تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

هل للكون تصميم؟ أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

 

«معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته

وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه،

إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون،

وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza،

وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley،

رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز

حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة

وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً على أن الكون لا يشرح نفسه

وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة

باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح.»

“كيث ورد” Keith Ward

 

«يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد،

ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق

ويوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة،

كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعية”).»

“أرنو بينزياس” Arno Penzias الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء

دلائل التصميم

في السنوات الأخيرة أخذنا العلم في رحلة مليئة بالمفاجآت، وبالأسرار أيضاً. فعلم الكون الذي يعمل على نطاق شديد الضخامة، وفيزياء الجسيمات الأولية التي تعمل على نطاق متناهي الصغر كشفا لنا تدريجياً البنية الجميلة المذهلة للكون الذي نعيش فيه. وحجمه الهائل يجعلنا نعي ضآلة حجمنا، وفي الوقت نفسه نندهش منها. فعلى أي مقياس رسم خطي Linear Scale[1] سنبدو نحن البشر بلا قيمة من حيث الحجم، مجرد ذرات من التراب في مجرة شاسعة لا تزيد بدورها عن مجرد ذرة في الكون.

إلا أننا على مقياس الرسم اللوغاريتمي Logarithmic [2]Scale نبدو في موقع متوسط بين الأبعاد متناهية الصغر التي تكشفها لنا الفيزياء النووية والأبعاد شديدة الضخامة التي يكشفها لنا علم الفلك. ولكن ما هو الإنسان؟ وما هو الكون؟ هل هو فعلاً بيتنا، أم أننا مجرد كائنات مؤقته صغيرة جداً قذفها الكون بالصدفة على هيئة مادة وطاقة على نحو عشوائي استغلالاً للقدة الكامنة في قوانين الطبيعة؟

وليس منا من يواجه هذه الأسئلة ببرودة، نظراً لما يثيره الكون فينا من مشاعر المهابة. وليس منا من يواجهها بنوع من اللامبالاة. فلا يمكن ألا نتأثر بهذه الأسئلة، فمهما كان نحن موجودون في هذا الكون. ومن ثم فعقولنا تصر على السؤال عن طبيعة علاقتنا بالكون.

وكما هو الحال دائماً، الإجابات التي نحصل عليها عن هذه الأسئلة تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً. فبعض العلماء يعتقدون أننا غرباء في الكون؛ «إكزيما على وجه الكون» قذفتنا دوامة الصدفة والضرورة الهائلة التي تحكم السلوك المادي للكون. إننا «نتاج عملية طبيعية بلا ذكاء ولا غرض لم تقصد أن تنتجنا أصلاً» كما قال عالم الأحياء “جورج جايلورد سيمبسون” George Gaylord Simpson.

ولكن آخرين لا يشعرون أنهم غرباء في الكون، منهم الفيزيائي “فريمن دايسون” الذي كتب: «عندما ننظر في الكون ونرى الأحداث الفيزيائية والفلكية الكثيرة التي عملت معاً لصالحنا، يبدو وكأن الكون كان يعرف أننا قادمون». وكذلك الفيزيائي “بول دافيز” Paul Davies الذي لا يستطيع أن يقتنع أننا مجرد ذرات لا قيمة لها من التراب المتحرك. وهو يكتب قائلاً: «لا أصدق أن وجودنا في هذا الكون مجرد فعل غريب غير مفهوم من أفعال القدر، صدفة في التاريخ، ومضة عارضة في دراما الكون العظيمة.

ولكننا مندمجون في الكون بالكامل… لقد قصد لنا بالفعل أن نكون هنا». ومن هنا نرى أن “دافيز” يرجح صراحة أن الكون وراءه عقل كان يفكر في البشر عندما صنع هذا الكون. فلماذا يعتقد “دايسون” وكذلك “دافيز” هذا الاعتقاد؟ هل الكون نفسه يزودنا بأي دلائل يمكن أن تشكل أسس الاعتقاد بأننا نحن البشر لنا قيمة؟ نعم. والأساس الأول هو:

إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني:

رغم كثرة النقاش الذي يمكن أن يدون حول جوهر المنهج العلمي، فلا جدال حول الأساس الذي يقوم عليه ذلك المنهج، ألا وهو إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility of the universe. واندهاش ألبرت آينشتاين Albert Einstein من الأساس هو ما دفع ليقول تعليقه الشهير: «أكثر ما هو غير مفهوم بشأن الكون أنه مفهوم».

ومفهوم إمكانية فهم الكون نفسه يفترض مسبقاً وجود عقلانية قادرة على الوصول إلى ذلك الفهم. والمؤكد أن الثقة في إمكانية اعتمادنا على العمليات العقلية البشرية وقدرتها على تزويدنا ببعض المعلومات عن العالم هي أساس أي نوع من الدراسة، وليس دراسة العلم فحسب.

وهذه القناعة أساسية جداً لكل أنواع التفكير حتى إننا لا يمكن أن نشكك في صلاحيتها قبل أن نفترضها في المقام الأول لأننا لا بد أن نعتمد على عقولنا حتى نشكك فيها أصلاً. فهي المعتقد الأساسي الذي يبنى عليه كل بحث فكري. والحجة التي أسوقها هي أن الأيمان بالله الخالق يضفي عليها مبرراً متسقاً منطقياً في حين أن الفلسفة الطبيعية تبدو عاجزة عن ذلك.

إن إمكانية الفهم العقلاني واحدة من الاعتبارات التي قادت المفكرين عبر كل العصور للاستنتاج بأن الكون نفسه لا بد أن يكون نتاج ذكاء. ويلخص الفيلسوف “كيث ورد” Keith Ward هذه النظرة قائلاً: «معظم من أمعنوا التفكير في أصل الكون وطبيعته وكتبوا عنه رأوا أن الكون يشير إلى ما هو أبعد منه، إلى مصدر غير مادي يتمتع بقدر ضخم من الذكاء والقدرة.

وكل الفلاسفة الكلاسيكيين العظماء تقريباً، ومنهم طبعاً أفلاطون، وأرسطو، وديكارت، ولايبنتس Leibniz، وسبينوزا Spinoza، وكانت، وهيجل، ولوك Locke، وبركلي Berkeley، رأوا أن أصل الكون يكمن في حقيقة متسامية تتجاوز حدود الزمان والمكان. ورغم أنهم اختلفوا في رؤيتهم لهذه الحقيقة وفي طرق تناولهم لها، فقد اتفقوا جميعاً في أن الكون لا يشرح نفسه وأنه يتطلب تفسيراً يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة باعتبارها أمراً في منتهى الوضوح».

فالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات بناء على أصل الكون وطبيعته الذي يشير إلى ذكاء غير مادي يكمن وراء الكون هو استنتاج له سجل تاريخي طويل مبهر.

طبيعة الإيمان ودوره في العلم:

لقد اندهش ألبرت إينشتاين من إمكانية فهم الكون: «تتعجب من أني أعتبر إن إمكانية فهم العالم (لدرجة أننا نتمتع بصلاحيات الحديث عن هذه الإمكانية) معجزة أو سراً أبدياً. حسناً، سنعتبر أن توقع العالم الفوضوي أمر بديهي مفترض مسبقاً، ولا يمكن فهم العالم بالعقل على أي نحو… ولكن النظام الذي تخلقه نظرية نيوتن في الجاذبية مثلاً يختلف تماماً.

فإن مجرد قدرة المرء على اقتراح مسلمات النظرة تفترض مسبقاً درجة عالية من التنظيم في العالم الموضوعي، وهو ما لا يمكن توقعه بديهياً بافتراض مسبق. تلك هي «المعجزة» التي تتأكد كلما اتسعت معرفتنا».

لأنه كما يتبين من مثال نظرية نيوتن، إمكانية فهم الكون ليست الحقيقة الوحيدة التي تدعو للدهشة، ولكن ما يثير ذهولنا أيضاً هو ما لهذه الإمكانية من طبيعة رياضية. إلا أننا نميل أن نعتبر فائدة الرياضيات أمراً واضحاً عادياً لأننا اعتدنا عليها. ولكن لماذا؟ “بول دافيز” أحد من يستاؤون من الإجابة السطحية للبعض الذين يقولون إن السبب في أن القوانين الأساسية للطبيعة هي قوانين رياضية أننا نحن من اعتبرنا أن القوانين الرياضية قوانين أساسية.

ومن الأسباب الرئيسية أن الكثير من الرياضيات القابلة للتطبيق «أنجزها علماء الرياضيات البحتة باعتبارها تمريناً مجرداً قبل تطبيقها على العالم الواقعي بزمن طويل. فالأبحاث الأصلية لم يكن لها أي ارتباط بالتطبيق النهائي.» إن ما يلفت النظر فعلاً أن أكثر المفاهيم الرياضية تجريداً التي تبدو منتجات للعقل البشري الصرف تمثل أهمية كبرى لفروع العلم التي تحتوي على كم ضخم من التطبيقات العملية.

إن “دافيز” هنا يردد أصداء مقالة شهيرة بقلم “يوجين ويجنر” Eugene Wigner الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء حيث كتب: «إن الفوائد العظيمة التي تقدمها الرياضيات للعلوم الطبيعية لهي سر عميق، وليس له أي تفسير منطقي… ولكنه ركن إيماني». فالعلاقة بين الرياضيات والفيزياء عميقة جداً ومن الصعب جداً أن نعتبرها مجرد صدفة عشوائية.

وأستاذ الرياضيات السير “روجر بنروز” Roger Penrose زميل الجمعية الملكية الذي لا يمكن التشكيك في فهمه لتلك العلاقة يقول عنها: «يصعب عليّ أن أصدق… إن هذه النظريات البديعة نشأت من مجرد انتخاب طبيعي عشوائي لبعض الأفكار لم يبق إلا على الأفكار الجيدة. فما تتمتع به هذه الأفكار من جودة عالية ينفي أن تكون مجرد أفكار ناجية بقيت على قيد الحياة ونشأت عشوائياً. ولكن لا بد من وجود سبب عميق يكمن في الاتفاق بين الرياضيات والفيزياء».

والمؤكد أن العلم نفسه لا يمكنه تفسير هذه الظاهرة. لماذا؟ لأنه كما قال “جون بولكينجهورن”: «العلم لا يشرح إمكانية فهم العالم المادي رياضياً لأنها جزء من الإيمان التأسيسي الذي يبنى عليه العلم».

ولا بد أننا نلاحظ هنا أننا أمام اثنين من أبرز العلماء، “ويجنر” وأيضاً “بوليكنجهورن”، يلفتان نظرنا صراحة إلى الدور الأساسي الذي يلعبه الإيمان في العلم. نعم، الإيمان. قد يكون هذا مفاجئاً، بل صادماً للكثيرين، وخاصة إن كانوا قد تعرضوا للوهم الشائع الذي ذكرناه في بداية هذا الكتاب الذي انتشر بسرعة البرق على يد “ريتشارد دوكينز” وغيره بأن “الإيمان” يعني “إيماناً أعمى” ولا ينتمي إلا لعالم الدين فحسب، بينما العلم لا ينطوي على أي إيمان إطلاقاً.

ولكن ببساطة “دوكينز” مخطئ لأن الإيمان لا ينفصل عن المسيرة العلمية. وتقدم نظرية “جودل” الثانية دليلاً آخر على ذلك: لا يمكنك حتى أن تشتغل بالرياضيات إلا إذا آمنت باتساقها.

بل دعني أسوق لك ما هو أكثر من هذا. خذ مثلاً قانون التربيع العكسي للجاذبية الأرضية الذي وضعه نيوتن. فلأنه مألوف لنا جداً باعتباره تفسيراً لكيفية دوران الكواكب حول الشمس في مدارات بيضاوية ونستخدمه (أو يستخدمه الخبراء) للتنبؤ بكافة أنواع الأحداث الفلكية، كالكسوف وما شابه، غالباً ما لا نرى فيه ذلك البعد الإيماني الخفي. ولكنه ينكشف في اعتقادنا بأن ما حدث اليوم سيحدث غداً.

وهذه هي مشكلة الاستقراء Induction الفلسفي المعروف التي رسم لها “برتراند رسك” صورة لا تنسى في قصته عن “الديك الرومي المستقرئ” “Inductivist Turkey” وبطل القصة ديك رومي لا يطعم بانتظام قبيل الكريسماس، فاستنتج أنه سيطعم يومياً. ولكنه اصطدم بأزمة رهيبة يوم العيد ربما كشفت له، ولو لجزء من الثانية، أخطار الاستقراء. ويعلق “بول دافيز” قائلاً: «إن شروق الشمس كل يوم من أيام حياتك لا يضمن أنها ستشرق غداً.

والاعتقاد بأنها ستشرق، أي بأن هناك نوع من الانتظام في الطبيعة يمكن التعويل عليه، هو فعل إيماني، ولن لا غنى عنه لتقدم العلم». وهذا الجانب من إمكانية الفهم العقلاني للكون غالباً ما يشار إليه بمبدأ ثبات الطبيعة Uniformity of Nature. وهو أحد أركان إيمان العالم.

وللأسف أن الفكرتين القائلتين بأن كل إيمان ديني إيمان أعمى وبأن العلم لا ينطوي على أي إيمان متأصلتان في أذهان الملحدين الجدد، مما ساهم في انتشارهما على نطاق واسع في كتاباتهم لدرجة أننا نضطر أن نؤكد بكل قوة أنهما خاطئتان. ويكتب “جون هوت” قائلاً: «عند نقطة معينة في سلسلة التحقق من كل زعم أو فرضية تدعي الحق، لا بد من قفزة إيمانية تعتبر مكوناً أساسياً في العملية.

وعنصر الثقة هو عنصر لا يهدم يكمن في أساس كل بحث بشري يسعى للوصول للفهم وللحق، بما فيه البحث العلمي. وإن وجدت نفسك تشك فيما قلته لتوي، فهذا ليس لشيء سوى أنك في هذا اللحظة بالذات تثق في عقلك بما يكفي للتعبير عن شكك فيما أقول. فلا يمكنك أن تتخلص من الثقة في قدرتك الفكرية حتى عندما تساورك الشكوك. علاوة على ذلك، فأنت لا تثير أسئلتك النقدية إلا لأنك تؤمن أن الحق يستحق البحث.

والإيمان بهذا المعنى، وليس بمعنى الخيالات الجامحة والتفكير المدفوع بالرغبة [3]Wishful thinking، يكمن في جذور أي دين حقيقي، وفي جذور العلم.» ويستنتج “هوت” استنتاجاً موفقاً مفاده أن هذا «يبين بجلاء أن محاولات الإلحاد الجديد لتطهير الوعي البشري من الإيمان محاولات عبثية وستمنى بالفشل.»

والحقيقة إن إجابتنا عن السؤال: لماذا الكون مفهوم عقلانياً؟ لن تعتمد على كوننا علماء أم لا، بل على كوننا مؤمنين بالله الخالق أو كوننا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية؛ فالمؤمنون بالله الخالق سيرون أن “ويجنر” كان مخطئاً في قوله بعدم وجود تفسير منطقي لإمكانية فهم الكون. ولكنهم سيقولون، على العكس، إن إمكانية فهم الكون متأصلة في طبيعة عقل الله الأعلى: كل من العالم الواقعي والرياضيات يمكن تتبع بداياتهما وصولاً إلى عقل الله الذي خلق كلاُ من الكون والعقل البشري.

ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون والعقل البشري. ولذلك، لا عجب أن النظريات الرياضية التي نسجتها العقول البشرية المخلوقة على صورة عقل الله تجد لها تطبيقاً جاهزاً في الكون الذي كان مهندسه ذلك العقل المبدع نفسه.

ويؤيد “كيث ورد” هذا الرأي تأييداً قوياً: «إن توافق الجسيمات الفيزيائية باستمرار مع العلاقات الرياضية الدقيقة هو أمر ممكن إن وجد عالم رياضيات كوني منظم يضع هذا الارتباط على النحو المطلوب. إن وجود قوانين فيزيائية… يعني ضمناً وجود إله يصيغ هذه القوانين ويضمن توافق العالم المادي معها.»

ومن ثم، الإيمان بالله الخالق يدفعنا لأن نعتقد في إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني ويعطي معنى لهذه الإمكانية، في حين أن أطروحة الاختزال تحط من قدرها وتغيب معناها، كما رأينا سابقاً. وهكذا، فإن العلم أبعد ما يكون عن القضاء على الله، بل إن هناك حجة قوة تؤكد أن وجود خالق هو ما يمنح العلم مبرره الفكري الأساسي.

وحتى “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking الذي يشغل الدرجة الأكاديمية التي شغلها السير اسحق نيوتن في جامعة كامبريدج والمعروف بعد تعاطفه مع الإيمان بالله الخالق، اعترف في لقاء تليفزيوني قائلاً: «من الصعب أن نناقش بداية الكون دون أن نذكر مفهوم الله.

وأبحاثي في أصل الكون تقع على الحدود فيما بين العلم والدين، ولكني أحاول أن أبقى في الجانب العلمي. ومن الوارد أن الله يعمل بطرق لا يمكن للقوانين العلمية وصفها.»

ولذلك يمكننا أن نرى اتفاقاً معيناً بين طرق التفكير العلمية والدينية بشأن الكون. وقد أشار “ج. ج. هولدن” J. J Haldane إلى هذه الفكرة بالذات في مناظرته مع “ج. ج. ي. سمارت” J. J. C. smart عن الإلحاد والإيمان مبيناً تشابه المنهجين العلمي والديني: «ومن ثم، فالعلم يشبه الإيمان من حيث استناده على افتراضات مسبقة “عقائدية”، وبما أنها تتعلق بنظام الكون وإمكانية فهمه، فهي أيضاً تشبه محتوى المفهوم الإيماني للكون باعتباره خليقة منظمة.

فضلاً عن ذلك، يبدو أن المؤمن بالله الخالق يدفع الحركة العلمية لمسافة أبعد بمحاولته المستمرة أن يفهم ما يجعل هذا النظام المدرك ممكناً أصلاً، باحثاُ عن أعمق الأوصاف والتفسيرات لوجود الكون وطبيعته.»

وجود الكون:

 من العناصر الأخرى الجوهرية في عقيدة العالم القناعة بأن الكون موجود ليُدرس، وهي حقيقة واضحة من ذاتها حتى إننا يمكن أن نسلم بها بسهولة. وهو ما يدعو للأسف. وذلك لأن إحدى المشكلات الأساسية التي تطرحها الفلسفة: لماذا يوجد كون من الأصل، لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

بعض العلماء والفلاسفة يعتقدون أننا لا يجب حتى أن نسأل هذا السؤال. وهم يرون أنه لا معنى للبحث عن سبب لوجود الكون لأنه ليس من سبب. ووجهة نظرهم تتلخص في أنه بما أن أي سلسلة من التفكير المنطقي لا بد أن تبدأ من نقطة معينة، إذن يمكننا أن نبدأ من وجود الكون. ويكتب “أي. تاريتون” E. Trayton على غرار “برتراند رسل” قائلاً: «الكون الذي نعيش فيه هو مجرد واحد من الأشياء التي تحدث من آن لآخر».

إلا أن هذه الإجابة التي تقول إن الكون انبثق هكذا إلى الوجود دون سبب تشبه من يفسر سقوط التفاح على الأرض بأنه يسقط هكذا دون سبب. فإن كانت الأخيرة علمية تكون الأولى علمية! فضلاً عن ذلك، إنه غريب جداً، كما يقول “كيث ورد” «أن نقول إن لكل شيء سبباً، ما عدا أهم شيء، أي وجود كل شيء، الكون نفسه.» إن رغبة الإنسان المتأججة في الحصور على تفسير لن تكف عن طرح السؤال.

والبعض الآخر يرى أن الكون يفسر نفسه. فمثلاً، “بيتر آتكينز” يؤمن بأن «عنصر الزمكان[4] يولد مادته في عملية تجميعه الذاتي لنفسه». وهو يطلق على هذه الفكرة “رباط الحذاء الكون” مشيراً إلى شخص يحاول أن يرفع نفسه من رباط حذائه. وهي فكرة متناقضة مع نفسها، مما يدفع كيث ورد” إلى القول إن نظرة “أتكينز” للكون تتناقض مع ذاتها تناقضاً صريحاً كتناقض الاسم الذي يطلقه عليها مشيراً إلى أنه «يستحيل منطقياً على المسبب أن يحدث أثراً إلى إذا وجد هذا المسبب أصلاً».

وينتهي “ورد” إلى أنه: «ليس من تنافس بين فرضية الله وفرضية رباط الحذاء الكوني. لأننا نعلم أن الأشخاص أو الأكوان الذين يحاولون رفع أنفسهم من أربطة أحذيتهم حتماً يفشلون للأبد». فلا الأكوان ولا كعكعة الخالة متيلدا تولد نفسها ولا تفسر نفسها. ولكن تفسير “التوليد الذاتي الذي يقدمه “آتكينز” لا يفرضه عليه علمه بل فلسفته المادية.

إلا أن “ستيفن هوكينج” يبدو أنه يتفق مع قصة الخالة ماتيلدا من حيث إن العلم لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون؟ فهو يكتب قائلاً: «إن المنهج العلمي المعتاد الذي يعتمد على بناء نموذج رياضي لا يمكنه الإجابة عن سؤال لماذا يوجد الكون الذي يصفه النموذج؟ لماذا يوجد الكون من الأساس؟ هل النظرية الموحدة لها من قوة الإقناع ما يجعلها توجد نفسها؟ أم أنها تحتاج إلى خالق، وإن كان كذلك، هل الخالق له أي تأثير آخر على الكون؟».

فأول ما يقترحه “هوكينج” هنا ليس أن الكون يولد نفسه، بل إنه وجد عن طريق نظرية، وقد قال “بول دافيز” شيئاً مشابهاً في لقاء أجري معه: «لا حاجة للاستعانة بأي شيء فائق للطبيعي في أصل الكون أو أصل الحياة. فأنا لم أعجب إطلاقاً بفكرة الصنعة الإلهية، ولكني أرى أن الفكرة الأكثر إثارة هي أن مجموعة من القوانين الرياضية تتمتع بدرجة عالية من الذكاء تمكنها من إيجاد كل هذه الأشياء».

والغريب أن عالماً بحجم “دافيز” مستعد أن يكون رأيه في أصل الأشياء على أساس الإعجاب وعدم الإعجاب. فهو كمن يقول: «يعجبني أن أعتقد في وجود جنيات في نهاية حديقتي.» علاوة على ذلك، فهو هنا ينسب الذكاء (إن لم يكن الشخصية أيضاً) لمجموعة من القوانين الرياضية معتقداً أنها ذكية نظراً لما تتميز به من إثارة! هل هذا تفكير مدفوع بالرغبة الشخصية أم ماذا؟

وسنترك هذا الدافع المشكوك فيه ونسأل: ما معنى أن نظرية أو قوانين توجد الكون؟ من المؤكد أننا قادرون على صياغة نظريات تحتوي على قوانين رياضية تصف الظواهر الطبيعية، بل إننا عادة ما نفعل ذلك بدقة مذهلة. إلا أن ما نتوصل إليه من قوانين لا يمكنه في ذاته أن يسبب أي شيء.

فقوانين نيوتن يمكنا أن تصف حركة كرة بلياردو، ولكن العصا التي يمسك بها لاعب البلياردو هي ما تحرك الكرة، لا القوانين. القوانين تساعدنا على رسم خريطة لمسار حركة الكرة في المستقبل (بشرط عدم تدخل عنصر خارجي). ولكنها عاجزة عن تحريك الكرة، ناهيك عن الإتيان بها للوجود.

وقد قال هذا الكلام عينه منذ زمن بعيد “وليم بيلي” William Paley الذي تعرض للكثير من التحقير، إن جاز لنا التعبير. فقد قال معلقاً على الشخص الذي عثر على ساعة وسط الحشائش والتقطها إن هذا الشخص ستعتريه “دهشة كبيرة لو علم أن الساعة التي في يده ليست سوى نتاج قوانين الطبيعة المعدنية. وإنه لتحريف لغوي أن نصف أي قانون بأنه المسبب الفاعل والفعال لأي شيء. فالقانون يفترض فاعلاً، لأنه لا يمثل سوى الأسلوب الذي يتحرك الفاعل وفقاً له.

إنه ينطوي على قوة لأنه يشكل النظام الذي تتصرف تلك القوة وفقاً له. ودون هذا الفاعل، دون هذه القوة، وكلاهما متمايز عن القانون، فالقانون لا يفعل شيئاً وهو نفسه لا شيء».

في العالم الذي يعيش فيه معظمنا القانون الحسابي البسيط 1 + 1 = 2 لم يأت إطلاقاً بأي شيء للوجود. والمؤكد انه لم يودع أي مبالغ مالية في حسابي المصرفي. فإن أودعت في البداية 1000 جنيه إسترليني ثم 1000 أخرى، قوانين الحساب ستشرح منطقياً أني الآن أملك 2000 إسترليني في البنك. ولكن لو لم أودع أي أموال في البنك بنفسي وتركت قوانين الحساب توجد أموالاً في حسابي، فسأظل مفلساً للأبد.

إن عالم الفلسفة الطبيعية الصارمة حيث القوانين الرياضية الذكية تسبب وجود الكون والحياة هو عالم خيال محض (وقد أضيف أنه خيال فقير). وإن أطلقنا عليه خيالاً علمياً، نسيء لاسم العلم. فالنظريات والقوانين لا توجد أي شيء. إلا أن الرأي القائل بأنها مع ذلك تتمتع بتلك القدرة على نحو ما يبدو ملاذاً يائساً (وإلا فماذا تكون هذه القوانين إذن؟) من الاحتمال البديل الذي يشتمل عليه سؤال “هوكينج” الأخير المذكور آنفاً: «أم أنها تحتاج إلى خالق؟»

إن “آلن سانديج” Allan Sandage الذي يعتبر من مؤسسي علم الفلك الحديث، ومكتشف أشباه النجوم Quasars والفائز بجائزة كرافورد Crafoord المعادلة لجائزة نوبل في الفلك لا يساوره أدنى شك في أن الإجابة على ذلك السؤال بالإثبات: «أرى أنه من المستبعد أن يكون نظام كهذا نشأ من الفوضى. لا بد من وجود مبدأ منظم. والله بالنسبة لي سر عميق غامض ولكنه تفسير معجزة الوجود، وهو إجابة لسؤال لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم.»

بداية الكون:

إن سؤال وجود الكون يختلف من الناحية المنطقية عن سؤال ما إذا كانت للكون بداية أم لا. ويشكل هذا الأخير أهمية جوهرية لتاريخ الفكر. وهو يرتبط بالمسائل المعلقة بطبيعة الحقيقة النهائية، لأنه إن لم تكن للكون بداية، فهو أزلي. وبناء على ذلك يمكن القول بأنه مجرد حقيقة مادية للوجود لا معنى لها. ولكن إن كانت له بداية، فهو ليس أزلياً. ومن ثم، ليس نهائياً.

وعلى مر التاريخ طرحت العديد من الآراء. فقد رأى أفلاطون أن الكون يتكون من مادة موجودة سلفاً. أما أرسطو فقد أمن بأن الأرض مركز كون أزلي. وفي شكل آخر من أشكال فكرة الكون الأزلي نجد أن بعض فلسفات الكون القديمة الأخرى، مثل فلسفة الكون الهندوسية، تؤمن أن الكون يسير في حلقات متكررة بلا نهاية تشبه كثيراً إيقاع الطبيعة ولكن على فترة أطول كثيراً، تقاس أحياناً بتريليونات السنين.

إلا أن العبرانيين آمنوا قبل الإغريق بزمن طويل أن الزمن خطي والكون له بداية. وآمنوا أنه مخلوق وأن خالقه هو الله. وقد اعتنق هذه النظرة عدد من رواد الفكر أمثال أوغسطينوس وإيريناوس وتوما الأكويني. وقد سادت هذه النظرة الساحة الفكرية على مدى قرون عدة.

ومن الجدير بالذكر أن توما الأكويني حاول في القرن الثالث عشر أن يصالح موقف الكتاب المقدس مع الفلسفة الأرسطية على أساس أن مفهوم الخليقة، في رأيه، يتصل بالوجود أكثر مما يتصل بعملية الخلق. وقد تبع أوغسطينوس في الاعتقاد بأن الله خلق “مع الزمن” وليس في الزمن. ووفقاً لهذه النظرة، يعني الخلق ببساطة أو وجود الكون يعتمد على الله. وقد رأى توما الأكويني أنه يستحيل أن نجزم بناءً على الأفكار الفلسفية ما إذا كان الكون أزلياً أم لا. إلا أنه اعترف أن الإعلان الإلهي يؤكد أن له بداية.

