك ماكسويل يحمل كلمات المزمور 111 محفورة فوق الباب:
يوجد الكثير مثل هذا في سفر أيوب. هذه الإصحاحات مليئة بسلسلة رائعة من الأسئلة حول الطبيعة وطُرُق عملها -نوع الأسئلة التي يطرحها العلماء. أسئلة عن الكون: “هل تعرف فرائض السماوات؟ هل يمكنك تثبيت حكمهم على الأرض؟” وتساؤلات عن سلوك الحيوان: “هل تعرف متى تلد الماعز الجبلي؟ هل تراقب ولادة الولد؟ هل يمكنك ترقيم الأشهر التي يقضونها، وهل تعرف الوقت الذي يلدون فيه؟”
تتضمن الإجابات على هذه الأسئلة ملاحظة وحساب الأرقام والفترات الزمنية. العلم الحقيقي مطلوب. وإضافة إلى ذلك، نجد في أول سفر من الكتاب المقدس، سفر التكوين، أن الله أمر آدم بتسمية الحيوانات (تكوين 2: 19). التصنيف، تسمية الأشياء، هو نشاط علمي أساسي في مجموعة كبيرة ومتنوعة من المجالات. إن التعليمات الخاصة بتسمية الحيوانات، في كتاب يسجل فيه الله نفسه على أنه يسمي أشياء معينة، مهمة للغاية لفهمنا لأحد الأغراض التي توجد من أجلها البشرية: لاستكشاف الخلق ودراسته من خلال تسمية الأجزاء المكونة له بتطور متزايد. إنه أمر كتابي آخر لممارسة العلوم.
التجاربالخاضعةللمراقبة
أحد الأشياء التي جعلنا العلم على دراية بها هي التجربة المضبوطة -الخاضعة للمراقبة، خاصة في الطب. غالبًا ما يتم إعطاؤنا معلومات إحصائية تفيد بأن العقار X أثبت فعاليته في علاج المرض Y. وبقدر ما أعلم، فإن أول تجربة من هذا القبيل في الأدب مُسجّلة في سفر دانيال، الإصحاح الأول. تم القبض على دانيال وأصدقاؤه من قبل ملك بابل، نبوخذ نصر، خلال حصار أورشليم في حوالي القرن السادس قبل الميلاد.
التحق الشُّبّان الأربعة بما يعادل جامعة حكومية حيث كان من المقرر أن يتعلموا لمدة ثلاث سنوات كمستشارين للملك -تم دفع جميع النفقات. على وجه الخصوص، كان من المقرر إطعامهم من مائدة الملك. احتج دانيال أمام عميد الطلاب حول هذا الأمر -من المفترض أنه لم يرغب في تدنيس نفسه بالطعام والنبيذ الذي من المرجح أنه عُرض على الآلهة الوثنية التي لم يؤمن بها دانيال. طلب من العميد إعطاء الأصدقاء الأربعة طعامًا نباتيًا بسيطًا. انزعج العميد وأشار إلى دانيال أنه إذا رأى الملك أن دانيال وأصدقائه قد تدهورت صحتهم ولياقتهم، فقد يفقد العميد رأسه. يتضح من الرواية أن العميد أحب دانيال وكان يرغب في مساعدته.
وبناءً على ذلك اقترح دانيال أن يقوم العميد باختبار الطلاب الأربعة سراً لمدة عشرة أيام ثم إصدار حكم على ما سيراه؛ أي أن دانيال كان يعرض تقديم أدلة دامغة. وافق العميد، وبعد التجربة، بدا الأربعة أكثر صحة من الطلاب الآخرين. أصبح لدى العميد الآن الدليل الذي يحتاجه للتوافق مع طلب دانيال على أساس دائم.
هذا مثال قديم واضح جدًا على اتخاذ القرار على أساس تجربة مضبوطة وهو من جوهر العلم. لكي يقترح شخص ما أن الكتاب المقدس لا يعرف شيئًا عن نوع التفكير الذي ينطوي عليه العلم فإن إقتراحه يخبرنا عنه هو شخصياً أكثر مما يخبرنا عن الكتاب المقدس.
كان الاختبار العلمي الذي اقترحه دانيال موجهًا للتمييز بين أنواع مختلفة من الطعام الطبيعي -اللحوم من مائدة الملك والخضروات. لكن الكتاب المقدس يسجل أيضًا حادثة أخرى تهدف إلى التمييز علميًا بين ما هو طبيعي وما هو فوق الطبيعي. يسجل صموئيل الأول الإصحاح السادس كيف قرر الفلسطينيون، الذين استولوا على تابوت العهد من إسرائيل، إعادته لأنهم ربطوه بالأمراض التي أصابتهم فجأة. لقد طلبوا مشورة الخبراء من كهنتهم، الذين قالوا إنه ينبغي عليهم وضع التابوت (صندوق خشبي) على عربة مثبتة على بقرتين قد ولدتا للتو. كان عليهم أن يأخذوا العجول من الأبقار ويرسلوا العربة في طريقها. وإذا عادت العربة إلى أرض إسرائيل، كان عليهم أن يستنتجوا أن الله، إله إسرائيل، هو الذي أصابهم بالفعل.
استند تفكيرهم إلى ملاحظة أساسية في علم الأحياء الحيواني: أن هناك رابطة قوية وغريزية أمومية بين العجول وأمهاتهم. استنتج القادة الفلسطينيون أنه إذا تخلت البقرتان عن عجولهما وابتعدتا عنهما باتجاه المعسكر الإسرائيلي، فسيكون ذلك عملًا ضد قوة الطبيعة الجبارة -وبالتالي غير طبيعي إلى أقصى الحدود. لذلك سيكون من المعقول استخلاص استنتاج مفاده أن فوق الطبيعي يجب أن يكون قد تدخل. يشار إلى أن النص يسجل ما يلي: “فَاسْتَقَامَتِ الْبَقَرَتَانِ فِي الطَّرِيقِ إِلَى طَرِيقِ بَيْتَشَمْسَ، وَكَانَتَا تَسِيرَانِ فِي سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ وَتَجْأَرَانِ، وَلَمْ تَمِيلاَ يَمِينًا وَلاَ شِمَالًا.”[49] ربما كان انخفاضهم -تَجْأَرَانِ -مؤشراً على أنهما شعرتا في أعماقهما بأنهما كانتا مدفوعتين لفعل شيء ما ضد غرائزهما الطبيعية.
الطبيعي وفوق الطبيعي
الآن، يقول بعض الناس أنه إذا تم اعتبار التفسير علميًا، فيجب أن يكون تفسيرًا طبيعيًا من حيث العمليات الفيزيائية -على سبيل المثال، حركة الصفائح التكتونية الشاسعة كتفسير للزلازل. أي أن تعريفهم للعلم يتضمن تحديد أن التفسيرات قد تكون فقط من حيث العمليات الطبيعية.
إذا طبقنا هذا التعريف على حادثة الأبقار، فسنضطر إلى القول إن التفسير الخارق للطبيعة ليس علميًا. الشيء الذي يجب ألّا نقوله (لكن الكثيرين، مع ذلك، يفعلون) هو أنه بالتالي ليس تفسيراً عقلانياً أو صحيحاً. لكنه تفسير عقلاني تماماً. تذكر أن مجرد وجود العقل البشري يعطي دليلاً على البعد الخارق للطبيعة.
ما توضحه حادثة الأبقار هو أنه حتى لو اقتصر العلم على التفسيرات الطبيعية، فلا يزال بإمكان العلم تقديم دليل على ما هو خارق للطبيعة عندما يُظهر أنه لا يوجد تفسير طبيعي وشيك. بعبارة أخرى، هناك مواقف لا ينبغي فيها الاستسلام فقط إذا لم تنجح التفسيرات المتعلقة بالعمليات الطبيعية؛ يجب أن نكون مستعدين لاتباع الدليل حيث يقودنا، حتى لو كان ذلك ينطوي على بُعد خارق للطبيعة. العلم لا يستطيع الإجابة على جميع الأسئلة.
وكمثال أكثر حداثة لمثل هذا التفكير في العمل، خذ حالة الفيلسوف البروفيسور أنتوني فلو، الملحد طوال حياته الذي غير رأيه في وقت متأخر من حياته وأقر بوجود الله. وقد أعطى سبب تحوله، بعد أكثر من خمسين عامًا، إلى حقيقة أن “دراسة علماء الأحياء للحمض النووي أظهرت، من خلال التعقيد الذي لا يُصدق تقريبًا للترتيبات اللازمة لإنتاج الحياة، أن الذكاء يجب أن يكون مشاركاً في العملية”. وأضاف: “لقد استرشدت حياتي كلها بمبدأ [سرد] سقراط لأفلاطون،” اتبع الدليل أينما يقود “. وماذا لو لم يعجب الناس؟ قال فلو: “حسنًا، هذا سيء للغاية”.[50]
كان فلو على حق. مبدأ اتباع الدليل حيث يقود مهم للغاية. قد يعني ذلك أنه يتعين علينا تجاوز التفسيرات العلمية المحددة بدقة من حيث العمليات الطبيعية، ولكن لا ينبغي أن يقودنا لتجاوز التفسير المنطقي. قد يقودنا حتى إلى التفسير الصحيح![51] سيعني هذا الموقف بالتأكيد أننا نرفض وجهة النظر التي عبر عنها ريتشارد ليونتين، عالم الوراثة المشهور عالميًا من جامعة هارفارد، عندما كتب:
إن رغبتنا في قبول الادعاءات العلمية التي تتعارض مع الفطرة السليمة هي المفتاح لفهم الصراع الحقيقي بين العلم وما هو خارق للطبيعة. نحن نأخذ جانب العلم بالرغم من العبثية الواضحة لبعض بنياته … على الرغم من تسامح المجتمع العلمي مع القصص التي لا أساس لها من الصحة (غير المدعومة بدليل)، لأن لدينا التزامًا مسبقًا … بالمادية. ليس الأمر أن أساليب ومؤسسات العلم تجبرنا بطريقة ما على قبول تفسير مادي للعالم المدرك بالحواس، بل على العكس من ذلك، أننا مُجبرون من خلال التزامنا المسبق بالأسباب المادية على إنشاء أدوات للتحقيق ومجموعة من المفاهيم التي تنتج تفسيرات مادية، مهما كانت غير بديهية، مهما كانت محيرة للمبتدئين. علاوة على ذلك، فإن تلك المادية مُطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بقدم إلهية عند الباب.[52]
هذا أمر صادق، بالتأكيد، لكنه ليس عقلانيًا. إنه تعبير عن التحيز غير العقلاني، لا يليق بشخص مفكر، ناهيك عن عالم. فكر فقط فيما سيقوله الناس إذا كتبت، “أنا آخذ جانب الكتاب المقدس بالرغم من العبثية الواضحة لبعض بنياته … على الرغم من تسامح المجتمع الكتابي مع القصص التي لا أساس لها من الصحة (غير المدعومة بدليل) … لأن لدي التزامًا مسبقاً بالله “. سوف أكون أضحوكة مذدراة –وسأكون أستحق ذلك.[53]
لكي نتوصل إلى الرأي القائل بأن الكتاب المقدس يتحدث عن الحقيقة عن الله والحياة، لا يحتاج المرء إلى القيام بأي من ذلك. في الواقع، وفقًا للعهد الجديد، فإن المبدأ العقلاني المتمثل في اتباع الأدلة إلى حيث تقود هو نفس الطريقة التي يمكننا من خلالها الاعتقاد بأن الإيمان المسيحي صحيح؛ لأنه، كما أن الإيمان بالعلم قائم على الأدلة، فإن المسيحية بالمثل هي إيمان قائم على الأدلة. هذا ما قاله الرسول يوحنا كما أشرنا سابقًا:
يسجل يوحنا عددًا من المعجزات التي صنعها يسوع. يسميها “علامات”، لغرضه وهو إظهار كيف أن لكل منها معنى أعمق يخبرنا عن هوية يسوع. لقد جمعها يوحنا معًا في إنجيله ليقنع حتى أكثر قرائه تشككًا بأن يسوع هو المسيح، ابن الله، ويوضح لهم كيف يمكن لأي منهم، من خلال الإيمان، أن ينال الحياة باسمه. مثل هذه الادعاءات التي قالها يسوع -أن يكون هو الله الذي اتّخذ جسداً، وأن يكون نور العالم، والحق، وخبز الحياة، والراعي الصالح، والقيامة والحياة -هائلة لدرجة أن أي شخص سيطلب أدلة قوية لتصديقها. هذا هو الدليل الذي يقدمه يوحنا. إن إنجيله مليء بأن يسوع يقدم حجج منطقية قوية ومناشدة لعقل مستمعيه. على سبيل المثال، عندما قال له بعض الناس في أورشليم: “إبراهيم أبونا”، أجاب يسوع بمنطق حاد وثاقب:
أدرك مستمعوه أنهم تعرضوا للضرب بسبب الحقيقة المطلقة والمنطق، لذلك كان العلاج الوحيد لهم هو التقاط الحجارة لرميها عليه. للأسف، هذا تكتيك مستمر حتى يومنا هذا.
تماشيًا مع ذلك، يُقال للمسيحيين أنه يجب دائمًا أن يكونوا مستعدين لتقديم دفاع ذكي عما يؤمنون به لأي شخص يسألهم عن سبب للأمل الذي لديهم.[54]
يمكنني أن أكمل، لكن سيكون الأمر أكثر إقناعًا إذا قرأت إنجيل يوحنا وانغمست في بعض الحجج العديدة التي استخدمها يسوع لتوصيل رسالته. سترى بعد ذلك قوة ادعاء المسيحية على أنها إيمان معقول للغاية.
هذا هو أحد الأسباب التي تجعلني، كعالم رياضيات، أشعر كثيرًا بالفخر لكوني مسيحي، حيث يصر كل من العلم والكتاب المقدس على أهمية الجدال العقلاني.
سيعود الكثير منكم إليّ في هذه المرحلة بشكل مفهوم تمامًا ويقولون، “انتظر لحظة. هل يمكنك حقًا أن تؤكد أن الكتاب المقدس مليء بالصواب والحجج المنطقية لأن العلم قد فقد مصداقية بعض ادعاءاته تمامًا؟ إليك ادعائه حول الخلق، على سبيل المثال. العلم لا يتحدث عن الخلق، أليس كذلك؟ إنه يتحدث عن الانفجار العظيم”.
“والأسوأ من ذلك، إذا أخذت ما يقوله الكتاب المقدس عن الخلق حرفياً، ألا ينتهي بك الأمر بالاعتقاد بأن عمر الأرض أقل من 10000 عام، وبالتالي تناقض كل ما نعرفه من العلم عن عمر الأرض؟ لذلك لا فائدة من إدخال الكتاب المقدس في المناقشة إذا كنت تريد منا أن نستمع إليك”.
حسنًا، يجب أن أخاطر هنا. أود بالطبع أن تأخذ ما أقوله على محمل الجد. حتى أنني أجرؤ على أن آمل، إذا كنت قد تابعتني إلى هذا الحد وكنت على الأقل مستعدًا لفكرة أن الله والعلم ليسا العدوين الذين تخيلتهما يومًا ما، عندها قد تكون مستعدًا لمواصلة القراءة بينما أخبرك لماذا أعتقد أن العلم والكتاب المقدس ليسا عدوين لدودين.
يتعلم الكثير منا في المدرسة والجامعة كيف يأخذون العلم على محمل الجد، لكن القليل منهم تعلم كيف يأخذ الوثائق القديمة على محمل الجد. وإذا لم تكن لدينا أي فكرة عن كيفية التعامل مع مجموعة من الوثائق مثل الكتاب المقدس، فليس من الصعب أن نجد الكتاب المقدس يتعارض مع العلم. الآن، نظرًا لأن معظمكم قد فكر في العلم، أود الآن أن أشجعكم على تبني موقف علمي وعقلاني وتطبيقه على بعض التفكير في الكتاب المقدس قبل الوصول إلى استنتاجكم النهائي.
كتابيّ الله
كتب الرجل الذي يُنظر إليه غالبًا على أنه أب العلم الحديث، السير فرانسيس بيكون (1561 -1626)، أن الله قد ألف كتابين، وليس كتابًا واحدًا: أعني بهما، الكتاب المقدس والخليقة.[55]
يعطينا هذا طريقة مفيدة لمقارنة النشاط العلمي العقلاني لتفسير الطبيعة والنشاط اللاهوتي العقلاني لتفسير الكتاب المقدس. لدينا مجموعتان من “البيانات”: الأولى هي المعلومات التي نحصل عليها من دراسة الطبيعة والثانية هي ما نحصل عليه من دراسة الكتاب المقدس. سوف نتفق جميعًا على أن الكتاب المقدس يتطلب تفسيرًا، ولكن لا يدرك الجميع أن الطبيعة تحتاج أيضًا إلى تفسير.
فلنأخذ هذا المثال الشهير. في القرن الثالث قبل الميلاد، علم الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الأرض ثابتة في مركز الكون، وأن الشمس والنجوم والكواكب تدور حولها.[56] ساد رأي الأرض الثابتة هذا لعدة قرون (وكان سبب مشاكل جاليليو التي نوقشت في الفصل الثاني). بعد كل شيء، كان له معنى كبير للناس العاديين: تشرق الشمس وتغرب، ويبدو أنها تدور حول الأرض. وإذا تحركت الأرض، فلماذا لا نتحرك جميعًا في الفضاء؟ لماذا ينزل الحجر المقذوف لأعلى مباشرة –بشكل عمودي -في الهواء إذا كانت الأرض تدور بسرعة؟ لماذا لا نشعر برياح قوية تهب على وجوهنا في الاتجاه المعاكس لحركتنا؟ بالتأكيد فكرة أن الأرض تتحرك هي فكرة سخيفة؟
يبدو أن تفسير الأرض الثابتة هذا يتوافق جيدًا أيضًا مع ما يقوله الكتاب المقدس:
في عام 1543، نشر عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس عمله الشهير On the Revolutions of the Celestial Orbs حول ثورات الأجرام السماوية، حيث قدم وجهة نظر مفادها أن الأرض والكواكب تدور حول الشمس. تم التشكيك في هذه النظرية العلمية الجديدة المذهلة من قِبَل البروتستانت والكاثوليك على حد سواء.
قال المُصلِح مارتن لوثر، في فصل سريع، إن يشوع أخبر الشمس، وليس الأرض، أن تقف في مكانها.[57] اعتقد جون كالفين أيضًا أن الأرض ثابتة:
بأية وسيلة يمكن أن تحافظ على نفسها [الأرض] ثابتة، بينما السماء من فوق في حركة سريعة ومستمرة، ألم يثبّتها صانعها الإلهي ويؤسسها؟”[58]
في عام 1632، عزز جاليليو تحدي كوبرنيكوس لوجهة النظر الأرسطية. نحن جميعا نعرف ما حدث. تبين أن جاليليو كان على حق، وأتخيل أن كل من يقرأ هذا يقبل أن الأرض ليست ثابتة بهذا المعنى.
فكر في الموقف. لقرون، اتفق الجميع على نظرية الأرض الثابتة. ثم تحداها جاليليو، وبالتالي، تضاءل عدد مؤيدي الأرض الثابتة مع زيادة عدد مؤيدي الأرض المتحركة، حتى الآن، تقبل الغالبية العظمى من الناس تفسير الطبيعة الذي ينص على أن الأرض تتحرك بالنسبة للشمس والنجوم الثابتة.
هل يتعارض هذا إذن بشكل قاطع مع الكتاب المقدس، الذي يقول إن الأرض ثابتة؟
الجواب هو “نعم” إذا أصررت على تفسير عبارة “الْمُؤَسِّسُ الأَرْضَ عَلَى قَوَاعِدِهَا فَلاَ تَتَزَعْزَعُ” في المستوى الأساسي من الحرفية. ولكن هل يجب عليك فعل ذلك؟ سيصر بعض المسيحيين، “نعم، عليك أن تفسر كل الكتاب المقدس حرفيًا، وإلا ستدمر سُلطته”. الآن، أفهم رغبتهم في حماية الكتاب المقدس، لكن لا يمكنك حمايته بقول ما هو غير صحيح. خذ على سبيل المثال القول بأن إسرائيل كانت “أرضًا يتدفق منها الحليب والعسل”.[59] هل يمكن للمرء أن يأخذ هذا البيان حرفياً -أنه كان هناك نهر كبير لزج من الحليب والعسل يتدفق عبر الأرض؟ بالطبع لا. هذه لغة مجازية. كان الحليب والعسل حرفيان حقيقيان، لكن “التدفق” هو استعارة للتعبير بوضوح عن أن الأرض كانت غنية بالمراعي والنحل ومنتجات الألبان. ومع ذلك، يُرجى ملاحظة أن استعارة “التدفق” تعني شيئًا حقيقيًا -ازدهارًا حقيقيًا.
تمتلئ اللغة العادية بمثل هذه الاستعارات. إذا أخبرتني أن دارين كان يطير على الطريق في سيارته الرياضية الجديدة، فلن أفسر كلمة “الطيران” على أنها حرفية ولكن كطريقة مجازية للقول إنه (حرفياً) يقود بسرعة كبيرة. البيان حرفي على مستوى ما ولكن ليس على مستوى آخر. غالبًا ما يستخدم العلماء كلمة “حرفية” لوصف المستوى الأول. هنا، مرة أخرى، نرى أن الاستعارة تعني شيئًا حقيقيًا.
وهنا يكمن الكثير من الالتباس. إن استخدام كلمة “حرفي” مضلل.
الإستعارة الحرفية
هذا الأمر له أهمية كبيرة لدرجة أنني سأُعطي مثالاً آخر. قال يسوع، “أنا هو الباب” (يوحنا 10: 9). هل نأخذ ذلك حرفيًا (أو الأفضل، حرفيًا كمصطلح)؟ بالطبع لا. ولم لا؟ لأننا نعرف من تجربتنا مع العالم (العلم بمعنى عام) ما هي أبواب الخشب والمعادن والمواد الأخرى، ومن الواضح أن يسوع ليس واحدًا من هؤلاء. إنها استعارة. ومع ذلك، فإننا نؤكد أنها استعارة لشيء حقيقي. يسوع هو باب حقيقي. مدخل حقيقي إلى تجربة حيّة مع الله.
من أجل إجراء مناقشة راشدة حول العلم والله والكتاب المقدس، يجب أن نأخذ في الاعتبار أمرين:
الكتاب المقدس، مثل كل الأدب والخطاب واللغة، مليء بالاستعارات واللغة التصويرية للغاية.
الاستعارات ترمز إلى شيء حقيقي. من المُربِك أننا غالبًا ما نستخدم كلمة “حرفيًا” عندما نعني شيئًا مثل “في قراءته الطبيعية”.
الآن عد إلى الأرض. كان هناك وقت كانت فيه تجربتنا للعالم من حولنا متوافقة تمامًا مع فكرة أن الأرض ثابتة هندسيًا. لكن تجربتنا تعمّقت، ونحن نعلم الآن أنها ليست ثابتة بالمعنى الحرفي. كما نعلم أن سفر المزامير شعريّ للغاية. لذلك، هناك شيء واحد يمكننا القيام به وهو معرفة ما إذا كان هناك تفسير معقول، بعبارات مجازية، لبيان كاتب المزمور أن الأرض “ثابتة”. على سبيل المثال، قد نقول إن الله قد ثبّت الأرض ليس بالمعنى الهندسيّ ولكن بمعنى أنه قد وهبها ثبات من أنواع مختلفة بحيث يتم تثبيتها لأغراضه، وبالتالي يمكننا الاعتماد على تتابع المواسم: “وقت البذر والحصاد”
فيما يتعلق بحركة الأرض، يمكننا الآن أن نرى أنه على الرغم من أنه يمكن فهم نصوص الكتاب المقدس على أنها تدعم الأرض الثابتة، إلا أن هناك بديلًا معقولًا. هذا له تأثير في فهم الكتاب المقدس وليس توليد صدام مصطنع مع الاكتشاف العلمي من خلال التمسك بإصرار بتفسير حرفي.
كان جاليليو هو الذي قال أن الكتاب المقدس (نية الروح القدس أن) يُعلّمنا “كيف نسير إلى السماء وليس كيف تسير السماء”.[60] هذا صحيح إلى حد كبير. نحن لا نتعلم العلم من الكتاب المقدس، ولا نتوقع ذلك. لم أتعلم أيًا من الرياضيات الخاصة بي في صفحاته. ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الكتاب المقدس ليس لديه ما يقوله عن الكون المادي. على سبيل المثال، العبارة الإفتتاحية لسفر التكوين، “في البدء، خلق الله السماوات والأرض”، هي عبارة عن نفس السماوات والأرض التي يدرسها الفيزيائيون والكيميائيون.
ليس هذا فقط، ولكن من الواضح أن الكتاب المقدس والعلم يتفقان على أن الكون له بداية. هذا أمر رائع للغاية، لأن فكرة البداية تنتمي إلى القرن العشرين، من منظور علم الكونيات. حتى ذلك الوقت، سيطرت وجهة نظر أرسطو -القائلة بأن الكون أزلي -على التفكير الأوروبي. المفارقة هي أن الكتاب المقدس كان يقول أن هناك بداية منذ أن كُتِبَ من الآف السنين. لقد استغرقت الفيزياء الفلكية وقتًا طويلاً للّحاق به! وكما اقترحت في اجتماع دولي للعلماء والفلاسفة وعلماء الدين، إذا أخذ العلماء منظور الكتاب المقدس على محمل الجد في تاريخ أسبق من هذا، فربما كانوا قد بحثوا عن دليل على البداية قبل أن يفعلوا ذلك بالفعل.
أصل الكون
في الواقع، كان الكاهن البلجيكي Georges Lemaitre جورج لوميتر، المؤمن بالله، أول من اقترح على أساس نظريات أينشتاين أنه كانت هناك بداية للزمان والمكان. في النهاية، أطلق عالم الكونيات السير فريد هويل على تلك البداية مازحًا اسم “الانفجار العظيم”، وهو الذي لم يؤمن بها بنفسه. ومع ذلك، فإن الدليل العلمي للبداية ظل يزداد باطراد -الانزياح الأحمر في الضوء القادم من المجرات، لقد ساهم توسع الكون واكتشاف “إشعاع الخلفية الكونية الميكروي” في فهمنا الحالي بأن الكون أومض إلى الوجود من نقطة واحدة في الزمان والمكان. لدينا الآن النموذج القياسي للفيزياء بناءً على هذه الملاحظات الرائعة.
لكن ألا يتعارض تفسير الانفجار العظيم مع تفسير الخلق؟
مُطْلَقاً. لأن الانفجار العظيم ليس تفسيرا على الإطلاق. إنه ببساطة مجرد تسمية تقول أن هناك بداية. إنه لا يقول شيئًا عن كيفية نشوء الكون في المقام الأول. يعطي الكتاب المقدس سببا لوجود الكون. يقول إن الله خلقه: كانت هناك بداية سببها الله، وإذا رغب بعض الناس في تسمية ذلك بداية الانفجار العظيم، فلا بأس بذلك. لقد كان الانفجار العظيم سببه الله.
لكن ألا يتعارض العلم مع الكتاب المقدس فيما يتعلق بعمر الكون؟
يتحدث العلم عن أصل الكون منذ 13.8 مليار سنة، وليس في الماضي القريب كما قد تشير بعض قراءات تكوين 1. ألا يكفي ذلك للتخلي عن الكتاب المقدس على الفور؟ الصراع هنا ليس بين الكتاب المقدس والعلم ولكن بين تفسير معين للكتاب المقدس والعلم.
لدى المسيحيين مجموعة متنوعة من الآراء حول العلاقة الدقيقة بين الفصول الأولى من سفر التكوين والعالم المادي كما نحاول الاستزادة في فهمه. إليك كيفية حل هذه المشكلة بالذات، من خلال إلقاء نظرة فاحصة على ما يقوله الكتاب المقدس بالفعل في صفحاته الافتتاحية. تكوين 1: 1 -2: 3 يتكون من ثلاثة أجزاء. هنا جدول بسيط لمحتويات القسم الأول.
بيان يتعلق بخلق السماوات والأرض: تكوين 1: 1 -2
ستة أيام من خلق الله ونشاطه التنظيمي، وبلغت ذروتها في خلق البشر على صورته: تكوين 1: 3 -2: 1
اليوم السابع، يوم راحة الله -السبت: تكوين 2: 2 -3
في هذا الهيكل المكون من ثلاثة أجزاء، يتم فصل فعل الخلق الأوليّ عن أيام الخلق الستة التي تليها. هناك نمط واضح لهذه الأيام: يبدأ كل منهم بعبارة “وقال الله…”، وينتهي بعبارة “وكان مساء وكان صباح، يوماً (واحداً، ثانياً، ثالثاً، إلخ….)”. أفهم أن النص يقول أن اليوم الأول يبدأ في الآية 3 وليس في الآية 1. وهذا مقترح في النص الأصلي بحقيقة أن الفعل “خلق” في تكوين 1: 1 في صيغة الزمن التام؛ وهذا للدلالة على “حدث وقع قبل بدء القصة”.[61] يبدأ استخدام صيغة الزمن السردي في الآية 3.
