مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

استكمالاً لما قد بدأناه من سلسلة مقالات لتوضيح مفهوم الفدية عند آباء الكنيسة ردًا على المشككين والجهلاء من البعض، نستعرض الآن مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري.

وأود التنويه في البداية أن نصوص ق. كيرلس عن موضوع الفدية كثيرة ومتنوعة ومتعددة الجوانب في مفاهيمه حول موضوع الفدية، ولكن السمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقب من الآب لأجل البشر.

كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يعاقب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدس، ونصلي في الليتورجية، وفي الأجبية.

فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يمارس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يميت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يميت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يمارس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت.

فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا إدعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

 

ننتقل إل مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس – مثلما أكد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت كالتالي:

“لذا كان من الضروري أن يقدم ابن الآب الحي جسده الخاص للموت كفدية* عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتحد بالكلمة يمهد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

ونجد هنا ق. كيرلس الإسكندري يتبع الآباء السابقين عليه في التأكيد على تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي.

حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي:

“فإن مجيء المخلص متجسدًا، قد صار فديةً* للموت وخلاصًا لكل الخليقة”.

أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس (الرسالة إلى أدلفيوس المعترف)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٦، ص ٢٩.

ويتحدث ق. باسيليوس الكبير أيضًا عن تقديم المسيح الفدية للموت في الليتورچية البيزنطية الخاصة به قائلاً:

“فطهّرنا بالماء وقدّسنا بالروح القدس، وبذل نفسه فديةً* للموت الذي كان مستوليًا علينا ارقاءً تحت الخطية”.

 

باسيليوس الكبير (قديس)، الأفخولوجي الكبير (ليتورجية ق. باسيليوس)، ترجمة: الأسقف رافائيل هواويني، (لبنان: بيرثوث وقلفاط، ١٩٥٥)، ص ١٤٢.

وهذا ما يؤكده أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي أن المسيح قدم جسده كطُعم للموت قائلاً:

“لذلك صار جسده طُعمًا للموت*، وإذ صار موضع أمل للوحش [الشيطان] أن يقبض على المخلص، قبض المخلص عليه. لأنه ‘يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد المسيح الدموع عن كل الوجوه’ (إش ٢٥: ٨)”.

تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، المقالة ١٢: ١٥، ص ١٧٢.

نعود مرة أخرى إلى مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

“وعندما قدّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا”.

 

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

ويؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع كالتالي:

“لأنه هكذا خلص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على تقديم المسيح للفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالى:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا، ونفسه فديةً* لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام، إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، الفصل ٧، ص ٧٧.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس أن الفدية لأجل الجميع لإماتة الموت وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة كالتالي:

“(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً* لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٤: ٢، تعليق على (يو ٦: ٥١)، ص ٤٠٣.

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس أن المسيح أعطى جسده فديةً لأجلنا كالتالي:

“إذًا، فقد افتُدينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً*، فإذا أعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو أعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدراةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

ويؤكد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليطلقنا من الأسر، بل يؤكد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء- على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

“ويعلن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا* ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

“وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان*، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفضوا وفقدوا كل العناية السماوية”.

المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس على أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

“نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه* لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدم ذاته فديةً للموت كالتالي:

“لأنه افتدانا* من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرك كطريقة للفداء*. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مسمرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ‘الذي بذل نفسه فديةً* لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة’ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه* صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

ويؤكد ق. كيرلس على أن الآب نفسه هو الذي  بذل وقدّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

“وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ‘قد اشتُريتم بثمن* فمجّدوا الله’ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: ‘وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

كما يؤكد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسر بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

“فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفع الفدية* لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدم ذاته لأجلنا”.

المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

لذلك، إن كان الآب هو مقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المقدِّم للفدية والمقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابي البروتستانتي، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. هذا ما يوضحه ق. كيرلس كالتالي:

“والمسيح قدم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يقدمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ‘التفت إليَّ وارحمني’ (مز ٢٥: ١٦)”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

أخيرًا، نستنتج أحبائي أن الفدية تم تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليقدم المسيح للآب الجنس البشري جنسًا مقدسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه.

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب.

هذا يصور أن اللاهوت قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي أتحد به لاهوت الكلمة في التجسد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية.

