الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المسلم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.

ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14]. بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15].

أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16]. ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس.

وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

 

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي.

فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة.

أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

 

نؤمن

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22]. ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

 

نظرة الآباء إلى الإيمان

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

 

علاقة الإيمان بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري.

فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31]. ويأخذ الإيمان شكل الطاعة  (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا

لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها. وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس.

إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه.

مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘.

إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48].

إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله. وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49].

وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها.

ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51]. ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

[20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

[21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

[22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

[23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα)  . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم القديس أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد القديس إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض القديس هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

الإيمان في الكنيسة الجامعة

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

هل للكون تصميم؟ أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

 

«معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته

وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه،

إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون،

وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza،

وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley،

رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز

حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة

وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً على أن الكون لا يشرح نفسه

وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة

باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح.»

“كيث ورد” Keith Ward

 

«يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد،

ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق

ويوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة،

كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعية”).»

“أرنو بينزياس” Arno Penzias الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء

دلائل التصميم

في السنوات الأخيرة أخذنا العلم في رحلة مليئة بالمفاجآت، وبالأسرار أيضاً. فعلم الكون الذي يعمل على نطاق شديد الضخامة، وفيزياء الجسيمات الأولية التي تعمل على نطاق متناهي الصغر كشفا لنا تدريجياً البنية الجميلة المذهلة للكون الذي نعيش فيه. وحجمه الهائل يجعلنا نعي ضآلة حجمنا، وفي الوقت نفسه نندهش منها. فعلى أي مقياس رسم خطي Linear Scale[1] سنبدو نحن البشر بلا قيمة من حيث الحجم، مجرد ذرات من التراب في مجرة شاسعة لا تزيد بدورها عن مجرد ذرة في الكون.

إلا أننا على مقياس الرسم اللوغاريتمي Logarithmic [2]Scale نبدو في موقع متوسط بين الأبعاد متناهية الصغر التي تكشفها لنا الفيزياء النووية والأبعاد شديدة الضخامة التي يكشفها لنا علم الفلك. ولكن ما هو الإنسان؟ وما هو الكون؟ هل هو فعلاً بيتنا، أم أننا مجرد كائنات مؤقته صغيرة جداً قذفها الكون بالصدفة على هيئة مادة وطاقة على نحو عشوائي استغلالاً للقدة الكامنة في قوانين الطبيعة؟

وليس منا من يواجه هذه الأسئلة ببرودة، نظراً لما يثيره الكون فينا من مشاعر المهابة. وليس منا من يواجهها بنوع من اللامبالاة. فلا يمكن ألا نتأثر بهذه الأسئلة، فمهما كان نحن موجودون في هذا الكون. ومن ثم فعقولنا تصر على السؤال عن طبيعة علاقتنا بالكون.

وكما هو الحال دائماً، الإجابات التي نحصل عليها عن هذه الأسئلة تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً. فبعض العلماء يعتقدون أننا غرباء في الكون؛ «إكزيما على وجه الكون» قذفتنا دوامة الصدفة والضرورة الهائلة التي تحكم السلوك المادي للكون. إننا «نتاج عملية طبيعية بلا ذكاء ولا غرض لم تقصد أن تنتجنا أصلاً» كما قال عالم الأحياء “جورج جايلورد سيمبسون” George Gaylord Simpson.

ولكن آخرين لا يشعرون أنهم غرباء في الكون، منهم الفيزيائي “فريمن دايسون” الذي كتب: «عندما ننظر في الكون ونرى الأحداث الفيزيائية والفلكية الكثيرة التي عملت معاً لصالحنا، يبدو وكأن الكون كان يعرف أننا قادمون». وكذلك الفيزيائي “بول دافيز” Paul Davies الذي لا يستطيع أن يقتنع أننا مجرد ذرات لا قيمة لها من التراب المتحرك. وهو يكتب قائلاً: «لا أصدق أن وجودنا في هذا الكون مجرد فعل غريب غير مفهوم من أفعال القدر، صدفة في التاريخ، ومضة عارضة في دراما الكون العظيمة.

ولكننا مندمجون في الكون بالكامل… لقد قصد لنا بالفعل أن نكون هنا». ومن هنا نرى أن “دافيز” يرجح صراحة أن الكون وراءه عقل كان يفكر في البشر عندما صنع هذا الكون. فلماذا يعتقد “دايسون” وكذلك “دافيز” هذا الاعتقاد؟ هل الكون نفسه يزودنا بأي دلائل يمكن أن تشكل أسس الاعتقاد بأننا نحن البشر لنا قيمة؟ نعم. والأساس الأول هو:

إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني:

رغم كثرة النقاش الذي يمكن أن يدون حول جوهر المنهج العلمي، فلا جدال حول الأساس الذي يقوم عليه ذلك المنهج، ألا وهو إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility of the universe. واندهاش ألبرت آينشتاين Albert Einstein من الأساس هو ما دفع ليقول تعليقه الشهير: «أكثر ما هو غير مفهوم بشأن الكون أنه مفهوم».

ومفهوم إمكانية فهم الكون نفسه يفترض مسبقاً وجود عقلانية قادرة على الوصول إلى ذلك الفهم. والمؤكد أن الثقة في إمكانية اعتمادنا على العمليات العقلية البشرية وقدرتها على تزويدنا ببعض المعلومات عن العالم هي أساس أي نوع من الدراسة، وليس دراسة العلم فحسب.

وهذه القناعة أساسية جداً لكل أنواع التفكير حتى إننا لا يمكن أن نشكك في صلاحيتها قبل أن نفترضها في المقام الأول لأننا لا بد أن نعتمد على عقولنا حتى نشكك فيها أصلاً. فهي المعتقد الأساسي الذي يبنى عليه كل بحث فكري. والحجة التي أسوقها هي أن الأيمان بالله الخالق يضفي عليها مبرراً متسقاً منطقياً في حين أن الفلسفة الطبيعية تبدو عاجزة عن ذلك.

إن إمكانية الفهم العقلاني واحدة من الاعتبارات التي قادت المفكرين عبر كل العصور للاستنتاج بأن الكون نفسه لا بد أن يكون نتاج ذكاء. ويلخص الفيلسوف “كيث ورد” Keith Ward هذه النظرة قائلاً: «معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه، إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون، وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza، وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley، رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً في أن الكون لا يشرح نفسه وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح».

فالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات بناء على أصل الكون وطبيعته الذي يشير إلى ذكاء غير مادي يكمن وراء الكون هو استنتاج له سجل تاريخي طويل مبهر.

طبيعة الإيمان ودوره في العلم:

لقد اندهش ألبرت إينشتاين من إمكانية فهم الكون: «تتعجب من أني أعتبر إن إمكانية فهم العالم (لدرجة أننا نتمتع بصلاحيات الحديث عن هذه الإمكانية) معجزة أو سراً أبدياً. حسناً، سنعتبر أن توقع العالم الفوضوي أمر بديهي مفترض مسبقاً، ولا يمكن فهم العالم بالعقل على أي نحو… ولكن النظام الذي تخلقه نظرية نيوتن في الجاذبية مثلاً يختلف تماماً.

فإن مجرد قدرة المرء على اقتراح مسلمات النظرة تفترض مسبقاً درجة عالية من التنظيم في العالم الموضوعي، وهو ما لا يمكن توقعه بديهياً بافتراض مسبق. تلك هي «المعجزة» التي تتأكد كلما اتسعت معرفتنا».

لأنه كما يتبين من مثال نظرية نيوتن، إمكانية فهم الكون ليست الحقيقة الوحيدة التي تدعو للدهشة، ولكن ما يثير ذهولنا أيضاً هو ما لهذه الإمكانية من طبيعة رياضية. إلا أننا نميل أن نعتبر فائدة الرياضيات أمراً واضحاً عادياً لأننا اعتدنا عليها. ولكن لماذا؟ “بول دافيز” أحد من يستاؤون من الإجابة السطحية للبعض الذين يقولون إن السبب في أن القوانين الأساسية للطبيعة هي قوانين رياضية أننا نحن من اعتبرنا أن القوانين الرياضية قوانين أساسية.

ومن الأسباب الرئيسية أن الكثير من الرياضيات القابلة للتطبيق «أنجزها علماء الرياضيات البحتة باعتبارها تمريناً مجرداً قبل تطبيقها على العالم الواقعي بزمن طويل. فالأبحاث الأصلية لم يكن لها أي ارتباط بالتطبيق النهائي.» إن ما يلفت النظر فعلاً أن أكثر المفاهيم الرياضية تجريداً التي تبدو منتجات للعقل البشري الصرف تمثل أهمية كبرى لفروع العلم التي تحتوي على كم ضخم من التطبيقات العملية.

