الذبائح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج3 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الذبائح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج3 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

The cross of Jesus Christ after the crucifixion, as described in the Bible.

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الكلمة والحكمة والروح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج2 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

المسيح الإله/الله – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج4 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

في العالم القديم كانت السمة الأكثر تميزًا للعبادة هي الذبيحة، تقديم القرابين كهدية للإله أو في أغلب الأحيان كانت الذبيحة حيوانية، حيث كان دمه يُعتبر كفارة لتجنب غضب الإله أو تكفيرًا لمحو خطايا العابد. كان هذا هو السبب الرئيسي وراء الحاجة إلى وجود مكان مقدس، مكان محمي من التلوث البشري، حتى يمكن تقديم ذبيحة مقبولة لدى الإله هناك. اليوم نجد أنهار الدماء التي لا تنتهي والتي تتدفق من المذابح في معظم المعابد مروعة. كان هذا هو مصدر اللحوم المستخدمة في وجبات الطعام في غرف الطعام في المعبد – لم يكن اللحم يستخدم في الذبيحة نفسها أو يُعطى للكهنة. كانت الذبيحة والوجبة يذهبان معًا؛ أولئك الذين يأكلون الذبائح كانوا شركاء في المذبح (1 كورنثوس 10: 18).

كان هذا هو السبب الرئيسي وراء ضرورة وجود الكهنة: كان الكاهن والذبيحة يذهبان معًا؛ لا كاهن، إذًا لا ذبيحة مقبولة. لقد كان هذا المنطق هو الذي شكَّل الفكر المسيحي منذ القرن الثاني فصاعدًا: بما أنّ موت المسيح كان ذبيحة، كان لابد من وجود كاهن لتقديم الذبيحة ومذبح تقدم عليه الذبيحة.

إنَّ النقطة المهمة هنا هي أنّ الذبيحة واللاهوت يسيران جنباً إلى جنب أيضاً. كانت الذبيحة هي الاعتراف الأسمى بألوهية الشخص الذي قُدِّمت له الذبيحة. ويمكن وصف الذبيحة بأنها “المعيار النهائي للألوهية”.[1] ولهذا السبب كانت عبادة الإمبراطور مهمة للغاية عندما انتشرت غرباً في الإمبراطورية الرومانية. ذلك أنّ تقديم ذبيحة للإمبراطور كان بمثابة تأكيد واعتراف بأن الإمبراطور كان (بالفعل) إلهاً، على الرغم من أن الأباطرة خلال الجيل الأول من المسيحية كانوا يقاومون عبادة الإمبراطور عادةً بسبب هذا الأمر. ولنفس السبب اعتبر اليهود تقديم الذبائح للأصنام أمراً غير مقبول على الإطلاق، لأن الممارسة كانت بمثابة تأكيد علني على ألوهية قطع الحجر والخشب، وكان الإله المصنوع بأيدي بشرية أمر متناقض في ذاته ومستحيل.

لقد لعبت الذبيحة في ديانة إسرائيل دوراً حاسماً، ولكن دائماً باعتبارها ذبيحة لإله إسرائيل وحده. ففي هيكل أورشليم كان يتمّ تقديم خروف ذكر صغير مرتين في اليوم، صباحاً ومساءً، كذبيحة محرقة لله، إلى جانب الدقيق والزيت والخمر (خر 29: 40). وكان الأفراد يضحون بانتظام بذبائح المحرقة وذبائح السلامة (لاويين 1: 4؛ 3: 1)، وخاصة ذبائح الخطيئة وذبائح الإثم (لاويين 5).[2]

وكانت هاتان الذبيحتان الأخيرتان هما الذبيحتان الرئيسيتان، لأنهما كانتا تكفران عن الخطايا والتعديات. وكما تقول الرسالة إلى العبرانيين: “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة للخطايا” (عبرانيين 9: 22). وكانت ذبيحة الخطيئة وكبش الفداء تشكلان محور طقوس يوم الكفارة السنوي، والتي كانت تُعالَج بها خطايا الشعب ككل (لاويين 16). ولم يكن هناك أي تفكير في تقديم مثل هذه الذبيحة لأي شخص آخر غير الله. كانت التضحيات المقدمة لأية آلهة أخرى مجرد تضحيات لأصنام بلا حياة.

إنَّ الموقف المسيحي الأقدم من طقوس الذبائح في إسرائيل غامض. فوفقاً لإنجيل متّى، قَبِل يسوع الالتزام بدفع ضريبة الهيكل، التي كانت تموِّل الذبائح اليومية في الصباح والمساء (متى 17: 24-27). ولكنه أعلن أيضاً غفران الخطايا، دون أي إشارة إلى كاهن أو ذبيحة خطيئة.[3] وتطهير يسوع للهيكل ونبوءته بتدميره يمكن تفسيرهما على أنهما رفض لطقوس الذبائح. ولكن حديثه عن تجديد العهد (أو العهد الجديد) في العشاء الأخير (مرقس 14: 22-24) يمكن أن يعني أيضاً أنه رأى موته الوشيك كذبيحة عهد، ذبيحة تختم العهد (خروج 24: 8).

وعلى نحو مماثل، يتسم موقف المسيحيين الأوائل بالغموض. فوفقاً للوقا، كان المؤمنون الأوائل يتواجدون باستمرار في الهيكل،[4] وكان بطرس ويوحنا يذهبان إلى الهيكل في ساعة الذبيحة المسائية (أعمال الرسل 3: 1). ويقول لوقا إن بولس نفسه شارك في طقوس الهيكل (21: 23-24، 26). وبناءً على اقتراح يعقوب، انضم إلى أربعة رجال كانوا تحت نذر. فتطهّر معهم ودفع نفقاتهم حتّى يتمكّنوا من حلق رؤوسهم. ومن المُفترض أنّ هذا يُشير إلى التشريع في العدد 6: 9-12، حيث كان تدنيس النذير يتطلب تطهيره لمدة سبعة أيام، وحلق الشعر غير المقصوص، وفي اليوم الثامن تقديم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطيئة والأُخرى ذبيحة محرقة للتكفير عن خطيئته.

في مقطع ذي أهمية كبيرة، يذكر بولس أن إيمان الإنجيل الذي ورثه أكّد “أنّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب” (1 كورنثوس 15: 3). وقد تلقى هذا الاعتراف على الأرجح فور اعتناقه المسيحية، والذي كان على الأرجح في غضون عامين من صلب المسيح. لذا كان هذا أحد أقدم التصريحات المسيحية عن الإيمان.

إن اعتبار موت المسيح على هذا النحو بمثابة ذبيحة خطيئة، أو ما يعادل حمل الفداء في يوم الكفارة، يؤكده مقاطع بولسية أخرى.[5] ومن هذا يمكن الاستدلال على أن (العديد أو معظم) المسيحيين الأوائل اعتبروا موت المسيح ذبيحة، ذبيحة تزيل الخطيئة وتكفر عنها وتطهرها. ويمكن توسيع الاستدلال هكذا: الإشارة إلى موت المسيح باعتباره ذبيحة عن الخطيئة كان يعني ضمناً أنه لم تكن هناك ذبائح أخرى عن الخطيئة ضرورية بعد ذلك لأولئك الذين آمنوا بيسوع.

هذا هو الخط الذي طوّرته الرسالة إلى العبرانيين بقوّة: كانت الذبائح القديمة غير فعّالة؛ إنَّ ذبيحة المسيح كانت وحدها فعَّالة؛ فقد أبرزت تلك الذبيحة التي قُدِّمَت مرة واحدة وإلى الأبد عدم كفاية الذبائح القديمة وجعلتها غير ضرورية (عبرانيين 10: 1-18). “حيث يوجد غفران (للخطايا) لا يكون بعد ذبيحة للخطية” (10: 18). ولعلّ اليونانيين، مثل استفانوس، الذين نأوا بأنفسهم عن هيكل أورشليم، كانوا قد توصّلوا بالفعل إلى هذا الاستنتاج، وكانوا هم الذين صاغوا الاعتراف الذي ورثه بولس.

في الوقت نفسه، ينبغي لنا أن نُلاحظ أنّ الصور التي تصف فعالية موت المسيح “عن الخطيئة” مستمدة من طقوس التضحية التي كان يمارسها شعب إسرائيل. والواقع أننا نستطيع أن نقول إنَّ هذه الصور لا يمكن أن تكون ذات معنى إلَّا إذا اعتبرنا أنّ طقوس التضحية ذات معنى وفعالية. وهذه هي الطريقة التي تعامل بها شعب إسرائيل مع خطاياهم لقرون عديدة. وعلى هذا فإنَّ استخدام صور التضحية لإضفاء معنى لاهوتي على موت المسيح كان يعتمد على افتراض أنّ طقوس التضحية بذبيحة الخطيئة ذاتها كانت ذات معنى لاهوتي. وليس هذا فحسب، بل وربما كان السبب في ذلك هو أنّ المسيحيين الأوائل كانوا يعتبرون موت المسيح ذبيحة لأن التضحية الدموية كانت تعتبر عموماً في العالم القديم جزءاً من العبادة الدينية.

إنَّ هذا الخط من التأمل يأخذنا بعيداً جداً عن بحثنا الرئيسي، لذا فلن أواصله هنا. ولكن النقطة المهمة بالنسبة لنا والتي تظهر هنا هي أنه في المسيحية الأولى، لم يُفهَم المسيح قط باعتباره الشخص الذي تُقَدَّم له الذبيحة، حتى عندما استُخدِمت صورة الذبيحة رمزياً للخدمة المسيحية.[6] كان يُفهَم المسيح عموماً باعتباره الذبيحة التي تعاملت بفعالية مع الخطيئة. وكان يُفهَم المسيح بشكل أقل على أنه الكاهن الذي قدم الذبيحة، باستثناء الرسالة إلى العبرانيين، حيث كان المسيح هو رئيس الكهنة الذي يُقدم الذبيحة وهو الذبيحة في نفس الوقت! وحتّى في سفر الرؤيا، كان المسيح هو “الحمل الذي ذُبِح”.