المعنى الضمني لهذا هو أن “بداية” تكوين 1: 1 لم تحدث بالضرورة في اليوم الأول كما يُفترض كثيرًا في بعض التفسيرات. يمكن أن يكون الخلق الأوليّ حدثاً قد حدث قبل اليوم الأول -لكن سفر التكوين لا يخبرنا كم من الوقت قبل ذلك.
هذا يعني أن مسألة عمر الأرض (والكون) هي سؤال منفصل عن تفسير الأيام، وهي النقطة التي غالبًا ما يتم تجاهلها في العديد من المناقشات الساخنة حول هذه المسألة. بعبارة أخرى، بعيدًا عن أي اعتبارات علمية، يمكننا قراءة تكوين 1: 1 بطريقة تترك عمر الكون غير مُحدّد.[62] لذلك أعتقد أنه لا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على التأريخ العلمي الحالي من منظور الكتاب المقدس. هذا مثال حيث يمكن للانتباه الشديد للغة والقواعد أن يتجنب الصدام غير الضروري بين العلم وتفسير الكتاب المقدس.
المطلوب منا جميعًا أن نصبح قُرّاء أفضل لكلا “الكتابين”: لفهم حدود العلم ليُقدِّم لنا تفسيرات للمعنى والقيمة والغرض؛ وقراءة نص الكتاب المقدس بعناية لتقييم معناه.
لكن هناك مجالًا مهمًا للغاية حيث يتعارض مع الإيمان بالله بشكل عام، ومحتوى الكتاب المقدس بشكل خاص لأولئك الذين يرفضون النظرة الإيمانية: المعجزات …
سادساً. المعجزات: خطوةبعيدةجدا؟
أستطيع أن أتخيل أن بعض قرائي يقولون، “حتى الآن، جيد جدًا. يبدو من المعقول بدرجة كافية أن نطبق على الكتاب المقدس نفس النوع من المعايير التي نطبقها على أي كتابات أخرى. ومع ذلك، هل ستقول أيضًا أنه يمكننا بسهولة التوفيق بين الكتاب المقدس والعلم أوالعلم والكتاب المقدس بمجرد اعتبار أي مقاطع صعبة على أنها مجازية؟ ” إنه اعتراض عادل. على سبيل المثال، كما ذكرت أعلاه، فإن أحد الادعاءات المركزية في الكتاب المقدس هو أن يسوع المسيح قام من بين الأموات. هل نعتبر هذا حدثًا في التاريخ؟ إذا فعلنا ذلك، فمن الواضح أنه شيء خارق للطبيعة، وأي شخص ينكر وجود الله سيواجه خيارًا بين البدائل المتعارضة: إما أن نؤمن بإمكانية المعجزات أو نؤمن بالفهم العلمي لقوانين الطبيعة، ولكن ليس كليهما. ها هو ريتشارد دوكينز يُعبِّر عن الفكرة بطريقته القوية النموذجية.
كان القرن التاسع عشر هو آخر مرة يمكن فيها لشخص مثقف أن يعترف بمعجزات مثل الولادة العذراوية دون حرج. وعند الضغط عليهم، فإن العديد من المسيحيين المتعلمين مخلصون للغاية لإنكار الولادة العذرية والقيامة. لكن هذا محرج لأن عقولهم العقلانية تعلم أنها سخيفة، لذا يفضلون ألا يُسألوا.[63]
يردد دوكينز هنا الزعم الشهير لفيلسوف التنوير ديفيد هيوم بأن “المعجزات هي انتهاكات لقوانين الطبيعة”.
ومع ذلك، لا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة كما يعتقد هيوم أو دوكينز. هناك علماء بارزون أذكياء للغاية يختلفون معه؛ على سبيل المثال: البروفيسور ويليام فيليبس، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء 1998؛ البروفيسور جون بولكينهورن FRS، عالم فيزياء الكم، كامبريدج؛ السير جون هوتون، المدير السابق لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني ورئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ؛ والمدير الحالي للمعهد الوطني للصحة والمدير السابق لمشروع الجينوم البشري فرانسيس كولينز. هؤلاء العلماء المتميزون يدركون جيدًا الحُجج ضد المعجزات. مع ذلك، علنًا وبدون إحراج أو إحساس بالسخف، يؤكد كل منهم إيمانه بما هو خارق للطبيعة، وعلى وجه الخصوص، بقيامة المسيح -التي يعتبرونها، كما أفعل، بمثابة الدليل الأسمى لحقيقة النظرة المسيحية للعالم.
يعطي أحد العلماء المذكورين للتو، فرانسيس كولينز Francis Collins، تحذيرًا حكيمًا فيما يتعلق بمسألة المعجزات:
من الأهمية بمكان تطبيق شك صحي عند تفسير الأحداث التي يحتمل أن تكون معجزة، خشية التشكيك في نزاهة وعقلانية المنظور الديني. الشيء الوحيد الذي سيقضي على إمكانية حدوث المعجزات بسرعة أكبر من المادية المُلتَزِمة هو ادعاء حالة المعجزة للأحداث اليومية التي تتوافر لها تفسيرات طبيعية بسهولة.[64]
لهذا السبب، سنركز في الفصل التالي على قيامة يسوع، من أجل إعطاء المناقشة أكبر قدر ممكن من التركيز. كانت معجزة القيامة هي التي دفعت المسيحية إلى المُضي قُدُماً، وهذه المعجزة نفسها هي رسالتها المركزية. في الواقع، كان المؤهل الأساسي للرسول المسيحي هو أن يكون شاهد عيان على القيامة.[65] بدون القيامة، ببساطة لا توجد رسالة مسيحية. يكتب الرسول بولس: “وإن لم يكن المسيح قد قام، فلا فائدة من كرازتنا وكذلك إيمانكم.”[66]
قوانينالطبيعة
دعونا نذكر أنفسنا بمنظور العلم المعاصر وتفكيره في قوانين الطبيعة. نظرًا لأن القوانين العلمية تُجسِّد العلاقات بين السبب والنتيجة، فإن العلماء في الوقت الحاضر لا يعتبرونها فقط وصف ما حدث في الماضي. شريطة ألا نعمل على المستوى الكمي، يمكن لمثل هذه القوانين أن تتنبأ بنجاح بما سيحدث في المستقبل بهذه الدقة، على سبيل المثال، يمكن حساب مدارات أقمار الاتصالات بدقة، ومن الممكن حدوث هبوط على القمر والمريخ. لذلك فإن العديد من العلماء مقتنعون بأن الكون هو نظام مغلق للسبب والنتيجة. في ضوء ذلك، من المفهوم أنهم مستاؤون ويرفضون فكرة أن إله ما يمكن أن يتدخل بشكل تعسُّفيّ ويُغيّر أو يعلق أو ينقض أو “ينتهك” قوانين الطبيعة هذه. بالنسبة لهم، يبدو أن هذا يتعارض مع ثبات تلك القوانين، وبالتالي يقلب الأساس الفعلي لفهمنا العلمي للكون.
اعتراضهم الأول، الذي ينبع مرة أخرى من ديفيد هيوم، هو أن الإيمان بالمعجزات بشكل عام، وفي معجزات العهد الجديد على وجه الخصوص، نشأ في الثقافات البدائية، ما قبل العلمية، حيث كان الناس يجهلون قوانين الطبيعة وبالتالي قبلوا قصص المعجزات بسهولة. أي معقولية أولية قد يبدو أن هذا التفسير يمتلكها تختفي بسرعة عندما يتم تطبيقه على معجزات العهد الجديد مثل القيامة. سيظهر لنا تفكير لحظة واحدة أنه من أجل التعرف على حدث ما على أنه معجزة، يجب أن يكون هناك بعض الانتظام المتصور الذي يعتبر هذا الحدث استثناءً واضحًا! لا يمكنك التعرف على شيء غير طبيعي إذا كنت لا تعرف ما هو الطبيعي.
كان هذا في الواقع موضع تقدير جيد منذ زمن بعيد -في الواقع، في وقت كتابة وثائق العهد الجديد. ومن المثير للاهتمام أن المؤرخ لوقا، الذي كان طبيباً متدرباً في العلوم الطبية في عصره، يثير هذا الأمر بالذات. يخبرنا لوقا، في روايته عن صعود المسيحية، أن المعارضة الأولى للرسالة المسيحية عن قيامة يسوع المسيح لم تأت من الملحدين، بل من كبار كهنة اليهودية. كانوا رجال دين متشددين من حزب الصدوقيين. آمنوا بالله. تلوا صلواتهم وأقاموا الصلوات في الهيكل. لكن هذا لا يعني أنه في المرة الأولى التي سمعوا فيها الادعاء بأن يسوع قد قام من بين الأموات، صدقوا ذلك. لم يؤمنوا بذلك، لأنهم اعتنقوا نظرة عالمية أنكرت إمكانية القيامة الجسدية لأي شخص على الإطلاق، ناهيك عن قيامة يسوع المسيح.[67]
إن افتراض أن المسيحية وُلِدَت في عالم ما قبل علمي وساذج وجاهل هو ببساطة تزييف للحقائق. عرف العالم القديم قانون الطبيعة كما نعرفه، أن الجثث لا تنهض من القبور. شقت المسيحية طريقها بسبب الوزن الهائل للأدلة على قيامة رجل واحد بالفعل من بين الأموات.[68]
الاعتراض الثاني على المعجزات هو أننا نعلم الآن أن هناك قوانين للطبيعة ويمكن وصفها، فالمعجزات ببساطة مستحيلة -وهذا هو اعتراض هيوم الشهير. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا الاعتراض صامد. اسمحوا لي أن أوضح.
لنفترض هذا الأسبوع أنني وضعت 10 جنيهات إسترلينية في درج مكتبي. في الأسبوع التالي، وضعت 20 جنيهًا إسترلينيًا أخرى. ثم في الأسبوع الذي يليه، تتم إضافة ورقة أخرى بقيمة 10 جنيهات إسترلينية، ويتم إغلاق الدرج وقفله. تسمح لي قوانين الحساب بالتنبؤ أنه في المرة القادمة التي أفتح فيها درجي، سأجد 40 جنيهًا إسترلينيًا. لكن لنفترض أنه عندما فتحت الدرج في المرة التالية، وجدت ورقة واحدة بقيمة 10 جنيهات إسترلينية: ماذا سأستنتج؟ أن قوانين الحساب قد تم كسرها؟ بالتأكيد لا! قد أستنتج بشكل منطقي أكثر أن لص ما لم يخالف قوانين الحساب بل قوانين الأرض وسرق 30 جنيهًا إسترلينيًا من درجي. شيء واحد قد يكون من السخف ادعائه وهو أن وجود قوانين الحساب يجعل من المستحيل الإيمان بوجود مثل هذا اللص أو إمكانية تدخله. العكس تمامًا هو الصحيح: إن الأعمال العادية لتلك القوانين هي التي تجعلنا نؤمن بوجود اللص ونشاطه في منزلي.
ماهيقوانينالطبيعة؟
يذكرنا هذا القياس أيضًا أن الاستخدام العلمي لكلمة “قانون” ليس هو نفسه الاستخدام القانوني، حيث غالبًا ما نفكر في القانون على أنه يقيد أفعال شخص ما. لا يوجد أي معنى تقيد فيه قوانين الحساب اللص أو تضغط عليه في قصتنا. يخبرني قانون الجاذبية لنيوتن أنه إذا أسقطت تفاحة، فسوف تسقط باتجاه مركز الأرض. لكن هذا القانون لا يمنع أحدًا من التدخل والإمساك بالتفاحة وهي تهبط. بمعنى آخر، يتنبأ القانون بما سيحدث، بشرط ألا يكون هناك تغيير في الظروف التي تجري التجربة في ظله.
وهكذا، من وجهة النظر الإيمانية، تتنبأ قوانين الطبيعة بما لا بد أن يحدث إذا لم يتدخل الله. ليس من عمل السرقة بالطبع أن يتدخل الخالق في خليقته. من الواضح أن القول بأن قوانين الطبيعة تجعل من المستحيل علينا الإيمان بوجود الله واحتمال تدخله في الكون. سيكون الأمر أشبه بالادعاء بأن فهم قوانين المحرك النفاث سيجعل من المستحيل تصديق أن مصمم مثل هذا المحرك يمكنه أو سيتدخل ويزيل المروحة. بالطبع يمكنه التدخل. علاوة على ذلك، فإن تدخله لن يقضي على تلك القوانين. نفس القوانين التي أوضحت سبب عمل المحرك مع المروحة في مكانها ستشرح الآن سبب عدم عمله مع إزالة المروحة.
لذلك، كان ديفيد هيوم مخطئًا في التأكيد على أن المعجزات “تنتهك” قوانين الطبيعة. ما يمكننا قوله هو أنه من قوانين الطبيعة ألا يقوم البشر مرة أخرى من بين الأموات بواسطة آلية طبيعية ما. لكن المسيحيين لا يدّعون أن المسيح قام من بين الأموات بهذه الآلية. هذه النقطة ذات أهمية حيوية للنقاش كله: يزعم المسيحيون أن يسوع قام من بين الأموات بقوة خارقة للطبيعة. في حد ذاتها، لا يمكن لقوانين الطبيعة استبعاد هذا الاحتمال. عندما تحدث المعجزة، فإن قوانين الطبيعة هي التي تنبهنا إلى حقيقة أنها معجزة.
لا يُنكر المسيحيون قوانين الطبيعة. على العكس من ذلك، فإنهم يعتبرون قوانين الطبيعة بمثابة أوصاف لتلك الانتظامات والعلاقات بين السبب والنتيجة التي أنشأها خالقها في الكون والتي تعمل وفقًا لها بشكل طبيعي. إذا لم نعرفها، فلا ينبغي لنا أبدًا التعرف على معجزة إذا رأيناها. إن الاختلاف الجوهري بين النظرة المسيحية والنظرة إلى العالم التي تنكر وجود الله هو أن المسيحيين لا يؤمنون بأن هذا الكون هو نظام مغلق للسبب والنتيجة. إنهم يؤمنون بأنه منفتح على النشاط السببي لخالقه.
إذا اعترف المرء بوجود خالق، فإن الباب مفتوح حتمًا لذلك الخالق نفسه للتدخل في مجرى الطبيعة. لا وجود لمثل هذا الخالق المُروّض الذي لا يستطيع، أو لا يجب عليه، أو لا يجرؤ على الانخراط بنشاط في الكون الذي خلقه. لذلك قد تحدث المعجزات.[69]
المشكلةالأكبر: الشروالمُعاناة
إنني أدرك جيدًا أن هناك العديد من الأشخاص، بمن فيهم العلماء، الذين يشكل وجود الشر والمعاناة بالنسبة لهم مشكلة كبيرة جدًا. يقولون “إذا كنت على حق”، “أنّ هناك إلهًا يمكنه التدخل في شؤون هذا العالم، فلماذا إذن لا يتدخل للتعامل مع القضية الأكثر إلحاحًا على الإطلاق -مشكلة الشر والمعاناة؟”
قال لي العديد من زملائي العلماء أنه قد يكون هناك دليل على وجود ذكاء خارق للطبيعة وراء الكون، ولكن من فضلك لا تتحدث عن إله شخصي يهتم. ألا تثبت الحالة المؤسفة للعالم بعنفها اللامتناهي وشرها، ناهيك عن الكوارث الطبيعية، عكس ذلك تمامًا؟ أي أنه ليس العلم هو الذي يأخذهم بعيدًا عن الله بل المعاناة -وهو ما يمكن اعتباره غريبًا إلى حد ما، لأن إزالة الله من المعادلة يتركنا ببساطة مع المشكلة دون أي أمل في التوصل إلى حل نهائي.[70]
أعترف أن هذا أحد أعمق الأسئلة التي يواجهها أولئك الذين يؤمنون بالله منا. يتطلب معالجة أكثر شمولاً بكثير مما يمكن أن تُعطى في هذا الكتاب الصغير. إذا كنت مهتمًا بما هو ردي عليه، فإني أحيلك إلى كتاب حول الموضوع قمت بكتابته بالاشتراك مع البروفيسور David Gooding ديفيد جودنج.[71]
سابعاً. هل يمكنك أن تثق فيما تقرأ؟
قبل أن ننظر إلى الدليل على قيامة يسوع، علينا أن نسأل عن مصداقية الوثائق التي تتضمنها بشكل أساسي -العهد الجديد. تختلف الآراء الشائعة حول العهد الجديد بشكل كبير. على سبيل المثال، لا يتوقف أبدًا عن إدهاشي كم عدد الأشخاص الذين سينكرون وجود الشخصية التاريخية ليسوع كما هو مسجل في الأناجيل.
الخبراء الحقيقيون في مثل هذه الأمور هم المؤرخون القدماء، ومن أجل الإنصاف، نحتاج إلى الاستماع إليهم. من بينهم، سواء كانوا مسيحيين أم لا، هناك إجماع رائع فيما يتعلق بوجود يسوع والأشياء التي قام بها.[72]
على سبيل المثال، يقول الباحث في جامعة أكسفورد Christopher Tuckett كريستوفر توكيت، مؤلف كتاب جامعة كامبريدج عن يسوع التاريخي، عن الأدلة:
يؤدي كل هذا على الأقل إلى عدم تصديق أي نظريات بعيدة المنال حتى التي تقول أن وجود يسوع ذاته كان اختراعًا مسيحيًا. يبدو أن حقيقة وجود يسوع، وأنه صلب على يد بيلاطس البنطي (لأي سبب كان) وأن لديه مجموعة من الأتباع الذين استمروا في دعم قضيته، جزء من الأساس المتين للتقليد التاريخي. إذا لم يكن هناك شيء آخر، يمكن للأدلة غير المسيحية أن تزودنا باليقين في هذا الشأن.[73][74]
بالنسبة للعهد الجديد، يبدو أن آراء العديد من الناس تستند إلى نظريات المؤامرة الجامحة، ويبدو أنهم غير مدركين لمدى قوة الأدلة على مصداقية نص العهد الجديد بشكل ساحق. إن الآراء الشائعة القائلة بأن نص العهد الجديد غير جدير بالثقة، أو تم اختراعه في وقت متأخر كثيرًا عن وقت كتابته (في القرن الأول)، أو أنه مجرد تزييف، ببساطة لا تصمد أمام أي فحص جاد.
مخطوطات
أولاً، هناك العدد الهائل من المخطوطات التي لدينا الآن. هناك ما يقرب من 6000 مخطوطة جزئية أو كاملة للعهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية تم فهرستها، وأكثر من 18000 مخطوطة في الترجمات المبكرة إلى اللاتينية والسريانية والقبطية والعربية ولغات أخرى. يضاف إلى ذلك آلاف الاقتباسات من العهد الجديد من قِبَل آباء الكنيسة الأوائل، الذين كتبوا بين القرنين الثاني والرابع. إذا فقدنا جميع مخطوطات العهد الجديد، فمن خلال هذه الاقتباسات وحدها يمكننا إعادة بناء نسبة كبيرة من العهد الجديد.[75]
من أجل الحصول على فكرة عن وزن دليل المخطوطة هذا، يحتاج المرء فقط لمقارنتها بالأدلة الوثائقية المتاحة للنصوص القديمة الشهيرة الأخرى. على سبيل المثال، كتب المؤرخ الروماني تاسيتوس حوليات روما الإمبراطورية The Annals of Imperial Rome حوالي عام 116 بعد الميلاد. بقيت الكتب الستة الأولى من الحوليات في مخطوطة واحدة فقط تم نسخها في حوالي 850 بعد الميلاد. في حين أن الكتب من 7 إلى 10 لم تبقى على قيد الحياة، هناك 35 مخطوطة من الكتب من 11 إلى 16، يرجع أقدمها إلى القرن الحادي عشر. وبالتالي، فإن أدلة المخطوطة قليلة جدًا، والفجوة الزمنية بين التأليف الأصلي والمخطوطات الأولى تزيد عن 700 عام.
على النقيض من ذلك، فإن الدليل الوثائقي History of Rome لتاريخ روما، الذي كتبه مؤرخ روماني آخر، ليفي، حوالي 20 قبل الميلاد، يتكون من حوالي 500 مخطوطة، يرجع أقدمها إلى القرن الرابع الميلادي. العمل العلماني القديم الذي حظي بأكبر قدر من الدعم الوثائقي هو إلياذة هوميروس (المكتوبة حوالي 800 قبل الميلاد)، والتي يوجد منها أكثر من 1900 نسخة مخطوطية، يعود تاريخها إلى حوالي 415 قبل الميلاد. بالنسبة لعمل كل من هوميروس وليفي، فإن الفجوة الزمنية بين المخطوطات الأصلية والمخطوطات الأقدم الباقية هي حوالي 400 عام.[76]
النقطة الأساسية التي يجب توضيحها هنا هي أن العلماء يتعاملون مع هذه الوثائق على أنها تمثيلات حقيقية للنسخ الأصلية على الرغم من ندرة المخطوطات وتأخر تواريخها. بالمقارنة مع هؤلاء، فإن العهد الجديد هو أفضل وثيقة موثقة ومدعومة من العالم القديم حتى الآن.
لقد لاحظنا أن الفاصل الزمني بين تاريخ بعض المخطوطات القديمة المعروفة والأصول التي هي نسخ منها كبير. على النقيض من ذلك، فإن بعض مخطوطات العهد الجديد هي من عصر عظيم جدًا. تحتوي بردية بودمر (في مجموعة بودمر، كولوني، سويسرا) على حوالي ثلثي إنجيل يوحنا في بردية واحدة، مؤرخة في وقت مبكر من عام 200 بعد الميلاد. تحتوي بردية أخرى من القرن الثالث على أجزاء من لوقا ويوحنا. ربما تكون المخطوطات الأكثر أهمية هي برديات تشيستر بيتي، التي تم اكتشافها حوالي عام 1930 وهي موجودة الآن في متحف تشيستر بيتي في دبلن، أيرلندا. البردية 1 تأتي من القرن الثالث، وتحتوي على أجزاء من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل. تحتوي البردية 2 على أجزاء كبيرة من ثمانية من رسائل بولس، بالإضافة إلى أجزاء من الرسالة إلى العبرانيين، ويرجع تاريخها إلى حوالي 200 بعد الميلاد. تحتوي البردية 3 على جزء كبير من سفر الرؤيا ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث. يتم تأريخ هذه الوثائق بواسطة التقنيات العلمية الأكثر تقدمًا.
أخطاء النسخ
لا يزال الكثير من الناس يعتقدون أن العهد الجديد لا يمكن الاعتماد عليه لأنه تم نسخه عدة مرات. هذه الفكرة لا أساس لها. خذ، على سبيل المثال، مخطوطة كُتبت حوالي عام 200 ميلادي، وبالتالي عمرها الآن حوالي 1800 عام. كم كان عمر المخطوطة التي نُسخت منها في الأصل؟ لا نعلم طبعا. ولكن كان من الممكن أن يكون عمرها –المخطوطة الأصل التي نسخت منها المخطوطة الأخرى -140 عامًا في وقت نسخها بسهولة. إذا كان الأمر كذلك، فقد تمت كتابة تلك المخطوطة عندما كان العديد من مؤلفي العهد الجديد لا يزالون على قيد الحياة. وهكذا، ننتقل من وقت العهد الجديد إلى اليوم في خطوتين فقط!
علاوة على ذلك، في حين أن هناك أخطاء في النسخ في معظم المخطوطات (يكاد يكون من المستحيل نسخ مستند طويل يدويًا دون ارتكاب بعض الأخطاء)، لا تحتوي مخطوطتان على نفس الأخطاء تمامًا. لذلك، من خلال مقارنة المخطوطات، من الممكن إعادة بناء النص الأصلي إلى نقطة يرى فيها الخبراء أن أقل من نسبة 2٪ من هذا النص غير مؤكدة، مع جزء كبير من نسبة 2٪ تلك يتضمن خصائص لغوية صغيرة لا تحدث فرقاً في المعنى العام. علاوة على ذلك، بما أنه لا يوجد تعليم في العهد الجديد يعتمد فقط على آية واحدة أو مقطع واحد، فلا يوجد شك في أي عقيدة مسيحية بسبب هذه الشكوك البسيطة.
تلخيصًا للوضع، كتب Sir Frederic Kenyon السير فريدريك كينيون، الذي كان مديرًا للمتحف البريطاني ومسؤولًا بارزًا عن المخطوطات القديمة:
إن عدد مخطوطات العهد الجديد، والترجمات المبكرة منه، والاقتباسات منه بواسطة أقدم كُتّاب في الكنيسة كبيرة جدًا لدرجة أنه من المؤكد عمليًا أن القراءة الحقيقية لكل مقطع مشكوك فيه محفوظة في بعض هذه المستندات القديمة أو تلك. لا يمكن قول هذا عن أي كتاب قديم آخر في العالم.[77]
أما بالنسبة للتاريخية، فقد اتضح أن لوقا، مؤلف إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل، كان مؤرخًا قديمًا بارعاً. أقر المؤرخ الروماني A. N. Sherwin -White أ.ن.شيروين وايت أنه على الرغم من أن جميع المصادر لها قيود وتأتي من منظور معين:
بالنسبة لأعمال الرسل، فإن تأكيد التاريخية ساحق… وأي محاولة لرفض أهميته التاريخية حتى في المسائل التفصيلية يجب أن تبدو الآن سخيفة.[78]
الطريقإلىالأمام
هذه الملاحظات حول نص العهد الجديد لا “تثبت” أن ما تقوله الوثائق صحيح بالطبع. لكنها تؤسس أوراق اعتماد هذه الروايات عن يسوع كوثائق تاريخية أصلية يجب أخذها على محمل الجد. إن رفضها على أنها افتراءات لا تستحق وقتنا أو اهتمامنا سيكون بمثابة الفشل في اتباع الدليل حيثما يقود بوضوح. في الواقع، من المهم الإشارة إلى القدر الكبير من العمل الذي تم إجراؤه حول تاريخية العهد الجديد.[79]
من الضروري استيعاب أوراق اعتماد الوثائق التي تقوم عليها المسيحية بينما نأتي الآن لفحص الجزء الأكثر أهمية في الرسالة المسيحية.
ثامناً. كيفتُفنِّدالمسيحية
في الفصل السادس رأينا أن العلم لا يجعل المعجزات مستحيلة. هذا يتركنا أحرارًا في التحقيق في الادعاء المحدد الذي يكمن في قلب المسيحية -أن يسوع المسيح قام جسديًا من بين الأموات.
ربما كان الأمر الأكثر إثارة للدهشة حول قيامة يسوع المسيح في الفكر المسيحي هو أن قادة المجتمع المسيحي، منذ البداية، راهنوا على صحة رسالة الإنجيل بالكامل. كتب الرسول بولس:
بعبارة أخرى، قُم بتفنيد القيامة، وستختفي المسيحية كلها في نفخة من الدخان. على عكس معظم الأديان الأخرى ووجهات النظر العالمية التي تستند إلى أفكار أو نظريات، تدعي المسيحية أنها قابلة للدحض، بناءً على هذا الادعاء التاريخي الوحيد. إدحض قيامة المسيح، وستموت المسيحية.
تطبيقالعلومعلىالتاريخ
القيامة حدث ماضي فريد من نوعه، لذلك نحتاج إلى معرفة كيفية تعامل العلماء مع مثل هذه الأحداث. يمكننا القول، بشكل غير رسمي، أن هناك نوعين من العلم: أولاً، النوع الذي نعرفه كثيرًا في المدرسة، حيث نستخدم التجارب المتكررة للتحقق من تفسيراتنا -تجارب يمكن لأي شخص آخر لديه المُعدات المناسبة أن يكررها. نسمي هذه العملية induction الاستقراء.
ومع ذلك، فإن مثل هذا التفكير لا يعمل عندما ندرس الأحداث غير المتكررة، مثل ثوران بركان كراكاتوا في عام 1883، أو انقراض الديناصورات، أو أصل الكون أو الحياة -أو القيامة. لا يمكننا تكرار هذه الأحداث لنرى ما حدث.
