تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

هل للكون تصميم؟ أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

 

«معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته

وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه،

إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون،

وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza،

وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley،

رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز

حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة

وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً على أن الكون لا يشرح نفسه

وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة

باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح.»

“كيث ورد” Keith Ward

 

«يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد،

ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق

ويوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة،

كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعية”).»

“أرنو بينزياس” Arno Penzias الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء

دلائل التصميم

في السنوات الأخيرة أخذنا العلم في رحلة مليئة بالمفاجآت، وبالأسرار أيضاً. فعلم الكون الذي يعمل على نطاق شديد الضخامة، وفيزياء الجسيمات الأولية التي تعمل على نطاق متناهي الصغر كشفا لنا تدريجياً البنية الجميلة المذهلة للكون الذي نعيش فيه. وحجمه الهائل يجعلنا نعي ضآلة حجمنا، وفي الوقت نفسه نندهش منها. فعلى أي مقياس رسم خطي Linear Scale[1] سنبدو نحن البشر بلا قيمة من حيث الحجم، مجرد ذرات من التراب في مجرة شاسعة لا تزيد بدورها عن مجرد ذرة في الكون.

إلا أننا على مقياس الرسم اللوغاريتمي Logarithmic [2]Scale نبدو في موقع متوسط بين الأبعاد متناهية الصغر التي تكشفها لنا الفيزياء النووية والأبعاد شديدة الضخامة التي يكشفها لنا علم الفلك. ولكن ما هو الإنسان؟ وما هو الكون؟ هل هو فعلاً بيتنا، أم أننا مجرد كائنات مؤقته صغيرة جداً قذفها الكون بالصدفة على هيئة مادة وطاقة على نحو عشوائي استغلالاً للقدة الكامنة في قوانين الطبيعة؟

وليس منا من يواجه هذه الأسئلة ببرودة، نظراً لما يثيره الكون فينا من مشاعر المهابة. وليس منا من يواجهها بنوع من اللامبالاة. فلا يمكن ألا نتأثر بهذه الأسئلة، فمهما كان نحن موجودون في هذا الكون. ومن ثم فعقولنا تصر على السؤال عن طبيعة علاقتنا بالكون.

وكما هو الحال دائماً، الإجابات التي نحصل عليها عن هذه الأسئلة تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً. فبعض العلماء يعتقدون أننا غرباء في الكون؛ «إكزيما على وجه الكون» قذفتنا دوامة الصدفة والضرورة الهائلة التي تحكم السلوك المادي للكون. إننا «نتاج عملية طبيعية بلا ذكاء ولا غرض لم تقصد أن تنتجنا أصلاً» كما قال عالم الأحياء “جورج جايلورد سيمبسون” George Gaylord Simpson.

ولكن آخرين لا يشعرون أنهم غرباء في الكون، منهم الفيزيائي “فريمن دايسون” الذي كتب: «عندما ننظر في الكون ونرى الأحداث الفيزيائية والفلكية الكثيرة التي عملت معاً لصالحنا، يبدو وكأن الكون كان يعرف أننا قادمون». وكذلك الفيزيائي “بول دافيز” Paul Davies الذي لا يستطيع أن يقتنع أننا مجرد ذرات لا قيمة لها من التراب المتحرك. وهو يكتب قائلاً: «لا أصدق أن وجودنا في هذا الكون مجرد فعل غريب غير مفهوم من أفعال القدر، صدفة في التاريخ، ومضة عارضة في دراما الكون العظيمة.

ولكننا مندمجون في الكون بالكامل… لقد قصد لنا بالفعل أن نكون هنا». ومن هنا نرى أن “دافيز” يرجح صراحة أن الكون وراءه عقل كان يفكر في البشر عندما صنع هذا الكون. فلماذا يعتقد “دايسون” وكذلك “دافيز” هذا الاعتقاد؟ هل الكون نفسه يزودنا بأي دلائل يمكن أن تشكل أسس الاعتقاد بأننا نحن البشر لنا قيمة؟ نعم. والأساس الأول هو:

إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني:

رغم كثرة النقاش الذي يمكن أن يدون حول جوهر المنهج العلمي، فلا جدال حول الأساس الذي يقوم عليه ذلك المنهج، ألا وهو إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility of the universe. واندهاش ألبرت آينشتاين Albert Einstein من الأساس هو ما دفع ليقول تعليقه الشهير: «أكثر ما هو غير مفهوم بشأن الكون أنه مفهوم».

ومفهوم إمكانية فهم الكون نفسه يفترض مسبقاً وجود عقلانية قادرة على الوصول إلى ذلك الفهم. والمؤكد أن الثقة في إمكانية اعتمادنا على العمليات العقلية البشرية وقدرتها على تزويدنا ببعض المعلومات عن العالم هي أساس أي نوع من الدراسة، وليس دراسة العلم فحسب.

وهذه القناعة أساسية جداً لكل أنواع التفكير حتى إننا لا يمكن أن نشكك في صلاحيتها قبل أن نفترضها في المقام الأول لأننا لا بد أن نعتمد على عقولنا حتى نشكك فيها أصلاً. فهي المعتقد الأساسي الذي يبنى عليه كل بحث فكري. والحجة التي أسوقها هي أن الأيمان بالله الخالق يضفي عليها مبرراً متسقاً منطقياً في حين أن الفلسفة الطبيعية تبدو عاجزة عن ذلك.

إن إمكانية الفهم العقلاني واحدة من الاعتبارات التي قادت المفكرين عبر كل العصور للاستنتاج بأن الكون نفسه لا بد أن يكون نتاج ذكاء. ويلخص الفيلسوف “كيث ورد” Keith Ward هذه النظرة قائلاً: «معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه، إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون، وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza، وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley، رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً في أن الكون لا يشرح نفسه وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح».

فالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات بناء على أصل الكون وطبيعته الذي يشير إلى ذكاء غير مادي يكمن وراء الكون هو استنتاج له سجل تاريخي طويل مبهر.

طبيعة الإيمان ودوره في العلم:

لقد اندهش ألبرت إينشتاين من إمكانية فهم الكون: «تتعجب من أني أعتبر إن إمكانية فهم العالم (لدرجة أننا نتمتع بصلاحيات الحديث عن هذه الإمكانية) معجزة أو سراً أبدياً. حسناً، سنعتبر أن توقع العالم الفوضوي أمر بديهي مفترض مسبقاً، ولا يمكن فهم العالم بالعقل على أي نحو… ولكن النظام الذي تخلقه نظرية نيوتن في الجاذبية مثلاً يختلف تماماً.

فإن مجرد قدرة المرء على اقتراح مسلمات النظرة تفترض مسبقاً درجة عالية من التنظيم في العالم الموضوعي، وهو ما لا يمكن توقعه بديهياً بافتراض مسبق. تلك هي «المعجزة» التي تتأكد كلما اتسعت معرفتنا».

لأنه كما يتبين من مثال نظرية نيوتن، إمكانية فهم الكون ليست الحقيقة الوحيدة التي تدعو للدهشة، ولكن ما يثير ذهولنا أيضاً هو ما لهذه الإمكانية من طبيعة رياضية. إلا أننا نميل أن نعتبر فائدة الرياضيات أمراً واضحاً عادياً لأننا اعتدنا عليها. ولكن لماذا؟ “بول دافيز” أحد من يستاؤون من الإجابة السطحية للبعض الذين يقولون إن السبب في أن القوانين الأساسية للطبيعة هي قوانين رياضية أننا نحن من اعتبرنا أن القوانين الرياضية قوانين أساسية.

ومن الأسباب الرئيسية أن الكثير من الرياضيات القابلة للتطبيق «أنجزها علماء الرياضيات البحتة باعتبارها تمريناً مجرداً قبل تطبيقها على العالم الواقعي بزمن طويل. فالأبحاث الأصلية لم يكن لها أي ارتباط بالتطبيق النهائي.» إن ما يلفت النظر فعلاً أن أكثر المفاهيم الرياضية تجريداً التي تبدو منتجات للعقل البشري الصرف تمثل أهمية كبرى لفروع العلم التي تحتوي على كم ضخم من التطبيقات العملية.

إن “دافيز” هنا يردد أصداء مقالة شهيرة بقلم “يوجين ويجنر” Eugene Wigner الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء حيث كتب: «إن الفوائد العظيمة التي تقدمها الرياضيات للعلوم الطبيعية لهي سر عميق، وليس له أي تفسير منطقي… ولكنه ركن إيماني». فالعلاقة بين الرياضيات والفيزياء عميقة جداً ومن الصعب جداً أن نعتبرها مجرد صدفة عشوائية.

وأستاذ الرياضيات السير “روجر بنروز” Roger Penrose زميل الجمعية الملكية الذي لا يمكن التشكيك في فهمه لتلك العلاقة يقول عنها: «يصعب عليّ أن أصدق… إن هذه النظريات البديعة نشأت من مجرد انتخاب طبيعي عشوائي لبعض الأفكار لم يبق إلا على الأفكار الجيدة. فما تتمتع به هذه الأفكار من جودة عالية ينفي أن تكون مجرد أفكار ناجية بقيت على قيد الحياة ونشأت عشوائياً. ولكن لا بد من وجود سبب عميق يكمن في الاتفاق بين الرياضيات والفيزياء».

والمؤكد أن العلم نفسه لا يمكنه تفسير هذه الظاهرة. لماذا؟ لأنه كما قال “جون بولكينجهورن”: «العلم لا يشرح إمكانية فهم العالم المادي رياضياً لأنها جزء من الإيمان التأسيسي الذي يبنى عليه العلم».

ولا بد أننا نلاحظ هنا أننا أمام اثنين من أبرز العلماء، “ويجنر” وأيضاً “بوليكنجهورن”، يلفتان نظرنا صراحة إلى الدور الأساسي الذي يلعبه الإيمان في العلم. نعم، الإيمان. قد يكون هذا مفاجئاً، بل صادماً للكثيرين، وخاصة إن كانوا قد تعرضوا للوهم الشائع الذي ذكرناه في بداية هذا الكتاب الذي انتشر بسرعة البرق على يد “ريتشارد دوكينز” وغيره بأن “الإيمان” يعني “إيماناً أعمى” ولا ينتمي إلا لعالم الدين فحسب، بينما العلم لا ينطوي على أي إيمان إطلاقاً.

ولكن ببساطة “دوكينز” مخطئ لأن الإيمان لا ينفصل عن المسيرة العلمية. وتقدم نظرية “جودل” الثانية دليلاً آخر على ذلك: لا يمكنك حتى أن تشتغل بالرياضيات إلا إذا آمنت باتساقها.

بل دعني أسوق لك ما هو أكثر من هذا. خذ مثلاً قانون التربيع العكسي للجاذبية الأرضية الذي وضعه نيوتن. فلأنه مألوف لنا جداً باعتباره تفسيراً لكيفية دوران الكواكب حول الشمس في مدارات بيضاوية ونستخدمه (أو يستخدمه الخبراء) للتنبؤ بكافة أنواع الأحداث الفلكية، كالكسوف وما شابه، غالباً ما لا نرى فيه ذلك البعد الإيماني الخفي. ولكنه ينكشف في اعتقادنا بأن ما حدث اليوم سيحدث غداً.

وهذه هي مشكلة الاستقراء Induction الفلسفي المعروف التي رسم لها “برتراند رسك” صورة لا تنسى في قصته عن “الديك الرومي المستقرئ” “Inductivist Turkey” وبطل القصة ديك رومي لا يطعم بانتظام قبيل الكريسماس، فاستنتج أنه سيطعم يومياً. ولكنه اصطدم بأزمة رهيبة يوم العيد ربما كشفت له، ولو لجزء من الثانية، أخطار الاستقراء. ويعلق “بول دافيز” قائلاً: «إن شروق الشمس كل يوم من أيام حياتك لا يضمن أنها ستشرق غداً.

والاعتقاد بأنها ستشرق، أي بأن هناك نوع من الانتظام في الطبيعة يمكن التعويل عليه، هو فعل إيماني، ولن لا غنى عنه لتقدم العلم». وهذا الجانب من إمكانية الفهم العقلاني للكون غالباً ما يشار إليه بمبدأ ثبات الطبيعة Uniformity of Nature. وهو أحد أركان إيمان العالم.

وللأسف أن الفكرتين القائلتين بأن كل إيمان ديني إيمان أعمى وبأن العلم لا ينطوي على أي إيمان متأصلتان في أذهان الملحدين الجدد، مما ساهم في انتشارهما على نطاق واسع في كتاباتهم لدرجة أننا نضطر أن نؤكد بكل قوة أنهما خاطئتان. ويكتب “جون هوت” قائلاً: «عند نقطة معينة في سلسلة التحقق من كل زعم أو فرضية تدعي الحق، لا بد من قفزة إيمانية تعتبر مكوناً أساسياً في العملية.

وعنصر الثقة هو عنصر لا يهدم يكمن في أساس كل بحث بشري يسعى للوصول للفهم وللحق، بما فيه البحث العلمي. وإن وجدت نفسك تشك فيما قلته لتوي، فهذا ليس لشيء سوى أنك في هذا اللحظة بالذات تثق في عقلك بما يكفي للتعبير عن شكك فيما أقول. فلا يمكنك أن تتخلص من الثقة في قدرتك الفكرية حتى عندما تساورك الشكوك. علاوة على ذلك، فأنت لا تثير أسئلتك النقدية إلا لأنك تؤمن أن الحق يستحق البحث.