فإذا كان تقديم الذبيحة هو “المعيار النهائي للألوهية”، فإن يسوع لا يبدو مؤهلاً لذلك. ومع ذلك، يجب أن نتذكر في الوقت نفسه أن بولس رأى موت يسوع كعمل من أعمال الله: لقد قدم الله المسيح كذبيحة كفارة (رومية 3: 25)؛ إن موت المسيح هو الذي يُظهِر محبة الله (رومية 5: 8). يبدو أن المنطق يتعارض مع المنطق الذي يقوم عليه تقديم الذبيحة لله. فقد كان الله مشاركاً في الذبيحة ذاتها وفي تقديم الذبيحة، وكذلك في تلقي الذبيحة.

لذا فإذا كان الله على جانبي الصفقة، فمن المفترض ألا نضغط على النقيض الصارم بين الفاعل والمفعول به عند النظر إلى من قُدِّمَت له ذبيحة المسيح. ولعل الله كان على جانبي ذبيحة المسيح، فكذلك كان يسوع أيضاً على كلا الجانبين بطريقة ما ـ ليس باعتباره الشخص الذي قُدِّمَت له الذبيحة في موت المسيح، بل باعتباره مرتبطاً بتلقي الله تماماً كما كان الله مرتبطاً بتقديم المسيح كذبيحة.

 

 

 

[1] نورث North، ‘Jesus and Worship’ 200. ويتفق ماكجراث McGrath مع هذا الرأي: “كانت العبادة بالذبائح هي السمة المميزة للعبادة اليهودية الحصرية لإله واحد فقط”؛ “كانت العبادة الذبائحية للإله الواحد الذي لا صورة له هي القضية الحاسمة” (The Only True God Ch. 2; here 31, 35).

[2] For detail see Sanders, Judaism Ch. 7.

[3] Mark 2:5–7, 10; 3:28; Luke 7:47–49. Similarly John the Baptist?—Jesus Remembered 358–61.

[4] لوقا 24: 53؛ أعمال الرسل 2: 46؛ 5: 42.

[5] رومية 3: 25؛ 8: 3؛ 2 كورنثوس 5: 21.

See further Theology of Paul #9.2–3.

[6] North, ‘Jesus and Worship’ 199, referring to Rom. 12:1; Phil. 2:17; 4:18; Heb. 13:15–16; 1 Pet. 2:5.

الذبائح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج3 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الفداء المسيحي، هل يكون بموت اللاهوت؟ طبيعة المسيح (6)

الفداء المسيحي، هل يكون بموت اللاهوت؟ طبيعة المسيح (6)

https://youtu.be/zbuNBswxKks

دائما ما يسخر الشاب معاذ من كون بعض المسيحيين يقولون له أنه لن يفهم إلا بالروح القدس. ولكني أرى أن مشكلة معاذ ليس أنه لا يفهم الأمور التي تحتاج إلى فتح ذهني من الله، بل أنه لا يفهم الأمور البسيطة التي تحتاج فقط إلى عقل بشري طبيعي يعمل بشكل سليم فقط! فمعاذ لم يصل للأمور الأعقد التي تحتاج إلى أن يفتح ذهنه الله، بل لازال في الأمور البسيطة نظرا لبلادة عقله وغيبوبته.

 

دعونا نشرح بألفاظ بسيطة وبطرق متنوعة ما هي طبيعة المسيح وما هو الخلاص المسيحي إذن، لكي نخلص على كل حالٍ قومًا.

طبيعة المسيح:

  1. للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين، والطبيعتان هما اللاهوت والناسوت.
  2. عند اتحاد اللاهوت بالناسوت، لم يتغير الناسوت إلى لاهوت ولا تغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا فقدت أي طبيعة من الطبيعتين صفاتها الأصلية، فظل اللاهوت لاهوتا بصفاته اللاهوتية، وظل الناسوت ناسوتا بصفاته الناسوتية. فاللاهوت لا يمتزج بالناسوت أو يختلط معه أو به، أو يتحول إليه.
  3. نسبة الأفعال: في هذه الطبيعة الواحدة بالحقيقة، عندما يصدر منها فعل ما، أو يقع عليها فعل ما، فإننا ننسبه إلى الطبيعة الواحدة، لأن الطبيعتين متحدتين إتحادا كاملا. والنسبة هنا لا تعني “التأثير” بالفعل، بل (مجازا) كما نقول عن انسان أنه مات، في حين أن روح هذا الانسان لم تمت بل جسده، لكن لكون الروح متحدة بجسده، فجاز أن نقول أن الانسان مات، ويعلم كل شخص -عاقل- ما المقصود بهذا. (وبالطبع هذا مثال وكل مثال قاصر لأن طبيعة الله الفريدة لا يشابهها -ولو من بعيد- أية طبيعة أخرى، وكذلك الأمر في الإتحاد بين طبيعتي المسيح له المجد)
  4. تأثير الأفعال: عندما يقع عليها فعل، فإن تأثيره يكون بحسب الطبيعة التي تتأثر بهذا الفعل. فمثلا، الجوع أو العطش أو التعب أو الموت، كل هذه الصفات/الأفعال، لا يتأثر بها اللاهوت على الإطلاق، إنما يتأثر بها الناسوت فقط ولا تؤثر هذه الأفعال/الصفات في اللاهوت، على الرغم من اتحاد الطبيعتين. ففي مثال الحديد المحمى بالنار مثلا، عندما يتم الطرق عليه، فإن النار لا تتأثر بالطرق، لكن الحديد يتأثر به ويتشكل بناء على هذا الطرق. بينما النار تتأثر بالماء، ولا يتأثر الحديد. فمع اتحاد الحديد بالنار، إلا أن كل منهما تأثر بما تسمح به طبيعته. (وبالطبع هذا مثال وكل مثال قاصر لأن طبيعة الله الفريدة لا يشابهها -ولو من بعيد- أية طبيعة أخرى، وكذلك الأمر في الإتحاد بين طبيعتي المسيح له المجد)

خلاص المسيح:

  1. بعدما تكلمنا عن الفارق بين “نسبة الفعل” وبين “تأثير الفعل” يجب أن نعرف أن موت المسيح على الصليب تأثر به ناسوته فقط وهو متحدا بلاهوته. أو بعبارة أخرى: فإن الذي مات على الصليب هو الناسوت المتحد باللاهوت.

إذن، كيف تم الفداء؟ تم الفداء عن طريق موت الناسوت المحدود، وهو متحدا باللاهوت غير المحدود، فقد أعطى اللاهوت غير المحدود لموت الناسوت المحدود تأثيرا غير محدود في الخلاص والغفران. ولكي نقرب إلى الأفهام هذا (والأمثلة كلها قاصرة لكن للإيضاح وليس للتطابق) نقول هذه المعادلة الرياضية:

  • 1 * 1 = 1
  • 1 * 5 = 5
  • 1 * 100 = 100
  • 1 * 1000000 = 1000000
  • 1 * ∞ = ∞

فرقم 1 هو رقم صغير، وهو هنا يمثل الجسد المحدود، والقيمة ∞ هي قيمة كبيرة جدا وغير محدودة (جدلا)، لذا فالناتج النهائي كان غير محدودا أيضا ∞. وهكذا تم فداء المسيح، فموت الناسوت وحده منفصلا عن اللاهوت سيعطي فداءًا محدودًا، لكن بإتحاده باللاهوت غير المحدود، صار هذا الفداء غير محدود. أو بكلمات أخرى أيضا: فإن اللاهوت أعطى لموت الناسوت المحدود عدم محدودية في تأثير الخلاص.

 

وهذا ما يقوله البابا شنودة المتنيح الذي استشهد به ميمو ومعاذ، حيث جاء في كتاب طبيعة المسيح صـ21:

حقا إن اللاهوت غير قابل للآلام. ولكن الناسوت حينما وقع عليه الألم، كان متحداً باللاهوت. فنُسب الألم إلى هذه الطبيعة الواحدة غير المحدودة. ولذلك نرى أن قانون الإيمان الذي حدده مجمع نيقية المقدس يقول إن ابن الله الوحيد، نزل من السماء، وتجسد وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس وتألم وقبر وقام … فرق كبير بين أن نقول إن الناسوت وحده منفصلاً عن اللاهوت قد تألم، وبين أن نقول إن نقول إن الابن الوحيد تجسد وصلب وتألم وقبر وقام. هنا فائدة الإيمان بالطبيعة الواحدة التي تعطى الفداء فاعلية غير المحدودة. فهل تألم اللاهوت إذن؟ نقول إنه بجوهره غير قابل للألم … ولكن المسيح تألم بالجسد، وصلب بالجسد. ونقول في قطع الساعة التاسعة” يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة …”. مات بالجسد، الجسد المتحد باللاهوت. فصار موته يعطى عدم محدودية للكفارة.

 

ثلاثة ألفاظ وخمسة معاني

لفظ “اللاهوت مات”: اللاهوت هو طبيعة الله الفريدة، أي أنه الطبيعة الإلهية الفائقة لكل المدركات. ولهذا لن تجد مسيحي (على أقل درجات العلم) يقول إن اللاهوت مات. وهذا هو المعنى الوحيد الذي يقصده المسيحي من هذا اللفظ.

لفظ “الناسوت مات”: الناسوت هو طبيعة الإنسان، وعندما يقول المسيحي هذا اللفظ، فهو يقصد أن الذي تأثر بالموت، كان الناسوت، ويكون غرض المسيحي من هذا التعبير، هو نفي موت اللاهوت. وهذا هو المعنى الوحيد الذي يقصده المسيحي من هذا اللفظ.

لفظ “الله مات”: وهذا اللفظ له ثلاث معاني، واحدٌ منهم هو الصحيح، والبقية خاطئة، وهو اللفظ الذي يكشف الجهلة من أمثال ميمو ومعاذ، ويكشف علم الفاهم للاهوت المسيحي بحق، والمعنيان هما:

المعنى الأول وهو المعنى الصحيح، هو أن الله مات بالجسد أو بالناسوت، أي أن الطبيعة الواحدة للمسيح ماتت عن طريق موت الناسوت الذي هو أحد شقيها وهو متحدًا باللاهوت، أي أن الجسد تأثر بالموت فمات واللاهوت لا يتأثر بالموت فلم يمت رغم أنهما متحدان. وهذا هو الفهم الصحيح الذي لا يفهمه الجهلة من أمثال ميمو ومعاذ. فالمقصود بأن الله مات بالجسد، ليس أن اللاهوت مات من ناحية، وليس أن اللاهوت انفصل عن الناسوت من ناحية أخرى. ومن أمثلة هذا الوصف في الكتاب المقدس:

“كنيسة الله التي إشتراها بدمه” (أعمال الرسل 20: 28): فمع أن الله في لاهوته ليس له “دم” لكن لأجل الطبيعة الواحدة لله الكلمة المتجسد فصار مفهوما كيف أن لله دما، أي عن طريق دم ناسوته المتحد بلاهوته.

