أسئلة في رسالة يعقوب – مسابقات الكتاب المقدس

أسئلة في رسالة يعقوب – مسابقات الكتاب المقدس

 

أسئلة في رسالة يعقوب – مسابقات الكتاب المقدس

 

كاتب الرسالة هو القديس يعقوب الرسول أسقف أورشليم. وهو يعقوب البار الذى  لقب بأحد اخوة الرب

( أولاد خالة) وهو غير يعقوب أخو يوحنا بن زبدي.( يعقوب أخو يوحنا قتله هيروس –  – أعمال الرسل ص )

 

الرسالة كتبت للمسيحيين من أصل يهودي في القرن الأول الميلادي المقيمين خارج فلسطين. كما كتبت بصفة عامة للمسيحيين في كل مكان  ويحتمل أن يكون كتابتها سنة 49 ميلادية وتعبر الرسالة عن اهتمام القديس  يعقوب الرسول بالمسيحيين الواقعين تحت الاضطهاد والذين كانوا أعضاء في كنيسة أورشليم .

الموضوع الأساسي للرسالة هو السلوك المسيحي و الأعمال الصالحة  التي هي ثمرة للايمان المسيحي الحقيقي.

ويتحدث القديس يعقوب الرسول عن كيفية التعامل مع المصاعب والضيقات ويتحدث أيضا عن كيفية ضبط اللسان و الحكمة وكيف يستخدم الغنى في نشر الملكوت وهو بصفة عامة يرسم الصفات العامة للحياة المسيحية.

 

المسابقة الروحية

السؤال الأول :

  • تحدث عن القديس يعقوب كاتب الرسالة و لماذا كتبها وما هي الموضوعات الرئيسية التي تحويها الرسالة ؟
  • ما هي رسائل الكاثوليكون ولماذا سميت بهذا الإسم و متي تقرأ في الكنيسة؟

 

السؤال الثاني:

ما الذي نتعلمه من رسالة القديس يعقوب الرسول عن :

  • الايمان و الأعمال ؟
  • كيفية مواجهة التجارب ؟
  • ناموس المحبة ؟
  • الغنى ؟
  • علاقاتنا مع الآخرين ؟
  • أحد أسرار الكنيسة السبعة ؟

 

مع كتابة الشواهد في كل موضوع من الموضوعات السابقة.

 

 

السؤال الثالث :

أكمل الآيات من مجموعة ا من المجموعة ب مع وضع خط يصل بين الآيات ليكملها

 

المجموعة ا                                                              المجموعة ب

  • إن كان احدكم تعوزه حكمة 1- وهو ليس يلجم لسانه فديانة هذا باطلة
  • إن كان أحدكم يظن أنه دين                          2- تفعلون خطية
  • الديانة الطاهرة النقية …                               3- إنها بخار يطهر قليلا ثم يضمحل
  • ولكن إن كنتم تحابون                      4-والرب يقيمه و إن كان قد فعل خطية تغفر له
  • كما أن الجسد بدون روح ميت 5- هو شر لايضبط
  • إن كان أحد لايعثر في الكلام                         6- فيهرب منكم
  • وأما اللسان ….                                      7- فذاك رجل كامل
  • قاوموا ابليس                               8- هكذا الإيمان أيضا بدون أعمال ميت
  • إقتربوا إلي الله 9- الذي يذم اخاه ويدين اخاه يذم الناموس
  • لايزم بعضكم بعضا 10- قد إقترب
  • ماهي حياتكم 11- فيقترب اليكم
  • لأن مجيء الرب                                  12-فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء
  • لتكن نعمكم نعم و لاكم لا                      13- لئلا تقعوا تحت دينونة
  • صلاةالإيمان تشفي المريض           14-  إفتقاد اليتامي و الأرامل في ضيقتهم

 

السؤال الرابع:

ما هو الفرق بين رسالة القديس بولس الرسول إلي رومية ورسالة القديس يعقوب الرسول فيما يخص موضوع الأعمال و علاقتها بالإيمان ؟

 

أسئلة في رسالة يعقوب – مسابقات الكتاب المقدس

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد

(دراسة كتابية وآبائية)

 

ملخص البحث

هو استعراض لطبيعة ناسوت المسيح الذي اتحد به أقنوميًا في سر التجسد الإلهي، واستعراض لأهم الإشارات الكتابية، والآبائية، والتفسيرية، التي تتناول موضوع طبيعة ناسوت المسيح الذي اتخذه في تجسده من أجل إتمام تدبير خلاص البشرية. وسوف يتعرض البحث للفرق بين مفهومي الفساد سواء الطبيعي أو الأخلاقي، وكيف كان ناسوت المسيح قابلاً للفساد الطبيعي وليس الفساد الأخلاقي، حيث لم يوجد في المسيح شر البتة بسبب الاتحاد الأقنومي بين لاهوت المسيح وناسوته. كما سوف تتم مناقشة هرطقة من أخطر الهرطقات ضد ناسوت المسيح وهي الهرطقة اليوليانية نسبةً إلى صاحبها يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى، الذي أدَّعى بأن ناسوت المسيح قبل وبعد القيامة كان غير قابل للفساد الطبيعي، وهكذا سقط في الهرطقة الدوسيتية أو الخيالية، التي تقول بأن ناسوت المسيح كان مُجرَّد خيال وليس ناسوتًا حقيقيًا مثل جميع البشر.

المقدمة

يُعد هذا البحث دراسة موسعة في طبيعة ناسوت المسيح وخصائصه من خلال تعاليم الكتاب المقدس، وتعاليم آباء الكنيسة الجامعة المعتبرين أعمدة ومعلمي الكنيسة على مر العصور والأجيال. كما سوف نتناول في البحث الفرق بين مفهوم الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي أو فساد الخطية، وكيف يخلط البعض بين هذين النوعين من الفساد، حيث يرفض البعض وجود الفساد الطبيعي في ناسوت المسيح، حيث يخلطون عن عدم دراية بين نوعي الفساد. حيث قد أكد الآباء على قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي والموت، ولكن لم يكن هناك فساد أخلاقي أو فساد الخطية في ناسوت المسيح، لأن ”المسيح شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية فقط“، كما أكدت الأناجيل، وأكدت جميع كتابات آباء الكنيسة الجامعة. كما سوف نتعرض لهرطقة من أخطر الهرطقات التي قامت ضد حقيقة ناسوت المسيح، وهي الهرطقة اليوليانية التي كان يتزعمها يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى في زمن حكم الإمبراطور جوستنيان، ولقد تصدى البطريرك ساويروس الأنطاكي لهذه الهرطقة الخطيرة ضد حقيقة ناسوت الرب، وتعتبر كتاباته ضد الهرطقة اليوليانية خير مثال على الحجة القوية في مقاومة الآراء والهرطقات الغريبة التي تجتاح الكنيسة من وقت لآخر. حيث قام معلمنا القديس ساويروس الأنطاكي بعرض الهرطقة اليوليانية وجميع حججها، وقام بالتصدي لها على أسس كتابية، وآبائية، وليتورجية قوية.

منهجية البحث وإطاره النظري

منهجية البحث هي منهجية تحليلية استقصائية واستدلالية من خلال التحليل والاستدلال بعدة مراجع مختلفة، حيث سوف أستعرض في هذا البحث الهرطقة اليوليانية وادعاءاتها ضد حقيقة ناسوت المسيح، ثم سوف أستعرض النصوص الكتابية التي تقاوم هذه الهرطقة الخطيرة، موضحًا خصائص وطبيعة ناسوت الرب يسوع الذي اتخذه أثناء حياته على الأرض، والذي صعد به إلى السماء، وجلس به عن يمين الآب في المجد. ثم سوف أستعرض النصوص الآبائية التي توضح طبيعة وخصائص وماهية ناسوت المسيح، وترد في نفس الوقت على الهرطقة اليوليانية الخطيرة التي تقوض حقيقة ناسوت الرب، والتداعيات الخطيرة لهذه الهرطقة على تدبير الخلاص. ثم سوف أستعرض آراء الباحثين والدارسين الذين تعرضوا وتناولوا موضوع طبيعة وماهية ناسوت المسيح، وتناولوا الهرطقة اليوليانية بالتحليل والنقد.

إشكالية البحث

  1. هناك مشكلة أساسية في عدم دراية البعض بطبيعة وماهية الناسوت الذي أخذه المسيح أثناء تدبير الخلاص.
  2. هناك مشكلة أساسية ضد حقيقة ناسوت المسيح قد أثرتها الهرطقة اليوليانية، والتي لها تداعيات خطيرة على تدبير الخلاص، حيث تشكك هذه الهرطقة في قابلية جسد المسيح للموت، وهكذا تقوض حقيقة ناسوت الرب، مما له أثر خطير على تدبير الخلاص برمته.
  3. هناك مشكلة أساسية أيضًا في فهم وتفسير المصطلحات الكتابية والآبائية حول الفرق بين الفساد الطبيعي أي التغير، والتحول، والآكل والشرب، والمشاعر البشرية الطبيعية، والقابلية للموت، وبين الفساد الأخلاقي أو فساد الخطية أي الفساد الناتج عن ممارسة الخطية أو الخطأ الأخلاقي.
  4. هناك مشكلة أساسية حول مهاجمة البعض لفكرة قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي، أو الأهواء البشرية غير الملومة كالألم والاضطراب والكأبة والجوع والعطش والموت، حيث يخلط البعض بين مفهوم هذا الفساد الطبيعي الموجود بالطبيعة في جسد المسيح، وذكرته الأناجيل، وذكره وأكد عليه آباء الكنيسة الجامعة في كتاباتهم على مر العصور.

فروض وتساؤلات البحث

  1. ما هي طبيعة وخصائص ناسوت المسيح الذي اتخذه أثناء تدبير الخلاص؟
  2. ما هو الفرق بين الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي؟ وأي نوع من الفساد كان موجود في ناسوت المسيح من هذين النوعين؟
  3. ما هي الهرطقة اليوليانية التي تعرضت لحقيقة ناسوت المسيح، وأنكرت حقيقة هوية ناسوت المسيح؟
  4. ما هي الحجج الكتابية والآبائية في الرد على الهرطقة اليوليانية؟

أهداف البحث

  1. دراسة وتحليل ماهية وخصائص ناسوت المسيح من خلال النصوص الكتابية، والآبائية.
  2. محاولة توضيح الفرق بين الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي أو فساد الخطية.
  3. دراسة وتحليل الهرطقة اليوليانية وتداعياتها الخطيرة على تدبير خلاص المسيح.
  4. استعرض أهم الحجج الكتابية والآبائية في الرد على الهرطقة اليوليانية التي تقوض حقيقة ناسوت المسيح، وتعد أحد صور الهرطقة الدوسيتية (الخيالية).

أهمية البحث

يُعتبر البحث دراسة كتابية، وآبائية، ولاهوتية استقصائية شاملة لنصوص الكتاب المقدس، والنصوص الآبائية التي تتناول بصورة واضحة طبيعة وماهية وحقيقة ناسوت الرب يسوع المسيح. كما يناقش البحث هرطقة من أخطر الهرطقات التي قامت ضد حقيقة ناسوت المسيح ألا وهي الهرطقة اليوليانية من خلال النصوص الكتابية والآبائية. كما يحاول البحث التمييز الواضح بين نوعي الفساد سواء الطبيعي أو الأخلاقي من خلال نصوص الكتاب المقدس ونصوص كتابات آباء الكنيسة الجامعة.

مصطلحات وتحديدات البحث

اليوليانية

هي هرطقة ظهرت في الجانب اللا خلقيدوني أثناء حكم الإمبراطور جوستنيان في القرن السادس، وصاحبها هو يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى، أو يوليان الخيال أو الدوسيتي كما كان يسميه معلمنا ساويروس الأنطاكي، وتعليم الهرطقة هو أن جسد المسيح لم يكن قابلاً للفساد الطبيعي سواء قبل أو بعد القيامة، بل سمح المسيح في تجسده بالأهواء والمشاعر والأحاسيس البشرية كالجوع والعطش والألم والموت. واليوليانية مثلها مثل الأوطاخية تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة من وراء الهرطقة اليوليانية في التأكيد على ألوهية المسيح، ليس من خلال تجاهل إنسانيته، بل من خلال رؤية نوع من الاختلاف في ناسوت المسيح الحقيقي والكامل عن ناسوتنا.

الفساد الطبيعي

هو نوع من الفساد المقصود به التغير أو التحول في الكائن الحي، ويشمل مفهوم الفساد الطبيعي الأهواء البشرية غير الملومة أو المشاعر والأحاسيس البشرية الطبيعية مثل: الاضطراب، والكأبة، والحزن، والجوع، والشرب، والألم، والموت.

الفساد الأخلاقي

هو نوع من الفساد المقصود به الفساد الناتج عن ممارسة الخطية أو الخطأ الأخلاقي.

إجراءات البحث

سوف نستعرض الآيات الكتابية التي تناولت ماهية وخصائص ناسوت المسيح، وأكدت على كمال وحقيقة ناسوت المسيح مثله مثل ناسوتنا بالتمام، حيث شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها.

تذكر نصوص الكتاب المقدس خصائص ناسوت المسيح كالتالي:

  1. ناسوت المسيح متحول ومتغير ينمو ويكبر في الحكمة والقامة والنعمة كقول الكتاب: ”وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ“ (لو2: 52).
  2. ناسوت المسيح خاضع للألم والقتل والموت كقول المسيح نفسه: ”إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ“ (لو9: 22).
  3. ناسوت المسيح خاضع للاضطراب، والانزعاج، والبكاء، والحزن، والكآبة، وجميع المشاعر البشرية الطبيعية كقول الكتاب: ”فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ“ (يو11: 33)، كما يقول الكتاب أيضًا عن حزن واكتئاب المسيح: ” ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: ’نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي‘“ (مت26: 37، 38).
  4. ناسوت المسيح يشتهي آكل الفصح مع التلاميذ كقول المسيح لتلاميذه في العشاء الأخير: ”وَقَالَ لَهُمْ: ’شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: ’إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ‘“ (لو22: 15).
  5. ناسوت المسيح كان ينام كقول الكتاب: ”وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ“ (لو8: 23).
  6. ناسوت المسيح يتعب ويحتاج إلى الراحة كقول الكتاب: ”وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ“ (لو4: 6).
  7. ناسوت المسيح يجوع ويعطش كقول الكتاب: ”وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا“ (لو4: 2)، وقال المسيح على الصليب: ”بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: ’أَنَا عَطْشَانُ‘“ (يو19: 28).
  8. ناسوت المسيح قابل للألم والموت كقول الكتاب: ”فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ“ (1بط3: 18).
  9. ناسوت المسيح شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها كقول الكتاب: ”مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا ِللهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ“ (عب2: 17، 18)، ويقول الكتاب أيضًا: ”فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ“ (عب4: 14، 15).

وهكذا يتضح من خلال النصوص الكتابية السابقة حقيقة وكمال ناسوت المسيح تمامًا مثل أجسادنا نحن البشر، وهذا هام جدًا من أجل تدبير الخلاص، لأنه لو لم يكن ناسوت المسيح ناسوتًا حقيقيًا وكاملاً، فلم يخلص المسيح هذا الناسوت البشري الطبيعي، وبالتالي لم يخلص البشرية، وهكذا يكون عمل المسيح الخلاصي ليس لها أية قيمة بالنسبة للبشر، لو لم يكن ناسوت المسيح ناسوتًا حقيقيًا كاملاً وطبيعيًا خاضعًا لجميع المشاعر والأحاسيس والاحتياجات البشرية الطبيعية غير الملومة كالجوع، والعطش، والاضطراب، والاكتئاب، والحزن، والبكاء، والانزعاج، والتعب، والنوم، والراحة، والتألم، والموت.

ثم سوف نستعرض الآن لمحة عن هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى بخصوص طبيعة ناسوت المسيح التي حاربها معلمنا ق. ساويروس الأنطاكي.

الهرطقة اليوليانية

هي هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس وهي مدينة في كاريا إحدى المقاطعات الساحلية في الجنوب الغربي لآسيا الصغرى. حيث كان يوليان أحد الأساقفة الذين تم إبعادهم عن كراسيهم في فترة حكم الإمبراطور جوستنيان الأول بسبب معارضته لمجمع خلقيدونية 451م. وكان ليوليان بعض النفوذ وسط الفريق الذي ينتمي إليه بسبب تقدمه في العمر، وقد قام بتأليف كتاب عن شخص المسيح، وأرسله إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي في منفاه مع خطاب منه،[1] حيث كان متأكدًا من قبول البطريرك ساويروس للأفكار الواردة في هذا الكتاب.

وأشار يوليان في هذا الخطاب إلى أنه استنادًا إلى ثلاث فقرات من كتابات ق. كيرلس السكندري، إن بعض الناس يؤمنون بأن جسد ربنا كان قابلاً للفساد، فعلى سبيل المثال كتب ق. كيرلس إلى سوكينسوس أسقف ديو قيصرية يقول:

”فالجسد بعد القيامة كان هو نفس الجسد الذي تحمل الآلام، على الرغم من أنه لم يعد بعد له نفس الضعفات البشرية وغير قابل للفساد“.

وأشار ق. كيرلس أيضًا في رسالته إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير إلى نفس الأمر بقوله:

”إنها أعجوبة ومعجزة أن الجسد الذي هو قابل للفساد بحسب الطبيعة، قام ثانيةً بغير فساد“.[2]

وتحدث ق. كيرلس مجددًا في كتابه 67 عن العذراء والدة الإله عن الفرق بين الفساد الطبيعي الذي كان في جسد المخلص، وفساد الخطية الذي لم يكن في جسد المخلص كالتالي:

”إن جسد ربنا لم يكن بأي حال من الأحوال خاضعًا للخطية التي تخص الفساد، ولكنه كان قابلاً للموت والدفن الحقيقي، وهو قد أبطله فيه (أي أبطل الموت في جسده)“.

ولكن أكد يوليان أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد سواء قبل القيامة أو بعدها، وهذا ما يقوله معلمنا البطريرك ساويرس الأنطاكي في رده على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس الذي نادى بأن جسد المسيح كان غير قابل للفساد أبدًا قبل القيامة، بل بدا كذلك، حيث يقتبس ق. ساويروس من عند يوليان الفقرة التالية:

”وهو لم يكن قابلاً للفساد قبل القيامة، ولكنه بدا فقط كأنه قابل للفساد، وبعد القيامة أظهر ذاته فقط بكونه بالحقيقة غير قابل للفساد“.[3]

وحيث أن الفقرات المأخوذة عن البابا كيرلس تتعارض مع فكر يوليان، فقد أعتبر يوليان أن ذلك بسبب ”خطأ في النساخة“. وحاول يوليان في كتابه إثبات أن جسد المسيح كان على الدوام غير قابل للفساد، وقد قام بإرسال نسخة من الكتاب إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي ليحظى بموافقته.

وتأخر البطريرك ساويروس في رده على الكتاب كي لا يُظهِر صديقه وزميله كهرطوقي، ولكنه عاد وخشى أن يتولد انطباع أن أفكار يوليان هي انعكاس لتعليم الكنيسة -الذي كان ساويروس يهتم بالحفاظ عليه- ولذلك كتب ساويروس رده بعد بعض الوقت، وأظهر أن أفكار يوليان غير مقبولة عنده، وأن أناسًا آخرين كانوا في القسطنطينية كانت لديهم أفكار مماثلة وقد قام هو نفسه بدحضها. ولم يعجب يوليان برد البطريرك ساويروس، فكتب خطابًا ثانيًا، وقام بنشر كتابه، مما أضطر ساويروس إلى القيام بتفنيد هذا الكتاب.

اليوليانية مثلها مثل الأوطاخية تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة وراء اليوليانية والأوطاخية في التأكيد على ألوهية المسيح، ليس من خلال تجاهل ناسوته -وهو المفهوم الخاطئ الشائع عن تلك الهرطقتين- ولكن من خلال رؤية نوع من الاختلاف في إنسانية المسيح الحقيقية والكاملة عن إنسانيتنا. فإنسانية المسيح بحسب مفهوم اليوليانية والأوطاخية مختلفة عنا نحن البشر في كونها اتحدت منذ اللحظة الأولى لنشأتها في رحم والعذراء بالله الابن بغير انفصال ولا انقسام، ولذلك ينبغي أن تكون هذه الإنسانية التي اتحدت بالله القدوس هي الأخرى مقدسة ومختلفة عنا. وكان أوطاخي قد حاول التأكيد على أنه بسبب أن المسيح هو الله، وبرغم من أنه كإنسان وُلد من أم إنسانية، فلا يمكن أن نتكلم عنه بكونه واحدًا معنا في الجوهر. أما يوليان فقد رأى أن الفرق بين المسيح كإنسان وبيننا (نحن البشر) هو في عدم اتصال المسيح الجذري بالفساد والسقوط الخاص بطبيعتنا، وهذا ما جعل تعليمه جذابًا في تقدير كثير من الناس في كلا الجانبين.

سوف نستعرض الآن آراء آباء الكنيسة حول طبيعة ناسوت المسيح وخصائصه كالتالي:

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

نتوقف عند. ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي الذي يؤكد على أن الكلمة صار إنسانًا قابلاً للألم، حيث يقول:

”حسب الوقت المعين من الآب، إذ إنه صار إنسانًا قابلاً للألم“.[4]

ويقول ق. إيرينيؤس أيضًا في موضع آخر مؤكدًا على خضوع الرب يسوع للآلام والموت كالتالي:

”وفي كل موضع حينما يشير إلى آلام ربنا، وإلى طبيعته البشرية وخضوعه للموت، هو يستعمل اسم المسيح“.[5]

ويدحض ق. إيرينيؤس اعتقاد خطير سائد وهو اعتقاد عامة الناس بعدم خضوع المسيح للآلام، حيث يقول التالي:

”وقال (الرب) أنه ينبغي أن يتألم كثيرًا، ويُصلب، ثم وبخ بطرس، عندما تخيل أنه المسيح حسب فكر عامة الناس، الذين يظنون أن المسيح يجب أن يكون مبغضًا لفكرة خضوعه للآلام“.[6]

وبالتالي يؤكد ق. إيرينيؤس هنا على خضوع المسيح التدبيري للآلام والموت وليس الاضطراري كما يدَّعي البعض من أجل خلاصنا من هذه الآلام ومن هذا الموت.

ق. أثناسيوس الرسولي

ثم نجد ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق يتحدث عن قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي والموت كالتالي:

”إذًا، كان ينبغي على هؤلاء عندما يسمعون أنا والآب واحد، أن يروا فيه وحدة الألوهية وجوهر الآب ذاته، وأيضًا عندما يسمعون أنه بكى وما يماثلها، أن يقولوا أن هذه الأمور هي خاصة بالجسد، وبنوع خاص لأن هذه الأمور لها أساس معقول من كل جهة، أي أن الكلمات الأولى كُتبت عنه بكونه هو الله، والأخرى كُتبت عنه كإنسان، لأن خصائص الجسد لا يمكن أن تصير لمَّن هو بلا جسد، لو لم يكن قد أخذ جسدًا قابلاً للفساد والموت، لأن مريم القديسة التي أخذ منها جسده كانت قابلة للموت، لذلك فمن الضروري حينما كان في الجسد أن يعاني، وأن يبكي، وأن يتعب، فهذه الأمور التي تخص الجسد، تُنسَب إليه مع الجسد“.[7]

بينما يتحدث ق. أثناسيوس عن ضعفات الجسد التي كانت موجودة في جسد المسيح في إطار تناوله لموضوع طبيعة ناسوت المسيح كالتالي:

”لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله، وحسنًا قال النبي: ’حملها‘، ولم يقل إنه ’شفى‘ ضعفاتنا، لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو، وهو يشفيها فقط، كما يفعل دائمًا، فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه (اللاهوت) لم يصبه ضرر أبدًا“.[8]

كما يتحدث ق. أثناسيوس عن آلام جسد المسيح في إطار حديثه عن طبيعة ناسوت المسيح كالتالي:

”نقول إن الجسد كان جسده، هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به أي بالكلمة، رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته […] فبالضرورة، إذًا، أن تُنسب آلام الجسد أيضًا للذي له هذا الجسد، والذي تُنسب له هذه الآلام مثل: المحاكمة، والجلد، والعطش، والصلب، والموت، وضعفات الجسد الأخرى، فلا بد أن تُنسب له بالأحرى النصرة والنعمة“.[9]

ويتحدث ق. أثناسيوس أيضًا في نفس السياق عن ضعفات ناسوت المسيح المنسوبة للكلمة كالتالي:

”لو أن الضعفات الخاصة بالجسد لم تُنسب للكلمة، لما كان الإنسان قد تحرر منها تمامًا، وحتى لو أنها كانت قد توقفت لفترة قليلة كما قلت سابقًا، لظلت الخطية، وظل الفساد باقيان في الإنسان، كما كان الحال قبل التجسد“.[10]

كما يقول ق. أثناسيوس الرسولي أن جسد المسيح جسد مخلوق متغير ويتعجب من الأبوليناريين الهراطقة الذين يجعلون ناسوت المسيح غير متغير وغير مخلوق كالتالي:

”فكيف تسمّون الناسوت الذي تغير من الموت إلى الحياة غير مخلوق؟ وكيف تفترضون العكس، عندما تسمّون غير المخلوق بالمتغير؟ لأنكم عندما تسمون جوهر الكلمة غير المخلوق بالمتغير فأنتم تجدفون على ألوهية الكلمة. وعندما تصفون الجسد المتغير المكون من عظام ودماء، ونفس إنسانية، أي كل مكونات أجسادنا، والذي صار ظاهرًا ومحسوسًا مثل أجسادنا، عندما تصفون كل هذا بأنه غير مخلوق، تسقطون سقوطًا شنيعًا في خطأين: أولهما أنكم تفترضون أن الآلام التي احتملها هي مجرد خيال، وهذا تجديف المانويين، أو أنكم تعتبرون أن اللاهوت له طبيعة ظاهرة محسوسة، رغم أنه جوهر غير مخلوق، وبالتالي فهو غير ظاهر وغير محسوس، وهذا التصور الأخير يضعكم مع الذين يتصورون أن الله كائن على شكل بشري جسداني، فما هو اختلافكم عن هؤلاء ما دام لكم نفس الاعتقاد؟“.[11]

ويؤكد ق. أثناسيوس على اتحاد لاهوت الكلمة بجسد طبيعي كالتالي:

”فقد أراد أن يكون له جسد طبيعي يتحد بلاهوته، وهكذا تم الموت، ومات الجسد موتًا طبيعيًا في الوقت الذي كان الكلمة فيه يمسكه بإرادته لكي يقدم جسده بسلطانه الذاتي (يو١٠: ١٨)، فتألم طبيعيًا ومات طبيعيًا عوضًا عنا، ولكنه قام لأجلنا إلهيًا“.[12]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة مهمة جدًا أن آلام المسيح كانت داخلية وليست خارجية فقط كما يدَّعي الهراطقة، حيث يقول التالي:

”فكيف تألم وحزن وصلى كما هو مكتوب ’اضطرب بالروح‘ (يو١٤: ٢١) هذه أفعال لا تمت لجسد بلا عقل، ولا تمت إلى اللاهوت غير المتألم، وإنما إلى نفس عاقلة لها شعور، وتتألم وتضطرب وتحزن وتحس بالآلام فكريًا“.[13]

ق. باسيليوس الكبير

ننتقل الآن إلى ق. باسيليوس الكبير حيث يعالج في رسالته إلى أهل مدينة سوزبوليس موضوع طبيعة ناسوت المسيح، حيث يفرق بين نوعين من الأهواء وهما: الأهواء الطبيعية والأهواء الشريرة، ويتحدث عن خضوع ناسوت المسيح للأهواء الطبيعية للتأكيد على تأنسه، وعدم خضوعه للأهواء الشريرة كالتالي:

”لذلك يبدو أن الرب قد قَبِل الأهواء الطبيعية ليؤكد على أن تأنسه حقيقي، وليس بطريقة خيالية، أما الأهواء التي من الشرور، وتلك التي تدنس نقاء حياتنا، فقد رفضها لأنها لا تليق بطبيعته الإلهية الطاهرة، ولهذا السبب، قد قيل أنه قد صار في شبه جسد الخطية“.[14]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

وهكذا نجد ق. غريغوريوس اللاهوتي في نفس السياق يؤكد على أن المسيح أخذ كل ما هو قابل للفساد ليهبنا الأسمى كالتالي:

”وكما تشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، اتضع كي يرفعنا. جاز التجربة كي نغلب به، أُهين ليمجدنا، مات ليخلصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية“.[15]

يؤكد ق. غريغوريوس النزينزي على اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للألم ومحدودًا كالتالي:

”الله وابن الله الوحيد الأزلي، في غير اختلاط بجسد ولا بما يتعلق بالجسد، والذي هو في الأخير إنسانًا أيضًا، أتخذه لخلاصنا، قابل الألم في الجسد، وغير قابل الألم في الألوهة، محدود في الجسد، وغير محدود في الروح“.[16]

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا أن المسيح:

”أحتاج إلى روح للقضاء على الروح، التي لم تخطئ في آدم فحسب، بل حملت أعراض الشر الأولى، على حد قول الأطباء بالنسبة إلى الأمراض“.[17]

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا في تفسير آية الخضوع التالي:

”وهكذا فحين أكون أنا غير خاضع وعاصيًا بنكراني الله وبأهوائي، يكون المسيح أيضًا غير خاضع فيَّ، ولكن ’متى أُخضع له كل شيء‘ -وسيخضع له بمعرفة الله والتحول- سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله لينًا بالخلاص“.[18]

ق. غريغوريوس النيسي

يقول ق. غريغوريوس النيسي في نفس السياق أن الجسد المتغير والخاضع للعواطف والأهواء قد تحول إلى عدم التغير باتحاده بالله غير المتغير كالتالي:

”ولكن ما هو قابل للتغيير وخاضع للعواطف والأهواء قد تحول إلى عدم التغير أو التأثر باشتراكه في غير المتغير“.[19]

ويقول ق. غريغوريوس النيسي أيضًا أن الرب أخذ طبيعتنا الخاطئة ليشفيها كالتالي:

”ولكن قول الرسول يشهد بأن الرب قد جُعل خطيةً لأجلنا، وهو الذي لم يعرف خطية (٢كو٥: ٢١)، وذلك عندما أخذ طبيعتنا الخاطئة“.[20]

ويقول ق. غريغوريوس النيسي أيضًا في رده على أبوليناريوس أن جوهر الألوهية الثابت غير القابل للتغيير قد جاء ليكون في طبيعتنا المتغيرة ليشفي قابليتنا نحو الفساد كالتالي:

”من خلال كل شاهد من هذه الشواهد نتعلَّم أن الألوهية، التي جوهرها ثابت وغير قابل للتغيير دائمًا، قد جاءت لتكون في طبيعتنا المتغيرة، وهكذا بثباتها وعدم تغيرها، تشفي قابليتنا للتغير نحو الفساد“.[21]

كما يستخدم ق. غريغوريوس النيسي تعبير الامتزاج لوصف الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح، كما يؤكد على أن اللاهوت نزل في جسد بشري قابل للفساد، يقصد بالتأكيد الفساد الطبيعي أي الأهواء البشرية غير الملومة كالجوع والعطش والألم والقابلية للموت كالتالي:

”فإن الذي أنار الطبيعة المظلمة وأرسل شعاع ألوهيته على مركبنا، أعني النفس والجسد، أشرك العنصر البشري كله في نوره الذاتي وحوله بهذا الامتزاج إلى ما هو عليه، وكما أن الألوهية لم تفسد بنزولها في جسد قابل للفساد، كذلك لم تتغير بشفائها ما هو متغير في نفسنا“.[22]

كما يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على أن المسيح قد صار محويًا داخل طبيعة الجسد القابلة للفساد الطبيعي لكي يشفيها من هذا الفساد كالتالي:

”’أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا شَكْلَ عَبْدٍ‘ (في 2: 7). فماذا يكون شكل العبد هذا؟ فلا بد أنه الجسد؛ لأننا لم نستلم أية عقيدة أخرى من الآباء سوى تلك العقيدة. وهكذا ينادي مَنْ قال إن الابن أخذ ’شكل العبد‘ (وهذا الشكل هو الجسد) بأنه في شكله الإلهيِّ شيئًا، بينما شكل العبد الذي أخذه شيئًا آخر في طبيعته. وتُثبِت كلمة ’أخلى‘ أيضًا بوضوحٍ أنَّ ما رأيناه لم يكن موجودًا على الدوام: فهو مساوي لله في ملء لاهوته، ولا يمكن الاقتراب منه، ولا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن احتوائه داخل حدود حقارتنا البشرية؛ ولكنه صار محويًا داخل طبيعة الجسد القابلة للفساد، عندما -على حد قول بولس الرسول- ’أَخْلَى‘ ذاته من مجد لاهوته الفائق الوصف، وأنقصه إلى مستوى حدودنا. فماذا كان هو، كان عظيمًا، وكاملاً، ولا يمكن إدراكه؛ ولكن ماذا ”أخذ“، فيمكن قياسه بنفس مقياس طبيعتنا“.[23]

ق. يوحنا ذهبي الفم

نستكمل حول طبيعة ناسوت المسيح في تعاليم آباء الكنيسة الجامعة بصفة عامة، وعند ق. يوحنا ذهبي الفم بصفة خاصة.

حيث يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن طبيعة جسد المسيح إنه بالرغم من أنه خال من الخطية، ولكنه لم يكن بدون ضرورات طبيعية كالتالي:

”إن جسد المسيح كان بالتأكيد خالٍ تمامًا من الخطية، لكنه لم يكن بدون ضرورات طبيعية، وإلا ما كان له جسد حقيقي“.[24]

ويستطرد ق. يوحنا أيضًا قائلاً عن الضعف في طبيعة المسيح البشرية التالي:

”إن هذا كان ضعفًا من جهة طبيعته البشرية“.[25]

ويستطرد ق. يوحنا قائلاً في نفس السياق التالي:

”هذه الكلمات تُظهر بمنتهى القوة أنه كان له طبيعته البشرية، التي لا ترغب في أن تعاني الموت، بل كانت متعلقة بالحياة الحاضرة، وقد برهنت على أنه كان له مشاعر بشرية، وكما أن حقيقة أنه جاع أو نام، لم يكونا شيئين يُمسكان عليه، كذلك حقيقة أنه خاف الانفصال عن هذه الحياة الحاضرة (بالموت) لا ينبغي أن تُمسك عليه أيضًا“.[26]

كما يفرق ق. يوحنا بين الفساد الطبيعي وهو القابلية للموت الذي يتعرض له الإنسان العادي وفساد الخطية الذي يتعرض له الإنسان الشرير كالتالي:

”هكذا يختلف الواحد عن الآخر، تمامًا بمقدار هذا، بأن الميت يتعرض فعلاً لذلك الفساد الآتي من الطبيعة فقط، أما هذا الإنسان فإنه يتعرض لذلك الفساد معًا بالإضافة إلى أنه يسبب أيضًا ذلك التعفن الذي هو من الإفراط، مبتكرًا كل يوم دواعٍ للفساد لا تُحصى“.[27]

ويقول ق. يوحنا في موضع آخر أن المسيح أخذ أجسادًا كانت ناقصة وعادمة من شيء ما ليجعلها تامة وكاملة، وهكذا أكمل الناموس الذي كان ناقصًا كالتالي:

”هذا هو ما أود قوله، المسيح أخذ أجسادًا كانت ناقصة، لأنها كانت معدومة من شيء ما، وجعلها تامة وكاملة، بنفس الطريقة، هو أخذ الناموس الذي كان ناقصًا وقوَّمه، وشكَّله، وجعله في حالة أكثر كمالاً“.[28]

ق. كيرلس الإسكندري

ثم ننتقل إلى حديث ق. كيرلس عمود الدين عن الآلام البشرية غير الملومة التي كانت في ناسوت المسيح كالتالي:

”لذلك فقد قيل عنه أنه جاع، وأنه تعب من السفر، واحتمل النوم والاضطراب والحزن، وآلام بشرية أخرى لا لوم فيها“.[29]

كما يتحدث ق. كيرلس عمود الدين في رسالته إلى الامبراطور التقي ثيؤدوسيوس عن طبيعة ناسوت المسيح الذي كان قابلاً للفساد الطبيعي وليس الفساد الأخلاقي (أو فساد الخطية) كالتالي:

”لكنه أمر مذهل، ولا يوجد أحد على الإطلاق لا يُذهل منه، أن الجسد الذي هو قابل للفساد بالطبيعة، ينبغي أن يعود للحياة، لأنه يخص الكلمة غير القابل للفساد، وكذلك النفس التي حصلت على تركيب مثل هذا معه واتحاد، قد نزلت إلى الجحيم مستخدمةً القوة والسلطة التي تُنسب لله، وظهرت للأنفس الموجودة هناك“.[30]

حيث يتحدث ق. كيرلس هنا عن جسد المسيح القابل للفساد بالطبيعة الذي كان يحتاج العودة للحياة، وهنا يقصد قابلية الجسد الطبيعية للموت. وأكد ق. كيرلس أن هذا الجسد القابل للفساد بالطبيعة يخص الكلمة غير القابل للفساد.

يقول ق. كيرلس السكندري عن فساد جسد المسيح الطبيعي قبل القيامة، مع توضيح أن الفساد الطبيعي هو الموت، أي أن المسيح أخذ جسد قابل للموت التالي:

”هكذا إذًا، في ذلك اليوم، أي الوقت، حينما ستكونون أنتم أيضًا أحياء، لأني أنا حي، رغم إني صرت إنسانًا مثلكم، وأنا متشح بالجسد الذي هو معرض للفساد بحسب طبيعته الخاصة، يقول هو: ستعرفون بوضوح ‘أني أنا في الآب وأنتم فيَّ وأنا فيكم“.[31]

قول آخر للقديس كيرلس السكندري، حيث يؤكد على أن جسد المسيح قابل للفساد الطبيعي أي الموت:

”لأن قوة الموت وسلطانه قد قُهرت وطُردت من الجسد. ولو أن الجسد الذي مات لم يقم، فأي نوع من الموت هو الذي أُبطل وسُحق؟ وبأي طريقة أُبطلت قوة الفساد؟ لأنه بدون موت جسده وقيامته لا يمكن أن تتلاشى قوة الموت، لا بموت النفس ولا بموت ملاك، لأن قوة الموت كامنة في ذلك الجسد الذي هو فاسد بالطبيعة، كما أن قوة القيامة خاصة بهذا الجسد وبالجسد وحده. الذي بواسطة موته وقيامته انتهى سلطان رئيس هذا العالم“.[32]

قول آخر للقديس كيرلس عمود الدين يؤكد على فساد جسد المسيح الطبيعي قبل القيامة، حيث يقول التالي:

”وأعتقد أننا ينبغي أن نفحص أيضًا السؤال التالي: توما لمس جنب المخلص، ووجد الجروح التي أحدثها رمح الجندي، ورأى آثار المسامير وقد يسأل أحدهم، كيف كانت علامات الفساد ظاهرة في جسد عديم الفساد؟ لأن بقاء الثقوب في اليدين والجنب، وعلامات الجروح والفتحات التي سببتها المسامير الحديدية، هي برهان على فساد الجسد، رغم أن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن جسد المسيح قد تغير إلى حالة عدم الفساد مما يقتضي أن تختفي بالضرورة كل نتائج الفساد مع اختفاء الفساد نفسه. لأن أي إنسان أعرج هل سيكون أعرجًا في القيامة؟ ومَن فقد البصر في هذه الحياة، هل سيكون أعمى في القيامة؟ فكيف إذًا -قد يسأل أحدهم- نكون قد تحررنا من نير الفساد إن كانت نتائجه لا تزال باقية وتسود على أعضائنا؟ وأعتقد أنه من الضروري أن نجيب على هذا السؤال، ونقول هذا بسبب الصعوبات التي توجد في هذا المقطع: وقبل أي شيء فإننا نوافق تمامًا على الاعتقاد أنه في القيامة، لن يكون فينا جروح أو آثار عارضة للفساد، بل كما يقول بولس الحكيم عن جسد قيامتنا هذا: ’يُزرع في هوان ويُقام في مجد. يُزرع في ضعف ويُقام في قوة‘. وماذا يمكن أن نتوقع في قيامة هذا الجسد بقوة ومجد، إن لم يتضمن اضمحلال كل صفات الضعف والهوان والفساد والأمراض، وعودة الجسد إلى نقاوته الأصلية؟ لأن الجسد البشري لم يُخلق للموت والفساد“.[33]

وهكذا يتحدث ق. كيرلس في موضع آخر عن فساد جسد المسيح الطبيعي كالتالي:

”لم يكن ممكنًا بطريقة أخرى، إبادة سيادة الموت، إلا فقط بقوة الابن الوحيد الذي صار إنسانًا. لذلك صار مثلنا، وجعل الجسد الذي كان تحت الفساد جسدًا خاصًا به وفق النواميس الطبيعية، حتى أنه ولأنه هو بذاته الحياة (لأنه وُلِد من حياة الآب)، أنبت فيه (أي في الجسد البشري)، صلاحه الخاص به، أي الحياة“.[34]

وهكذا نستنتج من أقوال آباء الكنيسة العظام أن ناسوت المسيح كان خاضعًا للأهواء الطبيعية غير الشريرة، وخاضع للضعفات والآلام البشرية الطبيعية البريئة وغير الملومة، كما سنرى أن معلمنا ساويروس الأنطاكي قد علَّم بذلك في رده على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس.