والإيمان بهذا المعنى، وليس بمعنى الخيالات الجامحة والتفكير المدفوع بالرغبة [3]Wishful thinking، يكمن في جذور أي دين حقيقي، وفي جذور العلم.» ويستنتج “هوت” استنتاجاً موفقاً مفاده أن هذا «يبين بجلاء أن محاولات الإلحاد الجديد لتطهير الوعي البشري من الإيمان محاولات عبثية وستمنى بالفشل.»

والحقيقة إن إجابتنا عن السؤال: لماذا الكون مفهوم عقلانياً؟ لن تعتمد على كوننا علماء أم لا، بل على كوننا مؤمنين بالله الخالق أو كوننا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية؛ فالمؤمنون بالله الخالق سيرون أن “ويجنر” كان مخطئاً في قوله بعدم وجود تفسير منطقي لإمكانية فهم الكون. ولكنهم سيقولون، على العكس، إن إمكانية فهم الكون متأصلة في طبيعة عقل الله الأعلى: كل من العالم الواقعي والرياضيات يمكن تتبع بداياتهما وصولاً إلى عقل الله الذي خلق كلاُ من الكون والعقل البشري.

ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون والعقل البشري. ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون الذي كان مهندسه ذلك العقل المبدع نفسه.

ويؤيد “كيث ورد” هذا الرأي تأييداً قوياً: «إن توافق الجسيمات الفيزيائية باستمرار مع العلاقات الرياضية الدقيقة هو أمر ممكن إن وجد عالم رياضيات كوني منظم يضع هذا الارتباط على النحو المطلوب. إن وجود قوانين فيزيائية… يعني ضمناً وجود إله يصيغ هذه القوانين ويضمن توافق العالم المادي معها.»

ومن ثم، الإيمان بالله الخالق يدفعنا لأن نعتقد في إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني ويعطي معنى لهذه الإمكانية، في حين أن أطروحة الاختزال تحط من قدرها وتغيب معناها، كما رأينا سابقاً. وهكذا، فإن العلم أبعد ما يكون عن القضاء على الله، بل إن هناك حجة قوة تؤكد أن وجود خالق هو ما يمنح العلم مبرره الفكري الأساسي.

وحتى “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking الذي يشغل الدرجة الأكاديمية التي شغلها السير اسحق نيوتن في جامعة كامبريدج والمعروف بعد تعاطفه مع الإيمان بالله الخالق، اعترف في لقاء تليفزيوني قائلاً: «من الصعب أن نناقش بداية الكون دون أن نذكر مفهوم الله.

وأبحاثي في أصل الكون تقع على الحدود فيما بين العلم والدين، ولكني أحاول أن أبقى في الجانب العلمي. ومن الوارد أن الله يعمل بطرق لا يمكن للقوانين العلمية وصفها.»

ولذلك يمكننا أن نرى اتفاقاً معيناً بين طرق التفكير العلمية والدينية بشأن الكون. وقد أشار “ج. ج. هولدن” J. J Haldane إلى هذه الفكرة بالذات في مناظرته مع “ج. ج. ي. سمارت” J. J. C. smart عن الإلحاد والإيمان مبيناً تشابه المنهجين العلمي والديني: «ومن ثم، فالعلم يشبه الإيمان من حيث استناده على افتراضات مسبقة “عقائدية”، وبما أنها تتعلق بنظام الكون وإمكانية فهمه، فهي أيضاً تشبه محتوى المفهوم الإيماني للكون باعتباره خليقة منظمة.

فضلاً عن ذلك، يبدو أن المؤمن بالله الخالق يدفع الحركة العلمية لمسافة أبعد بمحاولته المستمرة أن يفهم ما يجعل هذا النظام المدرك ممكناً أصلاً، باحثاُ عن أعمق الأوصاف والتفسيرات لوجود الكون وطبيعته.»

وجود الكون:

 من العناصر الأخرى الجوهرية في عقيدة العالم القناعة بأن الكون موجود ليُدرس، وهي حقيقة واضحة من ذاتها حتى إننا يمكن أن نسلم بها بسهولة. وهو ما يدعو للأسف. وذلك لأن إحدى المشكلات الأساسية التي تطرحها الفلسفة: لماذا يوجد كون من الأصل، لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

بعض العلماء والفلاسفة يعتقدون أننا لا يجب حتى أن نسأل هذا السؤال. وهم يرون أنه لا معنى للبحث عن سبب لوجود الكون لأنه ليس من سبب. ووجهة نظرهم تتلخص في أنه بما أن أي سلسلة من التفكير المنطقي لا بد أن تبدأ من نقطة معينة، إذن يمكننا أن نبدأ من وجود الكون. ويكتب “أي. تاريتون” E. Trayton على غرار “برتراند رسل” قائلاً: «الكون الذي نعيش فيه هو مجرد واحد من الأشياء التي تحدث من آن لآخر».

إلا أن هذه الإجابة التي تقول إن الكون انبثق هكذا إلى الوجود دون سبب تشبه من يفسر سقوط التفاح على الأرض بأنه يسقط هكذا دون سبب. فإن كانت الأخيرة علمية تكون الأولى علمية! فضلاً عن ذلك، إنه غريب جداً، كما يقول “كيث ورد” «أن نقول إن لكل شيء سبباً، ما عدا أهم شيء، أي وجود كل شيء، الكون نفسه.» إن رغبة الإنسان المتأججة في الحصور على تفسير لن تكف عن طرح السؤال.

والبعض الآخر يرى أن الكون يفسر نفسه. فمثلاً، “بيتر آتكينز” يؤمن بأن «عنصر الزمكان[4] يولد مادته في عملية تجميعه الذاتي لنفسه». وهو يطلق على هذه الفكرة “رباط الحذاء الكون” مشيراً إلى شخص يحاول أن يرفع نفسه من رباط حذائه. وهي فكرة متناقضة مع نفسها، مما يدفع كيث ورد” إلى القول إن نظرة “أتكينز” للكون تتناقض مع ذاتها تناقضاً صريحاً كتناقض الاسم الذي يطلقه عليها مشيراً إلى أنه «يستحيل منطقياً على المسبب أن يحدث أثراً إلى إذا وجد هذا المسبب أصلاً».

وينتهي “ورد” إلى أنه: «ليس من تنافس بين فرضية الله وفرضية رباط الحذاء الكوني. لأننا نعلم أن الأشخاص أو الأكوان الذين يحاولون رفع أنفسهم من أربطة أحذيتهم حتماً يفشلون للأبد». فلا الأكوان ولا كعكعة الخالة متيلدا تولد نفسها ولا تفسر نفسها. ولكن تفسير “التوليد الذاتي الذي يقدمه “آتكينز” لا يفرضه عليه علمه بل فلسفته المادية.

إلا أن “ستيفن هوكينج” يبدو أنه يتفق مع قصة الخالة ماتيلدا من حيث إن العلم لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون؟ فهو يكتب قائلاً: «إن المنهج العلمي المعتاد الذي يعتمد على بناء نموذج رياضي لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون الذي يصفه النموذج؟ لماذا يوجد الكون من الأساس؟ هل النظرية الموحدة لها من قوة الإقناع ما يجعلها توجد نفسها؟ أم أنها تحتاج إلى خالق، وإن كان كذلك، هل الخالق له أي تأثير آخر على الكون؟».

فأول ما يقترحه “هوكينج” هنا ليس أن الكون يولد نفسه، بل إنه وجد عن طريق نظرية، وقد قال “بول دافيز” شيئاً مشابهاً في لقاء أجري معه: «لا حاجة للاستعانة بأي شيء فائق للطبيعي في أصل الكون أو أصل الحياة. فأنا لم أعجب إطلاقاً بفكرة الصنعة الإلهية، ولكني أرى أن الفكرة الأكثر إثارة هي أن مجموعة من القوانين الرياضية تتمتع بدرجة عالية من الذكاء تمكنها من إيجاد كل هذه الأشياء».

والغريب أن عالماً بحجم “دافيز” مستعد أن يكون رأيه في أصل الأشياء على أساس الإعجاب وعدم الإعجاب. فهو كمن يقول: «يعجبني أن أعتقد في وجود جنيات في نهاية حديقتي.» علاوة على ذلك، فهو هنا ينسب الذكاء (إن لم يكن الشخصية أيضاً) لمجموعة من القوانين الرياضية معتقداً أنها ذكية نظراً لما تتميز به من إثارة! هل هذا تفكير مدفوع بالرغبة الشخصية أم ماذا؟

وسنترك هذا الدافع المشكوك فيه ونسأل: ما معنى أن نظرية أو قوانين توجد الكون؟ من المؤكد أننا قادرون على صياغة نظريات تحتوي على قوانين رياضية تصف الظواهر الطبيعية، بل إننا عادة ما نفعل ذلك بدقة مذهلة. إلا أن ما نتوصل إليه من قوانين لا يمكنه في ذاته أن يسبب أي شيء.

فقوانين نيوتن يمكنا أن تصف حركة كرة بلياردو، ولكن العصا التي يمسك بها لاعب البلياردو هي ما تحرك الكرة، لا القوانين. القوانين تساعدنا على رسم خريطة لمسار حركة الكرة في المستقبل (بشرط عدم تدخل عنصر خارجي). ولكنها عاجزة عن تحريك الكرة، ناهيك عن الإتيان بها للوجود.

وقد قال هذا الكلام عينه منذ زمن بعيد “وليم بيلي” William Paley الذي تعرض للكثير من التحقير، إن جاز لنا التعبير. فقد قال معلقاً على الشخص الذي عثر على ساعة وسط الحشائش والتقطها إن هذا الشخص ستعتريه “دهشة كبيرة لو علم أن الساعة التي في يده ليست سوى نتاج قوانين الطبيعة المعدنية. وإنه لتحريف لغوي أن نصف أي قانون بأنه المسبب الفاعل والفعال لأي شيء. فالقانون يفترض فاعلاً، لأنه لا يمثل سوى الأسلوب الذي يتحرك الفاعل وفقاً له.

إنه ينطوي على قوة لأنه يشكل النظام الذي تتصرف تلك القوة وفقاً له. ودون هذا الفاعل، دون هذه القوة، وكلاهما متمايز عن القانون، فالقانون لا يفعل شيئاً وهو نفسه لا شيء».

في العالم الذي يعيش فيه معظمنا القانون الحسابي البسيط 1 + 1 = 2 لم يأت إطلاقاً بأي شيء للوجود. والمؤكد انه لم يودع أي مبالغ مالية في حسابي المصرفي. فإن أودعت في البداية 1000 جنيه إسترليني ثم 1000 أخرى، قوانين الحساب ستشرح منطقياً أني الآن أملك 2000 إسترليني في البنك. ولكن لو لم أودع أي أموال في البنك بنفسي وتركت قوانين الحساب توجد أموالاً في حسابي، فسأظل مفلساً للأبد.

إن عالم الفلسفة الطبيعية الصارمة حيث القوانين الرياضية الذكية تسبب وجود الكون والحياة هو عالم خيال محض (وقد أضيف أنه خيال فقير). وإن أطلقنا عليه خيالاً علمياً، نسيء لاسم العلم. فالنظريات والقوانين لا توجد أي شيء. إلا أن الرأي القائل بأنها مع ذلك تتمتع بتلك القدرة على نحو ما يبدو ملاذاً يائساً (وإلا فماذا تكون هذه القوانين إذن؟) من الاحتمال البديل الذي يشتمل عليه سؤال “هوكينج” الأخير المذكور آنفاً: «أم أنها تحتاج إلى خالق؟»

إن “آلن سانديج” Allan Sandage الذي يعتبر من مؤسسي علم الفلك الحديث، ومكتشف أشباه النجوم Quasars والفائز بجائزة كرافورد Crafoord المعادلة لجائزة نوبل في الفلك لا يساوره أدنى شك في أن الإجابة على ذلك السؤال بالإثبات: «أرى أنه من المستبعد أن يكون نظام كهذا نشأ من الفوضى. لا بد من وجود مبدأ منظم. والله بالنسبة لي سر عميق غامض ولكنه تفسير معجزة الوجود، وهو إجابة لسؤال لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم.»

بداية الكون:

إن سؤال وجود الكون يختلف من الناحية المنطقية عن سؤال ما إذا كانت للكون بداية أم لا. ويشكل هذا الأخير أهمية جوهرية لتاريخ الفكر. وهو يرتبط بالمسائل المعلقة بطبيعة الحقيقة النهائية، لأنه إن لم تكن للكون بداية، فهو أزلي. وبناء على ذلك يمكن القول بأنه مجرد حقيقة مادية للوجود لا معنى لها. ولكن إن كانت له بداية، فهو ليس أزلياً. ومن ثم، ليس نهائياً.

وعلى مر التاريخ طرحت العديد من الآراء. فقد رأى أفلاطون أن الكون يتكون من مادة موجودة سلفاً. أما أرسطو فقد أمن بأن الأرض مركز كون أزلي. وفي شكل آخر من أشكال فكرة الكون الأزلي نجد أن بعض فلسفات الكون القديمة الأخرى، مثل فلسفة الكون الهندوسية، تؤمن أن الكون يسير في حلقات متكررة بلا نهاية تشبه كثيراً إيقاع الطبيعة ولكن على فترة أطول كثيراً، تقاس أحياناً بتريليونات السنين.