ما نفعله بالأحداث الفريدة هو استخدام نوع من إجراءات علم الأدلة الجنائية المألوف لنا من القصص البوليسية. لا يستطيع هرقل بوارو Hercule Poirot إعادة تنفيذ جريمة قتل ليرى من فعلها. بدلاً من ذلك، يستخدم عملية التفكير التي تعمل على النحو التالي:
إذا كان المشتبه فيه (A) هو القاتل، فستتبعه أشياء معينة، مثل X وY.
يلاحظ بوارو X وY ويستنتج أن المشتبه فيه A يناسب الملاحظات.
ومع ذلك، لاحظ بعد ذلك حقيقة أخرى، Z، وعند التفكير في الأمر، استنتج أن A لا يمكن أن يُسبب Z.
ومع ذلك، هناك مشتبه به آخر B. إذا قام بذلك، فيسنتج عنه X وY و Z.
يستنتج بوارو أن B هو مرشح أفضل للقيام بعملية القتل أكثر من A، وهكذا.
في النهاية، يأتي بوارو بشرح يناسب جميع الحقائق ويحل القضية. نسمي هذه العملية عملية abduction، أو الاستدلال على التفسير الأفضل. إنها عملية مألوفة لدينا في العديد من مجالات الحياة اليومية.
نفس الشيء بالضبط مع قيامة يسوع. لا يمكننا تكراره لنرى ما حدث، ولذا يجب أن نستنتج أفضل تفسير. هذا ما ننتقل إليه الآن.
هناك أربعة جوانب مختلفة يجب وضعها في الاعتبار:
1.موت يسوع
لا يمكن أن تكون هناك قيامة إذا لم يمت يسوع فعلاً على الصليب. لذلك، نحتاج إلى أن نوضّح أنه مات بالفعل. في الواقع، توجد تقارير عن إعدامه في عدد من المصادر القديمة غير المسيحية. يعتقد معظم العلماء أن يوسيفوس (37 -100 م)، مؤرخ يهودي روماني من القرن الأول، كتب واحدة من أقدم الروايات الباقية التي تذكر صلب يسوع (باستثناء تلك التي قدمها مؤلفو العهد الجديد).[80][81]
في أوائل القرن الثاني، أكد ذلك تاسيتوس (56 -117 م)، عضو مجلس الشيوخ ومؤرخ الإمبراطورية الرومانية، يقول إن المسيح “عانى العقوبة القصوى [أي الصلب] في عهد طيباريوس على يد أحد وكلاءنا، بيلاطس البنطي”.[82]
وفقًا لرواية شاهد العيان يوحنا، فقد صلب يسوع مع اثنين آخرين. لم ترغب السلطات اليهودية في بقاء الجثث على الصلبان في يوم السبت القادم حيث اعتبروها تدنيس. لذلك حصلوا على إذن من بيلاطس لتسريع الموت من خلال وسيلة crurifragium. أي كسر أرجل الرجال للتأكد من أنهم سيموتون بسرعة. ومع ذلك، وجد الجنود أن يسوع قد مات بالفعل، لذا لم يكسروا ساقيه. يعرف الجنود الرومان الجثة عندما يروها. ومع ذلك، وللتأكد بشكل مضاعف، طعن أحد الجنود جنبه بحربة.[83]
يخبرنا يوحنا أن دفع الرمح أنتج دفقًا من الدم والماء، وهذا يدل على حدوث تجلط كبير للدم في الشرايين الرئيسية، مما يشير إلى أن يسوع قد مات حتى قبل دفع الرمح. نظرًا لأن يوحنا لم يكن يعرف الأهمية المَرَضية لهذا، فهو دليل قوي على موت يسوع -وهو استنتاج علمي واضح جدًا لأفضل تفسير.
2.دفن يسوع
وفقًا لما هو مكتوب، قام عضوان من السنهدرين في أورشليم (المجلس اليهودي الحاكم)، يوسف ونيقوديموس، بدفن جسد يسوع في قبر خاص بيوسف. بالإضافة إلى ذلك، رأى شهود آخرون مكان القبر: النساء من الجليل والمريمان.
حقيقة دفن يسوع في قبر مهمة. إذا تم إلقاء جثة يسوع في قبر جماعي -كما حدث غالبًا للمجرمين -لكان من الصعب للغاية، إن لم يكن مستحيلًا، تحديد ما إذا كان جسده لم يعد موجودًا. علاوة على ذلك، كان قبرًا جديدًا، ولم يتم استخدامه بعد، لذلك لم يكن هناك شك في أن جسده تبدّل بجسد شخص آخر. علاوة على ذلك، نظرًا لأن بعض المؤمنات، كما لاحظنا للتو، اتبعن يوسف، ورأين القبر الذي وُضع فيه جسد المسيح، فمن المستبعد جدًا أنه عندما جاءت النساء في وقت مبكر من اليوم الأول من الأسبوع بينما كان الظلام لا يزال باقياً، ذهبوا عن طريق الخطأ إلى القبر الخطأ.
قام نيقوديموس ويوسف بلف الجسد بقطعة قماش من الكتان مع حوالي 35 كجم من التوابل بالطريقة القديمة لتكريم شخص مهم. من الواضح أنهم لم يكونوا يتوقعون القيامة. وزن البهارات وطريقة ربط الأكفان بإحكام حول الجسد مثل مومياء مصرية، جعل فكرة أن المسيح، بعد أن أغمي عليه من فقدان الدم على الصليب، أُنعِش في القبر، ثم تمكن من الهروب، فكرة لا تصدق.
تم تأمين القبر من قبل يوسف بحجر كبير مسطح مشقوق في أخدود عند المدخل. كان سيتطلب عدة رجال لإبعاده. أيضًا، بناءً على سلطة بيلاطس، قام القادة اليهود بإغلاق الحجر رسميًا. أيضًا، بناءً على طلب الفريسيين وبإذن بيلاطس، تم وضع حراس حول القبر. يخبرنا متّى أن هذا كان لمنع التلاميذ من القدوم، وسرقة جسد يسوع، والإعلان عن “القيامة” بطريقة احتيالية.[84]
3.القبر الفارغ
إنها الشهادة بالإجماع في الأناجيل أن القبر وجد فارغًا عندما جاءت النساء المسيحيات في وقت مبكر من صباح اليوم الأول من الأسبوع، لإكمال مهمة تتطييب جسد يسوع. وعندما ذهب الرسل للتحقق، وجدوا أيضًا القبر فارغًا.[85]
يساعدنا هذا على فهم ما قصده المسيحيون الأوائل عندما زعموا أن يسوع قام من بين الأموات -أي أن جسد يسوع الذي دفنوه في القبر، وهم يعلمون أنه ميت، وقد قام من بين الأموات وترك القبر. ومهما تم تغيير هذا الجسد، فإنهم يصرون على أنه نفس الجسد الذي وضعوه في القبر. لم يكن جسدًا آخر جديدًا غير متصل بجسد يسوع الأصلي.
وفقًا لما قاله متى، فإن أول من أعلن علنًا أن قبر يسوع كان فارغًا هم السلطات اليهودية، وليس المسيحيون على الإطلاق! بدأوا قصة متداولة في أورشليم مفادها أن التلاميذ سرقوا الجسد بينما كان الحراس نائمين.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الروايات الإنجيلية صحيحة؟ يعتقد البعض أنها أسطورة، تم اختراعها بعد فترة طويلة من الحدث. لكن هذا التفسير غير مرجح. الإجماع العلمي هو أن الأناجيل ربما كُتبت حوالي 50 -100 بعد الميلاد،[86] بحلول ذلك الوقت، كانت الحقائق المتعلقة بصلب ودفن المسيح قد انتشرت على نطاق واسع في المعابد اليهودية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إذا كانت القصص اختراعًا متأخرًا، لكان يُنظر إليها على الفور على أنها خيال حديث. لم يكن المسيحيون ليخاطروا برواية مثل هذه القصص للمجتمعات اليهودية إذا كانت مفبركة. لذلك، لا يوجد سبب لافتراض أن هذه الروايات غير صحيحة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا تبذل السلطات اليهودية جهودها لنشر مثل هذه القصة؟ ربما كان أحد الأسباب هو تحقيق ضربة استباقية. فقد علموا من الحراس أن القبر فارغ. كان بإمكانهم أن يروا على الفور أن المسيحيين سينشرون هذا كدليل على قيامة يسوع من بين الأموات. لذلك قرروا أن يضربوا أولاً بالاعتراف بأن القبر كان فارغًا وقدموا تفسيرهم لمواجهة قوة التفسير المسيحي المحتوم.
كدعاية قادمة من أعداء المسيح، فإن تداول هذه القصة هو دليل تاريخي على أعلى جودة على أن قبر يسوع الفارغ كان حقيقة.
مجرد التفكير في ذلك. إذا لم يكن القبر فارغًا، فلن تجد السلطات صعوبة في تقديم جسد يسوع، مما يدل بشكل قاطع على أن القيامة لم تحدث. وعندما سيعلن الرسل لاحقًا أنه قام، لن يقابلوا شيئًا سوى السخرية، ولن يكون بوسع المسيحية أن تبدأ.
مرة أخرى فعلنا بالضبط ما سيفعله علماء الأدلة الجنائية -استنتجنا أفضل تفسير.[87]
4.الأكفان
هناك دليل آخر على القيامة يُظهر أن التلاميذ كانوا قادرين على استنتاج مثل هذه الاستنتاجات المنطقية. قرأنا في رواية يوحنا أنه عندما أخبرته النساء أن القبر كان فارغًا، ركض هو وبطرس إلى القبر. وصل يوحنا هناك أولاً، انحنى، ونظر إلى الداخل. لاحظ على الفور شيئًا غريبًا: كانت الأقمشة الكتّانيّة التي كانت ملفوفة حول جسد يسوع لا تزال هناك. والأغرب من ذلك، كانت موضوعة كما كانت عندما كان جسده بداخلها، لكن الجسد لم يعد موجوداً.
التقى بطرس بيوحنا، الذي لا بد أنه كان العداء runner الأسرع (أحد تلك التفاصيل الصغيرة التي تعطي السرد حلقة كتابة شهود العيان). دخل كلاهما إلى القبر ورأيا ما يمكن أن يكون أغرب مشهد على الإطلاق: كانت الملابس التي كانت ملفوفة حول رأس يسوع ملقاة على الجزء المرتفع قليلاً من الحافة داخل القبر؛ ورغم أن رأسه لم يعد فيهم بعد، كانوا لا يزالون ملفوفين كما لو كانت رأسه بداخلهم، باستثناء أنهم ربما انهاروا بشكل مسطح.
كان التأثير على يوحنا قوياً: لقد رأى وآمن.[88] هذا لا يعني فقط أنه آمن الآن بما قالته مريم: من أول لمحة له في القبر كان من الواضح أن الجسد مفقود. كان أكثر من ذلك بكثير. لقد استنتج استنتاجًا عقلانيًا أن شيئًا غامضًا للغاية يجب أن يكون قد حدث بالفعل. بدا الأمر كما لو أن جسد يسوع قد خرج مباشرة من خلال الأكفان وتركهم بالضبط حيث كانوا عندما كان الجسد بداخلهم. لم يكن لدى يوحنا شك في أنه كان يرى أدلة على ما هو خارق للطبيعة.
ماذا عن الأكفان التي كانت تحمل مثل هذه القوة المقنعة؟ السؤال الواضح بالنسبة له أو لأي شخص آخر هو: كيف أصبحوا هكذا؟ كيف سيأخذ لصوص القبور الجثة، ويتركوا الكتان والتوابل الثمينة. وحتى لو، لسبب مبهم، كانوا يريدون الجثة فقط، لم يكن لديهم أي سبب على الإطلاق لـ لف كل الأقمشة مرة أخرى كما لو كانوا لا يزالون حول الجسد، باستثناء، ربما، لإعطاء الانطباع بأن القبر لم يتم إقتحامه. لكن إذا أرادوا إعطاء هذا الانطباع، فمن المؤكد أنهم كانوا سيقومون بشكل أفضل بإعادة الحجر إلى مكانه! الضجيج كان يمكن أن يكون كبيرا. كان الحجر المدحرج بمثابة تعبير ضخم بأن القبر قد تم إقتحامه. لقد كانت دعوة مفتوحة للحضور وإلقاء نظرة في الداخل. لكن هنا نواجه مسألة أخرى: كيف يمكن لأي سارق قبر أن يزيل الحجر عندما كان الحارس هناك؟
نظريات بديلة
إذا لم يكونوا لصوص القبور، فمن كان يمكن أن يكونوا؟ ربما كانوا أتباع يسوع المضللين يحاولون إخراج الجسد من تحت أنوف السلطات إلى مكان أكثر أمانًا؟ لكن لو فعلوا ذلك، لما أخفوه سراً عن الرسل الآخرين. كانوا سيعيدون دفنه باحترام (كما كانت تنوي مريم أن تفعل)،[89] وفي النهاية كان كل المسيحيين سيعرفون مكان قبره. على أي حال، ما زلنا نواجه مشكلة صاخبة تتمثل في دحرجة الحجر بعيدًا عن مرمى سمع الحارس.
هل من الممكن أن يأخذ أحد الجسد ويعيد لف الثياب عمداً ليعطي انطباعا بحدوث معجزة؟ من يمكن أن يكون هذا؟ كان من المستحيل أخلاقيا لأتباع المسيح أن يفعلوا ذلك. كان ذلك أيضًا مستحيلًا نفسياً، لأنهم لم يكونوا يتوقعون القيامة. وكان من المستحيل عمليا بسبب الحراس.
أخيرًا، سيكون من السخف التفكير في قيام السلطات بأي شيء يوحي من بعيد بالقيامة. بعد كل شيء، هم الذين تأكدوا من حراسة القبر لتجنب أي شيء من هذا القبيل!
بالنسبة ليوحنا وبطرس، كان اكتشافًا مثيرًا. مثل شيرلوك هولمز، استبعدوا التفسيرات المستحيلة ولم يتبق لهم سوى بديل واحد: أن الجسد قد خرج الأقمشة الكتّانيّة. لقد كان مثالًا واضحًا آخر على الاستدلال على أفضل تفسير في أفضل تقليد لعلم الأدلة الجنائية.
ولكن ماذا يعني ذلك؟ وأين كان يسوع الآن؟
كتب المؤرخ مايكل جرانت Michael Grant من جامعة إدنبرة:
صحيح أن اكتشاف القبر الفارغ موصوف بشكل مختلف في الأناجيل المختلفة، لكن إذا طبقنا نفس النوع من المعايير التي نطبقها على أي مصادر أدبية قديمة أخرى، سيكون الدليل حازمًا ومعقولًا بما يكفي لاستنتاج أن القبر وجد بالفعل فارغًا.[90]
ترك بطرس ويوحنا القبر الفارغ. لقد اعتقدوا أنه لا يوجد شيء يمكن كسبه بالبقاء هناك. ومع ذلك، كما أثبتت الأحداث، كانوا مخطئين.
5.شهود عيان ظهورات المسيح
لم يؤكد المسيحيون الأوائل ببساطة أن القبر كان فارغًا. لكن الأهم من ذلك هو حقيقة أنهم التقوا بعد ذلك بالمسيح المقام، بشكل متقطع على مدى أربعين يومًا بلغت ذروتها بصعوده.[91] لقد رأوه بالفعل وتحدثوا معه ولمسوه، بل وأكلوا معه. لم يكن أقل من هذا ما منحهم الشجاعة لمواجهة العالم برسالة الإنجيل المسيحي. في الواقع، كانت حقيقة أنهم رأوا وقابلوا المسيح القائم من بين الأموات جزءًا مهمًا لا يتجزأ من هذا الإنجيل. والدليل على ذلك قوي للغاية لدرجة أن حتى العالم الملحد Gerd Lüdemann جيرد لودمان يستنتج:
قد يكون من المؤكد تاريخيًا أن بطرس والتلاميذ قد مروا بتجارب بعد موت يسوع ظهر فيها يسوع لهم على أنه المسيح القائم من بين الأموات.[92]
ليس من المستغرب أن يمنع إلحاد لودمان القيامة كسبب لهذه الظهورات، ولذلك فهو يرى أن الظهورات كانت مجرد رؤى.[93]
لكن هذا القول تفنده أدلة من علم النفس. مرة أخرى، لاحظ أن عمليات التفكير عملية بشكل كامل.
عادة ما تحدث الرؤى والهلوسة للأشخاص الذين ينتمون إلى مزاج معين، ولديهم خيال حي. كان التلاميذ من طباع مختلفة للغاية: كان متى جامع ضرائب صارمًا وفطناً. بطرس وبعض الآخرين، صيادون أقوياء؛ توما، المشكك بالفطرة؛ إلخ. لم يكونوا من الأشخاص الذين يربطهم المرء عادةً بقابلية الإصابة بالهلوسة.
تميل الهلوسة إلى أن تكون من الأحداث المتوقعة. يشير الفيلسوف ويليام لين كريج William Lane Craig إلى أن “الهلوسة، باعتبارها إسقاطات للعقل، لا يمكن أن تحتوي على أي جديد”.[94] لكن لم يتوقع أي من التلاميذ مقابلة يسوع مرة أخرى. لم يكن توقع قيامة يسوع في أذهانهم على الإطلاق. وبدلاً من ذلك، كان هناك خوف وشك وعدم يقين -وهي بالضبط الشروط النفسية غير المحفزة لهلوسة قيامة يسوع.
عادة ما تتكرر الهلوسة على مدى فترة طويلة نسبيًا، إما بالزيادة أو النقصان. لكن ظهورات المسيح تكررت على مدى أربعين يومًا ثم توقفت فجأة. لم يدع أي من هؤلاء التلاميذ الأوائل تجربة مماثلة مرة أخرى. الاستثناءات الوحيدة كانت إسطفانوس وبولس. صرخ إسطفانوس، أول شهيد مسيحي، في اللحظات التي سبقت رجمه حتى الموت: “ها أنا أرى السماوات مفتوحة، وابن الإنسان قائم عن يمين الله”.[95] يسجل بولس أنه التقى المسيح القائم من بين الأموات مرة واحدة، وأنه كان آخر من التقى به.[96] وبالتالي فإن هذا النمط لا يتوافق مع تجارب الهلوسة.
من الصعب أن نتخيل أن الخمسمائة شخص الذين رأوه دفعة واحدة كانوا يعانون من الهلوسة الجماعية.[97]
في الواقع، يعلق غاري سيبسي Gary Sibcy، عالم النفس الإكلينيكي:
لقد قمت بمسح الأدبيات المهنية … التي كتبها علماء النفس والأطباء النفسيون وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية ذات الصلة خلال العقدين الماضيين ولم أجد بعد حالة موثقة واحدة للهلوسة الجماعية، بمعنى حدث يشارك فيه أكثر من شخص في الإدراك البصري أو الإدراك الحسي الآخر بدون وجود مرجع خارجي.[98]
لم تكن الهلوسة لتؤدي إلى الإيمان بالقيامة. إن نظريات الهلوسة حول قيامة يسوع محدودة للغاية في نطاقها التفسيري: إنها تحاول فقط شرح ظهورات يسوع بعد الصلب. من الواضح أن مثل هذه النظريات لا تأخذ في الحسبان القبر الفارغ -بغض النظر عن عدد الهلوسات التي أصيب بها التلاميذ، لم يكن بوسعهم أن يبشروا بالقيامة في أورشليم لو لم يكن القبر القريب فارغًا!
الشهود الأوائل
يجب أن نضيف إلى كل هذا حقيقة أنه بالنسبة لأي شخص يعرف أي شيء عن الشرائع القديمة فيما يتعلق بالشهادة القانونية، فمن اللافت للنظر أن التقارير الأولى المذكورة في الأناجيل عن ظهور المسيح القائم من بين الأموات كانت بواسطة النساء. في الثقافة اليهودية في القرن الأول، لم تكن النساء في العادة يُعتبرن شهودًا مؤهلين. في ذلك الوقت، إذن، من أراد أن يخترع قصة قيامة، لم يفكر أبدًا في أن يبدأها بذكر شهادة النساء. ستكون القيمة الوحيدة لإدراج شهادتهم هي ما إذا كانت صحيحة ويمكن التحقق منها بسهولة، بغض النظر عن تصور الناس لحقيقة أنها جعلت النساء شهودًا. وبالتالي، فإن إدراج شهادة النساء في حد ذاته هو مؤشر آخر على الأصالة التاريخية.
إن وجود الكنيسة المسيحية في جميع أنحاء العالم حقيقة لا جدال فيها. ما هو التفسير المناسب لشرح التحول الذي حدث في التلاميذ الأوائل؟ من مجموعة خائفة من الرجال والنساء -مكتئبين تمامًا وخاب أملهم مما اعتبروه الكارثة التي حلت بحركتهم عندما صُلِبَ زعيمهم -انفجرت فجأة وبقوة، الحركة الدولية التي رسخت نفسها بسرعة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية وفي نهاية المطاف في جميع أنحاء العالم. والمثير للدهشة أن التلاميذ الأوائل كانوا جميعهم يهودًا: من ديانة غير معروفة بحماستها في تحويل الناس من الأمم أخرى. ما الذي كان يمكن أن يكون قوياً بما يكفي لبدء كل هذا؟
إذا سألنا الكنيسة الأولى، فسوف تجيب على الفور بأنها قيامة يسوع.[99] في الواقع، أكدت الكنيسة أن سبب وجودها والغرض منها هو أن تكون شهادة على قيامة المسيح. أي أن الكنيسة ظهرت إلى الوجود ليس لإصدار برنامج سياسي أو حملة للتجديد الأخلاقي؛ ولكن في المقام الأول للشهادة على حقيقة أن الله قد تدخل في التاريخ، وأقام المسيح من بين الأموات، وأن غفران الخطايا يمكن أن يُنال باسمه. هذه الرسالة سيكون لها في نهاية المطاف آثار أخلاقية كبيرة على المجتمع. لكن رسالة القيامة نفسها هي التي كانت مركزية.
إذا رفضنا تفسير المسيحيين الأوائل لوجودهم، على أساس أنه ينطوي على معجزة كبيرة جدًا -القيامة، فما الذي سنضعه في مكان تلك المعجزة بحيث لا ينطوي على ضغط أكبر على قدرتنا على الإيمان؟ إنكار القيامة يترك الكنيسة ببساطة بدون مبرر لوجودها، وهو أمر سخيف تاريخيًا ونفسيًا.
كتب البروفيسور C. F. D. Moule سي إف دي مول من كامبريدج:
إذا كان ظهور الناصريين، وهي ظاهرة يشهد عليها العهد الجديد بلا شك، قد أحدث فجوة كبيرة في التاريخ، فجوة بحجم وشكل القيامة، فما الذي يقترحه المؤرخ العلماني لإيقافها؟ … لذلك، فإن ولادة الكنيسة المسيحية وظهورها السريع يظلان لغزًا لم يتم حله لأي مؤرخ يرفض أن يأخذ التفسير الوحيد الذي قدمته الكنيسة نفسها على محمل الجد.[100]
في هذا الاستطلاع الموجز، تمكنا فقط من إعطاء لمحة عن عمق واتساع الأدلة المتوفرة لقيامة يسوع. إذا كنت مهتمًا بمزيد من التفاصيل، فقم بإلقاء نظرة على الفصلين الأخيرين من كتابي Gunning for Godالتصويب على الله.[101]
المسيحية قابلة للتفنيد
كان النقاد يحاولون يائسين تشويه سمعة القيامة لمدة 2000 عام، وفشلوا، لأن الأدلة ببساطة قوية للغاية. والسؤال الذي يبقى، إذن، هو: هل نتبع الدليل أينما يقود أم لا؟
لكن الآن يجب أن يأخذ تحقيقنا مسارًا أكثر جدية وربما مساراً خطراً بالنسبة لك: مسار لا يستكشف تجارب وادعاءات الآخرين فحسب، بل تجربتك الخاصة.
تاسعاً. البُعد الشخصي
حتى هذه اللحظة، كنا نفكر في هؤلاء المسيحيين الأوائل الذين رأوا يسوع المقام. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من المسيحيين عبر التاريخ أصبحوا مسيحيين دون رؤية يسوع حرفياً. قال المسيح شيئًا مهمًا جدًا لتوما والآخرين حول هذا الأمر:
لقد رأوا وصدقوا -لكن المعظم لم ير. هذا بالطبع لا يعني أن المسيح يطلب من بقيتنا جميعًا أن نؤمن دون أي دليل. الرؤية هي نوع واحد فقط من الأدلة المتاحة لنا. وينطبق الشيء نفسه على الحياة العادية -فنحن جميعًا نؤمن بالعديد من الأشياء التي لم نرها: الحب والذرات والجاذبية ولب الأرض المنصهر. ومع ذلك، فإننا لا نصدق هذه الأشياء بدون دليل. كل ما في الأمر أنه ليس لدينا دليل مرئي.
الدليلوالعلاقة
في الواقع، الآية التي اقتبسناها للتو عن توما تأتي مباشرة قبل شرح يوحنا لدوافعه للكتابة، وهي عبارة أتيحت لنا الفرصة بالفعل لنقتبسها:
الدليل المعروض علينا قبل كل شيء هو دليل شهود العيان على أولئك الذين رأوا. يكتب يوحنا ليقنعنا (نحن الذين لم نر) بعض الحقائق -أن يسوع هو الذي ادعى أنه هو: المسيح (= المسيا)، ابن الله (الله المتجسد، الكلمة صار إنسانًا). لكن يوحنا لا يهتم فقط بأن نصدق هذه الحقائق؛ إنه مهتم أيضًا بأنه على أساس هذه الحقائق، نثق في يسوع كشخص، حتى نتمكن من اختبار عجب قبول نوع جديد من الحياة التي أطلق عليها يسوع نفسه “الحياة الأبدية”.
أن تصدق حقائق معينة عن شخص ما هو شئ. أمّا أن تقابل هذا الشخص وتثق به كصديق فهذا شئ آخر مختلف تماماً. أعرف الكثير من الحقائق عن ونستون تشرشل، لكنني لم أقابله قط. لم يكن أبدًا شخصًا يمكنني أن أدعوه بـ “صديقي”. وحتى لو التقيت به، ما كان ليفديني بحياته. ما يعد به الرسول يوحنا لأولئك الذين يؤمنون بيسوع هو علاقة حية شخصية مع الله من خلال يسوع المسيح فريدة من نوعها.
بمجرد أن نبدأ في الحديث عن العلاقات الشخصية، نترك العلم وراءنا. لكننا لا نترك العقلانية وراءنا. هناك فرق جوهري بين المعرفة العلمية والمعرفة الشخصية. تخيل أنني أرغب في التعرف عليك. يمكنني إجراء العديد من أنواع القياسات المختلفة المرتبطة بجسمك -الطول والوزن وما إلى ذلك. يمكنني فحص جسمك باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي والتعرف على الكثير عن أعضائك الداخلية. يمكنني حتى فحص دماغك واكتشاف المناطق النشطة في الوقت الحالي. ولكن مثلما لم يتمكن العلم أو التكنولوجيا حتى من تحديد سبب قيام العمة ماتيلدا بصنع كعكتها، فإن أيًا من هذه التحقيقات أو جميعها لن تمكنني من التعرف عليك. لن أتعرف عليك أبدًا ما لم تكشف عن نفسك لي، عادةً من خلال التحدث.
ومع ذلك، في عملية الكشف عن نفسك لي، فإن العقلانية متداخلة على مستوى عالٍ جدًا. يجب أن أستخدم عقلي لفهم ما تقوله -وعليك استخدام عقلك لفهمي.
إنه مشابه لله. بما أن الله شخص وليس نظرية، فلا يمكننا التعرف عليه إلا إذا كشف نفسه لنا. الادعاء المركزي للكتاب المقدس هو أن الله تكلم. لقد كشف لنا جوانب مجده في روعة الكون. لقد تحدث إلينا عبر القرون بطرق عديدة ومتنوعة كما هو مسجل لنا في الكتاب المقدس. ولكن على وجه التحديد، لقد تحدث إلينا في ابنه.
وهذا بالضبط ما فعله المسيحيون الأوائل. خرجوا وحثوا الناس على الرجوع (التوبة) عن أسلوب حياتهم القديم، وقالوا لهم أنهم عندما يؤمنون بيسوع، فإنهم سينالون الغفران.
اصغ إلى الرسول بولس وهو يعلن هذه الرسالة للمفكرين في أثينا:
لا تؤكد المسيحية فقط حقيقة أن المسيح مات وقام مرة أخرى. تقول أن هذه الأحداث لها آثارها علينا جميعًا، وتتحدانا أن نستجيب لها.