إلا أنه في جزء كبير من العصر العلمي الحديث عقب كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن تحول الفكر عموماً إلى الاعتقاد بأن الكون لا نهائي من حيث عمره واتساعه. ومن منتصف القرن التاسع عشر بدأت هذه الفكرة تتعرض لضغوط متزايدة حتى إنها فقدت تماسكها كلية.

وذلك لأن الاعتقاد ببداية الكون أصبح مرة أخرى يمثل رأي معظم العلماء المعاصرين. فبعض الدلائل المبنية على الانزياح نحو الأحمر[5] Red-shift في الضوء الصادر من المجرات البعيدة، وخلفية الموجة الصغيرة الكونية Cosmic Microwave Background، والديناميكا الحرارية قادت العلماء إلى صياغة النموذج القياسي للكون المعروف باسم “الانفجار الكبير.”

العداء لفكرة البداية:

إلا أنه لا بد أن نذكر أنه ليس كل العلماء مقتنعين بصحة نموذج الانفجار الكبير. فمثلاً، بعض التفسيرات الأخرى لظاهرة الانزياح نحن الأحمر تثير عدة مشكلات. ومما يخلق مشكلات أيضاً ما اكتشف حديثاً من أن تمدد الكون يبدو أنه يسير بسرعة أكبر، مما يطرح سؤالاً عن احتمالية وجود قوة لم تعرف حتى الآن تسير في اتجاه معاكس للجاذبية.

والواقع أن الفلسفة الحياتية التي يتبناها بعض العلماء والفلاسفة تلعب دوراً في معاداتهم لفكرة البداية. وقد علق “إنجلز” Engels تعليقاً ثاقباً على القضايا ذات الصلة قائلاً: «هل خلق الله العالم أم أن العالم موجود أزلاً؟ إن إجابات الفلاسفة عن هذا السؤال قسمتهم إلى معسكرين كبيرين. فمن أكدوا أولوية الروح على الطبيعة، ومن ثم افترضوا أخيراً أن العالم مخلوق بشكل أو بآخر…. كونوا معسكر الفلسفة المثالية.

أما الآخرون الذين رأوا أن الأولوية للطبيعة ينتمون لمختلف مدارس الفلسفة المادية». ويتبنى “ستيفن هوكينج” نظرة مشابهة: «الكثيرون لا يحبون فكرة أن للزمن بداية، ربما لأنها تحمل في طياتها فرضية التدخل الإلهي.»

ومن أولئك السير “آرثر إدينجتون” Arthur Eddington (1882-1944) الذي كان رد فعله كالآتي: «فلسفياً، فإن الفكرة القائلة بوجود بداية للنظام الحالي للطبيعة هي فكرة مثيرة للاشمئزاز… وإني أفضل إيجاد بديل آخر لها.» وقد شاركه آخرون في شعوره بالاشمئزاز إزاء هذه الفكرة.

ففي منتصف القرن العشرين مثلاً طرح كل من “جولد” Gold، “بوندي” Bondi، “هويل” Hoyle، “نارليكار” Narlikar سلسلة من نظريات الحالة الثابتة Steady-State Theories التي تقول بأن الكون موجود أزلاً، والمادة كانت تنتج باستمرار للحفاظ على كثافة الكون المتمدد ثابتة. ومعدل الإنتاج اللازم معدل في غاية البطء يعادل ذرة واحدة لكل متر مكعب في كل عشرة مليار سنة. وهو ما يعني، بالصدفة، استحالة إخضاع النظرية للاختبار عن طريق الملاحظة.

أما دافعهم وراء هذا الرأي فقد أثار اهتمام الجريدة العلمية الأسبوعية الراقية “نيتشر” حيث أشار الكاتب العلمي الشهير “جون جريبين” John Gribbin أن نظرية الحالة الثابتة التي وضعها “هويل” مع “بوندي” اكتسبت الكثير من زخمها من المشكلات الفلسفية واللاهوتية التي تثيرها فكرة بداية الكون، ولا سيما السؤال عن الشيء أو الشخص المسؤول عن هذه البداية.

ومن مشاهير العلماء الآخرين الذين يجدون فكرة البداية مقززة السير “جون مادوكس” John Maddox وهو محرر سابق في جريدة “نيتشر”. فقد صرح بأن فكرة البداية «غير مقبولة بالمرة» لأنها تنطوي على «منشأ نهائي لعالمنا» وتعطي المؤمنين بنظرية الخلق «مبرراً وافراً» لمعتقداتهم. ومما يدعو للسخرية أن البعض في القرن السادس عشر قاوموا التقدم العلمي بدعوى أنه يهدد الإيمان بالله، بينما في القرن العشرين تتعرض الأفكار العلمية عن البداية للمقاومة لأنها تدعم معقولية الإيمان بالله وهو ما يشكل تهديداً لرافضي هذا الإيمان.

ولا بد من الإشارة إلى جانب آخر في تصريح “مادوكس”، ألا هو أن النقد الموجه لأولئك (العلماء) الذين يؤمنون بخالق مفاده أنهم لا يملكون نموذجاً للكون يقود إلى تنبؤات يمكن إخضاعها للاختبار. إلا أن تعليق “مادوكس” يبين خطأ هذا الانتقاد. بل إن عداءه لفكرة البداية سببه تحديداً أن النموذج الخلقي كما يقدمه الكتاب المقدس يتنبأ بوضوح بوجود بداية، وهذا هو ما لم يرحب به “مادوكس.”

إلا أن الأدلة المبينة على الدالة الانفرادية في متغير الزمكان Space-time Singularity في صورة اكتشاف خلفية الموجة الصغيرة وغيرها تؤكد التنبؤ الواضح الذي تتضمنه الرواية الكتابية. وهو ما يعني أن التهمة القائلة بأن التصميم الذكي غير علمي لأنه لا يقدم أي تنبؤات قابلة للاختبار تهمة زائفة. فقد أثبت العلم نفسه أن فرضية الخلق قابلة للاختبار.

نقطة البداية:

لا بد أن ندرك ما يحيط موضوع البداية من صعوبات نظرية لا حد لها. فبناء على ما يطلق عليه “النموذج القياسي” “Standard Model” كان الكون قرب البداية في منتهى الضخامة وفي منتهى الصغر.

وعلى مستوى الأشياء متناهية الصغر، وضعت نظرية الكم لوصف سلوك الذرات ومكوناتها. ومن ثم، رأى الفيزيائيون أنه يجب علينا أن نبني تفكيرنا على أساس علم الكون الكمي حتى نتمكن من دراسة أول جزء من الثانية في وجود الكون، وكلمة “جزء” تعني فترة زمنية قصيرة لا يمكن تخيلها، وهي ما يعرف باسم “زمن بلانك” Planck Time الذي يساوي 10-43 ثانية (0.000000000000000000000000000000000000000000 حيث يوجد 42 صفراً بين الواحد الصحيح والعلامة العشرية)، وهو ما يعتبر نظرياً أصغر فترة زمنية يمكننا تمييز ما يقع فيها من أحداث.

والفكرة الأساسية هي أنه على مستوى الأشياء متناهية الصغر توجد حتماً مساحة غير يقينية وغير خاضعة للتنبؤ طبقاً لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج Heisenberg’s uncertainty principle. وهو يضع حداً لقدرتنا على تحديد قيم الكميات القابلة للقياس مثل وضع وحركة الجسيمات الذرية ومكوناتها. ومن هنا نكتشف محدودية قدرتنا على التحديد.

فبالرغم من أننا نستطيع توقع احتمالية وقوع حدث كمي معين، مثل اضمحلال النشاط الإشعاعي لأحد الجسيمات، فلا يمكننا تحديده بدقة. وذلك نظراً لما يتسم به السلوك بحالة من التذبذب لا يمكن محوها. والحجة التي تبنى على هذه الفكرة هي احتمالية ظهور الكون إلى الوجود في صورة تموج في فراع كمي Fluctuation in a quantum vacuum.

وقد صمم “هوكينج” بالتعاون مع “هارتك” Hartle، في محاولتهما لدراسة هذه الفكرة نظرياً، نموذجاً رياضياً للكون في شكله المبكرة يشتمل على مفهوم “الزمن التخيلي” “Imaginary Time” الذي يقال إنه ينفي الحاجة للدوال الانفرادية Singularities، ومن ثم ينفي مسألة الخالق. ولكنه لا ينفي هذا ولا ذاك. فبصرف النظر عن أن هذه التفاسير تنطوي على قدر كبير من التخمين، فالقول بنشأة الكون من تموج في فراغ كمي يرجع بمسألة الأصل خطوة للوراء ويجعلنا نتساءل عن مصدر الفراغ الكمي.

والأهم من ذلك أنه لا يجيب عن سؤال: “ما أصل القوانين التي تحكم هذا الفراغ؟” أما بخصوص الوقت الكافي Real Time، يعترف “هوكينج” قائلاً: «في الوقت الحقيق، الكون له بداية ونهاية على دوال انفرادية تكون حداً للزمكان حيث يتوقف عمل القوانين العلمية”.

ومن ثم، فهناك اتفاق عام حالياً على أن الكون له بداية. والقول بأن الكون يفسر ذاته قول متناقض تماماً كما أن القبول الساذج للبداية باعتبارها حقيقة مادية بلا معنى غير مرض. وكلما ازدادت معرفتنا عن الكون، ازدادت مصداقية فرضية وجود إله خالق صمم الكون لغرض باعتبارها أفضل تفسير لوجودنا في هذا الكون.

ويقول “تشارلز تاونز” Charles Townes الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء سنة 1964 لاكتشافه الميزر Maser والممهد لاكتشاف الليزر: «أرى أن السؤال عن الأصل سيظل دون إجابة إن درسناه من وجهة نظر علمية. ولذلك، أؤمن بالحاجة إلى تفسير ديني أو ميتافيزيقي. وأؤمن بمفهوم الله وبوجوده».

الضبط الدقيق في الكون:

يرجع الفضل إلى كوبرنيكوس في إحداث ثورة في التفكير العلمي. فإطاحته بفكرة أن الأرض مثبتة في مركز الكون مكنته أن يبدأ عملية التقليل من أهمية الأرض التي أدت إلى انتشار فكرة أن الأرض أحد الكواكب العادية التي تدور في فلك إحدى الشموس العادية التي تقع في أحد الأذرع الحلزونية لمجرة عادية. وهنا يضيف المؤمنون بنظرية الأكوان المتعددة أن المجرة تقع في أحد الأكوان العادية. ووضع الأرض في حجمها الطبيعي على هذا النحو يعرف أحياناً باسم مبدأ كوبرنيكوس.

إلا أن عدداً من مجالات البحث والفكر تشكك في هذا المبدأ تشكيكاً كبيراً. وذلك لأن الصورة المذهلة التي تنشأ تدريجياً من الفيزياء الحديثة وعلم الكون تبين أن قوى الكون الأساسية متوازنة أو «مضبوطة ضبطاً دقيقاً» Fine-tuned على نحو مذهل ومعقد وحساس بما يمكن الكون من احتضان الحياة. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الكثير من الثوابت الأساسية في الطبيعة، بدءًا بمستويات الطاقة في ذرة الكربون وانتهاء بمعدل تمدد الكون موجودة بالقيم المضبوطة المناسبة للحياة.

فإن أحدثت تغييراً طفيفاً لا يذكر في أي منها، يصبح الكون معادياً للحياة وعاجزاً عن دعمها. فالثوابت مضبوطة بدقة، وهذا الضبط الدقيق هو ما يتطلب تفسيراً من وجهة نظر الكثير من العلماء (وغيرهم).

والمؤكد أننا بطبيعة الحال لا يمكننا إلا أن نشير إلى ما توصل إليه العلماء حتى الآن مع وعينا بالاختلافات فيما بينهم، كما هو الحال دائماً، حول صحة بعض الافتراضات التي تقوم عليها حسابات الضبط الدقيق، ووعينا باحتمالية تغير بعض الآراء، فالعلماء لا يدعون تقديم الحق النهائي. إلا أن الضبط الدقيق ثبت أقدامه باعتباره أحد ملامح الكون التي تستحق اهتماماً جاداً. فلنتناول بعض الأمثلة.

وجود الحياة على الأرض يتطلب كمية وافرة من الكربون. والكربون يتكون إما من اندماج ثلاث نويات هليوم أو اندماج نويات هليوم وبريليوم. وقد اكتشف عالم الرياضيات والفلك البارز السير “فرد هويل” Fred Hoyle أن حدوث هذا الأمر يتطلب ضبط الحد الأدنى لمستويات الطاقة النووية Nuclear ground state energy levels ضبطاً دقيقاً بالنسبة لبعضها البعض.

وتعرف هذه الظاهرة باسم “الرنين” Resonance فإن كان الاختلاف أكثر من 1٪ في أي من الناحيتين، يستحيل على الكون أن يحتضن الحياة. وقد اعترف “هويل” فيما بعد أنه ما من اكتشاف زلزل إلحاده قدر هذا الاكتشاف. فهذه الدرجة البسيطة من الضبط الدقيق كانت كافية لإقناعه بأنه يبدو وكأن «عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء» وبأنه «ما من قوى عمياء في الطبيعة تستحق أن نتحدث عنها».

إلا أن هذا المثال يصبح قليل الأهمية، من حيث نسبة تفاوت القيم المسموح بها، إذا قورن بدقة الضبط التي نراها في قيم أخرى في الطبيعة. فعالم الفيزياء النظرية “بول دافيز” يخبرنا أنه لو اختلفت نسبة القوة النووية الشديدة Nuclear Strong Force للقوة الكهرومغناطيسية بمقدار جزء واحد من 1610، لاستحال تكون النجوم. ونسبة ثابت القوة الكهرومغناطيسية لثابت قوة الجاذبية لا بد أن تكون متوازنة توازناً دقيقاً بنفس القدر.

فلو زادت بمقدار جزء واحد من 4010، لا يمكن إلا للنجوم الصغيرة أن توجد. وإن نقصت بالمقدار نفسه، لا يمكن إلا للنجوم الكبيرة أن توجد. ولا بد أن يكون في الكون نجوم كبيرة وصغيرة لأن الكبيرة تنتج عناصر في أفرانها النووية الحرارية، والصغيرة هي التي تحترق على فترات طويلة تسمح ببقاء الحياة على الكوكب.

هذه الدقة هي التي يحتاجها الهداف ليصوب على عملة معدنية موضوعة في الطرف المقابل من الكون الواقع في نطاق ملاحظتنا على بعد 20 مليار سنة ضوئية على حد التصوير الذي سوقه “دافيز” وإن كان من الصعب تخيل تلك الصورة، إليك التصوير الذي يقترحه عالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” Hugh Ross.

غط قارة أمريكا بعملات معدنية في عمود يصل إلى القمر (380 ألف كم أو 236 ألف ميل)، وكرر الشيء نفسه مع مليار قارة أخرى بحجم أمريكا. ادهن عملة واحدة باللون الأحمر وضعها في أي من المليار عمود. ثم اعصب عيني صديق لك واطلب منه أن يستخرجها. احتمال نجاحه في هذه المهمة يساوي حوالي 1 من 4010.

ورغم أننا الآن أمام مجالات من الدقة تفوق كل قدرات الآلات التي صممها البشر، ما زال الكون زاخراً بمفاجآت أكثر إدهاشاً. فيقال إنه لو تغيرت نسبة قوى التمدد والانكماش بمقدار جزء واحد من 5510 على “زمن بلانك” (بعد 10-43 ثانية فقط من بداية الكون)، لأدى ذلك إما إلى تمدد سريع جداً للكون لا يسمح بتكون المجرات أو تمدد بطيء جداً يعقبه انهيار سريع.

إلا أن حتى هذا المثال يبدو ضئيل الأهمية أمام أكثر الأمثلة إرباكاً للعقل. ألا وهو أن أنتروبيا Entropy[6] (مقياس للاضطراب) الكون تتزايد، وهي حقيقة ينص عليها ثاني قوانين الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics. ويكتب عالم الرياضيات البارز السير “روجر بنروز” في هذا الصدد قائلاً: «حاول أن تتخيل فضاء الطور Phase Space[7]… للكون كله. كل نقطة في فضاء الطور هذا عبارة عن طريقة مختلفة كان يمكن أن تمثل بداية الكون.

وعلينا أن نتخيل الخالق يمسك “دبوساً” يجب أن يوضع على نقطة ما في فضاء الطور… وكل موضع للدبوس ينتج كوناً مختلفاً. فالدقة المطلوبة لتحقيق هدف الخالق تعتمد على الإنتروبيا التي خلق الكون على أساسها. ومن “السهل” نسبياً إنتاج كون ذي إنتروبيا مرتفعة، طالما يتوافر للدبوس حجم كبير من فضاء الطور. ولكن إنشاء الكون في حالة من الإنتروبيا المنخفضة، مما يؤدي إلى قانون ثان في الديناميكا الحرارية، يتطلب من الخالق أن يستهدف مقداراً صغيراً جداً من فضاء الطور. فما مدى صغر هذه المساحة التي تفضي إلى كون قريب الشبه من هذا الذي نعيش فيه»؟

وقد قادته حساباته إلى خلاصة مذهلة مفادها أنه لا بد أن “هدف الخالق” كان دقيقاً بمقدار جزء واحد من 10 مرفوعة لأس 12310 أي 1 متبوعاً بـ 12310 صفر، «رقم تستحيل كتابته بنظام الترقيم العشري المعتاد لأنك حتى لو تمكنت من وضع صفر على كل جسيم في الكون لن تجد عدداً كافياً من الجسيمات يمكنك من أداء المهمة».

وأمام هذا الكم من الأمثلة المذهلة على الضبط الدقيق، ليس غريباً أن يقول “بول دافيز”: «الانطباع الذي يتركه التصميم الكوني انطباع مهول».

لقد تناولنا حتى الآن الضبط الدقيق على المستوى الكوني كبير الحجم. وعندما نفكر في الظروف المحددة اللازمة بالقرب من موطننا في مجموعتنا الشمسية وعلى الأرض نجد عدداً كبيراً من القيم الأخرى التي لا بد أن تتوافر بالمقادير الصحيحة التي تسمح بالحياة. وبعضها واضح لنا جميعاً. ومنها المسافة بين الأرض والشمس. فلو اقتربت الشمس من الأرض لتبخرت المياه، ولو ابتعدت لأصبحت الأرض باردة جداً مما يجعل الحياة مستحيلة. وحدوث تغير بمقدار 2٪ أو نحوها يؤدي لتوقف الحياة.

وحرارة وجاذبية السطح أيضاً من العناصر ذات القيم الحرجة التي لا يمكن أن تتغير ولو بمقدار نسبة مئوية ضئيلة لتمد الأرض بالغلاف الجوي الداعم للحياة، عن طريق الاحتفاظ بالمزيج المناسب من الغازات الضرورية للحياة. والكوكب لا بد أن يدور بالسرعة المناسبة: فإن دار ببطء شديد يتسع الفرق بين درجات حرارة النهار والليل اتساعاً مفرطاً، وإن دار بسرعة شديدة، تصبح الرياح ذات سرعة مدمرة. والقائمة تطول.

فعالم الفيزياء الفلكية “هيو روس” يسرد العديد من هذه القيم التي لا بد أن تضبط بدقة لتسمح بالحياة. وقد أجرى عملية حسابية تقريبية، وإن كانت محصلتها أصغر من القيمة الحقيقية، تبين أن احتمال وجود كوكب كهذا في الكون بالصدفة يعالد حوالي 1 من 3010.

وقد كشف “جيرمو جونوالز” Guillermo Gonzalez و”جاي و. ريتشاردز” Jay W. Richards عن منظور مذهل لهذا الموضوع في كتاب حديث بعنوان “الكوكب المحظوظ” The Privileged Planet حيث يلفتان النظر إلى مدى ملاءمة الأرض للعلم.

والأطروحة التي يقترحها الكاتبان أن الأرض هي الوحيدة، ضمن كل الأماكن الموجودة في الكون، التي تتمتع بالظروف التي تسمح بسكناها، ولكنها في الوقت نفسه شديدة الملاءمة لصنع «تنوع مذهل من القياسات، بدءًا من علم الكون وعلم الفلك المجري وانتهاء بالفيزياء الفلكية للنجوم وفيزياء الأرض» فما أن نبدأ بالتفكير في هذا الأمر حتى نجد أمثلة بلا عدد، وبعضها في منتهى الوضوح.

فكان يمكن ببساطة أن نجد أنفسنا في موضع من الكون حيث لا يمكننا رؤية الفضاء العميق بسبب شدة نور النجوم، كان من الممكن لغلافنا الجوي أن يكون معتماً أو شبه شفاف وليس شفافاً. أما البعض الآخر أقل وضوحاً. خذ مثلاً دقة حجم القمر والشمس وبعدهما عن الأرض بما يسمح بحدوث كسوف كامل.

وهو ما يحدث عندما يغطي قرص القمر الأسود بالكاد قرص الشمس المتوهج بحيث ترى الحلقة الرفيعة من الكروموسفير (الغلاف الجوي للشمس)، التي تمكن من دراسته علمياً، وهو ما يساعدنا في معرفة الكثير عن الشمس مما يستحيل معرفته بطريقة أخرى، بل يزودنا بتأكيد مبدئي لانحناء الضوء بفعل الجاذبية الذي تنبأت به نظرية أينشتاين في النسبية العامة.

وقد قالا فيما خلصا إليه: «ولكننا عندما نقف محدقين في السماوات المنبسطة وراء واحتنا الصغيرة، لا نحدق في فراغ بلا معنى بل في ساحة أخاذة تتناسب مع قدرتنا على الاكتشاف. ربما أننا كنا نمد بصرنا عبر إشارة كونية أقيم بكثير من أي تسلسل رقمي، إشارة تكشف عن كون صنع صنعة ماهرة تناسب الحياة والاستكشاف حتى يبدو أنه يلمح إلى ذكاء من خارج الأرض أكبر وأقدم وأبهى بما لا يقاس من كل توقعاتنا وتخيلاتنا».

“أرنو بنزياس” Arno Penzias الذي استخدم القمر الصناعي في أنسب موقع من الأرض ليتوصل إلى الاكتشاف العبقري الذي يعكس “أصداء البداية”، ألا وهو إشعاع الموجة الصغرى للخلفية الكونية، يلخص الموقف كما يراه قائلاً: «يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق يوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة، كون تكمن وراءه خطة (يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعة”)».

وعلينا أن ننتبه أن الحجج السابقة ليست حجج “إله الفجوات”، فالتقدم في العلم، وليس الجهل به هو ما كشف لنا هذا الضبط الدقيق. وبهذا المعنى ليست في العلم “فجوة”. ولكن السؤال: كيف يمكننا أن نفسر العلم؟ إلام يشير العلم؟

المبدأ الإنساني:

إن هذا الفهم الذي توصل إليه العلماء من أن الكون لا بد أن يكون منظماً بدقة شديدة حتى يدعم الحياة يطلق عليه المبدأ الإنساني Anthropic Principle (الكلمة اليونانية Anthropos تعني “الإنسان”). وهو في شكله الضعيف (المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle) يقول إن: «الكون القابل للملاحظة له بنية تسمح بوجود ملاحظتين.»

والواضح أن هذه العبارة مثيرة للجدل: هل هي تكرار للمعنى نفسه بكلمات مختلفة؟ هل هي مبدأ، بمعنى أنها تقدم تفسيرات… إلخ؟ وأياً كانت الإجابة، فالعبارة على أقل تقدير تلفت النظر لحقيقة مفادها أن نظريات الكون القابلة للتطبيق لا بد أن تأخذ في حسبانها وجود ملاحظين.

ويرى بعض العلماء والفلاسفة أنه يجب ألا نتعجب مما نراه في الكون المحيط بنا من نظام وضبط دقيق، لأنه لو لم يكن الحال هكذا، تصبح الحياة كربونية الأساس[8] أمراً مستحيلاً، وبالتالي لن نكون موجودين حتى نلاحظ الضبط الدقيق. أي أنهم يستخدمون المبدأ الإنساني ضد استدلال التصميم. والحقيقة أن “ريتشارد دوكنيز” يخبرنا في كتاب “وهم الإله” أن المبدأ الإنساني والله يمثلان تفسيرات بديلة. إلا أن ما يقوله ينطوي على منطق مغلوط من ناحيتين.

وذلك لأن “دوكينز” لا يقدم لنا بديلين خاطئين فحسب، بل إن أولهما لا ينتمي لفئة التفسيرات على الإطلاق. ولكن كل ما يفعله المبدأ الإنساني أنه يخبرنا بضرورة توافر شروط معينة حتى توجد حياة. ولكنه لا يفسر لنا سبب توافر تلك الشروط، ولا كيفية نشأة الحياة نتيجة لتوافر هذه الشروط. وهكذا فإن دوكينز يقع في خطأ بدائي من الاعتقاد بأن الشروط اللازمة كافية.

ولكنها ليست كافية، فلكي تحصل على تقدير امتياز في جامعة أكسفورد لا بد أن تلتحق أصلاً بالجامعة، ولكن الالتحاق بالجامعة لا يكفي للحصول على تقدير امتياز كما يعرف الكثير من الطلاب. وهكذا فالمبدأ الإنساني أبعد ما يكون عن تفسير أصل الحياة، ولكنه ملاحظة تخلق الحاجة لهذا التفسير.

ويشير الفيلسوف “جون لسلي” John Leslise إلى هذه الفكرة قائلاً إن استخدام المبدأ الإنسان ضد التصميم «يبدو كمن يقول إنك إن واجهت فرقة عسكرية تصوب عليك خمسين بندقية، يجب ألا تندهش عندما تجد نفسك حياُ بعد إطلاقهم للنيران. فهما يكن من أمر، هذا هو الناتج الوحيد الذي يمكنك أن تلاحظه، لأنك لو أصبت برصاصة واحدة لفقدت حياتك.

ولكنك قد تشعر مع ذلك بأن الأمر يتطلب تفسيراً، فكيف أخطأوا جميعهم إصابة الهدف؟ هل بناء على تصميم مقصود؟ لأنه لا تناقض بين عدم اندهاشك من عدم إدراك أنك مت، واندهاشك من إدراكك أنك ما زلت حياً.»

ويقول “لسلي” إن حجة الضبط الدقيق تعرض علينا الاختيار بين احتمالين على الأكثر. الأول هو أن الله حقيقة.

والسبيل الوحيد للتخلص من تلك النتيجة، من وجهة نظر “لسلي” هو الإيمان بما يعرف باسم فرضية “العوالم الكثيرة” “Many Worlds” أو “الأكوان المتعددة” “Multiverse” (التي روجها كتاب “نسيج الحقيقة” The Fabric of Reality بقلم “دافيد دويتش” David Deutsch) التي تفترض وجود عدد كبير، أو ربما لا نهائي، من الأكوان المتوازية المتزامنة حيث أي شيء (تقريباً) ممكن الحدوث نظرياً سيتم عملياً في النهاية. وعليه، فوجود كون آخر مثل كوننا أمر لا يدعو للدهشة. 

وهذه هي النظرة التي يتبناها عالم الفلك السير “مارتن ريز” Martin Rees الذي يناقش في كتابه “ستة أرقام فقط” Just Six Numbers الأرقام الستة المضبوطة ضبطاً دقيقاً التي يعتبرها أهم ما يتحكم في سمات الكون.

ويؤسس “دويتش” نظريته على تفسير ميكانيكا الكم الذي ينسب للعالم “هيو إفرت الثالث” Hugh Everett III الذي تتلخص فكرته الأساسية في أنه مع كل فعل من أفعال القياس الكمي ينشطر الكون إلى سلسلة من الأكوان المتوازية التي تحدث فيها كل النواتج الممكنة. والحقيقة أن تفسير “إفرت” يتمتع بمميزات معينة لا تتوافر في غيره من النظريات، ومن مميزاته الاستغناء عن الإشارات الأسرع من الضوء.

إلا أن الكثير من العلماء يشعرون أن التفسير الذي يتضمن أكواناً لا يمكن رصدها، ويمثل في الوقت نفسه انتهاكاً صريحاً لمبدأ “شفرة أوكام” Occam’s [9]Razor الذي يوصي بالالتزام بنظريات لا تفرط في وضع العديد من الفرضيات بلا دع، يتجاوز حدود العلم ويخترق منطقة الميتافيزيقا. وهو ينطوي على قدر كبير من التخمين وكم ضئيل جداً من الألة.