إلا أن العبرانيين آمنوا قبل الإغريق بزمن طويل أن الزمن خطي والكون له بداية. وآمنوا أنه مخلوق وأن خالقه هو الله. وقد اعتنق هذه النظرة عدد من رواد الفكر أمثال أوغسطينوس وإيريناوس وتوما الأكويني. وقد سادت هذه النظرة الساحة الفكرية على مدى قرون عدة.

ومن الجدير بالذكر أن توما الأكويني حاول في القرن الثالث عشر أن يصالح موقف الكتاب المقدس مع الفلسفة الأرسطية على أساس أن مفهوم الخليقة، في رأيه، يتصل بالوجود أكثر مما يتصل بعملية الخلق. وقد تبع أوغسطينوس في الاعتقاد بأن الله خلق “مع الزمن” وليس في الزمن. ووفقاً لهذه النظرة، يعني الخلق ببساطة أو وجود الكون يعتمد على الله. وقد رأى توما الأكويني أنه يستحيل أن نجزم بناءً على الأفكار الفلسفية ما إذا كان الكون أزلياً أم لا. إلا أنه اعترف أن الإعلان الإلهي يؤكد أن له بداية.

إلا أنه في جزء كبير من العصر العلمي الحديث عقب كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن تحول الفكر عموماً إلى الاعتقاد بأن الكون لا نهائي من حيث عمره واتساعه. ومن منتصف القرن التاسع عشر بدأت هذه الفكرة تتعرض لضغوط متزايدة حتى إنها فقدت تماسكها كلية.

وذلك لأن الاعتقاد ببداية الكون أصبح مرة أخرى يمثل رأي معظم العلماء المعاصرين. فبعض الدلائل المبنية على الانزياح نحو الأحمر[5] Red-shift في الضوء الصادر من المجرات البعيدة، وخلفية الموجة الصغيرة الكونية Cosmic Microwave Background، والديناميكا الحرارية قادت العلماء إلى صياغة النموذج القياسي للكون المعروف باسم “الانفجار الكبير.”

العداء لفكرة البداية:

إلا أنه لا بد أن نذكر أنه ليس كل العلماء مقتنعين بصحة نموذج الانفجار الكبير. فمثلاً، بعض التفسيرات الأخرى لظاهرة الانزياح نحن الأحمر تثير عدة مشكلات. ومما يخلق مشكلات أيضاً ما اكتشف حديثاً من أن تمدد الكون يبدو أنه يسير بسرعة أكبر، مما يطرح سؤالاً عن احتمالية وجود قوة لم تعرف حتى الآن تسير في اتجاه معاكس للجاذبية.

والواقع أن الفلسفة الحياتية التي يتبناها بعض العلماء والفلاسفة تلعب دوراً في معاداتهم لفكرة البداية. وقد علق “إنجلز” Engels تعليقاً ثاقباً على القضايا ذات الصلة قائلاً: «هل خلق الله العالم أم أن العالم موجود أزلاً؟ إن إجابات الفلاسفة عن هذا السؤال قسمتهم إلى معسكرين كبيرين. فمن أكدوا أولوية الروح على الطبيعة، ومن ثم افترضوا أخيراً أن العالم مخلوق بشكل أو بآخر…. كونوا معسكر الفلسفة المثالية.

أما الآخرون الذين رأوا أن الأولوية للطبيعة ينتمون لمختلف مدارس الفلسفة المادية». ويتبنى “ستيفن هوكينج” نظرة مشابهة: «الكثيرون لا يحبون فكرة أن للزمن بداية، ربما لأنها تحمل في طياتها فرضية التدخل الإلهي.»

ومن أولئك السير “آرثر إدينجتون” Arthur Eddington (1882-1944) الذي كان رد فعله كالآتي: «فلسفياً، فإن الفكرة القائلة بوجود بداية للنظام الحالي للطبيعة هي فكرة مثيرة للاشمئزاز… وإني أفضل إيجاد بديل آخر لها.» وقد شاركه آخرون في شعوره بالاشمئزاز إزاء هذه الفكرة.

ففي منتصف القرن العشرين مثلاً طرح كل من “جولد” Gold، “بوندي” Bondi، “هويل” Hoyle، “نارليكار” Narlikar سلسلة من نظريات الحالة الثابتة Steady-State Theories التي تقول بأن الكون موجود أزلاً، والمادة كانت تنتج باستمرار للحفاظ على كثافة الكون المتمدد ثابتة. ومعدل الإنتاج اللازم معدل في غاية البطء يعادل ذرة واحدة لكل متر مكعب في كل عشرة مليار سنة. وهو ما يعني، بالصدفة، استحالة إخضاع النظرية للاختبار عن طريق الملاحظة.

أما دافعهم وراء هذا الرأي فقد أثار اهتمام الجريدة العلمية الأسبوعية الراقية “نيتشر” حيث أشار الكاتب العلمي الشهير “جون جريبين” John Gribbin أن نظرية الحالة الثابتة التي وضعها “هويل” مع “بوندي” اكتسبت الكثير من زخمها من المشكلات الفلسفية واللاهوتية التي تثيرها فكرة بداية الكون، ولا سيما السؤال عن الشيء أو الشخص المسؤول عن هذه البداية.

ومن مشاهير العلماء الآخرين الذين يجدون فكرة البداية مقززة السير “جون مادوكس” John Maddox وهو محرر سابق في جريدة “نيتشر”. فقد صرح بأن فكرة البداية «غير مقبولة بالمرة» لأنها تنطوي على «منشأ نهائي لعالمنا» وتعطي المؤمنين بنظرية الخلق «مبرراً وافراً» لمعتقداتهم. ومما يدعو للسخرية أن البعض في القرن السادس عشر قاوموا التقدم العلمي بدعوى أنه يهدد الإيمان بالله، بينما في القرن العشرين تتعرض الأفكار العلمية عن البداية للمقاومة لأنها تدعم معقولية الإيمان بالله وهو ما يشكل تهديداً لرافضي هذا الإيمان.

ولا بد من الإشارة إلى جانب آخر في تصريح “مادوكس”، ألا هو أن النقد الموجه لأولئك (العلماء) الذين يؤمنون بخالق مفاده أنهم لا يملكون نموذجاً للكون يقود إلى تنبؤات يمكن إخضاعها للاختبار. إلا أن تعليق “مادوكس” يبين خطأ هذا الانتقاد. بل إن عداءه لفكرة البداية سببه تحديداً أن النموذج الخلقي كما يقدمه الكتاب المقدس يتنبأ بوضوح بوجود بداية، وهذا هو ما لم يرحب به “مادوكس.”

إلا أن الأدلة المبينة على الدالة الانفرادية في متغير الزمكان Space-time Singularity في صورة اكتشاف خلفية الموجة الصغيرة وغيرها تؤكد التنبؤ الواضح الذي تتضمنه الرواية الكتابية. وهو ما يعني أن التهمة القائلة بأن التصميم الذكي غير علمي لأنه لا يقدم أي تنبؤات قابلة للاختبار تهمة زائفة. فقد أثبت العلم نفسه أن فرضية الخلق قابلة للاختبار.

نقطة البداية:

لا بد أن ندرك ما يحيط موضوع البداية من صعوبات نظرية لا حد لها. فبناء على ما يطلق عليه “النموذج القياسي” “Standard Model” كان الكون قرب البداية في منتهى الضخامة وفي منتهى الصغر.

وعلى مستوى الأشياء متناهية الصغر، وضعت نظرية الكم لوصف سلوك الذرات ومكوناتها. ومن ثم، رأى الفيزيائيون أنه يجب علينا أن نبني تفكيرنا على أساس علم الكون الكمي حتى نتمكن من دراسة أول جزء من الثانية في وجود الكون، وكلمة “جزء” تعني فترة زمنية قصيرة لا يمكن تخيلها، وهي ما يعرف باسم “زمن بلانك” Planck Time الذي يساوي 10-43 ثانية (0.000000000000000000000000000000000000000000 حيث يوجد 42 صفراً بين الواحد الصحيح والعلامة العشرية)، وهو ما يعتبر نظرياً أصغر فترة زمنية يمكننا تمييز ما يقع فيها من أحداث.

والفكرة الأساسية هي أنه على مستوى الأشياء متناهية الصغر توجد حتماً مساحة غير يقينية وغير خاضعة للتنبؤ طبقاً لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج Heisenberg’s uncertainty principle. وهو يضع حداً لقدرتنا على تحديد قيم الكميات القابلة للقياس مثل وضع وحركة الجسيمات الذرية ومكوناتها. ومن هنا نكتشف محدودية قدرتنا على التحديد.

فبالرغم من أننا نستطيع توقع احتمالية وقوع حدث كمي معين، مثل اضمحلال النشاط الإشعاعي لأحد الجسيمات، فلا يمكننا تحديده بدقة. وذلك نظراً لما يتسم به السلوك بحالة من التذبذب لا يمكن محوها. والحجة التي تبنى على هذه الفكرة هي احتمالية ظهور الكون إلى الوجود في صورة تموج في فراع كمي Fluctuation in a quantum vacuum.

وقد صمم “هوكينج” بالتعاون مع “هارتك” Hartle، في محاولتهما لدراسة هذه الفكرة نظرياً، نموذجاً رياضياً للكون في شكله المبكرة يشتمل على مفهوم “الزمن التخيلي” “Imaginary Time” الذي يقال إنه ينفي الحاجة للدوال الانفرادية Singularities، ومن ثم ينفي مسألة الخالق. ولكنه لا ينفي هذا ولا ذاك. فبصرف النظر عن أن هذه التفاسير تنطوي على قدر كبير من التخمين، فالقول بنشأة الكون من تموج في فراغ كمي يرجع بمسألة الأصل خطوة للوراء ويجعلنا نتساءل عن مصدر الفراغ الكمي.

والأهم من ذلك أنه لا يجيب عن سؤال: “ما أصل القوانين التي تحكم هذا الفراغ؟” أما بخصوص الوقت الكافي Real Time، يعترف “هوكينج” قائلاً: «في الوقت الحقيق، الكون له بداية ونهاية على دوال انفرادية تكون حداً للزمكان حيث يتوقف عمل القوانين العلمية”.

ومن ثم، فهناك اتفاق عام حالياً على أن الكون له بداية. والقول بأن الكون يفسر ذاته قول متناقض تماماً كما أن القبول الساذج للبداية باعتبارها حقيقة مادية بلا معنى غير مرض. وكلما ازدادت معرفتنا عن الكون، ازدادت مصداقية فرضية وجود إله خالق صمم الكون لغرض باعتبارها أفضل تفسير لوجودنا في هذا الكون.

ويقول “تشارلز تاونز” Charles Townes الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء سنة 1964 لاكتشافه الميزر Maser والممهد لاكتشاف الليزر: «أرى أن السؤال عن الأصل سيظل دون إجابة إن درسناه من وجهة نظر علمية. ولذلك، أؤمن بالحاجة إلى تفسير ديني أو ميتافيزيقي. وأؤمن بمفهوم الله وبوجوده».

الضبط الدقيق في الكون:

يرجع الفضل إلى كوبرنيكوس في إحداث ثورة في التفكير العلمي. فإطاحته بفكرة أن الأرض مثبتة في مركز الكون مكنته أن يبدأ عملية التقليل من أهمية الأرض التي أدت إلى انتشار فكرة أن الأرض أحد الكواكب العادية التي تدور في فلك إحدى الشموس العادية التي تقع في أحد الأذرع الحلزونية لمجرة عادية. وهنا يضيف المؤمنون بنظرية الأكوان المتعددة أن المجرة تقع في أحد الأكوان العادية. ووضع الأرض في حجمها الطبيعي على هذا النحو يعرف أحياناً باسم مبدأ كوبرنيكوس.

إلا أن عدداً من مجالات البحث والفكر تشكك في هذا المبدأ تشكيكاً كبيراً. وذلك لأن الصورة المذهلة التي تنشأ تدريجياً من الفيزياء الحديثة وعلم الكون تبين أن قوى الكون الأساسية متوازنة أو «مضبوطة ضبطاً دقيقاً» Fine-tuned على نحو مذهل ومعقد وحساس بما يمكن الكون من احتضان الحياة. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الكثير من الثوابت الأساسية في الطبيعة، بدءًا بمستويات الطاقة في ذرة الكربون وانتهاء بمعدل تمدد الكون موجودة بالقيم المضبوطة المناسبة للحياة.

فإن أحدثت تغييراً طفيفاً لا يذكر في أي منها، يصبح الكون معادياً للحياة وعاجزاً عن دعمها. فالثوابت مضبوطة بدقة، وهذا الضبط الدقيق هو ما يتطلب تفسيراً من وجهة نظر الكثير من العلماء (وغيرهم).

والمؤكد أننا بطبيعة الحال لا يمكننا إلا أن نشير إلى ما توصل إليه العلماء حتى الآن مع وعينا بالاختلافات فيما بينهم، كما هو الحال دائماً، حول صحة بعض الافتراضات التي تقوم عليها حسابات الضبط الدقيق، ووعينا باحتمالية تغير بعض الآراء، فالعلماء لا يدعون تقديم الحق النهائي. إلا أن الضبط الدقيق ثبت أقدامه باعتباره أحد ملامح الكون التي تستحق اهتماماً جاداً. فلنتناول بعض الأمثلة.

وجود الحياة على الأرض يتطلب كمية وافرة من الكربون. والكربون يتكون إما من اندماج ثلاث نويات هليوم أو اندماج نويات هليوم وبريليوم. وقد اكتشف عالم الرياضيات والفلك البارز السير “فرد هويل” Fred Hoyle أن حدوث هذا الأمر يتطلب ضبط الحد الأدنى لمستويات الطاقة النووية Nuclear ground state energy levels ضبطاً دقيقاً بالنسبة لبعضها البعض.