يمكن للعلم أن يثير قضايا أخلاقية خطيرة لضمائرنا تتطلب العمل. على سبيل المثال، أخبرنا العلم عن ظاهرة الاحتباس الحراري وتلوث الغلاف الجوي ومخاطر المواد البلاستيكية في المحيطات. تخبرنا ضمائرنا أننا بحاجة إلى القيام بشيء حيال هذه القضايا للأجيال القادمة. لكن الأخلاق يجب أن تأخذنا إلى ما وراء العلم؛ إنها تشير إلى شيء أكبر وأكثر جوهرية -علاقتنا مع الله. هذه قضية أخلاقية بهذا الحجم لدرجة أن علاجها يتطلب موت يسوع المسيح، ابن الله.
فهم أنفسنا
إذا كنت صادقًا مع نفسك، فستدرك أن الخطية مثل السرطان: إنها تفسد حياتنا وتبتلع إمكانية السلام والفرح والسعادة الحقيقيين. هناك انكسار في الناس بشكل عام، وإذا كنا صادقين، فهذا الانكسار في أنفسنا أيضًا.
يحاول علماء النفس وعلماء الأحياء التطورية شرح سبب ذلك ويقدمون إجابات، بعضها أكثر إقناعًا من البعض الآخر. لكن لا أحد منهم يقدم تفسيراً أو إجابة تتوافق بعمق مع غرائزنا ومشاعرنا تجاه حياتنا كما تفعل المسيحية. إن السبب الذي يجعل المسيحية لديها الكثير لتقوله عن مسألة الخطية ليس بسبب انشغالها المَرَضي بالذنب. لأن المسيحية تقدم لنا تشخيصًا واقعيًا لمشكلة الخطية البشرية، وعلاجًا لها يجلب معه حياة جديدة مُرضية وذات مغزى.
لذلك، قبل أن نتجاهل المسيحية، سيكون من الحكمة بالتأكيد أن نفكر في ماهية هذا التشخيص والعلاج بالضبط. تم تقديم التشخيص الكتابي إلينا في تقرير سفر التكوين في جنة عدن، وهي إحدى أشهر القصص في الأدب. كما أنها واحدة من أكثر الأدبيات عُمقًا. إنها تتعلق بكيفية وضع الخالق للبشر الأوائل في جنة مليئة بالآمال والفائدة. كانوا أحرارًا في الاستمتاع بالجنة واستكشافها والمناطق المحيطة بها على نحو يرضي قلوبهم. ومع ذلك، فقد منعهم الله حقًا من ثمرة واحدة -“شجرة معرفة الخير والشر” (تكوين 2: 17). ومع ذلك، وبعيدًا عن الانتقاص من مكانة الإنسانية، فإن هذا المنع كان ضروري لترسيخ الكرامة الفريدة للبشر ككائنات أخلاقية.
لكي تكون الأخلاق حقيقية، يجب أن يتمتع البشر بدرجة معينة من الحرية. ولكي نكون كائنات أخلاقية، يجب أن يكون هناك خيار أخلاقي حقيقي بين الصواب والخطأ. يجب أن يكون هناك حد أخلاقي. فكانت ثمرة واحدة ممنوعة. كانوا أحرارًا في الأكل من أي شجرة في الجنة -باستثناء شجرة واحدة. أخبرهم الله أنهم في يوم أكلهم سيموتون بالتأكيد.
ثم تروي هذه القصة القديمة كيف شوّه العدو -الحية صورة الله أمامهما، مشيرًا إلى أن الله كان يسخر من البشر، بوضعهم في بيئة رائعة بأشجارها الجميلة وثمارها الفاتنة ثم منعهم من أكل تلك الفاكهة. كما ألمح العدو أيضًا إلى أن الله يريد أن يحد من حرية الإنسان من خلال عدم ترك البشر يصبحون مثل الله. لقد قامت الحية بخداعهم.
كانت الخطية “الأصلية” التي أصابت الجنس البشري منذ بدايته هي ثورة الروح البشرية ضد الله الذي خلقها -ثورة غيرت موقف المخلوق تجاه خالقه، تجاه البشر الآخرين والمخلوقات من حولنا. بمجرد أن تناول البشر الأوائل الثمرة المحرمة، شعروا بالخزي وعدم الارتياح، وقبل كل شيء، الاغتراب عن الله. سيتبع موت علاقتهم مع الله حتماً، ولكن ليس على الفور، بالموت الجسدي. شعر الرجل والمرأة اللذان استمتعا بفرح الله وصداقته، الآن أن الله أصبح عدوهما، فهربا للاختباء منه.
فيالطريق
وبالمثل، نهرب نحن البشر منذ ذلك الحين. يكمن في قلب الإنسان شك في أن الله، إن وجد أصلاً، هو معادٌ لنا بالفطرة. يمنعنا من الاستمتاع بالملذات الطبيعية ويقمعنا نفسياً. إنه يمنعنا من تطوير إمكاناتنا البشرية الكاملة. ربما تفكر في هذه الأفكار بالذات الآن -تتخيل أن الله طاغية ومتنمر، وأنه هو المُلام عن كل شيء.
حتى نظرة سطحية على نص سفر التكوين تظهر أن هذه الشكوى تقوم على تشويه شديد. من المؤكد أن الله خلق آدم ليكون فضوليًا ولكن ليس ساخطًا. لم يُمنع البشر الأوائل من إثارة فضولهم. العكس هو الصحيح: كانوا محاطين بعالم كامل من الإمكانات. شجعهم الله على الانخراط في المهمة الرائعة المتمثلة في تسمية الأشياء -في حالتهم، الحيوانات -وهي مهمة تمثل جوهر العلم. أراد الله لهم أن يستكشفوا كونه -خليقته -ويكتشفوا كنوز حكمته.
أما بالنسبة لـ “المنع”، فلاحظ أن شيئًا واحدًا فقط كان ممنوعًا وأن هذه الفاكهة بالذات كانت ممنوعة، ليس لتقييد البشرية ولكن حتى يتمكنوا من تطوير علاقة ثقة مع الخالق. يمكنهم حقًا اختيار ما إذا كانوا سيثقون في الخالق ويصدقون كلمته أو يفهمون ما تخيلوا أنه سيحدث لهم من خلال تأكيد استقلالهم عنه.
التشخيص الكتابي، إذن، هو أننا ورثنا طبيعة خاطئة ثم شرعنا في ارتكاب الخطية لحسابنا الخاص. نحن، من جميع الجوانب، نعيش مجبرين ومتأثرين بروح سائدة لعالم ساقط. كما يقول العهد الجديد، “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رومية 3: 23). ومع ذلك، يبدو هذا غير عادل بشكل صارخ لكثير من الناس. يقولون، “لم نطلب أن نولد من عرق تضرر من جذوره. لماذا يجب إدانتنا نتيجة لما فعله شخص آخر في الأصل؟ ” ياتي الرد على هذا الاعتراض المعقول في تصريح لاحق للقديس بولس في نفس الرسالة: “لأنه بعصيان الإنسان الواحد أصبح الكثيرون خطاة، هكذا بطاعة الإنسان الواحد سيُبرر الكثيرون” (رومية 5: 19).
لأننا لسنا مسؤولين شخصياً عن دخول الخطية إلى العالم، لسنا شخصياً في وضع يسمح لنا بتصحيح الوضع برمته. هذا هو السبب في أن الخلاص من الخطية المقدم البشرية في العهد الجديد منطقي، لأنه (وحده) يتناسب مع حجم المشكلة. نظرًا لأننا جعلنا خطاة بسبب ما فعله شخص آخر، فإن الإنقاذ والفداء يقدمان لنا مجانًا بنفس الشروط: من خلال ما فعله شخص آخر، وليس من خلال ما يمكننا فعله بأنفسنا. هذا ما ادعى يسوع أنه جاء ليفعله:
نظرًا لأنهم لا يدركون مدى خطورة المشكلة، يبدو أن العديد من الناس يجدون صعوبة في فهم مبدأ المعاناة النيابية، ونتيجة لذلك، فإن سوء الفهم منتشر. وأحد أسباب ذلك هو تداعيات أخرى للاغتراب البشري عن الله: الفكرة الشائعة القائلة بأنه يمكننا استحقاق قبول الله من خلال تكديس وتجميع الكثير من أعمالنا الصالحة. بعد كل شيء، تعتمد أشياء كثيرة في الحياة على الجدارة -الحصول على مؤهل جامعي، ووظيفة، وترقية، وما إلى ذلك.
نتيجة لذلك، يعتقد الكثير من الناس أن “الخلاص”، إذا كان يعني أي شيء على الإطلاق، هو ببساطة نوع من الرموز الدينية التي يتعين علينا الاحتفاظ بها لكسب قبول الله، مثل المبدأ الأخلاقي المتمثل في حب قريبك كنفسك أو اتباع طقوس واحتفالات معينة. هذا يقودهم إلى محاولة جاهدة الاحتفاظ بهذا الرمز لفترة، ولكن في النهاية فقط يجدوا أن محاولة القيام بذلك يمكن أن تكون نوعًا غير سارة للغاية من العبودية. ثم يستنتجوا (بشكل صحيح، في الواقع) أن المشروع ميؤوس منه، ويستسلمون. يعتقدون أنهم فهموا المسيحية، وجربوها ووجدوا أنها لا تعمل، ورفضوها.
محادثةعلىالقطار
الصعوبة الرئيسية هنا هي مفهوم “الدين”. لقد اختبرت هذا من خلال سؤال العديد من الناس عن رأيهم في الدين. الإجماع العام هو أن الدين هو وسيلة لربط البشر بشيء يتجاوز ذواتهم، بشيء متسامٍ، باستخدام التعليم والطقوس والاحتفالات. يتكون الدين عادة من طقوس القبول في الدين -التوعية أو الإستهلال، والمسار الذي يجب اتّباعه على أساس التعليم المحدد لهذا الدين، والدخول إلى العالم على أساس الجدارة المكتسبة في المسار.
أتذكر بوضوح مناقشة هذا في مجموعة غير عادية من الظروف. كنت ألقي محاضرة في كنيسة في شمال المجر وكنت في طريقي بالقطار عبر بودابست من أجل العودة إلى الوطن من فيينا. وجدت مقعدي المحجوز في عربة من الدرجة الثانية وجلست. على الفور بدأت أشعر بعدم الارتياح بشأن المقعد -وهي تجربة لم يسبق لي أن خضتها من قبل. اعتقدت في البداية أنني كنت في المقعد الخطأ، لكن التحقق من تذكرتي أظهر أن الأمر لم يكن كذلك. ثم خطر لي أن عليّ أن أذهب وأجلس في الدرجة الأولى. أصبحت هذه القناعة قوية لدرجة أنني نزلت من العربة وسرت إلى مقدمة القطار ووجدت أن هناك عربتان من الدرجة الأولى -إحداهما كانت رديئة وقديمة، والأخرى بدت جديدة تمامًا. عندما كان القطار على وشك المغادرة، حاولت الدخول إلى العربة الجديدة اللامعة، لكنني وجدت بشكل غريب أنني لا أستطيع تحريك ساقيّ. بدأت أشعر بالذعر، معتقداً أنني أعاني من نوع من النوبات. لكن عندما استدرت نحو العربة المتهالكة، وجدت أنه يمكنني التحرك، ولذا ذهبت وجلست هناك قبل أن يخرج القطار من المحطة.
لقد استلقيت للتو على المقعد بالقرب من باب المقصورة لأن المقعدين القريبين من النافذة كانا مشغولين. في الحال شعرت بالاسترخاء والعودة إلى طبيعتي مرة أخرى، لكنني في حيرة شديدة لما حدث.
أغمضت عيني لأخذ قسطًا من الراحة وأدركت أن الرجلين في المقعدين القريبين من النافذة يتحدثان بهدوء مع بعضهما البعض بلغة لا أستطيع فهمها. بعد فترة، غيّرا لغتهما إلى اللغة الفرنسية، والتي كنت أستطيع أن أفهمها وأتحدث بها، لذلك تمنيت لهما يومًا سعيدًا وتحدثنا قليلاً حول وظائفنا. وكان كلاهما محاميين دوليين كبيرين: أحدهما سفير والآخر قاض من محكمة دولية. شرحت أنني كنت عالم رياضيات.
انتهت المحادثة وبدأت أغفو عندما قال أحدهم فجأة، “!Voyez les croix” (“انظر إلى الصلبان!”). أشار إلى مقبرة عبر النافذة ثم أطلق سؤالاً غير موجه لأحد، “هل يوجد مسيحيون في هذا البلد؟” أجبتهم بإخبارهم أن هناك بالفعل العديد من المسيحيين، وقد قضيت أسبوعاً مع بعضهم، أُعلّمهم بواسطة الكتاب المقدس.
جاء الرد: “لكن هذا ليس عقلانيًا”. “أنت عالم رياضيات؛ كيف يمكنك أن تأخذ الكتاب المقدس على محمل الجد؟ وعلى أي حال، يمكننا الاقتراب مباشرة من الله، حتى في الصحراء. لسنا بحاجة إلى وسطاء مثل يسوع ومريم لمساعدتنا”.
بعد محادثة أخرى، قلت خلالها إن إيماني المسيحي قائم على الأدلة، قال الرجل الآخر: “انظر، لدينا ثلاث ساعات أخرى في هذا القطار. هل أنت مستعد لتشرح لنا الفرق بين المسيحية وديننا؟”
سألتهما ما هو جوهر دينهما ثم نظرت حولي بحثًا عن الورق والقلم لتوضيح إجابتي. لم أجد أي شيء، لقد لاحظت أن أرضية العربة كانت مُغبّرة تمامًا ولذلك رسمت الرسم التوضيحي أدناه بإصبعي في التراب متسائلاً: “هل من العدل أن تقول إن دينك يصل إلى هذا الحد؟”
“هناك باب للاستهلال في البداية، ربما حفل من نوع ما، أو ربما يكون ولادتك في مجموعة معينة، مما يؤدي إلى بدء مسار أو طريق ما ويشير إليه الخط المتموج. لديك أشخاص لتعليمك وإرشادك (يُشار إليهم بالقبعات الأكاديمية)، والمسار يتجه صعودًا وهبوطًا وفقًا لنجاحك في اتّباع المسار. ثم تأتي عند الموت إلى تقييم نهائي، تدل عليه مقاييس العدالة حيث يتم فحص حياتك؛ وما إذا كان مسموحًا لك بالتقدم إلى عالم مجيد قادم يعتمد على أعمالك الصالحة التي تفوق أعمالك السيئة.”
“نظرًا لأنه نظام قائم على الجدارة، بغض النظر عن مدى جودة المعلمين أو المستشارين أو الأئمة أو الكهنة أو الرابيّيّن، فلا يمكنهم ضمان النجاح في التقييم النهائي. بمعنى آخر، إنها تشبه إلى حد كبير دورة جامعية: عليك أن تفي بمتطلبات أولية معينة، وتتابع الدورة، ثم تقدم الامتحانات النهائية. بغض النظر عن مدى جودة ولطف أساتذتك ومعلميك، لا يمكنهم ضمان حصولك على درجة لأن ذلك يعتمد كليًا على جدارتك في الامتحانات النهائية “.
اتفق الرجلان على أن هذا لم يكن فقط ما يؤمنان به ولكن هذا ما يعتقده جميع المتدينين -أنه جوهر الدين. ليس هذا فقط، لكنهما اتفقا أيضًا على أن الأديان تشترك في قدر كبير من التعاليم الأخلاقية.
قلت: “حسنًا، هذا يعني أنني لست شخصًا متدينًا”.
فأجابا: “لكنك قلت إنك مسيحي”.
“نعم، أنا مسيحي، وما يجب أن أقوله الآن هو إجابة مباشرة على سؤالكما الأصلي: ما الفرق بين ما أؤمن به وما تؤمنان به؟ لكن دعاني أقول أولاً إنني أتفق معكما في أن هناك الكثير من التعاليم الأخلاقية المشتركة. إليكما، على سبيل المثال، ما يُطلق عليه غالبًا “القاعدة الذهبية”، والتي تقول إحدى نسخها، “عامل الآخرين بالطريقة نفسها التي تحب أن يعاملوك بها”. ستجد ذلك في كل دين وفلسفة تحت الشمس، بما في ذلك تلك الأديان والفلسفات التي لا تؤمن بالآلهة من أي نوع.
“تنشأ الاختلافات فيما يجب أن تقوله الأديان عن علاقتك بالله أو الآلهة. يُظهر رسمي التوضيحي وجهة النظر المشتركة التي تشاركها -المسيحية -مع العديد من الآخرين. ومع ذلك، فإن الرسالة المسيحية مختلفة تمامًا. وهي لا تتألف من قبول الله القائم على الجدارة عند الدينونة النهائية. تُعلّم المسيحية شيئًا راديكاليًا تمامًا في هذه المرحلة. تُخبرنا أنه يمكن قبولنا في بداية المسار. تُعلِّم أن الخطوة الأولى ليست طقوسًا أو شعائر أو احتفالًا يتم إجراؤه على رضيع أو بالغ، ولكنها خطوة التزام تجاه شخص، وهو يسوع المسيح، يتضمن ذلك الإيمان بأنه الله المتجسد، وقد جاء إلى العالم ليبذل حياته فدية عن خطايانا، التي تبعدنا عن الله”.
في هذه المرحلة، رسمت صليبًا في المدخل في بداية الرسم الذي رسمته مُسبقاً في الغبار على الأرض.
قلت لهما: “الآن، إذا كنتما تريدان إجابتي على سؤالكما، فيُرجى الاستماع ومحاولة فهمها قبل إصدار الحكم عليها”.
قالا “استمر”.
“هذا ما قاله يسوع: من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله الحياة الأبدية. إنه لا يأتي إلى الدينونة، لكنه ينتقل من الموت إلى الحياة. “(يوحنا 5: 24). السياق هو ادعاء يسوع المذهل بأنه سيكون آخر ديان للبشرية”.
التفتُّ إلى القاضي في المقعد بجوار النافذة. وقلت: “ياسيدي القاضي، لنفترض أنني عرضت قضيتي عليك، وأنت أعلنت أني برئ؛ هل من المنطقي أن أصدّق كلامك؟”
أظهر موجة من السخط: “بالطبع” ثُمّ قال، “أنا القاضي، المقيم النهائي، وإذا قلت إنك حر، فأنت حر.”
أجبته “حسنًا، هذا هو بالضبط”. “يسوع هو أعلى قاضٍ في الكون. ويقول إننا إذا وثقنا به شخصيًا، فسوف يعلن أننا على صواب مع الله على أساس أنه دفع هو نفسه على الصليب ثمن حكم الإدانة التي تستحقها خطايانا. علاوة على ذلك، فإن الدليل على صحة هذا هو، كما قال الرسول المسيحي الأول بولس للفلاسفة في أثينا، أن الله قد أثبت ذلك للجميع من خلال إقامة يسوع من بين الأموات “.
ساد الصمت في العربة لفترة طويلة ثم قال السفير للقاضي، “هناك فرق كبير بين المسيحية وما نعتقده عادة كدين”. التفت إليّ فقال، “وكل هذا يتوقف على من هو يسوع المسيح حقًا”.
أجبته: “بالضبط”.
ثم أخبراني القصة التالية. في عطلة نهاية الأسبوع تلك كانا يحضران مؤتمراً رفيع المستوى في فيينا ووجدا أن يومهما خالٍ. طلبا سيارة من السفارة لنقلهما إلى بودابست، وبعد قضاء معظم اليوم هناك، بدءا رحلة العودة. تعطلت سيارتهما خارج محطة القطار. لم يكن لديهما خيار سوى ركوب القطار.
أوضحا، “نحن لا نسافر بالقطار، لم نقم بذلك منذ سنوات.”
“ثم نلتقي بك في القطار ونجري محادثة من النوع الذي لم نشهده من قبل، ولا حتى في الجامعات الرائدة في العالم التي حضرناها. كيف تفسر ذلك؟”
أجبتهما “بكل بساطة، أعتقد أن هناك شيئًا اسمه التوجيه الإلهي وهذا مثال على ذلك.”
أنا أروي هذه القصة ليس فقط لمساعدتنا على رؤية الفرق بين وجهات النظر التقليدية للدين وجوهر الرسالة المسيحية. أنا أرويها لإثارة نقطة مهمة أخرى. كما ترون، فإن الله لا “يوجد” فقط بطريقة أكاديمية وفلسفية. إنه حي ونشط في العالم، يعمل في حياتنا، ويتواصل معنا، ويتحدث إلينا من خلال الخليقة وفي النهاية من خلال ابنه يسوع المسيح. لقد كان لدي الكثير من “الصدف” في حياتي للقول إنها حظ أعمى؛ كان هذا اللقاء مجرد واحد من بين العديد منها.
وأنت أيها القارئ العزيز تجد نفسك تقرأ هذا الكتاب. قد يكون قد أُعطيَ لك من قبل صديق، أو التقطته عشوائيا. قد تكون لديك أسئلة عميقة عن الله، أو ربما تكون ببساطة فضوليًا. هل يمكنني أن أكون جريئًا لدرجة أن أقترح أنك تقرأ هذا لسبب ما؟ أن إله الكون قد وضعك في مكانك، وهذا الكتاب في يدك، حتى تتمكن، ربما، من الوصول إليه؟
ربما لديك، مثل كثيرين غيرك، نظرة خاطئة عن الله وكيف نتعامل معه، وهذه هي طريقته في تنبيهك إلى هذه الحقيقة. الأمر يستحق أن تفكر فيه.
كيف نُكوّن علاقة مع الله
كثيرا ما كنت أستخدم تلك الصورة[102] التي رسمتها على أرضية القطار، وأحيانًا أعزز رسالتها من خلال تكبيرها بأخرى. تخيل أنني قابلت فتاة، ووقعت في حبها وقررت أن أتقدم لها. فاقتربت منها وأعطيتها طردًا مغلفًا بالهدايا. فتسأل ما هو ثم أقول لها أن تفتحه وسأشرح. فتجد فيه كتاب طبخ شهير. فتعرب عن تقديرها، ثم أقول لها إن الكتاب مليء بالقواعد والتعليمات حول كيفية الطبخ الممتاز. الآن، أنا معجب بها حقًا وأود أن تكون زوجتي؛ ولذا أقول لها إنها إذا حافظت على القواعد والتعليمات وطهت لي بمستوى عالٍ جدًا، على سبيل المثال، للأربعين عامًا القادمة، فسأفكر في قبولها كزوجة. إذا لم يكن الأمر كذلك، يمكنها العودة إلى منزل والدتها!
إنه سيناريو سخيف بالطبع، وإذا ألقت الكتاب في وجهي ولم تتحدث معي مرة أخرى، فسوف أحصل على أقل بكثير مما أستحقه. لماذا؟ لأن اقتراحي يهينها كشخص إلى أقصى الحدود. اقتراح يقول إنني سأنتظر لسنوات لأرى كيف تؤدي في المطبخ قبل أن أقبلها زوجة.
لن نحلم أبدًا بمعاملة شخص مثل هذا. هذه ليست الطريقة التي تتشكل بها العلاقات. ومع ذلك، فإن الشيء الملحوظ هو أن هذا هو بالضبط الموقف الذي يتخذه كثير من الناس تجاه الله: إنهم يحاولون تكديس استحقاقاتهم على أمل أن ينالوا يومًا ما قبول الله، كما في إيضاحي للمسار المتموج. يمكن لأي شخص أن يرى أن هذه الطريقة لا تعمل مع زملائنا الرجال والنساء. لن تعمل مع الله أيضًا، لأن الله هو الشخص الذي خلقنا على صورته. وغالبًا ما يكون كبرياءنا هو الذي يخفي هذا عنا. من اللافت للنظر كم من الناس يبدو أنهم مستعدين للعمل من أجل الله لكسب خلاصهم، لكنهم غير مستعدين للثقة به.
يجدر التأكيد مرة أخرى: وفقًا للمسيحية، “الخلاص” يعني بالضبط ذلك -عمل من جانب الله لإنقاذ أولئك الذين لا يستطيعون مساعدة أنفسهم. في قلبها عقيدة نعمة الله الرائعة. تقول أنه، إن شاءوا، يمكن أن يُغفر لأي شخص وأن يجد حياة جديدة وصداقة مع الله -أياً ما كانوا عليه ومهما فعلوا.
إيجاد غفران الله
يقودنا هذا إلى عنصر أساسي آخر في الرسالة المسيحية التي ذكرتها في إيضاحي للمحامين في القطار: أن يسوع سيكون الدّيّان النهائي.
ادعى المسيح نفسه هذا الدور خلال حياته على الأرض وقال هذا عن كيفية عمل الدينونة:
من الواضح أن الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يمكن أن ينالوا القبول مع الله من خلال استحقاقهم ليسوا على دراية بموقفهم تجاه دينونة الله. لأننا جميعًا نعلم أننا نقصر، وأحيانًا نقصّر كثيرًا جدًا، عن معاييرنا، ناهيك عن معايير الله. كلما أخذنا شريعة الله على محمل الجد، كلما رأينا كم نحن خطاة. ومع ذلك، يأمل الكثير من الناس أنه عندما يتعلق الأمر بالدينونة، فإن الله لن يأخذ معاييره على محمل الجد، ولكن سيكون له موقف هادئ ويتستر على آثامنا ويقبلنا. هذا هو الفشل في رؤية أن قداسة الله لا يمكن ولن يتم المساس بها. معياره هو الكمال، لذا فإن الشخص الذي “يحافظ على الناموس بأكمله ولكنه يفشل في نقطة واحدة يصبح خاطئا في الكل “. (يعقوب 2: 10). والقول بأن هذا ليس عدلاً مثل القول بأنه ليس من العدل أن ينقطع رابط واحد فقط في السلسلة التي تربط السفينة بالمرساة، فتذهب السفينة على غير هدى وتضيع. هذا هو الحال في طبيعة العلاقة.
الطريقة الوحيدة لتجنب الدينونة، كما يخبرنا المسيح في محبته، هي التوقف عن محاولة الحصول على القبول بالاستحقاق والثقة بدلاً من ذلك في المسيح للخلاص. اسمحوا لي أن أكرر: لا يعتمد القبول عند الله على بلوغ مستوى الكمال الذي يستحيل على الإنسان على أي حال بلوغه. الخبر السار هو أن الخلاص الذي به يكون الله مستعدًا لقبولنا، كما يقول العهد الجديد مرارًا، “هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.” (أفسس 2: 8 -9).
ومع ذلك، مثل كل الهدايا، يجب أن يتم قبولها. وهذا لايحدث بشكل تلقائي. إنه ينطوي على التوبة ووضع ثقتنا في الله كعمل متعمد من إرادتنا. المنطق في ذلك مهم: بما أن التمرد البشري الأصلي ضد الله انطوى على عدم الثقة والتمسك بالاستقلال، فإن طريق العودة يتضمن حتمًا التوبة عن هذا الموقف، والثقة بالله وتعلم الاعتماد عليه. وهذا يشمل:
التوبة -أي تغيير القلب والفكر لإدراكنا أننا خطاة وقد أساءنا إلى الله؛ والاتفاق مع حكم الله على الخطية في حياتنا التي أضرت بنا؛ الابتعاد عن خطايانا. وإدراك أن يسوع أخذ على نفسه الدينونة التي نستحقها.
الإيمان -أي قبول المسيح من خلال عمل متعمد من الالتزام والثقة في عطية الخلاص التي لم نتمكن من كسبها أو توفيرها لأنفسنا.
يتفاعل البعض بالقول إن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، لأنه إذا كان الخلاص لا يعتمد على استحقاقنا، فيمكننا الاستمرار في العيش بمرح كما نحب وسيظل الله يقبلنا. ليس الأمر كذلك. يُظهر الشخص الذي يتخذ هذا الموقف أنه لم يبدأ في فهم معنى التوبة. لا خلاص لمن ينوي الاستمرار في الخطية.
لأنه، كما هو الحال مع الزواج -حيث، كما قلنا أعلاه، يحدث القبول في بداية العلاقة -كذلك مع المسيح؛ هو بالضبط نفس الشيء. نحن نُقبَل في اللحظة التي نتوب فيها ونثق به. بعد ذلك، نرغب في العيش لإرضائه، ليس من أجل الحصول على القبول ولكن لأننا نمتلكه بالفعل. إن القيام بخلاف ذلك يدل على أننا لم نفهم أبدًا ما يعنيه الخلاص حقًا.
بقولي، “كل هذا يتوقف على من يكون يسوع”، أدرك شريكي في المحادثة في القطار في ذلك اليوم في المجر أن قلب المسيحية هو شخص يسوع المسيح. تكون رسالتها منطقية فقط إذا كان هو الشخص الذي ادعى أنه ما هو عليه: الله المتجسد، المخلص. هذا ادعاء مذهل، ولهذا السبب قدمنا في هذا الكتاب أدلة على صحة هذا الادعاء من مجموعة متنوعة من المصادر.