“فقولا له: الرب محتاج إليه” (لوقا 19: 31): وهكذا هنا، فالرب كلاهوت لا يحتاج، ولكن لأجل الطبيعة الواحدة، فجاز للعاقلين أن يقولوا هذا اللفظ لأنهم يعلمون أن الاحتياج هنا يقع على الناسوت المتحد باللاهوت.

“ورئيس الحياة قتلتموه” (أعمال 3: 15): وهنا أيضًا، فلأن اللاهوت والناسوت إتحدا في طبيعة واحدة، فجاز أن يُنسب الموت للطبيعة الواحدة رغم أن الذي يتأثر بالموت هو الناسوت فقط كما يقول الكتاب المقدس وجميع آباء الكنيسة. فمثلا الكتاب المقدس يقول عنه “مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ،” (1 بط 3: 18)

 

المعنى الثاني للفظ “الله مات” هو موت الناسوت وموت اللاهوت أيضًا. لكن كيف يتوصل البعض إلى هذا الفهم؟ عن طريق توهم أنه بما أن اللاهوت متحد بالناسوت وأيضا لا يمكن فصل اللاهوت عن الناسوت لحظة واحدة ولا طرفة عين، فيكون الناتج النهائي أن الموت “أثر” في الناسوت فمات، و”أثر” في اللاهوت فمات أيضا. وهذا بالطبع لا يقول به مسيحي، لكن هذا هو المعنى الساذج الخاطيء الذي يفهمه معاذ وميمو.

 

المعنى الثالث للفظ “الله مات” هو موت اللاهوت، وهذا ما لا يقل به عاقل أو حتى كرسي بلاستيك! ولا أحد قال أن الفداء يكون بموت اللاهوت كما يفهم معاذ بحماقة.

 

وبعدما رددنا على محتوى الفيديو وعلى أغلب الفيديوهات التي تتكلم في هذين الموضوعين، ننتقل إلى خطأ آخر يُظهر جهل المعترضين:

يقول ميمو “من بعد ما المسيح إتولد، أصبح ناسوت ولاهوت فقط؟ لأ، ده همّ إتحدوا

التعليق: هذه بالطبع هرطقة شهيرة في المسيحية وهي هرطقة نسطور، إذ أن الإتحاد لم يتم “بعد ولادة المسيح” بل “منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس”.. فميمو يقول “من بعد ما المسيح إتولد …. إتحدوا” وهذا خطأ يدل على أنه لا يفرق بين عقيدة المسيحيين الصحيحة وبين الهرطقات الشهيرة الواضحة، ورغم ذلك لا يتورع عن الكلام في ما لا يفهمه أصلا ولا يُحسن الكلام فيه.

 

أخيرا، الخطأ الذي وقعا فيه، هو إفتراض أن الخلاص يتم عندما يموت “اللاهوت غير المحدود” وهذا خاطيء، ولم يقل به أي مسيحي على الإطلاق، بل أن المسيح يقول أن الخلاص يتم عن طريق موت الطبيعة البشرية المحدودة وهي في اتحاد مع الطبيعة اللاهوتية غير المحدودة. لكي يعطي اللاهوت عدم محدودية لخلاص اللاهوت المحدود.

الفداء المسيحي، هل يكون بموت اللاهوت؟ طبيعة المسيح (6)

الفداء المسيحي، هل يكون بموت اللاهوت؟ طبيعة المسيح (6)

أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟

أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟

أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟

الرد: 

  1. لماذا خصصت كلامك عن الأربعة أناجيل فقط؟ نحن نؤمن بكامل العهد الجديد وليس فقط الأربعة الأناجيل.
  2. إن كنت لا تلتزم بكلام بقية كتابات الرسل (من سفر الأعمال إلى سفر الرؤيا) لأنها ليست كلام المسيح نفسه، فالأناجيل الأربعة أيضا هي كلام رسل المسيح (حسب منطقك): متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وليست كلام المسيح بنفسه، ومن هنا طالما قبلت الاحتجاج بكلام الرسل، فلتقبله كله أو ترفضه كله.
  3. لم يأت المسيح لأجل خلاص الانسان من خطية آدم وحدها، بل من أجل الموت الذي حل بطبيعة الإنسان عموما، كل إنسان، بداية من آدم. فآدم كممثل للبشرية والذي عن طريقه دخل الموت إلى العالم.
  4. أصبح الموت يملك على كل جنس البشر، ولهذا فالمسيح جاء لكي يفدينا عن طريق أن يعطينا الحياة الأبدية، ولهذا أخذ جسدنا المائت وأحياه فيه عبر اتحاد لاهوته المحيي بطبيعتنا المائتة وهذا ما تدل عليه النصوص في الكتاب المقدس بشرقه وغربه. 
أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟

أما لو تريد النصوص على فم المسيح ورسله فها هو جزء بسيط من النصوص الصريحة، ولاحظ أني لم أستشهد بأي كلام للقديس بولس الرسول لأنكم تخافون منه: 

  • “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».” (مت 20: 28). 
  • “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ …. كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ. وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا … لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي».” (يو 10: 11-18). 
  • “«وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.” (يو 3: 14-18). 
  • “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ،” (1 بط 1: 18-19). 
  • “لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. «الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل. الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا.” (1 بط 2: 21-25). 
  • “وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».” (مت 1: 20-21). 
  • “وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.” (مت 26: 27-28). 
  • “فَقَالَ الرُّوحُ لِفِيلُبُّسَ: «تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هذِهِ الْمَرْكَبَةَ». فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ، وَسَمِعَهُ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ، فَقَالَ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَقَالَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ. وَأَمَّا فَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ فَكَانَ هذَا: «مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ، وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجُزُّهُ هكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. فِي تَوَاضُعِهِ انْتُزِعَ قَضَاؤُهُ، وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ؟ لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ الأَرْضِ» فَأَجَابَ الْخَصِيُّ فِيلُبُّسَ وَقَالَ: «أَطْلُبُ إِلَيْكَ: عَنْ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ هذَا؟ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ وَاحِدٍ آخَرَ؟» فَفَتَحَ فِيلُبُّسُ فَاهُ وابْتَدَأَ مِنْ هذَا الْكِتَابِ فَبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ.” (أع 8: 29-35). 

 

وهذا الاقتباس كان من اشعياء 53 فما هو المكتوب فيه بخصوص فداء المسيح وخلاصه وغفرانه خطايانا؟ 

  • “لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.” (إش 53: 4-12). 

 

أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟
أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟

 

أين قال المسيح أنه جاء للفداء وليموت عن كثيرين؟

لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟

لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟

لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟

خلق الانسان على صورته

فخلق الله الإنسان على صورته سفر التكوين 1: 27

 

خلق الرب الانسان على صورته ومثاله كمرآه نقية تعكس صورته في النقاوة والقداسة والبر والصلاح. فخلق الانسان في صوره عدم فساد للشركة وليكون هذا الانسان سعيد. فيقول سفر الحكمة 2: 23 فإن الله خلق الإنسان خالدا، وصنعه على صورة ذاته، فالرب خلق الانسان ليعيش للأبد على صورته. في ملء القداسة، في ملء الطهارة في ملء البركة.

 

فساد الانسان

رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 12 الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد.

 

حول الانسان نظره عن الرب والامور الابدية ورفض الله وبمشوره ابليس سقط وفسدت طبيعته وأصبح هناك مسؤلية شخصية للخطية لكل انسان فالصورة البريئة النقية الطاهرة المباركة تلوثه وتشوهه. هذا الانسان الذي اختاره الرب لحياة الشركة ذهب لشركة الموت. فأمات الانسان نفسه بنفسه والله طبيعته تكره الخطية فهذا الانسان الساقط المخلوق لشركة الله مجده ومحبته سقط وهوي من هذه الشركة الالهية ليعتني بالذات والانا.

 

هذه الحالة التي كنا محفوظين بها من الهبوط إليها بسبب اتحادنا بالرب، قبل السقوط، على نحو ما تحفظ الجثث اليوم في ذلك السائل المسمى (فورمالين)، الذي يحفظ الجثث من الفساد لفترة من الزمن، لكن الجثة ستكون معرضة للفساد حال خروجها من هذا السائل، تلقائيا وبدون جهد لأنها ليست محفوظة بذاتها.

 

على هذا النحو أيضا (والتشبيه مع الفارق طبعا) كنا محفوظين من هذا الفساد (الطبيعي) بسبب اتحادنا وشركتنا مع الرب، قبل السقوط، فالسقوط يعني خروجنا من شركة اللاهوت، خروجنا من هذه النعمة الحافظة، من ثم ظهر الفساد فينا، ذلك الذي كنا محفوظين منه بسبب الشركة، فلما قطعنا نحن الشركة بالسقوط ظهر فينا الفساد تلقائيا وإن أول من عانى هذا الموت هو إبليس الذي ابتعد عن الله بسبب عصيانه.

لقد نقل الشيطان المائت الموت إلى الإنسان أيضاً، لأن الإنسان استمع لنصيحته وترك شركة الرب وفقد نعمته. فالموت هو نتيجة اختيارنا ليس عقوبة او فعل من الله.

فموت الانسان الاول لا يعني عدم وجوده بل هو موت روحي يليه اختبار للموت الجسدي. فلم يدمر الانسان كلياً لقد مات بمقدار ما اختلت علاقته بالرب ولكن ما يزال يعيش في طبيعته الفاسدة بفضل رأفة الرب ومحبته. وقد سمح الرب بموت الانسان جسدياً كما قال أحد الاباء لكي لا يصبح الشر ابدياً خالداً. فسمح الرب بكسر الرباط بين الروح والجسد الذي لم يكن هناك كسر بينهما قبل السقوط ان تنحل وسمح للموت ان يحدث. فالإنسان لا يستطيع ان يعيش ابدياً في فساد ولم يطيق هذا. فالموت ليس نتيجة للخطية لكن سبباً ايضاً لها.