يرد ق. أثناسيوس على ذلك رافضًا ترك الآب للناسوت، أو أن هناك خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“لذلك لا يمكن أن يُترك الرب من الآب، وهو كائن دائمًا في الآب قبل أن يتكلم وأثناء نطقه بهذه الصرخة”

(ضد الآريوسيين ٣: ٢٩: ٥٦)

يرد على ذلك ق. يوحنا ذهبي الفم داحضًا فكرة وجود عداوة بين الله والناسوت كالتالي:

“يقول: إيلي إيلي لما شبقتني (مت٢٧: ٤٦) حتى يروا أن السيد كان يكرم أباه حتى الرمق الأخير، وأنه لم يكن عدوًا لله”

(عظة على انجيل متى ٨٨: ١).

يرد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على ذلك رافضًا أية خصومة بين الآب وناسوت المسيح المتألم على الصليب:

” إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض، وكأنها تفارق مَن يتألم لخوفها من الموت – ومَن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب”.

(الخطاب اللاهوتي ٣٠: ٥).

يرد ق. كيرلس داحضًا التعليم بأن يكون هناك خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“وقد أظهره الله الآب متجسدًا ومنظورًا وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم “يقل هذا الجسد”، بل “هذا هو ابني”، وذلك حتى لا نعتبره مجزءًا ومنفصلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا- واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقة فريدة خاصة- على أن المتجسد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقي، وكيف لا يكون؟”

(حوار حول تأنس الابن الوحيد : ٨).

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

 

لقد استخدم السيد المسيح تعبير “فدية” عن نفسه، حيث يقول:

 (مت 20 اية 28) “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”

كما استخدمه بولس الرسول عن المسيح ليوضح عمل الفداء الذي قام به المسيح كالتالي:

 (١تي ٢ :٦) “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ”.

ولكن يتتبع البروفيسور راشدال فكرة الفدية وأصولها في العهد القديم ويقول التالي:

“نجد تعبير الفدية في [الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ]. (المزامير7:49) وفي [إِنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ، وَسِيطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ لِيُعْلِنَ لِلإِنْسَانِ اسْتِقَامَتَهُ، يَتَرَاَءَفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: أُطْلِقُهُ عَنِ الْهُبُوطِ إِلَى الْحُفْرَةِ، قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً].  (أيوب24-23:33) وفي [«مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ»]. (هوشع14:13). كما يأتي تعبير λύτρον في النص السبعيني بصيغة الجمع τά λύτρα ١٧ مرة من أصل ٢٠ مرة، وتعادل الكلمات العبرية التالية:

 

١. فدية kopher (الأصل kaphar, kipper) كما في (خر٢١: ٣٠، ٣٠: ١٢) حيث يتم شرحها عادةً في اللغة العربية بمعنى ‘غطاء’ أو عطية استرضائية، ولكن المعنى الأصلي على الأرجح أكثر موجود في اللغتين البابلية والآشورية. حيث استخدام فعل “تسديد الدين” من خلال فعل طقسي تعبدي، وكذلك في اللغة السريانية “تسديد الدين”.

كما يشير درايفر Driver (Art. Expiation in Encycl. Of Religion & ethics) إلى أنه فكرة ‘التطهير’ في اللغة العبرية صاحبت الكلمة مبكرًا، لذلك الفكرة هي عن التطهير بالحري وليس عن ‘الاسترضاء’. ولا يكون الله أبدًا موضوع أو هدف ‘kipper’ أو ίλάσκομαι كما في النص السبعيني، لأنها حالة ثابتة عند الكُتاب الوثنيين.

 

٢. فداء g’ullah (الأصل ga’al أي “إزالة المطالبة بالدعوى” وكذلك “تبرئة” أو “استرداد”) وهو فعل أو حق الاسترداد، والخلاص والتعويض من أجل حقل أو عبد كما في (لا٢٥: ٢٤)، والتسديد مصنوع من أجل الخلاص أو تسديد الدين كما في  (لا٢٥: ٢٦، ٥١).

 

٣.فدية pidhyon, p’dhuyium (الأصل padhah) كما في (خر٢١: ٣٠) و (عد٣: ٤٨، ٥١) عن الثمن المدفوع كفدية.

 

٤.الربح أو الثمن أو المهر m’hir (فعل غير مستخدم) كما في (إش٤٥: ١٣)، وإن استخدمه ربنا، فالمعنى المحتمل أكثر يبدو أنه kopher أي كفارة بالشكل الآرامي. وإن كانت الكلمة تعود إلى البشير أو إلى التقليد، فلا نحتاج للاعتقاد بالمقابل الآرامي. يمكن تخليص فكرة λύτρον بسهولة من الفكرة العامة للفداء άπολύτρωσις.