في هذا الفصل، قد يبدو أننا قد ابتعدنا عن الاعتبارات العلمية السابقة، وفي الواقع، من ناحية ما لدينا. ولكن ليس تمامًا. أولاً، لأننا تقدمنا مثل كل العلم بأسلوب البحث العقلاني. ثانيًا، لأننا الآن في وضع يسمح لنا برؤية مدى نجاح المسيحية عندما نطبق مفهومًا علميًا للغاية عليها –قابلية الاختبار.
لا تزال هناك خطوة أخيرة في رحلتنا الاستكشافية …
عاشراً. الدخول إلى المعمل: إختبار حقيقة المسيحية
في العلم، يلعب اختبار الأفكار والفرضيات والنظريات الجديدة دورًا مهمًا للغاية. على سبيل المثال، عندما يقوم مهندس طيران بتصميم طائرة جديدة، يتم بناء نموذج أولي واختباره بدقة وفحصه وإعادة اختباره للتأكد من أنه يمكن الوثوق به لنقل مئات الركاب حول العالم بأمان.
في ضوء ذلك، كثيرًا ما يسألونني كيف يمكنني أن أكون عالمًا ومسيحيًا لأن كل شيء في العلم قابل للاختبار ولكن لا شيء في المسيحية كذلك. مرة أخرى، هذا التعليق ينم عن سوء فهم أساسي لكل من العلم والإيمان المسيحي. أولاً، يجب أن نتذكر أن بعض النظريات العلمية المهمة لم يتم اختبارها بعد -على سبيل المثال، توقع الراحل ستيفن هوكينج أن الثقوب السوداء تشع. يُعتقد على نطاق واسع أن أي شخص يبتكر اختبارًا يؤكد توقعات هوكينج سيفوز بجائزة نوبل.
ثانيًا، يمكن اختبار المسيحية. لقد فعلنا بالفعل قدرًا كبيرًا من ذلك على المستوى الواقعي، في التفكير في الطريقة التي تقف بها الرسالة المسيحية ضد وجهة نظر عالمية إلحادية، وفي مناقشة مصداقية الوثائق الكتابية، وفي التحقيق في أدلة القيامة.
المسيحية هي أيضًا قابلة للاختبار بشكل بارز على المستوى الشخصي. إذا لم يكن الأمر كذلك، فأنا شخصياً لن أهتم بها. كيف نختبرها؟ فكر فيما وعد به يسوع لأولئك الذين يتوبون عن خطاياهم ويثقون به للخلاص -سلام مع الله، ومغفرة، وحياة جديدة مع قوى ورغبات وفُرص جديدة، وشركة جديدة وصداقة مع الله، حب عميق لمجتمع جديد من المسيحيين، وسُبُل جديدة للخدمة، وإمكانية ازدهار الإنسان، بالإضافة إلى موارد للتعامل مع آلام الحياة ومعاناتها -كل ذلك يغمر الحياة بمعنى جديد.
ليس من الصعب اختبار ذلك.
أولاً، يمكنك قراءة العهد الجديد ومعرفة تأثير الرسالة التي جلبها يسوع والرسل على أولئك الذين تعاملوا معهم -تقديم الحب إلى غير المحبوبين، وإحضار العقل إلى غير المستقرين عقليًا، الصحة للمرضى، أمل جديد لليائسين وخلاص للمفقودين.
وما حدث بعد ذلك لا يزال يحدث الآن.
صرخةمنالمعرض
منذ فترة، كنت ألقي محاضرة في إحدى الجامعات الأمريكية الكبرى، أتحدث عن مصداقية المسيحية. بعد أن انتهيت مباشرة، في الشرفة، وقف طالب صيني وصرخ بصوت عالٍ، “انظروا إليّ!” كان الأمر مذهلاً للغاية ونظرنا جميعًا. خاطبته وقلت: لماذا ننظر إليك؟ جاء رده كالتالي: “منذ ستة أشهر كانت حياتي في حالة من الفوضى: لم أشعر بالسلام ولم أر أي مخرج. لقد تم اصطحابي إلى محاضرة ألقيتها في جامعة أخرى، وشيء قلته أثار رد فعل داخلي. بعد أسابيع قليلة أعطيت حياتي للمسيح. فقط انظر إليّ الآن!” وكان يشع بهجة يمكن أن نراها جميعًا. لقد اختبر المسيحية ووجدها صحيحة.
يمكن تكرار هذا النوع من القصص مرارًا وتكرارًا في حياة جميع أنواع الناس: مدمنو المخدرات والمديرون ذوو السلطة. السباكين وضباط الشرطة. العلماء والطلاب وعُمال نظافة الشوارع. وبروح البحث العلمي الحقيقية، يضيف كل تكرار إلى الدليل على أن المسيحية صحيحة.
غالبا ما يحدث مثل هذا نلتقي بأشخاص ويخبرونا عن مشاكلهم في العلاقات والمال وربما الكحول والمخدرات والتوتر والاكتئاب وأشياء أخرى لا حصر لها. ثم نلتقي بهم بعد ذلك ببعض الوقت ونجدهم قد تغيروا تمامًا – عادت حياتهم الزوجية، واستبدلوا الكحول والمخدرات بالطعام على المائدة، تحسنت أعصابهم، وأصبح لديهم إحساس واضح بالرفاهية والمعنى في حياتهم. نسأل ماذا حدث. قد تأخذ الإجابة أشكالاً مختلفة:
قابلت المسيح
أدركت أنه لا يوجد مخرج وشرح لي أحدهم الرسالة المسيحية وتحولت عن طرقي السيئة ووثقت بالمسيح.
لقد قرأت العهد الجديد وتم تبكيتي داخليًا، لذا التفت إلى المسيح.
أصبحت مسيحياً
عندما يرى المرء أن هذا يحدث مرارًا وتكرارًا، فليس من الصعب إضافة اثنين واثنين والحصول على أربعة. على مستوى الخبرة، هناك أدلة دامغة على قدرة المسيح على التغيير في حياة أولئك الذين يلجأون إليه للخلاص.
ما وراء الشك
الكلمة اليونانية التي اشتقت منها كلمة “متشكك” هي skeptein، والتي تعني “التحقق من على بُعد”. ومن المهم القيام بذلك من أجل تجنب الخداع. لهذا السبب قضينا الكثير من الوقت في هذا الكتاب نتحقق من الأشياء -الأسباب والحجج والأفكار والأدلة. ولكن تأتي نقطة، بعد أن نتحقق من أكبر قدر ممكن، عندما يتعين علينا التخلي عن بعدنا من أجل إحراز تقدم.
لن تتعرف عليّ أو على أي شخص آخر إذا بقيت على مسافة. إذا كنت ترغب في التعرف عليّ، فسيتعين عليك اتخاذ خطوة التخلي عن المسافة والمشاركة معي في محادثة. لا يمكنك حتى معرفة ما هي العلاقة بدون مشاركة. نفس الشيء مع الله. يمكننا ويجب علينا فحص الأشياء من مسافة بعيدة، ولكن هذه مجرد خطوة أولى. من أجل الحصول على الدليل النهائي لحقيقة المسيحية، علينا أن نتخلى عن تلك المسافة ونتوب ونثق في المسيح.
لقد اتخذت هذه الخطوة منذ أكثر من 60 عامًا واختبرت أن وعود المسيح صحيحة في كل طريق من حياتي: في عائلتي، في حياتي المهنية، وفي توضيح الرسالة المسيحية للمجتمع الأوسع. لكن تجربتي لن تفيدك. يمكنك ويجب أن تختبر هذا التحول بنفسك.[103]
التجربةالنهائية
هل يُمكن للعلم أن يفسر كل شيء؟ أعتقد أنه من الواضح تمامًا أنه لا يمكنه ذلك.
هل يختلط العلم والمسيحية؟ نعم، آمل أن أكون قد أوضحت لك أنهما يختلطان جيدًا. ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن العلم، رغم أنه رائع، هو مجرد استكشاف للعالم من حولنا. المسيح هو الشخص الذي أوجد عالمنا وأنفسنا. من الصعب علينا إدراك حجم هذا الأمر. هذا ما قاله الرسول بولس:
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
في نهاية كتابه المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية Philosophiae Naturalis Principia Mathematica (London, 1687) كتب نيوتن:
هذا أجمل نظام للشمس والكواكب والمذنبات يمكن أن ينطلق فقط من مشورة وسيطرة كائن ذكي وقوي. هذا الكائن يتحكم في كل شيء، ليس كروح العالم، بل كسيد على الكل.[104]
يترتب على سيادته الحقيقية أن الإله الحقيقي هو كائن حي، ذكي وقوي؛ ومن كمالاته الأخرى، أنه هو الأسمى أو الأكثر كمالًا. إنه خالد ولانهائي، كلي القدرة وقادر على كل شيء؛ أي أن مدته تمتد من الأزل إلى الأبد؛ حضوره من اللانهاية إلى اللانهاية؛ إنه يحكم كل الأشياء، ويعرف كل الأشياء التي يمكن القيام بها أو التي يمكن القيام بها.[105]
خلق الله العالم وحكمه بشكل غير مرئي، وأمرنا أن نحبه ونعبده دون أي إله آخر؛ وأن نكرم آبائنا وأسيادنا، ونحب جيراننا كأنفسنا؛ وأن نكون معتدلين عادلين ومسالمين ورحماء حتى مع الوحوش المتوحشة. وبنفس القوة التي أعطى بها الحياة في البداية لكل أنواع الحيوانات، فهو قادر على إحياء الموتى، وقام بإحياء يسوع المسيح مخلصنا، الذي ذهب إلى السماء ليحصل على ملكوت، ويهيئ مكانًا لنا، وهو التالي في كرامة الله، ويمكن أن يُعبد كحمل الله، وقد أرسل الروح القدس ليعزينا في غيابه، وسيعود طويلًا ويملك علينا.[106]
على عكس التقوى الإلحاد من جهة المهنة وعبادة الأصنام من جهة الممارسة. الإلحاد أمر لا معنى له وبغيض للبشرية، لدرجة أنه لم يكن لديه أساتذة كثيرون. هل يمكن أن يكون لجميع الطيور والوحوش والرجال شكل جانبهم الأيمن والجانب الأيسر على حد سواء (ما عدا في أمعائهم)؛ وعينان فقط، وليس أكثر، على جانبي الوجه؛ وأذنان فقط على جانبي الرأس؛ وأنف بفتحتين. وإما راجلان أم جناحان أم ذراعان على الكتفين ورجلين على الوركين ولا أكثر؟ من أين ينشأ هذا التوحيد في جميع أشكالها الخارجية إن لم يكن من مشورة المؤلف واختراعه؟ من هنا تكون عيون جميع أنواع الكائنات الحية شفافة إلى الأسفل، والأعضاء الشفافة الوحيدة في الجسم، التي لها من الخارج بشرة شفافة صلبة، ومن الداخل أخلاط شفافة، مع عدسة بلورية في المنتصف، وبؤبؤ أمام العدسة، كلهم مصممين بدقة ومناسبين للرؤية بحيث لا يستطيع أي فنان إصلاحهم؟ هل علمت المصادفة العمياء أن هناك ضوءًا، وما هو انكساره، وتناسب أعين جميع المخلوقات، بأشد الطرق غرابة، للاستفادة منه؟ هذه الاعتبارات، وما شابهها، كانت دائمًا، وستسود دائمًا مع البشرية، للاعتقاد بأن هناك كائنًا صنع كل الأشياء، ولديه كل الأشياء في قوته، وبالتالي يجب أن يُهاب. لذلك، يجب أن نعترف بإله واحد، غير محدود، أبدي، كلي الوجود، كلي العلم، كلي القدرة، خالق كل الأشياء، الأكثر حكمة، الأكثر عدالة، الأكثر صلاح، الأكثر قداسة. يجب أن نحبه، نخافه، نُكرِمَهُ، نثق به، نُصلِّي له، نشكره، نحمده، نُقدِّس اسمه، نُطيع وصاياه.[107]
وعندما تقتنع، لا تخجل من الاعتراف بالحقيقة. وإلا فقد تصبح حجر عثرة للآخرين، وترث نصيب حُكّام اليهود الذين آمنوا بالمسيح، لكنهم مع ذلك كانوا يخشون الاعتراف به لئلا يُطردوا من المجمع. لذلك، عندما تقتنع، لا تخجل من الحق، بل اعترف به علانية واعمل على إقناع أخيك أيضًا أنك قد ترث في القيامة الوعد الذي قطعناه في دانيال 12: 3، أن “الْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ.” وابتهج إذا حسبت مستحقًا أن تتألم في سمعتك أو بأي طريقة أخرى من أجل الإنجيل، إذًا، “عظيم هو أجرك”![108]
الإله الأسمى موجود بالضرورة، وبنفس الضرورة فهو موجود دائمًا وفي كل مكان.[109]
الإلحاد لا معنى له. عندما أنظر إلى النظام الشمسي، أرى الأرض على مسافة مناسبة من الشمس لتلقي الكميات المناسبة من الحرارة والضوء. هذا لم يحدث بالصدفة.[110]
لدي إيمان أساسي في الكتاب المقدس باعتباره كلمة الله، التي كتبها رجال موحى بهم. انا ادرس الكتاب المقدس يوميا.[111]
أجد علامات موثوقة للأصالة في الكتاب المقدس أكثر من أي تاريخ وثني على الإطلاق.[112]
جاليليو جاليلي (1564-1642)، مؤسس الفيزياء التجريبية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
إلى الرب الذي أعبده وأشكره، الذي يحكم السماوات بجفنه إليه أعود متعبًا ولكن مليئًا بالحياة.[113]
عندما أفكر في الكثير من الأشياء الرائعة التي استوعبها الأشخاص وسعوا إليها وفعلوها، أدرك بشكل أكثر وضوحًا أن العقل البشري هو عمل الله، وواحد من أفضل الأعمال.[114]
لا يمكن للكتاب المقدس أن يخطئ والقرارات الواردة فيه صحيحة تمامًا ولا تمس. لكن مفسريها ومترجميها عرضة للخطأ من نواح كثيرة.[115]
لا يمكن للكتاب المقدس أن يتكلم بالكذب -متى ما فهمنا معناه الحقيقي.[116]
نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543)، مؤسس نموذج مركزية الشمس
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
لمعرفة أعمال الله العظيمة، لفهم حكمته وجلالته وقدرته، لتقدير العمل الرائع لشرائعه، من المؤكد أن كل هذا يجب أن يكون طريقة عبادة مرضية ومقبولة لدى العليّ، الذي لا يمكن أن يكون الجهل أكثر إرضاء له من المعرفة.[117]
لا أرغب في النعمة التي نالها بولس، ولا النية الحسنة التي غفرت بها لبطرس، ولكن فقط ما أعطيته للسارق على الصليب، تلك الرحمة التي أطلبها منك.[118]
كتب كوبرنيكوس في عمله الثوري De Revolutionibus orbium caelestium (حول ثورات الأجرام السماوية، 1543): لأنه بعد أن يتوجه إلى الأشياء التي يراها مثبتة في أحسن ترتيب ويتم توجيهها بحكم إلهي، …لأن المرتل الإلهي بالتأكيد لم يَقٌل دون مبرر أنه كان مسرورًا بأعمال الله وابتهج بأعمال يديه، إلا إذا تم نقلنا عن طريق هذه الأشياء، وبواسطة نوع من الوسائل، إلى التأمل في الصالح الأعلى.[119]
يوهانس كبلر (1571-1630)، مؤسس علم الفلك الفيزيائي والبصريات الحديثة
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
يا من زاد فينا بنور الطبيعة اشتياق إلى نور نعمتك حتى نصل من خلالها إلى نور جلالتك، أشكرك يا خالقي وإلهي، لأنك أعطيتني هذا الفرح في خليقتك، وأن أفرح بأعمال يديك.[120]
عالم الطبيعة، عالم الإنسان، عالم الله -الثلاثة جميعًا متلائمون معًا. نرى كيف اقترب الله، مثل مهندس معماري بشري، من تأسيس العالم وفقًا للنظام والقواعد، وقياس كل شيء بهذه الطريقة.[121]
بما أننا علماء الفلك كهنة للإله الأعلى فيما يتعلق بسفر الطبيعة، فإنه يليق بنا أن نكون مدركين، ليس لمجد أذهاننا، بل بالأحرى، قبل كل شيء، مجد الله.[122]
السير فرانسيس بيكون (1561-1626)، مؤسس المنهجية الاستقرائية العلمية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
هناك كتابان معروضان أمامنا للدراسة، لئلا نقع في الخطأ؛ الأول، كتب “الكتاب المقدس”، الذي يكشف عن إرادة الله؛ ثم كتاب المخلوقات التي تعبر عن قوته.[123]
صحيح أن القليل من الفلسفة يوجه عقل الإنسان إلى الإلحاد. لكن العمق في الفلسفة يجذب عقول الناس إلى الدين. لأنه بينما ينظر عقل الإنسان إلى الأسباب الثانية مبعثرة، فإنه قد يستقر فيها أحيانًا ولا يذهب أبعد من ذلك؛ ولكن عندما ينظر إلى سلسلة منهم، متحالفين ومرتبطين معًا، يجب أن يُحلِّق تجاه التدبير والعناية الإلهيين.[124]
في الفصل الأول بعنوان “الحقيقة” من مقالاته (1601)، كتب اللورد بيكون: “كان أول مخلوق الله، في أعمال الأيام، نور المعنى. وكان الأخير نور العقل. وعمله في السبت منذ ذلك الحين هو نور روحه. أولاً نفخ نور على وجه المادة أو الفوضى. ثم نفخ نوراً في وجه انسان. ولا يزال يتنفس وينفخ النور في وجه مختاره “.[125]
رينيه ديكارت (1596-1650)، مؤسس الهندسة التحليلية والفلسفة الحديثة
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
في بداية كتابه “تأملات” (1641) كتب ديكارت: “لطالما كان رأيي أن السؤالين المتعلقين بالله والروح هما رئيسان يجب تحديدهما بمساعدة الفلسفة بدلاً من اللاهوت؛ لأنه على الرغم من أنه يكفي بالنسبة لنا، نحن المؤمنين، أن نعتبر أن النفس البشرية لا تهلك مع الجسد، وأن الله موجود، إلا أنه يبدو بالتأكيد من المستحيل إقناع غير المؤمنين بواقع أي دين، أو حتى أي فضيلة أخلاقية تقريبًا، ما لم يتم إثبات هذين الأمرين للعقل الطبيعي أولاً وقبل كل شيء. وبما أنه في هذه الحياة غالبًا ما تكون المكافآت الممنوحة للرذيلة أكبر من الفضيلة، فإن القليل منهم يفضلون الحق على المفيد، إذا لم يقيدهم الخوف من الله ولا توقع حياة أخرى “.[126]
من الصحيح تمامًا أننا يجب أن نؤمن بالله، لأنه أيضًا مُعلَّم من الكتاب المقدس. من ناحية أخرى، يجب أن نؤمن بالكتب المقدسة لأنها من عند الله.[127]
وهكذا أرى بوضوح أن اليقين والحقيقة في كل العلم يعتمدان على معرفة الإله الحقيقي وحده، لدرجة أنه قبل معرفتي به، لم يكن لدي معرفة كاملة بأي شيء آخر. والآن بعد أن عرفته، فإنني أمتلك الوسائل لاكتساب معرفة كاملة تحترم أمورًا لا حصر لها، وكذلك تتعلق بالله نفسه والأشياء الفكرية الأخرى وكذلك الطبيعة الجسدية.[128]
بليز باسكال (1623-1662)، مؤسس علم توازن الموائع، والديناميكا المائية، ونظرية الاحتمالات
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
في كتابه Pensees (خواطر، 1660)، كتب بليز باسكال: “يسوع المسيح هو الله الذي نقترب منه دون كبرياء، وأمامه نتواضع بدون يأس.”[129]
لم يفعل يسوع المسيح شيئًا سوى تعليم الناس أن يحبوا أنفسهم، الذين كانوا عبيد وعميان ومرضى وبؤساء وخطاة. أن ينقذهم وينيرهم ويباركهم ويشفيهم. أن هذا سيحدث بكراهية الذات، وباتباعه من خلال الألم والموت على الصليب. بدون يسوع المسيح يجب أن يكون الإنسان في رذيلة وبؤس. مع يسوع المسيح يتحرر الإنسان من الرذيلة والبؤس. فيه كل فضائلنا وكل سعادتنا. بعيداً عنه لا يوجد سوى الرذيلة والبؤس والظلام والموت واليأس.[130]
المسيحية غريبة. إنها تطلب من الإنسان أن يدرك أنه حقير، بل ومقيت، وتطلب منه أن يكون مثل الله. بدون مثل هذا الثقل الموازن، ستجعل منه هذه الكرامة مغرور بشكل رهيب، أو سيجعله هذا الإذلال مذلًا بشكل فظيع.[131]
إن معرفة الله بدون معرفة شقاء الإنسان تُسبب الكبرياء. إن معرفة شقاء الإنسان بدون معرفة الله تُسبب اليأس. تُشكِّل معرفة يسوع المسيح الطريق الوسط، لأننا فيه نجد الله وشقائنا معًا.[132]
نحن نعرف الله فقط بيسوع المسيح. بدون هذا الوسيط تنتزع كل شركة مع الله. من خلال يسوع المسيح نعرف الله. كل أولئك الذين ادعوا أنهم يعرفون الله ويثبتونه بدون يسوع المسيح كانت لديهم براهين ضعيفة فقط. ولكن في إثبات ليسوع المسيح، لدينا النبوءات، وهي براهين صلبة وملموسة. وهذه النبوءات، التي تحققت وأثبتت صحتها بالحدث، تشير إلى يقين هذه الحقائق، وبالتالي، لاهوت المسيح. إذًا به، ومن خلاله نعرف الله.[133]
لا نعرف الله فقط بيسوع المسيح، ولكننا نعرف أنفسنا فقط بيسوع المسيح. نحن نعرف الحياة والموت فقط من خلال يسوع المسيح. باستثناء يسوع المسيح، لا نعرف ما هي حياتنا ولا موتنا ولا الله ولا أنفسنا. وهكذا بدون الكتاب المقدس، الذي كان يسوع المسيح وحده هو موضوعه، لا نعرف شيئًا، ولا نرى سوى الظلام والاضطراب في طبيعة الله وفي طبيعتنا.[134]
هناك طريقان لإثبات حقائق ديننا؛ واحد بقوة العقل، والآخر بسلطة المتكلم. نحن لا نستفيد من الأخير، بل الأول. نحن لا نقول: يجب أن نصدق هذا، لأن الكتاب المقدس الذي يقوله هو إلهي. لكننا نقول إنه يجب تصديقه لسبب كذا وكذا، وهي حجج واهية، لأن العقل قد ينحني على كل شيء.[135]
سير مايكل فاراداي (1791-1867)، مؤسس المبادئ الكامنة وراء الإلكترونيات والكهرومغناطيسية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
أنحني أمام رب الكل، وأتمنى أن أبقى منتظراً بصبر لوقته وطريقته في إطلاق سراحي حسب كلمته الإلهية والوعود العظيمة والثمينة التي بموجبها يكون شعبه شركاء في الطبيعة الإلهية.[136]
كتاب الطبيعة الذي يجب أن نقرأه مكتوب بإصبع الله.[137]
قال فاراداي في إحدى عظاته (لندن، 7 يوليو 1861): “وبالتالي، أيها الإخوة، يجب علينا أن نقدر امتياز معرفة حقيقة الله إلى أبعد من أي شيء يمكننا الحصول عليه في هذا العالم. كلما رأينا كمال شريعة الله قد تحقّق في المسيح، يجب علينا أن نشكر الله على هديته التي لا توصف.[138]
وعن طبيعة الكنيسة المعاصرة في إحدى عظاته (7 يونيو 1863)، قال فاراداي: “فكروا لحظة أيها الإخوة في كنيسة المسيح، في معناها وما يجب أن تكون عليه. حيثما تكلمت كلمة الله، هناك اجتمع شعبه. في الشركات الصغيرة (ويمكن أن نعتبر أن هناك الكثير من هؤلاء منتشرين في جميع أنحاء العالم ولا نعرف شيئًا عنهم)، مجتمعين من العالم، لطاعة كل الأشياء التي أوصى بها المسيح.[139]
وعلى الرغم من أن فكرة الموت تأتي بفكرة الدينونة التي هي فوق كل المشاكل التي تنشأ عن قطع الروابط الأرضية، إلا أنها تجلب للمسيحي أيضًا فكرة الذي مات، حُكم عليه وقام من جديد لتبرير أولئك الذين يؤمنون به.[140]
السير جيمس كليرك ماكسويل (1831-1879)، مؤسس الديناميكا الحرارية الإحصائية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
وفقًا لموسوعة بريتانيكا (1997): “يعتبر معظم الفيزيائيين المعاصرين جيمس كليرك ماكسويل أكثر علماء القرن التاسع عشر تأثيراً على فيزياء القرن العشرين؛ تم تصنيفه مع السير إسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين نظرًا للطبيعة الأساسية لإسهاماتهم”.
الله القدير، يا من خلقت الإنسان على صورتك، وجعلته روحًا حية تسعى وراءك وتسيطر على مخلوقاتك، علِّمنا أن ندرس أعمال يديك حتى نخضع الأرض لاستخدامنا، ونقوي عقولنا لخدمتك؛ ولكي نقبل كلمتك المباركة، حتى نؤمن بمن أرسلته ليمنحنا معرفة الخلاص وغفران خطايانا. كل ما نطلبه باسم شخص يسوع المسيح ربنا.[141]
أعتقد أنه كلما دخلنا معًا في عمل المسيح، سيكون لديه مساحة أكبر ليعمل عمله فينا. لأنه يرغب دائمًا في أن نكون واحدًا حتى يكون واحدًا معنا. عبادتنا اجتماعية، وسيكون المسيح حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه.[142]
أعتقد أن رجال العلم وكذلك الرجال الآخرين بحاجة إلى التعلم من المسيح، وأعتقد أن المسيحيين الذين أذهانهم علمية ملزمون بدراسة العلوم التي قد تكون رؤيتهم لمجد الله واسعة بقدر ما يمكن لوجودهم أن يفعله.[143]
في رسالة إلى زوجته (ديسمبر 1873)، كتب ماكسويل: “أنا معك دائمًا في الروح، ولكن يوجد شخص أقرب إليك وإليّ أكثر مما يمكن أن نكون عليه من بعضنا البعض، ومن خلاله فقط يمكننا أن نتعرف حقًا على بعضنا البعض. دعينا نحاول أن ندرك السر العظيم في الإصحاح الخامس من رسالة أفسس، وبعد ذلك سنكون في وضعنا الصحيح فيما يتعلق بالعالم الخارجي، الرجال والنساء الذين أتى المسيح ليخلصهم من خطاياهم.”[144]
في رسالة إلى زوجته (23 يونيو 1864)، كتب ماكسويل: “فكّري فيما قرر الله أن يفعله لكل أولئك الذين يسلمون أنفسهم لبرّه ومستعدون لتلقي هبته. يجب أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه، وعندما يتم ذلك، ويرى الله أنهم مشابهون لصورة المسيح، لا يمكن أن تكون هناك إدانة فيما بعد، لأن هذا هو المديح الذي يمنحه الله بنفسه، ودينونته عادلة”.[145]
لورد كيلفن (1824-1907)، مؤسس الديناميكا الحرارية وعلم الطاقة
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
أغلق اللورد كلفن (السير ويليام طومسون) خطابه الرئاسي أمام الجمعية البريطانية لتقدم العلوم (إدنبرة، أغسطس 1871) على النحو التالي: “البراهين القوية للغاية على التصميم الذكي والخيري تكمن في كل مكان حولنا؛ وإذا كانت الحيرة، سواء كانت ميتافيزيقية أو علمية، تبعدنا عنها لبعض الوقت، يعودون إلينا بقوة لا تقاوم، ويظهرون لنا من خلال الطبيعة تأثير الإرادة الحرة، ويعلموننا أن جميع الكائنات الحية تعتمد على خالق وحاكم واحد دائم التصرف”.[146]
قال السير ويليام طومسون في محاضرته الأولى في “الدورة التمهيدية للفلسفة الطبيعية”: “نشعر أن قوة التحقيق في القوانين التي وضعها الخالق للحفاظ على انسجام أعماله واستمراريتها هي أسمى امتياز منحه لحالتنا الفكرية. مع زيادة عمق رؤيتنا لأعمال الله الرائعة، يزداد بقوة شعورنا بالرهبة والتبجيل في التأمل فيها والسعي إلى الاقتراب من مؤلفها”.[147]
الفكرة الإلحادية غير منطقية لدرجة أنني لا أستطيع أن أصفها بالكلمات.[148]
[4] لم أكن أعرف ذلك في ذلك الوقت، لكن الغريب أن بيرجسون، الذي كان يهوديًا، تحرك في السنوات اللاحقة نحو وجهات النظر الأرثوذكسية عن الله، وفي وصيته عام 1937، اعترف بأنه كان سيتحول إلى المسيحية لولا الموجة المتزايدة من معاداة السامية في أوروبا.