فمثلاً “جون بولكينجهورن”، وهو من أبرز منظري الكم يرفض تفسير الأكوان الكثيرة: «علينا أن نعترف بحقيقة هذه التخمينات. فهي في الحقيقة ليست فيزياء، بل ميتافيزيقا بالمعنى الأضيق. فما من سبب علمي محض يدعونا للاعتقاد بمجموعة من الأكوان. فهذه العوالم بطبيعة تكوينها غير معروفة لنا.

أما التفسير الذي يحظى بنفس القدر من الاحترام الفكري ويراه عقلي مفهوماُ ومنظماً هو أن هذا العالم الواحد على هذه الشاكلة لأنه مخلوق بإرادة خالق قصد له أن يكون هكذا». بل إن الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” يمضي خطوة أبعد ويقول: «إن افتراض تريليونات من الأكوان الأخرى بدلاً من إله واحد لتفسير النظام الذي يميز كوننا يبدو قمة اللامنطقية.»

ويرد عالم الكون “إدوارد هاريسون” Edward Harrison رداً مشابهاً: «ها هو البرهان الكوني على وجود الله، ألا وهو حجة التصميم التي وضعها “بيلي” بعد تطويرها وتجديدها. إن الضبط الدقيق في الكون يقدم دليلاً مبدئياً بديهياً Prima Facie على وجود تصميم إلهي. فلتحسم اختيارك: إما صدفة عمياء تتطلب كثرة من الأكوان، أو تصميم يتطلب كوناً واحداً… إن الكثير من العلماء عندما يكشفون عن آرائهم نجدهم يميلون إلى أطروحة وجود غاية [10]Teleological أو تصميم وراء الكون». أما “أرنو بينزياس” يعرض الحجة بالعكس قائلاً: «البعض لا يشعرون بارتياح لفكرة العالم المخلوق بقصد. وحتى يأتوا بأفكار مضادة للقصد، يضطرون لتخمين أشياء لم يروها».

إلا أنه يجب الإشارة إلى أنه رغم أن “لسلي” قد يكون على صواب في اعتقاده بأن الضبط الدقيق يعني إما وجود إله أو وجود أكوان متعددة، فمنطقياً هذان الرأيان لا يلغي أحدهما الآخر، رغم أنهما عادة ما يقدمان بهذه الصورة. فمهما يكن من أمر، الأكوان المتوازية يمكن أن تكون صنعة خالق. وقد أشار الفيلسوف الفيزيائي “مايكل لوكوود” Michael Lockwood أن حجة الفريق المؤيد لوجود كون واحد لا تنتفي فعلياً بافتراض أكوان متعددة.

فعنصر المفاجأة والحاجة للتفسير موجودان في أي كون يلاحظ فيه الضبط الدقيق. فاحتمالية فوز شخص بعد رميه للزهر لا تتغير حتى وإن كان العديد من الأشخاص يلقون زهراً في المدينة نفسها وفي الوقت نفسه.

ويعبر “كريستيان دو دوف” عن موقفه مشابه قائلاً: «حتى إن ثبتت صحة النظرية، فالاستنتاج الذي يستخلصه منها “ريز” وكذلك “واينبرج” يصيبني بحالة من الذهول إذ أراه كما نقول في الفرنسية مثل “إغراق السمكة”. فلو استخدمت مياه كل المحيطات لإغراق السمكة، ستظل موجودة تؤكد حضورها. ومهما افترضت من أكوان عديدة فكرة عددها لا يجعل كوننا عديم القيمة… وما يبدو لي عظيم القيمة فعلاً هو إمكانية وجود تركيبة قادرة على إنشاء الحياة والعقل». ولذلك، حجة الأكوان المتعددة لا تضعف فعلياً حجج التصميم المذكورة آنفاً.

ومن اللافت للنظر أن “مارتن ريز” يعترف أن الضبط الدقيق في الكون يتوافق مع الإيمان بالله الخالق ولكنه يقول إنه يفضل نظرية الأكوان المتعددة: «إن لم يؤمن المرء بالتصميم الإلهي، ولكنه لا يزال يعتقد أن الضبط الدقيق يتطلب بعض التفسير، فهناك منظور آخر، إلا أنه يحتمل نسبة عالية من الشك. لذلك، عليّ أن أؤكد تحذيري الصحي في هذه المرحلة.

ومع ذلك فهو المنظور المفضل عندي. وإن كان هذا التفضيل، (وفقاً لما هو متاح لنا من معرفة اليوم) لا يزيد عن مجرد إحساس لا يستند على حقائق مؤكدة.» والتفضيل طبعاً أمر شخصي يحق لكل منا، ولكنه يتخطى حدود العلم كما يعرفه معظمنا.

ونظرية الأكوان المتعددة التي تمثل تفسيراً لميكانيكا الكم باستخدام فكرة العوال الكثيرة Many Worlds interpretation of quantum theory لها صورة أخرى تقول إن كل كون مكون منطقياً هو موجود فعلاً. ولكن إن كان كل كون ممكن موجوداً، إذن كما يقول الفيلسوف “ألفن بلانتيجا” Alvin Plantinga الأستاذ في “جامعة نوتر دام” Notre Dame University لا بد من وجود كون يوجد فيه الله حيث إن وجود الله ممكن منطقياً، وإن كان احتمالاً مستبعداً من وجهة نظر الملحدين الجدد.

وحجة “بلانتيجا” هي أنه بما أن الله كلي القدرة، فلا بد أنه يوجد في كل كون. وبالتالي لا يوجد إلا كون واحد، هو هذا الكون الذي هو خالقه وحافظه. وهكذا يتضح أن مفهوم العوالم الكثيرة مليء بالمشكلات العلمية والمنطقية أيضاً. بل يمكن أن يشكل أيضاً صعوبات أخلاقية. فإن كان كل كون ممكن أخلاقياً موجوداً بالفعل. إذن يفترض وجود كون أنا موجود فيه (أو نسخة مني؟)، وأنا في هذا الكون قاتل، أو أسوأ. ولذلك، يبدو أن المفهوم يؤدي أيضاً إلى نوع من العبثية الأخلاقية.

وأخيراً، يذكرنا “أرنو بنزياس” أن فكرة وجود بعد غائي في الكون يقدر عمرها بآلاف السنين. وهو يكتب قائلاً: «إن أفضل ما لدينا من بيانات (عن الانفجار الكبير) تمثل بالضبط ما كنت سأتنبأ به لو لم يكن عندي سوى أسفار موسى الخمسة، والمزامير، والكتاب المقدس ككل». ولنلق نظرة عابرة على استخدام “بنزياس” لكلمة “سأتنباً”. وهنا نرى مثالاً مضاداً آخر على قدر كبير من الأهمية للفكرة الشائعة من غياب عنصر التنبؤ (وبالتالي غياب البعد العلمي) في رواية الخلق الإيمانية.

أما “بنزياس” والكثير من العلماء غيره يرون أن الكلمات المهيبة التي يبدأ بها سفر التكوين لم تفقد شيئاً من مطابقتها للواقع ولا من تأثيرها: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.» ولذلك، ربما لا يكون غريباً أن أول من ناقش فكرة الانفجار الكبير (في مجلة “نيتشر” سنة 1931) كان كاهناً يدعى “جورج لومتر” Georges Lemaitre وهو أيضاً فيزيائي وعالم فلك.

لقد استفضنا في الحديث عن آراء الفيزيائيين وعلماء الكون. وعلينا الآن أن ننتقل إلى علماء الأحياء. ولكن ينبغي قبل هذه الخطوة أن نؤكد أن الحجج التي استخدمناها من علم الكون والفيزياء تقوم على العلم القياسي المعاصر الذي يحظى بقبول واسع.

فهي لا تتحدى أياً من مزاعم العلم المتفق عليه عامة، وكما أشرنا فيما سبق إلى أنها بالتأكيد ليست حجج “إله الفجوات”: فهي لا تختزل إلى مقولة مفادها أن «العلم لا يستطيع أن يفسر أمراً ما، إذن الله هو من صنعه.» ولهذين السببين تحظى حجج الضبط الدقيق مثلاً باحترام معظم العلماء، سواء اتفقوا أو اختلفوا مع الخلاصات التي استنتجناها منها. وذلك، لأن هذه الحجج تتوافق مع العمل العملي الأصيل.

ولكن الموقف مع علم الأحياء مختلف تماماً. ففي ذلك العلم مجرد ذكر الله باعتباره ذكاءً مصمماً، كما سنرى حالاً، يبدو أنه يثير الشكوك حول العمود الأساسي للموضوع كله، ألا وهو التركيب الدارويني الحديث neo-Darwinian synthesis. وسرعان ما تنشأ المخاوف في عقول كثيرة من شبح الرجعية الدينية المضادة للعلم. ولذلك، فنحن على وشك الإبحار في محيط هائج.

وقد يتساءل القارئ لماذا نتكبد هذه الأهوال؟ لماذا لا نكتفي ونقنع بتقديم الحجج الفيزيائية والكونية على أن العلم لم يقتل الإيمان بالله؟ والإجابة ليست عسيرة؛ فبعض المفكرين المؤثرين ممن يتمتعون بشهرة واسعة يصرون على أن علم الأحياء من بين كل العلوم هو الذي يقدم أكبر تأييد للاعتقاد بأن العلم قتل الله. وهم يرون أن علم الأحياء ينطوي على معان دينية قوية، من حيث إنه يثبت عدم وجود إله.

وإن فشلنا في مناقشة حججهم سيعتبرون أن هذا اعتراف بالهزيمة. لذا، علينا أن نأخذ حججهم مأخذ الجد، ونمخر عباب المحيط الهائج. والقارئ هو الذي سيقرر ما إذا كنا قد نجحنا في أن نظل طافين على السطح. وإن كان المحيط هائجاً، فهو على الأقل محاط بمناظر خلابة قد تتاح لنا فرصة الاستمتاع بها.

 

[1] مقياس الرسم المستخدم في الخرائط ويمثل النسبة بين الأبعاد المتمثلة على الخريطة وما يقابل هذه الأبعاد على سطح الأرض (http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/lecture.aspx?fkd=11&lcid=35099) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[2] مقياس رسم غير خطي يستخدم لتمثيل الكميات الضخمة، ومن استخداماته قياس قوة الزلازل وارتفاع الصوت وكثافة الضوء (http://en.wikipedia.org/wiki/Logarithmic_scale) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/5/2015 (المترجم)

[3] يعرفه قاموس The American Heritage بأنه نوع من التفكر فيه يعتقد المرء أن ما يتمناه (أو يرغب فيه) هو الحقيقة، أو سيصبح حقيقة. (المترجم)

[4] Space-time: مفهوم في الفيزياء يؤكد وجود اتحاد بين الزمان والمكان طرحه أينشتاين في نظرية النسبية (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/557482/space-time) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[5] مصطلح فلكي يشير إلى بعد الشيء. فعندما يتحرك جسم في الفضاء نحونا، تنضغط موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأزرق Blue-shifted. وعندما يبتعد الجسم عنا، تتمدد موجاته الضوئية، ونقول إن الضوء ينزاح نحو الأحمر (http://xoolcosmos.ipac.caltech.edu/redshiftedcosmis_classroom/cosmi_reference/redshift.html) تم الاطلاع عليه بتاريخ 21/1/2016) (المترجم)

[6] مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجم وفقاً لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري” أو “قياس الطاقة اللامتاحة.” (المترجم).

[7] مفهوم يوحد بين الميكانيكا الكلاسيكية وميكانيكا الكم في علم الفيزياء (http://www.math.ucla.edu/tao/preprints/phase_space.pdf)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[8] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18٪ من وزن الكائنات الحية. (المترجم).

[9] نسبة إلى “وليم الأوكامي” William of Occam (1300-1349) الذي قال ما معناه: «لا تضخم الكيانات دون داع»، وهو ما يعني أننا لا بد أن نقاوم إغراء تقديم شروح شديدة التعقيد، وإن أصبح أحد الشروح شديد التعقيد، فشفرة “أوكام” تقطعه (“رافي زكراياس”، كتاب “الوجه الحقيقي للإلحاد”، ترجمة ماريانا كتكوت، الناشر: د. ماهر صموئيل، 2015). (المترجم)

[10] Teleology (من الكلمة اليونانية telos تعني “غاية” + logos وتعني “عقل”) وهو تفسير يشير إلى غرض أو غاية ويرى أن سلوك الإنسان يتجه نحو تحقيق غاية ما، وهكذا سلوك سائر الأشياء مصمم لتحقيق غرض معين من صنع عقل متسام عن الطبيعة. ويشار إلى الحجة الغائية أيضاً باسم الحجة المبنية على التصميم Argument from Design (http://www.britannica.com/EBchecked/topic/585947, تم الاطلاع عليهما بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

تصميم الكون أم أنه يسير إعتباطا؟ – جون ليونكس

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

«لو كان للبقر والخيول أو الأسود أياد تمكنها من الرسم،

لرسمت الخيول أشكال الآلهة كالخيول، ولرسم البقر آلهة كالبقر،

لها أجسام تشبه أجسامنا.»

زنوفانيز (500 ق.م)

«لا أفترض “إلهاً للفجوات”، إلهاً لمجرد تفسير الأشياء

التي لم يفسرها العلم حتى الآن. ولكني أفترض إلهاً يفسر سر قدرة

العلم على التفسير. فأنا لا أنكر أن العلم يفسر، ولكني أفترض

وجود إله يفسر لنا سر قدرة العلم على التفسير.»

“ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne

إقرأ أيضا:

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

إله الفجوات:

تنشأ قضية أخرى مهمة من قصة “لابلاس”، ألا وهي قضية “إله الفجوات” التي لا بد أن تطرح في أي مناقشة عن العلم والدين إن عاجلاً أم آجلاً. وهي فكرة مفادها أن إدخال إله أو إدخال الله في النقاش العلمي لهو دليل على الكسل الفكري، أي أننا عندما نعجز عن تقديم تفسير علمي لشيء ما ندخل “الله” لنغطي على جهلنا. وسوف نناقش هذه الفكرة لاحقاً بمزيد من التفصيل، ولكن من المهم الآن أن نبين أن مستر “فورد” لا يوجد في فجوات معرفتنا بكيفية علم آلات الاحتراق الداخلي.

وهو بمعنى أدق لا يوجد في أي تفسير تقدم أسباباً فيما يختص بآليات العمل. وذلك، لأن “هنري فورد” ليس آلية، ولكنه الفاعل المسؤول عن وجود الآلية أصلاً حتى إن الآلية بأكملها تحمل بصمات عمل يديه، بما في ذلك ما نفهمه وما لا نفهمه.

وهو ما ينطبق على الله. فعلى المستوى المجرد المتعلق بقدرة العلم التفسيرية نفسها، يقول الفيلسوف “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne في كتابه “هل من إله؟” Is There a God?: «لاحظ أني لا أفترض “إلهاً للفجوات”، إلهاً لمجرد تفسير الأشياء التي لم يفسرها العلم حتى الآن. ولكني أفترض وجود إله يفسر لنا سر قدرة العلم على التفسير. فنجاح العلم نفسه في أن يبين لنا مدى ما يتسم به العالم الطبيعي من نظام عميق يقدم أساساً قوياً للاعتقاد بوجود مسبب أعمق لذلك النظام.»

ويستخدم “سوينبرن” الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات Inference to the best explanation ويقول إن الله هو أفضل تفسير لقدرة العلم التفسيرية Explanatory power of science.

والنقطة التي لا بد أن ندركها هنا هي أنه بما أن الله ليس بديلاً للعلم باعتباره أداة تفسيرية، فلا يصح فهمه على أنه إله الفجوات فحسب. ولكنه على العكس، أساس التفسير كله: إن وجوده هو ما يسمح بإمكانية التفسير، سواءً أكان تفسيراً علمياً أو غيره. ومن الأهمية بمكان تأكيد هذه الفكرة لأن بعض الكتاب المؤثرين مثل “ريتشارد دوكينز” يصرون على أن يفهموا الله باعتباره مفسراً بديلاً للعلم، وهي فكرة لا نعثر عليها مطلقاً في أي فكر لاهوتي محترم. ولذلك، فإن “دوكينز” يهاجم عدواً وهمياً، لأنه يرفض مفهوماً لله لا يؤمن به أصلاً أي مفكر جاد. وهو ما يعد علامة على عمق الفكر.

 

نزع الألوهة عن الكون: العلماء الأوائل:

إلا أنه علينا أن نفحص الادعاء الذي يطرحه الكثير من العلماء بمزيد من الدقة، ألا وهو أن الإلحاد هو افتراض سابق لا غنى عنه للعلم الحقيقي. وهم يعتقدون أن أي محاولة للارتكان إلى الله باعتباره تفسيراً للكون على أي مستوى معناها نهاية العلم.

لا شك أننا لا بد أن ننزع الألوهة عن قوى الطبيعية حتى نتمكن من دراسة الطبيعة بحرية، وهي خطوة ثورية في عالم الفكر اتخذها فلاسفة الإغريق الطبيعيون الأوائل طاليس، وأناكسيماندر، وأناكسيمانس الميليتسي منذ أكثر من 2500 سنة. فهم لم يقنعوا بالتفسيرات الأسطورية كالتي كتبها هوميروس وهسيود حوالي سنة 700 ق.م. واجتهدوا في إيجاد تفسيرات للعمليات الطبيعية وحققوا إنجازات علمية عظمية.

فالفضل يرجع إلى طاليس في تحديد عدد أيام السنة بأنها 365 يوماً، وقد تنبأ بدقة بحدوث كسوف شمسي سنة 585 ق.م. وينسب إليه استخدام طرق هندسية في حساب ارتفاعات الأهرام بناء على ظلالها، وفي تقدير حجم الأرض والقمر. أما أناكسيماندر فقد اخترع الساعة الشمسية وساعة تتحمل الأجواء الصعبة ووضع أول خريطة للعالم وأول خريطة للنجوم. وهكذا كان الفلاسفة الميليتسيون Milesians من ضمن العلماء الأوائل.

ويعتبر زنوفانيز (حوالي 570-478 ق.م) الذي من كولوفون (بالقرب من أزمير في تركيا الحالية) ذا أهمية خاصة في موضوعنا. وهو بالرغم من أنه معروف بمحاولاته لفهم دلالات حفريات المخلوقات البحرية التي وجدت في مالطة، فهو معروف أكثر بشجبه الحاد للمنظور الأسطوري للحياة. وقد أشار إلى أن السلوك الذي يعتبره البشر في غاية الخزي نسب للآلهة: فالآلهة كانوا بلا مبدأ، ولصوصاً، وزناة.

ورأى أن هذه الآلهة صنعت على صورة الشعوب التي آمنت بها: فآلهة الإثيوبيين سوداء وأنوفها مسطحة. وشعب تراقيا Thracians صوروا آلهتهم بعيون زرقاء وشعر أحمر. وقد أضاف ساخراً: «لو كان للبقر والخيول أو الأسود أياد تمكنها من الرسم، لرسمت الخيول أشكال الآلهة كالخيول، ولرسم البقر آلهة كالبقر، لها أجسام تشبه أجسامها.» ومن ثم، فقد رأى زنوفانيز أن هذه الآلهة ليس سوى خيالات طفولية صريحة نتجت عن الخيال الخصب لمان آمنوا بها.

وأبيقور الفيلسوف اليوناني الذري[1] Atomist المؤثر (المولود سنة 341 ق.م. عقب موت أفلاطون مباشرة) الذي تنسب له الفلسفة الأبيقورية تمنى إلغاء الأساطير من التفسير بغية تطوير الفهم: «يمكن أن تنتج الصواعق بعدة طرق مختلفة، المهم إبعاد الأساطير عنها! ويمكن إبعاد الأساطير إن تتبعنا ما نراه من الصواعق تتبعاً صحيحاً واعتبرناه علامات تشير إلى ما نراه.»

وهذا الشجب للآلهة والإصرار على بحث العمليات الطبيعية التي كانت حتى ذلك الحين غالباً ما لا تفهم إلا باعتبارها عمل تلك الآلهة، أدى حتماً إلى تراجع التفسيرات الأسطورية للكون وإلى تقدم العلم.

إلا أن زنوفانيز لم يكن الوحيد بين المفكرين القدامى الذي انتقد فلسفة تعدد الآلهة. بل الأهم أنه لم يكن أول من فعل ذلك. فهو لم يعلم (ربما لم تتوفر معلومات كافية عن هذا الموضوع للأسف) أن موسى سبقه بقرون وحذر من عبادة آلهة أخرى والسجود لها «أو للشمس أو للقمر أو لكل ما جند السماء.» والنبي العبراني إرميا مثلاً الذي كتب حوالي سنة 600 ق.م. رفض أيضاً عبثية تأليه الطبيعة وعبادة الشمس والقمر والنجوم.

وهنا يمكن أن نسقط بسهولة في شرك القفز إلى الاستنتاج بأن التخلص من الآلهة يستلزم أو يعادل التخلص من الله. ولكن ما أبعد الفارق بين الاثنين. فموسى والأنبياء أدركوا حماقة السجود لأجزاء الكون المختلفة كالشمس والقمر والنجوم باعتبارها آلهة. ولكنهم رأوا أيضاً أن عدم الإيمان بالله الخالق الذي صنع الكون وإياهم، وعندم السجود له حماقة مماثلة. ولابد هنا أن نلاحظ أيضاً أنهم لم يقدموا فكرة جديدة غير مسبوقة. فهم لم يتحاجوا أن ينزعوا الألوهة عن الكون كما فعل الإغريق، لسبب بسيط أنهم لم يؤمنوا مطلقاً بالآلهة من الأصل.

وما أنقذهم من تلك الخرافة كان إيمانهم بالله الحقيقي الواحد خالق السماء والأرض. أي أن الكون الوثني متعدد الآلهة الذي وصفه كل من هوميروس وهسيود لم يكن صورة العالم الأصلية التي رآها البشر، وهو انطباع منبعه أن معظم الكتب العلمية والفلسفية تبدأ بالإغريق وتؤكد أهمية نوع الألوهة عن الكون، فتفشل فشلاً ذريعاً في الإشارة إلى أن العبرانيين سبقوا الإغريق بمئات السنين في نبذ التفسيرات الوثنية للكون.

وهو ما يشوش على حقيقة أن تعدد الآلهة ينطوي فعلياً على تشويه الإيمان الأصلي بالله الواحد الخالق. وهذا التشويه هو ما كان ينبغي تصحيحه. وهذا التصحيح لا يتم بالتخلي عن الإيمان بالخالق بل باستعادته. هو ما أوضح “ملفين كالفين” كما سبقت الإشارة.

ومن ثم، فالفرق شاسع بين المنظور الإغريقي للكون والمنظور العبراني، وهو ما يجب إبرازه بمزيد من الوضوح. فمثلاً “ورنر يجر” Werner Jaeger يكتب في تعليقه على قصيدة هسيود “نسب الآلهة” “Theogony” (بدايات الآلهة) قائلاً: «إن قارنا أساس خلق العالم عند الإغريق وهو الحب الجنسي أو الإيروس Eros بالكلمة أو اللوجوس Logos الذي يمثل أساس خلق العالم في رواية الخلق العبرية، سنلاحظ هوة شاسعة بني منظور الشعبين.

فاللوجوس تجسد لملكة أو قدرة فكرية عند الله الخالق الذي يقع خارج العالم ويوجد ذلك العالم بأمره الشخصي الخاص. أما الآلهة الإغريقية تقع داخل العالم، فسلالتها تنحدر من السماء والأرض… وقد تولدت بقوة تأثير الإيروس الذي ينتمي بدوره للعالم باعتباره قوة بدائية تنشئ كل شيء. ومن ثم، فهي أصلاً خاضعة لما نطلق عليه القانون الطبيعي. فعندما يفكر هسيود تفكيراً فلسفياً حقيقياً، ينتهي إلى البحث عن الله داخل العالم، لا خارجه، كما هو في اللاهوت المسيحي اليهودي الذي يكشف عنه سفر التكوين.»

فمن اللافت للنظر أن زنوفانيز بالرغم من أنه غارق في ثقافة تؤمن بتعدد الآلهة، لم يقع في خطأ الخلط بين الله والآلهة. ومن ثم، رفض الاثنين. ولكنه آمن بإله واحد يحكم الكون. وقد كتب: «يوجد إله واحد… يختلف عن المخلوقات الفانية شكلاً وفكراً… وهو بعيد ويحكم كل الموجودات دون مجهود.»

وإسهامات توما الأكويني في القرن الثالث عشر تتصل أيضاً بموضوعنا هذا. فقد اعتبر الله العلة الأولى First Cause، المسبب الأعلى لكل الأشياء. فالله تسبب مباشرة في وجود الكون. ومن ثم، فالكون معتمد عليه. وهذا هو ما يمكن نسميه العلية المباشرة Direct causation. ولكن توما الأكويني أوضح بعدئذ مستوى ثانياً من العلية (يسمى أحياناً العلية الثانوية Secondary Caustion) يعمل في الكون.

وهذا ما يكون شبكة المسبب والأثر Cause-effect التي تتألف خيوطها من منظومة الكون المتشابكة المعتمدة على بعضها البعض. ولذلك، فإن كانت تفسيرات العليّة الثانوية يمكن أن تقدم على هيئة قوانين وآليات، فهذا لا يعني عدم وجود الخالق الذي يعتمد عليه وجود شبكة المسبب والأثر عينه.

وفكرة أن الإيمان بإله خالق خلق الكون ويحفظه يقضي على العلم هي فعلياُ فكرة مغلوطة. بل إنها فكرة غريبة على ضوء الدور الذي لعبه هذا الإيمان في نشأة العلم، لأنها لو كانت صحيحة، فالأرجح أن العلم ما كان سينشأ أصلاً. فالاعتقاد بأن محرك السيارة هو من تصميم مستر “فورد” لن يمنع أي شخص من دراسة كيفية عمل المحرك علمياً، بل إنه قد يشجع على ذلك.

ولكن إن اعتنق المرء عقيدة خرافية مفادها أن مستر “فورد” هو المحرك فهذا ما يقضي على محاولاته العلمية نهائياً. وهذه الفكرة خطيرة، فهذا هو مربط الفرس: إن الفرق كبير بين الله والآلهة، وبين إله خالق، وإله هو الكون نفسه، وهو ما أدركه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell جيداً عندما حفر على باب “معمل كافينديش للفيزياء” Cavendish Physics Laboratory الشهير بجامعة كامبريج هذه الكلمات: «عظيمة هي أعمال الرب. مطلوبة لكل المسرورين بها.»

وعندما نمد بصرنا عبر تاريخ العلم نجد من الأسباب ما يكفي للشعور بالامتنان للمفكرين اللامعين الذين خطوا هذه الخطوة الجريئة وشككوا في النظرة الأسطورية للطبيعة التي أسبغت قوى إلهية على أجزاء الكون المختلفة التي لا تملك هذه القوى أصلاً.

وقد رأينا أن بعضهم فعل ذلك، دون أن يرفض مفهوم الخالق، بل باسم ذلك الخالق نفسه. ولكن الخطورة الخفية اليوم أن بعض العلماء والفلاسفة، انطلاقاً من رغبتهم في القضاء على مفهوم الخالق نهائياً، يميلون إلى إعادة تأليه الكون بمنح المادة والطاق قدرات خلقية لا يمكن إثبات أنهما تملكانها فعلاً، وهو ميل ساذج. فمحوهم للإله الواحد الخالق سينتهي إلى ما يسمى النتيجة النهائية لتعدد الآلهة، ألا وهي أن كل جزء في الكون يتمتع بقدرات إلهية.

عندما ناقشنا حدود العلم سابقاً، أوضحنا أن بعض الأسئلة خارجة عن نطاق العلم، وخاصة أسئلة “لماذا” التي تتعلق بالغرض باعتباره متمايزاً عن الوظيفة. ولكن علينا الآن أن نرجع لكيفية تناول العلم للأسئلة التي تقع ضمن مجال اختصاصه.

الاختزالية:

 الهدف من “تفسير” شيء هو تقديم وصف مفهوم واضح لطبيعته ووظيفته. ومن الأساليب المتبعة للوصول لهذا التفسير تقسيم المشكلة إلى أجزاء أو أوجه منفصلة، ومن ثم “اختزالها” إلى مكونات يسهل بحث كل منها على حدة. وهذا الإجراء الذي عادة ما يطلق عليه الاختزالية المنهجية Methodological Reductionism يمثل جزءًا أساسياً من عملة العلم الطبيعية (ومن الكثير من الأنشطة الأخرى) وقد أثبت كفاءة مبهرة.