إن “دافيز” هنا يردد أصداء مقالة شهيرة بقلم “يوجين ويجنر” Eugene Wigner الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء حيث كتب: «إن الفوائد العظيمة التي تقدمها الرياضيات للعلوم الطبيعية لهي سر عميق، وليس له أي تفسير منطقي… ولكنه ركن إيماني». فالعلاقة بين الرياضيات والفيزياء عميقة جداً ومن الصعب جداً أن نعتبرها مجرد صدفة عشوائية.

وأستاذ الرياضيات السير “روجر بنروز” Roger Penrose زميل الجمعية الملكية الذي لا يمكن التشكيك في فهمه لتلك العلاقة يقول عنها: «يصعب عليّ أن أصدق… إن هذه النظريات البديعة نشأت من مجرد انتخاب طبيعي عشوائي لبعض الأفكار لم يبق إلا على الأفكار الجيدة. فما تتمتع به هذه الأفكار من جودة عالية ينفي أن تكون مجرد أفكار ناجية بقيت على قيد الحياة ونشأت عشوائياً. ولكن لا بد من وجود سبب عميق يكمن في الاتفاق بين الرياضيات والفيزياء».

والمؤكد أن العلم نفسه لا يمكنه تفسير هذه الظاهرة. لماذا؟ لأنه كما قال “جون بولكينجهورن”: «العلم لا يشرح إمكانية فهم العالم المادي رياضياً لأنها جزء من الإيمان التأسيسي الذي يبنى عليه العلم».

ولا بد أننا نلاحظ هنا أننا أمام اثنين من أبرز العلماء، “ويجنر” وأيضاً “بوليكنجهورن”، يلفتان نظرنا صراحة إلى الدور الأساسي الذي يلعبه الإيمان في العلم. نعم، الإيمان. قد يكون هذا مفاجئاً، بل صادماً للكثيرين، وخاصة إن كانوا قد تعرضوا للوهم الشائع الذي ذكرناه في بداية هذا الكتاب الذي انتشر بسرعة البرق على يد “ريتشارد دوكينز” وغيره بأن “الإيمان” يعني “إيماناً أعمى” ولا ينتمي إلا لعالم الدين فحسب، بينما العلم لا ينطوي على أي إيمان إطلاقاً.

ولكن ببساطة “دوكينز” مخطئ لأن الإيمان لا ينفصل عن المسيرة العلمية. وتقدم نظرية “جودل” الثانية دليلاً آخر على ذلك: لا يمكنك حتى أن تشتغل بالرياضيات إلا إذا آمنت باتساقها.

بل دعني أسوق لك ما هو أكثر من هذا. خذ مثلاً قانون التربيع العكسي للجاذبية الأرضية الذي وضعه نيوتن. فلأنه مألوف لنا جداً باعتباره تفسيراً لكيفية دوران الكواكب حول الشمس في مدارات بيضاوية ونستخدمه (أو يستخدمه الخبراء) للتنبؤ بكافة أنواع الأحداث الفلكية، كالكسوف وما شابه، غالباً ما لا نرى فيه ذلك البعد الإيماني الخفي. ولكنه ينكشف في اعتقادنا بأن ما حدث اليوم سيحدث غداً.

وهذه هي مشكلة الاستقراء Induction الفلسفي المعروف التي رسم لها “برتراند رسك” صورة لا تنسى في قصته عن “الديك الرومي المستقرئ” “Inductivist Turkey” وبطل القصة ديك رومي لا يطعم بانتظام قبيل الكريسماس، فاستنتج أنه سيطعم يومياً. ولكنه اصطدم بأزمة رهيبة يوم العيد ربما كشفت له، ولو لجزء من الثانية، أخطار الاستقراء. ويعلق “بول دافيز” قائلاً: «إن شروق الشمس كل يوم من أيام حياتك لا يضمن أنها ستشرق غداً.

والاعتقاد بأنها ستشرق، أي بأن هناك نوع من الانتظام في الطبيعة يمكن التعويل عليه، هو فعل إيماني، ولن لا غنى عنه لتقدم العلم». وهذا الجانب من إمكانية الفهم العقلاني للكون غالباً ما يشار إليه بمبدأ ثبات الطبيعة Uniformity of Nature. وهو أحد أركان إيمان العالم.

وللأسف أن الفكرتين القائلتين بأن كل إيمان ديني إيمان أعمى وبأن العلم لا ينطوي على أي إيمان متأصلتان في أذهان الملحدين الجدد، مما ساهم في انتشارهما على نطاق واسع في كتاباتهم لدرجة أننا نضطر أن نؤكد بكل قوة أنهما خاطئتان. ويكتب “جون هوت” قائلاً: «عند نقطة معينة في سلسلة التحقق من كل زعم أو فرضية تدعي الحق، لا بد من قفزة إيمانية تعتبر مكوناً أساسياً في العملية.

وعنصر الثقة هو عنصر لا يهدم يكمن في أساس كل بحث بشري يسعى للوصول للفهم وللحق، بما فيه البحث العلمي. وإن وجدت نفسك تشك فيما قلته لتوي، فهذا ليس لشيء سوى أنك في هذا اللحظة بالذات تثق في عقلك بما يكفي للتعبير عن شكك فيما أقول. فلا يمكنك أن تتخلص من الثقة في قدرتك الفكرية حتى عندما تساورك الشكوك. علاوة على ذلك، فأنت لا تثير أسئلتك النقدية إلا لأنك تؤمن أن الحق يستحق البحث.

والإيمان بهذا المعنى، وليس بمعنى الخيالات الجامحة والتفكير المدفوع بالرغبة [3]Wishful thinking، يكمن في جذور أي دين حقيقي، وفي جذور العلم.» ويستنتج “هوت” استنتاجاً موفقاً مفاده أن هذا «يبين بجلاء أن محاولات الإلحاد الجديد لتطهير الوعي البشري من الإيمان محاولات عبثية وستمنى بالفشل.»

والحقيقة إن إجابتنا عن السؤال: لماذا الكون مفهوم عقلانياً؟ لن تعتمد على كوننا علماء أم لا، بل على كوننا مؤمنين بالله الخالق أو كوننا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية؛ فالمؤمنون بالله الخالق سيرون أن “ويجنر” كان مخطئاً في قوله بعدم وجود تفسير منطقي لإمكانية فهم الكون. ولكنهم سيقولون، على العكس، إن إمكانية فهم الكون متأصلة في طبيعة عقل الله الأعلى: كل من العالم الواقعي والرياضيات يمكن تتبع بداياتهما وصولاً إلى عقل الله الذي خلق كلاُ من الكون والعقل البشري.

ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون والعقل البشري. ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون الذي كان مهندسه ذلك العقل المبدع نفسه.

ويؤيد “كيث ورد” هذا الرأي تأييداً قوياً: «إن توافق الجسيمات الفيزيائية باستمرار مع العلاقات الرياضية الدقيقة هو أمر ممكن إن وجد عالم رياضيات كوني منظم يضع هذا الارتباط على النحو المطلوب. إن وجود قوانين فيزيائية… يعني ضمناً وجود إله يصيغ هذه القوانين ويضمن توافق العالم المادي معها.»

ومن ثم، الإيمان بالله الخالق يدفعنا لأن نعتقد في إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني ويعطي معنى لهذه الإمكانية، في حين أن أطروحة الاختزال تحط من قدرها وتغيب معناها، كما رأينا سابقاً. وهكذا، فإن العلم أبعد ما يكون عن القضاء على الله، بل إن هناك حجة قوة تؤكد أن وجود خالق هو ما يمنح العلم مبرره الفكري الأساسي.

وحتى “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking الذي يشغل الدرجة الأكاديمية التي شغلها السير اسحق نيوتن في جامعة كامبريدج والمعروف بعد تعاطفه مع الإيمان بالله الخالق، اعترف في لقاء تليفزيوني قائلاً: «من الصعب أن نناقش بداية الكون دون أن نذكر مفهوم الله.

وأبحاثي في أصل الكون تقع على الحدود فيما بين العلم والدين، ولكني أحاول أن أبقى في الجانب العلمي. ومن الوارد أن الله يعمل بطرق لا يمكن للقوانين العلمية وصفها.»

ولذلك يمكننا أن نرى اتفاقاً معيناً بين طرق التفكير العلمية والدينية بشأن الكون. وقد أشار “ج. ج. هولدن” J. J Haldane إلى هذه الفكرة بالذات في مناظرته مع “ج. ج. ي. سمارت” J. J. C. smart عن الإلحاد والإيمان مبيناً تشابه المنهجين العلمي والديني: «ومن ثم، فالعلم يشبه الإيمان من حيث استناده على افتراضات مسبقة “عقائدية”، وبما أنها تتعلق بنظام الكون وإمكانية فهمه، فهي أيضاً تشبه محتوى المفهوم الإيماني للكون باعتباره خليقة منظمة.