فكان من الممكن ان يهلك الجسد ايضاً لكن لم يفعل ذلك لمحبته لهذا لإنسان فأعطاه مانحاً له طريقاً للتوبة” وإمكانية تحقيق حياة روحية فالإنسان كما فسدت طبيعته لكن يوجد فيه الخير ايضاً. وبالتالي أصبحت كل الآلام المرتبطة بالفساد والموت فرصاً للاشتياق للحياة العليا ولتحقيق الشركة مع الله.

 

الله والانسان

رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 6: 23 لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.

الله: قدوس مبارك نقي صالح محب عادل.. ألخ بشكل مطلق طبيعته لا تتحمل ما تشوهه به الصورة الانسانية. إذا كان هناك شخص يكره الشتيمة وذهب لمقهى بها الجميع يشتمون سنجد ان هذا الشخص لا يطيق الجلوس فطبيعته تكره الشتيمة

ما بالك الله الكلي القداسة والبر كيف سيحتمل تلوث وفساد طبيعة الانسان الذي سيشاركه؟

 

الانسان: فاسد خاطي حزين يائس، ميت منفصل عن مصدر حياته. وبانفصاله عن الله فقد كل معرفه وساد الفساد البشر ونزعت عنهم نعمة مماثلة صورة الله هذه النعمة التي كانت لهم لأجل الشركة. صنع الانسان الشر بل اخترع ايضاً الشرور شر ورا شر نشبت الحروب وقامت الامم ومزق المسكونة بفساد طبيعته.

والسؤال الان ماذا يفعل إله نقي بلا خطية لا يتحمل ان الخطية في انسان ساقط فاسد الطبيعة

 

في انسان احبه وخلقه ليتشارك معه رفض شركة الله فصار الموت فأمات هذا الانسان نفسه بنفسه وهذه اجره الخطية النتيجة الطبيعية بانفصاله عن الله. فالطبعتين أصبحوا كقطبي المغناطيس في تنافر طبيعة القداسة وطبيعة عم القداسة طبيعة البر وطبيعة عدم البر.. الخ

 

هل يستطيع الانسان ان يأتي الي الله من ذاته ويصلح ما فعل بتوبة؟

ان كان هناك قاضي وشخص قتل أحدهم فغفر له القاضي هل هذا القاضي طبق العدل؟ هل الله يستوي عنده الشر والخير هل هذا إله يعبد؟ اجره خطيتك اية؟ مش جهنم؟ فعدل الله ان يموت الانسان ولكن رحمته ستجعله يأخذ الموت عنه. ويزيل حكم الموت.

 

حينما يشوه الطفل لوحه اثرية ويذهب الي والده ليعتذر هذا امر جيد لكن من يعيد اللوحة الاثرية؟ فكيف للتوبة ان تستطيع ان تغير الطبيعة الفاسدة للإنسان؟ تستطيع التوبة ان تمنع الخطية للوقت لكن لا تستطيع ان ترجع الانسان لنقاوته الاولي. فبهد انحدار الانسان الي الفساد كان هناك حاجة لعلاج ضروري لما هو موجود يحتاج الي طبيب والمخلص.

 

فلا بشر ولا ملائكة قادرين على استعادة تجديد الخلقة الانسانية على صورة الله والملائكة ليسوا على صورة الله وهذا ما استدعاه التجسد. فالله الوحيد الذي لديه القدرة أن يُعيد للإنسان لتلك النعمة ويَرُدّه إلى حالته الأولى فهو الذي خَلَقَ في البدء كل شيء من العدم وهو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد.

ماذا يفعل الله؟

إنجيل يوحنا 3: 16 لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.

 

الله غير واقع تحت ضرورة الفعل ليفعل بل هو يفعل بناءاً على نعمته المبنية على محبته يريد ان يستعيد الاتي:

 

1- محبة الله تسترعي استعادة الصورة المفقودة لهذا الانسان الساقط والفاسد الطبيعة. للشركة من جديد

2- كيف يترك الرب الخليقة لتهلك هذا ضد صلاح الرب ومحبته بسبب غواية الشيطان.

3- كيف يترك الانسان للموت وتحت سلطان ابليس

فالله اراد ان يعيد تشكيل الانسان من جديد بحيث ان هذا التشكيل يتناسب مع صلاح الله. وحيث ان الانسان سقط وفسد ولا يصنع صلاح اذاً لا يمكن للإنسان ان يعود مره اخري لكي يتوافق مع طبيعة وصلاح الله بمفرده فلابد من وجود وساطة معينه او حل لجمع الله القدوس البار مع الانسان الخاطئ الذي أفسد ذاته. وأفسد صورة الله التي فيه بسبب خطيته. وكان الحل هو بالصليب..

كانت بداية هذا الحل هو التجسد وذلك لان التجسد هو الذي سيؤدي الي الموت.

رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 6: 23 لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.

ماذا يريد الله؟

ان يجعل الانسان المائت بالفساد والخطية كنتيجة فهو مائت بنفسه الي انسان غير مائت وان يوفي الصك عنا.

ان يعيد هذا الانسان الي صورة الله بإعطائه مثال وهو صوره الانسان يسوع المسيح.

ان يعلم الانسان من خلال الانسان يسوع المسيح من هو الله لان الانسان يفهم من خلال الانسان نفسه وكان مسطره الانسانية يسوع مثال للإنسان كيف يحيا.

 

ماذا فعل الرب لتحقيق هذا؟

في ملئ الزمان اخذ نفس طبيعتنا البشرية هذه لكنه بلا خطية ومن غير زرع بشر ليقضي على الموت بموته على الصليب ويبيد سلطان ابليس فكما قلنا لم يميت الرب الانسان الاول لمحبته الي الابد لكن بناءاً على خطته الالهية جعله يحي بجسده ثم يموت موت جسدي كصك. فجميعنا مستحقين الموت وهذا الموت بسبب تلوث وفساد طبيعتنا ولا نستحق ان نحيا. لكن التجسد يعالج فساد طبيعتنا بالبر والنقاء

وكما ذكرنا ان الخطية مسؤولية شخصية ليست خطية لإنسان الاول فقط بل خطيتي انا ايضاً وانفصالي عن الله بخطيتي واجرة هذا الانفصال الموت الطبيعي فالله خلقني على صورته في البر والنقاوة وقد لوثة هذه الصورة بفسادي وطبيعتي.

فلابد من أن يقدم نفسه ذبيحه عن الجميع، ليبرننا ويحررنا ويثبت أن جسده الخاص أقوى من الموت وأنه عديم الفساد وهو باكورة لقيامة الجميع.

وقال اثناسيوس شارحاً ان الصليب اوقعه عليه الاخرين لم يكن اختيار الرب لكن بعلم الله السابق يعلم ان مجيئه في الزمن المناسب سيكون هذا الامر لاجل تبريرنا وتحريرنا.

كما أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد بل كان ملتصقا به لذا لابد وأن تلتصق الحياة به بدلا من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد تصير الحياة داخل الجسد أيضا.

” وقد يقول بعض الناس: إن كان يلزم أن يموت المسيح أمام الجميع، ليرون قيامته بعد ذلك لماذا لم يموت موتاً كريماً بعيداً عن عار الصليب

لو فعل الرب يسوع هذا، لأعطى سببا للتشكيك في سلطانه على الموت وأنه لم يكن يقوى على كل نوع من أنواع الموت، بل فقط على نوع الموت الذي اختاره هو لنفسه، ومن ثم يكون ثمت سند لعدم الإيمان بقيامته، لهذا جاء الموت إلى جسده، لا من قبله هو بل من فعل عدو، حتى يبيد المخلص الموت إبادة تامة في أية صورة يأتون إليه بها

وكما أن المصارع النبيل إذا كان قويا وشديدا لا يختار بنفسه خصومه الذين يبارزهم، لئلا يُظن به أنه يخشى بعضا منهم، وإنما يترك الاختيار للمشاهدين، لاسيما إذا كان هؤلاء المشاهدون خصوما له، حتى يهزم أيا من الناس يختارونه هم لمصارعته، مثبتا بذلك تفوقه وعظمة قوته

هكذا كان الحال مع المسيح. إن المسيح وهو حياة الكل، وهو ربنا ومخلصنا، لم يرتب بنفسه كيفية موته، لئلا يظن بأنه كان يخشى نوعا آخر من الموت غير موت الصليب. حاشا، فقد قبل المسيح واحتمل فوق الصليب موتا أوقعه عليه الآخرون، وهؤلاء الآخرون هم أعداؤه الألداء، موتا كان عندهم مرعبا ومخيفا بحيث لا يمكن مواجهته. وقد صنع المسيح ذلك، حتى إذا ما حطم ذلك النوع من الموت بالذات، آمن الجميع بأن المسيح هو ذاته الحياة.. وتحققوا بأن سلطان الموت قد زال به نهائيا

وهكذا حدث شئ محير، عجيب ومدهش، لأن الموت الذي أوقعوه عليه ليكون عارا وخزيا، أصبح علامة مجيدة على انتصاره على الموت. لهذا فإنه أيضا لم يمت بالكيفية التى مات بها يوحنا المعمدان الذي قطعت رأسه وفصلت من جسده، ولا مات كما مات إشعياء بنشر جسده وشطره نصفين، بل احتفظ في موته بجسده سليماً غير مجزأ. ”

 

ما هي بعض مفاعيل موت المسيح على الصليب؟

ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا”(رو7: 22-25). الانسان في عصر النعمة بطبيعته خاطئ وقديس فنحن خطاه لان الخطية تعمل فينا. ونحن قديسين لان الرب قدسنا بالصليب وبررنا في دمه.

ابطال الموت والفناء الذي اصاب الانسان بفعله الخطية كنتيجة. لأنه مات اخذاً موتي وموتك لكنه انتصر على الموت لنا. فلا يعود سلطان عليك او عليا بالمسيح القائم. مثل خوف الانسان من الصعود الي القمر حتى ذهب نيل أرمسترونغ لهذا القمر ومحي هذا الخوف بذهابه هناك. فأصبح صعوده هو فتح الباب لصعود اخرين.

