بعيد عن العلم، ليس بعيداً عن العقل – جون ليونكس

بعيد عن العلم، ليس بعيداً عن العقل – جون ليونكس

العلم, العقل, جون ليونكس, ليونكس, جون لينكس, الإلحاد

بعيد عن العلم، ليس بعيداً عن العقل – جون ليونكس

 

«كم يدهشني أن الصورة العلمية للعالم الحقيقي المحيط بنا

قاصرة للغاية. فهي تزودنا بالكثير من الحقائق،

وتضع كل خبراتنا في نظام متسق عجيب، ولكنها تصمت صمتاً رهيباً

عن كل الأمور المتنوعة شديدة القرب من قلوبنا التي تشكل أهمية

عظمى لنا. فهي لا تنطق كلمة واحدة عن الأحمر والأزرق،

المر والحلو، الألم المادي واللذة المادية، وهي لا تعرف شيئاً عن

الجمال والقبح، الخير والشر، الله والأبدية. أحياناً

يتظاهر العلم بأنه يجيب عن الأسئلة في هذه المجالات،

 ولكن إجاباته غالباً ما تكون في منتهى السخف،

حتى إننا لا نعبأ بها.»

“إروين شرودينجر” Erwin Schrodinger

 

 

 

لقد بينت حتى الآن أن العلم بكل ما له من قوة لا يستطيع أن يتناول بعض ما نطرحه من أسئلة جوهرية، ومع ذلك فالكون يحوي دلائل معينة تشير إلى علاقتنا به. دلائل في متناول العلم. فمثلاً إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني تشير إلى وجود “عقل” مسؤول عن وجود كل من الكون وعقولنا. وهو ما يمكننا من الاشتغال بالعلم واكتشاف البنى الرياضية الرائعة التي تمكن فيما نلاحظه من ظواهر. وليس هذا فحسب، ولكن زيادة إدراكنا للضبط الدقيق في الكون عموماً، وفي كوكب الأرض خصوصاً تتسق مع الوعي الشائع بأن وجودنا هنا مقصود، وهذه الأرض موطننا.

ولكن إن كان هناك “عقل” وراء الكون، وإن كان ذلك “العقل” يقصد لنا أن نكون هنا، فالسؤال الجوهري الآن هو: لماذا نحن هنا؟ وما غرض وجودنا؟ إن هذا السؤال هو أكثر ما يضني القلب البشري. والتحليل العلمي للكون لا يستطيع أن يجيبنا، كما رأينا أنه عاجز عن إجابة سؤال: لماذا صنعت الخالة ماتيلدا الكعكة؟ فالفحص العلمي للكعكة يمكن أن يخبرنا أنها صالحة للبشر، بل يخبرنا أيضاً أن الاحتمال الأرجح أنها مصممة على نحو يأخذ البشر تحديداً في الحسبان حيث إنها مضبوطة بدقة بما يتناسب مع احتياجاتهم الغذائية. وهو ما يعني أن العلم قد يتمكن من أن يشير إلى خلاصة مفادها أن للكعكة غرضاً، ولكنه لا يستطيع أن يخبرنا بهذا الغرض على وجه التحديد. ومن العبث أن نبحث عن الغرض داخل الكعكة نفسها. فالوحيدة التي يمكنها أن تكشف عن الغرض هي الخالة ماتيلدا. والعلم الحقيقي لا يجد حرجاً في عجزه في هذا المجال، ولكنه يعترف بأنه غير مؤهل لإجابة هذه الأسئلة. ومن ثم، فالبحث في مكونات الكون: مادته، وتراكيبه، وعملياته، لاكتشاف غرضه وغرض وجودنا يمثل خطأ منطقياً فادحاُ في المنهجية. ولكن الإجابة النهائية، إن وجدت، لا بد أن تأتي من خارج الكون، من شيء أو شخص تكون علاقته بالكون تشبه علاقة الخالة ماتيلدا بالكعكة.

ولكن كيف نكتشف ذلك؟ لقد بينا أن هناك “عقلاً” وراء الكون، عقل قصد لنا أن نكون هنا. ونحن لنا عقول. وعليه، فمن المنطقي أن أحد الأغراض الرئيسية لعقولنا ليس فقط استكشاف بيتنا الكوني البديع، بل أيضاً فهم “العقل” الذي منحنا هذا البيت.

علاوة على ذلك، نحن البشر قادرون على التعبير عن أفكار عقولنا وتوصيلها للآخرين. فمن الغريب جداً أن يكون “العقل” الذي اشتققنا منه أقل منا قدرة على التواصل والتعبير عن ذاته. وهو ما يأتي بنا فوراً إلى هذا السؤال: هل من أي دليل ذي قيمة ومصداقية على أن ذلك “العقل” تحدث إلى عالمنا مطلقاً؟

الكثير من علوم الكون القديمة ملأت الكون بآلهة من كل الأنواع. وكان الاعتقاد السائد أن هذه الآلهة تنبثق من فوضى المادة الأولية للكون، أي أنها في الأساس جزء من المادة الأساسية للكون نفسه. وهذه الآلهة لا يمكن أن تشكل الإجابة لسؤالنا لأننا بطبيعة الحال نبحث عن “عقل” يوجد مستقلاً عن الكون.

وقد صاغ الفيلسوف اليوناني أرسطو مفهوم “المحرك الذي لا يحرَّك” “Unmoved Mover” الذي رغم أنه في ذاته لا يتغير أسبغ التغيير على الأشياء الأخرى. وقد رفض الفكرة القائلة إن مبدأ التغيير يجب أن يكون داخل هذا “المحرك الذي لا يحرَّك” باعتبارها فكرة سخيفة، وعليه آمن أنه يوجد خارج الكون على نحو ما. إلا أن “المحرك الذي لا يحرك” عند أرسطو كان بعيداً جداً ومجرداً حتى إنه لا يهتم بالتحدث إلى العالم.

ولكن قبل أرسطو بزمن بعيد كُتب سفر التكوين. وهو يبدأ بهذه الكلمات: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.» ويقف هذا التصريح في تناقض تام مع غيره من النظريات الأسطورية في أصل الكون، مثل النظرية البابلية حيث الآلهة هي جزء من مادة الكون، والكون مصنوع من أحد الآلهة. فسفر التكوين يقول بوجود الله الخالق الذي يوجد بالاستقلال عن الكون، وهو زعم جوهري في اليهودية والمسيحية والإسلام. وقد عبر عنه الرسول المسيحي يوحنا قائلاً: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس.»

وهذا التحليل يستحق أن نوليه انتباهنا في ضوء ملحوظة “بولكينجهورن” التي ذكرناها آنفاً من أن مدخلات الله كانت “معلوماتية”، وإن كان يتحدث في ذلك الصدد عن الخليقة الأصلية. فقد تطرقنا إلى تداعيات هذا التصريح الكتابي بخصوص أسبقية مفهوم المعلومات على المادة. وأود الإشارة إلى تداعيات أخرى. فاللفظة المترجم إلى “الكلمة” هي في اليونانية “لوجوس” Logos التي غالباً ما استخدمها فلاسفة اليوناني للإشارة إلى القانون العقلاني الذي يحكم الكون. وهنا نجد التفسير اللاهوتي لإمكانية فهم الكون بشكل عقلاني، ولما يميز مكوناته الفيزيائية من ضبط دقيق، وتعقيده البيولوجي الذي يشبه الكلمات. إنه نتاج “عقل”، عقل اللوجوس الإلهي. إن ما يكمن وراء الكون أكبر بكثير من مجرد قانون عقلاني. إنه الله، الخالق نفسه. فما يكمن وراء الكون ليس مفهوماً مجرداً، ولا قوة غير شخصانية. ولكن الله الخالق شخص. وكما أن الخالة ماتيلدا ليست جزءًا من كعكتها، الله كذلك ليس جزءًا من مادة كونه.

والآن، إن كانت الحقيقة العظمى الكامنة وراء الكون إلهاً شخصياً، فهذا يجر تداعيات شديدة الأهمية على البحث البشري عن الحق، حيث إنه يتيح إمكانية جديدة لمعرفة الحقيقة النهائية بخلاف دراسة الأشياء (دراسة علمية). وذلك لأن الأشخاص قادرون على التواصل بطرق غير متاحة للأشياء. الأشخاص قادرون أن يكشفوا عن أنفسهم بالكلام. ومن ثم، يوصلون معلوما عن أنفسهم لا يمكن اكتشافها بإخضاع عقولهم لأحدث أجهزة المسح الضوئي. وبما أننا أشخاص، يمكننا أن نتعرف على أشخاص آخرين. وبالتالي، السؤال المنطقي الذي يمكن أن نطرحه الآن: إن كان الخالق شخصاً، هل تحدث مباشرة، بخلاف ما نعرفه عن بصفة غير مباشرة من بينة الكون؟ هل كشف عن ذاته؟ لأنه إن كان هناك إله، وإن كان قد تحدث، إذن ما قاله سيشكل أهمية قصوى فيما يختص ببحثنا عن الحق.

وهنا نصادف مرة أخرى زعماً كتابياً بأن الله تحدث بأكثر الطرق مباشرة وعمقاً. فالله الكلمة الشخص صار إنساناً ليبين بالكامل أن الحق الأعلى وراء الكون هو شخص. «والكلمة صار جسداً وحل بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءً نعمة وحقاً.»

إنه تصرح محدد جداً. فهو يؤكد أنه في وقت معين وفي مكان محدد شفّر الله الخالق ذاته في البشرية. وهو ما يمثل بالطبع زعماً صادماً عن فعل فائق للطبيعة من الطراز الأول. ولكن كما رأينا في الفصل الأخير، العلم لم ولن يتمكن من القضاء على ما هو فوق طبيعي. وكما يشير “شرودينجر” في الاقتباس المذكور أعلاه، هناك أشياء لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تعرفنا بها، ولا يمكنها أن تزعم ذلك. إلا أنه إن كانت الكثير من القضايا تقع خارج اختصاص العلم، فهذا لا يعني أنه ليس هناك أدلة على صحتها. ولكن طرح تلك الأدلة يتجاوز حدود هذا الكتاب ويخطو بنا إلى عوالم التاريخ والأدب والخبرة البشرية. ولذا، يجب أن أكتفي باقتباس “آرثر شولو” Arthur Schawlow الذي فاز بجائزة نوبل عن إنجازاته في مجال مطيافية الليزر Laser spectroscopy: «إننا محظوظون بالكتاب المقدس، ولا سيما العهد الجديد الذي يخبرنا بالكثير والكثير عن الله بمصطلحات مفهومة لنا نحن البشر.»

وختاماً، أصرح بأن العلم لم يقتل الإيمان بالله، بل العكس تماماً. فنتائج العلم تشير إلى وجوده، بل إن المشروع العلمي نفسه لا يقوم إلا بوجوده.

ولا مفر أننا جميعاً، سواءً أكنا مشتغلين بالعلم أم لا، لابد أن نختار الفرضية التي نود أن نتخذ منها نقطة انطلاق لنا. والخيارات ليست كثيرة، فليس أمامنا سوى خيارين أساسيين. إما أن الذكاء البشري يدين بنشأته لمادة عديمة العقل، أو أنه يوجد خالق. والغريب أن البعض يزعمون أن ذكاءهم هو ما يقودهم إلى تفضيل الخيار الأول على الثاني.

أصل المعلومات – جون ليونكس

أصل المعلومات – جون ليونكس

أصل المعلومات – جون ليونكس
أصل المعلومات – جون ليونكس

 

 

في البدء كان البت.»

“هانز كريستيان فون باير” Hans Christian von Baeyer

 

 

 

«في البدء كان الكلمة

(يوحنا 1: 1)

 

المعلومات وحجة التصميم:

إذن وجود معلومات محددة معقدة يمثل تحدياً جباراً أمام الفكر القائل بأن العمليات الطبيعة غير الموجهة يمكن أن تفسر الحياة، ويضفي مقبولية علمية على الطرح القائل بمسؤولية مصدر ذكي عن نشأة الحياة. ومن المهم في هذا الصدد أن ندرك أن الاستدلال على وجود مصدر ذكي، بناءً على طبيعة الـ DNA، ليس مجرد حجة مبنية على مشابهة. فالكثير من حجج التصميم الكلاسيكية كانت من هذا النوع، حيث يسير التفكير المنطقي عكسياً مبتدئاً من آثار مشابهة للآثار المتضمنة في الموضوع المعنى ومنتهياً إلى مسببات تشبه مسببات هذا الموضوع. ومن ثم، غالباً ما اعتمدت صلاحية الحجج على درجة التشابه بين الموضوع المشبه والمشبه به. وقد اشتهر عن “دافيد هيوم” مناقشته لهذا الموقف في نقده لحجج التصميم، كما رأينا قبلاً. إلا أن الاستدلال على التصميم من الـ DNA أقوى بكثير من أسلافه الكلاسيكية للسبب التالي كما أوضح “ستيفن ماير”: «الـ DNA ينطوي على الحاجة لمصمم ذكي لا لأنه يشبه برنامج الكمبيوتر أو اللغة البشرية في بعض الجوانب، بل لأنه…. يتصف بسمة مميزة (ألا وهي محتوى المعلومات) تتصف بها النصوص البشرية ولغات الكمبيوتر المصممة تصميماً ذكياً.» ويؤيد هذا الرأي “هيوبرت يوكي” العالم المتخصص في نظرية المعلومات، قائلاً: «يجب أن نفهم أننا لا نبني تفكيرنا على المشابهات. ففرضية التسلسل sequence hypothesis (أن الشفرة الوراثية تعمل في الأساس مثل الكتاب) تنطبق مباشرة على البروتين والنص الوراثي، تماماً كما تنطبق على اللغة المكتوبة. ومن ثم، فالاثنان متماثلان من حيث التعامل الرياضي معهما.» ولذلك، نحن لا نبني حجتنا على المشابهات، ولكننا نفعل ما يسمى بالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات. وكما يعلم أي مخبر سري، المسببات التي نعرف أنها قادرة على إنتاج أثر قابل للملاحظة تمثل تفسيراً أفضل لذلك الأثر من المسببات التي لا نعرف أنها قادة على إنتاج مثل هذا الأثر، فما بالك بالمسببات التي نعرف عنها أنها غير قادرة على ذلك؟

لقد كرس “دمبسكي” كتابه “الاستدلال على التصميم” لتوضيح صميم طبيعة الاستدلالات على التصميم التي نتوصل إليها بناء على خبرتنا بالنظم الغنية بالمعلومات مثل اللغات، والشفرات، وأجهزة الكمبيوتر، والماكينات، ونحوها. هذا النوع من الاستدلالات على التصميم منتشر بنسبة كبيرة في العلم. فبضع علامات صغيرة على قطعة من الحجر كافية أن تُعرف عالم الآثار بأنه يتعامل مع منتج بشري، لا مع مجرد قطعة حجر بالية. والاستدلال على وجود فعل ذكي يمثل نشاطاً معتاداً في بعض العلوم مثل علم الآثار، وعلم التشفير، وعلوم الكمبيوتر، الطب الشرعي.

البحث عن ذكاء من خارج الأرض وتداعياته:

حتى العلم الطبيعي كشف في السنوات الأخيرة عن استعداده للاستدلال على التصميم، وهو ما ظهر بوجه خاص في معهد “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وقد أنفقت “وكالة الفضاء الأمريكية ناسا” North American Space Administration (NASA) ملايين الدولارات لوضع تلسكوبات راديو تراقب ملايين القنوات على أمل رصد رسالة من كائنات ذكية في مكان آخر في الكون.

ورغم أنه بعض العلماء قد ينظرون إلى معهد SETI بشيء من الريبة، فهو يطرح سؤالاً جوهرياً يختص بمدى علمية رصد الذكاء. فكيف يمكن التعرف علمياً على رسالة منبعثة من مصدر ذكي، وتمييزها عن الضوضاء العشوائية المنبعثة من الكون التي تشوش عليها؟ واضح أن السبيل الوحيد لذلك هو مقارنة الإشارات الواردة بأنماط محددة سلفاً تمثل مؤشرات للذكاء واضحة وموثوقة، ولتكن مثلاً سلسلة طويلة من الأعداد الأولية، ثم الاستدلال على التصميم. ومعهد SETI يعتبر أن التعرف على الفعل الذكي يقع داخل الإطار المشروع للعلم الطبيعي. فقد رأى عالم الفلك “كارل ساجان” أن رسالة واحدة من الفضاء تكفي لإقناعنا أن الكون يحوي ذكاءات أخرى بخلاف ذكائنا.

إلا أنه يجب التنويه إلى ملحوظة أخرى جوهرية. ألا وهي أننا إذا كنا مستعدين للبحث عن دلائل علمية على وجود نشاط خارج كوكبنا، فما السر وراء ترددنا الشديد في تطبيق هذا التفكير نفسه على ما هو موجود على كوكبنا؟ هذا الموقف المتضارب للغاية يأتي بنا إلى لب السؤال الذي أشرنا إليه في المقدمة: هل القول بتصميم ذكي للكون يعتبر علماً؟ إننا نؤكد أن العلماء يسعدون بإدماج الطب الجنائي ومعهد SETI في دينا العلم. فلماذا إذن تندلع ثورة عارمة عندما يزعم بعض العلماء وجود دلائل علمية على مسبب ذكي في الفيزياء (ثورة بسيطة) أو علم الأحياء (ثورة عنيفة)؟ مؤكد أنه لا فرق من حيث المبدأ. ألا ينطبق المنهج العلمي على كل شيء؟

وعندما نعبر عن القضية على هذا النحو، ألا يتضح أمامنا أن السؤال التالي الذي يجب أن نطرحه هو: ما الذي يجب أن نستنتجه إذن من كمية المعلومات المهولة المتضمنة حتى في أبسط النظم الحية؟ ألا تزودنا مثلاً بدلائل على أصل ذكي أقوى بكثير من الدلائل التي تزودنا بها الحجة التي تقوم على الضبط الدقيق للكون، وهي، كما رأينا، حجة تقنع الكثير من الفيزيائيين أن وجدنا نحن البشر على هذا الكوكب أمر مقصود؟ ألا يمكن أن يمثل ذلك البديل الحقيقي على ذكاء من خارج الأرض؟

عندما أُعلن اكتمال مشروع الجينوم البشري على الجمهور، قال مديره “فرانسيس كولينز”: «إن إدراكي أننا عاينا أول لمحة من كتاب التعليمات الذي صنعنا على أساسه يملؤني تواضعاً وإجلالاً، وهو الكتاب الذي لم يكن معروفاً إلا لله وحده.» أما “جين مايرز” Gene Myers عالم الكمبيوتر الذي كان دوره رسم خريطة الجينوم في مقر “سلرا جينومكس” Celera Genomics بولاية ماريلاند، فقد قال: «إننا كائنات معقدة ومركبة على المستوى الجزيئي تركيباً مبهجاً… ولكننا حتى الآن لا نفهم أنفسنا، وهو شيء مبهر، فما زال هناك عنصر ميتافيزيقي، سحري… وما يذهلني حقاً هو بنية برنامج الحياة…. فهو نظام في غاية التعقيد. يبدو أنه مصمم…. فهو ينطوي على قدر ضخم من الذكاء. ولا أرى أن هذا الفكر غير علمي. قد يعتقد البعض ذلك، ولكني لست منهم.»

لقد لعبت هذه التصريحات دوراً محورياً في تغيير فكر عدد من أبرز المفكرين. فالعالم المتخصص في علم الكون الرصدي observational cosmologist “آلن سانديج” الذي سبقت الإشارة إليه، قال في حديثه عن تحوله إلى المسيحية في سن الخمسين: «إن العالم شديد التعقيد في كل أجزائه وتشابكاته حتى إنه يستحيل أن يكون وليد الصدفة وحدها. إني مقتنع أن وجود الحياة بكل ما فيها من تنظيم في كل كائن من كائناتها الحية مركب معاً بمنتهى الروعة.» والفيلسوف “أنتوني فلو” منذ وقت قريب جداً أرجع تحوله إلى الإيمان بالله الخالق بعد أكثر من 50 عاماً من الإلحاج إلى أن دراسة علماء الأحياء للـ DNA «أظهرت أنه لا بد أن ذكاء ما تدخل في العملية نظراً لتعقيد الترتيبات اللازمة لإنتاج الحياة تعقيداً يفوق الخيال.»

المعلومات بوصفها كماً جوهرياً:

 إن المعلومات والذكاء جوهريات لوجود الكون والحياة، وهما أبعد ما يكونان عن منتجات نهائية لعملية طبيعية غير موجهة تبدأ بالطاقة والمادة، ولكنهما فاعلان منذ البداية. وهذه الفكرة تحظى حالياً بالقبول حتى بين الفيزيائيين. وقد طرح “بول دافيز” اقتراحاً يتماشى مع هذه الفكرة في مقالة رئيس التحري في مجلة “نيو ساينتست” New Scientist حيث كتب: «إن تزايد تطبيق مفهوم المعلومات على الطبيعة يثير استنتاجاً مبدئياً عجيباً. فنحن عادة ما نتصور أن العالم مركب من جسيمات مادية بسيطة تشبه كتب الطين، ومن معلومات باعتبارها ظاهرة مشتقة، ملحقة بحالات خاصة من المادة تتسم بالتنظيم. ولكن ربما يكون الأمر بالعكس: ربما يكون الكون فعلاً لعبة من المعلومات الأولية، والأشياء المادية هي إحدى تجلياتها الثانوية المعقدة.» ويقول “دافيز” إن أول من طرح تلك الفكرة كان الفيزيائي المعروف “جون أرتشيبولد ويلر” John Archibald Wheeler سنة 1989 حين قال: «غداً سنتعلم أن نفهم كل الفيزياء بلغة المعلومات.»

وفي مجلة “نيو ساينتست” أيضاً نقراً مقالة تحت عنوان جذاب: «في البدء كان البت» حيث يقدم “هانز كريستيان فون باير” Hans Christian von Baeyer تقريراً عما قام به الفيزيائي “أنطون زيلينجر” Anton Zeilinger من “جامعة فيينا” University of Vienna الذي يطرح فرضية تقول بأنه إن أردنا فهم ميكانيكا الكم، علينا أن نبدأ بربط المعلومات (وفقاً لمقياس البت) بما يسمى بالأنظمة الابتدائية في ميكانيكا الكم التب “تحمل بت واحداً من المعلومات، مثل حركة الإلكترون المغزلية (يوجد فقط ناتجان يحتمل الحصول عليهما من قياس الحركة المغزلية، إما “لأعلى” أو “لأسفل”). ويرى “زيلينجر” أن مبدأه الأساسي يكتسب مصداقية من أنه يقود مباشرة إلى ثلاث دعائم في نظرية الكم: التعبير الكمي quantization نفسه، وعدم اليقين uncertainty، والتشابك الكمي quantum entanglement. والمقترح القائل بأنه يجب النظر إلى المعلومات باعتبارها كماً جوهرياً يتضمن تداعيات عميقة تتعلق بفهمنا للكون. فهو يزيد ثقل الاستدلال على التصميم.

إلا أن الفكرة ليست جديدة. ولكنها موجودة منذ قرون. فقد كتب الرسول يوحنا كاتب الإنجيل الرابع «في البدء كان الكلمة…. كل شيء به كان.» ولفظ “الكلمة” في اليونانية هو “لوجوس” Logos، هو مصطلح استخدمه الفلاسفة الرواقيون للإشارة إلى القانون العقلاني الذي يكمن وراء الكون، ثم أضفى عليه المسيحيون معنى إضافياً، إذ استخدموه للإشارة إلى أحد أقانيم الثالوث. فمصطلح “الكلمة” نفسه يحمل لنا دلالات الكلمة الآمرة، والمعنى، والشفرة، والتواصل، وبالتالي المعلومات، تماماً كما يحمل لنا معنى القدرة الخلاقة اللازمة لتحقيق ما حددته تلك المعلومات. الكلمة إذن أكثر جوهرية من المادة والطاقة. لأن المادة والطاقة تنتميان إلى فئة المخلوق. وهو ما لا ينطبق على الكلمة.

ومن المدهش حقاً أنه في صميم تحليل أعمال الخلق، طبقاً للكتاب المقدس، وهو ما يتجاهله الكثيرون بنوع من الغطرسة الشديدة، نجد المفهوم نفسه الذي أثبت العلم أيضاً في الآونة الأخيرة مدى أهميته القصوى، ألا وهو مفهوم المعلومات.

وهذه الفكرة المحورية من أن الخالق هو الله الكلمة ينعكس في عبارة «وقال الله [ليكن نور…]» التي تتكرر مراراً في رواية الخلق العبرية، ويؤكدها الكتاب المقدس في كل أقواله تقريباً عن الخلق. والقول الذي يعنينا بوجه خاص في دراستنا هو «بالأيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر.» وهذا الاقتباس من النص الكتابي القديم مبهر حقاً من حيث إنه يلفت انتباهنا إلى سمة أساسية للمعلومات، ألا وهي أن المعلومات غير مرئية. إلا أن حاملات المعلومات يمكن أن تكون مرئية، مثل الحبر والورق، أو إشارات الدخان، أو شاشات التلفاز، أو الـ DNA، ولكن المعلومات نفسها ليس مرئية.

والمعلومات لا تتصف بأنها غير مرئية فحسب، ولكنها أيضاً غير مادية، أليس كذلك؟ فأنت تقرأ هذا الكتاب، والفوتونات تطفر من الصفحات وتستقبلها عيناك، وتتحول إلى إشارات كهربية وتنتقل إلى مخك. والآن هب أنك تنقل بعض المعلومات من هذا الكتاب لأحد أصدقائك نقلاً شفهياً. فموجات الصوت تحمل المعلومات من فمك إلى أذن صديقك، حيث تتحول إلى إشارات كهربية وتنتقل إلى مخه. والآن أصبح صديقك يمتلك المعلومات التي نشأت في عقلك. ولكن ما ينتقل منك إلى صديقك أي شيء مادي. حاملات المعلومات مادية، لكن المعلومات نفسها ليست مادية.

سنة 1961 كتب “رولف لاندور” Rolf Landauer بحثاً شهيراً بعنوان “المعلومات فيزيائية الطابع” Information is Physical. ويبدو العنوان للوهلة الأولى وكأنه يعنى عكس ما بيناه تواً. إلا أنه يقصد أنه بما أن المعلومات عادة ما تشفر استناداً إلى شيء فيزيائي. إذن حاملات المعلومات تخضع لقوانين الفيزياء. وبهذا المعنى، المعلومات نفسها تخضع لقوانين الفيزياء عبر حاملاتها. وبالتالي يمكن التعامل معها وكأنها فيزيائية. إلا أن هذا لا يغير حقيقة أن المعلومات نفسها ليس كياناً فيزيائياً.

فماذا عن حلم التفسيرات المادية لكل شيء؟ كيف يمكن للمسببات المادية المحضة أن تقدم تفسيراً شافياً لما هو غير مادي؟

تعقيد الله: اعتراض قاتل!

يعتقد “ريتشارد دوكينز” أن اعتبارات التعقيد تسهم فعلياً في فوزه بقضيته ضد الله: «أي إله قادر على تصميم كون…. لا بد أن يكون كياناً معقداً على نحو فائق ولا بد أن يكون غير محتمل الحدوث من حيث إنه يتطلب تفسيراً أكبر من التفسير الذي يفترض فيه أن يقدمه.» أي أنه يقول إن هذا ليس بتفسير حيث أن الله بطبيعة الحال أعقد (مما يجعله أقل احتمالاً) من الشيء المراد تفسيره. وفي تعبيره عن الفكرة يزعم قائلاً: «إن تفسير أصل آلة الـ DNA أو البروتين باستجلاب مصمم فائق للطبيعة لا يفسر أي شيء، لأنه يترك أصل المصمم بلا تفسير. فلا يكون بوسعك إلا أن تقول شيئاً من قبيل «الله موجود منذ الأزل» وإن سمحت لنفسك بالكسل والهروب من هذا المخرج السهل، يمكنك بالمثل أن تقول: «الـ DNA موجود منذ الأزل»، أو «الحياة موجودة منذ الأزل»، وهكذا تنهي المسألة.»

إن هذا التفكير يفتقر للمنطق بشدة؛ أولاً، نحن نعلم أن الـ DNA لم يكن موجوداً منذ الأزل، والحياة لم توجد منذ الأزل، وبالمناسبة، الكون أيضاً لم يوجد منذ الأزل. وهو ما يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع العلماء للسعي وراء تفسيرات لوجودها. إلا أن القضية الحقيقية هنا تكمن في أنه يبدو أن “دوكينز” يعتقد أن التفسير الوحيد الذي يستحق أن يوصف بأنه “علمي” هو تفسير ينطلق من البسيط إلى المعقد. فرغبته الواضحة وضوح الشمس هي تفسير كل شيء وفقاً لما «يفهمه الفيزيائيون من أشياء بسيطة».

فلنفكر في الفيزيائيين إذن في محاولتهم تفسير سقوط تفاحة، وهو بالطبع حدث “بسيط” بمعنى أن الشخص العادي غير المتخصص يسهل عليه فهمه. إلا أن تفسيره طبقاً لقانون نيوتن في الجاذبية هو أصلاً شديد التعقيد بالنسبة للغالبية، والتفسير النسبي طبقاً لخط الزمكان المنحني curved space-time لا يفهمه إلا المتخصصون. فإن رفضنا هذه التفسيرات بدعوى أنها أعقد من الشيء الذي تفسره، سنرفض قدراً كبيراً من العلم.

والذرات أيضاً أبسط من الكائنات الحية لأن الكائنات الحية عبارة عن بنى معقدة مكونة من ذرات. ومع ذلك، الذرات أبعد ما تكون عن البساطة، وهو ما يفسر جزئياً سر اهتمام أقوى العقول الجبارة على الأرض بفيزياء الجسيمات الأولية. فكلما تعمقت في صميم طبيعة بنية الكون، وجدته يزداد تعقيداً. أي أن ما “يفهمه الفيزيائيون من أشياء بسيطة” ليس بسيطاً مهما كان.

خذ مثلاً النسبية، أو ميكانيكا الكم، والأفضل من هذه وتلك الكهروديناميكا الكمية. كلها أبعد ما تكون عن البساطة لدرجة أنه لا يفهمها سوى أذكى العقول البشرية، ورغم ذلك ما زالت هناك الكثير من الأسرار التي لم تكشف بعد. أولها أنه ما من أحد يعلم على وجه التحديد السبب وراء عمل ميكانيكا الكم، كما اعتاد “ريتشارد فاينمن” أن يشير إلى أنه ما من أحد يعرف حتى ماهية الطاقة. والآن إن كان “ريتشارد دوكينز” يعترض على تعقيد الله باعتباره تفسيراً نهائياً، عليه أن يعترض كذلك على تعقيد بنية الكون المكونة من فيزياء الجسيمات وعليه ألا يقنع إطلاقاً بالتفسيرات النهائية التي تعتمد على مفاهيم مثل “الطاقة”، لأننا لا نفهمها فهماً كاملاً.

إن “دوكينز” باختصار مخطئ في نظرته الضيقة لفكرة التفسير. فأولاً، الأشياء التي يعتبرها بسيطة ليست بسيطة. ثانياً، لا يرجع قبول هذه النظريات الفيزيائية المعقدة بين العلماء إلى بساطتها، بل إلى قدرتها التفسيرية. والقدرة التفسيرية تتساوى في أهميتها مع البساطة، إن لم تكن تفوقها أهمية، بصفتها معياراً للتحقق من صلاحية النظرية العلمية. وأحياناً ما رفضت النظريات البسيطة لأنها لم تتمتع بقدر كاف من القدرة التفسيرية. وعلى أي حال، فإن أينشتاين هو من قال: «التفسيرات يجب أن تكون بسيطة قدر الإمكان، ولكنها يجب ألا تزداد بساطة عن ذلك.» والقدرة التفسيرية غالباً ما تعلو على البساطة، وهو ما يعجز “دوكينز” عن إدراكه على ما يبدو.

وهي قضية في منتهى الأهمية تستحق منا مزيداً من الدراسة. فافتراض وجود كائن أعقد مما تريد تفسيره، هو شيء يفعله العلماء باستمرار. لقد قرأت كتاباً من 400 صفحة بعنوان “وهم الإله”، فإن افترضت أن التفسير هو كائن يدعى “ريتشارد دوكينز” وهو أعقد بما لا يقاس من الكتاب نفسه، لا يعتبر افتراضي تفسيراً؟

والحقيقة أننا لا نحتاج حتى إلى 400 صفحة لتقنعنا بتفسيرات مقبولة أعقد من الأشياء المراد تفسيرها. تخيل مثلاً عالم آثار يشير إلى خدشين على جدار كهف لم تبدأ فيه عمليات استكشافية بعد، فيقول متعجباً: «ذكاء بشري!» وبناء على منطق “دوكينز” نجيب: «لا تكن أحمق. هذه الخدوش بسيطة جداً. وعموماً هما خدشان فقط. فافتراض وجود شيء معقد كالمخ البشري لا يعد تفسيراً لهذه العلامات البسيطة على جدار كهف.» فماذا نقول إن أجاب العالم بهدوء قائلاً إن الخدشين “البسيطين” يشكلان الكلمة الصينية (ren) التي تعني إنساناً، أي أنهما يتضمنان بعداً دلالياً، إنهما يحملان معنى؟

فهي سنستمر في إصرارنا على أن تفسير الخدوش باعتبارها نشاطاً إنسانياً «لا يفسر أي شيء»؟ بالطبع لا. بل سنعترف أن استدلال العالم على نشاط ذكي استدلال مشروع. علاوة على ذلك، مؤكد أننا سندرك أن تفسير الخدوش بشيء أعقد من الخدوش نفسها لا يقض على العلم. ولكن تلك الخدوش يمكن أن تزودنا بمفاتيح مهمة للتوصل إلى هوية من صنعوها وثقافتهم وذكائهم، حتى وإن لم تخبرنا بكل شيء عنهم.

وبالمناسبة، أليس غريباً أن عالم الآثار هذا يستدل فوراً على أصل ذكي عندما يكتشف خدشين، في حين أن بعض العلماء عندما يواجهون تسلسل الجينوم البشرين البالغ طوله 3,5 مليار حرف، يخبروننا أن تفسيره الوحيد هو الصدفة والضرورة؟ إن كلاً من الخدوش وتسلسل الـ DNA ينطوي على بعد دلالي. ولذلك ليس عبثاً أن نطلق على الأخير شفرة الـ DNA.

ونحن دائماً ما نستدل على مصادر معقدة للذكاء عندما نجد تراكيب أو أنماطاً معينة بسمات يتفرد بها النشاط الذكي حتى وإن كانت “بسيطة” في حد ذاتها. وقد يعترض أحدهم قائلاً إننا نتوصل لهذه الاستدلالات نظراً لمعرفتنا بالبشر وبميلهم الطبيعي لتصميم أشياء. ولكن هل هذا سبب قوي لإرجاع شيء يتسم ببنية تتوافق مع النشاط الذكي لمصدر غير ذكي، ولا سيما إن لم يكن لذلك دلائل تؤيده؟

تذكر ما نتوصل إليه من استنتاج مؤكد عند زيارة كوكب ناء لو وجدنا سلسلة من أكوام مكعبات التيتانيوم المنتظمة التي يتكون كل منها من عدد أولي من المكعبات والسلسلة مرتبة ترتيباً تصاعدياً 2، 3، 5، 7، 11…. الخ. سندرك فوراً أننا أمام عمل أنتجه فاعل ذكي، حتى وإن لم تكن لدينا أي فكرة عن نوعية هذا الفاعل الذكي. ورغم أن أكوام المكعبات في حد ذاتها “أبسط” كثيراً من الذكاء الذي أنتجها، فهذه الحقيقة لا تمنعنا من استنتاج أصل ذكي باعتباره استدلالاً منطقياً يقوم على أفضل التفسيرات. فنحن بالفطرة نميل أن نستدل “من أسف لأعلى” حتى نصل إلى مسبب ذكي نهائي. أكثر من ميلنا للاستدلال “من أعلى لأسف” حتى نصل إلى الصدفة والضرورة.

وكما رأينا يكتسب مشروع SETI مشروعيته من هذه الحجة على وجه التحديد. فلو تلقينا (كما يصور “كارل ساجان” في روايته “اتصال” Contact) إشارة تتكون من سلسلة أعداد أولية، سنفترض أنها مرسلة من مصدر ذلك. بل إن هذا الحدث لو وقع فعلياً سينتشر في الصحف العالمية ليلة حدوثه، ولن يحلم عالم واحد بالاعتراض بدعوى أن افتراض أصل ذكي للسلسلة ليس تفسيراً لأنه يعنى تفسير السلسلة بشيء أعقد من السلسلة نفسها. والمؤكد أن الحدث سيثير مزيداً من الأسئلة، عن طبيعة الذكاء مثلاً، ولكننا على الأقل سنكون قد تأكدنا من وجود ذكاء خارج الأرض. وكما أشرنا، حتى “دوكينز” يظهر (في فيلم “المطرود” Expelled) أنه غيّر موقفه وأصبح يميل للاعتقاد بأن التصميم شيء يمكن الاعتراف به علمياً من حيث المبدأ.

وعلينا أن نلاحظ أيضاً في هذا الصدد أنه يبدو أن “دوكينز” مبهور بفرضية الأكوان المتعددة ولكنه يدرك وجود مشكلة: «إن الاعتقاد بأن افتراض وجود أكوان عديدة هو نوع من الرفاهية والبذخ اللذين لا يجب السماح بهما، هو اعتقاد مغر (وقد استسلم الكثيرون لإغرائه). فإن كنا سنسمح بما ينطوي عليه تعدد الأكوان من تبذير، وما دامت كل أنواع التبذير ستتساوى، ما المانع إذن أن نسمح بالله أيضاً؟» والحل الذي يقترحه لهذا السؤال أن الإسراف صفة أصيلة في فرضية الله، في حين أن فرضية الأكوان المتعددة تبدو ظاهرياً مسرفة ولكنها في حقيقتها ليس كذلك. إلا أن منطقه بناء على الاحتمالية الإحصائية غير مقنع.

فإن كان هناك عدد ضخم من الأكوان، سيعتقد المرء أن معظمها شديد التعقيد، وإن كنا في النهاية نتاج هذه الأكوان المتعددة، عندئذ، الحجة التي يزعمها “دوكينز” بأن الأشياء دائماً ما تسير من البسيط إلى المعقد تذهب أدراج الرياح.

والنقطة التي لا بد أن نشير إليها هنا أننا لا نحاول تقديم تفسير للتعقيد النهائي، أياً كان معناه، ولا حتى للتعقيد بوجه عام. ولكننا نحاول أن نفسر مثالاً واحداً بعينة على التعقيد المنظم (الحياة). ومن ثم، فالحكمة الحقة تستلزم أن نعبر عن ذلك بشيء أعقد، إن كان ذلك هو ما تقتضيه الدلائل. والدلائل كما رأينا، هي:

1 – الحياة تشتمل على قاعدة بيانات DNA معقدة من المعلومات الرقمية.

2 – الذكاء هو المصدر الوحيد الذي نعرفه لهذا التعقيد الذي يشبه اللغة.

3 – علم الحاسبات النظري يبين أن الصدفة غير الموجهة والضرورة لا تستطيعان إنتاج تعقيد دلالي (يشبه اللغة).

لذلك، بناء على الاستدلال العلمي وفقاً لأفضل التفسيرات، يعتقد المرء أن العلماء يفضلون تفسيراً يشرح ظاهرة ما على تفسير لا يفعل ذلك. وإن كان هذا المبدأ لا ينطبق على تفكيرنا في أصل الحياة، فهذا يبين وجود نزعة مادية مفترضة بديهياً افتراضاً مسبقاً من شأنها أن تنتج توجهاُ شديد المعاداة للعلم، يتمثل في الإعراض عن اتباع الدلائل حيثما تقود لمجرد أن المرء لا يحب ما سيؤول إليه ذلك من تداعيات.

وفي ضوء الأهمية التي يعلقها “دوكينز” على “تعقيد حجة الله”، اندهشت (كما اندهش آخرون) من اعترافه العلني في مناظرة معي في “متحف أكسفورد للتاريخ الطبيعي” Oxford Natural History Museum في تشرين الأول/أكتوبر 2008 بأنه يمكن بناء قضية تؤيد وجود إله ربوبي. ورغم أنه أشار أنه لا يقبل هذه القضية، فقد كان مجرد ذكره لها أمراً يدعو للدهشة، لأنه ما من شيء يقضي على حجته نهائياً بقدر وجود إله ربوبي. وذلك لأن الإله الربوبي كائن معقد باعتباره تفسيراً نهائياً لكون أبسط.

وهكذا يتضح أن حجة “تعقيد الله” أضعف بكثير من بيت مبني بورق اللعب. والاستمرار في ترديدها لا يفيد من يستخدمونها إلا في زيادة الشكوك أن إمبراطور الإلحاد لا يملك ثياباً. فهذه الحجة ليس لها أي تأثير في زحزحة ما نراه من حكمة وعقل في التصريح القاطع الذي يبدأ به سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض»، بل إنها تنجح نجاحاً مبهراً في تأكيده.

من صنع الله؟

هناك اعتراض آخر على وجود الله يرتبط بالاعتراض السابق. وقد حظي بكثير من الاهتمام لأن “ريتشارد دوكينز” اتخذ منه قضية محورية في كتابه الأكثر مبيعاً “وهم الإله”. وهو عبارة عن السؤال الطفولي القديم: إن قلنا أن الله خلق الكون، فلا بد أن نسأل عمن خلق الله، وهلم جرّ، وهكذا يرى “دوكينز” أن السبيل الوحيد للخروج من هذه الحركة الارتدادية اللانهائية أن ننكر وجود الله.

هل هذا أفضل ما يمكن أن يحرزه “الأذكياء” Bright’s؟ إني أسمع صديقاً أيرلندياً يقول: «إن هذا يثبت شيئاً واحداً أنهم لو كانوا يملكون حجة أفضل، لاستخدموها.» وإن كان هذا رد فعل قوياً، فما بالك بسؤال: من صنع الله؟ إن مجرد السؤال يبين أن السائل يتصور إلهاً مخلوقاً. ومن ثم، ليس غريباً أن من يطرح السؤال يؤلف كتاباً بعنوان “وهم الإله”. لأن هذه هي تحديداً ماهية الإله المخلوق، وهم بطبيعة الحال، كما بين زينوفانيس قبل “دوكينز” بقرون. ومن ثم، كان يمكن استخدام عنوان أدق مثل: “وهم الإله المخلوق”. وكان يمكن عندئذ اختصار الكتاب إلى نشرة صغيرة، ولكن المبيعات كانت ستتأثر.

والآن “دوكنيز” يخبرنا صراحة أنه لا يحب أن يخبره الناس بأنهم بدورهم لا يؤمنون بالله الذي لا يؤمن هو به. ولكننا لا نستطيع أن نؤسس حججنا على ما لا يجب. لأنه سواء أحب أم لم يحب، فهو الذي يستجلب هذه التهمة علناً. فمهما يكن من أمر، هو الذي يقول إن الله وهم. وحتى نقيّم حجته علينا أولاً أن نعرف مفهوم الله عنده، مع ملاحظة أن حجته الرئيسية منصبة على إله مخلوق. والحقيقة أن بضعة مليارات منا يشاركونه عدم إيمانه بهذا الإله. فما كان عليه أن يقلق بهذا الشأن. فمعظمنا مقتنع منذ زمن بعيد بما يحاول أن يخبرنا به. فمن المؤكد أنه ما من مسيحي يعتقد أن الله مخلوق، ولا حتى في أحلامه. وهو ما ينطبق طبعاً على اليهود والمسلمين. فحجته، باعترافه هو شخصياً لا تقول أي شيء عن الإله الأزلي، ولا تمت لهذه الفكرة بصلة. لذلك، ينبغي على “دوكينز” أن يضعها على الرف المكتوب عليه “الأباريق السماوية”[1] Celestial Teapots حيث مكانها الصحيح.

وذلك لأن الله الذي خلق الكون ويحفظه لم يُخلق، فهو أزلي. لم “يُصنع”، وبالتالي لا يخضع لما اكتشفه العلم من قوانين، لأنه هو من صنع الكون بقوانينه. وهذه الحقيقة تشكل الفارق الأساسي بين الله والكون. فالكون لم يكن موجوداً، ثم أتى للوجود، أما الله فليس كذلك. قد كان الإغريق واعين بهذا الفرق، ويوحنا الرسول المسيحي يشير إليه في افتتاحية إنجيله: «في البدء كان الكلمة كائناً (أي أن “الكلمة كان كائناً من الأصل”)، وكان الكلمة مع الله… به خلق كل شيء (أي أن “كل شيء أتى للوجود”)»[2] (يوحنا 1: 1، 3) فالله ينتمي لفئة غير المخلوق. وهو ما لا ينطبق على الكون الذي لم يكن موجوداً ثم وجد، أي أنه خُلق به.

وقد رأينا في الفصل الثالث أن ما نقصده بمصطلح “الخلق” يمثل قضية جوهرية ما زالت النظم الفلسفية والدينية في العالم منقسمة عليها.

وقد علم اليونانيون بأن:

1 – المادة كانت موجودة دائماً وستظل موجودة. أي أنها أزلية أبدية. وقد كانت في حالتها البدائية بلا شكل، وبلا نظام وبلا حدود، أي فوضى[3] chaos. ولكن بعد ذلك برز إله من الآلهة وفرض نظاماً على هذه المادة الموجودة سلفاً، محولاً إياها إلى عالم جيد التنظيم، أي كون[4] cosmos. وهذه العملية تعبر عما قصده الإغريق بالخلق.

2 – الخالق جزء من نظام أزلي حيث كل شيء في الكون ينبثق من الله، كما تنبثق أشعة الشمس من الشمس. ومن ثم، يكون كل شيء هو الله. فالله في مادة الكون على نحو ما، وهو فاعل بنشاط في تحريك المادة وتطويرها حتى تصل إلى أفضل وضع.

إلا أن التقليد العبري القديم الذي ورثته المسيحية والإسلام مختلف كلية مع ملاحظة أنه أسبق من الفلاسفة الأيونيين بمئات السنين. وقد علم بأن:

1 – المادة ليست أزلية: الكون له بداية، وليس هناك إلا إله أزلي واحد هو خالق الكل.

2 – الله كائن قبل الكون، ومستقل عنه. والكون ليس انبثاقاً من الله. فالله خلقه من عدم، ولم يخلقه من ذاته، وإن كان يحفظه ويوجهه إلى غايته التي حددها له.

إذن “دوكينز” متأخر جداً من حيث إنه لم يزل مع الإغريق ومع فكرتهم عن الآلهة التي «انحدرت من السماء والأرض»، ومن ثم فهي مخلوقة. وربما يحسن صنعاً لو أنضم للجمهور الذي استمع للرسول بولس المسيح في مدرسة أريوس باغوس الفلسفية في أثنيا إبان القرن الأول. ويسجل المؤرخ لوقا أن بولس لاحظ أثناء تجواله في المدين مدى قصور نظرة مواطنيها لله، فقد كان المكان ممتلئاً بالأصنام، حتى إن أحدها كتب عليه “لإله مجهول”. وبولس لم يكن شخصاً متشدداً معادياً للفكر ومتمسكاً بالأوهام مثل الصورة النمطية الشائعة في الإلحاد، ولكنه في الواقع درس الفلسفة اليونانية دراسة متعمقة ولم يكن اندهاشه من سذاجة الأثنينيين أقل من اندهاش “دوكينز” لو كان في ذلك الموقف. وقد أوضح لهم أن أحد شعرائهم أدرك أن البشر، من جانب ما، ذرية الله. وطرح عليهم هذا الاستدلال المنطقي حتى يفكروا فيه: «فإذ نحن ذرية الله، لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان.» فالآلهة الناتجة من اختراع الخيال البشري الخصب، الآلهة المخلوقة، ليست أمراً جديداً.

هل من شيء أزلي؟

إن سؤال “دوكينز” عن صنع “الصانع” يبين أنه ربما يعاني صعوبة فكرية في أن يتخيل وجود غير المخلوق والأزلي. ولكن إن كان الأمر كذلك، فهو متهم بوجه آخر من وجوه عدم الاتساق الخطيرة. فمن المفترض طبقاً لمنظوره الفلسفي أن يؤمن (مثل الإغريق أيضاً) بأزلية المادة والطاقة (وقوانين الطبيعة). فإن كان الأمر كذلك، إذن هو يؤمن بشيء أزلي، بل الكثير منه، ألا هو مادة الكون كله المحيط بنا.

وكم تحيرت في زياراتي الكثيرة للدول الشيوعية السابقة من كثرة ما سألني أساتذة الجامعات الشيوعيون القدامى هذا السؤال: «من صنع الله؟» وكم كان مثيراً أن أرى المأزق الذي يتورطون فيه عندما اكشف لهم عن اعتقادهم بأزلية المادة. وفي النهاية كنا غالباً ما نتمكن من وضع أيدينا على القضية الجوهرية. فبالنسبة لهم، كان أزلية المادة عديمة العقل شيئاً مقبولاً بالكامل، ولكنهم لم يقبلوا أزلية إله شخصاني. وهكذا لم يكونوا منطقيين في اعتقادهم. وهو ما ينطبق على “دوكينز”. طاقة أزلية: نعم، ولكن شخص أزلي: لا. أين المنطق في هذا كله؟

وسواء أكان “دوكينز” يعتنق الفلسفة المادية عتيقة الطراز بكونها الأزلي أو لا، فلا شك أنه مضطر أن يؤمن بأن الكون خلقه هو شخصياً. ومن ثم من حقنا أن نرد إليه سؤاله: «من خلق الخالق؟» ونسأله: من خلق خالقه، أي الكون؟ وهكذا تكون المعاملة بالمثل.

نظرية كل شيء!

يعبر “دوكينز” عن أمله في أن الفيزيائيين سوف «يكملون تحقيق حلم أينشتاين ويكتشفون النظرية النهائية لكل شيء. وإني متفائل أنه بالرغم من أن نظرية كل شيء ستضع نهاية مقنعة للفيزياء، فالمشروع الفيزيائي سيستمر في الازدهار، تماماً كما استمر علم الأحياء في النمو بعد أن حل داروين المشكلة العويصة فيه. وإني متفائل أن النظريتين معاً ستقدمان تفسيراً طبيعياً محضاً لوجود الكون وكل ما فيه، بما فيه نحن.»

وهنا أيضاً نرى تناقضاً فكاهياً لطيفاً، وإن كان غير مقصود. نظرية كل شيء Theory of everything (TOE)، كما يرى “دوكينز”، تضع نهاية للفيزياء. أي أن نظرية كل شيء هي بالطبيعة النقطة التي ينتهي عندها المسار التفسيري. وبناء على اعتراض “دوكينز” على أن يكون الله هو نهاية هذا المسار التفسيري، يجب أن يوبخ الفيزيائيين على اقتراحهم كل شيء باعتبارها التفسير النهائي لأصل الكون. ولكن يبدو أن البحث عن “نظرية كل شيء” مقبول طالما أنه لا يتصل بقدم إلهية.

ولكن تفاؤل “دوكينز” أثبت عدم واقعيته. فبعض الحقائق الرياضية النكدة تقف في طريقة متمثلة في الخلاصة الشهيرة التي توصل إليها “كرت جودل” من أن علم الحساب المألوق لنا وغيرها من النظم الرياضية الأكبر لا يمكنها إثبات اتساقها الداخلي، ولا بد أن تشتمل على افتراضات لا يمكن إثبات صحتها من خطئها، أي لا يمكن إثباتها ولا نفيها بوسائل علم الحساب. وللتعبير عن المعنى بأسلوب آخر أقول إن أي نظام بديهي منته finite axiomatic system ويتمتع بالقوة التي تؤهله ليحوي أساسيات في علم الحساب، دائماً ما يتضمن جملاً تقريرية صحيحة لا يمكن إثباتها. ويشير عالم الرياضيات “نايجل كتلاند” Nigel Cutland إلى أن هذه الحقيقة تجر تداعيات سلبية فيما يختص بإمكانية صياغة نظرية علمية موحدة تشتمل طبعاً على الحساب.

أما “ستيفن هوكينج” الذي حلم أيضاً لسنوات بهذه النظرية النهائية اعترف سنة 2004 أن “جودل” قضى عليهم: «سيشعر البعض بخيبة أمل شديدة إن لم يمكن وضع نظرية نهائية في شكل عدد منته من القوانين. لقد كنت ضمن هذا المعسكر، ولكني غيرت رأيي. وأنا الآن سعيد أن سعينا للفهم لن ينتهي أبداً. ودائماً ما ستتوفر لنا تحديات الاكتشافات الجديدة، وإلا نصاب بالركود. وكما ضمنت نظرية “جودل” وظيفة دائمة للرياضيين، أظن أن نظرية – إم M theory ستضمن وظيفة دائمة للفيزيائيين.»

ولنعد الآن لمسألة التفسير النهائي. الملحدون الجدد يعترضون على أن يكون الله هو التفسير النهائي. ومع ذلك، هم أنفسهم لا يملكون تفسيراً لوجود المادة أو الطاقة التي يتكون منها الكون. ففلسفتهم المادية تتوقف عند هذه النقطة، أي وجود المادة أو الطاقة الذي يجب عليهم أن يأخذوه بصفته حقيقة جامدة أساساً. ومن ثم، يمثل تفسيرهم النهائي. ومنطقياً، سلاسل المسبب والأثر إما تسير للخلف إلى ما لا نهاية، أو تتوقف عند نقطة حقيقة نهائية. والتفسير في العلم (أو في أي مجال آخر)، إن أراد أن يتجنب الرجوع إلى ما لا نهاية، دائماً ما يقود إلى أشياء معينة تعتبر نهائية.

وقد كتب “أوستن فارر” قائلاً: «أي سعي لا نهائي نحو تفسير يمدح من حيث إنه حالة من الكمال المثالي الذي لا يقنع أبداً. وهو في الحقيقة ميل يميز العقول الطفولية. “لماذا يرتدي ذلك الرجل القبعة؟” “لأنه شرطي”. “لماذا هو شرطي؟” “لأنه أراد أن يكون شرطياً عندما يكبر”. “لماذا أراد أن يكون شرطياً؟” “لأنه أراد أن يكسب رزقه”. “لماذا أراد أن يكسب رزقه؟” “ليستطيع أن يعيش. كل الناس يريدون أن يعيشوا”. “لماذا يريد كل الناس أن يعيشوا؟” “كف عن قول [لماذا؟] يا حبيبي، واذهب للنوم”. نعم. عند نقطة ما لا بد أن نتوقف عن قول “لماذا؟” لأننا وصلنا إلى الحقيقة التي يعتبر السؤال عنها بلا طائل، فمثلاً لا فائدة من أن نسأل: لماذا تريد الكائنات الحية أن تعيش؟» فحتى الطفل يمكنه أن يشرح صعوبة الرجوع إلى ما لا نهاية.

وقد أوجز “فارر” المسألة وأصاب الهدف ببراعة قائلاً: «إن القضية بين الملحد والمؤمن ليس فيما إذا كان من الحكمة أن نسأل عن الحقيقة النهائية أم لا، ولكنها تتمثل في السؤال: ما هي الحقيقة النهائية؟ الحقيقة النهائية عن الملحد هي الكون، أما الحقيقة النهائية عند المؤمن بالله الخالق هي الله.»

السؤال المُلح:

السؤال الملح إذن: في أي اتجاه يشير العلم، المادة قبل العقل، أم العقل الأسمى قبل المادة؟ لا بد من تحديد إجابة هذا السؤال، كما هو الحال دائماً، باتباع نصيحة سقراط، ألا هوي فحص الدلائل والسير في الاتجاه الذي تقود إليه، حتى وإن كان في ذلك تهديد لأفكارنا المسبقة.

ويطرح عالم الأحياء “جيمز شابيرو” هذا السؤال: «ما أهمية ظهور نقطة التقاء بين علم الأحياء وعلم المعلومات في دراستنا للتطور؟ إنها تتيح إمكانية التعامل العلمي وليس الأيديولوجي مع القضية المحورية التي تمثل أرض المعركة للأصوليين من الجانبين، الخلقي والدارويني. هل من أي ذكاء موجه يعمل في أصل الأنواع التي تظهر قدرات عجيبة على التكيف بدءًا من دورة كربز ومروراً بأداة الانقسام المتساوي mitotic apparatus والعين وانتهاءً بجهاز المناعة، ونظام التمويه والتنظيم الاجتماعي عند الحيوانات؟»

عالم الفيزياء الحيوية “دين كنيون” Dean Kenyon أحد مؤلفي كتاب دراسي قوى في أصل الحياة، يقول إنه كلما ازدادت معرفتنا في السنوات الأخيرة بالتفاصيل الكيميائية للحياة من علم الأحياء الجزيئي ودراسات أصل الحياة، تضاءلت مقبولية التفسير الطبيعي المحض لأصل الحياة. فما أجراه “كنيون” من دراسات قاده لخلاصة مفادها أن المعلومات البيولوجية مصممة: «إن كان العلم يقوم على الخبرة، إذن فهو يخبرنا أن الرسالة المشفرة في الـ DNA لا بد أن تكون قد نشأت من مسبب ذكي. ولكن ما نوع هذا الفاعل الذكي؟ العلم وحده لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال. لذا، عليه أن يتركه للدين وللفلسفة. إلا أن هذا يجب ألا يمنع العلم من الاعتراف بالدلائل على مسبب ذكي للأصل أينما وجدت.»

لذلك، من الغريب أن يسطر عالم بارز في مكانة “إي. أو. ويلسون” ما يعبر عن إنكاره لوجود هذه الدلائل: «أي باحث يمكنه أن يثبت وجود تصميم ذكي في الإطار المقبول للعلم سيدخل التاريخ وسيخلد اسمه. لأن هذا يعني أنه نجح أخيراً في إثبات أن العلم والعقيدة الدينية متوافقان! إن جائزة مجمعة من جائزة نوبل وجائزة تمبلتون Templeton Prize (الأخيرة تهدف لتشجيع البحث عن هذا النوع من الانسجام) لا ترقى إلى مستوى هذا الإنجاز. وكل عالم يتمنى أن يحرز هذا السبق الذي يشكل بداية عصر جديد. إلا أنه ما من عالم تمكن ولو حتى من إحراز قدر ضئيل من هذا الإنجاز، لأنه للأسف ليس لدينا دليل، ولا نظرية، ولا مقاس للإثبات يمكن أن يبدو ولو ظاهرياً أنه علم. فكل ما لدينا بقايا ذلك الموقف المأمول، الذي يتضاءل باطراد كلما تقدم علم الأحياء.» وقد وصفت هذا الكلام بأنه غريب لأنه حتى لو أراد المرء التقليل من شأن ما ناقشناه في الفصول السابقة بخصوص علم الأحياء لأنه يتحدى بعض الأفكار السائدة عن أصل الحياة، فكيف له أن يتجاهل دلائل الفيزياء وعلم الكون التي لا تشكك في العلم المقبول، بل تنبثق منه؟ ولكن قارن موقف “ويلسون” بموقف “آلن سانديج” الذي يعتبره الجميع أعظم علماء الكون المعاصرين: «إن العالم شديد التعقيد في كل أجزائه وتشابكاته حتى إنه يستحيل أن يكون وليد الصدفة وحدها. إني مقتنع أن وجود الحياة بكل ما فيها من تنظيم في كل كائن من كائناتها الحية مركب معاً بمنتهى البراعة.»

ولعلنا نذكر أيضاً أن دلائل البحث العلمي المختصة بمسائل أصل الحياة هي التي قادت الفيلسوف البارز “أنتوني فلو” الذي عاش ملحداً طيلة حياته، للإيمان بأن طبيعة تعقيد الـ DNA لا يمكن تفسيرها إلا بخالق ذكي. “ويلسون” يقول إنه لا يوجد دليل، “سانديج” وكذلك “فلو” يقولان بوجود دليل. لا يمكن أن يكون كلا الموقفين صحيحاً.

إله الفجوات مرة أخرى!

يجب عند هذه النقطة أن نؤكد أن ما توصلنا إليه في هذا الفصل من استدلالات على مسبب ذكي لا تنتمي لفئة “إله الفجوات” وذلك لأنها لا تقوم على الجهل بالعلم بل على المعرفة به. فمثلاً، مؤيدو برنامج SETI يرون أن القول بذكاء كائن فضائي من خارج الأرض باعتباره مصدر الرسالة الغنية بالمعلومات التي وصلت إلينا، لا يعادل القول بفكرة “كائن الفجوات الفضائي”. وإن كان التحليل الرياضي والمعلوماتي متشابهاً في الحالتين، أليس من قبيل الاتساق أن نفترض مصدراً ذكياً للرسائل الغنية بالمعلومات المتضمنة في الـ DNA ولا نعتبره “إله الفجوات”؟

ويساعدنا هذا المثال على استخلاص ولو جزء من السبب وراء صعوبة التخلص من انطباع محاجة إله الفجوات. وهذا هو السبب: إن سلمنا بفرضية SETI (إشارة ينقلها مصدر ذكي ويعترف بها العلم)، لاكتشفنا فجوة واضحة في معرفتنا على مستوى التعرف على هوية الذكاء مصدر الرسالة، لا على مستوى تحديد لما إذا كان هناك ذكاء أم لا. أي أننا نخرج من ذلك بحالة التشويش نفسها بشأن معنى “التصميم الذكي” الذي طرحناه في تمهيد الكتاب.

وكما رأينا آنفاً، نحن لا نجد صعوبة في الاستدلال على كاتب ذكي بصفته مصدر الكتابة، لأننا نعلم أنه لا جدوى من محاولة تقديم تفسير اختزالي يقوم على فيزياء وكيمياء الحبر والورق. ويمكن التعبير عن ذلك بأسلوب مختلف: فيما يتعلق بتقديم تفسير كامل للكتابة على الورق، مؤكد أن هناك فجوة في القدرة التفسيرية للفيزياء والكيمياء. وهي ليست فجوة جهل، ولكنها فجوة من الناحية النظرية، أي فجوة تكشفها معرفتنا بالعلم، لا جهلنا به. أي أننا يمكن أن نطلق عليها فجوة “جديدة” لتميزها عن الفجوات “السيئة” التي لا تمثل فجوات من الناحية النظرية، ويتضح في النهاية أنه يمكن تفسيرها بالفيزياء والكيمياء.

فالكتابة على ورقة (أو الرسم على لوحة) يعكس ما يسميه الفيلسوف “دل راتش” Del Ratzsch التيار المضاد counter flow، وهي ظواهر لا تستطيع الطبيعة إنتاجها دون مساعدة فعل ذكي. وذلك لأننا نعلم، حتى من الناحية النظرية، أن علوم الفيزياء والكيمياء لا تستطيع أن تفسر التيار المضاد الذي يظهر في الكتابة، لدرجة أننا نرفض التفسير الطبيعي المحض، ونفرض وجود كاتب.

ولكن لا بد أن نشير إلى أن افتراض فاعل ذكي لتفسير الكتابة لا يندرج تحت فئة “كاتب الفجوات”، بل إن معرفتنا بطبيعة “الفجوة” هي التي تتطلب افتراض وجود كاتب.

وهكذا، معرفتنا بطبيعة المعلومات البيولوجية من ناحية، ومعرفتنا بأن المصادر الذكية هي المصادر الوحيدة المعروفة للمعلومات، من ناحية أخرى، بالإضافة إلى معرفتنا بأن الصدفة والضرورة لا تقدران أن تولدا نوعية المعلومات المحددة المعقدة التي نراها في الكائنات الحية، تشير كلها إلى التصميم باعتباره أفضل تفسير لوجود الـ DNA الغني بالمعلومات.

ولا أشك أن إحجام بعض العلماء عن الاستدلال على التصميم بناءً على وجود جزيئات حيوية غنية بالمعلومات لا يتعلق كثيراً بالعلم بقدر ما يتعلق بما يجره هذا الاستدلال من تداعيات بخصوص هوية المصمم. ومن ثم، فهي مسألة منظور فلسفي، وليست مجرد مسألة علمية. لأن العلماء لا يمانعون مطلقاً في التوصل لاستدلالات تصميم (علمية) تدلل على فعل بشري أو حتى فعل كائن فضائي. إذن الصعوبة لا تكمن في كوننا عاجزين عن التوصل لاستدلالات على التصميم.