حيث قد افتدى الله إسرائيل أي اشتراه، وهكذا جعله خاصته، وهي فكرة منتشرة في العهد القديم، وتحولت في العهد الجديد إلى إسرائيل الروحي كما في (أف١: ١٤؛ أع٢٠: ٢٨). وبالتالي، لا تحتاج الفكرة لإعطاء إجابة على سؤال لمَن دُفعت الفدية؟ ولا حتى إجابة محددة بعينها على سؤال مما تم خلاص شعب الله: الفكرة الرئيسية هي أنهم تم شرائهم لله، أي للملكوت، والخلاص، والسعادة الأبدية.

ولا توجد كلمة λύτρον عند ق. بولس، بالرغم من أن لدينا كلمة άπολύτρωσις عدة مرات، والفكرة موجودة في (١كو٦: ٢٠، ٧: ٢٣): “اشتريتم بثمن”. الكلمة التي قالها المسيح عن نفسه كفدية موجودة في (١تي٢: ٦)، حيث القراءة الصحيحة هي άντίλυτρον. يعلق M. Riviére في كتابه (Le Dogme de la Rédemption, p. 49) أنه “في العهد الجديد – وعادةً أكثر عند الآباء أيضًا- نجد فقط حرف الجر άντί عند تسميتها بكلمة ‘فدية’.

حيث أنه من الملاحظ إنه يُقال أحيانًا عن الله أنه ‘فدية’ λυτροϋν لشعبه بمعنى ‘يحرر’ أو ‘يخلص’ في آيات لا يوجد بها أي نوع من دفع الثمن أو المقابل كما في (خر٦: ٦) ga’al و (تث٢١: ٨) padhah وكذلك في (إر١٨: ٢٣؛ مز٧٨: ٣٨)، حيث تستخدم كلمة kipper عن فعل الله، وسوف تمثل كلمة “يطهر بعيدًا” الفكرة، حيث يترجم درايفر Driver الكلمة ‘يطهر’، بينما تقترب الفكرة عند ليرت  Leart من pardon أي الغفران أو الصفح.

الفكرة الرئيسية المفترضة من تعبير ‘فدية’ هي فكرة الثمن المدفوع من أجل تأمين المنافع للآخر- أو على وجه التحديد، الثمن المدفوع لتأمين الحياة أو الحرية”.

Hastings, Rashdul, Idea of atonement in christian theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), P. 32& 33 n. 3.

 

أما عن مفهوم الفدية عند الآباء ينقسم الآباء فيه إلى ٣ آراء:

١.الرأي الأول:

 يقول بأن الفدية قدمها الابن إلى الآب ونجد هذا الرأي عند كل من التالي:

ق. أثناسيوس، حيث يقول:

“وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة الكل، عندئذ مثلما أرتدى هارون الجبة أخذ الكلمة جسدًا من الأرض متخذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات” (ضد الآريوسيين ١: ١١: ٤١).

ويتفق مع هذا الرأي أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي حيث يقول:

“وإذ كان فينحاس عندما زادت غيرته ذبح فاعل الشر، فرد سخط الرب، فهل يسوع الذي لم يذبح غيره، بل بذل نفسه فدية ليرد السخط الذي كان من جهة الجنس البشري؟”. (العظات للموعوظين ١٣: ٣).

٢.الرأي الثاني:

يقول بأن الفدية قدمها المسيح للشيطان وهذا يقول به مجموعة من الآباء كالتالي:

ق.ايرينيؤس حيث يقول:

“وهو الذي فدانا بطريقة تناسب العقل، أعطى نفسه كفدية لأولئك الذين واقعوا في الأسر. وحيث أن الارتداد (إبليس) طغى علينا ظلمًا، رغم أننا بالطبيعة ملك الإله كلي القدرة، فإن الارتداد (إبليس) جعلنا غرباء عن الله ضد الطبيعة، إذ جعلنا تلاميذه، فإن كلمة الله القوي في كل شيء، وليس ناقصًا من جهة عدله قام ضد ذلك الارتداد بطريقة عادلة، وأفتدى خاصته منه لا بوسائل عنيقة، مثلما تسلط الارتداد علينا في البداية، حينما انتزع بدون شبع ما لم يكن له.