هكذا فعل المسيح بتجسده وصليبه وانتصاره على الموت فتح لنا الباب للحياة الابدية وحياة الشركة بلا خوف. دافعاً الدين عن كل خطايانا الناتجة عن فساد طبيعتنا. ايضاً رجوعي ورجوعك من الفساد وحاله الخطية الي حاله عدم الفساد بحسب الجهاد الروحي في المسيح الدافع الثمن. فسيحيني الرب من الموت الجسدي الذي انتصر عليه بجسده. وبالقيامة سيبيد هذا الموت.

ومن خلال التجسد أصبح لنا مثال لتجديد الانسان ورجوعة على صورة الله من خلال انسانية يسوع المسيح وهذا من خلال الولادة الثانية وتجديد الخلقة. فكلي القداسة يسوع المسيح الذي دفع ثمن خطيتي يعيدني الي رحاب وفرح الله. عرفنا الله بأوضح صوره وكشف لنا عن طبيعة الله وسلطانه ورفع قيمة هذا الجسد المائت ولا يوجد قيامة الا ان يسبقها موت فهو مات اما شهود لتكون قيامته معلومة لنا. ازال الرب حائط السياج الموضوع وصالحنا معه.

حطم سلطان ابليس على اولاد الله هذا المتسلط على الارواح فهذا كان هدف التجسد والصلب هو تدمير التسلط والخطية والموت. فقد غلب الموت من خلال صلبه وقيامته ودمر ابليس من خلال تحرير الاتقياء وتقيد سلطانه باسم يسوع الناصري. فمن خلال المعمودية نصبح اعضاء في جسد المسيح القائم ومن خلال التناول نثبت به. وهذا يجعلنا نتغير داخلياً ويحول أنفسنا مع حياة الجهاد والتوبة.

فنري بالصليب امتداد يد الله لكي يتصالح مع الانسان في شخص الابن المتجسد فتعاد المصالحة المفقودة بين الله والانسان. ففي الصليب امتدة يد الله لكي يظهر ذاته بانه هو المحب والمخلص الذي يصلح هذا الانسان ويعيد اليه صوره الله المفقودة.

فتبدأ عملية الصلاح من خلال مد يدي الله للإنسان الدنس الخاطئ لكي يتلاقى مع الله المصلوب. فقد صلب الرب في جسده اجرامنا وعيوبنا وكل ما صنعناه. لكي يدرك الانسان مقدار العطية غير المحدودة والرائعة التي اصبحت لنا بالصليب.

ليكن للبركة aghroghorios

لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.

لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.

لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.

وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.

للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.

يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:

“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.

إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.

إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.

يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:

“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.

K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.

ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:

“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”

Ibid, n. 3.

ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:

“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.

لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.

N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:

“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.

إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.

فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري- د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

استكمالاً لما قد بدأناه من سلسلة مقالات لتوضيح مفهوم الفدية عند آباء الكنيسة ردًا على المشككين والجهلاء من البعض، نستعرض الآن مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري.

وأود التنويه في البداية أن نصوص ق. كيرلس عن موضوع الفدية كثيرة ومتنوعة ومتعددة الجوانب في مفاهيمه حول موضوع الفدية، ولكن السمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هو أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقب من الآب لأجل البشر.

كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يعاقب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدس، ونصلي في الليتورجية، وفي الأجبية.

فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يمارس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يميت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يميت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يمارس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت.

فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا ادعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

 

ننتقل إل مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس – مثلما أكد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت كالتالي:

“لذا كان من الضروري أن يقدم ابن الآب الحي جسده الخاص للموت كفدية* عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتحد بالكلمة يمهد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

ونجد هنا ق. كيرلس الإسكندري يتبع الآباء السابقين عليه في التأكيد على تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي.

حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي:

“فإن مجيء المخلص متجسدًا، قد صار فديةً* للموت وخلاصًا لكل الخليقة”.

أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس (الرسالة إلى أدلفيوس المعترف)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٦، ص ٢٩.

 

ويتحدث ق. باسيليوس الكبير أيضًا عن تقديم المسيح الفدية للموت في الليتورچية البيزنطية الخاصة به قائلاً:

“فطهّرنا بالماء وقدّسنا بالروح القدس، وبذل نفسه فديةً* للموت الذي كان مستوليًا علينا ارقاءً تحت الخطية”.

باسيليوس الكبير (قديس)، الأفخولوجي الكبير (ليتورجية ق. باسيليوس)، ترجمة: الأسقف رافائيل هواويني، (لبنان: بيرثوث وقلفاط، ١٩٥٥)، ص ١٤٢.

 

وهذا ما يؤكده أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي أن المسيح قدم جسده كطُعم للموت قائلاً:

“لذلك صار جسده طُعمًا للموت*، وإذ صار موضع أمل للوحش [الشيطان] أن يقبض على المخلص، قبض المخلص عليه. لأنه ‘يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد المسيح الدموع عن كل الوجوه’ (إش ٢٥: ٨)”.

تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، المقالة ١٢: ١٥، ص ١٧٢.

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري- د. أنطون جرجس

نعود مرة أخرى إلى مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

“وعندما قدّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

 

ويؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع كالتالي:

“لأنه هكذا خلص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

 

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على تقديم المسيح للفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالى:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا، ونفسه فديةً* لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام، إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، الفصل ٧، ص ٧٧.

 

وهكذا يؤكد ق. كيرلس أن الفدية لأجل الجميع لإماتة الموت وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة كالتالي:

“(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً* لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٤: ٢، تعليق على (يو ٦: ٥١)، ص ٤٠٣.

 

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس أن المسيح أعطى جسده فديةً لأجلنا كالتالي:

“إذًا، فقد افتُدينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً*، فإذا أعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو أعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدراةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

 

ويؤكد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليطلقنا من الأسر، بل يؤكد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء- على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

“ويعلن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا* ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

 

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

“وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان*، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفضوا وفقدوا كل العناية السماوية”.

المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

 

وهكذا يؤكد ق. كيرلس على أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

“نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه* لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

 

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدم ذاته فديةً للموت كالتالي:

“لأنه افتدانا* من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرك كطريقة للفداء*. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مسمرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ‘الذي بذل نفسه فديةً* لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة’ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه* صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

 

ويؤكد ق. كيرلس على أن الآب نفسه هو الذي بذل وقدّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

“وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ‘قد اشتُريتم بثمن* فمجّدوا الله’ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: ‘وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

 

كما يؤكد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسر بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

“فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفع الفدية* لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدم ذاته لأجلنا”.

المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

 

لذلك، إن كان الآب هو مقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المقدِّم للفدية والمقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابي البروتستانتي، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. هذا ما يوضحه ق. كيرلس كالتالي:

“والمسيح قدم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يقدمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ‘التفت إليَّ وارحمني’ (مز ٢٥: ١٦)”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

أخيرًا، نستنتج أحبائي أن الفدية تم تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليقدم المسيح للآب الجنس البشري جنسًا مقدسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه.

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

بينما ليس كثيرين الناس يعرفون قصه سقوط الإنسان ولا معظمهم يستطيع أن يفهم هذه القصة ولكن نستطيع أن نستنتج أن هناك شيء غير سليم في هذا العالم. التقط الجرائد وافتح الكمبيوتر انظر في هاتفك المحمول وانظر الى علمنا فهو يمتلئ بكل أنواع الدمار والتخريب.

ويندهش الطلاب عندما يدرسوا العهد القديم ويجدوا أن عالمنا لا يوجد اختلاف بينه وبين الكتاب المقدس. إلا كان ينبغي أن يوجد هناك فرق بين ما نقراه في الصحف وبين ما ورد في الكتاب المقدس… بالتأكيد لا فان الكتاب المقدس يخبرنا عن قصه تاريخ الخلاص وهي القصة التي يحتاجها الإنسان لكي يخلص.

وعندما نكرر الدراسة في دروس الكتاب المقدس ” فان الخطية تلد الخطية ” ونستطيع أن نرى للتو قصه الخروج من عدن وان الجنس البشري قد فقد التحكم وهو يدور في دائرة من الفوضى. قايين قتل أخاه هابيل. طوفان نوح جلب الدمار. برج بابل عمل الانقسام. أبو الآباء إبراهيم لديه أولاد وأحفاد وأحفاد أحفاد والان يحاربون بعضهم البعض.

يوسف أنقذ عائلته من المجاعة في مصر ولكن قومه انتهى بهم الأمر الى العبودية في ارض مصر بواسطة فرعون جديد. موسى يحرر شعب إسرائيل من مصر ويقودهم الى الخروج بعد عشر ضربات ويشق البحر الأحمر ولكنهم بعد ذلك يعبدوا العجل الذهبي. يرفض الإسرائيليون دخول ارض الموعد وبدلا من ذلك يكون تائهين في البرية لمده 40 سنه وفي هذه الفترة ابتعدوا عن الله بعد الأخرة.

حتى عندما دخل الإسرائيليون ارض الموعد لم يعيشوا بشكل مختلف بقية الأرض بل رفضوا ملك الله عليهم والذي أدى الى أقامه مملكة داود وحتى بعد ذلك أعظم الملوك وهو الملك داود يسقط في خطية الزنا والقتل.

تنقسم مملكة داود الى مملكتين المملكة الشمالية والتي سوف تذهب الى السبي على يد الأشوريين في عام 722 قبل الميلاد والمملكة الجنوبية مملكة يهوذا سوف تذهب الى السبي على يد البابليين في عام 586 قبل الميلاد مع تدمير اورشليم والهيكل.

ثم يرجع اليهود من السبي ولكن لم ترجع الأمور كما في السابق فهم يعيشوا تحت حكم أجنبي وهذا يقود الى ثوره المكابيين ضد اليونانيين والتي استمرت قرن ونصف من الزمان قبل مجيء المسيح. قرات كل هذه الأحداث العهد القديم قد يعطي التفكير بانه لا خروج من هذه الدوامة حيث أن الخطية قد دخلت العالم. ونري انه لم توجد خطية لم يتم ممارستها من عباده الأوثان والتضحية بالأطفال كممارسات دينه الزنا وقتل الفقراء كله هذه مارسها شعب الله كما شعب الأمم.