وعند هذه النقطة يبدأ البعض في الشعور بعدم الارتياح، ومفهوم طبعاً أنهم الملحدون، حيث إنه يرفضون وجود الله، فكم وكم يكون شعورهم تجاه فعله. ولكن هذا الشعور يعكس خوفاً من تهمة إله الفجوات حتى إن بعض اللاهوتيين يرون أن الطبيعة تتمتع بنوع من “الاكتمال الوظيفي” Junctional integrity، وهو ما يعنى أن العالم مخلوق ولكن “لا تشوبه أي عيوب وظيفية، ولا تتخلل نظامه أي فجوات تتطلب فعلاً فورياً من الله.» ومن ثم، يبدو أن أصحاب هذا الموقف مضطرون أن يؤمنوا على الأقل بأن كل المعلومات اللازمة لإنتاج كل التعقيد الذي نراه حولنا كانت متضمنة في الكون منذ البداية عند الخلق الأصلي ولم تضف أي معلومات بعدئذ.

إلا أن “جون بولكينجهورن” الذي يرفض لاهوت إله الفجوات (السيئة) رفضاً قطعياً، يصر على أننا لا بد ألا «نقنع بالكلام اللطيف الخفيف غير الحاسم الذي لا ينجح حتى في ربط أفكارنا الحدسية عن فعل الله بمعرفتنا بالعملية الفيزيائية.» ويتلخص موقفه فيما يلي: «إن كان العالم المادي مفتوحاً حقاً، وإن كانت علّيّة رأسية تتجه من أعلى لأسفل تعمل في هذا العالم، فلا بد من وجود “فجوات” أصيلة (“مظروف يحمل فرصة لإمكانية حدوث شيء”) في تفسير الطبيعة التي تتجه من أسف لأعلى لتفسح مجالاً للعلية المقصودة…. فنحن، بلا خجل، “أناس الفجوات” بهذا المعنى الأصيل ولا عيب في فكرة “إله الفجوات” بهذا المعنى أيضاً.» أما عن طبيعة تفاعل الله فهو «لا يتم في صورة طاقة energetic بل في صورة معلومات informational.»

تثير هذه العبارة الأخيرة قضية في غاية الأهمية. فإن كان الله قد فعل بعض الأشياء بشكل مباشر (مثل خلق الكون)، فلا بد أن يكون مسؤولاً عن بعض الأفعال أو التفاعلات المختصة بالطاقة. فمهما كان، قانون حفظ الطاقة يخبرنا أن الطاقة تحفظ. ولكنه لا يخبرنا بمصدر هذه الطاقة، وهو شيء غالباً ما يسهل تجاهله. والآن، أنا أتفق أنه علينا أن نحذر من السقوط في فخ إله الفجوات (السيئة)، ولكن كما أشار “آلفن بلانتيجا” أنه منطقياً إن كان هناك إله يفعل أي شيء في العالم بشكل غير مباشر، فلا بد في نهاية الأمر أن يفعل شيئاً مباشراً أو يخلق شيئاً على نحو مباشر. وما أن نعترف أن الله فعل فعلاً مباشراً ولو مرة واحدة في الماضي في الخلق الأصلي للعالم، فما الذي يمنعه من أن يفعل أكثر من مرة، سواء في الماضي أو المستقبل؟ فمهما كان، قوانين الكون ليست مستقلة عن الله، فهي مجموعة المبادئ التي نعبر بها عن الضوابط التي وضعها هو في الكون. فمن العبث أن نظن أنها قيدت الله ومنعته من أن يفعل أي فعل خاص. ويوجز “بلانتيجا” موقفه قائلاً: «ألا يمكن أن نتوصل لهذا الاستنتاج الحكيم من أن الله خلق الحياة مثلاً، أو الحياة البشرية، أو خلق أي شيء آخر خلقاً خاصاً؟ (ولست أقول إنه يجب علينا أن نستنتج ذلك: ولكني أقترح فقط وأقول «ألا يمكن»، وإن كان هذا هو أكثر ما ترجحه الأدلة بقوة، عندئذ يجب علينا أن نصل لهذه الخلاصة).»

إن لب القضية هو: هل نحن مستعدون أن نتبع الدلائل أينما تقودنا، حتى وإن كانت تشير إلى تفسير بعيد عن التفسير الطبيعة المحض؟ إن كان هناك خالق، إذن يجب أن نجد شيئين. أولهما، يجب ألا نتعجب إن كانت محاولاتنا لفهم الكون بناءً على افتراضات طبيعية ناجحة جداً في أغلبها، لسبب بسيط جداً، ألا وهو أن الطبيعة موجودة سواء آمنا بخالق أم لا (نحن لم نأت بالطبيعة). وثانيهما، من المحتمل أن نجد عدداً قليلاً نسبياً من الفجوات “الجيدة” التي لا تخضع لأي منهجية طبيعية خالصة، بل الحقيقة أنها تزداد صعوبة أمام هذه المنهجية. ولكنها على قدر كبير من الأهمية كما سيتضح لك عندما أسردها عليك: أصل الوعي، أصل القدرة على التفكير ومفهوم الحق، أصل الأخلاق والروحانية. وهذا الكتاب لا يمكنه إلا أن يمثل بداية متواضعة في بضع النقاط الأول في هذه القائمة.

والآن لا بد أن أشدد بكل وضوح على أنه إن كانت هناك بعض الفجوات “الجيدة” التي تشير إلى خالق، فهذا لا يعني على الإطلاق أن هذه الفجوات هي الدليل الوحيد الذي يقدمه العلم على وجود الله. ولكنها دلائل إضافية على مجموعة الدلائل الرئيسية التي تزودنا بها عجائب الخليقة ككل. وعلى أي حال، فاللاهوت المسيحي المعتبر يؤكد أن الله لم يخلق الكون في البداية وحسب، ولكنه فاعل باستمرار في حفظه وفي كل ما يجري فيه من عمليات وإلا يختفي الكون من الوجود. وما نفهمه من ذلك على ضوء الفيزياء والكيمياء يبين لنا مجده بغض النظر عن قولنا فيما لا نفهمه بمساعدة هذه العلوم.

والمادي بطبيعة الحال لابد أن يرفض مسبقاً احتمالية وجود فجوات “جيدة” تشير إلى نشاط الخالق. أما المؤمنون بالله، فلهم موقف مختلف. فهم على أقل تقدير يؤمنون أن الله يتسبب في وجود الكون. ومن ثم، فهو مسؤول عما يجري فيه من عمليات طبيعية. وعندئذ ينشأ السؤال عما إذا كان يجب أن نعتبر أن الله هو المسبب الأعلى لهذه العمليات جميعاً أي أنه يسببها على نحو غير مباشر من حيث أنها تتم في كون هو المسؤول الأعلى عنه، أم أن بعض ما يجري في الكون من عمليات أو أحداث قد ينطوي على نوع من الفعل الإلهي المباشر.

ولقد بينت فيما سبق أن تفاصيل علم الأحياء تشير إلى “لوجوس” يكمن وراء الحياة. وقد أوضحت أن جزءًا من هذا الدليل يتعلق بمحدودية قدرة الانتخاب والطفرة، أي حدود التطور، إلا أني ركزت في حجتي على أصل الحياة وشفرتها الرقمية. وأود أن أسجل ملاحظة أخيرة في هذا الجزء عبارة عن مشابهة مثيرة للفيلسوف الألماني البارز “روبرت سبيمن” Robert Spaemann لإلقاء الضوء على خلل التفكير الإلحادي بشأن علم الأحياء. فهو يشير إلى ما اكتشفته عالمة الموسيقى “هلجا ثون” Helga Thoene في مقطوعة “بارتيتا الكمان في سلم ري الصغير” Violin Partita in D-minor للموسيقي “ج. س. باخ” J. S. Bach من تشفير مزدوج عجيب. فقد وجدت أنك إن طبقت على المقطوعة نمطاً صورياً من الأرقام يقابل الحروف الأبجدية تنتج عندك هذه الحكمة القديمة: Ex Deo nascimur, in Christo morimur, per Spiritum Sanctum reviviscimus. وبالطبع لسنا بحاجة لمعرفة هذا النص الخفي حتى نستمتع بالمقطوعة، فقد استمتع بها الناس على مدى مئات السنين دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عن هذه الرسالة الخفية. ولكن الفضل يرجع لعبقرية “باخ” في تشفير رسالة مختلفة تماماً في مقطوعة موسيقية، عندما تقيم بمعايير علم الموسيقى وحدها، تعد مقطوعة في غاية الروعة.

ويرى “سبيمن” أن هذه هي مشكلة الملحدين الجدد وموقفهم من علم الأحياء التطوري: «يمكنك إن أردت أن تصف العملية التطورية بلغة طبيعية بحتة. إلا أن النص الذي يظهر بعدئذ عندما ترى شخصاً، وعندما ترى فعلاً جميلاً أو صورة جميلة لا يمكنك أن تقرأه إلا إذا استخدمت شفرة مختلفة تماما.» ويستأنف “سبيمن” مشابهته فيتخيل عالم موسيقى يقول إن المقطوعة تشرح نفسها بالكامل، وإن الصدفة وحدها هي التي أنشأت هذه الرسالة. ومن ثم، يكفي تفسير المقطوعة تفسيراً موسيقياً صرفاً دون اعتبار للنص. ألا يتطلب منا ذلك قدراً كبيراً من السذاجة حتى نقتنع به؟ بالطبع. فيستحيل أن نقبل ولو للحظة واحدة أن النص وجد بالصدفة دون أن يضع أحد شفرته. وهو ما ينطبق على العلم. فيمكنك، إن شئت، أن تحد نفسك في علم طبيعي بحت. ولكنك لا تستطيع بعدئذ أن تأمل في تفسير النص الذي سيظهر أمامك. ووفقاً لهذه النظرة فعالم الموسيقى، بصفته عالم موسيقى، يمكنه أن يشرح كيفية تأليف المقطوعة في حالة واحد فقط، إن تجاهل النص. ويبدو أن هذا هو بالضبط موقف الملحدين الجدد. فهم يتجاهلون “النص” الذي هو عبارة عن إنسان بكل ما في لوحة حياته وقدرته اللغوية والفكرية من ثراء.

إلا أنهم عند هذه النقطة سينفذ صبرهم ويطلقون اعتراضاً من حيث المبدأ على فكرة إله فائق للطبيعة يمكنه أن “يتدخل” في مجرى الطبيعة. وقد اشتهر فيلسوف التنوير الإسكتلندي “دافيد هيوم” بصياغته لهذا الاعتراض، إذ رأى أن “المعجزات تنتهك قوانين العلم”. وقد حذت أجيال من العلماء حذو “هيوم”، وأشهرهم “ريتشارد دوكينز”. ولذا، علينا أن نفحص ما قاله “هيوم”.

 

[1] مشابهة وضعها “برتراند رسل” ليبين أن مسؤولية البينة الفلسفية تقع على من يقول بمزاعم لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها علمياً، ولا تقع المسؤولية على من يشكك فيها، ولا سيما في مجال الذين (المترجم).

[2] الترجمة العربية المبسطة. (المترجم)

[3] الأصل اليوناني للكلمة khoos ويعني “فجوة شاسعة”، “فراغ”. (المترجم)

[4] الأصل اليوناني للكلمة kosmos ويعني “نظام” أو “عالم”. (المترجم)

الماكينة القردية – جون ليونكس

الماكينة القردية – جون ليونكس

الماكينة القردية – جون ليونكس

الماكينة القردية – جون ليونكس

 

«”آرثر دنت” مخاطباً “فورد برفكت”: “فورد،

إن أعداداً لا حصر لها من القردة منتظرة في الخارج

تريد أن تخبرنا عن هذا النص الذي كتبوه لمسرحية “هاملت”.»

“دوجلاس آدمز”

 

«لا يُشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء

حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً

من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة

العشوائية الفوضوية.»

“ريتشارد دوكينز”

 

 

القردة الكاتبة:

يزعم “ريتشارد دوكينز” أن العمليات الطبيعية غير الموجهة يمكنها أن تفسر أصل المعلومات البيولوجية، فلا حاجة لمصدر معلومات خارجي. وهو يستخدم في كتابه “الساعاتي الأعمى” مشابهة ترجع جذورها لحجة تنسب إلى “ت. هـ. هكسلي” في مناظرته الشهيرة مع “ويلبروفورس” في أكسفورد سنة 1860. ويقال إن حجة “هكسلي” تقول إن القردة العليا لو أخذت تكتب كتابة عشوائية على الآلة الكاتبة، بشرط أن تمنح عمراً طويلاً، وإمدادات لا تنتهي من الورق والطاقة التي لا تنضب، ستكتب في النهاية، بالصدفة إحدى قصائد شكسبير أو حتى كتاباً كاملاً. عموماً ليس من المحتمل أن يكون “هكسلي” قد قال شيئاً كهذا لسبب بسيط أن الآلات الكاتبة لم تطرح في الأسواق إلا سنة 1874. ولكن ليس هذا هو المهم. فهي قصة طريفة، وبناء على تقديرات عمر الكون الحالية، ناهيك عن تقديرات عمر الأرض، من السهل أن نرى أن هذا الزعم الذي تنطوي عليه المشابهة هراء رياضي. وقد كتب عالم الرياضيات البارز “جيان كارلو روتا” Gian-Carlo Rota في كتاب عن الاحتمالات (توفي قبل أن ينهي كتابته): «لو تمكن القرد من النقر على لوحة المفاتيح نقرة واحدة كل نانو ثانية، فالزمن المتوقع الذي يحتاجه لكتابة مسرحية “هاملت” طويل للغاية حتى إن عمر الكون، وفقاً لتقديرات العلماء، يبدو لا شيء مقارنة به… ولا أظن أنها طريقة عملية لكتابة المسرحيات.»

وليس من الصعب أن نحسب هذا الكلام. فمثلاً، “رسل جريج” Russell Grigg يحسب في مقاله «هل يمكن للقردة أن تكتب مزمور 23 على الكمبيوتر؟» “Could Monkeys Type the 23rd Psalm?” أنه إن نقر القرد نقرة واحدة عشوائياً كل ثانية، فمتوسط الوقت الذي يحتاجه لكتابة كلمة “the” يبلغ 34,72 ساعة. وحتى يكتب نصاً بطول المزمور الثالث والعشرين (مزمور عبري قصير يتكون من 603 حرف ورقم آية ومسافة) سيحتاج في المتوسط حوالي 101710 سنة. والتقديرات الحالية لعمر الكون تتراوح بين أربعة وخمسة أضعاف 910 سنوات. ووفقاً لتعريف “دوكينز”، مؤكد أن هذه الحسبة تجعل مزمور 23 مسألة معقدة: فهو يمتلك «صفات ما، وهو محدد مسبقاً، بحيث أنه لا يحتمل أن يكون قد جاء بالصدفة العشوائية وحدها.»

منذ 1 تموز/يوليو 2003 بدأت عملية محاكاة تتضمن قروداً تكتب عشوائياً على الكمبيوتر، حيث تنقر نقرة واحدة كل ثانية. وقد بدأت العملية بمئة قرد بحيث يتضاعف الرقم كل بضعة أيام، وبالطبع إمدادات الموز لا تنضب. والرقم المسجل حالياً هو 24 حرفاً متتالياً من مسرحية شكسبير “هنري الرابع” أنتجت في حوالي 4010 سنة قردية (عمر الكون يقدر بأقل من 1110 سنة).

ومنذ فترة طويلة أقنعت هذه الحسابات معظم العلماء، بمن فيهم “دوكينز”، أن العمليات العشوائية المحضة لا تستطيع تفسير أصل النظم المحملة بالمعلومات المعقدة. ويستشهد “دوكينز” بتقدير “اسحق أزيموف” Isaac Asimov لاحتمالية تجميع جزيء الهيموجلوبين عشوائياً من الأحماض الأمينية. فهذا الجزيء يتكون من أربع سلاسل من الأحماض الأمينية الملتفة معاً. وكل سلسلة تتكون من 146 حمض أميني والكائنات الحية تحوي 20 نوعاً مختلفاً من الأحماض الأمينية. والطرق الممكنة لترتيب هذه العشرين في سلسلة يبلغ طورها 146 حلقة تصل إلى 14620 طريقة، أي حوالي 19010. (الكون كله لا يضم سوى 7010 بروتوناً).

وأود أن أذكر القارئ بالاستنتاج القاطع الذي توصل إليه “دوكينز”: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين أنه لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة. لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية.»

ويتفق كل من السير “فرد هويل” وعالم الفيزياء الفلكية “تشاندرا ويراماسينغ” Chandra Wickramasinghe مع “دوكينز” في موقفه من قدرات العمليات العشوائية المحضة. «مهما كانت حجم البيئة موضوع النقاش، فمن المستحيل أن تكون الحياة بدأت عشوائياً. وجحافل القردة التي تصم آذاننا بدقاتها العشوائية على الآلات الكاتبة لم تتمكن من إنتاج أعمال شكسبير، لسبب عملي أن الكون المنظور كله لا يكفي للأعداد اللازمة من القردة والآلات الكاتبة، ولا يكفي طبعاً لسلال المهملات اللازمة للتخلص من أوراق المحاولات الخاطئة. وهو ما ينطبق على المادة الحية. فاحتمال أن تتكون الحياة تلقائياً من مادة غير حية يساوي 1 إلى رقم أمامه 40 ألف صفر… وهو ما يكفي لدفن داروين ونظرية التطور بأكملها. فلم يوجد حساء أساسي، لا على هذا الكوكب ولا على أي كوكب آخر، وإن لم تكن بدايات الحياة عشوائية، فلا بد إذن أن تكون نتاج ذكاء له غرض.»

هل من الممكن تسلق جبل اللامحتمل؟

يبدو إذن أن الجميع يتفقون على أن بداية مكونات الحياة بمحض الصدفة يظهر أنها ماتت في الحساء الأساسي. فكيف يمكننا إذن تفسير نشأة هذا التعقيد؟ يحاول “دوكينز” أن يحل معضلة نشأة النظم التي تتميز بدرجة عالية من التعقيد المحدد الذي يستبعد فكرة الأصل الناتج عن الصدفة وذلك باللجوء إلى «تقسيم اللاحتمالية إلى أجزاء صغيرة يمكن التعامل معها، مع استبعاد الحظ نهائياً، ثم الدوران خلف “جبل اللامحتمل” وتسلق مرتفعاته السهلة على اعتبار أننا كلما صعدنا بوصة واحدة نكون قد قطعنا مليون سنة.»

فلنحاول إذن أن نتسلق الجبل في أثر “دوكينز”، ونحاول أن نقلل عدم احتمالية إنتاج جزيء الهيموجلوبين (المشروح أعلاه) مثلاً بتقسيم العملية إلى خطوات صغيرة. ولتكن 1000 خطوة إلى قمة الجبل، ولنفترض وضعاً مبسطاً جداً حيث لا يوجد سوى خيارين في كل خطوة. يقود واحد منهما فقط لشيء مجد، مما يدفع الانتخاب الطبيعي للقضاء على الخيار الآخر غير المجدي، وعلى كل خطوة مستقلة. فما احتمالية العثور على الطريق الصحيح للوصول إلى القمة؟ 1 من 10002، أي حوالي 1 من 30010. ولكن هذه الاحتمالية أصغر من احتمالية التجمع العشوائي لجزيء الهيموجلوبين من الأساس. فاقتراح “دوكينز” تسلق الجبل غير محتمل من عدة أوجه.

ويشير الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل “براين جوزيفسون” Brian Josephson بجامعة كامبريدج إلى فرضية أخرى متخفية في ثنايا محاولة “دوكينز” لتسلق جبله: «في كتب من أمثال “الساعاتي الأعمى”، يختص جزء جوهري من الحجة بما إذا كان هناك طريق متصل يبدأ من أصل الحياة ويستمر وصولاً للإنسان، بحيث تكون كل خطوة فيه من النوع الذي يفضله الانتخاب الطبيعي، ومن الصغر الذي يجعلها تحدث بالصدفة. ويبدو أن المسألة تعرض بما يوحي أن الضرورة المنطقية تحتم وجود هذا الطريق، إلا أن هذه الضرورة المنطقية غير موجودة، ولكن الحقيقة أن الافتراضات التطورية هي التي تتطلب وجود مثل هذا الطريق.»

إن السبيل الوحيد للخروج من طريق الاحتمالات المسدود أن نحاول أن نزيد الاحتمالات زيادة كبيرة، وهذا تحديداً ما يفعله “دوكينز” في “الساعاتي الأعمى”. فهو يزعم أن أصل الحياة أبعد ما يكون عن عملية صدفة بحتة، إلا أنه يرى أن الحياة لا بد أن تكون قد بدأت بشيء بسيط يمكن أن ينشأ بالصدفة. وبعدئذ، بدلاً من حدوث عملية “غربلة” في خطوة واحدة فقط، مثل عملية خلط كل مكونات الأحماض الأمينية للهيموجلوبين على أمل الحصول على ذلك الجزيء بالصدفة، يرجح “دوكينز” أن العملية كانت نوعاً من الغربلة التراكمية أو “الانتخاب” التراكمي حيث نتائج كل عملية غربلة تلقم في العملية التالية. ويرى “دوكينز” أن هذه الحركة تزود العملية بشيء يشبه القانون بحيث يمكن أن نعتبرها مزيجاً من الصدفة والضرورة. ولتوضيح الفكرة يستخدم الكمبيوتر لمحاكاة تشبيه قريب من تشبيه القردة الكاتبة المنسوب إلى “هكسلي”، ويقدم لنا خوارزمية بناء على هذه المحاكاة. فهو يتخيل أن القرود مطلوب منها كتابة عبارة ما، والعبارة المستهدفة مأخوذة من مسرحية “هاملت” لشكسبير، ونصها. “Methinks it is like a weasel” وطول هذه العبارة 28 “حرفاً” (نحن نعتبر المسافات “حروفاً” ونعتبر أن الأبجدية الإنجليزية تتكون من 26 حرفاً ومسافة واحدة). ولدينا الآن 28 قرداً (قرد واحد لكل حرف من التسلسل المستهدف) تجلس في صف واحد وتكتب. ومن ثم، فكل قرد مطلوب منه حرف في العبارة المستهدفة. سنحسب أولاً احتمالية أن تنتج العبارة المستهدفة بالنقر العشوائي على وجه المفاتيح: احتمالية الحصول على أول حرف في العبارة بالنقر العشوائي (العملية التي تشبه بها الطفرة) تعادل 1 من 27، وبالمثل احتمالية الحصول على حرفين صحيحين هي 1 من 27 × 27، وهكذا. ومن ثم، فاحتمالية الحصول على العبارة كلها بالنقر العشوائي في محاولة واحدة هي 1 من 2827، أي حوالي 1 من 4010، وهو أيضاً احتمال متناهي الصغر، أقل من 1 من تريليون – تريليون – تريليون. وللتعبير عن الفكرة بأسلوب مختلف، نقول إن العبارة المستهدفة عبارة عن نقطة معينة معزولة في فضاء يحوي تريليون – تريليون – تريليون نقطة أخرى، وعلينا أن نحصل على هذه النقطة باستخدام عملية فعالة.

ولنحسب الآن احتمالية إصابة الهدف، أي الهبوط على تلك النقطة بعد (س) من المحاولات. وأفضل الطرق لحساب ذلك كالآتي: لنأخذ المحاولة الأولى، حيث احتمالية خطأ جميع القرود هي 1 – 1/(2827). وهكذا في (س) من المحاولات تكون احتمالية الخطأ (1 – 1/(2827))س. ومن ثم، احتمالية كتابة الجملة الصحيحة بعد (س) من المحاولات هي 1 – (1 – 1/(2827))س. وإن اعتبرنا أن (س) هي مليار، تظل هذه الاحتمالية صغيرة للغاية، حوالي 1 من 3110، وهي صغيرة رغم أن تسلسل الحروف المعني تافهاً مقارنة بطول جينوم أحد الثدييات (في الإنسان يزيد عن 3 مليار حرف).

فما هو الحل الذي يدعيه “دوكينز” إذن لمشكلة زيادة هذه الاحتمالات متناهية الصغر إلى مقادير يسهل التعامل معها؟ هذا هو الحل: كلما كتب أحد القرود حرفاً، يقارن الحرف الذي يكتبه بالحرف المستهدف من هذا القرد، وهي عملية غير عشوائية بالمرة. وهذه المقارنة طبعاً يجب أن تتم بآلية ما، مثل كمبيوتر (أو رئيس من القرود، حسب الاقتراح الطريف الذي يقترحه الرياضي “دافيد برلينسكي” David Berlinski). فإن كتب القرد الحرف المستهدف تحتفظ آلية المقارنة بذلك الحرف، وهي عملية غير عشوائية بالمرة. وعندئذ يتوقف القرد عن الكتابة، حيث إنه أنهى مهمته. وإن لم يصب القرد الحرف المستهدف، يسمح له بالاستمرار في الكتابة العشوائية حتى يصيبه.

والنتيجة الصافية لهذه العملية أن يتم التوصل للعبارة المستهدفة بسرعة كبيرة جداً تصل إلى 43 خطوة كما في النسخة الفعلية من محاكاة “دوكينز”. فما كان احتمال حدوثه في حالة الصدفة البحتة لا يعادل سوى 1 من حوالي 3110 في مليار محاولة، أصبح الآن لا يستلزم سوى 43 خطوة. ونلاحظ أن نموذج “دوكينز” يشتمل على كل من الصدفة (القرود الكاتبة) والضرورة (الخوارزمية التي تشبه القانون وتقارن المحاولة بالعبارة المستهدفة). وخوارزميته تقيس ما يطلق عليه “لياقة” الحل بحساب الفرق أو “المسافة” بين ذلك الحل والعبارة المستهدفة.

وقد بلغنا الآن صميم حجة “دوكينز”. ولعلك تذكر ما تزعم الحجة إثباته، ألا هو أن عملية الانتخاب الطبيعي العمياء، غير الموجهة، عديمة العقل قادرة على إنتاج المعلومات البيولوجية. إلا أنها لا تثبت شيئاً من هذا القبيل. والحقيقة أن “دوكينز” لم يفعل شيئاً سوى أنه حل مشكلته بإدخال الشيئين اللذين يتمنى أن يتحاشاهما بأي ثمن. فهو يخبرنا في كتابه أن التطور أعمى، وبلا هدف. فلماذا يقصد إذن بإدخال عبارة مستهدفة؟ إن العبارة المستهدفة تمثل هدفاً دقيقاً، وهي على حد تعبير “دوكينز” نفسه مفهوم لادارويني بكل تأكيد. وكيف يمكن للتطور الأعمى أن يرى ذلك الهدف، بل أيضاً أن يقارن به محاولة حتى ينتخبها إن كانت أقرب من سابقتها؟ وهو يقول لنا إن التطور عديم العقل. فماذا يقصد إذن من تقديم آليتين، تحمل كل منهما كافة الأدلة على مدخلات عقل ذكي: آلية تقارن كل محاولة بالعبارة المستهدفة، وآلية تحتفظ بالمحاولة الناجحة؟ وأغرب شيء أن المعلومات التي يفترض في الآليات أن تنتجها يبدو أنها متضمنة أصلاً في مكان ما داخل الكائن الحي الذي يزعم “دوكينز” أن عمليته تحاكي نشأة هذا الكائن. إن الحجة دائرية.

يجب أن نلاحظ أن هذه السمة هي التي تميز آلية “دوكينز” عن الخوارزمية التطورية. فالخوارزميات التطورية معروفة جيداً في الهندسة وغيرها من التطبيقات باعتبارها وسيلة ممتازة ومجربة لإيجاد حلول للمشكلات المعقدة. فقد استعرض “رتشنبرج” Rechenberg مثلاً استراتيجية تطورية تعمل على الحد من المقاومة الكهربية لأحد النظم المعقدة بإحداث تغييرات عشوائية بشكل متتابع. ففي كل “خطوة تطورية” يتم تغيير قيم المتغيرات parameters الأجهزة عشوائياً وتقاس المقاومة. فإن أدى هذا التغيير إلى زيادة المقاومة، يعكس. وإن أدى لخفض المقاومة، يحتفظ به ويستخدم نقطة انطلاق للخطوة التالية. وهذه الاستراتيجية التطورية تفترض وجود قيمة parameter قابلة للقياس يرجى ضبطها لتحقيق أفضل النتائج، فقد يكون الغرض المرجو مثلاً الحد من المقاومة الكهربية. وبناءً على هذا الغرض من خفض المقاومة، يختبر النموذج كافة الأشكال التي يمكن التوصل إليها بتغيير القيم عشوائياً وينتج في النهاية الشكل الأمثل الذي لم يكن معروفاً من قبل.

والنقطة المهمة هنا أنه بناءً على ما سبق يتضح أن الحل لا يكون معروفاً في بداية العملية. إلا أن سيناريو “دوكينز” على النقيض من ذلك، كما رأينا للتو. فمن السذاجة أن نقول إن محاكاة “دوكينز” مقبولة منطقياً نظراً لنجاح الخوارزميات التطورية.

ويعلق الرياضي “دافيد برلنيسكي” تعليقاً حاداً في أحد مقالاته التي أثارت الكثير من المناقشات قائلاً: «التمرين كله هو…. إنجاز ضخم في مجال خداع النفس. جملة مستهدفة؟ صيغ جديدة iterations تشبه المستهدف؟ كمبيوتر أو رئيس للقردة يقيس المسافة بين الفشل والنجاح؟ إن كانت الأشياء عديمة البصر فكيف يمكنها أن ترى الهدف، وكيف تقاس المسافة بين العبارات التي تتولد عشوائياً والعبارات المستهدفة؟ ومن الذي يقوم بذلك؟ وماذا عن رئيس القردة؟ إن آلية التصميم المقصود التي محتها نظرية داروين على مستوى الكائن الحي عادت للظهور مرة أخرى في وصف الانتخاب الطبيعي نفسه، وهو ما يعتبر مثالاً حياً على ما قصده “فرويد” بعودة المكبوت.»

والغريب أن “دوكينز” يعترف أن المشابهة التي يقترحها مضللة، وذلك لأن الانتخاب الطبيعي التراكمية «أعمى بلا هدف». وهو يزعم أنه يمكن تعديل البرنامج ليعالج هذه المشكلة، وليس غريباً أن هذا الزعم ليس له أي سند أو دليل، لأنه لا توجد أصلاً أدلة تؤيده. وحقيقة أنه حتى لو كان صحيحاً، سيثبت عكس ما يؤمن به “دوكينز”. وذلك لأن تعديل برنامج يتطلب استخدام المزيد من الذكاء مع منتج بشري مصمم بذكاء، ألا وهو البرنامج الأصلي. أما البرنامج الأكثر تعقيداً الذي صممه “دوكينز” لمحاكات التطور في الكائنات الحية المعروف باسم biomorph يشتمل أيضاً على نظام “فلترة” مصمم بذكاء، وهو عبارة عن حزمة برامج فيها يوّلد الكمبيوتر أشكالاً معينة تعرض على الشاشة يختارها مستخدم الكمبيوتر بناءً على أناقة شكلها، وما إلى ذلك، فتظهر له أشكال أكثر تعقيداً يطلق عليها “الصور الإلكترونية البيولوجية المعدلة” biomorphs. ولكن إن استبعدت نظام الفلترة، والهدف، ورئيس القردة، تنتهي إلى شيء بلا معنى. إذن حتى تبدو مشابهات “دوكينز” معقولة، فهي تعتمد على تطعيم نموذجه بالخصائص عينها التي ينكر وجودها في العالم الواقعي.

فما أثبته “دوكينز” فعلياً أن الأنظمة التي تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد كاللغات، أياً كان نوعها، بما فيها الشفرة الوراثية للـ DNA لا يمكن تفسيرها دون حقنها أولاً بالمعلومات اللازمة.

وتعد الساعة الأوتوماتيكية مثالاً أبسط على ذلك. فهي تستخدم الحركات العشوائية للرسغ والذراع لتدير نفسها. فكيف تفعل ذلك؟ صانع ساعات ذكي صمم ترساً يسمح لعجلة ثقيلة أن تتحرك في اتجاه واحد فقط. ومن ثم، فهي تختار بدقة الحركات الأخرى التي لا تفي بهذا الغرض. والترس نتاج تصميم ذكي. ويرى “دوكينز” أن هذه الآلية لا يمكن أن تكون داروينية. فالساعاتي الأعمى الذي يتحدث عنه ليس عند بعد نظر. واقتبس ثانية من “برلينسكي” قوله: «الآلي الداروينية لا تتوقع ولا تتذكر. ولا تعطي توجيهات ولا تختار اختيارات. فما هو مرفوض في نظرية التطور، ما هو ممنوع منعاً قطعياً هو ظهور قوة قادرة على دراسة الوقت، قوة تحتفظ بنقطة أو بخاصية لأنها ستكون مفيدة [مثل ترس الساعة]. وهذه القوة لم تعد داروينية. فكيف يمكن لقوة عمياء أن تعرف شيئاً كهذا؟ وكيف ينقل النفع المستقبلي للحاضر؟»

الماكينات المعقدة غير القابلة للاختزال:

إلا أن مشابهة “دوكينز” ما زالت تنطوي على المزيد من المشكلات، خاصة إذا حاولنا تطبيقها على نشأة إحدى الماكينات المعقدة غير القابلة للاختزال كما يصفها “مايكل بيهي” التي عرضناها آنفاً. ويقدم “إليوت سوبر” أفضل تصوير للمشكلة بابتكار نسخة جديدة من مشابهة “دوكينز” حيث يتخيل قفلاً يفتح بإدخال حروف سرية هي METHINDSITISAWEASEL. وهذا القفل يتكون من 19 قرصاً متراصة بجوار بعضها البعض، ويحوي كل منها الحروف الأبجدية الإنجليزية التي تبلغ 26 حرفاً. وهو مزود بنافذة تظهر حرفاً واحداً من الحروف الأبجدية. ولنتخيل أن الأقراص تدار عشوائياً ثم يتوقف القرص بفعل آلية ما عندما يتوافق الحرف الظاهر من النافذة مع الحرف الصحيح المقابل له في سلسلة الحروف السرية. وتستمر باقي الأقراص في الدوران العشوائي وتتكرر العملية. وهذا هو نظام “دوكينز” في الأساس.

ويشير “مايكل بيهي” إلى أن المشابهة «تدعى أنه مشابهة موازية للانتخاب الطبيعي الذي يتطلب وظيفة. ولكن ما الوظيفة المتضمنة في الرموز السرية الخاطئة لفتح قفل؟ هب انه بعد إدارة الأقراص فقرة حصلنا على مجموعة حروف نصفها صحيح ونصفها خاطئ. ولتكن مثلاً MDTUIFKQINOAFERSCL (أي حرف صحيح وحرف خاطئ بالتبادل). وتؤكد المشابهة أن هذه النتيجة تمثل مستوى أعلى من مجرد سلسلة حروف عشوائية، وأنها يمكن أن تساعدنا في فتح القفل…. إن كانت قدرتك الإنجابية تعتمد على فتح القفل، فلن يكون لك نسل. ومما يثير السخرية أن “سوبر” وكذلك “دوكينز” يعتبران رموز القفل السرية نظاماً معقداً شديد التحديد ولا يقبل الاختزال يبين على نحن رائع سبب عدم إمكانية التعامل مع الوظيفة تدريجياً في مثل هذه الأنظمة.»

وفي نموذج “دوكينز” الأصلي للقرود الكاتبة، الانتخاب لا يحتفظ إلا بالمحاولات التي لها وظيفة، التي تعنى فيما يتعلق بهذا التشبيه أن ما كتبته القرود في كل خطوة متوسطة في العملية يشكل كلمات لها معنى. وبناءً على ذلك، عندما ننظر إلى المخرجات الناتجة عن محاكاة “دوكينز”، نجد أن العملية لم تبدأ أصلاً. فأفكار “دوكينز” لا يمكنها أن تبدأ أصلاً لتواكب التعقيد غير القابل للاختزال. «إن سيناريو “دوكينز – سوبر” بدلاً من أن يقدم مشابهة للانتخاب الطبيعي في تأثيره على الطفرة العشوائية، يقدم في الواقع نموذجاً للنقيض من ذلك: فاعل ذكي يوجه تركيب جهاز معقد لا يقبل الاختزال.»

بل إليك ما هو أكثر من ذلك. فقرود “دوكينز” تبدو أنها تولد التعقيد. ولكن هل هذا صحيح؟ للتحقق من ذلك سنجري المزيد من الحسابات. تخيل القردة الثمانية والعشرين في السيناريو الأول أعلاه تكتب جميعاً في وقت واحد. ولنختر أحدها ونسأل: ما احتمالية أن يصيب الحرف الصحيح المطلوب منه في العبارة المستهدفة في (س) من المحاولات؟ أسهل وسيلة لإجراء هذه العملية الحسابية أن نفكر أولاً في احتمالية ألا يصيب القرد الحرف الصحيح في أي محاولة. الاحتمالية هنا 26/27. ومن ثم، بناء على “نظرية برنولي” Bernoulli’s Theorem يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة بعد محاولة واحدة 28(26/27). وبما أن كل الحروف الصحيحة تحفظ، نكرر العلمية ولكن بحيث نبدأ فقط بالقردة التي لم تصب الحرف الصحيح، وهكذا. وهذا هو جوهر الانتخاب التراكمي. وبذلك يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة 28(26/27)س بعد (س) من المحاولات. وهذا الرقم يساوي حوالي 5 بعد 43 محاولة (ولذلك فقد أحسن “دوكينز” صنعاً). وبعد 60 محاولة يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة 3، وبعد حوالي 100 محاولة يقترب المتوسط من الصفر (أظهر أحد الحسابات الفعلية 0,64286).

فما الذي يحدث هنا؟ لقد استخدمنا أداة مبرمجة بذكاء للتخلص من المشكلة الحقيقية المفترض أصلاً أن نحلها التي لم تكن توليد اللبنات الأساسية أو الحروف، بل ترتيبها ترتيباً صحيحاً. فما توحي به لنا هذه العملية ظاهرياً أننا ولدّنا كل المعلومات المتضمنة في السلسلة METHINKSIT IS LIKE A WEASEL. ولكننا لم نفعل. بل كل ما فعلناه أننا ولدنا سلسلة معروفة بطريقة عشوائية جزيئاً. فنحن لم نحصل على أي معلومات جديدة.

وللتعبير عن المعنى بطريقة مختلفة أقول: إن آلية “دوكينز” تدعي أنها آلية تزيد الاحتمالية. ولكن زيادة الاحتمالية على هذا النحو تفضي إلى خفض التعقيد. لأن وصف شيء بأنه معقد يستلزم وجود الكثير من الخيارات الأخرى الحقيقية التي يمكن أن تحل محله، كما رأينا. ولكن خوارزمية “دوكينز” لا تسفر إلى عن نتيجة واحدة، هي جملته المستهدفة، وباحتمالية 1. وبالتالي فالمعلومات المضافة في العملية تساوي فعلياً صفراً.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الاحتفاظ بالحرف الصحيح وعدم فقدانه أبداً يعادل الافتراض بأن الطفرات النافعة دائماً ما يحتفظ بها في أفراد النوع. إلا أن عالم الأحياء التطوري السير “رونالد فيشر” Ronald Fisher بين في كتابه الذي يمثل عموداً أساسياً في هذا المجال أن هذا لا يحدث في الطبيعة. فمعظم الطفرات النافعة تمحى بفعل مؤثرات عشوائية، أو بفعل عدد من الطفرات الضارة يفوق بكثير عدد الطفرات النافعة. وهو ما يناقض الفكرة الشائعة منذ عصر داروين بأن الانتخاب الطبيعي يجب أن يحتفظ بأصغر التنويعات المفيدة حتى تسود على أفراد النوع جميعاً. وهو دليل إضافي يؤيد حجة التعقيد غير القابل للاختزال، كما أوضحنا سلفاً بتصوير القفل ذي الرموز السرية الذي اقترحه “بيهي”: فالطفرة “النافعة” لا تكون نافعة إلا إذا حدثت بالتزامن مع عدد كبير من الطفرات الأخرى “النافعة”، وهو ما يمثل الخطأ القاتل في حجة “العبارة المستهدفة” للقرود الكاتبة.

ومما يساعدنا أيضاً على أدراك ما يشوب تشبيه “دوكينز” من ضعف جوهري أن نستعيض عن عبارة METHINKS IT IS LIKE A WEASEL بالجينوم البشري الكامل الذي يتجاوز طوله 3 مليار (3 × 910) حرف حيث كل حرف إما (أ)، أو (س)، أو (ج)، أو (ث). وسيناريو “دوكينز” يدفعنا أن نتخيل 3 مليار قرد تكتب على الكمبيوتر في وجود الآلية المعتادة للاحتفاظ بالحرف الصحيح في السلسلة. فاحتمالية كتابة أي قرد لحرف خاطئ هي 3/4. وبعد (س) من المحاولات، يبلغ عدد الحروف الخاطئة نحو 3 × 910(3/5)س وهو ما يقل عن حرف واحد خاطئ بعد 80 محاولة. وعليه قد نحصل على الجينوم البشري بعد 80 محاولة في المتوسط.

ويمكن الإشارة أيضاً إلى أنه يعتقد أن النسبة المستخدمة فعلياً من الـ DNA تتراوح من 1 إلى 5٪، فإن أدخلنا هذا الاعتبار في نموذجنا بأن نختصر السلسلة إلى 5٪ فقط من طورها الأصلي، عندئذ تتولد السلسلة برمتها في أقل من 65 محاولة في المتوسط.

ماذا يعني ذلك؟ أن نموذج “دوكينز” عديم الفائدة بوصفه محاكاة لكيفية بناء التعقيد (بمعنى ترتيب الحروف ترتيباً صحيحاً) من سلسلة عشوائية بعملية تطورية غير موجهة. وذلك لأن افتراض وجود آلية تقارن المحاولة بالسلسلة المستهدفة وتحتفظ بها يعني أن المشكلة الحقيقية المتمثلة في ترتيب الحروف ترتيباً صحيحاً قد تم حلها قبل أن نبدأ. فقد استبعد هذا العنصر من المشكلة نهائياً بإدماجه في المنظومة أصلاً، وهو ما يعني طبعاً إمكانية التوصل إلى السلسلة المستهدفة بعدد قليل جداً من الخطوات لأننا نستهدفها أصلاً من البداية.

وهذا هو مفتاح التحليل من منظور النظرية الخوارزمية للمعلومات التي استعرضناها في الفصل السابق. لقد ثبت فشل ماكينة “دوكينز”، وفشلها يتوافق تماماً مع ما نتوقعه من النتيجة التي استخلصها “كوبرز”، ألا وهو أن المعلومات المتضمنة في مخرجات ماكينة “دوكينز” الخوارزمية متضمنة أصلاً إما في المدخلات أو في البينة المعلوماتية للماكينة. وبذلك يكون “كوبرز” على صواب لأن المعلومات متضمنة في البنية المعلوماتية.

وهكذا يتضح أن مقترح “دوكينز” بأكمله ليس سوى نموذج آخر لافتراض ما يدعي إثباته. واقتباس تعليق الفيلسوف “كيث ورد” مناسب جداً في هذا السياق، إذ يقول: «إن استراتيجية “دوكينز” التي تهدف إلى الحد من الذهول والاندهاش لا تفلح في ذلك. بل كل ما تفعله أنها تنقل الدهشة من التوليد التلقائي لنتيجة معقدة مرغوب فيها جداً إلى الوجود التلقائي لقاعدة فعالة مجبرة على إنتاج النتيجة المرجوة في الوقت المناسب.»

ويحاول “بنوك” Pennock في كتابه “برج بابل” Tower of Babel أن ينقذ الموقف فيزعم أن الهدف من نماذج “دوكينز – سوبر” ليس أن تقدم مشابهة للانتخاب الطبيعي في تأثيره على التنوع العشوائي، بل مشابهة للانتخاب التراكمي. ولكن محاولته فاشلة لأن القضية المركزية تتمثل في اعتماد العملية على آلية لمقارنة المحاولة بعبارة مستهدفة. أي أن القضية هي تحديداً أن الأثر الانتخابي يصبح تراكمياً بفعل ما تتميز به الآلية من قدرة مصممة بذكاء على الاحتفاظ بحروف العبارة المستهدفة بمجرد الحصول عليها وقبل أن يكون لها أي أثر نافع. فلا يمكن حدوث انتخاب تراكمي دون الآلية المصممة.

ومن ثم، حجة “دوكينز – سوبر” يشوبها عيب قاتل بوصفها حجة تضفي مقبولية منطقية على فكرة أن العمليات الطبيعية غير الموجهة تستطيع أن توّلد معلومات. إلا أن حجتهما تزيدنا استنارة من حيث إنه يمكن القول بأنها تزيد مقبولية التصميم الذكي. لأنها تبين أن حتى محاولات تفسير أصل المعلومات البيولوجية بناءً على افتراضات مادية قوية لا يمكنها أن تفعل ذلك إلا بتهريب آليات مصممة بذكاء إلى تفسيراتها.

ويعلق عالم الكمبيوتر “روبرت برويك” Robert Berwick قائلاً إن “كل خبرتنا في محاكيات التطور بدءاً من برامج “دوكينز” للصور الإلكترونية البيولوجية المعدلة حيث عرض جوائز لمن سيتمكن من تخمين طرق لانتخاب أشكال شيقة للكائنات الحية، وانتهاء بالخبرات المؤسفة فيما يتعلق بالحياة الاصطناعية artificial life التي تشير إليها “برلينسكي”، تظهر مدى صعوبة التقدم خطوة واحدة دون إجراء انتخاب صناعي أو إدراج الحلول المرغوبة داخل المنظومة.» وقد عبر “فيليب جونسون” عن هذه المشكلة الجوهرية بمنتهى الدقة: «إن الذكاء البشري المطلوب لبرمجة الكمبيوتر على توليد العبارة “methinksitislideaweasel” من برنامج انتقاء حروف عشوائي يفوق الذكاء اللازم للنقر على لوحة المفاتيح وكتابة العبارة المستهدفة من ذاكرة الكمبيوتر التي تمت تغذيتها بهذه العبارة من الأصل.»

أجري حوار سنة 1996 مع “مارسيل – بول شوتسنبرجر” الرياضي الفرنسي اللامع الذي ذكرناه آنفاً الذي شارك في “مؤتمر ويستار” Wistar Conference وفي هذا الحوار شبه الطفرات الأخطاء الطباعية، قائلاً: «….لا يمكن أن يكون التطور تراكماً لمثل هذه الأخطاء الطباعية.» ثم استطرد محللاً نموذج “دوكينز” وأشار إلى أنه نموذج فاقد للاتصال بأوضح الحقائق البيولوجية وأقواها. وذلك لأنه، من منظور رياضي، «ينحي تماماً المشكلة الثلاثية المكونة من التعقيد، والقدرة على أداء الوظيفة، وتفاعلاتهما.»

المحاكيات التي تستخدم الكمبيوتر:

تناولنا في هذا الفصل نموذجاّ واحداً فقط لفئة كاملة من المحاكيات التي تستخدم الكمبيوتر التي تدعى محاكاة العمليات التطورية بما فيها أصل الحياة. فمثلاً “ستيوارت كوفمن” وزملائه في “معهد سانتا فيه” بذلوا الكثير من الجهد في هذا المجال. وقد كشفنا أن المحاكاة التي استعرضناها تتضمن من بدايتها المعلومات عينها التي يفترض أن تولّدها. وقد كشفنا أن المحاكات التي استعرضناها محملة منذ البداية بالمعلومات عينها التي يفترض أن تولّدها. ولاحظنا أيضاً أن برمجة الكمبيوتر تمثل عملاً ذكياً. ومن السهل أن ننسى هذه الملاحظات أو نتجاهلها عندما نفكر في هذه المحاكيات، فيفوتنا أنها في الحقيقة تمثل دليلاً على عكس ما تدعي إثباته.

ويعبر “ستيف فولر” Steve Fuller عن هذه الفكرة تعبيراً بارعاً بقوله: «إن إمكانية محاكاة التطور على الكمبيرتر على نحو يرضي شخصاً مثل “كوفمن” تدعم فعلياً قضية وجود خالق إلهي. فمهما كان، أي برنامج كمبيوتر، هو في حقيقة الأمر، نتاج تصميم ذكي، وليس كياناً ذاتي التنظيم نجا من حالة الفوضى. فإن كان البشر قادرين على برمجة كمبيوتر يولد مخرجات تتميز بهذه الخواص الدقيقة من التنظيم الذاتي، فما المانع أن يكون الله قادراً على ذلك؟ وباختصار، التصميم الذكي باعتباره تفسيراً آخر لأصل الحياة غالباً ما يكتسب مزيداً من القوة كلما ازداد اعتماد التطوريين على الكمبيوتر في إظهار أن التاريخ الطبيعية ليس مجرد نظام معقد، ولكنه أيضاً نظام مركب، والتركيب صفة أصيلة فيه.

وذلك لأن التمييز بين الموقفين سيزداد صعوبة، وسينتهي الأمر بالتطوريين إلى اللعق على أرض أصحاب نظرية التصميم الذكي. والبديل بالطبع أن يثبت التطوريين وجود ماكينة “فون نيومن” Von Neumann machine في البرية، لا تحمل أي أثر لتصميم بشري أو غير بشري.»

الماكينة القردية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

 

«الحياة معلومات رقمية.»

“مات ريدلي” Matt Ridley

 

«واضح أن مشكلة أصل الحياة مرادفة في الأساس لمشكلة أصل المعلومات البيولوجية.»

“برند-أولاف كوبرز” Bernd-Olaf Kuppers

 

«إن مهمتنا أن نعثر على خوارزمية قانون طبيعي يصل بنا إلى أصل المعلومات.»

“مانفرد إيجن” Manfred Eigen

 

«الآلة لا تخلق أي معلومات جديدة، ولكنها تؤدي وظيفة قيمة جداً من إحداث تحول في المعلومات المعروفة.»

“ليونارد بريلوان” Leonard Brillouin

 

 

 

ما هي المعلومات؟

حتى الآن في هذا الكتاب نستخدم كلمة “معلومات” بحرية. ولكن حان الوقت لنلقي نظرة فاحصة على هذا المفهوم الجوهري.

في لغتنا العادية نستخدم كلمة “معلومات” للإشارة إلى شيء أصبحنا نعرفه الآن لم نكن نعرفه فيما سبق. فنحن نقول إننا تلقينا معلومات. وتتعدد طرق نقل المعلومات. فمنها ما هو شفهي، وما هو كتابي صرف، وما هو بلغة الإشارة، والشفرة السرية…. الخ. ولكن المشكلة تظهر عندما نحاول قياس المعلومات. إلا أن نظرية المعلومات حققت تقدماً ملحوظاً يمثل أهمية كبرى في دراستنا لطبيعة ما أطلقنا عليه المعلومات الوراثية.

ولنبدأ بالفكرة البديهية من أن المعلومات تحد من عدم معرفتنا. فمثلاً، سنتخيل أننا حجزنا في فندق صغير وعند وصولنا عرفنا أنه لا يوجد سوى ثماني غرف. فإن افترضنا أن كل الغرف متشابهة وأننا لم نطلب غرفة بعينها، إذن لدينا احتمال 1 من 8 أننا سنعطى أي غرفة. وذلك الاحتمال يمثل مقياساً واضحاً لعدم معرفتنا. ولكن عندما نتلقى معلومة نعرف منها أن غرفة 3 مثلاً هي المحجوزة لنا ينتفي عدم المعرفة. ومن أساليب قياس المعلومات التي تلقيناها أن نأتي بأقل عدد من الأسئلة التي يجاب عنها بكلمة نعم أو لا التي يجب أن نسألها لنكتشف الغرفة التي أعطيت لنا. وبجب أن نقتنع بقليل من التفكير أن الرقم هو ثلاثة. ونحن نقول إننا تلقينا ثلاثة “بت” من المعلومات[1] three bits of information، أو إننا نحتاج ثلاث بت من المعلومات لتحديد غرفتنا. ونحن نلاحظ أن 3 هي الأس الذي يجب أن نرفع له 2 حتى نحصل على 8 (أي أن 8 = 32) أو يمكننا أن نحسبها بالعكس فنقول إن 3 هي لوغاريتم 8 للأساس 2 (أي أن 3 = لو82). ومن السهل تعميم هذا الكلام بحيث إن كان لدينا (س) من الغرف في الفندق، عندئذ كمية المعلومات المطلوبة لتحديد غرفة معينة هي لو2س.

والآن تخيل رسالة نصية مكتوبة بالإنجليزية التي سنعتبرها لغة مكتوبة بجمل تتكون من كلمات ومسافات بحيث تتكون “أبجديتنا” من 26 حرفاً بالإضافة إلى مسافة، وهكذا نحتاج 27 رمزاً. فإن كنا ننتظر رسالة على هاتفنا المحمول، إذن احتمال استقبال أي رمز (حرف أو مسافة) هو 1/27. والمعلومات التي يضيفها كل رمز في النص هي لو272 (=حوالي 4,76). وبذلك المعلومات التي ينقلها نص طوله (ص) من الرموز ستكون ص لو272 (حوالي 4,76 ص).

ونلاحظ هنا أن كمية المعلومات المنقولة تتناسب مع حجم “الأبجدية” المعروف لنا. فمثلاً إذا عرفنا أن الرسالة النصية قد تحتوي على أرقام وحروف ومسافات، عندئذ فإن “أبجديتنا” الآن تحوي 37 حرفاً. وبذلك تكون المعلومات التي يمثلها كل رمز نتلقاه هي لو372 (= حوالي 5,2).

وفي كل هذا يتضح أن الرقم 2 يلعب دوراً مميزاً. فالحقيقة أن “الأبجدية” الرمزية المستخدمة في برمجة الكمبيوتر تتكون من الرمز (صفر) والرمز (1). وهكذا يسهل أن ندرك أن 2 هي الحد الأدنى من الرموز اللازمة لتشفير أي أبجدية كانت. فمثلاً، إن اعتبرنا أن الإنجليزية تتطلب 26 حرفاً بالإضافة إلى مسافة، إذن سلاسل من أرقام ثنائية[2] binary strings يبلغ طولها 5 على الأكثر (52 = 32 > 27) ستكون كافية لتشفيرها مع توفير مساحة: يمكننا تشفير رمز المسافة بخمسة أصفار (00000) وحرف A = 00001، B = 00010، C = 00011، وهكذا دواليك.

الفرق بين المعلومات البنيوية والمعلومات الدلالية

نتناول الآن فكرة في منتهى الأهمية أحياناً ما يصعب علينا فهمها. هب أنك تلقيت “الرسالة” التالية على هاتفك المحمول: ZXXTRQNJOPWTRP. هذه الرسالة طولها 16 رمزاً، وهكذا إن استخدمنا طريقتنا الحسابية المعتادة نحصل على محتوى معلومات يبلغ 16لو272 بت معلومة. ولكني أسمعك تقول: «مهلاً، ما هذا العبث؟ أنا لم أتلق أي رسائل على الإطلاق. فهذا الهراء لا يحمل أي معلومات.» طبعاً، فالرسالة قد تكون مشفرة، ربما تحمل رسالة خفية. ولكننا سنفترض أنها ليست مشفرة. فماذا إذن؟ لقد وصلنا الآن إلى أن “المعلومات” من المنظور الذي كنا نناقشه لا علاقة لها على الإطلاق “بالمعنى”. ونطلق عليها معلومات بنيوية syntactic information أي تتصل ببينة الجملة من حيث ترتيب كلماتها وما بينها من علاقات.

ويبدو هذا الأمر للوهلة الأولى منافياً لخبرتنا الواقعية. لذا، فهو يتطلب مزيداً من الشرح المفصل. هب أنك تنتظر “رسالة” على هاتفك المحمول. وقد قيل لك إنك ستتلقى في هذه الرسالة أربعة رموز (~ # * ^) وأن طول الرسالة سيكون خمسة رموز. فتنظر إلى الشاشة وترى ما يلي: ^ ^ # ~ *. فما كمية “المعلومات” التي تلقيتها؟ لا شيء، من حيث إنك تعرف معناها. بل إنك لا تعلم ما إذا كان لها معنى أصلاً. ولكن من الناحية البنيوية، فقد تلقيت معلومات. وذلك لأن الرموز المتاحة أربعة. ومن ثم، احتمالية أن تحصل على واحد منها 1/4 والمعلومات التي يقدمها كل رمز تستقبله مقدارها 2 بت. وهكذا تحتوي “الرسالة” الكلية المكونة من خمسة رموز على 10 بت. ويمكن التعبير عن ذلك بطريقة أخرى: عندما نعد كل ما يمكن تلقيه من “رسائل” (أي سلاسل من خمسة رموز)، سنجد أنها 102. وأنت الآن تعلم ما هي الرسالة (وليس معناها!). وهو شيء لم تكن تعلمه من قبل. ولذلك، من هذا المنظور، تكون قد تلقيت معلومات.

فكر مرة أخرى فيما يتم يومياً من اتصالات إلكترونية عبر إحدى القنوات، ولتكن خط تليفون عادياً. ففي أي لحظة يمكن أن تتدفق أنواع مختلفة من “المعلومات” عبر هذا الخط: اتصال صوتي، اتصال بالفاكس، نقل بيانات؛ كل أنواع تيارات “الرموز” الإلكترونية. وبعضها يحمل معنى لبعض الناس، ولا يحمل معنى للبعض الآخر (فمثلاً، شخص يتحدث الصينية لن يوصل أي معلومات ذات معنى semantic لشخص لا يعرف الصينية)، وبعضها قد يكون سلاسل من الرموز العشوائية التي تمثل تشويشاً على الخط بفعل المؤثرات الإلكترونية العشوائية، فلا تحمل أي معنى على الإطلاق.

ويجب أن نلاحظ أن مهندس الاتصالات لا يهمه ما يسرى عبر القناة. فهو غير معني بالتسلسلات المنقولة في حد ذاتها، ولكنه يختص بأشياء من قبيل: سعة القناة، أي عدد الرموز (أياً كان نوعها) التي يمكن إرسالها عبر القناة خلال ثانية، ومدى دقة القناة، أي احتمالية إرسال رمز بشكل خاطئ، بسبب التشويش على القناة مثلاً، وإمكانية تصحيح الأخطاء، وما إلى ذلك. وهذه الأمور تؤثر علينا جميعاً، فالكثير منا عانى من بطء نقل البيانات في المنازل غير المزودة بخاصية النطاق الواسع broadband.

ومن ثم، يعتبر قياس المعلومات البنيوية في منتهى الأهمية والنظرية التي تتناوله يطلق عليها “نظرية شانون في المعلومات” Shannon Theory of Information نسبة لواضعها “كلود شانون” Claude Shannon الذي أثبت نتائج رياضية معينة بخصوص قدرة القناة المشوشة، وتعتبر هذه النتائج أساس نظرية الاتصالات التي يعتمد عليها مجتمعنا اليوم.

ولنأخذ مثالاً آخر من حياتنا اليومية لضمان فهم الفكرة. تخيل أنك دخلت مكتبة وطلبت كتاباً في طب الكلى nephrology. قد يكون أمين المكتبة لم يسمع مطلقاً عن nephrology. ولكن كلمة “nephrology”، باعتبارها سلسلة من الرموز، تحوي 10لو272 بت معلومة وإن أعطيت أمين المكتبة هذه المعلومات سيكتبها على الفهرس الإلكتروني للمكتبة على جهاز الكمبيوتر، ويخبرك بأن تبحث في قسم العلوم الطبية رقم 46 MedSci 46 مثلاً حيث تحد ثلاثة كتب في هذا الموضوع. أي أنه هنا يعمل مثلا “قناة” لتوصيل المعلومات إلى الفهرس الموجود على الكمبيوتر، حتى وإن كانت سلسلة الرموز “nephrology” لا تحمل أي دلالة أو معنى.

وفي هذا المثال، يتعامل أمين المكتبة مع كلمة “nephrology” على مستوى بنيوي بحث، فهو لا يعرف معنى الكلمة ولا يحتاج أن يعرفه. ولكن كل ما يحتاج أن يعرفه من معلومات سلسلة الحروف المكونة منها. فهو يتعامل مع الكلمة بصفتها سلسلة بلا معنى من الحروف الأبجدية. في حين أن كلمة “nephrology” لها معنى عندك باعتبارك طبيباً، فهو لا ينقل لك معلومات بنيوية فقط بل معلومات دلالية semantic information (كلمة “semantic” مشتقة من الكلمة اليونانية التي تعنى علامة. ومن ثم، كلمة “semantic” تعنى نظرية العلامات).

وفهم قياس المعلومات الدلالية رياضياً مشكلة أصعب كثيراً، وحتى الآن لم تكشف أي طريقة ناجحة. وهو أمر طبيعي لأن معنى النص يعتمد اعتماداً كبيراً على سياقه. فإن رأيت رسالة على هاتفي المحمول تقول “نعم”، قد تخمن أنها إجابة لسؤال سألته. ولكنك لن تستطيع أن تعرف ما إذا كان السؤال «هل لديك تذكرة لمباراة كرة القدم هذا المساء؟» أم «أتقبلين الزواج مني؟» فلا يمكن تحديد معنى الرسالة دون معرفة مسبقة بالسياق. أي أننا نحتاج لقدر من المعلومات أكبر بكثير لتفسير أي معلومة.

الـ DNA والمعلومات

لنطبق الآن بعضاً من هذه الأفكار على علم الأحياء الجزيئي. تخيل سلسلة “الحروف” التي نجدها في أبجدية جزيء الـ DNA الكيميائية. هب أنك عالم أحياء جزيئية وتعرف (شيئاً عن) “معنى” سلسلة الحروف بحيث يمكنك أن تقسمها إلى جينات وترعف شفرة البروتينات، وما إلى ذلك. أي أن السلسلة لها بعد دلالي ذو معنى في نظرك. فالـ DNA يمثل لك ذات مستوى التعقيد الذي تتسم به اللغة حيث إن ترتيب الحروف في الجين يحدد ترتيب الأحماض الأمينية في البروتين.

ولكن هذا الكلام لا ينطبق عليّ. فأنا لا أرى في السلسلة سوى قائمة طويلة من رموز “بلا معنى” أ س ج ج ث س أ ج ج ث ث س ث أ…. ومع ذلك يصح تماماً أن أقول إني أعرف محتوى معلومات سلسلة الرموز من المنظور البنيوي أو بمفهوم نظرية شانون، ورغم أني لا أفهم “معنى” السلسلة، يمكنني أن أحدد بدقة مقدار المعلومات البنيوية التي يجب أن تزودني بها حتى يمكنني إنتاج نسخ من السلسلة على نحو دقيق. فالأبجدي الوراثية تتكون من أربعة حروف. وكل حرف تتلوه عليّ (أو ترسله لي بالكمبيوتر) يشتمل على 2 بت من المعلومات. وعليه، فالـ DNA في الجينوم البشري مثلاً الذي يبلغ طوله نحو 3,5 مليار حرف يحتوي على حوالي 7 مليار بت من المعلومات. فإن توافرت لدي هذه المعلومات، يمكنني أن أكتب الـ DNA دون أن تكون لدي أدنى فكرة عن “معنى” ما كتبت.

ومن أهم جوانب أبحاث الجينوم هو ما يتعلق بإيجاد أنماط محددة يمكن تكرارها في جينوم معين، أو أيجاد تسلسلات محددة يشترك فيها عدة جينومات. وقد يكون الدافع وراء البحث عن تسلسلات محددة يتعلق باعتبارات دلالية. ومن ذلك، فالبحث الفعلي عنها بالكمبيوتر في قاعدة البيانات الكبيرة التي يكونها الجينوم يتم على مستوى المعلومات البنيوية.

التعقيد

حتى الآن لم نذكر في هذا الفصل مفهوم التعقيد. إلا أن مجرد القول بأن الجينوم البشري يحوي 7 مليار بت من المعلومات يزودنا بفكرة بسيطة عن مستوى تعقيده. ولكنها فكرة بسيطة. خذ مثلاً سلسلة الأرقام الثنائية التالية: 001001001001001001001… ولنفترض أنها تستمر على هذا النحو حتى يصل الإجمالي إلى 6 مليار رقم (يشترط في العدد أن يقبل القسمة على ثلاثة). إذن يمكننا حتى الآن أن نرى من منظورنا أنها تحوي 6 مليار بت من المعلومات. فهل هي بذلك تساوي (تقريباً) الجينوم البشري في التعقيد؟ بالطبع لا. لأنها كما نرى تتكون من نمط متكرر، ألا هون النمط الثلاثي 001 الذي يعاد مراراً وتكراراً. فمن ناحية، كل المعلومات المتضمنة في السلسلة نجدها في عبارة «كرر النموذج الثلاثي 001 ملياري مرة.» وتعتبر هذه العملية الآلية التكرارية مثالاً على ما يطلق عليه الرياضيون اسم خوارزمية Algorithm، وهي العملية التي تنفذها برامج الكمبيوتر. وفي هذه الحالة يمكننا أن نكتب برنامجاً بسيطاً كالتالي: «For n =1 to 2 billion, write 001. Stop»[3] ولم يعوزني لكتابة هذا البرنامج سوى 39 نقرة على لوحة المفاتيح، وهو ما يزودنا بانطباع أدق بكثير عن كمية المعلومات المتضمنة في سلسلة أرقام ثنائية مما يزودنا به طوله الفعلي البالغ 6 مليار رقم.