فضلاً عن ذلك، يبدو أن المؤمن بالله الخالق يدفع الحركة العلمية لمسافة أبعد بمحاولته المستمرة أن يفهم ما يجعل هذا النظام المدرك ممكناً أصلاً، باحثاُ عن أعمق الأوصاف والتفسيرات لوجود الكون وطبيعته.»

وجود الكون:

 من العناصر الأخرى الجوهرية في عقيدة العالم القناعة بأن الكون موجود ليُدرس، وهي حقيقة واضحة من ذاتها حتى إننا يمكن أن نسلم بها بسهولة. وهو ما يدعو للأسف. وذلك لأن إحدى المشكلات الأساسية التي تطرحها الفلسفة: لماذا يوجد كون من الأصل، لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

بعض العلماء والفلاسفة يعتقدون أننا لا يجب حتى أن نسأل هذا السؤال. وهم يرون أنه لا معنى للبحث عن سبب لوجود الكون لأنه ليس من سبب. ووجهة نظرهم تتلخص في أنه بما أن أي سلسلة من التفكير المنطقي لا بد أن تبدأ من نقطة معينة، إذن يمكننا أن نبدأ من وجود الكون. ويكتب “أي. تاريتون” E. Trayton على غرار “برتراند رسل” قائلاً: «الكون الذي نعيش فيه هو مجرد واحد من الأشياء التي تحدث من آن لآخر».

إلا أن هذه الإجابة التي تقول إن الكون انبثق هكذا إلى الوجود دون سبب تشبه من يفسر سقوط التفاح على الأرض بأنه يسقط هكذا دون سبب. فإن كانت الأخيرة علمية تكون الأولى علمية! فضلاً عن ذلك، إنه غريب جداً، كما يقول “كيث ورد” «أن نقول إن لكل شيء سبباً، ما عدا أهم شيء، أي وجود كل شيء، الكون نفسه.» إن رغبة الإنسان المتأججة في الحصور على تفسير لن تكف عن طرح السؤال.

والبعض الآخر يرى أن الكون يفسر نفسه. فمثلاً، “بيتر آتكينز” يؤمن بأن «عنصر الزمكان[4] يولد مادته في عملية تجميعه الذاتي لنفسه». وهو يطلق على هذه الفكرة “رباط الحذاء الكون” مشيراً إلى شخص يحاول أن يرفع نفسه من رباط حذائه. وهي فكرة متناقضة مع نفسها، مما يدفع كيث ورد” إلى القول إن نظرة “أتكينز” للكون تتناقض مع ذاتها تناقضاً صريحاً كتناقض الاسم الذي يطلقه عليها مشيراً إلى أنه «يستحيل منطقياً على المسبب أن يحدث أثراً إلى إذا وجد هذا المسبب أصلاً».

وينتهي “ورد” إلى أنه: «ليس من تنافس بين فرضية الله وفرضية رباط الحذاء الكوني. لأننا نعلم أن الأشخاص أو الأكوان الذين يحاولون رفع أنفسهم من أربطة أحذيتهم حتماً يفشلون للأبد». فلا الأكوان ولا كعكعة الخالة متيلدا تولد نفسها ولا تفسر نفسها. ولكن تفسير “التوليد الذاتي الذي يقدمه “آتكينز” لا يفرضه عليه علمه بل فلسفته المادية.

إلا أن “ستيفن هوكينج” يبدو أنه يتفق مع قصة الخالة ماتيلدا من حيث إن العلم لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون؟ فهو يكتب قائلاً: «إن المنهج العلمي المعتاد الذي يعتمد على بناء نموذج رياضي لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون الذي يصفه النموذج؟ لماذا يوجد الكون من الأساس؟ هل النظرية الموحدة لها من قوة الإقناع ما يجعلها توجد نفسها؟ أم أنها تحتاج إلى خالق، وإن كان كذلك، هل الخالق له أي تأثير آخر على الكون؟».

فأول ما يقترحه “هوكينج” هنا ليس أن الكون يولد نفسه، بل إنه وجد عن طريق نظرية، وقد قال “بول دافيز” شيئاً مشابهاً في لقاء أجري معه: «لا حاجة للاستعانة بأي شيء فائق للطبيعي في أصل الكون أو أصل الحياة. فأنا لم أعجب إطلاقاً بفكرة الصنعة الإلهية، ولكني أرى أن الفكرة الأكثر إثارة هي أن مجموعة من القوانين الرياضية تتمتع بدرجة عالية من الذكاء تمكنها من إيجاد كل هذه الأشياء».

والغريب أن عالماً بحجم “دافيز” مستعد أن يكون رأيه في أصل الأشياء على أساس الإعجاب وعدم الإعجاب. فهو كمن يقول: «يعجبني أن أعتقد في وجود جنيات في نهاية حديقتي.» علاوة على ذلك، فهو هنا ينسب الذكاء (إن لم يكن الشخصية أيضاً) لمجموعة من القوانين الرياضية معتقداً أنها ذكية نظراً لما تتميز به من إثارة! هل هذا تفكير مدفوع بالرغبة الشخصية أم ماذا؟

وسنترك هذا الدافع المشكوك فيه ونسأل: ما معنى أن نظرية أو قوانين توجد الكون؟ من المؤكد أننا قادرون على صياغة نظريات تحتوي على قوانين رياضية تصف الظواهر الطبيعية، بل إننا عادة ما نفعل ذلك بدقة مذهلة. إلا أن ما نتوصل إليه من قوانين لا يمكنه في ذاته أن يسبب أي شيء.

فقوانين نيوتن يمكنا أن تصف حركة كرة بلياردو، ولكن العصا التي يمسك بها لاعب البلياردو هي ما تحرك الكرة، لا القوانين. القوانين تساعدنا على رسم خريطة لمسار حركة الكرة في المستقبل (بشرط عدم تدخل عنصر خارجي). ولكنها عاجزة عن تحريك الكرة، ناهيك عن الإتيان بها للوجود.

وقد قال هذا الكلام عينه منذ زمن بعيد “وليم بيلي” William Paley الذي تعرض للكثير من التحقير، إن جاز لنا التعبير. فقد قال معلقاً على الشخص الذي عثر على ساعة وسط الحشائش والتقطها إن هذا الشخص ستعتريه “دهشة كبيرة لو علم أن الساعة التي في يده ليست سوى نتاج قوانين الطبيعة المعدنية. وإنه لتحريف لغوي أن نصف أي قانون بأنه المسبب الفاعل والفعال لأي شيء. فالقانون يفترض فاعلاً، لأنه لا يمثل سوى الأسلوب الذي يتحرك الفاعل وفقاً له.

إنه ينطوي على قوة لأنه يشكل النظام الذي تتصرف تلك القوة وفقاً له. ودون هذا الفاعل، دون هذه القوة، وكلاهما متمايز عن القانون، فالقانون لا يفعل شيئاً وهو نفسه لا شيء».

في العالم الذي يعيش فيه معظمنا القانون الحسابي البسيط 1 + 1 = 2 لم يأت إطلاقاً بأي شيء للوجود. والمؤكد انه لم يودع أي مبالغ مالية في حسابي المصرفي. فإن أودعت في البداية 1000 جنيه إسترليني ثم 1000 أخرى، قوانين الحساب ستشرح منطقياً أني الآن أملك 2000 إسترليني في البنك. ولكن لو لم أودع أي أموال في البنك بنفسي وتركت قوانين الحساب توجد أموالاً في حسابي، فسأظل مفلساً للأبد.

إن عالم الفلسفة الطبيعية الصارمة حيث القوانين الرياضية الذكية تسبب وجود الكون والحياة هو عالم خيال محض (وقد أضيف أنه خيال فقير). وإن أطلقنا عليه خيالاً علمياً، نسيء لاسم العلم. فالنظريات والقوانين لا توجد أي شيء. إلا أن الرأي القائل بأنها مع ذلك تتمتع بتلك القدرة على نحو ما يبدو ملاذاً يائساً (وإلا فماذا تكون هذه القوانين إذن؟) من الاحتمال البديل الذي يشتمل عليه سؤال “هوكينج” الأخير المذكور آنفاً: «أم أنها تحتاج إلى خالق؟»

إن “آلن سانديج” Allan Sandage الذي يعتبر من مؤسسي علم الفلك الحديث، ومكتشف أشباه النجوم Quasars والفائز بجائزة كرافورد Crafoord المعادلة لجائزة نوبل في الفلك لا يساوره أدنى شك في أن الإجابة على ذلك السؤال بالإثبات: «أرى أنه من المستبعد أن يكون نظام كهذا نشأ من الفوضى. لا بد من وجود مبدأ منظم. والله بالنسبة لي سر عميق غامض ولكنه تفسير معجزة الوجود، وهو إجابة لسؤال لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم.»