وتعرف هذه الظاهرة باسم “الرنين” Resonance فإن كان الاختلاف أكثر من 1٪ في أي من الناحيتين، يستحيل على الكون أن يحتضن الحياة. وقد اعترف “هويل” فيما بعد أنه ما من اكتشاف زلزل إلحاده قدر هذا الاكتشاف. فهذه الدرجة البسيطة من الضبط الدقيق كانت كافية لإقناعه بأنه يبدو وكأن «عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء» وبأنه «ما من قوى عمياء في الطبيعة تستحق أن نتحدث عنها».

إلا أن هذا المثال يصبح قليل الأهمية، من حيث نسبة تفاوت القيم المسموح بها، إذا قورن بدقة الضبط التي نراها في قيم أخرى في الطبيعة. فعالم الفيزياء النظرية “بول دافيز” يخبرنا أنه لو اختلفت نسبة القوة النووية الشديدة Nuclear Strong Force للقوة الكهرومغناطيسية بمقدار جزء واحد من 1610، لاستحال تكون النجوم. ونسبة ثابت القوة الكهرومغناطيسية لثابت قوة الجاذبية لا بد أن تكون متوازنة توازناً دقيقاً بنفس القدر.

فلو زادت بمقدار جزء واحد من 4010، لا يمكن إلا للنجوم الصغيرة أن توجد. وإن نقصت بالمقدار نفسه، لا يمكن إلا للنجوم الكبيرة أن توجد. ولا بد أن يكون في الكون نجوم كبيرة وصغيرة لأن الكبيرة تنتج عناصر في أفرانها النووية الحرارية، والصغيرة هي التي تحترق على فترات طويلة تسمح ببقاء الحياة على الكوكب.

هذه الدقة هي التي يحتاجها الهداف ليصوب على عملة معدنية موضوعة في الطرف المقابل من الكون الواقع في نطاق ملاحظتنا على بعد 20 مليار سنة ضوئية على حد التصوير الذي سوقه “دافيز” وإن كان من الصعب تخيل تلك الصورة، إليك التصوير الذي يقترحه عالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” Hugh Ross.

غط قارة أمريكا بعملات معدنية في عمود يصل إلى القمر (380 ألف كم أو 236 ألف ميل)، وكرر الشيء نفسه مع مليار قارة أخرى بحجم أمريكا. ادهن عملة واحدة باللون الأحمر وضعها في أي من المليار عمود. ثم اعصب عيني صديق لك واطلب منه أن يستخرجها. احتمال نجاحه في هذه المهمة يساوي حوالي 1 من 4010.

ورغم أننا الآن أمام مجالات من الدقة تفوق كل قدرات الآلات التي صممها البشر، ما زال الكون زاخراً بمفاجآت أكثر إدهاشاً. فيقال إنه لو تغيرت نسبة قوى التمدد والانكماش بمقدار جزء واحد من 5510 على “زمن بلانك” (بعد 10-43 ثانية فقط من بداية الكون)، لأدى ذلك إما إلى تمدد سريع جداً للكون لا يسمح بتكون المجرات أو تمدد بطيء جداً يعقبه انهيار سريع.

إلا أن حتى هذا المثال يبدو ضئيل الأهمية أمام أكثر الأمثلة إرباكاً للعقل. ألا وهو أن أنتروبيا Entropy[6] (مقياس للاضطراب) الكون تتزايد، وهي حقيقة ينص عليها ثاني قوانين الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics. ويكتب عالم الرياضيات البارز السير “روجر بنروز” في هذا الصدد قائلاً: «حاول أن تتخيل فضاء الطور Phase Space[7]… للكون كله. كل نقطة في فضاء الطور هذا عبارة عن طريقة مختلفة كان يمكن أن تمثل بداية الكون.

وعلينا أن نتخيل الخالق يمسك “دبوساً” يجب أن يوضع على نقطة ما في فضاء الطور… وكل موضع للدبوس ينتج كوناً مختلفاً. فالدقة المطلوبة لتحقيق هدف الخالق تعتمد على الإنتروبيا التي خلق الكون على أساسها. ومن “السهل” نسبياً إنتاج كون ذي إنتروبيا مرتفعة، طالما يتوافر للدبوس حجم كبير من فضاء الطور. ولكن إنشاء الكون في حالة من الإنتروبيا المنخفضة، مما يؤدي إلى قانون ثان في الديناميكا الحرارية، يتطلب من الخالق أن يستهدف مقداراً صغيراً جداً من فضاء الطور. فما مدى صغر هذه المساحة التي تفضي إلى كون قريب الشبه من هذا الذي نعيش فيه»؟

وقد قادته حساباته إلى خلاصة مذهلة مفادها أنه لا بد أن “هدف الخالق” كان دقيقاً بمقدار جزء واحد من 10 مرفوعة لأس 12310 أي 1 متبوعاً بـ 12310 صفر، «رقم تستحيل كتابته بنظام الترقيم العشري المعتاد لأنك حتى لو تمكنت من وضع صفر على كل جسيم في الكون لن تجد عدداً كافياً من الجسيمات يمكنك من أداء المهمة».

وأمام هذا الكم من الأمثلة المذهلة على الضبط الدقيق، ليس غريباً أن يقول “بول دافيز”: «الانطباع الذي يتركه التصميم الكوني انطباع مهول».

لقد تناولنا حتى الآن الضبط الدقيق على المستوى الكوني كبير الحجم. وعندما نفكر في الظروف المحددة اللازمة بالقرب من موطننا في مجموعتنا الشمسية وعلى الأرض نجد عدداً كبيراً من القيم الأخرى التي لا بد أن تتوافر بالمقادير الصحيحة التي تسمح بالحياة. وبعضها واضح لنا جميعاً. ومنها المسافة بين الأرض والشمس. فلو اقتربت الشمس من الأرض لتبخرت المياه، ولو ابتعدت لأصبحت الأرض باردة جداً مما يجعل الحياة مستحيلة. وحدوث تغير بمقدار 2٪ أو نحوها يؤدي لتوقف الحياة.

وحرارة وجاذبية السطح أيضاً من العناصر ذات القيم الحرجة التي لا يمكن أن تتغير ولو بمقدار نسبة مئوية ضئيلة لتمد الأرض بالغلاف الجوي الداعم للحياة، عن طريق الاحتفاظ بالمزيج المناسب من الغازات الضرورية للحياة. والكوكب لا بد أن يدور بالسرعة المناسبة: فإن دار ببطء شديد يتسع الفرق بين درجات حرارة النهار والليل اتساعاً مفرطاً، وإن دار بسرعة شديدة، تصبح الرياح ذات سرعة مدمرة. والقائمة تطول.

فعالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” يسرد العديد من هذه القيم التي لا بد أن تضبط بدقة لتسمح بالحياة. وقد أجرى عملية حسابية تقريبية، وإن كانت محصلتها أصغر من القيمة الحقيقية، تبين أن احتمال وجود كوكب كهذا في الكون بالصدفة يعالد حوالي 1 من 3010.

وقد كشف “جيرمو جونوالز” Guillermo Gonzalez و”جاي و. ريتشاردز” Jay W. Richards عن منظور مذهل لهذا الموضوع في كتاب حديث بعنوان “الكوكب المحظوظ” The Privileged Planet حيث يلفتان النظر إلى مدى ملاءمة الأرض للعلم.

والأطروحة التي يقترحها الكاتبان أن الأرض هي الوحيدة، ضمن كل الأماكن الموجودة في الكون، التي تتمتع بالظروف التي تسمح بسكناها، ولكنها في الوقت نفسه شديدة الملاءمة لصنع «تنوع مذهل من القياسات، بدءًا من علم الكون وعلم الفلك المجري وانتهاء بالفيزياء الفلكية للنجوم وفيزياء الأرض» فما أن نبدأ بالتفكير في هذا الأمر حتى نجد أمثلة بلا عدد، وبعضها في منتهى الوضوح.

فكان يمكن ببساطة أن نجد أنفسنا في موضع من الكون حيث لا يمكننا رؤية الفضاء العميق بسبب شدة نور النجوم، كان من الممكن لغلافنا الجوي أن يكون معتماً أو شبه شفاف وليس شفافاً. أما البعض الآخر أقل وضوحاً. خذ مثلاً دقة حجم القمر والشمس وبعدهما عن الأرض بما يسمح بحدوث كسوف كامل.

وهو ما يحدث عندما يغطي قرص القمر الأسود بالكاد قرص الشمس المتوهج بحيث ترى الحلقة الرفيعة من الكروموسفير (الغلاف الجوي للشمس)، التي تمكن من دراسته علمياً، وهو ما يساعدنا في معرفة الكثير عن الشمس مما يستحيل معرفته بطريقة أخرى، بل يزودنا بتأكيد مبدئي لانحناء الضوء بفعل الجاذبية الذي تنبأت به نظرية أينشتاين في النسبية العامة.

وقد قالا فيما خلصا إليه: «ولكننا عندما نقف محدقين في السماوات المنبسطة وراء واحتنا الصغيرة، لا نحدق في فراغ بلا معنى بل في ساحة أخاذة تتناسب مع قدرتنا على الاكتشاف. ربما أننا كنا نمد بصرنا عبر إشارة كونية أقيم بكثير من أي تسلسل رقمي، إشارة تكشف عن كون صنع صنعة ماهرة تناسب الحياة والاستكشاف حتى يبدو أنه يلمح إلى ذكاء من خارج الأرض أكبر وأقدم وأبهى بما لا يقاس من كل توقعاتنا وتخيلاتنا».

“أرنو بنزياس” Arno Penzias الذي استخدم القمر الصناعي في أنسب موقع من الأرض ليتوصل إلى الاكتشاف العبقري الذي يعكس “أصداء البداية”، ألا وهو إشعاع الموجة الصغرى للخلفية الكونية، يلخص الموقف كما يراه قائلاً: «يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق يوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة، كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعة”)».

وعلينا أن ننتبه أن الحجج السابقة ليست حجج “إله الفجوات”، فالتقدم في العلم، وليس الجهل به هو ما كشف لنا هذا الضبط الدقيق. وبهذا المعنى ليست في العلم “فجوة”. ولكن السؤال: كيف يمكننا أن نفسر العلم؟ إلام يشير العلم؟

المبدأ الإنساني:

إن هذا الفهم الذي توصل إليه العلماء من أن الكون لا بد أن يكون منظماً بدقة شديدة حتى يدعم الحياة يطلق عليه المبدأ الإنساني Anthropic Principle (الكلمة اليونانية Anthropos تعني “الإنسان”). وهو في شكله الضعيف (المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle) يقول إن: «الكون القابل للملاحظة له بنية تسمح بوجود ملاحظتين.»

والواضح أن هذه العبارة مثيرة للجدل: هل هي تكرار للمعنى نفسه بكلمات مختلفة؟ هل هي مبدأ، بمعنى أنها تقدم تفسيرات… إلخ؟ وأياً كانت الإجابة، فالعبارة على أقل تقدير تلفت النظر لحقيقة مفادها أن نظريات الكون القابلة للتطبيق لا بد أن تأخذ في حسبانها وجود ملاحظين.

ويرى بعض العلماء والفلاسفة أنه يجب ألا نتعجب مما نراه في الكون المحيط بنا من نظام وضبط دقيق، لأنه لو لم يكن الحال هكذا، تصبح الحياة كربونية الأساس[8] أمراً مستحيلاً، وبالتالي لن نكون موجودين حتى نلاحظ الضبط الدقيق. أي أنهم يستخدمون المبدأ الإنساني ضد استدلال التصميم. والحقيقة أن “ريتشارد دوكنيز” يخبرنا في كتاب “وهم الإله” أن المبدأ الإنساني والله يمثلان تفسيرات بديلة. إلا أن ما يقوله ينطوي على منطق مغلوط من ناحيتين.

وذلك لأن “دوكينز” لا يقدم لنا بديلين خاطئين فحسب، بل إن أولهما لا ينتمي لفئة التفسيرات على الإطلاق. ولكن كل ما يفعله المبدأ الإنساني أنه يخبرنا بضرورة توافر شروط معينة حتى توجد حياة. ولكنه لا يفسر لنا سبب توافر تلك الشروط، ولا كيفية نشأة الحياة نتيجة لتوافر هذه الشروط. وهكذا فإن دوكينز يقع في خطأ بدائي من الاعتقاد بأن الشروط اللازمة كافية.

ولكنها ليست كافية، فلكي تحصل على تقدير امتياز في جامعة أكسفورد لا بد أن تلتحق أصلاً بالجامعة، ولكن الالتحاق بالجامعة لا يكفي للحصول على تقدير امتياز كما يعرف الكثير من الطلاب. وهكذا فالمبدأ الإنساني أبعد ما يكون عن تفسير أصل الحياة، ولكنه ملاحظة تخلق الحاجة لهذا التفسير.

ويشير الفيلسوف “جون لسلي” John Leslise إلى هذه الفكرة قائلاً إن استخدام المبدأ الإنسان ضد التصميم «يبدو كمن يقول إنك إن واجهت فرقة عسكرية تصوب عليك خمسين بندقية، يجب ألا تندهش عندما تجد نفسك حياُ بعد إطلاقهم للنيران. فهما يكن من أمر، هذا هو الناتج الوحيد الذي يمكنك أن تلاحظه، لأنك لو أصبت برصاصة واحدة لفقدت حياتك.