وإليك مثالاً آخر ينقل هذه الفكرة بديهياً: خذ سلسلة الحروف التالي: ILOVEYOU ILOVEYOUILOVEYOU ILOVEYOU…. وافترض أن السلسلة تحوي 2 مليار تكرار من الكلمات الثلاث ILOVEYOU. واضح أن المعلومات (من المنظور الدلالي) المتضمنة في السلسلة عرفت من الكلمات الثلاث الأولى، فما فائدة التكرار؟ (وإن كان البعض سيقولون إن التكرار يفيد التأكيد!). ولكن على أي حال المعلومات البنيوية الكاملة يزودنا بها البرنامج على النحو التالي: «For n = 1 to 2 billion, write ILOVEYOU. Stop» وهكذا يمكننا قياس محتوى المعلومات على نحو أفضل بعد بت المعلومات البنيوية المتضمنة في البرنامج (القصير) وليس في النص (الطويل).

النظرية الخوارزمية للمعلومات

يعتبر “ضغط” سلسلة معينة من الرموز (أرقام ثنائية، حروف، كلمات…. الخ) بحيث تصبح أقصر (كثيراً) باستخدام برنامج كمبيوتر هو الفكرة الأساسية وراء ما يطلق عليه النظرية الخوارزمية للمعلومات. وكلمة “خوارزمية” مشتقة من اسم عالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي الذي عمل في بيت الحكمة الشهير في بغداد في القرن التاسع. والخوارزمية إجراء فعال، وسيلة لعمل شيء بعدد محدد من الخطوات. فمثلاً القانون العام x = (-b ± Ö (b2 – 4ac))/2a يزودنا بإجراء فعال لحساب جذور المعادلة التربيعية ax2 + bx + c = 0 حيث a, b, c  أرقام. ومن ثم فهي خوارزمية. وبالمثل، برامج الكمبيوتر هي خوارزميات تمكن المكونات الصلبة للكمبيوتر من معالجة المعلومات. وبوجه عام تشتمل برامج الكمبيوتر على الكثير من الخوارزميات، وكل منها يوجه العملية الحسابية الفعالة الخاصة به. وقد وضع النظرية الخوارزمية للمعلومات Algorithmic information theory (AIT) “كولموجوروف” Kolmogorov وزميله “تشايتن” Chaitin بصفتها وسيلة لفهم التعقيد، وخاصة فيما يتعلق بمحتوى المعلومات أو تعقيد تسلسل معين، وذلك بالنظر إلى حجم الخوارزمية اللازمة لتوليد ذلك التسلسل.

إذن طبقاً للنظرية الخوارزمية للمعلومات يكون محتوى معلومات س (حيث س هي مثلاً سلسلة من الأرقام الثنائية binary digits، أو سلسلة من الأرقام المعتادة أو العشرية ordinary digits أو حروف أي لغة…. الخ) هو حجم ص(س) في عدد البت لأقصى برنامج يمكنه توليد س.

ولنأخذ سلسلة ثانية ولدها قرد يلعب على لوحة مفاتيح كمبيوتر: @\[Mtl3(#8HJD[;ELSN29XITNSP….. هب أنها هي أيضاً تتكون من 6 مليار حرف، أي أن طولها يساوي السلاسل الأخرى التي تناولناها لتونا. ومن الواضح أنه بما أن السلسلة عشوائية في الأساس، إذن أي برنامج يُكتب لتولديها سيكون طوله مساوياً لطول السلسلة نفسها. أي أن هذه السلسلة لا يمكن ضغطها بطريقة خوارزمية. وعدم إمكانية الضغط الخوارزمي يمثل وسيلة ممتازة لتعريف العشوائية. وهذه السلسلة معقدة إلى أقصى درجة بناء على معيار التعقيد المستخدم عندنا.

وأخيراً، سنأخذ سلسلة ثالثة وهي عبارة عن أول 6 مليار حرف في الكتب الموضوعة على رفوف إحدى المكتبات الإنجليزية. ورغم أننا قد نتمكن من القيام بالقليل من الضغط الخوارزمي، فسيكون مقداره ضئيلاً للغاية مقارنة بطول السلسلة. أي أن هذه السلسلة غير قابلة للضغط الخوارزمي تماماً مثل السلسلة الثانية (ولذلك، فهي سلسلة عشوائية من وجهة النظر الرياضية). وعلى القياس نفسه تعتبر معقدة جداً. إلا أن تعقيدها يختلف نوعاً ما عن تعقيد السلسلة التي ولدها القرد، لأن الأخيرة لا تحمل معنى نستطيع قراءته. في حين أن هذه السلسلة الثالثة تحوي معلومات دلالية، أي أننا نستطيع أن نفهم معنى الكلمات المطبوعة في الكتب. والسر وراء ما تحمله لنا السلسلة الثالثة من معنى نستطيع أن نفهم معنى الكلمات المطبوعة في الكتب. والسر وراء ما تحمله لنا السلسلة الثالثة من معنى يكمن في أننا تعلمنا اللغة الإنجليزية بالاستقلال عن هذه السلسة أساساً، ما يمكننا من التعرف على الكلمات التي تشكلها حروف السلسلة. وهذه السلسلة ليست معقدة فقط، ولكنها تعكس أيضاً ما يسمى التعقيد المحدد Specified complexity، وهو نوع خاص من التعقيد مرتبط باللغة. وأول من استخدم مصطلح التعقيد المحدد هو “لسلس أورجل” في كتابه “أصول الحياة” The Origins of Life، وكذلك “بول دافيز” في كتاب “المعجزة الخامسة” The Fifth Miracle، ولكنه يفتقر للدقة في الحالتين. إلا أن عالم الرياضيات “وليم دمبسكي” William Dembski أجرى عليه دراسة دقيقة جداً في كتابه “الاستدلال على التصميم: محو الصدفة بالاحتمالات الصغيرة” The Design Inference: Elimination Chance through Small Probabitities.

والآن تتضح الاختلافات الشاسعة بين السلسلة القابلة للضغط المتمثلة في النظم البلورية، كما في المثال الأول الذي أوردناه، والسلاسل غير القابلة للضغط كما في المثالين الثاني والثالث. وهذه الاختلافات هي ما تصنع العمليات الترتيبية التي تنعكس في الحمل الحراري “ريلي بنار” أو تفاعل بلوسوف جابوتينسكي التي غالباً ما لا تمت بصلة لأصل الحياة.

وأكرر أن عدم قابلية السلاسل للضغط الخوارزمي يعنى (بالطبيعة) أنها لا يمكن أن تنشأ بوصفها خاصية “منبثقة” من عملية خوارزمية بسيطة نسبياً، تماماً كما تنشأ صور النمط الهندسي المتكرر fractal pictures الجميلة من معادلات بسيطة جداً. وقد حظي التناظر الذاتي[4] self-symmetry الدقيق الذي يميز مجموعة “ماندلبرو” Mandelbrot set الشهيرة بإعجاب غير عادي، وهي صور ينتجها الكمبيوتر وتزين العديد من الكتب المصورة الفخمة. إلا أن هذه المجموعة تُعزى إلى دالة رياضية بسيطة نسبياً من نوع f(z) = z2 + k للمتغير المعقد z. أفلا يمكننا أن نقول إن النمط الهندسي المتكرر المقعد “ينبثق” من بساطة هذه المعادلة؟

 من ناحية ما، هذا صحيح، أي من منظور إمكانية استخدام المعادلة لتحديد المنحى الكسوري fractal curve (على شاشة الكمبيوتر مثلاً). ولكن لا بد أن نحترس حتى عند هذه النقطة. لأننا لو سألنا كيف “تنبثق” الصورة الموجودة على الشاشة من المعادلة، لاكتشفنا أن المسألة تتضمن ما هو أكثر جداً من مجرد كتابة معادلة “ماندلبرو”. فلا بد من حساب الدالة بالكثير من الصيغ interations المختلفة، وهو ما يتضمن توفيق الألوان مع نقاط الشاشة pixels المتناسبة معها وفقاً لمدى توافر خواص معينة (مثل الحدود الموضعية local-blundedness) في مسار صيغة iteration بعينها. ولذلك، لابد من التأكد من وجود هذه الخاصية في كل مسار. ومن ثم، فالصورة “المنبثقة” مشتقة فقط من المعادلة البسيطة، ولكنها تكلف مدخلات ضخمة من المعلومات الإضافية من حيث أعمال البرمجة والمكونات الصلبة المصممة تصميماً ذكياً. فهي ليست “مجانية”.

ولدينا حجة أوضح تنطبق على التصوير الذي قدمه “دوكينز” في محاضرة عامة بجامعة أكسفورد ليوضح فكرة الانبثاق، وقد ذكرنا آنفاً، عندما زعم إن إمكانية معالجة الكلمات بالكمبيوتر هي خاصية “منبثقة” من الكمبيوتر. وهي كذلك بالفعل، ولكنها تكلف مدخلات من المعلومات المتضمنة في حزمة برامج مصممة بذكاء مثل Microsoft Word. والشيء المؤكد أنه ما من عملية لصانع ساعات أعمى يمكنها أن تنشئ قدرة كمبيوتر رقمي على معالجة الكلمات.

وسأضرب مثلاً آخر يثبت في الأذهان أهمية الفرق بين النوعين الثاني والثالث من التعقيد. إن انسكبت كمية من الحبر على ورقة، سيقع حدث معقد بمعنى أنه من بين كل بقع الحبر الوارد حدوثها، يعتبر احتمال حدوث هذه البقعة التي تكونت بالذات ضئيلاً جداً جداً. ولكن تعقيد بقعة الحبر غير محدد. وعلى العكس من ذلك، إن كتب شخص رسالة بالحبر على ورق نحصل على تعقيد محدد. وبالمناسبة، نحن ننسب بقعة الحبر للصدفة، في حين أننا ننسب الكتابة لفعل ذكي دون أن نفكر لحظة، أليس كذلك؟

ولنطبق بعض هذه الأفكار على الجينوم. إن الحروف أ، س، ج، ث الموجودة على جزيء الـ DNA قد تشغل أي موقع، ومن ثم فهي قادرة على تمثيل تعبيرات غير قابلة للضغط الخوارزمي في الأساس. ولذلك، أؤكد أنها عشوائية من المنظور الرياضي. إلا أننا يجب طبعاً ألا نظن أن هذه العشوائية الرياضية تعني أن تسلسلات الـ DNA اعتباطية كلية. بل هي أبعد ما تكون عن ذلك. ولكن جزءًا ضئيلاً جداً من كل التسلسلات الوارد أن تتكون على جزيء الـ DNA يعكس التعقيد المحدد للجزيئات ذات القيمة البيولوجية، تماماً كما أن نسبة ضئيلة جداً من كل تسلسلات الحروف الأبجدية الوارد تكونها، أو كلمات أي لغة بشرية، تعكس التعقيد المحدد الذي يميز الجمل المفيدة التي تعبر عنها كلمات هذه اللغة. فمثلاً البروفيسور “درك بيكرتون” Dered Bickerton يستعرض فكرة شيقة تزودنا بفهم معين في علم اللغويات، إذ يشرح أن جملة واحدة تمثل مشكلة كبرى: «حاول أن تعيد ترتيب أي جملة عادة تتكومن عشر كلمات. يمكنك نظرياً أن تستخدم 3628800 طريقة بالضبط للقيام بذلك. ولكن في حالة الجملة الأولى من هذا [الاقتباس] طريقة واحدة فقط هي التي تأتي بنتيجة صحيحة لها معنى. وهو ما يعنى أن 3628799 طريقة خطأ لغوياً.» ثم يسأل “بيكرتون” السؤال المتوقع: «كيف عرفنا هذا؟ طبعاً، لم يخبرنا أب أو أم، ولا مدرس. ولكن الوسيلة الوحيدة لمعرفة ذلك أن تكون لدينا، إن جاز التعبير، وصفة لبناء الجمل، وصفة من التعقيد والشمول بحيث تستبعد أتوماتيكياً كل الطرق الخاطئة البالغ عددها 3628799 طريقة لتكون جملة من عشر كلمات وتجيز الطريقة الصحيحة فقط. ولكن بما أن هذه الوصفة لا بد أن تنطبق على كل الجمل، لا على هذا المثال فحسب، فالوصفة في كل لغة ستستبعد جملاً خاطئة يزيد عددها عن عدد الذرات الموجود في الكون.» ولكن علينا ألا ننحرف إلى القضية المذهلة المختصة بأصل القدرة اللغوية عند الإنسان (وإن كانت حقيقة تتصل بهذا الموضوع)!

وحتى نأخذ فكرة بسيطة عن الأرقام المتضمنة في العالم البيولوجي، نشير إلى أن أصغر البروتينات المعروفة التي تمتلك وظيفة بيولوجية تشتمل على ما لا يقل عن 100 حمض أميني. وبالتالي فجزيئات الـ DNA المتوافقة معها تتضمن 13010 شكلاً من أشكال التسلسلات المحتملة، ولكن ما سيكون له قيمة بيولوجية من بينها جميعاً يمثل نسبة متناهية الصغر. ومن ثم، إجمالي التسلسلات المحتمل تكونها ضخم بما يفوق الخيال. وبما أن الريبوز (منقوص الأكسجين) لا يفضل قاعدة بعينها، إذن كل تسلسلات القواعد متساوية الطول تتساوى في احتمالات حدوثها. وتتضمن هذه الحقيقة أن احتمال وجود أصل عشوائي بحت لتسلسل محدد ذي قيمة بيولوجية هو احتمال ضعيف للغاية لدرجة أنه لا يذكر.

وإليك المزيد. إن البروتينات تنم عن درجة عالية من الحساسية الجزيئية بمعنى أنه حتى استبدال حمض أميني واحد في بروتين قادر على الحياة يمكن أن يسفر عن عواقب كارثية. ومن ثم، يمكن القول بأن علم الأحياء الجزيئي للخلية يكشف عن نظام الضبط الدقيق نفسه الذي رأيناه سلفاً في الفيزياء وعلم الكون.

والنقطة الجوهرية هنا أن تسلسل الـ DNA الذي يشفر فعلياً بروتيناً عاملاً يكشف عن التعقيد المحدد اللازم له لتشفير ذلك البروتين، وهو نفس الشيء الذي يجعله في الوقت نفسه غير قابل للضغط خوارزمياً. وهو بذلك عشوائي من الناحية الرياضية. ويكتب “بول دافيز” في هذا الصدد قائلاً: «هل يمكن أن نضمن إنتاج العشوائية المحددة من عملية حتمية آلية تشبه القانون، كالحساء الأساسي المتروك تحت رحمة قوانين الفيزياء والكيمياء المألوفة؟ مستحيل. فما من قانون من قوانين الطبيعة المعروفة يستطيع أن يحقق ذلك.» ويكتب في موضع آخر قائلاً: «إننا نستخلص أن الجزيئات الكبيرة الصالحة بيولوجياً تمتلك خاصيتين جوهريتين في آن: العشوائية والتحديد المفرط. وأي عملية اعتباطية يمكن أن تحقق الخاصية الأولى، ولكن احتمال تحقيقها للثانية لا يذكر.»

أما عبارته التالية مدهشة: «يبدو للوهلة الأولى أن كل ذلك يجعل الجينوم أمراً مستحيلاً، ولا يمكن تحقيقه بالقوانين المعروفة ولا بالصدفة.» وهذا صحيح. إلا أن “دافيز” يؤكد قائلاً: «من الواضح أن التطور الدارويني، بفضل التنوع والانتخاب الطبيعي، لديه ما يلزم لتوليد كل من العشوائية (ثراء المعلومات) والقدرة الوظيفية البيولوجية دقيقة التحديد في نظام واحد.» ولكن هذا الكلام يمثل مصادرة على المطلوب. وذلك لأن القضية موضوع النقاش تحديداً هي ما إذا كانت العمليات الطبيعية أياً كان نوعها (بما فيها التطور الدارويني طبعاً) تتمتع بتلك القدرة، أو ما إذا كان الشيء نفسه الذي تحاول حجته أن تجمع الدلائل المدعمة له هو أنها لا تتمتع بهذه القدرة. وبما أن الفقرة كلها تتحدث عن أصل الحياة، يبدو أن “دافيز” يناقض ما قاله لتوه عندما أضاف قائلاً: «المشكلة من منظور أصل الحياة تتلخص في أن الداروينية لا يمكنها أن تعمل إلا عندما تكون الحياة (أياً كان نوعها) نشطة أصلاً. فهي لا تستطيع أن تفسر كيفية نشأة الحياة من الأصل.»

ولكن ما الدليل بخلاف الصدفة والضرورة؟ أجيب كما كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes سيجيب قائلاَ إنه إن لم تكن الصدفة والضرورة، سواء منفردتين أو مجتمعتين، لا تستطيعان إنشاء الحياة، إذن علينا أن نفكر في احتمالية وجود عنصر ثالث. وهذه الاحتمالية الثالثة هي المدخلات المعلوماتية.

إلا أن هذا الاقتراح سيقابل باعتراض جماعي مفاده أننا لا نتحدث عن قصة بوليسية وأنه على أي حال أسلوب غير علمي وينم عن الكسل الفكري أن تقترح ما يعتبر في الأساس “ذكاء الفجوات” أي حلاً من نوع “إله الفجوات”. ورغم أن التهمة لا بد أن تؤخذ على محمل الجد، لأن المؤمن بالخلق يمكن أن يكون كسولاً فكرياً، وبالتالي يقول: «لا أستطيع أن أفسرها. إذن الله هو من صنعها.» ولكني أقول للمعترض لا تحلل لنفسك ما تحرمه على غيرك. فما أسهل أن يقول المرء أيضاً إن “التطور هو الذي صنعها» وهو لا يملك أدنى فكرة عن كيفية حدوث ذلك، أو يكون كل ما لديه قصة تشبيهية تخمينية مختلفة دون أي دلائل مؤيدة. فكما رأينا، المادي مجبر أن يقول إن العمليات الطبيعية كانت هي الوحيدة المسؤولة لأن كتابه لا يسمح بأي بديل آخر. والنتيجة أن ننتهي بسهولة إلى “تطور الفجوات” تماماً كما يمكن أن ننتهي إلى “إله الفجوات”. بل إنه يمكننا أن نقول إن الانتهاء إلى “تطور الفجوات” أسهل من “إله الفجوات” لأن الاقتراح الأول غالباً ما لا يتعرض لكمية الانتقادات التي يتعرض لها الأخير.

وحتى لا ننسى هذه النقطة، أسجل تحذيراً أطلقه أحد الخبراء في أصل الحياة، الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل “روبرت لافلين” Robert Laughlin الذي يجري أبحاثه على خواص المادة التي تجعل الحياة ممكنة (وهو ليس من مؤيدي التصميم الذكي): «إن الكثير من المعرفة البيولوجية الحالية يمثل موقفاً أيديولوجيا. ومن أهم أعراض التفكير الأيديولوجي تبني تفسر ليس له أي تداعيات وغير قابل للاختبار. وأنا أطلق على هذه الطرق المنطقية المسدودة مضادات النظريات لأنها تنتج الأثر المضاد تماماً للنظريات الحقيقية، أي أنها توقف التفكير بدلاً من أن تستثيره. فمثلاً، التطور بالانتخاب الطبيعي الذي اعتبره داروين نظرية عظيمة، أصبح مؤخراً يقوم بدور “مضاد النظرية” الذي يستدعيه البعض للتغطية على أوجه القصور التجريبي المحرجة ولإضفاء الصبغة الشرعية على نتائج مشكوك في صحتها في أحسن الحالات، وفي أسوأ الحالات لا يمكن حتى أن تعتبر خاطئة. فبروتينك المزعوم يتحدى قوانين فاعلية الكتلة، والتطور هو الذي فعل هذا! وتفاعلاتك الكيميائية الفوضوية المعقدة تتحول إلى دجاجة، والتطور أيضاً هو الذي فعل هذا! والمخ البشري يعمل بناء على قوانين منطقية لا يستطيع أي كمبيوتر أن يضاهيها، والتطور هو السبب!».

فكيف يمكننا إذن أن نتجنب تهمة الكسل الفكري أو طريقة تفكير “إله الفجوات”؟ لأنه يبدو فعلاً للوهلة الأولى أن التهمة قد تكون في محلها. ولشرح الخطوة التالية في الحجة، نستعين بعالم الرياضيات البحتة. ففي الرياضيات البحتة إن فكر الرياضيون سنوات طويلة في إحدى النظريات غير المبنية على معلومات كافية (ولتكن النظرية الشهيرة العتيقة التي تقول إن أي زواية لا يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام إلا بمسطرة تقويم وفرجار) وأن فشلت كل محاولاتهم لإثبات صحتها، عندئذ رغم أنهم لن يتوقفوا بالضرورة عن محاولة إثبات صحتها، فقد يحاولون أيضاً أن يتأكدوا من إمكانية إثبات خطئها، كما حدث بالفعل مع التقسيم الثلاثي للزاوية، كما (يجب أن) يعرف كل طلاب الرياضيات البحتة.

أي أنه عندما يعجز الرياضيون عن إثبات صحة نظرية لا تقوم على معلومات كافية، هذا لا يعني بالضرورة أن يتوقفوا عن بذل أي جهد، ولا يعني أيضاً أن يصروا على مواصلة السير في الاتجاه نفسه رغم أنه أثبت فشله، ولكنهم قد يقررون بدلاً من ذلك (أو بالإضافة إلى ذلك) أن يقوموا بمحاولة رياضية لإثبات خطأ هذا التخمين الذي لا يقوم على معلومات كافية. واعتقادي أن هذا هو بالضبط نوع التفكير الذي نحتاج إدخاله في العلوم الفيزيائية والبيولوجية فيما يتعلق بالمسألة موضوع المناقشة. لقد قلت إننا نحتاج إدخاله. ولكنها ليست كلمة دقيقة. فهذا التفكير موجود بالفعل، بل إن معظمنا على دراية به، على الأقل في العلوم الفيزيائية.

وأنا أشير بالطبع إلى البحث المستمر عن آلات الحركة الأبدية Perpetual motion machines. فكل عام تكتب مقالات بأقلام أشخاص يعتقدون أنهم اكتشفوا سر الحركة الأبدية باختراع أدوات ستظل في حركة مستمرة بمجرد تشغيلها دون أي مدخلات إضافية من الطاقة. إلا أن العلماء العارفين بأساسيات الديناميكا الحرارية لا يأخذون هذه المقالات مأخذ الجد. بل إنهم لا يقرأون معظمها. لا لأنهم كسالى فكرياً وغير مستعدين للتفكير في حجج جديدة. ولكن لأن لديهم أدلة قوية تؤيد قانون حفظ الطاقة Conservation of energy. وهو قانون منعي، ويعني مباشرة أن آلات الحركة الأبدية مستحيلة. وبالتالي، فالعلماء يعرفون أنهم لو فحصوا أياً من آلات الحركة الأبدية المزعومة، لاكتشفوا في كل فحص أنها تحتاج في النهاية إلى حقن بالطاقة من مصدر خارجي حتى تستمر في العمل. ومن ثم، العلم هو الذي أثبت أنه لا وجود لآلات الحركة الأبدية. وهذه هي النقطة الجوهرية فيما يختص بغرض مناقشتنا. فالكسل الفكري لا يتدخل في هذا الأمر. بل إنه نوع من الانحراف الفكري أن يرفض المرء هذه الحجة ويستمر في البحث عن الحركة الأبدية.

فلماذا لا نطبق المنطق نفسه على مسألة أصل المعلومات الوراثية؟ ألا تمثل التحديات التي تواجه كل ما تم من محاولات حتى الآن لتقديم تفسير طبيعي لأصل المعلومات الوراثية سبباً كافياً لبذل ولو شيء من طاقتنا الفكرية لنبحث احتمالية وجود قانون لحفظ المعلومات يشبه قانون حفظ الطاقة؟ وهذا البحص قد يؤدي بنا إلى أدلة علمية ضد أي تفسير لأصل الحياة لا يشتمل عل مدخلات معلوماتية من مصدر ذكي خارجي.

وإني أعترف أن القضايا التي نحن بصددها هنا هي أكبر بكثير من تلك المتعلقة بوجود آلات الحركة الأبدية. وذلك لأننا لو وجدنا من الأسباب العلمية ما يكفي للاعتقاد بأنه لا يمكن تقديم تفسير واف لأصل الحياة دون أن نضع في حسباننا مدخلات معلوماتية، عندئذ سينصب اهتمامنا على اكتشاف مسألة مستقلة تماماً، رغم صعوبة الفصل بينهما في أذهاننا. وسواء أكان تحديد مصدر المعلومات شيئاً ممكناً أم مستحيلاً، فهذا أمر لا يمت بصلة منطقية لمسألة ما إذا كان مدخلات المعلومات الخارجية ضرورية أم لا. فعلى أي حال، لو ذهبنا إلى المريخ واكتشفنا سلسلة طويلة من أكوام مكعبات التيتانيوم تتجه نحو أفق المريخ حيث تتكون كل كومة من عدد أولي من المكعبات والأكوام مرتبة ترتيباً تصاعدياً صحيحاً 1، 2، 3، 5، 7، 11، 13، 17، 19…. مؤكد أننا سنستنتج فوراً أن هذا الترتيب ينطوي على مدخل ذكي حتى لو لم تكن لدينا أدنى فكرة عن طبيعة الذكاء الذي يكمن في هذا الترتيب. ولكننا إن اكتشفنا شيئاً أعقد بكثير، وليكن جزيء الـ DNA، أظن أن العلماء الطبيعيين سيستنتجون أنه نتاج الصدفة والضرورة!

هل المعلومات تحفظ؟

سؤالنا الآن: هل من أي دليل علمي على أن المعلومات تحفظ بالمعنى الدقيق للمصطلح؟ إن كان الرد بالإيجاب، عندئذ يمكن توفير الكثير مما يصرف في البحث من وقت وجهد فيما يخص بموضوع أصل الحياة، وذلك بالتخلي عن البحث العقيم عن نظرية معلوماتية تساوي آلة الحركة الأبدية.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أنه لم يعد ملائماً أن نعترض على استخدام لغة الآلة عند الإشارة إلى الكائنات الحية. فقد رأينا مراراً أنه في عصرنا الحالي أصبحت لغة الآلة هي السائدة في علم الأحياء الجزيئي لسبب بسيط، ألا وهو أن البروتينات، وسياط البكتيريا، والخلايا، وما إلى ذلك هي بالفعل آلات جزيئية. حقيقة أنها قد تكون أكثر من مجرد آلات، ولكن على مستوى قدرتها على معالجة المعلومات، فمن المؤكد أنها آلات (معالجة رقمية).

وهو ما يحمل في طياته نتيجة استغلت علمياً بأشكال عديدة في السنوات الأخيرة، وهذه النتيجة هي أن الآلات البيولوجية يمكن إخضاعها للتحليل الرياضي عموماً والتحليل النظري المعلوماتي خصوصاً. وهذا هو التحليل الذي نلتفت إليه الآن لنعرف ما إذا كانت الآلات الجزيئية (أياً كان نوعها) قادرة على توليد معلومات جديدة. “ليونارد بريلوان” Leonard Brillouin في كتابه الكلاسيكي عن نظرية المعلومات واثق تماماً من الإجابة. فهو يقول إن «الآلة لا تخلق أي معلومات جديدة، ولكنها تؤدي وظيفة قيمة جداً من إحداث تحول في المعلومات المعروفة.»

وبعد عشرين عاماً، كتب واحد من أعظم العلماء، وهو “بيتر مداوار” الحائز على جائزة نوبل ما يلي: «ما من عملية من عمليات التفكير المنطقي، سواء أكانت فعلاً من أفعال العقل المحضة أو عملية برمجة بالكمبيوتر، يمكنها تكبير محتوى معلومات القوانين والفرضيات أو الجمل التي ينبثق منها هذا المحتوى.» وقد استنتج من هذه الملاحظة أنه لا بد من وجود قانون ما لحفظ المعلومات. إلا أن “مداوار” لم يقم بأي محاولة لعرض هذا القانون، مكتفياً بدعوة قرائه «للعثور على عملية منطقية تضيف لمحتوى معلومات أي عبارة من أي نوع.» ولكنه أعطى مثالاً رياضياً ليوضح ما يقصده. فقد أشار إلى أن نظريات إقليدس الهندسية الشهيرة هي ببساطة «تعبير أو كشف عن معلومات متضمنة أصلاً في القوانين والفرضيات.» وأضاف أن الفلاسفة والمناطقة في كل الأحوال منذ عصر “بيكون” لم يواجهوا صعوبة في إدراك أن كل ما تفعله عملية الاستنباط أن توضح صراحة معلومات موجودة أصلاً، ولكنها لا تخلق أي معلومات جديدة على الإطلاق.

ويمكن التعبير عن هذا المعنى على نحو آخر: نظريات إقليدس يمكن اختزالها إلى ما وضعه من قوانين وفرضيات، وهو ما يجب أن يذكرنا بالطرح الذي عرضناه في الفصل الثالث عن حدود الاختزال الرياضي الذي تفرضه نظرية جودل. والحقيقة أن “جودل”، الذي يعتبر من أعظم الرياضيين في القرن العشرين، أوضح أنه هو أيضاً يعتقد أن الكائنات الحية تتميز بنوع من حفظ المعلومات. وقد قال إن «تعقيد الأجسام الحية لا بد أن يظهر في المادة [المشتقة منها هذه الأجسام] أو في القوانين [التي تحكم تكوينها]. والمواد التي تشكل الأعضاء، بوجه خاص، إن كانت محكومة بقوانين آلية، لا بد أن تكون على نفس درجة التعقيد التي تميز الجسم الحي.» أما صياغة “جودل” (بضمير الغائب) فهي كالآتي: «بوجع أعم، “جودل” يعتقد أن الآلية في علم الأحياء هي فكر متحيز من أفكار عصرنا سيثبت خطؤه. وفي هذه الحالة، سيكون أحد براهين خطئه، كما يرى “جودل”، عبارة عن نظرية رياضية مفادها أن تكوين جسم الإنسان في العصور الجيولوجية بفعل قوانين الفيزياء (أو أي قوانين أخرى ذات طبيعة مشابهة)، بدءًا من التوزيع العشوائي للجسيمات الأولية والحقل هي شيء غير محتمل الحدوث تماماً مثل تقسيم الغلاف الجوي إلى مكوناته بفعل الصدفة.»

والشيء العجيب هنا أن “جودل” توقع أنه يوماً ما سيظهر برهان رياضي على ذلك، أي أن الرياضيات ستساهم في حسم المشكلة البيولوجية المختصة بأصل المعلومات. وهو ما ينطوي على نوع من السخرية اللطيفة. لأن “جودل” نفسه هو من أطلق الشرارة الأولى لما تلا ذلك من تطورات في هذه المشكلة نفسها. وقد توصل الرياضي “جرجوري تشايتن” Gregory Chaitin، باستخدام نظرية المعلومات الخوارزمية، إلى براهين ذات نتائج أقوى مرتبطة بنظرية “جودل” وتختص بمسألة ما إذا كانت الخوارزميات تولد معلومات جديدة، وبالتالي تختص بأصل الحياة.

وأول ما يجب ملاحظته أنه من الثابت أن الخوارزميات محدودة معلوماتياً فيما يمكنها إنجازه. فقد أكد “جريجوري تشاين” في أحد أعماله المهمة أنه لا يمكنك أن تثبت أن تسلسلاً محدداً من الأرقام أعقد من البرنامج اللازم لتوليده.

إلا أن ما يقره “تشايتن” يتضمن تداعيات أخرى. فمثلاً “برند – أولاف كوبرز” Bernd-Olaf Kuppers أحد الباحثين البارزين في أصل الحياة يخلص منه إلى نتيجة لافتة للنظر: «في التسلسلات التي تحمل معلومات دلالية، تكون المعلومات مشفرة بوضوح على نحو لا يقبل الاختزال، بمعنى أنه لا يمكن ضغطها. ومن ثم، لا توجد أي خوارزميات تولد تسلسلات ذات معنى ما دامت تلك الخوارزميات أقصر من التسلسلات التي تولدها.» ويشير “كوبرز” إلى أن هذا طبعاً استنتاج لا يقوم على أدلة كافية، نظراً لأن عمل “تشايتن” نفسه الذي يناقشه يبين أنه يستحيل إثبات أنه في حالة وجود تسلسل وخوارزمية، لا يمكن للخوارزمية الأقصر أن تولد التسلسل.

وتقوم حجج “تشايتن” على مفهوم ماكينة تورينج. وهي تركيبة رياضية مجردة سميت على أسم مخترعها، الرياضي اللامع “آلن تورينج” Alan Turing الذي عمل في “بلتشلي بارك” Bletchley Park في المملكة المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية حيث كان على رأس الفريق الذي فك “شفرة إنيجما” Enigma code الشهيرة. والنتيجة المتوقعة من عمل “تشايتن” أن يؤكد أن ماكينة تورينج لا يمكنها توليد أي معلومات لا تمثل جزءًا من مدخلاتها أو بنيتها المعلوماتية، وأن تضفي على هذه الفكرة مزيداً من المعقولية.

ولكن ما أهمية ذلك؟ تكمن أهميته في أن فرضية تشرتش – تورينج Church-Turing Thesis تقضي بأن أي أداة حاسبة أياً كانت (من الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل) يمكن محاكاتها بماكينة تورينج. وعلى هذا الأساس، فأي نتيجة نحصل عليها لماكينات تورينج يمكن أن تترجم فوراً إلى العالم الرقمي. وقد تكون إحدى النتائج المترتبة على ذلك أنه ما من أداة جزيئية قادرة على توليد أي معلومات ليست جزءًا من مدخلاتها أو بنيتها المعلوماتية.

وقد أتى بعد ذلك “وليم دمبسكي” وقال بقانون غير حتمي non-deterministic لحفظ الطاقة بمعنى أن العمليات الطبيعية التي تقتصر على الصدفة والضرورة يمكنها أن تنقل بفاعلية معلومات محددة معقدة، إلا أنها لا تستطيع أن تولدها.

ولكن هذا المجال المتنامي ما زال يحتاج للكثير من العمل الجاد والمهم. إلا أننا الآن وصلنا إلى موضع يمكننا من اختبار هذه الأفكار المتعلقة بالأدوات التي تحاكي أصل الحياة. وذلك، لأنه إن كانت المعلومات تحفظ بشكل ما، يمكننا أن نتوقع منطقياً أن أي محاكاة لأصل الحياة تدعي الحصول على معلومات “مجانية” بعمليات طبيعية بحتة لا بد أن تهرب تلك المعلومات من الخارج، رغم كل ما تدعيه. ومن ثم، إن أمكننا أن نثبت ذلك، نكون على الأقل قد نجحنا في بناء حجة مقبولة منطقياً تقول بأن مدخلات المعلومات ضرورية لنشأة الحياة.

وفي ضوء ما تقدم سنحاول الآن أن نحلل واحدة من أشهر المحاولات لمحاكاة منشأ التعقيد المحدد للـ DNA بواسطة العمليات الطبيعية. فهيا بنا إلى القرود الكاتبة Typing monkeys!

 

[1] Bit اختصار binary digit وهي وحدة قياس المعلومة. (المترجم)

[2] نظام رقمي ثنائي مكون من واحد أو صفر يستخدم في تطبيقات الكمبيوتر مثل 1 = 001، 2 = 010، 3 = 011…. إلخ وكل رقم مفرد منها على الكمبيوتر يسمى bit وهي أصغر وحدة block يتعامل بها الكمبيوتر. (المترجم).

[3] خوارزمية لبرنامج كمبيوتر حيث يكرر البرنامج طباعة الرقم 001 عدداُ من المرات يساوي 2 مليار مرة، وهو برنامج لا تستلزم كتابته سوى 39 نقرة على لوحة المفاتيح. (المترجم)

[4] نظام العد والحساب التقليدي (0، 1، 2، 3….الخ). (المترجم)

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

 

 

 

«ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً،

ولا “شرارة الحياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات….

تخيل مليار رمز رقمي مختلف….

فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية.»

“ريتشارد دوكينز”

 

«المعلومات هي أحد الموضوعات المركزية

 في علم الأحياء المعاصر.»

“جون مينارد سميث”

 

المعلومات الكامنة في الخلية:

إن أردنا فهماً أوضح للقضايا المتعلقة بأصل الحياة، علينا الآن أن نتجاوز مستوى البروتينات وننتقل إلى المستوى الجزيئي الذي نجد تحته إحدى اللبنات الأساسية الأخرى للحياة التي تفوق البروتين تعقيداً، ألا وهو جزيء الـ DNA. ويعد اكتشاف طبيعة هذا الجزيء الكبير Macromolecule الحامل للمعلومات وأهميته من أعظم ما توصلنا إليه من اكتشافات علمية. وذلك لأن الخلية الحية ليست مجرد مادة. ولكنها مادة زاخرة بالمعلومات. وعلى حد تعبير “ريتشارد دوكينز”: «ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً، ولا “شرارة حياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات… تخيل مليار رمز رقمي Digital Characters مختلف… فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية».

إن محتوى معلومات الـ DNA أساسي للحياة، ولكن الحياة أكثر من مجرد DNA في البداية، نقول إن الـ DNA نفسه ليس حياً. إلا أن “دوكينز” محق في قوله بأننا يجب أن ننظر للمعلومات بصفتها تؤدي دوراً محورياً في الحياة برمتها. والـ DNA الحامل للمعلومات يكمن في نواة الخلية ويختزن التعليمات اللازمة لبناء البروتينات في الكائن الحي. وهو جزيء الوراثة الذي يحوي الصفات التي تنتقل إلى الأبناء. والـ DNA يشبه القرص الصلب في الكمبيوتر من حيث إنه يضم قاعدة بيانات المعلومات والبرنامج اللازمين لتكوين منتج محدد. وكل خلية من خلايا جسم الإنسان التي يتراوح عددها من 10 تريليون إلى 100 تريليون تحتوي على قاعدة بيانات أكبر من “موسوعة بريتانيكا” Encyclopedia Britannica. وعلى مدى العقود القليلة الماضية رأينا علماء الأحياء الجزيئية يقبلون على مضض لغة تكنولوجيا المعلومات ومنهجيتها اللتين فرضتا عليهم نتيجة لإدراك طبيعة الشفرة الوراثية ووظيفتها، ولكنهم فيما بعد رحبوا بها جميعاً. وأصبحنا الآن لا نجد غضاضة في الحديث عن الخلية الحية بصفتها آلة تعالج المعلومات لأنها هكذا بالفعل، فهي بنية جزيئية مزودة بالقدرة على معالجة المعلومات. وهو تطور فكري مثير لأنه يعني أنه يمكن استكشاف طبيعة المعلومات البيولوجية باستخدام مفاهيم نظرية المعلومات ونتائجها.

ولكن يفضل ألا نتسرع في بحث هذا الأمر قبل أن نكون في أذهاننا صورة لماهية جزيء الـ DNA وكيفية حمله للمعلومات.

 

ما هو الـ DNA؟

الحروف الثلاثة هي اختصار لمصطلح Deoxyribose Nucleic Acid الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين. وهو جزيء طويل جداً ذو بنية ثنائية الحلزون كان لاكتشافه الفضل في فوز “كريك” وزميله “واطسون” بجائزة نوبل. وهو يشبه سلماً حلزونياً يتكون من سلسلة طويلة جداً من جزيئات أبسط كثيراً يطلق عليها نوكليوتايدات Nucliotides. وكل لفة كاملة من لفات الحلزون تحوي عشرة نوكليوتايدات. وتتكون النوكيلوتايدات من سكر يطلق عليه ريبوز Ribose، ومجموعة فوسفات نزعت منها ذرة أكسجين واحدة (وهو ما يفسر استخدام تعبير “منقوص الأكسجين” deoxy. في المصطلح)، وقاعدة. والقواعد هي أربع مواد كيميائية: الأدنين Adenine، الجوانين Guanine، السايتوسين Cytosine، الثايمين Thymine، أو اختصاراً أ، ج، س، ث، A, G, C, T. وهي (الوحيدة) التي تميز بين كل نوكليوتايد والمجاور له. والقاعدتان الأولى والثانية هما بورينات Purines، أما الثانية والثالثة من البرميدينادت Pyrmidines. ودرجات السلك مكونة من الأزواج القاعدية حيث جزيئات الزوجين القاعديين المكونة لطرفي أي درجة من درجات السلم ترتبط معاً بروابط هيدروجينية. وهناك قانون يقول إن (أ) دائماً يتزاوج مع (ث)، ويتزاوج (س) مع (ج)، أي أن البورين يكون دائماً رابطة مع البرميدين. وعليه إن كان شريط واحد من ثنائي الحلزون يبدأ هكذا: أ ج ج ث س س ج ث أ أ ث ج … إذن الشريط الأخر سيبدأ هكذا: ث س س أ ج ج س أ ث ث أ س…. وهكذا يكمل الشريطان بعضهما البعض، أي أنك إذا عرفت أحد الشريطين، يمكنك أن تستنتج الآخر. وسنرى أهمية هذه الفكرة بعد قليل.

وطبعاً تسمية النوكليوتايدات على الأشرطة تسمية عشوائية بمعنى أنه يمكننا أن نشير إليها بأربعة أرقام، مثل 1، 2، 3، 4، أو 2، 3، 5، 7 (أو أي أربعة رموز مختلفة)، وعندئذ تكون بداية الشريط الأول المذكور أعلاه 341143224331… أو 572275337552…. على التوالي. وهكذا يمكن الإشارة لكي جزيء DNA برقم خاص (وعادة ما يكون رقماً طويلاً للغاية، كما سنرى أدناه) يمكّننا من قراءة سلسلة قواعده.

وكما أن أي سلسلة حروف في أي من الأبجديات العادية لإحدى لغات العالم المكتوبة تحمل رسالة وفقاً لترتيب هذه الحروف، هكذا سلسلة القواعد على العمود الفقري للـ DNA (أو تسلسل درجات السلم، إن شئت) يحمل رسالة محددة مكتوبة بالأبجدية المكونة من أربعة حروف هي: أ، س، ج، ث. أما المورث أو الجين Gene فهو حبل طويل من هذه الحروف يحمل معلومات بروتين ما، وهكذا يمكن تفسر الجين باعتباره مجموعة من التعليمات، مثل أحد البرامج، اللازمة لصنع ذلك البروتين. والطريقة التي يعمل بها التشفير هي أن كل مجموعة من ثلاثة نوكليوتايدات، ويطلق عليها كودون Codon تحدد كود أو شفرة الحمض الأميني. وبما أنه لدينا أربعة نوكليوتايدات، إذن هناك 34 = 64 ثلاثياً متاحاً لتشفير عشرين حمضاً أمينياً. ويمكن أن يكون لحمض أميني واحد أكثر من ثلاثي (ويمكن أن يصل العدد إلى ستة ثلاثيات) يضع شفرته. وهذا التشفير هو ما ينشئ مفهوم الشفرة الوراثية.

ويتكون المحتوى الجيني أو الجينوم Genome من مجموعة كاملة من الجينات. والمحتويات الجينية، أو بالأحرى الـ DNA لبكتيريا الإشريكيا القولونية يبلغ طوله حوالي 4 مليون حرف ويمكن أن يملأ كتاباً من 1000 صفحة، أما الجينوم البشري يزيد طوله عن 3,5 مليار حرف ويملاً مكتبة بأكملها. ومما يلفت النظر أن الطول الفعلي للـ DNA الملفوف بإحكام في خلية واحدة في جسم الإنسان يبلغ نحو مترين. وبما أن جسم الإنسان يحوي حوالي 10 تريليون (= 1310) خلية، إذن إجمالي طول الـ DNA يبلغ رقماً يذهب العقل هو 20 تريليون متر.

ولا بد أن نشير إلى أننا غالباً ما نعتبر الـ DNA لأحد الكائنات الحية مرادفاً للجينوم، إلا أننا إن أردنا الدقة يجب أن ندرك أن الجينوم لا يشغل فعلياً سوى جزء من الـ DNA، وهو جزء صغير نسبياً يبلغ في الإنسان 3٪ أما النسبة الباقية (97٪) من الـ DNA التي يطلق عليها الـ DNA غير المشفر يشار إليها باسم ” الـ DNA الخردة” Junk DNA، ولكننا الآن نعلم أنها ليست خردة على الإطلاق بعد أن ثبت أنها مسؤولة عن تنظيم العمليات الوراثية وصيانتها وإعادة برمجتها، وأنها تحتوي على أجزاء من الـ DNA ذات قدرة عالية على الحركة تعرف باسم النواقل Transposons وهي قادرة على أن تصنع نسخاً من نفسها ثم تنتقل إلى مواقع أخرى على الجينوم وتؤتي تأثيرات متنوعة، منها مثلاً إعاقة بعض الجينات وتنشيط جينات أخرى خاملة. ومن الاستخدامات المهمة أيضاً للـ DNA غير المشفر البصمة الوراثية المستخدمة في مجال البحث الجنائي التي اكتشفها “ألك جفريز” Alec Jeffreys عام 1986.

كيف ينشئ الـ DNA البروتينات؟

يقع الـ DNA في نواة الخلية التي يحميها غشاء. وحتى “تعيش” الخلية، وحتى يحدث أي شيء لا بد من نقل المعلومات الكامنة في الـ DNA إلى الستوبلازم، وهو المنطقة التي تقع خارج نواة الخلية حيث تعمل آلة الخلية، أو أرضية مصنع الخلية، إن شئت أن تطلق عليه هذا الاسم. وهذه المعلومات ضرورية مثلاً لبناء الإنزيمات في السيتوبلازم بواسطة الآلات الجزيئية التي يطلق عليها الريبوسومات ribosomes. فكيف تصل المعلومات التي على الـ DNA إلى الريبوسومات لصنع إنزيم؟ يتم ذلك عن طريق جزيء حمضي نووي آخر طويل يطلق عليه الحمض النووي الريبوزي Ribonucleic acid (RNA) وهو شديد الشبه بالـ DNA فيما عدا أنه عادة لا يكون ثنائي الشريط Double stranded، وإن كان مقدار ما يه من هيدروكسيل (OH) يزيد عما يحوية الـ DNA بمجموعة واحدة. وهو يحوي أربع قواعد مثل الـ DNA. ثلاث منها هي أصدقاؤنا القدامى أ، ج، س، أما الرابع وافد جديد هو اليوراسيل (ي) Uracil (U) الذي يحل محل القاعدة (ث) في الـ DNA. وما يحدث أولاً أن الـ DNA الموجود داخل النواة “ينفتح كالسوسنة” وينقسم إلى نصفين فينفصل الشريطان بعضهما عن بعض. وما يساعد على ذلك هو ضعف روابط الهيدروجين فيما بين الشريطين مقارنة بالروابط التي تربط القواعد في كل شريط من شريطي الـ DNA. وثانياً يتحول شريط من الـ DNA إلى RNA، ويعرف عندئذ باسم “الحمض النووي الريبوزي المرسل” (mRNA) “messenger – RNA”. والنتيجة نشوء شريط RNA يكمل شريط الـ DNA حيث يحل (ي) محل (ث) على طول الشريط. ومن حين لآخر (أو في الواقع نادراً) تحدث أخطاء في عملية النسخ تؤدي إلى إنتاج بروتين متغير. وبعد ذلك ينتقل الـ mRNA عبر جدار النواة إلى السيتوبلازما حيث تتم عملية الترجمة بالغة الدقة.

ويمكننا أن نتخيل شريط الـ mRNA مثل شريط الكمبيوتر الممغنظ والريبوسوم مثل آلة تنتج بروتيناً من المعلومات الموجودة على ذلك الشريط. ولإتمام هذه العملية يتحرك الريبوسوم على طول شريط الـ mRNA “قارئاً” المعلومات المختزنة فيه. فهو يماثل شريط التسجيل الممغنط في جهاز الكمبيوتر. أو رأس الماسح الضوئي في ماكينة تورينج[1] Turing machine، وإن كان الفرق أنه في هاتين الحالتين يكون الرأس ثابتاً والشريط متحركاً، ولكنه فرق عديم القيمة فيما يتعلق بغرضنا من التشبيه. وهو يقرأ الكودونات كالكمبيوتر بترتيب ظهورها على الشريط، والكودون كما نذكر هو مجموعة من ثلاثة رموز متتالية، فيمكن أن يقرأ مثلاً: أ أ س ي ج س ي ي ج… والمهمة التالية للريبوسوم هي إيجاد الأحماض الأمينية التي تتوافق مع هذه الكودونات (وتلك الأحماض في هذه الحالة هي الأسباراجين Asparagine، والسيستين Cysteine، واللوسين Leucine). ثم تسبح في محيط الريبوسوم المتصل عن طريق روابط مركب عضوي اسمه الإستر ester بجزيئات (يطلق عليها الحمض النووي الريبوزي الناقل transfer RNA أو tRNA) تشبه الصلبات. فإن كان الأسباراجين مثلاً متصلاً بذراع واحد في هذا الجزيء، فالطرف الآخر لذلك الذراع يتصل بما يطلق عليه الكودون المضاد anticodon المقابل لكودون” أ أ س”، ألا وهو “ي ي ج”. وعندما يقرأ الريبوسوم أي كودون معين يسعى ليتصيد الكودون المضاد المقابل له. فيلتقطه ثم ينزع الحمض الأميني المتصل به. ثم يضم الريبوسوم ذلك الحمض الأميني مع الأحماض الأمينية الأخرى التي جمعها من قبل. وهكذا ينشأ البروتين الجديد تدريجياً.

وهذه الآليات بالغة الصغر التي لا يمكن أن “ترى” إلى بالميكروسكوب الذري، لا بالمكروسكوب الضوئي العادي، تتسم بدرجة مذهلة من التعقيد، كما يتبين لنا من نظرة سريعة على أي كتاب دراسي في علم الأحياء الجزيئي. وما تبلغه من تعقيد يدفع أقوى علماء الأحياء التطوريين مثل “جون مينارد سيمث” وكذلك “إرش ساتماري” Eors Szathmary للقول بأن: «آلة الترجمة الموجودة يستحيل الاستغناء عنها وهي تبلغ من التعقيد والشمولية ما يجعل معرفة كيفية نشأتها أو كيف يمكن للحياة أن تنشأ بدونها مهمة عسيرة.» وبعد قرابة عشر سنوات نجد عالم الأحياء الدقيقة “كارل وز” Carl Woese يعبر عن أسفه أنه حتى البشر بكل ما لديهم من ذكاء لا يمكنهم بناء مثل هذه الآليات: «إننا لا نفهم كيف نخلق شيئاً جديداً من الصفر، وهو سؤال متروك لعلماء الأحياء في المستقبل».

 ومن المهم في هذا الموضوع برمته أن ندرك أنه رغم أن الـ DNA ينشئ البروتينات، فإعادة إنتاج الـ DNA نفسه لا يمكن أن تتم دون وجود عدد من البروتينات. ويذكرنا “روبرت شابيرو” الخبير المحترم في كيمياء الـ DNA أن البروتينات رغم أنها تبني وفقاً لتعليمات مشفرة في الـ DNA، فهي جزيئات كبيرة تختلف اختلافاً كبيراً عن الـ DNA من الناحية الكيميائية: «إن الشرح السابق يذكرنا بالأحجية القديمة: أيهما أسبق، الدجاجة أم البيضة؟ فالـ DNA يمتلك وصفة عمل البروتين. ولكن تلك المعلومات لا يمكن استعادتها أو نسخها دون مساعدة البروتينات. فأي جزيء كبير ظهر أولاً، البروتينات (الدجاجة) أن الـ DNA (البيضة)؟».

وفي فقرة عجيبة كاشفة (مقتبسة هنا من النسخة الإلكترونية)[2] يرسم صورة حية لما يبرز حالياً من مشكلات: «الكثير من الكيميائيين عندما اصطدموا بهذه التحديات هربوا من فرضية ” الـ DNA أولاً” كما لو كانت بيتاً يحترق. إلا أن مجموعة منهم ما زالت مأخوذة بمشهد الجزيء الذي ينسخ نفسه، فبحثت عن مخرج يفضي إلى مخاطر مشابهة. وفي هذه النظريات المعدلة، ظهر عنصر آخر مستنسخ قادر على إنتاج نفسه ولكن أبسط، وحكم الحياة في “عالم ما قبل الـ DNA.” وقد طرحت تنويعات مختلفة لهذا العنصر حيث القواعد، أو السكر، أو العمود الفقري كله للـ RNA تمت الاستعاضة عنها بمواد أبسط، يسهل على تكوينات ما قبل الحياة الوصول إليها. ويفترض أن هذا المستنسخ الأول يتمتع بالقدرات التحفيزية التي يتمتع بها الـ RNA. ولكن بما انه لم يعثر حتى الآن في علم الأحياء الحديث على أي أثر لهذا المستنسخ والمحفز الأولى الافتراضي، فلا بد أن الـ RNA استولى تماماً على كل وظائفه في مرحلة ما عقب ظهوره.

«علاوة على ذلك، الظهور التلقائي لأي مستنسخ من هذا النوع دون مساعدة عالم كيمياء تشوبه عدة نقاط غير منطقية تفوق تلك التي تشوب تحضير حساء نوكليوتايد. فلنفترض أن حساء ممتزجاً في اللبنات الأساسية المكونة لكل هذه المستنسخات المقترحة قد جمع بشكل ما تحت ظروف تميل إلى ربط هذه المستنسخات في سلاسل. وستكون مصحوبة بالكثير من اللبنات الأساسية المعيبة. مما سيؤدي إلى تدمير قدرة السلسلة على القيام بدور المستنسخ. فأبسط وحدة معيبة كفيلة بإيقاف السلسلة كلها، وكأن يوجد مثلاً مكون به “ذراع” واحد فقط للاتصال، بدلاً من الذراعين اللازمين لاستمرار السلسلة في النمو.

«ليس لدينا سبب يدعونا للافتراض بأن الطبيعة الهوجاء لن تدمج وحدات عشوائياً، منتجة بذلك أنوعاً عديدة من السلاسل المهجنة القصيرة التي تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها بدلاً من السلسلة الأطول التي تستند إلى تركيب السلسلة الرئيسية backbone geometry [3]الموحدة اللازمة لدعم وظائف المستنسخ والمحفز. ويمكننا هنا أن نستخدم حساب الاحتمالات، ولكني أفضل استخدام صورة من صور إحدى المشابهات الشائعة: تخيل غوريلا (ولا بد أن يكون لها ذراعان طويلان جداً) جالسة على لوحة مفاتيح ضخمة متصلة بجهاز معالج للكلمات. ولوحة المفاتيح لا تحوي فقط على الرموز المستخدمة في اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية، بل تشمل كذلك رموزاً لا حصر لها من كل اللغات المعروفة، وكل الرموز مختزنة في كمبيوتر عادي. واحتمالات تجميع مستنسخ في البركة التي وصفتها أعلاه يمكن مقارنتها باحتمالات تكوين الغوريلا لوصفة متسقة لعمل كرات البطاطس باللحم المفروم باللغة الإنجليزية. وبناء على اعتبارات مشابهة استنتج “جرالد ف. جويس” Gerald F. Joyce من “معهد أبحاث سكريبس” Scripps Research Institute وكذلك “لسلي أورجل” من “معهد سولك” Salk Indtitute أن الظهور التلقائي لسلاسل RNA على الأرض الخالية من الحياة “يكاد يكون معجزة”. وأود أن أطبق هذا الاستنتاج على كل بدائل الـ RNA المقترحة التي ذكرتها سابقاً.»

إن استنتاج “شابيرو” (النسخة الورقية من المقال) حاسم وكاشف: “الـ DNA، والـ RNA، والبروتينات وغيرها من الجزيئات الكبيرة المعقدة لا بد أن ينظر إليها باعتبارها عناصر مشاركة في نشأة الحياة.» وقد تناولنا بالفعل الاعتراضات التي أثيرت ضد مقترحه البديل، ألا وهو “الأيض أولاً.»

هل كل شيء في الجينات؟

علينا أن نتوقف هنا قليلاً لأننا عندما نتحدث عن تعقيد الجزيئات الحيوية الغنية بالمعلومات مثل الـ DNA والشفرة الوراثية، من السهل أن ننقل انطباعاً بأن الجينات تخبرنا بكل شيء عن معنى الكينونة الإنسانية. والحقيقة أنه على مدى سنوات طويلة رأى علماء الأحياء الجزيئية أن الجينوم يقدم تفسيراً كاملاً للصفات الوراثية عند أحد الكائنات، واعتبروا ذلك “عقيدة مركزية”، طبقاً للمسمى الذي أطلقه “فرانسيس كريك”. وهو ما غذى النزعة التي تربى إن سلوك الإنسان كله محكوم بالوراثة bio determinism، ومن ثم تعتبر أن جينات الفرد مسؤولة لا عن الأمراض البشرية فحسب، بل عن كل السمات بدءًا بالاستعداد للعنف أو السمنة وانتهاء بالقدرات العقلية، كالقدرة الرياضية.

هرمية التعقيد:

إلا أن الأدلة تتزايد بسرعة على أنه هذا الزعم غير وارد. وذلك لأنه اتضح أن عدد الجينات التي تحوي عليها الجينوم البشري يترواح بين ثلاثين ألفاً وأربعين ألفاً فقط. وهو ما كان مفاجأة كبرى للكثيرين، على أي حال فآلة الخلية البشرية تنتج نحو 100 ألف بروتيني مختلف، فكان من المتوقع أن يوجد العدد نفسه من الجينات لتشفيرها. ولكن الجينات الموجودة أقل بكثير من أن تفسر التعقيد المذهل الذي تتسم به صفاتنا الوراثية، ناهيك عن الفروق الكبيرة بين النبات والإنسان مثلاً. ولذلك، يطلق عالم الوراثة “ستيف جونز” صيحة تحذير مدوية: «قد يتشابه DNA الشمبانزي مع DNA الإنسان بنسبة 98٪، ولكن هذا لا يجعل الشمبانزي إنساناً بنسبة 98٪: فهو ليس إنساناً على الإطلاق، ولكنه شمبانزي. وهل اشتراكنا في بعض الجينات مع الفئران، أو مع الموز يعكس أي شيء عن الطبيعة البشرية؟ يزعم البعض أن الجينات تخبرنا عما هيتنا الحقيقية. ولكنها فكرة سخيفة».

إن الجينات يمكن أن تكون في وضع تشغيل أو في وضع إيقاف في مراحل معينة من نمو الكائن الحي. والتحكم في هذه الحركة يتم أساساً عن طريق سلاسل يطلق عليها “المحفزات” promoters، وعادة ما توجد بالقرب من بداية الجين. ولنتخيل الآن كائناً حياً له (س) من الجينات، وكل منها يمكن أن يكون في حالة من اثنتين، إما تشغيل، أو إيقاف، معبراً عنه expressed أو غير معبر عنه unexpressed، بلغة المصطلحات الوراثية. وهكذا يكون لدينا 2س من حالات التعبير الممكنة. هب الآن أن لدينا اثنين من الكائنات الحية (أ)، (ب) لديهما اثنان وثلاثون ألف، وثلاثون ألف جين على الترتيب. عندئذ يكون عدد حالات التعبير للكائن (أ) هو 320002، وللكائن (ب) 300002. وهكذا فإن حالات تعبير (أ) تزيد عن حالات تعبير (ب) بمقدار 20002، مع ملاحظة أن 20002 رقم كبير جداً، فهو في الواقع أكبر من عدد الجسيمات الأولية التي يقدر وجودها في الكون (حوالي 8010).

وهكذا فإن اختلافاً طفيفاً نسبياً في عدد الجينات يمكن أن يفسر الاختلافات الشاسعة جداً في الشكل الظاهري (الصفات المرئية) للكائن الحي. ولكن ذلك ليس سوى بداية حيث أن الافتراض الأساسي في حسبتنا الأخيرة من أن الجينات إما في وضع تشغيل أو إيقاف هو افتراض ساذج للغاية مقارنة بالقضية ككل، ولا سيما في حالة الكائنات الحية الأعقد. فجينات هذه الكائنات تتمتع بقدر أكبر من “الذكاء” بمعنى أنها قادرة على بناء قدر أكبر من الآلات الجزيئية والتحكم فيها. فيمكن مثلاً أن يعبر عنها جزيئاً، أي أنها لا تكون في وضع تشغيل كامل ولا في وضع إيقاف كامل. وآليات التحكم هذه قادرة على الاستجابة لبيئة الخلية في تحديد مدى تشغيل الجين. وهي بذلك تشبه فعلاً أجهزة كمبيوتر مصغرة مسؤولة عن التحكم. وبما أن درجة تشغيلها أو إيقافها تختلف، فلا بد من زيادة قيم الحسابات المذكورة أعلاه زيادة كبيرة. وأثر البروتينات على بروتينات أخرى تعنى أننا الآن ندخل إلى ترتيب هرمي مكون من مستويات تتزايد تعقيداً زيادة حادة حتى إنه يصعب إدراك أدنى مستوياتها.

إلا أن مجال التعقيد ما زال يحتوي على المزيد بما أنه أصبح من الواضح الآن أن مجموعة كبيرة من الجينات قد تكون مشاركة في سمة أو وظيفة واحدة بعينها، وبذلك نجد جينات كثيرة مقابل سمة أو وظيفة واحدة، لا جيناً واحداً مقابل سمة أو وظيفة واحدة. وأسباب ذلك تبدأ في الظهور. فمثلً “باري كومنر” Barry Commoner كبير علماء ومدير “مشروع علم الوراثة النقدي” Critical Genetics Project في “مركز بيولوجيا النظم الطبيعية” Center for the Biology of Natural Systems في “كلية كوينز” Queens College في “جامعة سيتي في نيويورك” City University of New York يذكر ثلاثة اكتشافات تؤكد أن الحياة أعمق من الـ DNA في مقالة بعنوان “تفكيك أسطورة الـ DNA” “Unravelling the DNA Myth”.

1 – التضفير البديل:

يرجح “كومنر” أن أحد المبادئ الجوهرية في “العقيدة المركزية”، أي فرضية التسلسل التي يقول بها “كريك” قد يحتاج إلى قدر كبير من المراجعة. ويتلخص هذا المبدأ في أن تسلسل النوكليوتايد في جين واحد يحدد شفرة تسلسل الحمض الأميني لبروتين واحد. وذلك لأنه تبين أنه بإمكان جين واحد أن ينشئ الكثير من تنويعات البروتين بعملية يطلق عليها التضفير البديل alternative splicing يمكن أن تتم عند نقل تسلسل النوكليوتايد في أحد الجينات إلى ال RNA المرسل. أي أنه لا يحدث أن الجين الواحد يقابل بروتيناً واحداً. ولكن ما يحدث أن مجموعة خاصة من البروتينات يصل عددها إلى 150 بروتين مع خمسة جزيئات من الـ RNA تعبر باسم جسيم التضفير spliceosome تجتمع في مواضع متنوعة في الـ mRNA وتشكل آلة جزيئية تقطع الـ mRNA إلى أجزاء تدمج مرة أخرى بترتيبات مختلفة متنوعة. وأحياناً قد تنزع بعض القطع وتضاف أخرى. ومن ثم، أي من هذه المواد التي أعيد دمجها تحمل تسلسلاً يختلف عن التسلسل الأصلي. وهكذا، يمكن لجين واحد أن ينشئ الكثير من البروتينات المختلفة بأسلوب القص واللصق الذي يقوم به التضفير البديل. فمثلاً يوجد جين في الأذن الداخلية للدجاج وللبشر يمكنه أن ينشئ 576 بروتيناً مختلفاً. وهناك أيضاً جين في ذبابة الفاكهة يعرف عنه أنه ينشئ 38016 بروتيناً مختلفاً.

ويشير “كومنر” إلى تداعيات هذا الاكتشاف التي تدمر الاعتقاد بأن المعلومات الجينية التي تصدر من تسلسل الـ DNA الأصلي تنتهي دون أن تتغير في تسلسل الحمض الأميني للبروتين. وقد أكد “كريك” أن «اكتشاف نوع واحد فقط من الخلية الحالية» حيث تنتقل المعلومات الوراثية من بروتين إلى حمض نووي أو من بروتين إلى بروتين «من شأته أن يزعزع الأساس الفكري برمته لعلم الأحياء الجزيئي». ولكن هذا هو بالضبط ما يحدث هنا، حيث تنتج معلومات وراثية جديدة في الـ RNA بفعل عملية التضفير، وهي عملية تشتمل على بروتينات جسيم التضفير. ومن ثم، لا يمكن للمرء أن يتنبأ بتأثير جين واحد بمجرد تحديد التعليمات المتضمنة في تسلسل النوكليوتايد الخاص به. فعملية التضفير تحرر تلك التعليمات كمن يحرر نصاً مكتوباً. ومن ثم، تمكنها من إنشاء العديد من المعاني. وفي سنة 2002 أثبت “شين كواك” Shin Kwak من “جامعة طوكيو” University of Tokyo أن الأخطاء في التضفير هي السبب الأرجح وراء الإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis وهو نوع من الشلل الفتاك.

