من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الأول: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثاني: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الفصل السابع

“الابن بالطبيعة هو النور، لذلك هو ليس مخلوقاً، بل من جوهر الله الآب، نور من نور”.

– “والحياة كانت نور الناس”:

        بهذه الكلمات ايضاً، يرينا الانجيلي ان الابن هو بالطبيعة الله، ومن جوهر الآب ووارث لكل ما للآب الذي ولده من صلاح ذلك الآب. وبعد ان علم الانجيلي ان الابن بالطبيعة هو الحياة، وانه في كل الاشياء التي خلقها، ويحفظها، ويعطيها الحياة بقوته الفائقة فلا تنحل إلى العدم. فيتقدم الانجيلي ومن كل اتجاه يقودنا نحو الحق. فالكلمة في المخلوقات كحياة، ولكن حيث ان المخلوقات العاقلة على الأرض قد نالت العقل والمعرفة، ونالت الحكمة من الله، احتاج لابس الروح – يوحنا – ان يعلن للإنسان، ان الكلمة هو مانح الحكمة التي في الإنسان بل لكي نؤمن ايضاً، ان الله الآب هو ايضاً في كل شيء بالابن، فهو حياة لمن يحتاج إلى حياة، نور وحياة ايضاً لمن يحتاج إلى الحياة والنور، لذلك يقول الانجيلي: “والحياة كانت نور الناس” أي ان الله الكلمة الذي يحيي الكل، وهو الحياة التي في الكل، ينير الكائنات العاقلة، ويهب الفهم للذين نالوا عطية الفهم، لكي يظلوا في البقاء، حسب قوة الكلمات “واي شيء لك لم تأخذه” (1كورنثوس 4: 7). فليس هناك غنى خاص بالطبيعة المخلوقة، بل كل ما نراه فيها وكل ما يخصها، هو بكل يقين من الله، الذي يعطي الوجود ويحدد غاية الحياة.

        وحسناً أضاف الانجيلي “كانت” إلى “الحياة” لكي يظهر بوضوح ان الكلمة أزلي، ولكي يقطع الطريق على كل التصورات الفاشلة التي تصدر عن عدم فهم، والتي تحاول ان تجعل الابن من ضمن المخلوقات، وهو ما يتعارض بوضوح مع الأسفار الإلهية كلها.

        أما عن أزلية الكلمة مع الآب، فقد ذكرت ما فيه الكفاية في هذا الكتاب، وفي الكتاب المعروف باسم “الكنز”، ولذلك اكتفى بما ذكرت، ولكن الكلمات التي نحن بصددها (يوحنا 1: 4) تقدم لنا فرصة أعظم، لكي نفحص على قدر قوتنا معانيها، لكي نستفيد نحن ويستفيد من يقرأونها فيما بعد، والله هو الذي يفتح الأبواب والفم لكلماتنا.

        ماذا سيقول المقاوم للمسيح، عندما يعلم ان “الحياة” الأزلية، أي الله الحي الأبدي الكلمة، هو نور الناس؟ ما هي الحجج التي سوف يرمينا بها، اذ تقدمنا وقلنا: إذا لم يكن الابن بالطبيعة الله، وهو من جوهر الآب الذي ولده، وإذا لم يكن قد اشرق علينا نوراً حقيقياً من نور حقيقي، بل انه مخلوق وخاضع حسب جهلكم، فانه يكون مساوياً في الطبيعة للمخلوقات ويكون بالضرورة مخلوقاً. فكيف اذن يا من امتلأتم من كل الغباء يكون منيراً وكيف ينالون استنارة منه؟ أفليس الذي ينير غير الذي يستنير؟، هذا واضح وجلي لكل وأحد. ولو قلنا ان الذي ينير والذي يستنير هما من الجوهر ذاته، فما هو الفرق بين الذي يملك قوة للانارة، والذي يحتاج للنور؟ فالأول يملك ان ينير، والثاني لأنه بلا استنارة يحتاج إلى ان يأخذ، اما إذا انعدم الفرق حسب تصور الهراطقة، واصبح الكل وأحداً، فما سيأتي من نور، سوف يأتي لكليهما ويوزع عليهما معاً، والمحتاج إلى النور سيكون نوراً، ولن يختلف النور عن الذي يستنير. عظيمة جداً هذه الفوضى وهذا الإضطراب في الأفكار. ان الحاجة إلى الفهم تحتم علينا ان نميز بين الطبائع. وان نضع كل شيء في مكانه ونعطي لكل اسمه الخاص به، فيصبح المانح غير الآخذ. هذا التمييز يجعلنا ندرك ان الابن ليس مساوياً في الطبيعة للاشياء المخلوقة، بل هو كائن في جوهر الآب، وهو نور حقيقي، من نور حقيقي.

        وليس من الصعب علينا، ان نقدم نفس الأدلة التي قدمناها في الفصول السابقة، عندما كنا نشرح ان الابن هو الحياة، وانه ليس في عداد المخلوقات، ان نقدم أدلة مشابهة في هذا الفصل بالذات، لكي نؤكد انه النور، ولكن لكي لا نجعل مشقة العمل تقع على الآخرين، ولكي لا يظهر اننا خاضعون للكسل، سوف انقل نفس البراهين لكل ابرهن كما انه هو الحياة، هو ايضاً نور كل انسان، وهذا يعني انه غير الذين يستنيرون به.

“براهين على ان الابن الذي ينير، هو غير الخليقة التي تستنير”.

أولاً:

        إذا كان الابن بالطبيعة هو النور. الذي يختلط بنا عندما يمنح الاشتراك للكائنات في النور، فهو غير الكائنات تماماً. واختلافه عن الكائنات يعني امكانية اشتراك الكائنات المخلوقة فيه لكي تستنير به. فكيف لا يكون في هذه الحالة هو الله الكائن على الكل” (رومية 9: 18).

ثانياً:

        لو قال مقاوم الله ان الابن الذي هو بالطبيعة النور، موجود في المخلوقات كمخلوق، وانه ينير الذين يحتاجون إلى استنارة، فأول كل شيء سيعتبر الابن موجوداً في نفسه، ثم إلى جانب ذلك سيكون مشتركاً في نفسه وهو نور، وان كان موجوداً في الاشياء المخلوقة فانه سيعتبر هو هو نفسه وأحداً منها:

        أما الذي يفتح قلبه للحكمة (مزمور 90: 12) سوف يرى كم هو غير معقول ان يفكر انسان على هذا النحو. لذلك ان كان الكلمة الذي ينير موجوداً في المخلوقات التي تشترك فيه، فلا يكون هو نفسه من بين المشتركين فيه والمستنيرين به ولذلك فهو آخر غيرهم. وان كان كذلك، فهو اذن ليس مخلوقاً، بل هو نور بالطبيعة وهو الله في الاشياء التي ينقصها النور.

ثالثاً:

        إذا لم يكن الابن من جوهر الله الآب، بل مخلوقاً خاضعاً حسب رأيهم، فهو يكون اذن مبتدئاً ومخلوقاً، فكيف يكون اذن موجوداً في المخلوقات وينيرها؟ وماذا سنجده مميزاً الجوهر الإلهي بعد ذلك؟ وكيف يقول المرنم وهو يرى ان هذا شيء عجيب يستحق الإعجاب في ذلك الذي هو بالطبيعة الله “بنور نعاين النور” (مزمور 36: 9)، وإذا كان الابن كمخلوق ينير كل الاشياء المخلوقة، اذن الخليقة تنير نفسها، ولا تحتاج لنور الله خالقها. بل لا يوجد اذن في الله شيء يزيد على ما في الخليقة، بل ان عمل الخليقة ليس أقل من الله. وهذا غير معقول. اذن الابن غير مخلوق، بل بالحري الله، ولذلك فهو بالطبيعة النور مثله مثل الآب تماماً.

رابعاً:

        إذا كان الابن هو نور الله الآب كما هو مكتوب: “بنورك نعاين النور” وايضاً “ارسل نورك وحقك” (مزمور 43: 3)، ومع ذلك يقال عنه انه مخلوق وجاء من العدم إلى الوجود، فعلى هذا القياس لا يوجد ما يمنع أي مخلوق جاء من العدم، ان يدعى نور الله الآب، وإذا كانت طبيعة المخلوقات تسمح بذلك، فان هذه الامكانيات ستصبح متاحة لكل المخلوقات، ولا يصبح النور هو خاصية الابن وحده، وهذا غير معقول. لأن الابن وحده هو الذي يليق به ان يدعى وان يكون نور الله الآب، اذن فهو ليس مخلوقاً، وانما هو النور، إله من إله، وهو الذي ينير كل الاشياء التي تحتاج إلى النور.

خامساً:

        إذا كان الابن الذي هو بالطبيعة النور، ليس من جوهر الآب، بل هو من خارجه وخاضع له حسب الرأي الفاسد لمحاربي الله، فالنتيجة الحتمية هي ان يكون مساوياً للطبائع المخلوقة ويسقط من الجوهر الإلهي. فكيف يدعى النور ويكون هو النور؟ بينما قيل عن يوحنا المعمدان “لم يكن هو النور” (يوحنا 1: 8)، رغم ان يوحنا لديه امكانية ان يكون نوراً، وليس هو وحده بل كل المخلوقات إذا قبلنا رأي الهراطقة بأن الابن وهو مخلوق يمكن ان يكون بالطبيعة النور؟ لأن ما يعطي لطبيعة من الطبائع يصبح عاماً وملكاً لكل من يشترك في هذه الطبيعة حسب قانون الطبيعة. ولكن يوحنا لم يكن هو النور، بل الابن هو النور. اذن الابن بالطبيعة مختلف عن المخلوقات وليس مساوياً لها في الطبيعة.

سادساً:

        إذا كان الابن الذي هو بالطبيعة النور، هو مبتدئ ومخلوق وليس له كيان جوهر الله الآب، كما يدعي البعض، فان الطبائع المخلوقة يمكن ان تكون وان نسميها نوراً، وتصبح كلها نوراً حسب القانون الخاص بالامكانيات. لأن كل من يملك في طبيعته ان يكون شيئاً ما، فاني افترض بالتأكيد ان يصير هكذا ولو فيما بعد. وحيث ان امكانية النور تصبح عامة لطبيعة كل الاشياء المخلوقة، وليس خاصة بأحد المخلوقات، فلماذا يتعب الابن نفسه ويصرح قائلاً “أنا هو النور”؟ لأنه كان من الأجدر به في هذه الحالة ان يقول “أنا معكم ومثلكم نور”. ولكن حيث انه هو وحده الذي ينفرد بذلك، ولا يوجد من يشاركه في هذا الصلاح الخاص به، فهو لا يضع ذاته مع المخلوقات، بل مع جوهر الله الآب، الذي يختص به وحده بالطبيعة فيكون هو بالحقيقة النور.

سابعاً:

        الذي يشترك في النور، ليس في ذاته نوراً، لأنه من الواضح وجود اختلاف بين المصدر والآخذ. فإذا كان الابن هو المصدر الذي تشترك فيه الخليقة لتنال النور، فهو مختلف عن الآخرين الذين يأخذون منه النور وهم محتاجون للنور. لذلك فهو ليس مخلوقاً، ولا يحتاج للاستنارة مثل باقي المخلوقات بل هو الله الذي له قدرة الانارة، ولذلك علينا ان نعتقد انه نابع من جوهر الله الآب، لأننا نعبد إلهاً وأحداً ولا نخدم غير الإله الحقيقي.

ثامناً:

        نحن نميز بكل دقة بين طبائع الاشياء، وليس لدينا سوى الله والخليقة. فكل ما لا يمكن ان يكون الله، هو بتمامه مخلوق، وكل ما لا ينطبق عليه خصائص المخلوقات، هو بكل تأكيد داخل دائرة الالوهية. فإذا اتفقنا على ذلك، فعليهم ان يقولوا لنا من الذي يمكنه ان يفصل الابن عن جوهر الله الآب، وكيف ينير الابن كنور، والنور خاص بالطبيعة الإلهية وحدها ولا تشترك فيه الكائنات الأخرى.

        وإذا كان الابن مخلوقاً حسب ادعائهم، وهو النور، فان هذه النعمة الفائقة سوف تغمر كل المخلوقات، وتصبح كل المخلوقات بالطبيعة هي النور، فلماذا يحتاجون بعد ذلك إلى الاشتراك في الابن؟ او ماذا سيكسبون من هذا الاشتراك، بعد ان اصبحوا هم بالطبيعة نوراً، مثل الابن؟ ولكن الخليقة تحتاج إلى الذي ينيرها، اذ ليس لها نور من ذاتها. اذن فان الابن هو بالطبيعة الله، ولذلك فهو النور الذي يستطيع ان ينير الاشياء التي تحتاج للنور.

تاسعاً:

        إذا كان الابن بالطبيعة “النور” فهو: اما مختلف تماماً عن المخلوقات في الطبيعة، او مساو لها. فإذا كان مثلنا وله ذات الطبيعة المخلوقة، فباطل اذن قوله لنا “جئت نوراً للعالم” (يوحنا 12: 4)، لأن الخليقة لها نورها الذاتي: ولكن النور لا يشترك في النور، وذلك لكي يفهم انه نور في ذاته.

        أما إذا كان الابن مختلفاً عنا في الجوهر، والطبيعة تحتاج إلى النور الذي فيه “فأي شيء لك لم تأخذه؟” (1كورنثوس 4: 7)، فالابن بعيد عن ان يكون مخلوقاً، وبالتالي عدم الايمان به إلهاً سوف يحرم الطبيعة من صلاحه، إذا الخليقة ليست نوراً في ذاتها بل هي تحتاج إلى نور الابن وتشترك فيه.

عاشراً:

        إذا كانت الاشياء لا تستطيع ان تشترك في نورها الذاتي (بفرض ان لها نورها الخاص)، والابن هو النور الذي تشترك فيه الخليقة. اذن الابن ليس مخلوقاً، ولا الخليقة هي نور، بل الابن فقط هو النور.

حادي عشر:

        ان تستنير شيء وأن تنير شيء آخر، فهو عطاء وأخذ، الابن ينير، والخليقة تستنير، اذن فالابن والخليقة ليسا وأحداً، فالواحد يعطي والآخر يأخذ.

يوحنا 1: 5 – والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه (تعرفه):

        يشرح لنا الإنجيلي بالتفصيل ما سبق وأعلنه. فهو لم يكتف بما قال، حتى لا يخطئ السامعون في معرفة الله الكلمة كنور حقيقي “ينير كل انسان” إذا توقف عند “والحياة كانت نور الناس” حتى لا يفترض أحد، ويقف معلناً ان الكلمة نور فقط، ولا يعطي نوره لأحد، بل الحق انه يعطي نور الإدراك لكل من يريد، بعد ان يمتحن استحقاقه لعطية الاستنارة الباهرة.

        لقد افترض الهراطقة ان الخليقة العاقلة، اما انها تأخذ القدرة على الفهم من كيانها الذي تحمله البذرة الطبيعية، او ان يزرع الله الآب عقلاً وادراكاً فيها، كما لو كان الابن غير قادر على ان يفعل ذلك. ولكن لكي يظهر بجلاء ان الله الكلمة الذي في الله الآب هو حياة ونور ليس للبعض فقط دون غيرهم، بل بطريقة مشاركة تفوق الوصف، كحكمة وفهم (وهو ما يسمى نوراً في المخلوقات العاقلة)، عاقلة، والكائنات التي تقبل الحواس، يصير لها حس، وهو ما لم تكن تستطيع ان تحصل عليه بأية طريقة أخرى. ولهذا يقول الرسول “والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه”.

        وكأن الرسول يصرخ بصوت عال محذراً سامعيه، ويقول يا سادة لقد علمتكم الحق بكل قوة وهو “الحياة كانت نور الناس” حتى لا يفترض الذين يظنون انفسهم صالحين انهم اخذوا حياة واستنارة من آخر، او نالوا ذلك كمكافأة على الحياة التي عاشوها، وانما لأن الكلمة هو الحياة، وكل الكائنات أخذت الحياة منه، فهو كذلك النور، وهو يعطي الذين ينالون الادراك، والذين ينالون الحس، كل منهم ما هو خاص به. لأن الله الآب بالابن في الروح القدس هو كل شيء لكل أحد.

        “الظلمة” هي الطبيعة التي تحتاج إلى استنارة، اي الطبيعة المخلوقة، ولأنه سمى الكلمة النور، فقد أوضح ان الخليقة العاقلة التي تحتاج إلى الاستنارة. هي مختلفة تماماً عن الكلمة. وهنا يستعمل الاسم الثاني للطبيعة العاقلة المخلوقة اي الظلمة لكي يوضح الحقيقة الاساسية وهي ان يعلن ان الخليقة العاقلة بدون الطبيعة الإلهية هي ظلمة، فهي عاجزة عن ان تلد شيئاً من نفسها وبقدراتها. وهي تدعى ظلمة لأنها مختلفة عن النور. وطبقاً لما قيل “أي شيء لك لم تأخذه” (1كورنثوس 4: 7) هذه الطبيعة تنال من الله الاستنارة، دون ان يكون النور خاص بها من ذاتها وكل ما ليس من ذاته نوراً، كيف لا يكون العكس، او كيف لا يدعى “ظلمة”؟

        “والنور يضيء في الظلمة” هو وصف معقول وضروري يوضح لنا الفرق بين الكلمة والخليقة العاقلة، فالكلمة وحده هو النور والخليقة هي ظلمة وعندما تقبل الطبيعة المخلوقة كلمة الله وتشترك فيه كنور، فانها ترى نفسها ظلمة، فالابن يشرق فيها اي يشرق مثل النور في الظلمة، ومع ذلك تظل الظلمة عاجزة عن ادراك النور، وهذا هو معنى الكلمات “والظلمة لم تدركه (تفهمه)”. فالكلمة يشرق على كل الاشياء القادرة على ان تستقبل اشعاعه وانارته، وينير – بدون استثناء – الاشياء التي لها طبيعة مستقبلة لانارته. ولكن الابن الكلمة غير معروف عند الظلمة، لأن المخلوق العاقل على الأرض – اي الإنسان – “عبد المخلوق دون الخالق” (رومية 1: 25)، انه لم يدرك النور، لأنه لم يعرف الخالق، ينبوع الحكمة، بدء الفهم، واصل كل حس. ومع ذلك، فإن الاشياء المخلوقة تنال النور، من محبته للبشر، وتزود بالقدرة على الإحساس التي تزرع فيها منذ خلقتها.

        وهنا ندرك انه لا يوجد مجال بالمرة لأي فكرة من اي نوع او اي تصور بأن الابن مبتدئ او مخلوق، بل في كل شيء هو يفوق مقايسنا، ويعلو على طبيعة الخليقة وهو آخر تماماً غير المخلوقات وبعيد عنها كلية من نايحة نوع جوهره، مثل ارتفاع النور وسموه على الظلمة، وبما لا يسمح بالمقارنة، وبعد ان شرحنا وقدمنا البراهين الكافية الخاصة بهذا الجزء، علينا ان ننتقل إلى ما يليه:

يوحنا 1: 6-7 “كان انسان مرسل من الله اسمه يوحنا. هذا الإنسان جاء للشهادة لكي يشهد للنور”.

        بعد ان قدم الانجيلي المبارك ما يكفي لإظهار ان كلمة الله هو بالطبيعة ابن الله الآب، يدعم ايمان السامعين بهذه الكلمات، وحسبما قال الله لموسى “على فم شاهدين او ثلاثة تقوم كل كلمة، (تثنية 19: 15)، يضم الانجيلي بحكمة شاهداً آخر اليه وهو يوحنا المعمدان، ويقدمه لنا شاهداً ثانياً معه، وشهادته مستحقة القبول، ولم يفترض الانجيلي ان عليه ان يقدم شهادته وحده، عن المخلص، رغم ان شهادة حقة، حتى لا يتعدى الناموس، وحتى لا يؤمن الناس بشهادته وحده فقط، خصوصاً وهو يعلن اموراً عاليه على الادراك، بل يضم معه يوحنا المعمدان.

        ولذلك يشهد الانجيلي المبارك ان “في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. وكان الله الكلمة. كان هذا في البدء عند الله”. وان “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان” وانه هو “الحياة” بالنسبة لكل المخلوقات وان هذه “الحياة هي نور الناس” كل هذا لكي يعلن ان الابن بالطبيعة هو الله. ويضم الآن يوحنا المعمدان إلى شهادته صارخاً “أعدوا طريق الرب، اجعلوا الطرق التي تؤدي إلى الله مستقيمة” (اشعياء 40: 3). وبكل سهولة يمكننا ان نرى انه الإله الحق، الذي فيه كل سمو الربوبية وهو ما لا يمكن ان ينكره أحد لأن “لنا إله وأحد الآب، ورب وأحد يسوع المسيح” حسب شهادة بولس (1 كورنثوس 8: 6) ومع انه يوجد من يدعون “إلهة” بالنعمة، “وأرباب” في السموات وعلى الأرض، الا ان الابن الوحيد وحده مع الآب هو الإله الحق.

        وما أجدر ان نسمع لهذين الشاهدين، ونعطيهما الثقة الكاملة في كل ما قالاه، فكلاهما نال ملء شهادة الناموس، ومشهور لهما بالنبل شخصياً. فالانجيلي لم يتكلم عن نفسه، ولا مدح ذاته، والا كان قد سمع “انت تشهد لذاتك، وشهادتك ليست حقاً” (يوحنا 8: 3). ولذلك يترك الحكم على ما قاله لمن يعرفونه، ولكنه يذهب لمن يحمل ذات الاسم، ليقول انه يؤكد كلامه، والذي يقول عنه انه “مرسل من الله”. ويليق بالانجيلي ان يخبرنا انه ليس من ذاته وبدافع من غيرته الذاتية يشهد يوحنا المعمدان عن المخلص، بل بطاعة الوصية التي من فوق، وخدمة لإرادة الآب الإلهية، وهذا معنى كلامه “كان انسان مرسل من الله اسمه يوحنا“.

        لكن علينا ان نقرأ بدون سرعة، ونلاحظ دقة التعبيرات التي استخدمها الانجيلي في الكلام عن اختلاف الطبائع عند الكلام عن الله الكلمة. “كان” هو أفضل تعبير يناسب الكلام عن أزليته. وكيف هو قبل كل الكائنات، وبذلك قضى تماماً على كل رائحة الله الكلمة. “كان” هو أفضل تعبير يناسب الكلام عن ازليته، للكلام عن خلق الكلمة، لأن ما هو كائن دائماً، لا يمكن ان يكون مخلوقاً. اما عند الكلام عن المعمدان، رغم انه استخدم “كان”، الا انه ربطها بكل دقة بما جاء بعدها “انسان مرسل من الله”، اي له طبيعة مخلوقة، وهكذا يبدو لي ان الانجيلي لم يستخدم “كان” بنفس الشكل الذي استخدمها للكلام عن الكلمة، بل وضع معها “انسان” لكي يقضي تماماً على خرافات وادعاءات البعض.

        فقد شاع كلام مستتر عند البعض بأن يوحنا المعمدان لم يكن حقيقة “انسان” بل وأحد من الملائكة القديسين في السماء، استخدم جسداً وأرسله الله لكي يعظ الناس. وهذه الخرافة تعتمد على عدم ادراك لما قاله الله “ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيء الطريق امامك” (متى 11: 10 – ملاخي 3: 1). وخطأ هؤلاء الذين ابتعدوا عن الحق هو عدم فهمهم لمعنى كلمة “ملاك” فهو يعني خادم او رسول، دون تحديد لحقيقة جوهر هذا الخادم، ونرى ذلك في تاريخ أيوب المبارك عندما وصله عدة “رسل” ([1]) وأحد بعد الآخر، لكي يبلغه خبر آلامه ومصائبه، وفي هذا الإطار نفسه يشرح بولس الحكيم حقيقة الملائكة “أليس جميعهم أرواح خادمة مرسلة لخدمة العتيدين ان يرثوا الخلاص” (عبرانيين 1: 14).

        وإذا دعي يوحنا المعمدان بفم الرب “ملاكاً”، فهذا لا يعني تغيير في طبيعته، بل كخادم ورسول ارسله الله لكي يصرخ عالياً “أعدوا طريق الرب”، وإذا كان الرب قد وصف يوحنا المعمدان بأنه ملاك، فهذا لائق جداً، لأنه أراد ان يعلن لنا ان شهادته صادقة جداً، لأن الذي أرسله الله لكي يبشر، لن ينطق بأي شيء يختلف مع ارادة الذي أرسله، لأنه خاضع له، وصادقة هذه الشهادة لأن الله هو الذي علمها. وفي نفس الإطار يقول بولس الحكيم ان الذي ارسله هو يسوع المسيح (غلاطية 1: 1) مؤكداً انه لم يتعلم قوة السر من أحد بل “باعلان” (غلاطية 1: 12) من الذي أرسله، وبذلك حدد نوع الإعلان ومعناه بكلمات قليلة جداً اي ان يسوع المسيح هو الذي ارسله. وكل الذين يرسلون من الله هم الذين يتعلمون منه، هؤلاء احرار من الكذب، لأنهم لا يعرفون هدفاً سوى ان يكونوا خداماً للحق بلا شك.

        يقول الانجيلي ان اسم الإنسان “يوحنا”، لكي يعرف الناس الاسم وهذا يعطي ثقة في الشهادة. ولذلك عندما جاء من يبشر زكريا اخبره باسمه جبرائيل الواقف في حضرة الله (لوقا 1: 19)، وهو ما جعل للبشارة المفرحة التي أخذها زكريا اي ميلاد يوحنا من اليصابات وقعاً خاصاً. فهنا يؤكد الانجيلي اسم يوحنا المعمدان ليس كشاهد فقط، بل كمن اخذ اسمه من الملاك حسب قصد الله فوق كل مديح؟ لذلك السبب كان من الضروري ان يضع اسم يوحنا المعمدان. ولأن الانجيلي قال ان المعمدان قد ارسله الله لكي “يشهد للكل” لكي يؤمن الكل بشهادته، فإننا سوف نواجه السؤال الذي يضعه المقاومون بغباء “لماذا لم يؤمن الكل بمن ارسله الله؟ كيف يمكن ان ينال انسان هذه المسئولية بارادة الله ويصبح عاجزاً عن ان يقنع أحد؟ من الصواب يا سادة ان لا نلوم يوحنا، على عجز، او نقص في غيرته، بل علينا ان نسأل عن عناد الذين لا يؤمنون. لأنه من الواضح ان المبشر، ورسالته كانا من فوق، وان الكل سمعه، وكان يجب ان لا يبقى أحد في عدم ايمان، ولكن لأن كل انسان له سلطان على ارادته الحرة فالبعض رفض الايمان ولم ينتفع. وعلينا ان نقول لهؤلاء ما قاله النبي “من يسمع فليسمع، ومن يحتمل فليحتمل” (حزقيال 3: 27).