ولكنك قد تشعر مع ذلك بأن الأمر يتطلب تفسيراً، فكيف أخطأوا جميعهم إصابة الهدف؟ هل بناء على تصميم مقصود؟ لأنه لا تناقض بين عدم اندهاشك من عدم إدراك أنك مت، واندهاشك من إدراكك أنك ما زلت حياً.»

ويقول “لسلي” إن حجة الضبط الدقيق تعرض علينا الاختيار بين احتمالين على الأكثر. الأول هو أن الله حقيقة.

والسبيل الوحيد للتخلص من تلك النتيجة، من وجهة نظر “لسلي” هو الإيمان بما يعرف باسم فرضية “العوالم الكثيرة” “Many Worlds” أو “الأكوان المتعددة” “Multiverse” (التي روجها كتاب “نسيج الحقيقة” The Fabric of Reality بقلم “دافيد دويتش” David Deutsch) التي تفترض وجود عدد كبير، أو ربما لا نهائي، من الأكوان المتوازية المتزامنة حيث أي شيء (تقريباً) ممكن الحدوث نظرياً سيتم عملياً في النهاية. وعليه، فوجود كون آخر مثل كوننا أمر لا يدعو للدهشة. 

وهذه هي النظرة التي يتبناها عالم الفلك السير “مارتن ريز” Martin Rees الذي يناقش في كتابه “ستة أرقام فقط” Just Six Numbers الأرقام الستة المضبوطة ضبطاً دقيقاً التي يعتبرها أهم ما يتحكم في سمات الكون.

ويؤسس “دويتش” نظريته على تفسير ميكانيكا الكم الذي ينسب للعالم “هيو إفرت الثالث” Hugh Everett III الذي تتلخص فكرته الأساسية في أنه مع كل فعل من أفعال القياس الكمي ينشطر الكون إلى سلسلة من الأكوان المتوازية التي تحدث فيها كل النواتج الممكنة. والحقيقة أن تفسير “إفرت” يتمتع بمميزات معينة لا تتوافر في غيره من النظريات، ومن مميزاته الاستغناء عن الإشارات الأسرع من الضوء.

إلا أن الكثير من العلماء يشعرون أن التفسير الذي يتضمن أكواناً لا يمكن رصدها، ويمثل في الوقت نفسه انتهاكاً صريحاً لمبدأ “شفرة أوكام” Occam’s [9]Razor الذي يوصي بالالتزام بنظريات لا تفرط في وضع العديد من الفرضيات بلا دع، يتجاوز حدود العلم ويخترق منطقة الميتافيزيقا. وهو ينطوي على قدر كبير من التخمين وكم ضئيل جداً من الألة.

فمثلاً “جون بولكينجهورن”، وهو من أبرز منظري الكم يرفض تفسير الأكوان الكثيرة: «علينا أن نعترف بحقيقة هذه التخمينات. فهي في الحقيقة ليست فيزياء، بل ميتافيزيقا بالمعنى الأضيق. فما من سبب علمي محض يدعونا للاعتقاد بمجموعة من الأكوان. فهذه العوالم بطبيعة تكوينها غير معروفة لنا.

أما التفسير الذي يحظى بنفس القدر من الاحترام الفكري ويراه عقلي مفهوماُ ومنظماً هو أن هذا العالم الواحد على هذه الشاكلة لأنه مخلوق بإرادة خالق قصد له أن يكون هكذا». بل إن الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” يمضي خطوة أبعد ويقول: «إن افتراض تريليونات من الأكوان الأخرى بدلاً من إله واحد لتفسير النظام الذي يميز كوننا يبدو قمة اللامنطقية.»

ويرد عالم الكون “إدوارد هاريسون” Edward Harrison رداً مشابهاً: «ها هو البرهان الكوني على وجود الله، ألا وهو حجة التصميم التي وضعها “بيلي” بعد تطويرها وتجديدها. إن الضبط الدقيق في الكون يقدم دليلاً مبدئياً بديهياً Prima Facie على وجود تصميم إلهي. فلتحسم اختيارك: إما صدفة عمياء تتطلب كثرة من الأكوان، أو تصميم يتطلب كوناً واحداً… إن الكثير من العلماء عندما يكشفون عن آرائهم نجدهم يميلون إلى أطروحة وجود غاية [10]Teleological أو تصميم وراء الكون». أما “أرنو بينزياس” يعرض الحجة بالعكس قائلاً: «البعض لا يشعرون بارتياح لفكرة العالم المخلوق بقصد. وحتى يأتوا بأفكار مضادة للقصد، يضطرون لتخمين أشياء لم يروها».

إلا أنه يجب الإشارة إلى أنه رغم أن “لسلي” قد يكون على صواب في اعتقاده بأن الضبط الدقيق يعني إما وجود إله أو وجود أكوان متعددة، فمنطقياً هذان الرأيان لا يلغي أحدهما الآخر، رغم أنهما عادة ما يقدمان بهذه الصورة. فمهما يكن من أمر، الأكوان المتوازية يمكن أن تكون صنعة خالق. وقد أشار الفيلسوف الفيزيائي “مايكل لوكوود” Michael Lockwood أن حجة الفريق المؤيد لوجود كون واحد لا تنتفي فعلياً بافتراض أكوان متعددة.

فعنصر المفاجأة والحاجة للتفسير موجودان في أي كون يلاحظ فيه الضبط الدقيق. فاحتمالية فوز شخص بعد رميه للزهر لا تتغير حتى وإن كان العديد من الأشخاص يلقون زهراً في المدينة نفسها وفي الوقت نفسه.

ويعبر “كريستيان دو دوف” عن موقفه مشابه قائلاً: «حتى إن ثبتت صحة النظرية، فالاستنتاج الذي يستخلصه منها “ريز” وكذلك “واينبرج” يصيبني بحالة من الذهول إذ أراه كما نقول في الفرنسية مثل “إغراق السمكة”. فلو استخدمت مياه كل المحيطات لإغراق السمكة، ستظل موجودة تؤكد حضورها. ومهما افترضت من أكوان عديدة فكرة عددها لا يجعل كوننا عديم القيمة… وما يبدو لي عظيم القيمة فعلاً هو إمكانية وجود تركيبة قادرة على إنشاء الحياة والعقل». ولذلك، حجة الأكوان المتعددة لا تضعف فعلياً حجج التصميم المذكورة آنفاً.

ومن اللافت للنظر أن “مارتن ريز” يعترف أن الضبط الدقيق في الكون يتوافق مع الإيمان بالله الخالق ولكنه يقول إنه يفضل نظرية الأكوان المتعددة: «إن لم يؤمن المرء بالتصميم الإلهي، ولكنه لا يزال يعتقد أن الضبط الدقيق يتطلب بعض التفسير، فهناك منظور آخر، إلا أنه يحتمل نسبة عالية من الشك. لذلك، عليّ أن أؤكد تحذيري الصحي في هذه المرحلة.

ومع ذلك فهو المنظور المفضل عندي. وإن كان هذا التفضيل، (وفقاً لما هو متاح لنا من معرفة اليوم) لا يزيد عن مجرد إحساس لا يستند على حقائق مؤكدة.» والتفضيل طبعاً أمر شخصي يحق لكل منا، ولكنه يتخطى حدود العلم كما يعرفه معظمنا.

ونظرية الأكوان المتعددة التي تمثل تفسيراً لميكانيكا الكم باستخدام فكرة العوال الكثيرة Many Worlds interpretation of quantum theory لها صورة أخرى تقول إن كل كون مكون منطقياً هو موجود فعلاً. ولكن إن كان كل كون ممكن موجوداً، إذن كما يقول الفيلسوف “ألفن بلانتيجا” Alvin Plantinga الأستاذ في “جامعة نوتر دام” Notre Dame University لا بد من وجود كون يوجد فيه الله حيث إن وجود الله ممكن منطقياً، وإن كان احتمالاً مستبعداً من وجهة نظر الملحدين الجدد.

وحجة “بلانتيجا” هي أنه بما أن الله كلي القدرة، فلا بد أنه يوجد في كل كون. وبالتالي لا يوجد إلا كون واحد، هو هذا الكون الذي هو خالقه وحافظه. وهكذا يتضح أن مفهوم العوالم الكثيرة مليء بالمشكلات العلمية والمنطقية أيضاً. بل يمكن أن يشكل أيضاً صعوبات أخلاقية. فإن كان كل كون ممكن أخلاقياً موجوداً بالفعل. إذن يفترض وجود كون أنا موجود فيه (أو نسخة مني؟)، وأنا في هذا الكون قاتل، أو أسوأ. ولذلك، يبدو أن المفهوم يؤدي أيضاً إلى نوع من العبثية الأخلاقية.

وأخيراً، يذكرنا “أرنو بنزياس” أن فكرة وجود بعد غائي في الكون يقدر عمرها بآلاف السنين. وهو يكتب قائلاً: «إن أفضل ما لدينا من بيانات (عن الانفجار الكبير) تمثل بالضبط ما كنت سأتنبأ به لو لم يكن عندي سوى أسفار موسى الخمسة، والمزامير، والكتاب المقدس ككل». ولنلق نظرة عابرة على استخدام “بنزياس” لكلمة “سأتنباً”. وهنا نرى مثالاً مضاداً آخر على قدر كبير من الأهمية للفكرة الشائعة من غياب عنصر التنبؤ (وبالتالي غياب البعد العلمي) في رواية الخلق الإيمانية.

أما “بنزياس” والكثير من العلماء غيره يرون أن الكلمات المهيبة التي يبدأ بها سفر التكوين لم تفقد شيئاً من مطابقتها للواقع ولا من تأثيرها: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.» ولذلك، ربما لا يكون غريباً أن أول من ناقش فكرة الانفجار الكبير (في مجلة “نيتشر” سنة 1931) كان كاهناً يدعى “جورج لومتر” Georges Lemaitre وهو أيضاً فيزيائي وعالم فلك.

لقد استفضنا في الحديث عن آراء الفيزيائيين وعلماء الكون. وعلينا الآن أن ننتقل إلى علماء الأحياء. ولكن ينبغي قبل هذه الخطوة أن نؤكد أن الحجج التي استخدمناها من علم الكون والفيزياء تقوم على العلم القياسي المعاصر الذي يحظى بقبول واسع.

فهي لا تتحدى أياً من مزاعم العلم المتفق عليه عامة، وكما أشرنا فيما سبق إلى أنها بالتأكيد ليست حجج “إله الفجوات”: فهي لا تختزل إلى مقولة مفادها أن «العلم لا يستطيع أن يفسر أمراً ما، إذن الله هو من صنعه.» ولهذين السببين تحظى حجج الضبط الدقيق مثلاً باحترام معظم العلماء، سواء اتفقوا أو اختلفوا مع الخلاصات التي استنتجناها منها. وذلك، لأن هذه الحجج تتوافق مع العمل العملي الأصيل.

ولكن الموقف مع علم الأحياء مختلف تماماً. ففي ذلك العلم مجرد ذكر الله باعتباره ذكاءً مصمماً، كما سنرى حالاً، يبدو أنه يثير الشكوك حول العمود الأساسي للموضوع كله، ألا وهو التركيب الدارويني الحديث neo-Darwinian synthesis. وسرعان ما تنشأ المخاوف في عقول كثيرة من شبح الرجعية الدينية المضادة للعلم. ولذلك، فنحن على وشك الإبحار في محيط هائج.

وقد يتساءل القارئ لماذا نتكبد هذه الأهوال؟ لماذا لا نكتفي ونقنع بتقديم الحجج الفيزيائية والكونية على أن العلم لم يقتل الإيمان بالله؟ والإجابة ليست عسيرة؛ فبعض المفكرين المؤثرين ممن يتمتعون بشهرة واسعة يصرون على أن علم الأحياء من بين كل العلوم هو الذي يقدم أكبر تأييد للاعتقاد بأن العلم قتل الله. وهم يرون أن علم الأحياء ينطوي على معان دينية قوية، من حيث إنه يثبت عدم وجود إله.

وإن فشلنا في مناقشة حججهم سيعتبرون أن هذا اعتراف بالهزيمة. لذا، علينا أن نأخذ حججهم مأخذ الجد، ونمخر عباب المحيط الهائج. والقارئ هو الذي سيقرر ما إذا كنا قد نجحنا في أن نظل طافين على السطح. وإن كان المحيط هائجاً، فهو على الأقل محاط بمناظر خلابة قد تتاح لنا فرصة الاستمتاع بها.

 

[1] مقياس الرسم المستخدم في الخرائط ويمثل النسبة بين الأبعاد المتمثلة على الخريطة وما يقابل هذه الأبعاد على سطح الأرض (http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/lecture.aspx?fkd=11&lcid=35099) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[2] مقياس رسم غير خطي يستخدم لتمثيل الكميات الضخمة، ومن استخداماته قياس قوة الزلازل وارتفاع الصوت وكثافة الضوء (http://en.wikipedia.org/wiki/Logarithmic_scale) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/5/2015 (المترجم)

[3] يعرفه قاموس The American Heritage بأنه نوع من التفكر فيه يعتقد المرء أن ما يتمناه (أو يرغب فيه) هو الحقيقة، أو سيصبح حقيقة. (المترجم)

[4] Space-time: مفهوم في الفيزياء يؤكد وجود اتحاد بين الزمان والمكان طرحه أينشتاين في نظرية النسبية (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/557482/space-time) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[5] مصطلح فلكي يشير إلى بعد الشيء. فعندما يتحرك جسم في الفضاء نحونا، تنضغط موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأزرق Blue-shifted. وعندما يبتعد الجسم عنا، تتمدد موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأحمر (http://xoolcosmos.ipac.caltech.edu/redshiftedcosmis_classroom/cosmi_reference/redshift.html) تم الاطلاع عليه بتاريخ 21/1/2016) (المترجم)

[6] مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجم وفقاً لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري” أو “قياس الطاقة اللامتاحة.” (المترجم).