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

ولكن: لماذا لا يوجد حل لسقوط الإنسان في العهد القديم؟

هل الأجيال القادمة بعد ادم ستعيش بلا خطية ام ستسقط عاجلًا ام آجلًا لنفرض أن هناك شخص عاش مئة سنة بلا خطية وشخص آخر مئتين هل سيعيشون للأبد بدون أي فعل خطية؟ هل من يستطيع أن يوقف نزيف الخطية ام أن جميع الأجيال ستسقط والله استبق الأحداث من خلال ادم؟

وبالتدقيق لان الخطية هي مواجهه الى شخص الله نفسه فلا يستطيع الإنسان أن يقدم التوبة وحده. وبعد ذلك كيف ستتمكن كل الخليقة من استرضاء عدل الله. وكيف المحدود سيتمكن من تطبيق العدل في ميزان حكم اللامحدود؟ والبشرية مستنزفة بالخطية.

عندما يسقط الإنسان في الخطية فهو يوجه ثمنها الى الله وهذا الثمن لا يمكن دفعه لأننا بالفعل مديونون لله بكل شيء. لأنه خلقنا ولكن الآن مديون له. كما كلنا أخطأنا في ادم “فان كنا مكان ادم لنستحق الموت “عندما أخطأ أدم ضد الله ورفض طاعته بالإضافة الى خطايا الشخصية التي نرتكبها.

بهذا قد رفضنا حياه الله الموهوبة لنا بالنعمة التي هي فوق الطبيعة وأصبحنا في دين له. انه مثل مدمن القمار الذي يستمر في خسارة المال عن طريق مضاعفه الرهان فيستمر في خسارة المزيد والمزيد من المال. الإنسان لا يستطيع أن يكفر عن خطاياه ولا عن خطايا الاخرين وبهذا يكون قد غرس في الوحل ولا مكان يستطيع الفرار له بل ينغمس أكثر وأكثر.

لذا وصف بولس الرسول أن زمن العهد القديم هو زمن العبودية وهنا كان يحتاج الإنسان لمخلص لان هناك شيئا يحتاج الخلاص منه.

هل يوجد أي رجاء في العهد القديم وهل تاريخ قصه الخلاص هي مجرد قصه طويله من الإحباط والتعدي على الله. ونشكر الله لان هنا يأتي الوعد بالخلاص من الله هذا الوعد الذي اعطي لإبراهيم بالبركة التي تتبارك بها كل نسل قبائل أهل الأرض وهذا الوعد الذي اعطى لداود بان ملكه سيستمر الى الأبد. وعد الله شعبه إذا رجعوا الى سوف يعطيهم قلب جديد روح جديده عهد جديد راعي جديد وخلقه جديدة.

نعم العهد القديم ممتلئ بالغضب كل شر يستطيع أن يرتكبه إنسان ولكن هناك خيط جميل وهو الوعد بالخلاص فلا نرى فقط في العهد القديم الهمجية ولكن حب الله العجيب الذي يبحث عن استعاده الإنسان الى النعمة والتوبة عن الخطية. وبالرغم من طول الانتظار وعد الله لكنه لم يأتي الى ثمر في العهد القديم ولكن كان يستطيع الشخص أن يرتاح بانه يعلم كان هذا الوعد سوف يتم. الله أمين لوعده. وبالطبع ‏ فان الخلاص لم يتم بالطريقة أو في الوقت الذي كان يتوقعه الجميع ولكنه تم بالفعل.

هذا أنا ورده في رسالة العبرانيين 11: 13: في الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض

الله لم يعد فقط بالخلاص ولكنه برهن انه صادق في وعوده فكان يكفي على الإنسان أن يؤمن بالله الذي وهب الخلاص ويستريح لان الذي وعد قادر أن ينفذ. وهناك أيضا وعد الحرية قد أتى قبل عهد الآباء والملوك والأنبياء عندما نقرا سفر التكوين الأصحاح 3: 15 واضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك، وأنت تسحقين عقبه»

هنا وعد واضح وصريح بان السيد المسيح يسحق راس الحية وفي الثقافات القديمة فان هذا رمز السلطان والنصرة وعندما نرى كل هذا معاُ نلاحظ رحمه الله على غير محدودة وعظم الله غير المحدود فان عدله ورحمته غير محدودين. ونرى في هذا الموقف من سفر التكوين في عز ارتكاب الإنسان الخطية ضد الله فساد طبيعة الإنسان فان الله وعد بالخلاص.

الله يبشر بإنجيل المسيح مصلوبا ويعطي البركة لآدم الله رحيم جدا لا يريدنا أن نهلك بالخطية ولا يريده أن تكون للخطية الكلمة الأخيرة. ولكن الطريقة التي تم بها الخلاص بإرسال ادم الثاني القدوس الكلمة المتجسد نفسه سوف يصبح إنسانا ويقبل الموت في أبشع طريقه ويدفن ويقدم ذاته فداءً لغفران الخطايا حتى لكل من صلبه وينتصر على الموت. انه عجيبًا، كم أحببنا الله حتى يموت على الصليب ومهما حاولت لتكتب للرحمة مثل هذه لم تجدها.

From Paradise then to Paradise now Daniel Campbell

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

اقدم تقاليد المسيحية – مينا مكرم

اقدم تقاليد المسيحية – مينا مكرم

اقدم تقاليد المسيحية – مينا مكرم

 

٣ فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، ٤ وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، ٥ وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. (١ كورنثوس ١٥: ٣-٥)
 
يقول النقاد:
فولر فيما يتعلق بالشهادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: “لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية تصريح بولس.” تقليد ما قبل بولس في 15: 3 وما يليها. يقدم الأساس لمناقشة قيامة يسوع.
 
يربط هذا الإعلان تقديمًا واضحًا للادعاءات المسيحية الأولى مع أولئك الذين كانوا حاضرين وعايشوا هذه الأحداث.[95] يقول ويديربيرن أن الأحداث هنا “هي أسس الكنيسة”.[96] الغالبية العظمى من العلماء الناقدين يدركون هذه الأهمية.
 
يؤكد العالم اليهودي بينشاس لابيد أن التقليد الذي استشهد به بولس “يمكن اعتباره بيانًا لشهود عيان.[97] يشهد المؤرخ الألماني هانز فون كامبنهاوزن بشكل مفاجئ ، فيما يتعلق بهذه العقيدة المبكرة: “هذا الحساب يلبي جميع متطلبات الموثوقية التاريخية التي يمكن أن تكون مصنوعة من مثل هذا النص”[98]
 
يعلن A.M. Hunter أنه بسبب مشاركة بولس ، وبطرس ، ويعقوب ، فإن هذا التقليد “مفتوح للاختبار”.[99]
 
يذهب هوارد كلارك كي إلى أبعد من ذلك: تقاليد بولس المبكرة “يمكن فحصها بشكل نقدي ومقارنتها بشهادات أخرى من شهود عيان ليسوع ، تمامًا كما يمكن تقييم الأدلة في محكمة حديثة أو بيئة أكاديمية”.[100]
 
يخلص دود إلى أن المواد التقليدية لبولس قد تم الحصول عليها من شهود قريبين جدًا من الأحداث الأصلية لدرجة أن أي شخص يتهم أن بولس كان مخطئًا فيما يتعلق بالطبيعة الرسولية لرسالة الإنجيل يجب أن يتحمل عبء الإثبات.[101]
 
وبالتالي ، فإن شهادة بولس في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. تقرير لا يقدر بثمن عن تجارب الشهود الأصليين: فهو يساعد في تجميع ما أدركوه بالفعل “.[102] تشير البيانات إلى هذا الاستنتاج. من المثير للاهتمام أن العلماء المعاصرين يتفقون.
 
95. Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 43-44; cf. 170.
96. Wedderburn, Beyond Resurrection, 116.
97. Lapide, Resurrection of Jesus, 99.
98. Hans von Campenhausen, “The Events of Easter and the Empty Tomb,” in Tradition and Life in the Church (Philadelphia: Fortress Press, 1968),44.
99. A. M. Hunter, Jesus: Lord and Saviour (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1976), 100.
100. Howard Clark Kee, What Can We Know about Jesus! (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), 1-2.
101. Dodd, Apostolic Preaching and Its Developments, 16.
102. Strangely enough, even Perrin (Resurrection according to Matthew, Mark, and Luke, 80) affirms many of these same points.

اقدم تقاليد المسيحية – مينا مكرم

هل من العدل ان يأخذ احد عقوبة بدل من المجرم الحقيقي كما فعل المسيح ؟

الحقيقة ان بدلية المسيح ليست بالطريقة التي تبدو بها ان شخص قد اخذ عقوبة شخص اخر وانتهت القصة الي هنا
ولكن .. بدلية المسيح هنا مختلفة فهي البدلية التي من خلالها قال بولس الرسول : “مع المسيح صلبت “(غل20:2) فأي بدلية هذه التي يكون فيها الشخص الجاني آخذاً العقوبة مع الشخصل البديل ؟
المسيح هنا لا ينوب انابة بدلية ولكنه ينوب عن البشر حاملا اياهم فيه , فهو الوحيد الذي يقدر ان يجمع الكل في ذاته , كما اعلن المسيح من قبل وقال :”وانا ان ارتفعت عن الارض اجذب الي الجميع قال هذا مشيرا الى اية ميتة كان مزمعا ان يموت” (يو32:12)
انها البدلية التي جعلت الرسل يكتبون العهد الجديد مستخدمين دائما كلمة “فيه” : كما اختارنا “فيه” قبل تأسيس العالم (اف4:1)
فاننا لا نتكلم عن شخص مات بدل عنا فحسب ولكننا نتكلم عن شخص حملنا في ذاته كما قال : “انا فيهم وانت فيّ ليكونوا مكملين الي واحد”(يو23:17)
وهنا يعلق القديس اثناسيوس ويقول : فحيث ان الكلمة في الاب والروح يعطى بواسطة الكلمة , فهو يريدنا ان نقبل الروح حتى اذا ما قبلناه فحينئذ يكون لنا روح الكلمة الكائن في الاب فنعتبر نحن ايضا بواسطة الروح قد صرنا واحدا في الكلمة (المقاله الثالثة ضد الاريوسيين 25)
فبالرغم ان المسيح قد صلب بدل عنا لكنه حملنا معه وجمعنا في ذاته , هذا العمل عمل الروح القدس الذي يُعطى بواسطتة المسيح فهو يسكن فينا,, فالجميع “في” المسيح من خلال روحه الساكن فينا لذلك دُعينا جسد المسيح: ” الذي فيه انتم ايضا مبنيون معا مسكنا لله في الروح” (اف22:2)
فالمسيح قد جذبنا معه على الصليب في اللحظة التي نلنا فيها سكنى الروح القدس الذي جعلنا مشتركين مع المسيح في كل عمل عمله بالجسد , صومه , معموديته , الامه , موته , قيامته , صعوده ,تمجيده
هذه كلها لا تأتي بالنظرة السطحية لفداء المسيح على انه كان بديل فحسب , بل فداء المسيح هو فداء قد جعلنا نحن ايضا مشتركين فيه وهنا نحن الجناة ايضا اخذنا الحكم في المسيح الذي نحن فيه وهو فينا(يو56:6) وكما يقول الرسول: فان كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن اننا سنحيا ايضا معه(رو8:6)