بل عن طريق الإقناع كما يليق بإله المشورة، الذي لا يتعامل بوسائل عنيفة ليحصل على ما يريد، حتى أنه لا تنتهك العدالة من ناحية، ولا يهلك صنعة يدي الله من ناحية أخرى، وحيث إن الرب قد فدانا بدمه هكذا، باذلاً نفسه عن نفوسنا وجسده عن أجسادنا”.

(ضد الهرطقات ٥: ١: ١).

العلامة أوريجينوس حيث يقول:

“فإذا كنا قد اُشترينا بثمن، كما يؤكد بولس الرسول، فبلا شك فإننا اُشتُرينا من شخص كنا عبيدًا له، وقد طالب أيضًا بالثمن الذي أراده، لكيما يحرر من سلطانه مَن هم في قبضته. الآن كان إبليس هو مَن يمسكنا، الذي أُُخذنا له بسبّب خطايانا. لذلك فقد طالب بدم المسيح كثمن له. وبالتالي متى قُدم دم المسيح الذي كان ثمينًا جدًا، بحيث يكفي وحده لفداء الكل”. (تفسير رومية ٢: ١٣: ٢٩).

ق.باسيليوس الكبير حيث يقول:

“فطهرنا بالماء وقدسنا بالروح القدس وبذل نفسه فديةً للموت الذي كان مستوليًا (إبليس مَن له سلطان الموت بحسب عب ٢) علينا ارقاءً تحت الخطية، وانحدر بالصليب إلى الجحيم ليمتلئ الكل منه، فحلّ أوجاع الموت وقام في اليوم الثالث”. (ليتورجية ق. باسيليوس بحسب الطقس البيزنطيّ/ الافخولجي الكبير ص ١٤٢).

ق.غريغوريوس النيسي حيث يقول:

“وبالتالي نظر العدو هذه القوة فيه (أي في المسيح) ورأى فيه أيضًا الفرصة من أجل التقدم، وفي المبادلة بحسب قيمة ما يحتويه، ولهذا السبب أختاره (أي إبليس) كفدية لهؤلاء القابعين في سجن الموت”. (العظة التعليمية الكبرى: ٢٣).

كما يؤيد ق.أوغسطينوس فكرة دفع الفدية للشيطان، حيث يقول:

 “لأن دم المسيح في هذا الفداء، قد أُعطي ثمنًا لأجلنا بموافقة وقبول إبليس الذي لم يكن مُستغنيًا، بل مُقيدًا لكي ما يطلقنا من قيوده”. (الثالوث ١٣: ١٥: ١٩).

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“لأن ثمننا الذي عرضه عليه على صليبه يشبه مصيدة فأر، وكطُعم موضوع عليها بدمه”. (عظة١٣٠: ٢، عظة ١٣٤: ٦).

ولقد كان مِن مؤيدي تقديم الفدية للشيطان من الآباء اللاتين أيضًا ق. أمبروسيوس وق. جيروم.

ويؤيد البابا لاون الكبير فكرة تقديم الفدية للشيطان كالتالي:

“أصر اللص عديم الضمير والسارق الجشع على الهجوم عليه (أي المسيح) ، مَن ليس له فيه شيء يخصه، وتخطى بتنفيذ الحكم العام على الخطية الأصلية القيد الذي أوثقه (أي إبليس) به، وطالب بمعاقبة الإثم ممَن لم يجد فيه أي ذنب، وبالتالي، تم إبطال المواعيد المؤذية للصك المميت، وتم إلغاء الدين كله من خلال ظلم الثمن الفاحش”. (عظة ٢٢: ٣، ٤).

 ويؤيد البابا غريغوريوس الكبير نفس الفكرة قائلاً:

” خدعه الرب مثل عصفور، عندما أظهر أمامه في الآلام ابنه الوحيد كطُعم، ولكنه أخفى حبل المشنقة”. (الأخلاق ٣٣: ١٥ على “أي ٤٠: ٢٤”).