بداية الكون:

إن سؤال وجود الكون يختلف من الناحية المنطقية عن سؤال ما إذا كانت للكون بداية أم لا. ويشكل هذا الأخير أهمية جوهرية لتاريخ الفكر. وهو يرتبط بالمسائل المعلقة بطبيعة الحقيقة النهائية، لأنه إن لم تكن للكون بداية، فهو أزلي. وبناء على ذلك يمكن القول بأنه مجرد حقيقة مادية للوجود لا معنى لها. ولكن إن كانت له بداية، فهو ليس أزلياً. ومن ثم، ليس نهائياً.

وعلى مر التاريخ طرحت العديد من الآراء. فقد رأى أفلاطون أن الكون يتكون من مادة موجودة سلفاً. أما أرسطو فقد أمن بأن الأرض مركز كون أزلي. وفي شكل آخر من أشكال فكرة الكون الأزلي نجد أن بعض فلسفات الكون القديمة الأخرى، مثل فلسفة الكون الهندوسية، تؤمن أن الكون يسير في حلقات متكررة بلا نهاية تشبه كثيراً إيقاع الطبيعة ولكن على فترة أطول كثيراً، تقاس أحياناً بتريليونات السنين.

إلا أن العبرانيين آمنوا قبل الإغريق بزمن طويل أن الزمن خطي والكون له بداية. وآمنوا أنه مخلوق وأن خالقه هو الله. وقد اعتنق هذه النظرة عدد من رواد الفكر أمثال أوغسطينوس وإيريناوس وتوما الأكويني. وقد سادت هذه النظرة الساحة الفكرية على مدى قرون عدة.

ومن الجدير بالذكر أن توما الأكويني حاول في القرن الثالث عشر أن يصالح موقف الكتاب المقدس مع الفلسفة الأرسطية على أساس أن مفهوم الخليقة، في رأيه، يتصل بالوجود أكثر مما يتصل بعملية الخلق. وقد تبع أوغسطينوس في الاعتقاد بأن الله خلق “مع الزمن” وليس في الزمن. ووفقاً لهذه النظرة، يعني الخلق ببساطة أو وجود الكون يعتمد على الله. وقد رأى توما الأكويني أنه يستحيل أن نجزم بناءً على الأفكار الفلسفية ما إذا كان الكون أزلياً أم لا. إلا أنه اعترف أن الإعلان الإلهي يؤكد أن له بداية.

إلا أنه في جزء كبير من العصر العلمي الحديث عقب كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن تحول الفكر عموماً إلى الاعتقاد بأن الكون لا نهائي من حيث عمره واتساعه. ومن منتصف القرن التاسع عشر بدأت هذه الفكرة تتعرض لضغوط متزايدة حتى إنها فقدت تماسكها كلية.

وذلك لأن الاعتقاد ببداية الكون أصبح مرة أخرى يمثل رأي معظم العلماء المعاصرين. فبعض الدلائل المبنية على الانزياح نحو الأحمر[5] Red-shift في الضوء الصادر من المجرات البعيدة، وخلفية الموجة الصغيرة الكونية Cosmic Microwave Background، والديناميكا الحرارية قادت العلماء إلى صياغة النموذج القياسي للكون المعروف باسم “الانفجار الكبير.”

العداء لفكرة البداية:

إلا أنه لا بد أن نذكر أنه ليس كل العلماء مقتنعين بصحة نموذج الانفجار الكبير. فمثلاً، بعض التفسيرات الأخرى لظاهرة الانزياح نحن الأحمر تثير عدة مشكلات. ومما يخلق مشكلات أيضاً ما اكتشف حديثاً من أن تمدد الكون يبدو أنه يسير بسرعة أكبر، مما يطرح سؤالاً عن احتمالية وجود قوة لم تعرف حتى الآن تسير في اتجاه معاكس للجاذبية.

والواقع أن الفلسفة الحياتية التي يتبناها بعض العلماء والفلاسفة تلعب دوراً في معاداتهم لفكرة البداية. وقد علق “إنجلز” Engels تعليقاً ثاقباً على القضايا ذات الصلة قائلاً: «هل خلق الله العالم أم أن العالم موجود أزلاً؟ إن إجابات الفلاسفة عن هذا السؤال قسمتهم إلى معسكرين كبيرين. فمن أكدوا أولوية الروح على الطبيعة، ومن ثم افترضوا أخيراً أن العالم مخلوق بشكل أو بآخر…. كونوا معسكر الفلسفة المثالية.

أما الآخرون الذين رأوا أن الأولوية للطبيعة ينتمون لمختلف مدارس الفلسفة المادية». ويتبنى “ستيفن هوكينج” نظرة مشابهة: «الكثيرون لا يحبون فكرة أن للزمن بداية، ربما لأنها تحمل في طياتها فرضية التدخل الإلهي.»

ومن أولئك السير “آرثر إدينجتون” Arthur Eddington (1882-1944) الذي كان رد فعله كالآتي: «فلسفياً، فإن الفكرة القائلة بوجود بداية للنظام الحالي للطبيعة هي فكرة مثيرة للاشمئزاز… وإني أفضل إيجاد بديل آخر لها.» وقد شاركه آخرون في شعوره بالاشمئزاز إزاء هذه الفكرة.

ففي منتصف القرن العشرين مثلاً طرح كل من “جولد” Gold، “بوندي” Bondi، “هويل” Hoyle، “نارليكار” Narlikar سلسلة من نظريات الحالة الثابتة Steady-State Theories التي تقول بأن الكون موجود أزلاً، والمادة كانت تنتج باستمرار للحفاظ على كثافة الكون المتمدد ثابتة. ومعدل الإنتاج اللازم معدل في غاية البطء يعادل ذرة واحدة لكل متر مكعب في كل عشرة مليار سنة. وهو ما يعني، بالصدفة، استحالة إخضاع النظرية للاختبار عن طريق الملاحظة.

أما دافعهم وراء هذا الرأي فقد أثار اهتمام الجريدة العلمية الأسبوعية الراقية “نيتشر” حيث أشار الكاتب العلمي الشهير “جون جريبين” John Gribbin أن نظرية الحالة الثابتة التي وضعها “هويل” مع “بوندي” اكتسبت الكثير من زخمها من المشكلات الفلسفية واللاهوتية التي تثيرها فكرة بداية الكون، ولا سيما السؤال عن الشيء أو الشخص المسؤول عن هذه البداية.

ومن مشاهير العلماء الآخرين الذين يجدون فكرة البداية مقززة السير “جون مادوكس” John Maddox وهو محرر سابق في جريدة “نيتشر”. فقد صرح بأن فكرة البداية «غير مقبولة بالمرة» لأنها تنطوي على «منشأ نهائي لعالمنا» وتعطي المؤمنين بنظرية الخلق «مبرراً وافراً» لمعتقداتهم. ومما يدعو للسخرية أن البعض في القرن السادس عشر قاوموا التقدم العلمي بدعوى أنه يهدد الإيمان بالله، بينما في القرن العشرين تتعرض الأفكار العلمية عن البداية للمقاومة لأنها تدعم معقولية الإيمان بالله وهو ما يشكل تهديداً لرافضي هذا الإيمان.

ولا بد من الإشارة إلى جانب آخر في تصريح “مادوكس”، ألا هو أن النقد الموجه لأولئك (العلماء) الذين يؤمنون بخالق مفاده أنهم لا يملكون نموذجاً للكون يقود إلى تنبؤات يمكن إخضاعها للاختبار. إلا أن تعليق “مادوكس” يبين خطأ هذا الانتقاد. بل إن عداءه لفكرة البداية سببه تحديداً أن النموذج الخلقي كما يقدمه الكتاب المقدس يتنبأ بوضوح بوجود بداية، وهذا هو ما لم يرحب به “مادوكس.”

إلا أن الأدلة المبينة على الدالة الانفرادية في متغير الزمكان Space-time Singularity في صورة اكتشاف خلفية الموجة الصغيرة وغيرها تؤكد التنبؤ الواضح الذي تتضمنه الرواية الكتابية. وهو ما يعني أن التهمة القائلة بأن التصميم الذكي غير علمي لأنه لا يقدم أي تنبؤات قابلة للاختبار تهمة زائفة. فقد أثبت العلم نفسه أن فرضية الخلق قابلة للاختبار.

نقطة البداية:

لا بد أن ندرك ما يحيط موضوع البداية من صعوبات نظرية لا حد لها. فبناء على ما يطلق عليه “النموذج القياسي” “Standard Model” كان الكون قرب البداية في منتهى الضخامة وفي منتهى الصغر.