ق. ساويروس الأنطاكي

يرد ق. ساويروس الأنطاكي على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس قائلاً:

”لو أنه كان غير قابل للفساد وغير قابل للألم، وغير مائت، فكيف تقول أنت أنه قد تألم؟ لقد كان يجب عندئذ أن يكون موت ربنا هو نوع من الخيال وغير حقيقي“.[35]

ثم يستطرد ق. ساويروس الأنطاكي في الرد على هرطقة يوليان قائلاً:

”لأنه أخذ جسدًا قابلاً للموت وقابلاً للفساد، والذي لهذا السبب كان قابلاً للتألم. ومن خلال الجسد جعل آلامه (أي آلام الجسد) خاصة به أيضًا. فبينما كان الجسد يتألم، صار يقينًا أن الكلمة ذاته يتألم، وعلى هذا النحو نحن نعترف أنه صُلب ومات. فعندما تحمل الجسد الآلام، لم يكن الكلمة بعيدًا هناك وحده“.[36]

ثم يقرر ق. ساويروس الأنطاكي حقيقة مهمة في التجسد قائلاً:

”فلو أن عمانوئيل أراد أن يتحد بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم ليخوض به المعركة لأجلنا، وإذا كان بالطبيعة هو الله الذي يملك عدم التألم وعدم الموت، فماذا كانت الحاجة عندئذ للتجسد؟ لذلك فقد وحد بنفسه جسدًا كان واحدًا معنا في الجوهر وتألم مثلنا، وكان عرضة للتألم وللموت ومات كمحارب منتصر“.[37]

كما يؤكد ق. ساويروس الأنطاكي على عدم معاناة ناسوت المسيح من فساد الخطية، مفرقًا بينه وبين الفساد الطبيعي الذي تحدث عنه ق. كيرلس في القول السابق في رسالته الأولى إلى سرجيوس النحوي كالتالي:

”هكذا أيضًا الناسوت الذي وحده كلمة الله بنفسه أقنوميًا، لم يعان من فساد الخطية، التي تُفسِد مثل فساد الدود والسوس، فإنه لم يكن ممكنًا أن يُداس من الخطية“.[38]

ثم يفرق ق. ساويرس مرةً أخرى بين الفساد الطبيعي أي قابلية الجسد للموت والفساد الأخلاقي أو فساد الخطية كالتالي:

”وبواسطة كل هذا تَبَيّن أن جسد المسيح غير قابل للفساد لإنه لم يَخْضَع مُطلقًا لفساد الخطية، أما بالنسبة لما ينتج عن الموت والدفن، فقد كان خاضِعًا لهما ولكنه أهلَكهُمَا في نفسه دونَ أن يتأثَّر بِهما، بسبب اتحاده بالكلمة الذي بطبيعته غير قابل للفساد، والألم، والموت“.[39]

مار غريغوريوس بن العبري

وهكذا يتحدث العلامة السرياني مار غريغوريوس بن العبري عن قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي كالتالي:

”يجب أن نَعلَم أن الفساد يُقَال بأنواع كثيرة في الكُتب المقدسة، بنوع الخَطِيّة والقصاص كما وَرَد: ’من يُفْسِدْ هيكل الله -أي الخَطِيّة- يُفْسِدَه الله بالعقاب‘. وبنوع انحلال العناصر كما وَرَد: ’أنت أيها الإله أنزِلهم إلى جُبْ الفساد‘. وبنوع الضَعْف كما جاء: ’ويُشَوّهون وجوههم ليُظهروا للناس أنهم صائمون‘. وبنوع الآلام التي تَطْرَأ على الجسد؛ الجوع والعطش والتعب والصُراخ والضربات. وبنوع الموت الذي هو انفصال النفس عن الجسد كما جاء: ’لم تَخَفْ أن تُفسِد مسيح الرب‘. والآباء الأوَّلون عندما يَدْعون جسد ربنا قابلاً للفساد قبل القيامة، فليس بالأنواع الثلاثة الأولى وحاشاهم من ذلك. لأنه لم يَفْعَل خَطِيّة، ولم يَسْقُط تحت طائلة العقاب، ولم تَنفَصِل أجزاء جسده في القبر، كما ورد في المزامير: ’لأنَّك لَمْ تَدَع صَفَيّك يرى فساداً‘. بل بالأنواع الثلاثة الأخيرة فقط، لأن سخنته ضعفت وجاع وعطش وتعب، وثُقِبَت يَدَاه ورِجلاه بالمسامير وطُعِنَ بالحربة وانفصلت نفسه عن جسده على الصليب، بينما لاهوته لَم ينفصل لا من نفسه ولا من جسده“.[40]

ونُلاحِظ هنا التوافق التام بين ما قاله العلامة السرياني ابن العبري وبين ما علَّم به مِلفان الكنسية السريانية الأعظم مار ساويرس الأنطاكي الذي شرح وعلَّم بنفس التعليم.

الأب يوحنا الدمشقي

كما يتحدث الأب يوحنا الدمشقي عن قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي قائلاً:

”لكلمة فساد معنيان إنها تعني هذه الانفعالات البشرية كلها: الجوع والعطش والتعب وثقب المسامير والموت أو انفصال النفس عن الجسد وما شاكلها. وبهذا المعنى نقول بأن جسد الرب كان قابل للبلى، لأن المسيح ارتضى أن يتقبلها كلها. ويعني البلى أيضًا انحلال الجسد بكامله إلى العناصر المركب هو منها وزواله وهذا هو بالأحرى ما يدعوه الكثيرون فسادًا. أما جسد الرب فلم تصبه هذه المحنة، على ما يقوله دواد النبي: ’لأنك لم تترك نفسي في الهاوية ولم تدع قدوسك يرى فسادًا‘ (مز ١٥: ١٠). إنه إذًا لكفر القول – على نحو يوليانوس وغايوس الغبيين- بأن جسد الرب منزه عن البلى بالمعنى الأول لهذه الكلمة وذلك قبل قيامته. لأنه لو كان منزهًا عن البلى، فهو ليس مساويًا لنا، بل إنما ظُن به كذلك، وإنه بالحقيقة لم يحدث له كما يقول الإنجيلي إنه حدث من جوع، وعطش، ومسامير، وطعنة جنبه، والموت. وإذا كان هذا بالظن، فإن سر تدبير خلاصنا وهم وخداع، وإنه صار إنسانًا بالظن، لا بالحقيقة. وقد نلنا الخلاص بالظن لا بالحقيقة. ولكن حاشا أن يكون ذلك. والذين يتشدقون بهذه الأقوال فليُحرموا من الخلاص!“.[41]

ويفرق يوحنا الدمشقي هنا بين نوعين من الفساد أحدهما تعرض له جسد الرب وهو الانفعالات البشرية كالحزن والاضطراب والجوع والعطش والألم والموت الجسدي، وهذا ما أكده عليه القديس ساويروس الأنطاكي في رده على هرطقة يوليان، أما النوع الآخر من الفساد أي تحلل الجسد البشري إلى تراب فذلك لم يتعرض له جسد الرب وكان غير قابل له بحسب تعليم آباء الكنيسة الجامعة، وبذلك لا يوجد تعارض بين آباء الكنيسة والقديس ساويروس الأنطاكي.

 

 

الفرق بين الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي

سأستعرض وجهة نظر ق. ساويروس الأنطاكي في رده على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس بعدم قابلية جسد المسيح للفساد قبل القيامة، والذي أعتبره ق. ساويروس شكل من أشكال الهرطقة الخيالية (المانوية)، والدوسيتية، والأوطاخية (المونوفيزيتية)، والأبولينارية.

بحسب فلسفة أرسطو، الفساد φθορά لا يعني أي شيء إلا أنه شكل من أشكال التغيير άλλοίωσις، وبالتالي جميع الأجساد الطبيعية خاضعة للتغيير. وبحسب هذا المنطق، إن كان جسد المسيح جسدًا طبيعيًا مثل جسدنا -وليس مجرد ”جسدًا من السماء“ (هذه هي الهرطقة الأبولينارية)- فلا بد من أنه خاضع للتغيير والفساد.

بالرغم من عدم ذكر أرسطو بالاسم بشكل واضح، إلا أن ق. ساويروس ينطق بوضوح بنفس الافتراضات. حيث يوضح أن جميع المخلوقات خاضعون للتغيير من خلال حقيقة ”خلقتهم“ عينها. فالله وحده هو غير المخلوق، ولذلك هو وحده غير قابل للتغيير.

حيث يقتبس ق. ساويروس قول من تفسير ق. كيرلس على إنجيل يوحنا لكي يؤسس عليه بأن الناسوت بالتحديد هو ”عاقل ومائت“، وأن كل شيء مخلوق هو فاسد. وبالتالي يتتبع ق. ساويروس في سبيل التأكيد على تجسُد المسيح الحقيقي والكامل تلك الافتراضات إلى نتيجتها المنطقية: بأن جسد المسيح كان خاضعًا للتغيير، وبالتالي، كان فاسدًا.

ولم يكن ذلك الوضع كافيًا ومرضيًا بشكل فلسفي فقط، بل يبدو أيضًا وبحسب الصورة الإزائية للرب يسوع، بالإضافة إلى الفقرات الرئيسية من عند أكثر من أب لاهوتي معاصر للقديس ساويروس، والذين لم يكن سلطانهم محل اعتراض سواء من ساويروس أو يوليان.

استنتج ق. ساويروس -كدليل على فكرة تغير وتحول جسد المسيح عبر الزمن- من وصف لوقا البشير لنمو الفتى يسوع، كما شرحه كل من ق. يوحنا ذهبي الفم، وق. كيرلس، وأساقفة وآباء القرن الخامس الآخرين. وأشار ق. ساويروس إلى روايات متنوعة من الإنجيل -كدليل على فكرة أن جسد الرب يسوع كان قابلاً للفساد- عن جوع وعطش وتعب الرب يسوع، وبالطبع الآلام على الصليب- كما شرحها نفس الآباء اللاهوتيين.

كما عانى جسد الرب يسوع أيضًا -مثل جميع الأجساد الطبيعية الأخرى- من التجديد الطبيعي (تجديد الخلايا والأنسجة في الجسم) wear and tear، ولو لم تكن تلك هي المسألة بالتحديد -مُستحضرًا عبارة ق. يوحنا ذهبي الفم التي أستشهد بها ق. ساويروس بشكل متكرر- فلا كان جسدًا على الإطلاق.

دعَّم ق. ساويروس قضيته بمجموعة كبيرة من النصوص الحجية الآبائية، ولكنه كان مرتبطًا بشكل خاص بالأعمال التي استهدفت بشكل مميز الآباء الذين جادلوا حول ناسوتية المسيح الكاملة، مثل: أطروحة ق. أثناسيوس ضد أبوليناريوس أسقف لاودكية، ورسالتي ق. غريغوريوس النزينزي إلى كليدونيوس (ضد الأبولينارية أيضًا)، وعظة ق. يوحنا ذهبي الفم ضد المانويين والماركيونيين، واعتراف المعمودية ليوحنا الأورشليمي، الذي كان موجهًا بشكل مباشر لمواجهة شكل معاصر من أشكال الدوستية.

كما وجد ق. ساويروس أيضًا ركيزة مناسبة لفكرته عن التماثل القياسي لجسد الرب يسوع مع جسدنا في آية (عب٤: ١٥) ”لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ“. حيث فسر ق. ساويروس المقصود من هذه الآية أن الاستثناء الوحيد هو عصمته من الخطية، فالمسيح عانى من كل الضعفات الجسدية، التي يعاني منها جميع البشر.

وهكذا أسس ق. ساويرس رأيه بأن جسد المسيح قبل القيامة كان قابلاً للفساد على العديد من المصادر الكتابية والآبائية. كانت توجد، مع ذلك، جوانب أخرى داخل التقليد التي طرحت تحديات لرأيه. حيث استفاض في تلك التحديات وفرق بينها بتقديم ما يمكن أن يُسمى بـ ”الفروق التفسيرية“ في النصوص الصعبة.

أحد النصوص الكتابية التي بدت أنها تعارض رأي ق. ساويروس هو نص (أع٢: ١٤- ٤١)، وهو عبارة عن عظة بطرس الرسول في يوم الخمسين، حيث يقدم بطرس بالطبع في عظته دليلاً على قيامة المسيح من (مز١٦: ١٠) ”لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا δίαφθορα“. حيث يبرهن بطرس هنا بما أن داود الكاتب التقليدي للمزمور معروف إنه قد مات ودُفن، فلابد أن هذه الآية تشير إلى شخص آخر-أي إلى الرب يسوع.

كما أكد يوليان في تفسير هذه الآية أن مقطع δία في أول الكلمة الحاسمة δίαφθορα يشير إلى أن معنى الكلمة كان ”القابلية للفساد“، أو الحالة التي تؤدي إلى الفساد φθορα، وليس بالحري الفساد نفسه. فإنْ كانت الآية تقول بأنه لم يكن هناك قابلية للفساد في الرب يسوع -فليس هناك حتى القابلية لـ، أو بداية للفساد- ويستخلص يوليان بأنه ينبغي ألا يكون هناك فسادًا فعليًا أو كاملاً في جسده.

بينما رفض ق. ساويروس هذه الحجة، ونادى بجهالة وتناقض يوليان في ”المصادر الخارجية“، وبأنه لم يعرف كيرلس، الذي كان بارعًا وماهرًا جدًا في المعرفة الداخلية والخارجية على قدم المساواة، وإن يوليان لم يفرق بين فساد طبيعي φθορά وفساد التحلل أو الفساد الأخلاقي δίαφθορα، بالرغم من ذلك، يستطرد ساويروس نفسه للإقرار بأن دراسته للاستعمال الكتابي لهاتين الكلمتين يشير بالفعل إلى وجود اختلاف بين التعبيرين، ولكنه ليس الاختلاف الذي يدَّعيه يوليان.

بل بالأحرى يربط، كما فعل يوليان، المقطع δία في أول كلمة δίαφθορα بفكرة مركبة نقلية (أي أن الحالة المؤدية إلى الفساد تناقض وتعارض الفساد نفسه)، حيث يقرأه ساويروس بشكل كامل كإشارة إلى فعل كامل. δίαφθορα بالنسبة لساويروس هي التمثيل والتجسيد التام والكامل لكلمة φθορά، حيث تشير الكلمة الأخيرة إلى الموت الجسدي بمعناه البسيط، أي انحلال جزئي المركب الجسدي، بينما على العكس، تشير كلمة δίαφθορα إلى الفناء الكامل والتام المصاحب للانفصال الكامل عن الله.

ويستطيع ق. ساويروس باستخدام هذا التفريق تفسير آية (أع٢) بشكل مختلف عن يوليان. حيث يفسر ساويروس كلمة δίαφθορα كشكل أكثر كمالاً للفساد φθορά، وبالتالي، لا يشير الاستثناء من الكلمة السابقة δίαφθορα إلى الاستثناء من الكلمة الأخيرة φθορά. حيث أن جسد الرب يسوع -أثناء الفترة القصيرة التي قضاها في القبر- لم يعان من δίαφθορα بمعنى الفناء التام والانفصال الكامل عن الله، بل بدأ بالفعل يعاني من φθορά بمعنى الانفصال الجسدي المعتاد.[42]

وهكذا يجمع آباء الكنيسة على أن ناسوت المسيح غير قابل للفساد أو التحلل، لأن ناسوت المسيح قد تأله باتحاده بلاهوته مصدر الحياة، فكيف للناسوت المتحد بمصدر الحياة أن يتحلل ويفسد كسائر البشر.

 

 

أفكار خاطئة عن ناسوت المسيح (نظرية الأجساد الثلاثة)

ثم ننتقل إلى ما يُعرف باسم نظرية الأجساد الثلاثة، وهي أن جسد المسيح له ثلاث استخدامات، أو دلالات، وهم جسد المسيح الذي أتحد الكلمة به، وجسد المسيح أي الكنيسة، وجسد المسيح أي الإفخارستيا، وسوف نرى أنه لم يقل أحد الآباء سواء شرقًا أو غربًا بهذه النظرية مطلقًا، بل للأسف مَن نادى بها هم الأفنوميون والنساطرة المهرطقين، سأستشهد بأقوال آباء الكنيسة الغربية اللاتينية أولاً من أجل دحض هذه النظرية، ثم سوف أستشهد بأقوال آباء الكنيسة الشرقية اليونانية.

ق. هيلاري أسقف بواتييه

ابدأ بالقديس هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب، حيث يقول التالي داحضًا نظرية الأجساد الثلاثة مؤكدًا على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح:

”من ناحية أخرى، قد شهد هو نفسه عن كيف يكون اتحاده بالحقيقة فينا بهذه الطريقة: ’مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ‘ (يوحنا56:6). إذ لن يسكن فيه أحد سوى الذي يسكن فيه بنفسه، لأن الجسد الوحيد الذي قد أخذه لنفسه هو جسد هؤلاء الذين أخذوا جسده، لقد علّم بالفعل قبلاً عن سر تلك الوحدة الكاملة [الله! ليست وحدة اعتبارية رمزية، بل وحدة كاملة] […] هذا هو سبب حياتنا أننا لدينا المسيح يحيا في طبائعنا البشرية الجسدية بالجسد، وسوف نحيا به كما أنه يحيا بالآب“.[43]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

كما يتحدث ق. أمبروسيوس أسقف ميلان داحضًا نظرية الأجساد الثلاثة، مؤكدًا على وحدة الأجساد الثلاثة، مرددًا ما نصلي به في تسبيحتنا القبطية الأرثوذكسية قائلين: هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له، قائلاً:

”إذًا، فقد أخذ منا ما كان يجب أن يقدمه لنا، هكذا لكي يفيدنا مما يخصنا، وبعطيته الإلهية يقدم مما يخصه [أي لاهوته]، ما لم يكن خاصًا بنا، إذًا، بحسب طبيعتنا قدم ذاته، حتى بهذا يعمل عملاً أسمى من طبيعتنا. التقدمة هي مما يخصنا أما المكافأة فهي مما يخصه، وكثيرًا ما نجد فيه أيضًا أمور بحسب الطبيعة وأسمى من الطبيعة [البشرية]“.[44]

يستطرد ق. أمبروسيوس داحضًا نظرية الأجساد الثلاثة قائلاً بكل وضوح:

”إذًا، بما أن جسد الكل أيضًا في المسيح خضع للجروح [أيعقل هذا الكلام جسد الكل في المسيح! وليس جسدًا اعتباريًا رمزيًا]، كيف تقولون إن ذلك الجسد وتلك الألوهية لهما الطبيعة ذاتها؟“.[45]

ق. أوغسطينوس أسقف هيبو

ننتقل إلى ق. أوغسطينوس ولنا وقفة معه، لأن البعض يهاجم تعبير ”جسد المسيح السري“ معتقدين أنه تعبير حديث معاصر قاله أحد الآباء في العصر الحديث، ولكن المفاجأة الكبرى أنه تعبير أوغسطيني صرف تعلمه أوغسطينوس من قوانين تايكونيوس الدوناتي، واعتاد استخدامه كمفتاح لتفسير المزامير، للتأكيد على أن مبدأ الكنيسة هو جسد المسيح السري، حيث يقول التالي في تفسيره لسفر المزامير:

”هذه النبوة تنطبق على الشيطان وملائكته الذين يقاتلون، لا ضد جسد المسيح السري فحسب، بل ضد كل عضو من أعضائه، ’قصمت أسنان الأثمة‘، لكل منا أعداؤه الذين يلعنونه، فضلاً عن فاعلي الشر الذين يسعون إلى انتزاعنا من جسد يسوع المسيح، لكن للرب الخلاص“.[46]

كما يؤكد ق. أوغسطينوس على حقيقة وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، وعبور المسيح بجسده الكامل أي الكنيسة من الموت إلى الحياة، قائلاً:

”هكذا أيضًا عبر المسيح بجسده الكامل من الموت إلى القيامة وجسده هو الكنيسة (كو١: ٢٤)“.[47]

ويستطرد في نفس السياق، مؤكدًا على اتحاد مثال بشريته بنا لإزالة مخالفة فسادنا بشركة موتنا من أجل أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية والتأله قائلاً:

”وبالتالي باتحاد مثال بشريته بنا، قد أزال مخالفة فسادنا، وبشركته لموتنا جعلنا شركاء طبيعته الإلهية“.[48]

ويستطرد أوغسطينوس شارحًا كيف يهب المسيح الرأس أعضاء جسده أي كنيسته ما يقبله هو ناسوتيًا من لاهوته المتحد به كالتالي:

”فإنه قَبِلَ بين الناس أيضًا كالرأس يعطي إلى أعضائه: وهو نفسه قد أعطى و قَبِلَ بين الناس وبدون شك كما في أعضائه الذين من أجلهم أي من أجل أعضائه صرخ من السماء قائلاً: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ (أع٥: ٤)، والذين من أجلهم أي أعضائه يقول: بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم (مت٢٥: ٤٠)، لذا قد أعطى المسيح نفسه من السماء [أي من لاهوته] وقَبِلَ على الأرض“.[49]

ثم يشرح أوغسطينوس كيفية الاتحاد بين المسيح وبيننا في الجسد الواحد مستخدمًا تعبيرات مثل: الانسجام، أو التوافق، أو التناغم، أو التآلف، أو الشركة، للتأكيد على وحدتنا الطبيعية في المسيح المغروسة فينا بصفة خاصة من خلال موته وقيامته بطبيعتنا البشرية كالتالي:

”بينما يواجه موته الواحد وقيامته الواحدة ازدواجية وثنائية موتنا وقيامتنا، لأنه بهذا الانسجام أو التوافق أو التناغم أو التآلف أو أي كلمة مناسبة أكثر يمكن التعبير بها، بحيث أن اتحاد الواحد بالأثنين له أهمية كبيرة جدًا في كل الاندماج والاتفاق أو بالحري شركة الخليقة، تمامًا مثلما يحدث لي وهو ما أقصده بدقة بالغة بالشركة التي يدعوها اليونانيون άρμονία أي الانسجام والتناغم، ومع ذلك فهذا ليس المكان لكي ما أستعرض قوة ذلك الانسجام والاتحاد بين الواحد والثنائي الموجود بصفة خاصة فينا والمغروس فينا بصورة طبيعية أيضًا (الذي لا يكون إلا بواسطة خالقنا)؟ الذي لا يفشل حتى الجاهل في إدراكه“.[50]

لذا أود التنويه إلى أنه لا يوجد أخطر من نظرية تقسيم جسد المسيح إلى ثلاث أجساد على العقيدة المسيحية وتدبير الخلاص الذي لمخلصنا الصالح يسوع المسيح، لذا وجب دحضها ومحاربتها بكل قوة من كل إنسان مسيحي أرثوذكسي حقيقي غيور على عقيدته وخلاصه الأبدي.

ثم نستكمل أيضًا دحض التعليم غير الأرثوذكسي بنظرية الأجساد الثلاثة، وادعاء البعض بأن جسد المسيح الذي أخذه من العذراء غير جسده أي الإفخارستيا، وغير جسده أي الكنيسة، واعتبار جسد المسيح السري أي الكنيسة هو مجرد جسد رمزي اعتباري. لقد استعرضنا في المقال السابق آراء آباء الكنيسة الغربية اللاتينية حول هذا الموضوع، ووجدنا أنهم يؤكدون على وحدة الأجساد الثلاثة وعدم فصلهم عن بعضهم البعض، وسوف نستعرض في هذا المقال أقول آباء الكنيسة اليونانية الشرقية حول نفس الموضوع، لنرى أنهم مثل آباء الكنيسة الغربية يدحضون التعليم بالأجساد الثلاثة. وأود التنويه أحبائي قبل البدء في استعراض أقوال وشروحات الآباء أن ما أعرضه من أقوال الآباء وشروحاتهم هو بعض من كل، وقليل من كثير، وعشرات بل مئات من الشروحات تؤكد على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، لذا لزم التنبيه.

ق. أثناسيوس الرسولي

نبدأ بالقديس أثناسيوس الرسولي معلم الأرثوذكسية، يدحض التعليم بالأجساد الثلاثة، ويؤكد على وحدتهم في شخص المسيح، لارتباطنا ككنيسته أي جسده معه، وصعودنا بواسطته إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[51]

ويؤكد ق. أثناسيوس على أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائن فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطلت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنة لأجلنا“.[52]

ويشدد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا ينكرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقال إنه إنسان مُجِّد أيضًا نيابة عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدنا مجدًا عاليًا، مقامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[53]

ويؤكد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتحدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية كالتالي:

”لذلك لن تُدهش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا -المتحدين معه في نفس الجسد- داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[54]

ويؤكد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صرنا بواسطتها هيكل الله، وصرنا أبناء لله يُعبد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله -وتبعًا لذلك قد جُعلنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبد الرب فينا أيضًا [يا لها من كرامة عظيمة!]، والذين يبصروننا يعلنون- كما قال الرسول: أن الله بالحقيقة فيكم“.[55]

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تم الحكم (إذ أن الجميع ماتوا في المسيح). وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[56]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سكنى الروح القدس فينا الذي يوحدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[57]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس كلام ق. أثناسيوس على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، وأننا نصير جسد المسيح ليس بالرغبة فقط، بل في الواقع أيضًا كالتالي:

”إن دور التلميذ هو ألا يفحص بوقاحة في تعاليم معلمه، بل دوره أن يسمع ويؤمن وينتظر الوقت لذلك لكي ما نصير جسده ليس بالرغبة فقط، بل أيضًا على مستوى الواقع، فليتنا نصير متحدين بذلك الجسد، وهذا بالحق يتم بواسطة الطعام الذي أعطاه لنا كهبة (أي الإفخارستيا)، لأنه أراد أن يبرهن على الحب الذي له من نحونا. إذ لهذا السبب أشرك نفسه معنا، وأنزل جسده لمستوانا أي نصير واحدًا معه كاتحاد الجسد مع الرأس، وهذا بالحق هو سمة حبه العظيم“.[58]

ويتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن وحدة الأجساد الثلاثة في موضع آخر بتعبيرات خطيرة جدًا قد تفاجئ البعض في عصرنا الحديث، كامتزاج المسيح بنا في جسده ليس بالإيمان فقط، بل بجعلنا جسده الحقيقي، حيث يقول:

”فلم يكن كافيًا للسيد أن يصير إنسانًا ويُضرب ويُقتل، لكنه بمزج نفسه أيضًا بنا، لا بالإيمان فقط، بل بجعلنا أيضًا جسده بالفعل“.[59]

ويؤكد ق. يوحنا على نفس التعبير وهو امتزاجنا بالمسيح في جسد واحد في سر الإفخارستيا كالتالي:

”المائدة التي منها نقتات نحن، التي بها نمتزج ونصير جسدًا واحدًا ولحمًا واحدًا مع المسيح“.[60]

ويشدد ق. يوحنا على نفس مفهوم امتزاج المؤمنين بالمسيح في الأسرار قائلاً:

”فالسيد يمزج ذاته بكل واحد من المؤمنين في الأسرار، وهو يطعم بنفسه الذين ولدهم ولا يسلمهم لآخرين، مقنعًا إياكم بهذا مرة أخرى أنه اتخذ جسدكم“.[61]

ويُعرِّف ق. يوحنا مفهوم شركتنا في جسد المسيح في موضع آخر قائلاً:

”لقد قال: شركة جسد المسيح، ليؤكد على أن ما نتناوله حقًا هو جسد المسيح المحيي، فعندما قال: شركة جسد، فإنه أراد أن يقول شيئًا يعبر به عن أن الاتحاد يمضي في طريقه نحو ما هو أكثر، ولذلك أضاف: فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد (١كو١٠: ١٧) ولماذا يقول شركة؟ يقول إن هذا الجسد ذاته هو نحن، لأنه ما هو الخبز؟ إنه جسد المسيح. وماذا يحدث للمؤمنين الذين يتناولون منه؟ يصيرون جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسدًا واحدًا“.[62]

وهكذا نجد التأكيد في شروحات القديسين أثناسيوس ويوحنا ذهبي الفم على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، ودحضهم للتعليم غير الأرثوذكسي بالأجساد الثلاثة، وسأتابع في المقال القادم شروحات باقي الآباء الشرقيين في نفس الموضوع.

وهكذا يفرق ق. كيرلس الكبير بين الهرطوقي والأرثوذكسي بشكل واضح في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي، قائلاً:

”وحيث أن الهرطوقي في حماقته، يريد أن يروج لآرائه الزائفة، ويقول: ’إن أي مجادلة لن تجعل الذين يحرفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويعتبرونها تشير إلى تجسُد المسيح، لأننا لم نتحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مرتبطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي‘. والآن فلنجاوب على هذا الكلام باختصار، ونبين للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدسة باستقامة. فكون أننا متحدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا ينكره بيان عقيدتنا بأي حال، فنحن نعترف أن المعترض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنوضح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحى بها، لأنه كيف يمكن أن يجادل أحد، أو هل يمكن لأي إنسان ذي فكر مستقيم أن ينكر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]، فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥، ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يعطينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا [الله! أ لعلهم يفهمون!] أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦). كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أي واحد من الرسل القديسين!“.[63]

وبالتالي لا يمكن أن يكون جسد المسيح كما يدَّعي البعض خطاءً جسدًا اعتباريًا، أو رمزيًا، أو روحيًا فقط، بل جسدًا حقيقيًا بشهادة جميع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا.

 

هرطقات في طبيعة ناسوت المسيح

الهرطقة النسطورية

سندرس الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس ”هيراقليدس“ الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني 431م.

حيث يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

”بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون. لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً. ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد. لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى ’تجسُّدًا‘، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد“.[64]

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة. كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

كما نجد نسطوريوس في كتابه ”هيراقليدس“ يدحض برهان سر شركة الإفخارستيا الذي استخدمه ق. كيرلس عندما قال له التالي:

”فإننا نقدّم الذبيحة غير الدموية في الكنائس، وهكذا نتقبل البركات السرية ونتقدس، ونصير مشركين في الجسد المقدس، والدم الكريم للمسيح مخلصنا جميعًا، ونحن نفعل هذا لا كأناس يتناولون جسدًا عاديًا، حاشا، ولا بالحقيقة جسد رجل متقدس متصل بالكلمة حسب اتحاد الكرامة، ولا كواحد قد حصل على حلول إلهي، بل باعتباره الجسد الخاص للكلمة نفسه المعطي الحياة حقًا“.[65]

فيحاول نسطوريوس المهرطق الرد على ق. كيرلس في كتابه ”هيراقليدس“ الذي كتبه على شكل محاورة بينه وبين شخص يُدعى صفرونيوس، وهذا أسلوب معروف للكتابة في ذلك الزمان، حيث يرد قائلاً:

”صفرونيوس: (استخدم هذه الكلمة) ضد أولئك الذين يعتقدون إنه لم يمت لأجلنا، بل كان في موته مثل جميع البشر، وإنه في كليهما حيًا وميتًا، كان مجرد إنسان عادي، وإنه لا يمتلك، أي شيء أكثر من (البشر العاديين)، لأنهم يجهلون إنه يكون ابن الله، وإن دمه هو دم الله، وليس دم ذلك الإنسان. نسطوريوس: هل تقول ذلك، بأن الجسد والدم هما أوسيا (جوهر) ابن الله، أم أن الجسد والدم هما جسد ودم الأوسيا (الجوهر) الإنساني، وقد صارا طبيعة اللاهوت؟ لأنه، كما تقول، الجسد ليس جسدًا، لأنه قد تحول بواسطته إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة بواسطة امتزاج واتحاد. وهذا هو ما يقصده الرسول الطوباوي، عندما سخر بشدة من أولئك الذين اعترفوا إنه جسده ودمه، وظنوا (إلى الآن) إنه دنس. صفرونيوس: لم يقل هذا ضد أولئك الذين بالتأكيد لا يعترفون بالجسد في الحقيقة، ولا ضد أولئك الذين يحولون أو يفسدون الأوسيا (الجوهر) كما بنارٍ، أو (مَن يظن) أوسيا (جوهر) الجسد دنسًا بواسطة الامتزاج، بل ضد أولئك الذين يعترفون بالجسد والدم، ويعتقدون (إلى الآن) إنه مشترك. نسطوريوس: كما يبدو لي، الرأي الذي تتشبث به لا ينسجم أكثر مع هؤلاء، بل مع أولئك الذين يحولون الأوسيا (الجوهر) إلى طبيعة الجسد والدم، من دون تفكير بأن أوسيا (جوهر) الجسد والدم لربنا هو مشترك، بل إنه جوهر الله الكلمة، وليس جوهر البشر“.[66]

ثم يستطرد نسطوريوس في نفس السياق معترضًا على أننا صيرنا جسد المسيح، مظهرًا أن الأرثوذكس بحديثهم عن الاشتراك في جسد الكلمة واقعين في تضارب من الآراء وارتباك، قائلاً:

”فقد تغيرنا أيضًا إلى جسده، ونحن نكون جسده، ولذلك نحن لسنا جسد ودم الإنسان، بل جسده الخاص. فالخبز حقًا واحد، ولذلك نحن جميعًا جسد واحد، لأننا جسد المسيح. ’وأما أنتم فجسد المسيح حقًا، وأعضاؤه أفرادًا‘ (١كو١٢: ٢٧) هل الخبز هو جسد المسيح بتغيير الأوسيا (الجوهر)؟ أم هل نكون نحن جسده بتغييرٍ؟ أم هل جسد ابن الله واحدًا مع الله الكلمة بالطبيعة؟ ولكن إن كنا واحد بالطبيعة، فلن يكون هناك فيما بعد أي خبز، ولا أي جسد أيضًا. أما بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن جسد ابن الله كان دنسًا، فيقول الرسول عنهم: ’إنهم يدوسون ابن الله تحت الأقدام‘ (عب١٠: ٢٩) برفضه وبإنكاره، ضد أولئك الذين يعترفون بأن الجسد هو من طبيعتنا، والذين يعتبرونه دنسًا، بالرغم من أنهم يعترفون إنه قد أُعطي من أجل خلاصنا كلنا، لأنه كان نقيًا، وطاهرًا، ومحفوظًا من الخطايا، وأنه قَبِلَ الموت من أجل جميع خطايانا، وصار كما لو كان قربانًا لله. ولذلك إن كنا لسنا من واحد، فلا نُدعى بالطبيعة أخوته، ولا أبنائه، ولا نكون نحن فيما بعد خبزه وهيكله الجسدي، بل إن كانا هذان يخصان المسيح حقًا، فنحن جسده وواحد معه في الجوهر، لأننا بذلك نكون ذاك الذي يكون أوسيا (جوهر) جسده أيضًا. وتلك الأمور معروفة أيضًا من خلال كلام عقيدة أولئك الذين يتحولون الآن إلى هذا، والآن إلى ذلك، لأنهم لا يمتلكون الحق“.[67]

يبدو أن حجج نسطوريوس هي كالتالي: أيًا كان معنى الخبز الذي يصير جسد المسيح، فهو بذلك بنفس المعنى، الذي نصير فيه جسد المسيح بالشركة في السر (الإفخارستيا). بما أننا نستطيع أن نشترك فقط في الجسد البشري، حيث لابد أن جسد المسيح قد كان ويكون إنسانيًا. وفي رأي التهمة الشائعة الموجهة ضد النسطورية، فإنه يلغي ويدمر الدلالة والأهمية العالمية من تجسد المسيح لأجل جميع البشر. إن النسطورية تهتم فقط بإيجاد وسيلة للدفاع عن رأيها الخاص كوقاية فقط من هذه الدلالة والأهمية.

ثم نستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

”يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت. فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله. وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون إن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد. ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت“.[68]

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنوضحها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

  1. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.
  2. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.
  3. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.
  4. يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن ”الله كان مع الجسد البشري“، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.
  5. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَنْ مِنْ آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.
  6. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

وهكذا يتحدث الأب جون ماكجوين في كتابه الشهير ”كيرلس السكندري والجدل الخريستولوجي“ عن عقيدة التأله بالنعمة أنها السمة المميزة لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وعقيدة تأله ناسوت المسيح هي سمة مميزة لمدرسة الإسكندرية، ويؤكد على أن نسطوريوس هو مَن لا يؤمن بتأله ناسوت المسيح، بل يرفض نسطوريوس عقيدة تأله ناسوت المسيح، حيث يقول الأب ماكجوين عن ذلك التالي: ”كان يقال في هذه المدرسة الفكرية (أي مدرسة الإسكندرية) عن المسيح الإلهي إنه إنسان حقيقي بقدر حقيقة لاهوته خاضع تقريبًا للمدى الكامل الخبرات الجسدية. بهذه الشروط، لا يمكن تعريف بشريته بأنها ناقصة في بعض معانيها (بلا عقل أو نفس، على سبيل المثال، كما عند أبوليناريوس)، لكن بالأحرى كلها موجودة، ولكنها تحولت جذريًا بقوة الألوهة الأعظم بما لا يُقاس، التي اتخذت الجسد لنفسها. عنصر أساسي في نظرية ‘التحول’ أي مفهوم تأله جسد الرب (وبالآثار المترتبة على ذلك يكون المؤمن كذلك) الذي تم تحقيقه في فعل التجسد. هذه هي الفكرة الأكثر ديناميكية للمدرسة السكندرية، والهدف الرئيس في اللغة التجسيدية. ولكن هذا بالنسبة إلى نسطور هو استنتاج يُرثى له من الاعتماد على نظرية ‘الامتصاص’. وحيث أنه يعارض الأخير (أي نظرية الامتصاص) بحزم وصرامة، لذلك يميل أن يحط من قدر السابق (أي تأله جسد الرب)“.[69]

ثم يستطرد الأب جون ماكجوين مؤكدًا على أن الموقف السكندري في مقابل الموقف النسطوري هو اعتقاد السكندريين بتأله جسد المسيح، حيث يقول التالي: ”العبارة التي تقول إن الجانبين اللذين في المسيح بقيا بشروط متساوية في جميع مراحل حياة المخلص، على أية حال، تم التنازع عليها بمرارة. فالموقف السكندري كان كذلك: إن اتخاذ البشرية بواسطة اللوغوس ألَّه deified الجسد منذ اللحظة التي تم فيها الحمل في رحم العذراء. منذ لحظة الولادة، تم رؤية المسيح بعين الإيمان كحقيقة واحدة. فالحديث عن جانبين أو طبيعتين دائمتين، بالنسبة إلى السكندريين، سوف يدمر بالكامل أي مفهوم للوحدة التي لا تتجزأ في المسيح، اللوغوس المتجسد“.[70]

كما يؤكد الأب ماكجوين على تشبث ق. كيرلس السكندري بعقيدة التأله بالنعمة كأحد القيم المركزية لإنجيل التجسد، بينما يرفض نسطوريوس ذلك تمامًا، ويرى في المسيح مجرد قائد، ومرشد للحياة الأخلاقية، ومثال أعلى ومعلم لنا، ومجرد داعية مصلح، حيث يقول التالي: ”لقد اعتبر (أي نسطوريوس) أي شكل من نظرية الامتصاص بأنه عاجز على الحفاظ على تمايز الجواهر، وإذا لم تصمد البشرية في المسيح بالكامل، فإن الحرية الأخلاقية للاتحاد سوف تتدمر، حيث أنه لا يرى كيف يفترض أي إنسان مشيئة بشرية حرة في يسوع، إذا كان مثل هذا الخليط غير المتكافئ قد حدث، مع امتصاص القدرة الهائلة للألوهة البشرية الهشة وغمرها في عملية ما للتأله يتم تصورها. هذا النهج الأخير كان ينتقده نسطور دائمًا، بينما بالنسبة لكيرلس وقف كأحد القيم والمنجزات المركزية لإنجيل التجسد. استبدال فكرة تأله البشرية، مساوٍ لخطورة اقتراح بعض التعديلات في أحد أو كلا الجوهرين، لذا أشار نسطور بدلاً من ذلك إلى الإرادة الحرة تمامًا ليسوع، الكاملة الطائعة لمشيئة الله (اللوغوس) ومتحدة بشكل وثيق معه كالعلامة البارزة والوسيلة التي للخلاص. قدم نسطور مثل هذه الرؤية ليسوع كقائد ومرشد للحياة الأخلاقية، وفي نفس الوقت مثالنا الأعظم ومعلمنا، لأنه بصفة عامة كان في الواقع داعية مصلح كما يتعلق هذا مبدئيًا بالمسيحية كتعليم أخلاقي. باختصار، بنبذ نسطور احتمالية اتحاد خريستولوجي مبني على مصطلحات أوسيا أو طبيعة، تحول بدلاً من ذلك إلى فكرة المشيئة والحب، والسيطرة الأخلاقية كمحل هندسي لنظريته الخريستولوجية“.[71]

نستنتج من هنا أن عقيدة التأله بالنعمة وتأله ناسوت المسيح هي عقائد راسخة في اللاهوت الأرثوذكسي عامةً، وفي اللاهوت السكندري خاصةً، وأنه على العكس من اللاهوت السكندري الأرثوذكسي الذي كان يمثله ق. كيرلس السكندري، رفض نسطوريوس عقيدتي التأله بالنعمة وتأله ناسوت المسيح، معتبرًا ذلك خلط أو امتزاج أو امتصاص للطبائع في المسيح، وهكذا رفض نسطوريوس تعبير الاتحاد الأقنومي في المسيح، وأعتبر المسيح مجرد مصلح ومرشد أخلاقي ينبغي اتباعه، وليس مخلصًا حقيقيًا للبشرية.