[7] مفهوم يوحد بين الميكانيكا الكلاسيكية وميكانيكا الكم في علم الفيزياء (http://www.math.ucla.edu/tao/preprints/phase_space.pdf)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[8] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18٪ من وزن الكائنات الحية. (المترجم).

[9] نسبة إلى “وليم الأوكامي” William of Occam (1300-1349) الذي قال ما معناه: «لا تضخم الكيانات دون داع»، وهو ما يعني أننا لا بد أن نقاوم إغراء تقديم شروح شديدة التعقيد، وإن أصبح أحد الشروح شديد التعقيد، فشفرة “أوكام” تقطعه (“رافي زكراياس”، كتاب “الوجه الحقيقي للإلحاد”، ترجمة ماريانا كتكوت، الناشر: د. ماهر صموئيل، 2015). (المترجم)

[10] Teleology (من الكلمة اليونانية telos تعني “غاية” + logos وتعني “عقل”) وهو تفسير يشير إلى غرض أو غاية ويرى أن سلوك الإنسان يتجه نحو تحقيق غاية ما، وهكذا سلوك سائر الأشياء مصمم لتحقيق غرض معين من صنع عقل متسام عن الطبيعة. ويشار إلى الحجة الغائية أيضاً باسم الحجة المبنية على التصميم Argument from Design (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/585947, تم الاطلاع عليهما بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

«لو كان للبقر والخيول أو الأسود أياد تمكنها من الرسم،

لرسمت الخيول أشكال الآلهة كالخيول، ولرسم البقر آلهة كالبقر،

لها أجسام تشبه أجسامنا.»

زنوفانيز (500 ق.م)

«لا أفترض “إلهاً للفجوات”، إلهاً لمجرد تفسير الأشياء

التي لم يفسرها العلم حتى الآن. ولكني أفترض إلهاً يفسر سر قدرة

العلم على التفسير. فأنا لا أنكر أن العلم يفسر، ولكني أفترض

وجود إله يفسر لنا سر قدرة العلم على التفسير.»

“ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne

إقرأ أيضا:

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

إله الفجوات:

تنشأ قضية أخرى مهمة من قصة “لابلاس”، ألا وهي قضية “إله الفجوات” التي لا بد أن تطرح في أي مناقشة عن العلم والدين إن عاجلاً أم آجلاً. وهي فكرة مفادها أن إدخال إله أو إدخال الله في النقاش العلمي لهو دليل على الكسل الفكري، أي أننا عندما نعجز عن تقديم تفسير علمي لشيء ما ندخل “الله” لنغطي على جهلنا. وسوف نناقش هذه الفكرة لاحقاً بمزيد من التفصيل، ولكن من المهم الآن أن نبين أن مستر “فورد” لا يوجد في فجوات معرفتنا بكيفية علم آلات الاحتراق الداخلي.

وهو بمعنى أدق لا يوجد في أي تفسير تقدم أسباباً فيما يختص بآليات العمل. وذلك، لأن “هنري فورد” ليس آلية، ولكنه الفاعل المسؤول عن وجود الآلية أصلاً حتى إن الآلية بأكملها تحمل بصمات عمل يديه، بما في ذلك ما نفهمه وما لا نفهمه.

وهو ما ينطبق على الله. فعلى المستوى المجرد المتعلق بقدرة العلم التفسيرية نفسها، يقول الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne في كتابه “هل من إله؟” Is There a God?: «لاحظ أني لا أفترض “إلهاً للفجوات”، إلهاً لمجرد تفسير الأشياء التي لم يفسرها العلم حتى الآن. ولكني أفترض وجود إله يفسر لنا سر قدرة العلم على التفسير. فنجاح العلم نفسه في أن يبين لنا مدى ما يتسم به العالم الطبيعي من نظام عميق يقدم أساساً قوياً للاعتقاد بوجود مسبب أعمق لذلك النظام.»

ويستخدم “سوينبرن” الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات Inference to the best explanation ويقول إن الله هو أفضل تفسير لقدرة العلم التفسيرية Explanatory power of science.

والنقطة التي لا بد أن ندركها هنا هي أنه بما أن الله ليس بديلاً للعلم باعتباره أداة تفسيرية، فلا يصح فهمه على أنه إله الفجوات فحسب. ولكنه على العكس، أساس التفسير كله: إن وجوده هو ما يسمح بإمكانية التفسير، سواءً أكان تفسيراً علمياً أو غيره. ومن الأهمية بمكان تأكيد هذه الفكرة لأن بعض الكتاب المؤثرين مثل “ريتشارد دوكينز” يصرون على أن يفهموا الله باعتباره مفسراً بديلاً للعلم، وهي فكرة لا نعثر عليها مطلقاً في أي فكر لاهوتي محترم. ولذلك، فإن “دوكينز” يهاجم عدواً وهمياً، لأنه يرفض مفهوماً لله لا يؤمن به أصلاً أي مفكر جاد. وهو ما يعد علامة على عمق الفكر.

 

نزع الألوهة عن الكون: العلماء الأوائل:

إلا أنه علينا أن نفحص الادعاء الذي يطرحه الكثير من العلماء بمزيد من الدقة، ألا وهو أن الإلحاد هو افتراض سابق لا غنى عنه للعلم الحقيقي. وهم يعتقدون أن أي محاولة للارتكان إلى الله باعتباره تفسيراً للكون على أي مستوى معناها نهاية العلم.

لا شك أننا لا بد أن ننزع الألوهة عن قوى الطبيعية حتى نتمكن من دراسة الطبيعة بحرية، وهي خطوة ثورية في عالم الفكر اتخذها فلاسفة الإغريق الطبيعيون الأوائل طاليس، وأناكسيماندر، وأناكسيمانس الميليتسي منذ أكثر من 2500 سنة. فهم لم يقنعوا بالتفسيرات الأسطورية كالتي كتبها هوميروس وهسيود حوالي سنة 700 ق.م. واجتهدوا في إيجاد تفسيرات للعمليات الطبيعية وحققوا إنجازات علمية عظمية.

فالفضل يرجع إلى طاليس في تحديد عدد أيام السنة بأنها 365 يوماً، وقد تنبأ بدقة بحدوث كسوف شمسي سنة 585 ق.م. وينسب إليه استخدام طرق هندسية في حساب ارتفاعات الأهرام بناء على ظلالها، وفي تقدير حجم الأرض والقمر. أما أناكسيماندر فقد اخترع الساعة الشمسية وساعة تتحمل الأجواء الصعبة ووضع أول خريطة للعالم وأول خريطة للنجوم. وهكذا كان الفلاسفة الميليتسيون Milesians من ضمن العلماء الأوائل.

ويعتبر زنوفانيز (حوالي 570-478 ق.م) الذي من كولوفون (بالقرب من أزمير في تركيا الحالية) ذا أهمية خاصة في موضوعنا. وهو بالرغم من أنه معروف بمحاولاته لفهم دلالات حفريات المخلوقات البحرية التي وجدت في مالطة، فهو معروف أكثر بشجبه الحاد للمنظور الأسطوري للحياة. وقد أشار إلى أن السلوك الذي يعتبره البشر في غاية الخزي نسب للآلهة: فالآلهة كانوا بلا مبدأ، ولصوصاً، وزناة.

ورأى أن هذه الآلهة صنعت على صورة الشعوب التي آمنت بها: فآلهة الإثيوبيين سوداء وأنوفها مسطحة. وشعب تراقيا Thracians صوروا آلهتهم بعيون زرقاء وشعر أحمر. وقد أضاف ساخراً: «لو كان للبقر والخيول أو الأسود أياد تمكنها من الرسم، لرسمت الخيول أشكال الآلهة كالخيول، ولرسم البقر آلهة كالبقر، لها أجسام تشبه أجسامها.» ومن ثم، فقد رأى زنوفانيز أن هذه الآلهة ليس سوى خيالات طفولية صريحة نتجت عن الخيال الخصب لمان آمنوا بها.

وأبيقور الفيلسوف اليوناني الذري[1] Atomist المؤثر (المولود سنة 341 ق.م. عقب موت أفلاطون مباشرة) الذي تنسب له الفلسفة الأبيقورية تمنى إلغاء الأساطير من التفسير بغية تطوير الفهم: «يمكن أن تنتج الصواعق بعدة طرق مختلفة، المهم إبعاد الأساطير عنها! ويمكن إبعاد الأساطير إن تتبعنا ما نراه من الصواعق تتبعاً صحيحاً واعتبرناه علامات تشير إلى ما نراه.»

وهذا الشجب للآلهة والإصرار على بحث العمليات الطبيعية التي كانت حتى ذلك الحين غالباً ما لا تفهم إلا باعتبارها عمل تلك الآلهة، أدى حتماً إلى تراجع التفسيرات الأسطورية للكون وإلى تقدم العلم.

إلا أن زنوفانيز لم يكن الوحيد بين المفكرين القدامى الذي انتقد فلسفة تعدد الآلهة. بل الأهم أنه لم يكن أول من فعل ذلك. فهو لم يعلم (ربما لم تتوفر معلومات كافية عن هذا الموضوع للأسف) أن موسى سبقه بقرون وحذر من عبادة آلهة أخرى والسجود لها «أو للشمس أو للقمر أو لكل ما جند السماء.» والنبي العبراني إرميا مثلاً الذي كتب حوالي سنة 600 ق.م. رفض أيضاً عبثية تأليه الطبيعة وعبادة الشمس والقمر والنجوم.

وهنا يمكن أن نسقط بسهولة في شرك القفز إلى الاستنتاج بأن التخلص من الآلهة يستلزم أو يعادل التخلص من الله. ولكن ما أبعد الفارق بين الاثنين. فموسى والأنبياء أدركوا حماقة السجود لأجزاء الكون المختلفة كالشمس والقمر والنجوم باعتبارها آلهة. ولكنهم رأوا أيضاً أن عدم الإيمان بالله الخالق الذي صنع الكون وإياهم، وعندم السجود له حماقة مماثلة. ولابد هنا أن نلاحظ أيضاً أنهم لم يقدموا فكرة جديدة غير مسبوقة. فهم لم يتحاجوا أن ينزعوا الألوهة عن الكون كما فعل الإغريق، لسبب بسيط أنهم لم يؤمنوا مطلقاً بالآلهة من الأصل.

وما أنقذهم من تلك الخرافة كان إيمانهم بالله الحقيقي الواحد خالق السماء والأرض. أي أن الكون الوثني متعدد الآلهة الذي وصفه كل من هوميروس وهسيود لم يكن صورة العالم الأصلية التي رآها البشر، وهو انطباع منبعه أن معظم الكتب العلمية والفلسفية تبدأ بالإغريق وتؤكد أهمية نوع الألوهة عن الكون، فتفشل فشلاً ذريعاً في الإشارة إلى أن العبرانيين سبقوا الإغريق بمئات السنين في نبذ التفسيرات الوثنية للكون.

وهو ما يشوش على حقيقة أن تعدد الآلهة ينطوي فعلياً على تشويه الإيمان الأصلي بالله الواحد الخالق. وهذا التشويه هو ما كان ينبغي تصحيحه. وهذا التصحيح لا يتم بالتخلي عن الإيمان بالخالق بل باستعادته. هو ما أوضح “ملفين كالفين” كما سبقت الإشارة.

ومن ثم، فالفرق شاسع بين المنظور الإغريقي للكون والمنظور العبراني، وهو ما يجب إبرازه بمزيد من الوضوح. فمثلاً “ورنر يجر” Werner Jaeger يكتب في تعليقه على قصيدة هسيود “نسب الآلهة” “Theogony” (بدايات الآلهة) قائلاً: «إن قارنا أساس خلق العالم عند الإغريق وهو الحب الجنسي أو الإيروس Eros بالكلمة أو اللوجوس Logos الذي يمثل أساس خلق العالم في رواية الخلق العبرية، سنلاحظ هوة شاسعة بني منظور الشعبين.

فاللوجوس تجسد لملكة أو قدرة فكرية عند الله الخالق الذي يقع خارج العالم ويوجد ذلك العالم بأمره الشخصي الخاص. أما الآلهة الإغريقية تقع داخل العالم، فسلالتها تنحدر من السماء والأرض… وقد تولدت بقوة تأثير الإيروس الذي ينتمي بدوره للعالم باعتباره قوة بدائية تنشئ كل شيء. ومن ثم، فهي أصلاً خاضعة لما نطلق عليه القانون الطبيعي. فعندما يفكر هسيود تفكيراً فلسفياً حقيقياً، ينتهي إلى البحث عن الله داخل العالم، لا خارجه، كما هو في اللاهوت المسيحي اليهودي الذي يكشف عنه سفر التكوين.»

فمن اللافت للنظر أن زنوفانيز بالرغم من أنه غارق في ثقافة تؤمن بتعدد الآلهة، لم يقع في خطأ الخلط بين الله والآلهة. ومن ثم، رفض الاثنين. ولكنه آمن بإله واحد يحكم الكون. وقد كتب: «يوجد إله واحد… يختلف عن المخلوقات الفانية شكلاً وفكراً… وهو بعيد ويحكم كل الموجودات دون مجهود.»