وعلى مستوى الأشياء متناهية الصغر، وضعت نظرية الكم لوصف سلوك الذرات ومكوناتها. ومن ثم، رأى الفيزيائيون أنه يجب علينا أن نبني تفكيرنا على أساس علم الكون الكمي حتى نتمكن من دراسة أول جزء من الثانية في وجود الكون، وكلمة “جزء” تعني فترة زمنية قصيرة لا يمكن تخيلها، وهي ما يعرف باسم “زمن بلانك” Planck Time الذي يساوي 10-43 ثانية (0.000000000000000000000000000000000000000000 حيث يوجد 42 صفراً بين الواحد الصحيح والعلامة العشرية)، وهو ما يعتبر نظرياً أصغر فترة زمنية يمكننا تمييز ما يقع فيها من أحداث.

والفكرة الأساسية هي أنه على مستوى الأشياء متناهية الصغر توجد حتماً مساحة غير يقينية وغير خاضعة للتنبؤ طبقاً لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج Heisenberg’s uncertainty principle. وهو يضع حداً لقدرتنا على تحديد قيم الكميات القابلة للقياس مثل وضع وحركة الجسيمات الذرية ومكوناتها. ومن هنا نكتشف محدودية قدرتنا على التحديد.

فبالرغم من أننا نستطيع توقع احتمالية وقوع حدث كمي معين، مثل اضمحلال النشاط الإشعاعي لأحد الجسيمات، فلا يمكننا تحديده بدقة. وذلك نظراً لما يتسم به السلوك بحالة من التذبذب لا يمكن محوها. والحجة التي تبنى على هذه الفكرة هي احتمالية ظهور الكون إلى الوجود في صورة تموج في فراع كمي Fluctuation in a quantum vacuum.

وقد صمم “هوكينج” بالتعاون مع “هارتك” Hartle، في محاولتهما لدراسة هذه الفكرة نظرياً، نموذجاً رياضياً للكون في شكله المبكرة يشتمل على مفهوم “الزمن التخيلي” “Imaginary Time” الذي يقال إنه ينفي الحاجة للدوال الانفرادية Singularities، ومن ثم ينفي مسألة الخالق. ولكنه لا ينفي هذا ولا ذاك. فبصرف النظر عن أن هذه التفاسير تنطوي على قدر كبير من التخمين، فالقول بنشأة الكون من تموج في فراغ كمي يرجع بمسألة الأصل خطوة للوراء ويجعلنا نتساءل عن مصدر الفراغ الكمي.

والأهم من ذلك أنه لا يجيب عن سؤال: “ما أصل القوانين التي تحكم هذا الفراغ؟” أما بخصوص الوقت الكافي Real Time، يعترف “هوكينج” قائلاً: «في الوقت الحقيق، الكون له بداية ونهاية على دوال انفرادية تكون حداً للزمكان حيث يتوقف عمل القوانين العلمية”.

ومن ثم، فهناك اتفاق عام حالياً على أن الكون له بداية. والقول بأن الكون يفسر ذاته قول متناقض تماماً كما أن القبول الساذج للبداية باعتبارها حقيقة مادية بلا معنى غير مرض. وكلما ازدادت معرفتنا عن الكون، ازدادت مصداقية فرضية وجود إله خالق صمم الكون لغرض باعتبارها أفضل تفسير لوجودنا في هذا الكون.

ويقول “تشارلز تاونز” Charles Townes الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء سنة 1964 لاكتشافه الميزر Maser والممهد لاكتشاف الليزر: «أرى أن السؤال عن الأصل سيظل دون إجابة إن درسناه من وجهة نظر علمية. ولذلك، أؤمن بالحاجة إلى تفسير ديني أو ميتافيزيقي. وأؤمن بمفهوم الله وبوجوده».

الضبط الدقيق في الكون:

يرجع الفضل إلى كوبرنيكوس في إحداث ثورة في التفكير العلمي. فإطاحته بفكرة أن الأرض مثبتة في مركز الكون مكنته أن يبدأ عملية التقليل من أهمية الأرض التي أدت إلى انتشار فكرة أن الأرض أحد الكواكب العادية التي تدور في فلك إحدى الشموس العادية التي تقع في أحد الأذرع الحلزونية لمجرة عادية. وهنا يضيف المؤمنون بنظرية الأكوان المتعددة أن المجرة تقع في أحد الأكوان العادية. ووضع الأرض في حجمها الطبيعي على هذا النحو يعرف أحياناً باسم مبدأ كوبرنيكوس.

إلا أن عدداً من مجالات البحث والفكر تشكك في هذا المبدأ تشكيكاً كبيراً. وذلك لأن الصورة المذهلة التي تنشأ تدريجياً من الفيزياء الحديثة وعلم الكون تبين أن قوى الكون الأساسية متوازنة أو «مضبوطة ضبطاً دقيقاً» Fine-tuned على نحو مذهل ومعقد وحساس بما يمكن الكون من احتضان الحياة. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الكثير من الثوابت الأساسية في الطبيعة، بدءًا بمستويات الطاقة في ذرة الكربون وانتهاء بمعدل تمدد الكون موجودة بالقيم المضبوطة المناسبة للحياة.

فإن أحدثت تغييراً طفيفاً لا يذكر في أي منها، يصبح الكون معادياً للحياة وعاجزاً عن دعمها. فالثوابت مضبوطة بدقة، وهذا الضبط الدقيق هو ما يتطلب تفسيراً من وجهة نظر الكثير من العلماء (وغيرهم).

والمؤكد أننا بطبيعة الحال لا يمكننا إلا أن نشير إلى ما توصل إليه العلماء حتى الآن مع وعينا بالاختلافات فيما بينهم، كما هو الحال دائماً، حول صحة بعض الافتراضات التي تقوم عليها حسابات الضبط الدقيق، ووعينا باحتمالية تغير بعض الآراء، فالعلماء لا يدعون تقديم الحق النهائي. إلا أن الضبط الدقيق ثبت أقدامه باعتباره أحد ملامح الكون التي تستحق اهتماماً جاداً. فلنتناول بعض الأمثلة.

وجود الحياة على الأرض يتطلب كمية وافرة من الكربون. والكربون يتكون إما من اندماج ثلاث نويات هليوم أو اندماج نويات هليوم وبريليوم. وقد اكتشف عالم الرياضيات والفلك البارز السير “فرد هويل” Fred Hoyle أن حدوث هذا الأمر يتطلب ضبط الحد الأدنى لمستويات الطاقة النووية Nuclear ground state energy levels ضبطاً دقيقاً بالنسبة لبعضها البعض.

وتعرف هذه الظاهرة باسم “الرنين” Resonance فإن كان الاختلاف أكثر من 1٪ في أي من الناحيتين، يستحيل على الكون أن يحتضن الحياة. وقد اعترف “هويل” فيما بعد أنه ما من اكتشاف زلزل إلحاده قدر هذا الاكتشاف. فهذه الدرجة البسيطة من الضبط الدقيق كانت كافية لإقناعه بأنه يبدو وكأن «عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء» وبأنه «ما من قوى عمياء في الطبيعة تستحق أن نتحدث عنها».

إلا أن هذا المثال يصبح قليل الأهمية، من حيث نسبة تفاوت القيم المسموح بها، إذا قورن بدقة الضبط التي نراها في قيم أخرى في الطبيعة. فعالم الفيزياء النظرية “بول دافيز” يخبرنا أنه لو اختلفت نسبة القوة النووية الشديدة Nuclear Strong Force للقوة الكهرومغناطيسية بمقدار جزء واحد من 1610، لاستحال تكون النجوم. ونسبة ثابت القوة الكهرومغناطيسية لثابت قوة الجاذبية لا بد أن تكون متوازنة توازناً دقيقاً بنفس القدر.

فلو زادت بمقدار جزء واحد من 4010، لا يمكن إلا للنجوم الصغيرة أن توجد. وإن نقصت بالمقدار نفسه، لا يمكن إلا للنجوم الكبيرة أن توجد. ولا بد أن يكون في الكون نجوم كبيرة وصغيرة لأن الكبيرة تنتج عناصر في أفرانها النووية الحرارية، والصغيرة هي التي تحترق على فترات طويلة تسمح ببقاء الحياة على الكوكب.

هذه الدقة هي التي يحتاجها الهداف ليصوب على عملة معدنية موضوعة في الطرف المقابل من الكون الواقع في نطاق ملاحظتنا على بعد 20 مليار سنة ضوئية على حد التصوير الذي سوقه “دافيز” وإن كان من الصعب تخيل تلك الصورة، إليك التصوير الذي يقترحه عالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” Hugh Ross.

غط قارة أمريكا بعملات معدنية في عمود يصل إلى القمر (380 ألف كم أو 236 ألف ميل)، وكرر الشيء نفسه مع مليار قارة أخرى بحجم أمريكا. ادهن عملة واحدة باللون الأحمر وضعها في أي من المليار عمود. ثم اعصب عيني صديق لك واطلب منه أن يستخرجها. احتمال نجاحه في هذه المهمة يساوي حوالي 1 من 4010.