 

 

تأله ناسوت المسيح

يعلم آباء الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة بتعليم غاية في الأهمية هو تأله ناسوت المسيح، حيث يرى الآباء أن تأله ناسوت المسيح هو الطريق لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس.

ق. أثناسيوس الرسولي

فنجد القديس أثناسيوس الرسولي يؤكد على تأله ناسوت المسيح، ويؤكد أيضًا على تبادل الخواص والصفات في المسيح كالتالي:

”بل كُتبت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفع كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تأله، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[72]

ويكرر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يؤله الجسد“.[73]

ويشدد ق. أثناسيوس أيضًا على تأله ناسوت المسيح في موضع آخر قائلاً:

”وعندئذ لم يقل ‘والابن’ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السماوات، بل أن يعلم بطريقة إلهية“.[74]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

وهذا هو أيضًا ما يقوله ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح، حيث يقول في عظته الثيؤفانيا (الظهور الإلهي) أو عظة عيد الميلاد التالي:

”الله قد خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله، والآخر يتأله. فيا للخلط الجديد! يا للمزج العجيب! هو الذي هو، قد صار، والخالق خُلق، وغير المدرَك قد أُدرك بواسطة العقل كوسيط الذي هو في المنتصف بين اللاهوت وخشونة الجسد“.[75]

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح نفسًا وجسدًا في مواجهة أبوليناريوس الذي أنكر وجود النفس الإنسانية العاقلة في المسيح كالتالي:

”إذا كان الأقل نبلاً قد اتُخِذَ ليتقدس إذ أنه (المسيح) اتخذ جسدًا، أفلا يُتخذ الأكثر نبلاً ليُقدس إذ أنه (المسيح) صار إنسانًا، إذ كان التراب [يقصد الجسد] أيها الحكماء قد خمّر الخمير فصار عجينًا جديدًا، أفلا يُخمِّر الصورة [الروح] فترقى إلى الامتزاج بالله، بعد أن تكون قد تألهت بالألوهة؟“.[76]

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي في خطبته اللاهوتية الأولى عن الابن في مواجهة الأفنوميين الآريوسيين منكري ألوهية المسيح متحدثًا عن تأله ناسوت المسيح، الذي فتح الطريق أمام تأله أجسادنا نحن أيضًا التالي:

”فالذي [أي الابن] هو الآن حقير في نظرك، كان قبلاً أرفع منك، الذي هو الآن إنسان، كان حينذاك غير مركب. وما كانه بقى عليه، وما لم يكنه صار إليه [أي الناسوت]. كان في البدء بلا علة – وهل يكون لله علة؟ – ثم وُلِدَ لعلة. وكانت العلة هي أن تخلُص، أنت المجدف عليه، ومحتقر الألوهة التي تحملت كثافتك، والإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بواسطة روح، صار إلهًا عندما امتزج بالله، وصار واحدًا، يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبحُ أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“.[77]

ق. غريغوريوس النيسي

وهذا هو أيضًا ما يؤكد عليه ق. غريغوريوس النيسي في مواجهة الهرطقة الأبولينارية، حيث شدد على تأله ناسوت المسيح، واكتسابه خواص الألوهية بعد التجسد التدبيري لله الكلمة، وهذا بالطبع ينعكس على أجساد البشر الذين خلصهم الله الكلمة بتجسده من الخطية واللعنة والضعف، ومنحهم التأله وخواص الألوهية من الحكمة، والقداسة، والقوة، وعدم التألم كالتالي:

”إننا نضع في الاعتبار قول الرسول: إنه صار خطيةً، ولعنةً لأجلنا، وإنه قد أخذ ضعفنا عليه بحسب كلام إشعياء النبي، ولم يترك الخطية، واللعنة، والضعف دون شفاء، بل قد ابتُلِع المائت من الحياة، ولقد امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية، وصار ما تكونه الألوهية“.[78]

ويكرر النيسي نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في نفس الرسالة قائلاً:

”لأنه باكورة الطبيعة البشرية التي أخذها امتزجت بالألوهية كلية القدرة والقوة […] لكن بما أن كل هذه الخواص التي نراها مصاحبةً للمائت قد تحولت إلى خواص الألوهية، فلا يمكن إدراك أي تمييز بينهما، لأن أي شيء يمكن أن يراه الإنسان في الابن هو الألوهية، والحكمة، والقوة، والقداسة، وعدم التألم“.[79]

ويتحدث النيسي صراحةً عن تأله ناسوت المسيح قائلاً:

”هل هذا هو الكلمة الذي كان في البدء، وكان عند الله،  الذي صار جسدًا في الأيام الأخيرة بدافع الحب للبشرية بمشاركته في طبيعتنا الوضيعة، وهكذا مزَّج ذاته بالناسوت، وأخذ كل طبيعتنا في ذاته لكي ما يُؤلِّه الناسوت بامتزاجه بلاهوته مُقدِّسًا العجينة الكاملة لطبيعتنا البشرية بهذه الباكورة!“.[80]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

وكذلك أيضًا يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب على تأله ناسوت المسيح، حيث يقول التالي:

”إذ يتلخص التجسد في هذا، أن كل ما للابن -أي ناسوته ولاهوته- قد سمح له الآب أن يستمر في وحدة طبيعته، ولم يحتفظ فقط بقدرات الطبيعة الإلهية، بل وأيضًا بتلك الطبيعة نفسها. فإن الهدف المطلوب هو أن يتأله الناسوت. لكن الناسوت المُتخذ لم يكن ممكنًا له بأية طريقة أن يبقى في وحدة الله، إلا إذا وصل إلى الوحدة مع اللاهوت“.[81]

ق. كيرلس الإسكندري

كما يؤكد ق. كيرلس الإسكندري الملقب بعمود الدين على تأله ناسوت المسيح، الذي يعد الوسيلة والطريقة لتأله أجسادنا نحن أيضًا، حيث يقول التالي:

”تتقدم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألهت، وهذا مُبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل (الجسد) الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة متألهةً بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعى أبناء الله وآلهةً. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة منتقلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية بنعمة المسيح“.[82]

ق. ساويروس الأنطاكي

ويشرح ق. ساويروس الأنطاكي مثله مثل باقي الآباء السابقين عليه أن تأله ناسوت المسيح معناه لمعان جسد المسيح بالمجد الخاص بالله مقتبسًا ومفسرًا قول ق. غريغوريوس اللاهوتي من عظة الثيؤفانيا أو عيد الميلاد الذي اقتبسناه أعلاه، حيث يقول في رسالته الثانية إلى سرجيوس النحوي التالي:

”ففي العظة (Lebon p. 116) على الظهور الإلهي يقول [ق غريغوريوس] ’الله خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله والآخر يتأله‘. لكن يُفهَم تعبير ‘يتأله’ ويقال لأن الجسد قد لمع بالمجد الخاص بالله، كما يقول الحكيم (كيرلس) وليس لأنه تغير إلى طبيعة اللاهوت“.[83]

ويتضح من هنا إجماع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا على تأله ناسوت المسيح كوسيلة وكتهيئة لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس، وليس كما ينكر النساطرة الجدد تأله ناسوت المسيح مدعين عن جهل بأنه تعليم نسطوري، بل قد ثبُت من نصوص الآباء شرقًا وغربًا أن تأله ناسوت المسيح هو عقيدة أرثوذكسية راسخة في الكنيسة الجامعة.

[1] للاطلاع على هذا الخطاب أنظر تاريخ زكريا البليغ: 2.

[2] في سي صامويل (دكتور)، مجمع خلقيدونية -إعادة فحص (بحث تاريخي ولاهوتي)، ترجمة: د. عماد موريس، مراجعة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، 2009)، ص239، 240.

[3] Sever of Antioch, La Polemique, Antijulianiste, II B, ed., Robert Hespel, C. S. C. O., I, p. 50.

[4] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، ٣: ١٨: ١.

[5] المرجع السابق، ٣: ١٨: ٣.

[6] المرجع السابق، 3: ١٨: ٤.

[7] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، مراجعة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، 3: ٢٩: ٥٦.

[8] المرجع السابق، 3: ٢٦: ٣١.

[9] المرجع السابق، ٣: ٢٦: ٣٢.

[10] المرجع السابق، 3: ٢٦: ٣٣.

[11] أثناسيوس (قديس)، ضد أبوليناريوس (تجسد ربنا يسوع المسيح)، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: دار جذور للنشر)، ١: ٣.

[12] المرجع السابق، 1: 6.

[13] المرجع السابق، ١: ١٥.

[14] Basil (St.), Letters: 3 vol., PG 32, 972 B, éd. Courtonne, Y. Paris: Les Belles Letters, 1996.

[15] غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، العظة الفصحية الأولى، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، ١: ٥، ص ١٥.

[16] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية)، الرسالة الأولى إلى كليدونيوس، ١٠١ : ٣.

[17] المرجع السابق.

[18] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27- 31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان، منشورات المكتبة البولسية)، عظة ٣٠: ٥.

[19] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية)، ٢: ٣٠.

[20] المرجع السابق، 2: 32.

[21] غريغوريوس النيسي (قديس)، ضد أبوليناريوس، ٧.

[22] غريغوريوس النيسي (قديس)، رسائل غريغوريوس النيسي (٣٣٥- ٣٩٤)، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٤)، الرسالة رقم ٣ إلى أوسطاثيا وأمبروسيا وبازليسا الفضليات، ص ٤٩.

[23] Gregory of Nyssa, Anti-Apollinarian Writings (The Fathers of the Church vol. 131), trans. by Robin Orton, (Washington: The Catholic University of America Press, 2015), p. 137.

[24] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وتفسير إنجيل يوحنا مج3، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة)، عظة ٦٧.

[25] المرجع السابق.

[26] المرجع السابق.

[27] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على إنجيل متى ج2، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1998)، عظة ٢٧: ٧، ص 46.

[28] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، مساو للآب في الجوهر، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: دار النشر الأسقفية، 2007)، عظة رقم 4، ص 81.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، مراجعة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة إلى سوكينسوس القيصري، ٤٥: ١٠، ص 186.

[30] PG 76. 1165 A (=Pusey edn., Vol. 7, p 68. 2-8).

[31] كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تفسير آية يو ١٤: ٢٠، ص ٢١١.

[32] المرجع السابق، تفسير آية (يو٢٠: ١٩-٢٠)، ص ٥٠١، ٥٠٢.

[33] المرجع السابق، تفسير آية (يو٢٠: ٢٦، ٢٧)، ص ٥١٤، ٥١٥.

[34] كيرلس السكندري (قديس)، المسيح واحد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ص ١٣٩.

[35] Sever d’ Antioch, La Polemique, Antijulianiste, II B, ed., Robert Hespel, C. S. C. O., I, p. 51.

[36] Ibid, p. 233.

[37] Ibid, 130.

[38] ايان ر. تورانس، الخريستولوجي بعد مجمع خلقيدونية (الرسائل بين القديس ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، مراجعة: د. سعيد حكيم، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس)، رسالة ساويروس الأولى إلى سرجيوس النحوي، ص ٢٩٢.

[39] PO 8: 358 – Homélie LXVII Sur Marie Sainte Mère De Dieu.

[40] مار غريغوريوس بن العبري (علامة)، منارة الأقداس، باب ٦: ١: ٢، ص٣٥٣.

[41] يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٤)، المقالة ٧٢: ٢٨، ص ٢٠٩.

[42] Yonatan Moss, Incorruptible Bodies, (California: University of California Press, 2016), p. 28- 31.

[43] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الأنبا أنطونيوس، مراجعة: د. سعيد حكيم، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، ٨: ١٦، ص 544.

[44] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، تجسد الرب، ترجمة: د. جورج عوض، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ٦: ٥٤، ص 77، 78.

[45] المرجع السابق، ٦: ٥٧، ص 80.

[46] أوغسطينوس (قديس)، العظات على المزامير ج1، ترجمة: عبد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2013)، عظة في مز ٣: ١٠، ص 26.

[47] أوغسطينوس (قديس)، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، تقديم: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، ٣: ١٠: ٢٠، ص 232، 233.

[48] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[49] المرجع السابق، ١٥: ١٩: ٣٤، ص 646.

[50] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[51] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، مراجعة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[52] المرجع السابق.

[53] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[54] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[55] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[56] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[57] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[58] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات على انجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة ٤٥ على (يو٦: ٢٨- ٤٠)، ص 451.

[59] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة ٨٢: ٥، ص 142.

[60] المرجع السابق، ص 142، 143.

[61] المرجع السابق، ص 143.

[62] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة ٢٤: ٢، ص 96.

[63] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو 15: 1)، ص 259.

[64] Nestorius, The Bazaar of Heracleides, Trans by G. R. Driver & Leonard Hodgson, (Oxford: The Clarendon Press, 1925), 1: 34.

[65] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة إلى نسطوريوس ١٧: ١٢، ص 77.

[66] Nestorius, The Bazaar of Heracleides, Trans by G. R. Driver & Leonard Hodgson, (Oxford: The Clarendon Press, 1925), 1: 38- 39.

[67] Ibid, 1: 41.

[68] Ibid, 1: 32.

[69] جون ماكجوين، كيرلس السكندري والجدل الخريستولوجي (تاريخه، ولاهوته، ونصوصه)، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الحبر الجليل الانبا مقار، (القاهرة، ٢٠١٩)، ص ١٥٥، ١٥٦.

[70] المرجع السابق، ص ١٥٩.

[71] المرجع السابق، ص ١٩٣، ١٩٤.

[72] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[73] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[74] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[75] Gregory of Nazianzus, Theophany, PG 36.325 B-C.

[76] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الرسالة الأولى إلى كليدونيوس، ص ٢٤.

[77] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب ٢٧-٣١ اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٣)، ٢٩: ١٩، ص ١٠٠.

[78] غريغوريوس النيسي (قديس)، الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ٢٣ ضد الأبوليناريين، ترجمة: أنطون جرجس، (القاهرة: دورية مدرسة الإسكندرية رقم ٣١، ٢٠٢١)، ص ٥٢، ٥٣.

[79] المرجع السابق، ص ٥٤.

[80] Gregory of Nyssa, Anti-Apollinarian Writings (The Fathers of the Church vol. 131), trans. by Robin Orton, (Washington: The Catholic University of America Press, 2015), p. 125.

[81] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٧)، ٩: ٣٨، ص٦٣١، ٦٣٢.

[82] كيرلس السكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

[83] ساويروس الأنطاكي (قديس)، الرسالة الثانية إلى سرجيوس النحوي، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٥)، ص ٣٢٣.

 

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إنجيل مرقس: دليلك لشهادة بطرس

 

إنجيل مرقس: دليلك لشهادة بطرس

 

إنجيل مرقس: دليلك لشهادة بطرس

 

 

 

الفهرس

مقدمة 2

بطرس ويوحنا مرقس_ 2

إعلان أم تاريخ؟ 4

تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس_ 5

الدليل على شهادة شاهد عيان_ 8

يسوع في أورشليم 12

هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟ 13

نظرية الأناجيل مجهولة الاسم 15

لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان_ 16

سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول 19

لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟ 22

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

على الرغم من أن الإنجيل الثاني لا يذكر من كتبه، إلا أن مسيحيي القرن التالي لم يكن لديهم أدنى شك. كان رأيهم بالإجماع أن مَرقُس كتبه على أساس المعلومات التي قدمها بطرس. وقت كتابته حوالي عام 110 م في هيرابوليس في آسيا الصغرى، قال بابياس، “سامع يوحنا”:

 مرقس. . . بعد أن كان مترجم بطرس، كتب. . . كل ما تذكره مما قاله الرب أو فعله. لأنه لم يسمع الرب ولم يكن من أتباعه بل في وقت لاحق. . . من بطرس. (مقتبس في تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 3. 39)

 وهذا أيضًا رأي يوستينوس الذي كتب في روما حوالي 150 م، ورأي إيريناوس في بلاد الغال حوالي 170 م وإكليمندس السكندري حوالي 180 م. ولكن هل كان بطرس ومرقس قادرين على كتابة إنجيل مرقس؟ يعتقد العديد من العلماء المعاصرين الآن أن هذا الإنجيل، على الرغم من بساطته الواضحة، هو قطعة أدبية عميقة ومكتوبة بمهارة. هل كان قوم متواضعون مثل بطرس ومرقس قادرين على إنشاء وثيقة كهذه؟

 

بطرس ويوحنا مرقس

هل كان بطرس هو الشخص الفقير والأمي الذي يُفترض في كثير من الأحيان أنه كان كذلك؟ في الواقع، كان يشارك في صيد الأسماك (لوقا 5: 10)، وكان يمتلك، مع أخيه أندراوس، منزلاً في كفرناحوم (مرقس 1: 29). اسمه الأصلي، سمعان، هو اسم يوناني؛ جاء من منطقة جليل الأمم، وهي منطقة ثنائية اللغة. نظرًا لأنه كان شخصًا ذا إمكانيات متواضعة على الأقل، فقد يُفترض أنه كان متعلمًا، لأن الناس من فئته الاجتماعية والاقتصادية كانوا متعلمين عادةً إلى حد ما.

بعد فترة من قيامة يسوع، انتقل بطرس إلى أورشليم، حيث ظل لمدة عشر سنوات (33-43) زعيمًا للجماعة المسيحية في أورشليم والمتحدث باسمها أمام الجموع (أعمال الرسل 2: 14-42؛ 3: 12-26) وكذلك لرؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 8-12؛ 5: 29-32). لا شك أن بعض التطور الشخصي والفكري حدث عندما انتقل بطرس من شركة صيد الأسماك في كفرناحوم إلى أورشليم، عاصمة العالم للشعب اليهودي، حيث شارك في أنشطة مثل القيادة والوعظ والتعليم (أعمال الرسل 2: 40، 42؛ 6: 2).

لكن خلال هذه الفترة، لم يكن بطرس محصوراً في أورشليم؛ بعد مقتل إسطفانوس وتشتت المسيحيين الهيلينيين، سافر بطرس (مع يوحنا زبدي) إلى السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25) للتحقق من كرازة فيليبس للسامريين وتعزيزها. في وقت لاحق، زار مجموعات مسيحية في لُدة ويافا (أعمال الرسل 9: 32-43)، وربما زار مجموعات أخرى في الشريط الساحلي ثنائي اللغة من أزوت إلى قيصرية حيث كان فيليبس نشطًا (أعمال الرسل 8: 40). في النهاية جاء إلى قيصرية، المدينة الحامية الرومانية حيث استقر فيليبس (أعمال الرسل 8: 40؛ 21: 8) وتحدث في منزل مسئول روماني كبير، كرنيليوس (أعمال الرسل 10: 24-48).

في حوالي 43 م، انتقلت قيادة كنيسة أورشليم إلى يعقوب، شقيق الرب، منذ أن أجبر بطرس على الفرار بسبب اضطهادات هيرودس أغريباس (أعمال الرسل 12: 1-3، 17).

ومع ذلك، فقد بقي في مدار كنيسة أورشليم، يشار إليه على أنه أحد “أعمدتها”، على الرغم من أنه بحلول ذلك الوقت (حوالي 47) ورد اسمه بعد اسم يعقوب (غلاطية 2: 9).

في اجتماع “القمة” التبشيري حوالي 47 م (غلاطية 2: 7-9) تم الاتفاق على أن يذهب بطرس ويعقوب ويوحنا إلى اليهود بالرسالة المسيحية. من الواضح أن هذا ما شرع بطرس في فعله. نسمع عنه في أنطاكية حوالي 49 م (غلاطية 2: 11-14) وفي كورنثوس حوالي 53 م (1 كورنثوس 1: 12؛ 9: 5). يبدو أن الرسالة الأولى لبطرس قد كُتبت من روما (بطرس الأولى 5: 13 “بابل” = روما) في أوائل الستينيات.

إن قصة بطرس هي قصة رائعة. بدأ كصياد مغمور في كفرناحوم النائية وعندما سُمِعَ عنه آخر مرة كان في روما، عاصمة الإمبراطورية. في العقود الثلاثة الفاصلة، رافق يسوع في الجليل واليهودية، وقاد الكنيسة في أورشليم، وكان قائدًا إرساليًا متجولًا في فلسطين، وسافر كمبشر إلى يهود الشتات في سوريا واليونان وإيطاليا. هل من غير المعقول حقًا أن يقوم شخص يتمتع بهذا الاتساع من الخبرة، على الرغم من أصوله المتواضعة نسبيًا، بتوفير المعلومات الأساسية للإنجيل الثاني؟

ماذا عن يوحنا مرقس؟ كان منزل والدته على ما يبدو مكانًا رئيسيًا للقاء لكنيسة أورشليم، أو ربما ذلك الجزء منه الذي كان ينظر إلى قيادة بطرس على عكس يعقوب (أعمال 12: 12-17؛ راجع غلاطية 1: 18-19). تشير الإشارة إلى “بيت مريم” إلى أنها كانت أرملة؛ لم يتم ذكر والد مرقس أبدًا. كان منزلًا كبيرًا على ما يبدو لأن “الكثيرين اجتمعوا معًا. . . يصلون “(أعمال 12: 12). إن وجود الخادمة (أعمال الرسل 12: 13) يضيف إلى صورة مؤسسة كبيرة، ربما ثرية، ينتمي إليها يوحنا مرقس. إسميه، يوحنا (بالعبرية) ومرقس (باليونانية أو اللاتينية)، جنبًا إلى جنب مع خلفية غنية على الأرجح، يجعلان من المرجح أن هذا الرجل كان متعلمًا وثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية.

كان يوحنا مرقس مرتبطًا بقادة مشهورين. كان ابن أخت برنابا (كولوسي 4: 10)، الذي رافقه حوالي 50 في ما كان على الأرجح جولة تبشيرية في قبرص (أعمال الرسل 15: 39). في وقت سابق، حوالي 47، كان الزميل الأصغر لبرنابا وبولس في الجزء الأول من الرحلة التبشيرية لقبرص وجنوب غلاطية (أعمال الرسل 13:13). تم حل الخلاف بين بولس ويوحنا مرقس (أعمال الرسل 15: 37-39) فيما بعد، حيث أشار بولس إليه لاحقًا على أنه “زميل عامل” (فيليمون 23) وكشخص يحتاج إلى مساعدته (2 تيموثاوس 4: 11). بطرس، الذي يكتب من روما حوالي 63، يشير بمودة إلى مرقس على أنه “ابني” (1 بطرس 5: 13)، ربما يعكس علاقة أب بديل تعود إلى أورشليم في الثلاثينيات والأربعينيات.

يحتوي الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس على تفاصيل لا توجد بشكل ملحوظ في أي إنجيل آخر. عند القبض على يسوع في أورشليم، “تبعه شاب، ولم يكن في جسده سوى قماش من القماش؛ فأمسكوه وترك القماش وركض عريانا “(مرقس 14: 51-52). هذا، وفقًا لوليام باركلي، “حادث تافه للغاية وغير ذي صلة لإدخاله في المأساة الكبيرة للأحداث في البستان.”[1] يقتبس من تي زان: “يرسم مرقس صورة صغيرة لنفسه في زاوية عمله”. لو كان مَرقُس في الواقع “الشاب”، فهل نقول، عشرين عامًا في حوالي العام 33 م، بحلول أوائل الستينيات عندما افترض الكثيرون أنه كتب إنجيله، لكان قد بلغ الخمسين عامًا تقريبًا.

كان يوحنا مرقس، إذن، من خلفية مالية قوية، وبالتالي فهو متعلم وثنائي اللغة. لقد كان زميلًا مقربًا لبرنابا وبولس وبطرس، وبحلول الوقت الذي بلغ الخمسين من عمره كان قد عمل كزميل تبشيري مع قادة الكنيسة المشهورين لمدة عقد ونصف.

دعونا نفكر في معلومة أخرى. في مقدمة كتابه المكون من مجلدين، يقر لوقا أنه تلقى معلومات مكتوبة عن يسوع من “خدام” معينين قبله، ومن المؤكد أن أحدهم كان كاتب مرقس، حيث أن الكثير من إنجيله مدرج في الإنجيل بحسب لوقا. الكلمة اليونانية التي تعني خادم هي ὑπηρέτης هوبيراتس، والتي عرّفها جيرهارد كيتل بأنها “مساعد للآخر كأداة لإرادته” وهي كلمة استخدمها لوقا ليوحنا مرقس في الجولة التبشيرية الأولى. برنابا وبولس كان يوحنا كـ ” ὑπηρέτης “-خادمهما أو مرافقهما. هل يُطابق لوقا يوحنا مرقس ὑπηρέτης (أعمال الرسل 13: 5) بمؤلف النص الذي اعتمد عليه (لوقا 1: 2)؟

استنتاجنا هو أنه فيما يتعلق بالتعليم والخبرة، كان من الممكن أن يكتب بطرس ويوحنا مرقس الإنجيل الثاني، كما ادعى كتّاب مسيحيون في القرن الثاني. لكن هل فعلوا ذلك؟ لسوء الحظ، كما رأينا، لا يذكر هذا الإنجيل من كتبه، إلا ربما للإشارة إلى أن المؤلف كان “الشاب” في أورشليم الذي فر عارياً في الظلام ليلة القبض على يسوع. إن مسار التحقيق الوحيد المتاح لنا هو أن نقرر ما إذا كانت المعلومات الواردة في الإنجيل وطريقة تقديمها متوافقة مع سلطة بطرسية-مرقسية. إذا كان بطرس هو مصدر المعلومات التي استخدمها مرقس، فإننا نتوقع اكتشاف عناصر السيرة والتاريخية. لكن هل نجدهم؟

 

إعلان أم تاريخ؟

“بداية إنجيل يسوع المسيح، ابن الله” -هذه هي الكلمات التي بدأ بها الإنجيلي الثاني كتابه وأصبح عنوانه. ما كتبه هو “إنجيل”، وهو الوحيد من بين الأربعة التي ندعوها أناجيل الذي أطلق على نفسه اسم الإنجيل. في أماكن أخرى من العهد الجديد، الإنجيل هو “إعلان” أو “كلام”؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي تمت كتابته فيها. لذلك فإن إنجيل مرقس هو إعلان مكتوب وإنجيل مكتوب.

يوجد عدد من ملخصات الإنجيل “المُعلَن” في أعمال الرسل، على سبيل المثال، عندما تحدث بطرس إلى كرنيليوس وعائلته في قيصرية (أعمال الرسل 10: 34-43). كانت النقاط الرئيسية التي ذكرها بطرس لهم هي:

  • بعد المعمودية التي أعلنها يوحنا المعمدان
  • مَسَحَ الله يسوع الناصري بقوة
  • حتى أعلن الإنجيل ابتداءً من الجليل وفي جميع أنحاء اليهودية.
  • كان الله معه وهو يتجول في شفاء كل من يضطهده الشيطان.
  • صلبه أهل أورشليم
  • ولكن الله أقامه في اليوم الثالث

في عام 1932، لاحظ سي إتش دود أن هذا الملخص لخطاب بطرس يشبه إلى حد بعيد تسلسل وهيكل “الإنجيل” المكتوب، وخاصة إنجيل مرقس. وفقًا لدود، كان الإنجيل المكتوب نسخة موسعة من الإنجيل المنطوق.

كتب الإنجيلي الثاني إنجيله للقراءة العامة للكنيسة. وهذا واضح من تعليمات المؤلف لقارئ الكنيسة لشرح مادة غامضة (“دع القارئ يفهم” مر 13: 14). هل من المناسب أن يكون طول ثلثي أحداث هذا الإنجيل أقل من عشر جمل؟ من المؤكد أن السرد سريع الحركة وجذاب، مع حد أدنى من الكلام المسجل. كان أحد أكثر العروض المسرحية نجاحًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لندن، والذي تم عرضه ليلاً في منازل ممتلئة، يتألف من طاقم من شخص واحد كان نصه الوحيد هو نص إنجيل مرقس. بالرغم من كتابته، يظل إنجيل مرقس بطريقة ما “إعلان”. هل المقصود هو إثارة عواطفنا وتحريك إرادتنا للإيمان بيسوع؟

لا توجد طريقة يمكن اعتبارها مجرد “حياة يسوع”. يدخل يسوع البالغ ببساطة القصة بالقرب من البداية ويكون محور الاهتمام في الحلقات التالية. هناك غياب شبه كامل لتفاصيل السيرة مثل اسم والده أو مكان ولادته أو تعليمه أو عمره أو مظهره.[2] تُروى القصة بإحساس كبير بالدراما، بحيث أنه على الرغم من أن يسوع كان سيزور أورشليم للاحتفال بالأعياد اليهودية تسع أو عشر مرات خلال فترة الثلاث سنوات من حياته العامة، إلا أن هذا الإنجيلي جعله يذهب إلى هناك مرة واحدة فقط -ليموت!

 

تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس

هل هذا الإنجيل، إذن، لا علاقة له بالسيرة وغير تاريخي؟ الجواب هو أنه على الرغم من أنه يأتي بشكل أساسي في شكل “إعلان”، إلا أن هناك أيضًا أربعة عناصر تاريخية على الأقل تميز إنجيل مرقس.

السياق التاريخي العام. يسمح لنا إنجيل مرقس بوضع يسوع في سياق تاريخي معروف. بدأ حياته العامة في الجليل بعد إلقاء القبض على النبي الشهير يوحنا المعمدان (مر 1: 14). مهمته، وكذلك مهمة تلاميذه، حدثت خلال الفترة التي كان هيرودس أنتيباس رئيس رباعي الجليل وبيرية (6: 14). حوكم من قبل حاكم اليهودية الروماني، بيلاطس البنطي، وصلب بقراره (15: 15). هؤلاء الثلاثة هم علامات تاريخية لخدمة يسوع في إنجيل مرقس، لأنهم معروفون جيدًا في مصادر تاريخية أخرى -يوحنا موجود في يوسيفوس؛ أنتيباس في يوسيفوس وتاسيتوس؛[3] وبيلاطس في فيلو ويوسيفوس وتاسيتوس.

يعطي مرقس ويوسيفوس أسماء مختلفة لزوج هيروديا السابق قبل أن تتزوج من أنتيباس (مرقس 6: 17؛ الآثار 18. 136)،[4] ولكن هذه تفاصيل ثانوية نسبيًا ولا تنتقص من التوافق الكلي لمرقس في سياق تاريخي معروف.

الهيروديون. يشير إنجيل مرقس إلى جماعة تعرف باسم الهيروديين،[5] عارضوا يسوع بشدة في كل من الجليل وأورشليم (مر 3: 6؛ 12: 13). على الرغم من أن العلماء غير متأكدين من تكوينهم الدقيق ومنطقهم، إلا أن تاريخيتهم ليست موضع تساؤل. من المهم أن إنجيل مرقس هو المصدر الأساسي الوحيد للمعلومات التاريخية لهذه المجموعة. من الواضح أن إشارة متّى الوحيدة مشتقة من مَرقُس (متى 22: 16 = مر 12: 13). لم يرد ذكر الهيروديين في لوقا أو يوحنا.

التفاصيل الجغرافية. يصور إنجيل مرقس يسوع على أن مقره في كفرناحوم (انظر أيضًا متى 4: 13) على الشاطئ الشمالي للجليل، لكنه يذكر أنه احتاج بشكل متزايد إلى الانسحاب خارج الجليل لأسباب مختلفة وعلى ما يبدو لفترات طويلة أكثر فأكثر.[6] على الرغم من أن المؤلف لم يوضح ذلك، إلا أن القراءة المتأنية تجعل الأمر على الأرجح كذلك.

بعد أنشطته الأولية والمذهلة في كفرناحوم (مرقس 1: 28، 33) انسحب يسوع بسبب الجموع (1: 37 -38) إلى “كل الجليل، يكرز في مجامعهم” (1: 39).

بالعودة إلى كفرناحوم (2: 1) أصبح من الضروري المغادرة بسبب مؤامرة الفريسيين والهيروديين (3: 6). انخرط في الخدمة العامة على ضفاف بحيرة طبريا (3: 7) وذهب إلى جبل غير معروف لتعليم الاثني عشر (3: 13).

مرة أخرى في كفرناحوم (3: 19)، بعد خلاف مع الكتبة من أورشليم، انسحب إلى شاطئ البحر للتعليم العام (3: 22 -4: 1). مكث في القارب الذي كان يتحدث منه وسافر مباشرة إلى ديكابوليس [المدن العشر] (4: 1، 35 -36؛ 5: 1). بعد أن عبروا البحر إلى المدينة التي عاش فيها يايرس (5: 21 -43)، زار الناصرة (6: 1-6) ثم زار قرى الجليل (6: 6).

عندما عاد يسوع إلى كفرناحوم، أرسل الاثني عشر لمهمتهم في القرية (6: 7)؛ رجعوا إليه (6: 30)، تبعهم رجال من “جميع المدن” (6: 33)، بعد أن لفتت مهمتهم انتباه هيرودس أنتيباس (6: 14). انسحب مرة أخرى، وأخذ تلاميذه معهم، إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحيرة عند بيت صيدا أو بالقرب منها (انظر لوقا 9: 10) حيث سعى الشعب إلى جعله ملكًا (انظر يو 6: 14-15).

تم العثور على يسوع بعد ذلك في جينيسارت في الجليل (مر 6: 53)، حيث عاد إلى كفرناحوم وانخرط في نزاع خطير مع الفريسيين المحليين وكتبة أورشليم (7: 1). غادر مرة أخرى، وتوجه هذه المرة إلى مناطق صور وصيدا على الساحل البعيد لفينيقيا (7: 24)، ومن هناك إلى منطقة ديكابوليس (7: 31)، حيث أطعم أربعة آلاف (8: 1-9).

كانت زيارة يسوع التالية للجليل قصيرة. عندما ذهب هو والتلاميذ من ديكابوليس إلى دلمانوثة (8: 10)، كان هناك خلاف آخر مع الفريسيين (8: 11-12)، لذلك غادروا على الفور على متن قارب إلى بيت صيدا (8: 13، 22)، مع تحذير يسوع لتلاميذه من “خميرة الفريسيين و. ..هيرودس [أنتيباس] “(8: 15)، مصدرا المقاومة اللذان دأبا على إجباره على الخروج من الجليل. من بيت صيدا سافروا إلى المناطق الشمالية والجبلية من قيصرية فيلبي (8: 27)، بالقرب من منبع الأردن. بعد ستة أيام من إعلان بطرس أن يسوع هو “المسيح” (8: 29)، أخذ يسوع ثلاثة من التلاميذ إلى “جبل عالٍ” (من المحتمل أن يكون جبل حرمون، على مقربة من ارتفاع ميلين وحوالي اثني عشر ميلاً ونصفًا شمال شرق قيصرية فيليبي). – نصف ميل شمال شرق قيصرية فيليبي)، حيث حدث التجلي (9: 2-8). من هناك انطلقوا إلى أورشليم، عائدين إلى الجليل، لكن في سرية شديدة (9: 30)، ورجعوا إلى “البيت” في كفرناحوم (9: 33). ثم تبع يسوع والإثني عشر وادي الأردن (10: 1)، وأتوا في النهاية إلى أريحا (10: 46) وفي النهاية إلى أورشليم (11: 1، 11).

وهكذا ينقل إنجيل مرقس إحساسًا قويًا بالنشاط المكثف في الجليل، ومقره كفرناحوم ولكن مع فترات انسحاب إجباري إلى المناطق المجاورة في الغرب والشرق والشمال. رواية مَرقُس، التي تُروى من منظور المعارضة المستمرة للفريسيين المحليين والأورشليميين ومع التهديد الدائم لرئيس الربع هيرودس أنتيباس (والهيروديين)، يُعبَّر عنها بمصطلحات حركة جغرافية محددة داخل الجليل وخارجه، وبالتالي فهي معقولة تاريخياً.

الروابط بين الأحداث. إن إنجيل مرقس، على الرغم من ادعاءات بعض العلماء بأنه مجموعة عشوائية من الأحداث بدون قصة متطورة، إلا أنه يحتوي في الواقع على عدد من روابط السيرة والتاريخ بين الأحداث.

أحد الأمثلة على ذلك هو المنزل في كفرناحوم الذي كان يخص سمعان (وشقيقه أندراوس؟) الذي جاء إليه يسوع (مر 1: 29) وحيث أقام في البداية (1: 33، 35-36). عاد إلى هذا المنزل بعد انسحاباته الطوعية والقسرية المختلفة من كفرناحوم (2: 1؛ 3: 19؛ [7: 17]؛ 9: 33). من الواضح أن هذا المنزل أصبح منزله الخاص وقاعدة عملياته للخدمة في الجليل الأكبر والمناطق خارج الجليل.[7] تشير إشارات “بيت” كفرناحوم هذا، والتي تمتد عبر أحداث مختلفة لأكثر من نصف الإنجيل، إلى أن إنجيل مرقس، بشكل عام، له طابع تاريخي.