وتستخدم اللغة الرياضية لتبسيط وصف الظواهر المعقدة جداً أو اختصاره والتعبير عنه بمعادلات رياضية قصيرة وبسيطة. خذ مثلاً الإنجاز العظيم الذي حققه كبلر عندما أخذ الكثير من الملاحظات التي رصدها تيكو براهي Tycho Brahe لحركة النجوم واختصرها في جملة واحدة تقول بأن الكواكب تتحرك في مدارات بيضاوي الشكل وتقع الشمس في أحد مركزي المدار البيضاوي. ثم جاء نيوتن وضغط ما توصل إليه كبلر أو بسطه على هيئة قانون الجاذبية الذي صاغه.

وهكذا تصنف معادلات كل من ماكسويل وإينشتاين وأيضاً “شرودينجر” Schrodinger وكذلك “ديراك” Dirac ضمن أشهر الأمثلة النموذجية على انتصار مبدأ الاختزال الرياضي. والسعي المستمر لما يطلق عليه نظرية كل شيء TOE (Theory of Everything) مدفوع برغبة في التوصل إلى صورة رياضية مختصرة إلى أقصى درجة بدمج قوى الطبيعة الأساسية الأربع معاً.

وقد تأثر عالم الرياضيات العظيم “دافيد هيلبرت” David Hilbert بإنجازات الاختصار الرياضي المبهرة، فرأى أن برنامج تبسيط الرياضيات يمكن استخدامه إلى أقصى درجة حتى نتمكن في النهاية من اختصار كل الرياضيات في مجموعة من الأطروحات الشكلية Formal Statements على هيئة مجموعة منتهية Finite Set من الرموز ومجموعة منتهية من المسلمات وقواعد الاستدلال.

وكم كانت فكرة مغرية تعد بتقديم أعقد الظواهر في تفسيرات «تبدأ من التفاصيل الدقيقة وتنتهي بالمفاهيم العامة» «Bottom-up» ونجاح برنامج “هيلبرت” يعني تبسيط الرياضيات إلى مجموعة من العلامات المكتوبة التي يمكن تطويعها وفقاً لقواعد محددة دون أي اكتراث بالتطبيقات التي تضفي “دلالات” على تلك العلامات. وتتحدد صحة أو خطأ أي سلسلة من الرموز بعملية خوارزمية[2] Algorithmic عامة. وقد جرى البحث دؤوباً لحل المسألة المعروفة باسم مشكلة القرار[3] Entscheidungsproblem عن طريق العثور على ذلك الإجراء المختص بقرار عام.

وقد رجحت الخبرة لكل من “هيلبرت” وغيره أن مسألة القرار يمكن حلها إيجابياً. ولكن حدسهم لم يكن في محله. ففي سنة 1931 نشر عالم الرياضيات النمساوي “كريت جودل” Godel Kurt بحثاً بعنوان “في افتراضات الأسس الرياضية والنظم ذات الصلة التي لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها شكلياً” On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems” ورغم أنه بحث قصير من خمس وعشرين صفحة، فقد أحدث زلزالاً رياضياً مازلنا نشعر بتوابعه حتى الآن.

وذلك، لأن “جودل” أثبت فعلياً أن برنامج “هيلبرت” يستحيل تحقيقه. فقد بين “جودل” في هذا العمل الرياضي الذي يعد إنجازاً فكرياً متقناُ من الطراز الأول أن علم الحساب المألوف لجميعنا غير مكتمل، أي أنه أي منظومة ذات مجموعة منتهية من المسلمات وقواعد الاستدلال تكفي لاحتواء علم الحساب العادي، دائماً ما تحتوي على مقولات Statements صحيحة لا يمكن إثباتها على أساس تلك المجموعة من المسلمات وقواعد الاستدلال. وتعرف هذه النتيجة باسم نظرية “جودل” الأولى في عدم الاكتمال Godel’s First Incompleteness Theorem.

وقد كان برنامج “هيلبرت” يهدف أيضاً إلى إثبات الاتساق الأساسي في صياغته للرياضيات باعتبارها منظومة شكلية. إلا أن “جودل” بدد ذلك الأمر أيضاً في نظريته الثانية في عدم الاكتمال Second Incompleteness Theorem. فقد أثبت أنه من الجمل التقريرية التي لا يمكن البرهنة عليها بمنظومة شكلية قوية وافية هي تلك المختصة باتساق المنظومة نفسها.

أي أنه إن كان علم الحساب متسقاً، فتلك الحقيقة هي واحدة من الأمور التي لا يمكن البرهنة عليها في المنظومة. ولكنها أمر لا يمكننا إلا أن نؤمن به على أساس الأدلة، أو الاحتكام إلى مسلمات أعلى. وهو ما تم إيجازه بالقول: إن كانت أساسات دين ما تقوم على الإيمان، فالرياضيات هي الدين الوحيد الذي يستطيع أن يبرهن أنه دين!

وقد عبر “فريمن دايسون” Freeman Dyson عالم الفيزياء والرياضيات الأمريكي المولود في بربطانيا عن هذا المعنى بأسلوب بسيط عندما قال: «إن “جودل” أثبت أن الكل في الرياضيات دائماً أكبر من مجموع أجزائه.» وعليه، فالاختزالية[4] لها حدودها. ولذلك، فعبارة “بيتر أتكينز” الواردة آنفاً التي يقول فهيا إن «المبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين» عبارة يجانبها الصواب.

وتاريخ العلم يؤكد محدودية الاختزالية العلمية، وهو يعلمنا ضرورة موازنة حماستنا للاختزال – رغم أنها حماسة في محلها – بأن نأخذ في حسابنا أن الكل قد يكون (بل هو عادة) أكثر من حاصل جمع كل ما تعلمناه من أجزائه. فدراسة أجزاء الساعة، كل على حدة لن يمكنك بالضرورة من استيعاب كيفية عمل الساعة الكاملة باعتبارها كلاً متكاملاً. والماء هو أكثر من مجرد ما نراه بسهولة من دراسة مكونيه الهيدروجين والأكسجين كل على حدة. وهناك الكثير من الأنظمة المركبة التي يستحيل فهم أجزائها منفردة دون فهم النظام ككل، ومن أمثلتها الخلية الحية.

وإضافة للاختزالية المنهجية، يوحد نوعان آخران مهمان من الاختزالية: الإبستيمولوجية أو المعرفية Epistemological[5] والأنطولوجية أو الوجودية [6]Ontological. والاختزال الإبستيمولوجي هو الموقف الذي يرى أن الظواهر عالية المستوى يمكن تفسيرها بعمليات من مستوى أدنى. والأطروحة القوية التي يقدمها الاختزال الإبستيمولوجي تتلخص في أن هذه التفسيرات التي «تبدأ من التفاصلي الدقيقة وتنتهي بالمفاهيم العامة» يمكن دائماً التوصل إليها دون باق[7].

أي أنه في نهاية المطاف يمكن تفسر الكيمياء بالفيزياء وتفسير الكيمياء الحيوية بالكيمياء، والأحياء بالكيمياء الحيوية، وعلم النفس بالأحياء، وعلم الاجتماع بعلوم المخ Brain Science، واللاهوت بعلم الاجتماع. وقد عبر عن ذلك “فرانسيس كريك” Francis Crick عالم الأحياء الجزيئية الحائز على جائزة نوبل بقوله: «الهدف النهائي من التطور الحديث لعلم الأحياء هو في الواقع تفسير علم الأحياء كله بالفيزياء والكيمياء.»

ويتفق “ريتشارد دوكينز” مع هذه النظرة إذ يقول: «مهمتي أن أفسر الأفيال وعالم الأشياء المعقدة بالأشياء البسيطة التي يفهمها الفيزيائيون أو ما زالوا يحاولون فهمها.» ولو نحينا مؤقتاً هذا الادعاء الذي يشوبه كثير من الشك عن بساطة الفيزياء (خذ مثلاً ميكانيكا الكم، أو الكهروديناميكا الكمية، أو نظرية الأوتار)، ولكننا سنعود إليه لاحقاً، لاكتشفنا أن الهدف النهائي من هذا الاختزال هو في الواقع اختزال السلوك البشري كله (ما نحب وما نكره، وخريطة حياتنا العقلية بأكملها) إلى فيزياء.

وعادة ما يسمى هذا الموقف “النزعة الفيزيائية” “Physicalism“، وهو من أقوى أشكال الفلسفة المادية Materialism. إلا أن هذه النظرة لا تحظى بتأييد شامل، وذلك لأسباب وجيهة جداً، كما أشار “كارل بوبر” Karl Popper: «في كل الأحوال تقريباُ يتبقى جزء معلق لا يمكن تبسيطه حتى في أنجح محاولات الاختزال.»

ويشرح لنا العالم والفيلسوف “مايكل بولاني” Michael Polanyi لماذا يستحيل منطقياً على الاختزال المعرفي أن ينجح في كل الحالات. فهو يطلب منا أن نفكر في مختلف مستويات عملية بناء مبنى إداري بالطوب. أول خطوة هي استخلاص المواد الخام التي يصنع منها الطوب. ثم تأتي المستويات الأعلى المتتالية من صنع الطوب، لأنه لا يصنع نفسه، يلي ذلك رص الطوب، لأن قوالب الطوب لا “تجمع نفسها”، وعملية تصميم المبنى، لأنه لا يصمم نفسه، وتخطيط المدينة التي يبنى فيها، لأنها لا تنظلم نفسها. ولكن مستوى قواعده الخاصة.

فقوانين الفيزياء والكيمياء تحكم المادة الخام التي يصنع منها الطوب، أما التكنولوجيا تزودنا بفن صنع الطوب، والعمال المسؤولون عن رص الطوب يرصونه حسب إرشادات المهندس المقاول، والهندسة المعمارية تعلم المهندس، والمهندس المعمار محكوم بعمل المتخصصين في تخطيط المدن. أي أن كل مستوى محكوم بالمستوى الأعلى منه. ولكن العكس ليس صحيحاً. فقوانين المستوى الأعلى لا يمكن أن تشتق من قوانين مستوى أدنى، وإن كان ما يتم عمله على مستوى أعلى يعتمد طبعاً على المستويات الأدنى. فمثلاً لو لم تكن قوالب الطوب قوية، سيحد ذلك من ارتفاع المبنى الذي يتحمله الطوب.

أو خذ مثالاً آخر بين يديك الآن. فكر في الصفحة التي تقرأها في هذه اللحظة. إنها تتكون من ورق مطبوع بالحبر (أو قد تكون سلسلة من النقاط على شاشة كمبيوتر أمامك). من الواضح طبعاً أن فيزياء وكيماء الحبر والورق (أو نقاط الصورة pixels على شاشة الكمبيوتر) يستحيل، ولو من حيث المبدأ، أن تخبرك بأي شيء عن دلالات أشكال الحروف المرسومة على الصفحة، وليس السبب إطلاقاً أن علوم الفيزياء والكيمياء لم تبلغ من التقدم ما يتيح لها التعامل مع هذه المسألة.

فحتى لو تركنا لهذه العلوم 1000 سنة أخرى للنمو لن يغير ذلك من الأمر شيئاً، لأن أشكال هذه الحروف تتطلب تفسيراً جديداً من مستوى أعلى يختلف تماماً عن التفسيرات التي يمكن للفيزياء والكيمياء تقديمها. وذلك لأن التفسير الكامل لا يمكن التوصل إليه إلا بمفاهيم ذات مستوى أعلى تختص باللغة والكتابة وتوصيل الشخص لرسالته. أما الحبر والورق ليست سوى موصلات للرسالة، ولكن المؤكد أن الرسالة لا تنشأ منها تلقائياً. وعندما نأتي للغة نفسها نجد أيضاً سلسلة من المستويات، وحيث لا يمكنك اشتقاق المفردات من علم الصوتيات، أو اشتقاق قواعد اللغة من مفرداتها، وهكذا.

وكما نعرف جيداً، المادة الوراثية DNA تحمل المعلومات. وسنشرح ذلك لاحقاً بشيء من التفصيل. ولكن الفكرة الرئيسية أن هذه المادة الوراثية يمكن أن نتخيلها شريطاً طويلاً عليه سلسلة من الحروف المكتوبة بلغة كيميائية تتكون من أربعة حروف. وتحتوي سلسلة الحروف على تعليمات (معلومات) مشفرة تستخدمها الخلية لصنع البروتينات. ولكن ترتيب السلسلة لا ينتج من كيمياء الحروف الأولية.

وهكذا نرى أنه في كل من الحالات سالفة الذكر توجد سلسلة من المستويات، كل منها أعلى من سابقة. وما يحدث على مستوى أعلى لا يشتق كلية مما يحدث على المستوى الأدنى منه. وفي هذه الحالة يقال أحياناً إن ظواهر المستوى الأعلى “تنبثق” “Emerge” من المستوى الأدنى.

ولكن للأسف كلمة “تنبثق” يساء فهمها بسهولة، بل يساء استخدامها على نحو مضلل بحيث تعني أن خصائص المستوى الأعلى تنشأ تلقائياً من خصائص المستوى الأدنى دون أي مدخلات إضافية من المعلومات أو التنظيم، تماماً كما تنشأ خصائص المستوى الأعلى من الماء من خلط الأكسجين والهيدروجين. إلا أن هذا الفكر خاطئ عموماً كما أوضحنا فيما سبق بمثالي عملية البناء والكتابة على الورق. فالمبنى لا ينبثق من قوالب الطوب ولا تنبثق الكتابة من الورق والحبر دون ضخ كمية من الطاقة والذكاء.

وتنطبق الحجة نفسها على تشبيه الانبثاق الذي اقترحه “دوكينز” في محاضرة عامة ألقاها في جامعة أكسفورد (20 كانون الثاني/ يناير 1999) عندما قال إن إمكانية معالجة الكلمات بالكمبيوتر هي خاصية “منبثة” من الكمبيوتر. وهذا صحيح، ولكن هذه الخاصية لا تكون ممكنة إلا بإدخال كميات ضخمة من المعلومات المتضمنة في حزمة برامج مصممة بذكاء، مثل Microsoft Word.

وقد كتب “آرثر بيكوك” Arthur Peacocke اللاهوتي والعالم البريطاني: «يستحيل التعبير عن مفهوم “المعلومات”، مفهوم نقل الرسائل، بمفاهيم الفيزياء والكيمياء، حتى وإن كانت الأخيرة تفسر الكيفية التي تعمل بها الآلة الجزيئية (Molecular Machinery DNA، وRNA، والبروتين) لحمل المعلومات….»

إلا أنه رغم الكتابة على الورق، وبرامج الكمبيوتر، والـ DNA تشترك في أنها تشفر “رسالة” فأولئك العلماء المتمسكون بالفلسفة المادية يصرون على أن الخصائص الحاملة للمعلومات في الـ DNA لا بد أنها انبثقت أخيراً بشكل تلقائي من المادة بعملية غير موجهة عديمة العقل. ودافعهم نحو هذا الإصرار واضح.

فإن كان لا يوجد شيء سوى المادة والطاقة قدرة كامنة تمكنهما من تنظيم نفسها بما يؤدي لانبثاق كافة الجزيئات المعقدة اللازمة للحياة بما فيها الـ DNA وبناء على هذه الفرضيات المادية، تنتفي أي احتمالات أخرى. أما السؤال عما إذا كان هناك دليل على أن المادة والطاقة تتمتعان فعلياً بهذه القدرة “الانبثاقية” فهو موضوع مختلف تماماً سنناقشه بالتفصيل لاحقاً.

والآن نأتي إلى النوع الثالث من الاختزالية، ألا وهو الاختزالية الأنطولوجية التي تعد وثيقة الصلة بالاختزالية الإبستيمولوجية. ويقدم “ريتشارد دوكينز” مثالاً كلاسيكياً على هذا النوع من الاختزال: «الكون ليس إلا مجموعة من الذرات المتحركة، والبشر ليسوا سوى ماكينات لإنتاج الـ DNA، وإنتاج الـ DNA عملية ذاتية الاستدامة. وهو السبب الوحيد في حياة كل شيء حي.»

إن تعبيرات “ليس إلا”، أو “الوحيد” أو “ليسوا سوى” هي العلامة المميزة لفكر الاختزال الأنطولوجي. فإن حذفنا هذه الكلمات عادة ما تتبقى عندنا عبارة لا اعتراض عليها. فلا شك أن الكون مجموعة من الذرات، والبشر بالفعل ينتجون الـ DNA. وهما جملتان علميتان. ولكن ما أن نضيف عبارات مثل “ليس إلا” حتى تتجاوز العبارات حدود العلم وتصبح تعبيرات عن معتقد مادية أو طبيعي.

والسؤال: هل تبقى العبارات صحيحة قد إضافة تلك الكلمات الكاشفة؟ هل هذا هو كل الكون والحياة فعلاً؟ هل سنقول مع “فرانسيس كريك”: «أنت، بأفراحك وأحزانك، وذكرياتك وطموحاتك، وشعورك بالهوية الشخصية والإرادة الحرة، لست في الواقع أكثر من سلوك مجموعة ضخمة من الخلايا العصبية وجزيئاتها»؟

كيف سنرى إذن المشاعر البشرية من الحب والخوف؟ هل هي أنماط سلوكية عصبية بلا معنى؟ وماذا نفعل بمفاهيم الجمال أو الحق؟ هل لوحة للفنان “رمبرانت” Rembrandt ما هي إلا جزيئات من الألوان مبعثرة على القماش؟ يبدو أن “كريك” يراها هكذا.

وهذا ما يدعونا للتساؤل عن الوسيلة التي تمكنا من إدراكها. فإن كان مفهوم الحق نفسه ينتج عن مجرد “سلوك مجموعة ضخمة من الخلايا العصبية»، فكيف نعرف منطقياً أن مخ الإنسان مكون من خلايا عصبية؟ كما أشار “فرزر واتس” Fraser Watts قائلاً إن “كريك” نفسه يبدو أنه يدرك ضرورة وجود مستوى أعمق لأنه أدخل تعديلاً جذرياً على فرضيته “المدهشة” وعمد إلى تخفيفها بعبارة لا تثير أي جدل عندما قال «أنت في معظمك عبارة عن سلوك عدد ضخم من الخلايا العصبية.»

إلا أن هذه الفرضية المعدلة لم تعد مدهشة. فكر فيها. بل حتى لو كانت الفرضية المدهشة حقيقية، فكيف لها أن تدهشنا؟ لأنه كيف يمكننا أن نعرفها أو نفهمها؟ وعندئذ نسأل ما معنى “الدهشة”؟ فالفكرة تنطوي على تناقض داخلي.

وتعد هذه الحجج امتدادات لما عرف باسم “شك داروين” Darwin’s Doubt: «الشك المقيت الذي يراودني دائماً هو ما إذا كان العقل البشري الذي تطور من عقل حيوانات أدنى يمكن لقناعاته أن تحمل أي قيمة أو مصداقية.»

ويعتبر أقوى نقد للاختزالية الأنطولوجية هو أنها تدمر نفسها مثل المذهب العلمي. حتى إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne يصف مجمل الأفكار التي تشكلها بأنها «انتحارية في نهاية الأمر. فإن كانت أطروحة “كريك” صحيحة، إذن يستحيل أن نعرفها. وذلك لأنها تحط من قدر خبرتنا بالجمال والواجب الأخلاقي واللقاءات الروحية وتعتبرها منتجاً ثانوياً بلا قيمة. ولا تكتفي بذلك، بل إنها تدمر العقلانية لأنها تستبدل الفكر بأحداث عصبية كهروكيميائية.

وهما حدثان لا يمكن أن يواجها بعضهما البعض في حديث عقلاني. فهما ليسا صحيحين ولا خاطئين. ولكنهما يحدثان فحسب… ومزاعم الاختزالي نفسه تصبح مجرد إشارات في الشبكة العصبية لمخه. وعالم الحديث العقلاني يتلاشى إلى ثرثرة عبثية من عمل التشابكات العصبية التي تنطلق عندما تتلقى مثيراً ما. والحقيقة أن هذا الكلام يستحيل أن يكون صحيحاً وليس منا من يعتقد فيه.»

وللدقة نقول إن كل المحاولات تناقض ذاتها مناقضة صريحة، مهما بدت أنيقة، من حيث أنها تشتق العقلانية من اللاعقلانية. وعندما نعريها تماماً تبدو محاولات عقيمة عجيبة كمن يحاول أن يرفع نفسه برباط حذائه. أو يصنع ماكينة تدور بلا توقف. فرغم كل ما يدعون، استخدام العقل البشري هو نفسه الذي ساهم على تبني الاختزالية الأنطولوجية التي تحمل معها الاستنتاج القائل بأنه لا مبرر للثقة فيما تقوله عقولنا، إلا إذا كانت تقول لنا إن الاختزالية صحيحة.

 

[1] يعرف “قاموس أكسفورد” “الذرية” atomism بأنها منهج نظري يرى أنه يمكن تفسير الشيء بتحليله إلى مكونات ابتدائية متمايزة ومنفصلة ومستقلة. وهي عكس الشمولية holism. (المترجم)

[2] يعرف “قاموس أكسفورد” “الخوارزمية” Algorithm بأنها مجموعة من الخطوات أو القواعد التي تتبع في الحسابات أو غيرها من عمليات حل المشكلات، ويستخدمها الكمبيوتر بوجه خاص. (المترجم).

[3] هذه هي الكلمة الألمانية لمصطلح Decision Problem وهي تطرح هذا السؤال: هل توجد خوارزمية Algorithm تقرر ما إذا كان طرح رياضي Mathematical Assertion محدد له برهان أم لا؟ (http://mathworld.wolfram.com/DecesionProblem.html)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 20/1/ 2016 (المترجم)

[4] المقصود بالاختزالية هنا تحويل المعارف والمعلومات التفصيلية الدقيقة إلى قانون عام يفسر كل شيء، وهو نفس ما سعى إليه “ستيفن هوكنج” في محاولته للوصول إلى نظرية واحدة تفسر كل شيء. (المحرر)

[5] يعرف قاموس ويسهر Webster’s Dictionary الإبستيمولوجي Epistemology بأنه أحد مباحث الفلسفة الذي يدرس طبيعة المعرفة البشرية وأساليبها وحدودها وصحتها دراسة نقدية. (المترجم)

[6] الأنطولوجي Ontology (علم الوجود) هو المبحث الفلسفي الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود مستقلاً عن أشكاله الخاصة، ويعنى بالأمور العامة التي لا تخص بقصم من أقسام الوجود ) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[7] كما في عمليات القسمة الحسابية التي يكون فيها الناتج دون باق. (المترجم)

الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

 

«كل ما يمكن التوصل إليه من معرفة

لا بد أن نتوصل إليه بطرق علمية،

وما لا يمكن للعلم اكتشافه

لا يمكن للبشرية أن تعرفه.»

“برتراند رسل” Bertrand Russell

 

«إلا أن محدودية العلم تتضح في عجزه عن إجابة الأسئلة

البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الأولى والأخيرة،

مثل: “كيف بدأ كل شيء؟”

“ما غرض وجودنا؟”

ما مغزى الحياة؟”.»

السير “بيتر مداوار” Peter Medawar

 

إقرأ أيضًا:

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

 

الصبغة العالمية للعلم:

أياً كان ما يميز العلم، فالمؤكد أنه عالمي. وما يميز الكثير من العلماء، بمن فيهم مؤلف هذا الكتاب، أننا ننتمي لمجتمع عالمي بحق يتجاوز الحدود بكافة أنواعها: الجنس، والمنظومة الفكرية، والدين، والقناعات السياسية، والعديد من العوامل الأخرى التي تفرق الناس عن بعضهم. فكل هذه الاعتبارات تنسى عندما نحاول معاً أن ندرك أسرار الرياضيات، أو نفهم ميكانيكا الكم، أو نحارب مرضاً فتاكاً، أو نستكشف خواص المواد الغريبة، أو نصيغ نظريات عن تركيب النجوم الداخلي، أو نتوصل لأساليب جديدة لتوليد الطاقة، أو ندرس علم البروتينات Proteomics المعقد.

ونظراً لحرص العلماء على الاحتفاظ بعالمية مجتمعهم الذي يتمتع بحرية العمل العلمي دون تدخلات خارجية قد تفرق بين أعضائه، فهم يشعرون بالقلق عندما تطل الميتافيزيقا[1] برأسها مهددة بالتدخل في عملهم، وهو قلق مفهوم. بل إن الأسوأ عندما تظهر قضية الله. ولا شك أنه إن كان هناك مجال يمكن (ويجب) أن يظل محايداً من الناحية الدينية واللاهوتية، فهذا المجال هو العلم. وهو كذلك في الأغلب.

والواقع أن مساحات شاسعة في العلوم الطبيعية، بل ربما العناصر الرئيسية فيها تتمتع بهذا الحياد. ففي كل الأحوال، طبيعة العناصر، والجدول الدوري، وقيم الثوابت الأساسية في الطبيعة، وبنية الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين المعروف باسم DNA، ودورة كريز Kerbs Cycle وقوانين نيوتن، ومعادلة أينشتين، وغير ذلك لا علاقة له بالميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة. ألا ينطبق ذلك على العلم كله؟

تعريف العلم:

وهذا يأتي بنا ثانية إلى سؤالنا: ما هو العلم؟ على عكس الانطباع الشائع، ليس هناك منهج علمي واحد متفق عليه، إلا أن بعض العناصر دائماً ما تظهر فجأة في محاولة لوصف ما يشتمل عليه النشاط “العلمي”: فرضية، تجربة، بيانات، أدلة، فرضية معدلة، نظرية، تنبؤ، تفسير، وهكذا. ولكن وضع تعريف دقيق هو عملية بعيدة المنال. ويمكن أن نأخذ محاولة “مايكل روس” Michael Ruse مثالاً على ذلك. يرى “روس” أن العلم «بطبيعته لا يتعامل إلا مع الطبيعي، القابل للتكرار، المحكوم بقانون.»

ومن الناحية الإيجابية يتيح لنا هذا التعريف بكل تأكيد أن نميز بين علم الفلك والتنجيم. إلا أن نقطة الضعف الأكثر وضوحاً في هذا التعريف أنه يستبعد معظم علم الكونيات المعاصر من نطاق العلم. فالنموذج المعروف لنشأة الكون يصف أحداثاً فريدة من نوعها لأن نشأة الكون لا يمكن تكرارها (بسهولة) ويحق لعلماء الكونيات أن يتضايقوا عندما يسمعون أن عملهم لا يرقى إلى مستوى العلم.

علاوة على ذلك هناك طريقة أخرى لفحص الأشياء وتمثل جزءًا أساسياً في منهجية العلم المعاصر، ألا وهو طريقة «الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات» Inference to the best explanation (أو الاستدلال الاحتمالي abduction كما يطلق عليه أحياناً). ففي حالة الأحداث المتكررة نحن نثق أن تفسيراتنا لها هي أفضل التفسيرات لأنها تحمل قدرة تنبؤية، ولكن في حالة الأحداث غير المتكررة، ما زال يمكننا أن نسأل: ما أفضل تفسير لهذا الحدث أو هذه الظاهرة؟ والفكرة من ورائها هي: إن وجدت (س)، إذن يحتمل أن توجد (ص). فنلاحظ (ص)، فتصبح (س) تفسيراً محتملاً للظاهرة (ص). أما تعريف “روس” يغفل عن هذه النقطة.

ومع ذلك، فهذا التعريف القاصر يؤدي غرضاً مفيداً من حيث إنه يذكرنا أن فروع العلم لا تتساوى في قوة مرجعيتها. فالنظرية العلمية التي تقوم على الملاحظة المتكررة والتجريب غالباً، بل يجب أن، تتمتع بمصداقية أكبر مما تتمتع به النظرية التي لا تنطبق عليها هذه المواصفات. وعدم إدراكنا لهذا الفارق يجعلنا نمنح الأخيرة نفس ما نمنحه للأولى من مصداقية مرجعية، وهو ما سوف نعود إليه لاحقاً.