ورغم أننا الآن أمام مجالات من الدقة تفوق كل قدرات الآلات التي صممها البشر، ما زال الكون زاخراً بمفاجآت أكثر إدهاشاً. فيقال إنه لو تغيرت نسبة قوى التمدد والانكماش بمقدار جزء واحد من 5510 على “زمن بلانك” (بعد 10-43 ثانية فقط من بداية الكون)، لأدى ذلك إما إلى تمدد سريع جداً للكون لا يسمح بتكون المجرات أو تمدد بطيء جداً يعقبه انهيار سريع.

إلا أن حتى هذا المثال يبدو ضئيل الأهمية أمام أكثر الأمثلة إرباكاً للعقل. ألا وهو أن أنتروبيا Entropy[6] (مقياس للاضطراب) الكون تتزايد، وهي حقيقة ينص عليها ثاني قوانين الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics. ويكتب عالم الرياضيات البارز السير “روجر بنروز” في هذا الصدد قائلاً: «حاول أن تتخيل فضاء الطور Phase Space[7]… للكون كله. كل نقطة في فضاء الطور هذا عبارة عن طريقة مختلفة كان يمكن أن تمثل بداية الكون.

وعلينا أن نتخيل الخالق يمسك “دبوساً” يجب أن يوضع على نقطة ما في فضاء الطور… وكل موضع للدبوس ينتج كوناً مختلفاً. فالدقة المطلوبة لتحقيق هدف الخالق تعتمد على الإنتروبيا التي خلق الكون على أساسها. ومن “السهل” نسبياً إنتاج كون ذي إنتروبيا مرتفعة، طالما يتوافر للدبوس حجم كبير من فضاء الطور. ولكن إنشاء الكون في حالة من الإنتروبيا المنخفضة، مما يؤدي إلى قانون ثان في الديناميكا الحرارية، يتطلب من الخالق أن يستهدف مقداراً صغيراً جداً من فضاء الطور. فما مدى صغر هذه المساحة التي تفضي إلى كون قريب الشبه من هذا الذي نعيش فيه»؟

وقد قادته حساباته إلى خلاصة مذهلة مفادها أنه لا بد أن “هدف الخالق” كان دقيقاً بمقدار جزء واحد من 10 مرفوعة لأس 12310 أي 1 متبوعاً بـ 12310 صفر، «رقم تستحيل كتابته بنظام الترقيم العشري المعتاد لأنك حتى لو تمكنت من وضع صفر على كل جسيم في الكون لن تجد عدداً كافياً من الجسيمات يمكنك من أداء المهمة».

وأمام هذا الكم من الأمثلة المذهلة على الضبط الدقيق، ليس غريباً أن يقول “بول دافيز”: «الانطباع الذي يتركه التصميم الكوني انطباع مهول».

لقد تناولنا حتى الآن الضبط الدقيق على المستوى الكوني كبير الحجم. وعندما نفكر في الظروف المحددة اللازمة بالقرب من موطننا في مجموعتنا الشمسية وعلى الأرض نجد عدداً كبيراً من القيم الأخرى التي لا بد أن تتوافر بالمقادير الصحيحة التي تسمح بالحياة. وبعضها واضح لنا جميعاً. ومنها المسافة بين الأرض والشمس. فلو اقتربت الشمس من الأرض لتبخرت المياه، ولو ابتعدت لأصبحت الأرض باردة جداً مما يجعل الحياة مستحيلة. وحدوث تغير بمقدار 2٪ أو نحوها يؤدي لتوقف الحياة.

وحرارة وجاذبية السطح أيضاً من العناصر ذات القيم الحرجة التي لا يمكن أن تتغير ولو بمقدار نسبة مئوية ضئيلة لتمد الأرض بالغلاف الجوي الداعم للحياة، عن طريق الاحتفاظ بالمزيج المناسب من الغازات الضرورية للحياة. والكوكب لا بد أن يدور بالسرعة المناسبة: فإن دار ببطء شديد يتسع الفرق بين درجات حرارة النهار والليل اتساعاً مفرطاً، وإن دار بسرعة شديدة، تصبح الرياح ذات سرعة مدمرة. والقائمة تطول.

فعالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” يسرد العديد من هذه القيم التي لا بد أن تضبط بدقة لتسمح بالحياة. وقد أجرى عملية حسابية تقريبية، وإن كانت محصلتها أصغر من القيمة الحقيقية، تبين أن احتمال وجود كوكب كهذا في الكون بالصدفة يعالد حوالي 1 من 3010.

وقد كشف “جيرمو جونوالز” Guillermo Gonzalez و”جاي و. ريتشاردز” Jay W. Richards عن منظور مذهل لهذا الموضوع في كتاب حديث بعنوان “الكوكب المحظوظ” The Privileged Planet حيث يلفتان النظر إلى مدى ملاءمة الأرض للعلم.

والأطروحة التي يقترحها الكاتبان أن الأرض هي الوحيدة، ضمن كل الأماكن الموجودة في الكون، التي تتمتع بالظروف التي تسمح بسكناها، ولكنها في الوقت نفسه شديدة الملاءمة لصنع «تنوع مذهل من القياسات، بدءًا من علم الكون وعلم الفلك المجري وانتهاء بالفيزياء الفلكية للنجوم وفيزياء الأرض» فما أن نبدأ بالتفكير في هذا الأمر حتى نجد أمثلة بلا عدد، وبعضها في منتهى الوضوح.

فكان يمكن ببساطة أن نجد أنفسنا في موضع من الكون حيث لا يمكننا رؤية الفضاء العميق بسبب شدة نور النجوم، كان من الممكن لغلافنا الجوي أن يكون معتماً أو شبه شفاف وليس شفافاً. أما البعض الآخر أقل وضوحاً. خذ مثلاً دقة حجم القمر والشمس وبعدهما عن الأرض بما يسمح بحدوث كسوف كامل.

وهو ما يحدث عندما يغطي قرص القمر الأسود بالكاد قرص الشمس المتوهج بحيث ترى الحلقة الرفيعة من الكروموسفير (الغلاف الجوي للشمس)، التي تمكن من دراسته علمياً، وهو ما يساعدنا في معرفة الكثير عن الشمس مما يستحيل معرفته بطريقة أخرى، بل يزودنا بتأكيد مبدئي لانحناء الضوء بفعل الجاذبية الذي تنبأت به نظرية أينشتاين في النسبية العامة.

وقد قالا فيما خلصا إليه: «ولكننا عندما نقف محدقين في السماوات المنبسطة وراء واحتنا الصغيرة، لا نحدق في فراغ بلا معنى بل في ساحة أخاذة تتناسب مع قدرتنا على الاكتشاف. ربما أننا كنا نمد بصرنا عبر إشارة كونية أقيم بكثير من أي تسلسل رقمي، إشارة تكشف عن كون صنع صنعة ماهرة تناسب الحياة والاستكشاف حتى يبدو أنه يلمح إلى ذكاء من خارج الأرض أكبر وأقدم وأبهى بما لا يقاس من كل توقعاتنا وتخيلاتنا».

“أرنو بنزياس” Arno Penzias الذي استخدم القمر الصناعي في أنسب موقع من الأرض ليتوصل إلى الاكتشاف العبقري الذي يعكس “أصداء البداية”، ألا وهو إشعاع الموجة الصغرى للخلفية الكونية، يلخص الموقف كما يراه قائلاً: «يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق يوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة، كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعة”)».

وعلينا أن ننتبه أن الحجج السابقة ليست حجج “إله الفجوات”، فالتقدم في العلم، وليس الجهل به هو ما كشف لنا هذا الضبط الدقيق. وبهذا المعنى ليست في العلم “فجوة”. ولكن السؤال: كيف يمكننا أن نفسر العلم؟ إلام يشير العلم؟

المبدأ الإنساني:

إن هذا الفهم الذي توصل إليه العلماء من أن الكون لا بد أن يكون منظماً بدقة شديدة حتى يدعم الحياة يطلق عليه المبدأ الإنساني Anthropic Principle (الكلمة اليونانية Anthropos تعني “الإنسان”). وهو في شكله الضعيف (المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle) يقول إن: «الكون القابل للملاحظة له بنية تسمح بوجود ملاحظتين.»

والواضح أن هذه العبارة مثيرة للجدل: هل هي تكرار للمعنى نفسه بكلمات مختلفة؟ هل هي مبدأ، بمعنى أنها تقدم تفسيرات… إلخ؟ وأياً كانت الإجابة، فالعبارة على أقل تقدير تلفت النظر لحقيقة مفادها أن نظريات الكون القابلة للتطبيق لا بد أن تأخذ في حسبانها وجود ملاحظين.