مثال آخر هو علاقة يسوع بأناس في بلدة أخرى -مدينته، الناصرة. غادر الناصرة ليعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن (مرقس 1: 9)، واستقر بعد ذلك في كفرناحوم (1: 29؛ متى 4: 13). يُشار إليه بانتظام باسم “يسوع من الناصرة” (1: 24؛ 10: 47؛ 16: 6) أو “يسوع الناصري” (14: 67). بصرف النظر عن زيارته إلى الناصرة بعد معموديته (لوقا 4: 16-30)، يبدو أنه لم يعد هناك لبعض الوقت. عندما عاد، كان أهل الناصرة متشككين للغاية (مر 6: 2) لدرجة أنه أدلى بملاحظته الشهيرة أن “النبي ليس بلا كرامة إلا في بلده” (6: 4). أولئك الذين لم يكرّموا هذا النبي هم أبناء “وطنه” (مقاطعة أو منطقة)، و “أقاربه” (العائلة الممتدة) و “بيته” (عائلته المباشرة، كما في 6: 3 -مريم،[8] والدته وإخوته يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان وأخواته [الذين لم يذكروا بالاسم]). كانت شكوك الناصرة شاملة، وامتدت من عائلته المباشرة عبر شبكة الأقارب إلى المجتمع الأوسع.

لم يكن هذا الشك في الناصرة جديدًا. في وقت سابق “عائلته” (مر 3: 21)، أي أمه وإخوته (3: 31)، انطلقوا من الناصرة إلى كفرناحوم “ليأخذوه” (3: 21) لأنهم اعتقدوا أنه “فاقد لصوابه “(3: 21 NRSV). عند وصولهم وقفوا “في الخارج” (3: 31)، على الأرجح خارج المنزل في كفرناحوم، حيث علق يسوع على ذلك بأن أمه (الحقيقية) وإخوته هم الذين فعلوا مشيئة الله (3: 35).

هنا إذن رابط آخر، يمتد على أربعة فصول، يشير إلى عدم إيمان أهل الناصرة، بما في ذلك عائلته، على عكس “العائلة” الجديدة في كفرناحوم، كما كان الحال في منزل سمعان وأندراوس. هذان المثالان المتقاطعان للمراجع التي تغطي عدة فصول وأحداث هما دليل على الطابع التاريخي الكامن وراء إنجيل مرقس.

في الختام نسأل: هل للإعلان المكتوب أيضًا خصائص سيرة الحياة وله تاريخية تتوافق مع تأليف بطرسي-مرقسي؟ والدليل على الإجابة الإيجابية هو أن قصة مرقس تتوافق مع سياقها التاريخي؛ أنها تشير إلى وجود مجموعة “الهيروديين”؛ أن انسحاب يسوع يتوافق مع الظروف التاريخية للجليل ومع جغرافيته؛ وأن بعض الروابط الدقيقة بين الحلقات تشير إلى أن السرد يقوم على الحقيقة التاريخية. لكن هل هناك المزيد الذي يمكن قوله؟

 

الدليل على شهادة شاهد عيان

سنحاول في هذا القسم أن نبين أنه بالإضافة إلى المعلومات ذات الطابع التاريخي، هناك أيضًا آثار للأدلة التي من المحتمل أن تعود إلى شاهد عيان.

تفاصيل حية. هناك العديد من الأمثلة على التفاصيل الحية في إنجيل مرقس. من أين أتوا؟ هل نشأوا من خيال المؤلف المفعم بالحيوية أم من تذكره لأشياء تركت انطباعًا في ذاكرته؟ إذا كانت الأمثلة عبارة عن مقاطع وصفية طويلة، فسنميل إلى أن ننسبها إلى خياله. ومع ذلك، نظرًا لأنها محصورة في التفاصيل الصغيرة، فمن المرجح أنها نشأت من تذكره للأحداث المذهلة والمفعمة بالحيوية. دعونا نتأمل بعض الأمثلة.

وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ. وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. (مر 1: 32-33).

تأمل الحشد المواجه للباب عند غروب الشمس أثار إعجاب شاهد عيان. وإلا كيف يمكننا شرح هذه الكلمات؟

وَقَالَ لَهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ: «لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ». فَصَرَفُوا الْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ. وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضًا سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. (مر 4: 35-38)

يعكس هذا المقطع مشاعر الرعب والخوف من أن يسوع كان نائماً عندما امتلأ القارب بالماء.

وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ لِلْوَقْتِ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْقُبُورِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلاَ بِسَلاَسِلَ، لأَنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيرًا بِقُيُودٍ وَسَلاَسِلَ فَقَطَّعَ السَّلاَسِلَ وَكَسَّرَ الْقُيُودَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ. وَكَانَ دَائِمًا لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْجِبَالِ وَفِي الْقُبُورِ، يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ. (مر 5: 2-5)

إليكم صورة قاتمة لسلاسل تتدلى من اليدين والساقين والجسد المصاب بالكدمات بالإضافة إلى تقارير عن ضوضاء ليلية غريبة طبعت نفسها على ذكرى شخص كان حاضراً.

فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ وَرَأَى ضَجِيجًا. يَبْكُونَ وَيُوَلْوِلُونَ كَثِيرًا. فَدَخَلَ وَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تَضِجُّونَ وَتَبْكُونَ؟ لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ». فَضَحِكُوا عَلَيْهِ. أَمَّا هُوَ فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ أَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا وَالَّذِينَ مَعَهُ وَدَخَلَ حَيْثُ كَانَتِ الصَّبِيَّةُ مُضْطَجِعَةً، وَأَمْسَكَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا: «طَلِيثَا، قُومِي!». الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا صَبِيَّةُ، لَكِ أَقُولُ: قُومِي! (مر 5: 38-41)

تبرز الكلمات الآرامية مقابل ذكرى أصوات النحيب والضحك المهين كالكلمات ذاتها التي استخدمها يسوع للفتاة الميتة.

فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْجَمِيعَ يَتَّكِئُونَ رِفَاقًا رِفَاقًا عَلَى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ. فَاتَّكَأُوا صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ. (مر 6: 39-40)

هذه صورة فوتوغرافية تقريبًا لأشخاص يجلسون في مجموعات، وتعطي ثيابهم الملونة مظهر أسرة الزهور الموضوعة على العشب الأخضر.

كلمات مرقس هذه تقفز من الصفحة. في رأيي لا يمكن أن تأتي إلا من ذكرى شخص صدمته دراما المشهد أو لونه أو صوته أو غرابته. وراء هذه الكلمات ذكريات شخص كان حاضرا.

عواطف يسوع. من أبرز التفاصيل الحية في إنجيل مَرقُس ردود أفعال يسوع العاطفية والشخصية في مواقف معينة. كيف نفسر هذه في الإنجيل؟ هل هي نتيجة خيال المؤلف أم من ذكرياته؟ المؤلف لا يطورها بشكل منهجي، وليس هناك ما يدل على أنها قد اختلقت بأي شكل من الأشكال. بدلا من ذلك، يذكرها الكاتب بشكل عابر. وفيما يلي بعض الأمثلة أدناه.

  • فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلًا لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي» فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَطَهَرَ. فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ (مر 1: 40-43)
  • ثُمَّ دَخَلَ أَيْضًا إِلَى الْمَجْمَعِ، وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ. فَصَارُوا يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِيهِ فِي السَّبْتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. …فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: «مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا، فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. (مر 3: 1-2، 5)
  • وَاجْتَمَعَ الرُّسُلُ إِلَى يَسُوعَ وَأَخْبَرُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، كُلِّ مَا فَعَلُوا وَكُلِّ مَا عَلَّمُوا. فَقَالَ لَهُمْ: «تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلًا». لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ. فَمَضَوْا فِي السَّفِينَةِ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدِينَ. فَرَآهُمُ الْجُمُوعُ مُنْطَلِقِينَ، وَعَرَفَهُ كَثِيرُونَ. فَتَرَاكَضُوا إِلَى هُنَاكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُدُنِ مُشَاةً، وَسَبَقُوهُمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا، فَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا. (مر 6: 30-34)
  • وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ [= أجبر] تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوا إِلَى الْعَبْرِ، إِلَى بَيْتِ صَيْدَا، حَتَّى يَكُونَ قَدْ صَرَفَ الْجَمْعَ. (مر 6: 45)
  • وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَوْلاَدًا لِكَيْ يَلْمِسَهُمْ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُمْ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ: دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. …فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ. (مر 10: 13-14، 16)
  • وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ، رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» …فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ، وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ». (مر 10: 17، 21)
  • ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ! اُمْكُثُوا هُنَا وَاسْهَرُوا». (مر 14: 33-34)
  • “وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟” (مر 15: 34).

وإلا كيف نفسر هذه الإشارات إلى السلوك البشري والعاطفي الشديد ليسوع -شفقته، وغضبه، وتعبه، واهتمامه بالآخرين، وغيظه، ومحبته، وخوفه، وإحساسه بالتخلي -أكثر من ردود أفعال سجلت بقوة مع شخص كان حاضراً في ذلك الوقت؟ يبدو من غير المحتمل أن تكون مثل هذه الإشارات قد نشأت من خيال المؤلف.

يذكر هذا المؤلف في خمس مناسبات أن يسوع “نظر حوله” (كما في دائرة): في المجمع عندما كانوا يشاهدون ما إذا كان سيشفى يوم السبت (3: 5)؛ في بيت كفرناحوم مع والدته وإخوته في الخارج (3: 34)؛ عند الحشد، ليرى من لمسه (5: 32)؛ للتلاميذ عندما قال مدى صعوبة دخول الأثرياء إلى ملكوت الله (10: 23)؛ وعند وصوله إلى الهيكل (11: 11). هذه “النظرة” التي حدثت في المناسبات الدرامية لم يسجلها متى ولم يسجلها لوقا سوى مرة واحدة. تكمن وراء رواية مَرقُس ذكرى شخص رأى -وتأثر بعمق -بالطريقة التي “نظر بها” يسوع في هذه الأوقات الدرامية العالية.

مقاطع “هم”. في عام 1928، لاحظ سي إتش تيرنر C. H. Turner، في تعليقه على مرقس، أن الإنجيلي الثاني كثيرًا ما استخدمهم في روايته، متحدثًا عن التلاميذ، في حين أن متى ولوقا كثيرًا ما حذفاهم، مشيرين فقط إلى يسوع والشخص الآخر في القصة. مع الأخذ في الاعتبار تصريح بابياس بأن مَرقُس كتب ما سمعه من بطرس، اقترح تيرنر أن بطرس غالبًا ما قال “نحن”، متحدثًا عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين الحاضرين مع يسوع. بما أن مَرقُس لم يكن حاضرًا مع بطرس والآخرين، فلا يمكنه أن يكتب “نحن”؛ يجب أن يكتب “هم”. عندما تولى متى ولوقا مسؤولية مادة مرقس، تم حذف الكلمة، تاركين المفرد “هو” أي يسوع. وهكذا، في إعادة بناء تيرنر، كانت العملية

 

 

تعليم بطرس لعناصر القصة

كتابة مرقس لعناصر القصة

تكميل وتكييف متى ولوقا لمادة مرقس

نحن + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة

هم + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة

يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة

 

هناك العديد من قصص مرقس التي يمكننا فيها بسهولة تخيل “هم” على أنها في الأصل، من فم بطرس تعني “نحن”، على سبيل المثال:

وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ [حماتي] مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ [أخبرناه] عَنْهَا. فَتَقَدَّمَ وَأَقَامَهَا مَاسِكًا بِيَدِهَا، فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حَالًا وَصَارَتْ تَخْدِمُهُمْ. (مر 1: 29-31)

لاحظ أن متى 8: 14-15 أزال جميع صيغ الجمع بينما قام لوقا 4: 38-39 بتغيير اثنين من صيغ الجمع الثلاثة. من الأمثلة الأخرى في إنجيل مَرقُس:

وأتوا [أتينا] إلى بيت صيدا. فقدموا إليه رجل أعمى. (8: 22 NIV)

“وَخَرَجُوا [خرجنا] مِنْ هُنَاكَ وَاجْتَازُوا الْجَلِيلَ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ،” (مر 9: 30).

“وَجَاءُوا [جئنا] إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.” (مر 11: 15).

في حين أنه من غير الممكن إثبات تصريح بابياس بأن مرقس كان “مترجم بطرس” (وهو تصريح يوافق عليه كل كاتب من القرن الثاني يغامر برأيه حول مؤلف الإنجيل الثاني)، الأدلة الداخلية متوافقة تمامًا مع هذا البيان. في حين أن وجهة نظر C.H. Turner يجب ألا تكون أكثر من احتمال مثير للاهتمام، يبدو لي أن التفاصيل الحية والإشارات إلى مشاعر يسوع تتطلب أن تكمن وراء النص المكتوب شهادة شاهد عيان.

 

يسوع في أورشليم

يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً، ستة منها على الأقل مخصصة لما حدث ليسوع في أورشليم. من حيث الكلمات الفعلية، يخصص مَرقُس ثلث إنجيله تقريبًا لأحداث تلك الأيام القليلة في أورشليم. قد يكون من المهم أن تكون هذه الفصول دقيقة للغاية ومفصلة في مسائل الزمان والمكان والناس. يقدم الجدول القادم أمثلة على تفاصيل وقت ومكان مرقس.

تفاصيل الأشخاص. بصرف النظر عن هؤلاء التلاميذ الذين تم تسميتهم والحاكم الروماني بيلاطس البنطي، يذكر مرقس الأسماء التالية: باراباس، قاتل شارك في “التمرد” (15: 6-15)؛ سمعان القيرواني “والد ألكسندر وروفس” (15: 21)؛ مريم المجدلية، وكذلك “مريم أم يعقوب الأصغر ويوسى” و “سالومة” (15: 40؛ 16: 1)؛ ويوسف الرامي (15: 43-46).

تفاصيل الزمان

تفاصيل المكان

فدخل اورشليم ودخل الهيكل. . .. وكان الوقت قد أمسى. (مر 11: 11)

في الغد. . . (11: 12)

في الصباح أذ كانوا مجتازين. . . (11: 20)

وجاءوا أيضاً الى اورشليم. (11: 27)

كان الآن قبل عيد الفصح بيومين. (14: 1)

وفي اليوم الأول من الفطير. . . (14: 12)

وعندما كان المساء. . . (14: 17)

وبمجرد أن كان الصباح. . . (15: 1)

وكانت الساعة الثالثة. (15: 25)

ولما جاءت الساعة السادسة. . . (15: 33)

ولما حل المساء. . . (15: 42)

ولما كان السبت قد مضى. . . (16: 1)

وقربوا من اورشليم الى بيت فاجي وبيت عنيا على جبل الزيتون. (مر 11: 1؛ 11: 15، 27؛ 14: 16)

خرج إلى بيت عنيا. (11: 11؛ 14: 3)

ولما خرج من الهيكل. . . (13: 1)

وبينما هو جالس على جبل الزيتون مقابل الهيكل. . . (13: 3؛ 14: 26).

وذهبوا الى مكان يقال له جثسيماني. (14: 32)

وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة. (14: 54)

واقتادوه الجنود بعيدًا داخل القصر (أي دار الولاية). (15: 16)

وأتوا به إلى الموضع الذي يقال له الجلجلة. . .. وصلبوه. (15: 22، 24)

وهو [يوسف الرامي] . . . وضعه في قبر [قبره] المنحوت في الصخر. (15: 46)

نظرًا لوجود الكثير من التفاصيل في تلك الإصحاحات الستة الأخيرة، فقد اقترح أنها كانت موجودة في الأصل منفصلة باعتبارها الجزء الأول من الإنجيل الذي يتخذ شكلًا مكتوبًا. يشير هذا الجزء من إنجيل مرقس خمس مرات إلى رئيس الكهنة (14: 53، 54، 60، 61، 63) دون ذكر اسمه. وتم افتراض أن قيافا كان لا يزال رئيس الكهنة عندما كُتبت القصة، ولم تكن هناك حاجة لذكر اسمه. بما أن قيافا كان رئيس كهنة حتى عام 37 بعد الميلاد، فمن المحتمل أن يكون إنجيل أورشليم هذا قد ظهر قبل ذلك التاريخ.

أما بالنسبة للمؤلف، فإننا نخمن أنه إذا كان بطرس في تلك المرحلة مرتبطًا بمنزل يوحنا مرقس (انظر أعمال الرسل 12: 12-17)، من المحتمل جدًا أن يكون هذا الجزء من الإنجيل قد نشأ عن جهد تعاوني لبطرس ومرقس في منتصف الثلاثينيات.

عند الفحص، وجد أن إنجيل مرقس يتوافق مع تصريح بابياس بأن مرقس استخدم بطرس كمصدر له. بالنظر إلى هذا الإنجيل ككل، يتوافق هذا الإنجيل مع مخطط وعظ بطرس كما في الخطاب الذي ألقاه على كرنيليوس. بالنظر إلى الأجزاء المكونة له، وجد أنه غني بالمعلومات التاريخية والتفاصيل الحية، مما يدعم الافتراض بأن شاهد عيان كتب أو كان مصدر إنجيل مرقس.

 

هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟

تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[9] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟

عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟

بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.

ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة بل هي فولكلور.[10] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:

الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد – التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[11]

 

“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.

ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.

 

نظرية الأناجيل مجهولة الاسم

في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.

أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[12] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[13]

ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[14] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.

ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[15] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم – وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[16]

رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[17] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.

هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[18] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[19] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.

 

لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان

المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.

بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[20]

عناوين الأناجيل

المخطوطات اليونانية الأقدم

التاريخ[21]

الإنجيل بحسب متى

بردية 4

القرن الثاني

الإنجيل بحسب متى

بردية 62

القرن الثاني

بحسب متى

السينائية

القرن الرابع

بحسب متى

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب متى (مجزأة)

واشنجتون       

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب متى

السكندرية     

القرن الخامس

الإنجيل بحسب متى

الإفرايمية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب متى (النهاية)

بيزا

القرن الخامس

بحسب مرقس

السينائية

القرن الرابع

بحسب مرقس

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب مرقس

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب مرقس (مجزأة)

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب مرقس (النهاية)

الإفرايمية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب مرقس

بيزا

القرن الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

بردية 75

القرن الثاني-الثالث

بحسب لوقا

السينائية

القرن الرابع

بحسب لوقا

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب لوقا

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

بيزا

القرن الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا

بردية 66

أواخر القرن الثاني

الإنجيل بحسب يوحنا

بردية 75

القرن الثاني-الثالث

بحسب يوحنا

السينائية

القرن الرابع

بحسب يوحنا

الفاتيكانية

القرن الرابع

بحسب يوحنا (النهاية)

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا (النهاية)

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا

بيزا

القرن الخامس

لاحظ ثلاثة أشياء بخصوص هذا الدليل.

أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة – بدون استثناء، في كل لغة – تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[22]

ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[23] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:

نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[24]

انظر إلى الرسم البياني الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[25] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[26] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.

ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).

باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:

دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[27]

 

سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول

المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[28] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.

فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.

هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟

علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:

بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[29]

الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.

أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.

إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[30] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.

العنوان

المخطوطة اليونانية

التاريخ[31]

إلى العبرانيين

بردية 64

القرن الثاني

إلى العبرانيين

السينائية

القرن الرابع

إلى العبرانيين

الفاتيكانية

القرن الرابع

إلى العبرانيين، مكتوبة من روما

السكندرية

القرن الخامس

إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا

مخطوطة بورفيريان

القرن التاسع

إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس

مخطوطة الخط الصغير 1739

القرن العاشر

إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم

مخطوطة الخط الصغير 81

القرن الحادي عشر

 

إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس

مخطوطة الخط الصغير 104

القرن الحادي عشر

لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه ؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية ؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس ؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[32] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).

هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:

إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[33]

باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.

 

لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟

المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[34] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟

مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟

كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” – المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة – مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا – هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[35] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[36] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.

باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.

 

 

 

 

 

[1] William Barclay, The Gospels and Acts, vol. 1 (London: SCM Press, 1976), p. 116.

[2]  يقصد بارنيت السيرة الحديثة ولكن السير اليونانية الرومانية القديمة لم تكن فيها هذه العناصر مهمة.

[3]  التاريخ Histories 5. 9. لم يتم ذكر أنتيباس بالفعل بالاسم.

[4] Harold Hoehner, Herod Antipas (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), pp. 131-36.

[5]  المرجع نفسه، ص 331-42.

[6]  المرجع نفسه، ص 317-30.

[7]  للمناقشة حول اكتشاف بيت بطرس في كفرناحوم انظر

Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, (London: SCM Press, 1981), pp. 59-60, 128-30.

[8]  يرى بعض الدارسين ان مريم أمه أتت معهم لتهدئتهم لكيلا تحدث مشاجرات بين يسوع وإخوته

[9] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).

[10] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.

وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر

Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.

[11] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.

لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.

[12] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[13] Ehrman, The New Testament, 79.

[14] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[15] المرجع نفسه.

[16] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.

[17] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[18] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين -“الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر

Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير القديمة، “مؤلفو السير… عادة ما يتم تسميتهم”.

Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.

علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.

Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.

تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.

(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).

هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة ، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.

(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).                                     

لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.

(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian)  (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).

في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر

Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.

في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.

Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.

[19] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).

أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.

[20] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.

[21] لمناقشة تواريخ المخطوطات، انظر

Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).

[22] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.

[23] Bird, The Gospel of the Lord, 259:

“هناك اتساق مطلق في المؤلفين المنسوبين إلى الأناجيل الأربعة. يُطلق على متى دائمًا اسم “متى”، ويُطلق على لوقا دائمًا اسم “لوقا”، وهكذا دواليك “.

[24] Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet, 248–49n1.

[25] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:

“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا

David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.

[26] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:

“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.

[27] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.

[28] Bird, The Gospel of the Lord, 258–59.

[29] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.

[30] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.

 [31] لتواريخ المخطوطات، انظر

Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94

[32] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.

[33] Hengel, The Four Gospels, 54.

[34] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[35] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.

 [36] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.

إنجيل يوحنا: دليلك لشهادة التلميذ الحبيب

 

إنجيل يوحنا: دليلك لشهادة للتلميذ الحبيب

إنجيل يوحنا دليلك لشهادة التلميذ الحبيب

 

 

 

 

الفهرس

أولاً: مقدمة عن إنجيل يوحنا 2

ثانياً: الدليل على تأليف يوحنا بن زبدي وردود على الاعتراضات_ 7

من هو التلميذ الذي أحبه يسوع؟ 8

أي نوع من الكتب؟ 9

تاريخية وجغرافية الإنجيل الرابع 10

اتساق معلومات يوحنا مع السياق التاريخي_ 12

الأشخاص في إنجيل يوحنا 14

مشكلتان_ 16

يوحنا زبدي_ 19

خياران: صواب أو خطأ 21

ثالثاً: هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟ 23

نظرية الأناجيل مجهولة الاسم 24

لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان_ 26

سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول 29

لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟ 32

 

 

 

 

 

أولاً: مقدمة عن إنجيل يوحنا

الإنجيل الرابع، مثل الأناجيل الثلاثة الإزائية، لا يحمل اسم كاتبه. العنوان “حسب يوحنا” هو تسمية ملحقة به عندما جمعت الأناجيل الأربعة معًا وبدأوا في الانتشار كمجموعة واحدة، وذلك لتمييزه عن رفقائه الثلاثة.[1] من الجدير بالذكر أنه في حين أن الأناجيل الأربعة الكنسية يمكن أن تُنشر بشكل مجهول، فإن الأناجيل الملفقة التي بدأت تظهر منذ منتصف القرن الثاني فصاعدًا ادعت (زورًا) أنها كتبها رسل أو أشخاص آخرون مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالرب.

وبمجرد أن يُعزى هذا الإنجيل إلى “يوحنا” إلى الوراء، يُفترض بانتظام أن يوحنا المعني كان يوحنا بن زبدي، أحد الاثني عشر. يوجد بالفعل دليل إيجابي على “تلميذ الرب” الآخر الذي يُدعى يوحنا،[2] الذي كان يعيش (على الأرجح) في مقاطعة آسيا الرومانية التي هاجر إليها يوحنا بن زبدي، وفقًا للتقاليد، من فلسطين في الجزء الأخير من القرن الأول؛ لكن لا أحد في العصور القديمة، بقدر ما نستطيع أن نقول، نسب الإنجيل الرابع إلى يوحنا الآخر هذا بدلاً من يوحنا ابن زبدي. يُشار إلى يوحنا الآخر هذا من قبل بابياس، أسقف هيرابوليس (حوالي 130 م)، باسم “يوحنا الشيخ” (أو “الأكبر”) -“الشيخ” هو تسمية مُنحت بشكل خاص في ذلك الوقت للقادة المسيحيين من الجيل الذي تلا الرسل.

تم تقديم سلسلة متحدة المركز من الحجج لتحديد هوية المبشر الرابع مع يوحنا ابن زبدي في شكل كلاسيكي من قبل ويستكوت B.F Westcott. ووفقا له، تشير الأدلة الداخلية للإنجيل إلى أن الإنجيل كتبه (أ) يهودي فلسطيني، (ب) شاهد عيان، (ج) التلميذ الذي أحبه يسوع، (د) يوحنا بن زبدي.[3]

من الواضح أن المبشر كان يهوديًا. المناظرات بين يسوع والزعماء الدينيين في أورشليم حول النقاط الدقيقة للتفسير القانوني اليهودي، والتي أعيد إنتاجها في الفصول المركزية من الإنجيل، لم يكن من الممكن فهمها أو تسجيلها في تلك الأيام بواسطة مؤلف لم يكن هو نفسه واحدًا من ‘اليهود’. صحيح أن الإنجيلي يتحدث كثيرًا عن “اليهود” بطريقة توحي بأنه ينأى بنفسه عنهم، ولكن عندما يفعل ذلك، فإنه يقصد بانتظام “اليهود الآخرين” (على عكسه هو ورفاقه) أو غير ذلك، من حين لآخر، اليهود الجنوبيين (متميزين ومختلفين عن الجليليين). كما يؤكد العرض أدناه مرارًا وتكرارًا، من المهم دائمًا التأكد من هوية “اليهود” تحديدًا في كل مكان يظهر فيه التعبير.

يبدو واضحًا أيضًا أن المبشر كان (في الأصل على الأقل) يهوديًا فلسطينيًا. إذا كان الإنجيل قد نُشر، كما يبدو محتملاً، في مقاطعة آسيا بعد حوالي ستين عامًا من الأحداث التي يرويها، لا ينبغي أن نتفاجأ من أنه لا يعكس فقط الموقف الذي وقعت فيه تلك الأحداث ولكن أيضًا الموقف الذي تم فيه تسجيلها ونشرها بشكل نهائي. بمناظر خدمة يسوع التي يصفها، لا سيما تلك الموجودة في أورشليم وما حولها -حتى لو كان من المبالغة القول إنه يعرف أورشليم “مثلما يعرف سائق تاكسي محطة يوستون في مدينة لندن”.[4]

لقد ذهب عدد قليل من العلماء إلى أبعد من ذلك في الحفاظ على السمة الفلسطينية للإنجيلي وإنجيله، بحجة أنه في حين أن الإنجيل (مثل جميع كتب العهد الجديد الأخرى) قد جاء إلينا باللغة اليونانية، إلا أنه تمت كتابته في الأصل باللغة الآرامية لغة العامة من اليهود الفلسطينيين.[5] هذا غير محتمل تمامًا. بطبيعة الحال، إذا كان يسوع وتلاميذه يتحدثون باللغة الآرامية بشكل معتاد، فقد نتوقع أن نجد الآرامية في الشكل اليوناني لأقوالهم (تمامًا كما تعكس اللغة الإنجليزية التي يتحدث بها سكان المرتفعات الإسكتلندية أو شعب ويلز مصطلحات خطابهم الكلتي Celtic الأصلي)؛ وهذا في الواقع نجده في الأناجيل الأربعة. ولكن ما لم يكن هناك دليل موضوعي صريح (مثل جزء من النص الآرامي للإنجيل الذي لا يحمل أي علامة على أنه ترجمة من اليونانية)، فلا يوجد سبب للشك في أن إنجيل يوحنا في حد ذاته كان تكوينًا يونانيًا منذ البداية.

إن حجة الأصل الفلسطيني لهذا الإنجيل لم تكن متاحة لعلماء الأجيال السابقة وقد تم تقديمها من خلال اكتشاف ودراسة الوثائق الصادرة عن المجتمع الديني الذي كان مقره في قمران، شمال غرب البحر الميت قبل حوالي قرنين من الزمان قبل عام 70 م.[6] لا داعي للمبالغة في أهميتها (من المفيد أن نتذكر أن كل اكتشاف جديد تقريبًا في التاريخ الديني للشرق الأدنى في الفترة ذات الصلة قد تم الترحيب به في يومه باعتباره مفتاح حل مشكلة الإنجيل الرابع).[7] ومع ذلك، توجد بعض الصلات بين الشكلين الأدبيين. تعابير يوحنا المميزة مثل “نور الحياة”، “أبناء النور”، “فعل الحقيقة”، “أعمال الله” لها موازيات في كتابات قمران. يرى كل من يوحنا ورجال قمران الكون من منظور الضوء والظلام المتباينين بشدة، والخير والشر، والحقيقة والباطل. ولكن حتى لو بدا أن يوحنا “يستمد من مخزون مشترك من المصطلحات والأفكار التي كانت معروفة جيدًا لدى الإسينيين”،[8] لا ينبغي التغاضي عن العنصر الجديد في استخدامه لهذه المصطلحات. عندما يتحدث عن “نور الحياة”، فهو لا يفكر في أفكار مجردة، ولا يهتم بشكل أساسي بمجموعة تعاليم أو جماعة مقدسة؛ بالنسبة له، فإن النور الحقيقي هو نفسه يسوع المسيح، الكلمة المتجسد. و. ف. أولبرايت W. F. Albright,، أحد العلماء الأوائل الذين لفتوا الانتباه إلى صلات قمران في الإنجيل الرابع، شدد بحكمة على “الهوة الواسعة بين تعاليم الأسينيين وأساسيات تعليم يوحنا”: وقد ذكر أربعة من هذه الأساسيات، تتعلق بوظيفة المسيح، وخلاص الخطاة، وخدمة الشفاء وإنجيل الحب.[9]

هل كان الإنجيلي شاهد عيان؟ يوجد في مكان واحد ادعاء أكيد وصريح بسلطة شهود العيان. هذا هو المكان الذي يرتبط فيه طعن جنب يسوع بعد موته على الصليب (يوحنا 19: 35): “الَّذِي عَايَنَ شَهِدَ” (أي هذه شهادة شاهد عيان). لا يُقال من هو شاهد العيان -هل هو الإنجيلي نفسه أم شخص يعتمد الإنجيلي على شهادته. مرة أخرى، في خاتمة الإنجيل قيل إن “التلميذ الذي أحبه يسوع” هو الشخص الذي “التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا” (21: 24). يمكن فهم البيان بأنه “كَتَبَ هذَا” على أنه يعني أنه تسبب في كتابتها، وأن شهادته كانت أساس هذا السجل؛ لكن القول بأنه “يَشْهَدُ” لهم يتضمن شهادة مباشرة. “هذه الأشياء” ربما لا تشمل فقط الحادثة المذكورة في الإصحاح 21 ولكن الأحداث الأخرى المسجلة في الجسم الرئيسي للإنجيل. على وجه الخصوص، يقال أن التلميذ الحبيب كان حاضرًا في العشاء الأخير (13: 23)، عند الصليب (19: 26 ومايليه) وفي القبر الفارغ (20: 2-10)؛ يمكن بسهولة الاستدلال على أن التلميذ الحبيب هو السلطة القائمة وراء تلك المراحل من روايات الآلام والقيامة، إن لم يكن أكثر من ذلك.

تم مناقشة تحديد هوية التلميذ الحبيب مع يوحنا ابن زبدي على أسس سلبية وإيجابية. على الجانب السلبي هو عدم وجود اسم يوحنا من هذا الإنجيل (أو اسم أخيه يعقوب في هذا الصدد)، بصرف النظر عن البيان في بداية خاتمة الإنجيل بأن “ابني زبدي” كانا من بين التلاميذ السبعة الذين التقوا بالرب القائم من بين الأموات على بحيرة الجليل (يوحنا 21: 2). إن عدم وجود أي ذكر ليوحنا أو يعقوب هو أكثر ما يلفت الانتباه عندما ينظر المرء إلى الدور الذي لعبه أعضاء آخرون من الاثني عشر بالاسم في هذا الإنجيل -ليس فقط أعضاء بارزين مثل سمعان بطرس وأندراوس ولكن أعضاء أقل شهرة مثل فيليبس وتوما ويهوذا “ليس الإسخريوطي”.

على الجانب الإيجابي هو وجود التلميذ الحبيب في العشاء الأخير. إذا كان من المناسب أن نستنتج من مرقس 14: 17 (والمتوازيات الإزائية) أن الاثني عشر فقط كانوا حاضرين مع يسوع في العشاء الأخير، فإن التلميذ الحبيب كان أحد الاثني عشر -بالتأكيد ليس بطرس (الذي تميز عنه في يوحنا 13: 24) وربما لم يذكر أي من التلاميذ الآخرين بالاسم في يوحنا 13-17. إن تسميته المتكررة بـ “التلميذ الذي أحبه يسوع” يعني تجنبًا متعمدًا لاسمه الشخصي. هكذا أيضًا في الخاتمة، حيث من الواضح أنه واحد من التلاميذ السبعة الذين ظهروا في حادثة الظهور على ضفاف البحيرة، يتميز صراحةً عن بطرس (يوحنا 21: 7، 20) وبإشراك أيضًا كل من توما ونثنائيل؛ يجب أن نفكر فيه حينئذٍ كأحد أبناء زبدي (الذين لم تُذكر أسماؤهم) أو كأحد التلاميذ الآخرين المذكورين في يوحنا 21: 2 ولكن لم يذكر اسمه. بقدر ما يتعلق الأمر بأبناء زبدي، لا يمكن تحديده مع يعقوب: تم قتل يعقوب على يد هيرودس أغريباس الأول، وفقًا لأعمال الرسل 12: 1، خلال فترة حكمه القصيرة كملك على اليهودية (41 -44 م)؛ لم يكن الأمر بالنسبة ليعقوب أن الشائعة انتشرت في وقت لاحق “أن ذلك التلميذ لن يموت” (يوحنا 21: 23).

على مائدة العشاء (يوحنا 13: 24)، عند القبر الفارغ (يوحنا 20: 2-10) وعلى ضفاف البحيرة (يوحنا 21: 7، 20) يرتبط التلميذ الحبيب ببطرس بشكل خاص؛ في الأيام الأولى للكنيسة ظهر يوحنا مرارًا وتكرارًا كرفيق لبطرس (أعمال الرسل 3: 1-4: 23؛ 8: 15-25؛ راجع أيضًا غلاطية 2: 9، حيث يرتبط بطرس ويوحنا مع يعقوب شقيق الرب باعتبارهما “أعمدة” مجتمع أورشليم). في الإصحاحات الأولى من سفر أعمال الرسل، كان بطرس هو الشريك المهيمن إلى حد كبير لدرجة أن يوحنا هو نسبيًا شخصية عادية بجانبه. في الواقع، لدينا القليل جدًا من المعلومات في العهد الجديد عن يوحنا ابن زبدي كفرد مسمى. وصفه يسوع هو وشقيقه يعقوب بأنهما بوا نرجس، وفسرا على أنهما يعنيان “ابني الرعد” (مرقس 3: 17). قد نخمن أنه تم وصفهم على هذا النحو بسبب طبيعتهم المتهورة. لقد كان يعقوب ويوحنا من اقترحا إطلاق النار من السماء لأكل السامريين غير المُرحبين (لوقا 9: 54)؛ كان يوحنا هو الذي أخبر كيف حاول هو ورفاقه إيقاف رجل كان يخرج الشياطين باسم يسوع لأنه لا ينتمي إلى شركتهم (لوقا 9: 49). عانى يعقوب ويوحنا من استياء زملائهما التلاميذ في إحدى المناسبات من خلال الظهور كأنهما يسرقان تقدم عليهم في محاولة لتأمين مكانة تفضيلية لأنفسهم في ملكوت المسيح الآتي (مرقس 10: 35-45). كانا مع بطرس ينتميان إلى مجموعة داخلية من ثلاثة تلاميذ سُمح لهم بعلاقة وثيقة بشكل استثنائي مع سيدهم (مرقس 5: 37؛ 9: 23 14: 33).

إن معرفتنا الضئيلة عن يوحنا بن زبدي تجعل من الصعب السير مع عالم يحظى باحترام كبير ويرى أنه بـ “يقين أدبي” أن الإنجيل الرابع لم يكتبه يوحنا[10] -ما لم يكن في الواقع يقينًا أدبياً أنه لم يُكتب من قبل أي شاهد عيان. الباحث المشار إليه (سي. ك. باريت) يقترح أن الإنجيلي (ليس هو نفسه شاهد عيان) كان تلميذاً للرسول يوحنا، أحد أولئك الذين جمعهم حول نفسه بعد هجرته من فلسطين إلى أفسس.[11] إنه ليس متهورًا لدرجة أنه يحاول تحديد هذا التلميذ مع “يوحنا الشيخ” الذي ذكره بابياس، على الرغم من أن هذا التحديد قد اقترحه بعض دارسي الإنجيل الرابع. نحن لا نعرف ما يكفي عن يوحنا الشيخ لنربطه بشكل وثيق إما بالرسول الذي يحمل نفس الاسم أو بالإنجيل الرابع.[12]

إن شهادة شاهد العيان التي تم تمييزها في الإنجيل هي بالأساس شهادة التلميذ الحبيب، وبالتالي شهادة الرسول يوحنا (إذا كان من الممكن إثبات هويته مع التلميذ الحبيب). ولكن إذا كان أحد تلاميذه هو الذي كتب الإنجيل نيابة عنه، فقد يكون أيضًا شاهد عيان على بعض الأحداث المسجلة. لقد قيل أنه كان أورشليمياً. هل كان، على سبيل المثال، التلميذ “المعروف لدى رئيس الكهنة” (يوحنا 18: 15 وما يليه)؟ هل كان، علاوة على ذلك، هو الشاهد لطعن جنب يسوع (يوحنا 19: 35)؟ طرح هذه الأسئلة أكثر أمانًا من تقديم الإجابات.

يقترح البروفيسور باريت أن الإنجيلي كان مؤلف الإصحاحات العشرين الأولى من الإنجيل وأن الخاتمة (الإصحاح 21) قد أضيفت عندما تم تحرير العمل للنشر -على الأرجح من قبل المجموعة التي قالت ” وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ ” يوحنا 21: 24. هذه المجموعة -مدرسة أو مجتمع يوحنا -لعبت بالتأكيد دورًا فيما يتعلق بالإنجيل.

إذا كان “تقليد يوحنا”، كما يُدعى، محفوظًا في المقام الأول في ذكرى رجل واحد، التلميذ الذي أحبه يسوع، فربما قال بالفعل، كما قال ب. هـ. مينود، ” ‘la tradition, c’est moi’ ” (“أنا التقليد”).[13] ومع ذلك، سيكون من الخطأ تصويره على أنه يعتز بذكرياته في العزلة لعدة عقود. يُعلق جيه إيه تي روبنسون، الذي كان لفترة طويلة مدافعًا قويًا عن التأليف الرسولي للإنجيل، أكثر بكثير من أهمية هامشية على شركاء يوحنا. تقليد يوحنا، في رأيه، “لم يخرج فجأة هكذا حوالي عام 100 م”؛ بالأحرى، هناك “استمرارية حقيقية، ليس فقط في ذكرى رجل عجوز واحد، ولكن في حياة مجتمع مستمر، مع الأيام الأولى للمسيحية”.[14]

إن التقليد الذي تم الحفاظ عليه ونقله بهذه الطريقة يشكل “المصدر” الوحيد المعروف للإنجيل الرابع. سيكون من الحماقة إنكار أن الإنجيلي عرف الأناجيل الأخرى؛ على الأقل ربما كان على دراية ببعضهم. لكنه لم يعتمد عليهم كمصادر.[15] لا يزال هناك سبب أقل لافتراض مصادر مكتوبة أخرى ربما يكون قد استند إليها. ميز رودولف بولتمان مصدر المعجزات (العلامات) ومصدر الأقوال.[16] لكن المعجزات والخطابات مترابطة للغاية بحيث لا يمكن تصنيفها إلى مصادر منفصلة.