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

إن السؤال المتعلق بمصير الذين لم يسمعوا بالإنجيل مطلقاً سؤال يتكرر على مسامعنا. فمنذ يوم الخمسين،عاشت وماتت أعداد سكانية وجماعات عرقيّة بدون أن تتاح لها الفرصة للسماع عن عطية يسوع المسيح بالخلاص. وتوجد مجموعات بشرية حتى في فجر القرن الحادي والعشرين ممن لم يصلهم الإنجيل. كيف يردّ الكتاب المقدس على السؤال المتعلّق بهؤلاء الذين بدون أي ذنب منهم لم يسمعوا مطلقاً بالإنجيل؟

وليس مستغرباً ألا نجد البتة توافقاً في العالم المسيحيّ على هذه القضية. وبعد أن عُقِد المجمع الفاتيكاني الثاني، إنتقلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في إتجاه إحتوائي يسمح للناس أن يحصلوا على النعمة المخلصة بواسطة تطبيق مخلص لمبادئ دين غير مسيحي. لكنّ الكنيسة الكاثوليكية تصر على أن الإنسان الذي يتأثر بأي نوع من أنواع النعمة فإنها مع ذلك نعمة مسوقة من الأديان العالمية بسبب وجود كنيسة روما الكاثوليكية في العالم.

وليس ذلك فحسب بل إن بعض الفئات الإنجيلية المتحررة تمضي إلى أبعد من ذلك بكثير حتى إنها تتبنى مبدأ الشمولية معتقدة بأن كل الناس سوف يخلصون في النهاية، على الرغم من معتقداتهم الدينية أو عدم وجودها. ومن ناحية ثانية، فإن الآخرين الذين يؤمنون بأن سماع بشارة الإنجيل أمر ضروريّ للخلاص شكلوا نظماً لاهوتيّة خلاقة أطلقوا عليها أسماء مثل الإرسال الكوني، المعرفة الوسطى، والتبشير الأُخروي للقول بأن الله ينشر رسالة يسوع حيثما يفشل جنوده في الذهاب، وذلك من خلال أساليب معجزية أو بواسطة مؤسسات غير مسيحية.[‌أ]

توجد وجهة نظر يفترض فيها أحد دارسي الكتاب أن الله بعلمه اللامحدود عَرَفَ (حتى لا نقول عيّن أو إختار) من في النهاية سيقبل الإنجيل أو يرفضه. وهكذا، وضع بعنايته أولئك الذين سوف يقبلون البشارة تحت ظروف تسمح لهم بسماع الإنجيل وقبوله. أما الذين لن يقبلوا الرسالة فقد ولدوا بكل بساطة في أوقات وأماكن لم يكن ممكناً للإنجيل أن يصل إليهم وهم فيها طيلة حياتهم. 

هذا ولا تغطي الأمثلة السابقة جميع وجهات النظر، لكنّها توضح نطاق اتساع الآراء بشأن مصير الذين لم يسمعوا برسالة المسيح المخلّصة. ومن الظاهر أن الناس غالباً ما يتمسكون بقناعات تتوافق مع إيمانهم عن طبيعة رحمة الله وعدله، وليس مع تعليم كتابيّ واضح. وهكذا يتناول كثيرون الكتاب المقدس وفي ذهنهم افتراضات مسبَقة عما يمكن لله أن يفعله أو لا يفعله ومن ثمّ يفرضونها على الدليل الكتابي.

إنّ الغرض من هذه المعالجة للموضوع هو تقديم نظرة مدعومة بالأدلة عن هذه المسألة. فنحن نعتبر أن الكتاب المقدس يجب تفسيره بكل بساطة بشكل حرفيّ وهذا ممكن إلا إذا كان سياق النص وطبيعته الأدبية نفسها توجب ما سوى ذلك. ويعامل هذا المنحى التفسيري النص بشكله الطبيعي موضّحاً المعنى الطبيعي والمنطقي له بغض النظر عن إمكانية إستخدام الرموز الأدبية والإستعارات والمبالغات والتشخيص وإلى غير ذلك من أساليب أدبية.

 

مسيح الأدلة الكتابية

تؤيد الأدلة الكتابية الحقائق التالية:

  • إن الإنسانية الهالكة تشوّه باستمرار الإعلان الطبيعي الذي يبيّن حقيقة عيش الناس تحت غضب الله (راجع رو ١׃٨–٢٣). بالتالي فإن الإنسانية ميتة في الخطية ومبعدة عن معرفة الله الخلاصية (راجع رو ٣׃٩–٢٩، ٢٣).
  • جميع الناس هم تحت قضاء الله وهكذا بالطبيعة هم أبناء الغضب (راجع رو ١׃١٨–٢٠؛ ٢׃١؛ ٣׃٩–٢٤؛ ٥׃١٢–٢١؛ ١١׃٣٢؛ غل ٣׃٢٢؛ أف ٢׃١–٣، ١٢؛ كو ٢׃١٣–١٤؛ ١بط ١׃١٨؛ ٢ بط ١׃٤)
  • جميع البشر هالكون بدون المسيح وهم بلا رجاء (راجع مز ١٦׃١–٢؛ أف ٢׃١٢).
 

لكن:

  • الخلاص هو عطية مبنية على الإيمان لأي إنسان يضع ثقته الشخصية في المسيح ( راجع يو ١׃١٢؛ ١٤׃٦؛ أع ٤׃١٢).
  • تقع الدينونة الحتمية على كل إنسان يرفض التجاوب مع الإنجيل (انظر يو ٣׃١٨؛ ٥׃٢٣–٢٤؛ ١ تس ٢׃١٦).

إن النقاط التي سبق ذكرها أعلاه هي إفادات كتابية صريحة بشأن حالة الإنسانية وهبة الله الخلاصية في إبنه وبالتالي فهي تقود إلى تشاؤم كبير حول مصير هؤلاء الذين لم يسمعوا بشارة الإنجيل قط. ويرثي جون نيوبورت لحالة “الذين لم يسمعوا البتة عن شخص المسيح التاريخي” فيقول:

من الواضح أن أناساً كهؤلاء لا يمكن أن نتوقع منهم الإيمان بقصة لم يسمعوها قط. لكن كما يؤكد بولس في رومية ١ بأنه حتى هؤلاء الذين لم يسمعوا الإنجيل البتة لديهم إعلان عن المسيح الكوني في ضميرهم وفي الطبيعة، ويصرّح بولس بحزن أن هؤلاء في غالبيتهم العظمى لم يقبلوا حتى مقدار النور هذا ولم يتبعوه وبالتالي فهم أيضاً قد رفضوا المسيح.[‌ب]

أما فكرة نيوبورت فهي أن جميع الناس بحكم عيشهم ضمن خليقة الله، قد حصلوا في الحقيقة على إعلان لوجهة معينة من المسيح مبينة في نطاق الإعلان الطبيعي. ولا يوضح لنا ما إذا كان تعرضهم هذا يؤدي إلى سماعهم للإنجيل أم لا، لكن بدون أدنى شك، فإن استنتاجه هو التالي: إنّ رفض دليل المسيح الكوني في الطبيعة من قبل الإنسان الذي عاينها يعني رفضاً للإنجيل. وبشكل مشابه يلاحظ كارل ف. ه. هنري قائلاً:

إن الفلسفات العالمية والديانات غير الكتابية هي بالحقيقة تفاعل مع الإعلان العام لكنها تفاعل من شغل الطبيعة البشرية المتمردة لا المطيعة. والنظرة المشوَّهة إلى الله التي تتضمنها بالتالي هذه الاجتهادات في صميمها لها نتائج مختزلة ومشوهة تتعلّق بطبيعة الوجود والحالة البشرية.[‌ج]

 

إن تصريح بولس عن دينونة اليهود والأمم على السواء في رومية ٢ هو على صلة مباشرة مع هذا الموضوع إذ إن تركيز حجته هو أن الناس سيدانون أمام عرش قضاء الله (راجع رو٢׃٣–١٠). ويستعرض بولس المبدأ الثابت الذي يظهر عدم تحيّز الله ومن ثمّ يمضي فيصرّح بكل وضوح أنه:

لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ (رو ٢׃١١–١٦).

 

إن المعنى الأساسيّ لهذا النص ملفت للانتباه. فبغض النظر عن وصول بشارة الإنجيل إلى الناس، فإنهم يولدون في هذا العالم وبهم قناعة عن مستويات الله الأخلاقية العالية التي يعبّر عنها في مكان آخر بأنها ناموس الله المكتوب في قلوبهم. وتكفي هذه القناعة لتحكم عليهم في يوم الدينونة.[‌د] ومن المهم أن نفهم ذلك لأن الناس لديهم وعي باطنيّ لمطاليب الله من جهة البرّ كما هي واردة في الناموس حتى ولو لم يسمعوا بشارة الإنجيل وهكذا ليس عندهم عذر للمضيّ في شرّهم.

 

فبحسب الرسول بولس، أن يعلم الإنسان الناموس باطنياً معناه أن يتمكّن من فهم أن الإنسان عاجز عن تميم كل مظاهر الناموس. ويذكر لامحاباة الله في انتقال أدبيّ مثير. وليس الهدف من ذلك الدلالة على تقديم النعمة الشاملة إنما لتذكير قرائه بأن الله عادل تماماً في دينونة الذين يرفضونه. أما السؤال الذي يجيب عنه هذا المقطع فهو التالي: هل سيخلص كل الناس في يوم الدينونة بسبب العمل الباطني للناموس المكتوب في قلوبهم؟ وكما لاحظ الرسول سابقاً إنه يشكك بشكل كبير بكفاية أي شاهد يقوم في الإنسان على تهدئة غضب الله والهرب من دينونته (راجع رو ٦׃١٢–١٣؛ غل ٣׃٨–١٤).