ويرى بعض العلماء والفلاسفة أنه يجب ألا نتعجب مما نراه في الكون المحيط بنا من نظام وضبط دقيق، لأنه لو لم يكن الحال هكذا، تصبح الحياة كربونية الأساس[8] أمراً مستحيلاً، وبالتالي لن نكون موجودين حتى نلاحظ الضبط الدقيق. أي أنهم يستخدمون المبدأ الإنساني ضد استدلال التصميم. والحقيقة أن “ريتشارد دوكنيز” يخبرنا في كتاب “وهم الإله” أن المبدأ الإنساني والله يمثلان تفسيرات بديلة. إلا أن ما يقوله ينطوي على منطق مغلوط من ناحيتين.

وذلك لأن “دوكينز” لا يقدم لنا بديلين خاطئين فحسب، بل إن أولهما لا ينتمي لفئة التفسيرات على الإطلاق. ولكن كل ما يفعله المبدأ الإنساني أنه يخبرنا بضرورة توافر شروط معينة حتى توجد حياة. ولكنه لا يفسر لنا سبب توافر تلك الشروط، ولا كيفية نشأة الحياة نتيجة لتوافر هذه الشروط. وهكذا فإن دوكينز يقع في خطأ بدائي من الاعتقاد بأن الشروط اللازمة كافية.

ولكنها ليست كافية، فلكي تحصل على تقدير امتياز في جامعة أكسفورد لا بد أن تلتحق أصلاً بالجامعة، ولكن الالتحاق بالجامعة لا يكفي للحصول على تقدير امتياز كما يعرف الكثير من الطلاب. وهكذا فالمبدأ الإنساني أبعد ما يكون عن تفسير أصل الحياة، ولكنه ملاحظة تخلق الحاجة لهذا التفسير.

ويشير الفيلسوف “جون لسلي” John Leslise إلى هذه الفكرة قائلاً إن استخدام المبدأ الإنسان ضد التصميم «يبدو كمن يقول إنك إن واجهت فرقة عسكرية تصوب عليك خمسين بندقية، يجب ألا تندهش عندما تجد نفسك حياُ بعد إطلاقهم للنيران. فهما يكن من أمر، هذا هو الناتج الوحيد الذي يمكنك أن تلاحظه، لأنك لو أصبت برصاصة واحدة لفقدت حياتك.

ولكنك قد تشعر مع ذلك بأن الأمر يتطلب تفسيراً، فكيف أخطأوا جميعهم إصابة الهدف؟ هل بناء على تصميم مقصود؟ لأنه لا تناقض بين عدم اندهاشك من عدم إدراك أنك مت، واندهاشك من إدراكك أنك ما زلت حياً.»

ويقول “لسلي” إن حجة الضبط الدقيق تعرض علينا الاختيار بين احتمالين على الأكثر. الأول هو أن الله حقيقة.

والسبيل الوحيد للتخلص من تلك النتيجة، من وجهة نظر “لسلي” هو الإيمان بما يعرف باسم فرضية “العوالم الكثيرة” “Many Worlds” أو “الأكوان المتعددة” “Multiverse” (التي روجها كتاب “نسيج الحقيقة” The Fabric of Reality بقلم “دافيد دويتش” David Deutsch) التي تفترض وجود عدد كبير، أو ربما لا نهائي، من الأكوان المتوازية المتزامنة حيث أي شيء (تقريباً) ممكن الحدوث نظرياً سيتم عملياً في النهاية. وعليه، فوجود كون آخر مثل كوننا أمر لا يدعو للدهشة. 

وهذه هي النظرة التي يتبناها عالم الفلك السير “مارتن ريز” Martin Rees الذي يناقش في كتابه “ستة أرقام فقط” Just Six Numbers الأرقام الستة المضبوطة ضبطاً دقيقاً التي يعتبرها أهم ما يتحكم في سمات الكون.

ويؤسس “دويتش” نظريته على تفسير ميكانيكا الكم الذي ينسب للعالم “هيو إفرت الثالث” Hugh Everett III الذي تتلخص فكرته الأساسية في أنه مع كل فعل من أفعال القياس الكمي ينشطر الكون إلى سلسلة من الأكوان المتوازية التي تحدث فيها كل النواتج الممكنة. والحقيقة أن تفسير “إفرت” يتمتع بمميزات معينة لا تتوافر في غيره من النظريات، ومن مميزاته الاستغناء عن الإشارات الأسرع من الضوء.

إلا أن الكثير من العلماء يشعرون أن التفسير الذي يتضمن أكواناً لا يمكن رصدها، ويمثل في الوقت نفسه انتهاكاً صريحاً لمبدأ “شفرة أوكام” Occam’s [9]Razor الذي يوصي بالالتزام بنظريات لا تفرط في وضع العديد من الفرضيات بلا دع، يتجاوز حدود العلم ويخترق منطقة الميتافيزيقا. وهو ينطوي على قدر كبير من التخمين وكم ضئيل جداً من الألة.

فمثلاً “جون بولكينجهورن”، وهو من أبرز منظري الكم يرفض تفسير الأكوان الكثيرة: «علينا أن نعترف بحقيقة هذه التخمينات. فهي في الحقيقة ليست فيزياء، بل ميتافيزيقا بالمعنى الأضيق. فما من سبب علمي محض يدعونا للاعتقاد بمجموعة من الأكوان. فهذه العوالم بطبيعة تكوينها غير معروفة لنا.

أما التفسير الذي يحظى بنفس القدر من الاحترام الفكري ويراه عقلي مفهوماُ ومنظماً هو أن هذا العالم الواحد على هذه الشاكلة لأنه مخلوق بإرادة خالق قصد له أن يكون هكذا». بل إن الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” يمضي خطوة أبعد ويقول: «إن افتراض تريليونات من الأكوان الأخرى بدلاً من إله واحد لتفسير النظام الذي يميز كوننا يبدو قمة اللامنطقية.»

ويرد عالم الكون “إدوارد هاريسون” Edward Harrison رداً مشابهاً: «ها هو البرهان الكوني على وجود الله، ألا وهو حجة التصميم التي وضعها “بيلي” بعد تطويرها وتجديدها. إن الضبط الدقيق في الكون يقدم دليلاً مبدئياً بديهياً Prima Facie على وجود تصميم إلهي. فلتحسم اختيارك: إما صدفة عمياء تتطلب كثرة من الأكوان، أو تصميم يتطلب كوناً واحداً… إن الكثير من العلماء عندما يكشفون عن آرائهم نجدهم يميلون إلى أطروحة وجود غاية [10]Teleological أو تصميم وراء الكون». أما “أرنو بينزياس” يعرض الحجة بالعكس قائلاً: «البعض لا يشعرون بارتياح لفكرة العالم المخلوق بقصد. وحتى يأتوا بأفكار مضادة للقصد، يضطرون لتخمين أشياء لم يروها».

إلا أنه يجب الإشارة إلى أنه رغم أن “لسلي” قد يكون على صواب في اعتقاده بأن الضبط الدقيق يعني إما وجود إله أو وجود أكوان متعددة، فمنطقياً هذان الرأيان لا يلغي أحدهما الآخر، رغم أنهما عادة ما يقدمان بهذه الصورة. فمهما يكن من أمر، الأكوان المتوازية يمكن أن تكون صنعة خالق. وقد أشار الفيلسوف الفيزيائي “مايكل لوكوود” Michael Lockwood أن حجة الفريق المؤيد لوجود كون واحد لا تنتفي فعلياً بافتراض أكوان متعددة.

فعنصر المفاجأة والحاجة للتفسير موجودان في أي كون يلاحظ فيه الضبط الدقيق. فاحتمالية فوز شخص بعد رميه للزهر لا تتغير حتى وإن كان العديد من الأشخاص يلقون زهراً في المدينة نفسها وفي الوقت نفسه.

ويعبر “كريستيان دو دوف” عن موقفه مشابه قائلاً: «حتى إن ثبتت صحة النظرية، فالاستنتاج الذي يستخلصه منها “ريز” وكذلك “واينبرج” يصيبني بحالة من الذهول إذ أراه كما نقول في الفرنسية مثل “إغراق السمكة”. فلو استخدمت مياه كل المحيطات لإغراق السمكة، ستظل موجودة تؤكد حضورها. ومهما افترضت من أكوان عديدة فكرة عددها لا يجعل كوننا عديم القيمة… وما يبدو لي عظيم القيمة فعلاً هو إمكانية وجود تركيبة قادرة على إنشاء الحياة والعقل». ولذلك، حجة الأكوان المتعددة لا تضعف فعلياً حجج التصميم المذكورة آنفاً.