وكان يعتقد فيما مضى أن عملية التضفير نادرة الحدوث. إلا أن الملاحظة أثبتت أن حدوث التضفير البديل يزداد بزيادة تعقيد الكائن الحي، وتبين التقديرات الحالية أن نسبة الجينات البشرية المعرضة لهذه العملية يمكن أن تصل إلى 75٪. ويتضح أن التضفير البديل يضيف كمية ضخمة من المعلومات. ولذلك، لم نعد نتعجب مما نراه من اختلافات شاسعة بين كائنات حية تتشابه في جيناتها تشابهاً كبيراً.

2 – تصحيح الأخطاء:

إن عملية نسخ الـ DNA التي تتم بدقة بالغة لا تتحقق بفعل الـ DNA وحده، ولكنها تعتمد على وجود الخلية الحية. وفي وسط الظروف المحيطة الطبيعية داخل الخلية، يستنسخ الـ DNA نفسه بحوالي خطأ واحد إلى 3 مليار نوكليوتايد (تذكر أن طول الجينوم البشري يبلغ نحو 3 مليار نوكليوتايد). إلا أنه عندما يكون وحده في أنبوبة اختبار، يرتفع معدل الخطأ إلى نسبة مخيفة تصل إلى حوالي 1 من 100. ولكن عندما تضاف في أنبوبة الاختبار أنزيمات بروتين مناسبة، يهبط معدل الخطأ إلى حوالي 1 من 10 مليون. ويعتمد تحقيق أقل معدل من الأخطاء على إضافة مزيد من البروتينات على هيئة إنزيمات “إصلاحية” repair ترصد الأخطاء وتصححها.

ومن ثم تتوقف عملية نسخ الحمض النووي على وجود إنزيمات البروتين هذه، وليس على الـ DNA فقط. وقد سجل “جيمز شابيرو” تعليقاً مهماً على النظام الإصلاحي إذ كتب يقول: «لقد كانت مفاجأة لي عندما عرفت مدى دقة الخلايا في حمايتها لنفسها ضد مختلف التغيرات الوراثية العارضة التي تعتبر مصدر التنوع التطوري، وفقاً للنظرية التقليدية. وبفضل ما تتمتع به الخلايا الحية من أنظمة مراجعة وإصلاح، فهي لا تقف كالضحية العاجزة أمام القوى العشوائية للكيمياء والفيزياء. ولكنها تكرس موارد ضخمة لقمع التنوع الوراثي العشوائي وهي قادرة على تحديد مستوى ما يحدث من طفرات مستترة في موضع معين background localized mutability بضبط نشاط أنظمتها الإصلاحية».

 

أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟

من أهم الآثار المترتبة على وجود التضفير البديل وآليات إصلاح الأخطاء هو أنه يبدو أن وجود الـ DNA يتوقف على وجود الحياة، وليس أن الحياة تتوقف على الـ DNA، مما يدعو إلى إعادة النظر في الفكرة الشائعة بأن الحياة نشأت من تسلسل الـ RNA المؤدي إلى الـ DNA المؤدي إلى الحياة (سيناريو عالم الـ RNA). وقد صرح “كومنر” قائلاً: « الـ DNA لم يخلق الحياة، بل الحياة هي التي خلقت الـ DNA.» ويستفيض “ميلر” وزميله “لفين” Levine في هذا الموضوع قائلين: «لا تزال أكبر عثرة تقف عائقاً أمام سد الثغرة بين العالم غير الحي والعالم الحي. فكل الخلايا الحية محكومة بالمعلومات المختزنة في الـ DNA الذي يتحول إلى RNA ثم يتحول إلى بروتين. وهو نظام في غاية التعقيد وكل من هذه الجزيئات الثلاثة يحتاج للاثنين الآخرين، إما ليحفظ له تماسكه أو ليساعده على العمل. فالـ DNA مثلاً يحمل المعلومات ولكنه لا يستطيع أن يُفّعل استخدامها، ولا حتى أن يستنسخ نفسه دون مساعدة الـ DNA والبروتين».

وهو ما يبدو نوعاً من التكافل غير القابل للاختزال الذي لا تعكسه نماذج أصل الحياة التي تميل لتبسيط العملية على نحو مخل. ويقدم “لسلي أورجل” من “معهد سولك للدراسات البيولوجية” مثالاً مشابهاً: «ليس هناك اتفاق على مدى قدرة الأيض على النمو دون مادة وراثية. وإني أرى أن الاعتقاد بأن تسلسلات طويلة من التفاعلات يمكنها أن تنتظم تلقائياً ليس له أي أساس في الكيمياء المعروفة، بل لدينا كل الأسباب التي تدعونا للاعتقاد بأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك. ومشكلة تحقيق قدر كاف من التحديد، سواء في المحلول المائي أو على سطح أحد الأملاح صعبة للغاية لدرجة أن احتمال إغلاق دورة تفاعلات معقدة مثل دورة حمض الستريك العكسية مثلاً احتمال ضئيل للغاية».

3 – هندسة البروتينات:

عندما تصنع البروتينات تطوى متخذة شكلاً هندسياً دقيقاً ثلاثي الأبعاد يتوقف عليه ما ستقوم به من نشاط بيوكيميائي. وكان يعتقد فيما مضى أنه ما أن يتحدد تسلسل الحمض الأميني للبروتين، حتى “يعرف” هذا البروتين كيف يطوى متخذاً الشكل الصحيح. إلا أننا الآن نعلم أن بعض البروتينات تحتاج إلى بروتينات أخرى “مرافقة” تساعدها على أن تطوى طياً صحيحاً، وإلا ستظل خاملة بيوكيميائياً.

علاوة على ذلك، البروتينات المعروفة باسم البرايونات prions الخالية من الحمض النووي مسؤولة عن الأمراض التي تحدث تلفاً في المخ مثل مرض “جنون البقر”. وقد بينت الأبحاث أن أحد بروتينات البرايون يخترق بروتيناً سليماً في المخ ويدفعه ليطوى مرة أخرى بشكل يتوافق مع بنية البرايون ثلاثية الأبعاد. وتنتج هذه العملية برايون آخر من البروتين المعاد طيه يبدو معدياً ويحدث تفاعلاً تسلسلياً فتاكاً. ولكن الشيء الغريب والمهم أن البرايون وبروتين المخ الذي يؤثر فيه البرايون لهما نفس تسلسل الحمض الأميني، ومع ذلك أحدهما “معد” وخطير، والآخر “صحي” وسليم. وهو ما يرجح بقوة أن البنية المطوية لا بد أن تكون مستقلة جزئياً عن تسلسل الحمض الأميني. ويعنى هذا طبعاً أننا عند تقدير محتوى معلومات البروتين، لا بد أن نأخذ في اعتبارنا شكل الطي الهندسي ثلاثي الأبعاد، وهي مشكلة تحير العقل.

وبما أن الكثير من هذا الكلام معروف للعلماء منذ فترة، فقد دفع ذلك “كومنر” أن يسأل عن سر استمرار العقيدة المركزية. وإجابته: «لقد ظلت النظرية محمية من النقد نوعاً ما بأداة أكثر شيوعاً في الدين منه في العلم: فالاختلاف عما هو متعارف عليه، أو مجرد اكتشاف حقيقة لا تتفق مع الاتجاه العالم يعد جريمة تستوجب العقاب، وهرطقة قد تجلب لصاحبها عقوبة الإقصاء المهني. ويمكن إرجاع الكثير من هذا التحيز إلى الركود المؤسسي، والتخلي عن الدقة والمنطقية، إلا أن هناك أسباباً أخرى خفية أخطر من ذلك، وهي تفسر سبب ارتياح علماء الوراثة الجزيئية للأمر الواقع، وهذه الأسباب هي أن العقيدة المركزية منحتهم تفسيراً للوراثة مرضياً بسيطاً مغرياً لدرجة أن الشك فيه أصبح يعتبر إهانة للمقدسات. فقد كانت العقيدة المركزية من الجمال بحيث لا يتمنى المرء أن تكون خاطئة.» ومن ثم، يبدو أن معنى الكينونة الإنسانية أعمق بكثير مما تحويه الجينات.

علم البروتيوميات:

 إن الترتيب الهرمي لمستويات التعقيد لا يتوقف عند ترجمة الشفرة الوراثية إلى بروتينات. وذلك لأن البروتينات يمكن أن تتغير بطرق كثيرة، بل يمكن أيضاً أن تقطع وتضفر كما يتم في جزيئات الـ mRNA. وهو ما أدى إلى نشأة علم البروتيوميات Proteomics حيث البرتيوم Proteome هو مجموعة كاملة من كل البروتينان وتنويعاتها في الخلية. ويعد تبسيط ما تتسم به من تعقيد مذهل، يفوق تعقيد الجينوم بما لا يقاس، من أعظم التحديات الفكرية التي تواجه العلم.

 

معالجة المعلومات في الخلية:

ومن ثم، كلما تعمقنا في دراسة الخلية الحية، اتضحت لنا القواسم المشتركة بينها وبين واحد من أعقد منتجات التكنولوجيا المتقدمة التي أبدعها الذكاء البشري، ألا وهو الكمبيوتر. والفارق الوحيد أن قدرة الخلية على معالجة المعلومات تفوق بمراحل أي شيء يمكن لأجهزة الكمبيوتر المعاصرة أن تفعله. وقد قال “بيل جيتس” Bill Gates مؤسس “شركة ميكروسوف” Microsoft إن « الـ DNA يشبه برنامج كمبيوتر، ولكنه أكثر تطوراً بما لا يقاس من كل ما صممناه من برامج.»

وقد كتب عالم الرياضيات “دوجلاس هوفستاتر” Douglas Hofstadter في كتابه “جودل، إشر، باخ: جديلة ذهبية خالدة” Godel, Escher, Bach – an Eternal Golden Braid يقول: «عندما نعرف عن هذه البرامج والمكونات المتداخلة على نحو مذهل دقيق، لا يسعنا إلا أن نسأل سؤالاً طبيعياً وجوهرياً، ألا وهو: «كيف بدأت أصلاً؟»…. من جزيئات بسيطة إلى خلايا مكتملة، إنه أمر يفوق قدرة المرء على التخيل. ورغم ما يتوافر لدينا من نظريات متنوعة عن أصل الحياة، فجميعها تنهار أمام هذا السؤال الذي يشكل لب الأسئلة الجوهرية: «كيف نشأت الشفرة الوراثية وآليات ترجمتها؟» والقول بأن هذه الشفرة في غاية القدم لا يقلل من صعوبة السؤال. والعالم “ورنر لونشتاين” Werner Loewenstein الذي حاز على شهرة عالمية لما توصل إليه من اكتشافات في تواصل الخلية ونقل المعلومات البيولوجية يقول: «هذا المعجم الوراثي يرجع تاريخه إلى أزمنة سحيقة. ويبدو أنه لم يتغير منه مثقال ذرة على مدى ملياري سنة، فكل الكائنات الحية على الأرض من البكتيريا إلى البشر تستخدم الشفرة نفسها ذات الكلمات الأربع والستين».

ولنأخذ جانباً واحداً من هذه المشكلات المركبة، ألا وهو نشأة البرنامج الوراثي الـ DNA. أحياناً ما يقال إن توليد المعلومات الوراثية يتم بمساعدة نوع من الانجذاب الكيميائي بين الجزيئات التي تحمل تلك المعلومات. إلا أن هناك سبباً منطقياً بسيطاً ينفي هذا الزعم، وسأوضحه بالحروف الأبجدية. ففي الإنجليزية مثلاً قاعدة تقول إن حرف “q” لا بد أن يتبع بحرف “u”. والآن تخيل وجود “انجذاب مشابه بين أزواج أخرى من الحروف. والآن يتضح فوراً أنه كلما زادت “حالات الانجذاب” هذه بين الحروف الأبجدية، تضاءل عدد التعبيرات التي يمكنك كتابتها. فحرية كتابة الحروف بالترتيب الذي يعجبك أمر أساسي للحصول على مخزون لغوي ثري من الكلمات. وهو ما ينطبق على الـ DNA. فالعنصر الجوهري في قواعد النوكليوتايد (أ، س، ج، ث) أنها يمكن أن تنتظم بأي ترتبي عشوائي. ولكن وجود أي نوع من الانجذاب بينها من شأنه أن يحد من قدرتها على حمل المعلومات بدرجة كبيرة.

وترتبط القواعد مع العمود الفقري للـ RNA بروابط (تساهمية) قوية. ولكن شريطاً الـ DNA المكملان يرتبطان معاً بروابط كيميائية ضعيفة مقارنة بالأولى، وهي روابط هيدروجينية بين القواعد المكملة. ويشرح “مايكل بولاني” ما يترتب على ذلك من آثار قائلاً: «هب أن البنية الفعلية لجزيء الـ DNA تعزى إلى روابط قواعده أقوى بكثير من روابط أي توزيعات أخرى من القواعد، عندئذ لن يكون لجزيء الـ DNA هذا أي محتوى من المعلومات. وطبيعته الشفرية سيغلب عليها قدر كبير جداً من التكرار عديم الفائدة…. وأياً كان أصل تركيب الـ DNA، فهو لا يستطيع أن يقوم بدور الشفرة إلا إذا كان ترتيبه لا يرجع إلى قوى الطاقة الكامنة. فهو لا بد ألا يكون مقيداً من الناحية الفيزيائية تماماً مثل تسلسل الكلمات المطبوعة على الصفحة». والعبارة المحورية هنا هي «من الناحية الفيزيائية.» فكما رأينا فيما سبق أن الرسالة لا تشتق من فيزياء وكيمياء الحبر والورق.

ويؤكد هذا الموقف “هيوبرت يوكي” Hubert Yockey كاتب أحد المقالات القوية بعنوان “نظرية المعلومات وعلم الأحياء” Information Theory and Biology قائلاً: «إن محاولات ربط فكرة الترتيب…. بالتنظيم أو التحديد البيولوجي هي لعب بالكلمات لا يصمد أمام الفحص الدقيق. فالجزيئات الضخمة المعلوماتية يمكنها أن تشفر رسائل وراثية. ومن ثم، تحمل المعلومات لأن تسلسل القواعد أو المتبقي من العملية الكيميائية لا يتأثر إلا قليلاً، أو لا يتأثر على الإطلاق بالعوامل الفيزيائية – الكيميائية». فالنص الوراثي لا يتولد من كيمياء الروابط بين الجزيئات.

ولكن إن كانت الروابط الكيميائية لا تصلح أن تكون تفسيراً، إذن ما البدائل المتاحة أمامنا؟ فلا يحتمل أن اللجوء الساذج إلى عمليات تشبه العمليات الداروينية بإمكانه أن يزودنا بالحل ما دمنا نتحدث عن أصل الحياة، وأياً كان ما يمكن للعمليات الداروينية أن تفعله، فمن الصعب جداً أن نتخيل كيف يمكن لهذه العمليات أن تسير في غياب الحياة. وذلك لأن الانتخاب الطبيعي يحتاج لعنصر قادر على نسخ نفسه وقادر على إحداث طفرة. وقد اقتبسنا آنفاً مقولة “ثيودوشس دوبجانسكي” الشهيرة: «التطور السابق لظهور الحياة عبارة متناقضة مع نفسها.» ورغم أنها تبدو للكثيرين الآن “قديمة الطراز”، فهي تحذرنا في استخدامنا لبعض المصطلحات مثل: “التطور الجزيئي” الذي يمكن أن يفهم على أنه يعنى أننا نفترض خفية أن العملية نفسها (إنتاج نسخ مماثلة من حيث إنها الوحيدة التي يمكن للانتخاب الطبيعي أن يعمل في وجودها ويؤثر فيها، وإلا تصبح المسألة كلها بلا معنى) بين أيدينا، ونحن نحاول أن نفسر وجودها. وقد أشار “جون بارو” John Barrow إلى أن “جيمز كلرك ماكسويل” قد لاحظ منذ عام 1873 أن الذرات كانت «تجمعات من الجسيمات المتماثلة التي لم يؤثر الانتخاب الطبيعي على خواصها. وهذه الخواص هي التي أتاحت إمكانية وجود الحياة».

إلا أن المحاولات مستمرة لحل معضلة أصل الحياة باستخدام الحجج الداروينية التي تعتمد فقط على الصدفة والضرورة. وعلينا الآن أن نتناول بعض المساهمات الرياضية في هذا الموضوع حتى نضع تلك المحاجات في سياقها المناسب.

 

[1] نموذج رياضي لكمبيوتر افتراضي (http://www.oxfronddictionaries.con/us/definition/american_english/Turing machin) تم الإطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015) (المترجم)

[2] يمكن الرجوع للمقال المشار إليه على (http://www.scientifieamerican.com/article/a-sim-pler.origin.for.life)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[3] السلسلة الرئيسية في جزيء البوليمر (“قاموس أكسفورد”). (المترجم)

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

«لا شيء في علم الأحياء له معنى إلى في ضوء التطور.»

“ثيودوشس دوبجانسكيTheodosius Dobzhansky

«ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى.

ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان

أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد.»

“روبرت وسون” Robert Wesson

«إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداروينية

صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة.

أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً،

لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس.

أما منشأ هذه الأشياء أصلاً مشكلة لا بد من حلها أولاً

مثل الكثير من المشكلات الضخمة.»

السير “فرد هويل”

تعريف التطور

إننا نستخدم هذا المصطلح حتى الآن كما لو كان له معنى وحيد متفق عليه. إلا أنه من الواضح أن الأمر ليس كذلك. فمناقشة التطور كثيراً ما يشوبها قدر من التشويش لعد إدراك الاستخدامات المختلفة للمصطلح. وبعض استخداماته لا يحتمل أي جدل حتى إن رفضه يعد دليلاً على شيء من الجهل أو الغباء (إلا أنه لا يعد دليلاً على الشر).

فما هو إذن التطور؟ فيما يلي بعض الأفكار التي تشير إليها مصطلح “التطور” “Evolution“:

1 – تغير، نمو، تنوع:

تستخدم الكلمة هنا للإشارة إلى التغيير دون أن تتضمن أي معنى يختص بوجود (أو عدم وجود) آلية أو مدخلات ذكية تحدث التغيير. فنحن نستخدم هذا المعنى لنصف “تطور السيارة” حيث لا غنى عن قدر كبير من المدخلات الذكية. ونستخدمه أيضاً لوصف “تطور الساحل” حيث تؤدي العمليات الطبيعية للبحر والرياح، والحياة النباتية والحيوانية إلى تشكيل الساحل على مر الزمن، بالإضافة إلى ما قد يقوم به المهندسون لمنع عمليات التعرية. وعندما يتحدث الناس عن “تطور الحياة” بهذا المعنى، كل ما يقصدونه أن الحياة نشأت وتطورت (بأي وسيلة كانت). ومصطلح “التطور” بهذا المعنى يعتبر محايداً، لا يسيء لأحد، ولا يثير أي جدل.

2 – التطور الصغير أو الميكرو تطور Microevolution: تنوع داخل أطر محددة من حيث درجة تعقيدها، تنوع كمي في أعضاء أو بنى موجودة أصلاً:

لاحظ داروين هذه العمليات في عصافي جزر جالاباجوس Galapagos finch (انظر أيضاً دارسة “جوناثان واينر” Jonathan Weiner التفصيلية). ونادراً ما يثير هذا الجانب من النظرة أي جدل لأن هذه التأثيرات كالانتخاب الطبيعي، والطفرة، والانحراف الجيني، وغيرها دائماً ما ترصد بالفعل وتقع في إطار الملاحظة. ومن أمثلتها الكلاسيكية المألوفة لنا في العالم أجمع للأسف هو ما تفعله البكتيريا من بناء مقاومة لمواجهة المضادات الحيوية.

وجدير بالذكر أن التغيرات في متوسط أطوال منقار العصفور التي خضعت للملاحظة أثناء موسم الجفاف سنة 1977 سارت عكسياً وعادت لما كانت عليه في فترة الأمطار سنة 1983، أي أن هذا البحث يعتبر نموذجاً للتغير التكراري بفعل الانتخاب الطبيعي، لا نموذجاً للتطور (ولا حتى التغير) الدائم. ومع ذلك، فالكتب المدرسية لا تذكر دائماً هذا التغيير العكسي Reversal.

إلا أن إحدى الدراسات الرئيسية التي تناقلتها الكتب الدراسية واحتفت بها باعتبارها من البراهين الأساسية على التطور تعرضت لنقد حاد في السنوات الأخيرة. وهي تتناول انتشار اللون الداكن Industrial Melanism بين الفراش المنقط Peppered moth (Biston Betularia) في المناطق الصناعية. وتزعم الدراسة أن الانتخاب الطبيعي أنتج تنوعاً في نسبة الفراش الفاتح للفراش الداكن في هذا النوع البيولوجي. فرؤية الفراش الفاتح أسهل على الكائنات المفترسة من رؤية الفراش الداكن على جذوع الأشجار الداكنة بفعل التلوث في البيئة الصناعية، وهكذا ستصبح غالبية أفراد النوع داكنة اللون. وبالطبع، إن كان هذا التفسير صحيحاً، فهو في أفضل حالاته لا يعد إلا مثالاُ على الميكرو تطور أو التطور الصغير ومن وجهة التغير التكراري فقط (لم تنتج فراشات جديدة أثناء هذه العملية حيث إن النوعين موجودان أصلاً). ومن ثم، فهي لا تثير الجدل إلى عندما تستخدم أمثلة الميكرو تطور باعتبارها دلائل كافية على الماكرو تطور أو التطور الكبير. على أن “مايكل ماجروس” Michael Majerus وهو خبير في الفراش بجامعة كامبريدج يقول: «قصة الفراش المنقط الأساسية خاطئة، أو غير دقيقة، أو ناقصة في معظم مكوناتها.» فضلاً عن ذلك، يبدو أنه ليس هناك دليل على أن الفراش المنقط يحط على جذوع الأشجار في الغابات. والكثير من الصور الفوتوغرافية في الكتب الدراسية التي تظهر الفراش في هذا الوضع تبدو غير واقعية. وفي مجلة “تايمز هاير إديوكشنل” Times Higher Educational Supplement تعبر عالمة الأحياء “لين ماجوليس” عن دهشتها من أن “ستيف جونز” Steve Jones ما زال يستخدم الفراش المنقط في كتابه “شبه حوت” Almost like a whale الذي يشرح داروين بصورة حديثة رغم معرفته بالشبهات التي تحوم حول هذا البحث، على حد اعتقادها. وعندما عرف عالم الأحياء “جري كوين” Jerry Coyne في “جامعة شيكاغو” University of Chicago بالمشكلات التي تحيط بقصة الفراش المنقط، كتب قائلاً: «رد فعل يشبه الإحباط الذي أصابني عندما اكتشفت في السادسة من عمري أن من يأتي بالهدايا ليلة الكريسماس لم يكن بابا نويل، بل كان أبي».

3 – الماكرو تطور أو التطور الكبير Macroevolution:

وهو ما يشير إلى ظهور أشكال جديدة على نطاق واسع، أي ظهور أعضاء، وبنى، وخرائط جسمانية body-plans جديدة ذات مادة وراثية جديدة مختلفة اختلافاً نوعياً عن سابقتها. ومن أمثلته تطور البنى متعددة الخلايا من البنى وحيدة الخلية. وبذلك يشتمل الماكرو تطور على زيادة كبيرة في درجة التعقيد. وهذا الاختلاف بين الميكرو تطور، والماكرو تطور هو موضوع خلاف كبير حيث إن الأطروحة التدرجية [1]Gradualist thesid ترى أنه يمكن تفسير الماكرو تطور بتطبيق العمليات التي تتسبب في حدوث الميكرو تطور ولكن على فترات زمنية أطول كما سنرى أدناه.

4 – الانتخاب الصناعي Artificial Selection كما في التهجين النباتي والحيواني:

نجح خبراء التهجين في إنتاج الكثير من الأنواع المختلفة من الورود، والخراف من سلالات أساسية باستخدام طرق تهجينية في منتهى الدقة. وتشتمل هذه العملية على درجة عالية من المدخلات الذكية. ولذلك، فهي لا تقدم في حد ذاتها دليلاً حقيقياً على حدوث التطور بعمليات غير موجهة، رغم أنها كثيراً ما تستخدم لهذا الغرض. وقد استخدمها داروين نفسه ليبين أن ما يفعله البشر في وقت قصير نسبياً تفعله الطبيعة في وقت طويل.

5 – التطور الجزيئي Molecular Evolution:

يرى بعض العلماء أن التطور يفترض، في واقع الأمر، وجود مادة وراثية قادرة على إنتاج نفسها Self-replicating genetic material. فقد رأى “دوبجانسكي” Dobzhansky مثلاً أنه ما دام الانتخاب الطبيعي يحتاج لوحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات Mutating Replicators، فهذا يعني بالضرورة أن «الانتخاب الطبيعي السابق لظهور الحياة Prebiological natural selection فكرة متناقضة». إلا أن مصطلح “التطور الجزيئي” شاع استخدامه حالياً للإشارة إلى تطور الخلية الحية من مواد غير حية. ولكن استخدام اللغة على هذا النحو من شأنه أن يحجب حقيقة واضحة، وهي أن كلمة “التطور” هنا لا تعني عملية داروينية بالمعنى الضيق.

ومصطلح “التطور” يضم طبعاً النظريات التي تتناول كيفية حدوث هذه الأشياء، وأكثرها انتشاراً هي التركيب الداوريني الحديث التي تقول بأن الانتخاب الطبيعي يعمل على أساس التنوعات التي تنشأ من الطفرات، والانحراف الجيني، وغير ذلك.

وفي ضوء الغموض الذي يكتنف معنى التطور، يمكننا أن نفهم اتهامات “ليونتن” واتهامات “دوكينز” بمزيد من الوضوح. فإن كان «الشك في التطور» يعني الشك في المعنى الأول أو الثاني أو الرابع، عندئذ يمكن أن تكون تهمة الغباء أو الجهل في محلها. وكما أوضحنا سابقاً لا يمكن لأحد أن يشك حقيقة في صحة عمليات الميكرو تطور والتغيير التكراري باعتبارها أمثلة على عمل الانتخاب الطبيعي.

ولذلك، يسهل حدوث الخلط خاصة عند استخدام التطور بمعنى الميكرو تطور. خذ مثلاً ما يقوله “إي. أو. ويلسون” عن التطور: «ربما يعد التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي القانون الوحيد الصحيح الذي تنفرد به الأنظمة البيولوجية عن الأنظمة الفيزيائية غير الحية، وقد اكتسبت في العقود الأخيرة صلابة النظريات الرياضية. وهو يعني ببساطة إنه إذا كانت مجموعة كائنات حية من نوع معين في منطقة ما تحتوي عدداً من التنوعات الوراثية في صفة ما (مثلاً تنوع لون العين بين الأحمر والأزرق في مجموعة طيور من نوع معين)، وإذا نجح أحد تلك التنوعات في المساهمة بعدد أكبر من النسل في الجيل التالي مقارنة بغيره من التنوعات، ينتج عن ذلك حدوث تغير في التركيب العام لهذه المجموعة من الكائنات الحية، وهكذا نقول إنه حدث تطور. فضلاً عن ذلك، إذا ظهرت تنوعات وراثية جديدة بانتظام في هذه المجموعة من الكائنات (عن طريق الطفرة أو الهجرة)، فإن التطور يستمر دون توقف. تخيل طيوراً ذات عيون حمراء وأخرى ذات عيون زرقاء في مجموعة متكاثرة، وساعد الطيور ذات العيون الحمراء على التكيف على البيئة بشكل أفضل. ستجد أنه بمرور الزمن سيكون أغلب أفراد هذه المجموعة أو جميعهم ذوي عيون حمراء. ثم إذا حدثت طفرة أنتجت أفراداً Mutants ذوي عيون خضراء يتكيفون على البيئة أفضل من أصحاب العيون الحمراء، سيصبح النوع كله ذا عيون خضراء. وهكذا يكون التطور قد خطا خطوتين صغيرتين إضافيتين».

هذا التفسير صحيح إلى حد كبير. ولكن يبدو أنه لا يزيد عن كونه وصفاً للميكرو تطور. فإن كان لدينا طيور عيونها حمراء وأخرى عيونها زرقاء في المجموعة الأصلي، فكل ما يفعله “ويلسون” أنه يصف التغير التكراري الذي لا جدال عليه (المذكور أعلاه فيما يختص بعصافير داروين). وهكذا يتجنب “ويلسون” تماماً سؤال ما إذا كانت الآلية التي يصفها تتحمل كل المسؤولية الإضافية الملقاة عليها في أي محاولة لفهم التطور فهماً كاملاً. فكيف يجيب مثلاً عن سؤال: «من أين أتت الطيور أساساً؟» إنه يزعم في موضع آخر من مقاله أن الانتخاب الطبيعي مسؤول بالفعل عن ذلك. فهو يقول مثلاً: «كل العمليات البيولوجية نشأت بتطور هذه الأنظمة الفيزيائية – الكيميائية بواسطة الانتخاب الطبيعي.» ويقول أيضاً إن البشر «انحدروا من حيوانات بفعل القوة العمياء نفسها التي أنتجت تلك الحيوانات.»

وكما هو الحال في تعريف “ويلسون”، كثيراً ما يتردد أن الانتخاب الطبيعي نفسه واضح في حد ذاته ولا يحتاج لدليل. ويعبر “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية عن ذلك في مقولته النموذجية عن التطور على هيئة حجة استنباطية كما يلي:

– كل الكائنات الحية لا بد أن تتكاثر.

– كل الكائنات الحية تظهر فيها تنوعات وراثية.

– التنوعات الوراثية تختلف من حيث أثرها على التناسل.

– إذن التنوعات التي تنتج آثاراً مرغوبة على التناسل هي التي تنجح والتنوعات التي تنتج آثاراً غير مرغوبة تفشل، فيحدث تغير في الكائنات الحية.

ولذلك، فالانتخاب الطبيعي يصف عملية إزالة صفة ما تنتج نسلاً أضعف في مجموعة من الكائنات الحية، والإبقاء على الأقوى.

وحجة “باترسون” تتلخص في أن الانتخاب الطبيعي على هذا النحو ليس نظرية علمية في حقيقة الأمر، بل حقيقة ثابتة لا تحتاج أن نقولها لأنها معروفة للجميع. أي أننا إن اتفقنا على النقاط الثلاث الأولى، فالنقطة الرابعة تترتب عليها منطقياً. وقد قدم داروين نفسه حجة مشابهة في الفصل الأخير من كتاب “أصل الأنواع”. ويشير “باترسون إلى أن «هذا يوضح أن الانتخاب الطبيعي لا بد أن يحدث ولكنه لا يعني أن الانتخاب الطبيعي هو المسبب الوحيد للتطور، وعندما يعمم الانتخاب الطبيعي بحيث يمثل شرحاً لكل التغير التطوري أو لكل خاصية من خواص كل كائن حي، يصبح بذلك تفسيراً شاملاً مثل التنجيم وعلم النفس الفرويدي[2]». وبذلك يبدو أن “باترسون يشير إلى أن الانتخاب الطبيعي لا يفي بمعيار “بوير” المتعلق بقابلية أي فكرة لأن يثبت خطؤها، تماماً كما لا يمكن إثبات خطأ قول “فرويد” بأن سلوك الشخص الراشد ينتج عن صدمة في الطفولة. ويحذرنا “باترسون” من خطورة التسرع في إلصاق علامة “الانتخاب الطبيعي” بهذا المعنى التعميمي على عملية ما، معتقدين أننا بذلك نشرح تلك العملية.

ووصف “باترسون” يبرز شيئاً نغفل عنه بكل سهولة، ألا وهن أن الانتخاب الطبيعي لا يملك أي قدرات خلاقة. لكنه كما يقول “عملية إزالة تبقي على النسل الأقوى. والنسل الأقوى لا بد أن يكون موجوداً من الأصل، أي أنه لا ينتج من الانتخاب الطبيعي. بل إن كلمة “انتخاب” نفسها لا بد أن تلفت انتباهنا إلى أن: الانتخاب يتم بين كيانات موجودة أصلاً. وهي نقطة في غاية الأهمية لأن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” غالباً ما يستخدم وكأنه يصف عملية خلاقة، ومن أساليب التعبير عن ذلك أن تبدأ كل كلمة في تعبير “الانتخاب الطبيعي” الإنجليزي بحرف كبير. وهو أسلوب مضلل للغاية كما يتضح من العبارة الثاقبة التي يقولها “جرد مولر” Gerd Muller الخبير في علم الأحياء النمائي التطوري[3] EvoDevo، وهي نظرية يتزايد تأثيرها تجمع بين نظرية التطور وعلم الأحياء النمائي وتهدف إلى ملء بعض الفجوات في الداروينية الحديثة النموذجية. ويكتب “مولر” قائلاً: «النظرية الداروينية الحديثة النموذجية لا تتناول سوى القليل من العمليات المذكورة أعلاه، وهي تعنى أساساً بالتكرارات الجينية Gene frequencies في مجموعات الكائنات الحية، وبالعوامل المسؤولة عن تنوعها وثباتها. ورغم أنها على مستوى النمط الظاهري[4] Phenotypic تتعامل مع ما يطرأ من تغير على الأجزاء الموجودة، فهي لا تهدف إلى تفسير منشأ هذه الأجزاء، ولا تركيبها Morphological organization، ولا ظهور شيء جديد. وفي عالم الداروينية الحديثة يعتبر الانتخاب الطبيعي هو العامل المحرك للتغير في التركيب، وهو أيضاً الذي يفسر تغير الأجزاء وفقدها. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يتمتع بأي قدرة خلاقة، ولكن كل ما يفعله أنه يمحو ما هو موجود أو يبقى عليه. ومن ثم فالجوانب التوليدية والتنظيمية في تطور التركيب لا وجود لها في نظرية التطور.»

وهكذا يؤكد “مولر” ما يمليه علينا المنطق، واللغة: الانتخاب الطبيعي، بطبيعته، لا يخلق أي جديد. وهو ما يتناقض كلية مع تصريح “ريتشارد دوكينز” الجريء الذي أوردناه سابقاً بأن الانتخاب الطبيعي يفسر شكل كل الأحياء ووجودها. وهذا التعارض الحاد في الآراء حول الأطروحة المحورية للداروينية الحديثة يثير أسئلة مزعجة حول متانة أساسها العلمي ويدفعنا لمزيد من البحث.

ننتقل الآن إلى الفكرة القائلة بأن التنوعات الوراثية التي يؤثر فيها الانتخاب الطبيعي هو طفرات عشوائية في المادة الوراثية للكائنات الحية. إلا أن “دوكينز” وغيرها حريصون على أن ينبهونا إلى أن التطور نفسه ليس عملية عشوائية محضة. فهو منبهر جداً بحسابات الاحتمالات الرياضية حتى إنه يرفض أي فكرة تلمح إلى أن العين البشرية مثلاً تطورت بمحض الصدفة في الزمن المتاح. وهو يكتب بأسلوبه منقطع النظير: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين وهو: لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة، لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية». فما الحل إذن؟ إن الانتخاب الطبيعي عملية تشبه القانون تغربل الطفرات العشوائية بحيث يصبح التطور مزيجاُ من الضرورة والصدفة. وهم يقولون لنا إن الانتخاب الطبيعي سيجد طريقاً أسرع بفضل مدى الاحتماليات Space of possibilities. ومن ثم، تتلخص الفكرة في أن عملية الانتخاب الطبيعي التي تشبه القانون تزيد الاحتمالات لمستويات مقبولة على مدار الزمن الجيولوجي.

وللتعبير عن ذلك ببساطة أقول إن جوهر الحجة هو أن الانتخاب الطبيعي يفضل النسل القوي على الضعيف عندما تكون الموارد محدودة. وهو يساعد في الاحتفاظ بأي طفرة نافعة. والكائنات التي تحوي هذه الطفرة تبقى على قيد الحياة أما الكائنات الأخرى تندثر. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يحدث الطفرة. ولكنها تحدث بالصدفة. وكمية الموارد (الغذاء) المتاحة تمثل واحدة من القياسات المتغيرة في هذا الموقف. وقد خطر على بالي بصفتي عالم رياضيات أه من المثير أن نتخيل ما سيحدث لو سمح لهذا المتغير بالزيادة. وأنا أدعوك لإجراء تجربة فكرية. تخيل أن الموارد تتزايد أي أن الطعام متاح للجميع، للأقوياء والضعفاء على حد سواء. وتزايد الموارد يؤدي إلى تقليص دور الانتخاب الطبيعي لأن معظم النسل سيظل باقياً على قيد الحياة. فما قول الداروينيين الجدد في هذا الموقت؟ هل سيقولون إن احتمالات حدوث التطور ستتضاءل بناء على اعتقادهم بأن الانتخاب الطبيعي هو العامل الرئيسي وليس الصدفة؟ وذلك لأن الصدفة في هذا الموقف الافتراضي هي التي ستقوم بالمهمة كلها، والداروينيون الجدد يستبعدون الصدفة من القضية.

عندما فكرت في ذلك تيقنت أن هذه الفكرة لا بد أن تكون قد خطرت على بال أحد من قبل، وهو ما حدث فعلاً. فعالم الكيمياء البريطاني “آر. إي. دي كلارك” R. E. D. Clark لفت الأنظار سنة 1966 إلى أن داروين انزعج من خطاب أرسله إليه عالم النبات الشهير “جوزيف هوكر” Joseph Hooker سنة 1862 حيث طرح حجة تبين أن الانتخاب الطبيعي ليس عملية خلاقة بأي معنى من المعاني. إلا أن “كلارك” كان عليه أن يعيد بناء حجة “هوكر” من رد داروين لأنه اعتقد أن خطاب “هوكر” الأصلي فقد. ولكن خطاب “هوكر” لم يفقد، ويقول فيه: «أنا ما زلت مصراً على عجز عملية التهجين فيما يتعلق بأصل الأنواع. وإني أرى أن التنوع الوراثي Variation في [الحيوانات] بلا حدود. وعليك أن تتذكر أنه لا التهجين ولا الانتخاب الطبيعي أنتجا ما نراه بين البشر من اختلافات عديدة، بل ما أنتجه هو ببساطة التنوع الوراثي. مؤكد أن الانتخاب الطبيعي أسرع بالعملية وأكسبها قوة (إن جاز التعبير)، ونظم المسارات والأماكن…. إلخ التي اتخذتها العناصر البشرية، وعدد كل منها وما إلى ذلك، ولكن في وجود فردين يتمتعان بالقدرة على التكاثر، وإطار [زمني] متسع جداً للإنجاب، بحيث لا يفقد أي من التنوعات الوراثية على الإطلاق. وباختصار الانتخاب الطبيعي لا يطلب منه أن يلعب أي دور على الإطلاق. وإني أعتقد أنك بعد مئات الأجيال سترى أفراداً مغايرين مختلفين كلية بعضهم عن بعض، وكأن الانتخاب الطبيعي قضى على النصف.

«ما أن تعتبر أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يحدث اختلافاً، أي أن يخلق شخصية، ينهار تعليمك بالكامل. فالانتخاب الطبيعي عاجز عجز المسببات الفيزيائية عن إنتاج تنوع وراثي، وقانون أن “الشيء لا ينتج مثيله” هو ما يكمن وراء كل ذلك، وهو مبهم إبهام الحياة نفسها. وهذا هو ما أشعر أنا وكذلك “لايل” Lyell إنك فشلت في توصيله بوضوح كاف لنا وللعامة، وهذا ما يفسر خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي لتعليمك. فقد كان حري بك أن تبدأ بمهاجمة التعاليم القديمة الزائفة التي تقول إن «الشيء ينتج مثيله.» وكان يجب أن تخصص الفصل الأول من كتابك لهذا الموضوع فقد دون غيره. ولكني الآن أرى أن الاعتراض عليك ينطوي على شيء من الصحة من حيث إنك تجعل من الانتخاب الطبيعي حلاً للمعضلة Deus ex machine لأنك تتجاهل التفكير في حقائق التنوع الوراثي المستمر بلا حدود. إن أبناءك الثمانية مختلفون تماماً عن بعضهم البعض، وليس بينهم وجه شبه واحد. كيف؟ ستجيب أنهم يظهرون الاختلافات الموروثة من أجدادهم المختلفين. حسناً، ولكن ارجع من الزمن للوراء، واستمر في الرجوع حتى تصل في النهاية إلى الزوجين الأصليين اللذين انحدرت منهما لتعرض أصل الاختلافات، ولا بد أن تسلم منطقياً إما بأن الاختلافات بين [الذكر] و[الأنثى] الأصليين في النوع الذي تنتمي إليه تساوي مجموع الاختلافات الشاسعة بين معظم أفراد نوعك الموجودين حالياً المختلفين بعضهم عن بعض، أو أن هؤلاء نتجوا عن قانون أصيل كان يحكمهم. والآن ألست قاسياً في إلقاء هذه المحاضرة عليك بهذه البساطة؟»

ومن المهم أن نلاحظ القوة التي يكتب بها “هوكر” عندما ينسب «خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي» لداروين إلى فشله في التعامل مع هذه الحجة. وقد أتى رد داروين في خطاب (بعد 26 تشرين الثاني/نوفمبر ولكن محرر فعلياً بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1862). «ولكن الجزء الذي أدهشني فعلياً في خطابك وقلب كياني رأساً على عقب هو الذي ذكرت فيه أن كل اختلاف نراه يمكن أن يكون قد حدث دون أي انتخاب. وإني كنت وما زلت متفقاً تماماً في ذلك. ولكنك أحطت بالموضوع إحاطة تامة ورأيته من زاوية جديدة ومعاكسة كلية. وكم كانت دهشتي عندما أخذتني إلى هذه الزاوية. ولكني عندما أقول إني متفق، لا بد أن أشترك أنه بناءً على منظورك يبقى كل شكل متكيفاً على ظروف معينة ثابتة، وأن ظروف الحياة تتغير على المدى البعيد. وثانياً، وهو الأهم، أن كل شجرة على حدة هو كائن خنثوي ذاتي التخصيب. ومن ثم، كل تنوع قيد الشعرة لا يفقد عند تزاوج أفراد من عناصر أو سلالات مختلفة. إن أسلوبك في عرض القضية يمكن أن يكون أكثر إثارة مما هو عليه بالفعل إن تمكن العقل من التعامل مع هذه الأرقام، وهو ما يشبه التعامل مع ما لا نهاية. تخيل ألف بذرة تنتج كل منها نباتاً من نوعها، ثم ينتج كل منها ألفاً، سرعان ما ستغطي النباتات كرة أرضية ممتدة إلى أبعد نجم. ولكني لا أستطيع تتبع هذه الفكرة المعقدة ولا حتى مع سلالات الكلاب، أو المواشي، أو الحمام، أو الدواجن. وهنا على الجميع أن يعترفوا بما يميز مثالك التوضيحي من إحكام دقيق ويدركوه. ومن يظنون، مثلك ومثل “لايل” أني أبالغ في اتخاذ الانتخاب الطبيعي حلاً يصدرون ضدي حكماً نهائياً. ولكني لا أعرف كيف كان يتأتى لي أن أستخدم جملاً أقوى في كل أجزاء كتابي. فكان يمكن اختيار عنوان أفضل كما أشرت. ولكن ما من أحد يعترض على الزراعيين عندما يستخدمون أقوى لغة للتعبير عما يقومون به من عمليات انتخاب، ولكن كل من يربي النباتات يعلم أنه ينتخب التغيير ولكنه لا ينتجه. وقد كان التحدي الأكبر أمامي على مدى سنوات أن أفهم التكيف، وهو ما جعلني أصر بقوة على الانتخاب الطبيعي، وإني واثق من صواب اعتقادي. وليغفر لي الله إطالتي، ولكنك لا تتخيل ما أثاره لدي خطابك من اهتمام، ومدى اهتمامي بالتوصل لأفكار واضحة بعد صدور كتابي الحالي».

واضح أن داروين يشعر بقوة الحجة التي يطرحها “هوكر” لدرجة أنه يتفق معها رغم اندهاشه من طريقة عرضها. وترجع أهمية الحجة إلى أنها تثير أسئلة جادة جداً عن الحجة التي تهدف لجعل احتمالات الماكرو تطور (أو التطور الجزيئي) مقبولاً في حدود الإطار الزمني الذي يقدمه لنا علم الكون المعاصر.

إلا أن حجة “هوكر” ليست التحدي الوحيد الذي يواجه الحجج التي تشبه الانتخاب الطبيعي بالقانون. فبعيداً عن حجة “هوكر” تماماً، سنطرح في الفصل العاشر منظوراً رياضياً لبعض السيناريوهات التي وضعها “دوكينز” وغيره لمحاكاة عمل هذه القانون، وسنكتشف أنها قاصرة لأسباب مختلفة تماماً.

وحجة “هوكر” لا تؤثر طبعاً على تنوعات (الميكرو تطور) التي لاحظها داروين. ولذلك فالسؤال التالي الذي يمكن طرحه هو عما إذا كانت هناك حدود لما يمكن للميكرو تطور تحقيقه.

حدود التطور:

رغم أن بعض علماء الأحياء يرفضون التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور، فالمصطلحان غالباً ما يستخدمان، إن جاز التعبير، للتمييز بين التطور على مستوى صغير لا ينتج أنواعاً بيولوجية جديدة والتطور على مستوى أعلى الذي ينتج أنواعاً بيولوجية، حيث يدور الجدل حول الخط الفاصل بينهما. وغالباً ما ترجع مقاومة هذه التفرقة إلى أن عملية التطور ينظر إليها بصفتها كلاً متكاملاً بلا فواصل، أي أن الماكرو تطور هو ببساطة ما ينتج من عمليات الميكرو تطور التي تتم على مدار فترا زمنية طويلة. وهذا هو مقف “التدرجيين” Gradualists أمثال “دوكينز” وكذلك “دنت”. وهو ما يثير السؤال الجوهري حول ما إذا كان التطور بالفعل كُلاً متصلاً بلا فواصل، أي مثلاً ما إذا كانت آليات الانتخاب التي تفسر التنوعات في أطوال منقار العصفور أو تفسر تكون مقاومة للمضادات الحيوية في البكتيريا، يمكنها أن تفسر وجود العصافير والبكتيريا أصلاً. وباختصار فالسؤال الجوهري هو: هل للتطور “حدود”؟

لقد أوجز “روبرت وسون” Robert Wesspon قيمة التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور كما يلي: «ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى. ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد». على النقيض من ذلك، تنوعات الميكرو تطور الناتجة عن الطفرات والانتخاب الطبيعي كانت وما زالت قابلة للملاحظة.

وأي شخص ذكي ينظر من الخارج لهذه القضية يرى فيها صعوبة كبرى. ويعبر عنها “إيه. بي. هندري” A. P. Hendry وكذلك “إم. تي. كينيسون” M. T. Kinnison كما يلي: «غالباً ما يقسم التطور إلى فئتين: الميكرو تطور والماكرو تطور. وواضح أن الأول يعني قدراً صغيراً من التغيير والأخير يعني قدراً كبيراً. وتكمن الصعوبة في تحديد الفاصل بين الإثنين، وما إذا كانا يمثلان العمليات نفسها (باختلاف الإطار الزمني الذي يعمل فيه كل منهما)، وما إذا كان الفصل مفيداً أو سليماً في الأساس… هل أحداث الماكرو تطور (التغيرات التركيبية الكبرى أو نشوء أنواع بيولوجية جديدة) مجرد نتاج تراكمي لآليات الميكرو تطور (الطفرة الصغيرة Micro mutation، الانتخاب، تدفع الجينات Gene flow، الانحراف الجيني) أم أن الماكرو تطور يتطلب آلية مختلفة نوعياً؟ وتاريخ هذا النقاش طويل ومعقد وأحياناً ما يثير غضب الأطراف بعضهم نحو بعض».

ومن المشكلات الواضحة هنا أن استنتاج ما هو غير قابل للملاحظة مما هو قابل للملاحظة محفوف بالمخاطر. ولذلك، يقول “س. ف. جيبرت” S. F. Gibbert وأيضاً “ج. م. أوبيتس” J. M. Opitz وكذلك “ر. أ. راف” R. A. Raff إن «الميكرو تطور يعنى بعمليات التكيف التي تختص فقط ببقاء الأصلح، وليس بقدوم الأصلح. كما يشير “جودوين” Goodwin (1995) قائلاً: «أصل الأنواع الذي هو مشكلة داروين، لم تحل حتى الآن». وكأنه يردد حكم عالم الوراثة “ريتشارد جولدشميت” Richard Goldschmidt: «الحقائق المختصة بالميكرو تطور لا تكفي لفهم الماكرو تطور». بل إن “جون مينارد سميث” John Maynard Smith ومعه “إي. ساتماري” E. Szathmary، وكلاهما دارويني أصيل يتخذان منحى مشابهاً: «ما من سبب نظري يسمح لنا أن نتوقع أن مسارات التطور ستزداد تعقيداً بمرور الزمن، وما من دليل تجريبي أيضاً على حدوث هذا الأمر.»

ويرجح “سيجفريد شيرر” Siegfried Scherer من “الجامعة التقنية” Technical University في ميونخ أنه يمكن تصنيف الكائنات الحية إلى أصناف أساسية Basic types معينة، وهو تصنيف أوسع قليلاً من تصنيف الأنواع البيولوجية Species. وتعريف “الصنف الأساسي” هو: مجموعة من الكائنات الحية المتصلة على نحو مباشر أو غير مباشر بالتزاوج مع أفراد من نوع مختلف، بصرف النظر عما إذا كان النسل الهجين عقيماً أم لا. وهذا التعريف يجمع بين المفاهيم الوراثية والتركيبية للنوع البيولوجي. ويرى “شير” أن الأبحاث حتى الآن تبين أنه «من المؤكد أن كل التنوعات الوراثية بقيت محصورة داخل حدود الأصناف الأساسية، وذلك بناء على عالم الميكرو تطور كله الخاضع للتجريب (بما في ذلك أبحاث التهجين الصناعي وتكوين الأنواع).»

وتؤكد هذه التعليقات رأي عالم الأحياء والفيلسوف “بول إريريش” Paul Erbrich: «آلية الطفرة – الانتقاء MutationSelection عبارة عن آلية لتحقيق الصورة المثلى Optimization.» أي أنها تمكن نظاماً حياً موجوداً أصلاً من أن يتكيف انتقائياً مع الظروف البيئية المتغيرة كما تعمل الخوارزميات الجينية على تحقيق الصورة المثلى في الهندسة. ولكنها لا تخلق شيئاً جديداً.

ومن علماء الأحياء البارزين الذين قادتهم أبحاثهم إلى الاقتناع بمحدودية الطفرة والانتخاب الطبيعي، ومن ثم إلى رفض الداروينية الحديثة هو “بيير جراسيه” Pierre Grasse بجامعة السوربون في باريس وقد كان رئيس “الأكاديمية الفرنسية” Academie Francaise ومحرر المرجع المكون من 28 جزءًا بعنوان “شرح متعمق لعلم الحيوان” Traite de Zoologie، وهو من المراجع الموثوقة. وقد عبر عالم الوراثة العظيم “ثيودوشس دويجانسكي” Theodosius Dobzhansky عن احترامه الشديد لرأي “جراسيه”: «يمكن للمرء أن يختلف مع “جراسيه”، ولكن لا يمكنه أن يتجاهله… فمعرفته بعالم الكائنات الحية معرفة موسوعية». وقد وصف كتاب “جراسيه” «تطور الكائنات الحية» L’evolution du vivant بأنه «ضربة قاصمة لكل أنواع الداروينية. وغرضه «تدمير أسطورة التطور باعتباره ظاهرة بسيطة مفهومة محددة» وإثبات أن التطور سر غامض لا يمكننا أن نعرف عنه إلا القليل». وأشار “جراسيه” في كتابه أن ذبابة الفاكهة تبقى ذبابة فاكهة رغم آلاف الأجيال التي تكاثرت منها وكل الطفرات التي دخلت عليها. فالحقيقة أن القدرة على التنوع في تجميعة الجينات Gene Pool تنضب في مرحلة مبكرة جداً من العملية، وهي ظاهرة يطلق عليها الاستتباب الوراثي Genetic Homeostasis. ويبدو أن هناك حاجزاً لا يستطيع التكاثر الانتقائي أن يتجاوزه إما لحدوث العقم أو لنفاذ القدرة على التنوع الجيني. فإن كان أمهر خبراء التكاثر لا يمكنهم إلا إنتاج قدر محدود من التنوع، فهذا يعني أن ما ينتجه الانتخاب الطبيعي أقل بكثير. ولذلك، بين أن الميكرو تطور لا يمكن أن يحمل العبء الذي غالباً ما يلقى على عاتقه.

والأبحاث التي أجريت مؤخراً على بكتيريا الإشريكيا القولونية E. Coli تؤيد هذا الموقف، حيث لم تلاحظ أي تغيرات جديدة حقيقة على مدى 25000 جيل في بكتيريا الإشريكيا. ويوضح عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” أنه حتى الآن خضع أكثر من 30000 جيل من بكتيريا الإشريكيا للدراسة وهو ما يعادل نحو مليون سنة بشرية، والنتيجة النهائية تبين أن التطور أنتج «في الغالب تدهوراً. ورغم أن بعض التفاصيل الهامشية لبعض النظم تغيرت على مدار الثلاثين ألف جيل، فالبكتيريا تخلصت من كميات من إرثها الجيني، بما فيه القدرة على صنع بعض العناصر الأساسية في الحمض النووي الريبوزي RNA. ويبدو أن التخلص من آلة جزيئية معقدة ولكنها مكلفة يوفر طاقة البكتيريا. أنا لم أر شيئاً بهذه العظمة. والدرس الذي نتعلمه من الإشريكيا القولونية أن الأسهل على التطور أن يكسر الأشياء لا أن يصنعها».

وهذه الملاحظة التي تتفق تماماً مع الخلاصات التي نستنتجها من حسابات “هويل” الرياضية تمثل أحد الأدلة التي يقدمها “بيهي” لإثبات أن الدراسات البيولوجية تبين أن التطور له “حدود” أي أن قدرة الانتخاب الطبيعية والطفرة قدرة محدودة. وهو يرى أن الأجدر بالعلماء أن يؤكدوا تلك الحدود طالما أن الأساس الجيني للطفرة مفهوم. وهو يطبق تلك المعرفة على حالة معينة كانت موضع دراسة عميقة، ويكتب قائلاً: «إن أفضل اختبار على الإطلاق للنظرية الداوينية هو تاريخ الملاريا وذلك بفضل ضخامة عدد أفرادها. وسرعة تكاثرها، ومعرفتنا بجيناتها.» يوضح “بيهي” أن مئات الطفرات المختلفة التي تزود الإنسان بشيء من المقاومة ضد الملاريا حدثت في الجينوم البشري وانتشرت بين أفراد جنسنا بالانتخاب الطبيعي. وهو يذكر أن هذه الطفرات حظيت بما تستحق من القبول بصفتها من أفضل الأمثلة على التطور الدارويني، إلا أن الأدلة تبين أيضاً وجود «حدود جذرية لفاعلية الطفرة العشوائية». وقد أسفرت هذه الدراسات عن نتائج غير متوقعة:

1 – العمليات الداروينية غير متسقة ومقيدة للغاية.

2 – الصراع بين المفترس والفريسة (أو الطفيل والعائل) الذي غالباً ما صوره الكتاب الداروينين على أنه دورة من سباق التسلح المنتج الذي يسفر عن تطورات على كلا الجانبين، هو في الواقع دورة مدمرة أشبه بحرب الخنادق حيث تتدهور الظروف…

3 – الطفرة العشوائية العمياء كالمخمور الذي يسير مترنحاً وعيناه معصوبتان فيسقط بعد خطوة أو اثنتين، فأغلب الظن أن الطفرة العشوائية تتعثر وتسقط قبل أن تتمكن من قطع المسافة المطلوبة لتحقيق التطور.

4 – البيانات المتعلقة بطفيليات الملاريا التي لا حصر لها تتيح لنا أن نقدر تقريبياً، ولكن يقينياً، حدود التطور الداوريني لكل الأحياء على وجه الأرض على مر مليارات السنين الماضية».

لقد تمكنت الملاريا من بناء مقاومة لعقار الكلوروكوين Chloroquine عن طريق طفرة اشتملت على تحول حمضين أمينيين. واحتمالات عدم حدوث ذلك تعادل حوالي واحد إلى مائة مليار مليار مليار (واحد إلى 2010، ولكنه حدث بسبب وجود عدد ضخم من الخلايا الطفيلية في جسم الشخص المصاب (حوالي تريليون) وحوالي مليار شخص مصاب في العالم كل عام. ويطلق “بيهي” على الطفرات العنقودية Mutation Clusters التي تبلغ هذه الدرجة من التعقيد المجموعات العنقودية بدرجة تعقيد الكلوروكين CCC-clusters (chloroquinecomplexity clusters). وقد توصل بحساباته إلى أنه علينا أن ننتظر مئة مليون سنة مضروبة في عشرة ملايين سنة، أي أكثر من عمر الكون بمئات الآلاف من السنين، إلى أن يحدث هذا النوع من الطفرة في الجنس البشري الذي يقل إجمالي عدده عن عدد الملاريا بكثير.

ويستنتج أنه لا يمكن أن نتوقع حدوث CCC مزدوج. (أي طفرة عنقودية تبلغ درجة تعقيدها ضعف تعقيد طفرة CCC العنقودية) نتيجة لعملية داروينية في أي مرحلة من تاريخ الحياة على الأرض. فإن وجدنا بالفعل خصائص للحياة تتطلب طفرة عنقودية بضعف تعقيد طفرة CCC أو أكثر، يمكننا أن نستدل أن هذه الخصائص لم تنشأ نتيجة عملية داروينية.» ثم يستطرد قائلاً: «إن الحياة تعج بمثل هذه الخصائص» مدللاً على ذلك بواحد من أمثلته المبهرة، ألا وهو أنظمة التحكم المذهلة، أو شبكات التنظيم الجينية Genetic Regulatory Networks التي تقوم بدور في تكوين أجسام الحيوانات.

ويلفت النظر إلى مشابهة طريقة إذ يقول «كما افترضت فيزياء القرن التاسع عشر أن الضوء ينتقل عبر الأثير، هكذا يفترض علم الأحياء الدارويني الحديث أن الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي مسؤولان عن تكوين الآلة المعقدة للخلية. ولكن للأسف، العجز عن اختبار النظرة حال دون تقييمها بشكل نقدي وأطلق العنان للتخمينات. إلا أنه في الخمسين سنة الأخيرة فقط أجرت الطبيعة نفسها بلا هوادة المعادل البيولوجي للتجربة المعروفة باسم “تجربة مايكلسون ومورلي” Michelson-Morley experiment. سمها تجربة M-H (الملاريا – فيروس نقص المناعة البشرية malaria-HIV). لقد جابت هذه التجربة أنحاء الكوكب بقوة تعادل قوة معاملنا الفقيرة مليار مرة بحثاً عن قدرة الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي على بناء آلة بيولوجية متسقة ولم تجد على الإطلاق. وهو ما لم نكن نتمنى أن تؤول إليه النظرية.

«فلماذا لا يوجد أثر لصانع الساعات الأعمى الضعيف؟ أبسط تفسير صانع الساعات الأعمى غير موجود، كالأثير».

ماذا يقول علماء الرياضيات؟

ازداد اهتمام علماء الرياضيات بعلم الأحياء، خاصة منذ ثورة علم الأحياء الجزيئي. وأصبح علم الأحياء الرياضي أحد العلوم التي تشهد نمواً سريعاً. ومن أولى المحاولات المهمة في هذا المضمار مناظرة رفيعة المستوى بين مجموعة من أبرز علماء الأحياء وعلماء الرياضيات المهتمين بعلم الأحياء. وقد تمت في “معهد ويستار” Wistar Institute في مدينة فيلادلفيا سنة 1966. وكانت محاولة عالم الرياضيات “ستانلي أولام” Stanley Ulam أن يعبر كمياً عن احتمالات إمكانية حدوث التطور التدريجي عن طريق تراكم الطفرات الصغيرة سبباً في استثارة حوار شيق بينه وبين عالمي الأحياء السير “بيتر مداوار” ورئيس المؤتمر “س. هـ. وادينجتون” C. H. Waddington. وكانت حجة “أولام” بناء على حساباته الرياضية أن احتمال تطور العين بواسطة عدد كبير جداً من التغيرات الطفرية الصغيرة هو احتمال مستبعد لأن الوقت المتاح غير متاح. فأجاب السير “بيتر مداوار” قائلاً: «أظن أن طريقتك في التعامل مع الموضوع هي عملية عكسية تثير اندهاشي حيث إنها تسير عكس عملية التفكير العلمي الطبيعية. فتطور العين هو حقيقة لا محالة، وتبين كما يقول “وادينجتون” أن هذه الصيغة [صيغة أولام] على ما أظن خاطئة.» ثم علق عالم الأحياء “إرنست ماير” Ernst Mayr قائلاً: «كل ما أقصده أن لدينا كمية كبيرة جداً من التنوع في كل هذه الأشياء حتى إننا إذا عدنا هذه الأرقام بشكل أو بآخر ستثبت صحة نظريتنا. وإننا لنشعر بارتياح لفكرة التطور».

يا له من حوار مذهل وكاشف. فبالتأكيد أنها «عملية عكسية تثير اندهاشي» تسير عكس العملية العلمية الطبيعية من حيث إنك تفترض مسبقاً أن ما تريد أن تثبت صحته هو صحيح من الأصل، وعلى أساس هذا الافتراض تكذب الأدلة المضادة له. وقد أظهر هذا الحوار أن علماء الأحياء في المؤتمر لم يحاولوا، بناء على الأدلة الرياضية، حتى أن يفكروا في احتمالية وجود أخطاء في افتراضاتهم التطورية.

ولكن حسابات “أولام” حظيت بتأييد “مارسيل – بول شوتسنبرجر” Marcel-Paul Schutzenberger أستاذ الرياضيات الفرنسي وعضو “أكاديمية العلوم الفرنسية” French Academy of Sciences. وقد اعترض على ما اعتبره قبولاً سهلاً جداً للتطور من جانب علماء الأحياء، حتى وإن “وادينجتون” تحداه قائلاً: «إن حجتك باختصار هي أن الحياة وجدت بالخلق الخاص»، وهو ما صاح ضده “شوتسنبرجر” وعدد من العلماء بالإجابة: “لا”. ويتضح من هذا الحوار أمران: أولاً، أن الرياضيين كانوا مصرين أن الدافع الوحيد وراء تفكيرهم هو العلم وليس أي شيء آخر. ثانياً، أن الحجج التي عرضوها تتفق مع الإيمان بوجود خالق، على الأقل حسب اعتقاد زملائهم بالبيولوجيين.

وقد أجرى عالم الرياضيات والفيزياء السير “فرد هويل” بعض الحسابات التي أدت به أيضاً إلى الشك في صحة تطبيق القواعد المختصة بالميكرو تطور على الماكرو تطور وخلص إلى أنه: «رغم أنه اتضح أن النظرية الداروينية لا يمكن أن تكون صحيحة في أهم جوانبها، ما زلت أرى صعوبة في قبول أن النظرية كلها خاطئة. فعندما تقوم الأفكار على ملاحظات، كما هو الحال في النظرية الداورينية، عادة ما تكون معقولة ومقبولة على الأقل في حدود الملاحظات. ولكن المشكلة تحدث عندما نتوصل إلى استنتاجات خارج إطار الملاحظات. ولذلك، فالقضية التي تطرح نفسها هنا هي تحديد مدى إمكانية قبول النظرية والسبب الذي أدى لعدم مقبوليتها عندما تجاوزت نقطة معينة».

والخلاصة التي توصل إليها “فرد هويل” من محاجاته الرياضية قاطعة بشكل لافت للنظر: «إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداورينية صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة. أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً، لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس. أما منشأ هذه الأشياء أصلاً فهو مشكلة لا بد من حلها أولاً مثل الكثير من المشكلات الضخمة».

وهكذا يكون “هويل” قد رفض الزعم الثاني لأنه لا يؤمن أن التطور يفسر وجود كل ما في الحياة من تعقيد.