 

في ضوء هذه الأدلة لا مفرّ لنا من الاستنتاج أن الناس الذين لم يحصلوا على فرصة للاستماع للإنجيل هم تحت دينونة. فبغض النظر عن صعوبة هذا الأمر، علينا أن نترك تعليم الكتاب الواضح ليتغلب على أي استعداد شخصيّ لتشويه الحقائق من منطلق الشفقة التي في غير محلّها.

 

فمع كل الخطورة، نرى بأن في الكتاب المقدس ما دعاه البعض بفكر ثاقب “نمط متواصل لقلة في الفداء وكثرة في الدينونة.”[‌ه] ويصرح بطرس لنا في ٢ بط ٣׃٩، ” لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ.” (راجع أيضاً حز ١٨׃٣٢؛ ٣٣׃١١). هذا المقطع مليء بالرجاء والتشاؤم الخطير في وقت واحد، لأنه من الواضح أنه لن يقبل الجميع إلى التوبة بالرغم من مشيئة الله الصالحة (انظر أف ٥׃٥–٦؛ ٢ تس١׃٦–١٠؛ ٢ بط ٢׃٩) وكثيرون سيهلكون ( انظر مت ٧׃١٣؛ ١٣׃٤١–٥٠).

 

هكذا يجب علينا، من أجل الهالكين، أن نجعل التأثير الكامل لهلاك البشرية يسيطر على فكر الكنيسة وقلبها. ولاشك بأن الكنيسة في القرن الأول أدركت معنى ذلك تماماً مع أنه أمر محزن[‌و]. فالمسيحية ولدت وسط عالم متنوع دينياً كعالمنا اليوم ومع ذلك فإن المسيح يسوع ارتفع كمخلص البشرية الأوحد وسط خلفية التعددية الدينية، والمسيحية لم تكن سوى حركة تحدرت من اليهودية بالجهد لاحظتها الامبراطورية الرومانية ومع ذلك فقد رفع المسيحيون بشكل مستمر المسيح كالمخلّص الأوحد للعالم بلا مساومة.

 

يترتّب على ذلك أن الكتاب المقدّس يركّز هكذا على حاجة البشر لسماع الإنجيل فعلياً. فقد آمن بولس بذلك بشكل أكيد عندما تكلّم عن الهالكين إذ سطّر شعوره في الكلمات التالية: “فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ ” (رو ١٠׃١٤).

ولنلاحظ أن الرسول يطرح أسئلة بلاغية فحواها استحالة المثلثة الوجوه ترتكز جميعها في النهاية على تواجد كارز للإنجيل؛ فبولس يقول ما مغزاه في الأساس أنه بدون كارز للإنجيل: لايمكن للهالكين أن يسمعوا البشارة؛ وهكذا لا يستطيعون أن يؤمنوا؛ وبالتالي لا يقدرون أن يدعوا باسم الرب. والآية مشبعة بالمضامين: فهي تعلن أن الإنسانية هالكة، وهي بالتالي غير قادرة حتى على المناداة في يأسها إلى أن تتحرك النفس الهالكة نحو التوبة من خلال الإعلان الأمين لبشارة الإنجيل من قبل وعّاظ الله (انظر أيضاً أع ٨׃٣٠–٣٩)[‌ز].

 

في ضوء هذا الواقع الهام، يكشف لنا الكتاب أربعة دوافع على الأقل للمشاركة بالإنجيل:

  1. محبة الله يجب أن تدفعنا لإعلان البشارة (انظر لو ١٠׃٢٧؛ ٢ كو ٥׃١٤؛ غل ٥׃١٤).
  2.  يجب أن تدفعنا لبشارة الإنجيل محبتنا للخطاة الذين يتوقف مصيرهم الأبديّ على ذلك (انظر لو ١٠–٢٧).
  3. يجب أن تدفعنا الطاعة لوصية المسيح العظمى لتبشير العالم (انظر مت ٢٨׃١٨–٢٠؛ مر ١٦׃١٥–١٦؛ لو ٢٤׃٤٦–٤٩؛ أع ١׃٨).
  4. ما يدفعنا أيضاً لإعلان البشارة هو محاسبتنا في المستقبل على إخفاقنا في إيصال الرسالة (انظر حز ٣٣׃١–٩؛ أع ١٠׃٤٢؛ رو ١٠׃١١–١٥؛ ١ كو ٩׃١٦–١٧).

 

الخاتمة

لم نحاول في ما سبق من دراسة قصيرة أن نجيب عن كل الأسئلة المتعلقة بمصير الناس الذين لم يتسنّ لهم سماع رسالة الإنجيل. فعلى سبيل المثال، ما هو مصير الأولاد الكثيرين الذين أُسْقِطُوا أو ولدوا أمواتاً؟ وهناك أيضاً سؤال عن مصير الأولاد الذين عاشوا لكنهم لم يبلغوا سن التمييز والمسؤولية، هذا إذا تغاضينا عن السؤال الصعب المتعلّق بمصير أولئك الذين لا يقدرون على إستيعاب الإنجيل بسبب تخلّفهم العقليّ. وهكذا فإن هذه الدراسة المقتضبة لا تحاول ولا بأي شكل من الأشكال أن تعالج مسائل أوسع كتلك.

لكن عندما يتعلّق الأمر بالناس الذين يتمتعون بكامل القدرات العقلية في التفكير والتأمل بحالتهم في هذا العالم، هناك حقيقة لا يمكن رفضها بشأن البشرية الساقطة وهي أن الناس هالكون بالطبيعة وبالاختيار الإرادي على حد سواء. وهكذا فإن الكتاب المقدس يقدم رجاء الفداء كبديل لحتمية الهلاك في الجحيم.[‌ح] 

وفي حين أننا نعلم أن الله لم يعلن لنا فكره بشكل كامل يبقى أن ما أعلنه لنا مُحَدَّد بما فيه الكفاية: فالله قد إختار أن يُخَلّص الناس عن طريق إسماعهم بشارة الخلاص وتجاوبهم معها. [‌ط] لكنه لم يوضح لنا أي طريقة بديلة في الكتاب المقدس. لكن إذا ما كان العالم غير مدرك لحالته الخطيرة تلك فالله يُحَمِّّل الكنيسة مسؤولية إعلان البشارة للهالكين.

 
 

[‌أ] المعروفة بمواقف الرجاء الأوسع، التي يؤكد مؤيدوها أن الله يقدّم عطية الخلاص في المسيح حتى ولو لم تشارك الكنيسة في إعلانها. جون ساندرز، “الإجابات الإنجيلية عن الخلاص خارج الكنيسة” ” Christian Scholar’s Review, XXIV:I (September 1994): 45-58.

[‌ب] غاية أسئلة الحياة ، جون نيوبورت (جراند رابيدز: بيكر، ١٩٨٩) John Newport, Life’s Ultimate Questions, (Grand Rapids: Baker, 1989), 312.

[‌ج] كارل ف. هـ. هنرى ، “هل هذا عدل؟” وليس من ذنب إقترفوه؟ مصير أولئك الذين لم يسمعوا قط ، ويليام ف. كروكيت و جايمس جـ. سيجونتوس ، محررات ، ٢٥٢ Carl F. H. Henry, “Is It Fair?” Through No Fault of Their Own? The Fate of Those Who Have Never Heard, William V. Crockett and James G. Sigountos, eds., 252.

[‌د] “لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً ” (رو ٢׃١٤–١٥) يجب فهم إفادة بولس السابقة على أنها إشارة إلى التطبيق الزمنيّ للناموس عندما يفهم بشكل حدسيّ. هكذا فإن بولس يقول بأن الأمم الذين تحكم عليهم مقاييسهم الأرضية إذ يعيشون بحسب ناموسهم أو يُنَاقِضُونَهُ يُظْهِرُون أن لديهم شهادة لمقاييس الله المقدسة. وفي النهاية، فإن محاولاتهم الفاشلة لتمثيل البر بحسب مقاييسهم تؤدي فقط إلى إدانتهم، تماماً كما لو كانوا سمعوا بشارة المسيح ورفضوها لتوّهم.

[‌ه] R. Douglas Geivett and W. Gray Phillips, “A Particularist View: An Evidentialist Approach,” Four Views on Salvation in a Pluralistic World, D. L. Okholm and T. R. Phillips, eds., (Grand Rapids: Zondervan, 1995), 238. تتضح وجهة النظر الحصرية (الجزئية) في هذه المقالة.

[‌و] لاحظ إهتمام بولس العميق بإسرائيل، (انظر رو ٩׃٣–٤) المتساوي مع إهتمامه بالأمم (انظر ٢ كو ٥׃١٨–٢١؛ ٦: ١١–١٨) 

[‌ز] غالباً ما يُشار إلى ١ تي ٢׃٤ على أنها مثال عن مقاصد الله في تقديم الخلاص للجميع. ولكن يجب أن نلاحظ أن بولس يعطي هذا التصريح في وسط دعوته إلى الصلاة من أجل إستمرارية السلام للأمن المدنيّ. ففي سياقها (انظر ١ تي ٢׃١–٧)، الآية واضحة فالعالم المستتب سيسمح للمؤمنين بإتمام رغبة الله في تقديم الخلاص للجميع من خلال الإعلان الحرفي عن الإنجيل. وهكذا فإن هذه الآية تتناغم مع رومية ١٠׃١١–١٥.

[‌ح] يدرك الكاتب أوسع وجهتي النظر بين الذين يعتقدون أن الكتاب المقدس يُعَلِّم عن الجحيم، وهما التقليدية والشرطية. ففي حين يعتقد معظم المعمدانيين أن العقاب هو أبدي- وهذه وجهة النظر التقليدية- فإنه توجد إختلافات في الرأي عن شدة العقاب. انظر Robert A. Preston “Hell: Annihilation or Eternal Torment?” Christianity Today (October 23, 2000), 29-37. 

[‌ط] الطرق الأخرى التي يمكن إيصال الإنجيل بها تتضمن المطبوعات، الراديو، التلفاز والإنترنت، إلخ.

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

Exit mobile version