٣.الرأي الثالث:

 يرفض فكرة تقديم المسيح الفدية لإبليس ويعتبر الفدية هي القضاء على الفساد والموت والالتفاف عليهما، وهذا نجده عند كلٌّ من:

ق.غريغوريوس اللاهوتي حيث يقول:

“والآن إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَن قُدمت؟ ولأيّ سبب؟ إذا قُدمت للشرير، فليُبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية لا من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا عظيمًا لاستبداده بالبشر حسب رغبته”. (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

كما يرفض في نفس العظة تقديم الفدية للآب أيضًا حيث يقول:

“أما إذا كان قد دفع للآب، فأنا اتساءل أولاً: كيف؟ لأن الآب لم يمسكنا كرهينة. لماذا سُر الآب بدم ابنه الوحيد، وهو الذي لم يقبل إسحق حين قدمه إبراهيم ذبيحة محرقة كاملة، بل بدّل الذبيحة بكبش؟ أليس الأمر واضحًا، أن الآب قد قبِل الذبيحة ليس لأنه طلبها أو كان في إحتياج لها، ولكن لأجل تدبيره: لأن الإنسان لابد أن يُقدس بإنسانية الله؛ والله نفسه يجب أن يخلصنا بأن يغلب المستبد بقوته هو، وأن يردنا إليه بواسطة الابن الذي يفعل هذا كله لمجد الله الذي أطاعه في كل شيء” (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

*وهنا نجد النزينزي يؤكد فكرة تقديس البشرية بإنسانية المسيح وانتصار المسيح على إبليس بقوة قيامته ونصرته على مَن بيده سلطان الموت أيّ إبليس.

ق.كيرلس الاسكندري رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس وللآب حيث يقول:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها” (حوار حول تأنس الابن الوحيد: ٧). وهنا يؤكد ق. كيرلس على نفس مفهوم ق. غريعوريوس اللاهوتي أن يعطينا الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته.

الأب يوحنا الدمشقي رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية للشيطان حيث يقول عن المسيح:

“إنه قدم ذاته فديةً عنا، وبذلك يحلنا من الحكم علينا ولكن حاشا أن يكون دم الرب قد تقرّب للطاغية (إبليس)” (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي ٣: ٧١: ٢٧). ويؤكد الدمشقي أيضًا على أن الفدية هي حل قيود الإنسان من حكم الموت والفساد الذي جلبه على ذاته بالعصيان والخطية.

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

الرد على المشككين والمضللين في صحة ما قلناه عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، حيث خرج البعض علينا عن جهل وعن عدم دراسة ليشكك في قولنا بأن ق. غريغوريوس اللاهوتي لم يقل بتقديم الفدية للآب، ويتهمنا بالتزويير، ولكننا سنبين لهم أنهم هم المزورين، والمضللين، ويرمون الباحثين بالباطل والكذب.

في الواقع، رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي تقديم الابن كفدية للآب، وهذا سوف نقوم بإثباته من خلال نصوص ق. غريغوريوس اللاهوتي التي تحدثت عن مفهوم الفدية. ثم سنقوم بعرض آراء الأساتذة واللاهوتيين المعروفين على مستوى العالم التي تدعم طرحنا بخصوص مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ثم سنقدم تفسيرنا لهذا النص محل النقاش الذي تدعمه آراء الأساتذة اللاهوتيين المعروفين في العالم الأكاديمي، ولهم ثقل كبير في هذه الأمور.

يستخدمون نص ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية رقم ٤٥ والتي تحدث فيها عن موضوع الفدية لمن قُدمت؟ وسوف أقوم بعرض ترجمتين مختلفتين لهذا النص أحدهما من ترجمة القس لوقا يوسف عن مجموعة الآباء اليونان باترولوجيا جريكا PG والترجمة الأخرى ترجمتي أنا لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية السلسلة الثانية والمجلد السابع NPNF.

يناقش معلمنا ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية موضوع الفدية كالتالي:

“والآن لنفحص حقيقة أخرى والتعليم اللذين أغفلهما الكثيرون، والتي بالنسبة إلىَّ تستحق فحصها بتوسع: إلى مَن أُعطي الدم الذي سُفك من أجلنا؟ ولأي شيء سُفك الدم العظيم والمعروف جيدًا، دم الإله ورئيس الكهنة والذبيحة في الوقت نفسه؟ لأننا نوجد تحت عبودية الشرير، ومبيعون بالخطيئة مقابل تمتعنا بالشر والرذيلة.