إن التقليد التاريخي الذي احتفظ به التلميذ الحبيب ونقله بين رفاقه مستقل عن تلك التقاليد الممثلة في الأناجيل الإزائية، ولكنه ليس أقل أصالة.[17] إن تتبع تاريخ “مجتمع التلميذ الحبيب” ليس جزءًا من هدفنا الحالي؛[18] يكفي القول أنه لا يبدو أن له صلات وثيقة بكنيسة أفسس العظيمة. في الجزء الأول من القرن الثاني، كانت هذه الكنيسة لا تزال تُصنف على أنها تأسيس بولسي؛ في وقت لاحق فقط ادعت أن يوحنا هو رسولها بامتياز.

لم يتم الحفاظ على التقليد التاريخي ببساطة من قبل يوحنا وتلاميذه. شكلت أقوال يسوع وأحداث خدمته التي كرستها الأساس لمزيد من التأمل والتعليم والوعظ؛ لقد ازدهرت كتقليد حي ومتنامي، لكنها ظلت وفية لأساسها التاريخي.

في ترتيب وتسجيل هذا التقليد، يُظهر الإنجيلي مهارة رائعة بطرق مختلفة، وليس أقلها في تصوير الشخصية. المرأة السامرية (الإصحاح 4) ورجل أورشليم الذي كان أعمى في السابق (الإصحاح 9) هما شخصيتان لا يمكن نسيانهما؛ ونحن مدينون بالكامل تقريبًا لهذا الإنجيلي بالصورة التقليدية الحية لشخصية مريم المجدلية. ناقش العلماء شكل الحوار في هذا الإنجيل وميزوه عن الشكل الموجود في الأناجيل الأخرى،[19] لكن ربما تكون الشهادة الأكثر بروزًا على الواقعية الدرامية التي تحملها دوروثي سايرز عندما قالت، فيما يتعلق بتسلسل مسرحياتها الإذاعية، الرجل المولود ليكون الملك، أنه عندما يكون يوحنا هو السلطة في أي مشهد، “مهمة الكاتب المسرحي سهلة. إما أن يكون الحوار موجودًا -حيًا وشخصيًا على كلا الجانبين -أو يمكن إعادة بناء جزء المحاور بسهولة من الردود المقدمة “.[20]

 

 

 

 

 

ثانياً: الدليل على تأليف يوحنا بن زبدي وردود على الاعتراضات

يدعي كاتب الإنجيل الرابع أنه شاهد ليسوع. يصف في روايته للصلب كيف كسر الجنود أرجل الضحايا الآخرين قبل أن يكتشفوا أن يسوع قد مات بالفعل، وعندها “طعن جندي جنبه بحربة”. ثم يضيف الكاتب: “وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ” (يو 19: 35).

يوضح السياق أن التلميذ الوحيد القريب من مكان الصلب كان “التلميذ الذي أحبه [يسوع]” (يو 19: 26). ورأى ما حدث وشهد على ذلك. علاوة على ذلك، يؤكد لقرائه أن شهادته صحيحة ويمكن تصديقها.

الحلقة الأخيرة من هذا الإنجيل هي حوار بين يسوع وبطرس، حيث يسأل بطرس عما سيحدث لـ “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” الذي كان يتبعهما (21: 20-21). يتابع المؤلف: “هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ” (21: 24).

هذا ما كتبه “التلميذ الذي أحبه يسوع”، والذي كان حاضرًا مع يسوع وبطرس على بحر طبرية عندما أظهر يسوع نفسه حياً لتلاميذه للمرة الثالثة منذ صلبه (يو 21: 14). يريد كاتب هذا الكتاب أن نفهم أنه “التلميذ الذي أحبه يسوع”.

من هم إذن الذين يشار إليهم بـ “نحن”، الذين يعلمون أن شهادة التلميذ الحبيب صحيحة؟ يُقال أحيانًا أن هؤلاء الأشخاص مسؤولون في الواقع عن كتابة الإنجيل الرابع. لكن النص ينص بوضوح على أن “هذا هو التلميذ. . . الذي كتب هذه الأشياء “، في إشارة إلى التلميذ الذي أحبه يسوع. أولئك الذين يوصفون بـ “نحن” يصادقون على ما هو مكتوب، لكنهم ليسوا المؤلفين. إذن من هم؟

تم العثور على دليل هويتهم في بداية كتاب يوحنا -“وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ” (1: 14). عندما قال فيما بعد، “هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ”(يو 2: 11)، فمن الواضح، بما أن كلمة “مجد” موجودة في كلا المقطعين، فإن” تلاميذه “في الإصحاح الثاني هم” نحن “في الإصحاح الأول. كلمة “نحن” تمثل التلاميذ. الذي رافقوا يسوع وشهدوا آياته (راجع يو 20: 30).

ومع ذلك، يشير هذا الكتاب إلى أن المجموعة استمرت وأن العديد من الأشياء التي قالها وفعلها لم تُفهم إلا بعد أن تركهم يسوع. بعد حادثة تطهير الهيكل يعلق المؤلف:

“فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هذَا، فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكَلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ.” (يو 2: 22).

وبالمثل يلاحظ بعد دخول أورشليم:

“وَهذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تَلاَمِيذُهُ أَوَّلًا، وَلكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ، حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هذِهِ لَهُ.” (يو 12: 16).

من خلال الكتابة في هذا السياق، يقصد المؤلف أن نفهم أن خبرة التلاميذ مع الروح القدس بعد تمجيد يسوع (يو 7: 39) هي التي مكنتهم من “التذكر” (راجع يو 14: 26) ولـ “فهم” (راجع يو 16: 13-15) ما قاله يسوع وعمله عندما كان معهم. علاوة على ذلك، في غياب يسوع، يجب أن تظل هذه المجموعة وفية لكلمته فيما سيكون بالنسبة لهم حالة نزاع وعداء (يو 16: 1-4؛ 17: 11-17).

باختصار، “نحن” في يوحنا 21: 24، الذين يعرفون أن شهادة التلميذ الحبيب صحيحة، هم هؤلاء التلاميذ الذين كانوا مع يسوع. لقد شهدوا آياته ورأوا مجده، ومنذ تمجيد يسوع، دخلوا في فهم أعمق ليسوع من خلال عمل الروح القدس في سياق المقاومة والألم. التلميذ الحبيب يتكلم كواحد منهم. يؤكدون حقيقة ما يقوله. بشكل ملحوظ، هناك نفس التفاعل بين الفرد والجماعة في الرسالة الأولى ليوحنا. من جهة تقول “نحن نكتب هذا” (1 يو 1: 4) ومن جهة أخرى “أنا أكتب هذا” (1 يو 2: 1). استنتاجنا هو أن كلا من إنجيل يوحنا ورسالته الأولى قد كتبهما فرد كان عضوًا في مجموعة متماسكة يمثلها والتي تحدث من أجلها.

 

من هو التلميذ الذي أحبه يسوع؟

إن مؤلف الكتاب، “التلميذ الذي أحبه يسوع”، لا يكشف بشكل مباشر عن هويته. من الواضح أنه كان معروفًا جدًا في دائرته لدرجة أنه لم يكن بحاجة إلى ذكر اسمه. ومع ذلك، هناك ثلاثة أدلة في النص تساعدنا في التعرف عليه.

أولاً، كان صديقًا حميمًا ليسوع. كان “أحد تلاميذه” الذي كان “متكئاً بالقرب من صدر يسوع” وكان بطرس قريبًا، وربما على الجانب الآخر بجانب يسوع (يو 13: 23-24). وقف هذا التلميذ أيضًا مع مريم، والدة يسوع، بالقرب من الصليب. كانت هذه هي ثقة يسوع في الرجل حتى أنه أصبح من الآن فصاعدًا يعامل مريم أم يسوع كأمه (يو 19: 26-27).

ثانيًا، كان زميلًا مقربًا لبطرس. رافق هذا التلميذ بطرس في صباح عيد الفصح للتحقق من قصة مريم المجدلية التي تفيد بأن الحجر قد أزيل عن مدخل القبر (يو 20: 2). تشير المناقشة في بحر طبرية إلى أنه كان صديقًا مقربًا ليسوع وسمعان بطرس (يو 21: 20-21).

ثالثًا، كان “التلميذ الذي أحبه يسوع” واحدًا من مجموعة من سبعة تلاميذ على شاطئ بحيرة طبريا، وهم سمعان بطرس، وتوما المسمى التوأم، ونثنائيل من قانا الجليل، وأبناء زبدي واثنين آخرين من تلاميذه (يو 21: 2).

نظرًا لأن “التلميذ الذي أحبه يسوع” كان صديقًا حميمًا ليسوع وزميلًا مقربًا لبطرس، فإن المرشح الأكثر ترجيحًا هو أحد “أبناء زبدي”. لأن يعقوب بن زبدي استشهد حوالي 43 م (أعمال 12: 2)، كان الاستنتاج المنطقي هو تحديد هذا التلميذ المجهول مع يوحنا زبدي. ويتعزز الاحتمال بالغياب التام لأي إشارة إلى اسم “يوحنا” في هذا الإنجيل، باستثناء يوحنا المعمدان. وبالمثل، فإن كلمة زبدي ترد في هذا الكتاب فقط في المقطع المقتبس.

تذكر القائمة الأولى لأسفار العهد الجديد، القانون الموراتوري، المؤرخة حوالي 180-200، “إن الإنجيل الرابع هو كتاب يوحنا، أحد التلاميذ”.[21] إيريناوس، كاتب القرن الثاني وتلميذ بوليكاربوس، الذي تعلم من يوحنا زبدي، كتب: “أخيرًا، أعلن يوحنا تلميذ الرب، الذي اتكأ على صدره، مرة أخرى الإنجيل أثناء إقامته. في أفسس في آسيا.”[22]

رأي المؤلفين المسيحيين في القرن الثاني هو أن “التلميذ الذي أحبه يسوع” كان يوحنا زبدي وكتب الإنجيل الرابع.

 

أي نوع من الكتب؟

ما نوع الوثيقة التي كتبها يوحنا ولماذا كتبها؟ بما أن هذا هو الكتاب المقدس الذي يقول العديد من المبشرين المعاصرين أنه يجب قراءته أولاً، فإننا نفترض أنه إنجيلي في طبيعته. لكن هل هو كذلك؟ ماذا يقول المؤلف نفسه؟

وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ. (يو 20: 30-31).

الكلمات المترجمة هنا كـ “إذا آمنتم” ليس لها معنى “لكي تؤمنوا” في الأصل ولكن “استمروا في الإيمان”.[23] وبالتالي، فإن ما كتبه يوحنا ليس في الأساس مسارًا إنجيليًا مصممًا للناس ليؤمنوا بيسوع. (لم يشير أبدًا إلى ما كتبه على أنه “إنجيل”). إنه “كتاب” مكتوب لمساعدة القراء المسيحيين على الاستمرار في الاعتقاد بأن يسوع هو المسيح، ابن الله.

لا يحتاج المؤلف إلى سرد قصة الإنجيل الأساسية مرة أخرى؛ قرائه، على ما يبدو، يعرفون ذلك بالفعل. كانت حاجتهم إلى فهم أوضح وأقوى لمن يكون يسوع. من أجل مساعدتهم، بعد أن نظر الكاتب في العديد من علامات معجزات يسوع، اختار سبعة لإظهار الهوية الحقيقية ليسوع. هذه العلامات المعجزة هي

  • تحويل الماء إلى خمر في قانا الجليل (2: 1 -11)
  • شفاء ابن نبيل كفرناحوم (4: 46 -54)
  • شفاء الأعرج عند بركة أورشليم (5: 1 -9)
  • إطعام الجموع في البرية (6: 1 -15)
  • شفاء الأعمى في أورشليم (9: 1 -8)
  • إقامة لعازر من الموت في بيت عنيا (11: 1 -44)
  • قيامة يسوع نفسه في أورشليم (20: 1 -29)

لماذا اختار يوحنا هذه المعجزات دون غيرها؟

قد يكون أحد الأسباب أنها أحداث معجزة بشكل لا لبس فيه. بينما نتأمل في هذه الحوادث السبعة، ببساطة لا يوجد تفسير آخر ممكن. في كل حالة حدثت معجزة عظيمة. تم تحويل ما يقل عن 180 جالونًا من الماء إلى نبيذ؛ شُفي الصبي من بعيد. كان الرجل معوقًا منذ ثمانية وثلاثين عامًا. تمت إطعام خمسة آلاف رجل. ولد الرجل اعمى. كان لعازر قد دفن لمدة أربعة أيام ويسوع لمدة ثلاثة أيام. مثل هذه الحوادث لا يمكن أن تنسب إلى الخيال أو القوة النفسية!

سبب آخر هو أنه يبدو أن العديد من المعجزات قد تم اختيارها لمساعدة القراء على اتخاذ قرار بالتخلي عن ولائهم لليهودية وإلزام الجميع ليسوع. إن الماء الذي جعله يسوع خمرًا قد استُخدم في “طقوس التطهير اليهودية” (يو 2: 6). أتاحت معجزة الخبز والسمك فرصة ليسوع ليصف نفسه بأنه “الخبز الحقيقي” (يو 6: 32-33)، مقارنة بـ “المن في البرية” (يو 6: 31). تُظهر هذه “العلامات” أن يسوع يتمم العهد القديم وينهيه، لذا فإن المزيد من الانخراط في اليهودية كنظام ديني أصبح الآن بلا فائدة.

لذلك يستخدم المؤلف هذه المعجزات وما قاله يسوع عنها لإقناع القراء بصواب ما يقوله. السؤال بالنسبة لنا هو، هل يستخدم المعلومات التاريخية في مناقشة هذه القضية؟ الجواب هو أن البيانات الواردة في هذا الكتاب ذات طابع تاريخي وجغرافي، وأن هذا الكاتب، من بين الإنجيليين الأربعة، يقدم لنا معلومات تاريخية وطبوغرافية على وجه التحديد أكثر من معلومات الأناجيل الثلاثة الأخرى مجتمعة. دعونا نتأمل في ثلاثة أنواع من البيانات التاريخية في الإنجيل الرابع.

 

تاريخية وجغرافية الإنجيل الرابع

يشير المؤلف عدة مرات إلى المباني والأماكن في فلسطين. وبما أن هذه القضايا خضعت للتحقيق بشكل تدريجي، فقد ظهر احترام سليم لمعرفة المؤلف ودقته في هذه الأمور. دعونا نلقي نظرة على أربعة أمثلة.

بئر يعقوب. يوجد بئر عميق جدًا -يبلغ عمقه حوالي 130 قدمًا -على بعد بضع مئات من الأمتار من الموقع التقليدي لمقبرة يوسف التي يمكن من خلالها رؤية جبل جرزيم، الجبل المقدس للسامريين. ما يزيد قليلاً عن نصف ميل إلى الشمال من البئر توجد قرية تسمى عسكر، والتي كانت تعرف على ما يبدو باسم سوخار في القرن الرابع.[24] أيضًا، يشير التلمود مرتين إلى نبع يسمى عين سكر، والذي قد يكون مطابقًا للنبع في البئر بالقرب من عسكر. من الواضح أن “سكر” التلمود يشبه “سوخار” في يوحنا. يبدو أن كاتب يوحنا 4 كان على دراية بهذا الأمر جيدًا:

وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ. فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ، بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ابْنِهِ. قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ [السامرية] … الْبِئْرُ عَمِيقَةٌ …. آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ (يو 4: 4-5، 11، 20)

النزول الى كفرناحوم. إن الإشارة الثلاثية إلى “ينزل/نزول” هي تفاصيل يسهل إغفالها، وهي مدفونة كما هي في سرد يوحنا 4. تم التعرف على قانا في إنجيل يوحنا على أنها خربة قانا، التي تبعد حوالي تسعة أميال عن الناصرة. من المهم أنه بين قانا، حيث تحدث يسوع إلى المسؤول، وكفرناحوم، حيث كان ابن المسؤول، تنخفض الأرض من فوق مستوى سطح البحر إلى حوالي 650 قدمًا تحت مستوى سطح البحر، أي على مسافة مئات الأمتار. أظهر الكاتب، في هذه الرواية، فهماً دقيقاً لتضاريس الجليل الغربي.

فَجَاءَ يَسُوعُ أَيْضًا إِلَى قَانَا الْجَلِيلِ، حَيْثُ صَنَعَ الْمَاءَ خَمْرًا. وَكَانَ خَادِمٌ لِلْمَلِكِ ابْنُهُ مَرِيضٌ فِي كَفْرِنَاحُومَ. انْطَلَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ وَيَشْفِيَ ابْنَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ… يَا سَيِّدُ، انْزِلْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ابْنِي … وَفِيمَا هُوَ نَازِلٌ اسْتَقْبَلَهُ عَبِيدُهُ. (يو 4: 46-47، 49، 51)

بركة بيت حسدا. اكتشف علماء الآثار بركة مزدوجة محاطة بأربعة أروقة، وخامسهم على ممر صخري بين البركتين. كانت البركة يبلغ عمقها حوالي خمسين قدمًا، مما يجعل من الضروري للشخص المصاب بالشلل ليس فقط أن تتم مساعدته للوصول إلى الماء ولكن أيضًا مساعدته فيه. هذا هو على الأرجح الموقع الذي وصفه يوحنا.

“وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ.” (يو 5: 2).

الهيكل في الشتاء. فيما يلي جزء من المعلومات العرضية التي لا يعتمد عليها أي شيء في السرد. عيد التكريس للمكابيين (هانوكا Hanukkah) يحدث في فصل الشتاء، تمامًا كما يحدث عيد الميلاد في أستراليا في منتصف الصيف. يبحث يسوع عن مأوى من الطقس في مكان معين، رواق سليمان، وهو جزء من هيكل هيرودس. إذا كتب شخص ما عن شخص يبحث عن مأوى من الشمس في يوم عيد الميلاد في مطعم Bennelong بيننلونج في دار أوبرا سيدني، فسيكون من المعقول أن يستنتج أنه كان على دراية مباشرة بالمناخ الأسترالي ومعالم سيدني في فترة ما بعد العام 1973 عندما اكتملت دار الأوبرا. نستنتج أن مؤلف هذا الإنجيل كان لديه فهم مباشر لمناخ اليهودية وعمارة الهيكل في الفترة التي سبقت 70 م عندما تم تدميره.

وَكَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَكَانَ شِتَاءٌ. وَكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى فِي الْهَيْكَلِ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ (يو 10: 22-23)

أخيرًا، قد نلاحظ أن الإنجيلي الرابع يذكر ما يصل إلى اثني عشر مكانًا لم يرد ذكرها في الأناجيل الأخرى. في هذا الصدد، لاحظ خبيران في علم الآثار في فلسطين:

إنها . . . الأطروحة “اللاهوتية” أو “الرمزية” الأكثر كثافة في العهد الجديد، ألا وهي إنجيل يوحنا، والتي تتخللها إشارات جانبية إلى جغرافية فلسطين.

بعض هذه الأماكن -“هذا الجبل” (يو 4: 20)، وبركة سلوام (9: 7) ووادي قدرون (18: 1) -يمكن تحديد مواقعهم بدقة. حتى لو لم يكن لدى الجميع تحديد معين، فهناك، مع ذلك، جو من الأصالة في طريقة وصف المؤلف. كتب عن “بيت عنيا عبر الأردن” (1: 28)؛ “قانا في الجليل” (2: 1؛ 4: 46) -مما يميزها عن “قانا في صيدا”. “عين نون بالقرب من ساليم” ووجود “الكثير من الماء” (3: 23)؛ افرايم مدينة “قرب البرية” (11: 54). “مكان يقال له البلاط وفي العبرية جبّاثا” (19: 13). تعزز العبارات المؤهلة المصاحبة لأسماء الأماكن هذه الانطباع بأنها مواقع جغرافية دقيقة.[25]

هذا الكاتب هو الذي يسجل سؤال نثنائيل: “أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟” (يو 1: 46)، وهو أمر لا معنى له إلى حد ما بالنسبة إلى معظم القراء. وبالمثل، قرب نهاية الإنجيل، يبدو أن قراءة نَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ (يو 21: 2) لا أهمية لها. لكن ما اكتشفه علماء الآثار هو أن القرية التي حددوها باسم قانا قريبة جدًا من الناصرة. يبدو أن سؤال نثنائيل الساخر هو مثل محلي عن قرية مجاورة، يتضح الآن أنها كانت صغيرة جدًا وبعيدًا عن الزحام. الدليل الأثري هو أن المؤلف كان لديه معرفة محلية دقيقة، والتي يكشف عنها بطرق غير واضحة تمامًا.

يعلم الإنجيلي أنها رحلة تستغرق يومين من بيت عنيا خارج الأردن (يو 1: 28، 35، 43؛ 2: 1) إلى قانا، ويوم واحد من قانا إلى كفرناحوم (4: 52) ويومان من بيت عنيا خارج الأردن إلى بيت عنيا بالقرب من أورشليم (10: 40 -11: 18).[26]

من الصعب الهروب من الاستنتاج بأن المبشر الرابع كان على دراية تامة بتضاريس ومباني جنوب فلسطين. تعليق علماء الآثار البارزين إريك مايرز وجيمس سترينج:

يمكن مضاعفة هذه الأمثلة عدة مرات وإكمالها بأمثلة من التقاليد والعادات وأجزاء أخرى من المعلومات المعروفة لمؤلف هذا الإنجيل. ومع ذلك، فإن النقطة التي نرغب في توضيحها هي ببساطة أن القراءة غير المتحيزة لإنجيل يوحنا يبدو أنها تشير إلى أنه قائم في الواقع على تقليد تاريخي وجغرافي، وأنه لم يكن مجرد تقليد يكرر المعلومات من الإزائيين.[27]

 

 

اتساق معلومات يوحنا مع السياق التاريخي

أشار المؤرخ اليهودي يوسيفوس إلى الحرب بين اليهود والرومان في عام 66-70 م في فلسطين على أنها

ليست أعظم حروب عصرنا فقط، ولكن بقدر ما وصلت إلينا الروايات، فهي قريبة من كل ما اندلع بين المدن أو الأمم. (The Jewish War 1.1)

فصلت هذه الحرب التاريخ قبلها عن التاريخ بعدها في الطريقة التي يقطع بها طريق سريع ضخم رقعة عبر الريف ويفصل جانبًا عن الآخر تمامًا. وقتل عشرات الآلاف من اليهود. تم تدمير مئات القرى وتعرية أجزاء كثيرة من المناظر الطبيعية حيث تم قطع الأشجار بسبب أعمال الحصار الرومانية. قبل كل شيء، تم تدمير الهيكل ومعه أجزاء كثيرة من أورشليم. كل الأنظمة المرتبطة -قوائم الكهنة، وتوفير الأضاحي -لم تعد موجودة. ذهب رؤساء الكهنة والبنية التحتية الإدارية التي وفرها السنهدريم. خضعت يهودا لحكم عسكري روماني أكثر مباشرة. اختفى الحزب الصدوقي وكذلك الفصائل المتمردة المختلفة مثل المتعصبين والسيكاري. لقد تلاشى حزب الفريسيين الأكثر تطرفاً، الشمايين، من الوجود، ولم يتبق سوى الهيليليين اللطفاء.

كانت الحياة مختلفة جذريًا بالنسبة لليهود بعد تلك الحرب في يهودا كما كانت بالنسبة للروس بعد ثورة 1917، عندما حل لينين والشيوعيون محل نظام القياصرة. النقطة المهمة هي أن الإنجيلي الرابع ليس فقط لا يلمح إلى وقوع مثل هذه الحرب الكارثية، ولكن قصته تُروى من منظور كيف كانت الحياة قبل تلك الحرب، وليس بعدها. يعلق بعض اليهود بعفوية تامة في السرد قائلين “فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ” (يو 2: 20). في مكان آخر يعلق الكاتب، “وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ”(يو 5: 2). من الطبيعي أن نستنتج من صيغة الفعل المضارع أن كلا المبنيين كانا لا يزالان قائمين وقت كتابة هذا التقرير.

أُذهل سي إتش دود برواية المحاكمة في إنجيل يوحنا والعلاقة المنعكسة هناك بين الحاكم الروماني وكبار القادة الكهنة:

إنه يتخللها إحساس حيوي بالوضع كما كان في نصف القرن الأول قبل انقراض الحكم الذاتي المحلي اليهودي. وهي تدرك العلاقات الدقيقة بين السلطات المحلية والسلطات الإمبراطورية. . .. كانت هذه الظروف موجودة في اليهودية قبل عام 70 م، وليس لاحقًا وليس في أي مكان آخر.[28]

بينما يعتبر دود أن الكاتب الأخير للإنجيل قد أزيل في الزمان والمكان من مصادره الممتازة قبل السبعين، يعتبر جون إيه تي روبنسون أنه من المرجح أن يكون المصدر البدائي والكاتب الأخير هما نفس الشخص.[29] من المنطقي بالتأكيد الاعتقاد بأن الإنجيل قد كُتب في الفترة التي يُراد وصفها، أي قبل 66 م. بعد عام 70 م، كانت الحياة في فلسطين مختلفة جدًا لدرجة أنه لم يكن من الممكن لشخص غير مطلع على الفترة السابقة أن يصف بدقة من خياله يسوع في عيد التكريس (الشتاء) وهو يمشي في رواق سليمان في الهيكل في أورشليم.

 

الأشخاص في إنجيل يوحنا

يُظهر الإنجيلي الرابع أيضًا أن عرضه التقديمي متجذر في التاريخ من خلال الإشارات التي يقدمها للناس. من المثير للاهتمام أن المعلومات التي نقلها هذا الكاتب لم تكن مستمدة من الأناجيل الأخرى. ومع ذلك، لا يوجد سبب للشك في صحة هذه المعلومات. دعونا ننظر في ستة أشخاص.

يوحنا المعمدان. يحدد الإنجيلي الرابع وحده الأماكن التي عمّد فيها يوحنا المعمدان: “بيت عنيا عبر الأردن” (يو 1: 28) و “عين نون قرب ساليم” (يو 3: 23). يخبرنا هذا الكاتب فقط أن يوحنا المعمدان كان له “تلاميذ” (يو 1: 35؛ 3: 25) وأن اثنين منهم شكلا فيما بعد نواة تلاميذ يسوع (يو 1: 35-42). يخبرنا هذا الإنجيلي وحده أن يسوع ويوحنا، مع مجموعات أتباعهما، عملوا بالتوازي لبعض الوقت قبل أن يُسجن يوحنا (يو 3: 22-24)، وأن تلاميذ يسوع عمدوا الناس في مجموعتهم -المزيد، في الواقع، أكثر مما فعل يوحنا المعمدان في مجموعته (يو 3: 22؛ 4: 1-2). إذا امتلكنا الأناجيل الإزائية فقط، سنفترض أن خدمة يسوع العلنية بدأت عندما انتهى يوحنا (مر 1: 14 وما يوازيه). يُظهر لنا الإنجيل الرابع أنه، لفترة على الأقل، تداخلت الخدمتان. إن عبارة “يُوحَنَّا لَمْ يَفْعَلْ آيَةً وَاحِدَةً” (يو 10: 41)، الموجودة فقط في هذا الإنجيل، تتفق مع أدلة أخرى عن يوحنا المعمدان. كمصدر تاريخي ليوحنا المعمدان، نستنتج أن هذا الإنجيل يحتوي على معلومات أكثر تفصيلاً من الأناجيل الإزائية.

نثنائيل. نثنائيل مذكور فقط من قبل الإنجيلي يوحنا، على الرغم من أنه من الممكن أن يكون، في الواقع، نثنائيل برثولماوس (ابن برثولماوس).[30] كان من قانا الجليل (يو 21: 2) وكان معروفًا لدى فيليبس من بيت صيدا، التي كانت أيضًا مسقط رأس أندراوس وبطرس (يو 1: 44-45). على الرغم من شكوكه في أي شيء جيد، ولا سيما المسيح القادم من الناصرة المجاورة، فقد اعترف بعد ذلك بأن يسوع هو “ملك إسرائيل” (يو 1: 46-49). كان نثنائيل واحدًا من سبعة أشخاص ظهر لهم يسوع القائم في الجليل (يو 21: 1-2). كل ما يخبرنا به يوحنا عن هذا الرجل -بلدته الأصلية، وارتباطه بجليليين آخرين، ومثله الساخر عن الناصرة -يوحي بمعلومات تاريخية صحيحة.

يوسف. في الأناجيل الإزائية، تم ذكر يوسف فقط في وقت الحبل بيسوع وولادته، أي حوالي 7 قبل الميلاد. من السهل أن نستنتج من هذه المصادر أن يوسف مات في وقت ما بعد ولادة أبنائه الآخرين (مر 6: 3) وبدء خدمة يسوع العلنية حوالي 29 م. مع ذلك، يوضح إنجيل يوحنا أن يوسف كان حياً في الوقت الذي أطعم فيه يسوع الجموع في البرية (6: 42).[31] لو كان يوحنا يعتمد على الإزائيين للحصول على معلوماته، فمن غير المرجح أن يُذكر يوسف على الإطلاق.

في كلتا إشارتَي يوحنا، يُتحدث عن يسوع على أنه “ابن يوسف” (يو 1: 45؛ 6: 42)، وهي الطريقة التي كان يشير بها معاصرو يسوع الجليليين إليه. لكن في وقت لاحق، قيل إن يسوع “وُلِد من امرأة”، وهو تصريح استخدمه كل من المؤمنين والمعارضين، وإن كان لأسباب مختلفة. قصد بولس، المؤمن، الإيحاء بأن الحمل بيسوع كان بفعل الله، دون تدخل جنسي، بينما في التلمود، كان يسوع نذلًا وُلِد خارج إطار الزواج من اتحاد بين جندي روماني بانديرا (“بانثير”) ومريم (b. Shabbat 104b). قد تكون إشارة يوحنا إلى يسوع على أنه “ابن يوسف” تقليدًا مبكرًا جدًا في الجليل. مرة أخرى، الأدلة من يوحنا، في هذه الحالة المتعلقة بيسوع “ابن يوسف”، الذي كان حياً أثناء خدمة يسوع العلنية، تحمل كل علامات الأصالة والتاريخ.

نيقوديموس. يظهر نيقوديموس، الذي أشار إليه هذا الإنجيلي فقط، ثلاث مرات في السرد. في المرة الأولى، في أورشليم (يو 3: 1-15)، اعترف بأن يسوع صانع معجزات ومعلم. يتضح في سياق السرد أن نيقوديموس هو عضو في طائفة الفريسيين (3: 1) وهو بالفعل رابي رائد (3: 10) وأكثر من ذلك، أنه كان “رئيساً لليهود” (3: 1) أو عضو مجلس الشيوخ اليهودي السنهدريم.

في المرة الثانية، تحدث أيضًا في أورشليم (يو 7: 50) على أنه “واحد منهم”، أي أنه ينتمي إلى “السلطات” و “الفريسيين” (7: 48)، مما يؤكد ما ورد في المقطع الأول.

في المرة الثالثة، مرة أخرى في أورشليم (يو 19: 38-39)، ظهر نيقوديموس مع يوسف الرامي ليكفن جسد يسوع. الكمية، مائة رطل من خليط المر والعود التي جلبها نيقوديموس لرشها على الجسم، سخية ولكنها ليست غريبة. المعنى الضمني هو أن هذا الرابي الفريسي وعضو السنهدريم كان ثرياً أيضًا.

معلومات يوحنا عن نيقوديموس مفصلة ومتسقة وذات صلة واقعية دون أي أثر للرومانسية. لا يوجد سبب للشك في صحة نيقوديموس.

قيافا. تم ذكر قيافا مرتين في متى، مرة في لوقا، مرة في أعمال الرسل، خمس مرات في يوحنا ولم يذكره مرقس على الإطلاق. نتعلم من متى أن قيافا كان الكاهن الأكبر للهيكل ورئيس السنهدريم (متى 26: 3، 57) في وقت الصلب، وهو ما يتوافق مع التسلسل الزمني ليوسيفوس (الآثار Antiquities 18. 35، 95؛ راجع 18. 64). لكن لوقا يشير إلى “الكهنوت الأعظم” لـ حنان وقيافا (لوقا 3: 2؛ راجع أعمال الرسل 4: 6). هذا مثير للفضول، لأن كهنوت حنان الأعظم انتهى في 15 م (الآثار 18. 27). من بين مصادر المعلومات المختلفة عن قيافا، يخبرنا يوحنا وحده أنه كان صهر حنان (يو 18: 13)، مما قد يفسر سبب ربط لوقا بين الاسمين كما يفعل يوحنا (يو 18: 13، 24). يوحنا مرتين يقول أن “قيافا. . . كان رئيس كهنة في تلك السنة “(يو 11: 49؛ 18: 13)، مما يشير، ربما، إلى أن حنان احتفظ بالسلطة الحقيقية حتى بعد خلعه، وربما كان يفوضها من وقت لآخر إلى صهره. مهما كانت الترتيبات الدقيقة، فمن يوحنا مرة أخرى تظهر المعلومات المميزة.

يظهر اسم قيافا على صندوق عظام (نعشه العظمي) اكتشف في القدس عام 1990.

بيلاطس. بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني على اليهودية (26-36 م)، تمت الإشارة إليه على نطاق واسع في العهد الجديد، كما ورد أيضًا في كتابات يوسيفوس وفيلو. المصادر الأخيرة، ولا سيما فيلو، تصور بيلاطس على أنه عديم الرحمة وعديم الضمير. لذلك، أعرب بعض العلماء عن شكوكهم في الضعف النسبي لشخصية بيلاطس التي صورتها الروايات الإزائية (انظر بشكل خاص لوقا 23: 18-25).

إنه المبشر الرابع الذي يقدم معلومات تساعد في تفسير سبب تصرف بيلاطس بطريقة غير عادية في محاكمته ليسوع. إنه موجود في كلام اليهود لبيلاطس: “إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ” (يو 19: 12). يدين بيلاطس بتعيينه حاكماً على اليهودية ليس لمولده الأرستقراطي بل لـ “صداقته” مع الإمبراطور طيباريوس. كانت هذه “الصداقة” قد نشأت على أساس اتفاقية الرعاية المعاصرة من خلال لطف الإمبراطور المتعمد أو تفضيله تجاه بيلاطس. كان الولاء المطلق متوقعًا في المقابل. إن إطلاق سراح ملك نصب نفسه في مقاطعة رومانية كان من شأنه أن يكون عملاً واضحًا من عدم الولاء للإمبراطور “الصديق”. وهكذا ينقل يوحنا وحده أنه لم يكن ضعف بيلاطس بل ابتزاز اليهود هو السبب في سلوك الحاكم غير المعهود.[32]

هل الإنجيل الرابع ذو طابع تاريخي؟ ثروة المعلومات المتعلقة بالأماكن، والسياق المحدد لفترة ما قبل 70 م وتفاصيل حول الأفراد المذكورين تتطلب اعترافنا بأن هذه القطعة الأدبية تاريخية حقًا.

 

مشكلتان

قلة من علماء العهد الجديد يأخذون بعين الاعتبار، في رأيي، الطابع التاريخي الواضح للإنجيل الرابع. بالنسبة للكثيرين، يتم تسوية السؤال التاريخي بالنفي، دون مزيد من البحث، بسبب مشكلتين مرتبطتين بهذا الإنجيل. يُنظر إلى هاتين المشكلتين على أنهما مزعجتان للغاية لدرجة أنه يتم توجيه القليل من الاهتمام للعنصر التاريخي الجوهري في الكتاب.

مصدر ثانوي؟ تم توضيح المشكلة الأولى جيدًا من قبل غونتر بورنكام:

إن الإنجيل بحسب يوحنا له طابع مختلف تمامًا مقارنة بالثلاثة الآخرين، وهو إلى حدٍّ كبير نتاج انعكاس لاهوتي متطور، بحيث لا يمكننا التعامل معه إلا كمصدر ثانوي.[33]

من المتفق عليه أن إنجيل هذا المؤلف هو “نتاج تفكير لاهوتي متطور”. الكتاب مميز برموز قوية، كما في عبارة “كان الليل” (يو 13: 30)، تعليق الكاتب على خروج يهوذا لخيانة يسوع. يمكن رؤية حبه للمجاز أيضًا في الاستخدام المتكرر لعنصر “المجد” المرتبط بموت وقيامة يسوع (على سبيل المثال، يو 12: 23؛ راجع 7: 39). هذا يختلف عن الروايات الإزائية، حيث يرتبط المجد بالمجيء الثاني وحيث يكون التجلي، في الواقع، معاينة لروعته القادمة. لتركيز انتباهنا على تمجيد يسوع في صلبه وقيامته، أغفل يوحنا بجرأة حدث التجلي.

ومع ذلك، لا يترتب على ذلك أن مثل هذه الرمزية تجعل من يوحنا مصدرًا “ثانويًا”. هناك ثلاثة أسباب لعدم اعتبار الإنجيل الرابع ثانويًا.

أولاً، المقارنة بالقصص القليلة المشتركة في الإزائيين ويشير يوحنا إلى أنه لم يُشتق من المصادر الأخرى، ولكنه مستقل عنها. تأمل، على سبيل المثال، في تطهير الهيكل في روايات مرقس ويوحنا:

 

مرقس 11: 15-17

يوحنا 2: 14-16

15 وَجَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.

16 وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ.

17 وَكَانَ يُعَلِّمُ قَائِلًا لَهُمْ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ».

14 وَوَجَدَ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ بَقَرًا وَغَنَمًا وَحَمَامًا، وَالصَّيَارِفَ جُلُوسًا.

15 فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ، اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ، وَكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ.

16 وَقَالَ لِبَاعَةِ الْحَمَامِ: «ارْفَعُوا هذِهِ مِنْ ههُنَا! لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ!».

القصة الأساسية مشتركة بين كلا الروايتين، لذلك ليس هناك شك في أن كلاهما يرويان نفس الحادثة. ومع ذلك، هناك العديد من الاختلافات التي تجعل من غير المحتمل أن يكون يوحنا قد نسخ من نص مرقس. على سبيل المثال، يستبعد يوحنا ” الَّذِينَ كَانُوا يَشْتَرُونَ”، وقلب يسوع ” كَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.” وحقيقة أنه “َلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ”. من ناحية أخرى، يُدرج يوحنا تفاصيل مثل “البقر والغنم” و “صَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال” و “كَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ”. أضف إلى هذه الإغفالات وتضمينات التعليقات المختلفة التي أدلى به يسوع في كل تقرير، ويبدو أنه من غير المرجح أن يكون أي من هذه الروايات مشتق من الآخر.

إن موقف هذه الحادثة في الإنجيل الرابع والأناجيل الإزائية هو لغز. ما لم يُطهر يسوع الهيكل في مناسبتين مختلفتين، وهذا ليس مستحيلاً، لدينا مشكلة أن الإزائيين وضعوها في النهاية ويوحنا وضعها في البداية. قد يكون هذا الإنجيل موضوعيًا (يرتب الأحداث حسب الموضوع) أكثر من كونه كرونولوجيًا (يرتب الأحداث زمنياً) في بعض النقاط،[34] وفي هذه الحالة يمكننا أن نقبل أن يوحنا هو الذي نقل مكان الحادث. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه، كما اقترحنا، مصدر مستقل، به معلومات أكثر وضوحًا من مرقس، وبالتالي فهو ليس بأي حال من الأحوال مصدر ثانوي.

ثانيًا، تُظهر الأدلة المتعلقة بالمباني والأماكن والسياق التاريخي وأشخاص محددين أن هذا الكاتب كان يستخدم بوعي المعلومات التاريخية. هناك الكثير من المعلومات المحددة في الإنجيل الرابع أكثر من الأناجيل الأخرى. هذا المستند هو مستند أساسي، وليس مستندًا مشتقًا أو ثانويًا.