[5] فقاً لـ 100 Years of Nobel Prizes (2005) بواسطة Baruch Aba Shalev في مراجعة لجوائز نوبل الممنوحة بين عامي 1901 و2000، حدد 65.4 ٪ من الحائزين على جائزة نوبل المسيحية في أشكالها المختلفة على أنها تفضيلهم الديني (423 جائزة). بشكل عام، فاز المسيحيون بما مجموعه 78.3٪ من جميع جوائز نوبل للسلام، و72.5٪ في الكيمياء، و65.3٪ في الفيزياء، و62٪ في الطب، و54٪ في الاقتصاد، و49.5٪ من جميع جوائز الأدب.
[6] Sean Carroll, The Big Picture (Penguin Random House, 2016), p 3-5.
[10] كتب جاليلو في مقدمة رسالته للدوقة كريستينا: “منذ بضع سنوات، وكما تعلمي سموك، اكتشفت في السماء أشياء كثيرة لم نشهدها قبل عصرنا. حداثة هذه الأشياء، وكذلك بعض النتائج المترتبة عليها بما يتعارض مع المفاهيم المادية الشائعة بين الفلاسفة الأكاديميين، أثارت ضدي عددًا لا يُحصى من الأساتذة -كما لو كنت قد وضعت هذه الأشياء في السماء بيدي من أجل قلب الطبيعة وقلب العلوم. يبدو أنهم نسوا أن زيادة الحقائق المعروفة تُحفِّز التحقيق في الفنون وتأسيسها ونموها؛ لا الانتقاص منها أو تدميرها. أظهروا ولعًا أكبر بآرائهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بالحقيقة سعوا إلى إنكار ودحض الأشياء الجديدة التي، إذا كانوا قد اهتموا بالبحث فيها بأنفسهم، لكانت حواسهم قد أظهرتها لهم. ولهذه الغاية وجهوا تُهمًا مختلفة ونشروا العديد من الكتابات المليئة بالحجج الباطلة، وارتكبوا خطأً فادحًا برشها بمقاطع مأخوذة من أماكن في الكتاب المقدس لم يفهموها بشكل صحيح، والتي كانت غير مناسبة لأهدافهم.”
ربما لم يكن هؤلاء الرجال ليقعوا في مثل هذا الخطأ لو أنهم انتبهوا إلى تعاليم القديس أغسطينوس الأكثر فائدة، فيما يتعلق بإدلائنا بتصريحات إيجابية حول أشياء غامضة ويصعب فهمها عن طريق العقل وحده. بالحديث عن استنتاج مادي معين عن الأجرام السماوية، كتب أغسطينوس: “الآن مع الحفاظ دائمًا على احترامنا للاعتدال في التقوى المتزنة، يجب ألا نصدق أي شيء غير مُستحسن في نقطة مشكوك فيها، لئلا بتأييد خطأنا نتصور تحيزًا ضد شيء قد تكشفه الحقيقة في النهاية على أنه لا يتعارض بأي شكل مع الكتب المقدسة سواء في العهد القديم أو العهد الجديد.“
[11] كتب أيضاً في رسالته للدوقة كريستينا: “إصرارهم على تصميمهم الأصلي لتدميري وتدمير كل ما يخصني بأي وسيلة يمكنهم التفكير بها، هؤلاء الرجال على دراية بآرائي في علم الفلك والفلسفة. إنهم يعلمون أنه فيما يتعلق بترتيب أجزاء الكون، فإنني أعتبر أن الشمس تقع بلا حراك في مركز دوران الأجرام السماوية بينما تدور الأرض حول الشمس. وهم يعرفون أيضًا أنني أؤيد هذا الموقف ليس فقط بدحض حجج بطليموس وأرسطو، ولكن أيضًا من خلال تقديم العديد من الحجج المضادة؛ على وجه الخصوص، بعضها يتعلق بالآثار الفيزيائية التي ربما لا يمكن تحديد أسبابها بأي طريقة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، هناك حجج فلكية مستمدة من أشياء كثيرة في اكتشافاتي السماوية الجديدة التي تدحض بوضوح النظام البطلمي بينما تتفق بشكل مثير للإعجاب مع الفرضية المعاكسة وتؤكدها. ربما لأنهم منزعجون من الحقيقة المعروفة لمقترحاتي الأخرى التي تختلف عن تلك المقترحات الشائعة، وبالتالي لا يثقون في دفاعهم طالما أنهم يحصرون أنفسهم في مجال الفلسفة، هؤلاء الرجال قرروا اختلاق درع لمغالطاتهم من عباءة الدين وسُلطة الكتاب المقدس. إنهم يطبقونها بقليل من الحكم على تفنيد الحجج التي لا يفهمونها ولم يستمعوا إليها.”
[12] كتب جاليليو أيضاً في رسالته السابق ذكرها: “لدينا من فم الروح القدس أن الله قد سلم العالم للنزاعات، حتى لا يتمكن الإنسان من معرفة العمل الذي قام به الله من البداية حتى النهاية. (جامعة 3: 11) في رأيي، لا ينبغي لأحد، على عكس هذا القول الفصل، أن يُغلق الطريق أمام الفلسفة الحرة حول الأشياء الدنيوية والمادية، كما لو أن كل شيء قد تم اكتشافه بالفعل وكُشِفَ عنه على وجه اليقين. ولا ينبغي اعتبار عدم الاكتفاء بتلك الآراء الشائعة أمرًا متهورًا. لا ينبغي ازدراء أي شخص في الخلافات المادية لعدم التمسك بالآراء التي ترضي الآخرين بشكل أفضل، خاصة فيما يتعلق بالمشكلات التي نوقشت بين أعظم الفلاسفة لآلاف السنين. أحد هذه العوامل هو استقرار حركة الشمس على الأرض، وهي عقيدة يؤمن بها فيثاغورس وجميع أتباعه، بواسطة هيراكليدس بنطوس (الذي كان أحدهم)، وفيلولاوس، معلم أفلاطون، وأفلاطون نفسه وفقًا لـ أرسطو.”
[13] كتب جاليليو أيضاً: “أعلن (وسيظهر إخلاصي نفسه) ليس فقط أنني أعني الخضوع بحرية والتخلي عن أي أخطاء قد أقع فيها في هذا الخطاب من خلال الجهل بالأمور المتعلقة بالدين، لكني لا أرغب في هذه الأمور في الخوض في خلافات مع أي شخص، حتى في النقاط محل الخلاف. هدفي هو هذا وحده. أنه من بين الأخطاء التي قد تكثر في هذه الاعتبارات لموضوع بعيد عن مهنتي، إذا كان هناك أي شيء يمكن أن يخدم الكنيسة المقدسة في اتخاذ قرار بشأن النظام الكوبرنيكي، يمكن أخذه واستخدامه على النحو الذي يبدو أفضل للرؤساء. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فليُمزّق كتابي ويُحرَق، فأنا لا أنوي ولا أتظاهر أن أستفيد منه أي نتيجة ليست من التقوى والكاثوليكية. وعلى الرغم من أن الكثير من الأشياء التي سأعزم على توبيخها قد سمعتها بأذني، إلا أنني سأمنح من تحدثوا بها بكل حرية أنهم لم يقلوها أبدًا، إذا كان هذا هو ما يريدونه، وسأعترف بنفسي أنني كنت مخطئًا. فليتوجه كل ما أردته ليس إليهم، بل لمن كان لديه مثل هذه الآراء.
إن سبب إدانة الرأي القائل بأن الأرض تتحرك والشمس ثابتة أنه في العديد من الأماكن في الكتاب المقدس يمكن للمرء أن يقرأ أن الشمس تتحرك والأرض ثابتة. لأن الكتاب المقدس لا يمكن أن يخطئ. ويترتب على ذلك كنتيجة ضرورية أن من يؤكد أن الشمس بطبيعتها بلا حراك والأرض متحركة فهو يتخذ موقفًا خاطئًا وهرطوقيًا.
فيما يتعلق بهذه الحجة، أعتقد في المقام الأول أنه من التقوى أن نقول ومن الحكمة التأكيد على أن الكتاب المقدس لا يمكن أبدًا أن يتكلم بالكذب -عندما يُفهم معناه الحقيقي. لكنني أعتقد أنه لا أحد سينكر أنه غالبًا ما يكون شديد التعقيد، وقد يقول أشياء مختلفة تمامًا عما تدل عليه كلماته المجردة. ومن ثم في شرح الكتاب المقدس، إذا كان على المرء أن يحصر نفسه دائمًا في المعنى النحوي غير المزخرف، فيمكن للمرء؛ الوقوع في الخطأ.”
وأضاف عن سابقه كوبرنيكوس: “كوبرنيكوس لم يُناقش أبدًا مسائل الدين أو العقيدة، ولا يستخدم حجة تعتمد بأي شكل من الأشكال على سلطة الكتابات المقدسة التي ربما يكون قد فسرها بشكل خاطئ. إنه يقف دائمًا على الاستنتاجات الفيزيائية (المادية) المتعلقة بالحركات السماوية، ويتعامل معها من خلال البراهين الفلكية والهندسية، التي تأسست أساسًا على الخبرات الحسية والملاحظات الدقيقة للغاية. لم يتجاهل الكتاب المقدس، لكنه كان يعلم جيدًا أنه “إذا تم إثبات تعاليمه، فلن تتعارض مع الكتب المقدسة عندما يتم فهمها بشكل صحيح.” “
[14] C.A. Russell, “The Conflict Metaphor and Its Social Origins”, Science and Christian Belief, 1 (1989), p 3 -26.
[15] S. Hawking and L. Mlodinow, The Grand Design (Bantam Books, 2010), p 5.
[16] رد أخر على هذا هو أن بيان “العلم هو السبيل الوحيد للحقيقة” بيان يدحض ذاته فهو لم يتم استخلاصه من تجارب معملية وإذا كان البيان صحيحاً في معناه فسيكون بيان خاطئ بسبب أنه لم يتم استخلاصه من العلم ذاته بل هو بيان عقلي “فوق علمي” يمكن اختبار صحته بالوسائل العقلية المنطقية.
[27] رد أينشتاين على رسالة تلميذة في عام 1936 والتي سألته: “هل يصلّي العلماء؟” قال أينشتاين أيضًا في نفس الرسالة، “كل من يشارك بجدية في السعي وراء العلم يصبح مقتنعًا بأن الروح تتجلى في قوانين الكون-روح تتفوق كثيرًا على روح الإنسان، وواحد امامه يجب أن نشعر بالتواضع نظراً لقدراتنا البسيطة”. goo.gl/m9Shk2
[28] Dorothy Sayers, “The Lost Tools of Learning” in Ryan N.S. Topping (ed), Renewing the Mind (Catholic University of America Press, 2015), p 230.
[29] Stephen Hawking and Leonard Mlodinow, The Grand Design (Bantam Press, 2010), p 180.
[30] Stephen Hawking, A Brief History of Time (Bantam Press, 1988), p 174.
[31] إنني أدرك جيدًا أن الاعتبارات الفوضوية (الحساسية للظروف الأولية) تجعل هذا التنبؤ مستحيلًا عمليًا على الإطلاق باستثناء عدد قليل من الارتدادات الأولى للكرة.
[32] Clive Cookson, “Scientists who glimpsed God”, Financial Times, April 29, 1995, p 50.
[35] هذا السؤال خاطئ منطقيّاً ويُسمّى بمغالطة السؤال المشحون أو السؤال المركب loaded question complex question))، فهو يفترض أن الله مخلوق مسبقاً.
السؤال المشحون أو المركَّب هو تكنيك يعمد إلى دس «فروض مسبقة» presuppositions غير مبرَّرة وغير داخلة في التزامات الخصم، داخل سؤال واحد، بحيث إنَّ أي جواب مباشر يعطيه المجِيب يوقعه في الاعتراف بهذه الفروض، والمثال التقليدي على المغالطة.
«هل توقَّفت عن ضرب زوجتك؟»
فأيًّا ما كان الجواب، نعم أو لا، فإن المجيب يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقتٍ ما يضرب زوجته، حين يكون هذا الفرض المسبق كاذبًا أو غير مبرهن عليه يكون هذا مثالًا لمغالطة السؤال المركب أو الملغوم، إنه شَرَكٌ أو أحبولة؛ لأنه يُضيِّق على المُجيب نطاق الخيارات إلى صنف واحد من الإجابة المباشرة، أو عدد ضئيل من احتمالات الجواب المباشر من شأنها جميعًا أن تزعزع موقفَه في الحوار.
انظر أيضًا إلى هذا السؤال المفخخ:
«متى أقلعت عن تعاطي المخدرات؟»
إنه مَصوغٌ بحيث يتضمن داخله عبارتين أخريين لم تتم البرهنة عليهما، ويسلِّم بهاتين القضيتين تسليمًا دون دليل؛ أي أنه ينطوي على «مصادرة على المطلوب» petitio principii؛ لأنه يفترض مسبقًا أجوبةً محددة عن أسئلةٍ سابقة غير مصرح بها، مثل هذا السؤال لا يمكن الرد عليه ببساطة بالإيجاب أو بالامتناع، إنه ليس سؤالًا بسيطًا بل يتركب من عدة أسئلة معبأة معًا في سؤال واحد:
(1) هل كنت تتعاطى المخدرات فيما مضى؟
(2) وإذا كنتَ قد تعاطيتَ المخدرات فهل توقفتَ عن التعاطي؟
[61] وفقاً لبروفيسور العهد القديم والعبرية الكتابية جاك كولينز
John Collins, Genesis 1–4 (P&R publishing, 2012), p 51.
[62] إذا كنت مهتمًا بقراءة فهمي للفصول الأولى من سفر التكوين، يرجى الاطلاع على كتابي Seven Days That Divide the World الأيام السبعة التي تقسم العالم. نحن نعمل على ترجمته في الوقت الحالي.
[68] قال أنتوني فلو: “إن الأدلة على القيامة أفضل من أدلة المعجزات المزعومة في أي دين آخر. إنها مختلفة بشكل مذهل من حيث الجودة والكم”
Gary R. Habermas, “My Pilgrimage from Atheism to Theism: An Exclusive Interview with Former British Atheist Professor Antony Flew.”
[69] يوجد اعتراض أخر على المعجزات وهو أنه لو لم يصنع الله المعجزات سابقاً فلا يمكن أن يصنع المعجزات حالياً أو إذا لم يصنع المعجزات حالياً فلا يمكن أن يكون قد صنعها سابقاً وهو مبني على جمع العينات من الماضي والقول إنه بما أن المعجزات لم تحدث في الماضي فلا يمكن لها أن تحدث الآن او العكس إذا لم تحدث الآن فلا يمكن أن تكون قد حدثت في الماضي وهذا الإعتراض خاطئ من وجهين. أولهما، انه يفترض أن لدينا كل العينات من الماضي والحاضر مع تحليلها واثبات ان جميع ادعاءات المعجزة غير صحيحة وهو أمر لم يحدث أبداً إلا إذا كان المعترض لا يؤمن بالمعجزات بشكل مُسبق فيفترض بناءاً على رفضه المسبق أن جميع ادعاءات المعجزة باطلة. أما ثانيهما أن هذا الإعتراض مغالطة منطقية تُعرف بمغالطة المُقامر يمكنكم القراءة عنها من هنا.
[70] إذا لم يكن الله موجوداً فلا يمكن ان تكون لدينا أي فكرة عما هو الشر من الأساس.
[71]Suffering Life’s Pain: Facing the Problems of Moral and Natural Evil (Myrtlefield House, 2018).
[72] “على الرغم من هذا النطاق الهائل من الآراء، هناك العديد من النقاط التي يتفق عليها جميع علماء العصور القديمة تقريبًا. كان يسوع رجلاً يهوديًا معروفًا بكونه واعظًا ومعلمًا، وقد صُلِب (شكل روماني للإعدام) في أورشليم في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس، عندما كان بيلاطس البنطي حاكمًا على اليهودية. على الرغم من أن هذه هي وجهة نظر كل باحث مدرب على هذا الكوكب تقريبًا، إلا أنها ليست وجهة نظر مجموعة من الكتاب الذين عادةً ما يطلق عليهم، وغالباً ما يطلقون على أنفسهم، أسطوريون.”
Ehrman, Did Jesus Exist? , An Introduction to the Mythical View of Jesus. p. 14.
[73]“Sources and Methods” in The Cambridge Companion to Jesus (Cambridge University Press, 2001), p 124.
[74] ولمقدمة عن صمت المعاصرين عن ذكر يسوع يمكنك قراءة المقال على الرابط التالي:
[75] يُمكن للمهتم بالنقد النصي للعهد الجديد متابعة مدونة النموذج لصاحبها جورج ناصر فهي مُتخصصة في هذا المجال.
[76] J. and S. McDowell, Evidence That Demands a Verdict (Harper Collins, 2017), p 55 -60.
[77]Our Bible and the Ancient Manuscripts (Harper, 1958), p 55.
[78] A.N. Sherwin-White, Roman Society and Roman Law in the New Testament (Clarendon Press, 1963), p 189.
للحصول على باحث كلاسيكي أحدث يشير إلى نقاط مماثلة، انظر:
Mark D. Smith, The Last Days of Jesus (Lutterworth, 2017).
[79] هناك العديد من المصادر المتعلقة بيسوع، بما في ذلك روايات القرن الأول الأربعة، والعديد من الرسائل من بولس، وعمل يوسيفوس، الذي يصف العديد من الناس والأحداث في ذلك الوقت. لمزيد من المعلومات حول القضايا النصية، راجع المناقشة في
Stewart (ed.), The Reliability of the New Testament (Fortress, 2007).
لمناقشة أهمية التقليد الشفهي، انظر:
Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses; and D. Wenham, Did St Paul Get Jesus Right? (Lion, 2010).
[80] على الرغم من أن العلماء يعتقدون أن روايته ربما تم تزيينها لاحقًا، إلا أن الإجماع العام هو أن النص الأصلي احتوى على إشارة حقيقية إلى إعدام يسوع.
[81] مينا مكرم، تاريخ يسوع: القضية التاريخية بوجوده وصلبه وقيامته، 7-9.
[85] كتب عالم العهد الجديد اليهودي جيزا فيرميش: “لكن في النهاية، عندما يتم النظر في كل حجة ووزنها، يجب أن يكون الاستنتاج الوحيد المقبول للمؤرخ أن آراء الأرثوذكس، والليبرالي المتعاطف واللاأدري النقدي على حد سواء -وربما التلاميذ أنفسهم -هم ببساطة تفسيرات للحقيقة المربكة: أي أن النساء اللواتي انطلقن لتقديم احترامهن الأخير ليسوع وجدن في رعبهن، ليس جسداً، بل قبرًا فارغًا”.
Geza Vermes, Jesus the Jew: A historian’s Reading of the Gospels (Fortress Press; 1st Fortress Press ed edition April 1, 1981), 41.
[86] قبل ذلك، كان من الممكن أن تُنقل روايات يسوع من خلال التقليد الشفهي، والتي كانت الطريقة الرئيسية التي تم بها حفظ الأفكار المهمة ونقلها في المجتمعات غير المتعلمة.
City Lives: True Stories of Changed Lives from the Workplace by Marcus Nodder (10 Publishing, 2018). يروي قصص العديد من الرجال والنساء الذين آمنوا بالمسيح
[104] Newton, Isaac. 1687. Philosophiae Naturalis Principia Mathematica. First edition. London: Printed by Joseph Streater by order of the Royal Society, 504.
[106] Newton, as cited in Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton by Sir David Brewster, Edinburgh, Thomas Constable and Co., 1855, Vol. II, 354.
[117] Neff, Merlin L. The Glory of the Stars. Mountain View, California: Pacific Press Publishing Association, 1952, 191-92.
[118] Trepatschko, Anatoly. “Scholars Speak of God,” in Orthodox Life, Vol.44, No.6, November – December. New York: Jordanville, 1994.
[119] Copernicus, Nicolaus. De revolutionibus orbium caelestium (On the Revolutions of the Celestial Spheres). Thorn: Societas Copernicana, 1873, 10-11.
[120] Beer, Arthur, and Peter Beer, eds. Kepler: Four Hundred Years. (Proceedings of conferences held in honour of Johannes Kepler). Oxford: Pergamon Press, 1975, 526.
[121] Tiner, John Hudson. Johannes Kepler: Giant of Faith and Science. Milford, Michigan: Mott Media, 1977, 172.
[126] Descartes, Rene. The Philosophy of Descartes: Containing the Method, Meditations, and Other Works. Translated by John Veitch. New York: Tudor Publishing Co, 1901, 206.
[127] Descartes, Rene. “Les Meditations,” in The Meditations and Selections from the Principles of Rene Descartes. La Salle, Illinois: Open Court Publishing Co, 1950, 2.
[129] Pascal, Blaise. Pensees (Thoughts). Translation – W. F. Trotter. The Harvard Classics, Vol. 48. Ed. Charles W. Eliot. New York: P. F. Collier & Son. (1st Edition – 1660), 1910, 173.
[136] Jones, Henry Bence. The Life and Letters of Faraday, Vol. II. London: Longmans, Green, and Co. 1870, 471.
[137] Seeger, Raymond. “Faraday, Sandemanian,” in The Journal of the American Scientific Affiliation, 35 (June 1983): 101. The American Scientific Affiliation. 1983, 101.
[138] Eichman, Phillip. “The Christian Character of Michael Faraday as Revealed in His Personal Life and Recorded Sermons,” in Perspectives on Science and Christian Faith, 43 (June 1993): 92-95. The Journal of the American Scientific Affiliation. 1993, 93-94.
[146] Seeger, Raymond. “Kelvin, Humble Christian,” in The Journal of the American Scientific Affiliation, 37 (June 1985): 99-101. The American Scientific Affiliation. 1985a, 100.101.
هل كان القبر فارغاً حقًا؟ – روبرت إتش شتاين – مينا مكرم
هل كان القبر فارغاً حقًا؟ – روبرت إتش شتاين – مينا مكرم
هل كان القبر فارغًا حقًا؟
“إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل إيمانكم” (1 كو 15 :14). بالنسبة للمسيحيين، تشكل قيامة المسيح حجر الأساس للإيمان. وإذا صرفنا النظر عن القيامة، لا يوجد إنجيل، ولا “بشرى سارة”، لأنه لا يوجد رجاء باستثناء القيامة، ولكن كما شهد التلاميذ الأوائل، لا يوجد سوى اليأس. لكن القيامة حوّلت الرجال الخائفين واليائسين إلى رجال مملؤين شجاعة وثقة، رجال آمنوا أن القيامة لم تثبت فقط كل ما قاله يسوع وعلّمه، بل أكدت لهم هزيمة الموت والضمانة التي سيشاركونها في نصر ربهم العظيم (يوحنا 14: 19).
لقد سعت الدفاعات الإنجيلية إلى دعم التاريخية، “الواقعية” للقيامة من خلال عدة حجج. أهم هذه الحجج في العهد الجديد هو ظهورات القيامة. (لاحظ الصيغة العقائدية السابقة لبولس في 1 كورنثوس 15: 3-11، وخاصة الآيات 5-8). محاولات تفسير هذه الظهورات عن طريق الاحتيال الرسولي، والهلوسة والرؤى، أو التخاطر في علم النفس لم تكن أبدًا مقنعة، وسارع الإنجيلين[المدافعين] إلى الإشارة إلى عدم كفاية هذه المحاولات العقلانية.[1]
الحجة الثانية لدعم القيامة هي وجود الكنيسة. كيف يفسر المرء ظاهرة مثل الكنيسة؟ بصرف النظر عن القيامة، ربما يكون من المعقول أن يكون قد نشأ “مجتمع تذكاري” لإحياء ذكرى وفاة معلم محبوب للغاية، ولكن بالتأكيد لم يكن هناك اجتماع الكنيسة يوميًا للاحتفال بكسر الخبز “بفرح وسخاء قلوب“ (أعمال الرسل 2: 46). إن مجرد وجود الكنيسة يشهد على حقيقة القيامة.
الشهادة الثالثة على القيامة هي التجربة الوجودية للمسيح المقام في قلب المؤمن. كما تقول ترنيمة مألوفة، “تسألني كيف أعرف أنه يعيش؟ إنه يعيش في قلبي.” بالنسبة لأولئك الذين يقللون من شأن هذه الحجة ويرفضونها باعتبارها غير علمية وذاتية، قد يشير الإنجيليون إلى أن ملايين المسيحيين قدموا هذا الادعاء منذ ما يقرب من ألفي عام. إنها لحقيقة بسيطة أن الشاهد الوحيد الأكثر أهمية لقيامة يسوع طوال تاريخ الكنيسة هو شهادة المسيح القائم من بين الأموات في قلب المؤمن!
الحجة الرابعة للقيامة هي شهادة القبر الفارغ. إذا كان لكل نتيجة سبب، فكيف يمكن تفسير القبر الفارغ (النتيجة) باستثناء القيامة (السبب)؟ إذا أنكر المرء القيامة، فما السبب الآخر الذي يمكن أن يقترحه المرء لتفسير القبر الفارغ؟ ومع ذلك، شعر العديد من العلماء الذين لا يؤمنون بالقيامة أنهم مضطرون لتفسير هذا “التأثير” من خلال سبب منطقي. بعض هذه المحاولات هي:
النظرية القائلة بأن النساء ذهبن إلى القبر الخطأ. [2]
النظرية القائلة بأن يوسف الرامي سرق جسد يسوع. [3]
النظرية القائلة بأن يسوع لم يمت حقًا على الصليب بل “أغمي عليه”. [4]
النظرية القائلة بأن التلاميذ سرقوا جسد يسوع.[5]
النظرية القائلة بأن بستاني القبر أزال جسد يسوع ووضعه في مكان آخر لحماية خسّه من المتفرجين.[6]
كانت هناك نظريات أخرى أيضًا (مثل النظرية القائلة بأن جسد يسوع تحلل تمامًا أو “تلاشى” في غضون ست وثلاثين ساعة!) ،[7] لكن كل هذه المحاولات العقلانية لشرح القبر الفارغ لم تؤد إلا إلى تأكيد قناعة الإنجيليين بأن التفسير المرضي الوحيد لحقيقة القبر الفارغ هو قيامة يسوع من بين الأموات.
تم تحدي هذه الشهادة الرابعة للقيامة في السنوات الأخيرة من خلال الادعاء بأن حساب القبر الفارغ هو تقليد متأخر أنشأته الكنيسة الأولى للمساعدة في تفسير ظهورات القيامة. ووفقًا لهذا الرأي، فإن ظهورات القيامة هي التي أدت إلى الرأي القائل بأن القبر يجب أن يكون فارغًا، وليس العكس. لذلك يُنظر إلى قصة القبر الفارغ على أنها ثانوية تمامًا، أسطورة دفاعية، غير معروفة لبولس وليست لها أهمية في الوعظ الرسولي.[8]
يجب الاعتراف بأن الشاهد الرئيسي للقيامة كان ظهورات الرب القائم من بين الأموات، وليس القبر الفارغ، لأن القبر الفارغ بحد ذاته لم يؤد إلى الإيمان بالقيامة (راجع لوقا 24: 21-24، يوحنا 20: 13). لذلك كانت في المقام الأول الشهادة الإيجابية لظهورات القيامة بدلاً من الشهادة السلبية للقبر الفارغ التي أدت إلى الإيمان بالرب القائم من بين الأموات. ومع ذلك، حتى لو لم يثبت فراغ القبر أن يسوع قد قام، بالاقتران مع الأدلة الأخرى، فهو مع ذلك شاهد على القيامة.[9]
علاوة على ذلك، إذا لم يكن القبر فارغًا، فإنه يستبعد الادعاء المسيحي بأن يسوع قام من بين الأموات، لأنه إذا كان بإمكان شخص ما في أورشليم أن يُقدّم جسد يسوع، فلن تكون أي شهادة على قيامة يسوع مقنعة.
ومع ذلك، هناك العديد من الحجج القوية التي يمكن طرحها لدعم حقيقة أن التقليد المسيحي للقبر الفارغ مبكر جدًا وأن القبر الذي وضع فيه جسد يسوع كان فارغًا بالفعل. وهذه هي:
توجد قصة القبر الفارغ في الأناجيل الأربعة جميعها وفي ثلاث طبقات على الأقل من طبقات الإنجيل: مرقس، م- M (مادة متى الخاصة)، ويوحنا. إن الاختلاف الكبير في الروايات المختلفة للقبر الفارغ، والذي يعد محرجًا إلى حد ما، يجادل بأن هذه الروايات تنبع من تقاليد منفصلة ومستقلة، وكلها تشهد على أن القبر فارغ.