وإسهامات توما الأكويني في القرن الثالث عشر تتصل أيضاً بموضوعنا هذا. فقد اعتبر الله العلة الأولى First Cause، المسبب الأعلى لكل الأشياء. فالله تسبب مباشرة في وجود الكون. ومن ثم، فالكون معتمد عليه. وهذا هو ما يمكن نسميه العلية المباشرة Direct causation. ولكن توما الأكويني أوضح بعدئذ مستوى ثانياً من العلية (يسمى أحياناً العلية الثانوية Secondary Caustion) يعمل في الكون.

وهذا ما يكون شبكة المسبب والأثر Cause-effect التي تتألف خيوطها من منظومة الكون المتشابكة المعتمدة على بعضها البعض. ولذلك، فإن كانت تفسيرات العليّة الثانوية يمكن أن تقدم على هيئة قوانين وآليات، فهذا لا يعني عدم وجود الخالق الذي يعتمد عليه وجود شبكة المسبب والأثر عينه.

وفكرة أن الإيمان بإله خالق خلق الكون ويحفظه يقضي على العلم هي فعلياُ فكرة مغلوطة. بل إنها فكرة غريبة على ضوء الدور الذي لعبه هذا الإيمان في نشأة العلم، لأنها لو كانت صحيحة، فالأرجح أن العلم ما كان سينشأ أصلاً. فالاعتقاد بأن محرك السيارة هو من تصميم مستر “فورد” لن يمنع أي شخص من دراسة كيفية عمل المحرك علمياً، بل إنه قد يشجع على ذلك.

ولكن إن اعتنق المرء عقيدة خرافية مفادها أن مستر “فورد” هو المحرك فهذا ما يقضي على محاولاته العلمية نهائياً. وهذه الفكرة خطيرة، فهذا هو مربط الفرس: إن الفرق كبير بين الله والآلهة، وبين إله خالق، وإله هو الكون نفسه، وهو ما أدركه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell جيداً عندما حفر على باب “معمل كافينديش للفيزياء” Cavendish Physics Laboratory الشهير بجامعة كامبريج هذه الكلمات: «عظيمة هي أعمال الرب. مطلوبة لكل المسرورين بها.»

وعندما نمد بصرنا عبر تاريخ العلم نجد من الأسباب ما يكفي للشعور بالامتنان للمفكرين اللامعين الذين خطوا هذه الخطوة الجريئة وشككوا في النظرة الأسطورية للطبيعة التي أسبغت قوى إلهية على أجزاء الكون المختلفة التي لا تملك هذه القوى أصلاً.

وقد رأينا أن بعضهم فعل ذلك، دون أن يرفض مفهوم الخالق، بل باسم ذلك الخالق نفسه. ولكن الخطورة الخفية اليوم أن بعض العلماء والفلاسفة، انطلاقاً من رغبتهم في القضاء على مفهوم الخالق نهائياً، يميلون إلى إعادة تأليه الكون بمنح المادة والطاق قدرات خلقية لا يمكن إثبات أنهما تملكانها فعلاً، وهو ميل ساذج. فمحوهم للإله الواحد الخالق سينتهي إلى ما يسمى النتيجة النهائية لتعدد الآلهة، ألا وهي أن كل جزء في الكون يتمتع بقدرات إلهية.

عندما ناقشنا حدود العلم سابقاً، أوضحنا أن بعض الأسئلة خارجة عن نطاق العلم، وخاصة أسئلة “لماذا” التي تتعلق بالغرض باعتباره متمايزاً عن الوظيفة. ولكن علينا الآن أن نرجع لكيفية تناول العلم للأسئلة التي تقع ضمن مجال اختصاصه.

الاختزالية:

 الهدف من “تفسير” شيء هو تقديم وصف مفهوم واضح لطبيعته ووظيفته. ومن الأساليب المتبعة للوصول لهذا التفسير تقسيم المشكلة إلى أجزاء أو أوجه منفصلة، ومن ثم “اختزالها” إلى مكونات يسهل بحث كل منها على حدة. وهذا الإجراء الذي عادة ما يطلق عليه الاختزالية المنهجية Methodological Reductionism يمثل جزءًا أساسياً من عملة العلم الطبيعية (ومن الكثير من الأنشطة الأخرى) وقد أثبت كفاءة مبهرة.

وتستخدم اللغة الرياضية لتبسيط وصف الظواهر المعقدة جداً أو اختصاره والتعبير عنه بمعادلات رياضية قصيرة وبسيطة. خذ مثلاً الإنجاز العظيم الذي حققه كبلر عندما أخذ الكثير من الملاحظات التي رصدها تيكو براهي Tycho Brahe لحركة النجوم واختصرها في جملة واحدة تقول بأن الكواكب تتحرك في مدارات بيضاوي الشكل وتقع الشمس في أحد مركزي المدار البيضاوي. ثم جاء نيوتن وضغط ما توصل إليه كبلر أو بسطه على هيئة قانون الجاذبية الذي صاغه.

وهكذا تصنف معادلات كل من ماكسويل وإينشتاين وأيضاً “شرودينجر” Schrodinger وكذلك “ديراك” Dirac ضمن أشهر الأمثلة النموذجية على انتصار مبدأ الاختزال الرياضي. والسعي المستمر لما يطلق عليه نظرية كل شيء TOE (Theory of Everything) مدفوع برغبة في التوصل إلى صورة رياضية مختصرة إلى أقصى درجة بدمج قوى الطبيعة الأساسية الأربع معاً.

وقد تأثر عالم الرياضيات العظيم “دافيد هيلبرت” David Hilbert بإنجازات الاختصار الرياضي المبهرة، فرأى أن برنامج تبسيط الرياضيات يمكن استخدامه إلى أقصى درجة حتى نتمكن في النهاية من اختصار كل الرياضيات في مجموعة من الأطروحات الشكلية Formal Statements على هيئة مجموعة منتهية Finite Set من الرموز ومجموعة منتهية من المسلمات وقواعد الاستدلال.

وكم كانت فكرة مغرية تعد بتقديم أعقد الظواهر في تفسيرات «تبدأ من التفاصيل الدقيقة وتنتهي بالمفاهيم العامة» «Bottom-up» ونجاح برنامج “هيلبرت” يعني تبسيط الرياضيات إلى مجموعة من العلامات المكتوبة التي يمكن تطويعها وفقاً لقواعد محددة دون أي اكتراث بالتطبيقات التي تضفي “دلالات” على تلك العلامات. وتتحدد صحة أو خطأ أي سلسلة من الرموز بعملية خوارزمية[2] Algorithmic عامة. وقد جرى البحث دؤوباً لحل المسألة المعروفة باسم مشكلة القرار[3] Entscheidungsproblem عن طريق العثور على ذلك الإجراء المختص بقرار عام.

وقد رجحت الخبرة لكل من “هيلبرت” وغيره أن مسألة القرار يمكن حلها إيجابياً. ولكن حدسهم لم يكن في محله. ففي سنة 1931 نشر عالم الرياضيات النمساوي “كريت جودل” Godel Kurt بحثاً بعنوان “في افتراضات الأسس الرياضية والنظم ذات الصلة التي لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها شكلياً” On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems” ورغم أنه بحث قصير من خمس وعشرين صفحة، فقد أحدث زلزالاً رياضياً مازلنا نشعر بتوابعه حتى الآن.

وذلك، لأن “جودل” أثبت فعلياً أن برنامج “هيلبرت” يستحيل تحقيقه. فقد بين “جودل” في هذا العمل الرياضي الذي يعد إنجازاً فكرياً متقناُ من الطراز الأول أن علم الحساب المألوف لجميعنا غير مكتمل، أي أنه أي منظومة ذات مجموعة منتهية من المسلمات وقواعد الاستدلال تكفي لاحتواء علم الحساب العادي، دائماً ما تحتوي على مقولات Statements صحيحة لا يمكن إثباتها على أساس تلك المجموعة من المسلمات وقواعد الاستدلال. وتعرف هذه النتيجة باسم نظرية “جودل” الأولى في عدم الاكتمال Godel’s First Incompleteness Theorem.

وقد كان برنامج “هيلبرت” يهدف أيضاً إلى إثبات الاتساق الأساسي في صياغته للرياضيات باعتبارها منظومة شكلية. إلا أن “جودل” بدد ذلك الأمر أيضاً في نظريته الثانية في عدم الاكتمال Second Incompleteness Theorem. فقد أثبت أنه من الجمل التقريرية التي لا يمكن البرهنة عليها بمنظومة شكلية قوية وافية هي تلك المختصة باتساق المنظومة نفسها.

أي أنه إن كان علم الحساب متسقاً، فتلك الحقيقة هي واحدة من الأمور التي لا يمكن البرهنة عليها في المنظومة. ولكنها أمر لا يمكننا إلا أن نؤمن به على أساس الأدلة، أو الاحتكام إلى مسلمات أعلى. وهو ما تم إيجازه بالقول: إن كانت أساسات دين ما تقوم على الإيمان، فالرياضيات هي الدين الوحيد الذي يستطيع أن يبرهن أنه دين!

وقد عبر “فريمن دايسون” Freeman Dyson عالم الفيزياء والرياضيات الأمريكي المولود في بربطانيا عن هذا المعنى بأسلوب بسيط عندما قال: «إن “جودل” أثبت أن الكل في الرياضيات دائماً أكبر من مجموع أجزائه.» وعليه، فالاختزالية[4] لها حدودها. ولذلك، فعبارة “بيتر أتكينز” الواردة آنفاً التي يقول فهيا إن «المبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين» عبارة يجانبها الصواب.

وتاريخ العلم يؤكد محدودية الاختزالية العلمية، وهو يعلمنا ضرورة موازنة حماستنا للاختزال – رغم أنها حماسة في محلها – بأن نأخذ في حسابنا أن الكل قد يكون (بل هو عادة) أكثر من حاصل جمع كل ما تعلمناه من أجزائه. فدراسة أجزاء الساعة، كل على حدة لن يمكنك بالضرورة من استيعاب كيفية عمل الساعة الكاملة باعتبارها كلاً متكاملاً. والماء هو أكثر من مجرد ما نراه بسهولة من دراسة مكونيه الهيدروجين والأكسجين كل على حدة. وهناك الكثير من الأنظمة المركبة التي يستحيل فهم أجزائها منفردة دون فهم النظام ككل، ومن أمثلتها الخلية الحية.

وإضافة للاختزالية المنهجية، يوحد نوعان آخران مهمان من الاختزالية: الإبستيمولوجية أو المعرفية Epistemological[5] والأنطولوجية أو الوجودية [6]Ontological. والاختزال الإبستيمولوجي هو الموقف الذي يرى أن الظواهر عالية المستوى يمكن تفسيرها بعمليات من مستوى أدنى. والأطروحة القوية التي يقدمها الاختزال الإبستيمولوجي تتلخص في أن هذه التفسيرات التي «تبدأ من التفاصلي الدقيقة وتنتهي بالمفاهيم العامة» يمكن دائماً التوصل إليها دون باق[7].

أي أنه في نهاية المطاف يمكن تفسر الكيمياء بالفيزياء وتفسير الكيمياء الحيوية بالكيمياء، والأحياء بالكيمياء الحيوية، وعلم النفس بالأحياء، وعلم الاجتماع بعلوم المخ Brain Science، واللاهوت بعلم الاجتماع. وقد عبر عن ذلك “فرانسيس كريك” Francis Crick عالم الأحياء الجزيئية الحائز على جائزة نوبل بقوله: «الهدف النهائي من التطور الحديث لعلم الأحياء هو في الواقع تفسير علم الأحياء كله بالفيزياء والكيمياء.»

ويتفق “ريتشارد دوكينز” مع هذه النظرة إذ يقول: «مهمتي أن أفسر الأفيال وعالم الأشياء المعقدة بالأشياء البسيطة التي يفهمها الفيزيائيون أو ما زالوا يحاولون فهمها.» ولو نحينا مؤقتاً هذا الادعاء الذي يشوبه كثير من الشك عن بساطة الفيزياء (خذ مثلاً ميكانيكا الكم، أو الكهروديناميكا الكمية، أو نظرية الأوتار)، ولكننا سنعود إليه لاحقاً، لاكتشفنا أن الهدف النهائي من هذا الاختزال هو في الواقع اختزال السلوك البشري كله (ما نحب وما نكره، وخريطة حياتنا العقلية بأكملها) إلى فيزياء.

وعادة ما يسمى هذا الموقف “النزعة الفيزيائية” “Physicalism“، وهو من أقوى أشكال الفلسفة المادية Materialism. إلا أن هذه النظرة لا تحظى بتأييد شامل، وذلك لأسباب وجيهة جداً، كما أشار “كارل بوبر” Karl Popper: «في كل الأحوال تقريباُ يتبقى جزء معلق لا يمكن تبسيطه حتى في أنجح محاولات الاختزال.»

ويشرح لنا العالم والفيلسوف “مايكل بولاني” Michael Polanyi لماذا يستحيل منطقياً على الاختزال المعرفي أن ينجح في كل الحالات. فهو يطلب منا أن نفكر في مختلف مستويات عملية بناء مبنى إداري بالطوب. أول خطوة هي استخلاص المواد الخام التي يصنع منها الطوب. ثم تأتي المستويات الأعلى المتتالية من صنع الطوب، لأنه لا يصنع نفسه، يلي ذلك رص الطوب، لأن قوالب الطوب لا “تجمع نفسها”، وعملية تصميم المبنى، لأنه لا يصمم نفسه، وتخطيط المدينة التي يبنى فيها، لأنها لا تنظلم نفسها. ولكن مستوى قواعده الخاصة.