ثالثًا، تُظهر المقارنة مع المقاطع الموازية في كاتب القرن الثاني، إغناطيوس، أسقف أنطاكية، أن يوحنا لم يكن المؤلف المتأخر جدًا الذي اعتقده الكثيرون. قارن، على سبيل المثال:

 

يوحنا

إغناطيوس

تهب الرياح حيث تشاء. . . لكنك لا تعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. (يو 3: 8)

لأنه [الروح] يعلم من اين يأتي والى أين يذهب. (فيلادلفيا 7. 1)

تشير مقاطع مثل هذه إلى أن إغناطيوس كان يعرف ويستخدم الإنجيل الرابع. منذ أن كتب أغناطيوس في وقت مبكر من القرن الثاني، يترتب على ذلك أن هذا الإنجيل قد كُتب خلال القرن الأول، وبالتالي فهو ليس متأخرًا بشكل واضح عن الأناجيل الأخرى.

هذه الأدلة الثلاثة -الاستقلال عن مَرقُس، والتفاصيل التاريخية العديدة الموجودة فقط في يوحنا وأصل إنجيل يوحنا قبل إغناطيوس -توضح أنه ليس مصدرًا ثانويًا. بل هو مصدر تاريخي مثل أي مصدر آخر في العهد الجديد.

الافتراض المسبق الكامن وراء بيان بورنكام هو أن اللاهوت “المتقدم” يعني لاهوتًا مكتوبًا متأخرًا عن اللاهوت الأقل تطورًا. لكن على المرء فقط قراءة الأدب المسيحي في أوائل القرن الثاني، مثل رسالة كليمندس الروماني أو رسالة بولكاربوس، ليكتشف أنه على الرغم من كتابته في وقت متأخر عن إنجيل مرقس أو رسالة بولس إلى أهل غلاطية، فإن اللاهوت المتأخر هو في هذه الحالات أقل تطورا لاهوتياً. في حين أنه من المتفق عليه أن لاهوت الإنجيل الرابع “متطور”، فإنه لا يعني أنه قد تضاءل تاريخياً بأي شكل من الأشكال. من الأفضل اعتبار هذا الإنجيل الأكثر تطورًا لاهوتيًا، وفي الوقت نفسه، الأكثر وضوحًا تاريخيًا من بين الأناجيل الأربعة.

خطب يسوع في يوحنا. تتعلق المشكلة الثانية بالأسلوب الموسع للكلام الذي استخدمه يسوع في إنجيل يوحنا مقارنة بالمقارنات الحادة والأمثال في الإزائيين. يُقال أنه إذا تحدث يسوع بأسلوب واحد في متى، فلا يمكن أن يكون المتحدث في يوحنا هو يسوع، وأن الإنجيلي قد ألف خطب يسوع. يجب التعرف على قوة هذه الحجة، لأن الأسلوب والمفردات المستخدمة في جميع أنحاء الإنجيل الرابع متجانسة ومن الصعب أحيانًا تحديد أين تنتهي كلمات يسوع وتبدأ كلمات الإنجيلي. هذه مشكلة حقيقية. ومع ذلك، يمكن إبداء تعليقين.

أولاً، يختلف وضع تعاليم يسوع في الإنجيل الرابع عن التقليد الإزائي. في الأناجيل الإزائية، يتم التأكيد على خدمة الجليل لأهالي الريف، بينما في يوحنا، يكون يسوع في الغالب في أورشليم إما يتناقش مع الرابيين المحترفين أو يتحدث على انفراد مع التلاميذ. من الواضح أن يسوع امتلك مهارات اتصال ممتازة، لذلك لا ينبغي أن نتفاجأ من أنه استخدم أساليب مختلفة من الكلام في مواقف مختلفة. خاطب حشودًا كبيرة في العراء لكنه تحدث أيضًا بشكل خاص إلى الأفراد في الداخل. وظف الأعراف السائدة في ذلك اليوم في الكرازة حول النص المحدد في الكنيس، وانخرط في سجال لفظي في مناظرات مع الكتبة.[35]

في الأناجيل، نلاحظ أن يسوع يتحدث بنبوة وأمثال وجدل ورعوي. إذا كان السياسي الحديث قادرًا على تغيير أسلوبه من غرفة الحزب إلى الكونجرس إلى المنصة العامة للتحدث الإذاعي، فما مقدار التباين في الأسلوب الذي يمكن أن نتوقعه من شخص ماهر في التواصل مثل يسوع؟

ثانيًا، في إنجيل يوحنا، يقول يسوع الأشياء بشكل مختلف. لكنه لا يعلم أشياء مختلفة. في الإزائيين، على سبيل المثال، علّم يسوع بوضوح أن الله يجب أن يكون مُعرّفاً بـ “الآب”. الفرق هو أنه لا يوجد سوى عشرين إشارة من هذا القبيل في جميع المصادر الإزائية مجتمعة، وأكثر من مائة في يوحنا. في إنجيل يوحنا، يعلّم يسوع عن عدد أقل من المواد ولكن بتدبر وتكرار أكبر؛ الاختلاف في الأسلوب وليس المحتوى.

 

يوحنا زبدي

ضمنيًا في الشكوك المحيطة بالإنجيل الرابع هو عدم احتمال أن يكون صيادًا من الجليل قد كتب هذا الكتاب العميق. يُشار إلى سفر أعمال الرسل، حيث يُقال إن بطرس ويوحنا “رجلان عاديان غير متعلمين” (4: 13). كيف يمكن لمثل هؤلاء أن يكتبوا أناجيلنا؟ لاحظ، مع ذلك، أن هذا هو تصور الحكام والشيوخ والكتبة ورؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 5-6) الذين كانوا، كأساتذة وقضاة، أعضاء في نخبة من المثقفين والدينيين. الكلمات المترجمة “غير متعلم” و “عام” (اليونانية: agrammatos وidiōtēs) لا تعني أن بطرس ويوحنا كانا أميين، ولكن بالمقارنة مع أولئك الذين قاموا بالملاحظة، فقد كانا غير مهنيين وعلمانيين.[36] إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم أن نلاحظ أن الكاتب اليوناني إبيكتيتوس في القرن الأول يتحدث بالفعل عن رجل “يكتب بطريقة أمية” (باليونانية graphein agrammats) (الخطابات Discourses، 2. 9. 10)![37] بعبارة أخرى، قد يشير وصف بطرس ويوحنا ببساطة إلى افتقارهما إلى معرفة القراءة والكتابة الرسمية من النوع الذي يمتلكه القادة اليهود في أورشليم.

حتى لو كان سفر أعمال الرسل يصف يوحنا بأنه غير قادر على القراءة والكتابة، فإنه لا يزال بإمكانه تأليف الإنجيل المنسوب إليه باستخدام عادة القرن الأول (والقرن الحادي والعشرين) الشائعة في الإملاء على السكرتير. على سبيل المثال، حتى الرسول بولس، الذي كان متعلمًا بالتأكيد، أملى الرسالة إلى رومية على الكاتب ترتيوس (رومية 16: 22). يمكن إعطاء العديد من الأمثلة الأخرى التي توضح استخدام كل من السكرتارية (كورنثوس الأولى 16: 21؛ غلاطية 6: 11-18) والمؤلفين المشاركين (كورنثوس الأولى 1: 1-2؛ كورنثوس الثانية 1: 1؛ فيلبي 1: 1؛ 1 تسالونيكي 1: 1؛ فليمون 1: 1). كما يشير ريتشارد باوكهام، فإن وصف التلميذ الحبيب بأنه “كتب” الإنجيل (يوحنا 21: 24) يمكن أن يشير إلى “إملاء نص على كاتب،”[38]

ولكن كان يوحنا زبدي من طبقة اجتماعية اقتصادية تستخدم خدمًا مأجورين (مر 1: 20)، لذا ربما كانت ظروفه مماثلة لعائلة الابن الضال، التي كان لها أيضًا خدم (لوقا 15: 17، 22، 26). لم يكن يوحنا نفسه موظفاً، بل كان عضوًا في شركة صيادين (لوقا 5: 10). كانت والدته، سالومي (مر 15: 40 = مت 27: 56)، واحدة من مجموعة من النساء اللواتي “خدمن [يسوع]” (مر 15: 41)، مما يعني أنهن “قدمن له دعماً مادياً”. من المحتمل أن تكون سالومي مذكورة في وصف لوقا للنساء “العديدات” اللواتي “دعمن” يسوع والإثنا عشر “من مواردهن” (لوقا 8: 3). قد يشير ذكر يوانا، زوجة خوزي، وكيل هيرودس، من بين هؤلاء النساء، إلى أن عائلة زبدي كانت على الأقل من الطبقة الوسطى. علاوة على ذلك، من المحتمل أن التلميذ الذي لم يذكر اسمه والذي كان “معروفًا لدى رئيس الكهنة” (يو 18: 15-16) هو في الحقيقة يوحنا زبدي. الإشارة إليه على أنه “تلميذ آخر” (يو 18: 15) و “التلميذ الآخر” (يو 18: 16) يشبه بالتأكيد “التلميذ الآخر الذي أحبه يسوع” (يو 20: 2). كان بطرس حاضرًا مع هذا “التلميذ الآخر” في كلا المقطعين، مما يزيد من احتمالية أنه هو يوحنا. التعرف على رئيس الكهنة يعني ضمناً أن هذا التلميذ ينتمي إلى الطبقات الوسطى أو العليا من المجتمع اليهودي.

بحلول زمن العهد الجديد، كانت فلسطين هيلينية إلى حد كبير، وربما كان غالبية أفراد الطبقة الوسطى قادرين على التحدث بكل من الآرامية واليونانية. نظرًا لأنه كان مشغولًا في كفرناحوم في “جليل الأمم” وينتمي إلى المجموعة الاجتماعية والاقتصادية الموصوفة، فمن المنطقي أن نتوقع أن يكون يوحنا زبدي ثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية. علق جون أي تي روبنسون على أن الإنجيلي الرابع كان كاتبًا “كانت لغته الأولى هي الآرامية بوضوح وكان يكتب يونانيًا صحيحًا، وإن كان محدودًا”.[39]

كان يوحنا زبدي، تلميذ يسوع، مع أخيه يعقوب وبطرس، أحد الثلاثي الداخلي. كانوا من أوائل الذين استُدعوا في شركة يسوع (مر 1: 19). بالإضافة إلى خبرته كعضو في الاثني عشر، كان شاهداً مميزًا على

  • شفاء حماة بطرس (مر 1: 29)
  • إقامة ابنة يايرس (مر 5: 37)
  • التجلي (مر 9: 2)
  • خطاب الزيتون (مر 13: 3)
  • الاختبار في جثسيماني (مر 14: 33).

إذا كان شخص ما في أي وقت مضى مجهزًا جيدًا بشكل فريد من خلال الخبرة لكتابة الإنجيل، فهو يوحنا زبدي.

لم تكن هذه النهاية. على الرغم من أن يوحنا أصغر من أخيه يعقوب (مر 1: 19)، إلا أن يوحنا مُنح الأسبقية على يعقوب بعد القيامة (أعمال الرسل 1: 13). إن يوحنا هو الوحيد الذي يُذكر بانتظام مع بطرس في أقدم تاريخ للمسيحية، سواء في أورشليم (أعمال الرسل 3-4) وأيضًا في السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25). إلى جانب يعقوب، شقيق يسوع، وبطرس، يُذكر يوحنا كواحد من “الأعمدة” الثلاثة لكنيسة أورشليم الذين شاركوا في اتفاقية التبشير بعيدة المدى في أورشليم حوالي 47 (غلا 2: 7-9). بالإضافة إلى السنوات الثلاث التي قضاها في شركة يسوع، كان على يوحنا زبدي أن يعمل كقائد لكنيسة أورشليم لمدة خمسة عشر عامًا تقريبًا:

  • 30-33 م: تلميذ ليسوع
  • 33-47 م: “عمود” كنيسة الرسول في أورشليم

بعد ذلك، فيما يتعلق بالعهد الجديد، يختفي يوحنا زبدي عن الأنظار. لكن ليس هناك شك في أنه حصل على التعليم والخبرة لكتابة الإنجيل الذي يحمل اسمه.

 

خياران: صواب أو خطأ

أعرب عدد من علماء العهد الجديد عن رأيين مرتبطين حول الإنجيل الرابع. من ناحية، يرفضون تأليفه من قبل تلميذ أصلي، بينما يمدحون الصفات الأدبية واللاهوتية لكتابه من ناحية أخرى. يشير ريموند إي براون إلى المؤلف باعتباره “واعظًا وعالمًا لاهوتيًا” ومع ذلك لم يكن “مشهورًا”. يقول سي كي باريت أن “المبشر” كان “ربما أعظم عالم لاهوت في كل تاريخ الكنيسة” ولكنه “تم نسيانه الآن. كان اسمه غير معروف “.

الأدلة من القرن الثاني هي عكس ذلك تماما. كان المؤلف بالفعل “مشهورًا”. كان يوحنا زبدي. لماذا يرفض بعض العلماء المعاصرين شهادة إيريناوس، الذي كان معلمه بوليكاربوس تلميذًا ليوحنا زبدي؟ لماذا لا يقبلون الثقل الكبير للأدلة الداخلية التي تحدد “التلميذ الذي أحبه يسوع” مع يوحنا زبدي؟ ان قولهم انه أعظم عالم لاهوت وما شابه من أقوال الثناء هذه ليس تعويضاً عن قولهم بأن مؤلف الإنجيل شخص مجهول.

هناك قضية أعمق. يقول مؤلفنا:

“وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ.” (يو 19: 35).

يدعي هذا المؤلف أنه كان شاهدًا حقيقيًا، أي شاهد عيان ليسوع. قال في رسالته الأولى إنه ورفاقه “سمعوا” و “شاهدوا” و “لمسوا” “كلمة الحياة” (1 يو 1: 1-2). إن ادعاءاته واسعة النطاق ومحددة.

البدائل بسيطة. إما أن الكاتب هو شاهد العيان الصادق الذي يزعم أنه كان كذلك، أو كما يعتقد باريت وبراون، لم يكن كذلك. إذا كان باريت وبراون على صواب، فإن المؤلف لم يكن في الواقع شاهد عيان ولم يكن تلميذاً. لذلك يبدو لي أنه لم يكن صادقًا في هذه المرحلة. إذا لم يكن صادقًا فلا يمكن أن يكون “لاهوتيًا عظيمًا”، لأن اللاهوت يتعلق بالله، الذي هو الحق. على الرغم من أن الإنجيلي الرابع، وفقًا لباريت وبراون، هو “أعظم عالم لاهوتي في التاريخ”، إلا أنه هو نفسه لا يدعي أنه لاهوتي على الإطلاق. إنه يدعي ببساطة أنه صديق خاص ليسوع وشاهد حقيقي لآياته وصلبه وشخصه القائم من بين الأموات. لم يتم حل مشكلة ادعائه الأساسي كونه غير صحيح حقًا من خلال الثناء عليه في نقطة لا يدعي فيها أي ادعاءات. ما لا يمكن إنكاره هو أن جميع الأدلة على هوية المؤلف، من داخل وخارج الإنجيل الرابع، لا تشير إلى مؤلف مجهول ولكن إلى يوحنا زبدي، التلميذ الحبيب.

لا يستطيع العديد من العلماء تصديق أن عضوًا في دائرة تلاميذ يسوع الأصلية كان من الممكن أن يكتب الإنجيل الرابع. تكمن الصعوبة الرئيسية التي يواجهونها في أسلوب المؤلف الموسع في الكتابة ومع تطور اللاهوت الخاص به. يُزعم أن المؤلف كتب في وقت متأخر عن الإزائيين ومن خارج بيئة فلسطين.

ومع ذلك، في العقود الماضية، أدت المعرفة المتزايدة بجغرافية فلسطين، إلى جانب نتائج الأعمال الأثرية، إلى الاعتقاد بأن المؤلف كان، في الواقع، على دراية بريف كل من الجليل واليهودية، وأنه كان لديه معرفة حميمة بأورشليم ومنطقة الهيكل.

إن زيادة الوعي بالاختلاف في الروح بعد الحرب في 66 -70 م عزز القضية التي كتبها المؤلف من الفترة السابقة، وليس اللاحقة. وهذا يتفق مع تعريف الكتاب لمؤلفه بأنه “التلميذ الحبيب” ومع الرأي الموحد لمسيحيي القرن الثاني، بأن “التلميذ الحبيب” كان يوحنا زبدي.

فماذا إذن عن الأسلوب الموسع واللاهوت المتطور؟ كيف يمكن أن يكون يوحنا زبدي مسؤولاً عن ذلك؟ نجيب أن أحداً كتب هذا الكتاب وأنه كتب قبل نهاية القرن الأول. هل هناك أسباب جوهرية، على عكس الأسلوبية فقط، للشك في أن يوحنا زبدي كان ذلك الشخص؟ إن مشاركته مع يسوع كواحد من الدائرة المقربة وخبرته الطويلة في القيادة في المجتمع المسيحي في أورشليم تضيف إلى الاحتمال القوي بأن يوحنا زبدي كان في الواقع مؤلف الإنجيل الرابع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثاً: هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟[40]

تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين ذاتيتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[41] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة الذاتية المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟

عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟

بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.

ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة ذاتية بل هي فولكلور.[42] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:

الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد -التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[43]

 

“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.

ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.

 

نظرية الأناجيل مجهولة الاسم

في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.

أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[44] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير الذاتية القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[45]

ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[46] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.

ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[47] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم -وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[48]

رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[49] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.

هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[50] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[51] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.

 

لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان

المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.

بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[52]

عناوين الأناجيل

المخطوطات اليونانية الأقدم

التاريخ[53]

الإنجيل بحسب متى

بردية 4

القرن الثاني

الإنجيل بحسب متى

بردية 62

القرن الثاني

بحسب متى

السينائية

القرن الرابع

بحسب متى

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب متى (مجزأة)

واشنجتون       

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب متى

السكندرية     

القرن الخامس

الإنجيل بحسب متى

الإفرايمية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب متى (النهاية)

بيزا

القرن الخامس

بحسب مرقس

السينائية

القرن الرابع

بحسب مرقس

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب مرقس

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب مرقس (مجزأة)

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب مرقس (النهاية)

الإفرايمية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب مرقس

بيزا

القرن الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

بردية 75

القرن الثاني-الثالث

بحسب لوقا

السينائية

القرن الرابع

بحسب لوقا

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب لوقا

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

بيزا

القرن الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا

بردية 66

أواخر القرن الثاني

الإنجيل بحسب يوحنا

بردية 75

القرن الثاني-الثالث

بحسب يوحنا

السينائية

القرن الرابع

بحسب يوحنا

الفاتيكانية

القرن الرابع

بحسب يوحنا (النهاية)

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا (النهاية)

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا

بيزا

القرن الخامس

لاحظ ثلاثة أشياء بخصوص هذا الدليل.

أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة -بدون استثناء، في كل لغة -تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[54]

ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[55] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:

نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[56]

 

انظر إلى الجدول الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[57] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[58] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.

ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).

باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:

دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[59]

 

سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول

المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[60] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.

فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.

هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟

علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:

بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[61]

 

الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.

أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.

إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[62] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.

 

 

العنوان

المخطوطة اليونانية

التاريخ[63]

إلى العبرانيين

بردية 64

القرن الثاني

إلى العبرانيين

السينائية

القرن الرابع

إلى العبرانيين

الفاتيكانية

القرن الرابع

إلى العبرانيين، مكتوبة من روما

السكندرية

القرن الخامس

إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا

مخطوطة بورفيريان

القرن التاسع

إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس

مخطوطة الخط الصغير 1739

القرن العاشر

إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم

مخطوطة الخط الصغير 81

القرن الحادي عشر

 

إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس

مخطوطة الخط الصغير 104

القرن الحادي عشر

لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[64] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).

هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:

إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[65]

 

باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.

 

لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟

المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[66] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟

مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟

كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” -المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة -مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا -هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[67] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[68] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.

باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]  هذا تعليق ف. ف. بروس وسيتم فحص هذا التعليق جيداً في جزء الدليل المخطوطي تحت عنوان “هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين”

[2]  تفسير بابياس لأقوال الرب، اقتبس من قبل يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 3. 39. 4. انظر

  1. F. Bruce, Men and Movements in the Primitive Church (Exeter 1979), Pp. 132-136.

[3] B. F. Westcott, The Gospel according to St. John (London 1880), pp. xxiv f. See F. F. Bruce, ‘Johannine studies since Westcott’s Day’, contributed to the 1966 reprint of Westcott’s The Epistles of St. John (London 1892) issued by the Marcham Manor Press, Appleford, pp. lvii-lxxvi.

[4] A. R. Short, The Bible and Modern Research (London 1931), p. 178.

[5] E.g. C. F. Burney, The Aramaic Origin of the Fourth Gospel (Oxford, 1922); J. A. Montgomery The Origin of the Gospel of St John (Philadelphia, 1923).

[6] See the essays collected in John and Qumran, ed. J. H. Charlesworth (London 1972).

[7]  في الآونة الأخيرة، حتى سجلات إيبلا في سوريا (الألفية الثالثة قبل الميلاد) دخلت الخدمة؛ انظر

  1. Dahood, ‘Ebla, Genesis and John’ The Christian Century, April 15, 1981, pp. 418-421.

[8] W. F. Albright, ‘Recent Discoveries in Palestine and the Gospel of St John’ in The Background of the New Testament and its Eschatology ed. W. D. Davies and D. Daube (Cambridge 1954), p. 169.

[9]  المرجع نفسه، 170.

[10] C. K. Barrett The Gospel according to St John (London 71978), p. 132.

[11]  المرجع نفسه، 133 وما يليه.

[12]  عندما أطلق مؤلف كتابي يوحنا الثانية والثالثة على نفسه اسم “الشيخ” في كتابة هذين الرسالتين، فمن المحتمل أنه يستخدم التسمية بمعنى مختلف عن بابياس وغيره من الكتاب المسيحيين في القرن الثاني. يكتب للمسيحيين الذين كانوا أصغر منه سناً بكثير بحيث يمكنه مخاطبتهم على أنهم “أولاده الصغار” ويشير إلى نفسه بمصطلح المودة الذي اعتادوا استخدامه في الحديث عنه.

[13] P. H. Menoud L’évangile de Jean d’aprés recherches récentes (Neuchatel/Paris 1947)s P. 77:

[14] J. A. T. Robinson, ‘The New Look on the Fourth Gospel’ in Twelve New Testament Studies (London 1962), p. 106.

[15] P. Gardner-Smith St John and the Synoptic Gospels (Cambridge 1938).

[16] R. Bultmann The Gospel of John (Oxford 1971), pp. 6-9 et passim; cf. R. T. Fortna The Gospel of Signs (Cambridge 1970).

[17] C. H. Dodd Historical Tradition in the Fourth Gospel (Cambridge 1963).

[18] R. E. Brown The Community of the Beloved Disciple (London 1979); also O. Cullmann The Johannine Circle (London 1976); R. A. Culpepper The Johannine School (Missoula 1975).

[19] C. H. Dodd, ‘The Dialogue Form in the Gospels’ BJRL 37 (1954-55), pp. 54-67.

[20] D. L. Sayers The Man Born to be King (London 1943), pp. 33 ff.

انظر أيضا تعليقاتها، المقتبسة في ص 409 (في يوحنا 21: 24)، فيما يتعلق بادعاء شاهد العيان لهذا الإنجيل.

[21] Metzger, The Canon of the New Testament, 305–7.

[22] Quoted in Eusebius, The History of the Church from Christ to Constantine, trans. G. A. Williamson (New York: Penguin, 1989).

[23] على الرغم من أن كلا القراءتين تحدثا في المخطوطات القديمة، إلا أن القراءة المترجمة “استمروا في الإيمان” مفضلة لأنها وردت في المخطوطة الأولى ولها دعم جيد في مكان آخر.

[24] F. F. Bruce, Places They Knew (London: Ark, 1981), pp. 35-38.

[25] Eric M. Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity (London: SCM Press, 1981), p. 160.

[26]  إذا كان وقت وصول الخبر إلى يسوع، كما يبدو، متزامنًا مع وقت موت لعازر (يو 11: 3، راجع 11: 11).

[27] Meyers and Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, p. 161.

[28] C. H. Dodd, Historical Tradition in the Fourth Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 1963), p. 120.

[29] John A. T. Robinson, Redating the New Testament (London: SCM Press, 1976), p. 297.

[30]  انظر مرقس 3: 18 وما يوازيه.

[31]  إن تسليم يسوع والدته إلى رعاية “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” (يو 19: 26) يشير إلى أن يوسف قد مات في ذلك الوقت

[32] Edwin Arthur Judge, The Social Pattern of the Christian Groups in the First Century (London: Tyndale, 1960), p. 34.

[33] Günther Bornkamm, Jesus of Nazareth (London: Hodder and Stoughton, 1960), p. 14.

[34]  لا يجب أن تكون السير القديمة مرتبة ترتيبًا زمنيًا. تشابه مهم آخر بين السير اليونانية الرومانية والأناجيل الأربعة هو أنها ليست بالضرورة تقارير كرونولوجية (مرتبة زمنياً) صارمة لحياة الشخص. في الواقع، يمكن أيضًا ترتيب النص حسب الموضوع او الفئة.  على سبيل المثال، كتب كاتب السير الروماني سوتونيوس ما يلي في حياته أوغسطس قيصر:

“بعد أن قدمت ملخصًا لحياته، سأتناول الآن مراحلها المختلفة واحدة تلو الأخرى، ليس بترتيب زمني، ولكن حسب الفئات (المواضيع)، لجعل التقرير أكثر وضوحًا وأكثر قابلية للفهم.” (Suetonius, Life of the Deified Augustus, 9).

[35] Archibald M. Hunter, According to John (London: SCM Press, 1968), pp. 97- 98.

[36] Ben Witherington III, The Acts of the Apostles: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1998), pp. 195-97.

[37] Luke Timothy Johnson, Acts, Sacra Pagina 3 (Collegeville, MN: Liturgical Press, 1991), 78.

[38] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 362.

[39] Robinson, Redating the New Testament, p. 299.

[40]  سيكون في المستقبل ملف خاص عن كل إنجيل وستتم إضافة هذا الجزء لكل ملف.

[41] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).

[42] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.

وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر

Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.

[43] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.

لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.

[44] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[45] Ehrman, The New Testament, 79.

[46] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[47] المرجع نفسه.

[48] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.

[49] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[50] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين – “الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر

Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير الذاتية القديمة، “مؤلفو السير الذاتية … عادة ما يتم تسميتهم”.

Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.

علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.

Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.

تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.

(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).

هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة الذاتية، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.

(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).

لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير الذاتية القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.

(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian)  (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).

في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر

Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.

في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير الذاتية التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.

Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.

[51] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).

أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.

[52] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.

[53] لمناقشة تواريخ المخطوطات، انظر

Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).

[54] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.

[55] Bird, The Gospel of the Lord, 259:

“هناك اتساق مطلق في المؤلفين المنسوبين إلى الأناجيل الأربعة. يُطلق على متى دائمًا اسم “متى”، ويُطلق على لوقا دائمًا اسم “لوقا”، وهكذا دواليك “.

[56] Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet, 248–49n1.

[57] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:

“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا

David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.

[58] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:

“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.

[59] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.

[60] Bird, The Gospel of the Lord, 258–59.

[61] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.

[62] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.

 [63] لتواريخ المخطوطات، انظر

Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94

[64] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.

[65] Hengel, The Four Gospels, 54.

[66] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[67] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.

 [68] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

دليل الوهية المسيح في إنجيل يوحنا يصدم معاذ عليان – الأخ بولس

دليل الوهية المسيح في إنجيل يوحنا يصدم معاذ عليان – الأخ بولس

دليل الوهية المسيح في إنجيل يوحنا يصدم معاذ عليان – الأخ بولس

دليل الوهية المسيح في إنجيل يوحنا يصدم معاذ عليان – الأخ بولس

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج5 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج5 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج5 – د. وليم سليمان قلادة

 

(56)

          1 ـ فلنتوسل[275] ـ نحن أيضًا ـ من أجل المذنبين بأية خطية[276]، كى تُمكَّن لهم الوداعة والتواضع، فيخضعوا ـ لا لنا ـ بل لإرادة الله. وبهذا يكون ذكرنا[277] الشفوق لهم أمام الله والقديسين[278]، مثمرًا لديهم وكاملاً. 2ـ فلنقبل أيها الأحباء التأديب الذي يجب أن لا يتكدر أحد بسببه[279]؛ فإن النصائح التي ننبه بها بعضنا البعض جيدة ونافعة جدًا لأنها توحدنا مع إرادة الله. 3 ـ فإنه لهذا تقول الكلمة المقدسة: ” تأديبًا أدبنى الرب وإلى الموت لم يسلمنى[280]، 4 ـ لأن من يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله”[281]. 5 ـ ويقول أيضًا: ” فليؤدبنى الصديق برحمة ويوبخنى،، أما زيت الخطاة فلا يدهن رأسى ” [282]. 6 ـ وفي موضع آخر: ” طوبى للرجل الذي يؤدبه الرب؛ فلا ترفض تأديب القدير لأنه هو يجرح ويعصب 7 ـ يسحق ويداه تشفيان. 8 ـ في ست شدائد ينجيك وفي السابعة لا يمسك سوء. 9 ـ في الجوع يفديك من الموت، وفي الحرب من حد السيف. 10 ـ من سوط اللسان يخبئك، فلا تخاف من الشرور إذا انقضت عليك. 11 ـ تضحك على الأثمة والأشرار، ولا تخشى من وحوش الحقل. 12 ـ لأن الوحوش تسالمك. 13ـ حينئذ تبصر السلام يملك في بيتك، وتهليل خيمتك لا يعثر. 14 ـ بل ترى نسلك يكثر، وأولادك كعشب الحقل. 15ـ وحين تذهب إلى القبر تكون كالحنطة الناضجة في ميعادها، أو كرفع الكُدس[283] في أوانه “[284].

          16 ـ وهكذا ترون أيها الأحباء أن الأمن مكفول للذين يؤدبهم السيد؛ إنه كأب صالح لا يقومنا إلاّ لكي نختبر رحمته بواسطة تأديبه المقدس.

 

(57)

          1 ـ وأنتم يا من وضعتم أساس الشقاق؛ ” اخضعوا أنفسكم للشيوخ”[285] مقتبلين التقويم بروح التوبة، حانين ركب قلوبكم[286]. 2 ـ تعلموا الطاعة، طارحين التكبر المتشامخ المتجبر الذي للسانكم، فإنه خير لكم أن تكونوا صغار المقام ولكن تحسبون في قطيع المسيح، من أن تستعلوا فتُرفضوا من رجاء شعبه. 3ـ لأنه هكذا تقول الحكمة[287] الكلية الفضيلة: “هاأنذا أفيض عليكم من كلمات روحى وأعلمكم أقوالى. 4ـ لأنى دعوت فلم تسمعوا، وأعطيتكم أقوالى فلم تبالوا؛ بل جعلتم مشورتى بلا قيمة، ولم تذعنوا لتأديباتى ـ لهذا أنا بدورى أضحك عند بليتكم. نعم، وابتهج حين ينتباكم الخراب، ويباغتكم الاضطراب المفاجئ، ويأتى الانقلاب كالعاصفة، أو حين يحدق بكم الضيق والاضطهاد. 5 ـ حينئذ تدعوننى فلا أسمعكم، ويبحث عنى الأشرار فلا يجدوننى ـ لأنهم ابغضوا الحكمة ولم يختاروا مخافة الرب، ولم ينصتوا لمشورتى بل احتقروا تأديبى. 6 ـ لذلك يطعمون ثمار طريقهم، ويتخمون من شرورهم[288] … 7 ـ وكعقاب لأجل المعاثر التي أتوها في حق الأطفال سيُلقون للموت. إن الفحص يورد الأشرار الموت. أما المستمع لى فيستريح في الرجاء ولن يقلقه الخوف من أى شر ” [289].

(58)

          1 ـ فلنقدم الخضوع لاسمه المجيد الكلى القداسة كى نهرب من التهديدات المنذرة التي توجهها الحكمة ضد المتمردين، وفي ثقة نطمئن إلى اسم عظمته القدوس. 2 ـ تقبلوا مشورتنا فلا تعودوا تندمون؛ لأنه حى هو الله، وحى هو الرب يسوع المسيح والروح القدس[290] ـ إيمان المختارين ورجاؤهم[291] ـ إن من يتمم الوصايا والأوامر المعطاة من الله، في تواضع ووداعة راسخة، بلا تراجع ـ هذا يُضم ويُعطى اسمًا ضمن أولئك المخلَّصين بيسوع المسيح، الذي فيه له المجد إلى أبد الآبدين آمين.

(59)

          1 ـ ولكن إن كان البعض يعصون الكلمات التي يوجهها الله لهم بواسطتنا، فليعلموا أنهم يجلبون على أنفسهم إثمًا وخطرًا عظيمًا. 2 ـ أما نحن فسنكون أبرياء من هذه الخطية. ولكننا نطلب مثابرين بصلواتنا وتضرعاتنا ـ أن يحفظ خالق الكل العدد المحصى[292] لمختاريه سالمًا في العالم كله، بابنه الحبيب[293] يسوع المسيح. الذي فيه دعانا من الظلمة إلى النور[294]، ومن الجهالة إلى معرفة مجد اسمه[295].

3 ـ رجاؤنا في اسمك، الأصل الذي يخرج منه كل مخلوق.

لقد فتحت عيون قلوبنا لمعرفتك، [296]

أنت وحدك ” العلى في أعلى السموات،

” القدوس الذي يسكن وسط القديسين، [297]

” أنت الذي تضع تجبر العتاة، [298]

” تبطل مؤامرات الأمم [299]،

” ترفع المتضعين

” وتضع المستكبرين؛ [300]

أنت الذي ” تغنى وتفقر، [301]

” تميت وتحيى، [302]

الصانع وحده الخير للأرواح،

وإله كل جسد ؛ [303]

” الناظر الأعماق “،

الفاحص أعمال البشر،

معين الذين في المخاطر

” والمُخلّص في اليأس ” [304]

خالق جميع الأرواح وراعيها ![305]

أنت الذي تكثر الشعوب على الأرض

وقد اخترت من وسطهم من يحبونك

في يسوع المسيح ابنك الوحيد

الذي به علمتنا، وقدستنا، ومجدتنا.

(4) إننا نتوسل إليك أيها السيد:

كن عوننا، وسندنا [306]

المتضايقين عزهم،

المتضعين تراءف عليهم، [307]

الساقطين أقمهم،

المحتاجين أشرق عليهم،

المرضى اشفهم،

الضالين من شعبك ردهم،

الجياع أشبعهم،

خلص من منا في القيود،

الضعفاء شددهم،

صغيرى القلوب عزهم،

فلتعترف جميع الشعوب

بأنك الإله وحدك ” [308]

وأن يسوع المسيح ابنك،

وأننا ” شعبك وغنم رعيتك ” [309]

(60)

1 ـ أنت الذي بأعمالك [310]

أظهرت التنسيق الأبدى الذي للعالم، [311]

أنت، يارب، الذي خلقت الأرض،

أنت تدوم أمينًا في كل الأجيال،

عادلاً في أحكامك،

عجيبًا في قدرتك وعظمتك،

بالحكمة خلقتَ،

وبالفهم ثبَّت الأشياء التي صُنعت،

أنت صالح في الأشياء المنظورة. [312]

أمين نحو الذين لهم الثقة فيك،

” رءوف ورحيم ” [313]

اغفر لنا أخطاءنا وآثامنا،

وسقطاتنا وتعدياتنا [314].

2 ـ لا تحسب خطايا خادميك وخادماتك،

بل طهرنا بنقاء حقك، [315]

و ” اهد خطواتنا [316]

” كى نسير في قداسة القلب [317]

” ونعمل الصالح والمرضى في عينيك ” [318]

وقدام حكامنا.

3ـ نعم يا سيد، ” فليضئ علينا وجهك ” [319]

” للخير ” [320] في السلام،

احمنا ” بيدك القادرة ” [321]

حررنا من كل خطية ” بذراعك الرفيعة ” [322]

ولتنجنا من الذين يبغضوننا ظلمًا [323]

4 ـ امنحنا الألفة والسلام، ولجميع القاطنين على الأرض،

كما وهبت لآبائنا [324]

عندما طلبوك

” باستقامة ” [325] في الإيمان والحق.

اجعلنا نخضع

لاسمك القادر والمجيد.

(61)

1 ـ لرؤسائنا ولجميع الذين يحكموننا على الأرض ـ

أنت أيها السيد أُعطيت السلطان والمُلك،

بقدرتك المجيدة غير المنطوق بها،

كى ـ إذ نعرف المجد والكرامة اللذين وهبتهما إياهم،

نصير خاضعين لهم،

ولا نعارض إرادتك.

امنحهم يارب صحة وسلامًا ووفاقًا وثباتًا،

كى يمارسوا بلا عائق السلطان الذي سلمته لهم.

2 ـ لأنك أنت أيها السيد ملك الدهور[326] السمائى،

الذي تعطى لأبناء البشر

المجد والكرامة والسلطة على الأشياء التي على الأرض.

اهدِ يارب مشورتهم حسب ما هو صالح،

كما هو مُرضٍ أمام عينيك [327]،

كى إذ يمارسوا ـ بتقوى

وفي سلام ورفق ـ

السلطة التي أعطيتها لهم،

يكونوا موفقين.

3 ـ أنت وحدك القادر على أن تفعل هذا

وأن تصنع [328] معنا أيضًا خيرات أعظم.

نحمدك بواسطة رئيس الكهنة [329]

وحامى أرواحنا، يسوع المسيح،

الذي به لك المجد والعظمة،

الآن [330]

ومن جيل إلى جيل

وإلى دهر الدهور. آمين [331].

(62)

          1 ـ كتبت إليكم في هذه الرسالة أيها الرجال الاخوة بمقدار كافٍ عن الأمور التي تتعلق بديانتنا، والتي هي نافعة جدًا لحياة الصلاح لأولئك الذين يريدون أن يسلكوا بالتقوى والبر. 2 ـ فقد عرضنا في كل فقرة للإيمان والتوبة والمحبة وضبط النفس والهدوء والصبر، مذكرين إياكم أنه ينبغى أن تكونوا مرضيين لله القدير، بالقداسة، في البر والحق والاحتمال. ولكم فكر واحد في المحبة والسلام واللطف، غير متذكرين الإهانات ـ على مثال آبائنا[332] الذين سلف ذكرهم. الذين وجدوا باتضاع أفكارهم نعمة أمام الآب، الإله الخالق، وأمام كل البشر. 3 ـ ونحن بكل سرور نذكركم بهذه الأمور، إذ نحن واثقون أننا نكتب إلى رجال أمناء ذوى صيت حسن، قد تعمقوا تعليم وحى الله.

(63)

          1 ـ يليق بنا إذن أن نقتدى بهذه المثل الصالحة المتعددة، وأن نحنى رءوسنا متممين واجب الطاعة، كى بدون أن نضطرب بانقسام باطل، نصل بلا لوم إلى الغرض الموضوع أمامنا في الحق. 2 ـ وإنكم ستملأوننا فرحًا[333] وابتهاجًا، لو أنكم أطعتم النصائح التي أعطيناكم إياها في الروح القدس [334]، واستأصلتم ثورة تنافسكم غير المشروعة، بحسب الوساطة التي صنعناها في هذه الرسالة من أجل السلام والوحدة.

          3 ـ وقد أرسلنا إليكم رجالاً أمناء وحكماء، عاشوا بيننا بلا لوم منذ الحداثة إلى الشيخوخة ؛ هؤلاء سيكونون شهودًا بينكم وبيننا.

          هذا قد فعلناه لكي تعلموا أن كل اهتمامنا كان ولا يزال ـ أن تعودوا إلى السلام سريعًا.

 

(64)

          1 ـ والله الذي يرى الكل، ” سيد جميع الأرواح ورب كل جسد “[335]، الذي اختار ربنا يسوع المسيح ونحن فيه لنكون شعبه[336] الخاص ـ فليمنح كل نفس تطلب اسمه المجيد والقدوس، الإيمان والمخافة والسلام والصبر والاحتمال وضبط النفس والطهارة والعفة، كى تستطيع أن ترضى اسمه ـ في رئيس كهنتنا وحامينا يسوع المسيح. الذي به لله المجد والعظمة، القدرة والكرامة ـ الآن وفي دهر الدهور. آمين.