يشير وجود العديد من الساميات والعادات السامية في روايات إنجيل القبر الفارغ إلى أن هذه الروايات كانت مبكرة ونشأت على الأرجح في محيط فلسطيني. (راجع “في أول أيام الأسبوع” [مرقس 16: 2]، “ملاك الرب” [متى 28: 2]، “مريم” [متى 28: 1] “[الإجابة] قال” [متى 28: 5]، “حنوا وجوههم إلى الأرض” [لوقا 24: 5]، إلخ.).[10]
استلزم إيمان اليهود بالقيامة قبرًا فارغًا. في حين أن أفكار الخلود بين الإغريق وبعض اليهود انفصلت عن فكرة القيامة الجسدية، بل وحتى معادية لها، فإن اليهود في أورشليم، وخاصة الفريسيين وأولئك المتأثرين بالتعليم الفريسي، يربطون فكرة القيامة بالجسد. قيامة الجسد. لذلك، لا يمكن أن يكون هناك وعظ رسولي في أورشليم بقيامة يسوع ما لم يكن القبر فارغًا في الواقع.[11] علاوة على ذلك، من الصعب تصديق أن معارضي يسوع ما كانوا ليفحصوا مكان الدفن لمعرفة ما إذا كان القبر فارغًا بالفعل، لأن عرض جسد يسوع سيكون طريقة بسيطة لدحض ادعاء قيامته.
حقيقة أن شهود القبر الفارغ كانوا من النساء اللواتي منع اليهود شهادتهن، مما يجعل الفبركة الدفاعية للرواية احتمال غير مرجح. من الصعب فهم سبب إنشاء الكنيسة لأسطورة قبر فارغ كان الشهود الرئيسيون فيه من النساء، لأن النساء كن شهودًا غير صالحين وفقًا لمبادئ الأدلة اليهودية.[12] إذا كانت قصة القبر الفارغ مجرد أسطورة، فلماذا لا نجعل الشهود رجالًا؟ يبدو من المعقول أكثر أن نستنتج أن سبب عدم قيام الكنيسة بجعل الشهود على القبر الفارغ رجال هو ببساطة لأن شهود القبر الفارغ في صباح عيد الفصح هذا لم يكونوا في الواقع رجالًا بل نساء.
من الصعب أن نفهم سبب نشوء جدال يهودي ضد القبر الفارغ إذا كانت قصة القبر الفارغ قد تطورت في وقت متأخر كما يدعي النقاد. في وقت لاحق لم يكن هناك جدوى من المجادلة ضد هذه “الأسطورة” حيث كان من الممكن أن تحدث أشياء كثيرة في السنوات التي تلت ذلك لإبطال صحتها. إن تطور مثل هذا الجدل وحقيقة أنه اعترف بفراغ القبر يشير إلى أن سرد القبر الفارغ كان منذ البداية مكانًا مهمًا في إعلان الكنيسة الأولى عن القيامة.[13]
تشير الإشارة إلى يوسف الرامي إلى أن القبر الذي دفن فيه يسوع كان معروفًا جيدًا، لأن اسم يوسف الرامي ثابت بشدة في تقاليد كيف وأين دُفن يسوع (راجع مرقس 15: 43- -46، متى 27: 57-60، لوقا 23: 50-53، يوحنا 19: 38-42). وتؤيد تاريخية القبر الفارغ حقيقة أن قبرًا محددًا، والذي كان يُعرف في أورشليم باسم قبر يوسف الرامي، كان مرتبطًا بدفن يسوع. إن حقيقة أن يوسف الرامي لم يكن له أي منصب معين للسلطة أو الشهرة في الكنيسة الأولى تدل أيضًا على أهمية تاريخية هذا التقليد.[14]
تقاليد القبر الفارغ تضع الحادثة على أنها تقع في اليوم الأول من الأسبوع. ما هو الحدث الرئيسي الذي حدث في هذا اليوم والذي من شأنه أن يتسبب في تغيير بالغ الأهمية في الحياة الدينية للكنيسة الأولى بحيث يفسر سبب نقل يوم العبادة من السبت إلى الأحد؟ الحدث الوحيد (في العهد الجديد) المرتبط باليوم الأول من الأسبوع هو اكتشاف القبر الفارغ. من ناحية أخرى، ارتبط ظهور القيامة بـ “اليوم الثالث” (راجع مرقس 8 :31، 9 :31، 10 :34، 14 :58، 15 :29، متى 12: 40، 27: 63- 64، لوقا 13 :32، 24: 7، 21، يوحنا 2: 19، 1 كورنثوس 15: 4).
مع ذلك، فإن تقليد القبر الفارغ مؤرخ في اليوم الأول من الأسبوع، وأفضل شرح لممارسة الكنيسة الأولى في العبادة يوم الأحد (راجع أعمال الرسل 20: 7، 1 كورنثوس 16: 2، رؤيا 1: 10). حسب التقليد القائل بأن أتباع يسوع اكتشفوا القبر الفارغ في اليوم الأول من الأسبوع. من الواضح أيضًا أنه في حين أن القيامة في اليوم الأول من الأسبوع يمكن أن تحدث في “اليوم الثالث”، حيث أنه من خلال حساب اليهود لأي جزء من اليوم يساوي يومًا واحدًا، فليس من المؤكد أنه، بالنظر إلى القيامة في اليوم الثالث، كان من الممكن تأريخ القيامة في يوم أحد باستثناء وجود تقليد القبر الفارغ في اليوم الأول.[15]
أقدم تقليد لدينا يتحدث عن القيامة هو على الأرجح 1 كورنثوس 15: 3-4. هناك إجماع مشترك اليوم بين العلماء على أن بولس هنا يقتبس اعتراف الكنيسة الأولى. هذا الاعتراف، الذي من المحتمل أن يكون مؤرخًا قبل 40 م،[16] ينص على وجه التحديد على أن المسيح مات وأنه دفن. ولكن إلى ماذا تشير عبارة “الدفن”؟ جادل البعض بأن “مات” و “دفن” يسيران معًا وأن العبارة الأخيرة تؤكد ببساطة على الحقيقة القاطعة لموت يسوع.[17]
لكن هل هذا كل ما يقوله التقليد؟ الكلمات “مات” و “دفن” و “قام” لا يمكن فهمها إلا إذا كان ما “مات ودفن” في الواقع “قام”. بينما لا يذكر بولس في أي مكان أن القبر كان فارغًا، يبدو أنه في 1 كورنثوس 15: 3-4 هذا واضح. بالنسبة لبولس كفريسي، وبلا شك بالنسبة لكنيسة أورشليم أيضًا (التي كان لها عنصر فريسي قوي، راجع أعمال الرسل 15: 5)، فإن موت المسيح ودفنه وقيامته يتطلب كل هذا قبرًا فارغًا.
في رومية 6: 4 وكولوسي 2 :12 يستخدم بولس نفس التعبيرات (“دفن” و “قام”) التي نجدها في 1 كورنثوس 15: 4. هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن فكرة “دفن” و “قام” مع المسيح في المعمودية كما هي موجودة في هاتين الآيتين هي فكرة تقليدية، لأن بولس يقدم مناقشته لهذا الموضوع في رومية 6: 3 بعبارة “ألا تعرف … “، مشيرًا إلى أن ما يقوله هو عقيدة ثابتة ليس فقط في كنائسه، ولكن أيضًا في كنيسة لم يؤسسها – الكنيسة في روما.[18] لقد كانت تقليداً، لذلك، لفهم معمودية المؤمن على أنها تعكس بطريقة ما قيامة يسوع أو تعيد تمثيلها.[19]
إذا تم تذكير المؤمن في معموديته بدفن ربه، فيبدو على الأرجح أنه سيقارن دفنه وقيامته بدفن يسوع وقيامته. علاوة على ذلك، فإن دفن المؤمن أثناء ارتباطه بـ “موته” بالخطية يختلف مع ذلك عن هذا الموت (راجع رومية 6: 4). نتيجة لذلك، من المحتمل أن “دفن” المسيح لن يُنظر إليه على أنه مجرد مرادف لموت المسيح فحسب، بل على أنه يختلف بطريقة ما عن موته، على الرغم من ارتباطه بالطبع بموته.
ولكن في دفن المؤمن لم يبقى ما دفن مدفوناً بل تغير وقام. لذلك، مع عدم إثبات قيام المسيحيين الأوائل في المعمودية، مع عدم إثبات أن المسيحيين الأوائل اعتقدوا بالضرورة أن قبر يسوع يجب أن يكون فارغًا، كان من المحتمل أن يتم مقارنته بموت ودفن قيامة يسوع، بحيث مع يسوع، كما هو الحال مع المؤمن، فإن ما دفنته الوردة تغيرت ولم تترك شيئًا وراءها.
يمكن سرد حجتين أخريتين لدعم الرأي القائل بأن “مات، دُفن، قتم” يعني على الأقل أن القبر كان فارغًا. الأول يتضمن المصطلحات المستخدمة لوصف قيامة يسوع. أحد هذه المصطلحات هو “قام” [egeirō] [20] الذي مات ودفن قام. وهذا يعني، على الأقل بالنسبة لمعظم الناس، أن “ما” تم دفنه قد تمت إقامته وأن القبر نتيجة لذلك كان فارغًا.
توجد حجة ثانية يمكن ذكرها في أعمال الرسل 2: 29-31، حيث يقارن بطرس تجربة داود الذي مات ودفن ورأى فسادًا مع يسوع الذي صلب وقتل (آية 23) ولكن لحمه، على عكس داود. لم ير فسادا لأن الله أقامه. يكمن الاختلاف بين داود ويسوع في حقيقة أن قبر داود كان لا يزال مشغولاً بعظام داود، لأنه رأى فسادًا. من ناحية أخرى، كان قبر يسوع فارغًا، لأنه لم ير فسادًا.
صحيح أن لدينا هنا وصف لوقا عن عظة بطرس في يوم الخمسين، ولكن يبدو أن لوقا إما استخدم التقليد القديم لصياغة عظة بطرس أو على الأقل شهودًا لتقليد مبكر تم فيه الاعتراف بأن قبر يسوع فارغ. هذه المقارنة نفسها بين داود ويسوع موجودة أيضًا على لسان بولس في أعمال الرسل 13: 29-37.[21]
قد يكون عدم وجود إشارة محددة إلى القبر الفارغ من قبل بولس نابع من دافع دفاعيّ وليس من الجهل. عندما يتعلق الأمر بظهور القيامة، يمكن أن يجادل الرسول على قدم المساواة مع التلاميذ الآخرين. لقد رأى الرب هو أيضًا! ومع ذلك، لم يستطع قول الشيء نفسه عن القبر الفارغ. ولعل هذا هو سبب عدم الإشارة إليه على وجه التحديد في رسائله.
إذا نشأ تقليد القبر الفارغ من تجربة أتباع يسوع الأوائل في صباح ذلك اليوم الأول من عيد الفصح وكان من بداية جزء لا يتجزأ من الوعظ المسيحي المبكر، يبقى السؤال، “ما الذي جعل القبر فارغًا في الصباح الأول من عيد الفصح؟
“ما السبب وراء هذا التأثير”؟ لا يزال الإنجيلين يجدون أبسط وأسهل تفسير لشهادة كتاب العهد الجديد. المسيح قام من بين الأموات! لم يستطع القبر أن يحمله، لأن “المسيح قد قام من بين الأموات، وهو باكورة الراقدين” (1 كو 15: 20).
[1] للحصول على مسح موجز لبعض هذه الآراء انظر
E. Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1975) 136-142.
للاطلاع على مناقشة أقدم ولكن لا تزال مفيدة لبعض هذه النظريات، انظر
M. Smith, Therefore Stand (Boston: Wilde, 1945) 393-398.
[2] K. Lake, The Historical Evidence for the Resurrection of Jesus Christ (New York: Putnam, 1907) 251-252; P. Gardner-Smith, The Narratives of the Ressurection (London: Methuen, 1926) 134–139.
[3] J. K.lausner, Jesus of Nazareth (Boston: Beacon, 1925) 357.
لم يكن كلاوسنر بأي حال من الأحوال أول من اقترح هذا التفسير. في وقت مبكر من القرن الثامن عشر، صور ك.ف. باهردت يوسف الرامي على أنه يسرق جسد يسوع من الكهف، ولكن في تصوير باهردت، تم إحياء يسوع واستمر في خدمته سرًا عبر العديد من ظهورات “القيامة”. وبالتالي
Schweitzer, The Quest of the Historical Jesus (New York: Macmillan, 1966) 43-44.
وضع نظرية مشابهة إلى حد ما. وفقًا لبالدينسبيرغر، على الرغم من دفن يسوع في قبر جماعي من قبل اليهود، حصل يوسف الرامي على إذن من بيلاطس بنقل الجسد وإعادة دفنه في قبره. ومع ذلك، عادت النساء، اللائي رأين الدفن الأول، إلى مكان الدفن الأصلي ووجدته فارغًا افترضن أن يسوع قد قام من بين الأموات. على الرغم من إعلان قيامة يسوع في وقت لاحق والقبر الفارغ، فقد أبقوا هذا السر حتى وفاته. راجع أيضا
Pesch, “Zur Entstehung des Glaubens an die Auferstehung Jesu,” TQ 153 (1973) 206.
[4] هذه النظرية هي واحدة من أقدم التفسيرات العقلانية للقيامة وقد تم اقتراحها بالفعل في القرن الثامن عشر من قبل K.F Bahrdt وفي أوائل القرن التاسع عشر بواسطة K.H. Venturini و H.E.G Paulus.
Schweitzer, Quest, pp. 43-44,46-47,54–55.
[5] متى 28: 11-15.
[6] تم العثور على هذه “النظرية” الغريبة نوعًا ما في ترتليان، De Spectaculis, 30.
[7] L. D. Weatherhead, The Resurrection of Christ (London: Hodder and Stoughton, 1959) 43-45
[8] R. Bultmann, The History of the Synoptic Tradition (New York: Harper, 1968) 290,
الذي يقول، “إن قصة القبر الفارغ ثانوية تمامًا …. القصة هي أسطورة دفاعية مثل مرقس 16 8 • • • تظهر بوضوح. لا يعرف بولس شيئًا عن القبر الفارغ.” انظر أيضا
W. H. Lampe and D. M. MacKinnon, The Resurrection (London: Mowbray, 1966) 46-48: H.-W. Bartsch, Das Auferstehungszeugnis (Hamburg: Herbert Reich, 1965) 22; H. Grass, Ostergeschehen und Osterberichte (Gottingen: Vandenhoeck and Ruprecht, 1%2) 93. Yet P. Althaus, Die Wahrheit des kirchlichen Osterglaubens (Giitersloh: Bertelsmann, 1941) 26,
أشار إلى أنه إذا ظهرت قصة القبر الفارغ كدفاع عن القيامة، فمن الغريب أنها لا تخدم هذه الوظيفة في الحسابات نفسها (راجع مرقس 16: 8، لوقا 24: 22-24، يوحنا 20: 11-15). في هذا الصدد انظر أيضا
Leon-Dufour, Resurrection and the Message of Easter (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1971) 210.
[9]H. Schlier, Ober die Auferstehung Jesu Christi (Einsiedeln: Johannes, 1968) 28; F. Mussner, Die Auferstehung Jesu (Miinchen: Kosel, 1969) 69; G. O’Collins, The Resurrection of Jesus Christ (Valley Forge: Judson, 1973) 93.
[10] للاطلاع على مناقشة للسامية في روايات الإنجيل عن القبر الفارغ انظر
L. Bode, The First Easter Morning (Rome: Biblical Institute, 1970) 6, 58, 71.
[11] W. Pannenberg, “Did Jesus Really Rise from the Dead,” Dialog 4 (1965) 134; O’Collins, Resurrection, p. 43; Bode, First Easter, p. 177; Althaus, Wahrheit, p. 26; W. Kiinneth, The Theology of the Resurrection (St. Louis: Concordia, 1965), p. 92 n. 52.
هذا الأخير هو ملخص ممتاز ومختصر لهذه الحجة.
قيل إن مرقس 6 :14، 16 يدحض هذا الادعاء، حيث اعتقد البعض أن يسوع ربما كان يوحنا المعمدان الذي أقيم من الموت على الرغم من عدم وجود ادعاء بأن قبر يوحنا كان فارغًا. ومع ذلك، فإن مثل هذا التفكير في طبريا من قبل هيرودس أنتيباس، راعي الثقافة الهلنستية، لم يكن ممكنًا مع الفريسيين في أورشليم. بالنسبة لليهودي في أورشليم، وخاصة بالنسبة للفريسي المعادي والمتشكك، فإن أي ادعاء بالقيامة يتطلب قبرًا فارغًا.
[12] سي إف دي مول C. F. D. Mouleفي مقدمة المحرر لـ
The Significance of the Message of the Resurrection for Faith in Jesus Christ (London: SCM, 1968) 9
تنص على أنه “من الصعب شرح كيف أن قصة [من المفترض] نشأت متأخرة وتشكلت فقط وفقًا للمطالب الدفاعية المفترضة تم تأطيرها في مصطلحات حصرية تقريبًا من النساء الشاهدات، اللاتي، على هذا النحو، اشتهرن بأنهن غير صالحين كشهود وفقًا لمبادئ الإثبات اليهودية. كلما تأخرت القصة وكلما كانت خيالية، كان من الصعب شرح سبب عدم إحضار الرسل إلى المقدمة كشهود “. أنظر أيضا
Bode, First Easter, p. 158.
[13] Bode, First Easter, p. 163.
[14] P. Benoit, The Passion and Resurrection of Jesus (New York: Herder, 1970) 228–229; Bode, First Easter, p. 160.
من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن بعض العلماء الذين يعتقدون أن قصة القبر الفارغ هي إضافة دفاعية متأخرة إلى روايات القيامة يؤكدون أن يوسف الرامي مرتبط بشكل ما تاريخيًا بقصة الدفن. انظر
Pesch, “Entstehung,” p. 206
[15] Bode, First Easter,
يجادل في هذه النقطة بطريقة أكثر إقناعاً وإفحاماً. للحصول على ملخص لحجته انظر ص 179 – 182
[16] R. H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (New York: Macmillan, 1971) 10, and Bode, First Easter, pp. 91-93,
لمناقشة تاريخ هذا التقليد.
[17] H. Conzelmann, A Commentary on the First Epistle to the Corinthians (Philadelphia: Fortress, 1975) 255; Fuller, Formation, pp. 15-16. For the opposing view see U. Wilckens, Auferstehung (Berlin: Kreuz, 1970) 20-22; A. Oepke, “egeir6,” TDNT (Grand Rapids: Eerdmans, 1964) II, 335. R. E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973),
بينما ينكر في الصفحات 83-84 أن مصطلح “دُفن” يشير إلى أن القبر كان فارغًا، يعتقد أن التعبير “قام في اليوم الثالث” ربما يشير إلى ذلك. انظر ص. 124.
[18] في كولوسي 2: 6، يجب أن نلاحظ أيضًا أن المقطع تم تقديمه من خلال “بما أنك قبلت المسيح يسوع الرب” ، وهو نفس المصطلح الذي يقدم التقليد الموجود في كورنثوس الأولى 15: 3-4.
[19] يدرك المؤلف جيدًا الصعوبة التي ينطوي عليها معرفة معنى “التشابه” في رومية 6: 5 وما يرتبط به، ولكن من الواضح، على الأقل بالنسبة له، أنه بغض النظر عن كيفية الإجابة على هذه الأسئلة، فإن في الممعمودية يتذكر المؤمن بطريقة ما موت ودفن وقيامة يسوع. انظر
C. Tannehill, Dying and Rising with Christ (Berlin: Topelmann, 1966) 30-39,
لإجراء مناقشة ممتازة حول الطرق المختلفة التي تم تفسير “التشابه” بها.
ما هي ادلة القيامة؟ هل قام المسيح من بين الاموات؟ – ترجمة جان كرياكوس
ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس
ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس
اشراف فريق اللاهوت الدفاعي
جدل حول قيامة يسوع من الموت
يبرز هذا المقال الله بأنه أفضل تفسير لقيامة يسوع، سوف نركز على الحقائق الصغيرة لخطوات Gary Habermas (MFA)، وفيها يفسر Habermas “فكر فقط في المعلومات التي تأكدت بقوة تاريخيا والتي يضمنها تقريبا كل باحث يدرس الموضوع، حتى المتشككين منهم “(1)، هذا يأتي بعد ان قرأ Habermas 3000 مقال أكاديمي لباحثين بعدة لغات، بعد ذلك قام Habermas بتعريف 12 حقيقة (2) (3) ولكننا سوف نركز فقط على أربعة حقائق احتاجها لتوضيح الموضوع:
صلب يسوع
دفن يسوع
قبر يسوع الفارغ
ظهورات يسوع بعد موته
الموثوقية العامة:
بما اننا سوف نتطرق للعهد الجديد، فأنا اريد ان نثق به كوثيقة تاريخية، سوف لا نفترض ان ورد بالإنجيل موحي به اوانه معصوم من الخطأ، سوف نتطرق اليه فقط على انه وثيقة تاريخية، كما ناقشت سابقا، سوف نركز على ستة مواضيع رئيسية (4)، ان الأناجيل هي مصادرنا الأولية للتعرف على يسوع، يؤكد الناقد المعاصر Bart Ehrman اننا نستطيع الاستفادة من “اناجيل العهد الجديد”، فهو يوضح ان ذلك “ليس لأسباب دينية او لاهوتية،،، يمكننا ان نثق بها، وانما لأسباب تاريخية، واضحة وبسيطة” (5)، فيما يتفق البروفيسور Richard Burridge يدعي انه عندما “نحكم على مقاييس القرن الأول، اعتقد ان الاناجيل وثائق يمكن الاعتماد عليها جيدا” (6)
فلا يقبل الجدال كون الاناجيل بحد أقصى او اقل، تعطينا معلومات تاريخية عن يسوع، وضع كهذا قد قوي منذ الاجماع عليه (10) واليوم تندرج الاناجيل ضمن “نوعيات السير الذاتية” (7)، “السير الذاتية القديمة” (8)، و” كما تصنف بالسير الذاتية القديمة” (9)، فهذه الحقيقة الهامة توضح لنا دافع الكاتب، وهوان يروي لنا ما حدث بالفعل، سوف يكون شيء اخر إذا كان ينوي الكاتب كتابة رواية رومنسية خيالية او شعريه بدلا عنها،
يدون المؤرخون ان علماء الاثار يؤيدون رويات الاناجيل التي تظهر تناسقا مع التاريخ، فيوجد العديد من التأكيدات التي تتعلق بالأناجيل، كما يميز البروفيسور Craig Evans ويشرح “اناجيل متي، مرقس، لوقا، يوحنا، سفر اعمال الرسل – فهذه هي الاسفار القصصية الاساسية للعهد الجديد، فهم يتحدثون عن أناس حقيقية، أحداث حقيقية، أماكن حقيقية، وعلماء الآثار يوضحون ذلك”(11)، يتفق الباحث Paul Johnson كاتبا ان “يدون المؤرخون هذا الدليل الداعم من علم الاثار يؤكد أكثر من ما يعرض روايات يسوع” (12)، لدي المؤرخون ادلة اضافية على احداث الانجيل.
كما يشرح المفسر Habermas “عندما تجتمع الادلة من المصادر القديمة، فهي تلخص عدد من المعلومات المؤثرة التي تخص يسوع والمسيحية القديمة” (13)، وفوق ذلك فأن الموثوقية العامة تعزز أكثر بواسطة شهادة المخطوطات، فنحن لدينا أكثر من 5000 نسخة باللغة اليونانية الاصلية (14) التي تتفوق على اي شيء اخر لدينا من الاعمال الرومانية اليونانية القديمة، يوضح Habermas ذلك جيدا، “المقصود عادتا هو ان العهد الجديد له ادله كثيرة من المخطوطات التي ترجع لفترات ابعد من الاعمال الكلاسيكية الأخرى، يوجد فقط اقل من 6000 مخطوطة للعهد الجديد بنسخ لغالبية العهد الجديد، يرجع تاريخها ب 100 سنة او أكثر من كتابته.
بأخذ هذا في الاعتبار، فالاعمال الكلاسيكية غير موثقة، في حين ان هذا لا يضمن المصداقية، لكنه يفسر انه من الاسهل بكثير اعادة بناء نص العهد الجديد” (15)، لا يقل اهمية قدم دليل النص الذي لدينا، فكل تواريخ العهد الجديد ترجع لأواخر القرن الأول، لقد مات يسوع حوالي سنة 30 ميلادية، ومعظم الباحثين يؤرخون الاناجيل من سنة 70 وحتى سنة 95 ميلادية، في حين ان رسايل بولس الرسول يرجع تاريخها لما قبل الخمسينات من القرن الأول، وهذا يعني ان ما لدينا هو شهادة القرن الأول عن حياة يسوع.
يناقش الباحث Mike Bird ان هذا مبكرا وخاصةّ “بالمقارنة بالأشخاص التاريخية الاخري” (16)، يشرح البروفيسور Keener ان “نصوص الانجيل قد كتبت في خلال أربعة عقود من اعدام يسوع، وهذا يمنحنا فرصة استثنائية للدخول الي اعماق خدمة يسوع المبكرة” (17)، يدعي الباحث Dan Wallace انه ” كحقيقة تاريخية لا يمكن انكار ان هذه الاناجيل هم شهودنا الاوائل عن ما كان يؤمن به المسيحيين بالقرن الآول” (18)، يوضح ايضا الباحثون انه في الواقع يمكننا العودة حتى الي ما قبل سنة 70 ميلادية عندما نحلل التقاليد الاجتماعية التي كانت وراء الاناجيل،
الحقائق الصغيرة:
سوف نبدأ العمل من القواعد التي يتقبلها عادتا المؤرخون، وهوان مصدران مستقلان يؤكدان حدث تاريخي يعتبر تاريخيا (19)، سوف استخدم ايضا مقياس المصداقية كمرجع (CoA)، CoA هو اداة يستخدمها المؤرخون لتحديد امكانية حدوث أفعال وأقوال يسوع، وبالطبع كلما زادت الامكانية، زادت ثقتنا في الأقوال او الأحداث المزعومة (27)، من خلال CoA سوف نركز على (28):
الاستقلالية والشهادة المبكرة: يظهر الحدث في عدة مصادر قريبة من الوقت المزعوم لحدوثها،
الحرج: فالحدث من الممكن ان يكون فظ او غير نافع بالنسبة للشخص الذي هو مصدرا للمعلومات، مما لا يرجح انه قد قام بأختلاقه،
شهادة الاعداء: يصدق على الحدث الاعداء ايضا مما يمنحه امكانية حدوث عالية،
الحقيقة الآولي: موت الموت يسوع مصلوبا
لا يوجد اتجاه سائد للمؤرخين يشك في صلب يسوع، بحسب رأي البروفيسور James Dunn فأن صلب يسوع “حاز على اجماع غالبية العالم” و”من المستحيل الشك فيه او انكاره” (20)، ويتفق Bart Ehrman على “انه واحد من الحقائق المضمونة عن حياة يسوع” (21)، يقول البروفيسور Luke Johnson ان الدليل “كاسح” (22)، ويقول البروفيسور الملحد Ludemann “ان الصلب غير قابل للمناقشة،” ويقول Crossan “انه يأخذه كشيء مضمون كليا” (23)، ويطلق عليه Borg “من الجائز جدا ان يكون مؤكدا” (24)، وتقول Paula Frederickson “انها أكثر حقيقة مؤكدة لدينا عن يسوع” (25).
ان الصلب وحده مؤكدا فيما لا يقل عن 11 مصدر مستقل من داخل وخارج العهد الجديد: رواية الام المسيح بحسب ما قبل انجيل مرقس، Q، يوحنا، بولس، عبرانيين، رسالة بطرس الاولي 2: 24، Clement of Rome، Ignatius، Martyr، Josephus Flavius، & Cornelius Tacitus، ما قبل انجيل مرقس وQ يعدوا سابقين تاريخيا بعدة سنوات من حدث الصلب، ثم اخرون، اقل قيمة.