سجل الحفريات:

تؤكد تعليقات “وسون” وغيره الفكرة القائلة بأن الميكرو تطور يعمل على نطاق محدود لدرجة أن سجل الحفريات لا يزودنا بأي نماذج قيمة للماكرو تطور. وهو ما يعد مدهشاً للكثيرين نظراً للانطباع السائد بين العامة أن سجل الحفريات من أقوى الأدلة على التطور. إلا أن هذا الانطباع لا يتفق مع كل ما تطالعنا به الكتابات العلمية. والحقيقة أنه من بادئ الأمر كان علماء الحفريات من أقوى معارضي داروين. وهو يشرح لنا بنفسه السبب وراء هذه المعارضة العنيفة، ألا وهو أن سجل الحفريات لا يحتوي على الأشكال الانتقالية التي قادته نظريته إلى توقعها. فقد كتب في “أصل الأنواع”: «عدد التنوعات المتوسطة Intermediate Varieties التي وجدت سابقاً على الأرض [يجب] فعلياً أن يكون عدداً يفوق الحصر. فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكد أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. يبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي». ويعلق عالم الحيوان “مارك ريدلي” Mark Ridley على هذا الموقف قائلاً: «إن سجل الحفريات الخاص بالتغير التطوري عبر أي سلسلة تطورية فقير للغاية. وإن كان التطور صحيحاً وإن كانت الأنواع تنشأ عن طريق تغيرات في أنواع أقدم، يجب أن نرى هذا في سجل الحفريات. ولكننا في الحقيقة نادراً ما نراه. وفي سنة 1859 لم يتمكن داروين من إيجاد نموذج واحد لذلك».

فما هي ثمرة هذا النشاط الدؤوب بعد قرابة قرن ونصف منذ عصر داروين؟ عالم الحفريات “دافيد روب” David Raup في “متحف فيلد للتاريخ الطبيعي” Field Museum of Natural History الذي يضم واحدة من أكبر المجموعات الحفرية في العالم يقول: «لقد مرة على داروين نحو 120 سنة ومعرفتنا بسجل الحفريات ازدادت بشكل ملحوظ. فنحن لدينا الآن ربع مليون من الأنواع البيولوجية المتحجرة في سجل الحفريات، ولكن الوضع لم يتغير كثيراً. أي أن سجل التطور ما زال متقطعاً على نحو مدهش، بل إن المضحك أن ما يتوافر لدينا الآن من نماذج للأشكال الانتقالية أقل مما وجد أيام داروين.»

وقد قال “ستيفن جاي جولد”: «ما زالت الأشكال الانتقالية في سجل الحفريات في منتهى الندرة، وكأنها ستظل دائماً سر المهنة في علم الحفريات». وقد أضاف نظيره “نايلز إلدردج” Niles Eldredge عالم الحفريات في “المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي” American Museum of Natural History: «عندما نرى بدايات عملية تطور جديدة، عادة ما يظهر فجأة، وغالباً دون دليل قوي على أن الحفريات لم تتطور في مكان آخر. والتطور لا يمكن أن يستمر إلى الأبد في مكان آخر. ولكن هذا هو ما صدم الكثير من علماء الحفريات في محاولاتهم اليائسة أن يعرفوا عن التطور من سجل الحفريات.»

والحقيقة أن “إلدردج” يعترف اعترافاً مذهلاً: «نحن علماء الحفريات قلنا إن تاريخ الحياة يؤيد [قصة التغير التكيفي التدريجي] رغم أننا كنا نعرف دائماً أنه لا يؤيدها.» فلماذا؟ ما السبب الذي يبرر لأعضاء مجتمع أكاديمي كتمان الحقيقة التي يعرفونها إلا إذا كانت تؤيد منظوراً فلسفياً قرروا من الأصل أن يرفضوه؟»

عما يكشف سجل الحفريات إذن؟ لقد كتب “جولد”: «يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجرة بخاصتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع:

1 – السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين أثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريباً منذ أن يظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدوداً ولا يسير في اتجاه محدد.

2 – الظهور المفاجئ Sudden Appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجياً بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتة ويكون “مكتمل التكوين”.

وعندما لاحظ “جولد” وكذلك “إلدردج” من قراءة سجل الحفريات فترات قصية من التغير السريع تتبعها فترات طويلة من السكون، قادهما ذلك لوضع نظرية “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibrium في محاولة لتفسير هذا النمط. وتتلخص النظرية في أن فترات السكون الطويلة تقطعها “قفزات” كبيرة مفاجئة ونادرة من الماكرو تطور. ويقدم “جولد” مثالاً مدهشاً لهذه القفزات في كتابه الأكثر مبيعاً “الحياة العجيبة” Wonderful Life حيث يشرح أن كل الشعب (المستويات التصنيفية وفقاً لعلم الأحياء) الكبرى الموجودة اليوم بالإضافة إلى الكثير غيرها مما تعرض للانقراض ظهرت على نحو مباغت جداً فيما يعرف باسم “الانفجار الكامبري” Cambrian Explosion. وطبعاً السؤال عن مسبب هذه “القفزات” المفاجئة قصة أخرى وتزيد من المعضلات التي يواجهها من يتمنون أن يثبتوا أن عمليات الميكرو تطور وسيلة كافية للتطور على نطاق كبير.

ومما يلفت الانتباه وقد يدعو للسخرية نوعاً ما أن المفكرين الماركسيين تبنوا نظرية التوازن المتقطع قبل أن يكون لها أي أساس في علم الأحياء بزمن طويل لأنها تبدو متناسبة مع أسلوب تفكريهم الديالكتيكي. (ويقصد بهذا الأسلوب إنه عدم اصطدام أطروحة Thesis بأطروحة مضادة Antithesis فالأطروحة المركبة Synthesis الجديدة الناتجة عن هذا الصدام تحدث بسرعة على هيئة قفزة لا على هيئة عملية طويلة تدريجية. وهو ما يعد مثالاً آخر على تأثير المنظورات الفلسفية والأيديولوجيات على العلم.)

أما “سيمون كونواي موريس” الأستاذ بجامعة كامبريدج وزميل الجمعية الملكية فهو أقل تشدداً من “جولد” في استخدام فكرة الانفجار الكامبري في منهجه، ولكنه رغم ذلك يعتقد أن هذا الانفجار حدث بالفعل: «يمكننا أن نلاحظ اليوم الأشكال الانتقالية بين الأنواع البيولوجية، ويمكننا الاستدلال على وجودها في الماضي. إلا أن النتيجة النهائية أبعد ما تكون عن لوحة على نسيج متصل بلا فواصل تتيح للباحث أن يقرأ “شجرة الحياة”[5] Tree of Life ببساطة عن طريق العثور على الأشكال المتوسطة، سواء الحية منها أو المنقرضة، التي يفترض أنها تربط بين كافة الأنواع البيولوجية. بل على العكس، فمايز الأشكال العضوية بعضها عن بعض وغياب الأشكال المتوسطة بوجه عام يبهر علماء الأحياء».

ونظرية التوازن المتقطع تتناقض كلية مع المنهج التدرجي الذي يتبعه “الداروينيون المتشددون” Utlra-Darwinians مثل “جون مينارد سميث”، و”ريتشارد دوكينز”، و”دانيل دنت”. وقد كان السجال بين الفريقين ضارباً في بعض الأحيان، فالتدرجيون كما رأينا يؤمنون أن الميكرو تطرو بصبح مع الوقت ماكرو تطور. ومن ثم فهم يعتقدون أن التراكم البطيء للخطوات التطورية متناهية في الصغر على مدار الأزمنة الجيولوجية Aeons يمكن أن يكون خطوة كبيرة جديدة. وعالم الحفريات “نايلز إلدردج” يتهمهم بضعف معرفتهم في علم الحفريات. وحجته في ذلك أن التدرجيين مهتمون بفهم كيفية تغير المعلومات الوراثية عبر الزمن، ثم يؤكدون ببساطة أن «التاريخ التطوري نتاج عمل الانتخاب الطبيعي في التنوع الوراثي المتاح». أي أنهم يستنتجون ببساطة ما حدث عبر الزمن الجيولوجي الماضي مما يلاحظونه في الحاضر. ويستطرد “إلدردج” قائلاً: «وهذا في نظري، بصفتي عالم حفريات، أسلوب غير ناجح. فلا يصح التوصل ببساطة إلى استنتاجات عن حالة معينة بناء على معلومات معروفة مسبقاً عن حالة أخرى. وهو ما اكتشفه في ستينات القرن العشرين عندما حاولت عبثاً رصد أمثلة للتغير البطيء الذي يسير في اتجاه محدد الذي اعتقدنا به جميعاً منذ أخبرنا داروين أن الانتخاب الطبيعي يجب أن يترك هذه العلامة الواضحة الكاشفة على وجه التحديد… ولكن ما اكتشفه أنه عندما تظهر الأنواع البيولوجية في سجل الحفريات غالباً ما لا يطرأ عليها تغير يذكر. فالواقع أن الأنواع تظل حتى النهاية تقاوم التغير في سكون وثبات، وغالباً ما يستمر ذلك ملايين السنين.»

ويؤيد “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية هذا الحكم اللافت للنظر من حيث إنه يتناقض مع الفهم الشائع عن الحفريات: «أتجاسر وأؤكد عدم وجود مثل هذه الحفرية [حفرية تعبر سلفاً للأنواع أو نوعاً انتقالياً] يمكنني أن أبني عليها حجة محكمة». والمدهش أن “باترسون” صرح بذلك في سياق حديثه عن طائر الأركيوبتريكس Archaeopteryx الذي كانت بقاياه المتحجرة في عهدة “باترسون” في متحف التاريخ الطبيعي والتي غالباً ما يستشهد بها باعتبارها نوعاً انتقالياً بين الزواحف والطيور. وهذا هو أحد الأسباب التي تبين أهمية التمييز بين مفهومي الأشكال المتوسطة Intermediate والأشكال الانتقالية Transitional. فالشكل المتوسط هو تحديداً شكل يمكن وضعه “بين” بندين: البند (أ)، والبند (ب) من التصنيف نفسه، وفقاً لمعايير نمط معين في التصنيف، دون أن يعني ذلك أنه انحدر من (أ) وأنه سبق (ب). ولا يصبح الشكل المتوسط انتقالياً إلا إذا ثبت أنه انحدر من (أ) وأنه سلف (ب). وإثبات هذه العلاقات يتطلب طبعاً إثبات آلية معينة ضرورية لحدوث هذه العملية.

والآن كثيراً ما نقرأ أن سجل الحفريات قد يكون غير مكتمل، وخاصة لأن أعضاء الجسم الطرية لا تتحجر بسهولة لأسباب مفهومة. إلا أن علماء الحفريات على وعي تام بهذه الحقيقة، ولكنهم مع ذلك يعتقدون أن نقص سجل الحفريات لا يمكن أن يكون هو القصة الكاملة. فمثلاً “جيمز فالنتاين” James Valentine يكتب في دراسة مهمة بعنوان “في أصل الشُعب البيولوجية” On the Origin of Phyla: «الكثير من الفروع [في “شجرة الحياة”]، الكبير منها والصغير، مجهول الأصل (لا يمكن معرفة أسلافه). والمؤكد أن بعض هذه الفجوات نتجت عن نقص سجل الحفريات (الفصل الخامس)، إلا أنه ليس السبب الوحيد لعدم معرفتنا بأصل بعض الفصائل، والكثير من رُتب اللافقاريات، وكل طوائف اللافقاريات، وكل الشُعب الحيوانية.»

ويجب أن نشير أيضاً في هذا الصدد إلى أنه بالرغم من أن أعضاء الجسم الطرية نادراً ما تحفظ في سجل الحفريات، فقد ظهرت اكتشافات حديثة مذهلة تبين وجود أجنة الإسفنج في السجل في العصر ما قبل الكامبري Percambrian بالقرب من “تشنجيان” في الصين. ويرى عالم أحياء الحفريات البحرية “بول شين” Paul Chien وزملاؤه أن وجود هذه الأجنة يخلق مشكلة حقيقية: إن كانت طبقات ما قبل الكامبري قادرة على الاحتفاظ بأجنة طرية لبعض الكائنات، فلماذا لا تحتوي أيضاً على دلائل على حيوانات العصر الكامبري؟ فإن احتفظ السجل بأجنة رخوة، ألا يجب بالأحرى أن يحتفظ بحيوان كامل النضج؟

وبالطبع تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تفسير سجل الحفريات يزداد تعقيداً بسبب الاعتبارات الوراثية. وحالياً تجرى دراسات مكثفة على الارتباط بين الجينات والتركيب Morphology (وخاصة الجينات الناحتة Hox genes) ويرجح البعض مثل “سيمون كونواي موريس” أنه بمجرد أن تظهر في حيز الوجود الحيوانات التي تتميز بدرجة كبيرة من التعقيد، عندئذ قد تستثير التغيرات الوراثية الصغيرة نسبياً تغيرات تركيبية كبيرة نوعاً ما. ولكنه مع ذلك يحذر قائلاً: «رغم أن القليلين يشكون أن الجينات تتسبب في تكوين الشكل، فنحن حالياً نكاد نجهل كيفية نشوء الشكل فعلياً في الشفرة الجينية». وهذه الملاحظات تؤكد أهمية مسألة أصل الشفرة الجينية نفسها في المناقشة بأكملها، وهو ما سنخصص له الفصل الثامن.

ولكن ماذا يستفيد غير المتخصصين من سجل الحفريات؟ مؤكد أنه ما دام عدد من المفكرين العظماء كالذين استشهدنا بهم يعبرون على الملأ عن شكوكهم في النواحي التأسيسية للنظرية، وخاصة فيما يتعلق بتطبيق قواعد الحاضر على الماضي، فهذا يبين على الأقل أن الحفريات لا تدعم النظرية الداروينية الحديثة على مستوى الماكرو تطور الذي غالباً ما يزعمه أنصار النظرية.

وبالتالي من المؤكد أنه يتضح من المناقشة السابقة أن أقل ما يقال عن الماكرو تطور إنه لا يمكن أن يوضع في الفئة التي يدعيها له “ليونتن”، وكذلك “دنت” وغيرهما. ولدينا الآن سببان مهمان يؤكدان أن الماكرو تطور لا يمكن أن يوضع في نفس مستوى دوران الأرض حول الشمس. السبب الأول أن الزعم القائل بدوران الأرض حول الشمس هو أمر ثبت بالملاحظة. وواضح أن هذا لا ينطبق على زعم “ليونتن” بأن «الطيور نشأت من “اللاطيور”» (أياً كانت الأخيرة). فهذه العملية لم تخضع للملاحظة مطلقاً. والسبب الثاني أن حقيقة دوران الأرض حول الشمس ليست مسألة ملاحظة فحسب، ولكنها أيضاً مسألة ملاحظة متكررة. ولكن زعم “ليونتن” عن أصل الطيور يرتبط بحدث ماض غير متكرر وغير قابل للملاحظة. ووضع ظاهرة غير قابلة للملاحظة أو التكرار في فئة الظواهر المتكررة والقابلة للملاحظة خطأ مشين حتى إن المرء لا يسعه إلا أن يستنتج أن خوف ليونتن من وجود بصمات إلهية، كما سبقت الإشارة، يلعب دوراً محورياً، وأن حكمه المادي المسبق يطغى على الحس (العلمي) السليم.

القرابة الوراثية: اعتراض مهول؟

بوصولنا لهذه المرحلة، إن لم يكن قبلها، لابد أن البعض بدأوا يتهموننا بأنه فاتنا أن نأخذ في الحسبان أكبر وأوضح اعتراض على فكرة محدودية التطور الدارويني. ويقوم هذا الاعتراض على بعض الأساليب الحسابية المعقدة التي تستخدم لمقارنة بينة سلاسل الـ DNA في مجموعة من الكائنات. وقد كشفت هذه الحسابات عن تماثلات مذهلة بين المحتويات الجينية Genomes، مع امتدادات طويلة من الـ DNA في كائنات مختلفة تكاد تكون متماثلة. ويقال إن هذه الدراسة التي تسير بالاستقلال عن سجل الحفريات والتشريح المقارن تكشف دون شك علاقة القرابة الوراثية Genetic Relatedness الحميمة بين كافة الكائنات الحية، وتمكننا من وضع هذه الكائنات على شجرة أسلاف واحدة. ويقال إن هذا النصر الساحق الذي حققه علم الأحياء الجزيئي يشكل أعظم دليل على صحة التركيب الدارويني الحديث.

إلا أنه لو كان ما ناقشناه حتى الآن في هذا الفصل يحمل أي شيء من الصحة، فالتصريح الأخير يتجاوز الدليل بكثير. فالقول بالقرابة الوراثية يختلف تماماً عن القول بأن الطفرة والانتخاب الطبيعي هما الآليتان الوحيدتان المسؤولتان عن إنتاج تلك القرابة. فمثلاً “بيهي” لا يبدي أدنى اعتراض على الزعم الأول، إلا أن أبحاثه والحجج السابقة تبين أنه بما أن التطور محدود، إذن العوامل المسؤولة عن تكوين القرابة الوراثية أكثر بكثير من الانتخاب والطفرة. أي أن التركيب الدارويني الحديث لا يمكنه أن يتحمل كل العبء الوراثي الملقى على عاتقه. ولكن مطلوب ما هو أكثر من ذلك، وهذا الأكثر هو مدخلات من ذكاء مصمم.

ولكن قبل الاسترسال في تلك المسألة يجب إبداء بضع ملاحظات على القرابة الوراثية. فعالم الحيوان “مارك ريدلي” يلفت النظر لملحوظة مهمة بخصوص القرابة في المطلق، وهي ملحوظة مألوفة لعلماء الرياضيات: «إن المبدأ البسيط الخاص بإمكانية تصنيف الأنواع بشكل هرمية إلى أجناس، وفصائل، وهكذا، لا يعتبر حجة مؤيدة للتطور. فمن الممكن تصنيف أي مجموعة أشياء تصنيفاً هرمياُ، سواء أكان ما بينها من تنوع هو تنوع تطوري أو غير ذلك». فالسيارات مثلاً يمكن ترتبيها هرمياً. ولكن كل السيارات تتشابه في أجزاء معينة لأن تلك الأجزاء أساسية لعملها، ولأنها مركبة وفقاً لتصميم مشترك، لا لأنها انحدرت من بعضها البعض.

ومن هذا المنظور، يمكن إذن قراءة التشابهات بين سلاسل الـ DNA منطقياً باعتبارها دليلاً على تصميم مشترك. والسلف المشترك يمكن أن يكون مصمماً أيضاً، أي أن المفهومين لا يلغي أحدهما الآخر. ورغم اختلاف “فرانسيس كولينز” مع “بيهي” فيما يختص بحدود التطور، فهو يرجح أنه رغم أنه من منظورنا «يبدو أن التطور مدفوع بالصدفة، ولكن الناتج محدد بدقة من منظور الله». وكذلك “سيمون كونواي موريس” عالم أحياء الحفريات التطوري بجامعة كامبريدج غير راض عن اختزالية الداروينيين المتشددين الذين «بعد أن شيدوا نظاماً طبيعياً لا يمكنه أن يحوز في نفسه أي غرض نهائي، وما زالوا يسمحون لفكرة المعنى أن تسلل ثانية إلى منظومتهم». ويعتقد “كونواي موريس” بوجود نوع من التشابه بين علم الأحياء والضبط الدقيق في الفيزياء الذي ناقشناه في الفصل الرابع، ويستشهد بتأكيد “فان تيل” Van Till أن “الدقة المتناهية” اللازمة لنشأة الحياة لا تقتصر على القيم الرقمية لقياسات معنية، ولكن مشروع تكوين الكون بأكمله لا بد أن يكون “في منتهى الدقة”. ويخلص “كونواي موريس” إلى أنه «ليس الكون فقط هو ما يتلاءم مع غرض معين بشكل مدهش، ولكن أيضاً قدرة الحياة على الإبحار تجاه الحلول الصحيحة، كما بينت عبر صفحات هذا الكتاب». ومؤكد أن هذا الوصف لا ينطبق على صانع ساعات أعمى، بل على بحار حاد البصر.

ويعالج “كونواي موريس” في كتاب أحدث ظاهرة التقارب التطوري Evolutionary Convergence: «حقيقة إنه كلما ازدادت معرفتنا وخاصة في الكيمياء الحيوية ووظيفة البروتين، ازدادت دهشتي. فإن كان صانع الساعات أعمى، فلا شك أنه يملك طريقة دقيقة جداً تمكنه من معرفة الطريق وسط متاهة الفضاء البيولوجي الشاسعة. وحتى إن لم يكن يعلم وجهته، فهل من كائن آخر أعلى يعلم؟» ومن ثم يعبر “كونواي موريس” عن ذهوله قائلاً: «ودائماً ما يميلون في مفرداتهم إلى استخدام الصفات المبهمة: “مدهش”، “مذهل”، “مثير”، “لافت للنظر”»، أو حتى “غريب”، “محير”، وكلها تعبر عن ردود الأفعال المتداولة في لغة العاملين في هذا المضمار. وكما أشرت في موضع آخر، أنه رغم شيوع هذه التعبيرات بين الداروينيين المخلصين، يبدو أنها تنم على شعور بعدم الارتياح. وهو ما أظن أنه يعكس على أقل تقدير شعوراً بأن التطور قد يسير في اتجاه محدد، وربما أن أكثر ما يخيف الباحث اليقظ هو عودة الغاية telos للظهور.»

أما الظاهرة التي تنتج عن ذلك أن الأدلة تتزايد داخل إطار النموذج التطوري نفسه على أن «التطور قد يكون بالفعل أقل عشوائية بما لا يقاس مما يظن غالباً». علاوة على ذلك، إن كان للتطور حدود كما يرجح “بيهي” وغيره، فالأدلة تشير إلى أن البحار لا يسير بالصدفة فقط فحسب (ويجب أن أضيف أنه لا يسير بالانتخاب الطبيعي أيضاً.) ولكن لا بد من وجود مدخلات معلوماتية (ذكية) لا غنى عنها.

وعندما نرجح أن القرابة الوراثية تشتمل على مدخلات معلوماتية، فهل هذا يعني أننا نعود إلى إله الفجوات؟ من وجهة نظر علمية، بالطبع لا، إن كان هذا ما تقتضيه الأدلة. فضلاً عن ذلك، أظن أن تجربة فكرية بسيطة قد تلقي بعض الضوء على القضية. تخيل عالم أحياء جزيئية في أحد الكواكب النائية بعد خمسة ملايين سنة يحلل بينة الـ DNA لأنواع مختلفة من القمح من أوائل القرن الحادي والعشرين عثر عليها علماء الآثار في قطعة صخرية صغيرة تائهة في الفضاء. ولنفترض أيضاً أنه لا يعلم أنها قطعة من الكوكب المعروف باسم الأرض بعد أن تحكم باصطدامه مع نيزك منذ مليون سنة.

وقد أجرى العالم تحليلاً جزيئياً تبين منه أن الأنواع البيولوجية المختلفة تبدو متقاربة من حيث أنها متشابهة جداً في الـ DNA، أو بالأحرى متماثلة عبر امتدادات طويلة. ومن ثم، يرجع الاختلافات إلى الانتخاب الطبيعي والطفرة العشوائية رغم أن الاختلافات حتى هذه اللحظة لم تطابق أي نمط تفسيري مفهوم حتى الآن. وبعد فترة قصيرة يكتشف علماء آثار الفضاء نصاً على صخرة أخرى تائهة في الفضاء ويتمكنون أخيراً من ترجمة لغته البدائية القديمة (بالنسبة لهم)، ويقول النصل: «لقد غير “سميث” بينة القمح بهدف زيادة المحصول.» فيأتون بهذا النص بعد فك رموزه لعالم الأحياء الجزيئية ويقولون له: «يبدو أن ذلك يرجح أن إحدى عينتي القمح لم ينتج بعملية طبيعية غير موجهة ولكنها تشتمل على طفرات غير عشوائية، أي أن لها تصميماً مقصوداً.» فيقول العالم: «كلام فارغ. إنها أسطورة من أساطير إحدى الحضارات البدائية المجهولة. انظروا إلى لغتها البدائية مقارنة بعلمنا المتقدم. هذا ليس علماً حقيقياً. على أي حال، بحثي يسير في اتجاه مبشر جداً وأظن أننا سنتمكن قريباً من التأكد من أن الصدفة والضرورة يمكن أن تفسرا بسهولة ما نلاحظه. ولست مستعداً أن أعتقد في “سميث” “الفجوات” الذي يمكن أن يقضى على العلم.»

إلا أننا نحن الذين نعيش في القرن الحادي والعشرين نعلم أن هذا “السميث” موجود فعلياً. فالذكاء البشري أنتج محاصيل معدلة وراثياً.

وتكمن أهمية هذه التجربة الفكرية في أنه إن أمكن منطقياً تقديم حجة تؤيد أن الصدفة والضرورة فقط هما السبب في إنتاج سلالة القمح الثانية، فالذكاء أيضاً لعب دوراً. أي أنه لا يمكننا حتى أن نستبعد تدخل ذكاء خارجي على ذلك المستوى.

وبالطبع إن أردنا أن ندخل ذكاءً فائقاً للطبيعة في العملية، علينا أن نجد مزيداً من الأدلة، مثل الأدلة المختصة بحدود التطور، بل الأهم منها الأدلة المتعلقة بأصل الحياة نفسها كما سنرى في الفصل التالي.

والمؤكد أننا لا بد أن نتوقع وجود تشابهات وراثية وتركيبية أياً كانت الفرضية التي نتبناها، سواء أكانت التصميم، أو السلف المشترك، أو مزيجاً منهما. ويقول “ستيفن ماير” Stephen Meyer إن فرضية السلف المشترك تساوي من الناحية المنهجية فرضية التصميم المشترك بحث إن وصف إحداهما بالعلمية أو اللاعلمية ينطبق بالتساوي على الأخرى. فمثلاً افتراض وجود مصمم غير مرئي ليس أقل علمية من افتراض وجود خطوات غير مرئية من الماكرو تطور. ومن الواضح جداً أن فكرة “تطور الفجوات” Evolution of the gaps لا تقل انتشاراً عن فكرة “إله الفجوات”.

وينهي “بيهي” دراسته المسحية للتفسيرات المتنوعة المطروحة لما نراه في الحياة من تعقيدات وفيرة قائلاً: «أستخلص أن احتمالاً آخر هو الأرجح: الأنظمة الدقيقة المتسقة الناجحة التي تعتمد عليها الحياة هي نتاج تصميم ذكي مقصود». ومنطقه أبعد ما يكون عن منطق “إله الفجوات”. فالحجة التي يطرحها هي أن تأثير الانتخاب الطبيعي على الطفرة العشوائية، حتى وإن كان مسؤولاً عن “تنويعات وراثية بسيطة في اللحن الأصلي» الموجود في العالم الحي[6]، إلا أنه لا يستطيع أن يفسر ما يظهر من أشكال وراثية جديدة أصيلة لا حصر لها لأنها تقع خارج حدود تلك التنويعات المرئية، في حين أن الذكاء هو الذي يستطيع تفسيره. وهي حجة تقوم على فهم علم الأحياء الجزيئي المعقد الذي يلعب دوراً في هذا المجال وليس على الجهل به.

ومن اللافت للنظر أن الملحد البارز “توماس ناجل” منبهر بهذه الحجج. فهو يشير إلى أن علماء الأحياء التطوريين دائماً ما يقولون إنهم واثقون أن الطفرات العشوائية كافية لتفسير النظم الكيميائية المعقدة التي نلاحظها في الكائنات الحية، إلا أنه يشعر أن حججهم يغلب عليها أسلوب بلاغي محض ويرى أن الأدلة لا تكفي لاستبعاد مدخلات الذكاء.

وكما ذكرت بعض علماء الأحياء البارزين الآن مثل “فرانسيس كولينز” وكذلك “سيمون كونواي موريس” يختلفون مع “بيهي” في مسألة حدود التطور. إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء العلماء يقبلون القصة التي تقترحها الفلسفة الطبيعية قبولاً تاماً. ولكنهم أبعد ما يكون عن ذلك. فمثلاً “فرانسيس كولينز” يعبر عن عدم ارتياحه لمصطلح “التطور الخلقي” Theistic Evolution على أساس أن «تقليص إيمان المرء بالله إلى مجرد صفة يوحي بأنه يأتي في مرتبة ثانية من حيث الأولوية، في حين تعطى المرتبة الأولى للاسم، أي لكلمة “التطور”.» وبعد أن رفض عدداً من الأوصاف المقترحة التي تشتمل على كلمات مثل “الخلق” أو “ذكي” أو “تصميم” استقر أخيراً على مصطلح “بيولوجوس” Bio Logos منعاً للخلط، ويعنى الأحياء في ضوء اللوجوس أي الكلمة. وهنا اتفق أن استخدام بعض المصطلحات يمكن أن ينشئ نوعاً من الخلط والتضليل لأنها تكون محملة بالكثير من المعاني المختلفة. لكن يبدو أن فكرة الذكاء المصمم الجوهرين ليست بعيدة عن هذا المصطلح إطلاقاً. بل من الصعب أن نتخيل وصفاً أنسب للفكرة وأكثر إيحاءً بها من كلمة “لوجوس”.

وإيجازاً للحجة التي طرحتها حتى الآن أقول إن الزعم بأنه يمكن تأسيس الإلحاد على علم الأحياء التطوري هو زعم خاطئ. وذلك لسببين، أولهما منطقي يتلخص في أنه لا يمكنك أن تستنتج منظوراً فلسفياً من علم. أما السبب الثاني فهو أن الاكتشافات منذ عصر داروين لا تؤيد فكرة أن صانع الساعات الأعمى المتمثل في الطفرة والانتخاب الطبيعي يفسر وجود الحياة برمتها وما بها من تنوع. صحيح أنه من المؤكد أن آلية الانتخاب والطفرة تفسر الكثير من التنوعات الوراثية التي لاحظها داروين ونلاحظها نحن، إلا أنها تعمل في نطاق محدود. فمن الواضح أن التطور له حدود، حدود لما يكن أن يؤديه صانع الساعات الأعمى.

بل إن حتى بعض أبرز العلماء ممن يتشككون في حقيقة هذه الحدود يعبرون عن ذهولهم من غرابة العمليات الطبيعية من حيث قدرتها على الإبحار تجاه حلول معقدة، مما يدلل على تدخل اللوجوس.

ولا شك أن تعقيد النظم الحية الذي يفوق الخيال وآلياتها المنظمة الذي يكشفه لنا علم الأحياء الجزيئي يحمل ختم الذكاء المصمم تماماً مثل الكون المادي المضبوط بدقة الذي تعتمد عليه هذه الآليات، إن لم يكن أكثر منه.

والآن من السهل أن ننسى أنه في كل ما تقدم وجود الحياة أمر مفترض مسبقاً. وذلك لأن “دوكينز” غالباً ما يوحي لنا في كتاباته (خاصة “الساعاتي الأعمى” The Blind Watchmaker) أن الآلية التي اكتشفها داروين تفسر كلاً من وجود الحياة وما بها من تنويعات وراثية. وهو بالطبع زعم خاطئ، كما يعترف بنفسه لاحقاً في كتاب “وهم الإله”. وأياً كان مزاعمه، الحقيقة أنه وفقاً للتركيب الدارويني الحديث، الانتخاب والطفرة يفترضان مسبقاً وجود وحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات. وحن هنا نزعم أن أصل الحياة نفسه يشكل تحدياً أمام الفلسفة الطبيعية أعقد بكثير من التحدي الذي تمثله حدود التطور. ولذا خصصت الفصل القادم لموضوع أصل الحياة.

[1] يعرفها “قاموس أكسفورد” بأنها الفرضية التي تقول بأن التطور يتم أساساً بتراكم تغيرات تدريجية (وذلك مقابل النموذج المتقطع Punctuationist model). (المترجم)

[2] نسبة إلى “فرويد” Freud الذي يعتبر أبا علم النفس الحديث. وقد ركز في نظريته على اللاوعي. ووضع أساليب العلاج بالتحليل النفسي. ورأى أن ما يحكم الإنسان هو طاقة جنسية (ليبيدو Libido) يولد بها وقسم عمر الإنسان إلى مراحل جنسية بناء على تطور هذه الطاقة. (المترجم)

[3] اختصار مصطلح Evolutionary developmental Biology.

[4] Phenotype يعني مجموعة صفات الفرد الظاهرة التي تنتج من تفاعل الوراثة مع البيئة (المترجم).

[5] تشبيه يصور العلاقة بين الكائنات، الحية منها والمنقرضة، وقد وضعه داروين للإشارة إلى أن كل الأنواع البيولوجية تنبثق من سلف واحد مشترك كما تنبثق فروع الشجرة من جذر واحد (http://www.sawtonline.org/evolution-creation-part4) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[6] مثلاً الانتخاب الطبيعي يمكن أن يكون مسؤولاً عن الاختلافات الثانوية فيما بين الأسماك بأنواعها المختلفة. ولكن في النهاية كلها أسماك. أما إنتاج الأسماك من الأصل يتجاوز قدرات الانتخاب الطبيعي. (المترجم نقلاً عن الكاتب).

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

هل للكون تصميم؟ أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

 

«معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته

وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه،

إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون،

وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza،

وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley،

رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز

حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة

وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً على أن الكون لا يشرح نفسه

وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة

باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح.»

“كيث ورد” Keith Ward

 

«يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد،

ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق

ويوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة،

كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعية”).»

“أرنو بينزياس” Arno Penzias الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء

دلائل التصميم

في السنوات الأخيرة أخذنا العلم في رحلة مليئة بالمفاجآت، وبالأسرار أيضاً. فعلم الكون الذي يعمل على نطاق شديد الضخامة، وفيزياء الجسيمات الأولية التي تعمل على نطاق متناهي الصغر كشفا لنا تدريجياً البنية الجميلة المذهلة للكون الذي نعيش فيه. وحجمه الهائل يجعلنا نعي ضآلة حجمنا، وفي الوقت نفسه نندهش منها. فعلى أي مقياس رسم خطي Linear Scale[1] سنبدو نحن البشر بلا قيمة من حيث الحجم، مجرد ذرات من التراب في مجرة شاسعة لا تزيد بدورها عن مجرد ذرة في الكون.

إلا أننا على مقياس الرسم اللوغاريتمي Logarithmic [2]Scale نبدو في موقع متوسط بين الأبعاد متناهية الصغر التي تكشفها لنا الفيزياء النووية والأبعاد شديدة الضخامة التي يكشفها لنا علم الفلك. ولكن ما هو الإنسان؟ وما هو الكون؟ هل هو فعلاً بيتنا، أم أننا مجرد كائنات مؤقته صغيرة جداً قذفها الكون بالصدفة على هيئة مادة وطاقة على نحو عشوائي استغلالاً للقدة الكامنة في قوانين الطبيعة؟

وليس منا من يواجه هذه الأسئلة ببرودة، نظراً لما يثيره الكون فينا من مشاعر المهابة. وليس منا من يواجهها بنوع من اللامبالاة. فلا يمكن ألا نتأثر بهذه الأسئلة، فمهما كان نحن موجودون في هذا الكون. ومن ثم فعقولنا تصر على السؤال عن طبيعة علاقتنا بالكون.

وكما هو الحال دائماً، الإجابات التي نحصل عليها عن هذه الأسئلة تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً. فبعض العلماء يعتقدون أننا غرباء في الكون؛ «إكزيما على وجه الكون» قذفتنا دوامة الصدفة والضرورة الهائلة التي تحكم السلوك المادي للكون. إننا «نتاج عملية طبيعية بلا ذكاء ولا غرض لم تقصد أن تنتجنا أصلاً» كما قال عالم الأحياء “جورج جايلورد سيمبسون” George Gaylord Simpson.

ولكن آخرين لا يشعرون أنهم غرباء في الكون، منهم الفيزيائي “فريمن دايسون” الذي كتب: «عندما ننظر في الكون ونرى الأحداث الفيزيائية والفلكية الكثيرة التي عملت معاً لصالحنا، يبدو وكأن الكون كان يعرف أننا قادمون». وكذلك الفيزيائي “بول دافيز” Paul Davies الذي لا يستطيع أن يقتنع أننا مجرد ذرات لا قيمة لها من التراب المتحرك. وهو يكتب قائلاً: «لا أصدق أن وجودنا في هذا الكون مجرد فعل غريب غير مفهوم من أفعال القدر، صدفة في التاريخ، ومضة عارضة في دراما الكون العظيمة.

ولكننا مندمجون في الكون بالكامل… لقد قصد لنا بالفعل أن نكون هنا». ومن هنا نرى أن “دافيز” يرجح صراحة أن الكون وراءه عقل كان يفكر في البشر عندما صنع هذا الكون. فلماذا يعتقد “دايسون” وكذلك “دافيز” هذا الاعتقاد؟ هل الكون نفسه يزودنا بأي دلائل يمكن أن تشكل أسس الاعتقاد بأننا نحن البشر لنا قيمة؟ نعم. والأساس الأول هو:

إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني:

رغم كثرة النقاش الذي يمكن أن يدون حول جوهر المنهج العلمي، فلا جدال حول الأساس الذي يقوم عليه ذلك المنهج، ألا وهو إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility of the universe. واندهاش ألبرت آينشتاين Albert Einstein من الأساس هو ما دفع ليقول تعليقه الشهير: «أكثر ما هو غير مفهوم بشأن الكون أنه مفهوم».

ومفهوم إمكانية فهم الكون نفسه يفترض مسبقاً وجود عقلانية قادرة على الوصول إلى ذلك الفهم. والمؤكد أن الثقة في إمكانية اعتمادنا على العمليات العقلية البشرية وقدرتها على تزويدنا ببعض المعلومات عن العالم هي أساس أي نوع من الدراسة، وليس دراسة العلم فحسب.

وهذه القناعة أساسية جداً لكل أنواع التفكير حتى إننا لا يمكن أن نشكك في صلاحيتها قبل أن نفترضها في المقام الأول لأننا لا بد أن نعتمد على عقولنا حتى نشكك فيها أصلاً. فهي المعتقد الأساسي الذي يبنى عليه كل بحث فكري. والحجة التي أسوقها هي أن الأيمان بالله الخالق يضفي عليها مبرراً متسقاً منطقياً في حين أن الفلسفة الطبيعية تبدو عاجزة عن ذلك.

إن إمكانية الفهم العقلاني واحدة من الاعتبارات التي قادت المفكرين عبر كل العصور للاستنتاج بأن الكون نفسه لا بد أن يكون نتاج ذكاء. ويلخص الفيلسوف “كيث ورد” Keith Ward هذه النظرة قائلاً: «معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه، إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون، وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza، وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley، رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً في أن الكون لا يشرح نفسه وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح».

فالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات بناء على أصل الكون وطبيعته الذي يشير إلى ذكاء غير مادي يكمن وراء الكون هو استنتاج له سجل تاريخي طويل مبهر.

طبيعة الإيمان ودوره في العلم:

لقد اندهش ألبرت إينشتاين من إمكانية فهم الكون: «تتعجب من أني أعتبر إن إمكانية فهم العالم (لدرجة أننا نتمتع بصلاحيات الحديث عن هذه الإمكانية) معجزة أو سراً أبدياً. حسناً، سنعتبر أن توقع العالم الفوضوي أمر بديهي مفترض مسبقاً، ولا يمكن فهم العالم بالعقل على أي نحو… ولكن النظام الذي تخلقه نظرية نيوتن في الجاذبية مثلاً يختلف تماماً.

فإن مجرد قدرة المرء على اقتراح مسلمات النظرة تفترض مسبقاً درجة عالية من التنظيم في العالم الموضوعي، وهو ما لا يمكن توقعه بديهياً بافتراض مسبق. تلك هي «المعجزة» التي تتأكد كلما اتسعت معرفتنا».

لأنه كما يتبين من مثال نظرية نيوتن، إمكانية فهم الكون ليست الحقيقة الوحيدة التي تدعو للدهشة، ولكن ما يثير ذهولنا أيضاً هو ما لهذه الإمكانية من طبيعة رياضية. إلا أننا نميل أن نعتبر فائدة الرياضيات أمراً واضحاً عادياً لأننا اعتدنا عليها. ولكن لماذا؟ “بول دافيز” أحد من يستاؤون من الإجابة السطحية للبعض الذين يقولون إن السبب في أن القوانين الأساسية للطبيعة هي قوانين رياضية أننا نحن من اعتبرنا أن القوانين الرياضية قوانين أساسية.

ومن الأسباب الرئيسية أن الكثير من الرياضيات القابلة للتطبيق «أنجزها علماء الرياضيات البحتة باعتبارها تمريناً مجرداً قبل تطبيقها على العالم الواقعي بزمن طويل. فالأبحاث الأصلية لم يكن لها أي ارتباط بالتطبيق النهائي.» إن ما يلفت النظر فعلاً أن أكثر المفاهيم الرياضية تجريداً التي تبدو منتجات للعقل البشري الصرف تمثل أهمية كبرى لفروع العلم التي تحتوي على كم ضخم من التطبيقات العملية.

إن “دافيز” هنا يردد أصداء مقالة شهيرة بقلم “يوجين ويجنر” Eugene Wigner الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء حيث كتب: «إن الفوائد العظيمة التي تقدمها الرياضيات للعلوم الطبيعية لهي سر عميق، وليس له أي تفسير منطقي… ولكنه ركن إيماني». فالعلاقة بين الرياضيات والفيزياء عميقة جداً ومن الصعب جداً أن نعتبرها مجرد صدفة عشوائية.

وأستاذ الرياضيات السير “روجر بنروز” Roger Penrose زميل الجمعية الملكية الذي لا يمكن التشكيك في فهمه لتلك العلاقة يقول عنها: «يصعب عليّ أن أصدق… إن هذه النظريات البديعة نشأت من مجرد انتخاب طبيعي عشوائي لبعض الأفكار لم يبق إلا على الأفكار الجيدة. فما تتمتع به هذه الأفكار من جودة عالية ينفي أن تكون مجرد أفكار ناجية بقيت على قيد الحياة ونشأت عشوائياً. ولكن لا بد من وجود سبب عميق يكمن في الاتفاق بين الرياضيات والفيزياء».

والمؤكد أن العلم نفسه لا يمكنه تفسير هذه الظاهرة. لماذا؟ لأنه كما قال “جون بولكينجهورن”: «العلم لا يشرح إمكانية فهم العالم المادي رياضياً لأنها جزء من الإيمان التأسيسي الذي يبنى عليه العلم».

ولا بد أننا نلاحظ هنا أننا أمام اثنين من أبرز العلماء، “ويجنر” وأيضاً “بوليكنجهورن”، يلفتان نظرنا صراحة إلى الدور الأساسي الذي يلعبه الإيمان في العلم. نعم، الإيمان. قد يكون هذا مفاجئاً، بل صادماً للكثيرين، وخاصة إن كانوا قد تعرضوا للوهم الشائع الذي ذكرناه في بداية هذا الكتاب الذي انتشر بسرعة البرق على يد “ريتشارد دوكينز” وغيره بأن “الإيمان” يعني “إيماناً أعمى” ولا ينتمي إلا لعالم الدين فحسب، بينما العلم لا ينطوي على أي إيمان إطلاقاً.

ولكن ببساطة “دوكينز” مخطئ لأن الإيمان لا ينفصل عن المسيرة العلمية. وتقدم نظرية “جودل” الثانية دليلاً آخر على ذلك: لا يمكنك حتى أن تشتغل بالرياضيات إلا إذا آمنت باتساقها.

بل دعني أسوق لك ما هو أكثر من هذا. خذ مثلاً قانون التربيع العكسي للجاذبية الأرضية الذي وضعه نيوتن. فلأنه مألوف لنا جداً باعتباره تفسيراً لكيفية دوران الكواكب حول الشمس في مدارات بيضاوية ونستخدمه (أو يستخدمه الخبراء) للتنبؤ بكافة أنواع الأحداث الفلكية، كالكسوف وما شابه، غالباً ما لا نرى فيه ذلك البعد الإيماني الخفي. ولكنه ينكشف في اعتقادنا بأن ما حدث اليوم سيحدث غداً.

وهذه هي مشكلة الاستقراء Induction الفلسفي المعروف التي رسم لها “برتراند رسك” صورة لا تنسى في قصته عن “الديك الرومي المستقرئ” “Inductivist Turkey” وبطل القصة ديك رومي لا يطعم بانتظام قبيل الكريسماس، فاستنتج أنه سيطعم يومياً. ولكنه اصطدم بأزمة رهيبة يوم العيد ربما كشفت له، ولو لجزء من الثانية، أخطار الاستقراء. ويعلق “بول دافيز” قائلاً: «إن شروق الشمس كل يوم من أيام حياتك لا يضمن أنها ستشرق غداً.

والاعتقاد بأنها ستشرق، أي بأن هناك نوع من الانتظام في الطبيعة يمكن التعويل عليه، هو فعل إيماني، ولن لا غنى عنه لتقدم العلم». وهذا الجانب من إمكانية الفهم العقلاني للكون غالباً ما يشار إليه بمبدأ ثبات الطبيعة Uniformity of Nature. وهو أحد أركان إيمان العالم.

وللأسف أن الفكرتين القائلتين بأن كل إيمان ديني إيمان أعمى وبأن العلم لا ينطوي على أي إيمان متأصلتان في أذهان الملحدين الجدد، مما ساهم في انتشارهما على نطاق واسع في كتاباتهم لدرجة أننا نضطر أن نؤكد بكل قوة أنهما خاطئتان. ويكتب “جون هوت” قائلاً: «عند نقطة معينة في سلسلة التحقق من كل زعم أو فرضية تدعي الحق، لا بد من قفزة إيمانية تعتبر مكوناً أساسياً في العملية.

وعنصر الثقة هو عنصر لا يهدم يكمن في أساس كل بحث بشري يسعى للوصول للفهم وللحق، بما فيه البحث العلمي. وإن وجدت نفسك تشك فيما قلته لتوي، فهذا ليس لشيء سوى أنك في هذا اللحظة بالذات تثق في عقلك بما يكفي للتعبير عن شكك فيما أقول. فلا يمكنك أن تتخلص من الثقة في قدرتك الفكرية حتى عندما تساورك الشكوك. علاوة على ذلك، فأنت لا تثير أسئلتك النقدية إلا لأنك تؤمن أن الحق يستحق البحث.

والإيمان بهذا المعنى، وليس بمعنى الخيالات الجامحة والتفكير المدفوع بالرغبة [3]Wishful thinking، يكمن في جذور أي دين حقيقي، وفي جذور العلم.» ويستنتج “هوت” استنتاجاً موفقاً مفاده أن هذا «يبين بجلاء أن محاولات الإلحاد الجديد لتطهير الوعي البشري من الإيمان محاولات عبثية وستمنى بالفشل.»

والحقيقة إن إجابتنا عن السؤال: لماذا الكون مفهوم عقلانياً؟ لن تعتمد على كوننا علماء أم لا، بل على كوننا مؤمنين بالله الخالق أو كوننا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية؛ فالمؤمنون بالله الخالق سيرون أن “ويجنر” كان مخطئاً في قوله بعدم وجود تفسير منطقي لإمكانية فهم الكون. ولكنهم سيقولون، على العكس، إن إمكانية فهم الكون متأصلة في طبيعة عقل الله الأعلى: كل من العالم الواقعي والرياضيات يمكن تتبع بداياتهما وصولاً إلى عقل الله الذي خلق كلاُ من الكون والعقل البشري.

ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون والعقل البشري. ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون الذي كان مهندسه ذلك العقل المبدع نفسه.

ويؤيد “كيث ورد” هذا الرأي تأييداً قوياً: «إن توافق الجسيمات الفيزيائية باستمرار مع العلاقات الرياضية الدقيقة هو أمر ممكن إن وجد عالم رياضيات كوني منظم يضع هذا الارتباط على النحو المطلوب. إن وجود قوانين فيزيائية… يعني ضمناً وجود إله يصيغ هذه القوانين ويضمن توافق العالم المادي معها.»

ومن ثم، الإيمان بالله الخالق يدفعنا لأن نعتقد في إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني ويعطي معنى لهذه الإمكانية، في حين أن أطروحة الاختزال تحط من قدرها وتغيب معناها، كما رأينا سابقاً. وهكذا، فإن العلم أبعد ما يكون عن القضاء على الله، بل إن هناك حجة قوة تؤكد أن وجود خالق هو ما يمنح العلم مبرره الفكري الأساسي.

وحتى “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking الذي يشغل الدرجة الأكاديمية التي شغلها السير اسحق نيوتن في جامعة كامبريدج والمعروف بعد تعاطفه مع الإيمان بالله الخالق، اعترف في لقاء تليفزيوني قائلاً: «من الصعب أن نناقش بداية الكون دون أن نذكر مفهوم الله.

وأبحاثي في أصل الكون تقع على الحدود فيما بين العلم والدين، ولكني أحاول أن أبقى في الجانب العلمي. ومن الوارد أن الله يعمل بطرق لا يمكن للقوانين العلمية وصفها.»

ولذلك يمكننا أن نرى اتفاقاً معيناً بين طرق التفكير العلمية والدينية بشأن الكون. وقد أشار “ج. ج. هولدن” J. J Haldane إلى هذه الفكرة بالذات في مناظرته مع “ج. ج. ي. سمارت” J. J. C. smart عن الإلحاد والإيمان مبيناً تشابه المنهجين العلمي والديني: «ومن ثم، فالعلم يشبه الإيمان من حيث استناده على افتراضات مسبقة “عقائدية”، وبما أنها تتعلق بنظام الكون وإمكانية فهمه، فهي أيضاً تشبه محتوى المفهوم الإيماني للكون باعتباره خليقة منظمة.

فضلاً عن ذلك، يبدو أن المؤمن بالله الخالق يدفع الحركة العلمية لمسافة أبعد بمحاولته المستمرة أن يفهم ما يجعل هذا النظام المدرك ممكناً أصلاً، باحثاُ عن أعمق الأوصاف والتفسيرات لوجود الكون وطبيعته.»

وجود الكون:

 من العناصر الأخرى الجوهرية في عقيدة العالم القناعة بأن الكون موجود ليُدرس، وهي حقيقة واضحة من ذاتها حتى إننا يمكن أن نسلم بها بسهولة. وهو ما يدعو للأسف. وذلك لأن إحدى المشكلات الأساسية التي تطرحها الفلسفة: لماذا يوجد كون من الأصل، لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

بعض العلماء والفلاسفة يعتقدون أننا لا يجب حتى أن نسأل هذا السؤال. وهم يرون أنه لا معنى للبحث عن سبب لوجود الكون لأنه ليس من سبب. ووجهة نظرهم تتلخص في أنه بما أن أي سلسلة من التفكير المنطقي لا بد أن تبدأ من نقطة معينة، إذن يمكننا أن نبدأ من وجود الكون. ويكتب “أي. تاريتون” E. Trayton على غرار “برتراند رسل” قائلاً: «الكون الذي نعيش فيه هو مجرد واحد من الأشياء التي تحدث من آن لآخر».

إلا أن هذه الإجابة التي تقول إن الكون انبثق هكذا إلى الوجود دون سبب تشبه من يفسر سقوط التفاح على الأرض بأنه يسقط هكذا دون سبب. فإن كانت الأخيرة علمية تكون الأولى علمية! فضلاً عن ذلك، إنه غريب جداً، كما يقول “كيث ورد” «أن نقول إن لكل شيء سبباً، ما عدا أهم شيء، أي وجود كل شيء، الكون نفسه.» إن رغبة الإنسان المتأججة في الحصور على تفسير لن تكف عن طرح السؤال.

والبعض الآخر يرى أن الكون يفسر نفسه. فمثلاً، “بيتر آتكينز” يؤمن بأن «عنصر الزمكان[4] يولد مادته في عملية تجميعه الذاتي لنفسه». وهو يطلق على هذه الفكرة “رباط الحذاء الكون” مشيراً إلى شخص يحاول أن يرفع نفسه من رباط حذائه. وهي فكرة متناقضة مع نفسها، مما يدفع كيث ورد” إلى القول إن نظرة “أتكينز” للكون تتناقض مع ذاتها تناقضاً صريحاً كتناقض الاسم الذي يطلقه عليها مشيراً إلى أنه «يستحيل منطقياً على المسبب أن يحدث أثراً إلى إذا وجد هذا المسبب أصلاً».

وينتهي “ورد” إلى أنه: «ليس من تنافس بين فرضية الله وفرضية رباط الحذاء الكوني. لأننا نعلم أن الأشخاص أو الأكوان الذين يحاولون رفع أنفسهم من أربطة أحذيتهم حتماً يفشلون للأبد». فلا الأكوان ولا كعكعة الخالة متيلدا تولد نفسها ولا تفسر نفسها. ولكن تفسير “التوليد الذاتي الذي يقدمه “آتكينز” لا يفرضه عليه علمه بل فلسفته المادية.

إلا أن “ستيفن هوكينج” يبدو أنه يتفق مع قصة الخالة ماتيلدا من حيث إن العلم لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون؟ فهو يكتب قائلاً: «إن المنهج العلمي المعتاد الذي يعتمد على بناء نموذج رياضي لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون الذي يصفه النموذج؟ لماذا يوجد الكون من الأساس؟ هل النظرية الموحدة لها من قوة الإقناع ما يجعلها توجد نفسها؟ أم أنها تحتاج إلى خالق، وإن كان كذلك، هل الخالق له أي تأثير آخر على الكون؟».

فأول ما يقترحه “هوكينج” هنا ليس أن الكون يولد نفسه، بل إنه وجد عن طريق نظرية، وقد قال “بول دافيز” شيئاً مشابهاً في لقاء أجري معه: «لا حاجة للاستعانة بأي شيء فائق للطبيعي في أصل الكون أو أصل الحياة. فأنا لم أعجب إطلاقاً بفكرة الصنعة الإلهية، ولكني أرى أن الفكرة الأكثر إثارة هي أن مجموعة من القوانين الرياضية تتمتع بدرجة عالية من الذكاء تمكنها من إيجاد كل هذه الأشياء».

والغريب أن عالماً بحجم “دافيز” مستعد أن يكون رأيه في أصل الأشياء على أساس الإعجاب وعدم الإعجاب. فهو كمن يقول: «يعجبني أن أعتقد في وجود جنيات في نهاية حديقتي.» علاوة على ذلك، فهو هنا ينسب الذكاء (إن لم يكن الشخصية أيضاً) لمجموعة من القوانين الرياضية معتقداً أنها ذكية نظراً لما تتميز به من إثارة! هل هذا تفكير مدفوع بالرغبة الشخصية أم ماذا؟

وسنترك هذا الدافع المشكوك فيه ونسأل: ما معنى أن نظرية أو قوانين توجد الكون؟ من المؤكد أننا قادرون على صياغة نظريات تحتوي على قوانين رياضية تصف الظواهر الطبيعية، بل إننا عادة ما نفعل ذلك بدقة مذهلة. إلا أن ما نتوصل إليه من قوانين لا يمكنه في ذاته أن يسبب أي شيء.

فقوانين نيوتن يمكنا أن تصف حركة كرة بلياردو، ولكن العصا التي يمسك بها لاعب البلياردو هي ما تحرك الكرة، لا القوانين. القوانين تساعدنا على رسم خريطة لمسار حركة الكرة في المستقبل (بشرط عدم تدخل عنصر خارجي). ولكنها عاجزة عن تحريك الكرة، ناهيك عن الإتيان بها للوجود.

وقد قال هذا الكلام عينه منذ زمن بعيد “وليم بيلي” William Paley الذي تعرض للكثير من التحقير، إن جاز لنا التعبير. فقد قال معلقاً على الشخص الذي عثر على ساعة وسط الحشائش والتقطها إن هذا الشخص ستعتريه “دهشة كبيرة لو علم أن الساعة التي في يده ليست سوى نتاج قوانين الطبيعة المعدنية. وإنه لتحريف لغوي أن نصف أي قانون بأنه المسبب الفاعل والفعال لأي شيء. فالقانون يفترض فاعلاً، لأنه لا يمثل سوى الأسلوب الذي يتحرك الفاعل وفقاً له.

إنه ينطوي على قوة لأنه يشكل النظام الذي تتصرف تلك القوة وفقاً له. ودون هذا الفاعل، دون هذه القوة، وكلاهما متمايز عن القانون، فالقانون لا يفعل شيئاً وهو نفسه لا شيء».

في العالم الذي يعيش فيه معظمنا القانون الحسابي البسيط 1 + 1 = 2 لم يأت إطلاقاً بأي شيء للوجود. والمؤكد انه لم يودع أي مبالغ مالية في حسابي المصرفي. فإن أودعت في البداية 1000 جنيه إسترليني ثم 1000 أخرى، قوانين الحساب ستشرح منطقياً أني الآن أملك 2000 إسترليني في البنك. ولكن لو لم أودع أي أموال في البنك بنفسي وتركت قوانين الحساب توجد أموالاً في حسابي، فسأظل مفلساً للأبد.

إن عالم الفلسفة الطبيعية الصارمة حيث القوانين الرياضية الذكية تسبب وجود الكون والحياة هو عالم خيال محض (وقد أضيف أنه خيال فقير). وإن أطلقنا عليه خيالاً علمياً، نسيء لاسم العلم. فالنظريات والقوانين لا توجد أي شيء. إلا أن الرأي القائل بأنها مع ذلك تتمتع بتلك القدرة على نحو ما يبدو ملاذاً يائساً (وإلا فماذا تكون هذه القوانين إذن؟) من الاحتمال البديل الذي يشتمل عليه سؤال “هوكينج” الأخير المذكور آنفاً: «أم أنها تحتاج إلى خالق؟»

إن “آلن سانديج” Allan Sandage الذي يعتبر من مؤسسي علم الفلك الحديث، ومكتشف أشباه النجوم Quasars والفائز بجائزة كرافورد Crafoord المعادلة لجائزة نوبل في الفلك لا يساوره أدنى شك في أن الإجابة على ذلك السؤال بالإثبات: «أرى أنه من المستبعد أن يكون نظام كهذا نشأ من الفوضى. لا بد من وجود مبدأ منظم. والله بالنسبة لي سر عميق غامض ولكنه تفسير معجزة الوجود، وهو إجابة لسؤال لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم.»

بداية الكون:

إن سؤال وجود الكون يختلف من الناحية المنطقية عن سؤال ما إذا كانت للكون بداية أم لا. ويشكل هذا الأخير أهمية جوهرية لتاريخ الفكر. وهو يرتبط بالمسائل المعلقة بطبيعة الحقيقة النهائية، لأنه إن لم تكن للكون بداية، فهو أزلي. وبناء على ذلك يمكن القول بأنه مجرد حقيقة مادية للوجود لا معنى لها. ولكن إن كانت له بداية، فهو ليس أزلياً. ومن ثم، ليس نهائياً.

وعلى مر التاريخ طرحت العديد من الآراء. فقد رأى أفلاطون أن الكون يتكون من مادة موجودة سلفاً. أما أرسطو فقد أمن بأن الأرض مركز كون أزلي. وفي شكل آخر من أشكال فكرة الكون الأزلي نجد أن بعض فلسفات الكون القديمة الأخرى، مثل فلسفة الكون الهندوسية، تؤمن أن الكون يسير في حلقات متكررة بلا نهاية تشبه كثيراً إيقاع الطبيعة ولكن على فترة أطول كثيراً، تقاس أحياناً بتريليونات السنين.

إلا أن العبرانيين آمنوا قبل الإغريق بزمن طويل أن الزمن خطي والكون له بداية. وآمنوا أنه مخلوق وأن خالقه هو الله. وقد اعتنق هذه النظرة عدد من رواد الفكر أمثال أوغسطينوس وإيريناوس وتوما الأكويني. وقد سادت هذه النظرة الساحة الفكرية على مدى قرون عدة.

ومن الجدير بالذكر أن توما الأكويني حاول في القرن الثالث عشر أن يصالح موقف الكتاب المقدس مع الفلسفة الأرسطية على أساس أن مفهوم الخليقة، في رأيه، يتصل بالوجود أكثر مما يتصل بعملية الخلق. وقد تبع أوغسطينوس في الاعتقاد بأن الله خلق “مع الزمن” وليس في الزمن. ووفقاً لهذه النظرة، يعني الخلق ببساطة أو وجود الكون يعتمد على الله. وقد رأى توما الأكويني أنه يستحيل أن نجزم بناءً على الأفكار الفلسفية ما إذا كان الكون أزلياً أم لا. إلا أنه اعترف أن الإعلان الإلهي يؤكد أن له بداية.

إلا أنه في جزء كبير من العصر العلمي الحديث عقب كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن تحول الفكر عموماً إلى الاعتقاد بأن الكون لا نهائي من حيث عمره واتساعه. ومن منتصف القرن التاسع عشر بدأت هذه الفكرة تتعرض لضغوط متزايدة حتى إنها فقدت تماسكها كلية.

وذلك لأن الاعتقاد ببداية الكون أصبح مرة أخرى يمثل رأي معظم العلماء المعاصرين. فبعض الدلائل المبنية على الانزياح نحو الأحمر[5] Red-shift في الضوء الصادر من المجرات البعيدة، وخلفية الموجة الصغيرة الكونية Cosmic Microwave Background، والديناميكا الحرارية قادت العلماء إلى صياغة النموذج القياسي للكون المعروف باسم “الانفجار الكبير.”

العداء لفكرة البداية:

إلا أنه لا بد أن نذكر أنه ليس كل العلماء مقتنعين بصحة نموذج الانفجار الكبير. فمثلاً، بعض التفسيرات الأخرى لظاهرة الانزياح نحن الأحمر تثير عدة مشكلات. ومما يخلق مشكلات أيضاً ما اكتشف حديثاً من أن تمدد الكون يبدو أنه يسير بسرعة أكبر، مما يطرح سؤالاً عن احتمالية وجود قوة لم تعرف حتى الآن تسير في اتجاه معاكس للجاذبية.

والواقع أن الفلسفة الحياتية التي يتبناها بعض العلماء والفلاسفة تلعب دوراً في معاداتهم لفكرة البداية. وقد علق “إنجلز” Engels تعليقاً ثاقباً على القضايا ذات الصلة قائلاً: «هل خلق الله العالم أم أن العالم موجود أزلاً؟ إن إجابات الفلاسفة عن هذا السؤال قسمتهم إلى معسكرين كبيرين. فمن أكدوا أولوية الروح على الطبيعة، ومن ثم افترضوا أخيراً أن العالم مخلوق بشكل أو بآخر…. كونوا معسكر الفلسفة المثالية.

أما الآخرون الذين رأوا أن الأولوية للطبيعة ينتمون لمختلف مدارس الفلسفة المادية». ويتبنى “ستيفن هوكينج” نظرة مشابهة: «الكثيرون لا يحبون فكرة أن للزمن بداية، ربما لأنها تحمل في طياتها فرضية التدخل الإلهي.»

ومن أولئك السير “آرثر إدينجتون” Arthur Eddington (1882-1944) الذي كان رد فعله كالآتي: «فلسفياً، فإن الفكرة القائلة بوجود بداية للنظام الحالي للطبيعة هي فكرة مثيرة للاشمئزاز… وإني أفضل إيجاد بديل آخر لها.» وقد شاركه آخرون في شعوره بالاشمئزاز إزاء هذه الفكرة.

ففي منتصف القرن العشرين مثلاً طرح كل من “جولد” Gold، “بوندي” Bondi، “هويل” Hoyle، “نارليكار” Narlikar سلسلة من نظريات الحالة الثابتة Steady-State Theories التي تقول بأن الكون موجود أزلاً، والمادة كانت تنتج باستمرار للحفاظ على كثافة الكون المتمدد ثابتة. ومعدل الإنتاج اللازم معدل في غاية البطء يعادل ذرة واحدة لكل متر مكعب في كل عشرة مليار سنة. وهو ما يعني، بالصدفة، استحالة إخضاع النظرية للاختبار عن طريق الملاحظة.

أما دافعهم وراء هذا الرأي فقد أثار اهتمام الجريدة العلمية الأسبوعية الراقية “نيتشر” حيث أشار الكاتب العلمي الشهير “جون جريبين” John Gribbin أن نظرية الحالة الثابتة التي وضعها “هويل” مع “بوندي” اكتسبت الكثير من زخمها من المشكلات الفلسفية واللاهوتية التي تثيرها فكرة بداية الكون، ولا سيما السؤال عن الشيء أو الشخص المسؤول عن هذه البداية.