هذا الإنسان جاء للشهادة، لكي يشهد للنور:

        كلمة “هذا” مملوءة باعلان الفضيلة وكفاءة الإنسان. لأن الذي ارسل من الله، والذي ضرب كل اورشليم واليهودية بالخوف، وبحياته القاسية، وممارسته للفضيلة، وهو ايضاً الذي سبق فأخبر عنه صوت النبي اشعياء “صوت صارخ في البرية” (اشعياء 30: 4)، وفي داود يقول “هيأت سراجاً لمسيحي” (مزمور 132: 17 س). “هذا الإنسان جاء للشهادة لكي يشهد للنور”، وهو هنا يدعو الله الكلمة، النور، ويبين انه هو وحده النور الحقيقي بذاته والذي ليس هناك أحد آخر معه بالطبيعة له خاصية لادارة، وانه ليس محتاجاً للنور. فالكلمة ليس مخلوقاً، بل غريب تماماً عن طبيعة المخلوقات، فهو وحده النور الحقيقي، الذي تشترك فيه كل المخلوقات. وبذلك التعبير “هذا” يميز الانجيلي بين النور ومن يشهد للنور، فالنور لا يمكن ان يحسب في عداد المخلوقات، بل هو في دائرة اللاهوت ومملوء بالطبيعة الصالحة لذاك الذي ولده.

يوحنا 1: 8 لم يكن هو النور، بل ارسل لكي يشهد للنور:

        فضل المعمدان ان يعيش في الصحراء بعيداً عن ترف المدن، وأعلن عن عزم ثابت في ممارسة الفضيلة، وارتقى إلى قمة البر الذي يمكن ان يصل اليه انسان، مما جعل البعض يندهش من اسلوب حياته بل ان البعض تخيلوا انه هو المسيح؟ وحقاً ارسل اليه رؤساء اليهود بعدما اندهشوا من تقدمه في الفضيلة، ليسألوه ان كان هو المسيح، ولم يجهل الانجيلي كل هذه الأمور، وبسبب هذا وضع عبارته “لم يكن هو النور” لكي يقتلع الخطأ، وفي نفس الوقت يعطي فرصة للثقة في ذاك الذي “ارسل من الله لكي يشهد”. ولأن يوحنا المعمدان سامي المقام، وعظيم المكانة، ومستحق للمديح، ذاك الذي لبس الفضيلة، وفاق كثيرين في البر، وتشبه بالمسيح وجمال تقواه المتميز، حتى تخيل البعض انه النور نفسه. ولذلك يقول الانجيلي “لم يكن هو النور” بل “ليشهد للنور”. وعندما قال “النور” وأضاف أداة التعريف ال فقط اعلن انه النور الواحد، وهو كذلك بكل حق. ومع ان المعمدان وباقي القديسين يمكن ان يقال انهم نور، وهذا لا ننكره، لأن المخلص نفسه قال عنهم “أنتم نور العالم” (متى 5: 14) وايضاً قيل عن يوحنا المعمدان لقد “اقمته سراجاً لمسيحي” (يوحنا 5: 35). ومع ان القديسين يقال عنهم انهم نور، ويوحنا سراج، فإننا لا نجهل النعمة التي نالوها من “النور”. لأن النور في السراج ليس من السراج، ولا نور القديسين هو من القديسين، بل باستنارة الحق، صاروا “أنواراً في العالم متمسكين بكلمة الحياة” (فيلبي 2: 15-16). وما هي الحياة التي يتمسكون بكلمتها والتي جعلتهم يوصفون بالنور؟ أليست بالحق هي الابن الوحيد الذي قال “أنا الحياة”. وحقاً وأحد هو النور الحقيقي، الذي ينير، ولا يستنير، والذي كل من يشترك فيه ويتشبه به يمكن ان يدعى نوراً.

الفصل الثامن

“ابن الله وحده هو النور والخلائق ليست هي النوربالمرة بل تشترك في النور كمخلوقة”.

يوحنا 1: 9 كان النور الحقيقي:

        يجمع الانجيلي الإلهي كل ما قاله سابقاً، ويحدد بشكل آخر الحق الخاص بالنور، اي الابن الوحيد، ويفصل بينه وبين الخليقة، على نحو بارز، اي ما هو بالطبيعة – اي الحق – وما هو بالنعمة، بين المصدر الذي يشترك فيه الكل، والمشتركين فيه. بين الواهب والذي يعطي من عنده، والذين يأخذون من الغنى الوافر. كل هذا في عبارة وأحدة، “كان النور الحقيقي”. وإذا كان الابن هو النور الحقيقي، فليس آخر غيره هو النور حقاً، فلا يوجد من يملك امكانية ان يصبح النور، ولا تملك الكائنات ان تعطي من طبيعتها النور، لأنها خلقت من العدم، ولا تستطيع ان تجود بما لا تملك، ولا ان تتطور وتصبح النور. فمن كان أصله العدم، لا يملك ان يجود، وانما ينالون اشعة النور الحقيقي، الذي يشع فيهم عندما يشتركون في الطبيعة الإلهية (2 بطرس 1: 4)، وعندما يتشبهون بالطبيعة الإلهية يدعون نوراً ويصيرون نوراً.

        فكلمة الله هو جوهرياً “النور”، وهو ليس كذلك من قبل النعمة بالمشاركة، ولا نال هذه المكانة عرضياً، ولا وهبت له كنعمة، وانما النور هو الصلاح غير المتغير للطبيعة غير المخلوقة، وهو ينطلق من الآب إلى وارث جوهره.

        والمخلوق لا يستطيع ان يحتمل ان يصبح النور، وانما يقبل النور مثلما تقبل الظلمة الاشعة، او كما توهب النعمة، وهذه هي المكانة التي اعطاها الابن بسبب محتبه للإنسان. واذن فهو وحده النور الحقيقي، والباقين ليسوا كذلك. ولأن الفرق بين الابن والمخلوقات عظيم جداً، أصبح تمييز ابن الله عن الخليقة، عظيماً هو ايضاً، لأن الطبائع مختلفة. فكيف لا يتراجع الاغبياء، او بالحري الذين وضعوا أنفسهم خارج دائرة الادراك السليم، اولئك الذين قالوا انه مخلوق، وجعلوا خالق الكل مثل المخلوقات، دون ان يدركوا الكفر العظيم الذي وقعوا فيه ولا الخطر الرهيب المحدق بهم، لأنهم “لا يفهمون ما يقولون، ولا ما يقررونه” (1 تيموثاوس 1: 7).

        والذين تدربوا على اختبار دقة الكلمات والحق الذي فيها، يعلمون ان الابن الوحيد لا يمكن ان يكون مخلوقاً، لأنه “النور الحقيقي”، وهذا لا يجعله مساوياً في طبيعته لأي مخلوق. وإذا تطلعنا إلى هذه الحقيقة من كل الزوايا المحيطة بها، يمكننا ان نرى الأفكار الخفية التي تدور حول أفكار هذه الحقيقة وهذا ما يجب ان نعرضه الآن.

        مبادئ تعلمنا ان الابن وحده هو النور الحقيقي، ولا يمكن لأي مخلوق ان يكون النور الحقيقي، ولذلك فطبيعة الابن ليست مثل طبيعة المخلوقات:

أولاً:

        إذا كان الابن هو بهاء (اشعاع) مجد الله الآب، ولذلك هو النور الحقيقي، فهو ليس من طبيعة مثل طبيعة المخلوقات، لئلا يصبح المخلوق هو ايضاً بهاء (اشعاع) مجد الله الآب، او لئلا يظن أحد ان المخلوق يمكن ان ينال هذه الامكانية مستقبلاً إذا كانت له طبيعة مماثلة لطبيعة الابن.

ثانياً:

        لو كانت الخليقة كلها تملك القدرة على ان تكون النور الحقيقي، فلماذا يعطى هذا اللقب للابن وحده؟ لأنه يجب بسبب المساواة بين الخلائق ان ينال الكل لقب النور الحقيقي. ولكن لا يوجد بين الكائنات من هو مؤهل لذلك، والوحيد الذي يمكن ان ينسب اليه هذا هو جوهر الابن الوحيد، وبالحقيقة اذن ومن الصواب ان ينسب اليه وحده وليس للمخلوقات على الإطلاق. فكيف يقال انه مثل الخليقة في الطبيعة وليس بالحري ينتمي إلى ما هو فوق الخليقة، لكونه فوقها مع الآب.

ثالثاً:

        إذا كانت المخلوقات التي جاء من العدم ليست هي النور، فان العكس ينطبق على النور الحقيقي غير المخلوق. والمناداة بأيهما يقود إلى نتائج مختلفة. فالابن هو النور الحقيقي، وهذا هو الحق، والمخلوقات ليست هي النور الحقيقي، لأن الاختلاف هو اختلاف الطبائع، وهذا يعني عدم وجود مماثلة.

رابعاً:

        لو كان الابن الوحيد ليس وحده النور الحقيقي، بل تشاركه المخلوقات في هذا، فكيف “ينير لكل انسان”؟ فلو كانت المخلوقات تمتلك هذا، لما احتاجت إلى ان تستنير بالابن. وحقاً هو النور الذي يشترك فيه الكل، وهذا يعني ان جوهر الابن غير جوهر المخلوقات، لأن الذي يشترك ليس مثل الذي يشترك فيه.

خامساً:

        إذا لم يكن الابن وحده هو النور الحقيقي بالطبيعة، بل كانت المخلوقات ايضاً لها هذا، الا يعد قولاً بلا لزوم ما جاء في المزمور “انظروا اليه واستنيروا” (مزمور 34: 5). فمن هو النور كلية بالحق، لا يمكن ان يصير نوراً بالمشاركة في آخر، ولا يمكن ان يستنير بانارة آخر، بل هو يتمتع بنقاوة كاملة من طبيعته الخاصة. ولكننا نرى ان الإنسان يحتاج إلى النور، لأنه مخلوق، وحقاً صرخ المرنم في المزامير بصوت عال إلى الله الكلمة “لأنك أنت تضيء سراجي، الرب إلهي ينير ظلمتي” (مز 18: 28). اذن نحن لسنا النور الحقيقي، وانما نحن بالحري مشتركون في الكلمة الذي ينير، وطبيعتنا غريبة عن النور الحقيقي، الذي هو الابن.

سادساً (مثله):

        إذا كان عقل الإنسان يدعى سراجاً، وهو ما يشير اليه المزمور “انت تضيء سراجي” فكيف يقال عنا اننا نحن النور الحقيقي؟ لأن السراج يحصل على نوره من مصدر آخر. أما إذا كان الابن الوحيد وحده هو الذي ينير الظلمة التي فينا، فهو النور الحقيقي، اما نحن فلسنا بالمرة النور الحقيقي. وإذا كان الأمر غير ذلك فكيف تكون طبيعة الابن مثل المخلوقات، وهو الذي يفوقها بغير قياس؟!

سابعاً:

        إذا كانت الخليقة تملك ان تكون النور الحقيقي مثل الابن، فالإنسان يصبح النور الحقيقي اذ هو جزء منها. فإلى من يوجه الله الآب كلامه وهو يعد الانبياء القديسين قائلاً: “ولكم ايها المتقون اسمي تشرق شمس البر” (ملاخي 4: 2)؟ فلماذا يحتاجون إلى نور الابن لو كان البشر هم حقاً النور بذواتهم. لكن الله الآب وعد ان يعطينا هذا النور، نحن المحتاجين لهذا، ونحن قد قبلناه واستنارت عقولنا، فالابن ليس مثلنا ومثل الخليقة له طبيعة مخلوقة، بل هو في جوهره الابن الوحيد، اذ هو النور الحقيقي الذي ينير كل من يحتاج للنور.

ثامناً:

        لو لم يكن الابن وحده هو النور الحقيقي، وكانت الخلائق تشترك معه في هذه الصفة ايضاً، فان هذا ينطبق علينا نحن ايضاً، فلماذا صرخ القديسون بصوت عال طالبين من الله “أرسل نورك وحقك” (مزمور 43: 3). ولماذا فكروا ان يطلبوا هذه المعونة لنا بهذه الكلمات؟ لأنهم ان كانوا قد عرفوا ان الإنسان يحتاج إلى النور، وان عليه ان يطلبه من آخر، فأي وأحد يستطيع ان يقول انه هو ايضاً النور الحقيقي؟ ولكن ان كان الإنسان غير محتاج إلى الكلمة الذي ينير، فلأي غرض يطلب منه القديسون ان ينيرهم ان كان لا يستطيع ان يساعدهم؟

        ولا يستطيع أحد ان يقول ان عقل القديسين لم يعرف الحق او ان الله الآب ارسل ابنه النور الحقيقي لمن لا يحتاجون إلى النور.

        اذن الابن الوحيد مختلف بالطبيعة عن المخلوقات، اذ هو النور الذي يضيء الذين بلا نور.

تاسعاً:

        إذا قلنا ان المخلوقات ينقصها النور، وان الابن الوحيد هو الذي ينيرها. فالمخلوقات لا تجد النور في ذاتها، اذن هي ليست النور الحقيقي مثل الابن.

عاشراً:

        إذا كان من هو بالطبيعة وبالحقيقة النور، وليس فيه ظلمة البتة، والابن الوحيد هو النور الحقيقي، وبالمثل كانت المخلوقات هي النور الحقيقي فلماذا يقول الكتاب عن الابن “والظلمة لم تدركه” بينما يقول بولس عن البشر “الذين فيهم إله هذا العالم قد أعمى اذهان غير المؤمنين” (2كورنثوس 4: 4) والمخلص نفسه يقول “سيروا في النور ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام” (يوحنا 12: 35). فواضح اذن للكل انه ما دام البعض يمكن ان تدركه الظلمة ما كان المخلص قد أشار إلى ذلك. فكيف يكون الابن الوحيد والمخلوقات، اذن، من ذات الطبيعة؟ وكيف يكون غير المتغير مع المتغير، والذي لا يقبل اي تبديل مع الذين يمكن ان تدركهم الظلمة ويحتاجون لنوال النور الذي ينالونه كعطية وليس نابعاً من طبيعتهم.

حادي عشر:

        إذا لم يكن الابن الوحيد هو وحده النور الحقيقي بل المخلوقات ايضاً، كمساوية له في الطبيعة، فكيف نصرخ نحن لله الآب قائلين “بنورك يارب نعاين النور” فلو كنا نحن النور الحقيقي، فكيف نستنير من آخر؟ ولكن ان كنا نحتاج إلى النور من آخر، فنحن بكل وضوح لسنا النور الحقيقي. لذلك ليس لنا طبيعة مثل طبيعة الكلمة لأنه بالطبيعة هو يفوقنا بغير قياس.

ثاني عشر:

        يقول ربنا يسوع المسيح في الانجيل “وهذه هي الدينونة، ان النور جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة، لأن كل من يفعل الشر يبغض النور، ولا يأتي إلى النور” (يوحنا 3: 19-20) ولكن إذا كان الابن الوحيد هو النور الحقيقي، والمخلوقات قادرة بالمثل على ان تكون النور الحقيقي، فكيف جاء هو لكي ينيرها، وقد أحبت الظلمة؟ فكيف تأتي الخليقة إلى النور ان كانت هي النور الحقيقي. لأن كل ما هو من الطبيعة ونابع منها هو ملك لها، اما الاشياء التي تختارها الارادة فهي ليست اصلاً ملكاً لها، وكمثال على ذلك ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان ان يصبح انساناً عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن من يكون انساناً يمكنه بارادته الخاصة ان يكون صالحاً او شريراً، فالإرادة قادرة على ان تجعل الإنسان يحب الصلاح او العكس. فإذا كانت المخلوقات هي النور بطبيعتها، لأن هذا هو معنى “الحقيقي”، فكيف لا تأتي إلى النور؟ وكيف تحب الظلمة؟ فواضح انها بطبيعتها ليست النور الحقيقي، بل تصير نوراً باختيارها ان كانت تميل إلى النور او العكس برفضها للنور.

        فعلى المقاومين لنا ان يختاروا بين قولين! أما ان الخصائص التي تفوق الخلائق ليست كائنة طبيعياً في الابن، وهذا تجديف علني، يقول عنه الكتاب “الرب يستأصل الشفاة الكاذبة واللسان الناطق بالعظائم” (مزمور 12: 3) او ان اعترفوا يقيناً بأن خصائص الصلاح التي في الابن هي نابعة من جوهره، فعليهم ان لا يجعلوه وأحداً مع الخليقة او مثل الخليقة في الطبيعة، كما شرحنا.

ثالث عشر:

        لو كان كلمة الله ليس وحده النور الحقيقي، بل تملك الخليقة ايضاً ان تكون النور الحقيقي مثله، فلماذا يقول هو “أنا هو نور العالم؟” (يوحنا 8: 12) او كيف نحتمل ان يسلب أحد منا أسمى امتيازات طبيعتنا، ان كان ممكناً – بأية طريقة – ان نكون نحن ايضاً “النور الحقيقي”، اذ تملك الطبيعة المخلوقة هذا ايضاً؟ ولكن ان قال الابن الوحيد حقاً “أنا هو نور العالم”، يكون واضحاً انه بواسطة الاشتراك فيه تكون الخليقة نوراً – وليس غير ذلك. وإذا صح ذلك، فالخليقة ليست من ذات طبيعته.

رابع عشر:

        إذا لم يكن الابن وحده بالحق هو النور، بل هذا يخص الاشياء المخلوقة ايضاً، فماذا نقول عما كتب عنا “ولكنكم أنتم جنس مختار، كهنوت ملوكي. أمة مقدسة، شعب مختار، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب” (1 بطرس 2: 9). فما هي الظلمة التي فينا، أو ما هي الظلمة التي كنا فيها، ان كنا نحن بالحقيقة النور؟ وكيف دعينا إلى النور ونحن لم نكن في الظلمة؟ ولكن المبشر بالحق لم يكن يخبرنا بالكذب لأنه كان صريحاً في قوله “هل أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم في” (2 كورنثوس 13: 3). فنحن قد دعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقاً، فالمخلوق ليس حقاً هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، اما المخلوقات فهي تصير نوراً باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته.

“مختارات من الأسفار المقدسة، تجمع القراء ببساطتها إلى الاعتراف بأن ابن الله وحده هو النور الحقيقي، وان الطبائع المخلوقة تستنير بواسطته، دون ان تكون هي النور جوهرياً مثل الابن”.

اولاً:

        يقول المرنم “قد أضاء علينا نور وجهك يا رب” (مزمور 4: 6س)، فما هو نور وجه الآب الذي اضاء علينا اليس هو بكل يقين الابن الوحيد، ابن الله، رسم جوهر الآب ولذلك هو يقول “الذي رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9)؟ وقد أضاء علينا، لأنه جعلنا مثله، فقد حفر انارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورة إلهية على الذين يؤمنون به، لكي يدعوا الآن مثله إلهة وابناء الله. لكن لو كانت المخلوقات هي النور الحقيقي، فكيف اضاء النور علينا؟ لأن “النور يضيء في الظلمة” (يو 1: 5) حسب صوت لابس الروح الذي لا يكذب. اذ كيف يظهر النور في وسط النور؟

ثانياً:

        يقول المرنم “نور أشرق للصديقين” (مزمور 97: 11) فإذا كان الصديقون في ذواتهم نوراً ولا ينقصهم النور فهو قول زائد بلا لزوم. ولكن إذا كان النور يشرق على من ليس فيه نور، فالابن الوحيد وحده هو النور، والمخلوق يشترك فيه، ولذلك فالمخلوق غريب عنه بالطبيعة.

ثالثاً:

        يقول المرنم “لأنهم اخذوا ارضاً لم تكن ملكاً لهم ولم يأخذوها بالسيف، ولم تخلصهم ذراعهم، وانما يدك اليمنى وذراعك ونور وجهك”. فنور وجه الآب هنا هو اعلانه عن ذاته بالابن في الروح القدس، وتدبيره الذي حققه عندما خلص اسرائيل وحررهم من عبودية المصريين. فإذا لم يكن الابن الوحيد وحده هو النور الحقيقي بل يشاركه اي مخلوق في هذا، فلماذا لم يخلص اولئك بالنور الذي فيهم بل احتاجوا إلى النور الذي يأتيهم من مصدر آخر؟ ولكن من الواضح ان الابن الوحيد أشرق بنوره على كل المخلوقات التي تحتاج إلى النور، فهو وحده النور الحقيقي الذي تأخذ منه كل المخلوقات كنعمة منه، فإذا صح ذلك فكيف تكون المخلوقات مساوية للابن في الطبيعة.

رابعاً:

        يقول المرنم “طوبى للشعب العارفين هتاف الفرح، بنور وجهك يسلكون يارب” (مز 89: 15). فلماذا لا يسير هؤلاء بنورهم؟ لماذا يطلبون النور من آخر؟ وكيف لا يخلصون الا بنور من آخر هو نور وجه الله الآب اي الابن؟ وهذا واضح جداً ان الكلمة هو الذي يعطي الاستنارة لكل المخلوقات لأن الكل يحتاج إلى الاستنارة، وكل المخلوقات تخلص بنوال ما ليس لها. فكيف يمكن اعتبار الابن الوحيد والاشياء المخلوقة بواسطته جميعاً من نفس الجوهر؟

خامساً:

        يقول المرنم “نور أشرق في الظلمة للأبرار” (مز 112: 4). فكيف يقول ان الابرار في الظلمة اذ هو النور الحقيقي ان كانت طبيعة المخلوقات تملك نفس النور مثل الابن الوحيد؟ ولكن إذا كان النور قد أشرق للأبرار لأنهم يحتاجون اليه فلسنا نحتاج إلى كلمات كثيرة. لأن طبيعة الاشياء المخلوقة ذاتها تصرخ عالياً معلنة انها ليس لها ذات الجوهر الكامل الذي له، وان المعطي بسخاء ليس من نفس جوهر الاشياء المحتاجة للعطاء.

سادساً:

        “قومي قومي يا اورشليم لأن نورك قد جاء ومجد الرب قد أشرق عليك” (اش 60: 1) إذا كانت طبيعة الاشياء المخلوقة لها النور من ذاتها وهو ما يخص الابن الوحيد كنور حقيقي فلماذا احتاجت اورشليم إلى النور؟ ولكن حيث انها اخذت الاستنارة كنعمة، فالابن الوحيد الذي يشرق عليها ويعطيها ما ليس فيها هو وحده النور الحقيقي. فهو ليس من ذات الطبيعة لأن الذي يمنح اورشليم لا يمكن ان يكون كأورشليم.

سابعاً:

        “ها أنا اجعلك عهداً مع الشعب، ونوراً للأمم” (اش 42: 6). فكيف يحتاج المخلوق العاقل على الأرض إلى نور لو كان النور الحقيقي من كيانه الطبيعي؟ لأن الله الآب يعطي ابنه كالنور الحقيقي للمخلوقات. لأن هذا النور ليس من طبيعة المخلوقات التي اذ تنإله تعلن بذلك عن فقر طبيعتها وعن غنى كرامة ذاك الذي ينيرها.

ثامناً:

        “يا بيت يعقوب، تعال لنسير في نور الرب” (اش 2: 5)، فلماذا يسير هؤلاء في نور الرب وليس في نورهم، ولكن أليس الابن الوحيد هو الذي يشرق عليهم ويزرع فيهم صلاح جوهره؟ لأنهم لا يملكون شيئاً.

تاسعاً:

        يقول المخلص “أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو 8: 12). فمن المخلوقات يمكنه ان ينطق بمثل هذا دليلاً على انه ولا وأحد منهم هو النور الحقيقي وعلينا الاعتراف بأن الابن هو النور الحقيقي.

عاشراً:

        يقول الرب: “ما دام لكم النور آمنوا بالنور لكي تصيروا ابناء النور” (يو 12: 36). ألا يفقد هؤلاء النور إذا لم يؤمنوا بالنور، ان كان ممكناً – بأية طريقة – للجوهر المخلوق ان يكون النور الحقيقي؟ وكيف يكون النور من طبيعة المخلوقات؟ ولكن حيث انهم ينالونه من آخر، فمن الممكن ان يفقدوه بالتكاسل. وطالما ان الارادة هي التي تعمل لكي تناله، فانه يمكن ان يستنير المخلوق ويمكن ان يفقد النور دون ان يتلاشى. مثلما يحدث في حالة انسان عاقل يعمل في بناء السفن، اتقن هذه الصناعة بإرادته، إذا اصيب بعارض في جسده فهو لا يفقد طبيعته العاقلة ولكن قد يفقد قدرته على بناء السفن، ولكن إذا استطاع ان يحصل على علاج وان يدفع عنه هذا العارض بواسطة الادوية امكنه ان يعود مرة ثانية لبناء السفن. وهذا يعني ان الاشياء التي هي من جوهره تظل فيه على الدوام، أما ما يتعلمه المخلوق فيمكن لأسباب كثيرة ان يفقده. وقياساً على ذلك لو كان النور من وبيعة المخلوقات وجوهرها، فكيف يفقد الذين لا يؤمنون النور، او كيف يصبح الذين يؤمنون ابناء النور؟ لو كانوا بالطبيعة، النور، لصاروا ابناء لذواتهم اي النور الذي فيهم. وماذا تكون مكافأة الذين يؤمنون لأن الذين لا يؤمنون يظلون ايضاً ابناء لذواتهم. من هذا الاعتبار يمكننا ان ندرك الحق ونقول ان الابن الوحيد وحده هو النور الحقيقي والمخلوقات تحتاج إلى النور لأنها من طبيعة مختلفة عنه.

حادي عشر:

        قال يسوع: “النور معكم زماناً قليلاً فسيروا في النور ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام” (يو 12: 35). وهذا القول بالذات يمكننا ان نصيغه بنفس صياغة البرهان السابق، لأن الذي هو النور بطبيعته لا يمكن ان تدركه الظلمة.

ثاني عشر:

        يقول يوحنا “الذي يقول انه في النور وهو يبغض اخاه فهو في الظلمة” (1يو 2: 9). اذن النور فينا بإرادتنا الحرة. فهو بالإرادة وليس بالجوهر حاضر في الاشياء المخلوقة. ولذلك كل من يكره اخاه هو في الظلمة. فالابن الوحيد هو بالطبيعة النور، وليس النور فيه بإرادته وكثمرة لحرية الاختيار. لذلك هو ليس من ذات الطبيعة المخلوقة بل هو فوق الكل بغير قياس.

ثالث عشر:

        قيل “من يحب أخاه يثبت في النور” (1يو 2: 10) اذن المحبة تعطي المخلوقات ما ليس فيها اي النور، اما الابن الوحيد فهو النور لذلك فهو ليس مثل الآخرين الذين هو فيهم بالمحبة.