ولكن علينا أن نلاحظ أن نموذج العالم كما يرسمه عصر التنوير[2] Enlightenment هو ذلك الرجل العقلاني الذي يلاحظ الظواهر بهدوء وسكينة، في استقلال تام، وتحرر من كل النظريات المسبقة، متجاوزاً الاعتبارات الفلسفية والأخلاقية والدينية، ويقوم باستكشافاته ثم يخرج بخلاصات موضوعية لا يشوبها أي تحيز تعبر عن الحق المطلق. ولكن ما يزيد الأمور تعقيداً، أن هذا النموذج يعتبره فلاسفة العلم الجادون (ومعظم العلماء حالياً) خرافة ساذجة. فالعلماء، مثل باقي البشر لديهم أفكار مسبقة، وفلسفات حياتية تؤثر في كل ما يواجهونه من مواقف. وهو ما يتضح في بعض العبارات التي ناقشناها فيما سبق. بل إن الملاحظات نفسها لا تملك إلا أن تكون «متأثرة بالنظريات»، فلا يمكننا مثلاً أن نقيس درجة الحرارة إلا إذا كانت هناك نظرية عن الحرارة.

وإن دخلنا إلى مستوى أعمق في مجال سلوك الجسيم الأولي Elementary particle، نجد أن علماء الفيزياء اكتشفوا أن عملية الملاحظة عينها تثير إشكاليات لا يمكن تجاهلها. فمثلاً “فرنر هايزنبوج” Werner Heisenberg الحائز على جائزة نوبل يستنتج أن «القوانين الطبيعية التي صيغت رياضياً في نظرية الكم لم تعد تتعامل مع الجسيمات الأولية نفسها بل مع معرفتنا عنها.»

هذا بالإضافة إلى المناقشات العنيفة التي تدور حالياً حول ما إذا كان العلم يقوم على الملاحظة والتنبؤ أم يقوم على تحديد المشكلة والتفسير. وعندما ننتهي إلى صياغة نظرياتنا، تأتي البيانات لتثير حولها تساؤلات جديدة: فمثلاً يمكن رسم عدد لا نهائي من الأقواس باستخدام عدد محدد من النقاط. لذلك فالعلم بطبيعته مبدئي ومتغير بنسبة ما.

إلا أننا هنا لا بد أن ننوه سريعاً أن هذا لا يعني مطلقاً أن العلم هو بنية اجتماعية اعتباطية ذاتية تتأثر بميول أصحابها، كما يرى بعض مفكري ما بعد الحداثة[3] Postmodern. ولكن من الإنصاف أن نقول إن الكثير من العلماء، إن لم يكن معظمهم، «واقعيون نقديون» يؤمنون بوجود عالم موضوعي يمكن دراسته ويؤمنون أنه حتى إن كانت نظرياتهم لا ترقى إلى مرتبة “الحق” بالمعنى النهائي أو المطلق، إلا أنها تزيد من قدرتهم على إدراك الواقع كما يتضح مثلاً في تطور فهمنا للكون من جاليليو إلى نيوتن إلى أينشتين.

ولكن لنرجع إلى “روس” وتعريفه للعلم لأن هناك المزيد مما يمكن أن يقال في هذا الصدد. ماذا يعني قوله إن العلم لا يتعامل إلى مع “الطبيعي”؟ لا بد أنه يعني على أقل تقدير أن الأشياء التي يدرسها العلم هي الأشياء التي توجد في الطبيعة. ولكنه قد يعنى أيضاً أن التفسيرات التي تعطى لهذه الأشياء لا يمكن اعتبارها علمية إلا إذا صيغت بمصطلحات الفيزياء والكيماء والعمليات الطبيعية. ولا شك أن هذه نظرة متفق عليها.

فمثلاً “ماسيمو بيجلوتشي” Massimo Pigliucci أستاذ علم البيئة والتطور يقول إن «فرضية العلم الأساسية هي أن العالم يمكن تفسيره كاملاً بمصطلحات فيزيائية دون اللجوء إلى أي كيانات فائقة.» ويكتب “كريستيان دو دوف» Christian de Duve الحائز على جائزة نوبل رأياً مشابهاً إذ يقول: «البحث العلمي يرتكز على فكرة مفادها أن كل ما نراه في الكون يمكن تفسيره بمصطلحات طبيعية، دون أي تدخل خارق للطبيعة. وهذه الفكرة ليست موقفاً فلسفياً بديهياً ولا اعتراف بعقيدة.

ولكنها افتراض Postulate، أي فرضية مبدئية ليست نهائية أن تامة Working Hypothesis يجب أن نكون مستعدين للتخلي عنها لو واجهتها حقائق تتحدى كل محاولات التفسير المنطقي. إلا أن الكثير من العلماء لا يشغلون أنفسهم بهذا الفارق، فيتعاملون ضمناً مع الفرضية على أنها حقيقة مؤكدة. وهم سعداء جداً بما يقدمه العلم من تفسيرات. وهم في ذلك مثل “لابلاس” Laplace لا يحتاجون إلى “فرضية الله” ويعتبرون الموقف العلمي موقفاً لا أدرياً، إن لم يكن موقفاً إلحادياً صريحاً.»

وهذا اعتراف صريح أن العلم عند الكثيرين لا ينفصل فعلياً عن موقف ميتافيزيقي لا أدري أو إلحادي يصر أصحابه على التمسك به. وقد لاحظنا أن ينطوي على فكرة خفية مفادها أن «أي تدخل فائق للطبيعة» يعني «تحدي كل محاولات التفسير المنطقي.» أي أن “فوق طبيعي” مرادف لما هو “غير منطقي”.

ومن تعمق منا في دراسة الفكر اللاهوتي الجاد يرى أن هذه الفكرة خاطئة وأن الاعتقاد بوجود إله خالق فكرة منطقية. أما اعتبار “التفسير المنطقي” مرادف “التفسير الطبيعي” فهو موقف يعبر في أحسن حالاته عن تحيز مسبق، وفي أسوأ الحالات يعكس خطأ تصنيفياً[4] Category Mistake.

والكثير من العلماء يتفقون مع “دو دوف” في رأيه. وهو ما عبر عنه القاضي “جونز” Jones في الدعوى التي رفعها “كيتسميلر” وآخرون على منطقة “دوفر” التعليمية Kitzmiller et al. vs. Dover Area School District سنة 2005 عندما قرر أن «التصميم الذكي» موقف ديني وليس موقاً علمياً، وقد قال صراحة: «شهادة الخبراء تكشف أنه منذ الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أصبح العلم مقتصراً على البحث عن الأسباب الطبيعية لشرح الظواهر الطبيعية…

ورغم أن التفسيرات الفائقة للطبيعة لها أهميتها وقيمتها، فهي لا تمثل جزءًا من العلم… وهذا العرف الذي يفرضه العلم على نفسه الذي يحصر البحث في التفسيرات الطبيعية للعالم الطبيعي التي يمكن إخضاعها للاختبار يشير إليه الفلاسفة باسم «المذهب الطبيعي المنهجي» “Methodological naturalism” ويعرف أحياناً باسم المنهج العملي Scientific method… والمذهب الطبيعي المنهجي هو “قاعدة أساسية” في العلم اليوم تتطلب من العلماء أن يبحثوا عن تفسيرات في العالم المحيط بنا تقوم على ما يمكننا ملاحظته، واختباره، وتكراراه، والتحقق منه.»

والفيلسوف “بول كرتس” Paul Kurtz يعبر عن رأي مشابه إذ يقول إن «العنصر المشترك بين كافة أشكال الفلسفة الطبيعية هو التزامها بالعلم. وبذلك، يمكن تعريف الفلسفة الطبيعية بمعناها الأشمل على أنها التعميمات الفلسفية لما تستخدمه العلوم من منهجيات وتتوصل إليه من استنتاجات.»

والآن يمكننا أن ندرك سر جاذبية هذا الأسلوب. فهو أولاً يميز تمييزاً واضحاً بين العلم الأصيل والخرافة، أي بين علم الفلك والتنجيم مثلاً، أو علم الكيمياء والسيمياء. وهو يمنعنا أيضاً من الارتكان إلى فكرة «إله الفجوات» «God of the gaps» التي تقول «إن كنت لا أفهم هذا الشيء، إذن هو من صنع الله أو الآلهة.»

إلا أن هذا الرأي يشوبه على الأقل عيب واحد خطير، ألا وهو أن هذا الارتباط الوثيق بين العلم والفلسفة الطبيعية من شأنه أن يؤدي إلى الاستخفاف بأي بيانات أو ظواهر أو تفسيرات لا تلائم قالب الفلسفة الطبيعية، بل قد يؤدي إلى مقاومتها مقاومة مستميتة. وبالطبع يعتبر هذا عيباً إن اعتبرنا الفلسفة الطبيعية خاطئة. ولكنها إن كانت صحيحة، فلن يكون لهذه المشكلة وجود أبداً حتى لو كان التفسير الطبيعي لظاهرة ما يستغرق سنين طويلة حتى يتم اكتشافه.

أيهما أسبق، العلم أم الفلسفة؟

يعرف “كرتس” المذهب الطبيعي بأنه فلسفة تنشأ من العلوم الطبيعية. أي أن العالم يدرس الكون أولاً، ويضع نظرياته، وبعدئذ يرى أنها تتطلب فلسفة طبيعية أو مادية.

إلا أنه كما أشرنا آنفاً، صورة «الصفحة البيضاء» العلمية التي تعكس عقلاً منفتحاً عن آخره ومجرداً من أي معتقدات فلسفية مسبقة في دراسته للعالم الطبيعي هي صورة مضللة جداً. لأن ما يحدث فعلياً قد يكون على النقيض مما يراه “كرتس”؛ فمثلاً عالم المناعة “جورج كلاين” George Klein يصرح بوضوح أن إلحاده لا يقوم على العلم، ولكنه التزام إيماني يقوم على فرضية بديهية.

وقد كتب في تعليق على خطاب من صديق له وصفه فيه بأنه لاأدري: «أنا لست لاأدرياً. أنا ملحد. وموقفي لا يقوم على العلم، بل على الإيمان…. فغياب الخالق وعدم وجود الله هو إيمان طفولتي وعقيدة رشدي، وهو موقف راسخ مقدس.»

ونلمح هنا إلى أن الفكرة التي يؤمن بها “كلاين”، ويشاركه فيها “دوكينز”، تتلخص في أن الإيمان والعلم متضادان، وهي فكرة نعترض عليها بشدة.

ويتبنى هذه الفكرة أيضاً “ريتشارد ليونتن” Richard Lewontin عالم الوراثة في “جامعة هارفارد” Harvard University إذ يقول صراحة في تعليقه على آخر كتب “كارل ساجان” إن قناعاته المادية تقوم على فرضية بديهية. وهو يعترف أن فلسفته المادية لا تنبثق من العلم، بل على العكس، فماديته هي التي تحدد طبيعة فهمه للعلم، وهو واع بهذه العملية: «استعدادنا لقبول المزاعم العلمية التي تخالف الحس السليم هو مفتاح فهم الصراع الحقيقي بين العلم وما هو فائق للطبيعي.

إننا نأخذ صف العلم رغم ما يشوب بعض أفكاره من عبث بيّن… رغم تسامح المجتمع العلمي مع القصص التي تقبل كما هي دون دليل لأننا ملتزمون مسبقاً… بالفلسفة المادية. فمناهج العلم ومؤسساته لا تجبرنا على قبول تفسير مادي للعالم الظاهر، بل بالعكس، التزامنا البديهي بالقضايا المادية يجبرنا على خلق أداة للبحث ومجموعة من المفاهيم تنتج تفسيرات مادية، مهما كانت مناقضة للحدس، ومهما بدت غامضة لضعيف المعرفة.»

ورغم ما تثيره هذه العبارة من دهشة، فهي في منتهى الصدق. وهي عكس موقف “كرتس.”

فبهذا التصريح يقول “ليونتن” بوجود صراع بين «العلم وما هو فوق طبيعي»، ولكنه يناقض نفسه فيعترف أن العلم لا يحمل أي إجبار في ذاته يفرض علينا الفلسفة المادية. وهو ما يؤيد قناعتنا بأن المعركة الحقيقية ليس فعلياً بين العلم والإيمان بالله، بل بين منظور فلسفي مادي (أو بشكل أشمل منظور فلسفي طبيعي) ومنظور فلسفي فائق للطبيعي يرتكز على الإيمان بالله الخالق.

فعلى أي حال إيمان “ليونتن” بالمادية لا يتأسس على العلم الذي يشتغل به، كما اعترف هو شخصياً، بل على شيء مختلف تماماً، كما يتضح فيما يقوله بعدئذ: «أضف إلى ما سبق قولنا بأن تلك المادية التي أومن بها لها صفة “المطلق”، ومن ثم لا نستطيع السماح بمطلق آخر – كالإله مثلاً – أن يدخل من الباب ليزاحمها أو يتجاور معها.»

ولست أدري إن كان “دوكينز” متحمساً لهدم هذا النوع من «الإيمان الأعمى» بالمادية قدر حماسه لهدم الإيمان بالله، رغم أن مبدأ الاتساق يحتم عليه ذلك. وما الذي يجعلنا «لا نستطيع أن نسمح بدخول السماح بمطلق آخر – كالإله مثلاً – أن يدخل من الباب»؟ فإن كان العلم كما يقول “ليونتن” لا يجبرنا على الإيمان بالمادية، فتعبير «لا نستطيع» لا يشير طبعاً إلى العلم باعتباره عاجزاً عن التدليل على أي تدخل إلهي.

ولكنه لا بد أن يعنى «أننا نحن الماديين لا نستطيع أن نسمح لأي عنصر إلهي بالدخول من الباب.» ولكننا لسنا في حاجة إلى أن نقول إن «الماديين لا يستطيعون أن يسمحوا لأي عنصر إلهي بالدخول من الباب.» وذلك، لأن المادية ترفض التدخل الإلهي، وترفض الباب نفسه. فالمادي لا يؤمن بأي شيء خارج الكون أصلاً، أي أنه «لا يوحد ولم يوجد ولن يوجد أي شيء سوى الكون.»

ولكن ذلك الموقف الرافض لا ينطوي في ذاته على أي أبعاد تشرح لنا وجود أو عدم وجود مثل هذا التدخل أو هذا الباب أكثر مما صرح به “ليونتن” بأنه لا يؤمن شخصياً بأي منهما، وهو تصريح بلا دليل. فلو صمم طبيب عن عمد جهازاً يكشف الإشعاع في المدى المنظور فقط، فمهما كانت فائدة هذا الجهاز، فمن العبث أن يستخدمه ليُنْكر وجود الأشعة السينية مثلاً التي لا يمكن لهذا الجهاز أن يكتشفها بسبب طبيعة تركيبه.

وهكذا من الخطأ أن ننكر أن العلماء الماديين أو الطبيعيين يمكنهم أن ينتجوا علماً جيداً، ومن الخطأ أيضاً أن ننكر أن المؤمنين بالله يمكنهم أن ينتجوا علماً جيداً. والأكثر من ذلك، حتى لا نفقد قدرتنا على رؤية الأشياء في حجمها الطبيعي، علينا أن نأخذ في اعتبارنا عموماً أن العلم الذي يتم بناء على افتراضات مسبقة إلحادية يسفر عن نفس النتائج التي يسفر عنها العلم الذي يتم بناء على افتراضات مسبقة تقوم على الإيمان بالله.

فمثلاً عندما يحاول أحد العلماء عملياً اكتشاف كيفية قيام كائن ما بوظائفه، لا يهم ما إذا كان العالم يفترض أن هذا الكائن يقوم بوظائفه وفقاً لتصميم حقيقي، أم أنه مجرد مظهر لتصميم، دون تصميم فعلي. ففي هذه الحالة، سواء استندنا إلى فرضية «المذهب الطبيعي المنهجي» (يطلق عليها أحياناً «الإلحاد المنهجي») أو إلى ما قد نطلق عليه اصطلاح «الإيمان المنهجي بالله الخالق» «Methodological theism»، كلاهما سيؤدي إلى النتائج نفسها. وذلك لأن الكائن يعامل منهجياً في الحالتين باعتباره يخضع لتصميم.

وخطورة بعض المصطلحات مثل «الإلحاد المنهجي» أو «المذهب الطبيعي المنهجي» تكمن في كونها تبدو وكأنها تؤيد المنظور الإلحادي، وتنقل انطباعاً بأن الألحاد له علاقة بنجاح العلم، وهو ما قد يخالف الواقع تماماً. وحتى تتضح هذه الفكرة في ذهنك، تخيل ما قد يحدث لو استخدم مصطلح «الإيمان المنهجي بالله الخالق» في المؤلفات بدلاً من مصطلح «الإلحاد المنهجي.» ستتعالى الأصوات ضده على الفور من كل حدب وصوب بحجة أنه يترك انطباعاً بأن الإيمان بالله هو ما ساهم في نجاح العلم.

ومع ذلك نجد بعض العلماء المؤمنين بالله يصرون على تعريف العلم بمصطلحات طبيعية صريحة، وهو موقف متناقض. فمثلاً “إرنن ماكمولين” Ernan McMullin يكتب قائلاً: «… المذهب الطبيعي المنهجي لا يقيد دراستنا للطبيعة، ولكنه يحدد نوعية الدراسة التي ترقى إلى مرتبة العلم.

إلا أنه إن أراد أحد أن يتبع منهجاً آخر في دراسة الطبيعة، والمناهج كثيرة، لا يحق لمن يتبع المنهج الطبيعي أن يعترض عليه. ولكن على العلماء أن يسيروا في هذا الاتجاه، فمنهجية العلم لا علاقة لها بالادعاء القائل بأن حدثاً بعينه أو نوعاً معيناً من الأحداث يجب تفسيره مباشرة بناء على فعل الله الخلقي.»

إلا أنه هناك فارقاً بين كلام “ليونتن” وكلام “ماكمولين.” وهو أن “ليونتن” لن يسمح بأي تدخل إلهي، وانتهى الأمر. أما “ماكمولين” يقبل التدخل الإلهي ولكن العلم ليس لديه ما يقوله عنه. فهو يرى أن هناك طرائق أخرى لدراسة الطيبعة، ولكن لا يمكن اعتبارها مناهج علمية، وهكذا يمكن التعامل معها على أنها أقل من حيث قوتها المرجعية. وهنا نقترح أنه لا تعبير “المذهب الطبيعي المنهجي” ولا تعبير “الإيمان المنهجي بالله الخالق” له أي فائدة خاصة، ويفضل تجنب كليها.

إلا أن الامتناع عن استخدام مصطلحات معينة عديمة النفع قصة أخرى تختلف عن القناعات الفلسفية. فما لا يستطيع أي عالم أن يتجنبه هو ما يؤمن به شخصياً من قناعات فلسفية. وتلك القناعات، كما ذكرنا تواً، لا تلعب دوراً كبيراً، أو لا تلعب أي دور يذكر، عندما ندرس الكيفية التي تعمل بها الأشياء، ولكنها قد تلعب دوراً أساسياً عندما ندرس كيف أتت الأشياء إلى الوجود أصلاً، أو عندما ندرس الأشياء التي لها علاقة بفهمنا لأنفسنا باعتبارنا بشراً.

هل دائماً ما نقبل ما يشر إليه الدليل؟

حتى لا نصادر على المطلوب[5] ونعرف العلم بأنه أساساً فلسفة طبيعية تطبيقية، ومن ثم فرضية بديهية من الناحية الميتافيزيقية، فلنفترض أننا نفهمه باعتباره عملية استكشاف للنظام الطبيعي ووضع نظريات تشرحه بحيث نميز روح العلم الحقيقي ونقدرها. وروح العلم هي الرغبة في اتباع الدليل التجريبي حيثما يؤدي. والسؤال المحوري هنا: ماذا يحدث لو أن العمليات الاستكشافية في هذه المجالات بدأت تنتج أدلة تتعارض مع منظورنا الفلسفية، إن كان هذا الأمر وارد الحدوث أصلاً؟

وقد أجرى “كون” Kuhn دراسة شهيرة في هذا الصدد خلص منها إلى أن الصراعات تنشأ عندما يتعارض الدليل التجريبي مع الإطار العلمي المقبول، أو “النموذج” “Paradigm” العلمي المقبول كما أطلق عليه “كون” الذي يعمل وفقاً له معظم العلماء في مجال بعينه. ويعتبر رفض بعض رجال الكنيسة النظر في تلسكوب جاليليو مثالاً كلاسيكياً على ذلك النوع من الصراع.

فلم تكن لديهم الشجاعة الكافية لمواجهة ما ينطوي عليه الدليل المادي من أبعاد، لأنهم لم يحتملوا أن يكون النموذج الأرسطي المفضل لديهم نموذجاً خاطئاً. ولكن لا يمكن اتهام رجال الكنيسة وحدهم بمعاداة العلم. ففي بداية القرن العشرين مثلاً، تعرض علماء الوراثة أتباع نظرية “مندل” Mendel لاضطهاد الماركسيين الذي اعتبروا الأفكار المندلية بخصوص الوراثة لا تتماشى مع الفلسفة الماركسية، مما جعلهم يرفضون السماح لأتباع النظرية المندلية أن يسيروا حيثما يقودهم الدليل.

وهو ما حدث في الإطاحة بالنموذج الأرسطي، فالمعتقدات المترسخة قد تستلزم وقتاُ طويلاً حتى تتراكم الأدلة التي تؤيد نموذجاً جديداً يحل محل النموذج القائم. وذلك لأن أي نموذج علمي لا ينهار بالضرورة لحظة اكتشاف دليل مضاد له، وإن كان لا بد أن نشير هنا إلى أن تاريخ العلم يكشف النقاب عن بعض الأمثلة الجديرة بالذكر. فعندما اكتشف “رذرفورد” Rutherford نواة الذرة، رفض على الفور أحد مبادئ الفيزياء الكلاسيكية، مما خلق فوراً تحولاً في النموذج المعرفي Paradigm Shift. وفي مثال آخر، حل الـ DNA محل البروتين باعتباره المادة الجينية الأولية بين ليلة وضحاها، إن جاز التعبير.

إلا أنه في هذه الحالات لم تنطو هذه الاكتشافات على قضايا فلسفية عميقة غير مريحة. وفي هذا الصدد يقول “توماس ناجل” تعليقاً في محله: «لا شك أن الإرادة تسيطر على العقيدة، بل أحياناً ما تقهرها. وأوضح الأمثلة على ذلك نراها في مجالي السياسة والدين. ولكن العقل المقيد يبقى متخفياً تحت أقنعة فكرية بحتة، ومن أقوى دوافعه نحو قبول هذا القيد الخفي هو تعطشه للعقيدة في ذاتها.

ومن يعانون من هذه الحالة لا يحتملون أن يرجئوا تكوين رأي في موضوع يهمهم. وهم لا يغيرون آراءهم بسهولة إلا إذا وجودا بديلاً يمكنهم تبنيه بارتياح دون أن يسبب لهم توتراً، ولكنهم يكرهون أن يضطروا لتعليق رأيهم فترة من الزمن.»

إلا أنه لا يمكن دائماً تبني البدائل دون شعور بشيء من التوتر وخاصة في المسائل التي تتعرض فيها الفلسفات الحياتية للتهديد من جانب الأدلة المغايرة، حيث تحدث مقاومة شديدة قد تصل إلى حد العداء لأي شخص يريد أن يتبع الدليل حيثما يؤدي ويتطلب الأمر شخصاً قوياً يسبح ضد التيار ويتحمل ما قد يتعرض له من نقد لاذع من أقرانه. ومع ذلك، فبعض القامات الفكرية الشامخة تفعل ذلك بالضبط.

فقد كتب “أنتوني فلو” Anthony Flew: «لقد سارت حياتي كلها وفقاً لمبدأ سقراط معلم أفلاطون» عقب تحوله من الإلحاد إلى الإيمان بالله الخالق. وهو يقول أيضاً: «اتبع الدليل حيثما يقودك.» ولكن ماذا لو كان الناس لا يحبون ذلك؟ وهو يجيب عن ذلك قائلاً: «يا له من أمر محزن.»

 

ملخص ما نوقش حتى الآن:

يبدو إذن أن هناك طرفي نقيض علينا تجنبهما. الأول هو النظر إلى العلاقة بين العلم والدين باعتبارها مجرد صراع. والثاني هو النظر إلى العلم كله باعتباره محايداً من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية. وكلمة “كله” مهمة في هذا السياق لأنه من السهل ألا نضع الأشياء في حجمها الطبيعي ونرى العلم كله تحت رحمة الفلسفة. ولكن أؤكد أن مساحات شاسعة من العلم ما زالت كما هي دون أن تتأثر بالاعتبارات الفلسفية. ولكن ليس كل المجالات العلمية هكذا، وهنا تكمن المشكلة.

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

حدود التفسير العلمي:

العلم يفسر. يرى الكثيرون أن هذه الجملة تلخص قدرة العلم وإبهاره. إن العلم يمكننا من فهم ما لم نفهمه من قبل، وهو يساعدنا في السيطرة على الطبيعة بفضل ما يزودنا به من فهم لها. ولكن ما مقدار ما يفسره العلم؟ هل هناك حدود لقدرة العلم على التفسير؟

البعض لا يظن ذلك، ومن الماديين من يظنون أن العلم هو الطريق الوحيد للحق، وهو قادر على تفسير كل شيء. وذلك من حيث المبدأ على الأقل. ويطلق على هذا الموقف “المذهب العلمي” “Scientism[6]. ويعبر “بيتر أتكينز” عن هذا الموقف تعبيراً كلاسيكياً بالقول: «ليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود.» وهذا هو جوهر المذهب العلمي بإيجاز.

وأمثال “أتكينز” الذين يتبنون هذا الموقف يعتبرون أن كل الحديث عن الله والدين والخبرة الدينية يقع خارج نطاق العلم، مما يجعله غير صحيح موضوعياً. ولكنهم يعترفون طبعاً أن الكثيرين يفكرون في الله، ويدركون أن التفكير في الله يمكن أن يأتي بآثار نفسية، أو حتى جسدية قد يكون بعضها مفيداً. ولكنهم يرون أن التفكير في الله يشبه التفكير في بابا نويل، أو التنانين، أو الغيلان، أو الجن والجنيات الموجودة في آخر الحديقة.

ويشير “ريتشارد دوكينز” إلى هذه النقطة في إهدائه لكتابه “وهم الإله” لذكرة “دوجلاس آدامز” Douglas Adams باقتباسه لأحد أقواله: «ألا يكفينا أن نرى جمال الحديقة دون أن نعتقد أن هناك جنيات في نهايتها؟»

إن التفكير في الجنيات والافتتان بها أو الخوف منها لا يعني أنها موجودة بالفعل. ولذلك، فالعلماء الذي نتحدث عنهم (غالباً ولكن ليس دائماً كما رأينا) يسعدون بأن يتركوا الناس يستمرون في التفكير في الله والدين إن أرادوا، طالما أنهم لا يزعمون أن الله له أي وجود موضوعي، أو أن الاعتقاد الديني يمثل نوعاً من المعرفة. أي أن العلم والدين يمكن أن يتعايشا سلمياً طالما أن الدين لا يغزو مملكة العلم. وذلك لأن العلم فقط هو ما يمكنه أن يخبرنا بما هو صحيح موضوعياً، أي أن العلم وحده هو الذي يزودنا بالمعرفة. فالعلم يتعامل مع الواقع والدين لا يفعل ذلك.

إلا أن بعض عناصر هذه الفرضيات والمزاعم في منتهى الغرابة حتى أنها تتطلب التعليق عليها فوراً. ولنأخذ قول “دوجلاس آدامز” الذي يقتبسه “دوكينز” أعلاه، فهو يكشف السر عن غير قصد لأنه يبين أن “دوكينز” متهم بارتكاب خطأ طرح بدائل خاطئة إذ يرجح أنه إما توجد جنيات أو لا يوجد شيء. فالجنيات في نهاية الحديقة قد تكون وهماً بالفعل، ولكن ماذا عن البستاني، ناهيك عن المالك؟ لا يمكن رفض احتمالية وجودهما بهذه البساطة، فالواقع أن كليهما موجود في معظم الحدائق.

خذ أيضاً الادعاء بأن العلم وحده هو القادر على توصيل الحق، لو كان هذا الادعاء صحيحاً، لقضى دفعة واحدة على الكثير من المواد التي تدرس في المدارس والجامعات. وذلك لأن تقييم الفلسفة والأدب والفن والموسيقا يقع خارج نطاق العلم بهذا المفهوم الضيق. فكيف يمكن للعلم أن يخبرنا ما إذا كانت قصيدة ما سيئة أو رائعة؟ لا أظن أنه يمكنه ذلك بقياس أطوال الكلمات أو ترددات الحروف المكونة لها.

وكيف يمكن للعلم أن يخبرنا بما إذا كانت إحدى اللوحات تمثل تحفة فنية أم أنها مجرد خليط ألوان بلا معنى؟ بالتأكيد لا يستطيع أن يفعل ذلك بتحليل الرسم واللوحة كيميائياً. وهكذا، يقع تعليم الأخلاق خارق نطاق العلم. فالعلم يمكنه أن يخبرك بأنك لو وضعت سماً في مشروب شخص، سيموت. ولكنه لا يقدر أن يخبرك عن مدى صحة ما تفعله من الناحية الأخلاقية عندما تضع سماً في شاي جدتك حتى تستولي على ممتلكاتها.