والآن، إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَّن قُدمت؟ ولأي سبب؟ إذا قُدمت لأجل الشرير، فليبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية ليس من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا رفيعًا من أجل استبداده بالبشر حسب رغبته، فلأجل مَن يكون من العدل أن يشفق علينا؟ إن كان لأجل الآب، فسؤالي الأول هو: كيف؟ لأننا لم نكن مُقيدين من قِبله. وسؤالي الثاني هو: لأي سبب كان دم الوحيد الجنس مسرةً الآب*، الذي لم يقبل حتى إسحاق حينما كان أبوه يقدمه كذبيحة، بل بدّل الذبيحة واضعًا حملاً عوضًا عن الذبيحة العقلية؟

ومن ثم، فإنه من الواضح أن الآب يأخذ دون أن يسأل أو يلتمس، ولكن من أجل تدبير الخلاص، ولأنه كان يجب أن تتقدس الإنسانية بإنسانية الله، حتى يحررنا المسيح نفسه، ويقهر الشيطان الطاغية، ويجذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه الذي دبر هذا كرامةً لأبيه الذي يعطي الابن كل شيء. لقد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وبقى أن نكرمه بالأكثر بصمتنا”. (تمت الترجمة من PG 36: 624- 663).

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، عظات القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، مراجعة: الأنبا إرميا، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، عظة ٤٥: ٢٢،  ص ٣٨، ٣٩.

سأقوم بعرض ترجمتي الخاصة لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية لمقارنة النص المترجم عن اليوناني والنص المترجم عن الإنجليزي للوصول إلى أفضل فهم لمعنى النص كالتالي:

“ينبغي أن نفحص الآن حقيقة أخرى، وتعليم يهمله أغلب الناس، ولكنه يستحق في رأيي البحث فيه. لمَّن قُدم هذا الدم المسفوك لأجلنا؟ ولماذا سُفك؟ أقصد الدم الثمين والمعروف جدًا لإلهنا ورئيس الكهنة والذبيحة. لقد قيدنا الشرير في العبودية، مباعين بالخطية، ومستمتعين في المقابل بالشر.

الآن، ما دامت الفدية تخص فقط مَن يستعبدنا، لذلك أتساءل لمَّن قُدمت هذه (الفدية)؟ ولأي سبب؟ إن كانت للشرير، فإنني أستنكر هذه الإساءة! إذ أن السارق يأخذ الفدية، لا فقط من الله، بل الفدية هي الله نفسه، ويمتلك هذا الثمن الغالي من أجل استبداده، الثمن المستحق الذي سعى من أجله لكي يحررنا تمامًا. ولكن إن كانت للآب، فأتساءل

أولاً: كيف؟ لأنه لم يكن هو الذي كنا تحت سطوته.

وثانيًا، على أي أساس يسُر الآب دم ابنه الوحيد، الذي لم يقبل حتى بإسحاق عندما قدمه أبوه، بل استبدله بذبيحةٍ، واضعًا كبشًا عوضًا عن الذبيحة البشرية*؟ أليس من الواضح قبول الآب له، ولكنه لم يطلبه، ولم يحتاجه، بل من أجل التجسُّد، ومن أجل أن البشرية ينبغي أن تتطهر ببشرية الله، لكي ما يخلصنا لنفسه، ويغلب الطاغية، ويجتذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه، الذي دبر ذلك كرامةً للآب، الذي من الواضح أنه يطيعه في كل شيء؟ وهكذا قد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وأعظم ما يمكننا قوله هو إكرامه في صمت”.

Gregory of Nazianzus (St.), The Second oration on Easter (NPNF 2- 07), Trans. By Charles Gordon & James Edward, Edit. By Philip Schaff, (Michigan, CCEL, Grand Rapids, 1819- 1893), Or. 45: 22, p. 847, 848.

للأسف الشديد يُحرّف البعض معنى نص الفدية الذي للقديس غريغوريوس اللاهوتي بذهنية وعقلية لاهوت العصر الوسيط، واللاهوت المدرسي، والبروتستانتي، ليجعله مناسبًا لقناعاته المغلوطة والخاطئة عن تدبير الخلاص، حيث يرى أن العقوبة من الآب، والآب يأخذ الابن ليعاقبه فديةً بدلاً عنا وعن عقوبة خطايانا، وهذا ضلال وبهتان، وبعيد كل البعد عن المعنى المقصود في النص.

حيث يرفض النزينزي تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا ولم يسبينا، ولا يمكن أن يُسر برؤية دم ابنه الوحيد مسفوكًا، كأنه إله سادي يتلذذ ويُسر ويستمتع بسفك دماء ابنه الوحيد، يا لضلال! ويا لفداحة! ويا لسادية! هؤلاء الذين لا يقبلون ذلك على أبنائهم، ويقبلونه ببساطة على الآب أن يصنعه في ابنه لكي يستمتع بسفك دمائه، واحسرتاه! إنهم فقدوا عقولهم، وعميت أبصارهم، وأظهروا طبائعهم غير الآدمية.