([1]) باليونانية Angeloi اي ملائكة او رسل.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الأول: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثالث: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الفصل الرابع

ضد الأنوميين الذين يقولون ان الكلمة الطبيعي في الله الآب هو غير الذي يدعى الابن في الأسفار المقدسة (تعليم أصحاب بدعة أونوميوس).

2- “هذا كان في البدء عند الله”:

        هنا لخص الانجيلي كل ما قاله سابقاً، ولكن عندما أضاف لفظة “هذا” فقد كان يصرخ عالياً، الذي كان في البدء الكلمة مع الآب، الإله من الإله، هو وليس آخر، والذي عنه نكتب هذا الكتاب. ولم يكن بلا معنى ان يضيف: “هذا كان في البدء عند الله”. فهو الذي استنار بالروح الإلهي وعرف ما سيحدث في المستقبل. ولم يكن الانجيلي يجهل، ان بعض الهالكين سوف يقعون في فخاخ الشيطان “وينحدرون إلى أعماق الهاوية”. (أمثال 7: 27) وسوف يقتنصون غير العارفين الذين سوف يصغون إلى ما يخرج من قلبهم الشرير. هؤلاء سوف يقومون ويعصون رأسهم المسيح، قائلين ان الكلمة الذي في الله الآب هو وأحد، وان هناك آخر مثل الكلمة الذي في الآب، هذا هو الابن والكلمة الذي بواسطته يعمل الآب كل الاشياء، لكي يعرف انه كلمة الكلمة، وصورة الصورة واشعاع الاشعاع.

        وكأن الانجيلي المبارك قد سمع تجاديف هؤلاء، فتحرك لكي يمحو غباوتهم وكتاباتهم، فحدد أكثر من مرة ان الكلمة وأحد، هو وحده من الله الآب، وفي الله ومع الله، ولذلك لخص كل ما قاله في هذا الصدد بجملة خاطفة سريعة مثل غمضة العين.

        “هذا كان في البدء عند الله”، اي الابن، الذي هو، مع الآب، والمولود من جوهره، فالابن الوحيد هو الذي يشار اليه بكلمة “هذا”.

        وانني اعتقد انه يلزم لنا ان نفضح كفر وتجاديف هؤلاء، من أجل أقصى سلامة ممكنة للبسطاء، (لكي يبتعد من يعلم ضلال هذه الهرطقة كما يبتعد الإنسان عن حية في طريقه). ولذلك سوف أناقش هرطقتهم بطريقة خاصة. فسوف نرد على ضلالهم بشكل منظم، حسب الحكمة التي يعطينا الله اياها من فوق.

رأي أنوميوس في ابن الله:

        يقول عن الابن الوحيد، انه ليس “الكلمة” بل هو كلمة من الله الاب يخدمه وهو معه. أما الابن الذي يقال انه مولود من الآب فهو الذي يقبل هذه الكلمة. والابن المولود هذا يعرف كل الاشياء من تعلمه اياها. وبسبب مشابهته للكلمة يدعى “كلمة”.

        ولكي يؤيد تجديفه، ينسج بعض أفكاره المتناقضة لكي يتم فيه القول عن الشرير انه يعلق بحبل خطاياه (أم 5: 22)، فيقول انه “لو كان الابن نفسه هو الكلمة من الله الآب الذي هو وأحد في الجوهر مع الذي ولده، فلماذا لا يدعى الآب ايضاً “كلمة” طالما انه وأحد مع الكلمة في الجوهر”. وايضاً “لو فاليهود لم يسمعوا كلمته بل كلمة الله الآب، فكيف لا يكون كلمة قال الآب له “أنت ابني انا اليوم ولدتك” (مز 2: 7)؟ فمن الواضح ان الآب لا يستطيع ان يتكلم معه بدون كلمة، لأن كل ما يقال انما يقال بكلمة وليس بطريق آخر. والمخلص نفسه يؤكد ذلك بقوله “أنا اعرف الآب وأحفظ قوله (كلمته) (يو 8: 55). وايضاً “الكلمة التي تسمعونها ليست لي بل للآب الذي أرسلني (يو 14: 24). كل هذا يؤكد ان الآب عندما يتكلم معه فهو يتكلم معه بكلمة. وها هو نفسه يعترف بذلك. فوأحد يحفظ كلمة الله والآخر هو كلمة الله الذي يتكلم به الآب. فاليهود لم يسمعوا كلمته بل كلمة الله الآب، فكيف لا يكون لدينا يقين بأن الابن ليس هو الكلمة التي تولد في العقل، ومن كل هذا يظهر لنا ان الادعاء بأن الابن هو الكلمة هو أمر مضاد للعقل، لأن الكلمة انما تعبر عن جوهر الآب، بينما الابن ليس كذلك”.

        هذا هو المرض الخطير الذي أصاب هذا الإنسان الاحمق “انوميوس” ورغم وضوح الأسفار الإلهية، الا ان هذا الوضوح لا يجعله يخجل من نفسه، لأن الإنسان الشرير عندما يصل إلى أعماق الشر يصاب بخيبة أمل ويحتقر نفسه (أم 18: 3). وحقاً فإن هذا الإنسان المقاوم لله قد أصاب نفسه اصابة بالغة، فقد وصل إلى العدم الذي حفر له حفرة غباوة عميقة وسقط فيها لأنه رفض الطريق المستقيم اي طريق الحق والتفت حوله جذور براهينه ومنعته من التوبة.

        ومن ناحيتنا سوف نثبت ان ابن الله الوحيد، وابن الآب، هو كلمته.

        الرد على أنوميوس: الهرطوقي بطيء في التعلم لأن “الحكمة لا تدخل النفس الشريرة” (حكمة 1: 4). وهل يمكن ان يكون ما هو أكثر فساداً من هؤلاء الناس الذين يسدون إذانهم عن سماع كلمة الدينونة في الأسفار المقدسة “ويل للذين يتنبأون من قلوبهم وليس من فم الرب” (ارميا 23: 16). ومن يتكلم بكلمة الرب الصادرة من فمه لا يقول يسوع ملعون (أناثيما) (1كو 12: 3). هذا ما يفعله غير المدربين في حمو غضبهم ضد التعليم الصحيح المؤدي للحياة، وكما قال أحد الانبياء “يعوجون كل مستقيم” (ميخا 3: 9). يقولون إن كلمة الله الطبيعي والكائن في الآب هو آخر غير الذي يعرف باسم الابن، ويؤكدون كفرهم بكلام ربنا يسوع المسيح مع اليهود لا سيما قوله “أنا أعرف الآب وأحفظ كلمته” (يو 8: 55). أو ما قيل بواسطة الآب للابن “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز 110: 3س). وهكذا يصبون سم أبيهم الشيطان لأنهم يعتقدون ان المتكلم غير الذي يتكلم معه، وان الآب يتكلم مع الابن بواسطة كلمته الذاتي، وهذا يعني ان الكلمة الذاتي غير الابن. وايضاً يقول “طالما ان الابن نفسه يعلن انه حفظ كلمة الآب، فمن يحفظ غير الذي حفظ. هذه النقطة بالذات ليست صعبة لأنه مكتوب “الرب يعطي قوة للمبشرين بالكلمة” (مز 68: 11 سبعينية). وهؤلاء المرضى بالجهل عليهم ان يتذكروا الذي قال “ويل للذين يتركون الطريق المستقيم طريق البر ويسيرون في طرق الظلمة” (امثال 2: 13). أما بالنسبة لنا فعلينا ان نصرخ لمن في السماء ونقول له “حول عيني عن النظر إلى الأباطيل” (مز 119: 37). هذا الباطل والوسخ والذي بلا شيء، هو الذي ينطقون به عن جهل. فهم لم يكتفوا بما يقولون بأن للآب كلمة غير الابن الكلمة، بل يدعون بأن الابن حفظ الكلمة من الآب، وايضاً بأنه عندما جاء في الجسد، أحضر معه الكلمة كمربي، وهذا كله يعني في النهاية ان الابن ليس هو وحده الذي في الآب، والآب فيه، لكن الذي قال “أنا في الآب والآب في” (يو 14: 11)، لا يمكن ان يكون آخر غير الكلمة الذاتي، فهو وحده الذي في الآب، وليس كلمة آخر. “الآب في” وليس “الكلمة في”. لكن ما معنى الكلام الذي قاله لليهود. يقول الحق الذي يشرق على عقولنا ان المخلص كان يعلم اليهود ويجذبهم اليه شيئاً فشيئاً لأنهم شعب غليظ الرقبة وأراد ان يبعدهم عن العبادة حسب الناموس بقوله “أنا الحق” (يو 14: 26). وكان بذلك يدعوهم إلى ان يخلعوا نير الناموس وان يقبلوا العبادة حسب الروح، لأن الظل يجب ان يبتعد والرمز يذوي، والحق يشرق، ولكن بالنسبة لكثيرين لم يبدو لأي منهم انه يعمل الحق، بل أنه يهدم وصايا موسى، بل لقد ظنوا فيه ما هو أسوأ من هذا حتى ان بعضهم صرخ قائلاً لو كان هذا الإنسان من الله، ما كان قد كسر السبت، وكان هذا اتهام بخطيئة لم يرتكبها.

        كان إذا يرد على غباوة اليهود، ولذلك تحدث معهم بطريقة خاصة، استخدم فيها اسلوباً يعتمد على البطء في الإعلان، وتقديم القليل، حتى ان الابن الذي لا يعرف خطية، لا يعمل شيئاً سوى ما هو صالح أمام الله الآب فقط، ودون ان يقول بكل صراحة اني لم أعرف الخطية، لأن هذا معناه ان يجموه على الفور. لأنهم كانوا يفورون بالغضب، وكانوا سيهجمون عليه فوراً قائلين ان عدم الخطية خاص بالله وحده. وكانوا سوف يتهمونه ويقولون له فأنك وانت انسان تنطق بما يخص الله وحده. وهذا ما حدث في مناسبة أرادوا ان يرجموه فيها بسبب واضح عندهم لأنه وهو انسان يجعل نفسه إلهاً (يو 10: 33) وبشكل غير مباشر فان المخلص، كانسان، وتحت الناموس، مع الذين هم تحت الناموس يقول انه يحفظ كلمة الآب، دون ان يعني بذلك انه هو غير كلمة الآب، بل يعني انه لن يتعدى ارادة الآب. لأن تعدي الناموس الإلهي خطية واضحة. ولكنني لا أعرف خطية، لأنني الله بالطبيعة، ومع ذلك سوف لا أتعدى الآب في تعليمي ولن أتعدى ما قاله الآب. ولا يعترض أحد على ذلك الذي هو بالطبيعة معطي الناموس. ولكنه بسبب مشابهته لنا هو حافظ للناموس ولكنه يقول انه يعرف الآب ليس كما نعرفه نحن، وانما لأنه هو الله، يعرف الآب، بسبب وحدة الطبيعة الإلهية. وانما لأنه يعرف ان الآب بلا تغيير، بل لا تقبل طبيعته اي تغيير، يقول لنا انه يعرف ذلك، لكي نعرف نحن انه هو ايضاً بلا تغيير، وهو غير المتغير من الآب غير المتغير. ولذلك الذي لا يعرف اي تغيير. كيف يمكن ان يخطئ؟ ألا يظل بلا خطية لأن كل صفاته إلهية لا تقبل النقص والنمو!! باطل اذن تصور اليهود بأن الابن هو خارج مشورة الله الآب، وانما هو يحفظ كلمة الآب، لأن طبيعته لا تعرف الخطية، ولأنه يعرف ان الآب لا يحتمل ان يخطئ وهو وأحد معه في الجوهر، لأنه ابنه الوحيد. لكن هذا لا يكفي للرد، وانما حيث انهم يضيفون إلى شرحهم النص المعروف “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” علينا ان نشرح كلمة التقوى في هذا الموضوع.

        ليس لأن الآب قال هذا للابن فيصبح في الآب كلمة ذاتي، غير الابن. بل علينا أولاً وقبل كل شيء ان ندرك ان النبي نطق بهذه الكلمات السرية بالروح، لكي يرشدنا إلى أقنوم الابن، ويدخلنا اليه وهو يسمع الآب قائلاً له: “أنت ابني” وما يتبع ذلك. ومن الحديث نفسه ندرك ان صياغته تتفق مع الصياغة البشرية لأي حديث. لكن حتى هذه الصياغة لا تلزمنا بأن نعتقد بوجود كلمتين، بل يستخدم الحديث طريقتنا نحن البشر في التعبير وهو ما لا يمكن تجاوزه، وان شئنا ان نلوم أحداً عليه فليس أمامنا سوى ضعف الطبيعة البشرية التي ليس لديها كلمات ولا أفكار ولا مصطلحات تخدم بشكل دقيق بلا اخطاء عن الأمور الإلهية، هذا يجعلنا ندرك ان الطبيعة الإلهية أسمى من كل إدراك العقل بل تعلو عليه ولا يمكن التعبير عنها كما هي، بل يمكن الكلام عنها في اطار الادراك البشري.

        وإذا لم يفهم الهراطقة غير المقدسين هذا، وحاولوا اساءة استخدام هذه الكلمات او ما يشبهها، فلابد لهم ان يفهموا ان الحديث مقصود منه ان نرك حقائق عالية، ولو حاولوا الادعاء بأن مثل هذه الكلمات يجب ان تؤخذ كما هي حرفياً، فانه لن يوجد ما يمنعهم من تصور ان الآب يلد مثلما نلد نحن، ولن يوجد ما يمنعهم من انكار وجود بطن للآب وآلام الولادة، طالما انه يقول للابن “من البطن ولدتك” ولكن إذا قالوا انه بسبب الشبه بيننا وبين الله، نستخدم الكلمات عن ولادة الابن، وأنها في إطار التقوى يجب ان تفهم. فان هذا يحل المشكلة. لأن التشبيهات يجب ان تؤخذ بشكل غير حرفي مما يقضي على تعليمهم الفاسد والمر.

        ان ما ذكرته هنا يكفي، ولكن حيث اننا قررنا ان نقضي تماماً على البراهين الغبية التي يستخدمونها، وان نبني التعاليم المستقيمة، علينا ان نهاجم كل فكرة بلك غيرة وقوة وأن نتسلح بالحق المنتصر دائماً. سوف نسجل اعتراضاتهم أولاً وبترتيب، تم الرد، لكي يكون الرد دقيقاً واجابة على كل فكرة مثل ذلك يجعل استعداد القارئين للتعليم، أكثر.

اعتراضات الهراطقة:

        “إذا لم يكن لدى الآب كلمة من جوهره غير الابن الوحيد الذي لا ننكر انه من الآب، والذي يدعى كلمة لأنه يتشبه بالكلمة الذي من الآب، فان قبول النتيجة مستحيل، ونحن الذين نفكر بشكل صائب، نجد أنفسنا مضطرين للاعتراف بأن الآب نفسه كلمة، طالما انه وأحد في الجوهر مع الكلمة، والكلمة وأحد في الجوهر معه.

الرد:

        لا يوجد دليل ايها الذكي يلزمنا بأن نؤمن بأن الآب نفسه يجب ان يسمى كلمة لأنه وأحد مع الكلمة في الجوهر. لأنه ليس صحيحاً ان الاشياء التي لها نفس الجوهر والتي لها نفس الطبيعة يمكن ان يتحول كل منها إلى الآخر او ان تتبادل ما بينها إلى حد ان تصبح خليطاً، حتى انها يمكن ان تصبح كلها وأحدة متعادلة بلا تمايز، او تصبح الكثرة فيها وأحداً وتذوب كل مظاهر التمايز. والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية نفسها الواحدة التي رأسها آدم أبينا جميعاً وهو وأحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابناً كما لا تجعل ابن آدم أباً لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى ان الآب يظل آباً والابن يظل ابناً.

        أما إذا كنتم تظنون انكم تهيئون برهاناً ذكياً، وتحاولون ان تفرضوا على وحدة الجوهر الاختلاط، وانعدام التمايز، حتى لا يبقى كل أقنوم كل هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديان الكل من ان يعاقب الابن على ذنب ابيه. او الآب على ذنب ابنه، مع ان النبي يقول “النفس التي تخطئ تموت” الابن لا يحمل ذنب الآب والا الآب ذنب الابن” (حزقيال 18: 20). ولكن الذي يفضي بالعدل لا يعاقب الآب على ذنوب ابنه رغم ان الآب والابن من جوهر وأحد، لان الآب ليس ابناً، والابن كذلك ليس أباً، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الابوة والبنوة، والله يعرف كل منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما انه لا ينحدر ايضاً إلى مكانة الآخر.

        من هذا يصبح واضحاً انه لا يمكن مطلقاً البرهنة على ان الله الآب بسبب وحدة الجوهر، سوف يتحول إلى الكلمة، فالآب له أقنومه الخاص به الذي لا يمكن ان ينتقل إلى آخر، ورغم انه يلد الابن الكلمة، الا انه يظل كما هو في ذاته، اي الآب، وذلك لكيلا تظهر الأمور الإلهية انها أقل من المستوى الخاص بنا نحن البشر.

        برهان آخر يشبه الأول، ويعتمد على استحالة النتيجة التي يصل اليها الخصم:

        لا اختلاف بين الابن والآب، لأن الابن هو صورة جوهره ورسم أقنومه (عب 1: 23). والابن يقول لتلاميذه “الذي رآني فقد رأى الآب” (يو 14: 9). فإذا قال الابن ذلك وكانت وحدة الجوهر حسب ادعاء الخصم تعني التحول والاختلاط في الأقانيم، فليس ما يمنع الابن – حسب ادعاء الخصم – من ان يصبح الآب، فليس ما يمنع الابن – حسب ادعاء الخصم – من ان يصبح الآب، طالما ان وحدة الجوهر تعني التغيير والانتقال. وإذا افترضنا ان الابن صار الآب فانه يقول للآب الحقيقي “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز 110: 3س)، ويمكنه ايضاً ان يستخدم لنفسه كل كلمة قالها الآب وخاصة بالآب. وإذا تم ذلك فقط وصل كل شيء إلى أقصى حالات الفوضى، ويتقلص الثالوث الكائن منذ الأزل، إلى وحدانية فقط، طالما ان كل ما يميز كل أقنوم قد تبدد وذاب، بسبب وحدة الجوهر (كما يفهمها الخصم)، وبذلك فان تماثل الطبيعة يلغي تمايز الاشخاص (الأقانيم). هذا طبعاً مستحيل. إذا لا يمكن ان يصبح الآب هو الكلمة، بسبب وحدة الجوهر مع الكلمة، بل يظل كما هو متمايزاً كأقنوم رغم شركته في الجوهر مع الكلمة. وبذلك يظهر ان اعتراضهم على التعليم السليم هو لا شيء.

        برهان آخر: إذا كانت كل كلمة تصدر من انسان، هي نابعة من قلبه وتظهر على لسانه تصبح هي الشخص نفسه، وبسبب وحدة الجوهر يمكن ان يتحول الشخص إلى كلمة، والكلمة إلى شخص، حسب تفكير الخصم، فكذلك يصبح الآب كلمة، لأنه وأحد في الجوهر مع الكلمة، ويصبح الآب هو كلمته، اي يفقد وجوده تماماً، عندما يصبح كلمة. وهنا يحدث المستحيل، فقد صار الآب كلمة ففقد وجوده كآب، ولم يعد هناك كلمة ايضاً، لأن الكلمة تنسب إلى شخص وهذا الشخص اختفى او تبدد.

        لكن الطبيعة الإلهية لا يمكن ان يتحول اقنوم فيها إلى عدم الوجود، او إلى أقنوم آخر. ولذلك لا يمكن ان يتحول الآب إلى الكلمة رغم انه وأحد في الجوهر مع الكلمة، بل يظل الآب كما هو آب، كما يظل الابن الوحيد هو الكلمة.

        برهان آخر: إذا كنا نؤمن ان الجوهر الإلهي لا يقبل التغير او التحول، فكيف يمكن لأقنوم الآب ان يتحول عن وضعه كأب. ويصبح الكلمة؟ هذا يعني تغير ويعني ان الآب يتحول عندما يتكلم مع الابن، وبذلك لا يصبح كما كان عليه في البدء. ولكن هذا مستحيل، لأن التغير غريب على الطبيعة الإلهية، فالآب يظل كما هو بدون ان يتحول إلى الكلمة، بل يظل إلى الأبد الآب، بدون تغير او تحول كإله.

        برهان آخر مثله: يعلن الكلمة الابن الوحيد انه الإله الحق من الإله الحق اي الآب، ويقول “كل ما للآب فهو لي” (يو 16: 15). ومع ان الابن هو وارث لكل الخصائص في طبيعة الآب لأنه مولود منه بالطبيعة الإلهية، الا انه لم يأخذ الابوة، فالأبوة خاصة بالآب وحده. وبذلك لا ينقص الابن شيئاً مما للآب، مع انه ليس الآب، وانما يأخذ في ذاته كل خصائص جوهر الآب، وإذا اعتبرنا ان نفس المبدأ ينطبق على الآب، فهو له كل خصائص الابن ما عدا البنوة، او ان يصبح الكلمة، ولكن لأنه عديم التغير يظل كما هو مثل الكلمة العديم التغير والذي ظهر منه، اي الابن.

        برهان آخر: وجد الله واضع الناموس ان بعض الناس أخطأ فقال عنهم بلسان النبي القديس “لم يميزوا بين الطاهر والنجس” (خر 22: 26). والذين يميزون يدركون الفروق الاساسية بين الطاهر والنجس. ولكن إذا كانت وحدة الجوهر كما يدعى الخصم يمكن ان تختلط، رغم وجود أفراد، ويصبح في قدرة كل فرد ان يأخذ الطبيعة التي يشاء، فمن الذي يمكنه ان يفصل بين الطاهر والنجس، طالما انه لا يمكن التمييز بين الافراد الذين يشتركون في طبيعة وأحدة، وهذا يعني ان يهوذا الخائن يمكن ان يصبح بطرس او بولس، طالما انه وأحد معهم في الجوهر الإنساني، او ان يتحول بطرس إلى بولس. هذا مستحيل اذن وحدة الجوهر، لا تلغي الفروق والتمايز بين الأفراد الذين ينتمون إلى طبيعة وأحدة فإذا كان هذا ينطبق على الطبيعة الإنسانية الضعيفة، فكم يكون بالنسبة للجوهر الإلهي الفائق، وكم يكون خطأ ان نتصور ان الله الآب يصبح الكلمة بسبب وحدة الجوهر. فهو أقنوم الآب منذ الأزل. وهذا ليس اعتداء على كرامة الابن، بل تأكيد على تمايز الابن ايضاً، واعتراف بأن الآب والابن لهما ذات الطبيعة الإلهية الواحدة غير المتغيرة، ولكل منهما صفته الأقنومية الخاصة به التي لا تسمح للابن ان يكون الآب او الآب ان يكون الابن، بل يظل كل منهما أقنوماً متميزاً في وحدة الجوهر.

اعتراض للهراطقة:

        يقولون: “أنتم لا تفكرون بشكل صائب، لأنه من الصواب ان نعتقد ان الكلمة الذاتي في الله الآب ليس هو الابن ومع اننا نسمعه يقول “أنا اعرفه وأحفظ كلمته” (يو 8: 55)، فإذا كان كما أكد هو، يحفظ كلمة الآب، فانه من الواضح انه غير الآب، ويجب بالضرورة ان نقول انه يوجد ما يميز الذي يحفظ الكلمة، عن الكلمة التي تحفظ”.

ردود متعددة توضح بشكل قاطع ان الابن هو كلمة الله الآب:

        لو كان الابن الوحيد الذي من الآب هو آخر غير الكلمة “الذي يصفونه بأنه الكلمة الذاتي الكائن في الله، فعلى هؤلاء الذين يقولون هذا الرأي المضاد ان يخبروننا، هل هذا الكلمة الذاتي اقنوم ام لا. فإذا قالوا انه كائن بذاته، وله كيان متميز، فان هذا يعني الاعتراف بوجود ابنين، وإذا قالوا انه بلا كيان متميز، إذا لا يوجد وسيط او طرف ثالث بين الآب والابن.

        برهان آخر في نفس الاتجاه: حدد المعارضون للإيمان وجود كلمة في الله الآب، وحسب خيالهم المريض فان هذا الكلمة الذاتي هو الذي يشير على الابن ويعلمه وصايا الآب ومشوراته. وسوف نرى غباوة عقيدتهم.

        بادئ ذي بدء يبدو حسب رأيهم ان اسم الآب لا علاقة له بالمرة بالابن، والا ما معنى الآب بالنسبة للابن، او الابن بالنسبة للآب، طالما ان هناك طرف ثالث بينهما يفصل الابن عن الآب. اذن فليس الآب أباً، ولا الابن ابناً، إذا اعتقدنا بأن ارادة الله الآب في كلمة ذاتي غير الابن، وهذا الكلمة الذاتي يتوسط بين الآب والابن. والنتيجة النهائية هي ان ارادة الآب ليست في أقنومه، ولا ارادة الابن في اقنومه، بل في الطرف الثالث الذي اخترعوه.

        لكن إذا افترضنا ان الطرف الثالث الذي اخترعوه ليس له اقنوم فان الابن يصبح في الآب دون وسيط، فاين يبقى مكان الكلمة الذاتي الذي اخترعوه.

 

برهان آخر يؤكد استحالة الافتراض الذي اخترعه الهراطقة:

        نحن نؤمن بأن الثالوث القدوس المسجود له له جوهر وأحد، رغم جنون الهراطقة الذي يمنعهم من الايمان. ووحدة الجوهر تفترض وجود مساواة في الخصائص الطبيعية بين الأقانيم، فإذا عدنا إلى افتراض الهراطقة الذي يتوهم وجود كلمة في الآب غير الابن الكلمة، فان المساواة تفترض ايضاً وجود كلمة ذاتي في الابن، طالما ان الابن مثل الآب في كل شيء وهو صورة جوهره ورسم اقنومه (عب 1: 3)، وايضاً الروح القدس هو ايضاً طالما انه مساوي للآب والابن فيه كلمة ذاتي. وهذا يعني ان الثالوث صار سداسياً، واصبحت الطبيعة الإلهية مركبة. وهذا مستحيل، فالجوهر بسيط غير مركب، لا يوجد فيه الا ثلاثة أقانيم، ولا يوجد وسيط بين كل أقنوم وآخر، بل هو جوهر وأحد للثالوث القدوس لا اختلاط فيه بين الأقانيم.