(65)

          1 ـ أعيدوا إلينا سريعًا بسلام وفرح مبعوثينا إليكم ـ كلوديوس ايفيبوس، وفاليريوس بيتو مع فرتناتوس [337]. لكي يبشرونا بالسلام والألفة اللذين نرغب رغبة حارة ونشتاق أن يكونا بينكم، ولكي نفرح بأكثر سرعة عندما نعلم أن النظام الحسن قد عاد فاستتب وسطكم.

          2 ـ نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم ومع جميع الذين في كل مكان دعاهم الله بيسوع المسيح. الذي به لله يكون المجد والكرامة والقدرة والعظمة والملك الأبدى من الأزل إلى أبد الأبد[338]. آمين.

 

[275] رو27:8،34، 2:11، عب25:7.

[276] غل1:6، برنابا4:19.

[277] رو9:1، أف16:1، في3:1، 1تس6:3، 2تى3:1. قارن في العهد القديم التذكارات التي تُوضع أمام الله خر38:28، 16:30، إش18:23 وأنظر أع4:10.

[278] 1تس13:3.

[279] عب7:12، أف4:6.

[280] مز8:118.

[281] أم12:3، عب6:12، رؤ19:3.

[282] مز5:141.

[283] الكُدْس جمعها أكداس وهو الحَبْ المحصود المجموع (قاموس المنجد).

[284] أيوب17:5ـ26.

[285] 1بط5:5، ما سبق3:1.

[286] صلاة منسى، المراسيم22:2.

[287] يقصد كتاب الأمثال فهكذا كان الكُتاب المسيحيون القدامى يسمونه. يوسابيوس تاريخ8:22:4، سترومات136:22:2، المربى27:2:2.

[288] من هنا يبدأ نقص نسخة الأسكندرية.

[289] أم23:1ـ33.

[290] يورد القديس باسيليوس هذه الجملة ابتداءً من حى.. أنظر الروح القدس29. ونلاحظ أن الكاتب يذكر أقانيم الثالوث؛ قارن ما سبق6:46. والصيغة التي نقرأها هنا تذكر بما كان العهد القديم يتضمنه 1صم39:14، 3:20، 16:26، 6:29، 1مل21:17.

[291] أى أن إيمان المختارين ورجاءهم هو الثالوث.

[292] قارن رؤ4:7،5.

[293] إش1:42، مت18:12، استشهاد بوليكاربوس1:14ـ3، المراسيم5:8، 39، 41.

[294] 1بط9:2.

[295] أف5:1،6. هذا وتورد المراسيم22:8 الفقرة2:59، 1:60 من هذه الرسالة.

[296] يو3:17.

[297] إش17:57.

[298] إش11:13.

[299] مز10:33.

[300] أى1:5، حز24:17.

[301] 1صم7:2، لو53:1.

[302] تث39:32، 1صم6:2، 2مل7:5.

[303] عد22:16، 16:27، إر27:32.

[304] يهوديت11:9.

[305] أسقفها. أى12:10، حكمة6:1.

[306] مز14:119.

[307] 1تس14:5.

[308] 1مل60:8، 2مل19:19، حز23:36، يو3:17.

[309] مز13:79، مز7:95، 3:100.

[310] حكمة 17:7، المراسيم22:8.

[311] رو20:1.

[312] حكمة1:13، ما سبق2:35.

[313] يوئيل13:2.

[314] أنظر ما سبق 2:59 هامش295

[315] يو17:17.

[316] مز133:119.

[317] 1مل4:9.

[318] تث18:13.

[319] مز2:67، مز3:80،7،19، عد25:6، المراسيم37:18:8.

[320] إر10:21، تك20:50، إر6:24، عاموس4:9، تث9:30.

[321] إش16:51.

[322] تث34:4، حز1:6، 15:5، حز33:20و34.

[323] مز17:18، 19:38، يوستينوس الاحتجاج الأول3:14.

[324] أى لرؤساء الآباء إبراهيم واسحق ويعقوب قارن ما سبق 8:4، 7:30، 2:31، ما يلى 2:62.

[325] مز18:145.

[326] طوبيا6:13،10، 1تى17:1، رؤ3:15.

[327] تث18:13.

[328] أسلوب عبرى قارن لو72:1، 37:10، مز65:119.

[329] ما سبق1:36/ ما يلى64، 1بط25:2.

[330] ما يلى 64

[331] مز44:119، 1:145،2،21.

[332] ما سبق 17ـ19،30،31،15:60.

[333] لو14:1، مت22:5، رؤ7:19.

[334] قارن ما سبق 1:56، 1:59، أع28:15.

[335] عد22:16، 16:27.

[336] تى14:2.

[337] أنظر 1كو17:16.

[338] قارن استشهاد بوليكاربوس21.

 

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج5 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج4 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج4 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج4 – د. وليم سليمان قلادة

 

(39)

          1 ـ ولكن الحمقى والطائشين الذين بلا حكمة ولا تعليم، يهزأون بنا ويزدروننا، راغبين أن يعظموا أنفسهم بدافع غرورهم. 2 ـ لأنه ما الذي يستطيع إنسان مائت أن يفعله، وأى قوة توجد فى كائن مصنوع من تراب؟ 3 ـ فإنه مكتوب: ” لم أرّ منظرًا أمام عينى، وإنما سمعت نفسًا وصوتًا قائلاً: 4 ـ ماذا إذن ؟ أ الإنسان بار أمام الله، أم الرجل بلا عيب فى أعماله، وهو ذا عبيده لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة ؟        5ـ والسموات غير طاهرة أمام عينيه، فكم بالحرى سكان بيوت من طين، الذين أساسهم فى التراب وصُنعنا نحن أيضًا فيه ؟ لقد سحقهم مثل العث. تحطموا بين الصباح والمساء. هلكوا لأنه لم يكن لهم فى أنفسهم معونة. 6ـ نفخ فيهم فماتوا، لأنه لم تكن لهم حكمة. 7 ـ بل ادع الآن، فهل لك من مجيب، أو هل ستبصر واحد من الملائكة المقدسين؟ لأن الغيظ فى الحقيقة يُهلك الغبى، والغيرة تُميت الأحمق. 8 ـ رأيت الحمقى يتأصلون، لكن بغتة افتُرست ذريتهم. 9 ـ ألا فليبعد أبناؤهم عن السلام! ألا فليُهزأ بهم أمام باب الأصاغر! ولن يكون إنسان لينقذهم، لأن الأموال المعدة لهم ينفقها الأبرار، أما هم فلن ينجوا من شرهم ” [114].

(40)

          1 ـ وإذ قد وضحت لنا هذه الأمور، إذ نحن ناظرون إلى أعماق المعرفة الإلهية [115]، يليق بنا أن نتمم ـ فى ترتيب[116] ـ كل الأمور التي أوصانا السيد أن نتممها فى أوقاتها المعينة. 2 ـ فقد أمر أن نقدم القرابين ونقيم الخدمة ـ لا بدون تبصر أو بغير نظام، بل فى الأوقات والساعات المعينة. 3 ـ وحدد بإرادته السامية فى أى مكان، وبواسطة مَنْ يجب أن تتمم التقدمة، كى يتم كل شئ بتقوى، حسب رضاه الصالح، ويكون مقبولاً لديه. 4 ـ لذلك فإن الذين يقدمون قرابينهم فى الأوقات المحددة يُقبلون ويُبارَكون ـ لأنهم بقدر ما يتبعون قوانين السيد، لا يخطئون. 5 ـ فرئيس الكهنة قد عُهِد إليه بخدماته الخاصة، وعينت للكهنة مواضعهم[117]، وللاويين خدمتهم. وأما العلمانيون[118]فيتقيدون بالقوانين الخاصة بالعلمانيين.

 

(41)

          1 ـ كل واحد منكم أيها الاخوة فليُرض الله بحسب رتبته، بضمير صالح ووقار لائق دون أن يخرج عن قواعد [119] الخدمة المرسومة له. 2ـ فالذبائح اليومية، أو ذبائح السلامة، أو ذبائح الخطية والتكفير ـ لم تكن تقدم، يا أخوتى، فى كل مكان، بل فى أورشليم فقط. وحتى فى هذه المدينة لم تكن (هذه الذبائح) تقدم فى أى مكان، بل على المذبح أمام الهيكل. وكل ما كان يُقدم كان يُفحص أولاً بتدقيق من رئيس الكهنة والخدام المذكورين فيما سبق. 3 ـ أما الذين كانوا يتعدون الترتيب الموافق لإرادته، فكانوا يُعاقبون بالموت[120]. 4 ـ ترون إذن أيها الاخوة أنه بقدر عظم المعرفة التي مُنحت لنا، يعظم الخطر الذي نتعرض له.

 

(42)

          1ـ لقد بشرنا[121]الرسل بالإنجيل من قِبَل الرب يسوع المسيح، ويسوع المسيح أُرسل من قِبل الله[122]. 2ـ فالمسيح إذ كان مُرسلاً من الله، والرسل من المسيح. فكلا هذين الأمرين قد تما بترتيب صالح طبقًا لإرادة الله. 3ـ فالرسل ـ مزودين بأوامر من ربنا يسوع المسيح، ومتيقنين[123] بالتمام من قيامته، ومُثبَتين[124] بكلمة الله ـ مضوا بيقين[125] الروح القدس، يعلنون البشرى: اقتراب ملكوت الله. 4 ـ وبعد ما كرزوا هكذا فى الأقطار والمدن، أقاموا من باكورة (أتعابهم) أساقفة وشمامسة، بعد أن اختبروهم أولاً بالروح ـ وذلك لرعاية العتيدين أن يؤمنوا. 5 ـ ولم يكن هذا شيئًا جديدًا فى الحقيقة، فإنه منذ أجيال عديدة قد كُتب عن الأساقفة والشمامسة؛ فالكتاب قال فى موضع معين: ” سأُعين أساقفتهم فى البر، وشمامستهم فى الإيمان “[126].

(43)

          1 ـ فلماذا يُعدُّ أمرًا إن كان أولئك الذين استؤمنوا[127] من الله بالمسيح على هذا العمل العظيم قد عينوا الخدام المذكورين سابقًا ـ بينما المغبوط موسى ” الخادم الأمين فى كل [بيت الله] “[128]، قد دون فى الكتب المقدسة جميع الوصايا التي أُعطيت له، ومن بعده جاء الأنبياء الآخرون وشهدوا باتفاق للترتيبات التي عينها ؟ 2 ـ فإنه لما حدثت منافسة على الكهنوت، وتنازع الأسباط فيما بينهم على من يحق له منهم أن ينال هذه المرتبة المجيدة، أمر موسى رؤساء الأسباط الاثنى عشر أن يحضر كل منهم عصا مكتوبًا عليها اسم سبطه. وأخذ العُصى وحزمها معًا وختمها بأختام رؤساء الأسباط، ثم وضعها فى خيمة الشهادة على مذبح الله. 3 ـ وبعد أن أغلق الخيمة ختم الأقفال كما ختم العُصى. 4 ـ وقال: أيها الرجال الاخوة، إن السبط الذي تُفرخ عصاه هو الذي يكون قد اختاره الله لوظيفة الكهنوت وللخدمة أمامه. 5 ـ ولما أشرق الصباح جمع كل إسرائيل ـ الستمائة ألف رجل، وأطلع رؤساء الأسباط على الأختام. ثم فتح خيمة الاجتماع وأخرج منها العُصى، فوجد أن عصا هرون لم تفرخ فحسب، بل أثمرت[129].

          6 ـ فما رأيكم يا أحبائى ـ ألم يتوقع موسى مقدمًا أن هذا سيتم ؟ إنه بلا شك كان يعلم. ولكنه تصرف هكذا كى يتلافى الانقسام فى إسرائيل. ولكي يتمجد اسم الله الحقيقى وحده [130]. الذي له المجد إلى أبد الأبد. آمين.

(44)

          1ـ ولقد عَلِم الرسل أيضًا، بواسطة ربنا يسوع المسيح، أنه ستحدث منازعات على رتبة الأسقفية [131]. 2 ـ ولهذا السبب، وبقدر ما كان لهم سابق علم كامل[132] بهذا الأمر، عينوا أولئك الخدام المذكورين من قبل[133]، ثم وضعوا بعد ذلك هذه القاعدة: بعد أن يرقد هؤلاء يخلفهم فى خدمتهم رجال آخرون مُختبرون. 3 ـ وهكذا فإننا نعتقد أن أولئك المعينين بواسطة الرسل، أو الذين عُينوا بعد ذلك بواسطة رجال فضلاء بموافقة الكنيسة كلها، وقد خدموا بدون لوم رعية المسيح، فى تواضع وسلام ونزاهة، ولهم شهادة حسنة من الجميع لمدة طويلة ـ هؤلاء لا يجوز، عدلاً، عزلهم من الخدمة. 4 ـ فإن خطأنا لن يكون صغيرًا، إذا عزلنا من الأسقفية رجالاً قدموا القرابين[134] فى قداسة وبدون لوم[135]. 5 ـ وطوبى لأولئك الشيوخ الذين تمموا عملهم من قبل وكانت نهايتهم مثمرة كاملة، فإنهم لا يخافون أن يسلبهم أحد الموضع المخصص لهم [136].

          6 ـ ولكننا نرى أن بعضًا عاشوا كما يليق، عزلتموهم من الخدمة التي قاموا بها بدون لوم وبكرامة [137].

(45)

          1 ـ فأنتم أيها الاخوة تتنافسون، ومملوءون غيرة فى الأمور المتعلقة بالخلاص. 2 ـ طالعوا باهتمام الكتب المقدسة ـ كلمات الحق التي نطق بها الروح القدس؛  3 ـ تبصروا أن شيئًا جائرًا أو زائفًا لم يكتب فيها. فلن تجدوا هناك أن الأبرار طردهم قديسون. 4 ـ لقد كان الصديقون يُضطهدون ـ ولكن من الأشرار. سُجنوا، ولكن بواسطة الأثمة. رُجموا، ولكن بواسطة المجرمين. قُتلوا، ولكن الذين قتلوهم كانوا من أهل اللعنة ومن الحاسدين[138] الحقودين. 5 ـ هذه الآلام احتملوها بفخر، 6 ـ وإلاّ فماذا نقول أيها الاخوة: هل ألقى دانيال فى جب الأسود[139] قومٌ يخافون الله؟ 7 ـ أو الذين طرحوا حنانيا وعزريا وميصائيل فى أتون النار[140] كانوا ممن يعبدون العلى العبادة العظيمة المجيدة ؟ حاشا لنا أن نظن ذلك ! فمن هم إذن مقترفو هذه الأعمال؟ إنهم العتاة، المملوءون من كل شر، الذين اتقدت ثورة غضبهم إلى درجة أنهم أنزلوا العذاب بأولئك الذين خدموا الله بنية مقدسة وبدون لوم، غير عالمين أن العلى هو المدافع عن كل الذين بضمير طاهر[141] يكرمون اسمه المجيد، الحافظ لهم وله المجد إلى الأبد آمين. 8 ـ وأما الذين صبروا إلى النهاية بثقة، فقد ورثوا علوًا وكرامة، ومجدهم الله وخطهم فى الكتاب الذي يحفظ ذكرهم إلى الأبد آمين.

(46)

          1 ـ فخليق لنا أيها الاخوة إذن أن نلتصق بهذه الأمثلة. 2 ـ لأنه مكتوب: “التصقوا بالقديسين لأن الذين يلتصقون بهم يصيرون قديسين”[142]. 3ـ وفى مكان آخر: ” مع الطاهر تكون طاهرًا، ومع الرجل البار تكون بارًا، ومع الأعوج تكون ملتويًا”[143]. 4ـ فلنلتصق بالطاهرين والأبرار لأنهم مختارو الله.

          5 ـ ثم لماذا توجد بينكم خصومات ومنازعات وانقسامات وبدع ومحاربات[144]؟ 6 ـ أليس لنا كلنا إله واحد ومسيح واحد؟ ألم ينسكب علينا روح النعمة الواحد؟ أم ليست لنا دعوة واحدة فى المسيح[145]؟ 7ـ فلماذا نقسم أعضاء المسيح ونمزقها، ونثير الخصومات ضد جسدنا الواحد، وتشتد بنا الحماقة إلى درجة أن ننسى أننا أعضاء كل واحد للآخر[146]؟ اذكروا كلمات ربنا يسوع، 8ـ الذي قال: ” ويل لذلك الرجل ! كان خيرًا له لو لم يولد قط، من أن يُعثر واحدًا من مختارىّ. حقًا كان خيرًا له لو علق فى عنقه حجر رحى و أغرق فى أعماق البحر من أن يضلّ واحدًا من صغارى “[147]. 9 ـ اعلموا أن انقساماتكم قد أفسدت نفوسًا كثيرة، وثبطت عزائم الكثيرين، وشككت الكثيرين ـ كما أنها أحزنتنا جميعًا. ومازالت الفتنة بينكم مستمرة !

 

(47)

          1 ـ فدونكم رسالة الرسول المغبوط بولس ؛ 2 ـ ماذا كتب لكم فى بداءة الإنجيل[148] ؟ 3 ـ لقد كتب إليكم بوحى الروح عن نفسه وعن صفا وأبولس[149]، لأنه حتى فى ذلك الحين كان التحزب يسود بينكم. 4ـ ولكن التحزب وقتئذ كان خطأً أقل، لأنكم توزعتم بين رسل معترف بهم، ومن أجل رجل كانوا قد اختبروه[150]. 5 ـ أما الآن، فقدروا من هم أولئك الذين ألقوا الشقاق بينكم[151] وقللوا من محبتكم الأخوية الذائعة الصيت. 6ـ إنه لأمر شائن يا أحبائى ـ شائن جدًا وغير لائق بسلوك مسيحي أن يُقال إن كنيسة كورنثوس العريقة الرصينة للغاية قد ثارت ضد شيوخها بسبب فرد واحد أو اثنين. 7 ـ فهذه الضجة لم تصلنا نحن فقط، بل وسمعها الخارجون عنا أيضًا، وصار اسم الرب يُجدف عليه[152] بسبب حماقتكم، فضلاً عن أن الخطر يهددكم أنتم أنفسكم.

 

(48)

          1 ـ لذا فلنبادر إلى وضع حد لهذه الحالة، ولنخر أمام السيد متضرعين إليه بدموع أن يتصالح معنا برحمته، ويردنا إلى سابق ممارستنا للمحبة الأخوية المقدسة اللائقة، 2 ـ فإنها باب البر الموصل للحياة كما هو مكتوب: ” افتحوا لى أبواب البر لكي أدخل فيها وأمدح الرب. 3 ـ هذا هو باب الرب والصديقون يدخلون فيه “[153]. 4 ـ ورغم أن أبوابًا كثيرة فُتحت، فإن باب البر هو الذي فى المسيح [154] ـ وطوبى لكل الذين يدخلون فيه ويسلكون فى طريقهم ” بالقداسة والبر”[155]، صانعين كل شئ بلا اضطراب. 5ـ نعم ـ ليكن الإنسان أمينًا، وليكن مقتدرًا فى كلام المعرفة[156]، حكيمًا فى تمييز الأقوال[157]، طاهرًا فى كل أفعاله [158]؛ 6ـ ولكن بقدر ما يبدو أعظم من الآخرين، يجب أن يكون أكثر تواضعًا[159]، وأن يطلب الخير العام للجميع لا منفعته الذاتية فقط [160].

(49)

          1ـ كل من عنده محبة المسيح فليحفظ وصايا المسيح[161]. 2 ـ تُرى من يستطيع أن يصف رباط[162] محبة الله؟ 3 ـ أى إنسان يقدر أن يشرح ـ كما ينبغى ـ جمالها الفائق. 4 ـ فإن السمو الذي ترتفع إليه المحبة لا يُنطق به. 5 ـ المحبة توحدنا بالله. ” المحبة تستر كثرة من الخطايا”[163]. المحبة[164] تحتمل كل شئ، وتصبر على كل شئ. ليس فى المحبة ما هو وضيع ولا ما هو متشامخ. المحبة لا تسمح بحدوث الانشقاقات ولا تثير المنازعات، بل تعمل كل الأشياء فى توافق. المحبة تُصيّر كل مختارى الله كاملين[165]. وبدون المحبة ليس شئ مرضيًا أمام الله. 6 ـ فى المحبة اقتنانا السيد[166] لنفسه. ولقد قدم ربنا يسوع المسيح، من أجل محبته لنا[167]، دمه بإرادة الله، من أجلنا ـ بذل جسده عن أجسادنا[168]، ونفسه عن نفوسنا.

 

 

(50)

1 ـ فأنتم ترون أيها الأحباء كم عظيمة وعجيبة هي المحبة، وأن كمالها يفوق الوصف. 2ـ من يستحق أن يوجد فيها إلاّ الذي أراد الله أن يمنحه ذلك؟ فلنصلِ ولنضرع إلى رحمته أن نوجد بدون لوم فى المحبة، متحررين من كل تحزب بشرى لواحد على الآخر. 3 ـ لقد انقضت الأجيال من آدم إلى اليوم، أما الذين ـ بنعمة الله ـ تكملوا فى المحبة فلهم الآن موضع[169] بين الأبرار، وسيظهرون عند استعلان[170] ملكوت المسيح. 4 ـ لأنه مكتوب: “هلم يا شعبى أدخل مخادعك نحو لحيظة[171] حتى يعبر سخطى وغضبى، وسأذكركم فى يوم رحمة وأقيمكم من قبوركم ” [172].  5ـ فطوبى لنا أيها الأحباء إذا حفظنا وصايا الله فى ألفة المحبة، حتى ـ فى المحبة ـ يغفر لنا خطايانا[173]، 6 ـ كما هو مكتوب: ” طوبى للذين غفر إثمهم وسترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية وليس فى فمه غش “[174]. 7 ـ وهذا التطويب هو للذين اختيروا من الله فى المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى أبد الأبد آمين.

(51)

          1 ـ ولنتضرع من أجل مغفرة كل الآثام التي ارتكبناها بإغراء العدو[175]. أما أولئك الذين تزعموا الفتنة والنزاع فيجب عليهم أن ينظروا إلى الرجاء المشترك. 2 ـ فإن الذين يعيشون فى خوف ومحبة يفضلون أن تقع الآلام على أنفسهم من أن يروا اخوتهم فيها، ويفضلون أن يلقى عليهم اللوم من أن تنفصم الوحدة التي وصلت إلينا فى قوة وتقوى. 3 ـ لأنه خير للإنسان أن يعترف بتعدياته، من أن يُقسى قلبه كما تقست قلوب أولئك الذين أثاروا الفتنة ضد موسى خادم الله الذين صارت دينونتهم ظاهرة للجميع. 4 ـ إذ ” هبطوا أحياء إلى الهاوية ” وابتلعهم الموت[176]. 5ـ وفرعون مع جيشه وجميع رؤساء مصر، والمركبات مع راكبيها أُغرقوا فى أعماق البحر الأحمر وهلكوا فيه[177] لا لسبب إلاّ لأن قلوبهم الغبية[178] قد تقست رغم كل الآيات والعجائب التي صنعها موسى خادم الله فى أرض مصر.

 

(52)

          1 ـ أيها الاخوة ـ إن السيد ليس محتاجًا إلى شئ[179]، وهو لا يبغى شيئًا من أحد سوى الاعتراف له. 2 ـ إذ يقول داود المختار: ” اعترف للرب فيستطاب ذلك عنده أكثر من عجل بقر ذى قرون وأظلاف. فلينظر الفقراء ويفرحون “[180]. 3 ـ ويقول أيضًا ” قدم لله ذبيحة التسبيح وأوف للعلى نذورك. ادعنى فى وقت الضيق أنقذك فتمجدنى “[181]. 4 ـ لأن الذبيحة لله روح منسحق”[182].

(53)

          1 ـ أنكم تفهمون الكتب المقدسة[183] أيها الأحباء ـ تفهمونها جيدًا، وقد تعمقتم أقوال الله. فاذكروا إذن هذه الأشياء: 2 ـ لما صعد موسى إلى الجبل وهناك صرف زمانًا[184] بصوم وخشوع لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة، قال له الله: ” موسى موسى[185] ـ أنزل سريعًا لأن شعبك الذي أصعدته من أرض مصر قد ارتكب إثمًا وزاغ سريعًا عن الطريق الذي أوصيته أن يسلك فيه، وصنعوا لأنفسهم تماثيل مسبوكة “[186].  3 ـ وقال له الرب أيضًا: لقد قلت لك مرة وأخرى ـ إنى قد رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة. فدعنى أفنهم وأمح اسمهم من تحت السماء. وسوف أجعلك أمة عظيمة وعجيبة وأكثر عددًا من هذا الشعب “[187]. 4 ـ أما موسى فقال: ” حاشاك يارب، إنما اغفر خطية هذا الشعب أو أمح اسمى من سفر الحياة “[188]. 5 ـ فيا للمحبة العجيبة، ويا للكمال الذي لا يُغلب! فهوذا العبد يتكلم مع ربه بحرية ويطلب المغفرة لشعبه ـ وإلاّ فليهلك هو أيضًا معهم…

(54)

          1ـ أ بينكم شخص كريم، مترائف،  مملوء محبة.. 2 ـ هذا فليجاهر قائلاً [189]: ” إن كان الانقسام والنزاع والشقاق قد نشأ بسببى، فإنى أرحل عنكم وأمضى إلى حيث تريدون، وأطيع كل ما تأمر به الجماعة ـ فقط لتعش رعية المسيح فى سلام مع القسوس الذين أقيموا عليها “. 3 ـ إن من يفعل ذلك ينال مجدًا عظيمًا فى المسيح، وكل مكان سيرحب به ؛ ” لأن للرب الأرض وملأها “[190]. 4 ـ هكذا تصرف من قبل، وهكذا سيعمل فى المستقبل ـ أولئك الذين يحبون حياة التقوى التي بلا ندم.

(55)

          1 ـ ولنأخذ بعض أمثلة من بين الأممين؛ فهناك ملوك وأمراء كثيرون لما أوحى إليهم، قدموا أنفسهم للموت وقت انتشار الأوبئة لكي ينقذوا بدمائهم حياة مواطنيهم من الهلاك. وهناك آخرون ابتعدوا عن مدنهم حتى يخمدوا الفتنة الحادثة فيها [191]. 2 ـ ونحن نعرف كثيرين ممن هم لنا قد سلموا أنفسهم للقيود لكي يفتدوا غيرهم وكثيرون أيضًا باعوا أنفسهم كأرقاء حتى يقدموا ـ بثمن عبوديتهم ـ طعامًا لآخرين[192]. 3 ـ ونساء كثيرات أيضًا إذ تشددن بنعمة الله قمن بكثير من أعمال الشهامة: 4 ـ فالمغبوطة يهوديت لما حوصرت مدينتها طلبت من الشيوخ أن يسمحوا لها بالذهاب إلى معسكر الأعداء. 5 ـ فخرجت معرضة نفسها للخطر من أجل المحبة التي تكنها فى قلبها لوطنها وشعبها المحاصرين إذ ذاك. وقد سُلِّم الرب هولوفرانس ليد امرأة[193]. 6 ـ كذلك إستير، إذ كانت كاملة فى الإيمان، لم تعرض نفسها لخطر أقل كى تخلص أسباط إسرائيل الاثنى عشر من الهلاك المحدق بهم. وبالصوم والتذلل تضرعت إلى السيد الذي يرى الكل، إله الدهور[194] ـ الذي وقد رأى انسحاق روحها أنقذ الشعب الذي خاطرت من أجله [195].

[114] أيوب16:4ـ18، 19ـ21، 1:5ـ5، 15:15 حسب السبعينية.

[115] رو33:11، 1كو10:2، رؤ24:2.

[116] 1كو40:14.

[117] المقصود خدماتهم. قارن ما يلى5:44. وفى كتابات الآباء أصبح المكان المخصص لكل طغمة هو علامة الخدمة ذاتها. بوليكاربوس، فيلبى1:11، يوسابيوس، تاريخ2:5:5، المراسيم الرسولية18:11:2.

[118] قارن المقابلة بين العلمانيين والكهنة فى إر9:34. ترتليان Ad. praxaen رقم41. اكليمندس الأسكندرى سترومات90:12:3.

[119] قارن 2كو13:10،14.

[120] عب28:10،29.

[121] مت5:11، لو22:7، عب2:4،6.

[122] 1كو23:3، لو18:17، 21:20، هرماس.

[123] رؤ21:4، 5:14.

[124] 2تى14:3.

[125] 1تس5:1، كو2:2، عب11:6، 22:10.

[126] إش17:60 طبقًا للسبعينية مع تصرف من الكاتب.

[127] رو2:3، غل7:2، 1كو17:9.

[128] عد7:12، عب5:3. ما سبق5:17.

[129] عد17.

[130] يو3:17.

[131] يُفسر البعض ذلك بأنه يعنى ” كرامة الأسقفية “. والبعض يقول إن المعنى هو النزاع على ” الأسقفية ” أما المطران برينيوس فيقول إن المقصود هو النزاع على تسلسل الأسقفية أى الخلافة عليها. أنظر يوسابيوس تاريخ5:43:6.

[132] ما سبق2:43.

[133] ما سبق4:42.

[134] هذه العبارة تشمل كل واجبات الأسقفية؛ فقرابين العهد الجديد هي ذبائح الحمد (ما سبق2:35، 1:36، ما يلى3:52) ومشاعر التوبة(4:52). وهي التقدمات التي يأتى بها المؤمنون للكهنة من صدقات وأعمال شكر. وهي أيضًا قرابين الإفخارستيا. عب15:13،16. والمراسيم الرسولية25:2،27،34،35،53. ومن قبل هذا تضمنت هذه الرسالة زمن الذبيحة ومكانها.

[135] 1تس10:2.

[136] فى المجد.

[137] المراسيم26:2.

[138] ما سبق4:3.

[139] دانيال16:6.

[140] دانيال19:3.

[141] 1تى9:3، 2تى3:1.

[142] غير موجودة فى الكتاب المقدس.

[143] مز25:18،26. والمزمور يتحدث عن مسلك الله تجاه خدامه الذين يخدمونه.

[144] قارن يع1:4.

[145] قارن أفسس4:4ـ6، 1كو6:8، 12:12ـ26، وما يلى 2:58.

[146] رو5:12.

[147] مت24:26، مر21:14، لو22:22، لو2:17، مت6:18، مر42:9.

[148] فى15:4.

[149] 1كو3.

[150] يقصد بولس.

[151] ما سبق 1:1.

[152] رو24:2، 1تى1:6.

[153] مز19:118،20.

[154] قارن مت13:7،14، يو7:10،9.

[155] لو75:1.

[156] 1كو1:8،10،11، 2:13،8.

[157] رو1:14، 1كو10:12.

[158] قارن ذكر المواهب 1كو8:12ـ10.

[159] مت11:23.

[160] 1كو24:10،33، 5:13، فى21:12. هذا، وقد استخدم اكليمندس الأسكندرى هذا الفصل بصور مختلفة فى ستروماته. قارن 1:48،6 سترومات 8:4،113. 2:48ـ5 سترومات7:1،38. و4:48 سترومات8:6و64. و5:48ـ6 سترومات8:6و65.

[161] يو15:14، 1يو1:5ـ3.

[162] كو14:3. جيروم، أف1:4.

[163] 1بط8:4، يع20:5، ما يلى5:50.

[164] قارن بخصوص العبارات التالية1كو13.

[165] لو18:4.

[166] الله الآب. قارن يو16:3، 1يو9:4،10.

[167] يو12:15،13، غل4:1، 20:2، أف2:5.

[168] إيريناؤس1:1:5.

[169] ما سبق 4:5،7، 5:44. إيريناؤس2:31:5.

[170] افتقاد. لو44:19، 1بط12:2.

[171] عب37:10.

[172] إش20:26، حز12:37.

[173] ما سبق 5:49، 1بط8:4.

[174] مز1:32،2، رو7:4ـ9.

[175] استشهاد بوليكاربوس1:17، 2تس4:2، 1تى14:5، 1بط8:5.

[176] عد16. المراسيم27:2، 3:6.

[177] خروج 14.

[178] رو21:1.

[179] أع25:17.

[180] مز69.

[181] مز14:50،15.

[182] مز17:51.

[183] قارن 2تى15:3، بوليكاربوس فيلادلفيا12، 2مكابيين23:8.

[184] أع33:15، 23:18، 3:20، 2كو25:11، يع13:4.

[185] يضيفها اكليمندس وبرنابا (8:4، 3:14).

[186] خر7:32، تث12:9.

[187] خر9:32، تث13:9و14.

[188] خر32:32.

[189] قارن إبيفانيوس الهرطقات6:27.

[190] مز1:24، 1كو26:10ـ28.

[191] هنا يكشف اكليمندس عن روح إنسانى يستطيع أن يبصر ويقدر أسمى ما تحويه النفس البشرية من أى جنس وفى أى عصر.

[192] قارن رو3:16،4، فى30:2، المراسيم 1:5، هرماس  mondata10:8، رمز1:5، يوسابيوس تاريخ10:23:4.

[193] يهوديت8.

[194] 1تى17:1، مز13:145، ما سبق 3:35.

[195] استير6و7و8.

 

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج4 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج3 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج3 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج3 – د. وليم سليمان قلادة

 

 (21)

          1 ـ فاحذروا أيها الأحباء لئلا يقتادنا غنى لطفه[1] إلى الدينونة إن لم نسلك كما يحق له، وبوفاق نفعل الأشياء الصالحة والمرضية أما عينيه. 2ـ لأنه فى الحقيقة يقول [الكتاب] فى موضع ما: ” روح الرب سراج يفتش مخادع البطن “[2]. 3 ـ فلنتبصر كم هو قريب[3] منا، وأن ليس شئ من أفكارنا أو خواطرنا يخفى عليه. 4 ـ فحق علينا إذن أن لا نتخلى عن مركزنا الذي عينته لنا إرادته، 5 ـ وخير لنا أن نُغضب أولئك الناس الحمقى وغير المتعقلين والمتشامخين الذين يفتخرون بكبرياء أقوالهم[4]، عن أن نغضب الله. 6 ـ لنمجد الرب يسوع المسيح الذي بُذل دمه عنا. ولنوقر رؤساءنا[5] ـ لنكرم الشيوخ الذين بيننا، ولنرب الشباب[6] فى مخافة الله. لنوجه زوجاتنا إلى ما هو صالح، 7 ـ وليبدين خلق النقاوة المحبوب، وليؤكدن ثباتهن المخلص فى الوداعة، وليظهرن بالصمت ووقار ألسنتهن، وليبدين المحبة بقداسة ـ لا بحسب أهوائهن بل بدون محاباة[7] نحو كل الذين يعيشون فى التقوى ومخافة الله. 8 ـ فليكن لأولادنا شركة فى التهذيب المسيحي الحق، وليعرفوا مقدار ما للتواضع من نفع أمام الله، وما للمحبة الطاهرة من اقتدار لديه، وكيف أن مخافة الله حسنة وثمينة، وكيف أنها تنجى كل الذين يسلكون فيها بقداسة بضمير طاهر. 9ـ لأنه هو فاحص أفكارنا ورغباتنا[8]، ونسمته فينا، وهو سيأخذها متى يشاء[9].

(22)

          1 ـ هذه الأشياء جميعًا يكفلها لنا الإيمان فى المسيح؛ فبالحقيقة هو يدعونا هكذا بواسطة الروح القدس: ” تعالوا إلىّ أيها البنون، اسمعوا لى فأعلمكم مخافة الرب. 2 ـ من هو الرجل الذي يهوى الحياة ويحب أن يرى أيامًا صالحة ؟ 3 ـ صُنْ لسانك عن الشر، وشفتيك عن النطق بالغش. 4ـ حد عن الشر واصنع الخير، 5ـ اطلب السلام واتبعه. 6ـ إن عينى الرب على المستقيمين، وأذنيه مصغيتان إلى صلواتهم. وجه الرب ضد صانعى الشر ليمحو من الأرض ذكرهم. 7 ـ الصديق صرخ والرب سمع له، من جميع أحزانه خلصه. 8 ـ كثيرة هي آلام البار، لكن الرب ينقذه من جميعها”[10]. يقول أيضًا: ” كثيرة هي نكبات الشرير، أما رحمته فتحوط الذين رجاؤهم فى الرب ” [11].

(23)

          1 ـ إن الآب الكثير الرحمة والإحسان يتراءف على الذين يخافونه، ويوزع إنعاماته بعطف ومحبة للذين يأتون إليه بقلب بسيط. 2ـ فلا نكن إذن ذوى رأيين، و لا ترتفع نفوسنا بسبب عطاياه العظيمة المجيدة ؛   3ـ حتى لا يتم علينا المكتوب: “ملعون كل ذى رأيين[12] الذي يشك فى قلبه قائلاً: قد سمعنا عن هذا كله فى زمن آبائنا[13]، ورغم أننا تقدمنا فى الأيام ـ فإن شيئًا من هذا لم يحدث لنا. 4ـ أيها الأغبياء! قارنوا أنفسكم بشجرة، ولتكن الكرمة [مثلاً][14]ـ فهي أولاً تنفض أوراقها، ثم تنمو براعمها، وبعد ذلك تنبت أوراقها ثم تزهر، وتثمر الحصرم. ويتلو ذلك العنب الناضج”[15]. بهذا تدركون كيف تنضج ثمرة الشجرة فى وقت قصير.

          5 ـ وهكذا بالحقيقة سوف تتم مشيئة الله سريعًا وبغتة، كما يؤكد ذلك الكتاب بقوله: ” سوف يأتى سريعًا ولن يبطئ “[16]. ويأتى الرب بغتة إلى هيكله ـ الواحد القدوس الذي تطلبونه “[17].

(24)

          1 ـ فلنلاحظ أيها الأحباء كيف يصور لنا السيد باستمرار القيامة المقبلة، التي أعطانا باكورتها[18] فى الرب يسوع المسيح، بإقامته إياه من الأموات. 2 ـ لنتأمل يا أحبائى القيامة التي يتوالى حدوثها فى كل الأوقات. 3 ـ فالنهار والليل يعلنان لنا قيامةً، إذ يستغرق الليل فى اليوم، وينهض النهار، ثم يُولى النهار ويأتى بعده الليل.

          4 ـ لنلاحظ الثمار وبأى شكل تعمل الحبوب: 5 ـ يخرج الزارع[19] ليلقى البذار المتنوع فى الأرض، والبذار الجافة والعارية تسقط فى التربة كى تأخذ فى الانحلال داخلها تدريجيًا، ولكن من انحلالها ذاته تقيمها عناية السيد القادرة، والحبة الواحدة تتكاثر وتعطى ثمرًا.

 

(25)

          1 ـ فلنتأمل الأعجوبة الغريبة التي تحدث فى نواحى المشرق، أى بلاد العرب والأقاليم المحيطة بها. 2 ـ هناك طائر يسمى العنقاء[20]: هو وحيد فى نوعه ويعيش خمسمائة عام، وعندما تقرب نهايته ليموت ـ يقيم لنفسه باللبان والمر وغيرهما من الأطياب عشًا يدخله عندما تكمل أيامه حيث يموت. 3 ـ ومن جسمه المتحلل تولد دودة تغتذى من بقايا الطائر الميت، وتتغطى بالريش. ثم إذ تصبح قوية، تحمل العش الذي تستقر فيه عظام أبيها، وبهذا الحمل تواصل رحلتها من العربية إلى مصر حتى مدينة هليوبوليس. 4 ـ هناك، فى وضح النهار، وعلى مرأى من الجميع تمضى طائرة لتضعه على مذبح الشمس. وبعد ذلك تسرع عائدة إلى مقرها الأول. 5 ـ حينئذ يفتش الكهنة سجلات تواريخهم، ويجدون أنها عادت بالضبط بعد تمام الخمسمائة عام.