سأقوم بعرض نصوص أخرى عن الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عنده، حيث يتحدث في عظة رقم ١٤ عن محبة الفقراء بخصوص تقديم الابن نفسه كفدية من أجل حياة العالم، ويعدد بعد ذلك بركات هذه الفدية وسر الخلاص الجديد من الحصول على طريق الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على الذي هزمنا، وعطايا الشركة في الروح القدس قائلاً:

“لقد أظهر الرحمة نحونا بطرق عظمى، وفوق كل شيء، بإعطاءنا الناموس والأنبياء، وحتى قبلهما بإعطاءنا ناموس الطبيعة غير المكتوب، معيارًا للحكم على جميع أعمالنا، يفحصنا، وينصحنا، ويدربنا، وأخيرًا، قد أعطى نفسه فديةً من أجل حياة العالم. وقد أنعم علينا بالرسل، والإنجيليين، والمعلمين، والرعاة، والأطباء، والعلامات المذهلة، طريقًا يقود إلى الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على مَن هزمنا، وعهدًا في الظل، وظلاً في الحقيقة، وعطايا جعلتنا نشترك في الروح القدس، سر الخلاص الجديد”.

Brian E. Daley, Gregory of Nazianzus (The early Church Fathers), Edit. By Carol Harrison, (London, New York: Routledge, 2006), Or. 14: 27, p. 90, 91.

ويناقش ق. غريغوريوس اللاهوتي موضوع الفدية في قصيدة لاهوتية له، حيث يرفض تقديم الابن كفدية للشيطان، كما يستنكر أيضًا تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا أو يسبينا، أو يضعنا في الأسر، ويتعجب ق. غريغوريوس كيف يمكن أن يتم سبي ماسح المسيح (أي الله) ووضعه في الأسر، ويقول إننا نقبل بهذه النماذج المقبولة في عالم السماويات، أي يمكننا قبول هذه كرموز ونماذج للأمور المقبولة في السماويات قائلاً:

“لذا أتساءل: لمَّن سُفك دم الإله؟ إن كان للشرير – فيا للأسف! أن يُقدم دم المسيح للشرير! ولكن إن قلت لله – كيف يمكن أن يكون هذا، في حين أننا كنا مستعبدين لآخر (غير الله)؟ فالفدية تخص مَن يحتجز الأسرى دائمًا. أ يمكن أن يكون هذا حقًا، أن يُقدم ذبيحةً لله لكي ما ينتزعنا الله نفسه بعيدًا عن سلطان مَن يأسرنا، ويأخذ المساوي لمَّن أنزل المسيح؟ لأنه لا يمكن أن يؤخذ ماسح هذا المسيح في الأسر. وهذا هو ما نعتقده. ولكننا نقبل بالنماذج المقبولة في السماويات”.

Poemata Dogmatica, I, VIII, 65- 69, Migne XXXVII, 470.

ونستعرض نص آخر للقديس غريغوريوس اللاهوتي يتحدث فيه عن مفهوم الفدية، حيث يرى أن الفدية والمصالحة تتمثل في استردادنا لحريتنا بأخذ الابن لشكل العبد، وارتفاعنا بنزوله، وتمجيدنا بإهانته، وخلاصنا بموته، وانتشالنا من محنة الخطية بقيامته كالتالي:

“لقد أخذ شكل العبد لكي ما نسترد حريتنا، نزل لكي ما نرتفع، جُرب لكي ما ننتصر، أُهين لكي ما يُمجِّد، مات لكي ما يخلص، قام لكي ما يجتذبنا إلى نفسه، نحن الذين كنا راقدين في محنة الخطية. أعطى الجميع، وقدم الجميع، لمَّن أسلم ذاته فديةً ومصالحةً لأجلنا”.

Oliver B. Langworthy, Gregory of Nazianzus’s Soteriological Pneumatology, (Germany, Tunmbingen: Mohr Siebeck, 2019), Or. 1. 5. SC 247, 78, p. 53.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة الأشهر في العالم الذين قرأوا وفسروا نص الفدية للقديس غريغوريوس اللاهوتي بلغته اليونانية، وكيف إنهم لم يروا أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يتحدث عن تقديم الابن كفدية للآب. ونصيحة للأخوة المشككين والمضللين، لا يمكننا أن نقرأ نصوص الآباء ونفسرها بقناعاتنا المسبقة وبحسب أهوائنا الشخصية، بل لا بد من الرجوع إلى المتخصصين والأساتذة في علم الآباء وتاريخ العقائد لنتأكد هل فهمنا للنص صحيح وعليه إجماع أكاديمي من أشهر الأساتذة في هذا المجال أم لا؟ حتى لا نضل أنفسنا ونضل الآخرين بخزعبلات وتأويلات شخصية خاصة بنا لنصوص الآباء.