        برهان آخر: عندما تستعمل الاسفار المقدسة اسماء وتضيف اليها أداة التعريف “ال” فهي تقصد ان تتحدث عن كائن معين وليس آخر. وعندما لا توجد أداة تعريف “ال” فان الاسم يصبح عاماً يمكن ان يشترك فيه أكثر من وأحد. ومثال على ذلك، يوجد كثيرين دعوا إلهة. ولكن عندما يكون المقصود هو الله فان أداة التعريف تستخدم للدلالة عليه هو بذاته وليس آخر، فان عدم استخدام أداة التعريف “ال” معناه وأحد من هؤلاء الذين بالنعمة دعوا إلهة. وعلى نفس القياس، يوجد بشر كثيرين، ولكن عندما يستخدم المخلص أداة التعريف “ال” ويتحدث عن ابن الإنسان، فهو يقصد الكلام عن نفسه، كوأحد مخصص ضمن آلاف فإذا كانت الاسماء تعامل هكذا في الاسفار المقدسة، فكيف تفهم هذه العبارة، “في البدء كان الكلمة”. إذا كان المقصود من هذا كل كلمة من كلمات الله، فدع الخصوم يعرفوننا ذلك. لكن إذا كان الانجيلي يستخدم أداة التعريف “ال”، ويخصص الكلام عن وأحد معين، هو المقصود به “الكلمة” فان هجومهم قد أصاب لا شيء، بل بدلاً من الايمان بالكلمة، اخترعوا بديلاً له في الآب لكي يفصلوا الابن عن جوهر الآب. أما وقد ظهر ان هذا مستحيل، فاننا لا نملك الا ان نرفض مشورة الهراطقة.

برهان آخر يوضح ان الكلمة هو الابن نفسه المساوي للآب وانه ليس كلمة ذاتي غيره:

        لو كان الابن الوحيد، ابن الله دعي – حسب زعم الهراطقة – كلمة لأنه يأخذ المشورة من كلمة ذاتي في الآب، فلماذا لم يقل المخلص للتلاميذ “أنا وكلمة الآب وأحد” “والذي رآني فقد رأى كلمة الآب” ولكن حيث انه لا يوجد كلمة آخر غيره، بل هو وحده الابن الوحيد، فالابن ينسب نفسه للآب فقط، دون وسيط بل للآب الذي ولده من جوهره.

اعتراض من الخصوم:

        يقولون “لقد وجدنا ان الابن غير الكلمة الذاتي وهذا ليس اختراع وأوهام عقولنا بل ما تؤكده الأسفار المقدسة. ماذا نقول عندما نسمع الابن يقول للآب “مجد ابنك” (يو 12: 28).

        والآب يجيبه “مجدت وسوف أمجد ايضاً”؟ ألا يستدعي هذا الافتراض بأن الآب يجيب على الابن بكلمة؟ أليس الكلمة الذاتي هو المقصود والذي به يجيب الآب على الابن”.

ردود مختلفة مرتبة على هذا الاعتراض:

        ان الهراطقة غير المقدسين يستحقون النوح والدموع، بل وايضاً العجب، بل علينا ان نقول ما قاله النبي “لا تبك على الموتى ولا تندبهم، بل ابك بحرقة على كل من” يفكر ويتفوه بهذه الكلمات على الابن الوحيد (أرميا 22: 10) فهل يوجد من هو أكثر شقاوة من هؤلاء، لأنهم لو تصوروا ان هذا فعلاً صوت الآب نفسه الذي لم يسمعه فقط المخلص، بل والجموع الواقفة من اليهود، بل جماعة التلاميذ انفسهم؟ لقد كان بالأحرى ان يتصوروا الأمور التي تليق بالله وبكرامته وليس اخضاع هذه الأمور العالية إلى القوانين الخاصة بالحياة الإنسانية.

        ان السماع بالاذن يتطلب صوتاً يخرج من الفم إلى إلهواء او الذي لم يسمعه فقط المخلص، بل والجموع الواقفة من اليهود، كما لو كان مثل حركة العقل، والابن وحده يعرفها الذي هو في الآب بالطبيعة وهو حكمة الآب.

        أما الافتراض بأن الله يستخدم صوتاً مكوناً من مقاطع، فهذا ما لا يقبله العقل، طالما اننا نحفظ للطبيعة الإلهية كل ما يخصها ويجعلها تتفوق وتعلو على الخليقة. كما ان ربنا يسوع المسيح نفسه لم يقل ان هذا صوت الآب، وقيل ان هذا الصوت لم يحدث لأجله هو، بل انه لا يحتاج لآخر لكي يعلمه ارادة الآب ولذلك قال “أن هذا الصوت لم يصر لأجلي، بل لأجلكم” (يوحنا 12: 30) وكان الأجدر به ان يقول يا أصدقائي الأعزاء – لو كان رأيكم على صواب “لقد سمعتم معي صوت الآب” ولكنه قال العكس، وأعلن انه لا يحتاج إلى هذا الصوت، وانما جاء الصوت لأجل الواقفين.

        وهذا يعني ان الآب لم يتكلم، كما يتكلم البشر، وانما اعطى هذا الصوت لأجل الجموع. وإذا كان الآب يعمل كل شيء به اي بالابن، فقد تم هذا بالابن ايضاً، اي كان هو الصوت والاعلان وليس المحتاج إلى المشورة وإلى ان يتعلم ارادة الآب، التي يعرفها كابن، وانما جاء الصوت لكي يسمع الواقفون ويؤمنوا به.

        برهان آخر: لو صح كلامهم بان الابن يحتاج إلى كلمة ذاتي غيره في الآب لكي يعلم مشيئة الآب ومشورته فكيف نفهم قول بولس “المسيح قوة الله وحكمة الله”؟ (1كورنثوس 1: 24). كيف يكون الابن هو كلمة الله، وهو ناقص الحكمة ومحتاج ان يتعلم مشورة الله وان ينمو إلى الكمال الذي يحصل عليه من آخر ولو صح كلام الهراطقة لوجب علينا ان نقول ان عبارة بولس السابقة تعني ان حكمة الآب ناقصة، وإذا كان الابن هو حكمة الآب، فكيف تكون ارادة الآب معروفة لآخر غير الابن. لأن هذا يعني ان ارادة الله الآب ليست كاملة بالحكمة، اي الابن. ما أعظم هذا التجديف، وما أشد هذا الكفر. فليس هو الابن الذي يقبل ارشاداً من آخر لكي يعلم ارادة الآب، بل هو حكمة ومشورة وارادة الله الآب، لأنه يفحص كل شيء حتى أعماق الله، كما هو مكتوب عن الروح القدس ايضاً (1كو 2: 10).

        برهان آخر: تقدم لنا الأسفار المقدسة الابن على انه صورة ورسم جوهر الآب، والمخلص نفسه يقول “الذي رآني فقد رأى الآب” ولكن إذا كان الابن مثل الآب ومساوياً له. ولا يعرف ذاته ولا من هو، فعليه ان لا يتكلم ويعلن الآخر، بل عليه ان ينتظر حتى يتعلم من الآب. بل ان هذا يقودنا إلى ان نقول نفس الشيء عن الآب، طالما انه مساوي للابن .. وهذا مستحيل .. لأنه ادعاء بأن الجهل من صفات الطبيعة الإلهية، ولما كان من الكفر ان نفكر بهذا الشكل فعلينا ان نقبل التعليم الصحيح فهو نافع ومعين لنا.

        برهان آخر: يقول بولس عن الروح القدس “انه يفحص كل شيء، حتى أعماق الله” ويضيف “لا يعرف الإنسان الا روح الإنسان الذي فيه، كذلك أمور الله لا يعرفها أحد الا روح الله” (1كورنثوس 2: 10-11) فإذا كان الروح القدس يميز بدقة ويفحص كل شيء، والروح ليس روح الآب فقط، بل هو روح الابن ايضاً، فكيف يكون فيه الروح بسبب وحدة الجوهر، ويظل لا يعرف كل شيء، بل لا يعرف ارادة الآب؟ هراء هذا الادعاء الباطل ضد الحق، لأنه واضح لكي من يريد ان يعرف، ان الابن لا يتعلم ارادة الآب. وبذلك يهلك تماماً الادعاء بأن الابن يحتاج لكلمة ذاتي لكي يتوسط بينه وبين الآب ويعلمه الحكمة. وهذا يجعل مشورتهم الباطلة المؤسسة على عدم ادراكهم تتبدد تماماً، لأن الابن يعلم كل شيء من ذاته.

برهان مبني على استحالة رأي الخصم:

        الذين يتهجمون على أقنوم الابن الوحيد وجوهره قائلين انه لا يعرف ارادة الآب، وبالتالي احتاج لأن يتعلم من معلم آخر وهو الكلمة الذاتي الذي اخترعوه، فان عليهم ان يقولوا لنا، هل سيظل رأيهم قادراً على الثبات، خصوصاً إذا سألناهم، هل الكلمة الذاتي الذي اخترعوه، مساو للابن، وعلينا ان نعترف معهم انه له أقنوم وكيان خاص به، وان كانوا هم لم يحددوا سواء أكان الكلمة الذاتي أقل او أسمى من الابن. إذا قالوا انه أعظم وأسمى من الابن، فان هذا اتهام ذو حدين موجه للابن والآب معاً، أولاً اتهام وكفر بالآب لأنه ولد من هو أقل منه، بينما سمح بوجود كلمة ذاتي أعظم وأسمى. أما ما هو أعظم استحالة، هو انهم يدعون ان الآب أقل من الكلمة الذي اخترعوه، لأن الآب مساو للابن، والكلمة الذاتي أعظم من الابن، وبالتالي أعظم من الآب.

        ولكن أغلب الظن انه سوف يتراجع الهراطقة عن هذا التجديف ويقولوا لا ان الكلمة الذاتي، مساو للابن في الجوهر، وهنا تصل إلى النقطة الأخيرة في الموضوع كله.

        كيف يعلم الكلمة الذاتي الابن وهو مثله ومساو له؟ وكيف مع المساواة في الجوهر يصبح وأحد يعلم والآخر لا يعلم بل ويحتاج إلى تعليم؟

        ان تعليم هؤلاء الناس ضعيف جداً في كل الجوانب حيثما هاجمته ولقد ثبت الآن ان الابن هو في الله الآب، والابن هو الله الكلمة “الذي كان في البدء”.

        برهان آخر: يقول المبارك بولس الرسول عن الابن “مذخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم” (كولوسي 2: 3). فإذا صح هذا القول فكيف يمكن الافتراض بأن هناك آخر يعلم الابن. ومن هو الآخر الذي سوف نطلبه لكي نتعلم منه المعرفة الكاملة؟ وكيف يمكن ان يوصف الابن بأن فيه كل كنوز الحكمة، وهو لا زال محتاجاً لآخر يعلمه؟ كيف صار الحكمة حكيماً بواسطة آخر؟

        كل هذه أسئلة يستحيل الاجابة عليها، وعلينا نحن ان نصغي إلى قول الروح القدس، وليس إلى أقوال الهراطقة، لأن الروح يقول على لسان بولس ان “فيه كل كنوز الحكمة والعلم” ولأنه في الآب فهو يعرف كل شيء. لأنه حكمة الآب الذي لا يحتاج لأحد آخر لكي يعلمه.

 

الفصل الخامس

“الابن بالطبيعة خالق مع الآب، وهو من جوهر الآب،

ولا يعمل مع الآب مثل خادم”

3- كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان:

        بعد ان قضى الانجيلي المبارك تماماً على كل تراكيب الاعتراضات التي قدمها الهراطقة غير المقدسين، وبعد ان أكمل كلامه الدقيق عن الابن الوحيد يصل الآن إلى أحد فخاخ الشيطان القديمة الخادعة، شوكة تعدد الإلهة، الخطأ الجسيم الذي جرح كثيرين وألقاهم صرعى في طريق الدينونة وفتح باب الموت الرهيب على مصراعيه، وجمع في داخله كثرة لا تحصى من نفوس البشر في جماعات وقطعان في الهاوية، فصار كل هؤلاء طعاماً دسماً للشيطان “ولحماً مختاراً” قدم اليه (حبقوق 1: 16س).

        ان ابناء اليونانيين الذين اشتغلوا بحكمة العالم، والذين سكنهم روح رئيس هذا العالم، وحملهم إلى خطأ تعدد الإلهة، مما أفسد جمال الحق، فصاروا مثل الذين يسيرون في الضباب تحيط بهم الظلمة، فسقطوا في حفرة الجهل، وعبدوا الإلهة التي بلا حياة، “وقالوا للخشب أنت أبي، وللحجر انت الذي ولدتني” (ارميا 2: 27) أما غيرهم فقد سقطوا مثلهم، بعد ان اخترعوا خطأ آخر صقلوه صقلاً ممتازاً، “فعبدوا المخلوق دون الخالق” (رومية 1: 25). وقدموا المجد اللائق بالخالق وحده إلى العناصر المخلوقة، لأجل كل هذا يقدم لنا الانجيلي الابن الوحيد كخالق وصانع: “كل شيء به كان” وايضاً “وبغيره لم يخلق شيء” وبذلك أغلق إلى الابد المدخل إلى خداع تعدد الإلهة، ويعلن الابن الوحيد، للذين لم يعرفوه كخالق الكل. وبهذه الكلمات يقول ان الخليقة قد خلقها الابن الوحيد، لكي يظهر انه لم يأت أحد إلى الوجود الا بقوة الابن الوحيد، لكي يظهر انه لم يأت أحد إلى الوجود الا بقوة الابن الوحيد، فهو القوة التي أتت بكل الكائنات من العدم إلى الوجود. لأنه من الممكن “عن طريق جمال الخليقة ان ننظر الخالق” (حكمة 13: 5)، وان نعرفه الذي هو الإله الحق الذي به خلقت كل الاشياء، بل به تستمر في البقاء.

        صاغ الانجيلي هذه الكلمات في افتتاحية الانجيل ضد العبادة المزيفة التي اخترعها اليونانيون، ولذلك عينه نحن نؤمن ان الابن الوحيد قد قدمه لنا الانجيلي صانعاً وخالقاً.

        من اللائق لكي نواجه اختراعات الهراطقة وخيالاتهم المنحرفة ان نقول أكثر مما قلناه.

“كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”:

        يضع الانجيلي الكرامة الإلهية الخاصة بالابن لكن يوضح بشكل واضح انه وأحد في الجوهر مع الله الذي ولده، وان كل ما يخص الآب يخص الابن ايضاً، ولذلك يجب ان نعتقد انه الإله الحق، وليس كمن نال لقب الالوهية التي تعطى لنا (*) بالنعمة وحدها، حسب الكلمات “أنا قلت إنكم إلهة، وبني العلي كلكم” (مزمور 82: 6)، أما هو فغير ذلك تماماً، “لأن كل شيء به كان” وعندما يقول الانجيلي “كل شيء به كان” فهو لا يعطي اي استثناء لأي من الكائنات مهما كان. وليس المبارك قد فهم معنى كلمة “كل شيء”، لأنه عندما كان يتكلم عن المخلص قال ان “كل شيء قد أخضع تحت قدميه” (عبرانيين 2: 8)، وبيقين فائق يؤكد “وعندما يقول الكل، فهو لم يترك شيئاً غير خاضع له” (عبرانيين 2: 8). ولأننا نؤمن ان كل شيء قد خلق بواسطة الابن، فلا نستطيع ان نحسبه كوأحد من الكل (المخلوقات)، بل هو غيرها تماماً، لأنه ليس ضمن الطبائع المخلوقة، بل نعترف انه وحده بالطبيعة الإله الحق.

        ومن الذي يمكن ان يتوسط بين الله والمخلوق؟ أنا لا أعني الجوهر، فما أكثر الفروق، وانما أعني المكانة، ولذلك ما هي مكانة الابن وهو الذي يفوق كل المخلوقات، بل هو الخالق الذي لا يمكن مقارنته بها. “كل شيء به كان” لأنه القوة، وحكمة الله الآب، وليس مثل كلمة الإنسان وقوته الكامنة والمختفية، والتي تعتبر أحدى صفات الإنسان، وانما هو متميز بذاته، ولكنه مولود من الآب، بشكل فائق، حتى ان حكمة الآب وقوته تدرك انها هي حقاً الابن.

        ومع ان الانجيلي المبارك قال “كل شيء به كان”، فان هذه العبارة لا تعني بالمرة ان الابن أقل من الآب. فهي لا تعني ان الابن خدم أو يعمل من أجل آخر. منفذاً ارادته، وهو ما يتنافى مع الاعتقاد بأنه خالق، فهو لم ينل قوة من آخر لكي يخلق، وانما هو قوة الله الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيء مع الآب والروح القدس، لأن كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس.

        ونحن نؤمن بأن الآب هو مع الابن، وليس كمن بلا قوة تقدر على ان تخلق من العدم، وانما هو فيه تماماً، بسبب عدم تغير الجوهر، وبدون ان يكون بينه وبين الآب اي وسيط في ولادته الطبيعية من الآب. بل كمن يقول ان رائحة الزهرة هي مع الزهرة والزهرة دائماً مع الرائحة، لا سيما عندما تنتشر الرائحة، ولكن الرائحة من الزهرة طبيعياً. وقوة هذا التشبيه بسيطة بالمقارنة بالكلام عن الطبيعة الفائقة التي تفوق الإدراك.

        لذلك كيف نفهم “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يوحنا 5: 17)؟ ليس لأن الابن منفصل عن الآب قال “أبي يعمل وأنا أعمل”، او كأن الابن يعمل والآب يستريح، لأن الخالق في هذه الحالة لن يكون وأحداً، بل اثنين، إذا كان كل أقنوم يخلق منفصلاً عن الآخر. وبالإضافة إلى ذلك يصبح الآب محتاجاً إلى قوةلأن الابن منفصل عنه، وليس حاضراً فيه دائماً، كذلك الابن يصبح محتاجاً إلى قوة، لأن الآب ليس حاضراً فيه دائماً، كذلك الابن يصبح محتاجاً إلى قوة، لأن الآب ليس حاضراً فيه دائماً. ولو كان ممكناً ان يخلق الآب منفصلاً عن الابن، وان يخلق الابن منفصلاً عن الآب، لما استطاع الابن ان يقول “أنا في الآب والآب في” (يوحنا 14: 10).

        وما قلناه لا يعني فقط ان الجوهر وأحد، بل لا يسمح بالمرة لأن يكون الابن شبه الآب، او اننا نرى الابن في الآب كما نرى الصورة والأصل، بل اننا نرى الابن مولوداً دائماً مشرقاً من جوهر الآب، وهو فيه، وبه، متميزاً عن الآب لأنه الله الكلمة وايضاً نرى الآب في الابن، كما هو مولود من الجوهر نفسه، مثله في الطبيعة الإلهية، متميزاً عنه كأقنوم، لأن الآب يظل الآب، رغم انه مثل الابن في الطبيعة، ويشترك معه في ذات الجوهر، وهو في الابن مثل الشمس والشعاع. والابن ايضاً يظل هو الابن، رغم انه مثل الآب في الطبيعة ويشترك معه في ذات الجوهر، وهو في الآب مثل الشعاع في الشمس. وباعتقادنا بأن الآب هو الآب بالحق، والابن هو الابن، والروح القدس الذي له مكانه الخاص به معهما كأقنوم يصل الثالوث القدوس إلى اللاهوت الواحد نفسه.

        وكيف يكون الله وأحداً، لو انفصل كل أقنوم وانفرد تماماً عن الأقنومين الآخرين، او كيف يمكن ان يقال لكل أقنوم، الله، إذا انفصل تماماً عن مماثلة الطبيعة والمشاركة الجوهرية، مع الآخر؟ لذلك يجب علينا ان نؤمن بالآب والابن والروح القدس، كل اقنوم متميز، دون ان نخلط الأقانيم او الاسماء، بل يظل كل اقنوم كما هو، وفي نفس الوقت الذي تتميز فيه الأقانيم، تظل الطبيعة الإلهية الواحدة، بدون انفصال، لأن الابن دعي الكلمة والحكمة والبهاء، ورسم صورة الآب وقوته، فلا يعني هذا، ان الابن منفصل.

        الابن هو الكلمة والحكمة، لأنه هو كذلك بدون وسيط بينه وبين الآب، فهو من العقل وفي العقل، وبسبب قبول كل أقنوم للآخر وحضوره في الآخر، وبسبب وحدة الجوهر، يمكن ان نرى العقل في الكلمة والحكمة، وكذلك الكلمة في العقل، دون ان توجد قوة متوسطة قادرة على ان تفصل بين الاثنين.

        ويدعى الابن قوة الآب، لأنه القوة الكائنة في الآب، بدون انفصال او وساطة، حتى اننا لا نستطيع ان نفصل بين القوة والآب مثلما لا نستطيع ان نفصل بين الإنسان وقوته الا إذا دمرنا أحدهما.

        ورسم الجوهر (الأقنوم) ايضاً خاص بالابن، لأنه مثل الآب تماماً، لا يمكن ان ينفصل عن الجوهر الذي يعلنه أي الذي صار رسمه.

        كان هذا يقودنا إلى الإيمان بأن كل أقنوم في الآخر بشكل طبيعي، يعتمد على وحدة الجوهر، فعندما يعمل الآب، يعمل الابن، لأن الابن هو قوة أقنوم الآب، الخاصة به وبجوهره، وايضاً عندما يعمل الابن، يعمل الآب ايضاً، فالآب أصل الكلمة الخالق، وطبيعياً هو كائن في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها.

        من الواضح ان كل الآراء التي قالها الخصوم عن الابن الوحيد هي باطلة لا سيما أولئك الذين يقدمونه للآخرين كمخلوق، تعلم الحكمة او كخادم، كل هذه الآراء الباطلة قد حكم عليها الانجيلي المبارك بقوله “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”.

        انني مندهش من الهراطقة غير المقدسين، فكل ما يبدو لهم انه ضد الوهية الابن الوحيد، وما يجعله اقل من الآب، أو الثاني بعد الآب، يجمعونه بكل غيرة ومن كل جهة يحشدون سمومهم القتالة، اما ما هو حقيقي ومفيد ونافع مما يؤكد ان الابن شريك لمجد الآب، يدفنونه في صمت تام. فليس لدى هؤلاء سوى هدف وأحد، وهو ان ينالوا من مجده ولكن هيهات، فكل الخليقة تمجده.

        وعندما يسمع الهراطقة ان “كل شيء به كان” تأخذهم الحمى فيسرعون ويطلقون عليه اسم الخادم، ويحلمون بأن الابن، عبد، وليس حر، وعابد وليس الرب. ولكن عندما يسمعون “وبغيره لم يكن شيء مما كان” لا يفكرون فيما يليق بعظمة وكرامة الابن. ولكن إذا كان الآب لا يخلق الا بالابن أي بحكمته، وقوته، والانجيلي يقول لا شيء مما كان قد خلق بدون الابن، فان النتيجة النهائية ان الابن الوحيد هو مجد الله الآب، (لأنه يمجد كخالق بالابن)، لأن الابن يعمل كل شيء ويحضر من العدم إلى الوجود كل الكائنات.

        وحسناً يفعل كل من يدرك عمق هذه الكلمات “بغيره لم يكن شيء مما كان” إذا تأمل جيداً ما قيل عن خلق الإنسان. لقد كتب “نخلق الإنسان على صورتنا وكشبهنا” (تكوين 1: 26)، لأن هذه الكلمات بالذات لا تعبر عن الابن كأقل او كخادم حسب تعبير الهراطقة. لأنه واضح ان الله الآب لا يأمر الابن الكلمة “أخلق الإنسان” بل كوأحد معه بالطبيعة وغير منفصل عنه لأن له ذات الطبيعة الإلهية وشريك له في العمل، وشريك له في المشورة الخاصة بالخلق، دون ان يعني هذا ان الآب كان يتوقع ان ينال معرفة من الابن، وانما بسبب وحدة الجوهر، الابن يعمل مع الآب، مثل العقل غير المنفصل، والذي لا يخضع لفترات زمنية تفصل بين فكرة وأخرى، بل كما تقوم الكلمة في العقل دون انفصال عنه كذلك الابن الكلمة الكائن في الآب دائماً، والذي يعمل معه في الخلق.

        ولا يليق بنا ان نقدم تشبيهاً عن هذا الأمر، فما يليق بالله لا يمكن تصويره. وانما عندما نقول انه يعمل مع الابن، فنحن لا نعتقد باثنين منفصلين، لأن هذا يؤدي إلى الايمان بإلهين، اجتمعا معاً وصارا وأحداً، بل مثل اجتماع النور والاشعاع في وحدة طبيعية، لأن مثال النور والاشعاع يؤكد التمايز، لأن الاشعاع الذي يشرق ويحمل جمال النور، ليس هو النور، ولكن الطبيعة وأحدة، والتمايز بين النور والاشعاع الذي يشرق لا يسمح بانفصال وأحد عن الآخر.

        ومع ذلك فالله فوق كل هذه التشبيهات وأعظم منها، ولا يوجد في المخلوقات من هو مثله، كما لا يوجد في الطبائع المخلوقة من يمكن ان نأخذه مثالاً للثالوث بدون ان نقع في أخطاء في العقيدة، لأن أي تشبيه لا ينطبق تماماً على الحق.

        وإذا ظن الهراطقة ان “كل شيء به” تحدد استعمال “به” بأن الابن اقل من الاب في الجوهر، وانه ليس رسم جوهره، بل هو خادم وليس خالقاً، أصبح من الحتمي على هؤلاء المجانين ان يقدموا اجابة على سؤالنا هذا: ماذا يجب علينا ان نعتقد في الآب نفسه؟ وماذا يكون الآب الذي تنسب اليه ايضاً “به” لأن كلمات الاسفار الإلهية واضحة، “أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه” (1كورنثوس 1: 9) وايضاً “بولس رسول يسوع المسيح بإرادة الله” (2كورنثوس 1: 1) – (أفسس 1: 1) وايضاً “إذا لست عبداً، بل ابناً، وان كنت ابناً فوارث بالله” ([1]) (غلاطية 4: 7). فكل هذه النصوص خاصة بأقنوم الله الآب، ولست أظن ان أحداً سوف يسرع بجنون شديد ليقول ان الآب صار خادماً هو ايضاً لأن هناك أمور تتم “به”. فالأسفار الإلهية لا تهتم بالكلمات ولا تعامل الموضوعات الا بشكل يعتمد على المعنى العام أكثر من الاعتماد على استخدام خاص بالكلمات لا سيما حروف الجر، خصوصاً إذا كان الكلام عن الله ظاهر معناه. ولكن من المناسب ان نضيف هنا ان “مجد الرب تحجبه الكلمات” (أمثال 25: 2 سبعينية) فالكلمات مهما كانت قوية، هي قليلة جداً، خصوصاً إذا كانت تشرح مجد الله الفائق. علينا ان لا نتضايق لندرة ما كتب، بل ان نعتبر مجد هذه الأمور التي تفوق التعبير، وشهوة كل عقل واشتياقه للطبيعة الإلهية الفائقة هي التي تجعلنا اتقياء بدرجة ليست قليلة.