ومن اللافت للنظر أن “مارتن ريز” يعترف أن الضبط الدقيق في الكون يتوافق مع الإيمان بالله الخالق ولكنه يقول إنه يفضل نظرية الأكوان المتعددة: «إن لم يؤمن المرء بالتصميم الإلهي، ولكنه لا يزال يعتقد أن الضبط الدقيق يتطلب بعض التفسير، فهناك منظور آخر، إلا أنه يحتمل نسبة عالية من الشك. لذلك، عليّ أن أؤكد تحذيري الصحي في هذه المرحلة.

ومع ذلك فهو المنظور المفضل عندي. وإن كان هذا التفضيل، (وفقاً لما هو متاح لنا من معرفة اليوم) لا يزيد عن مجرد إحساس لا يستند على حقائق مؤكدة.» والتفضيل طبعاً أمر شخصي يحق لكل منا، ولكنه يتخطى حدود العلم كما يعرفه معظمنا.

ونظرية الأكوان المتعددة التي تمثل تفسيراً لميكانيكا الكم باستخدام فكرة العوال الكثيرة Many Worlds interpretation of quantum theory لها صورة أخرى تقول إن كل كون مكون منطقياً هو موجود فعلاً. ولكن إن كان كل كون ممكن موجوداً، إذن كما يقول الفيلسوف “ألفن بلانتيجا” Alvin Plantinga الأستاذ في “جامعة نوتر دام” Notre Dame University لا بد من وجود كون يوجد فيه الله حيث إن وجود الله ممكن منطقياً، وإن كان احتمالاً مستبعداً من وجهة نظر الملحدين الجدد.

وحجة “بلانتيجا” هي أنه بما أن الله كلي القدرة، فلا بد أنه يوجد في كل كون. وبالتالي لا يوجد إلا كون واحد، هو هذا الكون الذي هو خالقه وحافظه. وهكذا يتضح أن مفهوم العوالم الكثيرة مليء بالمشكلات العلمية والمنطقية أيضاً. بل يمكن أن يشكل أيضاً صعوبات أخلاقية. فإن كان كل كون ممكن أخلاقياً موجوداً بالفعل. إذن يفترض وجود كون أنا موجود فيه (أو نسخة مني؟)، وأنا في هذا الكون قاتل، أو أسوأ. ولذلك، يبدو أن المفهوم يؤدي أيضاً إلى نوع من العبثية الأخلاقية.

وأخيراً، يذكرنا “أرنو بنزياس” أن فكرة وجود بعد غائي في الكون يقدر عمرها بآلاف السنين. وهو يكتب قائلاً: «إن أفضل ما لدينا من بيانات (عن الانفجار الكبير) تمثل بالضبط ما كنت سأتنبأ به لو لم يكن عندي سوى أسفار موسى الخمسة، والمزامير، والكتاب المقدس ككل». ولنلق نظرة عابرة على استخدام “بنزياس” لكلمة “سأتنباً”. وهنا نرى مثالاً مضاداً آخر على قدر كبير من الأهمية للفكرة الشائعة من غياب عنصر التنبؤ (وبالتالي غياب البعد العلمي) في رواية الخلق الإيمانية.

أما “بنزياس” والكثير من العلماء غيره يرون أن الكلمات المهيبة التي يبدأ بها سفر التكوين لم تفقد شيئاً من مطابقتها للواقع ولا من تأثيرها: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.» ولذلك، ربما لا يكون غريباً أن أول من ناقش فكرة الانفجار الكبير (في مجلة “نيتشر” سنة 1931) كان كاهناً يدعى “جورج لومتر” Georges Lemaitre وهو أيضاً فيزيائي وعالم فلك.

لقد استفضنا في الحديث عن آراء الفيزيائيين وعلماء الكون. وعلينا الآن أن ننتقل إلى علماء الأحياء. ولكن ينبغي قبل هذه الخطوة أن نؤكد أن الحجج التي استخدمناها من علم الكون والفيزياء تقوم على العلم القياسي المعاصر الذي يحظى بقبول واسع.

فهي لا تتحدى أياً من مزاعم العلم المتفق عليه عامة، وكما أشرنا فيما سبق إلى أنها بالتأكيد ليست حجج “إله الفجوات”: فهي لا تختزل إلى مقولة مفادها أن «العلم لا يستطيع أن يفسر أمراً ما، إذن الله هو من صنعه.» ولهذين السببين تحظى حجج الضبط الدقيق مثلاً باحترام معظم العلماء، سواء اتفقوا أو اختلفوا مع الخلاصات التي استنتجناها منها. وذلك، لأن هذه الحجج تتوافق مع العمل العملي الأصيل.

ولكن الموقف مع علم الأحياء مختلف تماماً. ففي ذلك العلم مجرد ذكر الله باعتباره ذكاءً مصمماً، كما سنرى حالاً، يبدو أنه يثير الشكوك حول العمود الأساسي للموضوع كله، ألا وهو التركيب الدارويني الحديث neo-Darwinian synthesis. وسرعان ما تنشأ المخاوف في عقول كثيرة من شبح الرجعية الدينية المضادة للعلم. ولذلك، فنحن على وشك الإبحار في محيط هائج.

وقد يتساءل القارئ لماذا نتكبد هذه الأهوال؟ لماذا لا نكتفي ونقنع بتقديم الحجج الفيزيائية والكونية على أن العلم لم يقتل الإيمان بالله؟ والإجابة ليست عسيرة؛ فبعض المفكرين المؤثرين ممن يتمتعون بشهرة واسعة يصرون على أن علم الأحياء من بين كل العلوم هو الذي يقدم أكبر تأييد للاعتقاد بأن العلم قتل الله. وهم يرون أن علم الأحياء ينطوي على معان دينية قوية، من حيث إنه يثبت عدم وجود إله.

وإن فشلنا في مناقشة حججهم سيعتبرون أن هذا اعتراف بالهزيمة. لذا، علينا أن نأخذ حججهم مأخذ الجد، ونمخر عباب المحيط الهائج. والقارئ هو الذي سيقرر ما إذا كنا قد نجحنا في أن نظل طافين على السطح. وإن كان المحيط هائجاً، فهو على الأقل محاط بمناظر خلابة قد تتاح لنا فرصة الاستمتاع بها.

 

[1] مقياس الرسم المستخدم في الخرائط ويمثل النسبة بين الأبعاد المتمثلة على الخريطة وما يقابل هذه الأبعاد على سطح الأرض (http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/lecture.aspx?fkd=11&lcid=35099) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[2] مقياس رسم غير خطي يستخدم لتمثيل الكميات الضخمة، ومن استخداماته قياس قوة الزلازل وارتفاع الصوت وكثافة الضوء (http://en.wikipedia.org/wiki/Logarithmic_scale) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/5/2015 (المترجم)

[3] يعرفه قاموس The American Heritage بأنه نوع من التفكر فيه يعتقد المرء أن ما يتمناه (أو يرغب فيه) هو الحقيقة، أو سيصبح حقيقة. (المترجم)

[4] Space-time: مفهوم في الفيزياء يؤكد وجود اتحاد بين الزمان والمكان طرحه أينشتاين في نظرية النسبية (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/557482/space-time) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[5] مصطلح فلكي يشير إلى بعد الشيء. فعندما يتحرك جسم في الفضاء نحونا، تنضغط موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأزرق Blue-shifted. وعندما يبتعد الجسم عنا، تتمدد موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأحمر (http://xoolcosmos.ipac.caltech.edu/redshiftedcosmis_classroom/cosmi_reference/redshift.html) تم الاطلاع عليه بتاريخ 21/1/2016) (المترجم)

[6] مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجم وفقاً لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري” أو “قياس الطاقة اللامتاحة.” (المترجم).

[7] مفهوم يوحد بين الميكانيكا الكلاسيكية وميكانيكا الكم في علم الفيزياء (http://www.math.ucla.edu/tao/preprints/phase_space.pdf)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[8] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18٪ من وزن الكائنات الحية. (المترجم).

[9] نسبة إلى “وليم الأوكامي” William of Occam (1300-1349) الذي قال ما معناه: «لا تضخم الكيانات دون داع»، وهو ما يعني أننا لا بد أن نقاوم إغراء تقديم شروح شديدة التعقيد، وإن أصبح أحد الشروح شديد التعقيد، فشفرة “أوكام” تقطعه (“رافي زكراياس”، كتاب “الوجه الحقيقي للإلحاد”، ترجمة ماريانا كتكوت، الناشر: د. ماهر صموئيل، 2015). (المترجم)

[10] Teleology (من الكلمة اليونانية telos تعني “غاية” + logos وتعني “عقل”) وهو تفسير يشير إلى غرض أو غاية ويرى أن سلوك الإنسان يتجه نحو تحقيق غاية ما، وهكذا سلوك سائر الأشياء مصمم لتحقيق غرض معين من صنع عقل متسام عن الطبيعة. ويشار إلى الحجة الغائية أيضاً باسم الحجة المبنية على التصميم Argument from Design (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/585947, تم الاطلاع عليهما بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

Exit mobile version