يتحدث البروفيسور جوستاف ألين Gustave Aùlen وهو أسقف ولاهوتي سويدي لوثري (بروتستانتي)، وصاحب أشهر كتاب عن عقيدة الفداء والخلاص باسم “كريستوس فيكتور” عن مفهوم الفدية عند ق غريغوريوس اللاهوتي، حيث يؤكد ألين أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض تقديم الابن كفدية للآب قائلاً:

“في النهاية، يرفض ق. غريغوريوس النزينزي فكرة الفدية تمامًا، ولا يسمح بدفع الفدية سواء للشيطان، ولا حتى لله، لأننا لم نكن، كما يقول، مأسورين ومستعبدين لله”.

Gustave Aùlen, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. By A. G. Hebert, Forwarded by Jeroslav Pelikan, (London: S. P. C. K., 1975), P. 50.

ويتحدث البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة أكسفورد بإنجلترا عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويوضح رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي لفكرة تقديم الابن كفدية للآب كالتالي:

“استمر ق. غريغوريوس (النزينزي) في إثبات أن دم المسيح لم يكن فديةً مدفوعةً، بالمعنى الدقيق للكلمة، لله الآب أيضًا، لأنه لا يُعقل أنه قد استمتع بدم ابنه الوحيد. بل على العكس، حقيقة قبول الآب لها، لم يكن بسبب أنه قد طالب بها، أو أحتاج إليها، بل بسبب أنه كان يليق في تدبير الخلاص أن يتم استعادة التقديس للطبيعة البشرية من خلال البشرية (الناسوت) التي أتخذها الله. أما بالنسبة إلى إبليس، فقد هُزِم بالقوة”.

  1. N. D. Kelly, The Early Christian Doctorines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 383, 384.

ويتحدث البروفيسور هستنجس راشدال Hasings Rashdall أستاذ تاريخ العقيدة المعروف عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويؤكد على أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض مفهوم الفدية على الإطلاق سواء للشيطان أو للآب، ويستعرض أسباب ق. غريغوريوس اللاهوتي في ذلك قائلاً:

“ولكن يرفض [ق. غريغوريوس] أن تكون فدية على الإطلاق في الخطبة المخصصة تحديدًا لعقيدة الخلاص: لأنه من المستهجن الاعتقاد بأن السارق يمكنه أن يأخذ الله نفسه كثمن مدفوع لأجلنا، لذلك يتساءل: إن كانت مدفوعة للآب.

فأولاً، قد يتساءل المرء: كيف؟ لأنه لم يكن [الآب] هو الذي احتجزنا كسجناء.

ثانيًا، كيف يمكن أن يُعقل أن الآب يُسر ويستمتع بدم الابن الوحيد، وهو الذي رفض إسحاق، عندما قدمه والده، بل وضع كبشًا عوضًا عن الذبيحة العقلية. وبالتالي، يتضح أنه إذا قَبِل الآب دم ابنه، فليس لأنه قد طالب به، أو كان في حاجة إليه، بل بسبب تدبير الخلاص، وبسبب حاجة الإنسان إلى التقديس بما كان إنسانيًا في الله لكي ما يخلصنا في ذاته، منتصرًا على الطاغية بالقوة، ولكي ما يرجعنا إلى ذاته بوساطة ابنه، الذي قد صنع كل شيء من أجل مجد الآب، الذي يبدو واضحًا أنه قد خضع له في كل شيء

.Oration 45, 22, Migne 36. 654.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MacMillian & Co., 1919), p. 309, 310.

سوف استكمل في بوستات قادمة باقي الردود على المشككين والمضللين في النقاط التي أثاروها ضد مقالاتي لإظهار تزييفهم، وتحريفهم، وجهلهم، بمعاني نصوص الآباء كما قالها الآباء، وفهمها الشراح من الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم.

يُتبع

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.

لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.

لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.

وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.

للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.

يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:

“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.

إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.

إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.

يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:

“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.

K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.

ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:

“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”

Ibid, n. 3.

ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:

“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.

لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.

N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:

“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.

إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.

فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

Exit mobile version