الفصل السادس

“الابن هو بالطبيعة الحياة، ولذلك هو غير مخلوق، بل من جوهر الآب”

4- “مما كان، فيه كانت الحياة”:

        يقدم لنا الانجيلي المبارك تعليمه عن الله الكلمة، فيشرح لأجل منفعتنا كل ما يخصه بالطبيعة كإله، لكي يسقط هجوم الهراطقة، ويعضد الذين يرغبون في النمو في الايمان الصحيح، ويعطي كل هذا ليس بكلمات وبراهين مأخوذة من الحكمة العالمية المنتفخة، بل “ببرهان الروح” يقدم جمال الحق (1كورنثوس 2: 4).

        وما يريد ان يعلمنا اياه بهذه الكلمات هو: لقد أرانا الآن ان الابن بالطبيعة هو الخالق والصانع “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء”، فليس من الكائنات جميعاً كائن وأحد دعي للوجود من العدم بدون الكلمة. وحيث انه يمنح الخليقة نعمة الوجود، يعطي ايضاً نعمة البقاء، ويمنح من عنده الابدية، لكل الكائنات التي بطبيعتها ليست أبدية، فيصبح بذلك هو الحياة لكل من جاء إلى الوجود لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته. لذلك كان من الضروري ان يقول: “ما خلق فيه كانت الحياة” ولم يكتف بالقول “كل شيء به كان” وانما أضاف “كل شيء به كان فيه الحياة”، أي ان الابن الوحيد الله الكلمة، بدء وأصل ([2]) كل الكائنات المنظورة، السمائية والأرضية وما دون ذلك. فهو نفسه بالطبيعة الحياة، ويهب لكل الكائنات الكثير: الوجود والحياة والحركة، دون ان يعني هذا انه يقتطع من ذاته ويعطي، او انه هو نفسه يصير هذه الكائنات ويتحول من كائن إلى آخر. وانما كل كائن على حدة يصوره الكلمة بقوته وحكمته كخالق. وبينما وأحد فقط هو الحياة، وهو الذي يقدم الحياة للكل بالشكل الذي يتناسب مع طبيعة كل كائن وبالشكل الذي يليق به للاشتراك في حياة الكلمة. وحيث ان كل ما دعي من العدم إلى الوجود بالضرورة يتداعى وينحل، وكل ما له بداية، يسرع نحو النهاية، ما عدا الواحد وحده أي الطبيعة الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرة تماماً من النهاية، وبحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم ابدية، لقد شاء ان يجعل كل جنس يظل حياً يتعاقب افراده بالتناسل وبالنمو، مما جعل الخليقة ظاهرة وباقية تحت سلطان الله خالقها. وحكمة الخالق: ان كل كائن يحتوي على بذار تزرع. فتثمر مثل جنسها وشبهها، حسب القرار الإلهي غير المسموع. هذا معنى “فيه كانت الحياة” وهذا هو موضوعنا.

        لكن يا سادتي الأعزاء، يمكن ان يحذر أي منا الهرطوقي ويقول له: والآن ماذا عندك ضد هذا القول، ها أنت تسمع الانجيلي يخبرنا بالحق وشهادة الروح الذي فيه يقول “فيه” نالت كل الكائنات التي خلقت “الحياة”، أي من الكلمة الذي كان في البدء‍‍‍‍‍‍‍! هل يتجاسر أحد ويقول ان الابن ليس من جوهر الآب، بل انه يحسب مخلوقاً من المخلوقات؟ فكيف لا نصرخ بالحق محتجبين على هذا القول؟ لأنه لو كان الكلمة موجوداً في الاشياء المخلوقة “كحياة” بالطبيعة، والمخلوقات تشترك فيه، فهو اذن آخر غير تلك المخلوقات التي يوجد فيها. ولكنه إذا كان بالطبيعة غير الكائنات المخلوقة فكيف لا يكون هو الله الكائن على الكل؟

        أما إذا لم يخجل الهراطقة، ولم يكفوا عن تخيل الابن مخلوقاً، وهو مانح الحياة في المخلوقات، فبذلك اولاً يعتبر الابن شيئاً كائناً في نفسه، وثانياً فانه يكون مشتركاً في نفسه، والتناقض هنا: انهم يكادون ان يدعوا بأن الابن وهو الحياة الذي اعطى الحياة، يصبح هو نفسه بعد ذلك كمخلوق محتاجاً إلى الاشتراك في حياته هو، وهل يوجد أغرب من الادعاء بأن “الحياة” توهب للكائنات، ثم نعود ونحسب “الحياة” انها من ضمن هذه الكائنات التي تنال “الحياة”. يا ليت الذين يقاومون الله يرون الاستحالة التامة لما وصلوا اليه. فلا يمكن ان يكون الكلمة الذي يحيي الكل ويهب المخلوقات الحياة هو من ضمن المخلوقات. وهكذا، فهو ليس مخلوقاً، بل هو بالطبيعة حياة كل المخلوقات.

        وسوف نرى من البراهين التالية صحة هذا:

البراهيــن

أولاً:

        لو كان الابن ليس من جوهر الآب بل هو من خارجه لصار خاضعاً للآب كالمخلوقات. فكيف اذن يحيي كل الاشياء، وهو من بين الاشياء المخلوقة؟ او نفس السؤال بشكل آخر: ما هو الفرق بين الخالق والمخلوق؟ وكيف نفهم كلمات الرسول بولس الخاصة بطبيعة الله “الذي يحيي الكل؟” (1 تيموثاوس 6: 13) لو كان الابن مخلوقاً، وهو قادر على ان يحيي الكل، لأصبحت الخليقة قادرة على ان تحيي نفسها، وليست محتاجة بالمرة إلى الله. ولم يعد في الطبيعة الإلهية ما يميزها عن المخلوقات، وأصبحت المخلوقات مثل الله قادرة على ان تفعل ما يفعله الله. وهذا مستحيل. اذن الابن ليس مخلوقاً، بل هو الله ولذلك فهو بالطبيعة الحياة ايضاً.

ثانياً:

        يتعجب المرنم في المزامير من الطبيعة الإلهية، وينسب اليها الكرامة الفائقة بقوله: “عندك ينبوع الحياة” (مزمور 36: 9). وحسب ادعاء الهراطقة جعل الآب الابن أقل منه، وليس من طبيعته ومع كل هذا يظل الابن يحيي الكائنات، وبالطبيعة الحياة الذي يحيي لماذا يتعب المرنم وهو يعلن ان ينبوع الحياة هو عند الله وحده؟ وطالما ان الابن مخلوق وأقل من الآب ومحيي، تصبح كل الخليقة قادرة ان تمنح الحياة حسب المشورة الرديئة للهراطقة. ولكن هذا مستحيل. اذن الابن هو بالطبيعة “الحياة”، إله من إله، حياة من حياة.

ثالثاً:

        لو كان الابن بالطبيعة “الحياة”، وفي نفس الوقت مخلوقاً وليس من جوهر الآب، حسب تصور الهراطقة، فان طبيعة المخلوقات تصبح مثل الابن وتدعى هي ايضاً الحياة، وبذلك تصبح كل المخلوقات محييه، حتى وان لم تمارس توزيع الحياة، بل تصبح ايضاً واجبة الوجود. فإذا صارت الخليقة كذلك، فماذا يبقى من الصفات التي تميز الله، ولماذا يشير الابن باطلاً إلى نفسه “أنا هو الحياة” (يوحنا 14: 6)؟ كان ألاجدر به ان يقول “أنا معكم الحياة”، وهذا يكون صحيحاً لو كان المخلوق هو الحياة.

        ولكن حيث انه هو وحده الحياة، وهذا هو صلاحه الخاص به، فمن الواضح انه لا يحسب نفسه مع المخلوقات، وانما مع جوهر الآب، الذي له هو ايضاً الحياة.

رابعاً:

        الذي يشترك في الحياة، ينالها، ولا تصبح الحياة حقه الطبيعي، بل تأتيه من مصدر آخر، فإذا كانت كل المخلوقات تشترك في حياة الابن، فالحياة تأتيها من الابن، وبذلك يصبح هو غير المخلوقات التي تشترك في حياته. اذن فهو ليس مخلوقاً، بل الله المحيي الذي نعترف بأنه من جوهر الآب وبذلك نعبد إلهاً وأحداً، ولا نسجد الا له وحده.

خامساً:

        إذا كنا نميز الأمور جيداً، فليس لدينا سوى الله والخليقة فقط وهذا يعني ان كل ما هو ليس الله بالطبيعة فهو بكل يقين مخلوق، وكل ما هو خارج أطار المخلوقات، يكون بكل يقين من دائرة الالوهية. فإذا تيقناً من هذا، فعلى الهراطقة ان يقولوا لنا، إذا فصلنا الابن عن جوهر الله الآب، فكيف يهب الحياة؟، لأننا على يقين من ان الطبيعة الإلهية لها الحياة كخاصية لها وهي لا تعطيها لغيرها. ولكن ان كان الابن مخلوقاً، وهو الحياة ايضاً، صارت نعمة وهبة الحياة خاصة بكل المخلوقات، وتصبح كل المخلوقات بالطبيعة، “الحياة”. فأي حاجة تدعو للاشتراك في الابن؟ وماذا يكسب الهراطقة من ذلك؟ ان ادعاءهم قادهم إلى ان يكونوا هم ايضاً “الحياة”. وهذا مستحيل، لأنهم بالضرورة يحتاجون إلى الحياة بالاشتراك في الابن. اذن الابن الوحيد وحده هو بالطبيعة الحياة، ولذلك لا يحسب مع الخليقة، بل مع ذاك الذي ولده الذي هو بالطبيعة الحياة أي الآب.

سادساً:

        إذا كان الابن هو بالطبيعة الحياة، فهو: أما غير الخليقة او مثل الخليقة. فإذا كانت له طبيعة مساوية لطبيعة الخليقة، فكيف لا يكون كاذباً عندما يقول: “أنا هو خبز الحياة، الذي نزل من السماء، والواهب الحياة للعالم” (يوحنا 6: 33، 35)، وحسب ادعاء الهراطقة تصبح الخليقة حية بذاتها. ولكن ان كان الابن غير مساو لطبيعة الخليقة، فانه يكون غير مخلوق، محتفظاً بصلاحه الخاص به. لأن الخليقة ليست هي بالطبيعة، الحياة بل بالحري تحتاج للحياة وتشترك في الحياة.

سابعاً:

        لو كان الابن هو بالطبيعة الحياة، ومساو للمخلوقات، بسبب عدم كونه من جوهر الله الآب، حسب ادعاء الهراطقة، فلماذا يقول المرنم في المزمور ان “السماء تبلى وتعتق مثل الثوب” (مزمور 102: 26) أما للابن فهو ينسب الصفات الإلهية ويصرخ بصوت عال “أنت أنت وسنوك لن تفنى” (مزمور 102: 27)، واما ان يفنى الابن ويشيخ معنا كمساوي لنا في الطبيعة، فهذا يعني انه ليس الحياة، او انه الحياة التي لا تفنى ولا تشيخ. لذلك فالابن ليس مخلوقاً مثلنا، وحيث انه الحياة بالطبيعة، فهو سيهب الحياة ايضاً لكل الاشياء التي يريد ان يهبها الحياة.

ثامناً:

        إذا كنت الاشياء لا تستطيع ان تشترك في حياتها لتأخذ حياة من حياتها، بل الخليقة تشترك في الابن لأنه الحياة، اذن الابن ليس مخلوقاً، ولا الخليقة حياة، بل الابن وحده هو الحياة.

تاسعاً:

        ان تهب الحياة مختلف تماماً عن ان تحصل على الحياة، فالأول عطاء والثاني أخذ. والابن يهب، فهو معطي، والخليقة تأخذ فهي تصير حية، لذلك فالابن ليس مثل الخليقة، لأن المحيي لا يكون مثل من ينال الحياة.

(*) تحسب لنا.

([1]) عدد من المخطوطات الرئيسية القديمة وجدت فيه الآية هكذا “وارث بالله” بدلاً من “وارث لله بالمسيح”.

([2]) حرفياً: جوهر.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الجزء الثاني: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثالث: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

مركز دراسات الآباء – نصوص الآباء

شرح انجيل يوحنا – للقديس كيرلس الإسكندري

ترجمه عن الإنجليزية – د. جورج حبيب بباوي

مراجعة د. نصحي عبد الشهيد

 

مقدمة بقلم كيرلس الإسكندري

        ان اتفاق الحق، والتعلم من الله هو ما يميز عقل الانجيليين القديسين، لأنهم بالقوة الفائقة التي نالوها ينظرون – مثل الذين يقفون على رأس جبل او مكان مراقبة عال يشاهدون منه كل الاتجاهات، فيقدمون ما ينفع السامعين – ويقنعونهم بغيرة بكل ما يمكن ان يكون لفائدة المتعطشين للحق الكامن في التعاليم الإلهية ولأنهم قد حددوا لأنفسهم هدفاً صالحاً فانهم يفتشون عن الخطة المختفية في الاسفار الإلهية.

        لأن الله لا يعلن الحق للذين يبحثون بفضول ويجدون لذة في احابيل وفخاخ الجدل، بل يعلن الروح القدس الحق للذين يفرحون بالحق لأنه لا يسكن في النفس المملوءة بالغش (حكمة 1: 4)، ولا يطيق ان يلقي باللؤلؤ الذي يخصه تحت أقدام الخنازير (متى 7: 6)، بل يفرح بالروح ويسر بالشركة التي له مع أصحاب العقول النقية لأن دوافعهم للمعرفة ليس فيها مكر، فهم يهربون من المكر، وعندما تسكن فيهم الحكمة يصاحبها الخوف من الخطأ او اتخاذ طريق آخر غير الطريق الملوكي المستقيم، لأن من يسلك بنقاء يسلك بثقة كما يقول سليمان (أم 10: 9).

        ومع ان للإنجيليين دقة عجيبة في الكتابة، (قال عنها المخلص: ليس أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم) (متى 10: 20)، الا انه يمكن ان نقول ان انجيل يوحنا قد كتب بشكل يفوق الباقين، وهذا يمكننا ان نراه إذا دققنا في الأفكار وفي حدة ذكائه واقترابه الشديد من جوهر الأحداث. ومع ان الانجيليين اشتركوا معاً في شرح التعاليم الإلهية، وبدأ الكل من نقطة انطلاق وأحدة مثل انطلاق المتسابقين نحو نهاية السابق، الا انهم استعملوا اساليب مختلفة مما جعلهم يشبهون اشخاصاً تلقوا أمراً بأن يجتمعوا معاً في مدينة وأحدة، ولكن كل وأحد منهم فضل ان يسلك طريقه الخاص به وليس الطريق العام المطروق.

        وهذا ما نراه في دقة الانجيليين في تحديد نسب المخلص حسب الجسد، وأحد منهم اختار من ابراهيم نازلاً خطوة بعد خطوة إلى يوسف، والآخر اختار من يوسف صاعداً إلى آدم. أما يوحنا المبارك فلم يهتم بالمرة بهذه الأمور بل نراه برغبة نارية وعقل يرغب في الأمور التي تعلو العقل الإنساني فتجاسر واقترب لكي يشرح الميلاد الفائق الذي لا يمكن الاحاطة به اي ميلاد الكلمة الله. فهو يعلم ان “مجد الله اخفاء الأمر” (أمثال 25: 2)، والكرامة التي تليق بالله تفوق فهمنا وادراكنا ومن الصعب ان يدرك أحد او يشرح، صفات الطبيعة الإلهية.

        ولكن من الضروري في بعض الأحوال ان يقيس الله السماء بشبر (اشعياء 40: 12) وان تعجز مقاييس الطبيعة الإنسانية عن الاقتراب إلى الذي لا يمكن الاحاطة به، والذي يصعب ان يشرحه أحد، ولكن لكي يجعل هذا الاقتراب مختفياً للذين لا يعلمون التعليم الصحيح بل يضلون البسطاء (1تي 6: 4) ولكنه مكشوف للقديسين الذين هم شهود عيان وخدام للكلمة (لوقا 1: 2). فانه يأتي بسرعة وغيرة إلى ذات جوهر التعاليم الإلهية صارخاً بصوت عال “في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا بذاته كان في البدء عند الله”.

        واعتقد ان الذين يدرسون الاسفار المقدسة، يمكنهم الاستعانة بكل الكتابات الأمينة والصالحة والخالية من الأخطاء. وهكذا يجمعون افكاراً لكثيرين في وحدة وأحدة لخدمة الرؤيا وإدراك الحق. هؤلاء يرتفعون إلى مستوى جيد من المعرفة ويتشبهون بالنحلة او المرأة الحكيمة النشيطة التي تجمع شهد العسل الذي للروح القدس.

        لقد أفادنا الذين يحبون البحث انه بعد صلب المخلص وصعوده إلى السماء، هاجم رعاة سوء ومعلمون كذبة – مثل الوحوش – قطيع المخلص وارعبوهم، وتكلم هؤلاء جميعاً “برؤيا قلبهم وليس عن فم الرب” (ارميا 23: 16)، ليس فقط من قلبهم الخاص بل من تعليم معلمهم وأنا أعني الشيطان، لأنه ان كان لا يوجد من يقول ان يسوع اناثيما سوى ببعلزبول، فكيف لا يكون ما نقوله عنهم صحيحاً؟ ما هي الأمور التي يتمسك بها هؤلاء ضد رئيسهم؟ عن جهل وبعدم تقوى يؤكدون ان الكلمة الابن الوحيد النور الأزلي الذي به نحيا ونتحرك ونوجد (أعمال 17: 28) وجد أولاً عندما ولد من العذراء القديسة كانسان وأخذ شكلنا “وظهر للذين على الأرض وتحادث مع البشر” كما هو مكتوب (باروخ 3: 37). وكلمة النبي تدين بشدة هؤلاء الذين تجاسروا وأهانوا الميلاد الأزلي غير المدرك “أما أنتم فتقدموا إلى هنا يا بني الساحرة نسل الفاسق والزانية. بمن تسخرون وعلى من تفغرون الفم وتدلعون اللسان” (57: 3، 4) فهؤلاء لم يخرجوا من قلبهم ما هو صالح، لأن قلبهم لم يكن صالحاً، بل يفيض السم الفتاك من التنين الذي قال عنه المزمور للإله الواحد الضابط الكل “أنت كسرت رؤوس التنانين على المياه” (مزمور 74: 13) (*).

        ولأن الاضطراب الذي حدث بين الذين يؤمنون لم يكن قليلاً، وكان الوباء الذي أحدثته هذه الإهانة يقتل نفوساً كثيرة من نفوس البسطاء، (لأنهم ابتعدوا عن التعليم السليم بواسطة تصورهم الشرير بأن الكلمة جاء إلى بداية الوجود عندما صار انساناً): أما الحكماء من المؤمنين فقد اجتمعوا معاً وجاءوا إلى تلميذ المخلص – اي يوحنا – وكشفوا له عن المرض الذي كان يضايق الأخوة، وهجوم هؤلاء الذين يعلمون تعليماً آخر، وطلبوا منه ان يساعدهم باستنارة الروح، وان يمد يد الخلاص للذين سقطوا في شباك الشيطان، أما التلميذ فقد حزن على الذين سقطوا وفسد عقلهم، وفي نفس الوقت رأى بثاقب بصره انه لا يجب ان يترك الذين سيأتون بعده بدون مساعدة، فقرر ان يكتب الانجيل وترك الجوانب الإنسانية المعروفة مثل سلسلة الانساب والميلاد حسب الجسد للإنجيليين الآخرين الذين كتبوها بالتفصيل، أما هو فبكل شجاعة النفس تقدم لكي يهاجم الذين أشاعوا التعليم المضاد وقال: “في البدء كان الكلمة”.

 

الإصحاح الأول

الفصل الأول

“الابن الوحيد أزلي وقبل كل الدهور”

        ماذا يقولون عن “في البدء كان الكلمة”؟ هل هذا يعني ان الابن ليس الله؟ لأن الأسفار الإلهية تقول: “لا يكن لك إلهة جديدة في وسطك” (مزمور 81: 9). فكيف لا يكون الابن إلهاً جديد إذا كان قد ظهر فقط في الزمان؟ وكيف لا يكون كاذباً وهو يقول لليهود: “الحق أقول لكم قبل ان يكون ابراهيم أنا كائن” (يوحنا 8: 58). أليس من الواضح بل ما يعترف به الكل ان المسيح ولد من العذراء القديسة بعد ابراهيم بعصور كثيرة!؟ وكيف يمكن ان يصبح للكلمات “في البدء كان الكلمة” أي معنى إذا كان الابن الوحيد جاء إلى الوجود في الزمان؟ أنظروا – أرجوكم – من الأدلة التالية كيف تصبح غباوة ظاهرة ان يقضي على الميلاد الأزلي للابن إذا سمح الذهن بأن يتصور انه جاء إلى الوجود في الأزمنة الأخيرة. ان نفس كلمة “البدء” سوف تقودنا إلى معان أعمق.

“في البدء كان الكلمة”

        لا يوجد ما سبق البدء. إذا ظل البدء بالحق بدأً، لأن بدء البدء مستحيل، وإذا تصورنا ان شيئاً ما سبق البدء تغير البدء ولم يعد بدءاً بالمرة. وإذا تصورنا ان شيئاً يمكن ان يسبق البدء، فإن اللغة الإنسانية سوف لا تمكننا من الكلام لأن ما سبق البدء هو البدء المطلق والحقيقي ويصبح ما بعد ذلك ليس بدءاً بالمرة.

        إذا لا بدء للبدء حسب دقة المنطق، وتظل حقيقة البدء غير مدركة، لأن ادراكها يجعل البدء يفقد كونه انه البدء. وحيث اننا مهما عدنا إلى الوراء فإننا نعجز عن الوصول إلى البدء مهما حاولنا، فإن هذا يعني ان الابن لم يخلق بالمرة، بل هو كائن مع الآب لأنه “كان في البدء”. وإذا كان في البدء فأين هو العقل الذي يستطيع ان يتخطى كلمة “كان” ويتصور ان الابن جاء إلى الوجود في الزمان. ان كلمة “كان” سوف تظل كما هي. “كان” تتحدى وتسبق كل البراهين، بل تجوز أمام كل الأفكار التي تحاول عبثاً ان تدركها.

        لقد أصابت الدهشة النبي اشعياء عندما قال “وميلاده من يخبر به؟ لأن حياته رفعت من الأرض” (اش 53: 8). وحقاً لقد رفع من الأرض تماماً كل آثار الميلاد الأزلي لأنه يفوق الإدراك. وإذا كان فوق الإدراك فكيف يمكن ان نقول انه مخلوق، لأننا نقدر ان نحدد بوضوح زمن بداية المخلوقات وكيفية وجودها، أما البدء فنحن نعجز عن ان نحدد زمن بدايته.

نظرة أخرى مختلفة إلى عبارة “في البدء كان الكلمة”

        ليس من الممكن ان نعتبر “البدء” خاصاً بزمان مهما كان، لأن الابن الوحيد هو قبل كل الدهور، والطبيعة الإلهية تغلق حدود الزمن، فهي كما هي لا تتغير حسبما قيل في المزمور عن الله: “أنت هو وسنوك لن تفنى” (مزمور 102: 27) فالبدء الذي يمكن قياسه بالزمان او المسافات سوف يتعداه الابن، فهو لا يبدأ في زمان او مكان بل هو بلا حدود فهو بالطبيعة الله ويصرخ انا هو الحياة (يوحنا 14: 6)، ومع ان كل بداية لا يمكن ان تكون بلا نهاية لأن البداية تسمى بداءة من زاوية خاصة وهي وجود نهاية لها، وكذلك النهاية تسمى نهاية بسبب وجود بداية لها، هذه البداية خاصة بالزمان والمسافة، ففي الزمان والمسافة، البداءة تعني نهاية والعكس. أما بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءاً زمنياً ولا جغرافياً، فهو أزلي وأقدم من كل الدهور، ولم يولد من الآب في الزمان لأنه “كان” مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو “خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم” (يوحنا 16: 28). فإذا اعتبرنا الآب المصدر او الينبوع، فان الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. وإذا لم يكن وقت كان الآب فيه بلا حكمة وكلمة وصورة وشعاع، فإنه من الواضح ان الابن الذي هو حكمة وكلمة وصورة الآب وشعاع مجده أمر لا يحتاج إلى إقرار منا، فهو أزلي مثل الآب الأزلي، وإلا كيف يوصف بأنه صورته الكاملة ومثإله التام، إلا إذا كان له بوضوح ذات الجمال الذي هو على صورته.

        هل من اعتراض على ان الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، او ان الآب هو الينبوع؟ ان كلمة ينبوع تعني هذا المعية، لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمن يأتي من الخارج في الزمان، بل هو من ذات جوهر الآب، يشع مثل الشعاع من الشمس او صدور الحرارة من النار. هذه الأمثلة تعني ان نرى كيف يولد او صدور الحرارة من النار. هذه الأمثلة تعني ان نرى كيف يولد او يصدر شيء من شيء، وفي نفس الوقت لا يصدر متأخراً او بعد زمن، او ان تكون له طبيعة مختلفة بل يصدر الشيء من الشيء ويظل كائناً معه لا ينفصل عنه، بل لا يمكن لأي منهما ان يوجد بدون الآخر، فلا شمس بلا شعاع ولا شعاع بدون شمس تشعه من داخلها. ولا نار بلا حرارة ولا حرارة إلا من نار. فالانفصال يعني ان يفقد الشيئان معاً الطبيعة التي تميزهما. فكيف تصبح الشمس شمساً بلا أشعة، وكيف تصبح النار ناراً بلا حرارة.

        وكما ان هذه الاشياء التي تصدر بعضها عن البعض تجعل وجودها معاً أمراً ضرورياً لا انفصال فيه بل تظل دائماً بمصدرها وتحتفظ بطبيعة المصدر، هكذا الأمر مع الآب والابن، لأننا نعتقد ونقول انه في الآب ومن الآب. وهذا يعني انه ليس كائناً غريباً او جاء في الترتيب بعد الآب، بل هو فيه ومعه دائماً، ويشرق منه دائماً حسب الميلاد الإلهي الأزلي غير المدرك.

        ولذلك وصف القديسون الله الآب بأنه هو “بدء” الابن، وكانوا يقصدون من ذلك انه مع الآب لأن المزمور بالروح القدس يقول عن الظهور الثاني بالجسد لمخلصنا يقول عنه كابن “معك البدء في يوم قوتك في بهاء قديسيك” (مز 110: 3س) ([1]) ويقول قوة الابن هو اليوم الذي سوف يدين فيه العالم ويعطي كل وأحد حسب أعمإله. وحقاً سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب.