مصادر مثل لوسيان، سيرابيون (تعتمد على التواريخ)، الثالوث والتلمود يؤكدان تقليدا ثابتا لصلب يسوع (26)، ايضا يتجاوز الصلب ال CoA، فهو سابقا ومتعددا الادلة (29)، يتجاوز مقياس الحرج (30) (31)، الاتساق (32)، كما ايضا يتفق مع علم الاثار (33)، ان تفاصيل الصلب التي بالانجيل تتفق ايضا مع ما نعرفة عن علم الطب المعاصر وهو الشيء الذي يمنحها مصداقية (33) (34)،
الحقيقة الثانية: دفن يسوع
أجمعت الآراء على دفن يسوع، بحسب CoA فأنه حدثا قديما ومتعدد الاثباتات، فهو مؤكدا منذ ان تسلم بولس الايمان بنحو ما يقل عن خمسة أعوام بعد صلب يسوع (35)، يوضح Habermas ان هذه المعتقدات “تحتفظ ببعض التقارير القديمة التي تتعلق بيسوع منذ ما يقرب من سنة 30- 50 ميلادية” (36)، ان الدفن مؤكدا ايضا برواية مرقس لما قبل الام المسيح، والتي بحسب تفسير William Craig “يعتبر مصدرا قديما جدا والذي غالبا يعتمد على شهادة شهود عيان وتواريخ بعد عدة أعوام من صلب يسوع” (37)، يؤرخها ايضا البروفيسور Richard Bauckham لما قبل عام 40 ميلادية وهو التاريخ الذي غالبا “يعود لكنيسة اورشليم” (38).
فهذا دليل قديم قوي ومستقل، ان الدفن في حد ذاته مثبت بمادة فريدة M & L، سفر أعمال الرسل وانجيل يوحنا، فنحن لدينا بشكل شامل ستة مصادر مستقلة ومبكرة جدا تؤكد دفن يسوع، وبحسب John Robinson فأن الدفن هو واحد من “أقدم وأفضل الحقائق حول يسوع” (39)، والأكثر من ذلك، فالدفن مثبتا ايضا من الاعداء، أعداء يسوع اليهود المتدينين قد اتهموا التلاميذ بسرقة جسد يسوع من القبر وفقا لإنجيل متي 28: 13، Martyr (Dialogue with Tryphyo, 108)، وTertullian (De Spectaculi, 30)، اتهام كهذا يفترض ان يسوع قد دفن داخل القبر وان القبر وجد فارغا،
الحقيقة الثالثة: قبر يسوع الفارغ
ان الحقيقة الثالثة هي الاستثناء، بما انها مؤكدة بنحو75% من الباحثين ومعارضة من نحو99%، ولكن بأي حال، فهي تظل غالبية كما يفسر Habermas قائلا “يبدوان الغالبية العظمي من النقاد الباحثين المعاصرين يؤيدوا ،،، ان يسوع قد دفن في قبر ووجد ذلك القبر فيما بعد فارغا” (40)، اولا، في اوائل عقيدة ما قبل بولس الرسول بالرسالة الاولي الي اهل كورنثوس 15: 1- 11 كما يدون William Craig “عندما نقول ان يسوع مات – دفن – قام – ظهر، فأن ذلك يتضمن بديهيا ان القبر الفارغ قد ترك خلفا” (41)، ثانيا، اذا لم يكن القبر فارغا بالفعل، لكانت المسيحية قد اصطدمت بحائط، فأن ابسط وسيلة لإثبات عدم صحة الايمان المسيحي بقيامة يسوع المخلص، هي ان تذهب الي القبر الذي دفن به يسوع وتعرضه.
يشرح Paul Althaus ادعاء القيامة بأنه “اذا لم يكن قد ثبت خلو القبر لكل المهتمين، لما كان هذا الادعاء استمر في اورشليم لمدة يوم او حتى ساعة” (42)، ثالثا، كون ان النساء اللاتي كن يتبعن يسوع هن اول من اكتشف القبر الفارغ، فهذا يتجاوز مقياس الحرج، كما يلقي الضوء Chris Price “في ظل البيئة الثقافية في ذلك الوقت، اذا اردت ان تختلق قصة حول قبر فارغ، فعليك ان لا تجعل النساء هن اول الشهود العيان، فان ذلك يعتبر تفاصيل ضاره تضمنها الكاتب فقط لأنه اراد ان يخبر بالحقيقة” (43)، وهو ايضا يشكل برهان مستقل، انه مثبت مبكرا وبشكل مستقل في كورنثوس الاولي 15: 1- 11.
وفي رواية الام المسيح لما قبل مرقس الرسول (44)، وهو ايضا مثبتا في اناجيل (مرقس، متي، لوقا) ويوحنا، فهذه المصادر الاربعة المستقلة كما يدون Habermas “ان القبر الفارغ قد ذكر في على الاقل ثلاثة اناجيل ان لم يكن الاربعة” ولهذا السبب “قد اخذ الخبر بجدية من النقاد الباحثين المعاصرين” (45)، وكان ايضا جزء من التعاليم الاولي للمسيحية في سفر اعمال الرسل (3: 29- 31 & 36- 37) وهو ايضا مؤكدا من قبل اعداء المسيحية (46)،
الحقيقة الرابعة: ظهورات يسوع بعد موته
ان الغالبية العظمي تشير الي ان يعقوب، بولس والتلاميذ لديهم خبرات حول قيامة يسوع، طبقا للملحد التاريخي Gerd Ludemann “ربما قد اعتبر شيء مؤكد تاريخيا ان بولس التلاميذ لديهم خبرات بعد موت يسوع حيث ان يسوع قد ظهر لهم كالمسيح القائم من الموت” (47)، يقول Agnostic James Crossley “انه أصعب وأفضل دليل لدينا” (48)، ويدعوه Ehrman “حقيقة تاريخية” (49)، فجميع الاناجيل الاربعة تشهد كل منها بشكل مستقل على القيامة، فظهور يسوع لبولس يشهد عنه لوقا مستقلا، وظهوره للاثني عشر تلميذا يشهد عنه لوقا ويوحنا، ونحن لدينا شهودا مستقلين عن ظهورات الجليل في انجيل مرقس، متي ويوحنا (50)
هناك ما هو أكثر من ذلك هو شهادة بولس في بداية ايمانه (كورنثوس الاولي 15: 1- 11)، في رسائل بولس المثبتة والمتجادل عليها، Q وسفر اعمال الرسل، فبداية الايمان تعتبر شيئا مميزا جدا حيث يسجل ان بطرس، الاثني عشر تلميذا، 500 شاهد، يعقوب واخيرا بولس لديهم خبرات حول يسوع القائم من الموت، ما هو أكثر من ذلك، Clement of Rome في القرن الاول وPolycarp في بداية القرن الثاني لديهم ادلة مؤكدة لظهورات القيامة، فكلاهما يعرف التلاميذ وهو الشيء الذي يمنح شهادتهم المصداقية،
ما هو أكثر من ذلك، هو ان التلميذان يعقوب وبولس كانا مخلصان في ادعائهما بقيامة يسوع كما أكدت تسعة مصادر مبكرة ومستقلة، بولس كان يضطهد الكنيسة الاولي حتى ظهر له يسوع (51)، كان يعقوب أخو يسوع الشكاك الذي اقتنع ايضا بسبب ظهور القيامة (52)، نحن ايضا نعرف 11 مصدرا يخبرنا بالادعاءات المبكرة للتلاميذ بالقيامة واستعدادهم للمعاناة والموت من اجلها (53)، واخيرا، فنحن نعلم ان المسيحيين الاوائل بولس، يعقوب (أخو يسوع)، يعقوب (أخو يوحنا)،
اسطفانوس وبطرس جميعهم قد استشهد بسبب ايمانهم بقيامة يسوع، ما هو أكثر من ذلك، هو انه لا يمكن تفسير تلك الظهورات على انه هلوسة، حيث ان بولس قد أمن بقيامة يسوع جسديا (54)، قد أكل يسوع بعد قيامته السمك (لوقا 24: 42)، وعرض على تلاميذه ان يلمسوا جسده القائم (لوقا 24: 39، يوحنا 20: 27)، وان يمسكوا بقدميه (متي 28: 9)، والتلميذ توما قد وضع اصبعه ويده في المكان الذي كان به المسامير بجسد يسوع (يوحنا 20: 27)، بحسب المفسر Craig William Craig “فنحن لدينا شهادات متطابقة بالأناجيل بأن جسد المسيح بعد القيامة كان جسد حقيقي” (55)،
النتيجة: “اذن، فالله هو أفضل تفسير لكل هذه المعلومات،”
ان نقاشي هو ان القيامة هي ان انسب تفسير لكل هذه المعلومات وان وجود الله هو سبب هذه الحقائق،
المراجع:
1، Habermas, G، & Licona, M، 2004، The Case for the Resurrection of Jesus،p، 44،
2، Habermas, G، 2012، The Minimal Facts Approach to the Resurrection of Jesus: The Role of Methodology as a Crucial Component in Establishing Historicity، Available،
4، Bishop, J، 2016، The General Reliability of the Gospels، Available،
5، Ehrman, Bart، 2008، The New Testament، p، 229،
6، Burridge, R، 2013، All Four One And One For All، Available،
7، Stanton, G، 2004، Jesus and Gospel، p، 192،
8، Dunn, J، 2003، Jesus Remembered: Christianity in the Making، p، 185،
9، Cornerstone Institute، New Testament Studies، 2015،
10، Keener, C، 2009، Will the Real Historical Jesus Please Stand Up? The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus، Available،
11، Evans, C، Interview: Is the Bible Reliable? Available،
12، Johnson, P، 1986، A Historian Looks at Jesus (Speech)،
13، Habermas, G، 1996، The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ، p، 219،
14، Elliott, K، & Moir, I، 2000، Manuscripts and the Text of the New Testament، p، 1،
15، Habermas, G، Dr، Habermas Answers Important Questions، Available،
16، Bird, M، 2014، Yes Jesus existed… but relax, you can still be an atheist if you want to، Available،
17، Keener, C، 2009، Will the Real Historical Jesus Please Stand Up? The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus، Available،
18، Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 100،
19، Craig, W، 2009، Independent Sources for Jesus’ Burial and Empty Tomb، Available،
20، Dunn, J، 2003، Jesus Remembered: Christianity in the Making، p، 339،
21، Ehrman, B، Why Was Jesus Killed? Available،
22، Johnson, L، 1996، The Real Jesus، p، 125،
23، Ludemann, G، 2004، The Resurrection of Christ، p، 50،
24، Crossan quoted by Stewart, R، & Habermas, G، in Memories of Jesus، p، 282،
25، Paula Frederickson, remark during discussion at the meeting of “The Historical Jesus” section at the annual meeting of the Society of Biblical Literature, November 22, 1999،
26، Habermas, G، & Licona, M، 2004، The Case for the Resurrection of Jesus، p، 50،
27، Bishop, J، 2016، The Historical Jesus and the Criteria of Authenticity، Available،
28، Craig, W، 2013، A Reasonable Response، Also see, Craig, W، 2014، Gospel Authorship – Who Cares? Available،
29، Craig, W، The Resurrection of Jesus، Available،
30، Hengel, M، 1977، Crucifixion، According to Hengel: “The social stigma and disgrace associated with crucifixion in the Roman world can hardly be overstated،”
31، Craig, W، 2013، Stephen Law on the Non-existence of Jesus of Nazareth، Available،
32، Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 109،
33، Edwards, W، 1986، Journal of the American Medical Association، p، 1463،
34، Bishop, J، 2015، Jesus Fact #2 – The Piercing of Jesus’ Side and Medical Science، Available،
35، Ludemann, G، 1994، The Resurrection of Jesus: History, Experience, Theology، p، 38،
36، Habermas, G، 1996، The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ، p، 143
37، Craig, W، 2009، Independent Sources for Jesus’ Burial and Empty Tomb، Available،
38، Bauckham, R، 2008، Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony، p، 243،
39، Robinson, J، 1973، The Human Face of God، p، 131،
40، Habermas, G، The Empty Tomb of Jesus، Available:
41، Craig, W، The Historicity of the Empty Tomb of Jesus، Available،
42، Althaus, P، quoted by Dale Allison in: Resurrecting Jesus: The Earliest Christian Tradition and Its Interpreters، 2005، p، 317،
43، Price, C، 2015، Resurrection: Making Sense of Historical Data، Available،
45، Habermas, G، 2005، Recent Perspectives on the Reliability of the Gospels، Available،
46، Flowers, D، 2013، The Resurrection of Jesus of Nazareth، Available
47، Ludemann, G، 1995، What Really Happened? p، 80،
48، Crossley, J، 2015، Unbelievable? New Testament Q&A – Gary Habermas & James Crossley،
49، Ehrman, B، 1999، Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium، p، 231،
50، Craig, W، The Resurrection of Jesus، Available،
51، Ehrman, B، 2006، Peter, Paul, and Mary Magdalene: The Followers of Jesus in History and Legend، p، 101،
52، Habermas, G، 2003، The Risen Jesus and Future Hope، p، 22،
53، Sources: Luke, Paul, Josephus, Clement of Rome, Clement of Alexandria, Polycarp, Ignatius, Dionysius of Corinth, Tertullian, Origen, and Hegesippus،
54، Bock, D، & Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 208،
السجل المبكر لموت وقيامة المسيح في كرونثوس الاولي 15 :3-7 والتقليد الشفوي والمقارنة بالمصدر المتأخر في القرآن.
تم تقييم المصادر المتاحة لقيامة المسيح من قبل المؤرخين. لكن السؤال الهام ماهو تاريخ تلك المصادر. بالنسبة بما يتعلق بالشهادات المبكرة من المسيحية. قال المؤرخ “ديفيد فيشر “David Hacket Fisher:”المؤرخ لا يجب ان تتوافر لديه ادلة قوية فحسب. لكن ان تتوافر لديه افضل الادلة القوية وثيقة الصلة. وافضل الادلة القوية ذات الصلة. هي مع الاخذ بعين الاعتبار ,ان هذه الادلة تكون اقرب مباشرتاً من الحدث نفسة. ” (1)
المفتاح الرئيسي في دراسة المصادر المبكرة في حياة المسيح هو ان تضع في الحسبان الثقافة والبيئة اليهودية التي ولَّد بها يسوع. كما يلاحظ “بول بارنيت Paul Barnett“ان وسط المسيحية المبكرة التي كانت مكتوب بها رسائل بولس والاناجيل كان مناخ رباني rabbinic ” (2)(متعلق بالمعلمين من حيث التعاليم واللغة ووجهات النظر). ونظراً للتشديد علي التعليم في المجمع. والمنزل. والتعليم الأولي. فانه ليس من المستغرب انه كان من الممكن للشعب اليهودي اعادة سرد(بالاسلوب الشفوي) وحكي كميات كبيرة من المواد التي كانت ايضاً اكبر بكثير من الاناجيل نفسها.
يذكر العهد الجديد المسيح بكونه رابي “Rabbi” في المواضع الاتية:(- متي 8 : 19 , 9 : 11 , 12: 28 , مرقس 4: 28 , 5: 35 , 9: 17 , 10 :17-20 ,12 :14 ,19, 32 ولوقا 19: 39 , ويوحنا 1 :38 , 3 :2 ) والكلمة تعني معلم او سيد. “وهناك العديد من العبارات التي من خلالها نستطيع ان نشاهد ونعرف معني جزء من مصطلح rabbinic في هذه الايام. حينما ذكر العهد الجديد تلك العبارات :وكان التلاميذ ” “تأتي ” اليه “تتبعه” “تتعلم منه” “وحمل النيره”(متي 11 :28- 30 مرقس 1 ).
(3) وبالتالي يبدو ان الانجيل في بداية انتشاره كان في شكل او قالب تراتيل وعقائد شفوية. بامكانك الرجوع لتلك المواضع:(لوقا 24 :34 ,اعمال الرسل 2 :22-24 ,30 -32 ; 3: 13-15 و 4 :10-12 و5 :29-32 ,10 :39 -41 ,13: 37- 39 , رومية 1: 3-4 ,4 :25 ,10 :9 , كورنثوس الاولي 11 :23 ,15: 3-8 وفليبي 26-11,وتيميثاوس الاولي 2 : 6 ,3: 16 ,6: 13 ,تيميثاوس الثانية 2 :8 وبطرس الاولي 3 :18 ويوحنا الاولي 4: 2 ) فكان هناك عناية هائلة وعظيمة “بالتسليم delivering”أي التقاليد المستلمة. فنجد ان يسوع استخدم التوازي parallelism و الايقاع والقافيةوالجناس والسجع. حيث مَكنة كلمات يسوع ليس فقط الحفظ من خلال الذاكرة بل السهولة في المحافظة علي تلك الكلمات.
(4) حتي بولس الرسول ,استخدمها. حيث دُرب علي يد رابي مختص في مدرسة رابانية تدعي هليل وهو الرابي” غمالئيل ” وهو رئيس وعضو في السنهدريم. يمكن ملاحظة ان كُتاب العهد الجديد وظفوا مصطلحات التقاليد الشفوية مثل: “تسليم” “تلقي” “يمر علي” “التعلم” “التمسك ” فالتعليم التقليدي يظهر في العهد الجديد بالقاء نظرة علي الفقرات الاتية:-
يطبق بولس الرسول التقليد الشفوي في رسالة 1 كورنثوس 15: 3-7 التي تعد واحده من أقدم السجلات التاريخية لمضمون الأنجيل لعقيدة –موت وقيامة المسيح. العالم اليهودي الارثوزكسي الراحل” بنحاس لبيد Pinchas Lapide” كان معجباً جداً بالعقيدة التي في كورنثوس الاولي 15 و خلص الي ان “يمكن اعتبارها كصيغة ايمان كبيان من شهود العيان” (5) أستخدَام بولس لمصطلحات ربانية مثل “استلمت received ” “ما قبلته” يمكن مشاهدتها في رسالة كورنثوس الاولي 15 :3-8. . في الفقرات الاتية:-
3 فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب 4 وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب 5 وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر 6 وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باق إلى الآن. ولكن بعضهم قد رقدوا 7 وبعد ذلك ظهر ليعقوب، ثم للرسل أجمعين 8 وآخر الكل – كأنه للسقط – ظهر لي أنا من المثير بالاهتمام اننا نجد بالتوازي ما صرح به وقاله بولس في اعمال يوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول يوسيفوس ما يلي بشأن الفريسيين: “احب ان اوضح هنا ان الفريسيين نقلوا الي الناس بعض الأوامر من سلسلة متتاليه من الاباء.
التي لم تُكتب في ناموس موسي. لهذا السبب رفضت فئة الصدوقيين هذه الاوامر. علي المستوي المتوسط الواحد يحتاج الي التعرف علي الاوامر المكتوبة فقط. في حين ان هذا من تقاليد الاباء التي ليس من الضروري التقيد بها”. (6) يشير ريتشارد بيكهام. Richard Bauckham الي “نقطة مهمة لموضوعنا الي ان يوسيفوس المؤرخ اليهودي استخدم في لغتة تعبيرات مثل:-. الانتقال او التسليم” passing on” وايضاً تقليد التسليم من معلم الي اخر وايضاً التسليم من الفريسيين الي الشعب. ” (7) فيلاحظ بيكهام في كتابة يسوع وشهود العيان. والاناجيل وشهادة شهود العيان. ان الكلمة اليونانية ل شاهد العيان “eyewitness” (autoptai), ليس لها قصد قانوني.
فالمعني من الكلمة الانجليزية eyewitnesses يشير الي استعارة من المحاكم القانونية. وهذا غير صحيح قليلاً فكلمة autoptai تستخدم ببساطة للمراقبين للاحداث. وقد تابع بيكهام عمل “Samuel Byrskog صموئيل بيرسكوج “في حجتة بانه علي الرغم من ان الاناجيل في بعض النواحي تبدو شكلاً مميزة جداً وجذاباً للتاريخ. ألا انهما يشتركان علي نطاق واسع في موقف شهادة شهود العيان الذي كان ايضاً شائعاً بين المؤرخين في العصر الروماني واليوناني. هؤلاء المؤرخين كانوا موضع احترام كبير ,فجميع التقارير تعبر عن خبرة مباشرة عن الاحداث التي روت.
فأفضلهم من كان هو نفسه هو احد المشاركين في الاحداث. ويسمي هذا (الفحص المباشر)في حالة تعذر ذالك وكان المؤرخ غير حاضر في كل الاحداث التي تحتاج الي سرد. علي الاقل لسبب حدوث الاحداث في وقت واحد متزامنة. فالسعي وراء المبلغين الذين قد تكلموا عن معرفة مباشرة والذين استطاعوا اجراء مقابلات ورؤية الاحداث هو امر طبيعي ويسمي.
(فحص غير مباشر) وبعبارة اخري ل بيرسكوج تعرف “الفحص”بأنه وسيلة مرئية لجمع المعلومات حول موضوع معين. يمكن ان تتضمن وسائل اما ان تكون وسائل مباشرة (شهود عيان) او غير مباشر (الحصول علي شهود عيان) بيرسكوج يدعي ايضاً بانه يمكن القول ان هذا الفحص اسخدم في العهد الجديد بواسطة بولس في المواضع الاتية :(كورنثوس الاولي 9 :1 ,15 :5-8 ,وغلاطية 1 :16 )ولوقا في المواضع الاتية(اعمال الرسل 1: 21-22 ,10 :39 -41 ) ويوحنا في المواضع الاتية(19: 35 ,21 :24 ,ويوحنا الاولي 1:1 -4) فالكلمة “تسلمت” παραλαμβάνω (هو مصطلح يهودي)يعني استقبال شيئ ينتقل من شخص الي اخر. يمكن ان يحدث ذالك من خلال النقل الشفوي او عن طريق الاخرين ومنهم تواصل التقاليد.
مما يترتب علي ما قلناه نفهم ان بولس تلقي هذه المعلومات من خلال شخص اخر في وقت سابق. فكرونثوس الاولي تؤرخ بين 50 : 55 بعد الميلاد. منذ كان يسوع مصلوب تقريباً سنة 30 : 33 ورسالة كرونثوس مكتوبة بحوالي 20 : 25 سنة ميلادية من موت المسيح. لكن العقيدة الحقيقية موجودة في كورنثوس الاولي 15 استقبلها بولس في وقت سابق بكثير من سنة 55 ميلادية.
كما يلاحظ غاري هابرماس ان معظم علماء النقد يوافقون عادتاً ان تلك العقيدة لها أصل في وقت سابق للغاية. اوليرش ولكنيس. يعلن ان هذه العقيدة بلا شك تذهب بنا للخلف باعتبارها اقدم مرحلة من جميع تاريخ المسيحية المبكرة. (8) يواقيم ارميا يسميها. “التقليد الاقرب من الكل” (9)اي الأقرب من تاريخ المسيحية الاولي حتي العالم الغير مسيحي “جيرد ليدمان Gerd Ludemann” قال هذا “أنا اصر بان اكتشاف الاسس العقائدية قبل الرسول بولس هي وواحده من احدي انجازات العهد الجديد الدراسية”. (10) فجمهور العلماء الذين علقوا علي هذا الامر. اعتقدوا ان بولس ربما تلقي وتسلم هذه المعلومات بعد التحول للمسيحية بثلاث سنين.
التي حدثة ربما من سنة 1 الي 4 بعد الصلب. فيذكر الكتاب المقدس ان بولس زار اورشاليم للتحدث مع بطرس ويعقوب ,وكل واحد منهم تم ادراجة في قائمة ظهورات يسوع بعد القيامة. وظهر ذالك في المواضع الاتية من الكتاب المقدس (كورنثوس الاولي 15: 5 -7وغلاطية 1: 18-19 ) فتعود معرفتة تقريباً الي سنة 32-38 بعد الميلاد. حتي احدي المؤسسين وعضو في سيمينار يسوع “جون دومينك كروسان John Dominic Crossan” كتب قائلاً.
كتب بولس من افسس رسالة اهل كورنثوس في اوائل سنة 50 بعد الميلاد لكنة قال في كرونثوس الاولي 15 :3فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. ان المصدر الاكثر احتمالاً والوقت لاستلامه هذا التقليد كان في اورشاليم في وقت مبكر من سنة 30. كما قلنا مسبقاً وجاءة زيارتة لاورشاليم في الرسالة غلاطية 1 :18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت الى اورشليم لاتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما (11) يقول ساندرز E. P. Sanders ايضاً : تم كتابة رسائل بولس في وقت مبكر من الاناجيل.
وذلك لاشارته الي الاثني عشر وهو اقرب الادلة. يتعلق الامر في الاعداد الاولي كرونثوس الاولي 15 ان بولس يكرر استخدامة للتقليد. وبالتالي اذا تتبعنا الايام الاولي لتحركاته. سنجد انه يعطي قائمة لظهورات القيامة التي جري تداولها. ٍ في كرنثوس الاولي 15. (12) وقال “كروسان بارتنر روبرت فنك Crossan’s partner Robert Funk” ان الاقتناع بان يسوع قد قام من بين الاموات كان قد له جذور في الوقت الذي تم تحول بولس حوالي سنة 33 بعد الميلاد. علي افتراض ان المسيح مات حوالي سنة 30 ميلادية. والوقت اللازم لنمو بولس كان سنتين او ثلاث سنين علي الاكثر. (13)
Robert Funk co-founder of the Jesus Seminar
هذه التعليق من كروسان واخرين يبدوا منطقيا لانه ضمن العقيدة المذكوره في كرنثوس الاولي 15 يشير بولس الي بطرس باسمة الارامي. , Cephasصفا. وبالتالي اذا كان هذا التقليد كان متداول باللغة الارامية. فكان الموقعين الذي يتحدث الناس فيهم بالارامية هم الجليل واليهودية. (14) المصطلح اليوناني historeo” ” تترجم في الانجليزية لزيارة to visit اولمقابلة to interview. (15) ومن هنا الغرض من رحلة القديس بولس ربما كان يهدف الي التأكد من قصة القيامة من بطرس نفسة الذي كان شاهد عيان فعلي علي قيامة يسوع كرنثوس الاولي 15 :5 لماذا هذا الموضوع؟
يقول “ايرك شابوت Eric Chabot “(16) كنت اتحدث مرة مع احد المسلمين عن تاريخ القرآن والعهد الجديد. فالاسلام ينص ان المسيح ما صلبوه لكن شبة لهم. وقد كتب القرآن بعد 600 سنة من حياة يسوع وهذا يجعله مصدر متأخر جداً للمعلومات بالمقارنة بالعهد الجديد. يبدو ان الادلة التي سبق لنا مناقشتها تخبرنا بان المحتوي التاريخي للأنجيل هو (موت يسوع وقيامتة)تم تداولها في وقت مبكر جداً بين المجتمع المسيحي.
كما قلنا للتو ان المؤرخين يبحثون عن السجلات الاقرب لتاريخ الحدث. بالنظر الي الوقت المبكر من كرونثوس الاولي 15 : 3-8 فمن الواضح تماماً ان هذه الوثيقة هي مصدر أكثر موثوقية من القرآن. وعلاوة علي ذلك. القول بان قصة المسيح تم اختلاقها في وقت لاحق يناقض الادلة المقدمة.
اغريغوريوس
aghroghorios
المراجع
1. Hacket Fisher, D. H. , Historians’ Fallacies: Toward a Logic of Historical Thought. New York: Harper Torchbooks. 1970, 62.
2. Barnett, P. W. , Jesus and the Logic of History. Downers Grove, IL: InterVarsity Press. 1997, 138.
3. Ibid.
4. Ibid.
5. Lapide, P. E. , The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective. Minneapolis: Ausburg. 1983, 98-99.
6. Bauckham, R. Jesus and the Gospels: The Gospels as Eyewitness Testimony. Grand Rapids, MI: Eerdmans Publishing Company. 2006.
7. Ibid.
8. Wilckens, U. , Resurrection, trans. A. M. Stewart. Edinburgh: St. Andrew, 1977, 2
9. Jeremias, J. New Testament Theology: The Proclamation of Jesus, trans. John Bowden. New York: Scribner’s, 1971, 306.
10. Ludemann, G, The Resurrection of Jesus Christ: A Historical Inquiry (Amherst, NY: Promethus, 2004), 37.
11. Crossan, J. D. & Jonathan L. Reed. Excavating Jesus: Beneath the Stones, Behind the Texts. New York: HarperSanFrancisco, A Division of HarperCollins Publishers, 2001, 254.
12. E. P. Sanders, The Historical Figure of Jesus (New York: Penguin Books), 1993
13. Roy W. Hoover, and the Jesus Seminar, The Acts of Jesus, 466.
14. Jones, T. P. , Misquoting Truth: A Guide to the Fallacies of Bart Ehrman’s Misquoting Jesus. Downers Grove, IL: InterVarsity Press. 2007, 89-94.
15. Ibid.
16. The Earliest Record for The Death and Resurrection of Jesus: 1 Corinthians 15: 3-7