ومن مشاهير العلماء الآخرين الذين يجدون فكرة البداية مقززة السير “جون مادوكس” John Maddox وهو محرر سابق في جريدة “نيتشر”. فقد صرح بأن فكرة البداية «غير مقبولة بالمرة» لأنها تنطوي على «منشأ نهائي لعالمنا» وتعطي المؤمنين بنظرية الخلق «مبرراً وافراً» لمعتقداتهم. ومما يدعو للسخرية أن البعض في القرن السادس عشر قاوموا التقدم العلمي بدعوى أنه يهدد الإيمان بالله، بينما في القرن العشرين تتعرض الأفكار العلمية عن البداية للمقاومة لأنها تدعم معقولية الإيمان بالله وهو ما يشكل تهديداً لرافضي هذا الإيمان.

ولا بد من الإشارة إلى جانب آخر في تصريح “مادوكس”، ألا هو أن النقد الموجه لأولئك (العلماء) الذين يؤمنون بخالق مفاده أنهم لا يملكون نموذجاً للكون يقود إلى تنبؤات يمكن إخضاعها للاختبار. إلا أن تعليق “مادوكس” يبين خطأ هذا الانتقاد. بل إن عداءه لفكرة البداية سببه تحديداً أن النموذج الخلقي كما يقدمه الكتاب المقدس يتنبأ بوضوح بوجود بداية، وهذا هو ما لم يرحب به “مادوكس.”

إلا أن الأدلة المبينة على الدالة الانفرادية في متغير الزمكان Space-time Singularity في صورة اكتشاف خلفية الموجة الصغيرة وغيرها تؤكد التنبؤ الواضح الذي تتضمنه الرواية الكتابية. وهو ما يعني أن التهمة القائلة بأن التصميم الذكي غير علمي لأنه لا يقدم أي تنبؤات قابلة للاختبار تهمة زائفة. فقد أثبت العلم نفسه أن فرضية الخلق قابلة للاختبار.

نقطة البداية:

لا بد أن ندرك ما يحيط موضوع البداية من صعوبات نظرية لا حد لها. فبناء على ما يطلق عليه “النموذج القياسي” “Standard Model” كان الكون قرب البداية في منتهى الضخامة وفي منتهى الصغر.

وعلى مستوى الأشياء متناهية الصغر، وضعت نظرية الكم لوصف سلوك الذرات ومكوناتها. ومن ثم، رأى الفيزيائيون أنه يجب علينا أن نبني تفكيرنا على أساس علم الكون الكمي حتى نتمكن من دراسة أول جزء من الثانية في وجود الكون، وكلمة “جزء” تعني فترة زمنية قصيرة لا يمكن تخيلها، وهي ما يعرف باسم “زمن بلانك” Planck Time الذي يساوي 10-43 ثانية (0.000000000000000000000000000000000000000000 حيث يوجد 42 صفراً بين الواحد الصحيح والعلامة العشرية)، وهو ما يعتبر نظرياً أصغر فترة زمنية يمكننا تمييز ما يقع فيها من أحداث.

والفكرة الأساسية هي أنه على مستوى الأشياء متناهية الصغر توجد حتماً مساحة غير يقينية وغير خاضعة للتنبؤ طبقاً لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج Heisenberg’s uncertainty principle. وهو يضع حداً لقدرتنا على تحديد قيم الكميات القابلة للقياس مثل وضع وحركة الجسيمات الذرية ومكوناتها. ومن هنا نكتشف محدودية قدرتنا على التحديد.

فبالرغم من أننا نستطيع توقع احتمالية وقوع حدث كمي معين، مثل اضمحلال النشاط الإشعاعي لأحد الجسيمات، فلا يمكننا تحديده بدقة. وذلك نظراً لما يتسم به السلوك بحالة من التذبذب لا يمكن محوها. والحجة التي تبنى على هذه الفكرة هي احتمالية ظهور الكون إلى الوجود في صورة تموج في فراع كمي Fluctuation in a quantum vacuum.

وقد صمم “هوكينج” بالتعاون مع “هارتك” Hartle، في محاولتهما لدراسة هذه الفكرة نظرياً، نموذجاً رياضياً للكون في شكله المبكرة يشتمل على مفهوم “الزمن التخيلي” “Imaginary Time” الذي يقال إنه ينفي الحاجة للدوال الانفرادية Singularities، ومن ثم ينفي مسألة الخالق. ولكنه لا ينفي هذا ولا ذاك. فبصرف النظر عن أن هذه التفاسير تنطوي على قدر كبير من التخمين، فالقول بنشأة الكون من تموج في فراغ كمي يرجع بمسألة الأصل خطوة للوراء ويجعلنا نتساءل عن مصدر الفراغ الكمي.

والأهم من ذلك أنه لا يجيب عن سؤال: “ما أصل القوانين التي تحكم هذا الفراغ؟” أما بخصوص الوقت الكافي Real Time، يعترف “هوكينج” قائلاً: «في الوقت الحقيق، الكون له بداية ونهاية على دوال انفرادية تكون حداً للزمكان حيث يتوقف عمل القوانين العلمية”.

ومن ثم، فهناك اتفاق عام حالياً على أن الكون له بداية. والقول بأن الكون يفسر ذاته قول متناقض تماماً كما أن القبول الساذج للبداية باعتبارها حقيقة مادية بلا معنى غير مرض. وكلما ازدادت معرفتنا عن الكون، ازدادت مصداقية فرضية وجود إله خالق صمم الكون لغرض باعتبارها أفضل تفسير لوجودنا في هذا الكون.

ويقول “تشارلز تاونز” Charles Townes الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء سنة 1964 لاكتشافه الميزر Maser والممهد لاكتشاف الليزر: «أرى أن السؤال عن الأصل سيظل دون إجابة إن درسناه من وجهة نظر علمية. ولذلك، أؤمن بالحاجة إلى تفسير ديني أو ميتافيزيقي. وأؤمن بمفهوم الله وبوجوده».

الضبط الدقيق في الكون:

يرجع الفضل إلى كوبرنيكوس في إحداث ثورة في التفكير العلمي. فإطاحته بفكرة أن الأرض مثبتة في مركز الكون مكنته أن يبدأ عملية التقليل من أهمية الأرض التي أدت إلى انتشار فكرة أن الأرض أحد الكواكب العادية التي تدور في فلك إحدى الشموس العادية التي تقع في أحد الأذرع الحلزونية لمجرة عادية. وهنا يضيف المؤمنون بنظرية الأكوان المتعددة أن المجرة تقع في أحد الأكوان العادية. ووضع الأرض في حجمها الطبيعي على هذا النحو يعرف أحياناً باسم مبدأ كوبرنيكوس.

إلا أن عدداً من مجالات البحث والفكر تشكك في هذا المبدأ تشكيكاً كبيراً. وذلك لأن الصورة المذهلة التي تنشأ تدريجياً من الفيزياء الحديثة وعلم الكون تبين أن قوى الكون الأساسية متوازنة أو «مضبوطة ضبطاً دقيقاً» Fine-tuned على نحو مذهل ومعقد وحساس بما يمكن الكون من احتضان الحياة. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الكثير من الثوابت الأساسية في الطبيعة، بدءًا بمستويات الطاقة في ذرة الكربون وانتهاء بمعدل تمدد الكون موجودة بالقيم المضبوطة المناسبة للحياة.

فإن أحدثت تغييراً طفيفاً لا يذكر في أي منها، يصبح الكون معادياً للحياة وعاجزاً عن دعمها. فالثوابت مضبوطة بدقة، وهذا الضبط الدقيق هو ما يتطلب تفسيراً من وجهة نظر الكثير من العلماء (وغيرهم).

والمؤكد أننا بطبيعة الحال لا يمكننا إلا أن نشير إلى ما توصل إليه العلماء حتى الآن مع وعينا بالاختلافات فيما بينهم، كما هو الحال دائماً، حول صحة بعض الافتراضات التي تقوم عليها حسابات الضبط الدقيق، ووعينا باحتمالية تغير بعض الآراء، فالعلماء لا يدعون تقديم الحق النهائي. إلا أن الضبط الدقيق ثبت أقدامه باعتباره أحد ملامح الكون التي تستحق اهتماماً جاداً. فلنتناول بعض الأمثلة.

وجود الحياة على الأرض يتطلب كمية وافرة من الكربون. والكربون يتكون إما من اندماج ثلاث نويات هليوم أو اندماج نويات هليوم وبريليوم. وقد اكتشف عالم الرياضيات والفلك البارز السير “فرد هويل” Fred Hoyle أن حدوث هذا الأمر يتطلب ضبط الحد الأدنى لمستويات الطاقة النووية Nuclear ground state energy levels ضبطاً دقيقاً بالنسبة لبعضها البعض.

وتعرف هذه الظاهرة باسم “الرنين” Resonance فإن كان الاختلاف أكثر من 1٪ في أي من الناحيتين، يستحيل على الكون أن يحتضن الحياة. وقد اعترف “هويل” فيما بعد أنه ما من اكتشاف زلزل إلحاده قدر هذا الاكتشاف. فهذه الدرجة البسيطة من الضبط الدقيق كانت كافية لإقناعه بأنه يبدو وكأن «عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء» وبأنه «ما من قوى عمياء في الطبيعة تستحق أن نتحدث عنها».

إلا أن هذا المثال يصبح قليل الأهمية، من حيث نسبة تفاوت القيم المسموح بها، إذا قورن بدقة الضبط التي نراها في قيم أخرى في الطبيعة. فعالم الفيزياء النظرية “بول دافيز” يخبرنا أنه لو اختلفت نسبة القوة النووية الشديدة Nuclear Strong Force للقوة الكهرومغناطيسية بمقدار جزء واحد من 1610، لاستحال تكون النجوم. ونسبة ثابت القوة الكهرومغناطيسية لثابت قوة الجاذبية لا بد أن تكون متوازنة توازناً دقيقاً بنفس القدر.

فلو زادت بمقدار جزء واحد من 4010، لا يمكن إلا للنجوم الصغيرة أن توجد. وإن نقصت بالمقدار نفسه، لا يمكن إلا للنجوم الكبيرة أن توجد. ولا بد أن يكون في الكون نجوم كبيرة وصغيرة لأن الكبيرة تنتج عناصر في أفرانها النووية الحرارية، والصغيرة هي التي تحترق على فترات طويلة تسمح ببقاء الحياة على الكوكب.

هذه الدقة هي التي يحتاجها الهداف ليصوب على عملة معدنية موضوعة في الطرف المقابل من الكون الواقع في نطاق ملاحظتنا على بعد 20 مليار سنة ضوئية على حد التصوير الذي سوقه “دافيز” وإن كان من الصعب تخيل تلك الصورة، إليك التصوير الذي يقترحه عالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” Hugh Ross.

غط قارة أمريكا بعملات معدنية في عمود يصل إلى القمر (380 ألف كم أو 236 ألف ميل)، وكرر الشيء نفسه مع مليار قارة أخرى بحجم أمريكا. ادهن عملة واحدة باللون الأحمر وضعها في أي من المليار عمود. ثم اعصب عيني صديق لك واطلب منه أن يستخرجها. احتمال نجاحه في هذه المهمة يساوي حوالي 1 من 4010.

ورغم أننا الآن أمام مجالات من الدقة تفوق كل قدرات الآلات التي صممها البشر، ما زال الكون زاخراً بمفاجآت أكثر إدهاشاً. فيقال إنه لو تغيرت نسبة قوى التمدد والانكماش بمقدار جزء واحد من 5510 على “زمن بلانك” (بعد 10-43 ثانية فقط من بداية الكون)، لأدى ذلك إما إلى تمدد سريع جداً للكون لا يسمح بتكون المجرات أو تمدد بطيء جداً يعقبه انهيار سريع.

إلا أن حتى هذا المثال يبدو ضئيل الأهمية أمام أكثر الأمثلة إرباكاً للعقل. ألا وهو أن أنتروبيا Entropy[6] (مقياس للاضطراب) الكون تتزايد، وهي حقيقة ينص عليها ثاني قوانين الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics. ويكتب عالم الرياضيات البارز السير “روجر بنروز” في هذا الصدد قائلاً: «حاول أن تتخيل فضاء الطور Phase Space[7]… للكون كله. كل نقطة في فضاء الطور هذا عبارة عن طريقة مختلفة كان يمكن أن تمثل بداية الكون.

وعلينا أن نتخيل الخالق يمسك “دبوساً” يجب أن يوضع على نقطة ما في فضاء الطور… وكل موضع للدبوس ينتج كوناً مختلفاً. فالدقة المطلوبة لتحقيق هدف الخالق تعتمد على الإنتروبيا التي خلق الكون على أساسها. ومن “السهل” نسبياً إنتاج كون ذي إنتروبيا مرتفعة، طالما يتوافر للدبوس حجم كبير من فضاء الطور. ولكن إنشاء الكون في حالة من الإنتروبيا المنخفضة، مما يؤدي إلى قانون ثان في الديناميكا الحرارية، يتطلب من الخالق أن يستهدف مقداراً صغيراً جداً من فضاء الطور. فما مدى صغر هذه المساحة التي تفضي إلى كون قريب الشبه من هذا الذي نعيش فيه»؟

وقد قادته حساباته إلى خلاصة مذهلة مفادها أنه لا بد أن “هدف الخالق” كان دقيقاً بمقدار جزء واحد من 10 مرفوعة لأس 12310 أي 1 متبوعاً بـ 12310 صفر، «رقم تستحيل كتابته بنظام الترقيم العشري المعتاد لأنك حتى لو تمكنت من وضع صفر على كل جسيم في الكون لن تجد عدداً كافياً من الجسيمات يمكنك من أداء المهمة».

وأمام هذا الكم من الأمثلة المذهلة على الضبط الدقيق، ليس غريباً أن يقول “بول دافيز”: «الانطباع الذي يتركه التصميم الكوني انطباع مهول».

لقد تناولنا حتى الآن الضبط الدقيق على المستوى الكوني كبير الحجم. وعندما نفكر في الظروف المحددة اللازمة بالقرب من موطننا في مجموعتنا الشمسية وعلى الأرض نجد عدداً كبيراً من القيم الأخرى التي لا بد أن تتوافر بالمقادير الصحيحة التي تسمح بالحياة. وبعضها واضح لنا جميعاً. ومنها المسافة بين الأرض والشمس. فلو اقتربت الشمس من الأرض لتبخرت المياه، ولو ابتعدت لأصبحت الأرض باردة جداً مما يجعل الحياة مستحيلة. وحدوث تغير بمقدار 2٪ أو نحوها يؤدي لتوقف الحياة.

وحرارة وجاذبية السطح أيضاً من العناصر ذات القيم الحرجة التي لا يمكن أن تتغير ولو بمقدار نسبة مئوية ضئيلة لتمد الأرض بالغلاف الجوي الداعم للحياة، عن طريق الاحتفاظ بالمزيج المناسب من الغازات الضرورية للحياة. والكوكب لا بد أن يدور بالسرعة المناسبة: فإن دار ببطء شديد يتسع الفرق بين درجات حرارة النهار والليل اتساعاً مفرطاً، وإن دار بسرعة شديدة، تصبح الرياح ذات سرعة مدمرة. والقائمة تطول.

فعالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” يسرد العديد من هذه القيم التي لا بد أن تضبط بدقة لتسمح بالحياة. وقد أجرى عملية حسابية تقريبية، وإن كانت محصلتها أصغر من القيمة الحقيقية، تبين أن احتمال وجود كوكب كهذا في الكون بالصدفة يعالد حوالي 1 من 3010.

وقد كشف “جيرمو جونوالز” Guillermo Gonzalez و”جاي و. ريتشاردز” Jay W. Richards عن منظور مذهل لهذا الموضوع في كتاب حديث بعنوان “الكوكب المحظوظ” The Privileged Planet حيث يلفتان النظر إلى مدى ملاءمة الأرض للعلم.

والأطروحة التي يقترحها الكاتبان أن الأرض هي الوحيدة، ضمن كل الأماكن الموجودة في الكون، التي تتمتع بالظروف التي تسمح بسكناها، ولكنها في الوقت نفسه شديدة الملاءمة لصنع «تنوع مذهل من القياسات، بدءًا من علم الكون وعلم الفلك المجري وانتهاء بالفيزياء الفلكية للنجوم وفيزياء الأرض» فما أن نبدأ بالتفكير في هذا الأمر حتى نجد أمثلة بلا عدد، وبعضها في منتهى الوضوح.

فكان يمكن ببساطة أن نجد أنفسنا في موضع من الكون حيث لا يمكننا رؤية الفضاء العميق بسبب شدة نور النجوم، كان من الممكن لغلافنا الجوي أن يكون معتماً أو شبه شفاف وليس شفافاً. أما البعض الآخر أقل وضوحاً. خذ مثلاً دقة حجم القمر والشمس وبعدهما عن الأرض بما يسمح بحدوث كسوف كامل.

وهو ما يحدث عندما يغطي قرص القمر الأسود بالكاد قرص الشمس المتوهج بحيث ترى الحلقة الرفيعة من الكروموسفير (الغلاف الجوي للشمس)، التي تمكن من دراسته علمياً، وهو ما يساعدنا في معرفة الكثير عن الشمس مما يستحيل معرفته بطريقة أخرى، بل يزودنا بتأكيد مبدئي لانحناء الضوء بفعل الجاذبية الذي تنبأت به نظرية أينشتاين في النسبية العامة.

وقد قالا فيما خلصا إليه: «ولكننا عندما نقف محدقين في السماوات المنبسطة وراء واحتنا الصغيرة، لا نحدق في فراغ بلا معنى بل في ساحة أخاذة تتناسب مع قدرتنا على الاكتشاف. ربما أننا كنا نمد بصرنا عبر إشارة كونية أقيم بكثير من أي تسلسل رقمي، إشارة تكشف عن كون صنع صنعة ماهرة تناسب الحياة والاستكشاف حتى يبدو أنه يلمح إلى ذكاء من خارج الأرض أكبر وأقدم وأبهى بما لا يقاس من كل توقعاتنا وتخيلاتنا».

“أرنو بنزياس” Arno Penzias الذي استخدم القمر الصناعي في أنسب موقع من الأرض ليتوصل إلى الاكتشاف العبقري الذي يعكس “أصداء البداية”، ألا وهو إشعاع الموجة الصغرى للخلفية الكونية، يلخص الموقف كما يراه قائلاً: «يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق يوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة، كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعة”)».

وعلينا أن ننتبه أن الحجج السابقة ليست حجج “إله الفجوات”، فالتقدم في العلم، وليس الجهل به هو ما كشف لنا هذا الضبط الدقيق. وبهذا المعنى ليست في العلم “فجوة”. ولكن السؤال: كيف يمكننا أن نفسر العلم؟ إلام يشير العلم؟

المبدأ الإنساني:

إن هذا الفهم الذي توصل إليه العلماء من أن الكون لا بد أن يكون منظماً بدقة شديدة حتى يدعم الحياة يطلق عليه المبدأ الإنساني Anthropic Principle (الكلمة اليونانية Anthropos تعني “الإنسان”). وهو في شكله الضعيف (المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle) يقول إن: «الكون القابل للملاحظة له بنية تسمح بوجود ملاحظتين.»

والواضح أن هذه العبارة مثيرة للجدل: هل هي تكرار للمعنى نفسه بكلمات مختلفة؟ هل هي مبدأ، بمعنى أنها تقدم تفسيرات… إلخ؟ وأياً كانت الإجابة، فالعبارة على أقل تقدير تلفت النظر لحقيقة مفادها أن نظريات الكون القابلة للتطبيق لا بد أن تأخذ في حسبانها وجود ملاحظين.

ويرى بعض العلماء والفلاسفة أنه يجب ألا نتعجب مما نراه في الكون المحيط بنا من نظام وضبط دقيق، لأنه لو لم يكن الحال هكذا، تصبح الحياة كربونية الأساس[8] أمراً مستحيلاً، وبالتالي لن نكون موجودين حتى نلاحظ الضبط الدقيق. أي أنهم يستخدمون المبدأ الإنساني ضد استدلال التصميم. والحقيقة أن “ريتشارد دوكنيز” يخبرنا في كتاب “وهم الإله” أن المبدأ الإنساني والله يمثلان تفسيرات بديلة. إلا أن ما يقوله ينطوي على منطق مغلوط من ناحيتين.

وذلك لأن “دوكينز” لا يقدم لنا بديلين خاطئين فحسب، بل إن أولهما لا ينتمي لفئة التفسيرات على الإطلاق. ولكن كل ما يفعله المبدأ الإنساني أنه يخبرنا بضرورة توافر شروط معينة حتى توجد حياة. ولكنه لا يفسر لنا سبب توافر تلك الشروط، ولا كيفية نشأة الحياة نتيجة لتوافر هذه الشروط. وهكذا فإن دوكينز يقع في خطأ بدائي من الاعتقاد بأن الشروط اللازمة كافية.

ولكنها ليست كافية، فلكي تحصل على تقدير امتياز في جامعة أكسفورد لا بد أن تلتحق أصلاً بالجامعة، ولكن الالتحاق بالجامعة لا يكفي للحصول على تقدير امتياز كما يعرف الكثير من الطلاب. وهكذا فالمبدأ الإنساني أبعد ما يكون عن تفسير أصل الحياة، ولكنه ملاحظة تخلق الحاجة لهذا التفسير.

ويشير الفيلسوف “جون لسلي” John Leslise إلى هذه الفكرة قائلاً إن استخدام المبدأ الإنسان ضد التصميم «يبدو كمن يقول إنك إن واجهت فرقة عسكرية تصوب عليك خمسين بندقية، يجب ألا تندهش عندما تجد نفسك حياُ بعد إطلاقهم للنيران. فهما يكن من أمر، هذا هو الناتج الوحيد الذي يمكنك أن تلاحظه، لأنك لو أصبت برصاصة واحدة لفقدت حياتك.

ولكنك قد تشعر مع ذلك بأن الأمر يتطلب تفسيراً، فكيف أخطأوا جميعهم إصابة الهدف؟ هل بناء على تصميم مقصود؟ لأنه لا تناقض بين عدم اندهاشك من عدم إدراك أنك مت، واندهاشك من إدراكك أنك ما زلت حياً.»

ويقول “لسلي” إن حجة الضبط الدقيق تعرض علينا الاختيار بين احتمالين على الأكثر. الأول هو أن الله حقيقة.

والسبيل الوحيد للتخلص من تلك النتيجة، من وجهة نظر “لسلي” هو الإيمان بما يعرف باسم فرضية “العوالم الكثيرة” “Many Worlds” أو “الأكوان المتعددة” “Multiverse” (التي روجها كتاب “نسيج الحقيقة” The Fabric of Reality بقلم “دافيد دويتش” David Deutsch) التي تفترض وجود عدد كبير، أو ربما لا نهائي، من الأكوان المتوازية المتزامنة حيث أي شيء (تقريباً) ممكن الحدوث نظرياً سيتم عملياً في النهاية. وعليه، فوجود كون آخر مثل كوننا أمر لا يدعو للدهشة. 

وهذه هي النظرة التي يتبناها عالم الفلك السير “مارتن ريز” Martin Rees الذي يناقش في كتابه “ستة أرقام فقط” Just Six Numbers الأرقام الستة المضبوطة ضبطاً دقيقاً التي يعتبرها أهم ما يتحكم في سمات الكون.

ويؤسس “دويتش” نظريته على تفسير ميكانيكا الكم الذي ينسب للعالم “هيو إفرت الثالث” Hugh Everett III الذي تتلخص فكرته الأساسية في أنه مع كل فعل من أفعال القياس الكمي ينشطر الكون إلى سلسلة من الأكوان المتوازية التي تحدث فيها كل النواتج الممكنة. والحقيقة أن تفسير “إفرت” يتمتع بمميزات معينة لا تتوافر في غيره من النظريات، ومن مميزاته الاستغناء عن الإشارات الأسرع من الضوء.

إلا أن الكثير من العلماء يشعرون أن التفسير الذي يتضمن أكواناً لا يمكن رصدها، ويمثل في الوقت نفسه انتهاكاً صريحاً لمبدأ “شفرة أوكام” Occam’s [9]Razor الذي يوصي بالالتزام بنظريات لا تفرط في وضع العديد من الفرضيات بلا دع، يتجاوز حدود العلم ويخترق منطقة الميتافيزيقا. وهو ينطوي على قدر كبير من التخمين وكم ضئيل جداً من الألة.

فمثلاً “جون بولكينجهورن”، وهو من أبرز منظري الكم يرفض تفسير الأكوان الكثيرة: «علينا أن نعترف بحقيقة هذه التخمينات. فهي في الحقيقة ليست فيزياء، بل ميتافيزيقا بالمعنى الأضيق. فما من سبب علمي محض يدعونا للاعتقاد بمجموعة من الأكوان. فهذه العوالم بطبيعة تكوينها غير معروفة لنا.

أما التفسير الذي يحظى بنفس القدر من الاحترام الفكري ويراه عقلي مفهوماُ ومنظماً هو أن هذا العالم الواحد على هذه الشاكلة لأنه مخلوق بإرادة خالق قصد له أن يكون هكذا». بل إن الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” يمضي خطوة أبعد ويقول: «إن افتراض تريليونات من الأكوان الأخرى بدلاً من إله واحد لتفسير النظام الذي يميز كوننا يبدو قمة اللامنطقية.»

ويرد عالم الكون “إدوارد هاريسون” Edward Harrison رداً مشابهاً: «ها هو البرهان الكوني على وجود الله، ألا وهو حجة التصميم التي وضعها “بيلي” بعد تطويرها وتجديدها. إن الضبط الدقيق في الكون يقدم دليلاً مبدئياً بديهياً Prima Facie على وجود تصميم إلهي. فلتحسم اختيارك: إما صدفة عمياء تتطلب كثرة من الأكوان، أو تصميم يتطلب كوناً واحداً… إن الكثير من العلماء عندما يكشفون عن آرائهم نجدهم يميلون إلى أطروحة وجود غاية [10]Teleological أو تصميم وراء الكون». أما “أرنو بينزياس” يعرض الحجة بالعكس قائلاً: «البعض لا يشعرون بارتياح لفكرة العالم المخلوق بقصد. وحتى يأتوا بأفكار مضادة للقصد، يضطرون لتخمين أشياء لم يروها».

إلا أنه يجب الإشارة إلى أنه رغم أن “لسلي” قد يكون على صواب في اعتقاده بأن الضبط الدقيق يعني إما وجود إله أو وجود أكوان متعددة، فمنطقياً هذان الرأيان لا يلغي أحدهما الآخر، رغم أنهما عادة ما يقدمان بهذه الصورة. فمهما يكن من أمر، الأكوان المتوازية يمكن أن تكون صنعة خالق. وقد أشار الفيلسوف الفيزيائي “مايكل لوكوود” Michael Lockwood أن حجة الفريق المؤيد لوجود كون واحد لا تنتفي فعلياً بافتراض أكوان متعددة.

فعنصر المفاجأة والحاجة للتفسير موجودان في أي كون يلاحظ فيه الضبط الدقيق. فاحتمالية فوز شخص بعد رميه للزهر لا تتغير حتى وإن كان العديد من الأشخاص يلقون زهراً في المدينة نفسها وفي الوقت نفسه.

ويعبر “كريستيان دو دوف” عن موقفه مشابه قائلاً: «حتى إن ثبتت صحة النظرية، فالاستنتاج الذي يستخلصه منها “ريز” وكذلك “واينبرج” يصيبني بحالة من الذهول إذ أراه كما نقول في الفرنسية مثل “إغراق السمكة”. فلو استخدمت مياه كل المحيطات لإغراق السمكة، ستظل موجودة تؤكد حضورها. ومهما افترضت من أكوان عديدة فكرة عددها لا يجعل كوننا عديم القيمة… وما يبدو لي عظيم القيمة فعلاً هو إمكانية وجود تركيبة قادرة على إنشاء الحياة والعقل». ولذلك، حجة الأكوان المتعددة لا تضعف فعلياً حجج التصميم المذكورة آنفاً.

ومن اللافت للنظر أن “مارتن ريز” يعترف أن الضبط الدقيق في الكون يتوافق مع الإيمان بالله الخالق ولكنه يقول إنه يفضل نظرية الأكوان المتعددة: «إن لم يؤمن المرء بالتصميم الإلهي، ولكنه لا يزال يعتقد أن الضبط الدقيق يتطلب بعض التفسير، فهناك منظور آخر، إلا أنه يحتمل نسبة عالية من الشك. لذلك، عليّ أن أؤكد تحذيري الصحي في هذه المرحلة.

ومع ذلك فهو المنظور المفضل عندي. وإن كان هذا التفضيل، (وفقاً لما هو متاح لنا من معرفة اليوم) لا يزيد عن مجرد إحساس لا يستند على حقائق مؤكدة.» والتفضيل طبعاً أمر شخصي يحق لكل منا، ولكنه يتخطى حدود العلم كما يعرفه معظمنا.

ونظرية الأكوان المتعددة التي تمثل تفسيراً لميكانيكا الكم باستخدام فكرة العوال الكثيرة Many Worlds interpretation of quantum theory لها صورة أخرى تقول إن كل كون مكون منطقياً هو موجود فعلاً. ولكن إن كان كل كون ممكن موجوداً، إذن كما يقول الفيلسوف “ألفن بلانتيجا” Alvin Plantinga الأستاذ في “جامعة نوتر دام” Notre Dame University لا بد من وجود كون يوجد فيه الله حيث إن وجود الله ممكن منطقياً، وإن كان احتمالاً مستبعداً من وجهة نظر الملحدين الجدد.

وحجة “بلانتيجا” هي أنه بما أن الله كلي القدرة، فلا بد أنه يوجد في كل كون. وبالتالي لا يوجد إلا كون واحد، هو هذا الكون الذي هو خالقه وحافظه. وهكذا يتضح أن مفهوم العوالم الكثيرة مليء بالمشكلات العلمية والمنطقية أيضاً. بل يمكن أن يشكل أيضاً صعوبات أخلاقية. فإن كان كل كون ممكن أخلاقياً موجوداً بالفعل. إذن يفترض وجود كون أنا موجود فيه (أو نسخة مني؟)، وأنا في هذا الكون قاتل، أو أسوأ. ولذلك، يبدو أن المفهوم يؤدي أيضاً إلى نوع من العبثية الأخلاقية.

وأخيراً، يذكرنا “أرنو بنزياس” أن فكرة وجود بعد غائي في الكون يقدر عمرها بآلاف السنين. وهو يكتب قائلاً: «إن أفضل ما لدينا من بيانات (عن الانفجار الكبير) تمثل بالضبط ما كنت سأتنبأ به لو لم يكن عندي سوى أسفار موسى الخمسة، والمزامير، والكتاب المقدس ككل». ولنلق نظرة عابرة على استخدام “بنزياس” لكلمة “سأتنباً”. وهنا نرى مثالاً مضاداً آخر على قدر كبير من الأهمية للفكرة الشائعة من غياب عنصر التنبؤ (وبالتالي غياب البعد العلمي) في رواية الخلق الإيمانية.

أما “بنزياس” والكثير من العلماء غيره يرون أن الكلمات المهيبة التي يبدأ بها سفر التكوين لم تفقد شيئاً من مطابقتها للواقع ولا من تأثيرها: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.» ولذلك، ربما لا يكون غريباً أن أول من ناقش فكرة الانفجار الكبير (في مجلة “نيتشر” سنة 1931) كان كاهناً يدعى “جورج لومتر” Georges Lemaitre وهو أيضاً فيزيائي وعالم فلك.

لقد استفضنا في الحديث عن آراء الفيزيائيين وعلماء الكون. وعلينا الآن أن ننتقل إلى علماء الأحياء. ولكن ينبغي قبل هذه الخطوة أن نؤكد أن الحجج التي استخدمناها من علم الكون والفيزياء تقوم على العلم القياسي المعاصر الذي يحظى بقبول واسع.

فهي لا تتحدى أياً من مزاعم العلم المتفق عليه عامة، وكما أشرنا فيما سبق إلى أنها بالتأكيد ليست حجج “إله الفجوات”: فهي لا تختزل إلى مقولة مفادها أن «العلم لا يستطيع أن يفسر أمراً ما، إذن الله هو من صنعه.» ولهذين السببين تحظى حجج الضبط الدقيق مثلاً باحترام معظم العلماء، سواء اتفقوا أو اختلفوا مع الخلاصات التي استنتجناها منها. وذلك، لأن هذه الحجج تتوافق مع العمل العملي الأصيل.

ولكن الموقف مع علم الأحياء مختلف تماماً. ففي ذلك العلم مجرد ذكر الله باعتباره ذكاءً مصمماً، كما سنرى حالاً، يبدو أنه يثير الشكوك حول العمود الأساسي للموضوع كله، ألا وهو التركيب الدارويني الحديث neo-Darwinian synthesis. وسرعان ما تنشأ المخاوف في عقول كثيرة من شبح الرجعية الدينية المضادة للعلم. ولذلك، فنحن على وشك الإبحار في محيط هائج.

وقد يتساءل القارئ لماذا نتكبد هذه الأهوال؟ لماذا لا نكتفي ونقنع بتقديم الحجج الفيزيائية والكونية على أن العلم لم يقتل الإيمان بالله؟ والإجابة ليست عسيرة؛ فبعض المفكرين المؤثرين ممن يتمتعون بشهرة واسعة يصرون على أن علم الأحياء من بين كل العلوم هو الذي يقدم أكبر تأييد للاعتقاد بأن العلم قتل الله. وهم يرون أن علم الأحياء ينطوي على معان دينية قوية، من حيث إنه يثبت عدم وجود إله.

وإن فشلنا في مناقشة حججهم سيعتبرون أن هذا اعتراف بالهزيمة. لذا، علينا أن نأخذ حججهم مأخذ الجد، ونمخر عباب المحيط الهائج. والقارئ هو الذي سيقرر ما إذا كنا قد نجحنا في أن نظل طافين على السطح. وإن كان المحيط هائجاً، فهو على الأقل محاط بمناظر خلابة قد تتاح لنا فرصة الاستمتاع بها.

 

[1] مقياس الرسم المستخدم في الخرائط ويمثل النسبة بين الأبعاد المتمثلة على الخريطة وما يقابل هذه الأبعاد على سطح الأرض (http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/lecture.aspx?fkd=11&lcid=35099) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[2] مقياس رسم غير خطي يستخدم لتمثيل الكميات الضخمة، ومن استخداماته قياس قوة الزلازل وارتفاع الصوت وكثافة الضوء (http://en.wikipedia.org/wiki/Logarithmic_scale) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/5/2015 (المترجم)

[3] يعرفه قاموس The American Heritage بأنه نوع من التفكر فيه يعتقد المرء أن ما يتمناه (أو يرغب فيه) هو الحقيقة، أو سيصبح حقيقة. (المترجم)

[4] Space-time: مفهوم في الفيزياء يؤكد وجود اتحاد بين الزمان والمكان طرحه أينشتاين في نظرية النسبية (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/557482/space-time) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[5] مصطلح فلكي يشير إلى بعد الشيء. فعندما يتحرك جسم في الفضاء نحونا، تنضغط موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأزرق Blue-shifted. وعندما يبتعد الجسم عنا، تتمدد موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأحمر (http://xoolcosmos.ipac.caltech.edu/redshiftedcosmis_classroom/cosmi_reference/redshift.html) تم الاطلاع عليه بتاريخ 21/1/2016) (المترجم)

[6] مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجم وفقاً لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري” أو “قياس الطاقة اللامتاحة.” (المترجم).

[7] مفهوم يوحد بين الميكانيكا الكلاسيكية وميكانيكا الكم في علم الفيزياء (http://www.math.ucla.edu/tao/preprints/phase_space.pdf)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[8] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18٪ من وزن الكائنات الحية. (المترجم).

[9] نسبة إلى “وليم الأوكامي” William of Occam (1300-1349) الذي قال ما معناه: «لا تضخم الكيانات دون داع»، وهو ما يعني أننا لا بد أن نقاوم إغراء تقديم شروح شديدة التعقيد، وإن أصبح أحد الشروح شديد التعقيد، فشفرة “أوكام” تقطعه (“رافي زكراياس”، كتاب “الوجه الحقيقي للإلحاد”، ترجمة ماريانا كتكوت، الناشر: د. ماهر صموئيل، 2015). (المترجم)

[10] Teleology (من الكلمة اليونانية telos تعني “غاية” + logos وتعني “عقل”) وهو تفسير يشير إلى غرض أو غاية ويرى أن سلوك الإنسان يتجه نحو تحقيق غاية ما، وهكذا سلوك سائر الأشياء مصمم لتحقيق غرض معين من صنع عقل متسام عن الطبيعة. ويشار إلى الحجة الغائية أيضاً باسم الحجة المبنية على التصميم Argument from Design (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/585947, تم الاطلاع عليهما بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

«لو كان للبقر والخيول أو الأسود أياد تمكنها من الرسم،

لرسمت الخيول أشكال الآلهة كالخيول، ولرسم البقر آلهة كالبقر،

لها أجسام تشبه أجسامنا.»

زنوفانيز (500 ق.م)

«لا أفترض “إلهاً للفجوات”، إلهاً لمجرد تفسير الأشياء

التي لم يفسرها العلم حتى الآن. ولكني أفترض إلهاً يفسر سر قدرة

العلم على التفسير. فأنا لا أنكر أن العلم يفسر، ولكني أفترض

وجود إله يفسر لنا سر قدرة العلم على التفسير.»

“ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne

إقرأ أيضا:

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

إله الفجوات:

تنشأ قضية أخرى مهمة من قصة “لابلاس”، ألا وهي قضية “إله الفجوات” التي لا بد أن تطرح في أي مناقشة عن العلم والدين إن عاجلاً أم آجلاً. وهي فكرة مفادها أن إدخال إله أو إدخال الله في النقاش العلمي لهو دليل على الكسل الفكري، أي أننا عندما نعجز عن تقديم تفسير علمي لشيء ما ندخل “الله” لنغطي على جهلنا. وسوف نناقش هذه الفكرة لاحقاً بمزيد من التفصيل، ولكن من المهم الآن أن نبين أن مستر “فورد” لا يوجد في فجوات معرفتنا بكيفية علم آلات الاحتراق الداخلي.

وهو بمعنى أدق لا يوجد في أي تفسير تقدم أسباباً فيما يختص بآليات العمل. وذلك، لأن “هنري فورد” ليس آلية، ولكنه الفاعل المسؤول عن وجود الآلية أصلاً حتى إن الآلية بأكملها تحمل بصمات عمل يديه، بما في ذلك ما نفهمه وما لا نفهمه.

وهو ما ينطبق على الله. فعلى المستوى المجرد المتعلق بقدرة العلم التفسيرية نفسها، يقول الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne في كتابه “هل من إله؟” Is There a God?: «لاحظ أني لا أفترض “إلهاً للفجوات”، إلهاً لمجرد تفسير الأشياء التي لم يفسرها العلم حتى الآن. ولكني أفترض وجود إله يفسر لنا سر قدرة العلم على التفسير. فنجاح العلم نفسه في أن يبين لنا مدى ما يتسم به العالم الطبيعي من نظام عميق يقدم أساساً قوياً للاعتقاد بوجود مسبب أعمق لذلك النظام.»

ويستخدم “سوينبرن” الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات Inference to the best explanation ويقول إن الله هو أفضل تفسير لقدرة العلم التفسيرية Explanatory power of science.

والنقطة التي لا بد أن ندركها هنا هي أنه بما أن الله ليس بديلاً للعلم باعتباره أداة تفسيرية، فلا يصح فهمه على أنه إله الفجوات فحسب. ولكنه على العكس، أساس التفسير كله: إن وجوده هو ما يسمح بإمكانية التفسير، سواءً أكان تفسيراً علمياً أو غيره. ومن الأهمية بمكان تأكيد هذه الفكرة لأن بعض الكتاب المؤثرين مثل “ريتشارد دوكينز” يصرون على أن يفهموا الله باعتباره مفسراً بديلاً للعلم، وهي فكرة لا نعثر عليها مطلقاً في أي فكر لاهوتي محترم. ولذلك، فإن “دوكينز” يهاجم عدواً وهمياً، لأنه يرفض مفهوماً لله لا يؤمن به أصلاً أي مفكر جاد. وهو ما يعد علامة على عمق الفكر.

 

نزع الألوهة عن الكون: العلماء الأوائل:

إلا أنه علينا أن نفحص الادعاء الذي يطرحه الكثير من العلماء بمزيد من الدقة، ألا وهو أن الإلحاد هو افتراض سابق لا غنى عنه للعلم الحقيقي. وهم يعتقدون أن أي محاولة للارتكان إلى الله باعتباره تفسيراً للكون على أي مستوى معناها نهاية العلم.

لا شك أننا لا بد أن ننزع الألوهة عن قوى الطبيعية حتى نتمكن من دراسة الطبيعة بحرية، وهي خطوة ثورية في عالم الفكر اتخذها فلاسفة الإغريق الطبيعيون الأوائل طاليس، وأناكسيماندر، وأناكسيمانس الميليتسي منذ أكثر من 2500 سنة. فهم لم يقنعوا بالتفسيرات الأسطورية كالتي كتبها هوميروس وهسيود حوالي سنة 700 ق.م. واجتهدوا في إيجاد تفسيرات للعمليات الطبيعية وحققوا إنجازات علمية عظمية.

فالفضل يرجع إلى طاليس في تحديد عدد أيام السنة بأنها 365 يوماً، وقد تنبأ بدقة بحدوث كسوف شمسي سنة 585 ق.م. وينسب إليه استخدام طرق هندسية في حساب ارتفاعات الأهرام بناء على ظلالها، وفي تقدير حجم الأرض والقمر. أما أناكسيماندر فقد اخترع الساعة الشمسية وساعة تتحمل الأجواء الصعبة ووضع أول خريطة للعالم وأول خريطة للنجوم. وهكذا كان الفلاسفة الميليتسيون Milesians من ضمن العلماء الأوائل.

ويعتبر زنوفانيز (حوالي 570-478 ق.م) الذي من كولوفون (بالقرب من أزمير في تركيا الحالية) ذا أهمية خاصة في موضوعنا. وهو بالرغم من أنه معروف بمحاولاته لفهم دلالات حفريات المخلوقات البحرية التي وجدت في مالطة، فهو معروف أكثر بشجبه الحاد للمنظور الأسطوري للحياة. وقد أشار إلى أن السلوك الذي يعتبره البشر في غاية الخزي نسب للآلهة: فالآلهة كانوا بلا مبدأ، ولصوصاً، وزناة.

ورأى أن هذه الآلهة صنعت على صورة الشعوب التي آمنت بها: فآلهة الإثيوبيين سوداء وأنوفها مسطحة. وشعب تراقيا Thracians صوروا آلهتهم بعيون زرقاء وشعر أحمر. وقد أضاف ساخراً: «لو كان للبقر والخيول أو الأسود أياد تمكنها من الرسم، لرسمت الخيول أشكال الآلهة كالخيول، ولرسم البقر آلهة كالبقر، لها أجسام تشبه أجسامها.» ومن ثم، فقد رأى زنوفانيز أن هذه الآلهة ليس سوى خيالات طفولية صريحة نتجت عن الخيال الخصب لمان آمنوا بها.

وأبيقور الفيلسوف اليوناني الذري[1] Atomist المؤثر (المولود سنة 341 ق.م. عقب موت أفلاطون مباشرة) الذي تنسب له الفلسفة الأبيقورية تمنى إلغاء الأساطير من التفسير بغية تطوير الفهم: «يمكن أن تنتج الصواعق بعدة طرق مختلفة، المهم إبعاد الأساطير عنها! ويمكن إبعاد الأساطير إن تتبعنا ما نراه من الصواعق تتبعاً صحيحاً واعتبرناه علامات تشير إلى ما نراه.»

وهذا الشجب للآلهة والإصرار على بحث العمليات الطبيعية التي كانت حتى ذلك الحين غالباً ما لا تفهم إلا باعتبارها عمل تلك الآلهة، أدى حتماً إلى تراجع التفسيرات الأسطورية للكون وإلى تقدم العلم.

إلا أن زنوفانيز لم يكن الوحيد بين المفكرين القدامى الذي انتقد فلسفة تعدد الآلهة. بل الأهم أنه لم يكن أول من فعل ذلك. فهو لم يعلم (ربما لم تتوفر معلومات كافية عن هذا الموضوع للأسف) أن موسى سبقه بقرون وحذر من عبادة آلهة أخرى والسجود لها «أو للشمس أو للقمر أو لكل ما جند السماء.» والنبي العبراني إرميا مثلاً الذي كتب حوالي سنة 600 ق.م. رفض أيضاً عبثية تأليه الطبيعة وعبادة الشمس والقمر والنجوم.

وهنا يمكن أن نسقط بسهولة في شرك القفز إلى الاستنتاج بأن التخلص من الآلهة يستلزم أو يعادل التخلص من الله. ولكن ما أبعد الفارق بين الاثنين. فموسى والأنبياء أدركوا حماقة السجود لأجزاء الكون المختلفة كالشمس والقمر والنجوم باعتبارها آلهة. ولكنهم رأوا أيضاً أن عدم الإيمان بالله الخالق الذي صنع الكون وإياهم، وعندم السجود له حماقة مماثلة. ولابد هنا أن نلاحظ أيضاً أنهم لم يقدموا فكرة جديدة غير مسبوقة. فهم لم يتحاجوا أن ينزعوا الألوهة عن الكون كما فعل الإغريق، لسبب بسيط أنهم لم يؤمنوا مطلقاً بالآلهة من الأصل.

وما أنقذهم من تلك الخرافة كان إيمانهم بالله الحقيقي الواحد خالق السماء والأرض. أي أن الكون الوثني متعدد الآلهة الذي وصفه كل من هوميروس وهسيود لم يكن صورة العالم الأصلية التي رآها البشر، وهو انطباع منبعه أن معظم الكتب العلمية والفلسفية تبدأ بالإغريق وتؤكد أهمية نوع الألوهة عن الكون، فتفشل فشلاً ذريعاً في الإشارة إلى أن العبرانيين سبقوا الإغريق بمئات السنين في نبذ التفسيرات الوثنية للكون.

وهو ما يشوش على حقيقة أن تعدد الآلهة ينطوي فعلياً على تشويه الإيمان الأصلي بالله الواحد الخالق. وهذا التشويه هو ما كان ينبغي تصحيحه. وهذا التصحيح لا يتم بالتخلي عن الإيمان بالخالق بل باستعادته. هو ما أوضح “ملفين كالفين” كما سبقت الإشارة.

ومن ثم، فالفرق شاسع بين المنظور الإغريقي للكون والمنظور العبراني، وهو ما يجب إبرازه بمزيد من الوضوح. فمثلاً “ورنر يجر” Werner Jaeger يكتب في تعليقه على قصيدة هسيود “نسب الآلهة” “Theogony” (بدايات الآلهة) قائلاً: «إن قارنا أساس خلق العالم عند الإغريق وهو الحب الجنسي أو الإيروس Eros بالكلمة أو اللوجوس Logos الذي يمثل أساس خلق العالم في رواية الخلق العبرية، سنلاحظ هوة شاسعة بني منظور الشعبين.

فاللوجوس تجسد لملكة أو قدرة فكرية عند الله الخالق الذي يقع خارج العالم ويوجد ذلك العالم بأمره الشخصي الخاص. أما الآلهة الإغريقية تقع داخل العالم، فسلالتها تنحدر من السماء والأرض… وقد تولدت بقوة تأثير الإيروس الذي ينتمي بدوره للعالم باعتباره قوة بدائية تنشئ كل شيء. ومن ثم، فهي أصلاً خاضعة لما نطلق عليه القانون الطبيعي. فعندما يفكر هسيود تفكيراً فلسفياً حقيقياً، ينتهي إلى البحث عن الله داخل العالم، لا خارجه، كما هو في اللاهوت المسيحي اليهودي الذي يكشف عنه سفر التكوين.»

فمن اللافت للنظر أن زنوفانيز بالرغم من أنه غارق في ثقافة تؤمن بتعدد الآلهة، لم يقع في خطأ الخلط بين الله والآلهة. ومن ثم، رفض الاثنين. ولكنه آمن بإله واحد يحكم الكون. وقد كتب: «يوجد إله واحد… يختلف عن المخلوقات الفانية شكلاً وفكراً… وهو بعيد ويحكم كل الموجودات دون مجهود.»

وإسهامات توما الأكويني في القرن الثالث عشر تتصل أيضاً بموضوعنا هذا. فقد اعتبر الله العلة الأولى First Cause، المسبب الأعلى لكل الأشياء. فالله تسبب مباشرة في وجود الكون. ومن ثم، فالكون معتمد عليه. وهذا هو ما يمكن نسميه العلية المباشرة Direct causation. ولكن توما الأكويني أوضح بعدئذ مستوى ثانياً من العلية (يسمى أحياناً العلية الثانوية Secondary Caustion) يعمل في الكون.

وهذا ما يكون شبكة المسبب والأثر Cause-effect التي تتألف خيوطها من منظومة الكون المتشابكة المعتمدة على بعضها البعض. ولذلك، فإن كانت تفسيرات العليّة الثانوية يمكن أن تقدم على هيئة قوانين وآليات، فهذا لا يعني عدم وجود الخالق الذي يعتمد عليه وجود شبكة المسبب والأثر عينه.

وفكرة أن الإيمان بإله خالق خلق الكون ويحفظه يقضي على العلم هي فعلياُ فكرة مغلوطة. بل إنها فكرة غريبة على ضوء الدور الذي لعبه هذا الإيمان في نشأة العلم، لأنها لو كانت صحيحة، فالأرجح أن العلم ما كان سينشأ أصلاً. فالاعتقاد بأن محرك السيارة هو من تصميم مستر “فورد” لن يمنع أي شخص من دراسة كيفية عمل المحرك علمياً، بل إنه قد يشجع على ذلك.

ولكن إن اعتنق المرء عقيدة خرافية مفادها أن مستر “فورد” هو المحرك فهذا ما يقضي على محاولاته العلمية نهائياً. وهذه الفكرة خطيرة، فهذا هو مربط الفرس: إن الفرق كبير بين الله والآلهة، وبين إله خالق، وإله هو الكون نفسه، وهو ما أدركه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell جيداً عندما حفر على باب “معمل كافينديش للفيزياء” Cavendish Physics Laboratory الشهير بجامعة كامبريج هذه الكلمات: «عظيمة هي أعمال الرب. مطلوبة لكل المسرورين بها.»

وعندما نمد بصرنا عبر تاريخ العلم نجد من الأسباب ما يكفي للشعور بالامتنان للمفكرين اللامعين الذين خطوا هذه الخطوة الجريئة وشككوا في النظرة الأسطورية للطبيعة التي أسبغت قوى إلهية على أجزاء الكون المختلفة التي لا تملك هذه القوى أصلاً.

وقد رأينا أن بعضهم فعل ذلك، دون أن يرفض مفهوم الخالق، بل باسم ذلك الخالق نفسه. ولكن الخطورة الخفية اليوم أن بعض العلماء والفلاسفة، انطلاقاً من رغبتهم في القضاء على مفهوم الخالق نهائياً، يميلون إلى إعادة تأليه الكون بمنح المادة والطاق قدرات خلقية لا يمكن إثبات أنهما تملكانها فعلاً، وهو ميل ساذج. فمحوهم للإله الواحد الخالق سينتهي إلى ما يسمى النتيجة النهائية لتعدد الآلهة، ألا وهي أن كل جزء في الكون يتمتع بقدرات إلهية.

عندما ناقشنا حدود العلم سابقاً، أوضحنا أن بعض الأسئلة خارجة عن نطاق العلم، وخاصة أسئلة “لماذا” التي تتعلق بالغرض باعتباره متمايزاً عن الوظيفة. ولكن علينا الآن أن نرجع لكيفية تناول العلم للأسئلة التي تقع ضمن مجال اختصاصه.

الاختزالية:

 الهدف من “تفسير” شيء هو تقديم وصف مفهوم واضح لطبيعته ووظيفته. ومن الأساليب المتبعة للوصول لهذا التفسير تقسيم المشكلة إلى أجزاء أو أوجه منفصلة، ومن ثم “اختزالها” إلى مكونات يسهل بحث كل منها على حدة. وهذا الإجراء الذي عادة ما يطلق عليه الاختزالية المنهجية Methodological Reductionism يمثل جزءًا أساسياً من عملة العلم الطبيعية (ومن الكثير من الأنشطة الأخرى) وقد أثبت كفاءة مبهرة.

وتستخدم اللغة الرياضية لتبسيط وصف الظواهر المعقدة جداً أو اختصاره والتعبير عنه بمعادلات رياضية قصيرة وبسيطة. خذ مثلاً الإنجاز العظيم الذي حققه كبلر عندما أخذ الكثير من الملاحظات التي رصدها تيكو براهي Tycho Brahe لحركة النجوم واختصرها في جملة واحدة تقول بأن الكواكب تتحرك في مدارات بيضاوي الشكل وتقع الشمس في أحد مركزي المدار البيضاوي. ثم جاء نيوتن وضغط ما توصل إليه كبلر أو بسطه على هيئة قانون الجاذبية الذي صاغه.

وهكذا تصنف معادلات كل من ماكسويل وإينشتاين وأيضاً “شرودينجر” Schrodinger وكذلك “ديراك” Dirac ضمن أشهر الأمثلة النموذجية على انتصار مبدأ الاختزال الرياضي. والسعي المستمر لما يطلق عليه نظرية كل شيء TOE (Theory of Everything) مدفوع برغبة في التوصل إلى صورة رياضية مختصرة إلى أقصى درجة بدمج قوى الطبيعة الأساسية الأربع معاً.

وقد تأثر عالم الرياضيات العظيم “دافيد هيلبرت” David Hilbert بإنجازات الاختصار الرياضي المبهرة، فرأى أن برنامج تبسيط الرياضيات يمكن استخدامه إلى أقصى درجة حتى نتمكن في النهاية من اختصار كل الرياضيات في مجموعة من الأطروحات الشكلية Formal Statements على هيئة مجموعة منتهية Finite Set من الرموز ومجموعة منتهية من المسلمات وقواعد الاستدلال.

وكم كانت فكرة مغرية تعد بتقديم أعقد الظواهر في تفسيرات «تبدأ من التفاصيل الدقيقة وتنتهي بالمفاهيم العامة» «Bottom-up» ونجاح برنامج “هيلبرت” يعني تبسيط الرياضيات إلى مجموعة من العلامات المكتوبة التي يمكن تطويعها وفقاً لقواعد محددة دون أي اكتراث بالتطبيقات التي تضفي “دلالات” على تلك العلامات. وتتحدد صحة أو خطأ أي سلسلة من الرموز بعملية خوارزمية[2] Algorithmic عامة. وقد جرى البحث دؤوباً لحل المسألة المعروفة باسم مشكلة القرار[3] Entscheidungsproblem عن طريق العثور على ذلك الإجراء المختص بقرار عام.

وقد رجحت الخبرة لكل من “هيلبرت” وغيره أن مسألة القرار يمكن حلها إيجابياً. ولكن حدسهم لم يكن في محله. ففي سنة 1931 نشر عالم الرياضيات النمساوي “كريت جودل” Godel Kurt بحثاً بعنوان “في افتراضات الأسس الرياضية والنظم ذات الصلة التي لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها شكلياً” On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems” ورغم أنه بحث قصير من خمس وعشرين صفحة، فقد أحدث زلزالاً رياضياً مازلنا نشعر بتوابعه حتى الآن.

وذلك، لأن “جودل” أثبت فعلياً أن برنامج “هيلبرت” يستحيل تحقيقه. فقد بين “جودل” في هذا العمل الرياضي الذي يعد إنجازاً فكرياً متقناُ من الطراز الأول أن علم الحساب المألوف لجميعنا غير مكتمل، أي أنه أي منظومة ذات مجموعة منتهية من المسلمات وقواعد الاستدلال تكفي لاحتواء علم الحساب العادي، دائماً ما تحتوي على مقولات Statements صحيحة لا يمكن إثباتها على أساس تلك المجموعة من المسلمات وقواعد الاستدلال. وتعرف هذه النتيجة باسم نظرية “جودل” الأولى في عدم الاكتمال Godel’s First Incompleteness Theorem.

وقد كان برنامج “هيلبرت” يهدف أيضاً إلى إثبات الاتساق الأساسي في صياغته للرياضيات باعتبارها منظومة شكلية. إلا أن “جودل” بدد ذلك الأمر أيضاً في نظريته الثانية في عدم الاكتمال Second Incompleteness Theorem. فقد أثبت أنه من الجمل التقريرية التي لا يمكن البرهنة عليها بمنظومة شكلية قوية وافية هي تلك المختصة باتساق المنظومة نفسها.

أي أنه إن كان علم الحساب متسقاً، فتلك الحقيقة هي واحدة من الأمور التي لا يمكن البرهنة عليها في المنظومة. ولكنها أمر لا يمكننا إلا أن نؤمن به على أساس الأدلة، أو الاحتكام إلى مسلمات أعلى. وهو ما تم إيجازه بالقول: إن كانت أساسات دين ما تقوم على الإيمان، فالرياضيات هي الدين الوحيد الذي يستطيع أن يبرهن أنه دين!

وقد عبر “فريمن دايسون” Freeman Dyson عالم الفيزياء والرياضيات الأمريكي المولود في بربطانيا عن هذا المعنى بأسلوب بسيط عندما قال: «إن “جودل” أثبت أن الكل في الرياضيات دائماً أكبر من مجموع أجزائه.» وعليه، فالاختزالية[4] لها حدودها. ولذلك، فعبارة “بيتر أتكينز” الواردة آنفاً التي يقول فهيا إن «المبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين» عبارة يجانبها الصواب.

وتاريخ العلم يؤكد محدودية الاختزالية العلمية، وهو يعلمنا ضرورة موازنة حماستنا للاختزال – رغم أنها حماسة في محلها – بأن نأخذ في حسابنا أن الكل قد يكون (بل هو عادة) أكثر من حاصل جمع كل ما تعلمناه من أجزائه. فدراسة أجزاء الساعة، كل على حدة لن يمكنك بالضرورة من استيعاب كيفية عمل الساعة الكاملة باعتبارها كلاً متكاملاً. والماء هو أكثر من مجرد ما نراه بسهولة من دراسة مكونيه الهيدروجين والأكسجين كل على حدة. وهناك الكثير من الأنظمة المركبة التي يستحيل فهم أجزائها منفردة دون فهم النظام ككل، ومن أمثلتها الخلية الحية.

وإضافة للاختزالية المنهجية، يوحد نوعان آخران مهمان من الاختزالية: الإبستيمولوجية أو المعرفية Epistemological[5] والأنطولوجية أو الوجودية [6]Ontological. والاختزال الإبستيمولوجي هو الموقف الذي يرى أن الظواهر عالية المستوى يمكن تفسيرها بعمليات من مستوى أدنى. والأطروحة القوية التي يقدمها الاختزال الإبستيمولوجي تتلخص في أن هذه التفسيرات التي «تبدأ من التفاصلي الدقيقة وتنتهي بالمفاهيم العامة» يمكن دائماً التوصل إليها دون باق[7].

أي أنه في نهاية المطاف يمكن تفسر الكيمياء بالفيزياء وتفسير الكيمياء الحيوية بالكيمياء، والأحياء بالكيمياء الحيوية، وعلم النفس بالأحياء، وعلم الاجتماع بعلوم المخ Brain Science، واللاهوت بعلم الاجتماع. وقد عبر عن ذلك “فرانسيس كريك” Francis Crick عالم الأحياء الجزيئية الحائز على جائزة نوبل بقوله: «الهدف النهائي من التطور الحديث لعلم الأحياء هو في الواقع تفسير علم الأحياء كله بالفيزياء والكيمياء.»

ويتفق “ريتشارد دوكينز” مع هذه النظرة إذ يقول: «مهمتي أن أفسر الأفيال وعالم الأشياء المعقدة بالأشياء البسيطة التي يفهمها الفيزيائيون أو ما زالوا يحاولون فهمها.» ولو نحينا مؤقتاً هذا الادعاء الذي يشوبه كثير من الشك عن بساطة الفيزياء (خذ مثلاً ميكانيكا الكم، أو الكهروديناميكا الكمية، أو نظرية الأوتار)، ولكننا سنعود إليه لاحقاً، لاكتشفنا أن الهدف النهائي من هذا الاختزال هو في الواقع اختزال السلوك البشري كله (ما نحب وما نكره، وخريطة حياتنا العقلية بأكملها) إلى فيزياء.

وعادة ما يسمى هذا الموقف “النزعة الفيزيائية” “Physicalism“، وهو من أقوى أشكال الفلسفة المادية Materialism. إلا أن هذه النظرة لا تحظى بتأييد شامل، وذلك لأسباب وجيهة جداً، كما أشار “كارل بوبر” Karl Popper: «في كل الأحوال تقريباُ يتبقى جزء معلق لا يمكن تبسيطه حتى في أنجح محاولات الاختزال.»

ويشرح لنا العالم والفيلسوف “مايكل بولاني” Michael Polanyi لماذا يستحيل منطقياً على الاختزال المعرفي أن ينجح في كل الحالات. فهو يطلب منا أن نفكر في مختلف مستويات عملية بناء مبنى إداري بالطوب. أول خطوة هي استخلاص المواد الخام التي يصنع منها الطوب. ثم تأتي المستويات الأعلى المتتالية من صنع الطوب، لأنه لا يصنع نفسه، يلي ذلك رص الطوب، لأن قوالب الطوب لا “تجمع نفسها”، وعملية تصميم المبنى، لأنه لا يصمم نفسه، وتخطيط المدينة التي يبنى فيها، لأنها لا تنظلم نفسها. ولكن مستوى قواعده الخاصة.

فقوانين الفيزياء والكيمياء تحكم المادة الخام التي يصنع منها الطوب، أما التكنولوجيا تزودنا بفن صنع الطوب، والعمال المسؤولون عن رص الطوب يرصونه حسب إرشادات المهندس المقاول، والهندسة المعمارية تعلم المهندس، والمهندس المعمار محكوم بعمل المتخصصين في تخطيط المدن. أي أن كل مستوى محكوم بالمستوى الأعلى منه. ولكن العكس ليس صحيحاً. فقوانين المستوى الأعلى لا يمكن أن تشتق من قوانين مستوى أدنى، وإن كان ما يتم عمله على مستوى أعلى يعتمد طبعاً على المستويات الأدنى. فمثلاً لو لم تكن قوالب الطوب قوية، سيحد ذلك من ارتفاع المبنى الذي يتحمله الطوب.

أو خذ مثالاً آخر بين يديك الآن. فكر في الصفحة التي تقرأها في هذه اللحظة. إنها تتكون من ورق مطبوع بالحبر (أو قد تكون سلسلة من النقاط على شاشة كمبيوتر أمامك). من الواضح طبعاً أن فيزياء وكيماء الحبر والورق (أو نقاط الصورة pixels على شاشة الكمبيوتر) يستحيل، ولو من حيث المبدأ، أن تخبرك بأي شيء عن دلالات أشكال الحروف المرسومة على الصفحة، وليس السبب إطلاقاً أن علوم الفيزياء والكيمياء لم تبلغ من التقدم ما يتيح لها التعامل مع هذه المسألة.

فحتى لو تركنا لهذه العلوم 1000 سنة أخرى للنمو لن يغير ذلك من الأمر شيئاً، لأن أشكال هذه الحروف تتطلب تفسيراً جديداً من مستوى أعلى يختلف تماماً عن التفسيرات التي يمكن للفيزياء والكيمياء تقديمها. وذلك لأن التفسير الكامل لا يمكن التوصل إليه إلا بمفاهيم ذات مستوى أعلى تختص باللغة والكتابة وتوصيل الشخص لرسالته. أما الحبر والورق ليست سوى موصلات للرسالة، ولكن المؤكد أن الرسالة لا تنشأ منها تلقائياً. وعندما نأتي للغة نفسها نجد أيضاً سلسلة من المستويات، وحيث لا يمكنك اشتقاق المفردات من علم الصوتيات، أو اشتقاق قواعد اللغة من مفرداتها، وهكذا.

وكما نعرف جيداً، المادة الوراثية DNA تحمل المعلومات. وسنشرح ذلك لاحقاً بشيء من التفصيل. ولكن الفكرة الرئيسية أن هذه المادة الوراثية يمكن أن نتخيلها شريطاً طويلاً عليه سلسلة من الحروف المكتوبة بلغة كيميائية تتكون من أربعة حروف. وتحتوي سلسلة الحروف على تعليمات (معلومات) مشفرة تستخدمها الخلية لصنع البروتينات. ولكن ترتيب السلسلة لا ينتج من كيمياء الحروف الأولية.

وهكذا نرى أنه في كل من الحالات سالفة الذكر توجد سلسلة من المستويات، كل منها أعلى من سابقة. وما يحدث على مستوى أعلى لا يشتق كلية مما يحدث على المستوى الأدنى منه. وفي هذه الحالة يقال أحياناً إن ظواهر المستوى الأعلى “تنبثق” “Emerge” من المستوى الأدنى.