“في البدء كان الكلمة”:

        سوف يقودنا هذا الشرح إلى أفكار كثيرة متعددة وجوانب مختلفة لمعنى “البدء” وسوف نتتبع كل هذه الأفكار في غيرة شديدة مثل كلب الصيد الذي يطارد الفريسة ولا يتوقف حتى يقتنصها، وهكذا سوف نقتفي آثار التعاليم الإلهية ودقة الأسرار. لقد قال المخلص “فتشوا الكتب لأنكم تظنون ان لكم فيها حياة وهي تشهد لي” (يوحنا 5: 39).

        والانجيلي المبارك – على ما يبدو لي – يسمى الآب “البدء Archi” اي القوة والسيادة التي على الكل اي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب ارادة اللاهوت.

        في هذا “البدء Archi” الذي هو فوق الكل وعلى الكل “كان الكلمة”، ليس من الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء وانما عالياً عنها جميعاً لأنه “في البدء” اي من ذات الطبيعة والكائن دائماً مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكان أزلي قبل الكل. لذلك هو مولود حر من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة ([2]) Archi على الكل. وما هو المقصود من هذه النقطة بالذات؟

        لقد ادعى البعض – كما أشرنا – ان الكلمة دعي إلى الوجود أولاً عندما أخذ هيكله من العذراء مريم وصار انساناً لأجلنا. وما نتيجة هذا الادعاء؟ وماذا يحدث لو كان الابن حقاً كما يدعون مخلوقاً مثل كل المخلوقات، وجاء إلى الوجود من العدم وله اسم وحقيقة العبودية وصفات الطبيعة المخلوقة. ومن من الطبائع المخلوقة يمكنه بحق ان يهرب من الخضوع لسلطة الله الرب الذي هو على الكل؟ ومن من الكائنات يتوقف عن الخضوع للسيادة والقوة والربوبية التي على الكل؟ والتي يشير اليها سليمان والقوة والربوبية التي على الكل؟ والتي يشير اليها سليمان حينما يقول “عرش المملكة يثبت بالبر” (أمثال 16: 12). وما هو العرش الذي له السيادة على الكل؟ يقول الله بواسطة أحد القديسين “السماء هي عرشي” (اشعياء 66: 1). ولذلك فالسماء مستعدة للبر، وهذا يعني ان الكل خاضع لعرش الله في السماء اي كل الأرواح المقدسة المستعدة لخدمته.

        لهذا السبب بعينه يهجم الانجيلي المبارك بقوة على الذين يعلمون بأن الابن يحسب في عداد المخلوقات الخاضعة لسلطة عرش الله وانه تحت السيادة Archi، ويصرخ الانجيلي ضد هؤلاء جميعاً معلناً ان الابن ليس من المخلوقات بالمرة بل هو حر تماماً من العبودية، لأنه من ذات جوهر الآب وله ذات السيادة ويعلن عن طبيعته بقوله “في البدء كان الكلمة”.

        ولكي يقضي تماماً على هذا الرأي يضيف إلى كلمة “البدء” فعل “كان” لكي ندرك ان الكلمة ليس حديثاً “بل أزلياً” وقبل كل الدهور. والفعل “كان” وضع هنا لكي يحمل كل مفكر إلى أعماق سحيقة وهي الميلاد الأزلي غير المدرك الذي هو فوق الزمان. وفعل “كان” هو فعل مطلق لا يمكن ان يتوقف لا سيما إذا اقترن “بالبدء”. و”كان” تعلو على الزمان ولا يمكن قياسها. فهي دائماً تسبق الفكر، ومهما حاول العقل ان يتصور انه وقف عند “كان” يجد بعد ذلك ان النقطة التي توقف عندها هي أقل بكثير من فعل “كان”.

        اذن “فالكلمة كان في البدء”، اي كان في السيادة على الكل، وله صفات الربوبية لأنه من الله وما دام هذا هو الصحيح فكيف يمكن ان يقال انه خلق!؟ وكيف ينطبق هذا الادعاء على معنى فعل “كان”؟ وكيف يمكن مصالحة الذي “لم يكن” مع الذي “كان”؟ واي مكان هناك بالمرة لعبارة “لم يكن” فيما يخص الابن؟

 

الفصل الثاني

الابن وأحد مع الآب في الجوهر ولذلك هو إله في اقنومه مثلما هو الآب ايضاً إله في اقنومه

“والكلمة كان عند الله”:

        بعد ان عرى الرسول الذين يدعون ان الابن الكلمة مخلوق، وهؤلاء الذين عفى عليهم الزمان لأنهم بلا ادراك، فالعبارة “في البدء كان الكلمة” تقفل باب الادعاء بأن الابن يحسب في عداد الكائنات المخلوقة، وبعد ان جردهم من كل الأفكار الغبية بهذه العبارة “في البدء كان الكلمة” يتقدم لمحاربة هرطقة فاسدة أخرى. مثل فارس عظيم ثابت له صبر لا ينتهي بل يفرح بالاتعاب والجهاد ويشد حقويه ويرتدي عدة القتال او مثل فلاح ينزع من حقله كل الأشواك وينزعها وأحدة وأحدة، ويدور حول الحقل عدة مرات لكي يجمع كل شوكة على حدة ويضعها كلها وأحدة وأحدة ويبحث عن جذور الأشواك، هكذا صار الرسول يوحنا الذي عرف ان كلمة الله “حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين” (عبرانيين 4: 12)، وعندما أدرك خطورة هؤلاء نازلهم بقوة لكي ينزع الجذور بالمرة الشريرة للمقاومين للحق، وبقوة وثبات ينزعهم من كل ناحية ويقدم لمن يقرأ انجيله خدمة الدفاع عن الايمان الصحيح.

        لندرك حذر هذا الذي حمل الروح في داخله، لقد كتب ان الكلمة كان “في البدء Archi” اي “في الله الآب”. ولكن لأن عين ذهنه قد استنارت، لم يجهل ان البعض سوف يقومون بجهل شديد ليدعوا ان الآب والابن وأحد وأنهما غير متمايزين الا في الاسماء فقط، وانه وليس في الثالوث أقانيم. وتمايز الأقانيم يعني ان الآب هو فعلاً آب وليس ابناً وكذلك الابن هو ابن وليس آباً، حسب كلمة الحق.. (*) وضد هذه الهرطقة يسلح نفسه لكي يقضي عليها ويهاجم من جانب بقوله “في البدء كان الكلمة” ثم يهاجم من جانب آخر بقوله “والكلمة كان عند الله” وفي كلتا العبارتين استخدم فعل “كان” لضرورة تأكيد ان ميلاده كان أزلياً. وبقوله “والكلمة كان عند الله” أكد انه متمايز وأقنوم آخر غير أقنوم الآب الذي معه الكلمة.

        والذين ينكرون الأقانيم لا يدركون ان الواحد الذي بلا اقانيم لا يمكن ان نقول انه “معه” او كان “معه”، فهو وحده بذاته. هذا الأمر يستدعي مناقشة الهرطوقي لكي يدرك ان ادعاءه لا يتفق مع المعرفة الصحيحة وسوف نعلم في المقاطع التالية من خلال أسئلة واضحة ومحددة خطأ الهراطقة.

        “براهين مأخوذة من شهادات الأسفار تبرهن ان الآب أقنوم والابن أقنوم آخر وان الروح القدس يحسب معها الأقنوم الثالث رغم أننا لا نخصص كلاماً عن الوهية أقنوم الروح القدس”.

        الابن هو من الجوهر نفسه مع الآب، والآب هو من الجوهر نفسه مع الابن، وكلاهما مساوي ومثل الآخر تماماً بلا تغيير حتى أننا نرى الآب في الابن والابن في الآب، وكلاهما يشرق من خلال الآخر مثلما قال المخلص نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب” وأنا في الآب والآب فيَّ” (يو 14: 9، 10)، ومع ان الابن في الآب والآب في الابن وهو مثل الآب الذي ولده تماماً في كل شيء. ويعلن الآب في ذاته بلا نقص، إلا ان هذا لا يعني ان الابن فقد اقنومه المتميز، ولا ان الآب فقد اقنومه الخاص به، فالتماثل التام بين الأقانيم لا يعني اختلاط الأقانيم حتى ان الآب الذي منه يولد الابن يصبح بعد ذلك ابناً، ولكن الطبيعة الإلهية الواحدة نفسها هي للأقنومين مع تمايز كل منهما حتى أن الآب هو الآب والابن هو الابن وأيضاً الروح القدس يحسب معهما إلهاً مثل الآب والابن. وهذا هو كمال الثالوث المعبود.

أولاً:

        لو كان الابن أباً أيضاً فما هو معنى تمايز الاسماء؟ لو كان الآب لم يلد أحداً من ذاته فلماذا يدعى الآب؟ ولماذا يدعى بهذا الاسم لو كان غير مولود من الآب؟ ان تمايز الاسماء يعني تمايز الأقانيم وحيث ان الأسفار المقدسة تعلن ان الابن مولود من الآب – وهذا هو الحق – فإننا ندرك ان له أقنوم متميز كما ان الآب له أقنوم متميز مثل تمايز الوالد عن المولود.

ثانياً:

        يكتب الطوباوي بولس في رسالته إلى الفيليبين عن الابن “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً” (2: 6). فمن هو الذي لا يحسب مساواته لله اختلاساً؟ فالتمايز هنا ظاهر لأن الذي هو صورة الله متمايز عن الأصل. وهذا هو الحق الذي يؤمن به الكل. فالآب والابن ليسا وأحداً في الأقنوم بل كل منهما أقنوم يمكن رؤيته في الآخر بسبب وحدة الجوهر، لأنهما إله من إله، الابن من الآب.

ثالثاً:

        “أنا والآب وأحد” (يوحنا 10: 30) هكذا قال المخلص مؤكداً ان له كيان خاص متمايز عن كيان الآب. وإذا لم يكن هذا هو الحق الواضح فلماذا قال “أنا والآب” كان عليه الاكتفاء بكلمة “وأحد”. ولكن حيث انه أعلن ماذا يقصد بالكلام عن اثنين فقد قضى تماماً على ادعاء المخالفين لأن “أنا والآب” لا يمكن ان تعني انهما أقنوم وأحد بل وأحد في الجوهر.

رابعاً:

        عن خلق الإنسان نسمع صوت الله يقول “نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تكوين 1: 16). فلو كان الله اقنوماً وأحداً بلا تعدد وليس ثلاثة أقانيم فمن الذي كان يتكلم مع من؟ ويقول له “نخلق الإنسان على صورتنا” ولو كان الله أقنوماً وأحداً لقال “اخلق الإنسان على صورتي” لكن الكتاب لم يذكر ذلك، ولكن حيث ان صيغة الجمع استخدمت “صورتنا” فإنها تعلن بصوت قوي ان أقانيم الثالوث هي. هي أكثر من وأحد.

خامساً:

        لو كان الابن هو اشعاع (بهاء) الآب، كنور من نور (عبرانيين 1: 3) فكيف لا يكون متمايزاً عنه وله اقنومه الخاص لأن البهاء غير البهي – (الاشعاع غير المشع).

سادساً:

        يعلن الابن انه من جوهر الآب بقوله “خرجت من عند الآب وأتيت إلى العالم … وايضاً “أمضي إلى الآب” (يوحنا 16: 28) فكيف لا يكون آخراً ومتمايزاً عن الآب في الاقنوم؟ الا تؤكد كل الأدلة لنا ان الذي يخرج من آخر يعني انه متمايز عن الآخر والعكس طبعاً غير صحيح.

سابعاً:

        بالإيمان بالله الآب وابنه يسوع المسيح وبالروح القدس نحن نتبرر، ولذلك يأمر المخلص نفسه تلاميذه قائلاً “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 29). فإذا كان اختلاف الاسماء لا يعطينا الاعتقاد بأن الأقانيم ثلاثة فما الفائدة من استخدام الاسماء الثلاثة؟ إذا كان من يتكلم عن الآب يعني الابن او من يتكلم عن الابن يعني الآب فما الداعي إلى الوصية بأن يعتمد المؤمنون باسم الثالوث وليس باسم وأحد؟ ولكن لأن الطبيعة الإلهية هي الثالوث فمن الواضح ان كل أقنوم له كيانه الخاص به، ولما كان لا يوجد اختلاف بينهم في الطبيعة الإلهية فإن اللاهوت وأحد وكل أقنوم يعبد مع الاقنومين الآخرين.

ثامناً:

        تقول الأسفار الإلهية بأن مدن السادوميين قد أحرقها غضب الله وتصف هذا الخراب بالقول “وأمطر الرب على سادوم ناراً.. من عند الرب” (تكوين 19: 24)، وهذا هو نصيب وكأس (مز 11: 6) الذين يرتكبون مثل هذه الخطايا. ولكن من هو الرب الذي أمطر ناراً وكبريتاً من عند الرب وأحرق مدن السادوميين؟ من الواضح انه الآب الذي يعمل كل شيء بالابن، لأنه هو ذراعه القوي وقوته، فهو الذي جعله يمطر ناراً على السادوميين ولذلك قيل “أمطر الرب من عند الرب”. فكيف لا يعلن هذا ان الآب هو آخر غير الابن وان له أقنومه المميز وكذلك الابن غير الآب وله أقنومه المميز لأن الواحد هنا يظهر انه من الآخر.

تاسعاً:

        عندما تحرك المرنم بروح النبوة وعلم ما سيأتي قال في المزامير وهو يعلم ان الجنس البشري لا يمكن ان يخلص الا بظهور ابن الله الذي يحول كل شيء حسب ارادته، لذلك تنبأ عن مجيء الابن الينا لكي ينقذ الذين هم تحت الفساد والموت وسلطان الشيطان فقال لله الآب “إرسل نورك وحقك” (مزمور 43: 3). فما هو النور؟ وما هو الحق؟ لنسمع الابن نفسه يقول “أنا النور” وأيضاً “أنا الحق” (يوحنا 8: 12، 14: 6) فإذا كان نور الآب وحقه هو الابن الذي سيأتي الينا، فكيف لا يكون الابن اقنوماً متميزاً عن اقنوم الآب رغم انه وأحد معه في الجوهر ومماثل له تماماً؟ وإذا تخيل أحد ان هذا ليس كذلك وان الابن والآب هما اقنوم وأحد، فلماذا لا يصرخ المرنم الذي سكن فيه الروح القدس فصاغ صلاته قائلاً “تعال ايها النور والحق”؟ ولكن حيث يقول “أرسل” فهو يعرف جيداً ان الواحد متميز عن الآخر فالواحد اي الآب يرسل والابن هو الذي يرسل والارسال نفسه يؤكد لنا تمايز الأقانيم.

عاشراً:

        تقول الأسفار الإلهية انه “بالابن خلقت كل الاشياء سواء ما في السماء او على الأرض ما يرى وما لا يرى” (كولوسي 1: 16)، هكذا نؤمن ونعبد حسب الحق ونصعد في طريقنا إلى الحق والايمان السليم حسب العقيدة الصحيحة. فما هو المعنى الدقيق “بالابن”؟ ومن الواضح ان هذا يعني ان الذي يصنع هو غير الذي يتم بواسطته العمل لأن الآب إذا كان يعمل كل شيء “بالابن” فمن الواضح ان له اقنوماً متميزاً ويصبح تعبير “بالابن” “قادراً” على التعبير عن اقنومين. وعلى المخالفين ان يقولوا لنا كيف يفهمون تعبير “بالابن”؟ وكيف يعمل الابن إذا كان هو اقنوماً وأحداً مع الآب. ولكني أظن أنهم سيصابون هنا بالارتباك. ولكن حيث ان الاسفار المقدسة تعلن ان الآب عمل كل الاشياء بالابن، ونحن نؤمن بهذا وكذلك أظن أنهم ايضاً يؤمنون به: فكيف لا يكون ضرورياً ان نفهم ان الآب يوجد متميزاً بنفسه وهكذا الابن ايضاً متميز بنفسه، وهذا لا ينفي بالمرة ان الثالوث القدوس يكون له الجوهر الواحد نفسه.

 

الفصل الثالث

“الابن هو بالطبيعة إله وليس أقل من الآب”

“وكان الكلمة الله”:

        ذلك الذي حمل الروح في داخله لم يجهل انه سوف يقوم البعض في الأيام الأخيرة يقاومون جوهر الابن الوحيد وينكرون الرب الذي اشتراهم (2 بطرس 2: 1) بالافتراض ان الكلمة الذي ظهر من الله الآب ليس بالطبيعة الله، وهؤلاء يجعلونه على هذا النحو إله مزيف نال اسم الألوهة دون استحقاق واسم البنوة وهو ليس كذلك. هؤلاء يأخذون كفر اليهود الذي استعان به أريوس وتسكن فيهم كلمة الموت والكفر ويصبح “لسانهم سهم قتال يتكلم بالخداع” (ارميا 9: 8).

        ولأن بعض هؤلاء يقاومون كلمات الحق وكأنهم يقولون للإنجيلي القديس: “الكلمة عند الله” نحن نوافق على هذا وبكل ارتياح نوافق على ما كتبت ولكن الآب كائن وحده منفصل عن الابن وكذلك الابن كائن وحده منفصل عن الآب. فما هي طبيعة الابن؟ ان وجوده عند الله الآب لا يعلن شيئاً عن جوهره ولكن حيث ان الاسفار الإلهية تعلن إلهاً جديداً فإننا مستعدون للاعتراف بالآب فقط الذي كان الكلمة عنده. فماذا يجيب بشير الحق: ليس فقط بأن “الكلمة عند الله” بل “وكان الكلمة الله” لكي تعلن وجوده مع الله وتمايزه عن الآب وانه اقنوم آخر غير أقنوم الآب، ولكن في نفس الوقت الله، ومن الجوهر نفسه الذي للآب، وهو منه بالطبيعة لأنه إله من إله. لأنه من غير المعقول ان يكون اللاهوت وأحداً ولا يكون هناك تماثل تام في الصفات الإلهية بين الأقانيم او ان لا تكون الأقانيم متساوية، لذلك يقول عن الابن انه “كان الله” ولم يصبح كذلك في وقت معين، بل كان دائماً وأزلياً الله، لأن ما يحدث في الزمان أو ما لا وجود أزلي له، ثم يوجد بعد ذلك، لا يكون إلهاً بالطبيعة.

        فإذا كان الكلمة موجوداً منذ الأزل (بكلمة كان) ومساو للآب في الجوهر لأنه الله، فمن ذا الذي يشك في الوهيته ولا يحل به العقاب. أو من يظن أنه أقل من الآب او مختلف عن الآب الذي ولده منه، فمن لا يرتعد من هذا الانحدار في الكفر ويتجاسر وينطق بهذه الأمور للآخرين وهم “لا يفهمون ما يقولون – ولا ما يقررونه” (1تيموثاوس 1: 7).

        أما حقيقة الابن الذي هو حق من الآب وليس أقل من الآب فهذا ما سوف تؤكده الحقائق التالية:

أولاً:

        تدعو الأسفار الإلهية الابن بأسماء كثيرة ومختلفة: فهو يسمى احياناً “حكمة وقوة الآب” مثلما قال بولس “المسيح قوة الله وحكمة الله” (1كورنثوس 1: 24)، ودعي أيضاً “النور والحق” مثلما رتل أحد القديسين في المزامير “أرسل لي نورك وحقك” (مزمور 30: 3)، ويدعى ايضاً “البر” “احيني في برك” (مزمور 119: 40). لأن الآب يحيي في المسيح كل الذين يؤمنون به، ويدعى ايضاً “مشورة الآب”، كما قيل “أنت سوف تقودني بمشورتك” وايضاً “مشورة الرب فتثبت إلى الأبد” (مزمور 73: 24 – مزمور 33: 11). فإذا كان الابن هو كل هذا بالنسبة لله الآب فكيف يمكن قبول انحراف اريوس وهو غباوة الإنسان الكاملة؟ ومن يمكنه بعد ان يسمع كل هذه الاشياء ان يقول ان الابن اقل من الآب لأنهم لو كانوا على صواب فاننا سوف نصل إلى هذه النتيجة وهي ان الآب ليس حكيماً كلية، وليس قوياً كلية، ولا هو نور كلية، ولا هو حق كلية، ولا هو بار كلية، ولا هو كامل في مشورته إذا كان الابن الذي هو كل هذا بالنسبة للآب، وبسبب كونه أقل من الآب، يصبح الآب نفسه غير كامل. أليس هذا كفر. فالآب كامل لأن فيه الصفات كاملة في ذاته. والابن ايضاً كامل لأنه “الحكمة” و”القوة” و”النور” و”البر” و”مشورة الآب”، والذي تبرهن أنه هو كل ذلك كيف يمكن ان نعتقد انه أقل من الآب؟

ثانياً:

        لو كان الابن أقل من الآب وهو يعبد منا ومن الملائكة القديسين، فإن هذا يعتبر عبادة إلهين، لأن الذي ينقصه الكمال سيظل دائماً غير قادر على ان يصل إلى المساواة في الجوهر مع الكامل. وما أعظم الفرق بين ان يكون الابن من جوهر الآب وان يكون اضافة غريبة إلى اللاهوت. والايمان ليس هو ايمان بعدة إلهة بل بإله وأحد هو الله الآب مع الابن والروح القدس المتحدين معه. اذن الاتهام الموجه للابن بأنه أقل من الآب هو لا شيء بالمرة ولا يعتد به، لأنه كيف يمكن ان يكون من هو أقل كمالاً في وحدة مع الآب الكامل؟ بل كيف يكون متحداً بالطبيعة في وحدة الجوهر مع الآب؟

ثالثاً:

        إذا كان الابن هو الملء “لأن من ملئه نحن جميعاً أخذنا” (يوحنا 1: 16) فما هو مكانه الحقيقي وهو أقل من الآب كما يدعون؟ لأن الاشياء المختلفة تماماً لا يمكن مصالحتها ووضعها في وحدة. فكيف يكون الابن الملء وفي نفس الوقت أقل من الآب.

رابعاً:

        إذا كان الابن أقل من الآب وفي نفس الوقت هو الملء ويملأ كل الاشياء، فأين مكان الآب العظيم في كل شيء اذن؟ لأنه حتى في الأمور المجسمة الذي يملأ الكل لا يترك مكاناً لغيره بل يصبح هو الأعظم، فكيف في الأمور غير المنظورة؟ فإنهم يدعون ان الأقل (الابن) يملأ كل الاشياء. فماذا ترك للأعظم (الآب)؟

خامساً:

        إذا كان الله هو فوق كل اسم، والابن الوارث له قد نال الاسم الذي هو فوق كل اسم. فكيف يوصف بأنه أقل من الآب وفي نفس الوقت له الاسم الذي فوق كل اسم، من الغباوة ان نفكر او نقول هذا. فالابن كامل لأنه فوق كل اسم، وهو الله.

سادساً:

        إذا كانت الطبيعة الإلهية بلا كم Quantity فكيف يكون الأقل أقلاً دون ان يكون أقل من غيره. فكيف نصف الابن الذي هو بالطبيعة الله كأقل من الآب؟ فما هي هذه الدرجة من القلة؟ أليس هذا ادعاءً بأن الكم صار كمقياس يقاس به اللاهوت.

سابعاً:

        يقول يوحنا الانجيلي عن الابن “انه لا يعطي الله الروح بكيل” (يوحنا 3: 34) للذين يستحقون، فإذن لا يوجد مكيال لدى الابن، فهو لا يمكن قياسه بل يفوق كل المقاييس لأنه الله. فكيف يقاس الذي لا يقاس ويوصف بأنه أقل؟

ثامناً:

        إذا كان الابن أقل والآب أعظم، فكل منهما بشكل مختلف يمنح لنا التقديس، يمنحه الابن بشكل أقل والآب بشكل أعظم. فماذا عن الروح القدس؟ هل سيعمل عملاً مزدوجاً: أقل من الابن، وأعظم مع الآب؟ والذين سوف يقدسون بالأب سوف يقدسون بشكل كامل، أما الذين سيقدسون بالابن سوف يقدسون بشكل أقل. هذه غباوة عظيمة، فالروح القدس وأحد في كمإله وفي تقديسه وهو يعطى مجاناً من الآب بواسطة الابن طبيعياً. فليس الابن أقل من الآب الكامل، بل هو يعمل كل شيء مع الآب، وله الروح القدس روح الآب الذي ولده. وهو صالح وكامل وحي وله كيانه الخاص به مثل الآب تماماً.

تاسعاً:

        إذا كان الابن في صورة ومساواة الآب كما يقول بولس (فيلبي 2: 6) فكيف يكون أقل منه؟ لقد كان تدبير الجسد والخضوع الذي يذكره الرسول هنا هو الذي اقتضى ان يؤكد ان الابن في صورة الآب ومساواة له. فماذا نقول عن الظهور الثاني عندما يأتي من السماء في الوقت المعين ولن يأت في شكل الاتضاع بل في الكرامة الطبيعية الخاصة به كابن حسب قوله “في مجد ابيه” (مرقس 8: 38). فكيف يكون في مجد الآب الكامل، وهو أقل منه؟

عاشراً:

        يقول الله الآب على لسان أحد الانبياء “ومجدي لا أعطيه لآخر” (اشعياء 48: 11)، ونسأل الذين يكفرون ويحتقرون الابن بل فيه ايضاً يحتقرون الآب (لأن الذي لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي ارسله يوحنا 5: 23)، هل الابن، لكونه كما يفترضون، أقل من الآب، هو من الجوهر نفسه الذي للآب أم لا؟ فإذا قالوا انه من جوهر الآب نفسه فلماذا يجعلونه أقل من الآب؟ لأن الاشياء التي لها ذات الجوهر ولها نفس الطبيعة لا يمكن ان يكون فيها من هو أعظم في كيانه من الآخر لأن هذا ضد الاعتقاد بوحدة الجوهر. أما إذا رفضوا قبول حقيقة ان الابن هو من نفس جوهر الآب وتمسكوا بأنه منه، فهذا يعني انه غريب عن الآب. فكيف يكون له مجد الآب ذاته؟ وكيف يقول دانيال “وأعطى له سلطاناً ومجداً “وملكوتاً” لتتعبد له كل الشعوب” (دانيال 7: 14). وأما ان الله الآب يكذب عندما يقول “مجدي لا أعطيه لآخر” (اشعياء 48: 11). أما إذا كان صادقاً، وقد أعطى مجده للابن، فحينئذ لا يكون الابن غريباً عن الآب، بل هو ثمرة جوهره ومولوده الحقيقي. والذي يكون له هذا الوضع بالنسبة إلى الآب فيما يخص الجوهر، لا يكون أقل من الآب.