وفي كل الأحوال، الادعاء القائل بأن العلم وحده هو الذي يزودنا بالمعرفة يعتبر واحداً من الادعاءات التي تدحض نفسها بنفسها التي يحلو لبعض المناطقة أمثال “برتراند رسل” Bertrand Russel الإشارة إليها. ولكن المدهش أن «رسل” نفسه انضم لهذا الموقف عندما كتب يقول: “كل ما يمكن التوصل إليه من معرفة، لا بد أن نتوصل إليه بطرق علمية، وما يمكن لا للعلم اكتشافه، لا يمكن للبشرية أن تعرفه.»

ولكي نكتشف التناقض في هذه العبارة، ليس علينا سوى أن نسأل: كيف عرف “رسل” ذلك؟ وذلك لأن عبارته نفسها ليس عبارة علمية، فإن كانت صحيحة (بناء على العبارة نفسها)، إذن لا سبيل إلى معرفتها، ومع ذلك فهو يؤمن أنها صحيحة.

 

كعكعة الخالة ماتيلدا:

لعل مثالاً بسيطاً يساعدنا أن نقتنع بمحدودية العلم. فلنتخيل أن خالتي ماتيلدا خبزت كعكة جميلة وأننا أخذناها لمجموعة من أعظم علماء العالم لتحليلها. وباعتباري مغرماً باتباع الإجراءات والقواعد، طلب منهم شرحاً للكعكة، فانصرفوا جميعاً إلى العمل. علماء التغذية سيخبروننا بعدد السعرات الحرارية التي تحتويها الكعكة وأثرها الغذائي. وعلماء الكيمياء الحيوية سيخبروننا بتركيب البروتينات، والدهون، وغيرهما من العناصر التي تحتوي عليها الكعكة.

والكيميائيون سيتحدثون عن العناصر المكونة للكعكة وروابطها الكيميائية، والفيزيائيون سيتمكنون من تحليل الجسيمات الأولية للكعكة، وعلماء الرياضيات سيقدمون لنا طبعاً مجموعة من المعادلات العبقرية التي تصف سلوك تلك الجسيمات.

والآن بعد أن قدم لنا هؤلاء الخبراء وصفاً شاملاً للكعكة، كل حسب تخصصه العلمي، هل يمكننا أن نقول إنه أصبح لدينا شرح كامل للكعكة؟ المؤكد أننا حصلنا على وصف كيفية صمع الكعكة وكيفية اتصال عناصرها المتنوعة بعضها ببعض، ولكن هب أني سألت هذه المجموعة من الخبراء سؤالاً أخيراً: لماذا صنعت الكعكة؟ ستكشف الابتسامة العريضة على وجه الخالة ماتيلدا أنها تعرف الإجابة لأنها هي من صنعت الكعكة، وقد صنعتها لغرض.

ولكن كل علماء العالم في التغذية، والكيماء الحيوية، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات لن يتمكنوا من إجابة السؤال، والاعتراف بعجزهم عن الإجابة لا يقلل من شأن علومهم. فتخصصاتهم التي يمكنها التعامل مع الأسئلة المتعلقة بطبيعة الكعكة وتركيبها، أي التي تجيب عن أسئلة “كيف”، لا يمكننا أن تجيب عن أسئلة “لماذا” التي تتناول غرض صنع الكعكة. والحقيقة أن السبيل الوحيد للحصول على إجابة هو الخالة ماتيلدا نفسها. ولكنها إن لم تفصح عن الإجابة، فالحقيقة الأكيدة أنه لا يمكن لأي قدر من التحليل العلمي أن ينير لنا هذه المساحة.

ولكن أن نقول مثل “برتراند رسل” إنه ما دام العلم لا يستطيع أن يخبرنا بالسبب الذي دعا الخالة ماتيلدا إلى صنع الكعكة، فلا يمكننا أن نعرف لماذا صنعتها هن خطأ بين؟ لأن كل ما علينا أن نسألها. فالزعم القائل بأن العلم هو الطريق الوحيد للحق زعم ليس جديراً بالعلم نفسه.

ويشير السير “بيتر مداوار” Peter Medawar الحائز على جائزة نوبل إلى هذه الفكرة في كتابه الرائع “نصائح لعالم شاب” Advice to a Young Scientist: «أسرع وسيلة يسيء بها العالم إلى سمعته ومهنته أن يصرح بكل جرأة، وخاصة عندما لا يكون هناك ما يتطلب هذا التصريح، أن العلم يعرف أو سيعرف قريباً إجابات كل الأسئلة التي تستحق أن تسأل، وأن الأسئلة التي لا تعترف بالإجابة العلمية إما ليست أسئلة أو “أسئلة زائفة” لا يطرحها سوى السذج ولا يحاول الإجابة عنها سوى البلهاء.»

ويستطرد “مداوار” قائلاً: «إلا أن محدودية العلم تتضح في عجزه عن إجابة الأسئلة البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الأولى والأخيرة، مثل «كيف بدأ كل شيء؟»، «ما غرض وجودنا؟»، «ما مغزى الحياة؟» ويضيف قائلاً إننا إذا أردنا إجابات عن مثل هذه الأسئلة، علينا أن نلجأ للأدب الخيالي وللدين. ويؤكد هذه الفكرة “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم بقوله: «العلم عاجز عن إجابة بعض الأسئلة مثل: “لماذا أتى الكون إلى الوجود؟” “ما معنى الوجود البشري؟” “ماذا يحدث بعد الموت؟”»

ومن هنا يتضح أنه لا تناقض في أن يكون المرء عالماً على أعلى مستوى، ملتزماً بعلمه وشغوفاً به ويدرك في الوقت نفسه أن العلم لا يستطيع الإجابة عن كل أنواع الأسئلة، بما فيها بعض من أعمق الأسئلة التي يمكن للبشر أن يسألوها.

ولكن من الإنصاف أن نقول أيضاً إن “رسل” رغم أنه كتب تلك العبارة المذكورة آنفاً التي تبدو علمية للغاية، أشار في موضع آخر أنه لم ينضم لمعسكر المذهب العلمي بكامل خصائصه. إلا أنه يعتقد أن كل المعرفة المؤكدة تنتمي للعلم، وهو موقف يبدو طبعاً أنه يعكس بوادر المذهب العلمي، ولكنه سرعان ما يستطرد قائلاً إن معظم الأسئلة المهمة تقع خارج اختصاص العلم: «هل العالم ينقسم إلى عقل ومادة، وإن كان كذلك، فما هو العقل، وما هي المادة؟

وهل العقل خاضع للمادة، أم أنه يتمتع بقوى مستقلة؟ هل في الكون أي وحدة أو غرض؟ هل يتجه نحو غاية ما؟ هل هناك بالفعل قوانين للطبيعة، أم أننا نؤمن بوجود قوانين نظراً لميلنا الفطري للنظام؟ هل الإنسان هو ما يبدو لعالم الفلك، كتلة صغيرة من الكربون غير النقي والماء يزحف ضعيفاً على كوكب صغير ضئيل القيمة؟ أم أنه كما يراه هاملت؟ هل هناك أسلوب حياة نبيل وآخر دنيء أم أن كل أساليب الحياة باطلة؟ …. هذه الأسئلة ليس لها إجابات في المعمل.»

إن ما نقوله الآن معروف منذ زمن أرسطو الذي اشتهر بتمييزه بين ما أطلق عليه العلل الأربع: العلة المادية Material Cause (المادة التي صنعت منها الكعكة)، والعلة الصورية Formal Cause (الصورة التي تتخذها المواد)، والعلة الفاعلة Efficient Cause (عمل الخالة ماتيلدا للكعكة)، والعلة الغائية Final Cause (غرض صنع الكعكة، وليكن عيد ميلاد شخص ما). والعلة الرابعة في علل أرسطو، ألا وهي الغائية هي التي تتجاوز نطاق العلم.

ويكتب “أوستن فارر” Austin Farrar قائلاً: «كل علم يتخير جانباً واحداً في العالم ويشرحه. وكل ما يقع خارج هذا المجال يقع خارج نطاق العلم. وبما أن الله ليس جزءًا من العالم، وبالتالي ليس أحد جوانبه، فكل ما يقال عنه، مهما كانت صحته، يستحيل أن ينتمي لأي علم.»

وفي ضوء ذلك يتضح أن عبارة “بتير أتكينز”: «ليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود» (مقتبسة عاليه) وعبارته «ليس هناك ما لا يمكننا فهمه» لا أساس لهما من الصحة على الإطلاق.

ولذلك لا عجب أنه يدفع ثمناً غالياً لما ينسبه للعلم من كفاءة مطلقة: «العلم لا يحتاج لغرض… فكل ما في العالم من ثراء أخاذ رائع يمكن تفسيره بأنه نما من وسط كومة روث من الفساد المترابط الذي لا غرض له.» وهو ما يدعوني للتساؤل عما يفيد الخالة ماتيلدا في هذا الكلام بوصفه التفسير النهائي لصنع الكعكة التي أعدتها لعيد ميلاد ابن أختها جيمي، بل باعتبارها التفسير النهائي لوجودها ووجود كل من جيمي وكعكة عيد الميلاد. ولو أتيحت لها فرصة الاختيار، أظن أنها ستفضل «الحساء الأساسي»[7] Primeval Soup»» على «كومة روث من الفساد.»

إلا أن القول بعجز العلم عن إجابة الأسئلة التي تتناول الغرض النهائي يختلف عن رفض الغرض نفسه باعتباره وهماً لأن العلم لا يستطيع التعامل معه. ولكن “آتكينز” يصل بماديته إلى خلاصتها المنطقية، أو ربما ليس كذلك بالضبط. ففي كل الأحوال، وجود كومة روث يفترض مسبقاً وجود كائنات قادرة على إنتاج الروث! وإلا فمن الغريب أن نتخيل روثاً يخلق المخلوقات. وإن كانت “كومة روث من الفساد” (تمشياً مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية)، فلنا أن نتساءل كيف يمكن أن يسير الفساد في اتجاه عكسي؟ يا لها من مسألة محيرة!

ولكن ما يدمر المذهب العلمي تماماً هو ما يعيبه من تناقض مميت. فلسنا بحاجة لحجة خارجية تفند المذهب العلمي لأنه يدمر نفسه بنفسه، ويلاقي المصير الذي لقيه فيما سبق مبدأ التحقق Verification Principle الذي شكل صميم فلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism. وذلك لأن عبارة أن العلم وحده هو الذي يقود للحق لم تستنتج من العلم. فهذه العبارة نفسها ليس تصريحاً علمياً ولكنها تصريح «عن العلم» Metascientific.

ومن ثم، إن كان المبدأ الأساسي في المذهب العلمي صحيحاً، فلا بد أن يكون التصريح الذي يعبر عن المذهب العلمي خاطئاً. فالمذهب العلمي يفند نفسه، مما يجعله متناقضاً مع نفسه. ولذلك، فما يراه “مداوار” من محدودية العلم ليس إهانة للعلم. بل على العكس تماماً، لأن أولئك العلماء الذين يطلقون ادعاءات مبالغة دفاعاً عن العلم هم الذين يظهرونه في مظهر مخجل. فقد ابتعدوا دون قصد، وربما دون وعي، عن الاشتغال بالعلم إلى الاشتغال بالأساطير، والأساطير المتناقضة.

ولكن قبل أن نترك الخالة ماتيلدا لا بد أن نلاحظ أن قصتها البسيطة تساعدنا في استجلاء شيء آخر يسبب نوعاً من التشوش. لقد رأينا أن التفكير العلمي وحده لا يمكنه اكتشاف سبب صنعها للكعكة، وأنها لا بد أن تكشف لنا السبب بنفسها. ولكن ذلك لا يعني أنه من هذ النقطة فصاعداً يصبح العقل غير ذي صلة بالموضوع ولا يعني أنه يتعطل عن العلم. بل العكس هو الصحيح، لأن فهم ما تقوله عندما تخبرنا عمن صنعت له الكعكة يتطلب منا استخدام العقل.

هذا بالإضافة إلى أننا نحتاج للعقل لتقيم مصداقية تفسيرها. فإن قالت إنها صنعت الكعكة لابن شقيقتها جيمي ونحن نعلم أن شقيقتها ليس لها ابن بهذا الاسم، سنشك في شرحها. ولكن إن كنا نعلم أن ابن شقيقتها اسمه جيمي، عندئذ يكون تفسيرها معقولاً. أي أن العقل ليس ضد الإعلان، ولكن إعلانها لغرض صنع الكعكة يزود العقل بمعلومات لا يمكن للعقل وحده التوصل إليها. ولكن لا غنى عن العقل لمعالجة تلك المعلومات. فالفكرة أنه حيثما لا يكون العلم هو المصدر الذي نستقي منه معلوماتنا، لا يمكننا أن نفترض تلقائياً أن العقل توقف عن العمل وأن الدليل لم يعد له مكان.

ومن ثم، عندما يزعم المؤمنون بالله أنه يوجد شخص علاقته بالكون مثل علاقة الخالة ماتيلدا بالكعكة، وأن ذلك الشخص أعلن سبب خلق الكون، فهم لا يهجرون العقل والمنطق والدليل على الإطلاق. ولكنهم يقولون إن بعض الأسئلة لا يمكن للعلم وحده أن يجيب عنها وإن الإجابة عنها تتطلب مصدراً آخر للمعلومات، وهو في هذه الحالة إعلان من الله الذي يستلزم العقل لفهمه وتقييمه. وهذه هي الروح التي تحدث بها “فرانسيس بيكون” عن الكتابين اللذين أعطانا الله إياهما: كتاب الطبيعة، والكتاب المقدس. والعقل والمنطق والدليل تنطبق جميعاً على كليهما.

 

الله: هل هو فرضية لا لزوم لها؟

لقد حقق العلم نجاحاً مذهلاً في سبر أغوار طبيعة الكون المادي وتفسير الآليات التي يعمل الكون وفقاً لها. وقد أسفر البحث العلمي أيضاً عن القضاء على الكثير من الأمراض الفتاكة، وبعث الأمل في القضاء على المزيد منها. وكان للبحث العلمي أثر آخر في اتجاه مختلف تماماً، فقد حرر الكثيرين من البشر من المخاوف الخرافية. فلم يعد الناس مثلاً مضطرين للاعتقاد بأن خسوف القمر يسببه روح شرير مرعب عليهم استرضاؤه. ولا بد أن نكون في غاية الامتنان على كل هذه الإسهامات وغيرها الكثير.

ولكن في بعض المجالات أدى نجاح العلم عينه أيضاً إلى فكرة مفادها أننا ما دمنا نفهم آليات الكون دون إدخال الله، يمكننا أن نستنتج بثقة أنه لم يكن هناك أصلاً إله صمم الكون وخلقه. إلا أن هذا التفكير ينطوي على مغالطة منطقية شائعة يمكننا توضيحها بالمثل التالي.

تخيل مثلاً سيارة ماركة فورد. مفهوم أن شخصاً من بقعة نائية في العالم يراها لأول مرة ولا يعلم شيئاً عن الهندسة الحديثة قد يتخيل أن إلهاً ما (مستر “فورد”) داخل هذه الآلة هو الذي يسيرها. وقد يتخيل أيضاً أنه عندما تسير العربة بهدوء فهذا يعني أن مستر “فورد” راض عنه، ولكنها عندما ترفض السير فهذا يعني أن مستر “فورد” غير راض عنه. ولكنه طبعاً إذا درس الهندسة بعد ذلك وفكك المحرك سيكتشف أن مستر “فورد” لا يقبع داخله.

ولن يحتاج ذكاءً خارقاً حتى يفهم أنه لم يكن بحاجة لإقحام مستر “فورد” لفهم كيفية عمل السيارة. فإدراكه للقوانين اللاشخصانية التي لا علاقة لها بشخص وتحكم عملية الاحتراق الداخلي كاف تماماً لتفسير عمل السيارة. حتى الآن كل شيء على ما يرام. ولكنه إذا قرر بعدئذ أن فهمه للقوانين التي تشرح كيفية عمل المحرك تلغي اعتقاده في وجود مستر “فورد” الذي صمم المحرك أصلاً. يكون قد ارتكب خطأ بيناً، يطلق عليه بلغة الفلسفة خطأ تصنيفي Category Mistake فلو لم يوجد مطلقاً مستر “فورد” ولم يصمم آليات المحرك، لما وجد صاحبنا هذا أي آليات ليفهمها.

وهكذا فإن الافتراض القائل بأن فهمنا للقوانين اللاشخصانية التي يعمل الكون وفقاً لها تجعل الإيمان بوجود خالق شخصاني صمم الكون وصنعه ويحفظه لا لزوم له أو مستحيلاً، هو افتراض يمثل خطأ تصنيفياً. أي أننا يجب ألا نخلص بين الآليات التي يعمل الكون وفقاً لها مع مسببه وحافظه.

والقضية الأساسية هنا أن من يظهرون وكأنهم يفكرون تفكيراً علمياً مثل “آتكينز” أو “دوكينز” يعجزون عن التمييز بين الآلية التي تعمل من خلالها الطبيعية والفاعلية وراء هذه الآلية Agency التي تحكم عمل الطبيعة. فهم بلغة الفلسفة يرتكبون خطأ تصنيفياً بدائياً جداً عندما يقولون إننا ما دمنا نفهم الآلية التي تفسر ظاهرة بعينها، فليس من فاعل Agent صمم الآلية.

وعندما اكتشف السير إسحق نيوتن قانون الجاذبية الكوني، لم يقل: «لقد اكتشفت آلية تشرح حركة الكواكب. لذا، فليس هناك إله فاعل صممها.» بل على العكس، فهمه لكيفية عملها زاده إعجاباً بالله الذي صممها على هذا النحو.

ويعبر “مايكل بول” Michael Poole عن هذه الفكرة في مناظرته المنشورة مع “ريتشارد دوكينز” بقوله: «…. لا تضارب منطقي بين التفسيرات التي تقدم أسباباً فيما يتعلق بالآليات، والتفسيرات التي تقدم أسباباً فيما يتعلق بخطط فاعل ومقاصده، سواء أكان بشرياً أم إلهياً. وهي نقطة منطقية لا علاقة لها بالإيمان بالله أو عدم الإيمان به.»

ولكن عالم الرياضيات الفرنسي “لابلاس” يتجاهل هذه الفكرة المنطقية كلية في تصريح شهير له دائماً ما يساء استخدامه لدعم الإلحاد. فعندما سأله نابليون عن موضع الله في عمله الرياضي، أجاب “لابلاس”: «سيدي، لست بحاجة لهذه الفرضية.» وقد كان محقاً. فالله طبعاً لم يظهر فيما قدمه “لابلاس” من وصف رياضي للكيفية التي تعمل بها الأشياء، تماماً كما لم يظهر مستر “فورد” في الوصف العلمي لقوانين الاحتراق الداخلي.

ولكن علام يبرهن ذلك؟ أنه لا يوجد شخص اسمه “هنري فورد”؟ بالطبع لا. وهكذا هذه العبارة لا تثبت عدم وجود الله. ويعلق “أوستن فارر” على واقعة “لابلاس” قائلاً: «بما أن الله ليس قاعدة في حركة القوى، ولا هو إحدى القوى، فأي جملة عن الله لا يمكن أن تلعب أي دور في الفيزياء أو الفلك… ويمكننا أن نسامح “لابلاس”، فقد كان يجيب شخصاً عديم الخبرة حسب جهله، ولا أريد أن أقول جاهلاً حسب حماقته.

إلا أنه عندما أخذ البعض إجابته باعتبارها ملاحظة ذات ثقل، فقد سببت لهم قدراً كبيراً من التضليل. ولكن “لابلاس” وزملاؤه لم يستغنوا عن اللاهوت، بل تعلموا ألا يتدخلوا فيه ويلتزموا بحدود علمهم.» ولكن هب أن نابليون طرح سؤالاً مختلفاً على “لابلاس”: «لماذا يوجد كون أصلاً وتوجد فيه مادة وجاذبية، وأجسام تتكون من المادة وتتحرك وفقاً للجاذبية وتصف المدارات التي تعبر عنها في معادلاتك الرياضية؟» سيكون من الصعب أن يقول إن وجد الله لا علاقة له بذلك السؤال. ولكن “لابلاس” لم يُسأل ذلك السؤال، ومن ثم، لم يجب عنه.

 

[1] يعرف “قاموس أكسفورد” “الميتافيزيقا” Metaphysics بأنها المبحث الفلسفي الذي يتناول المبادئ الأولى للأشياء، بما فيها المفاهيم المجردة كالكينونة، والمعرفة، والجوهر، والعلة، والهوية، والمكان، والزمان. أي أنه يتناول ما هو خارج المادة، مقابل العلم الذي يتناول ما هو مادي. (المترجم)

[2] حركة فكرية نشأت في أوربا في أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تؤكد قيمة العقل والفردية في مقابل التقليد. (المترجم)

[3] اتجاه فكري معاصر يرفض الاعتراف بالمطلقات. (المترجم)

[4] خطأ فلسفي يعني تقديم أشياء تنتمي لفئة معينة وكأنها تنتمي لفئة أخرى مغايرة. وقد يعني أيضاً نسب صفة أو فعل لشيء معين لا تنطبق عليه هذه الصفة ولكنها تنطبق على فئة أخرى من الأشياء، مثل التعامل مع المفاهيم المجردة وكأن لها موقعاً مادياً. (المترجم).

[5] المصادرة على المطلوب begging the question إحدى المغالطات المنطقية التي فيها تفترض صحة المسألة المطلوب البرهنة عليها من البداية بهدف البرهنة عليها. (المترجم)

[6] المقطع ism في اللغة الإنجليزية يستخدم في نهايات العديد من الكلمات ويشير ضمن معانيه إلى منظومة أو مذهب أو قناعة أو حركة فكرية، أي أنه لا يمت بصلة لمبدأ علمي ثبتت صحته بالدليل أو بالتجريب. وعادة ما يترجم في العربية إلى كلمة “مذهب” (المترجم).

[7] نظرية ترجح أن الحياة بدأت في بركة أو محيط نتيجة لخليط من المواد الكيميائية من الغلاف الجوي وشكل من أشكال الطاقة لتكوين الحماض الأمينية (http://leiwenwu-tripod.com/primordials.htm) تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/12/2015 (المترجم)

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

 

«يستحيل مصالحة العلم والدين.» “بيتر أتكينز” Peter Atkins

 

«كل دراساتي العلمية…. أكدت إيماني.» السير “جيليان برانس” Ghillean Prance زميل الجمعية الملكية

 

«عندما يقول لك أي شخص شيء ما إنه حق، اقترح أن تقول له: “ما الدليل على ذلك؟” وإن عجز عن تقديم إجابة شافية، فأرجوا أن تفكر ملياً قبل أن تصدق كلمة واحدة مما يقول.» “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins زميل الجمعية الملكية

 

 

إقرأ أيضًا: 

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

 

المسمار الأخير في نعش الله؟

من الانطباعات السائدة والرائجة حالياً أن كل تقدم علمي جديد يمثل مسماراً جديداً في نعش الله، وهو انطباع يستمد قوته من المفكرين العلميين المؤثرين. فها هو “بيتر آتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامة أكسفورد، يكتب قائلاً: «على البشرية أن تقبل أن العلم قضى على أي داع للاعتقاد في غرض كوني، وأنه وجدت أي بقية من غرض فهي مجرد إيحاء عاطفي.»[1] ولكن كيف يمكن للعلم، الذي لا يفترض فيه التعامل مع مسألة الغرض (الكوني) أصلاً، أن يفعل ذلك؟ فهذا أمر غير واضح كما سنرى فيما بعد.

ولكن الواضح أن “آتكينز” يختزل الإيمان بالله بكل بساطة إلى مجرد عاطفة، وعاطفة معادية للعلم. ولكن “آتكينز” ليس وحده. بل إن “ريتشادر دوكينز” Richard Dawkins يتفوق عليه ويخطو خطوة أبعد معتبراً الإيمان بالله شراً يجب القضاء عليه، وذلك عندما قال: «يشيع حالياً الكلام عما يهدد البشرية من أخطار فيروس الإيدز، ومرض “جنون البقر” والكثير غيرهما، ولكني أظن أن الإيمان يمثل واحداً من الشرور العظمى في العالم، يضاهي فيروس الجدري، ولكن القضاء عليه أصعب، فالإيمان، من حيث إنه اعتقاد لا يقوم على دليل هو الرذيلة الأساسية في أي دين»[2].

ومؤخراً أصبح “دوكينز” يرى أن الإيمان ارتقى (إن كان هذا هو المصطلح الصحيح) من مرتبة الرذيلة إلى مرتبة الوهم. فهو يستشهد في كتابه “وهم الإله”[3] The God Delusion يقول “روبرت بيرسيج” Robert Pirsig مؤلف “الزن وفن صيانة الدرجات البخارية” Zen and the Art of Motorcycle Maintenance الذي قال: «عندما يعاني أحد الأشخاص من وهم، يطلق على هذه الحالة جنون. ولكن عندما يعاني كثيرون من هوم، يطلق عليها دين.» والله ليس مجرد وهم، بل وهم مميت.

وتمثل هذه الآراء الحد الأٌقصى الأكثر تطرفاً ضمن مجموعة ضخمة من الآراء التي نخطئ لو اعتبرناها متماثلة. فالكثير من الملحدين غير راضين عما تتميز به هذه الآراء من لهجة حادة عدائية، بل قمعية واستبدادية. ولكن كما هو الحال دائماً، هذه الآراء المتطرفة هي التي تجذب الاهتمام الجماهيري والإعلامي، مما يؤدي إلى اطلاع الكثيرين عليها وتأثرهم بها. ولذلك من الحماقة أن نتجاهلها. ولكن علينا أن نأخذها مأخذ الجد.

ويتضح مما يقوله “دوكينز” أنه من العوامل التي أشعلت عداءه ضد الإيمان بالله هو الانطباع الذي تكون لديه (للأسف) بأنه بينما «تقوم القناعة العلمية على دليل يمكن التحقق منه وإعلانه للجميع، يفتقر الإيمان الديني للدليل، بل إن استغناءه عن الأدلة هو سر نشوته التي يصدح بها بأعلى صوته.»[4] أي أنه يعتبر أن كل الإيمان الديني إيمان أعمى. وإن كان الأمر كذلك، فربما يستحق فعلاً أن يوضع في فئة الجدري.

ولكننا عملاً بنصيحة “دوكينز” نطرح هذا السؤال: ما الدليل على أن الإيمان الديني لا يقوم على دليل؟ وهنا لا بد أن نعترف أنه للأسف بعض من يعلنون إيمانهم بالله يعادون العلم والتنوير. وهو موقف يدعو للأسف ويسيء للإيمان بالله. ويبدو أن “ريتشارد دوكينز” منى بمقابلة عدد كبير جداً من أصحاب هذا الموقف.