ولكن للأسف كلمة “تنبثق” يساء فهمها بسهولة، بل يساء استخدامها على نحو مضلل بحيث تعني أن خصائص المستوى الأعلى تنشأ تلقائياً من خصائص المستوى الأدنى دون أي مدخلات إضافية من المعلومات أو التنظيم، تماماً كما تنشأ خصائص المستوى الأعلى من الماء من خلط الأكسجين والهيدروجين. إلا أن هذا الفكر خاطئ عموماً كما أوضحنا فيما سبق بمثالي عملية البناء والكتابة على الورق. فالمبنى لا ينبثق من قوالب الطوب ولا تنبثق الكتابة من الورق والحبر دون ضخ كمية من الطاقة والذكاء.

وتنطبق الحجة نفسها على تشبيه الانبثاق الذي اقترحه “دوكينز” في محاضرة عامة ألقاها في جامعة أكسفورد (20 كانون الثاني/ يناير 1999) عندما قال إن إمكانية معالجة الكلمات بالكمبيوتر هي خاصية “منبثة” من الكمبيوتر. وهذا صحيح، ولكن هذه الخاصية لا تكون ممكنة إلا بإدخال كميات ضخمة من المعلومات المتضمنة في حزمة برامج مصممة بذكاء، مثل Microsoft Word.

وقد كتب “آرثر بيكوك” Arthur Peacocke اللاهوتي والعالم البريطاني: «يستحيل التعبير عن مفهوم “المعلومات”، مفهوم نقل الرسائل، بمفاهيم الفيزياء والكيمياء، حتى وإن كانت الأخيرة تفسر الكيفية التي تعمل بها الآلة الجزيئية (Molecular Machinery DNA، وRNA، والبروتين) لحمل المعلومات….»

إلا أنه رغم الكتابة على الورق، وبرامج الكمبيوتر، والـ DNA تشترك في أنها تشفر “رسالة” فأولئك العلماء المتمسكون بالفلسفة المادية يصرون على أن الخصائص الحاملة للمعلومات في الـ DNA لا بد أنها انبثقت أخيراً بشكل تلقائي من المادة بعملية غير موجهة عديمة العقل. ودافعهم نحو هذا الإصرار واضح.

فإن كان لا يوجد شيء سوى المادة والطاقة قدرة كامنة تمكنهما من تنظيم نفسها بما يؤدي لانبثاق كافة الجزيئات المعقدة اللازمة للحياة بما فيها الـ DNA وبناء على هذه الفرضيات المادية، تنتفي أي احتمالات أخرى. أما السؤال عما إذا كان هناك دليل على أن المادة والطاقة تتمتعان فعلياً بهذه القدرة “الانبثاقية” فهو موضوع مختلف تماماً سنناقشه بالتفصيل لاحقاً.

والآن نأتي إلى النوع الثالث من الاختزالية، ألا وهو الاختزالية الأنطولوجية التي تعد وثيقة الصلة بالاختزالية الإبستيمولوجية. ويقدم “ريتشارد دوكينز” مثالاً كلاسيكياً على هذا النوع من الاختزال: «الكون ليس إلا مجموعة من الذرات المتحركة، والبشر ليسوا سوى ماكينات لإنتاج الـ DNA، وإنتاج الـ DNA عملية ذاتية الاستدامة. وهو السبب الوحيد في حياة كل شيء حي.»

إن تعبيرات “ليس إلا”، أو “الوحيد” أو “ليسوا سوى” هي العلامة المميزة لفكر الاختزال الأنطولوجي. فإن حذفنا هذه الكلمات عادة ما تتبقى عندنا عبارة لا اعتراض عليها. فلا شك أن الكون مجموعة من الذرات، والبشر بالفعل ينتجون الـ DNA. وهما جملتان علميتان. ولكن ما أن نضيف عبارات مثل “ليس إلا” حتى تتجاوز العبارات حدود العلم وتصبح تعبيرات عن معتقد مادية أو طبيعي.

والسؤال: هل تبقى العبارات صحيحة قد إضافة تلك الكلمات الكاشفة؟ هل هذا هو كل الكون والحياة فعلاً؟ هل سنقول مع “فرانسيس كريك”: «أنت، بأفراحك وأحزانك، وذكرياتك وطموحاتك، وشعورك بالهوية الشخصية والإرادة الحرة، لست في الواقع أكثر من سلوك مجموعة ضخمة من الخلايا العصبية وجزيئاتها»؟

كيف سنرى إذن المشاعر البشرية من الحب والخوف؟ هل هي أنماط سلوكية عصبية بلا معنى؟ وماذا نفعل بمفاهيم الجمال أو الحق؟ هل لوحة للفنان “رمبرانت” Rembrandt ما هي إلا جزيئات من الألوان مبعثرة على القماش؟ يبدو أن “كريك” يراها هكذا.

وهذا ما يدعونا للتساؤل عن الوسيلة التي تمكنا من إدراكها. فإن كان مفهوم الحق نفسه ينتج عن مجرد “سلوك مجموعة ضخمة من الخلايا العصبية»، فكيف نعرف منطقياً أن مخ الإنسان مكون من خلايا عصبية؟ كما أشار “فرزر واتس” Fraser Watts قائلاً إن “كريك” نفسه يبدو أنه يدرك ضرورة وجود مستوى أعمق لأنه أدخل تعديلاً جذرياً على فرضيته “المدهشة” وعمد إلى تخفيفها بعبارة لا تثير أي جدل عندما قال «أنت في معظمك عبارة عن سلوك عدد ضخم من الخلايا العصبية.»

إلا أن هذه الفرضية المعدلة لم تعد مدهشة. فكر فيها. بل حتى لو كانت الفرضية المدهشة حقيقية، فكيف لها أن تدهشنا؟ لأنه كيف يمكننا أن نعرفها أو نفهمها؟ وعندئذ نسأل ما معنى “الدهشة”؟ فالفكرة تنطوي على تناقض داخلي.

وتعد هذه الحجج امتدادات لما عرف باسم “شك داروين” Darwin’s Doubt: «الشك المقيت الذي يراودني دائماً هو ما إذا كان العقل البشري الذي تطور من عقل حيوانات أدنى يمكن لقناعاته أن تحمل أي قيمة أو مصداقية.»

ويعتبر أقوى نقد للاختزالية الأنطولوجية هو أنها تدمر نفسها مثل المذهب العلمي. حتى إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne يصف مجمل الأفكار التي تشكلها بأنها «انتحارية في نهاية الأمر. فإن كانت أطروحة “كريك” صحيحة، إذن يستحيل أن نعرفها. وذلك لأنها تحط من قدر خبرتنا بالجمال والواجب الأخلاقي واللقاءات الروحية وتعتبرها منتجاً ثانوياً بلا قيمة. ولا تكتفي بذلك، بل إنها تدمر العقلانية لأنها تستبدل الفكر بأحداث عصبية كهروكيميائية.

وهما حدثان لا يمكن أن يواجها بعضهما البعض في حديث عقلاني. فهما ليسا صحيحين ولا خاطئين. ولكنهما يحدثان فحسب… ومزاعم الاختزالي نفسه تصبح مجرد إشارات في الشبكة العصبية لمخه. وعالم الحديث العقلاني يتلاشى إلى ثرثرة عبثية من عمل التشابكات العصبية التي تنطلق عندما تتلقى مثيراً ما. والحقيقة أن هذا الكلام يستحيل أن يكون صحيحاً وليس منا من يعتقد فيه.»

وللدقة نقول إن كل المحاولات تناقض ذاتها مناقضة صريحة، مهما بدت أنيقة، من حيث أنها تشتق العقلانية من اللاعقلانية. وعندما نعريها تماماً تبدو محاولات عقيمة عجيبة كمن يحاول أن يرفع نفسه برباط حذائه. أو يصنع ماكينة تدور بلا توقف. فرغم كل ما يدعون، استخدام العقل البشري هو نفسه الذي ساهم على تبني الاختزالية الأنطولوجية التي تحمل معها الاستنتاج القائل بأنه لا مبرر للثقة فيما تقوله عقولنا، إلا إذا كانت تقول لنا إن الاختزالية صحيحة.

 

[1] يعرف “قاموس أكسفورد” “الذرية” atomism بأنها منهج نظري يرى أنه يمكن تفسير الشيء بتحليله إلى مكونات ابتدائية متمايزة ومنفصلة ومستقلة. وهي عكس الشمولية holism. (المترجم)

[2] يعرف “قاموس أكسفورد” “الخوارزمية” Algorithm بأنها مجموعة من الخطوات أو القواعد التي تتبع في الحسابات أو غيرها من عمليات حل المشكلات، ويستخدمها الكمبيوتر بوجه خاص. (المترجم).

[3] هذه هي الكلمة الألمانية لمصطلح Decision Problem وهي تطرح هذا السؤال: هل توجد خوارزمية Algorithm تقرر ما إذا كان طرح رياضي Mathematical Assertion محدد له برهان أم لا؟ (http://mathworld.wolfram.com/DecesionProblem.html)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 20/1/ 2016 (المترجم)

[4] المقصود بالاختزالية هنا تحويل المعارف والمعلومات التفصيلية الدقيقة إلى قانون عام يفسر كل شيء، وهو نفس ما سعى إليه “ستيفن هوكنج” في محاولته للوصول إلى نظرية واحدة تفسر كل شيء. (المحرر)

[5] يعرف قاموس ويسهر Webster’s Dictionary الإبستيمولوجي Epistemology بأنه أحد مباحث الفلسفة الذي يدرس طبيعة المعرفة البشرية وأساليبها وحدودها وصحتها دراسة نقدية. (المترجم)

[6] الأنطولوجي Ontology (علم الوجود) هو المبحث الفلسفي الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود مستقلاً عن أشكاله الخاصة، ويعنى بالأمور العامة التي لا تخص بقصم من أقسام الوجود ) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[7] كما في عمليات القسمة الحسابية التي يكون فيها الناتج دون باق. (المترجم)

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

 

«كل ما يمكن التوصل إليه من معرفة

لا بد أن نتوصل إليه بطرق علمية،

وما لا يمكن للعلم اكتشافه

لا يمكن للبشرية أن تعرفه.»

“برتراند رسل” Bertrand Russell

 

«إلا أن محدودية العلم تتضح في عجزه عن إجابة الأسئلة

البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الأولى والأخيرة،

مثل: “كيف بدأ كل شيء؟”

“ما غرض وجودنا؟”

ما مغزى الحياة؟”.»

السير “بيتر مداوار” Peter Medawar

 

إقرأ أيضًا:

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

 

الصبغة العالمية للعلم:

أياً كان ما يميز العلم، فالمؤكد أنه عالمي. وما يميز الكثير من العلماء، بمن فيهم مؤلف هذا الكتاب، أننا ننتمي لمجتمع عالمي بحق يتجاوز الحدود بكافة أنواعها: الجنس، والمنظومة الفكرية، والدين، والقناعات السياسية، والعديد من العوامل الأخرى التي تفرق الناس عن بعضهم. فكل هذه الاعتبارات تنسى عندما نحاول معاً أن ندرك أسرار الرياضيات، أو نفهم ميكانيكا الكم، أو نحارب مرضاً فتاكاً، أو نستكشف خواص المواد الغريبة، أو نصيغ نظريات عن تركيب النجوم الداخلي، أو نتوصل لأساليب جديدة لتوليد الطاقة، أو ندرس علم البروتينات Proteomics المعقد.

ونظراً لحرص العلماء على الاحتفاظ بعالمية مجتمعهم الذي يتمتع بحرية العمل العلمي دون تدخلات خارجية قد تفرق بين أعضائه، فهم يشعرون بالقلق عندما تطل الميتافيزيقا[1] برأسها مهددة بالتدخل في عملهم، وهو قلق مفهوم. بل إن الأسوأ عندما تظهر قضية الله. ولا شك أنه إن كان هناك مجال يمكن (ويجب) أن يظل محايداً من الناحية الدينية واللاهوتية، فهذا المجال هو العلم. وهو كذلك في الأغلب.

والواقع أن مساحات شاسعة في العلوم الطبيعية، بل ربما العناصر الرئيسية فيها تتمتع بهذا الحياد. ففي كل الأحوال، طبيعة العناصر، والجدول الدوري، وقيم الثوابت الأساسية في الطبيعة، وبنية الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين المعروف باسم DNA، ودورة كريز Kerbs Cycle وقوانين نيوتن، ومعادلة أينشتين، وغير ذلك لا علاقة له بالميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة. ألا ينطبق ذلك على العلم كله؟

تعريف العلم:

وهذا يأتي بنا ثانية إلى سؤالنا: ما هو العلم؟ على عكس الانطباع الشائع، ليس هناك منهج علمي واحد متفق عليه، إلا أن بعض العناصر دائماً ما تظهر فجأة في محاولة لوصف ما يشتمل عليه النشاط “العلمي”: فرضية، تجربة، بيانات، أدلة، فرضية معدلة، نظرية، تنبؤ، تفسير، وهكذا. ولكن وضع تعريف دقيق هو عملية بعيدة المنال. ويمكن أن نأخذ محاولة “مايكل روس” Michael Ruse مثالاً على ذلك. يرى “روس” أن العلم «بطبيعته لا يتعامل إلا مع الطبيعي، القابل للتكرار، المحكوم بقانون.»

ومن الناحية الإيجابية يتيح لنا هذا التعريف بكل تأكيد أن نميز بين علم الفلك والتنجيم. إلا أن نقطة الضعف الأكثر وضوحاً في هذا التعريف أنه يستبعد معظم علم الكونيات المعاصر من نطاق العلم. فالنموذج المعروف لنشأة الكون يصف أحداثاً فريدة من نوعها لأن نشأة الكون لا يمكن تكرارها (بسهولة) ويحق لعلماء الكونيات أن يتضايقوا عندما يسمعون أن عملهم لا يرقى إلى مستوى العلم.

علاوة على ذلك هناك طريقة أخرى لفحص الأشياء وتمثل جزءًا أساسياً في منهجية العلم المعاصر، ألا وهو طريقة «الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات» Inference to the best explanation (أو الاستدلال الاحتمالي abduction كما يطلق عليه أحياناً). ففي حالة الأحداث المتكررة نحن نثق أن تفسيراتنا لها هي أفضل التفسيرات لأنها تحمل قدرة تنبؤية، ولكن في حالة الأحداث غير المتكررة، ما زال يمكننا أن نسأل: ما أفضل تفسير لهذا الحدث أو هذه الظاهرة؟ والفكرة من ورائها هي: إن وجدت (س)، إذن يحتمل أن توجد (ص). فنلاحظ (ص)، فتصبح (س) تفسيراً محتملاً للظاهرة (ص). أما تعريف “روس” يغفل عن هذه النقطة.

ومع ذلك، فهذا التعريف القاصر يؤدي غرضاً مفيداً من حيث إنه يذكرنا أن فروع العلم لا تتساوى في قوة مرجعيتها. فالنظرية العلمية التي تقوم على الملاحظة المتكررة والتجريب غالباً، بل يجب أن، تتمتع بمصداقية أكبر مما تتمتع به النظرية التي لا تنطبق عليها هذه المواصفات. وعدم إدراكنا لهذا الفارق يجعلنا نمنح الأخيرة نفس ما نمنحه للأولى من مصداقية مرجعية، وهو ما سوف نعود إليه لاحقاً.

ولكن علينا أن نلاحظ أن نموذج العالم كما يرسمه عصر التنوير[2] Enlightenment هو ذلك الرجل العقلاني الذي يلاحظ الظواهر بهدوء وسكينة، في استقلال تام، وتحرر من كل النظريات المسبقة، متجاوزاً الاعتبارات الفلسفية والأخلاقية والدينية، ويقوم باستكشافاته ثم يخرج بخلاصات موضوعية لا يشوبها أي تحيز تعبر عن الحق المطلق. ولكن ما يزيد الأمور تعقيداً، أن هذا النموذج يعتبره فلاسفة العلم الجادون (ومعظم العلماء حالياً) خرافة ساذجة. فالعلماء، مثل باقي البشر لديهم أفكار مسبقة، وفلسفات حياتية تؤثر في كل ما يواجهونه من مواقف. وهو ما يتضح في بعض العبارات التي ناقشناها فيما سبق. بل إن الملاحظات نفسها لا تملك إلا أن تكون «متأثرة بالنظريات»، فلا يمكننا مثلاً أن نقيس درجة الحرارة إلا إذا كانت هناك نظرية عن الحرارة.

وإن دخلنا إلى مستوى أعمق في مجال سلوك الجسيم الأولي Elementary particle، نجد أن علماء الفيزياء اكتشفوا أن عملية الملاحظة عينها تثير إشكاليات لا يمكن تجاهلها. فمثلاً “فرنر هايزنبوج” Werner Heisenberg الحائز على جائزة نوبل يستنتج أن «القوانين الطبيعية التي صيغت رياضياً في نظرية الكم لم تعد تتعامل مع الجسيمات الأولية نفسها بل مع معرفتنا عنها.»

هذا بالإضافة إلى المناقشات العنيفة التي تدور حالياً حول ما إذا كان العلم يقوم على الملاحظة والتنبؤ أم يقوم على تحديد المشكلة والتفسير. وعندما ننتهي إلى صياغة نظرياتنا، تأتي البيانات لتثير حولها تساؤلات جديدة: فمثلاً يمكن رسم عدد لا نهائي من الأقواس باستخدام عدد محدد من النقاط. لذلك فالعلم بطبيعته مبدئي ومتغير بنسبة ما.

إلا أننا هنا لا بد أن ننوه سريعاً أن هذا لا يعني مطلقاً أن العلم هو بنية اجتماعية اعتباطية ذاتية تتأثر بميول أصحابها، كما يرى بعض مفكري ما بعد الحداثة[3] Postmodern. ولكن من الإنصاف أن نقول إن الكثير من العلماء، إن لم يكن معظمهم، «واقعيون نقديون» يؤمنون بوجود عالم موضوعي يمكن دراسته ويؤمنون أنه حتى إن كانت نظرياتهم لا ترقى إلى مرتبة “الحق” بالمعنى النهائي أو المطلق، إلا أنها تزيد من قدرتهم على إدراك الواقع كما يتضح مثلاً في تطور فهمنا للكون من جاليليو إلى نيوتن إلى أينشتين.

ولكن لنرجع إلى “روس” وتعريفه للعلم لأن هناك المزيد مما يمكن أن يقال في هذا الصدد. ماذا يعني قوله إن العلم لا يتعامل إلى مع “الطبيعي”؟ لا بد أنه يعني على أقل تقدير أن الأشياء التي يدرسها العلم هي الأشياء التي توجد في الطبيعة. ولكنه قد يعنى أيضاً أن التفسيرات التي تعطى لهذه الأشياء لا يمكن اعتبارها علمية إلا إذا صيغت بمصطلحات الفيزياء والكيماء والعمليات الطبيعية. ولا شك أن هذه نظرة متفق عليها.

فمثلاً “ماسيمو بيجلوتشي” Massimo Pigliucci أستاذ علم البيئة والتطور يقول إن «فرضية العلم الأساسية هي أن العالم يمكن تفسيره كاملاً بمصطلحات فيزيائية دون اللجوء إلى أي كيانات فائقة.» ويكتب “كريستيان دو دوف» Christian de Duve الحائز على جائزة نوبل رأياً مشابهاً إذ يقول: «البحث العلمي يرتكز على فكرة مفادها أن كل ما نراه في الكون يمكن تفسيره بمصطلحات طبيعية، دون أي تدخل خارق للطبيعة. وهذه الفكرة ليست موقفاً فلسفياً بديهياً ولا اعتراف بعقيدة.

ولكنها افتراض Postulate، أي فرضية مبدئية ليست نهائية أن تامة Working Hypothesis يجب أن نكون مستعدين للتخلي عنها لو واجهتها حقائق تتحدى كل محاولات التفسير المنطقي. إلا أن الكثير من العلماء لا يشغلون أنفسهم بهذا الفارق، فيتعاملون ضمناً مع الفرضية على أنها حقيقة مؤكدة. وهم سعداء جداً بما يقدمه العلم من تفسيرات. وهم في ذلك مثل “لابلاس” Laplace لا يحتاجون إلى “فرضية الله” ويعتبرون الموقف العلمي موقفاً لا أدرياً، إن لم يكن موقفاً إلحادياً صريحاً.»

وهذا اعتراف صريح أن العلم عند الكثيرين لا ينفصل فعلياً عن موقف ميتافيزيقي لا أدري أو إلحادي يصر أصحابه على التمسك به. وقد لاحظنا أن ينطوي على فكرة خفية مفادها أن «أي تدخل فائق للطبيعة» يعني «تحدي كل محاولات التفسير المنطقي.» أي أن “فوق طبيعي” مرادف لما هو “غير منطقي”.

ومن تعمق منا في دراسة الفكر اللاهوتي الجاد يرى أن هذه الفكرة خاطئة وأن الاعتقاد بوجود إله خالق فكرة منطقية. أما اعتبار “التفسير المنطقي” مرادف “التفسير الطبيعي” فهو موقف يعبر في أحسن حالاته عن تحيز مسبق، وفي أسوأ الحالات يعكس خطأ تصنيفياً[4] Category Mistake.

والكثير من العلماء يتفقون مع “دو دوف” في رأيه. وهو ما عبر عنه القاضي “جونز” Jones في الدعوى التي رفعها “كيتسميلر” وآخرون على منطقة “دوفر” التعليمية Kitzmiller et al. vs. Dover Area School District سنة 2005 عندما قرر أن «التصميم الذكي» موقف ديني وليس موقاً علمياً، وقد قال صراحة: «شهادة الخبراء تكشف أنه منذ الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أصبح العلم مقتصراً على البحث عن الأسباب الطبيعية لشرح الظواهر الطبيعية…

ورغم أن التفسيرات الفائقة للطبيعة لها أهميتها وقيمتها، فهي لا تمثل جزءًا من العلم… وهذا العرف الذي يفرضه العلم على نفسه الذي يحصر البحث في التفسيرات الطبيعية للعالم الطبيعي التي يمكن إخضاعها للاختبار يشير إليه الفلاسفة باسم «المذهب الطبيعي المنهجي» “Methodological naturalism” ويعرف أحياناً باسم المنهج العملي Scientific method… والمذهب الطبيعي المنهجي هو “قاعدة أساسية” في العلم اليوم تتطلب من العلماء أن يبحثوا عن تفسيرات في العالم المحيط بنا تقوم على ما يمكننا ملاحظته، واختباره، وتكراراه، والتحقق منه.»

والفيلسوف “بول كرتس” Paul Kurtz يعبر عن رأي مشابه إذ يقول إن «العنصر المشترك بين كافة أشكال الفلسفة الطبيعية هو التزامها بالعلم. وبذلك، يمكن تعريف الفلسفة الطبيعية بمعناها الأشمل على أنها التعميمات الفلسفية لما تستخدمه العلوم من منهجيات وتتوصل إليه من استنتاجات.»

والآن يمكننا أن ندرك سر جاذبية هذا الأسلوب. فهو أولاً يميز تمييزاً واضحاً بين العلم الأصيل والخرافة، أي بين علم الفلك والتنجيم مثلاً، أو علم الكيمياء والسيمياء. وهو يمنعنا أيضاً من الارتكان إلى فكرة «إله الفجوات» «God of the gaps» التي تقول «إن كنت لا أفهم هذا الشيء، إذن هو من صنع الله أو الآلهة.»

إلا أن هذا الرأي يشوبه على الأقل عيب واحد خطير، ألا وهو أن هذا الارتباط الوثيق بين العلم والفلسفة الطبيعية من شأنه أن يؤدي إلى الاستخفاف بأي بيانات أو ظواهر أو تفسيرات لا تلائم قالب الفلسفة الطبيعية، بل قد يؤدي إلى مقاومتها مقاومة مستميتة. وبالطبع يعتبر هذا عيباً إن اعتبرنا الفلسفة الطبيعية خاطئة. ولكنها إن كانت صحيحة، فلن يكون لهذه المشكلة وجود أبداً حتى لو كان التفسير الطبيعي لظاهرة ما يستغرق سنين طويلة حتى يتم اكتشافه.

أيهما أسبق، العلم أم الفلسفة؟

يعرف “كرتس” المذهب الطبيعي بأنه فلسفة تنشأ من العلوم الطبيعية. أي أن العالم يدرس الكون أولاً، ويضع نظرياته، وبعدئذ يرى أنها تتطلب فلسفة طبيعية أو مادية.

إلا أنه كما أشرنا آنفاً، صورة «الصفحة البيضاء» العلمية التي تعكس عقلاً منفتحاً عن آخره ومجرداً من أي معتقدات فلسفية مسبقة في دراسته للعالم الطبيعي هي صورة مضللة جداً. لأن ما يحدث فعلياً قد يكون على النقيض مما يراه “كرتس”؛ فمثلاً عالم المناعة “جورج كلاين” George Klein يصرح بوضوح أن إلحاده لا يقوم على العلم، ولكنه التزام إيماني يقوم على فرضية بديهية.

وقد كتب في تعليق على خطاب من صديق له وصفه فيه بأنه لاأدري: «أنا لست لاأدرياً. أنا ملحد. وموقفي لا يقوم على العلم، بل على الإيمان…. فغياب الخالق وعدم وجود الله هو إيمان طفولتي وعقيدة رشدي، وهو موقف راسخ مقدس.»

ونلمح هنا إلى أن الفكرة التي يؤمن بها “كلاين”، ويشاركه فيها “دوكينز”، تتلخص في أن الإيمان والعلم متضادان، وهي فكرة نعترض عليها بشدة.

ويتبنى هذه الفكرة أيضاً “ريتشارد ليونتن” Richard Lewontin عالم الوراثة في “جامعة هارفارد” Harvard University إذ يقول صراحة في تعليقه على آخر كتب “كارل ساجان” إن قناعاته المادية تقوم على فرضية بديهية. وهو يعترف أن فلسفته المادية لا تنبثق من العلم، بل على العكس، فماديته هي التي تحدد طبيعة فهمه للعلم، وهو واع بهذه العملية: «استعدادنا لقبول المزاعم العلمية التي تخالف الحس السليم هو مفتاح فهم الصراع الحقيقي بين العلم وما هو فائق للطبيعي.

إننا نأخذ صف العلم رغم ما يشوب بعض أفكاره من عبث بيّن… رغم تسامح المجتمع العلمي مع القصص التي تقبل كما هي دون دليل لأننا ملتزمون مسبقاً… بالفلسفة المادية. فمناهج العلم ومؤسساته لا تجبرنا على قبول تفسير مادي للعالم الظاهر، بل بالعكس، التزامنا البديهي بالقضايا المادية يجبرنا على خلق أداة للبحث ومجموعة من المفاهيم تنتج تفسيرات مادية، مهما كانت مناقضة للحدس، ومهما بدت غامضة لضعيف المعرفة.»

ورغم ما تثيره هذه العبارة من دهشة، فهي في منتهى الصدق. وهي عكس موقف “كرتس.”

فبهذا التصريح يقول “ليونتن” بوجود صراع بين «العلم وما هو فوق طبيعي»، ولكنه يناقض نفسه فيعترف أن العلم لا يحمل أي إجبار في ذاته يفرض علينا الفلسفة المادية. وهو ما يؤيد قناعتنا بأن المعركة الحقيقية ليس فعلياً بين العلم والإيمان بالله، بل بين منظور فلسفي مادي (أو بشكل أشمل منظور فلسفي طبيعي) ومنظور فلسفي فائق للطبيعي يرتكز على الإيمان بالله الخالق.

فعلى أي حال إيمان “ليونتن” بالمادية لا يتأسس على العلم الذي يشتغل به، كما اعترف هو شخصياً، بل على شيء مختلف تماماً، كما يتضح فيما يقوله بعدئذ: «أضف إلى ما سبق قولنا بأن تلك المادية التي أومن بها لها صفة “المطلق”، ومن ثم لا نستطيع السماح بمطلق آخر – كالإله مثلاً – أن يدخل من الباب ليزاحمها أو يتجاور معها.»

ولست أدري إن كان “دوكينز” متحمساً لهدم هذا النوع من «الإيمان الأعمى» بالمادية قدر حماسه لهدم الإيمان بالله، رغم أن مبدأ الاتساق يحتم عليه ذلك. وما الذي يجعلنا «لا نستطيع أن نسمح بدخول السماح بمطلق آخر – كالإله مثلاً – أن يدخل من الباب»؟ فإن كان العلم كما يقول “ليونتن” لا يجبرنا على الإيمان بالمادية، فتعبير «لا نستطيع» لا يشير طبعاً إلى العلم باعتباره عاجزاً عن التدليل على أي تدخل إلهي.

ولكنه لا بد أن يعنى «أننا نحن الماديين لا نستطيع أن نسمح لأي عنصر إلهي بالدخول من الباب.» ولكننا لسنا في حاجة إلى أن نقول إن «الماديين لا يستطيعون أن يسمحوا لأي عنصر إلهي بالدخول من الباب.» وذلك، لأن المادية ترفض التدخل الإلهي، وترفض الباب نفسه. فالمادي لا يؤمن بأي شيء خارج الكون أصلاً، أي أنه «لا يوحد ولم يوجد ولن يوجد أي شيء سوى الكون.»

ولكن ذلك الموقف الرافض لا ينطوي في ذاته على أي أبعاد تشرح لنا وجود أو عدم وجود مثل هذا التدخل أو هذا الباب أكثر مما صرح به “ليونتن” بأنه لا يؤمن شخصياً بأي منهما، وهو تصريح بلا دليل. فلو صمم طبيب عن عمد جهازاً يكشف الإشعاع في المدى المنظور فقط، فمهما كانت فائدة هذا الجهاز، فمن العبث أن يستخدمه ليُنْكر وجود الأشعة السينية مثلاً التي لا يمكن لهذا الجهاز أن يكتشفها بسبب طبيعة تركيبه.

وهكذا من الخطأ أن ننكر أن العلماء الماديين أو الطبيعيين يمكنهم أن ينتجوا علماً جيداً، ومن الخطأ أيضاً أن ننكر أن المؤمنين بالله يمكنهم أن ينتجوا علماً جيداً. والأكثر من ذلك، حتى لا نفقد قدرتنا على رؤية الأشياء في حجمها الطبيعي، علينا أن نأخذ في اعتبارنا عموماً أن العلم الذي يتم بناء على افتراضات مسبقة إلحادية يسفر عن نفس النتائج التي يسفر عنها العلم الذي يتم بناء على افتراضات مسبقة تقوم على الإيمان بالله.

فمثلاً عندما يحاول أحد العلماء عملياً اكتشاف كيفية قيام كائن ما بوظائفه، لا يهم ما إذا كان العالم يفترض أن هذا الكائن يقوم بوظائفه وفقاً لتصميم حقيقي، أم أنه مجرد مظهر لتصميم، دون تصميم فعلي. ففي هذه الحالة، سواء استندنا إلى فرضية «المذهب الطبيعي المنهجي» (يطلق عليها أحياناً «الإلحاد المنهجي») أو إلى ما قد نطلق عليه اصطلاح «الإيمان المنهجي بالله الخالق» «Methodological theism»، كلاهما سيؤدي إلى النتائج نفسها. وذلك لأن الكائن يعامل منهجياً في الحالتين باعتباره يخضع لتصميم.

وخطورة بعض المصطلحات مثل «الإلحاد المنهجي» أو «المذهب الطبيعي المنهجي» تكمن في كونها تبدو وكأنها تؤيد المنظور الإلحادي، وتنقل انطباعاً بأن الألحاد له علاقة بنجاح العلم، وهو ما قد يخالف الواقع تماماً. وحتى تتضح هذه الفكرة في ذهنك، تخيل ما قد يحدث لو استخدم مصطلح «الإيمان المنهجي بالله الخالق» في المؤلفات بدلاً من مصطلح «الإلحاد المنهجي.» ستتعالى الأصوات ضده على الفور من كل حدب وصوب بحجة أنه يترك انطباعاً بأن الإيمان بالله هو ما ساهم في نجاح العلم.

ومع ذلك نجد بعض العلماء المؤمنين بالله يصرون على تعريف العلم بمصطلحات طبيعية صريحة، وهو موقف متناقض. فمثلاً “إرنن ماكمولين” Ernan McMullin يكتب قائلاً: «… المذهب الطبيعي المنهجي لا يقيد دراستنا للطبيعة، ولكنه يحدد نوعية الدراسة التي ترقى إلى مرتبة العلم.

إلا أنه إن أراد أحد أن يتبع منهجاً آخر في دراسة الطبيعة، والمناهج كثيرة، لا يحق لمن يتبع المنهج الطبيعي أن يعترض عليه. ولكن على العلماء أن يسيروا في هذا الاتجاه، فمنهجية العلم لا علاقة لها بالادعاء القائل بأن حدثاً بعينه أو نوعاً معيناً من الأحداث يجب تفسيره مباشرة بناء على فعل الله الخلقي.»

إلا أنه هناك فارقاً بين كلام “ليونتن” وكلام “ماكمولين.” وهو أن “ليونتن” لن يسمح بأي تدخل إلهي، وانتهى الأمر. أما “ماكمولين” يقبل التدخل الإلهي ولكن العلم ليس لديه ما يقوله عنه. فهو يرى أن هناك طرائق أخرى لدراسة الطيبعة، ولكن لا يمكن اعتبارها مناهج علمية، وهكذا يمكن التعامل معها على أنها أقل من حيث قوتها المرجعية. وهنا نقترح أنه لا تعبير “المذهب الطبيعي المنهجي” ولا تعبير “الإيمان المنهجي بالله الخالق” له أي فائدة خاصة، ويفضل تجنب كليها.

إلا أن الامتناع عن استخدام مصطلحات معينة عديمة النفع قصة أخرى تختلف عن القناعات الفلسفية. فما لا يستطيع أي عالم أن يتجنبه هو ما يؤمن به شخصياً من قناعات فلسفية. وتلك القناعات، كما ذكرنا تواً، لا تلعب دوراً كبيراً، أو لا تلعب أي دور يذكر، عندما ندرس الكيفية التي تعمل بها الأشياء، ولكنها قد تلعب دوراً أساسياً عندما ندرس كيف أتت الأشياء إلى الوجود أصلاً، أو عندما ندرس الأشياء التي لها علاقة بفهمنا لأنفسنا باعتبارنا بشراً.

هل دائماً ما نقبل ما يشر إليه الدليل؟

حتى لا نصادر على المطلوب[5] ونعرف العلم بأنه أساساً فلسفة طبيعية تطبيقية، ومن ثم فرضية بديهية من الناحية الميتافيزيقية، فلنفترض أننا نفهمه باعتباره عملية استكشاف للنظام الطبيعي ووضع نظريات تشرحه بحيث نميز روح العلم الحقيقي ونقدرها. وروح العلم هي الرغبة في اتباع الدليل التجريبي حيثما يؤدي. والسؤال المحوري هنا: ماذا يحدث لو أن العمليات الاستكشافية في هذه المجالات بدأت تنتج أدلة تتعارض مع منظورنا الفلسفية، إن كان هذا الأمر وارد الحدوث أصلاً؟

وقد أجرى “كون” Kuhn دراسة شهيرة في هذا الصدد خلص منها إلى أن الصراعات تنشأ عندما يتعارض الدليل التجريبي مع الإطار العلمي المقبول، أو “النموذج” “Paradigm” العلمي المقبول كما أطلق عليه “كون” الذي يعمل وفقاً له معظم العلماء في مجال بعينه. ويعتبر رفض بعض رجال الكنيسة النظر في تلسكوب جاليليو مثالاً كلاسيكياً على ذلك النوع من الصراع.

فلم تكن لديهم الشجاعة الكافية لمواجهة ما ينطوي عليه الدليل المادي من أبعاد، لأنهم لم يحتملوا أن يكون النموذج الأرسطي المفضل لديهم نموذجاً خاطئاً. ولكن لا يمكن اتهام رجال الكنيسة وحدهم بمعاداة العلم. ففي بداية القرن العشرين مثلاً، تعرض علماء الوراثة أتباع نظرية “مندل” Mendel لاضطهاد الماركسيين الذي اعتبروا الأفكار المندلية بخصوص الوراثة لا تتماشى مع الفلسفة الماركسية، مما جعلهم يرفضون السماح لأتباع النظرية المندلية أن يسيروا حيثما يقودهم الدليل.

وهو ما حدث في الإطاحة بالنموذج الأرسطي، فالمعتقدات المترسخة قد تستلزم وقتاُ طويلاً حتى تتراكم الأدلة التي تؤيد نموذجاً جديداً يحل محل النموذج القائم. وذلك لأن أي نموذج علمي لا ينهار بالضرورة لحظة اكتشاف دليل مضاد له، وإن كان لا بد أن نشير هنا إلى أن تاريخ العلم يكشف النقاب عن بعض الأمثلة الجديرة بالذكر. فعندما اكتشف “رذرفورد” Rutherford نواة الذرة، رفض على الفور أحد مبادئ الفيزياء الكلاسيكية، مما خلق فوراً تحولاً في النموذج المعرفي Paradigm Shift. وفي مثال آخر، حل الـ DNA محل البروتين باعتباره المادة الجينية الأولية بين ليلة وضحاها، إن جاز التعبير.

إلا أنه في هذه الحالات لم تنطو هذه الاكتشافات على قضايا فلسفية عميقة غير مريحة. وفي هذا الصدد يقول “توماس ناجل” تعليقاً في محله: «لا شك أن الإرادة تسيطر على العقيدة، بل أحياناً ما تقهرها. وأوضح الأمثلة على ذلك نراها في مجالي السياسة والدين. ولكن العقل المقيد يبقى متخفياً تحت أقنعة فكرية بحتة، ومن أقوى دوافعه نحو قبول هذا القيد الخفي هو تعطشه للعقيدة في ذاتها.

ومن يعانون من هذه الحالة لا يحتملون أن يرجئوا تكوين رأي في موضوع يهمهم. وهم لا يغيرون آراءهم بسهولة إلا إذا وجودا بديلاً يمكنهم تبنيه بارتياح دون أن يسبب لهم توتراً، ولكنهم يكرهون أن يضطروا لتعليق رأيهم فترة من الزمن.»

إلا أنه لا يمكن دائماً تبني البدائل دون شعور بشيء من التوتر وخاصة في المسائل التي تتعرض فيها الفلسفات الحياتية للتهديد من جانب الأدلة المغايرة، حيث تحدث مقاومة شديدة قد تصل إلى حد العداء لأي شخص يريد أن يتبع الدليل حيثما يؤدي ويتطلب الأمر شخصاً قوياً يسبح ضد التيار ويتحمل ما قد يتعرض له من نقد لاذع من أقرانه. ومع ذلك، فبعض القامات الفكرية الشامخة تفعل ذلك بالضبط.

فقد كتب “أنتوني فلو” Anthony Flew: «لقد سارت حياتي كلها وفقاً لمبدأ سقراط معلم أفلاطون» عقب تحوله من الإلحاد إلى الإيمان بالله الخالق. وهو يقول أيضاً: «اتبع الدليل حيثما يقودك.» ولكن ماذا لو كان الناس لا يحبون ذلك؟ وهو يجيب عن ذلك قائلاً: «يا له من أمر محزن.»

 

ملخص ما نوقش حتى الآن:

يبدو إذن أن هناك طرفي نقيض علينا تجنبهما. الأول هو النظر إلى العلاقة بين العلم والدين باعتبارها مجرد صراع. والثاني هو النظر إلى العلم كله باعتباره محايداً من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية. وكلمة “كله” مهمة في هذا السياق لأنه من السهل ألا نضع الأشياء في حجمها الطبيعي ونرى العلم كله تحت رحمة الفلسفة. ولكن أؤكد أن مساحات شاسعة من العلم ما زالت كما هي دون أن تتأثر بالاعتبارات الفلسفية. ولكن ليس كل المجالات العلمية هكذا، وهنا تكمن المشكلة.

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

حدود التفسير العلمي:

العلم يفسر. يرى الكثيرون أن هذه الجملة تلخص قدرة العلم وإبهاره. إن العلم يمكننا من فهم ما لم نفهمه من قبل، وهو يساعدنا في السيطرة على الطبيعة بفضل ما يزودنا به من فهم لها. ولكن ما مقدار ما يفسره العلم؟ هل هناك حدود لقدرة العلم على التفسير؟

البعض لا يظن ذلك، ومن الماديين من يظنون أن العلم هو الطريق الوحيد للحق، وهو قادر على تفسير كل شيء. وذلك من حيث المبدأ على الأقل. ويطلق على هذا الموقف “المذهب العلمي” “Scientism[6]. ويعبر “بيتر أتكينز” عن هذا الموقف تعبيراً كلاسيكياً بالقول: «ليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود.» وهذا هو جوهر المذهب العلمي بإيجاز.

وأمثال “أتكينز” الذين يتبنون هذا الموقف يعتبرون أن كل الحديث عن الله والدين والخبرة الدينية يقع خارج نطاق العلم، مما يجعله غير صحيح موضوعياً. ولكنهم يعترفون طبعاً أن الكثيرين يفكرون في الله، ويدركون أن التفكير في الله يمكن أن يأتي بآثار نفسية، أو حتى جسدية قد يكون بعضها مفيداً. ولكنهم يرون أن التفكير في الله يشبه التفكير في بابا نويل، أو التنانين، أو الغيلان، أو الجن والجنيات الموجودة في آخر الحديقة.

ويشير “ريتشارد دوكينز” إلى هذه النقطة في إهدائه لكتابه “وهم الإله” لذكرة “دوجلاس آدامز” Douglas Adams باقتباسه لأحد أقواله: «ألا يكفينا أن نرى جمال الحديقة دون أن نعتقد أن هناك جنيات في نهايتها؟»

إن التفكير في الجنيات والافتتان بها أو الخوف منها لا يعني أنها موجودة بالفعل. ولذلك، فالعلماء الذي نتحدث عنهم (غالباً ولكن ليس دائماً كما رأينا) يسعدون بأن يتركوا الناس يستمرون في التفكير في الله والدين إن أرادوا، طالما أنهم لا يزعمون أن الله له أي وجود موضوعي، أو أن الاعتقاد الديني يمثل نوعاً من المعرفة. أي أن العلم والدين يمكن أن يتعايشا سلمياً طالما أن الدين لا يغزو مملكة العلم. وذلك لأن العلم فقط هو ما يمكنه أن يخبرنا بما هو صحيح موضوعياً، أي أن العلم وحده هو الذي يزودنا بالمعرفة. فالعلم يتعامل مع الواقع والدين لا يفعل ذلك.

إلا أن بعض عناصر هذه الفرضيات والمزاعم في منتهى الغرابة حتى أنها تتطلب التعليق عليها فوراً. ولنأخذ قول “دوجلاس آدامز” الذي يقتبسه “دوكينز” أعلاه، فهو يكشف السر عن غير قصد لأنه يبين أن “دوكينز” متهم بارتكاب خطأ طرح بدائل خاطئة إذ يرجح أنه إما توجد جنيات أو لا يوجد شيء. فالجنيات في نهاية الحديقة قد تكون وهماً بالفعل، ولكن ماذا عن البستاني، ناهيك عن المالك؟ لا يمكن رفض احتمالية وجودهما بهذه البساطة، فالواقع أن كليهما موجود في معظم الحدائق.

خذ أيضاً الادعاء بأن العلم وحده هو القادر على توصيل الحق، لو كان هذا الادعاء صحيحاً، لقضى دفعة واحدة على الكثير من المواد التي تدرس في المدارس والجامعات. وذلك لأن تقييم الفلسفة والأدب والفن والموسيقا يقع خارج نطاق العلم بهذا المفهوم الضيق. فكيف يمكن للعلم أن يخبرنا ما إذا كانت قصيدة ما سيئة أو رائعة؟ لا أظن أنه يمكنه ذلك بقياس أطوال الكلمات أو ترددات الحروف المكونة لها.

وكيف يمكن للعلم أن يخبرنا بما إذا كانت إحدى اللوحات تمثل تحفة فنية أم أنها مجرد خليط ألوان بلا معنى؟ بالتأكيد لا يستطيع أن يفعل ذلك بتحليل الرسم واللوحة كيميائياً. وهكذا، يقع تعليم الأخلاق خارق نطاق العلم. فالعلم يمكنه أن يخبرك بأنك لو وضعت سماً في مشروب شخص، سيموت. ولكنه لا يقدر أن يخبرك عن مدى صحة ما تفعله من الناحية الأخلاقية عندما تضع سماً في شاي جدتك حتى تستولي على ممتلكاتها.

وفي كل الأحوال، الادعاء القائل بأن العلم وحده هو الذي يزودنا بالمعرفة يعتبر واحداً من الادعاءات التي تدحض نفسها بنفسها التي يحلو لبعض المناطقة أمثال “برتراند رسل” Bertrand Russel الإشارة إليها. ولكن المدهش أن «رسل” نفسه انضم لهذا الموقف عندما كتب يقول: “كل ما يمكن التوصل إليه من معرفة، لا بد أن نتوصل إليه بطرق علمية، وما يمكن لا للعلم اكتشافه، لا يمكن للبشرية أن تعرفه.»

ولكي نكتشف التناقض في هذه العبارة، ليس علينا سوى أن نسأل: كيف عرف “رسل” ذلك؟ وذلك لأن عبارته نفسها ليس عبارة علمية، فإن كانت صحيحة (بناء على العبارة نفسها)، إذن لا سبيل إلى معرفتها، ومع ذلك فهو يؤمن أنها صحيحة.

 

كعكعة الخالة ماتيلدا:

لعل مثالاً بسيطاً يساعدنا أن نقتنع بمحدودية العلم. فلنتخيل أن خالتي ماتيلدا خبزت كعكة جميلة وأننا أخذناها لمجموعة من أعظم علماء العالم لتحليلها. وباعتباري مغرماً باتباع الإجراءات والقواعد، طلب منهم شرحاً للكعكة، فانصرفوا جميعاً إلى العمل. علماء التغذية سيخبروننا بعدد السعرات الحرارية التي تحتويها الكعكة وأثرها الغذائي. وعلماء الكيمياء الحيوية سيخبروننا بتركيب البروتينات، والدهون، وغيرهما من العناصر التي تحتوي عليها الكعكة.

والكيميائيون سيتحدثون عن العناصر المكونة للكعكة وروابطها الكيميائية، والفيزيائيون سيتمكنون من تحليل الجسيمات الأولية للكعكة، وعلماء الرياضيات سيقدمون لنا طبعاً مجموعة من المعادلات العبقرية التي تصف سلوك تلك الجسيمات.

والآن بعد أن قدم لنا هؤلاء الخبراء وصفاً شاملاً للكعكة، كل حسب تخصصه العلمي، هل يمكننا أن نقول إنه أصبح لدينا شرح كامل للكعكة؟ المؤكد أننا حصلنا على وصف كيفية صمع الكعكة وكيفية اتصال عناصرها المتنوعة بعضها ببعض، ولكن هب أني سألت هذه المجموعة من الخبراء سؤالاً أخيراً: لماذا صنعت الكعكة؟ ستكشف الابتسامة العريضة على وجه الخالة ماتيلدا أنها تعرف الإجابة لأنها هي من صنعت الكعكة، وقد صنعتها لغرض.

ولكن كل علماء العالم في التغذية، والكيماء الحيوية، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات لن يتمكنوا من إجابة السؤال، والاعتراف بعجزهم عن الإجابة لا يقلل من شأن علومهم. فتخصصاتهم التي يمكنها التعامل مع الأسئلة المتعلقة بطبيعة الكعكة وتركيبها، أي التي تجيب عن أسئلة “كيف”، لا يمكننا أن تجيب عن أسئلة “لماذا” التي تتناول غرض صنع الكعكة. والحقيقة أن السبيل الوحيد للحصول على إجابة هو الخالة ماتيلدا نفسها. ولكنها إن لم تفصح عن الإجابة، فالحقيقة الأكيدة أنه لا يمكن لأي قدر من التحليل العلمي أن ينير لنا هذه المساحة.

ولكن أن نقول مثل “برتراند رسل” إنه ما دام العلم لا يستطيع أن يخبرنا بالسبب الذي دعا الخالة ماتيلدا إلى صنع الكعكة، فلا يمكننا أن نعرف لماذا صنعتها هن خطأ بين؟ لأن كل ما علينا أن نسألها. فالزعم القائل بأن العلم هو الطريق الوحيد للحق زعم ليس جديراً بالعلم نفسه.

ويشير السير “بيتر مداوار” Peter Medawar الحائز على جائزة نوبل إلى هذه الفكرة في كتابه الرائع “نصائح لعالم شاب” Advice to a Young Scientist: «أسرع وسيلة يسيء بها العالم إلى سمعته ومهنته أن يصرح بكل جرأة، وخاصة عندما لا يكون هناك ما يتطلب هذا التصريح، أن العلم يعرف أو سيعرف قريباً إجابات كل الأسئلة التي تستحق أن تسأل، وأن الأسئلة التي لا تعترف بالإجابة العلمية إما ليست أسئلة أو “أسئلة زائفة” لا يطرحها سوى السذج ولا يحاول الإجابة عنها سوى البلهاء.»

ويستطرد “مداوار” قائلاً: «إلا أن محدودية العلم تتضح في عجزه عن إجابة الأسئلة البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الأولى والأخيرة، مثل «كيف بدأ كل شيء؟»، «ما غرض وجودنا؟»، «ما مغزى الحياة؟» ويضيف قائلاً إننا إذا أردنا إجابات عن مثل هذه الأسئلة، علينا أن نلجأ للأدب الخيالي وللدين. ويؤكد هذه الفكرة “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم بقوله: «العلم عاجز عن إجابة بعض الأسئلة مثل: “لماذا أتى الكون إلى الوجود؟” “ما معنى الوجود البشري؟” “ماذا يحدث بعد الموت؟”»

ومن هنا يتضح أنه لا تناقض في أن يكون المرء عالماً على أعلى مستوى، ملتزماً بعلمه وشغوفاً به ويدرك في الوقت نفسه أن العلم لا يستطيع الإجابة عن كل أنواع الأسئلة، بما فيها بعض من أعمق الأسئلة التي يمكن للبشر أن يسألوها.

ولكن من الإنصاف أن نقول أيضاً إن “رسل” رغم أنه كتب تلك العبارة المذكورة آنفاً التي تبدو علمية للغاية، أشار في موضع آخر أنه لم ينضم لمعسكر المذهب العلمي بكامل خصائصه. إلا أنه يعتقد أن كل المعرفة المؤكدة تنتمي للعلم، وهو موقف يبدو طبعاً أنه يعكس بوادر المذهب العلمي، ولكنه سرعان ما يستطرد قائلاً إن معظم الأسئلة المهمة تقع خارج اختصاص العلم: «هل العالم ينقسم إلى عقل ومادة، وإن كان كذلك، فما هو العقل، وما هي المادة؟

وهل العقل خاضع للمادة، أم أنه يتمتع بقوى مستقلة؟ هل في الكون أي وحدة أو غرض؟ هل يتجه نحو غاية ما؟ هل هناك بالفعل قوانين للطبيعة، أم أننا نؤمن بوجود قوانين نظراً لميلنا الفطري للنظام؟ هل الإنسان هو ما يبدو لعالم الفلك، كتلة صغيرة من الكربون غير النقي والماء يزحف ضعيفاً على كوكب صغير ضئيل القيمة؟ أم أنه كما يراه هاملت؟ هل هناك أسلوب حياة نبيل وآخر دنيء أم أن كل أساليب الحياة باطلة؟ …. هذه الأسئلة ليس لها إجابات في المعمل.»

إن ما نقوله الآن معروف منذ زمن أرسطو الذي اشتهر بتمييزه بين ما أطلق عليه العلل الأربع: العلة المادية Material Cause (المادة التي صنعت منها الكعكة)، والعلة الصورية Formal Cause (الصورة التي تتخذها المواد)، والعلة الفاعلة Efficient Cause (عمل الخالة ماتيلدا للكعكة)، والعلة الغائية Final Cause (غرض صنع الكعكة، وليكن عيد ميلاد شخص ما). والعلة الرابعة في علل أرسطو، ألا وهي الغائية هي التي تتجاوز نطاق العلم.

ويكتب “أوستن فارر” Austin Farrar قائلاً: «كل علم يتخير جانباً واحداً في العالم ويشرحه. وكل ما يقع خارج هذا المجال يقع خارج نطاق العلم. وبما أن الله ليس جزءًا من العالم، وبالتالي ليس أحد جوانبه، فكل ما يقال عنه، مهما كانت صحته، يستحيل أن ينتمي لأي علم.»

وفي ضوء ذلك يتضح أن عبارة “بتير أتكينز”: «ليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود» (مقتبسة عاليه) وعبارته «ليس هناك ما لا يمكننا فهمه» لا أساس لهما من الصحة على الإطلاق.

ولذلك لا عجب أنه يدفع ثمناً غالياً لما ينسبه للعلم من كفاءة مطلقة: «العلم لا يحتاج لغرض… فكل ما في العالم من ثراء أخاذ رائع يمكن تفسيره بأنه نما من وسط كومة روث من الفساد المترابط الذي لا غرض له.» وهو ما يدعوني للتساؤل عما يفيد الخالة ماتيلدا في هذا الكلام بوصفه التفسير النهائي لصنع الكعكة التي أعدتها لعيد ميلاد ابن أختها جيمي، بل باعتبارها التفسير النهائي لوجودها ووجود كل من جيمي وكعكة عيد الميلاد. ولو أتيحت لها فرصة الاختيار، أظن أنها ستفضل «الحساء الأساسي»[7] Primeval Soup»» على «كومة روث من الفساد.»

إلا أن القول بعجز العلم عن إجابة الأسئلة التي تتناول الغرض النهائي يختلف عن رفض الغرض نفسه باعتباره وهماً لأن العلم لا يستطيع التعامل معه. ولكن “آتكينز” يصل بماديته إلى خلاصتها المنطقية، أو ربما ليس كذلك بالضبط. ففي كل الأحوال، وجود كومة روث يفترض مسبقاً وجود كائنات قادرة على إنتاج الروث! وإلا فمن الغريب أن نتخيل روثاً يخلق المخلوقات. وإن كانت “كومة روث من الفساد” (تمشياً مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية)، فلنا أن نتساءل كيف يمكن أن يسير الفساد في اتجاه عكسي؟ يا لها من مسألة محيرة!

ولكن ما يدمر المذهب العلمي تماماً هو ما يعيبه من تناقض مميت. فلسنا بحاجة لحجة خارجية تفند المذهب العلمي لأنه يدمر نفسه بنفسه، ويلاقي المصير الذي لقيه فيما سبق مبدأ التحقق Verification Principle الذي شكل صميم فلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism. وذلك لأن عبارة أن العلم وحده هو الذي يقود للحق لم تستنتج من العلم. فهذه العبارة نفسها ليس تصريحاً علمياً ولكنها تصريح «عن العلم» Metascientific.

ومن ثم، إن كان المبدأ الأساسي في المذهب العلمي صحيحاً، فلا بد أن يكون التصريح الذي يعبر عن المذهب العلمي خاطئاً. فالمذهب العلمي يفند نفسه، مما يجعله متناقضاً مع نفسه. ولذلك، فما يراه “مداوار” من محدودية العلم ليس إهانة للعلم. بل على العكس تماماً، لأن أولئك العلماء الذين يطلقون ادعاءات مبالغة دفاعاً عن العلم هم الذين يظهرونه في مظهر مخجل. فقد ابتعدوا دون قصد، وربما دون وعي، عن الاشتغال بالعلم إلى الاشتغال بالأساطير، والأساطير المتناقضة.

ولكن قبل أن نترك الخالة ماتيلدا لا بد أن نلاحظ أن قصتها البسيطة تساعدنا في استجلاء شيء آخر يسبب نوعاً من التشوش. لقد رأينا أن التفكير العلمي وحده لا يمكنه اكتشاف سبب صنعها للكعكة، وأنها لا بد أن تكشف لنا السبب بنفسها. ولكن ذلك لا يعني أنه من هذ النقطة فصاعداً يصبح العقل غير ذي صلة بالموضوع ولا يعني أنه يتعطل عن العلم. بل العكس هو الصحيح، لأن فهم ما تقوله عندما تخبرنا عمن صنعت له الكعكة يتطلب منا استخدام العقل.

هذا بالإضافة إلى أننا نحتاج للعقل لتقيم مصداقية تفسيرها. فإن قالت إنها صنعت الكعكة لابن شقيقتها جيمي ونحن نعلم أن شقيقتها ليس لها ابن بهذا الاسم، سنشك في شرحها. ولكن إن كنا نعلم أن ابن شقيقتها اسمه جيمي، عندئذ يكون تفسيرها معقولاً. أي أن العقل ليس ضد الإعلان، ولكن إعلانها لغرض صنع الكعكة يزود العقل بمعلومات لا يمكن للعقل وحده التوصل إليها. ولكن لا غنى عن العقل لمعالجة تلك المعلومات. فالفكرة أنه حيثما لا يكون العلم هو المصدر الذي نستقي منه معلوماتنا، لا يمكننا أن نفترض تلقائياً أن العقل توقف عن العمل وأن الدليل لم يعد له مكان.

ومن ثم، عندما يزعم المؤمنون بالله أنه يوجد شخص علاقته بالكون مثل علاقة الخالة ماتيلدا بالكعكة، وأن ذلك الشخص أعلن سبب خلق الكون، فهم لا يهجرون العقل والمنطق والدليل على الإطلاق. ولكنهم يقولون إن بعض الأسئلة لا يمكن للعلم وحده أن يجيب عنها وإن الإجابة عنها تتطلب مصدراً آخر للمعلومات، وهو في هذه الحالة إعلان من الله الذي يستلزم العقل لفهمه وتقييمه. وهذه هي الروح التي تحدث بها “فرانسيس بيكون” عن الكتابين اللذين أعطانا الله إياهما: كتاب الطبيعة، والكتاب المقدس. والعقل والمنطق والدليل تنطبق جميعاً على كليهما.

 

الله: هل هو فرضية لا لزوم لها؟

لقد حقق العلم نجاحاً مذهلاً في سبر أغوار طبيعة الكون المادي وتفسير الآليات التي يعمل الكون وفقاً لها. وقد أسفر البحث العلمي أيضاً عن القضاء على الكثير من الأمراض الفتاكة، وبعث الأمل في القضاء على المزيد منها. وكان للبحث العلمي أثر آخر في اتجاه مختلف تماماً، فقد حرر الكثيرين من البشر من المخاوف الخرافية. فلم يعد الناس مثلاً مضطرين للاعتقاد بأن خسوف القمر يسببه روح شرير مرعب عليهم استرضاؤه. ولا بد أن نكون في غاية الامتنان على كل هذه الإسهامات وغيرها الكثير.

ولكن في بعض المجالات أدى نجاح العلم عينه أيضاً إلى فكرة مفادها أننا ما دمنا نفهم آليات الكون دون إدخال الله، يمكننا أن نستنتج بثقة أنه لم يكن هناك أصلاً إله صمم الكون وخلقه. إلا أن هذا التفكير ينطوي على مغالطة منطقية شائعة يمكننا توضيحها بالمثل التالي.

تخيل مثلاً سيارة ماركة فورد. مفهوم أن شخصاً من بقعة نائية في العالم يراها لأول مرة ولا يعلم شيئاً عن الهندسة الحديثة قد يتخيل أن إلهاً ما (مستر “فورد”) داخل هذه الآلة هو الذي يسيرها. وقد يتخيل أيضاً أنه عندما تسير العربة بهدوء فهذا يعني أن مستر “فورد” راض عنه، ولكنها عندما ترفض السير فهذا يعني أن مستر “فورد” غير راض عنه. ولكنه طبعاً إذا درس الهندسة بعد ذلك وفكك المحرك سيكتشف أن مستر “فورد” لا يقبع داخله.

ولن يحتاج ذكاءً خارقاً حتى يفهم أنه لم يكن بحاجة لإقحام مستر “فورد” لفهم كيفية عمل السيارة. فإدراكه للقوانين اللاشخصانية التي لا علاقة لها بشخص وتحكم عملية الاحتراق الداخلي كاف تماماً لتفسير عمل السيارة. حتى الآن كل شيء على ما يرام. ولكنه إذا قرر بعدئذ أن فهمه للقوانين التي تشرح كيفية عمل المحرك تلغي اعتقاده في وجود مستر “فورد” الذي صمم المحرك أصلاً. يكون قد ارتكب خطأ بيناً، يطلق عليه بلغة الفلسفة خطأ تصنيفي Category Mistake فلو لم يوجد مطلقاً مستر “فورد” ولم يصمم آليات المحرك، لما وجد صاحبنا هذا أي آليات ليفهمها.

وهكذا فإن الافتراض القائل بأن فهمنا للقوانين اللاشخصانية التي يعمل الكون وفقاً لها تجعل الإيمان بوجود خالق شخصاني صمم الكون وصنعه ويحفظه لا لزوم له أو مستحيلاً، هو افتراض يمثل خطأ تصنيفياً. أي أننا يجب ألا نخلص بين الآليات التي يعمل الكون وفقاً لها مع مسببه وحافظه.

والقضية الأساسية هنا أن من يظهرون وكأنهم يفكرون تفكيراً علمياً مثل “آتكينز” أو “دوكينز” يعجزون عن التمييز بين الآلية التي تعمل من خلالها الطبيعية والفاعلية وراء هذه الآلية Agency التي تحكم عمل الطبيعة. فهم بلغة الفلسفة يرتكبون خطأ تصنيفياً بدائياً جداً عندما يقولون إننا ما دمنا نفهم الآلية التي تفسر ظاهرة بعينها، فليس من فاعل Agent صمم الآلية.

وعندما اكتشف السير إسحق نيوتن قانون الجاذبية الكوني، لم يقل: «لقد اكتشفت آلية تشرح حركة الكواكب. لذا، فليس هناك إله فاعل صممها.» بل على العكس، فهمه لكيفية عملها زاده إعجاباً بالله الذي صممها على هذا النحو.

ويعبر “مايكل بول” Michael Poole عن هذه الفكرة في مناظرته المنشورة مع “ريتشارد دوكينز” بقوله: «…. لا تضارب منطقي بين التفسيرات التي تقدم أسباباً فيما يتعلق بالآليات، والتفسيرات التي تقدم أسباباً فيما يتعلق بخطط فاعل ومقاصده، سواء أكان بشرياً أم إلهياً. وهي نقطة منطقية لا علاقة لها بالإيمان بالله أو عدم الإيمان به.»

ولكن عالم الرياضيات الفرنسي “لابلاس” يتجاهل هذه الفكرة المنطقية كلية في تصريح شهير له دائماً ما يساء استخدامه لدعم الإلحاد. فعندما سأله نابليون عن موضع الله في عمله الرياضي، أجاب “لابلاس”: «سيدي، لست بحاجة لهذه الفرضية.» وقد كان محقاً. فالله طبعاً لم يظهر فيما قدمه “لابلاس” من وصف رياضي للكيفية التي تعمل بها الأشياء، تماماً كما لم يظهر مستر “فورد” في الوصف العلمي لقوانين الاحتراق الداخلي.

ولكن علام يبرهن ذلك؟ أنه لا يوجد شخص اسمه “هنري فورد”؟ بالطبع لا. وهكذا هذه العبارة لا تثبت عدم وجود الله. ويعلق “أوستن فارر” على واقعة “لابلاس” قائلاً: «بما أن الله ليس قاعدة في حركة القوى، ولا هو إحدى القوى، فأي جملة عن الله لا يمكن أن تلعب أي دور في الفيزياء أو الفلك… ويمكننا أن نسامح “لابلاس”، فقد كان يجيب شخصاً عديم الخبرة حسب جهله، ولا أريد أن أقول جاهلاً حسب حماقته.

إلا أنه عندما أخذ البعض إجابته باعتبارها ملاحظة ذات ثقل، فقد سببت لهم قدراً كبيراً من التضليل. ولكن “لابلاس” وزملاؤه لم يستغنوا عن اللاهوت، بل تعلموا ألا يتدخلوا فيه ويلتزموا بحدود علمهم.» ولكن هب أن نابليون طرح سؤالاً مختلفاً على “لابلاس”: «لماذا يوجد كون أصلاً وتوجد فيه مادة وجاذبية، وأجسام تتكون من المادة وتتحرك وفقاً للجاذبية وتصف المدارات التي تعبر عنها في معادلاتك الرياضية؟» سيكون من الصعب أن يقول إن وجد الله لا علاقة له بذلك السؤال. ولكن “لابلاس” لم يُسأل ذلك السؤال، ومن ثم، لم يجب عنه.