فقوانين الفيزياء والكيمياء تحكم المادة الخام التي يصنع منها الطوب، أما التكنولوجيا تزودنا بفن صنع الطوب، والعمال المسؤولون عن رص الطوب يرصونه حسب إرشادات المهندس المقاول، والهندسة المعمارية تعلم المهندس، والمهندس المعمار محكوم بعمل المتخصصين في تخطيط المدن. أي أن كل مستوى محكوم بالمستوى الأعلى منه. ولكن العكس ليس صحيحاً. فقوانين المستوى الأعلى لا يمكن أن تشتق من قوانين مستوى أدنى، وإن كان ما يتم عمله على مستوى أعلى يعتمد طبعاً على المستويات الأدنى. فمثلاً لو لم تكن قوالب الطوب قوية، سيحد ذلك من ارتفاع المبنى الذي يتحمله الطوب.

أو خذ مثالاً آخر بين يديك الآن. فكر في الصفحة التي تقرأها في هذه اللحظة. إنها تتكون من ورق مطبوع بالحبر (أو قد تكون سلسلة من النقاط على شاشة كمبيوتر أمامك). من الواضح طبعاً أن فيزياء وكيماء الحبر والورق (أو نقاط الصورة pixels على شاشة الكمبيوتر) يستحيل، ولو من حيث المبدأ، أن تخبرك بأي شيء عن دلالات أشكال الحروف المرسومة على الصفحة، وليس السبب إطلاقاً أن علوم الفيزياء والكيمياء لم تبلغ من التقدم ما يتيح لها التعامل مع هذه المسألة.

فحتى لو تركنا لهذه العلوم 1000 سنة أخرى للنمو لن يغير ذلك من الأمر شيئاً، لأن أشكال هذه الحروف تتطلب تفسيراً جديداً من مستوى أعلى يختلف تماماً عن التفسيرات التي يمكن للفيزياء والكيمياء تقديمها. وذلك لأن التفسير الكامل لا يمكن التوصل إليه إلا بمفاهيم ذات مستوى أعلى تختص باللغة والكتابة وتوصيل الشخص لرسالته. أما الحبر والورق ليست سوى موصلات للرسالة، ولكن المؤكد أن الرسالة لا تنشأ منها تلقائياً. وعندما نأتي للغة نفسها نجد أيضاً سلسلة من المستويات، وحيث لا يمكنك اشتقاق المفردات من علم الصوتيات، أو اشتقاق قواعد اللغة من مفرداتها، وهكذا.

وكما نعرف جيداً، المادة الوراثية DNA تحمل المعلومات. وسنشرح ذلك لاحقاً بشيء من التفصيل. ولكن الفكرة الرئيسية أن هذه المادة الوراثية يمكن أن نتخيلها شريطاً طويلاً عليه سلسلة من الحروف المكتوبة بلغة كيميائية تتكون من أربعة حروف. وتحتوي سلسلة الحروف على تعليمات (معلومات) مشفرة تستخدمها الخلية لصنع البروتينات. ولكن ترتيب السلسلة لا ينتج من كيمياء الحروف الأولية.

وهكذا نرى أنه في كل من الحالات سالفة الذكر توجد سلسلة من المستويات، كل منها أعلى من سابقة. وما يحدث على مستوى أعلى لا يشتق كلية مما يحدث على المستوى الأدنى منه. وفي هذه الحالة يقال أحياناً إن ظواهر المستوى الأعلى “تنبثق” “Emerge” من المستوى الأدنى.

ولكن للأسف كلمة “تنبثق” يساء فهمها بسهولة، بل يساء استخدامها على نحو مضلل بحيث تعني أن خصائص المستوى الأعلى تنشأ تلقائياً من خصائص المستوى الأدنى دون أي مدخلات إضافية من المعلومات أو التنظيم، تماماً كما تنشأ خصائص المستوى الأعلى من الماء من خلط الأكسجين والهيدروجين. إلا أن هذا الفكر خاطئ عموماً كما أوضحنا فيما سبق بمثالي عملية البناء والكتابة على الورق. فالمبنى لا ينبثق من قوالب الطوب ولا تنبثق الكتابة من الورق والحبر دون ضخ كمية من الطاقة والذكاء.

وتنطبق الحجة نفسها على تشبيه الانبثاق الذي اقترحه “دوكينز” في محاضرة عامة ألقاها في جامعة أكسفورد (20 كانون الثاني/ يناير 1999) عندما قال إن إمكانية معالجة الكلمات بالكمبيوتر هي خاصية “منبثة” من الكمبيوتر. وهذا صحيح، ولكن هذه الخاصية لا تكون ممكنة إلا بإدخال كميات ضخمة من المعلومات المتضمنة في حزمة برامج مصممة بذكاء، مثل Microsoft Word.

وقد كتب “آرثر بيكوك” Arthur Peacocke اللاهوتي والعالم البريطاني: «يستحيل التعبير عن مفهوم “المعلومات”، مفهوم نقل الرسائل، بمفاهيم الفيزياء والكيمياء، حتى وإن كانت الأخيرة تفسر الكيفية التي تعمل بها الآلة الجزيئية (Molecular Machinery DNA، وRNA، والبروتين) لحمل المعلومات….»

إلا أنه رغم الكتابة على الورق، وبرامج الكمبيوتر، والـ DNA تشترك في أنها تشفر “رسالة” فأولئك العلماء المتمسكون بالفلسفة المادية يصرون على أن الخصائص الحاملة للمعلومات في الـ DNA لا بد أنها انبثقت أخيراً بشكل تلقائي من المادة بعملية غير موجهة عديمة العقل. ودافعهم نحو هذا الإصرار واضح.

فإن كان لا يوجد شيء سوى المادة والطاقة قدرة كامنة تمكنهما من تنظيم نفسها بما يؤدي لانبثاق كافة الجزيئات المعقدة اللازمة للحياة بما فيها الـ DNA وبناء على هذه الفرضيات المادية، تنتفي أي احتمالات أخرى. أما السؤال عما إذا كان هناك دليل على أن المادة والطاقة تتمتعان فعلياً بهذه القدرة “الانبثاقية” فهو موضوع مختلف تماماً سنناقشه بالتفصيل لاحقاً.

والآن نأتي إلى النوع الثالث من الاختزالية، ألا وهو الاختزالية الأنطولوجية التي تعد وثيقة الصلة بالاختزالية الإبستيمولوجية. ويقدم “ريتشارد دوكينز” مثالاً كلاسيكياً على هذا النوع من الاختزال: «الكون ليس إلا مجموعة من الذرات المتحركة، والبشر ليسوا سوى ماكينات لإنتاج الـ DNA، وإنتاج الـ DNA عملية ذاتية الاستدامة. وهو السبب الوحيد في حياة كل شيء حي.»

إن تعبيرات “ليس إلا”، أو “الوحيد” أو “ليسوا سوى” هي العلامة المميزة لفكر الاختزال الأنطولوجي. فإن حذفنا هذه الكلمات عادة ما تتبقى عندنا عبارة لا اعتراض عليها. فلا شك أن الكون مجموعة من الذرات، والبشر بالفعل ينتجون الـ DNA. وهما جملتان علميتان. ولكن ما أن نضيف عبارات مثل “ليس إلا” حتى تتجاوز العبارات حدود العلم وتصبح تعبيرات عن معتقد مادية أو طبيعي.

والسؤال: هل تبقى العبارات صحيحة قد إضافة تلك الكلمات الكاشفة؟ هل هذا هو كل الكون والحياة فعلاً؟ هل سنقول مع “فرانسيس كريك”: «أنت، بأفراحك وأحزانك، وذكرياتك وطموحاتك، وشعورك بالهوية الشخصية والإرادة الحرة، لست في الواقع أكثر من سلوك مجموعة ضخمة من الخلايا العصبية وجزيئاتها»؟

كيف سنرى إذن المشاعر البشرية من الحب والخوف؟ هل هي أنماط سلوكية عصبية بلا معنى؟ وماذا نفعل بمفاهيم الجمال أو الحق؟ هل لوحة للفنان “رمبرانت” Rembrandt ما هي إلا جزيئات من الألوان مبعثرة على القماش؟ يبدو أن “كريك” يراها هكذا.

وهذا ما يدعونا للتساؤل عن الوسيلة التي تمكنا من إدراكها. فإن كان مفهوم الحق نفسه ينتج عن مجرد “سلوك مجموعة ضخمة من الخلايا العصبية»، فكيف نعرف منطقياً أن مخ الإنسان مكون من خلايا عصبية؟ كما أشار “فرزر واتس” Fraser Watts قائلاً إن “كريك” نفسه يبدو أنه يدرك ضرورة وجود مستوى أعمق لأنه أدخل تعديلاً جذرياً على فرضيته “المدهشة” وعمد إلى تخفيفها بعبارة لا تثير أي جدل عندما قال «أنت في معظمك عبارة عن سلوك عدد ضخم من الخلايا العصبية.»

إلا أن هذه الفرضية المعدلة لم تعد مدهشة. فكر فيها. بل حتى لو كانت الفرضية المدهشة حقيقية، فكيف لها أن تدهشنا؟ لأنه كيف يمكننا أن نعرفها أو نفهمها؟ وعندئذ نسأل ما معنى “الدهشة”؟ فالفكرة تنطوي على تناقض داخلي.

وتعد هذه الحجج امتدادات لما عرف باسم “شك داروين” Darwin’s Doubt: «الشك المقيت الذي يراودني دائماً هو ما إذا كان العقل البشري الذي تطور من عقل حيوانات أدنى يمكن لقناعاته أن تحمل أي قيمة أو مصداقية.»

ويعتبر أقوى نقد للاختزالية الأنطولوجية هو أنها تدمر نفسها مثل المذهب العلمي. حتى إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne يصف مجمل الأفكار التي تشكلها بأنها «انتحارية في نهاية الأمر. فإن كانت أطروحة “كريك” صحيحة، إذن يستحيل أن نعرفها. وذلك لأنها تحط من قدر خبرتنا بالجمال والواجب الأخلاقي واللقاءات الروحية وتعتبرها منتجاً ثانوياً بلا قيمة. ولا تكتفي بذلك، بل إنها تدمر العقلانية لأنها تستبدل الفكر بأحداث عصبية كهروكيميائية.

وهما حدثان لا يمكن أن يواجها بعضهما البعض في حديث عقلاني. فهما ليسا صحيحين ولا خاطئين. ولكنهما يحدثان فحسب… ومزاعم الاختزالي نفسه تصبح مجرد إشارات في الشبكة العصبية لمخه. وعالم الحديث العقلاني يتلاشى إلى ثرثرة عبثية من عمل التشابكات العصبية التي تنطلق عندما تتلقى مثيراً ما. والحقيقة أن هذا الكلام يستحيل أن يكون صحيحاً وليس منا من يعتقد فيه.»

وللدقة نقول إن كل المحاولات تناقض ذاتها مناقضة صريحة، مهما بدت أنيقة، من حيث أنها تشتق العقلانية من اللاعقلانية. وعندما نعريها تماماً تبدو محاولات عقيمة عجيبة كمن يحاول أن يرفع نفسه برباط حذائه. أو يصنع ماكينة تدور بلا توقف. فرغم كل ما يدعون، استخدام العقل البشري هو نفسه الذي ساهم على تبني الاختزالية الأنطولوجية التي تحمل معها الاستنتاج القائل بأنه لا مبرر للثقة فيما تقوله عقولنا، إلا إذا كانت تقول لنا إن الاختزالية صحيحة.

 

[1] يعرف “قاموس أكسفورد” “الذرية” atomism بأنها منهج نظري يرى أنه يمكن تفسير الشيء بتحليله إلى مكونات ابتدائية متمايزة ومنفصلة ومستقلة. وهي عكس الشمولية holism. (المترجم)

[2] يعرف “قاموس أكسفورد” “الخوارزمية” Algorithm بأنها مجموعة من الخطوات أو القواعد التي تتبع في الحسابات أو غيرها من عمليات حل المشكلات، ويستخدمها الكمبيوتر بوجه خاص. (المترجم).

[3] هذه هي الكلمة الألمانية لمصطلح Decision Problem وهي تطرح هذا السؤال: هل توجد خوارزمية Algorithm تقرر ما إذا كان طرح رياضي Mathematical Assertion محدد له برهان أم لا؟ (http://mathworld.wolfram.com/DecesionProblem.html)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 20/1/ 2016 (المترجم)

[4] المقصود بالاختزالية هنا تحويل المعارف والمعلومات التفصيلية الدقيقة إلى قانون عام يفسر كل شيء، وهو نفس ما سعى إليه “ستيفن هوكنج” في محاولته للوصول إلى نظرية واحدة تفسر كل شيء. (المحرر)

[5] يعرف قاموس ويسهر Webster’s Dictionary الإبستيمولوجي Epistemology بأنه أحد مباحث الفلسفة الذي يدرس طبيعة المعرفة البشرية وأساليبها وحدودها وصحتها دراسة نقدية. (المترجم)

[6] الأنطولوجي Ontology (علم الوجود) هو المبحث الفلسفي الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود مستقلاً عن أشكاله الخاصة، ويعنى بالأمور العامة التي لا تخص بقصم من أقسام الوجود ) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[7] كما في عمليات القسمة الحسابية التي يكون فيها الناتج دون باق. (المترجم)

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

Exit mobile version