براهين أخرى متنوعة:

        إذا كان الآب ضابط الكل. والابن ضابط الكل، فكيف يكون أقل منه؟ لأن المنطق يحتم علينا ان غير الكامل هو الذي يرتفع إلى الكامل. وإذا كان الآب هو الرب والابن هو الرب، فكيف يكون الابن أقل منه؟ كيف يكون الابن حراً إذا كان أقل من الآب في الربوبية وليس له الكرامة الإلهية في ذاته؟ وإذا كان الآب هو النور والابن هو النور، فكيف يكون الابن أقل منه؟ فالابن لا يكون النور الكامل إذا كان أقل من الآب، بل ستدركه الظلمة ويصبح الانجيلي كاذباً كقوله “والظلمة لم تدركه” (يوحنا 1: 5). وإذا كان الآب هو الحياة والابن هو الحياة؟ فكيف يكون الابن أقل منه؟ ان كان الابن أقل حياة من الآب ستكون الحياة التي فينا ناقصة وحتى ان كان المسيح حالاً في الإنسان الداخلي بالإيمان (أفسس 3: 16-17). بل ويكون الذين يؤمنون إلى حد ما موتي طالما ان حياة الابن أقل كمالاً في الآب. ولكن علينا التخلص من هذه الحماقة، وان نعترف ان الابن كامل وهو مساو للآب الكامل بسبب مماثلته له في الجوهر بكل دقة.

حادي عشر:

        لو كان الابن أقل من الآب وليس من الجوهر ذاته فهو من طبيعة أخرى غريبة وليس ابناً ولا إلهاً بالمرة. فكيف يدعى إلهاً وهو ليس من الله بالطبيعة ولكن حيث ان ايماننا هو بالابن فقط، فنحن – كما يبدو – لا زلنا في الظلمة ولم نعرف الإله الحقيقي. وهذا طبعاً غير صحيح. نحن نؤمن بالابن وهذا يعني اننا نؤمن ايضاً بالآب وبالروح القدس. لذلك فالابن ليس غريباً عن الله الآب كأقل منه، بل له وحدة معه لأنه منه بالطبيعة، ولذلك فهو كامل ومساو له.

ثاني عشر:

        إذا كان الله الكلمة الذي أشرق من الله الآب هو بالحقيقة ابن، فهذا يستدعي بالضرورة ان يعترف المقاومون انه من جوهر الآب، لأن هذا هو المعنى الصحيح للبنوة. فكيف يكون الابن أقل من الآب وهو ثمرة جوهره؟ لأن الجوهر الواحد لا يسمح ان يكون فيه أقل وأعظم، فكل شيء في جوهر الله كامل. أما إذا لم يكن من جوهر الآب فلا يكون هو ابناً حقيقياً بل شيئاً مزيفاً وابناً مزوراً. لأنه إذا لم يكن هناك ابن بالطبيعة للآب، الذي بسببه يدعى الآب أباً فكيف يعرف انه آب. وهذا افتراض غير صحيح، لأن الله هو كل حق الآب، كما تصيح بذلك كل الأسفار المقدسة علانية. ولذلك فالذي يولد منه بالطبيعة هو الابن حقاً، وهو ليس أقل منه، لأنه وأحد معه في الجوهر كابن.

ثالث عشر:

        ان اسم العشيرة او الأبوة لم يأخذه الله منا نحن، بل نحن الذين أخذناه من الله. والكلمة الصادقة هي كلمة الرسول بولس التي تصرخ: “الذي منه تسمى كل عشيرة في السماء وعلى الأرض” (أفسس 3: 15). ولكن الله هو منذ الأزل، ونحن نتمثل به لأنه هو المثال ونحن خلقنا على صورته. فكيف نكون نحن على صورته ومثاله اي آباء ولنا أبناء بالطبيعة، وليس في الأرض أبوة Archetype خلقنا نحن على مثالها؟ فكيف ننال نحن الأبوة من الله دون ان يكون الله بالحق أباً؟ ألا يكون هذا ضد طبيعة الأمور ان نكون نحن آباء ويأخذ الله الأبوة منا ويقلدنا نحن، وليس نحن الذين نتمثل به! ان هذه النقطة بالذات سوف ترغب الهرطوقي على الاعتراف بأبوة الله رغماً عنه. ان شهادة الحق هي ان كل عشيرة في السماء وعلى الأرض تأخذ الأبوة من الله وعكس ذلك خطأ واضح. لأن الذي أخبرنا ان كل أبوة تؤخذ من الله هو الذي قال ان “المسيح يتكلم فيه” (2كورنثوس 13: 3). لأنه من الله تنسكب إلى أسفل كل أبوة. فالله هو الآب وهو بالطبيعة أب للكلمة الذي ولده، والذي هو مثله. لأننا نحن صورته عندما نلد أبناء لنا لا يصبحون أقل منا بل مساويين لنا في كل شيء من جهة الطبيعة.

رابع عشر:

        على الهرطوقي ان لا يخدعنا بما يقدمه لنا قائلاً: أنه يكرم الابن دون الاعتراف بأنه من جوهر الآب. كيف يكون ابناً بالمرة دون ان يكون ابناً بالطبيعة؟ وعلى الذين يترددون في الاعتراف بذلك ان يخلعوا قناع النفاق ويجدفون علانية قائلين انه ليس الابن ولا الإله. وإذا وبختهم وحكمت عليهم الأسفار الإلهية وجرحتهم كلمات القديسين كما لو كانت حجارة مقلاع، لعلهم يخجلون من الحق، ويقولون انه الابن والإله ويقلعون عن التفكير في انه أقل من الذي ولده. كيف يكون الكلمة الله وهو أقل من الآب؟ لأنه كيف يكون ذلك والإنسان نفسه الذي يولد من انسان آخر ويدعى ابن انسان ولا يكون أقل من ابيه في انتسابه للإنسانية، ولا ملاك أعظم من ملاك فيما يخص كونه ملاكاً، فكيف يكون في جوهر اللاهوت وله في نفسه كل خصائص أبيه بالطبيعة. وإذا كان الاب هو الله بالطبيعة كذلك الابن الكلمة هو الله بالطبيعة لأنه مولود من تلك الطبيعة فكيف يكون الله اذن أقل من الله من جهة كونه الله؟

خامس عشر:

        لأنكم تجاسرتم ايها السادة على ان تقولوا ان الابن أقل في بعض الأمور من الآب فما هي هذه الأمور؟ هل الأزلية أحد هذه الأمور؟ فلست أظن ان أحداً يصل به الغباء إلى القول بأن الابن أقل أزلية من الآب، فالابن قبل كل الدهور وهو خالق كل الدهور. فالذي صنع الأزمنة لا ينطبق عليه مقياس الزمان، ولا يمكن ان نحدد زمان ولادته من الآب. وليس الابن أقل من الآب حجماً لأن الطبيعة الإلهية تعلو على مقاييس الأحجام والأجسام. فكيف هو أقل؟ أفي المجد كما يظن البعض؟ أم في القوة؟ ام في الحكمة؟ عليهم ان يقولوا لنا بدقة كيف ان الآب أعظم؟ أفي المجد والقوة والحكمة؟ إذا كان الآب يفوق كل المقاييس المقبولة لدى العقل، فمن أين جاءت الجسارة للاريوسيين على مقارنة الآب بالابن والادعاء بأن الابن أقل، من الآب وانكار كرامته الإلهية التي له بالطبيعة؟ لأن المقارنة بين عظيم وأقل منه في العظمة يمكن برهنتها واثباتها إذا وضعناهما معاً ولكن حيث ان كرامة ومجد الآب تفوق الإدراك، فبأي مقاييس يمكن اتمام المقارنة؟ في هذه الحالة بالذات يسقط الادعاء بأن الابن أقل من الآب.

سادس عشر:

        ويمكن الرد على نجاسة الهراطقة الذين قيل عنهم “أعدائنا بلا فهم” (تثنية 32: 31س)، وكيف لا يكونون مملوئين من الجهل “لا يفهمون ما يقولون ولا ما يقرونه” (1تيموثاوس 1: 7)، وسبب ادانتنا لهم هو انهم إذا كانوا يؤمنون بأن الابن بالحق هو إله مولود من الله الآب، فكيف يكون أقل من الآب؟ هذا التناقض الذي يدل على جهل مطبق سوف يقود إلى عدة أفكار متناقضة كلها تجاديف لا يجب ان نسمعها. لو كان الابن هو الله بالطبيعة فكيف تقبل طبيعته الإلهية ان يكون فيها أقل، ويحتاج الأمر ان يكون فيها أقل، ويحتاج الأمر ان يكون ما هو أعظم من الله. ولو كان مولوداً من جوهر الآب فكيف يكون أقل من الآب وهو من جوهر الكامل في كل شيء؟ وكيف يسمح الآب بأن يكون في جوهره ما هو أقل كمالاً منه وهو في نفس الوقت صورته؟ وهذا بدوره يعني ان جوهر الآب ليس كاملاً في كل شيء رغم انه بالطبيعة إله، بل الآب نفسه سوف يتقدم من عدم الكمال إلى الكمال وكذلك الابن ايضاً حيث انه صورة جوهره سوف ينطبق عليه ما ينطبق على الآب وهذا ما سيحدث في الله من تغيير لأن الطبيعة التي تقبل في داخلها عظيم وقليل هي طبيعة قابلة للتغيير.

        هذا التجديف الرهيب ظاهر بكل وضوح. لأن الآب لن يتقدم في شيء نحو الكمال ولا يقبل ما هو أقل منه لأنه بالطبيعة الله الكامل، وكذلك لن يقبل الابن في ذاته وضع الأقل فهو ايضاً الله بالطبيعة. وليس صحيحاً ما يدعيه الهراطقة من ان الآب والابن مجرد كلمتين فقط، فالجوهر الذي فوق الكل ليس فيه قليل وعظيم بل اقانيم متمايزة.

سابع عشر:

        إذا كان كلمة الله الآب وهو بالطبيعة الابن هو أقل من الآب، سواء في الصفات والكرامة الإلهية او في عدم التغيير او في اي شيء آخر يمكن ان يوصف بأنه أقل، فأن المشكلة ليست في الابن نفسه بل في الجوهر الذي يولد منه الابن لأن هذا الجوهر نفسه هو الذي يحتوي على القليل والعظيم مع أن غباوة هذه الفكرة ظاهرة بكل وضوح لأن الأشياء المخلوقة لا تحتوي على عظيم وحقير في جوهرها، فكل ما يثمر انما يعطي ثمراً لا يختلف جوهره عن الجوهر الذي أفرزه.

        وإذا قالوا ان الطبيعة الإلهية للآب هي فوق الشهوة، فمن الواضح ان الكلام عن العظمة والحقارة في الطبيعة الإلهية لا ينطبق على الآب طالما انه فوق الشهوة. وبذلك يصبح الله هو النموذج الكامل لكل شيء صالح فينا، وهو ما لا يسمح بأن يلد ابناً أقل منه بل مساوياً له في الجوهر ومن نفس جوهره لئلا يصبح الله الذي هو فوق الكل بما لا يقاس أقل منا.

ثامن عشر:

        “برهان منطقي يعتمد على استحالة النتيجة التي تصل اليها المناقشة”.

        يقول المسيح لتلاميذه موضحاً انه مساو للآب “الذي رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9) فكيف يعلن الذي هو بطبيعته كائن بذاته، ذلك، وهو أقل من الآب؟ فإذا كان أقل من الآب وهو يعلن الآب بدون وساطة او تغيير فانه إذا استمر في اعلان الآب سوف يصبح مثل الآب، لأن الابن صورة الآب. ولكن هذا مستحيل. فالأقل لا يمكن ان يعلن الأعظم منه، اذن الذي فيه الآب والذي يعلن الآب لابد وان يكون كاملاً لأنه صورة الكامل اي الآب.

تاسع عشر:

        كيف يقبل الابن ان يكون أقل وهو فيه الآب الذي يقول عنه “كل ما هو للآب فهو لي” (يوحنا 16: 15)، وأيضاً يقول للآب “كل ما هو لي فهو لك، وكل ما هو لك فهو لي” (يوحنا 17: 10). ولو صح كلام المقاومين بأن الابن أقل وهو يقول للآب “كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي” فإن الوضاعة نفسها سوف تجد طريقها للآب أيضاً، والعظمة سوف تجد طريقها للابن لأن كل ما هو للآب هو للابن وكل ما هو للابن هو للآب، ومنطقياً سوف تظهر العظمة والوضاعة في الاثنين، وسوف نرى ما في الابن في الآب وما في الآب في الابن لأن الصفات وأحدة. وبالتالي لن يوجد ما يمنعنا من ان نقول ان الآب أقل من الابن وان الابن أعظم من الآب. وهذا هو أكثر الأفكار استحالة. لذلك فالابن مساو للآب وليس أقل منه لأن له جوهر الآب نفسه مشتركاً به مع الآب.

عشرون (برهان ثان مثله):

        إذا كان كل ما للآب هو للابن، والآب له الكمال، فان الابن يكون كاملاً هو ايضاً لأن له كل خصائص وأمجاد الآب. لذلك فهو ليس أقل من الآب حسب كفر الهراطقة.

وأحد وعشرون:

        “مثل البرهان السابق الذي يعتمد على استحالة النتيجة وهو خلاصة البراهين السابقة”

        على الذين يسكبون هذه النار المشتعلة على رؤوسهم اي الذين يرفضون التعليم السليم، للعقائد الإلهية، ويخترعون حيل ذات ألوان مختلفة للخداع وللقضاء على البسطاء ان يقولوا لنا:

        هل الآب أسمى من الابن وأعظم منه بمقارنة الابن مع الآب؟ وهل الابن لذلك أقل من الآب بالمقارنة مع الآب؟ انني افترض انهم سيقولون انه أسمى من الابن، وعليهم في هذه الحالة ان يقولوا لنا ما هي اسباب عظمة الآب؟ إذا لم يقدموا اسباباً، فان كلامهم ضد الابن يسقط. أما إذا كان هناك اختلافاً كبيراً فإن الآب أسمى لأن عنده بعض الميزات التي لا يملكها الابن، وعليهم في هذه الحالة ان يقولوا لنا: عندما ولد الآب الابن، لماذا ولده أقل منه وليس مساوياً له؟ فلو كان من الأفضل للآب ان يلد الابن مساوياً له فمن الذي منعه من ذلك؟ ولو قالوا ان هناك من منع الآب او ان الضرورة هي التي حتمت ذلك فانهم بذلك يعترفون رغماً عنهم ان هناك من هو أعظم من الآب. وهذا ضد برهانهم كله. وإذا لم يكن شيء على الإطلاق يمنع الآب لأن له القوة والمعرفة التي تجعله يلد الابن مساوياً له، الا انه مع ذلك جعله أقل منه، وهذا حسد واضح من جانب الآب بل عين شريرة، لأن الآب اختار ان لا يعطي المساواة للابن. والنتيجة اذن، إما ان الآب عقيم، إذ عجز عن العطاء، او أنه صاحب عين شريرة. وهذه هي النتيجة الحتمية للادعاء بأن الابن أقل من الآب. وهذا كله مستحيل. لأن الطبيعة الإلهية الواحدة هي فوق الشهوة والحسد. لذلك فالابن ليس أقل من الآب، ولم يفقد المساواة مع الآب، ولم يكن الآب بلا قوة لكي يلد الابن أقل منه، بل ولده مساوياً له، ولم تمنعه عين شريرة من اختيار الأفضل.

ثان وعشرون:

        لقد قال المخلص انه في الآب، والآب فيه. وواضح لكل وأحد، ان هذا لا يعني وجود جسد في جسد آخر، او وعاء في وعاء، وانما الصواب ان الواحد يعلن الآخر. لأن كل منهما في الآخر في الجوهر نفسه غير المتغير وله ذات الطبيعة الإلهية الواحدة غير المتغيرة، ولعل أقرب تشبيه هو ان يشاهد انسان وجهه في مرآة ويندهش من التطابق التام لدرجة انه يقول. “أنا في هذه الصورة وهذه الصورة في” أو مثلما تقول حلاوة العسل حينما توضع على اللسان “الحلاوة في العسل والعسل في” او مثل الحرارة الصادرة من النار كما لو كانت تقول “أنا في نار والنار في”. وكل هذه الأمثلة توضح لنا التمايز العقلي بين اثنين، ولكن هذه الأمثلة توضح وحدة الطبيعة، حتى ان في الأمثلة التي ذكرناها كل في الآخر دون انقطاع، ودون انفصال. ولكن قيمة هذه الأمثلة هي كيف ان الواحد يعلن الآخر، وكيف ان الجوهر وأحد “الإنسان والصورة، الحلاوة والعسل، الحرارة والنار” وعلى نفس القياس فبسبب عدم تغيير الجوهر، والدقة في تعبير الصورة عن الأصل فإننا نفهم ان الآب في الابن. فكيف يمكن والحالة هذه ان يقال ان الآب أعظم او ان الابن أقل. فإذا كان الآب في الابن والابن في الآب. فهذا يعني ان الكامل في الكامل اي في الابن، الذي يستطيع ان يحتوي الكامل، وهو الصورة المعبرة للآب ضابط الكل.

* من النصوص الأساسية في صلوات تقديس مياه المعمودية في كل الكنائس الشرقية، وكما هو ظاهر هو القضاء على الوحش الأسطوري. التنين، اي القضاء على فساد تصور عقل الانسان وقبول عبادة الله الواحد.

([1]) س تعني ان الشاهد مأخوذ من الترجمة السبعينية للعهد القديم.

([2]) على أساس أن Archi تتضمن معنى السيادة.

(*) فجوة في النص نفسه.

 

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

كتاب دراسة موسعة في انجيل يوحنا PDF – القس بيشوي فؤاد واصف

كتاب دراسة موسعة في انجيل يوحنا PDF – القس بيشوي فؤاد واصف

كتاب دراسة موسعة في انجيل يوحنا PDF – القس بيشوي فؤاد واصف

كتاب دراسة موسعة في انجيل يوحنا PDF – القس بيشوي فؤاد واصف

تحميل الكتاب PDF

كتاب آلام المسيح وقيامته في انجيل القديس يوحنا PDF للقديس كيرلس الاسكندري (تفسير الأصحاحات 18 – 21)

كتاب آلام المسيح وقيامته في انجيل القديس يوحنا PDF للقديس كيرلس الاسكندري (تفسير الأصحاحات 18 – 21)

كتاب آلام المسيح وقيامته في انجيل القديس يوحنا (تفسير الأصحاحات 18 – 21) PDF للقديس كيرلس الاسكندري

كتاب آلام المسيح وقيامته في انجيل القديس يوحنا PDF للقديس كيرلس الاسكندري (تفسير الأصحاحات 18 – 21)

تحميل الكتاب PDF

تفسير الإنجيل بحسب ما كتبه يوحنا الحبيب PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تفسير الإنجيل بحسب ما كتبه يوحنا الحبيب PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تفسير الإنجيل بحسب ما كتبه يوحنا الحبيب PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تفسير الإنجيل بحسب ما كتبه يوحنا الحبيب PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تحميل الكتاب PDF

مسابقات في انجيل يوحنا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل يوحنا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل يوحنا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل يوحنا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

تحميل الكتاب PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)
سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

تحميل الكتاب PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج1، من التكوين خروج لاويين عدد تثنية يشوع PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج2 من قضاة الى استير PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج4، من اشعياء إلى ملاخي PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

يسوع هو الله في إنجيل يوحنا – مينا مكرم

يسوع هو الله في إنجيل يوحنا – مينا مكرم

يسوع هو الله في إنجيل يوحنا – مينا مكرم

يحتوي إنجيل يوحنا على عبارتين على الأقل، وربما ثلاثة، تحدد بوضوح أن يسوع المسيح هو الله. تأتي أول هذه العبارات في الجملة الأولى من الكتاب: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.” (1: 1). “الكلمة” (اليونانية، logos) هي اسم ليسوع المسيح، تشير هنا إلى المسيح في وجوده قبل أن يصبح إنسانًا. وهكذا، تقول الآية 14، “صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا”، وتعرف الآية 17 هذا الكلمة المتجسد على أنه “يسوع المسيح” (انظر أيضًا يوحنا الأولى 1: 1؛ رؤيا 19: 13).

 

المرجع الثاني هو في الآية 18، والتي على ما يبدو تدعو يسوع أيضًا “الله”: “لم يره أحد قط. الله الابن الوحيد، القريب من قلب الآب، هو الذي جعله معروفًا “. هناك سؤال نصي هنا، حيث أن بعض المخطوطات لا تدعو يسوع “الله” في الآية 18؛ سنعود إلى هذا السؤال لاحقًا. الإشارة الثالثة إلى يسوع على أنه الله في الإنجيل هي أيضًا الأكثر تأكيدًا، وتأتي في ذروة السفر. تجاوب الرسول توما، في مواجهة يسوع القائم من بين الأموات، بقوله: “ربي وإلهي!” (20: 28).

 

يسوع هو الله في مقدمة إنجيل يوحنا (يوحنا 1: 1-18)

نبدأ بأول إشارتين إلى المسيح على أنه الله (يوحنا 1: 1، 18). تعمل هذه العبارات مثل الإشارات المرجعية التي تشير إلى بداية ونهاية مقدمة ما يُسمى عادةً مقدمة إنجيل يوحنا (يوحنا 1: 1-18). بين هاتين العبارتين اللتين تدعوان يسوع “الله”، هناك نسيج غني من التأكيدات عن يسوع والتي تؤكد هويته كالله.[4]

 

يقول يوحنا أن الكلمة كان موجوداً بالفعل [5] “في البدء” (الآيات 1-2). الكلمات الافتتاحية للإنجيل، “في البدء” (اليونانية، en archē)، هي نفس الكلمات الافتتاحية للعهد القديم، “في البدء” (تكوين 1: 1).

 

هذه ليست مجرد مصادفة، لأن كلا المقطعين يتابعان على الفور الحديث عن الخلق والنور (تكوين 1: 1، 3-5؛ يوحنا 1: 3-5، 9). يقول يوحنا أن كل ما ظهر إلى الوجود – العالم نفسه – فعل ذلك من خلال الكلمة Logos (الآيات 3، 10).

 

تكشف هذه العبارات التي تؤكد وجود الكلمة قبل الخلق ومشاركته في إحداث كل الخلق أنه أزلي وغير مخلوق – وهما صفتان أساسيتان من سمات الله. ويختتم يوحنا هذا الجزء من المقدمة بدعوة لكي “يؤمن الناس باسمه” (عدد 12) – أحد الأوسمة الإلهية التي كثيرًا ما يشير العهد الجديد إلى أننا يجب أن نمتدها نحو المسيح.

 

بدأت هوية هذه الكلمة تتضح عندما كتب يوحنا، “الكلمة صار جسدًا وجعل مسكنه بيننا” (عدد 14 niv). الكلمة التي تترجمها niv “جعل مسكنه” (eskēnōsen) تعني حرفياً “نصب خيمة المرء في مكان ما”، وتشير في هذا السياق إلى سكن الله بين بني إسرائيل في الخيمة.

 

كان المسكن في الأساس عبارة عن خيمة حيث أعلن الله وجوده لبني إسرائيل والتقى بهم. قبل أن يبني الإسرائيليون المسكن، كان موسى ينصب خيمة عادية بعيدًا عن المعسكر ويلتقي بالله هناك (خروج 33: 7-11). عندما تم الانتهاء من المسكن، “ملأ مجد الرب المسكن” (خروج 40: 35).[6]

 

في وقت لاحق، خدم الهيكل نفس الغرض مثل المسكن (راجع مز 74: 7).[7] يقول يوحنا أن الكلمة الذي جعل مسكنه بيننا له “مجد الابن الوحيد من الآب” (الآية 14). هذه العبارة هي طريقة للقول بأن الابن مثل أبيه تمامًا عندما يتعلق الأمر بالمجد.

 

عندئذٍ يصبح يوحنا محددًا: مجد الابن “مملؤ نعمة وحق” (الآية 14). هذا الوصف للابن يكرر وصف الله لنفسه لموسى، الذي سأل في خيمة الاجتماع ليرى “مجد” الله (خروج 33: 18). كان رد الله أن ينزل في سحابة ويعلن أنه “كثير الرحمة والحق” (خروج 34: 6). لابد أن ما يقوله يوحنا هنا كان مذهلاً لليهود في أيامه من ناحيتين.

 

أولاً، يشير يوحنا إلى أن الإعلان عن لطف الله الحبي، أو نعمة الله، والحق الذي جاء من خلال يسوع قد حل محل الإعلان الذي جاء إلى موسى ومن خلاله. يوضح يوحنا جملتين فيما بعد: “الناموس أعطي من خلال موسى. النعمة والحق من خلال يسوع المسيح ” (آية 17).

 

يوضح يوحنا أيضًا التضمين الثاني والأكثر إثارة للدهشة: الإعلان الذي تلقاه موسى عن مجد الله، عن الله نفسه، كان فقط توقعًا لإعلان الله الذي جاء من خلال ابنه المتجسد. إن عبارة يوحنا، “لم ير أحد الله قط” (آية 18)، تذكر بوضوح تصريح الرب لموسى، “لا أحد يستطيع أن يراني ويحيا” (خروج 33: 20). ويختتم يوحنا، “إنه كذلك الله الابن الوحيد، القريب من قلب الآب، الذي جعله معروفًا ” (عدد 18).

 

يسوع كـ الله في يوحنا 1: 1

الآن بعد أن نظرنا إلى هذه التأكيدات على أن يسوع هو “الله” في المقدمة، نريد أن نتناول أهم الأسئلة أو الصعوبات التي يثيرها المشككون. المسألة الأساسية للجدل في يوحنا 1: 1 هي أفضل طريقة لترجمة الجزء الأخير من الآية (عادةً ما يُترجم “والكلمة كان الله”). قدم بعض المترجمين الجملة الأخيرة ليقولوا إن الكلمة كان “إله” (على سبيل المثال، Moffatt, Goodspeed) بدلاً من “الله”.[9]

 

يترجم الكتاب المقدس الإنجليزي المنقح (1989)، “وما كان الله، كان الكلمة.” تشتهر ترجمة العالم الجديد (NWT)، التي نشرها شهود يهوه، بترجمتها، “وكان الكلمة إلهًا”. لم تكن NWT هي النسخة الأولى التي تتبنى هذا العرض، لكنها الأكثر شهرة إلى حد بعيد.[10]

 

نظرًا لأن المعالجة المناسبة لهذا السؤال المثير للجدل ستكون طويلة نوعًا ما، فسنكون سعداء بتلخيص استنتاجنا ببساطة قدر الإمكان وإحالة القارئ المهتم إلى الأعمال التي تستكشف السؤال بمزيد من التفصيل.[11]

 

هناك بالفعل مشكلتان هنا. الأولي هو كيف يمكن أن يقول يوحنا أن الكلمة كان عند الله ومع ذلك أيضًا أن الكلمة كان الله. يتعلق السؤال الثاني بالحقيقة المعروفة المتمثلة في أن أداة التعريف اليونانية (الكلمة التي نترجمها غالبًا “the”) موجودة قبل “God” في الجملة الثانية ولكن ليس قبل “God” في الجملة الثالثة. لفهم المشكلة، سيكون من المفيد كتابة الآية بأكملها بطريقة بين السطور:

 

في البدء كان الكلمة (الجملة الأولى) en archē ēn ho logos

والكلمة كان عند الله (الجملة الثانية) kai ho logos ēn pros ton theon

وكان الكلمة الله (الجملة الثالثة) kai theos ēn ho logos

 

يجادل المدافعون عن الترجمات البديلة بأن عدم وجود أداة التعريف “the” (اليونانية، ho، التي تظهر أمام Logos) أمام theos تتجنب مشكلة التناقض بين الجملتين الثانية والثالثة مع بعضهما البعض. الجملة الثانية تقول إن الكلمة كان عند “الله”. تقول الجملة الثالثة أن الكلمة كان “إله” وليس “الله”.