ولكن هذا لا ينفي أن التيار العام في المسيحية يؤكد أنه لا انفصال بين الإيمان والدليل. بل إن الإيمان عبارة عن تجاوب مع الدليل، وليس ابتهاجاً بغياب الدليل. والرسول يوحنا يكتب في سيرة حياة يسوع قائلاً: «وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا….»[5] أي أنه يدرك أن يكتبه هو جزء من الأدلة التي يقوم عليها الإيمان. والرسول بولس يقول ما آمن به الكثير من رواد العلم الحديث، ألا وهو إن الطبيعة نفسها تمثل جزءًا من الدليل على وجود الله: «لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر.»[6]

فالإيمان الذي لا يقوم على دليل ليس له أي أساس في الكتاب المقدس. والإيمان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقل والدليل كما هو الحال في العلم. ومن ثم، فتعريف “دوكينز” للإيمان بأنه “إيمان أعمى” يتناقض تماماً مع التعريف الكتابي. والغريب أنه لا يدرك هذا التباين. فهل هذا ناتج عن إيمانه الأعمى؟

وهكذا فإن تعريف “دوكينز” الفريد للإيمان يمثل نموذجاً صارخاً لنوع التفكير الذي يزعم أنه يمقته، ألا وهو التفكير الذي لا يقوم على دليل. وذلك لأن التناقض المروع الذي وقع فيه يتمثل في عجزه عن تقديم دليل على ادعائه بأن غيار الدليل هو سر نشوة الإيمان. ولا يصف اكتشاف عجزه عن تقديم الدليل، وذلك لأن الدليل غير موجود أصلاً. ولسنا بحاجة لبذل جهد جبار في البحث لنتحقق من أن تعريف “دوكينز” للإيمان لا يلقى تأييد أي من أساتذة الكتاب المقدس أو المفكرين المسيحيين الجاديين. ويقول “فرانسيس كولينز” Francis Collins عن تعريف “دوكينز” إنه بالتأكيد «لا يصف إيمان معظم المؤمنين الجادين على مر التاريخ، ولا إيمان غالبية من أعرفهم شخصياً.»[7]

وفكرة “كولينز” مهمة لأنها تبين أن الملحدين الجدد New Atheists في رفضهم للإيمان كله باعتباره إيماناً أعمى يسددون ضربة قوية لمصداقيتهم كما يقول “جون هوت” John Haught: «إن غراباً واحداً أبيض كاف لإثبات أن ليس كل الغربان سوداء. ولذلك، من المؤكد أن وجود عدد لا نهائي من المؤمنين يرفضون تعريف الملحدين الجدد الساذج للإيمان كاف للتشكيك في مدى انطباق تحليلاتهم النقدية على فئة كبيرة جداً من المتدينين.»[8]

ويوضح “أليستر ماجراث”[9] Alister McGrath في تقييمه الذي صدر مؤخراً لموقف “دوكينز”، وهو تقييم سهل الفهم، أن “دوكينز” لم يتعامل مطلقاً مع مفكرين مسيحيين جادين. فما حكمنا إذن على مقولته العظمية: «عندما يقول لك أي شخص عن شيء ما إنه حق، اقترح أن تقول له: “ما الدليل على ذلك؟” وإن عجز عن تقديم إجابة شافية، فأرجو أن تفكر ملياً قبل أن تصدق كلمة واحدة مما يقول؟»[10] ومقولة “دوكينز” عينها تغرينا أن نطبقها عليه شخصياً ولا نصدق كلمة مما يقول.

ولكن “دوكينز” ليس الوحيد الذي يعتنق هذه الفكرة المغلوطة من أن الإيمان بالله لا يقوم على أي دليل. فالخبرة تثبت أنه اعتقاد شائع بين العلماء، حتى وإن اختلفت أساليب صياغته. فمن العبارات التي كثيراً ما نسمعها أن الإيمان «الإيمان بالله يختلف عن الإيمان الذي نمارسه في العلم»، أي أنه باختصار «إيمان أعمى.» وسوف نتناول هذه القضية بمزيد من التفصيل في الفصل الرابع في الجزء الخاص بإمكانية فهم الكون بشكل عقلاني.

ولكننا سنبدأ بإلقاء نظرة سريعة على الإيمان بالله أو عدم الإيمان به في الوسط العلمي. ومن الدراسات المثيرة التي أجريت في هذا المجال دراسة مسحية أجراها “إدوارد لارسن” Edward Larsen بالتعاون مع “لاري ويذام” Larry Witham سنة 1996 ونشرت في جريدة “نيتشر” Nature[11]. وذلك لأن دراستهما كانت تكراراً لدراسة مسحية أجراها البروفسور “ليبا” Leuba سنة 1916 حيث سأل 1000 عالم (اختيروا عشوائياً من نسخة 1910 من دليل العلماء American Men of Science) عما إذا كانوا يؤمنون بإله يستجيب الصلاة وبخلود الإنسان، وهو إيمان محدد يختلف عن مجرد الإيمان بوجود كائن إلهي.

وكانت نسبة من أجابوا عن السؤال 70٪، منهم 41,8٪ قالوا نعم، و41،5٪ أجابوا لا، و16،7٪ لا أدريون[12]. وسنة 1996 كانت نسبة من أجابوا 60٪، منهم 39,6٪ أجابوا بنعم، و45,5٪ قالوا لا، و14,9٪ لا أدريون*. وقد قدمت الصحافة تفسيرات مختلفة لهذه الإحصائيات وفقاً لمبدأ نصف الكوب المملوء ونصفه الفارغ. فقد استخدمها البعض دليلاً على بقاء الإيمان، في حين استخدمها البعض الآخر دليلاً على استمرارية عدم الإيمان. ولكن ربما أكثر ما يلفت النظر هو ما طرأ من تغير طفيف نسبياً على نسبة المؤمنين مقابل غير المؤمنين على مدى ثمانين سنة شهدت فيها المعرفة العلمية معدلات نمو هائلة، وهو ما يتناقض تناقضاً حاداً مع النظرة السائدة.

وقد أظهرت دراسة مشابهة أن نسبة الملحدين تزداد في المستويات العلمية الرفيعة. فقد بين “لارسن” وزميله “ويذام” سنة [13]1998 أنه من بين أكبر العلماء في الأكاديمية القومية للعلوم National Academy of Sciences في الولايات المتحدة الأمريكية ممن أجابوا عن السؤال، كان 72,2٪ ملحدين، و7٪ يؤمنون بالله، و20,8٪ لا أدريون. ولكن للأسف ليس لدينا إحصائيات مشابهة في سنة 1916 لنرى ما إذا كانت تلك النسب قد تغيرت أم لا، إلا أننا نعلم أن أكثر من 90٪ من مؤسسي الجمعية الملكية Royal Society في إنجلترا كانوا مؤمنين بالله.

أما تفسير هذه الإحصائيات فهو مسألة معقدة. فعلى سبيل المثال اكتشف “لارسن” أيضاً أن نسبة الإيمان بالله تهبط هبوطاً حاداً بين من يزيد دخلهم على 150 ألف دولار سنوياً، أي أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الأوساط العلمية فحسب.

ولكن أياً كان معنى هذه الإحصائيات، فلا شك أنها تقدم دليلاً كافياً على أن “دوكينز” قد يكون محقاً في تقديره لمدى صعوبة مهمته المروعة الاستبدادية المتمثلة في القضاء على الإيمان بالله بين العلماء.

وذلك، لأنه بالإضافة إلى ما يقرب من 40٪ من العلماء المؤمنين وفقاً للإحصائية العامة، كان وما زال هناك علماء بارزون يؤمنون بالله، ومن أشهرهم “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم البشري Human Genome Project، والبروفسور “بيل فيليبس” Bill Phillips الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1997، والسير “برايان هيب” Brian Heap زميل الجمعية الملكية ونائب رئيس الجمعية الملكية سابقاً، والسير “جون هوتن” John Houghton زميل الجمعية الملكية ومدير مكتب الأرصاد الجوية البريطاني British Meteorological Office سابقاً، وأحد رؤساء اللجنة الحكومية للتغيرات المناخية Intergovernmental Panel on Climate Change سابقاً وهو حالياً مدير مبادرة جون راي للبيئة John Ray Initiative on the Environment، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

وبالطبع لا يمكن الإجابة عن سؤالنا بالإحصائيات، مهما كانت أهميتها. فالمؤكد أن وجود علماء بارزين يعترفون بإيمانهم بالله ليس له أي تأثير على اللهجة الحادة التي يتحدث بها “آتكينز” وكذلك “دوكينز” وغيرهما وهم يشنون حربهم على الله باسم العلم. ولعل الأدق أن نقول إنهم مقتنعون ليس أن العلم في حرب مع الله، بل أن الحرب انتهت وحُسمت لصالح العلم. ولم يبق إلا أن يعرف العالم، كما قال “نيتشه” Nietzsche، أن الله مات وأن العلم دفنه. ويكتب “بيتر أتكينز” في هذا الاتجاه قائلاً: «يستحيل مصالحة العلم والدين، وعلى البشرية أن تحترم قدرة طفلها وتهزم كافة محاولات التوفيق بين العلم والدين.

فقد أخفق الدين، وإخفاقاته لا بد أن تُفضح. أن العلم يما يحققه حالياً من نجاحات تؤكد كفاءته الشاملة في تفسير أصغر أجزاء الكون، هو بهجة العقل العليا، ويجب الاعتراف به ملكاً.»[14] يا لها من لغة انتصارية! ولكن هل يمكن الحفاظ على هذا الانتصار؟ فأي دين هو الذي أخفق، وعلى أي مستوى؟ ورغم أن العلم هو بالفعل بهجة، هل هو فعلاً بهجة العقل العليا؟ هل الموسيقا والفن والأدب والحق لا علاقة لها بالعقل؟ إني أسمع الآن نغمات الاحتجاج تتعالى من حناجر العلوم الإنسانية.

بل أن بعض العلماء يبدون أنهم في حرب مع الله، فهذا لا يعني أن العلم نفسه في حرب مع الله. فبعض الموسيقيين مثلاً ملحدون عتاة. فهل هذا يعني أن الموسيقى نفسها في حرب مع الله؟ بالطبع لا. إذن يمكن التعبير عن الفكرة هكذا: التصريحات التي يطلقها العلماء لا تعبر بالضرورة عن تصريحات العلم. ويمكننا أن نضيف أنها ليست بالضرورة صحيحة، وإن كانت غالباً ما تقبل على أنها صحيحة نظراً للمكانة العلمية التي يتمتع بها أصحابها.

فمثلاً، عبارات “آتكينز” وكذلك “دوكينز” التي بدأنا بها تقع ضمن هذه الفئة. فهي ليست تصريحات العلم ولكنها تعبيرات عن معتقد شخصي، وهو في الواقع معتقد إيماني، لا يختلف في جوهره عن (وإن كان أقل تسامحاً بمرامل من) الكثير من التعبيرات الإيمانية التي يتمنى “دوكينز” القضاء عليها. إلا أن هذا لا يعني أن تصريحاتهما خاطئة، ولكنه يعنى أنه لا يجب التعامل معها باعتبارها مرجعية علمية. وما يجب التحقق منه هو الفئة التي تنتمي إليها هذه التصريحات، والأهم من ذلك أن نتحقق من صحتها.

وقبل الانتقال لفكرة أخرى علينا أن نوازن كفتي الميزان قليلاً فنذكر بعضاً من أقوال العلماء البارزين الذين يؤمنون بالله. فمثلاً السير “جون هوتن” زميل الملكية يكتب قائلاً: «العلم الذي نعمل فيه هو علم الله. الله هو المسؤول عن قصة العلم بكاملها… فالترتيب المذهل، والاتساق، والثبات، والتعقيد المبهر الذي يميز التوصيف العلمي للكون ليس إلا انعكاساً ما يتميز به النشاط الإلهي من ترتيب، واتساق، وثبات، وتعقيد.»[15] والسير “جيليان برانس” زميل الجمعية الملكية والمدير السابق لحدائق كيو Kew Gardens يعبر عن إيمانه بنفس هذا الوضوح فيقول: «لقد آمنت سنوات طويلة أن الله هو المصمم العظيم وراء الطبيعة كلها… وكل دراساتي العلمية منذ ذلك الحين أكدت إيماني. وإني أعتبر الكتاب المقدس مرجعيتي الأساسية والنهائية.»[16]

وهذه العبارات أيضاً ليست بالطبع عبارات علمية، ولكنها تعبر عن معتقد شخصي. ولكن يجب أن ننتبه أنها تلمح إلى الدليل الذي من شأنه تأييد ذلك المعتقد. فمثلاً السير “جيليان برانس” Ghillean Prance يقول صراحة إن العلم نفسه هو الذي يؤكد إيمانه. وهكذا نجد أنفسنا أمام موقف مثير حيث المفكرون الطبيعيون يخبروننا بأن العلم قضى على الله، ومن ناحية أخرى يقول لنا المؤمنون بالله إن العلم يؤكد إيمانهم بالله.

وكلا الفريقين علماء أكفاء. فما معنى هذا؟ معناه بالتأكيد أن الافتراض بأن العلم والإيمان بالله خصمان لهو سذاجة قصوى، ويبين أن الأمر يستحق استكشاف العلاقات الفعلية بين العلم والإلحاد وبين العلم والإيمان بالله. والسؤال الذي يجب طرحه تحديداً إن كان العلم يؤيد أياً من هذين المنظورين المتضادين – الإيمان والإلحاد – فأيهما يؤيد؟ ولنتناول أولاً تاريخ العلم.

جذور العلم المنسية

يقوم العلم كله في جوهره على قناعة مفادها أن الكون مرتب. ودون هذه القناعة العميقة يصبح العلم مستحيلاً. ولذلك من حقنا أن نسأل: من أين تأتي هذه القناعة؟ يحاول “ملفين كالفين” Melvin Calvin الحائز على جائز نوبل في الكيمياء الحيوية استكشاف مصدر هذه القناعة قائلاً: «عندما أحاول التوصل إلى مصدر تلك القناعة، أظنها موجدة في فكرة أولية اكتشفت منذ 2000 أو 3000 سنة، وأعلنت في العالم الغربي على يد العبرانيين القدماء: ألا وهي أن الكون محكوم بإله واحد، وليس نتاج نزوات آلهة كثيرين، يحكم كل منهم إقليمه الخاص وفقاً لقوانينه الخاصة. ويبدو أن هذه النظرة التوحيدية تمثل الأساس التاريخي للعلم الحديث.»[17]

وهي فكرة تسترعي الانتباه مقارنة بما اعتدنا قراءته من إرجاع جذور العلم المعاصر للإغريق في القرن السادس قبل الميلاد ثم الإشارة إلى أن العلم حتى يتقدم كان لا بد من تخليص النظرة الإغريقية من فكرة تعدد الآلهة. وسوف نعود لهذه النقطة الأخيرة فيما يلي. ولكن كل ما نرجو توضيحه هنا أنه رغم أن الإغريق كانوا بكل تأكيد أول من اشتغلوا بالعلم كما نفهمه اليوم، فمعنى ما يقوله “ملفين كالفين” أن النظرة الفعلية للكون التي قدمت أكبر العون للعلم، ألا هو النظرة العبرانية بأن الله هو من خلق الكون وهو من يحفظه، هي أقدم كثيراً من النظرة الإغريقية.

وأظن أن هذه الفكرة يجب أن “ينادى بها على السطوح” على حد تعبير “دوكينز” (الذي استعاره هو شخصياً من العهد الجديد!) باعتبارها فكرة مضادة لرفض الله دون تدبر ولا ترو. لأنها تعني أن الأساس الذي يقف عليه العلم، والقاعدة التي انطلق منها إلى آخر الكون تشتمل على بعد إيماني قوي.

وممن لفتوا النظر لهذا البعد قبل “ملفين كالفين” بكثير هو مؤرخ العلوم وعالم الرياضيات البارز السير “ألفريد نورث وايتهد” Alfred North Whitehead. فقد لاحظ أن أوروبا في العصور الوسطة سنة 1500 عرفت أقل مما عرفه أرشميدس في القرن الثالث قبل الميلاد، ولكن سنة 1700 كان نيوتن قد كتب رائعته “الأسس الرياضية” Principia Mathematica.

وعندنا سأل “وايتهد” سؤالاً واضحاً: كيف حدث هذا الانفجار المعرفي في هذه الفترة القصيرة نسبياً؟ وكانت إجابته: «لا بد أن ينبثق العلم الحديث من فكرة عقلانية الله التي كانت راسخة ومؤكدة في العصور الوسطى… وتفسيري أن الإيمان بإمكانية العلم (ذلك الإيمان الذي نشأ قبل ظهور نظرية العلم الحديث) هو إفراز لا إرادي للاهوت العصور الوسطى.»[18] ويجدر بنا هنا أن نشير إلى صياغة “سي. إس. لويس” C. S. Lewis الموجزة الثاقبة لرأي “وايتهد”: «أصبح الناس يؤمنون بالعلم ويدركونه لأنهم توقعوا وجود قانون في الطبيعة، وتوقعوا قانوناً في الطبيعة لأنهم آمنوا بوجود مشرع للقانون.»

وهذه القناعة هي ما قادت “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (1561-1626)، الذي يعتبره الكثيرون أبي العلم الحديث، إلى أن يعلم بأن الله أعطانا كتابين: كتاب الطبيعة، والكتاب المقدس، وأنه إن أراد المرء أن يتعلم تعليماً صحيحاً عليه أن يكرس عقله لدراسة الكتابين معاً.

وقد اتفق معه الكثيرون من عمالقة العلم، فعلماء مثل جاليليو (156401642)، كبلر Kepler (1571-1630)، باسكال Pascal (1623-1662)، بويل Boyle (1627-1691)، نيوتن (1642-1727)، فاراداي Faraday (1791-1867)، بابج Babbage (1791-1871)، مندل Mendel (1822-1884)، باستير Pasteur (1822-1895)، كلفين Kelvin (1824-1907)، كلرك ماكسويل Clerk Maxwell (1831-1879) كانوا مؤمنين بالله، وكان معظمهم مسيحيين حقيقيين.

وإيمانهم بالله لم يقف عائقاً أمام علمهم على الإطلاق، بل كان هو ما يدفعهم نحوه ولم يخجلوا من التصريح بذلك. فمثلاً القوة التي دفعت عقل جاليليو الشغوف بالبحث هي قناعته الداخلية العميقة بأن الخالق الذي «منحنا الحواس، والقدرة على التفكير، والعقل» أرادنا أن لا «نهمل استخدامها ويعطينا هو المعرفة التي كان يمكننا الحصول عليها باستخدام هذه الملكات.»

وقد وصف يوهانس كبلر Johannes Kepler ما يدفعه نحو العلم بهذه الكلمات: «يجب أن يكون الهدف الأساسي من كل أنشطة البحث والاستقصاء للعالم الخارجي هو اكتشاف النظام المنطقي الذي فرضه الله على هذا العالم والذي كشفه لنا بلغة الرياضيات.»[19] وقد بلغ هذا الاكتشاف عند كبلر ما عبر عنه في مقولته الشهيرة «التفكير فيما يفكر فيه الله على طريقته.»

وكم كان رد فعل الصينيين في القرن الثامن عشر مختلفاً، كما يسجل عالم الكيمياء الحيوية البريطاني “جوزيف نيد” Joseph Needham عندما بلغتهم عن طريق المرسلين اليسوعيين أخبار ما أحرزه العلم من تقدم في الغرب. فقد بدت لهم فكرة كون الكون محكوماً بقوانين بسيطة يمكن للبشر أن يكتشفوها، وقد اكشفوها بالفعل فكرة في منتهى الحماقة. فثقافتهم لم تتمكن من استقبال هذه الأفكار.[20]

إلا إن عدم إدراك النقطة التي نتناولها هنا قد يؤدي إلى تشويش. فنحن لا نزعم أن كافة جوانب الدين بوجه عام والمسيحية بوجه خاص ساهمت في تقدم العلم. ولكن ما نطرحه هو أن التعليم بإله فريد خالق مسؤول عن الوجود والترتيب الظاهر في الكون لعب دوراً مهماً. ونحن لا نزعم أن الدين لم يعاد العلم مطلقاً. بل إن “ت. ف. تورانس”[21] T. F. Torrance يوضح في تعليقه على تحليل “وايتهد” أن تقدم العلم غالباً ما كان «يواجه معوقات عسيرة من الكنيسة حتى عندما كانت بوادر الأفكار الحديثة تنشأ في أحضانها.»

وهو يورد على ذلك مثال اللاهوت الأوغسطيني الذي ساد أوروبا على مدى 1000 سنة وكان له من التأثير والجاذبية ما قدم إسهامات عظمى للفنون في العصور الوسطى، ولكن تعليمه عن «الأخرويات الذي قال بفكرة اضمحلال العالم وانهياره واعتبر أن الخلاص هو فداء من هذا الوضع حول الاهتمام من العالم إلى ما هو أسمى من العالم والأرض، في حين أن نظرته للكون القدسي لم تقدم سوى فهم رمزي للطبيعة، واستخدمتها استخداماً دينياً وبغرض شرح حقائق معينة» وهكذا « قدس وأعلى شأن نظرة كونية معينة كان لا بد من استبدالها إن أردنا أي تقدم علمي.»

ويقول “تورانس” أيضاً إن ما أعاق التفكير العلمي إعاقة كبرى كان غالباً «النظرة المتصلبة للسلطة وعلاقتها بالفهم الذي كان يرجع لعصر أوغسطينوس… مما أنتج شكاوى مرة ضد الكنيسة.»[22] ويعتبر جاليليو نموذجاً على ذلك كما سنرى لاحقاً.

إلا أن “تورانس” يؤيد الفكرة العامة في أطروحة “وايتهد” تأييداً قوياً بقوله: «بالرغم من التوتر المؤسف الذي كثيراً ما نشأ بين تقدم النظريات العلمية والفكر الكنسي التقليدي، ما زال اللاهوت قادراً على أن الزعم بأنه تبنى المعتقدات والحركات الأساسية التي تمخض عنها العلم التجريبي الحديث بوجه خاص على مر قرون طويلة، فإيمان اللاهوت الراسخ بثبات الله الخالق وجدارته بثقتنا وبمعقولية خليقته هو أقل ما يؤهله لهذه المهمة.»

ولكن “جون بروك” John Broche أول أستاذ للعلوم والدين في أكسفورد يبدو أكثر حذراً من “تورانس” إذ يقول: «في الماضي كانت المعتقدات الدينية تمثل فرضية مسبقة للمشروع العلمي لدرجة أنها كانت تصادق على التوافق بين الدين والعلم… فتعليم الخلق كان يضفي حالة من الاتساق على السعي العلمي بقدر ما كان يعنى ضمناً وجود نظام ثابت يمكن الوثوق به وراء حركة الطبيعة… غلا أن هذا لا يعني أنه دون اللاهوت ما كان للعلم أن ينطلق، ولكنه يعني أن المفاهيم العلمية التي آمن بها الرواد الذين اكتشفوها غالباً ما كانت تثريها معتقدات لاهوتية وميتافيزيقية وتؤسس لها.»[23]

ومؤخراً أشار “بيتر هاريسون” Peter Harrison خليفة “جون بروك” في أكسفورد إلى فكرة مبهرة، ألا وهي أنه من الملامح السائدة في صعود العلم الحديث هو التوجه البروتستانتي في تفسير نصوص الكتاب المقدس الذي أنهى المنهج الرمزي المتبع في العصور الوسطى.[24]

وإنها طبعاً مهمة عسيرة للغاية أن نعرف «ماذا يحدث لو….»، ولكن بالتأكيد لن نكون مبالغين إن قلنا إن تقدم العلم كان سيتراجع كثيراً لولا تعليم لاهوتي بعينه، ألا هو تعليم الخلق، وهي عقيدة تشترك فيها كل من اليهودية والمسيحية والإسلام. ولكن “بروك” يصدر تحذيراً صحياً من إعطاء القضية أكبر من حجمها، أي أنه إن كان بعينه يؤيد العلم فهذا لا يثبت صحة ذلك الدين. وبالتالي ينطبق المبدأ نفسه على الإلحاد.

لقد كان تعليم الخلق ضرورياً لصعود العلم بفضل ما ينطوي عليه من فكرة ترتيب الكون. إلا أن ضرورته تنبع من سبب آخر أشرنا إليه في المقدمة. فحتى يتقدم العلم، كان لا بد من تحرير الفكر من المنهج الأرسطي الذي ساد العالم والذي يقوم على استنتاج ما يجب أن يكون عليه الكون بناء على مبادئ ثابتة، والانتقال إلى منهجية تسمح للكون أن يفصح عن نفسه مباشرة.

ومما يسر هذا التحول الجوهري في المنظور هو الاعتقاد بخليقة مرهونة بإرادة خالقها Contingent، أي أن الله الخالق كان يمكنه أن يخلق الكون بأي شكل يحلو له. ومن ثم، إن أردت أن تكتشف ماهية الكون أو الكيفية التي يعمل بها تحديداً، فلا بديل عن أن تستكشف وترى بعينيك. فلا يمكنك أن تستنتج الكيفية التي يسير بها الكون بمجرد أن تعمل عقلك بناء على مبادئ فلسفية بديهية مفترضة مسبقاً a priori.

وهذا هو بالضبط ما قاله جاليليو، ومن بعد كبلر وغيرهما: فقد بحثوا ورأوا بأنفسهم، وأحدثوا ثورة علمية. ولكن كما نعرف جميعاً، دخل جاليليو في صراع مع كنيسة روما الكاثوليكية. ولذلك، علينا أن نعود لقصته لنرى ماذا يمكننا أن نتعلمه منها.

 

أساطير الصراع: جاليليو وكنيسة روما الكاثوليكية، “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس”:

من الأسباب الرئيسية التي تستدعي التمييز بين تأثير عقيدة الخلق وتأثير جوانب أخرى من الحياة الدينية (ولنقل السياسة الدينية) على صعود تيار العلم هو أن نصل إلى فهم أفضل لروايتين تاريخيتين لنمطين غالباً ما تستخدمان لتأييد الانطباع السائد بين عموم الناس بأن العلم كان دائماً في حرب مع الدين، وهي فكرة غالباً ما يشار إليها باسم “أطروحة الصراع” “Conflict thesis“.

تتصل هاتان الروايتان باثنتين من أشهر المواجهات في التاريخ: أولاهما، هي ما ذكرته آنفاً، بين جاليليو وكنيسة روما الكاثوليكية. والثانية، هي المناظرة بين “هكسلي” Huxley والأسقف “ويلبرفورس” Wilberforce حول موضوع كتاب تشارلز داروين Charles Darwin الشهير “أصل الأنواع” The Origin of Species. إلا أن البحث الدقيق يكشف أن هذه القصص تعجز عن تأييد أطروحة الصراع، وهو ما يمثل مفاجأة للكثيرين، ولكن هذا هو ما يثبته التاريخ.

ويجب أولاً أن ننتبه لحقيقة واضحة، وهي أن جاليليو واحد من العلماء الذي آمنوا بالله. فهو لم يكن لاأدرياً ولا ملحداً في صراع مع الإيمان بالله الخالق الحافظ theism** في عصره. والكتابة “دافا سوبل” Dava Sobel تكشف ببراعة زيف هذا الانطباع الخرافي عن جاليليو في كتابها الرائع “ابنه جاليليو”[25] Galileo’s Daughter، ذلك الانطباع الذي يصور جاليليو على انه «شخص انشق عن الإيمان واحتقر الكتاب المقدس.»

فالحقيقة أن جاليليو كان يؤمن بالله والكتاب المقدس إيماناً راسخاً، وظل هكذا طيلة حياته. وكان يعتقد أن «قوانين الطبيعة مكتوبة بإصبع الله بلغة رياضية» وأن «العقل البشري هو أحد أعمال الله، بل من أكثرها براعة.»

علاوة على ذلك، حظي جاليليو بقدر كبير من دعم المفكرين المؤمنين، على الأقل في البداية. فعلماء الفلك في المؤسسة التعليمية اليسوعية المرموقة المعروفة آنذاك باسم Collegio Romano صادقوا في البداية على اكتشافاته الفلكية وكرموه عليها. ولكنه واجه معارضة عنيفة من الفلاسفة العلمانيين الذين استشاطوا غضباً بسبب نقده لأرسطو.

وكان لا بد أن يثير هذا الموقف حالة من الاضطراب. ولكن لا بد أن نؤكد أن بداية المشكلات لم تكن مع الكنيسة، على الأقل من وجهة نظر جاليليو شخصياً. لأنه في مقاله الشهير “خطاب للدوقة العظمى كرستينا” Letter to the Grand Duchess Christina (1615) يوضح أن الأساتذة الجامعيين هم من عارضوه بشدة لدرجة أنهم كانوا يحاولون التأثير على السلطة الكنسية لتقف ضده. أما سر خوف الأساتذة واضح؛ فالحجج العلمية التي قدمها جاليليو كانت تهدد الفلسفة الأرسطية التي علمت بها الجامعات وسادت كافة الأرجاء.

لقد أراد جاليليو، رغبه منه في دفع العلم الحديث، أن يضع نظريات الكون بناء على الدليل، وليس على أساس مسلمات بديهية، وبالأخص مسلمات الفلسفة الأرسطية. ولذلك، نظر إلى الكون من خلال تلسكوبه، وما رآه حطم بعضاً من أهم الاستنتاجات الفلكية التي توصل إليها أرسطو. فقد رأى جاليليو بقعاً شمسية Sunspots لطخت وجه “الشمس الكاملة” “Perfect Sun” التي قال بها أرسطو. وفي عام 1604 رأى نجماً متفجراً Supernova، مما أثار تساؤلات حول “السماوات غير القابلة للتغيير” “Immutable Heavens” التي علم بها أرسطو.