 

[1] يعرف “قاموس أكسفورد” “الميتافيزيقا” Metaphysics بأنها المبحث الفلسفي الذي يتناول المبادئ الأولى للأشياء، بما فيها المفاهيم المجردة كالكينونة، والمعرفة، والجوهر، والعلة، والهوية، والمكان، والزمان. أي أنه يتناول ما هو خارج المادة، مقابل العلم الذي يتناول ما هو مادي. (المترجم)

[2] حركة فكرية نشأت في أوربا في أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تؤكد قيمة العقل والفردية في مقابل التقليد. (المترجم)

[3] اتجاه فكري معاصر يرفض الاعتراف بالمطلقات. (المترجم)

[4] خطأ فلسفي يعني تقديم أشياء تنتمي لفئة معينة وكأنها تنتمي لفئة أخرى مغايرة. وقد يعني أيضاً نسب صفة أو فعل لشيء معين لا تنطبق عليه هذه الصفة ولكنها تنطبق على فئة أخرى من الأشياء، مثل التعامل مع المفاهيم المجردة وكأن لها موقعاً مادياً. (المترجم).

[5] المصادرة على المطلوب begging the question إحدى المغالطات المنطقية التي فيها تفترض صحة المسألة المطلوب البرهنة عليها من البداية بهدف البرهنة عليها. (المترجم)

[6] المقطع ism في اللغة الإنجليزية يستخدم في نهايات العديد من الكلمات ويشير ضمن معانيه إلى منظومة أو مذهب أو قناعة أو حركة فكرية، أي أنه لا يمت بصلة لمبدأ علمي ثبتت صحته بالدليل أو بالتجريب. وعادة ما يترجم في العربية إلى كلمة “مذهب” (المترجم).

[7] نظرية ترجح أن الحياة بدأت في بركة أو محيط نتيجة لخليط من المواد الكيميائية من الغلاف الجوي وشكل من أشكال الطاقة لتكوين الحماض الأمينية (http://leiwenwu-tripod.com/primordials.htm) تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/12/2015 (المترجم)

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

 

«يستحيل مصالحة العلم والدين.» “بيتر أتكينز” Peter Atkins

 

«كل دراساتي العلمية…. أكدت إيماني.» السير “جيليان برانس” Ghillean Prance زميل الجمعية الملكية

 

«عندما يقول لك أي شخص شيء ما إنه حق، اقترح أن تقول له: “ما الدليل على ذلك؟” وإن عجز عن تقديم إجابة شافية، فأرجوا أن تفكر ملياً قبل أن تصدق كلمة واحدة مما يقول.» “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins زميل الجمعية الملكية

 

 

إقرأ أيضًا: 

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

 

المسمار الأخير في نعش الله؟

من الانطباعات السائدة والرائجة حالياً أن كل تقدم علمي جديد يمثل مسماراً جديداً في نعش الله، وهو انطباع يستمد قوته من المفكرين العلميين المؤثرين. فها هو “بيتر آتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامة أكسفورد، يكتب قائلاً: «على البشرية أن تقبل أن العلم قضى على أي داع للاعتقاد في غرض كوني، وأنه وجدت أي بقية من غرض فهي مجرد إيحاء عاطفي.»[1] ولكن كيف يمكن للعلم، الذي لا يفترض فيه التعامل مع مسألة الغرض (الكوني) أصلاً، أن يفعل ذلك؟ فهذا أمر غير واضح كما سنرى فيما بعد.

ولكن الواضح أن “آتكينز” يختزل الإيمان بالله بكل بساطة إلى مجرد عاطفة، وعاطفة معادية للعلم. ولكن “آتكينز” ليس وحده. بل إن “ريتشادر دوكينز” Richard Dawkins يتفوق عليه ويخطو خطوة أبعد معتبراً الإيمان بالله شراً يجب القضاء عليه، وذلك عندما قال: «يشيع حالياً الكلام عما يهدد البشرية من أخطار فيروس الإيدز، ومرض “جنون البقر” والكثير غيرهما، ولكني أظن أن الإيمان يمثل واحداً من الشرور العظمى في العالم، يضاهي فيروس الجدري، ولكن القضاء عليه أصعب، فالإيمان، من حيث إنه اعتقاد لا يقوم على دليل هو الرذيلة الأساسية في أي دين»[2].

ومؤخراً أصبح “دوكينز” يرى أن الإيمان ارتقى (إن كان هذا هو المصطلح الصحيح) من مرتبة الرذيلة إلى مرتبة الوهم. فهو يستشهد في كتابه “وهم الإله”[3] The God Delusion يقول “روبرت بيرسيج” Robert Pirsig مؤلف “الزن وفن صيانة الدرجات البخارية” Zen and the Art of Motorcycle Maintenance الذي قال: «عندما يعاني أحد الأشخاص من وهم، يطلق على هذه الحالة جنون. ولكن عندما يعاني كثيرون من هوم، يطلق عليها دين.» والله ليس مجرد وهم، بل وهم مميت.

وتمثل هذه الآراء الحد الأٌقصى الأكثر تطرفاً ضمن مجموعة ضخمة من الآراء التي نخطئ لو اعتبرناها متماثلة. فالكثير من الملحدين غير راضين عما تتميز به هذه الآراء من لهجة حادة عدائية، بل قمعية واستبدادية. ولكن كما هو الحال دائماً، هذه الآراء المتطرفة هي التي تجذب الاهتمام الجماهيري والإعلامي، مما يؤدي إلى اطلاع الكثيرين عليها وتأثرهم بها. ولذلك من الحماقة أن نتجاهلها. ولكن علينا أن نأخذها مأخذ الجد.

ويتضح مما يقوله “دوكينز” أنه من العوامل التي أشعلت عداءه ضد الإيمان بالله هو الانطباع الذي تكون لديه (للأسف) بأنه بينما «تقوم القناعة العلمية على دليل يمكن التحقق منه وإعلانه للجميع، يفتقر الإيمان الديني للدليل، بل إن استغناءه عن الأدلة هو سر نشوته التي يصدح بها بأعلى صوته.»[4] أي أنه يعتبر أن كل الإيمان الديني إيمان أعمى. وإن كان الأمر كذلك، فربما يستحق فعلاً أن يوضع في فئة الجدري.

ولكننا عملاً بنصيحة “دوكينز” نطرح هذا السؤال: ما الدليل على أن الإيمان الديني لا يقوم على دليل؟ وهنا لا بد أن نعترف أنه للأسف بعض من يعلنون إيمانهم بالله يعادون العلم والتنوير. وهو موقف يدعو للأسف ويسيء للإيمان بالله. ويبدو أن “ريتشارد دوكينز” منى بمقابلة عدد كبير جداً من أصحاب هذا الموقف.

ولكن هذا لا ينفي أن التيار العام في المسيحية يؤكد أنه لا انفصال بين الإيمان والدليل. بل إن الإيمان عبارة عن تجاوب مع الدليل، وليس ابتهاجاً بغياب الدليل. والرسول يوحنا يكتب في سيرة حياة يسوع قائلاً: «وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا….»[5] أي أنه يدرك أن يكتبه هو جزء من الأدلة التي يقوم عليها الإيمان. والرسول بولس يقول ما آمن به الكثير من رواد العلم الحديث، ألا وهو إن الطبيعة نفسها تمثل جزءًا من الدليل على وجود الله: «لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر.»[6]

فالإيمان الذي لا يقوم على دليل ليس له أي أساس في الكتاب المقدس. والإيمان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقل والدليل كما هو الحال في العلم. ومن ثم، فتعريف “دوكينز” للإيمان بأنه “إيمان أعمى” يتناقض تماماً مع التعريف الكتابي. والغريب أنه لا يدرك هذا التباين. فهل هذا ناتج عن إيمانه الأعمى؟

وهكذا فإن تعريف “دوكينز” الفريد للإيمان يمثل نموذجاً صارخاً لنوع التفكير الذي يزعم أنه يمقته، ألا وهو التفكير الذي لا يقوم على دليل. وذلك لأن التناقض المروع الذي وقع فيه يتمثل في عجزه عن تقديم دليل على ادعائه بأن غيار الدليل هو سر نشوة الإيمان. ولا يصف اكتشاف عجزه عن تقديم الدليل، وذلك لأن الدليل غير موجود أصلاً. ولسنا بحاجة لبذل جهد جبار في البحث لنتحقق من أن تعريف “دوكينز” للإيمان لا يلقى تأييد أي من أساتذة الكتاب المقدس أو المفكرين المسيحيين الجاديين. ويقول “فرانسيس كولينز” Francis Collins عن تعريف “دوكينز” إنه بالتأكيد «لا يصف إيمان معظم المؤمنين الجادين على مر التاريخ، ولا إيمان غالبية من أعرفهم شخصياً.»[7]

وفكرة “كولينز” مهمة لأنها تبين أن الملحدين الجدد New Atheists في رفضهم للإيمان كله باعتباره إيماناً أعمى يسددون ضربة قوية لمصداقيتهم كما يقول “جون هوت” John Haught: «إن غراباً واحداً أبيض كاف لإثبات أن ليس كل الغربان سوداء. ولذلك، من المؤكد أن وجود عدد لا نهائي من المؤمنين يرفضون تعريف الملحدين الجدد الساذج للإيمان كاف للتشكيك في مدى انطباق تحليلاتهم النقدية على فئة كبيرة جداً من المتدينين.»[8]

ويوضح “أليستر ماجراث”[9] Alister McGrath في تقييمه الذي صدر مؤخراً لموقف “دوكينز”، وهو تقييم سهل الفهم، أن “دوكينز” لم يتعامل مطلقاً مع مفكرين مسيحيين جادين. فما حكمنا إذن على مقولته العظمية: «عندما يقول لك أي شخص عن شيء ما إنه حق، اقترح أن تقول له: “ما الدليل على ذلك؟” وإن عجز عن تقديم إجابة شافية، فأرجو أن تفكر ملياً قبل أن تصدق كلمة واحدة مما يقول؟»[10] ومقولة “دوكينز” عينها تغرينا أن نطبقها عليه شخصياً ولا نصدق كلمة مما يقول.

ولكن “دوكينز” ليس الوحيد الذي يعتنق هذه الفكرة المغلوطة من أن الإيمان بالله لا يقوم على أي دليل. فالخبرة تثبت أنه اعتقاد شائع بين العلماء، حتى وإن اختلفت أساليب صياغته. فمن العبارات التي كثيراً ما نسمعها أن الإيمان «الإيمان بالله يختلف عن الإيمان الذي نمارسه في العلم»، أي أنه باختصار «إيمان أعمى.» وسوف نتناول هذه القضية بمزيد من التفصيل في الفصل الرابع في الجزء الخاص بإمكانية فهم الكون بشكل عقلاني.

ولكننا سنبدأ بإلقاء نظرة سريعة على الإيمان بالله أو عدم الإيمان به في الوسط العلمي. ومن الدراسات المثيرة التي أجريت في هذا المجال دراسة مسحية أجراها “إدوارد لارسن” Edward Larsen بالتعاون مع “لاري ويذام” Larry Witham سنة 1996 ونشرت في جريدة “نيتشر” Nature[11]. وذلك لأن دراستهما كانت تكراراً لدراسة مسحية أجراها البروفسور “ليبا” Leuba سنة 1916 حيث سأل 1000 عالم (اختيروا عشوائياً من نسخة 1910 من دليل العلماء American Men of Science) عما إذا كانوا يؤمنون بإله يستجيب الصلاة وبخلود الإنسان، وهو إيمان محدد يختلف عن مجرد الإيمان بوجود كائن إلهي.

وكانت نسبة من أجابوا عن السؤال 70٪، منهم 41,8٪ قالوا نعم، و41،5٪ أجابوا لا، و16،7٪ لا أدريون[12]. وسنة 1996 كانت نسبة من أجابوا 60٪، منهم 39,6٪ أجابوا بنعم، و45,5٪ قالوا لا، و14,9٪ لا أدريون*. وقد قدمت الصحافة تفسيرات مختلفة لهذه الإحصائيات وفقاً لمبدأ نصف الكوب المملوء ونصفه الفارغ. فقد استخدمها البعض دليلاً على بقاء الإيمان، في حين استخدمها البعض الآخر دليلاً على استمرارية عدم الإيمان. ولكن ربما أكثر ما يلفت النظر هو ما طرأ من تغير طفيف نسبياً على نسبة المؤمنين مقابل غير المؤمنين على مدى ثمانين سنة شهدت فيها المعرفة العلمية معدلات نمو هائلة، وهو ما يتناقض تناقضاً حاداً مع النظرة السائدة.

وقد أظهرت دراسة مشابهة أن نسبة الملحدين تزداد في المستويات العلمية الرفيعة. فقد بين “لارسن” وزميله “ويذام” سنة [13]1998 أنه من بين أكبر العلماء في الأكاديمية القومية للعلوم National Academy of Sciences في الولايات المتحدة الأمريكية ممن أجابوا عن السؤال، كان 72,2٪ ملحدين، و7٪ يؤمنون بالله، و20,8٪ لا أدريون. ولكن للأسف ليس لدينا إحصائيات مشابهة في سنة 1916 لنرى ما إذا كانت تلك النسب قد تغيرت أم لا، إلا أننا نعلم أن أكثر من 90٪ من مؤسسي الجمعية الملكية Royal Society في إنجلترا كانوا مؤمنين بالله.

أما تفسير هذه الإحصائيات فهو مسألة معقدة. فعلى سبيل المثال اكتشف “لارسن” أيضاً أن نسبة الإيمان بالله تهبط هبوطاً حاداً بين من يزيد دخلهم على 150 ألف دولار سنوياً، أي أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الأوساط العلمية فحسب.

ولكن أياً كان معنى هذه الإحصائيات، فلا شك أنها تقدم دليلاً كافياً على أن “دوكينز” قد يكون محقاً في تقديره لمدى صعوبة مهمته المروعة الاستبدادية المتمثلة في القضاء على الإيمان بالله بين العلماء.

وذلك، لأنه بالإضافة إلى ما يقرب من 40٪ من العلماء المؤمنين وفقاً للإحصائية العامة، كان وما زال هناك علماء بارزون يؤمنون بالله، ومن أشهرهم “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم البشري Human Genome Project، والبروفسور “بيل فيليبس” Bill Phillips الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1997، والسير “برايان هيب” Brian Heap زميل الجمعية الملكية ونائب رئيس الجمعية الملكية سابقاً، والسير “جون هوتن” John Houghton زميل الجمعية الملكية ومدير مكتب الأرصاد الجوية البريطاني British Meteorological Office سابقاً، وأحد رؤساء اللجنة الحكومية للتغيرات المناخية Intergovernmental Panel on Climate Change سابقاً وهو حالياً مدير مبادرة جون راي للبيئة John Ray Initiative on the Environment، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

وبالطبع لا يمكن الإجابة عن سؤالنا بالإحصائيات، مهما كانت أهميتها. فالمؤكد أن وجود علماء بارزين يعترفون بإيمانهم بالله ليس له أي تأثير على اللهجة الحادة التي يتحدث بها “آتكينز” وكذلك “دوكينز” وغيرهما وهم يشنون حربهم على الله باسم العلم. ولعل الأدق أن نقول إنهم مقتنعون ليس أن العلم في حرب مع الله، بل أن الحرب انتهت وحُسمت لصالح العلم. ولم يبق إلا أن يعرف العالم، كما قال “نيتشه” Nietzsche، أن الله مات وأن العلم دفنه. ويكتب “بيتر أتكينز” في هذا الاتجاه قائلاً: «يستحيل مصالحة العلم والدين، وعلى البشرية أن تحترم قدرة طفلها وتهزم كافة محاولات التوفيق بين العلم والدين.

فقد أخفق الدين، وإخفاقاته لا بد أن تُفضح. أن العلم يما يحققه حالياً من نجاحات تؤكد كفاءته الشاملة في تفسير أصغر أجزاء الكون، هو بهجة العقل العليا، ويجب الاعتراف به ملكاً.»[14] يا لها من لغة انتصارية! ولكن هل يمكن الحفاظ على هذا الانتصار؟ فأي دين هو الذي أخفق، وعلى أي مستوى؟ ورغم أن العلم هو بالفعل بهجة، هل هو فعلاً بهجة العقل العليا؟ هل الموسيقا والفن والأدب والحق لا علاقة لها بالعقل؟ إني أسمع الآن نغمات الاحتجاج تتعالى من حناجر العلوم الإنسانية.

بل أن بعض العلماء يبدون أنهم في حرب مع الله، فهذا لا يعني أن العلم نفسه في حرب مع الله. فبعض الموسيقيين مثلاً ملحدون عتاة. فهل هذا يعني أن الموسيقى نفسها في حرب مع الله؟ بالطبع لا. إذن يمكن التعبير عن الفكرة هكذا: التصريحات التي يطلقها العلماء لا تعبر بالضرورة عن تصريحات العلم. ويمكننا أن نضيف أنها ليست بالضرورة صحيحة، وإن كانت غالباً ما تقبل على أنها صحيحة نظراً للمكانة العلمية التي يتمتع بها أصحابها.

فمثلاً، عبارات “آتكينز” وكذلك “دوكينز” التي بدأنا بها تقع ضمن هذه الفئة. فهي ليست تصريحات العلم ولكنها تعبيرات عن معتقد شخصي، وهو في الواقع معتقد إيماني، لا يختلف في جوهره عن (وإن كان أقل تسامحاً بمرامل من) الكثير من التعبيرات الإيمانية التي يتمنى “دوكينز” القضاء عليها. إلا أن هذا لا يعني أن تصريحاتهما خاطئة، ولكنه يعنى أنه لا يجب التعامل معها باعتبارها مرجعية علمية. وما يجب التحقق منه هو الفئة التي تنتمي إليها هذه التصريحات، والأهم من ذلك أن نتحقق من صحتها.

وقبل الانتقال لفكرة أخرى علينا أن نوازن كفتي الميزان قليلاً فنذكر بعضاً من أقوال العلماء البارزين الذين يؤمنون بالله. فمثلاً السير “جون هوتن” زميل الملكية يكتب قائلاً: «العلم الذي نعمل فيه هو علم الله. الله هو المسؤول عن قصة العلم بكاملها… فالترتيب المذهل، والاتساق، والثبات، والتعقيد المبهر الذي يميز التوصيف العلمي للكون ليس إلا انعكاساً ما يتميز به النشاط الإلهي من ترتيب، واتساق، وثبات، وتعقيد.»[15] والسير “جيليان برانس” زميل الجمعية الملكية والمدير السابق لحدائق كيو Kew Gardens يعبر عن إيمانه بنفس هذا الوضوح فيقول: «لقد آمنت سنوات طويلة أن الله هو المصمم العظيم وراء الطبيعة كلها… وكل دراساتي العلمية منذ ذلك الحين أكدت إيماني. وإني أعتبر الكتاب المقدس مرجعيتي الأساسية والنهائية.»[16]

وهذه العبارات أيضاً ليست بالطبع عبارات علمية، ولكنها تعبر عن معتقد شخصي. ولكن يجب أن ننتبه أنها تلمح إلى الدليل الذي من شأنه تأييد ذلك المعتقد. فمثلاً السير “جيليان برانس” Ghillean Prance يقول صراحة إن العلم نفسه هو الذي يؤكد إيمانه. وهكذا نجد أنفسنا أمام موقف مثير حيث المفكرون الطبيعيون يخبروننا بأن العلم قضى على الله، ومن ناحية أخرى يقول لنا المؤمنون بالله إن العلم يؤكد إيمانهم بالله.

وكلا الفريقين علماء أكفاء. فما معنى هذا؟ معناه بالتأكيد أن الافتراض بأن العلم والإيمان بالله خصمان لهو سذاجة قصوى، ويبين أن الأمر يستحق استكشاف العلاقات الفعلية بين العلم والإلحاد وبين العلم والإيمان بالله. والسؤال الذي يجب طرحه تحديداً إن كان العلم يؤيد أياً من هذين المنظورين المتضادين – الإيمان والإلحاد – فأيهما يؤيد؟ ولنتناول أولاً تاريخ العلم.

جذور العلم المنسية

يقوم العلم كله في جوهره على قناعة مفادها أن الكون مرتب. ودون هذه القناعة العميقة يصبح العلم مستحيلاً. ولذلك من حقنا أن نسأل: من أين تأتي هذه القناعة؟ يحاول “ملفين كالفين” Melvin Calvin الحائز على جائز نوبل في الكيمياء الحيوية استكشاف مصدر هذه القناعة قائلاً: «عندما أحاول التوصل إلى مصدر تلك القناعة، أظنها موجدة في فكرة أولية اكتشفت منذ 2000 أو 3000 سنة، وأعلنت في العالم الغربي على يد العبرانيين القدماء: ألا وهي أن الكون محكوم بإله واحد، وليس نتاج نزوات آلهة كثيرين، يحكم كل منهم إقليمه الخاص وفقاً لقوانينه الخاصة. ويبدو أن هذه النظرة التوحيدية تمثل الأساس التاريخي للعلم الحديث.»[17]

وهي فكرة تسترعي الانتباه مقارنة بما اعتدنا قراءته من إرجاع جذور العلم المعاصر للإغريق في القرن السادس قبل الميلاد ثم الإشارة إلى أن العلم حتى يتقدم كان لا بد من تخليص النظرة الإغريقية من فكرة تعدد الآلهة. وسوف نعود لهذه النقطة الأخيرة فيما يلي. ولكن كل ما نرجو توضيحه هنا أنه رغم أن الإغريق كانوا بكل تأكيد أول من اشتغلوا بالعلم كما نفهمه اليوم، فمعنى ما يقوله “ملفين كالفين” أن النظرة الفعلية للكون التي قدمت أكبر العون للعلم، ألا هو النظرة العبرانية بأن الله هو من خلق الكون وهو من يحفظه، هي أقدم كثيراً من النظرة الإغريقية.

وأظن أن هذه الفكرة يجب أن “ينادى بها على السطوح” على حد تعبير “دوكينز” (الذي استعاره هو شخصياً من العهد الجديد!) باعتبارها فكرة مضادة لرفض الله دون تدبر ولا ترو. لأنها تعني أن الأساس الذي يقف عليه العلم، والقاعدة التي انطلق منها إلى آخر الكون تشتمل على بعد إيماني قوي.

وممن لفتوا النظر لهذا البعد قبل “ملفين كالفين” بكثير هو مؤرخ العلوم وعالم الرياضيات البارز السير “ألفريد نورث وايتهد” Alfred North Whitehead. فقد لاحظ أن أوروبا في العصور الوسطة سنة 1500 عرفت أقل مما عرفه أرشميدس في القرن الثالث قبل الميلاد، ولكن سنة 1700 كان نيوتن قد كتب رائعته “الأسس الرياضية” Principia Mathematica.

وعندنا سأل “وايتهد” سؤالاً واضحاً: كيف حدث هذا الانفجار المعرفي في هذه الفترة القصيرة نسبياً؟ وكانت إجابته: «لا بد أن ينبثق العلم الحديث من فكرة عقلانية الله التي كانت راسخة ومؤكدة في العصور الوسطى… وتفسيري أن الإيمان بإمكانية العلم (ذلك الإيمان الذي نشأ قبل ظهور نظرية العلم الحديث) هو إفراز لا إرادي للاهوت العصور الوسطى.»[18] ويجدر بنا هنا أن نشير إلى صياغة “سي. إس. لويس” C. S. Lewis الموجزة الثاقبة لرأي “وايتهد”: «أصبح الناس يؤمنون بالعلم ويدركونه لأنهم توقعوا وجود قانون في الطبيعة، وتوقعوا قانوناً في الطبيعة لأنهم آمنوا بوجود مشرع للقانون.»

وهذه القناعة هي ما قادت “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (1561-1626)، الذي يعتبره الكثيرون أبي العلم الحديث، إلى أن يعلم بأن الله أعطانا كتابين: كتاب الطبيعة، والكتاب المقدس، وأنه إن أراد المرء أن يتعلم تعليماً صحيحاً عليه أن يكرس عقله لدراسة الكتابين معاً.

وقد اتفق معه الكثيرون من عمالقة العلم، فعلماء مثل جاليليو (156401642)، كبلر Kepler (1571-1630)، باسكال Pascal (1623-1662)، بويل Boyle (1627-1691)، نيوتن (1642-1727)، فاراداي Faraday (1791-1867)، بابج Babbage (1791-1871)، مندل Mendel (1822-1884)، باستير Pasteur (1822-1895)، كلفين Kelvin (1824-1907)، كلرك ماكسويل Clerk Maxwell (1831-1879) كانوا مؤمنين بالله، وكان معظمهم مسيحيين حقيقيين.

وإيمانهم بالله لم يقف عائقاً أمام علمهم على الإطلاق، بل كان هو ما يدفعهم نحوه ولم يخجلوا من التصريح بذلك. فمثلاً القوة التي دفعت عقل جاليليو الشغوف بالبحث هي قناعته الداخلية العميقة بأن الخالق الذي «منحنا الحواس، والقدرة على التفكير، والعقل» أرادنا أن لا «نهمل استخدامها ويعطينا هو المعرفة التي كان يمكننا الحصول عليها باستخدام هذه الملكات.»

وقد وصف يوهانس كبلر Johannes Kepler ما يدفعه نحو العلم بهذه الكلمات: «يجب أن يكون الهدف الأساسي من كل أنشطة البحث والاستقصاء للعالم الخارجي هو اكتشاف النظام المنطقي الذي فرضه الله على هذا العالم والذي كشفه لنا بلغة الرياضيات.»[19] وقد بلغ هذا الاكتشاف عند كبلر ما عبر عنه في مقولته الشهيرة «التفكير فيما يفكر فيه الله على طريقته.»

وكم كان رد فعل الصينيين في القرن الثامن عشر مختلفاً، كما يسجل عالم الكيمياء الحيوية البريطاني “جوزيف نيد” Joseph Needham عندما بلغتهم عن طريق المرسلين اليسوعيين أخبار ما أحرزه العلم من تقدم في الغرب. فقد بدت لهم فكرة كون الكون محكوماً بقوانين بسيطة يمكن للبشر أن يكتشفوها، وقد اكشفوها بالفعل فكرة في منتهى الحماقة. فثقافتهم لم تتمكن من استقبال هذه الأفكار.[20]

إلا إن عدم إدراك النقطة التي نتناولها هنا قد يؤدي إلى تشويش. فنحن لا نزعم أن كافة جوانب الدين بوجه عام والمسيحية بوجه خاص ساهمت في تقدم العلم. ولكن ما نطرحه هو أن التعليم بإله فريد خالق مسؤول عن الوجود والترتيب الظاهر في الكون لعب دوراً مهماً. ونحن لا نزعم أن الدين لم يعاد العلم مطلقاً. بل إن “ت. ف. تورانس”[21] T. F. Torrance يوضح في تعليقه على تحليل “وايتهد” أن تقدم العلم غالباً ما كان «يواجه معوقات عسيرة من الكنيسة حتى عندما كانت بوادر الأفكار الحديثة تنشأ في أحضانها.»

وهو يورد على ذلك مثال اللاهوت الأوغسطيني الذي ساد أوروبا على مدى 1000 سنة وكان له من التأثير والجاذبية ما قدم إسهامات عظمى للفنون في العصور الوسطى، ولكن تعليمه عن «الأخرويات الذي قال بفكرة اضمحلال العالم وانهياره واعتبر أن الخلاص هو فداء من هذا الوضع حول الاهتمام من العالم إلى ما هو أسمى من العالم والأرض، في حين أن نظرته للكون القدسي لم تقدم سوى فهم رمزي للطبيعة، واستخدمتها استخداماً دينياً وبغرض شرح حقائق معينة» وهكذا « قدس وأعلى شأن نظرة كونية معينة كان لا بد من استبدالها إن أردنا أي تقدم علمي.»

ويقول “تورانس” أيضاً إن ما أعاق التفكير العلمي إعاقة كبرى كان غالباً «النظرة المتصلبة للسلطة وعلاقتها بالفهم الذي كان يرجع لعصر أوغسطينوس… مما أنتج شكاوى مرة ضد الكنيسة.»[22] ويعتبر جاليليو نموذجاً على ذلك كما سنرى لاحقاً.

إلا أن “تورانس” يؤيد الفكرة العامة في أطروحة “وايتهد” تأييداً قوياً بقوله: «بالرغم من التوتر المؤسف الذي كثيراً ما نشأ بين تقدم النظريات العلمية والفكر الكنسي التقليدي، ما زال اللاهوت قادراً على أن الزعم بأنه تبنى المعتقدات والحركات الأساسية التي تمخض عنها العلم التجريبي الحديث بوجه خاص على مر قرون طويلة، فإيمان اللاهوت الراسخ بثبات الله الخالق وجدارته بثقتنا وبمعقولية خليقته هو أقل ما يؤهله لهذه المهمة.»

ولكن “جون بروك” John Broche أول أستاذ للعلوم والدين في أكسفورد يبدو أكثر حذراً من “تورانس” إذ يقول: «في الماضي كانت المعتقدات الدينية تمثل فرضية مسبقة للمشروع العلمي لدرجة أنها كانت تصادق على التوافق بين الدين والعلم… فتعليم الخلق كان يضفي حالة من الاتساق على السعي العلمي بقدر ما كان يعنى ضمناً وجود نظام ثابت يمكن الوثوق به وراء حركة الطبيعة… غلا أن هذا لا يعني أنه دون اللاهوت ما كان للعلم أن ينطلق، ولكنه يعني أن المفاهيم العلمية التي آمن بها الرواد الذين اكتشفوها غالباً ما كانت تثريها معتقدات لاهوتية وميتافيزيقية وتؤسس لها.»[23]

ومؤخراً أشار “بيتر هاريسون” Peter Harrison خليفة “جون بروك” في أكسفورد إلى فكرة مبهرة، ألا وهي أنه من الملامح السائدة في صعود العلم الحديث هو التوجه البروتستانتي في تفسير نصوص الكتاب المقدس الذي أنهى المنهج الرمزي المتبع في العصور الوسطى.[24]

وإنها طبعاً مهمة عسيرة للغاية أن نعرف «ماذا يحدث لو….»، ولكن بالتأكيد لن نكون مبالغين إن قلنا إن تقدم العلم كان سيتراجع كثيراً لولا تعليم لاهوتي بعينه، ألا هو تعليم الخلق، وهي عقيدة تشترك فيها كل من اليهودية والمسيحية والإسلام. ولكن “بروك” يصدر تحذيراً صحياً من إعطاء القضية أكبر من حجمها، أي أنه إن كان بعينه يؤيد العلم فهذا لا يثبت صحة ذلك الدين. وبالتالي ينطبق المبدأ نفسه على الإلحاد.

لقد كان تعليم الخلق ضرورياً لصعود العلم بفضل ما ينطوي عليه من فكرة ترتيب الكون. إلا أن ضرورته تنبع من سبب آخر أشرنا إليه في المقدمة. فحتى يتقدم العلم، كان لا بد من تحرير الفكر من المنهج الأرسطي الذي ساد العالم والذي يقوم على استنتاج ما يجب أن يكون عليه الكون بناء على مبادئ ثابتة، والانتقال إلى منهجية تسمح للكون أن يفصح عن نفسه مباشرة.

ومما يسر هذا التحول الجوهري في المنظور هو الاعتقاد بخليقة مرهونة بإرادة خالقها Contingent، أي أن الله الخالق كان يمكنه أن يخلق الكون بأي شكل يحلو له. ومن ثم، إن أردت أن تكتشف ماهية الكون أو الكيفية التي يعمل بها تحديداً، فلا بديل عن أن تستكشف وترى بعينيك. فلا يمكنك أن تستنتج الكيفية التي يسير بها الكون بمجرد أن تعمل عقلك بناء على مبادئ فلسفية بديهية مفترضة مسبقاً a priori.

وهذا هو بالضبط ما قاله جاليليو، ومن بعد كبلر وغيرهما: فقد بحثوا ورأوا بأنفسهم، وأحدثوا ثورة علمية. ولكن كما نعرف جميعاً، دخل جاليليو في صراع مع كنيسة روما الكاثوليكية. ولذلك، علينا أن نعود لقصته لنرى ماذا يمكننا أن نتعلمه منها.

 

أساطير الصراع: جاليليو وكنيسة روما الكاثوليكية، “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس”:

من الأسباب الرئيسية التي تستدعي التمييز بين تأثير عقيدة الخلق وتأثير جوانب أخرى من الحياة الدينية (ولنقل السياسة الدينية) على صعود تيار العلم هو أن نصل إلى فهم أفضل لروايتين تاريخيتين لنمطين غالباً ما تستخدمان لتأييد الانطباع السائد بين عموم الناس بأن العلم كان دائماً في حرب مع الدين، وهي فكرة غالباً ما يشار إليها باسم “أطروحة الصراع” “Conflict thesis“.

تتصل هاتان الروايتان باثنتين من أشهر المواجهات في التاريخ: أولاهما، هي ما ذكرته آنفاً، بين جاليليو وكنيسة روما الكاثوليكية. والثانية، هي المناظرة بين “هكسلي” Huxley والأسقف “ويلبرفورس” Wilberforce حول موضوع كتاب تشارلز داروين Charles Darwin الشهير “أصل الأنواع” The Origin of Species. إلا أن البحث الدقيق يكشف أن هذه القصص تعجز عن تأييد أطروحة الصراع، وهو ما يمثل مفاجأة للكثيرين، ولكن هذا هو ما يثبته التاريخ.

ويجب أولاً أن ننتبه لحقيقة واضحة، وهي أن جاليليو واحد من العلماء الذي آمنوا بالله. فهو لم يكن لاأدرياً ولا ملحداً في صراع مع الإيمان بالله الخالق الحافظ theism** في عصره. والكتابة “دافا سوبل” Dava Sobel تكشف ببراعة زيف هذا الانطباع الخرافي عن جاليليو في كتابها الرائع “ابنه جاليليو”[25] Galileo’s Daughter، ذلك الانطباع الذي يصور جاليليو على انه «شخص انشق عن الإيمان واحتقر الكتاب المقدس.»

فالحقيقة أن جاليليو كان يؤمن بالله والكتاب المقدس إيماناً راسخاً، وظل هكذا طيلة حياته. وكان يعتقد أن «قوانين الطبيعة مكتوبة بإصبع الله بلغة رياضية» وأن «العقل البشري هو أحد أعمال الله، بل من أكثرها براعة.»

علاوة على ذلك، حظي جاليليو بقدر كبير من دعم المفكرين المؤمنين، على الأقل في البداية. فعلماء الفلك في المؤسسة التعليمية اليسوعية المرموقة المعروفة آنذاك باسم Collegio Romano صادقوا في البداية على اكتشافاته الفلكية وكرموه عليها. ولكنه واجه معارضة عنيفة من الفلاسفة العلمانيين الذين استشاطوا غضباً بسبب نقده لأرسطو.

وكان لا بد أن يثير هذا الموقف حالة من الاضطراب. ولكن لا بد أن نؤكد أن بداية المشكلات لم تكن مع الكنيسة، على الأقل من وجهة نظر جاليليو شخصياً. لأنه في مقاله الشهير “خطاب للدوقة العظمى كرستينا” Letter to the Grand Duchess Christina (1615) يوضح أن الأساتذة الجامعيين هم من عارضوه بشدة لدرجة أنهم كانوا يحاولون التأثير على السلطة الكنسية لتقف ضده. أما سر خوف الأساتذة واضح؛ فالحجج العلمية التي قدمها جاليليو كانت تهدد الفلسفة الأرسطية التي علمت بها الجامعات وسادت كافة الأرجاء.

لقد أراد جاليليو، رغبه منه في دفع العلم الحديث، أن يضع نظريات الكون بناء على الدليل، وليس على أساس مسلمات بديهية، وبالأخص مسلمات الفلسفة الأرسطية. ولذلك، نظر إلى الكون من خلال تلسكوبه، وما رآه حطم بعضاً من أهم الاستنتاجات الفلكية التي توصل إليها أرسطو. فقد رأى جاليليو بقعاً شمسية Sunspots لطخت وجه “الشمس الكاملة” “Perfect Sun” التي قال بها أرسطو. وفي عام 1604 رأى نجماً متفجراً Supernova، مما أثار تساؤلات حول “السماوات غير القابلة للتغيير” “Immutable Heavens” التي علم بها أرسطو.

لقد كان الفلسفة الأرسطية هي المنظور السائد للعالم، ولم تكن مجرد إطار يتحرك العلم داخل حدوده، ولكنها كان منظوراً للعالم بدأ يتصدع فضلاً عن ذلك، كان الإصلاح البروتستانتي يتحدى سلطة روما. ومن ثم، أصبح الأمن الديني يواجه خطراً متزايداً من وجهة نظر روما. ولذلك كان هذه الحقبة في غاية الحساسية. وكنيسة روما التي استعدت للمعركة وكانت آنذاك تتبنى الفلسفة الأرسطية التي تبناها الجميع تقريباً شعرت أنها غير قادرة على السماح بأي تحد حقيقي لفلسفة أرسطو رغم ظهور بعص الأصوات (ولا سيما بين اليسوعيين) التي بدأت تنادي بأن الكتاب المقدس نفسه لا يؤيد أسطو في كل شيء.

ولكن هذه الأصوات لم تكن قد قويت بعد بما يكفي لمنع المعارضة العنيفة التي واجهها جاليليو من الوسط الأكاديمي ثم من كنسية روما. ولكن حتى في ذلك الحين لم تكن أسباب المعارضة مجرد أسباب فكرية وسياسية. ولكن الغيرة، وكذلك ضعف الحس الدبلوماسي عند جاليليو كانا من العوامل المساعدة. فقد أثار حفيظة النخبة في عصره عندما نشر أعماله بالإيطالية بدلاً من اللاتينية حتى يزود الناس العاديين بشيء من الكفاءة الفكرية. فقد أخذ على عاتقه ما عرف فيما بعد باسم فهم العامة للعلم.

وكذلك اعتاد جاليليو على سلوك قصير النظر ولم يكن معيناً له، ألا هو التنديد بمن كان يختلف معه بلغة لاذعة. هذا بالإضافة إلى أنه لم يدرج حجة صديقه السابق مؤيديه البابا أوريان الثامن (مافيو بربريني) Urban VIII (Maffeo Berberini) في كتابه “حوار حول النظامين الأساسيين للعالم” Dialogue Concerning the Two Principal Systems of the World بطريقة تجعلها نافذة كما لو كانت أمراً رسمياً.

إلا أنه فعل ذلك من باب الخضوع والاحترام، ولكنه وضع هذه الحجة على لسان شخصية ساذجة في كتابه أطلق عليها “سيمبليسيو” Simplicio (الساذج). وتقول هذه الحجة أنه ما دام الله كلي القدرة، فهو يستطيع إنتاج أي ظاهرة طبيعية بطرق مختلفة، ومن ثم فإن زعم الفلاسفة الطبيعيين بأنهم توصلوا إلى الحل الفريد يعد ضرباً من الغرور. ولكنه آذى نفسه بنفسه عندما ذكرها بهذه الطريقة.

ومع ذلك فكنيسة روما لم يكن لها أي عذر في استخدام سلطة محاكم التفتيش لقمع جاليليو، ولا لإنفاق مئات السنين بعده في محاولة “لإعادة تأهليه”. إلا أنه لا بد أن ننوه ثانية أن جاليليو لم يتعرض مطلقاً للتعذيب كما يشاع، وحتى “الإقامة الجبرية” التي فرضت عليه فيما بعد قضى معظمها في مساكن أصدقائه الخاصة الفاخرة.[26]

ويمكننا استخلاص دروس مهمة من قصة جاليليو: الدرس الأول لمن يحترمون رواية الكتاب المقدس، وهو أنه من الصعب أن نتخيل أنه هناك أي شخص اليوم يؤمن بأن الأرض مركز الكون والكواكب والشمس تدور حولها. أي أن هؤلاء يقبلون نظام كوبرنيكوس الذي يقوم على مركزية الشمس Heliocentric الذي حارب من أجله جاليليو ولا يرون تعارضاً بينه وبين الكتاب المقدس، رغم أن الجميع تقريباً في عصر كوبرنيكوس وما قبله كانوا مثل أرسطو يعتقدون أن الأرض مركز الكون واستخدموا قراءتهم الحرفية لأجزاء من الكتاب المقدس لدعم تلك الفكرة.

فكيف حدث هذا التغيير؟ لقد أصبحوا يقرأون الكتاب المقدس بنظرة أعمق وأكثر إدراكاً للفروق الدقيقة[27]، وأدركوا أنه عندما يقول الكتاب المقدس مثلاً إن الشمس “تشرق”، فهو يتحدث من وجهة ظواهرية، أي أنه يقدم وصفاً للظاهرة كما تبدو لعيني الناظر، ولا ينوه إطلاقاً إلى نظرية بعينها تختص بالشمس أو بالكواكب. وهذا بالضبط ما يفعله العلماء اليوم، فهم أيضاً يقولون في حواراتهم العادية إن الشمس تشرق، ولا يتهمهم أحد بأنهم أرسطيون رجعيون.

فالدرس المهم هو أننا لا بد أن نتحلى بالتواضع الذي يجعلنا نميز بين ما يقوله الكتاب المقدس وتفسيراتنا له. فالنص الكتابي قد يكون أعقد وأعمق مما نظن. لذلك، لا بد أن نحترس لئلا نستخدمه لتأييد أفكار لم يقصد مطلقاً أن يقولها. وهذا ما اعتقده جاليليو في عصره، وقد أثبت التاريخ صحته.

وأخيراً، درس آخر في اتجاه مختلف، ولكن نادراً ما يلتفت إليه، وهو أن جاليليو الذي آمن بالكتاب المقدس هو من قدم فهماً علمياً أفضل للكون ليس فقط ضد رجعية بعض رجال الكنيسة،[28] كما رأينا، بل (في المقام الأول) ضد مقاومة (ورجعية) الفلاسفة العلمانيين في عصره الذين كانوا تلاميذ أرسطو المقتنعين بنظرياته، تماماً مثل رجال الكنيسة. واليوم أيضاً يحتاج الفلاسفة والعلماء أن يتحلوا بالتواضع أمام الحقائق، حتى لو كان من يلفت نظرهم لهذه الحقائق هو شخص يؤمن بالله.

فعدم الإيمان بالله لا يضمن الدقة العلمية أكثر مما يضمنها الإيمان بالله. فمن الواضح سواء في عصر جاليليو أو في عصرنا أن نقد النموذج العلمي السائد مهمة محفوفة بالمخاطر أياً كان من يقوم بها. وفي النهاية نخلص إلى أن “مسألة جاليليو” لا تؤكد مطلقاً ذلك الرأي الساذج عن وجود صراع بين العلم والدين.

 

المناظرة بين “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس” في أكسفورد سنة 1860:

ولا تؤكده أيضاً تلك الواقعة التي كثيراً ما يشار إليها، ألا وهي المناظرة التي جرت في 30 حزيران/ يونيو 1860 في الجمعية البريطانية للنهوض بالعلم British Association for the Advancement of Science التي عقدت في متحف التاريخ الطبيعي Natural History Museum في أكسفورد بين “ت. هـ. هكسلي” T. H. Huxley (حارس داروين الأمين Darwin’s bulldog) والأسقف “صامويل ويلبرفورس” Samuel Wilberforce (الملقب باسم “سام الصابوبي” Soapy Sam.***)

وقد أتت المناظرة نتيجة محاضرة أفاها “جون دريبر” John Draper عن نظرية التطور لداروين بعد نشر كتاب “أصل الأنواع” بسبعة شهور. وقد شاع تصوير هذه المواجهة على أنها صدام بسيط بين العلم والدين حيث انتصر العالم الكفء بجدارة على القس الجاهل. إلا أن مؤرخي العلم أظهروا أن هذه الرواية أيضاً أبعد ما تكون عن الحقيقة.[29]

أولاً، “ويلرفورس” لم يكن رجلاً جاهلاً. فبعد شهر من هذا اللقاء التاريخي، نشرة نقداً من خمسين صفحة لكتاب داروين (في دورية “كوارترلي رفيو” Quarterly Review)، اعتبره داروين معالجة «عبقرية، نجحت في التقاط أكثر الأجزاء المشكوك فيها، وقدمت طرحاً وافياً لكافة الصعوبات. إنها معالجة تتحداني بامتياز.» وثانياً، لم يكن “ويلرفورس” رجعياً. بل إنه كان مصراً على ألا تجري المناظرة بين العلم والدين، بل تكون مناظرة علمية، عالم مقابل عالم على أسس عليمة، وهو ما يتضح بجلاء في موجز نقده: «كان اعتراضنا على الآراء التي تناولناها يقوم على أسس علمية بحتة.

وفعلنا ذلك بناء على قناعة راسخة بأن الأمر يجب أن يسير على هذا النحو لأن هذه الحجج لا بد أن تخضع للاختبار للتحقق من صحتها أو زيفها. ونحن لا نتعاطف مع من يعترضون على أي حقائق أو حتى على الحقائق المزعومة في الطبيعة، أو على أي استدلال منطقي يتم التوصل إليه من هذه الحقائق لمجرد أنهم يعتقدون أنها تتناقض مع ما يظنون أنه تعلموه بالوحي. بل إننا نعتقد أن كل هذه الاعتراضات تعكس شعوراً بالخوف يتناقض كلية مع الإيمان إن كان ثابتاً وموثوقاً.»[30]

إن جرأة هذا التصريح قد تكون مفاجئة للكثيرين ممن انخدعوا وصدقوا القصة الشائعة تاريخياً عن هذه المواجهة. ولعلنا نلمح في لهجة “ويلبرفورس” أثراً من جاليليو. كما أنه ليس حقيقياً أن نظرية داروين لم تلق اعتراضات إلا من الكنيسة. فمثلاً السير “ريتشارد أون” Richard Owen رائد علم التشريح آنذاك (الذي تصادف أن ويلبرفورس سأله عن رأيه) كان ضد نظرية داروين، وقد عارضها أيضاً العالم البارز “كلفين” Kelvin.

أما عن الروايات المعاصرة عن هذه المناظرة، يقول “جون بروك”[31] إن الحدث في البداية لم يثر ضجة كبير: «لا بد أن نلاحظ أن الصدام الشهير بين “هسكلي” والأسقف لم ينشر في صحيفة واحدة من صحف لندن آنذاك فالواقع أنه ليس لدينا أي سجلات رسمية عن هذا اللقاء. وقد أتت معظم الأخبار من أصدقاء “هكسلي”. كما أن “هكسلي” نفسه كتب عن «حالة ضحك عارمة بين الجمهور» على خفة ظله وكتب أيضاً «أنا أعتقد أني كنت الرجل الأكثر شعبية في أكسفورد على مدى أربع وعشرين ساعة كاملة بعد المناظرة.» ومع ذلك فالأدلة تؤكد أن المناظرة لم تكن من طرف واحد على الإطلاق.

فقد نشرت إحدى الصحف فيما بعد أن واحداً ممن تبعوا نظرية داروين تراجع عن رأيه بعدما شهد المناظرة. وعالم النباتات “جوزيف هوكر” Joseph Hooker عبر عن استيائه لأن “هكسلي” لم «يضع المسألة في شكل أو إطار يكسبه تأييد الجمهور.» لذا، اضطر أن يتظاهر بالفوز. وقد كتب “ويلبرفورس” بعد ثلاثة أيام من المناظرة لعالم الآثار “تشارلز تيلور” Charles Taylor يقول: «أظن إني هزمته هزيمة ساحقة.» وتحقيق مجلة “أثنيم” The Athenaeum أعطى الانطباع بأن المستوى كان متساوياً تقريباً، فقد ورد فيه أن كلاً من “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس” «صنعا لأنفسهما أعداء يلقون بمكانتهما وصلابة شخصيتيهما.»

ويرجع “فرانك جيمز” Frank James المؤرخ في المؤسسة الملكية Royal Institution بلندن أن الانطباع السائد بأن “هكسلي” كان هو الطرف الفائز ربما مرجعه أن “ويلرفورس” لم يكن محبوباً، وهي حقيقة مفقودة من معظم الروايات: «لو كان “ويلبرفورس” محبوباً في أكسفورد وله شعبيته، لكان هو من حقق النصر وليس “هكسلي”.»[32] وهنا أيضاً نرى فيه أثراً من روح جاليليو!

وعليه نرى أن التحليل الدقيق يثبت أن اثنتين من الدعائم الرئيسية التي شاع استخدامها لتأييد أطروحة الصراع تتلاشيان. فالواقع أن البحث نجح في تقويض تلك الأطروحة لدرجة أن مؤرخ العلم “كولن رسل” Colin Russell توصل إلى هذه النتيجة: «الاعتقاد الشائع أن … العلاقة الفعلية بين الدين والعلم على مدى القرون القليلة الماضية تميزت بعداء عميق ومستديم… هو اعتقاد خاطئ تاريخياً، بل إنه مبالغة عبثية في منتهى السخافة، لدرجة أن ما حظي به هذا الاعتقاد من احترام أمر مثير للاندهاش.»[33]

ومن ثم يتضح أن عدداً من القوى لعبت دوراً مؤثراً في تفسير مدى تجذر أسطورة الصراع في أذهان العامة. والمؤكد أنه كانت هناك عدة عوامل كما في حالة جاليليو حيث لم تكون القضية الحقيقية مدى صحة أو خطأ نظرية عملية من الناحية الفكرية. ولكن في هذه الحالة أيضاً لعبت السلطة المؤسسية دوراً محورياً. فقد كان “هكسلي” يشن حملة تأكيد تفوق طبقة العلماء المتخصصين الجديدة الناشئة ضد أصحاب المناصب الكنسية وامتيازاتهم، مهما كانت قدراتهم الفكرية.

فقد أراد أن يضمن أن العلماء هم من يمسكون بمقاليد السلطة. وكانت قصة أسقف مهزوم يلقى مصرعه على يد عالم متخصص تناسب تلك الحملة، وقد استغلت أقصى استغلال. إلا أنه يبدو أن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد اشتملت حملة “هكسلي” على عنصر جوهري نبه إليه “مايكل بول”[34] Michael Poole. فقد كتب قائلاً: «في خضم هذا السجال كان لفظ الطبيعة” “Nature” يكتب بحرف N كبير capital وكان المفهوم يعامل كما لو كان كائناً عاقلاً، بل إن “هكسلي” أسبغ على “السيدة طبيعة” “Dame Nature“، كما كان يدعوها، صفات تنسب لله، وهو أسلوب اتبعه آخرون بعده بحماسة شديدة.

ولم يلحظ أحد أن فكرة إرجاع الفضل للطبيعة (كل ما هو موجود من أشياء مادية) في التخطيط لكل ما هو موجود من أشياء مادية وخلقه هي فكرة تنطوي على قدر هائل من الغرابة المنطقية. فطبقاً لهذا المبدأ، “السيدة طبيعة” كان لها مقر تسكن فيه مثل بعض إلاهات الخصب القدامى، وهي الأم التي تطوق بذراعيها الفلسفة الطبيعية العلمية الفيكتورية.» إذن، يتضح أن هذا الصراع الوهمي كان (وما زال) يستثار ويستخدم على نحو مخجل في معركة أخرى، ألا وهي المعركة بين الفلسفة الطبيعية naturalism والإيمان بالله الخالق، وهذه هي المعركة الحقيقية.

الصراع الحقيقي: الفلسفة الطبيعية مقابل الإيمان بالله الخالق:

وهنا نصل إلى واحدة من النقاط الرئيسية التي نرجو إبرازها في هذا الكتاب، ألا وهي أنه بالفعل يوجد صراع، وهو صراع حقيقي جداً. ولكنه ليس صراعاً بين العلم والدين على الإطلاق. لأنه لو كان الأمر كذلك، فالمنطق البسيط يقول إن كل العلماء لا بد أن يكونوا ملحدين وغير العلماء فقد هم المؤمنون بالله، ولكننا رأينا أن الواقع يخالف ذلك. ولكن الصراع الحقيقي هو بين منظورين متناقضين تماماً: الفلسفة الطبيعية، والإيمان بالله الخالق وهما فلسفتان لا بد أن تكونا في حالة صدام.

وللتوضيح أقول إن الفلسفة الطبيعية ترتبط بالفلسفة المادية Materialism، ولكنها ليست مرادفاً لها. وإن كانا أحياناً يصعب الفصل بينهما. تقول موسوعة The Oxford Companion to Philosophy إن تعقيد مفهوم المادة جعل «مختلف الفلسفات المادية تميل للاستعاضة عن “المادة” ببعض الأفكار مثل «كل ما يمكن دراسته بمنهجيات العلم الطبيعي» وهكذا حولت المذهب المادية إلى مذهب طبيعي، ولكن لا يمكن أن نقول إن الاتجاهين أصبحا متماثلين.»[35] فدعاة الفلسفة المادية ينتمون للفلسفة الطبيعية.

ولكن بعض أتباع الفلسفة الطبيعية يرون أنه يجب الفصل بين العقل والوعي من ناحية والمادة من ناحية أخرى. فهم يعتبرون العقل والوعي من الظواهر الـ “ناشئة” “emergent” أي أنها تعتمد على المادة ولكنها حادثة على مستوى أعلى لا يمكن أن يهبط إلى خواص المادة الأدنى.

وبعض الطبيعيين يرون أن الكون يتكون من “عقل” محض. إلا أن العامل المشترك بين الفلسفة الطبيعية والفلسفة المادية أن كلتيهما ترفض الإيمان بما هو فائق للطبيعية Supernaturalism، وتؤكد أن «عالم الطبيعة هو المجال الوحيد الموجود ولا تتدخل في إدارته أي نفوس أو أرواح، إلهية كانت أم بشرية.»[36] ومن ثم، مهما كانت الاختلافات بين الفلسفة المادية والطبيعية، فالاثنتان في جوهرهما إلحاديتان.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الفلسفة المادية أو الطبيعية تأخذان أشكالاً مختلفة. فمثلاً “إي. أو. ويلسون” E. O. Wilson يميز بين اثنين من هذه الأشكال. أولهما هو ما يطلق عليه السلوكية السياسية Political Begaviourism: «تقول إن المخ لوح أبيض، والإنسان يولد به خالياً من أي نقوش فيما عدا الأفعال المنعكسة والبواعث الجسمية البدائية، وما زالت هذه النظرة مقبولة في الدول الماركسية اللينينية التي تنهار انهياراً سريعاً. وبناء على هذه النظرة، فإن العقل يكاد يتشكل كله بفعل التعلم، وهو نتاج ثقافة تتطور هي نفسها عن طريق الظرف التاريخي**** Historical Contingency.

وبما أنه لا توجد «طبيعة بشرية» تقوم على أساس بيولوجي، إذن يمكن قولبة الناس على أفضل نظام سياسي واقتصادي ممكن، ألا هو الشيوعية، وهي الفكرة التي طرحت على العالم معظم سني القرن العشرين. وقد وضع هذا المعتقد موضع الاختبار العملي في السياسة ولسنوات طوال وثبت فشله بعد أن حدث من انهيارات اقتصادية وموت عشرات الملايين في عدد من الدول الفاشلة.» أما الشكل الثاني الذي يمثل رأي “ويلسون” نفسه يطلق عليه الإنسانية العلمية Scientific Humanism، وهو منظور يرى أنه «يجفف مستنقعات الدين وعقيدة اللوح الأبيض.»

ويعرفه كما يلي: «ما زال هذا الشكل مقبولاً بين أقلية صغيرة في العالم، وهو يعتبر أن البشرية أحد الأنواع البيولوجية التي نشأت وتطورت على مدى ملايين السنين في عالم بيولوجي واكتسبت ذكاء غير مسبوق ولكنه ما زال يسير وفقاً لعواطف معقدة موروثة وقنوات تعلم متحيزة. ولكن الطبيعة البشرية موجودة وقد كونت نفسها بنفسها. واشتراك البشر جميعاً في استجابات وميول موروثة هو ما يجعلهم نوعاً واحداً.» ويؤكد “ويلسون” أن هذه النظرة الداروينية هي التي «تفرض على الفرد عبئاً ثقيلاً هو عبء الاختيار الذي يصاحب الحرية الفكرية.»[37]

والاختلافات الدقيقة بين هذه الاتجاهات وغيرها تقع خارج نطاق هذا الكتاب. ولكن ما يعنينا هنا هو التركيز على العناصر الأساسية المشتركة بينها، وهو ما عبر عنه عالم الفلك “كارل ساجان” Carl Sagan بإيجاز مبهر في افتتاحية برنامجه التلفزيوني ذائع الصيت “الكون” Cosmos، إذ يقول: «لا يوجد ولم يوجد ولن يوجد أي شيء سوى الكون.» وهذا هو جوهر الفلسفة الطبيعية. أم “سترلينج لامبرت” Sterling Lamprecht يعطي تعريفاً أطول للفلسفة الطبيعية ولكنه يستحق الانتباه.

فهو يعرفها بأنها: «موقف فلسفي، ومنهج تجريبي يعتبر أن كل ما هو موجود أو حادث محكوم في وجوده أو حدوثه بعوامل عشوائية داخل نظام واحد شامل في الطبيعة.»[38] وبالتالي، لا يوجد شيء سوى الطبيعة. فهو نظام مغلق يتألف من المسبب والأثر، وليس هناك عالم متجاوز لذلك العالم المادي أو فائق للطبيعي. ليس شيء “خارج” هذا النظام.

أما رؤية الكون انطلاقاً من الإيمان بالله فهي تناقض تماماً مع الفلسفة الطبيعية والمادية، وتنعكس بكل وضوح في افتتاحية سفر التكوين: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.»[39] وهو ما يؤكد أن الكون ليس نظاماً مغلقاً ولكنه خليقة، إنه صنعة عقل الله وهو الذي يحفظه ويصونه. وهذا الإعلان هو إجابة عن السؤال: لماذا يوجد الكون؟ لأن الله أوجده.

إن عبارة سفر التكوين هي تصريح عقائدي، وليس تصريحاً علمياً، كما أن تصريح “ساجان” ليس تصريحاً علمياً ولكنه تعبير عن عقيدة شخصية. ولذلك، أكرر أن القضية المحورية لا تكمن في العلاقة بين العلم واللاهوت، بل علاقة العلم بمختلف الفلسفات الحياتية التي يعتنقها العلماء، ولا سيما علاقته بالفلسفة الطبيعية والإيمان بالله الخالق. لذا، عندما نسأل ما إذا كان العلم قد قتل الله، فنحن نتحدث على مستوى تفسير العلم. ولكن السؤال الفعلي الذي نطرحه هو: أي الفلسفتين يؤيدها العلم، الطبيعة أم فلسفة الإيمان بالله الخالق؟

“أي. أو. ويلسون” ليس لديه أدنى شك في إجابته التي يقول فيها: الإنسانية العلمية هي «المنظور الوحيد الذي يتوافق مع المعرفة العلمية المتزايدة بالعالم الحقيقي وبقوانين الطبيعية.» وعالم الكيمياء الكمية “هنري ف. شيفر الثالث” Henry F. Schaeffer III أيضاً لا يخالجه أي شك في إجابته، إذ يقول: «لا بد من وجود خالق. نظرية الانفجار الكبير تنتشر (1992) وما يعقبها من اكتشافات علمية يشير بوضوح لخلق من العدم، وهو ما يتفق مع أولى آيات سفر التكوين.»[40]

وحتى نستخلص العلاقة بين مختلف الفلسفات والعلم، علينا أن نسأل سؤالاً في منتهى الصعوبة؟ ما هو العلم على وجه التحديد؟

[1] “Will Science ever fail?” Now Scientist. 8 Aug 1992, pp. 32-35.

[2] “Is Science a religion?” The Humanist, Jan/Feb 1997, PP. 26-39.

[3] London, Bantam press 2006.

[4] Daily Telegraph Science Extra, Spt 11, 1989.

[5] يوحنا 20: 31.

[6] رومية 1: 20.

[7] The Language of God, New York, Free Press, 2006 p. 164.

[8] God and the New Atheists, Louisville, Westminster John Knox Press, 2008, P.62.

[9] Dawkins’ God, Oxford, Blackwell, 2004.

[10] A Devills Chaplain, London, Weidenfeld and Nicholson, 2003, p. 248.

[11] 3 April 1997, 386: 435n6.

[12] Larry Witham, Where Darwin Meets the Bible, Oxford, Oxford University Press 2002, p272.

* من يعتقدون بأنه يستحيل على الإنسان أن يجزم ما إذا كان الله موجوداً أم لا (المترجم).

[13] Scientific American, September 1999, pp. 88n93.

[14] Naturefs Imagination n The Frontiers of Scientific Vision , Ed. John Cornwell, Oxford, Oxford University Press, 1995 p. 132.

[15] The Search for God n Can Science Help? Oxford, Lion, 1995 p.59.

[16] God and the Scientists, compiled by Mike Poole, CPO 1997.

[17] Chemical Evolution, Oxford, Clarendon Press, 1969, p. 258.

[18] Science and the Modern World, London, Macmillan, 1925, p.19.

[19] Cited in Morris Kline, Mathematics: The Loss of Certainty, (Oxford University)

[20] Press, New York, 1980, p. 31. Science and Society in East and Westf, The Great Titration, Allen and Unwin, 1969.

[21] Theological Science, Edinburgh, T & T Clark, 1996 p. 57.

[22] المرجع السابق نفسه، ص 58.

[23] John Brooke, Science & Religion: Some Historical Perspectives, Cambridge, Cambridge University Press, 1991, p. 19.

[24] The Bible Protestantism and the Rise of Science, Cambridge, Cambridge University press, 1998.

** الإيمان بالله الخالق الحافظ theism هو منظور يؤمن بوجود الله باعتباره خالق الكون المادي وحافظه باستمرار، وبحريته في التدخل في الطبيعة كما يشاء. والإيمان بوجود الله الخالق الحافظ يقبل التدخلات الإلهية التي تبدو “فائقة للطبيعة” والتي تغير طبيعة المادة (http://www.sawtonline.org.evolution-creation-dictionary) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 وسيشار للمصطلح فيما بعد في هذا الكتاب باسم “الإيمان بالله الخالق” للتخفيف. (المترجم)

[25] London, Fourth Estate, 1999.

[26] The Reader interested in more detail should consult the excellent chapter on Galileo in Reconstructing Nature, John Brooke and Geoffrey Cantor, Edinburgh, T& T Clark, 1998.

[27] أشار جاليليو إلى هذه الفكرة في خطابه الشهير للدوقة العظمى كرستينا دوقة توسكني (1615) عندما وجه نقداً لاذعا لمن عجزوا عن إدراك “المعنى المختلف الذي قد يكمن تحت المعنى السطحي لهذا النص [الكتابي].”

[28] جدير بالذكر أنه في سنة 1559 أصدر البابا بولس الرابع أول دليل رسمي روماني للكتب الممنوعة Roman Index of Prohibited Books لحظر الكثير من الكتب، ومن بينها ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغات الحديثة، مما يدفعنا أن نتساءل: في أي معسكر وقفت الكنيسة؟

*** لقب بهذا الاسم لأنه كان دائماً ما ينتهج نهجاً دبلوماسياً وسطياً في المناظرات العامة، وخاصة المتعلقة بخلافات في مسائل دينية (http://boodhamsbulletin.co.ul/OldArticles/SamuelWilbet force.htm) تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/12/2015 (المترجم)

[29] See, for example, The Wilberforce- Huxley Debate: Why Did It Happen? By J. H. Brooke, Science and Christian Belief, 2001, 13, 127-41.

[30] See Wilberforce and Huxley, A Legendary Encounter, Lucas J. R. The Historical Journal, 22 (2), 1979, 313n30.

[31] Science and Religion Some Historical Perspectives, Cambridge, Cambridge University Press, 1991 p. 71.

[32] See David M. Knight and Matthew D. Eddy, Science and Beliefs: from Natural Philosophy to Natural Science 1700n1900, London, Ashgate, 2005.

[33] The Conflict Metaphor and Its Social Original, Science and Christian Belief, 1, 3626, 1989.

[34] Beliefs and Values in Science Education, Buckingham, Open University Press, 1995, p. 125.

[35] Ed. Honderich, Oxford University Press, 1995, p530.

[36] Oxford Companion to Philosophy. P 604.

**** المقصود كل ما يقع في التاريخ من أحداث تتم بشكل لا يمكن التنبوء به وليس بناء على خطة مسبقة. (المترجم نقلاً عن الكاتب).

[37] Intelligent Evolution, Harvard Magazine. November 2005

[38] Power Lamprecht Sterling, The Metaphysics of Naturalism. New York, Appleton Century-Crofts, 1960. P 16.

[39] تكوين 1: 1

[40] “The Big Bang. Stephen Hawking, and God”, in Science: Christian Perspectives for the New Millennium, Addison Texas and Norcross, Georgia, CLM and RZIM Publishers 2003.

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

Exit mobile version