 

حتى هذه اللحظة، كان نقاد الترجمة التقليدية على صواب إلى حد ما. إن تصريح يوحنا ليس تناقضًا صريحًا لأنه لا يقول إن الكلمة كان مع “الله” ومع ذلك كان “الله”. إذا توقفوا هناك (والبعض توقف)، فلن تكون هناك مشكلة. كانوا ببساطة يشيرون إلى دقة اليونانية التي لا تترجم جيدًا إلى الإنجليزية.

 

إذا استخدمنا أداة التعريق بنفس طريقة يوحنا (التي لم نستخدمها)، فيمكننا ترجمة الجملتين الأخيرتين على هذا النحو: “وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة إله”. يذهب الكثيرون إلى أبعد من ذلك، ويجادلون بأن ما قصده يوحنا هو أن الكلمة كانت إلهاً أقل لأن يوحنا لم يدعوه “الله” (مثل الكائن الإلهي في الجملة الثانية). ومع ذلك، لا يوجد ببساطة أي أساس في النص لهذا الادعاء.

 

ترجمة “إله” خاطئة بشكل خاص، لهذا السبب بالذات. الاختلافات في الكتابات الكتابية، بما في ذلك كتابات يوحنا، بين theos (إله) وho theos (الله) ليس لها أي تأثير على الإطلاق على معنى كلمة theos (الله).[12]

 

إذا كان يوحنا قصد الإشارة إلى أن كلمة ho theos تعني “الله” وأن theos تعني “إله”، فإن صياغته في بقية المقدمة (يوحنا 1: 1-18) غريبة جدًا. بعد الآية 2، التي تلخص أول فقرتين من الآية 1، تظهر theos خمس مرات في المقدمة، في كل مرة بدون أداة، وفي المرات الأربعة الأولى يتفق الجميع على أنها تعني “الله” (الآيات 6، 12، 13، 18 أ، 18 ب).

 

يسوع كالله في يوحنا 1: 18

يشير الظهور الأخير لـ theos في مقدمة يوحنا أيضًا إلى المسيح: “لم يرَ أحد الله [theon] قط. إن الله [theos] الابن الوحيد، القريب من قلب الآب، هو الذي جعله معروفًا “. في هذه الآية، أول ظهور لكلمة “الله” (theon) يشير إلى الآب. الظهور الثاني لكلمة “الله” (theos) يشير إلى الابن.

 

يجب أن نشير إلى أن المخطوطات اليونانية لا تقرأ جميعها بنفس الطريقة هنا. في الواقع، تقول غالبية المخطوطات اليونانية “الابن الوحيد أو فريد الجنس” (monogenēs huios)، ولهذا السبب تقرأ نسخة الملك جيمس “الابن الوحيد”.[13] هناك دعم هام من المخطوطات المبكرة لقراءة “[الابن] الفريد، الذي هو الله” (monogenēs theos).[14]

 

تم اكتشاف برديتين قديمتين للغاية، P⁶⁶ وP⁷⁵، يُدعى فيهما يسوع في يوحنا 1: 18، والتي تحولت ثقل الأدلة بشكل قاطع إلى تلك القراءة التي من المرجح أن تكون أصلية.[15] من المثير للاهتمام ملاحظة أن كلاً من theon وtheos في الآية 18 مكتوبتان بدون أداة تعريف.[16]

 

في الآية 1، يشير ton theon (مع أداة التعريف) إلى الآب ويشير theos إلى الابن (المسمى بالكلمة). إذا كان صحيحًا أن يوحنا استخدم أداة مع theon ولكن ليس مع theos في الآية 1 للإشارة إلى أن الابن كان نوعًا أقل من الآب، فمن الغريب أنه لم يحافظ على هذا التمييز نفسه في الآية 18.

 

التأكيد على أن “الابن الوحيد” هو نفسه “الله” هو نتيجة مناسبة لمقدمة إنجيل يوحنا. إنه يوضح أن الشخص الذي كان الله قبل الخلق (1: 1) كان لا يزال هو الله عندما جاء ليعرّفنا بالله الآب من خلال التجسد. لاحظ موراي هاريس Murray Harris، “بما أن الابن الوحيد هو الله بطبيعته ومعرّف بالآب عن طريق التجربة، فهو مؤهل بشكل فريد للكشف عن طبيعة وشخصية الله.”[17]

 

يسوع كـ “إلهي” في ذروة إنجيل يوحنا (يوحنا 20: 28)

على الرغم من أن إنجيل يوحنا يحتوي على 21 فصلاً، فإن ذروة الإنجيل تأتي في نهاية الفصل 20، عندما يعترف توما الرسول بيسوع ربًا وإلهًا (آية 28) ويعلن يوحنا أن الغرض من إنجيله هو أن الناس تكون لها الحياة من خلال الإيمان بيسوع باعتباره ابن الله (الآيات 30- 31).[18]

 

نرى هنا نفس نمط الفكر كما في المقدمة: يسوع هو ابن الله الآب (1: 14، 18) ومع ذلك فهو أيضًا هو الله (1: 1، 18). لا يوجد أي خلاف جوهري بين علماء الكتاب المقدس حول أن توما في يوحنا 20: 28 يشير إلى يسوع ويخاطبه عندما يقول، “ربي وإلهي!” كما يقول هاريس في دراسته المطولة عن يسوع باعتباره الله في العهد الجديد، “يسود هذا الرأي بين النحاة، وعاجمي المعاجم، والمعلقين، والنسخ الإنجليزية.”[19]

 

في الواقع، من الصعب العثور على أي تعليق تفسيري معاصر أو دراسة أكاديمية تجادل بأن كلمات توما في يوحنا 20: 28 تنطبق في سياقها على الآب وليس على يسوع. السبب بسيط: يوحنا يقدم ما قاله توما بالكلمات، “أجاب توما وقال له” (الآية 28).

 

تعكس هذه الصياغة التي تبدو زائدة عن الحاجة طريق عبري اصطلاحي لتقديم رد شخص ما على المتحدث السابق. يستخدمها يوحنا بشكل خاص بشكل متكرر، ودائمًا مع كلمات المتحدث الموجهة إلى الشخص أو الأشخاص الذين تحدثوا للتو سابقًا في السرد (يوحنا 1: 48، 50؛ 2: 18-19؛ 3: 3، 9-10، 27؛ 4: 10، 13، 17؛ 5: 11؛ 6: 26، 29، 43؛ 7: 16، 21، 52؛ 8: 14، 39، 48؛ 9: 11، 20، 30، 34، 36؛ 12: 30؛ 13: 7؛ 14: 23؛ 18: 30؛ 20: 28).[20]

 

لذلك فمن المؤكد أن توما كان يوجه كلماته إلى يسوع وليس الآب. لا أحد، بالطبع، كان ليشكك في هذا الاستنتاج الواضح لو أن توما قال ببساطة “ربي!” إن إضافة عبارة “وإلهي” هي التي أثارت بعض التفسيرات الإبداعية والنصوص التي لا يمكن الدفاع عنها.[21]

 

تعكس كلمات توما ما ورد في المزامير للرب (يهوه)، ولا سيما ما يلي: “استيقظ! دعي نفسك للدفاع عني، من أجل قضيتي، إلهي وربي [“ho theos mou kai ho kurios mou”]! ” (مز 35، 23). هذه الكلمات توازي تلك الموجودة في يوحنا 20: وه28 بالضبط باستثناء عكس كلمتي “إلهي” و”ربي”.[22]

 

على نطاق أوسع، في اللغة الكتابية، يمكن أن تشير كلمة “إلهي” (على لسان المؤمن المخلص) إلى الرب إله إسرائيل فقط. اللغة محددة قدر الإمكان وتعرف يسوع المسيح على أنه الله نفسه.

 

في تعريف يسوع على أنه الله، لم يكن توما، بالطبع، يعرفه على أنه الآب. في وقت سابق في نفس المقطع، أشار يسوع إلى الآب على أنه إلهه. من المثير للاهتمام مقارنة صياغة يسوع مع صياغة توما. قال يسوع لمريم المجدلية، “أنا أصعد إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم” (theon mou kai theon humøn، يوحنا 20: 17).

 

كما في يوحنا 1: 1 ويوحنا 1: 18، يُدعى الآب “الله” بالقرب من عبارة تؤكد أن يسوع هو أيضًا “الله”. هنا مرة أخرى، كما في يوحنا 1: 18، لا نرى الرسول يوحنا يميز بين الآب باعتباره “الله” (ho theos) ويسوع الابن على أنه “إله” فقط (theos بدون أداة تعريف). في الواقع، بينما يدعو يسوع الآب “إلهي” بدون أداة التعريف  (theon mou، 20: 17)

 يدعو توما يسوع “إلهي” بأداة التعريف (ho theos mou، 20:28)!

لا يمكن للمرء أن يطلب أي دليل أوضح على أن استخدام أو عدم استخدام أداة التعريف لا علاقة له بمعنى الكلمة theos. ما يهم هو كيفية استخدام الكلمة في السياق. في يوحنا 20: 28، يخبر الرسول عن أكثر التلاميذ تشككًا في الاعتراف بهم عن يسوع. يتوقع يوحنا من قرائه أن ينظروا إلى اعتراف توما كنموذج يحتذى به.[23] مع الاعتراف بأن يسوع هو الذي انتصر على الموت نفسه من أجلنا، علينا أيضًا أن نستجيب ليسوع ونعترف بأنه ربنا وإلهنا.

 

استنتاج يوحنا، الذي يريد أن يصل إليه قرائه أيضًا، بأن يسوع هو ابن الله (20: 30-31) لا يتعارض مع فهم تصريح توما في يوحنا 20: 28 باعتباره اعترافًا نموذجيًا بيسوع الرب والله. في المقدمة أيضًا، يصر يوحنا على أن يسوع هو الله (1: 1، 18) وابن الله (1: 14، 18).

 

كما لاحظ د. أ. كارسون (D. A. Carson)، “هذا التوتر بين العبارات غير المشروطة التي تؤكد الألوهية الكاملة للكلمة أو الابن، وتلك التي تميز الكلمة أو الابن عن الآب، هي سمة مميزة للإنجيل الرابع من الآية الأولى.”[24] أولئك الذين يجدون هذه الأوصاف ليسوع من المستحيل التوفيق بينها دون إنكار أو الانتقاص من أحدها لصالح الآخر، يعملون في ظل افتراض أو افتراض من وجهة نظر أحادية لله (أي الرأي القائل بأن الله لا يمكن إلا أن يكون شخصًا منفردًا).

 

للتلخيص، يشير إنجيل يوحنا صراحة إلى يسوع المسيح على أنه “الله” ثلاث مرات: في بداية ونهاية المقدمة (1: 1، 18) وفي ذروة الإنجيل (20: 28). توضح هذه التأكيدات الثلاث الموضوعة استراتيجيًا أن يسوع هو الله وكان دائمًا. كما قال موراي هاريس، “في حالته قبل التجسد (1: 1)، وفي حالته المتجسدة (1: 18)، وفي حالة ما بعد القيامة (20: 28)، يسوع هو الله. بالنسبة ليوحنا، فإن التعرف على ألوهية المسيح هو السمة المميزة للمسيحي “.[25]

 

[4] افتراضنا هنا – المدعوم في العقود الأخيرة بجبل من البحث من قبل العديد من العلماء – هو أن المقدمة (يوحنا 1: 1-18)، مثل العهد الجديد بشكل عام، غارقة في الزخارف الدينية واللاهوتية للعهد القديم. من المؤكد أن الاتجاه في دراسات الأدب اليوحناوي قد ابتعد عن ممارسة محاولة تفسير المقدمة (خاصة الكلمة Logos) في المقام الأول من حيث الفلسفات الأفلاطونية أو الرواقية أو الفلسفات الهلنستية الأخرى. حول سياق يوحنا اليهودي وتحديدًا في العهد القديم، انظر بشكل خاص:

Anthony Tyrrell Hanson, The Prophetic Gospel: A Study of John and the Old Testament (Edinburgh: T & T Clark, 1991); and Claus Westermann, The Gospel of John in the Light of the Old Testament, trans. Siegfried S. Schatzmann (Peabody, MA: Hendrickson, 1998).

 

الأدبيات ذات الصلة بخلفية العهد القديم للمقدمة وحدها ضخمة: انظر على وجه الخصوص

Craig A. Evans, Word and Glory: On the Exegetical and Theological Background of John’s Prologue, JSNTSup 89 (Sheffield: JSOT Press, 1993)

[5] صيغة الماضي الناقص ēn، لسببين، فارق بسيط من “كان موجودًا بالفعل” (راجع NLT، “موجود بالفعل”). الأول هو التناقض المدروس ظاهريًا بين ēn وegeneto (“أصبح”، “وجاء ليصبح”، كلمة رئيسية تظهر 21 مرة في سرد ​​الخلق في تكوين 1: 1 – 2: 4) في المقدمة (راجع يوحنا. 1: 1-4، 6، 8-10، 14-15، 17). السبب الثاني هو سياق الموجود “في البدء”.

[6] تظهر عبارة يوحنا أن الكلمة “حلّت [eskēnōsen] بيننا، ورأينا مجده [doxan]، مجد المولود الوحيد من الآب، المملؤ [plērēs] من النعمة والحق” (يوحنا 1: 14) للإشارة إلى العبارة المكررة في خروج 40: 34-35، “مجد الرب ملأ [eplēsthē] المسكن [skēnē].” انظر أيضاً عدد 14: 10-11؛ ومزمور 26: 8.

[7] مزمور 47: 7 يتحسر على حقيقة أن أعداء إسرائيل قد “دنسوا مسكن اسمك [skōnōma]. الارتباط الوثيق المحتمل بين “اسم” الله و”كلمته” يوحي للغاية هنا. لاحظ كاتب المزامير أيضًا أن الله ترك ذات مرة مسكنه في شيلو، “الخيمة التي نصبها بين الناس [kataskēnōsen en anthrōpois]” (مز 78: 60). يتضمن سفر المكابيين الثاني صلاة تشكر الله على أنه سُرَّ لأن “تصبح [genesthai] هيكلاً لسكنك بيننا [skēnōseōs en hēmin]” (2 مك 14: 35). قارن تصريح يوحنا بأن الكلمة “أصبح [egeneto، شكل آخر من أشكال genesthai] جسدًا، وحلّ بيننا [eskēnōsen en hēmin]، ورأينا مجده [doxan]” (يوحنا 1: 14).

[8] لاحظ أن يوحنا 1: 14-18 يحتوي على أربع تلميحات على الأقل لخروج 33–34، مما يؤكد أهمية هذا المقطع لفهم مقدمة يوحنا.

See further Alan R. Kerr, The Temple of Jesus’ Body: The Temple Theme in the Gospel of John, JSNTSup 220 (New York and London: Sheffield Academic Press, 2002), 117–26.

[9] James Moffatt, A New Translation of the Bible, Containing the Old and New Testaments, rev. ed. (1926; reprint, Grand Rapids: Kregel, 1995); and Edgar J. Goodspeed, The New Testament: An American Translation (Chicago: University of Chicago Press, 1923).

[10] للحصول على أمثلة إضافية، انظر:

Robert M. Bowman Jr., Jehovah’s Witnesses, Jesus Christ, and the Gospel of John (Grand Rapids: Baker, 1989), 135–37.

[11] تشمل الدراسات التي توصلت إلى استنتاجات أرثوذكسية عن يوحنا 1: 1

Bowman, Jehovah’s Witnesses, Jesus Christ, and the Gospel of John, 17–84; Murray J. Harris, Jesus as God: The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus (Grand Rapids: Baker, 1992), 51–71; and Donald E. Hartley, “Revisiting the Colwell Construction in the Light of Mass/Count Nouns,” Biblical Studies Foundation (1998),

http://www.bible.org/studies/nt/topics/colwell.htm

حول استخدام أداة التعريف باللغة اليونانية، انظر أيضًا:

Daniel B. Wallace, Greek Grammar Beyond the Basics: An Exegetical Syntax of the New Testament (Grand Rapids: Zondervan, 1996), 206–70. Two thoughtful attempts to defend the Jehovah’s Witnesses’ translation of John 1:1 are Rolf Furuli, The Role of Theology and Bias in Bible Translation: With a Special Look at the New World Translation of Jehovah’s Witnesses (Huntington Beach, CA: Elihu Books, 1999), 199–229; and Greg Stafford, Jehovah’s Witnesses Defended: An Answer to Scholars and Critics, 2d ed. (Huntington Beach, Calif.: Elihu Books, 2000), 305–66.

[12] ناقش أحدنا هذه النقطة في كتاب نُشر عام 1989؛ أنظر

Bowman, Jehovah’s Witnesses, Jesus Christ, and the Gospel of John, especially 6061.

أشار دانيال ب. والاس إلى نفس النقطة بطريقة أخرى في ورقة بحثية غير منشورة بعنوان “الآثار المترتبة على ثيوس غير محدد في يوحنا 1: 1

The Implications of an Indefinite Theos in John 1:1c

، قُدمت في الاجتماع السنوي لعام 1999 للجمعية اللاهوتية الإنجيلية (في دانفرز، م أ Danvers, MA).

[13] تخلى العلماء المعاصرون بالإجماع تقريبًا عن الترجمة القديمة لـ monogenēs باعتبارها “مولود فقط”. لم يستخدم الكتاب القدامى الكلمة للإشارة إلى أن الطفل هو الوحيد الذي “أنجب” أو أنجبه أحد الوالدين (على الرغم من حدوث ذلك أيضًا في بعض الأحداث)، ولكن بدلاً من ذلك للإشارة إلى أن كان الطفل في علاقة خاصة وفريدة من نوعها مع الوالد. في الواقع، في بعض الأحيان، لا علاقة للكلمة في السياق بالأطفال على الإطلاق (على سبيل المثال، الحكمة 7: 22).

لهذا السبب، فإن بعض الترجمات الحديثة تجعل الكلمة “الوحيد” (esv) أو “الواحد الوحيد” (niv) أو ما شابه. في السياق المباشر في يوحنا 1: 18، مع ذلك، فإن فكرة البنوة حاضرة بوضوح (“من هو قريب من قلب الآب”؛ انظر أيضًا عدد 14)، كما هو الحال في أي مكان آخر عندما يستخدمها يوحنا للإشارة إلى المسيح (يوحنا 3: 16، 18؛ 1 يوحنا 4: 9).

[14] إن السؤال عن كيفية ترجمة “monogenēs theos” هو سؤال محير. الخيارات الرئيسية هي “الإله الوحيد” (esv)، “الله الواحد الوحيد” (niv)، “الإله الوحيد” (nasb)، “الله الابن الوحيد” (nrsv). تعكس هذه التصورات المتنوعة الخلاف حول سؤالين.

أولاً، هل تشير كلمة monogēns إلى البنوة في هذا النص (nasb and nrsv، yes؛ esv and niv، no)؟ نحن نتفق على أنه ربما يفعل ذلك (انظر الملاحظة السابقة).

ثانيًا، هل يستخدم النص هنا monogēns جوهريًا، أي مثل الاسم (niv، nrsv)، أو الصفة (esv، nasb)؟ كلاهما ممكن نحويًا. لقد استخدم يوحنا للتو monogēns بشكل جوهري، على أية حال، في الآية 14 (“مجد الابن الوحيد [وحيد الجنس monogenēs theos] من الآب” esv).

علاوة على ذلك، على الأقل في الوقائع الكتابية (بما في ذلك الأبوكريفا)، تعمل monogenēs صفة عند وصف الأسماء huios، “son”، أو thugatēr، “ابنة” (طوبيا 6 :11؛ لوقا 7: 12؛ 8: 42 ;يوحنا 3: 16, 18 ; 1يوحنا 4: 9 ). بخلاف ذلك، يعمل monogenēs بشكل جوهري (قض 11: 34؛ طوبيا 3: 15؛ 8: 17؛ مز 22: 20؛ 35: 17؛ يوحنا 1: 14؛ عبرانيين 11: 17؛ مز 25: 16 والحكمة 7: 22 استثناءات). عند استخدامها جوهريًا، عادةً ما تعني monogenēs (وإن لم يكن دائمًا) الطفل الوحيد أو الفريد.

نعتقد أنه من المرجح، إذن، خاصة في ضوء يوحنا 1: 14، أن monogenēs في يوحنا 1: 18 تشير إلى البنوة وأنها تعمل بشكل جوهري. هذا يعني أن monogenēs وtheos في موضع، لذا يجب ترجمة التعبير بالكامل إما “الله الابن الوحيد” (nrsv) أو ما يعادله، مثل “الابن الوحيد الذي هو الله”. للترجمة الأخيرة، انظر

Harris, Jesus as God, 88–92.

[15] Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, 2d ed. (Stuttgart: United Bible Societies, 1994), 169–70

 (الذي يشير إلى معارضة واحدة من اللجنة المكونة من خمسة أعضاء، ألين ويكغرين Allen Wikgren). هناك نسختان رئيسيتان من النسخ الإنجليزية المعاصرة لا تقبلان هذا الاستنتاج هما nkjv (“الابن الوحيد”) وhcsb (“الابن الوحيد”). جادل بارت إيرمان أيضًا ضد قراءة monogenēs theos، على أساس أن هذه الصياغة يمكن أن تعني فقط “الإله الفريد”، وهو أمر لا يمكن تصوره في سياق إنجيل يوحنا. انظر

Bart D. Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The Effect of Early Christological Controversies on the Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 1993), 81, and idem, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperSanFrancisco, 2005), 161–62, and the response in J. Ed Komoszewski, M. James Sawyer, and Daniel B. Wallace, Reinventing Jesus: How Contemporary Skeptics Miss the Real Jesus and Mislead Popular Culture (Grand Rapids: Kregel, 2006), 290–93.

[16] وفقًا لمعظم المخطوطات، على الرغم من وجود بعض الدعم المبكر لوجود أداة التعريف قبل theos في يوحنا 1: 18 (P⁷⁵). انظر المناقشة في Harris, Jesus as God, 77–78.

[17] Harris, Jesus as God,102.

[18] بإدراكنا أن نهاية الفصل 20 هي ذروة الإنجيل، فإننا لا نقصد ضمنيًا أن الإنجيل قد تم تعميمه بدون الفصل 21. بالأحرى، الفصل 21 هو خاتمة، توازن بين مقدمة الإنجيل (1: 1-18)، وحل موضوعات معينة التي تنشأ في جسد الإنجيل، ولمعرفة المؤلف بأنه التلميذ الحبيب. انظر:

Andreas J. Köstenberger, John, BECNT (Grand Rapids: Baker, 2004), 583–86.

[19] Harris, Jesus as God, 110;

انظر إلى الحواشي السفلية للحصول على مراجع واسعة النطاق.

[20] تتكرر الصيغة التمهيدية “أجاب وقال” في العهد القديم (معظمها في سفري صموئيل والملوك)، ومرتين في لوقا (13: 15؛ 17: 20)، وليس في أي مكان آخر في العهد الجديد خارج إنجيل يوحنا.

[21] أحد هذه التفسيرات الخلاقة هو أن توما وجّه كلماته “ربي” إلى يسوع ولكن كلمات “إلهي” إلى الآب. المدافع الأخير عن هذا الرأي هو

Margaret Davies, Rhetoric and Reference in the Fourth Gospel, JSNTSup 69 (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1992), 125–26.

تزعم ديفيز أن هذا التفسير “في الواقع له معنى أفضل بكثير في سياق الإنجيل الرابع”. أعد يوحنا قرائه بالفعل لاعتراف توما، من خلال تسمية يسوع “الله” مرتين في المقدمة (1: 1، 18). إن وجهة نظر ديفيز ببساطة لا تأخذ في الحسبان تقديم يوحنا لكلمات توما على أنها موجهة مباشرة إلى يسوع.

[22] انظر أيضا “ملكي وإلهي” (ho basileus mou kai ho theos mou, مزمور 5: 2 [5: 3 LXX] و84: 3 [83: 4 LXX]).

يجادل بعض منتقدي التفسير التقليدي بأن كلمات توما ليست موجهة إلى يسوع، لأنه في اللغة اليونانية التوراتية، يستخدم المتحدثون الذين يخاطبون شخصًا ما باسم “الرب” عادةً الحالة الدعائية (kurie) بدلاً من الحالة الاسمية (kurios). ومع ذلك، تُظهر الأمثلة من المزامير أن هذه الحجة خاطئة.

على الرغم من أن kurie الدعائي يظهر بشكل متكرر في اليونانية التوراتية، إلا أن نداء “theé” لـ “الله” نادر جدًا (يحدث في LXX فقط في قضاة 16: 28؛ 21: 3؛ الملوك الثاني 7 :25؛ حزقيال 4: 14؛ وفي العهد الجديد فقط في متى 27: 46) ولم يتم تعديله أبدًا بواسطة mou (my) أو أي ضمير آخر.

بدلاً من ذلك، نجد أن الصيغة الاسمية theos تحدث بشكل شائع في الخطاب المباشر (أكثر من مائة مرة في المزامير؛ بالنسبة للعهد الجديد، انظر، على سبيل المثال، مرقس 15: 34؛ لوقا 18: 11، 13). من السهل تفسير استخدام kurios الاسمي على أنه يتأثر بالشكل التعريفي لـ theos في نفس التعبير.

[23] كان رد يسوع على اعتراف توما إرشاديًا: لقد وبخه ليس بسبب ما قاله ولكن لإصراره على الرؤية قبل أن يؤمن (يوحنا 20: 29).

[24] D. A. Carson, The Gospel According to John (Leicester, UK: InterVarsity Press; Grand Rapids: Eerdmans, 1991), 344.

[25] Murray J. Harris, 3 Crucial Questions About Jesus (Grand Rapids: Baker, 1994), 98–99.

يسوع هو الله في إنجيل يوحنا – مينا مكرم

Exit mobile version