لقد كان الفلسفة الأرسطية هي المنظور السائد للعالم، ولم تكن مجرد إطار يتحرك العلم داخل حدوده، ولكنها كان منظوراً للعالم بدأ يتصدع فضلاً عن ذلك، كان الإصلاح البروتستانتي يتحدى سلطة روما. ومن ثم، أصبح الأمن الديني يواجه خطراً متزايداً من وجهة نظر روما. ولذلك كان هذه الحقبة في غاية الحساسية. وكنيسة روما التي استعدت للمعركة وكانت آنذاك تتبنى الفلسفة الأرسطية التي تبناها الجميع تقريباً شعرت أنها غير قادرة على السماح بأي تحد حقيقي لفلسفة أرسطو رغم ظهور بعص الأصوات (ولا سيما بين اليسوعيين) التي بدأت تنادي بأن الكتاب المقدس نفسه لا يؤيد أسطو في كل شيء.

ولكن هذه الأصوات لم تكن قد قويت بعد بما يكفي لمنع المعارضة العنيفة التي واجهها جاليليو من الوسط الأكاديمي ثم من كنسية روما. ولكن حتى في ذلك الحين لم تكن أسباب المعارضة مجرد أسباب فكرية وسياسية. ولكن الغيرة، وكذلك ضعف الحس الدبلوماسي عند جاليليو كانا من العوامل المساعدة. فقد أثار حفيظة النخبة في عصره عندما نشر أعماله بالإيطالية بدلاً من اللاتينية حتى يزود الناس العاديين بشيء من الكفاءة الفكرية. فقد أخذ على عاتقه ما عرف فيما بعد باسم فهم العامة للعلم.

وكذلك اعتاد جاليليو على سلوك قصير النظر ولم يكن معيناً له، ألا هو التنديد بمن كان يختلف معه بلغة لاذعة. هذا بالإضافة إلى أنه لم يدرج حجة صديقه السابق مؤيديه البابا أوريان الثامن (مافيو بربريني) Urban VIII (Maffeo Berberini) في كتابه “حوار حول النظامين الأساسيين للعالم” Dialogue Concerning the Two Principal Systems of the World بطريقة تجعلها نافذة كما لو كانت أمراً رسمياً.

إلا أنه فعل ذلك من باب الخضوع والاحترام، ولكنه وضع هذه الحجة على لسان شخصية ساذجة في كتابه أطلق عليها “سيمبليسيو” Simplicio (الساذج). وتقول هذه الحجة أنه ما دام الله كلي القدرة، فهو يستطيع إنتاج أي ظاهرة طبيعية بطرق مختلفة، ومن ثم فإن زعم الفلاسفة الطبيعيين بأنهم توصلوا إلى الحل الفريد يعد ضرباً من الغرور. ولكنه آذى نفسه بنفسه عندما ذكرها بهذه الطريقة.

ومع ذلك فكنيسة روما لم يكن لها أي عذر في استخدام سلطة محاكم التفتيش لقمع جاليليو، ولا لإنفاق مئات السنين بعده في محاولة “لإعادة تأهليه”. إلا أنه لا بد أن ننوه ثانية أن جاليليو لم يتعرض مطلقاً للتعذيب كما يشاع، وحتى “الإقامة الجبرية” التي فرضت عليه فيما بعد قضى معظمها في مساكن أصدقائه الخاصة الفاخرة.[26]

ويمكننا استخلاص دروس مهمة من قصة جاليليو: الدرس الأول لمن يحترمون رواية الكتاب المقدس، وهو أنه من الصعب أن نتخيل أنه هناك أي شخص اليوم يؤمن بأن الأرض مركز الكون والكواكب والشمس تدور حولها. أي أن هؤلاء يقبلون نظام كوبرنيكوس الذي يقوم على مركزية الشمس Heliocentric الذي حارب من أجله جاليليو ولا يرون تعارضاً بينه وبين الكتاب المقدس، رغم أن الجميع تقريباً في عصر كوبرنيكوس وما قبله كانوا مثل أرسطو يعتقدون أن الأرض مركز الكون واستخدموا قراءتهم الحرفية لأجزاء من الكتاب المقدس لدعم تلك الفكرة.

فكيف حدث هذا التغيير؟ لقد أصبحوا يقرأون الكتاب المقدس بنظرة أعمق وأكثر إدراكاً للفروق الدقيقة[27]، وأدركوا أنه عندما يقول الكتاب المقدس مثلاً إن الشمس “تشرق”، فهو يتحدث من وجهة ظواهرية، أي أنه يقدم وصفاً للظاهرة كما تبدو لعيني الناظر، ولا ينوه إطلاقاً إلى نظرية بعينها تختص بالشمس أو بالكواكب. وهذا بالضبط ما يفعله العلماء اليوم، فهم أيضاً يقولون في حواراتهم العادية إن الشمس تشرق، ولا يتهمهم أحد بأنهم أرسطيون رجعيون.

فالدرس المهم هو أننا لا بد أن نتحلى بالتواضع الذي يجعلنا نميز بين ما يقوله الكتاب المقدس وتفسيراتنا له. فالنص الكتابي قد يكون أعقد وأعمق مما نظن. لذلك، لا بد أن نحترس لئلا نستخدمه لتأييد أفكار لم يقصد مطلقاً أن يقولها. وهذا ما اعتقده جاليليو في عصره، وقد أثبت التاريخ صحته.

وأخيراً، درس آخر في اتجاه مختلف، ولكن نادراً ما يلتفت إليه، وهو أن جاليليو الذي آمن بالكتاب المقدس هو من قدم فهماً علمياً أفضل للكون ليس فقط ضد رجعية بعض رجال الكنيسة،[28] كما رأينا، بل (في المقام الأول) ضد مقاومة (ورجعية) الفلاسفة العلمانيين في عصره الذين كانوا تلاميذ أرسطو المقتنعين بنظرياته، تماماً مثل رجال الكنيسة. واليوم أيضاً يحتاج الفلاسفة والعلماء أن يتحلوا بالتواضع أمام الحقائق، حتى لو كان من يلفت نظرهم لهذه الحقائق هو شخص يؤمن بالله.

فعدم الإيمان بالله لا يضمن الدقة العلمية أكثر مما يضمنها الإيمان بالله. فمن الواضح سواء في عصر جاليليو أو في عصرنا أن نقد النموذج العلمي السائد مهمة محفوفة بالمخاطر أياً كان من يقوم بها. وفي النهاية نخلص إلى أن “مسألة جاليليو” لا تؤكد مطلقاً ذلك الرأي الساذج عن وجود صراع بين العلم والدين.

 

المناظرة بين “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس” في أكسفورد سنة 1860:

ولا تؤكده أيضاً تلك الواقعة التي كثيراً ما يشار إليها، ألا وهي المناظرة التي جرت في 30 حزيران/ يونيو 1860 في الجمعية البريطانية للنهوض بالعلم British Association for the Advancement of Science التي عقدت في متحف التاريخ الطبيعي Natural History Museum في أكسفورد بين “ت. هـ. هكسلي” T. H. Huxley (حارس داروين الأمين Darwin’s bulldog) والأسقف “صامويل ويلبرفورس” Samuel Wilberforce (الملقب باسم “سام الصابوبي” Soapy Sam.***)

وقد أتت المناظرة نتيجة محاضرة أفاها “جون دريبر” John Draper عن نظرية التطور لداروين بعد نشر كتاب “أصل الأنواع” بسبعة شهور. وقد شاع تصوير هذه المواجهة على أنها صدام بسيط بين العلم والدين حيث انتصر العالم الكفء بجدارة على القس الجاهل. إلا أن مؤرخي العلم أظهروا أن هذه الرواية أيضاً أبعد ما تكون عن الحقيقة.[29]

أولاً، “ويلرفورس” لم يكن رجلاً جاهلاً. فبعد شهر من هذا اللقاء التاريخي، نشرة نقداً من خمسين صفحة لكتاب داروين (في دورية “كوارترلي رفيو” Quarterly Review)، اعتبره داروين معالجة «عبقرية، نجحت في التقاط أكثر الأجزاء المشكوك فيها، وقدمت طرحاً وافياً لكافة الصعوبات. إنها معالجة تتحداني بامتياز.» وثانياً، لم يكن “ويلرفورس” رجعياً. بل إنه كان مصراً على ألا تجري المناظرة بين العلم والدين، بل تكون مناظرة علمية، عالم مقابل عالم على أسس عليمة، وهو ما يتضح بجلاء في موجز نقده: «كان اعتراضنا على الآراء التي تناولناها يقوم على أسس علمية بحتة.

وفعلنا ذلك بناء على قناعة راسخة بأن الأمر يجب أن يسير على هذا النحو لأن هذه الحجج لا بد أن تخضع للاختبار للتحقق من صحتها أو زيفها. ونحن لا نتعاطف مع من يعترضون على أي حقائق أو حتى على الحقائق المزعومة في الطبيعة، أو على أي استدلال منطقي يتم التوصل إليه من هذه الحقائق لمجرد أنهم يعتقدون أنها تتناقض مع ما يظنون أنه تعلموه بالوحي. بل إننا نعتقد أن كل هذه الاعتراضات تعكس شعوراً بالخوف يتناقض كلية مع الإيمان إن كان ثابتاً وموثوقاً.»[30]

إن جرأة هذا التصريح قد تكون مفاجئة للكثيرين ممن انخدعوا وصدقوا القصة الشائعة تاريخياً عن هذه المواجهة. ولعلنا نلمح في لهجة “ويلبرفورس” أثراً من جاليليو. كما أنه ليس حقيقياً أن نظرية داروين لم تلق اعتراضات إلا من الكنيسة. فمثلاً السير “ريتشارد أون” Richard Owen رائد علم التشريح آنذاك (الذي تصادف أن ويلبرفورس سأله عن رأيه) كان ضد نظرية داروين، وقد عارضها أيضاً العالم البارز “كلفين” Kelvin.

أما عن الروايات المعاصرة عن هذه المناظرة، يقول “جون بروك”[31] إن الحدث في البداية لم يثر ضجة كبير: «لا بد أن نلاحظ أن الصدام الشهير بين “هسكلي” والأسقف لم ينشر في صحيفة واحدة من صحف لندن آنذاك فالواقع أنه ليس لدينا أي سجلات رسمية عن هذا اللقاء. وقد أتت معظم الأخبار من أصدقاء “هكسلي”. كما أن “هكسلي” نفسه كتب عن «حالة ضحك عارمة بين الجمهور» على خفة ظله وكتب أيضاً «أنا أعتقد أني كنت الرجل الأكثر شعبية في أكسفورد على مدى أربع وعشرين ساعة كاملة بعد المناظرة.» ومع ذلك فالأدلة تؤكد أن المناظرة لم تكن من طرف واحد على الإطلاق.

فقد نشرت إحدى الصحف فيما بعد أن واحداً ممن تبعوا نظرية داروين تراجع عن رأيه بعدما شهد المناظرة. وعالم النباتات “جوزيف هوكر” Joseph Hooker عبر عن استيائه لأن “هكسلي” لم «يضع المسألة في شكل أو إطار يكسبه تأييد الجمهور.» لذا، اضطر أن يتظاهر بالفوز. وقد كتب “ويلبرفورس” بعد ثلاثة أيام من المناظرة لعالم الآثار “تشارلز تيلور” Charles Taylor يقول: «أظن إني هزمته هزيمة ساحقة.» وتحقيق مجلة “أثنيم” The Athenaeum أعطى الانطباع بأن المستوى كان متساوياً تقريباً، فقد ورد فيه أن كلاً من “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس” «صنعا لأنفسهما أعداء يلقون بمكانتهما وصلابة شخصيتيهما.»

ويرجع “فرانك جيمز” Frank James المؤرخ في المؤسسة الملكية Royal Institution بلندن أن الانطباع السائد بأن “هكسلي” كان هو الطرف الفائز ربما مرجعه أن “ويلرفورس” لم يكن محبوباً، وهي حقيقة مفقودة من معظم الروايات: «لو كان “ويلبرفورس” محبوباً في أكسفورد وله شعبيته، لكان هو من حقق النصر وليس “هكسلي”.»[32] وهنا أيضاً نرى فيه أثراً من روح جاليليو!

وعليه نرى أن التحليل الدقيق يثبت أن اثنتين من الدعائم الرئيسية التي شاع استخدامها لتأييد أطروحة الصراع تتلاشيان. فالواقع أن البحث نجح في تقويض تلك الأطروحة لدرجة أن مؤرخ العلم “كولن رسل” Colin Russell توصل إلى هذه النتيجة: «الاعتقاد الشائع أن … العلاقة الفعلية بين الدين والعلم على مدى القرون القليلة الماضية تميزت بعداء عميق ومستديم… هو اعتقاد خاطئ تاريخياً، بل إنه مبالغة عبثية في منتهى السخافة، لدرجة أن ما حظي به هذا الاعتقاد من احترام أمر مثير للاندهاش.»[33]

ومن ثم يتضح أن عدداً من القوى لعبت دوراً مؤثراً في تفسير مدى تجذر أسطورة الصراع في أذهان العامة. والمؤكد أنه كانت هناك عدة عوامل كما في حالة جاليليو حيث لم تكون القضية الحقيقية مدى صحة أو خطأ نظرية عملية من الناحية الفكرية. ولكن في هذه الحالة أيضاً لعبت السلطة المؤسسية دوراً محورياً. فقد كان “هكسلي” يشن حملة تأكيد تفوق طبقة العلماء المتخصصين الجديدة الناشئة ضد أصحاب المناصب الكنسية وامتيازاتهم، مهما كانت قدراتهم الفكرية.

فقد أراد أن يضمن أن العلماء هم من يمسكون بمقاليد السلطة. وكانت قصة أسقف مهزوم يلقى مصرعه على يد عالم متخصص تناسب تلك الحملة، وقد استغلت أقصى استغلال. إلا أنه يبدو أن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد اشتملت حملة “هكسلي” على عنصر جوهري نبه إليه “مايكل بول”[34] Michael Poole. فقد كتب قائلاً: «في خضم هذا السجال كان لفظ الطبيعة” “Nature” يكتب بحرف N كبير capital وكان المفهوم يعامل كما لو كان كائناً عاقلاً، بل إن “هكسلي” أسبغ على “السيدة طبيعة” “Dame Nature“، كما كان يدعوها، صفات تنسب لله، وهو أسلوب اتبعه آخرون بعده بحماسة شديدة.

ولم يلحظ أحد أن فكرة إرجاع الفضل للطبيعة (كل ما هو موجود من أشياء مادية) في التخطيط لكل ما هو موجود من أشياء مادية وخلقه هي فكرة تنطوي على قدر هائل من الغرابة المنطقية. فطبقاً لهذا المبدأ، “السيدة طبيعة” كان لها مقر تسكن فيه مثل بعض إلاهات الخصب القدامى، وهي الأم التي تطوق بذراعيها الفلسفة الطبيعية العلمية الفيكتورية.» إذن، يتضح أن هذا الصراع الوهمي كان (وما زال) يستثار ويستخدم على نحو مخجل في معركة أخرى، ألا وهي المعركة بين الفلسفة الطبيعية naturalism والإيمان بالله الخالق، وهذه هي المعركة الحقيقية.

الصراع الحقيقي: الفلسفة الطبيعية مقابل الإيمان بالله الخالق:

وهنا نصل إلى واحدة من النقاط الرئيسية التي نرجو إبرازها في هذا الكتاب، ألا وهي أنه بالفعل يوجد صراع، وهو صراع حقيقي جداً. ولكنه ليس صراعاً بين العلم والدين على الإطلاق. لأنه لو كان الأمر كذلك، فالمنطق البسيط يقول إن كل العلماء لا بد أن يكونوا ملحدين وغير العلماء فقد هم المؤمنون بالله، ولكننا رأينا أن الواقع يخالف ذلك. ولكن الصراع الحقيقي هو بين منظورين متناقضين تماماً: الفلسفة الطبيعية، والإيمان بالله الخالق وهما فلسفتان لا بد أن تكونا في حالة صدام.

وللتوضيح أقول إن الفلسفة الطبيعية ترتبط بالفلسفة المادية Materialism، ولكنها ليست مرادفاً لها. وإن كانا أحياناً يصعب الفصل بينهما. تقول موسوعة The Oxford Companion to Philosophy إن تعقيد مفهوم المادة جعل «مختلف الفلسفات المادية تميل للاستعاضة عن “المادة” ببعض الأفكار مثل «كل ما يمكن دراسته بمنهجيات العلم الطبيعي» وهكذا حولت المذهب المادية إلى مذهب طبيعي، ولكن لا يمكن أن نقول إن الاتجاهين أصبحا متماثلين.»[35] فدعاة الفلسفة المادية ينتمون للفلسفة الطبيعية.

ولكن بعض أتباع الفلسفة الطبيعية يرون أنه يجب الفصل بين العقل والوعي من ناحية والمادة من ناحية أخرى. فهم يعتبرون العقل والوعي من الظواهر الـ “ناشئة” “emergent” أي أنها تعتمد على المادة ولكنها حادثة على مستوى أعلى لا يمكن أن يهبط إلى خواص المادة الأدنى.

وبعض الطبيعيين يرون أن الكون يتكون من “عقل” محض. إلا أن العامل المشترك بين الفلسفة الطبيعية والفلسفة المادية أن كلتيهما ترفض الإيمان بما هو فائق للطبيعية Supernaturalism، وتؤكد أن «عالم الطبيعة هو المجال الوحيد الموجود ولا تتدخل في إدارته أي نفوس أو أرواح، إلهية كانت أم بشرية.»[36] ومن ثم، مهما كانت الاختلافات بين الفلسفة المادية والطبيعية، فالاثنتان في جوهرهما إلحاديتان.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الفلسفة المادية أو الطبيعية تأخذان أشكالاً مختلفة. فمثلاً “إي. أو. ويلسون” E. O. Wilson يميز بين اثنين من هذه الأشكال. أولهما هو ما يطلق عليه السلوكية السياسية Political Begaviourism: «تقول إن المخ لوح أبيض، والإنسان يولد به خالياً من أي نقوش فيما عدا الأفعال المنعكسة والبواعث الجسمية البدائية، وما زالت هذه النظرة مقبولة في الدول الماركسية اللينينية التي تنهار انهياراً سريعاً. وبناء على هذه النظرة، فإن العقل يكاد يتشكل كله بفعل التعلم، وهو نتاج ثقافة تتطور هي نفسها عن طريق الظرف التاريخي**** Historical Contingency.

وبما أنه لا توجد «طبيعة بشرية» تقوم على أساس بيولوجي، إذن يمكن قولبة الناس على أفضل نظام سياسي واقتصادي ممكن، ألا هو الشيوعية، وهي الفكرة التي طرحت على العالم معظم سني القرن العشرين. وقد وضع هذا المعتقد موضع الاختبار العملي في السياسة ولسنوات طوال وثبت فشله بعد أن حدث من انهيارات اقتصادية وموت عشرات الملايين في عدد من الدول الفاشلة.» أما الشكل الثاني الذي يمثل رأي “ويلسون” نفسه يطلق عليه الإنسانية العلمية Scientific Humanism، وهو منظور يرى أنه «يجفف مستنقعات الدين وعقيدة اللوح الأبيض.»

ويعرفه كما يلي: «ما زال هذا الشكل مقبولاً بين أقلية صغيرة في العالم، وهو يعتبر أن البشرية أحد الأنواع البيولوجية التي نشأت وتطورت على مدى ملايين السنين في عالم بيولوجي واكتسبت ذكاء غير مسبوق ولكنه ما زال يسير وفقاً لعواطف معقدة موروثة وقنوات تعلم متحيزة. ولكن الطبيعة البشرية موجودة وقد كونت نفسها بنفسها. واشتراك البشر جميعاً في استجابات وميول موروثة هو ما يجعلهم نوعاً واحداً.» ويؤكد “ويلسون” أن هذه النظرة الداروينية هي التي «تفرض على الفرد عبئاً ثقيلاً هو عبء الاختيار الذي يصاحب الحرية الفكرية.»[37]

والاختلافات الدقيقة بين هذه الاتجاهات وغيرها تقع خارج نطاق هذا الكتاب. ولكن ما يعنينا هنا هو التركيز على العناصر الأساسية المشتركة بينها، وهو ما عبر عنه عالم الفلك “كارل ساجان” Carl Sagan بإيجاز مبهر في افتتاحية برنامجه التلفزيوني ذائع الصيت “الكون” Cosmos، إذ يقول: «لا يوجد ولم يوجد ولن يوجد أي شيء سوى الكون.» وهذا هو جوهر الفلسفة الطبيعية. أم “سترلينج لامبرت” Sterling Lamprecht يعطي تعريفاً أطول للفلسفة الطبيعية ولكنه يستحق الانتباه.

فهو يعرفها بأنها: «موقف فلسفي، ومنهج تجريبي يعتبر أن كل ما هو موجود أو حادث محكوم في وجوده أو حدوثه بعوامل عشوائية داخل نظام واحد شامل في الطبيعة.»[38] وبالتالي، لا يوجد شيء سوى الطبيعة. فهو نظام مغلق يتألف من المسبب والأثر، وليس هناك عالم متجاوز لذلك العالم المادي أو فائق للطبيعي. ليس شيء “خارج” هذا النظام.

أما رؤية الكون انطلاقاً من الإيمان بالله فهي تناقض تماماً مع الفلسفة الطبيعية والمادية، وتنعكس بكل وضوح في افتتاحية سفر التكوين: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.»[39] وهو ما يؤكد أن الكون ليس نظاماً مغلقاً ولكنه خليقة، إنه صنعة عقل الله وهو الذي يحفظه ويصونه. وهذا الإعلان هو إجابة عن السؤال: لماذا يوجد الكون؟ لأن الله أوجده.

إن عبارة سفر التكوين هي تصريح عقائدي، وليس تصريحاً علمياً، كما أن تصريح “ساجان” ليس تصريحاً علمياً ولكنه تعبير عن عقيدة شخصية. ولذلك، أكرر أن القضية المحورية لا تكمن في العلاقة بين العلم واللاهوت، بل علاقة العلم بمختلف الفلسفات الحياتية التي يعتنقها العلماء، ولا سيما علاقته بالفلسفة الطبيعية والإيمان بالله الخالق. لذا، عندما نسأل ما إذا كان العلم قد قتل الله، فنحن نتحدث على مستوى تفسير العلم. ولكن السؤال الفعلي الذي نطرحه هو: أي الفلسفتين يؤيدها العلم، الطبيعة أم فلسفة الإيمان بالله الخالق؟

“أي. أو. ويلسون” ليس لديه أدنى شك في إجابته التي يقول فيها: الإنسانية العلمية هي «المنظور الوحيد الذي يتوافق مع المعرفة العلمية المتزايدة بالعالم الحقيقي وبقوانين الطبيعية.» وعالم الكيمياء الكمية “هنري ف. شيفر الثالث” Henry F. Schaeffer III أيضاً لا يخالجه أي شك في إجابته، إذ يقول: «لا بد من وجود خالق. نظرية الانفجار الكبير تنتشر (1992) وما يعقبها من اكتشافات علمية يشير بوضوح لخلق من العدم، وهو ما يتفق مع أولى آيات سفر التكوين.»[40]

وحتى نستخلص العلاقة بين مختلف الفلسفات والعلم، علينا أن نسأل سؤالاً في منتهى الصعوبة؟ ما هو العلم على وجه التحديد؟

[1] “Will Science ever fail?” Now Scientist. 8 Aug 1992, pp. 32-35.

[2] “Is Science a religion?” The Humanist, Jan/Feb 1997, PP. 26-39.

[3] London, Bantam press 2006.

[4] Daily Telegraph Science Extra, Spt 11, 1989.

[5] يوحنا 20: 31.

[6] رومية 1: 20.

[7] The Language of God, New York, Free Press, 2006 p. 164.

[8] God and the New Atheists, Louisville, Westminster John Knox Press, 2008, P.62.

[9] Dawkins’ God, Oxford, Blackwell, 2004.

[10] A Devills Chaplain, London, Weidenfeld and Nicholson, 2003, p. 248.

[11] 3 April 1997, 386: 435n6.

[12] Larry Witham, Where Darwin Meets the Bible, Oxford, Oxford University Press 2002, p272.

* من يعتقدون بأنه يستحيل على الإنسان أن يجزم ما إذا كان الله موجوداً أم لا (المترجم).

[13] Scientific American, September 1999, pp. 88n93.

[14] Naturefs Imagination n The Frontiers of Scientific Vision , Ed. John Cornwell, Oxford, Oxford University Press, 1995 p. 132.

[15] The Search for God n Can Science Help? Oxford, Lion, 1995 p.59.

[16] God and the Scientists, compiled by Mike Poole, CPO 1997.

[17] Chemical Evolution, Oxford, Clarendon Press, 1969, p. 258.

[18] Science and the Modern World, London, Macmillan, 1925, p.19.

[19] Cited in Morris Kline, Mathematics: The Loss of Certainty, (Oxford University)

[20] Press, New York, 1980, p. 31. Science and Society in East and Westf, The Great Titration, Allen and Unwin, 1969.

[21] Theological Science, Edinburgh, T & T Clark, 1996 p. 57.

[22] المرجع السابق نفسه، ص 58.

[23] John Brooke, Science & Religion: Some Historical Perspectives, Cambridge, Cambridge University Press, 1991, p. 19.

[24] The Bible Protestantism and the Rise of Science, Cambridge, Cambridge University press, 1998.

** الإيمان بالله الخالق الحافظ theism هو منظور يؤمن بوجود الله باعتباره خالق الكون المادي وحافظه باستمرار، وبحريته في التدخل في الطبيعة كما يشاء. والإيمان بوجود الله الخالق الحافظ يقبل التدخلات الإلهية التي تبدو “فائقة للطبيعة” والتي تغير طبيعة المادة (http://www.sawtonline.org.evolution-creation-dictionary) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 وسيشار للمصطلح فيما بعد في هذا الكتاب باسم “الإيمان بالله الخالق” للتخفيف. (المترجم)

[25] London, Fourth Estate, 1999.

[26] The Reader interested in more detail should consult the excellent chapter on Galileo in Reconstructing Nature, John Brooke and Geoffrey Cantor, Edinburgh, T& T Clark, 1998.

[27] أشار جاليليو إلى هذه الفكرة في خطابه الشهير للدوقة العظمى كرستينا دوقة توسكني (1615) عندما وجه نقداً لاذعا لمن عجزوا عن إدراك “المعنى المختلف الذي قد يكمن تحت المعنى السطحي لهذا النص [الكتابي].”

[28] جدير بالذكر أنه في سنة 1559 أصدر البابا بولس الرابع أول دليل رسمي روماني للكتب الممنوعة Roman Index of Prohibited Books لحظر الكثير من الكتب، ومن بينها ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغات الحديثة، مما يدفعنا أن نتساءل: في أي معسكر وقفت الكنيسة؟

*** لقب بهذا الاسم لأنه كان دائماً ما ينتهج نهجاً دبلوماسياً وسطياً في المناظرات العامة، وخاصة المتعلقة بخلافات في مسائل دينية (http://boodhamsbulletin.co.ul/OldArticles/SamuelWilbet force.htm) تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/12/2015 (المترجم)

[29] See, for example, The Wilberforce- Huxley Debate: Why Did It Happen? By J. H. Brooke, Science and Christian Belief, 2001, 13, 127-41.

[30] See Wilberforce and Huxley, A Legendary Encounter, Lucas J. R. The Historical Journal, 22 (2), 1979, 313n30.

[31] Science and Religion Some Historical Perspectives, Cambridge, Cambridge University Press, 1991 p. 71.

[32] See David M. Knight and Matthew D. Eddy, Science and Beliefs: from Natural Philosophy to Natural Science 1700n1900, London, Ashgate, 2005.

[33] The Conflict Metaphor and Its Social Original, Science and Christian Belief, 1, 3626, 1989.

[34] Beliefs and Values in Science Education, Buckingham, Open University Press, 1995, p. 125.

[35] Ed. Honderich, Oxford University Press, 1995, p530.

[36] Oxford Companion to Philosophy. P 604.

**** المقصود كل ما يقع في التاريخ من أحداث تتم بشكل لا يمكن التنبوء به وليس بناء على خطة مسبقة. (المترجم نقلاً عن الكاتب).

[37] Intelligent Evolution, Harvard Magazine. November 2005

[38] Power Lamprecht Sterling, The Metaphysics of Naturalism. New York, Appleton Century-Crofts, 1960. P 16.

[39] تكوين 1: 1

[40] “The Big Bang. Stephen Hawking, and God”, in Science: Christian Perspectives for the New Millennium, Addison Texas and Norcross, Georgia, CLM and RZIM Publishers 2003.

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

Exit mobile version