(26)

          1 ـ أفنحسبه أمرًا غريبًا وعجيبًا إذن، إن كان صانع الكون يقيم ثانية أولئك الذين خدموه بتقوى فى يقين الإيمان الحسن ـ على الرغم من أنه يرينا فى طائر قدرة وعده؟ 2 ـ ألاّ يقول الكتاب فى موضع معين: “سوف تقيمنى وأنا سأعترف لك “[21] وأيضًا ” أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت لأنك أنت معى ” [22]. 3 ـ وأيضًا يقول أيوب: ” ستقيم جسدى الذي احتمل كل هذه الآلام ” [23].

(27)

          1 ـ فإذ لنا هذا الرجاء، فلتلتصق أرواحنا بمن هو أمين فى مواعيده[24]، وعادل فى أحكامه، 2ـ لأن الذي أوصانا أن لا نكذب ـ لن يكذب هو بالحرى، إذ ليس شئ غير ممكن لدى الله إلاّ الكذب [25].

          3 ـ فلنضرم[26] إيمانه مرة أخرى فى داخلنا، عالمين أن كل الأشياء ميسورة لديه. 4 ـ فبكلمة قدرته[27] أنشأ كل الأشياء، وبكلمته أيضًا يستطيع أن يهدمها. 5 ـ “من يقول له ماذا فعلت، أو من يقاوم شدة قوته”[28]؟ لأنه يصنع كل شئ متى أراد، وكيفما أراد. ولن يَبطل شئ من تدبيراته[29]. 6ـ كل الأشياء مكشوفة أمامه، ولا يُخفى شئ عن مشورته[30]. 7 ـ ” السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يبدى قولاً وليل إلى ليل يظهر علمًا. وليست أقوال ولا كلمات لا تسمع أصواتها ” [31].

 

(28)

          1 ـ ومادام [الله] يرى كل الأشياء ويسمعها، فلنَخَفه ـ ولنطرح الشهوة الدنسة التي للأعمال الشريرة حتى يحفظنا برحمته من الدينونة المقبلة. 2 ـ لأنه أين يمكن الفرار من يده المقتدرة، وإلى أى عالم يلتجئ هارب من الله ؟ ألاّ يقول الكتاب فى موضع: 3 ـ ” إلى أين أذهب، وأين أختفى من وجهك؟ إن صعدت إلى السماء فأنت هناك، وإذا ذهبت إلى أقاصى المسكونة فهناك يمينك، وإن نزلت إلى الهاوية فهناك روحك”[32] فأين يمكن الانزواء إذن، أين المهرب بعيدًا عن من يحيط بكل كائن ؟

 

(29)

          1 ـ إذن لنقترب منه فى قداسة الروح، رافعين نحوه أيادٍ طاهرة[33] من كل دنس، محبين أبانا المنعم الرحيم الذي جعلنا لنفسه بصليبه المختار. 2 ـ كما هو مكتوب: ” حين قسم العلى الأمم، حين فرق بنى آدم، نصب تخومًا للأمم حسب عدد ملائكته. (أما) قسم الرب (فهو) شعبه يعقوب، وإسرائيل هو نصيب ميراثه”[34]. 3 ـ وفى موضع آخر يقول أيضًا: “يأخذ الرب لنفسه شعبًا من بين الشعوب كما يأخذ الإنسان البكور من بيدره، ومن هذه الأمة يخرج قدوس القديسين “[35].

 

(30)

          1ـ وبما أننا نصيب مقدس، فعلينا أن نمارس أعمال القداسة[36]، مجتنبين كلام الشر والمعانقات الممقوتة والدنسة والسكر والسعى وراء الشهوات الشبابية وكل الشهوات (الأخرى) المرذولة والزنى البغيض والكبرياء الممقوت. 2ـ “لأن الله ـ كما يقول الكتاب ـ يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعين فيعطيهم نعمة”[37]. 3ـ فلنلتصق إذن بالذين يعطيهم الله نعمته، ولنتسربل بالوفاق والاتضاع وضبط النفس على الدوام، مبتعدين عن الوشايات والتهامس الشرير. ولتكن تزكيتنا لا بالأقوال بل بالأعمال[38]. 4ـ لأن الكتاب يقول: “كثير الكلام يجاوب بكثير، وهل المسرع فى كلامه يتبرر؟”[39]. 5ـ مبارك هو مولود المرأة، القليل الأيام الذي لا يكثر من الكلام. 6ـ إذن فليكن مدحنا من الله لا من أنفسنا[40]، لأن الرب يبغض الذين يمدحون أنفسهم. 7ـ لتكن الشهادة لأعمالنا الصالحة من أفواه الآخرين كما كان الحال مع آبائنا الأبرار [41]. 8ـ إن الوقاحة والاعتداد بالذات والعجرفة هي من صفات أبناء الغضب. أما الاعتدال والتواضع والوداعة فمن صفات الذين باركهم.

(31)

          1 ـ فلنلتصق ببركة الله، ولنتعرف على الطرق التي توصلنا إليها، ناظرين إلى كل الأمور التي حدثت منذ البداية: 2 ـ فلأى سبب نال إبراهيم أبونا البركة؟ أليس لأنه بالإيمان عمل البر والحق ؟[42]. 3 ـ واسحق بثقة كاملة ـ أسلم نفسه بفرح للذبح، عالمًا بما كان عتيد أن يحدث [43]. 4 ـ ويعقوب قَبِل باتضاع أن يخرج من أرضه هاربًا من وجه أخيه، وجاء إلى لابان وخدم عنده، وهناك أُعطى أن يكون رئيسًا لأسباط بنى إسرائيل الاثنى عشر.

(32)

          1 ـ ومن يتأمل الأمور واحدًا واحدًا، بإخلاص ـ يدرك عظم الهبات التي صارت بواسطته[44]. 2 ـ إذ منها قد خرج الكهنة وجميع اللاويين الذين خدموا مذبح الله. ومن نسله جاء أيضًا ربنا يسوع المسيح حسب الجسد. ومن ذريته، من نسل يهوذا، قام ملوك وأمراء وحُكام. أما الأسباط الأخرى فليست بأقل كرامة طبقًا لوعد الله: ” ويكون نسلك مثل نجوم السماء “[45]. 3 ـ جميع هؤلاء نالوا كرامة ومجدًا، لا من أجل استحقاق ذواتهم، ولا من أجل أعمالهم[46] ولا للبر الذي صنعوه، بل بإرادة الله. 4 ـ ونحن، بالتالى، إذ دعينا بهذه الإرادة عينها[47] فى المسيح يسوع لا نتبرر بذواتنا، ولا بحكمتنا أو فهمنا، ولا بتقوانا ولا بأعمال عملناها بقداسة القلب ـ بل بذلك الإيمان، الذي به منذ البدء برر الله ضابط الكل جميع الناس. الذي له المجد إلى الأبد آمين.

(33)

          1 ـ فماذا نفعل إذن يا اخوتى ؟ أنتكاسل فى فعل الخير ونكف عن المحبة[48]؟ فليحفظنا السيد من اتِّباع مثل هذه الطرق! بل بالحرى، لنسرع بكل نشاط واستعداد قلبى لإتمام عمل صالح[49]. 2 ـ لأن الخالق ورب الكل نفسه يبتهج بعمله[50]، 3 ـ فبقوته الفائقة العظمة أسس السموات وزينها بحكمته غير المُدركة، وفصل اليابسة عن المياه التي تكتنفها، وثبتها على أساس إرادته الذي لا يتزعزع، وبكلمته أيضًا خلق الحيوانات التي فوقها. وعندما أنشأ البحار وما فيها من خلائق حصرها بقوته فى حدود لا تتجاوزها.

          4 ـ وفوق الكل، فإن الإنسان ـ الذي عقله هو سبب عظمته وسموه ـ كوّنه بيديه المقدستين الطاهرتين، كمثال لصورته نفسها. 5 ـ فلذلك قال الله: ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا. فخلق الله الإنسان على صورته ـ ذكرًا وأنثى خلقهم “[51] 6 ـ وبعد ما أكمل هذه الكائنات مدحها الله وباركها وقال: ” أثمروا وأكثروا ” [52].

          7 ـ وهكذا نرى أن كل الرجال الأبرار قد تزينوا بالأعمال الصالحة، وأن الرب نفسه ـ وقد تزين بأعماله ـ ابتهج. 8 ـ فإذ لنا هذا المثال، لنخضع بلا إبطاء  لإرادته، ولنعمل عمل البر بكل قوتنا.

(34)

          1 ـ فالعامل الأمين يتقبل جزاء عمله بثقة. أما الكسول المتوانى فلا يستطيع أن يرفع عينيه فى وجه من يخدمه. 2 ـ لهذا ينبغى أن نكون مسرعين إلى فعل الخير، لأن من الله كل الأشياء[53]. 3 ـ وهو ينذرنا قائلاً: ” هوذا الرب يأتى وأجرته قدامه لكي يعطى كل واحد بحسب عمله”[54]. 4 ـ لذلك يستحثنا أن نؤمن به من كل قلبنا وأن لا نكون متكاسلين أو متوانين فى أى عمل صالح [55]. 5 ـ وليكن افتخارنا به، وثقتنا فيه. ولنُخضع أنفسنا لإرادته. ناظرين إلى كل جموع ملائكته الذين يقفون على استعداد دائم لتنفيذ مشيئته. 6 ـ كما يقول الكتاب: ” ربوات ربوات وقوف حوله، وألوف ألوف يخدمونه[56] قائلين قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت، مجده ملأ كل الخليقة “[57]. 7 ـ لذلك فإذ نحن مرتبطون بمشاعر متآلفة، فى توافق الجسم الواحد، لنصرخ إليه بحرارة كما بفم واحد ـ ليجعل لنا نصيبًا فى مواعيده العظيمة المجيدة، 8 ـ التي يقول الكتاب عنها: ” ما لم تره عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين ينتظرونه ” [58].

(35)

          1 ـ أيها الأحباء ـ كم هي مباركة وعجيبة عطايا الله ! 2 ـ (إنها) الحياة فى الخلود، البهاء فى البر، الحق فى الحرية، الإيمان فى الطمأنينة، ضبط النفس فى القداسة. وهذه جميعها ندركها منذ الآن بأفهامنا 3 ـ فكيف ستكون إذن تلك الأشياء التي أعدها للذين ينتظرونه ؟ إن الخالق وأب كل الدهور[59]، القدوس ـ هو وحده الذي يعرف مقدارها وبهاء جمالها[60]. 4 ـ لذلك فلنجاهد بحرارة لكي نُحسب بين الذين ينتظرونه، حتى يكون لنا نصيب فى عطاياه التي وعد بها. 5 ـ ولكن كيف يتحقق لنا ذلك أيها الأحباء؟ إذا ثبَّتنا فكرنا نحو الله بالإيمان، وإن كنا نطلب بحرارة الأمور المرضية والمقبولة لديه، ونفعل الأشياء التي توافق إرادته الطاهرة، ونتبع طريق الحق ـ طارحين عنا كل إثم ومعصية، مع كل طمع وحسد وخصام، والممارسات الشريرة، والخداع والنميمة والكلام الباطل، وكل بغضة لله وكل كبرياء وتشامخ ومجد باطل وقسوة على الغرباء.

          6 ـ لأن الذين يفعلون مثل هذه الخطايا هم مكروهون لدى الله ـ وليس فقط الذين يفعلونها، بل أيضًا الذين يُسرون بالذين يفعلونها  [61]. 7ـ إذ يقول الكتاب: ” وللشرير قال الله: ما لك تُحَدِّث بفرائضى، وتحمل عهدى على فمك، 8 ـ وأنت قد أبغضت التأديب وألقيت كلامى خلفك ؟ إذ رأيت سارقًا وافقته، وجعلت مع الزناة نصيبك. أطلقت فمك بالشر ولسانك يخترع غشًا، تجلس تتكلم على أخيك، لابن أمك تضع معثرة. 9 ـ هذه صُنعت وأنا سكتُّ. ظننت أيها الشرير، أننى مثلك. 10 ـ ولكنى أوبخك وأصف خطاياك أمام عينيك. 11 ـ افهموا هذا أيها الناسون الله لئلا يمزقكم إربًا كالأسد ولا منقذ. 12 ـ ذابح الحمد يمجدنى، والمقوم طريقه أريه خلاص الله ” [62].

(36)

          1 ـ هذا ـ أيها الأحباء ـ هو الطريق، به نجد مخلصنا يسوع المسيح رئيس كهنة[63] جميع تقدماتنا، الذي يحمى ضعفنا ويعينه. 2 ـ به ترتفع أعيننا إلى أعالى السماء، وفيه نرى كما فى مرآة[64] وجه الله النقى الكلى البهاء. وبه تنفتح أعين قلوبنا، به يبتهج من جديد فى نوره العجيب عقلنا الغبى المظلم[65]، به شاء الرب أن نتذوق المعرفة الخالدة: ” الذي هو بهاء مجده ـ صار أعظم جدًا من الملائكة بمقدار ما ورث اسمًا أفضل منهم “[66]. 3 ـ كما هو مكتوب: ” الصانع ملائكته رياحًا، وخدامه لهيب نار “[67]. 4 ـ أما عن ابنه فقد قال الرب هكذا: ” أنت ابنى أنا اليوم ولدتك. اسألنى فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وأقاصى الأرض ملكًا لك[68]. 5ـ ويقول له أيضًا: ” اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك تحت موطئ قدميك “[69]. 6 ـ فمن هم أعداء المسيح؟ إنهم كل الأشرار وجميع الذين يقاومون إرادة الله.

(37)

          1 ـ فلنجاهد[70] إذن أيها الرجال الاخوة بكل نشاط كجنود، سائرين، بحسب وصاياه المقدسة، 2 ـ ولننظر إلى (الجنود) الذين يخدمون تحت قيادة الرؤساء؛ كيف ينفذون بكل نظام وطاعة وخضوع الأشياء التي يُؤمرون بها.

          3 ـ ليس الجميع رؤساء، ولا هم رؤساء ألف أو مائة أو خمسين أو ما شاكل ذلك [71]، ولكن كلاً منهم فى رتبته[72] يتمم كل ما يأمر به الملك  والرؤساء. 4 ـ لا يستغنى الكبير عن الصغير، ولا الصغير عن الكبير. هناك نوع من الاشتراك فيما بينهم، ومن هنا يقوم تبادل المنفعة.        5 ـ ولنأخذ جسدنا كمثال [73] ؛ فالرأس هي لا شئ بدون القدم، وكذلك القدم بدون الرأس. بل إن أصغر أعضاء الجسد ضرورى ونافع للجسد كله[74]، ولكن جميع الأعضاء تعمل معًا[75] فى انسجام تحت قيادة عامة واحدة من اجل حفظ الجسد كله.

(38)

          1 ـ إذن فليُحفظ، سليمًا، الجسد الذي نكوِّنه فى المسيح يسوع، وليخضع كل واحد لقريبه[76] بحسب الموهبة الخاصة التي أُعطيت له[77]. 2 ـ فليهتم القوى بالضعيف، وليخدم الضعيف القوى. فليسدّ الغنى احتياجات الفقير، وليشكر الفقير الله لأنه أعطاه إنسانًا تُسدُّ به حاجته. والحكيم فليظهر حكمته ـ لا بمجرد القول بل بالأعمال الصالحة. ولا يزكيّن المتواضع ذاته، بل ليدع الغير يشهدون له[78]. ولا يفتخرنَّ الطاهر الجسد بطهارته، ولا يتباهي بها ليعلم أن آخر هو الذي أفاض عليه موهبة العفة. 3 ـ فلنتأمل إذن أيها الاخوة من أى مادة صُنعنا، ومن كنا، وما هي هذه الكائنات التي كناها حين دخلنا إلى العالم ـ من أى قبر، ومن أية ظلمة حالكة[79]. ولكن الذي صنعنا وأبدعنا، إذ قد أعد لنا عطاياه الفاخرة قبل أن نولد، أدخلنا إلى عالمه. 4 ـ فإذ نحن نتقبل كل هذه النعم منه، ينبغى أن نشكره على كل شئ. ذلك الذي له المجد إلى أبد الأبد. آمين.

[1] رو4:2.

[2] أم27:20.

[3] قارن ما يلى 3:27، مز151:119، مز18:145. بوليكاربوس، فيلبى3:4

[4] يع16:4.

[5] قارن عب17:13، 1تس12:5،13، وما سبق 3:1.

[6] بوليكاربوس، فيلبى2:4.

[7] 1تى21:5. ما يلى 3:47،4، 2:52.

[8] عب2:4.

[9] مز29:103.

[10] مز11:34ـ17،19.

[11] مز10:32.

[12] يع8:1، 8:4، الديداكية4:4، برنابا5:19، هرماس الرؤيا3:4:3.

[13] 2بط4:3، إش19:5.

[14] مت32:24،33، مت28:13،29، لو29:21،30.

[15] يع8:1، 2بط3:3،4، مر26:4، مت32:24. وتورد رسالة اكليمندس الثانية هذا النص كقول نبوى.

[16] حبقوق3:2، إش32:13، عب37:10.

[17] ملاخى1:3.

[18] قارن 1كو20:15، كو18:1.‎

[19] قارن مت3:13، مر3:4، لو5:8.

[20] لا ينبغى أن يدهشنا ذكر أسطورة العنقاء هنا، لأن العالم القديم كله كان يؤمن بها. وقد أوردها هيرودت لأول مرة (73:2) وفى عام 97 قبل الميلاد كتب أحد شيوخ روما عن العنقاء وقال إن ذلك العام يوافق العام 215 منذ آخر ظهور لذلك الطائر العجيب (بلينى، التاريخ الطبيعى، 2:10) وفى نهاية حكم تيباريوس قيل إن العنقاء ظهرت ثانية فى مصر. وبعد ذلك بعدة أيام وفى سنة 47 ق.م عُرِض الطائر فى روما، ومن المحتمل أن القديس اكليمندس رآه بعينه، وشمله الاعتقاد العام المتداول بين كل الناس. ولقد أورد كثير من الكُتاب قصة العنقاء ـ سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين (مثلاً كلسوس يستخدمها ضد المسيحيين، أوريجينوس ضده، 98:4. وأنظر ترتليان عن القيامة13، وكيرلس الأورشليمى، للموعوظين8:18، والنزينزى عظاته10:31، وأوغسطين عن النفس 33:4)، وهكذا فإن اكليمندس لا يظهر شخصًا سريع التصديق أكثر من معاصريه المدققين. ومن الواضح أن القديس يورد الحديث هنا كإحدى ظواهر التاريخ الطبيعى مرتبطة بالفصلين السابقين حيث يعرض ظواهر طبيعية أخرى. وأنظر ما يلى 7:27.

[21] مز7:28.

[22] مز6:3، 4:23.

[23] أيوب25:19،26.

[24] عب23:10.

[25] تى2:1، عب18:6، مت26:19، مر27:10.

[26] 2تى6:1.

[27] عب3:1، حكمة1:9.

[28] حكمة12:12، 22:11.

[29] مت35:24.

[30] مز3:139،4،15.

[31] مز1:19ـ3.

[32] مز7:139ـ10.

[33] 1تى8:2.

[34] تث8:32،9 (حسب السبعينية).

[35] تث34:4، عد27:19، 2أى14:31، حز12:48، تث2:14. أنظر دا 9:9.

[36] 1بط15:1،16، لا44:11.

[37] أم 34:3، يع6:4، 1بط5:5.

[38] مت21:7، رو13:2، 1كو20:4، يع22:1، 14:2ـ26.

[39] أيوب2:11،3.

[40] رو29:2، 1كو5:4، 2كو18:10.

[41] أم2:27.

[42] رو1:4ـ25، غل6:3ـ14، يع21:2ـ26.

[43] لا يذكر سفر التكوين (7:22) شيئًا عن ثقة اسحق وفرحه. ولكن التقليد اليهودى يقول بذلك. فيوسيفيوس يقول إن اسحق تقبل بفرح أقوال إبراهيم وصعد إلى المذبح كى يُقدم عليه.

[44] أى بواسطة الله ليعقوب. والبعض يقول بواسطة ” يعقوب ” نفسه.

[45] تك5:15، 17:22، 4:28.

[46] 2تى9:1، تى5:3.

[47] أف5:1.

[48] قارن رو1:6.

[49] تى1:3.

[50] تك8:1،10،12، إلخ.

[51] تك26:1،27.

[52] تك28:1.

[53] رو36:11، 1كو6:8.

[54] إش10:40، 11:62، رؤ12:22، أم12:24.

[55] تى1:3.

[56] دانيال10:7.

[57] إش3:6.

[58] 1كو9:2.

[59] 1تى17:1. ما يلى رقم6:55، 2:61.

[60] قارن 1يو2:3.

[61] رو32:1.

[62] مز16:50ـ23.

[63] عب17:2، 1:3، 14:4،15، 1:5،5.

[64] 2كو18:3، يو14:1، يع23:1.

[65] رو21:1، أف18:4، 1بط9:2.

[66] عب3:1،4.

 [67] مز4:104، عب7:1.

[68] مز7:2،8، عب،5:1، أع33:13.

[69] مز1:110، عب13:1، 1كو25:15.

[70] 2كو3:10، 1تى18:1، 2تى3:2.

[71] 1كو29:12،30.

[72] 1كو23:15.

[73] 1كو12:12ـ31، رو4:12.

[74] 1كو22:12.

[75] حرفيًا تتنفس معًا.

[76] أف21:5.

[77]1بط10:4، 1كو7:7، رو6:12.

[78] أم2:27.

[79] مز15:139.

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج3 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج2 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج2 – د. وليم سليمان قلادة

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج2 – د. وليم سليمان قلادة

 

(11)

          1 ـ إن لوطًا بسبب محبته للغرباء ومن أجل صلاحه ـ أنقذه الله من سدوم حين عوقبت كل المنطقة المحيطة بالنار والكبريت وقد أظهر السيد بذلك أنه لا يترك من يلقى رجاءه عليه، أما العُصاة فيتخلى عنهم للعقاب والعذاب[1]، 3ـ فامرأة لوط التى خرجت معه، ولكن بشعور مخالف، وفي عدم اتفاق معه[2]، صارت عبرة إذ تحولت إلى عمود ملح قائم حتى اليوم[3]. حدث هذا لكى يعرف الجميع أن ذوى الرأيين[4] والذين لا يثقون في قوة الله يجلبون على أنفسهم دينونة ويصيرون عبرة لكل الأجيال التالية.

(12)

          1 ـ وراحاب الزانية قد خلُّصت بسبب إيمانها[5] ومحبتها للغرباء ؛ 2ـ إذ أنه لما أرسل يشوع بن نون الجواسيس إلى أريحا، تيقن ملك تلك البلاد أنهم جاءوا ليتجسسوا أرضه، فأرسل رجالاً ليقبضوا عليهم كى يُقضى عليهم بالموت. 3 ـ ولكن راحاب المُحبة للغرباء استقبلتهم وخبأتهم فوق سطح بيتها تحت أعواد الكتان. 4 ـ ولما جاءها رجال قائلين “هكذا يأمر الملك اِخرجى الرجلين اللذين أتيا إليكِ لأنهما جاسوسان” أجابتهم : “لقد جاءا إلىَّ الرجلان اللذان تبحثان عنهما، ولكنهما خرجا سريعًا وذهبا ” وأشارت إلى الطريق المضاد[6]. 5 ـ ثم قالت لهما : ” علمت أن الرب إلهكم قد أعطاكم هذه المدينة، لأن خوفكم ورعبكم قد وقعا على سكانها. فحينما تأخذونها اتركونى أنا وبيت أبى في سلام ” 6 ـ فقالا لها ” ليكن كما قلت، لهذا حالما تسمعين باقترابنا، أجمعى كل عائلتك تحت سقفك فيخلصوا ـ ولكن كل من يوجد خارج بيتك سيهلك “[7]. 7 ـ وفوق ذلك أعطوها علامة، وهي أن تعلق خارج منزلها خيطًا قرمزيًا. بهذا أظهروا أن دم الرب عتيد أن يفدى كل الذين يؤمنون بالله ويضعون رجاءهم فيه[8].

          8 ـ وهكذا ترون يا أحبائى، أنه لم يكن في هذه المرأة إيمان وحسب، بل ونبوة أيضًا.

(13)

          1 ـ لنكن إذن متضعين[9] أيها الاخوة، طارحين عنا كل تشامخ وكبرياء، وكل حماقة وغضب، ولنعمل بحسب المكتوب ؛ لأن الروح القدس يقول: ” لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبار بجبروته، ولا يفتخر الغنى بغناه ـ بل من افتخر يفتخر بالرب، بالسعى إليه باجتهاد، وصنع البر والعدل ” [10].

          متذكرين على الخصوص كلمات الرب يسوع التى نطق بها معلمًا إيانا الوداعة والاحتمال، 2 ـ إذ قال : ” كونوا رحماء فإنكم تُرحمون، اغفروا يُغفر لكم، كل ما تفعلون هكذا يُفعل بكم، كما تعطُون تُعطون، بالدينونة التى بها تدينون تُدانون، وكما تترأفون تُعاملون بالرأفة، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ” [11].

          3 ـ فلنوطد أنفسنا على هذا التعليم، وعلى هذه الوصايا حتى نسير بكل تواضع في طاعة كلامه المقدس. لأنه هكذا تقول الكلمة المقدسة: “إلى من أنظر ـ إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامى ” [12].

(14)

          1 ـ لذلك أيها الرجال الاخوة ـ إنه لحق ومقدس أن نطيع الله، أولى من أن نتبع أولئك الذين ـ بسبب الكبرياء والشقاق ـ قد صاروا قادة لمنافسة ممقوتة. 2 ـ لأننا نتعرض لا إلى ضرر بسيط بل إلى خطر عظيم إذا نحن استسلمنا لميول هؤلاء الرجال الذين يقصدون إثارة الخصام والانشقاق وبذلك يبعدوننا عن الصلاح. 3 ـ فلنكن شفوقين بعضنا نحو بعض على مثال تعطف خالقنا ولطف رحمته. 4 ـ لأنه مكتوب ” الودعاء يرثون الأرض، والكاملون يبقون فيها ـ أما الأشرار فيفنون من على سطحها “[13]. 5 ـ ويقول أيضًا : ” قد رأيت الشرير عاتيًا وعاليًا مثل أرز لبنان ـ عبرت فإذا هو ليس بموجود، وبحثت باجتهاد عن مكانه فلم أجده. احفظ البر ولاحظ الاستقامة، فإن العَقِب لإنسان السلام ” [14].

 

(15)

          1 ـ فلنلتصق إذن بالذين يزرعون السلام بالتقوى لا بالذين يدعون بنفاق أنهم يرغبون فيه. 2 ـ لأن الكتاب يقول في موضع: ” هذا الشعب يكرمنى بشفتيه أما قلبه فمبتعد عنى”[15]. 3 ـ وأيضًا: “بأفواههم يباركون وبقلوبهم يلعنون ” [16]. 4 ـ وأيضًا يقول: ” أحبوه بأفواههم وكذبوا عليه بألسنتهم ـ أما قلوبهم فلم تكن مستقيمة معه ولم يكونوا أمناء في عهده ” [17]. 5 ـ وأيضًا ” لتبكم شفاه الكذب، التى تتكلم بالظلم ضد البار “[18] قيل أيضًا : ” يقطع الرب جميع الشفاه المَلِقة، اللسان المتكلم بالعظائم، الذين قالوا : لنعظم ألسنتنا شفاهنا تحت سلطاننا؛ من هو رب علينا؟ 6 ـ من أجل اغتصاب المسكين وتنهد البائس، الآن أقوم يقول الرب، أُسِكنه في أمان، 7 ـ وأَعينه بقوتى “[19].

(16)

          1 ـ لأن المسيح يوجد مع المتضعين، وليس مع الذين يتعاظمون على قطيعه [20]. 2 ـ إن قضيب مجد الله[21] ـ ربنا يسوع، لم يأتِ في أُبهة الكبرياء والعظمة، مع أنه كان يستطيع ذلك[22]، ولكنه جاء متواضعًا كما أنبأ الروح القدس عنه قائلاً : 3 ـ ” يارب من صدّق خبرنا ولمن استُعلنت ذراع الرب؟ لقد أذعنا [رسالتنا] قدامه؛ إنه كطفل وكجذر في أرض يابسة ـ لا مظهر له ولا مجد. نعم، لقد نظرناه ولم يكن له مظهر ولا جمال، بل كانت صورته بلا بهاء أنقص من صورة الناس [العادية]؛ رجل جلدات وأوجاع ومختبر الحزن. أعرض وجهه، محتقر فلم يُعتد به. 4 ـ لكن شرورنا حملها، وهو يتألم من أجلنا. ونحن حسبناه مُقدَّمًا للعقوبات والضربات والألم. 5 ـ لكنه مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا ـ التأديب الذي احتمله هو ـ لسلامنا، وبجروحه شُفينا. 6 ـ كلنا كغنم ضللنا، مِلنا كل واحد إلى طريقه، 7 ـ والرب سلَّمه لأجل إثم جميعنا. أما هو، ففي شدة آلامه ـ لم يفتح فاه. كشاة تُساق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام جازيه فلم يفتح فاه. في ذلة رُفع قضاؤه، 8 ـ وجيله من يخبر به. فإن حياته أُخذت من الأرض. 9 ـ وقد أُنزل إلى الموت من أجل آثام شعبى. 10 ـ وسوف أحرر الأشرار من أجل قبره، والأغنياء من أجل موته ـ لأنه لم يفعل شرًا، ولا وُجد في فمه غش. أما الرب فسُرّ بأن يخلصه من كلومه. 11 ـ إن جعل نفسه ذبيحة إثم، فإن نفسكم ترى نسلاً تطول أيامه. 12 ـ وقد سُرّ الرب بأن ينقذه من أحزان نفسه، وأن يريه نورًا ويملأه فهمًا. وأن يبرر البار الذي يخدم كثيرين وآثامهم هو يحملها. 13 ـ لذلك فهو يرث كثيرين ويقسم غنيمة الأقوياء، من أجل أنه سكب للموت نفسه، وأُحصى مع أثمة. 14 ـ وهو حَمِل خطايا كثيرين وأُسلّم من أجل ذنوبهم ” [23].

          15 ـ ويقول أيضًا[24] :” أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر من الشعب، 16ـ كل الذين يروننى يستهزئون بى، يفغرون الشفاه وينغضون الرأس [قائلين] : اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سُرَّ به “[25].

          17 ـ أرأيتم أيها الأحباء أى مثال قد أُعطى لنا ؛ لأنه إذا كان الرب هكذا قد وضع نفسه، فماذا نفعل نحن الذين به قد صرنا تحت نير نعمته..

 

(17)

          1 ـ لنتمثل أيضًا بأولئك الذين طافوا في جلود غنم وجلود معزى[26]  مبشرين بمجىء المسيح ـ أعنى إيليا وأليشع وحزقيال بين الأنبياء، مع أولئك الآخرين الذين شُهِدَ لهم أيضًا [في الكتاب] : 2 ـ فإبراهيم مع كونه مُجِّد بنوع خاص، ودُعى خليل الله ـ إلاّ أنه حين نظر مجد الله قال باتضاع: ” لست إلاّ ترابًا ورمادًا “[27]. 3 ـ وأيوب أيضًا قد كُتِب عنه : “كان أيوب رجلاً بارًا بدون لوم، مستقيمًا يتقى الله جدًا ويحيد عن الشر”[28]. 4ـ ولكنه حكم على نفسه قائلاً : ” ليس إنسان خاليًا من الخطية ولو لم تكن حياته غير يوم واحد” [29]. 5 ـ وموسى دُعى أمينًا في كل بيت الرب[30]، وبواسطته أصاب الله المصريين بالأوبئة والضربات، ولكنه على الرغم مما ناله من الكرامة العظيمة لم يتشامخ، بل قال حين جاءته الدعوة الإلهية من العليقة : ” من أنا حتى ترسلنى ؟ أنا رجل ضعيف الصوت، ثقيل اللسان [31]. 6 ـ وما أنا إلاّ كبخار القدر ” [32].

(18)

          1 ـ وماذا نقول عن داود، الذي شهد له الله هكذا قائلاً : ” وجدت رجلاً حسب قلبى، داود بن يسى، وبالرحمة الدائمة قد مسحته ” ! [33] 2ـ وإذ بهذا الرجل عينه يصرخ إلى الرب قائلاً : ” ارحمنى يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك أمح إثمى، 3 ـ اغسلنى كثيرًا من إثمى ومن خطيتى طهرنى. لأنى أنا عارف بإثمى وخطيتى أمامى في كل حين. 4ـ لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت. لكى تتبرر في أقوالك وتغلب إذا حوكمت. 5 ـ لأنى هاأنذا بالإثم حُبل بى وفي الخطايا ولدتنى أمى. 6ـ لأنك هكذا قد أحببت الحق إذ أوضحت لى غوامض حكمتك ومستوراتها. 7 ـ تنضح على بزوفاك فأطهر، وتغسلنى فأبيض أكثر من الثلج، 8ـ تُسمعنى سرورًا وفرحًا فتبتهج عظامى المتواضعة. 9ـ أصرف وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى. 10 ـ قلبًا نقيًا اخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائى. 11ـ لا تطرحنى من قدام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعه منى. 12ـ امنحنى بهجة خلاصك وبروح قادر اعضدنى. 13ـ فأُعلِّم الأثمة طرقك والخطاة إليك يرجعون. 14 ـ نجنى من الدماء يا الله  إله خلاصى 15 ـ فيبتهج لسانى بعدلك. يارب افتح شفتى فيخبر فمى بتسبيحك ؛ 16 لأنك لو آثرت الذبيحة لكنت الآن أعطى ـ لكنك لا تُسر بالمحرقات 17ـ فالذبيحة لله روح منسحق ـ القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله ” [34].

(19)

          1 ـ وهكذا بفضل تواضع مثل هؤلاء الرجال العظام الأجلاء وخضوعهم، قد أصبحنا نحن ـ بل وجميع الأجيال السابقة علينا أيضًا، أفضل بالطاعة ؛ كذلك كل الذين قبلوا الوحى بالخوف والحق. 2 ـ فإذ لنا كثرة من الأمثلة العظيمة المجيدة موضوعة أمامنا ـ فلنرجع ثانية إلى ممارسة ذلك السلام الذي هو منذ البدء، الغرض الموضوع أمامنا [35].

          ولننظر دائمًا إلى الآب خالق الكون ونتمسك بمواهبه المقتدرة والفائقة العظمة، وبركات السلام. 3 ـ ولنتأمل في الله بفهمنا، ولنبصر بعيون نفوسنا إرادته المفعمة صبرًا، ولنتدبر كم هو حليم تجاه خليقته.

(20)

          1 ـ إن السموات [36] متحركة بأمره، تخضع له في سلام. 2 ـ الليل والنهار يتممان الدورة التى عيَّنها لهما بدون أن يعيق أحدهما الآخر. 3 ـ الشمس والقمر ومجموعات النجوم تدور متوافقة [37] طبقًا لأمره ـ في مَدَاراتها المرسومة وبدون أى انحراف. 4 ـ والأرض الخصبة المطيعة لإرادته، تُقدم بوفرة، في المواسم المعينة ـ طعامًا للإنسان والحيوان وسائر الكائنات التى تحيا على سطحها، دون أى تردد أو تغيير في النظم التى حددها. 5 ـ وحتى أعماق الهاوية غير المعروفة، وتنظيمات العالم السفلى غير الموصوفة[38]هي مضبوطة بهذه القوانين عينها. 6 ـ والبحر المتسع الذي تجمع[39] بعمله[40] في أحواض مختلفة، لا يتعدى الحدود المرسومة له قط. بل يمتثل لأمره. 7 ـ لقد قال له: ” إلى هنا تأتى ولججك تتكسر في داخلك ” [41] 8 ـ كذلك المحيط الذي لا يستطيع إنسان عبوره، وما وراء المحيط من العوالم[42] ـ كل ذلك محكوم بأوامر السيد.

          9 ـ وفصول الربيع والصيف والخريف والشتاء يتبع الواحد منها الآخر في سلام. 10 ـ والرياح في اتجاهاتها المختلفة تتمم عملها في الوقت المعين بلا عائق. والينابيع الدائمة الفيضان التى خُلقت للتمتع[43] والصحة، تُقدم للناس بلا فتور يديها المليئة بالحياة. وحتى أصغر الكائنات الحية ـ تتجمع معًا في أمنٍ وتآلف.

          11 ـ فكل هذه الكائنات ـ أراد لها الخالق العظيم وسيد الكون[44] أن توجد في سلام وتوافق، وإذ يصنع الخير بكل خليقته، يعمل ذلك بسخاء أكثر ـ لنا نحن الذين هرعنا ملتجئين إلى رأفته في يسوع المسيح ربنا. 12 ـ الذي له المجد والعظمة[45] إلى أبد الآبدين. آمين.

 

[1] تك19. قارن 2بط6:2ـ9.

[2] إن القديس اكليمندس يكتب ناظرًا على الدوام إلى ما حدث في كنيسة كورنثوس التي يوجه إليها رسالته.

[3] قارن حكمة7:10. ويقول يوسيفيوس أنه رأى العمود بعينيه (كتابه عن الآثار4:11:1) ويتكلم إيريناؤس عن عمود ملح ثابت دومًا (الهرطقات، 3:31:4) والقديس كيرلس الأورشليمى يقول عن امرأة لوط إنها جمدت تمثالاً للأبد (تعليم للموعوظين8:19).

[4] قارن يع8:1، 8:4، الديداكية4:4، رسالة برنابا5:19.

[5] عب31:11، يع25:2، مت5:1.

[6] برنابا5:13، قارن يش16:2.

[7] يش2، عب31:11.

[8] قارن يوستينوس المحاورة مع تريفو رقم 111، إيريناؤس ضد الهرطقات20:4.

[9] يع21:1.

[10] يضم اكليمندس نصين من الكتاب المقدس معًا، إر23:9،24، 1صم10:2، وهو في هذا يتابع الرسول بولس 1كو31:1، 2كو17:10.

[11] قارن مت17:5،12:6ـ15، 1:7،2،12، لو31:6و36ـ38. يورد اكليمندس الأسكندرى هذا النص ذاته سترومات91:18:2.

[12] إش2:66.

[13] أم1:2،22، مز9:37،38.

[14] مز35:37ـ37.

[15] إش13:29، مت8:15، مر6:7.

[16] مز4:62.

[17] مز36:78،37.

[18] مز18:31.

[19] مز3:12ـ5.

[20] قارن ما يلى3:44، 2:54، 2:57، أع28:20،29، 1بط2:5،3.

[21] قارن عب8:1، مز7:45.

[22] قارن في6:2،7، 2كو9:8.

[23] إش53، قارن مت17:8، مر28:15، لو37:22، لو29:1، 38:12، أع32:8،33، رو16:10، 1بط23:2،24، رسالة برنابا 5.

[24] أى أن المسيح هو الذي يقول في شخص المرنم.

[25] مز6:22ـ8، مت43:27.

[26] عب37:11.

[27] تك27:18.

[28] أى1:1.

[29] أى4:14،5 [السبعينية].

[30] عد7:12، عب2:3.

[31] خر11:3، 10:4.

[32] قارن يع14:4، هوشع3:13.

[33] مز21:89. قارن أع22:13، 1صم14:13.

[34] مز1:51ـ17.

[35] قارن عب1:12.

[36] قارن المراسيم الرسولية12:8 حيث توجد أهم تعبيرات هذا الفصل كمقدمة للقداس. والفكرة العامة لهذا الفصل هي السلام والتوافق.

[37] ” التوافق ” هو محور الرسالة.

[38] يرى البعض أن هذه الرسالة هي الفقرة التي عناها القديس إيريناؤس (ضد الهرطقات3:3:3) حين ذكر أنه طبقًا لرسالة اكليمندس، فإن الله أعد للشيطان وملائكته نارًا.

[39] تك9:1.

[40] أى بعمل الله.

[41] أى11:38، مز9:104، إر22:5.

[42] كان هناك اعتقاد عام عند الفلاسفة والمفكرين القدامى في أن هناك قارات أخرى بعيدة.

[43] قارن 1تى17:6.

[44] عب10:11، 2مكابين1:4.

[45] يهوذا 25.

 

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين ج2 – د. وليم سليمان قلادة

Exit mobile version