مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

سوف نورد بعض التفسيرات والشروحات الآبائية التي تفسِّر مفهوم العقوبة الإلهية في الكتاب المقدس، وكما فهمها آباء الكنيسة الجامعة كالتالي:

   يتحدث العلامة أوريجينوس عن قيمة العقوبة التربوية من الله، وإنها لتقويم وتصحيح الخطاة، وليس المقصود إهلاكهم وفنائهم، حيث يرد على ادعاءات الغنوسيين بقسوة إله العهد القديم وبصلاح ورأفة إله العهد الجديد بحسب زعمهم الباطل بوجود إلهين في الكتاب المقدس بعهديه، يقول:

”ليتهم يخبرون عن فضيلة ففضيلة منكبين على فحص الكتب، فلا يسعوا إلى التملص بقولهم: إنّ الله الذي يجازي كل أحد بحسب أعماله يجازي على السوء بسوءٍ حنقًا منه على الأشرار؛ وإنه لا يبادر الذين أخطئوا وهم في احتياج إلى العناية بهم بأدوية ناجعة، بعلاجٍ يبدو أنه يحمل الألم إليهم في الآن الحاضر لأجل إصلاحهم. فهم لم يقرأوا ما كُتِبَ عن رجاء الذين لقوا حتفهم في أثناء الطوفان، الرجاء الذي قال عنه بطرس في رسالته الأولى: لقد مات المسيح بحسب الجسد، ولكنه محيي بحسب الروح، وبهذا الروح مضى وبشّر الأرواح المضبوطة في السجن، تلك التي عصت قديمًا إذ كان حلم الله يتأنى، أيام كان نوح يبني الفلك الذي نجا فيه، بالماء، عدد يسير من الناس -ثمانية أنفس بالضبط. وأنتم أيضًا يخلصكم اليوم بالعماد على النحو نفسه. ويا ليتهم يقولون لنا، في موضوع سدوم وعمورة، هل يعتقدون بصدور الأقوال النبوية عن الله، الذي نُقِلَ عنه أنه أمطر عليهم وابلاً من نار وكبريت! ماذا يقول حزقيال عن هاتين المدينتين؟ ستعود سدوم إلى قديم حالها. فإذ إنه اقتصّ من الذين استحقوا القصاص، ألم يفعل ذلك لمنفعتهم؟ فقد قال مخاطبًا بنت الكلدانيين: عندك حجر، فاقعدي عليه يُثبِك خيرًا. وفي شأن الذين سقطوا في البرية، ليصغي الزنادقة إلى ما جاء خبره في المزمور 77، منسوبًا بعنوانه إلى آساف: إذ كان يقتلهم كانوا يلتمسونه. لم يق إنّ بعضًا منهم إذ قُتِلوا، كان آخرون يلتمسونه، بل إنّ الذين قُتِلوا قد لقوا حتفهم، بحيث إنهم كانوا يلتمسون الله عندما قضوا نحبهم. فهذا كله يُظهِر أنّ الله العادل والصالح، إله الناموس والأناجيل، إله واحد هو هو نفسه، وأنه يعمل الخير بعدلٍ، ويعاقب بصلاحٍ، إذ ليس الصلاح دون العدل، ولا العدل دون الصلاح، علامة منزلة الطبيعة الإلهية”. (في المبادئ 2: 5: 3).

يستمر العلامة أوريجينوس بالرد على الغنوسيين وادعاءاتهم الفاسدة بإلهين في الكتاب المقدس في سياق تفسيره لشفاعة موسى وهارون أمام الله أثناء حادثة تمرد قورح وداثان وأبيرام وانتشار الوباء بين العبرانيين (عد16: 46). حيث يُذكِّر العلامة أوريجينوس بلطف الله الذي تمتع به تلاميذ المسيح، لكيلا يتزعزع أحد بتأثير الهراطقة فهم يقولون إنّ رب الشريعة ليس محبًا لكنه عادل، وإن شريعة موسى لا تُعلِّم المحبة بل العدل. فلينظروا هؤلاء المحاربون لله، والمحاربون للشريعة كيف أنّ موسى نفسه وهارون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مقدمًا لتعاليم الإنجيل. موسى “أحب أعداءه وصلى لأجل مضطهديه”. هذا ما علّمته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أنْ يقتلوهما. إذًا، نجد قوة الإنجيل في الشريعة، ولا تُفهم الأناجيل إلا على أساس الشريعة. (عظات على سفر العدد 9: 4).

كما أن هناك مغالطة كبيرة جدًا تقول إن أوريجينوس هو الوحيد الذي تحدث عن العقوبات التأديبية الشفائية وهذا عكس ما سنرى من كتابات أباء الكنيسة كالتالي:

يرى ق. كيرلس الأورشليمي إن الخطية هي شر مرعب للغاية، لكنها ليست بالمرض المستعصي شفائه، هي مرعبة لمَّنْ يلتصق بها، لكن مَنْ يتركها بالتوبة يُشفى منها بسهولة. (مقالات الموعوظين 2: 1)

ثم يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي على عظم محبة الله للبشر، وترفقه وطول أناته الشديدة عليهم من أجل توبتهم، ويُعدِّد أمثلة رحمة ورأفة الله بالخطاة، وتعامله معهم كما يتعامل الطبيب الماهر مع مرضاه، فيذكر طول أناته على جبابرة الأرض الخطاة خمسمائة عامًا يهدّدهم بالطوفان لكي يهبهم مهلة للتوبة، فلو أنهم تابوا لما أخفقوا في التمتع بمحبة الله المترفقة. ونفس الشيء صنعه الله مع راحاب الزانية الوثنية، ومع هارون عندما أخطأ في حق أخيه موسى، وترفقه بداود الساقط، ورحمته بسليمان وآخاب ملك السامرة، ويربعام الملك عابد الأوثان، ومع منسى الملك الشرير، ومع حزقيا الملك، ومع نبوخذ نصر الملك وغيرهم الكثيرين. (مقالات الموعوظين 2: 6- 20)

كما يواجه الأورشليميّ هرطقة الغنوسيين القائلين بإلهين في الكتاب المقدس، واحد للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، أنَّ الأسفار المقدسة وتعاليم الحق تعرفنا بإله واحد وحده، مدبر كل الأمور بقدرته، يتحمل كثيرًا بإرادته. إنه صاحب سلطان على الوثنيين، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الهراطقة الذين لا يقيمونه عليهم إلهًا، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الشياطين وبطول أناته يحتملهم، ليس لأنه محتاج إلى سلطان كمَّن هو ضعيف، لقد سمح للشياطين أن تعيش لغرضين: لكي تخزي نفسها بنفسها بالأكثر في حربها، ولكي يتكلل البشر بالنصرة. يا لعناية الله الحكيمة! التي تستخدم نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين! لا شيء يفلت من سلطان الله الذي يحكم الكل وبطول أناته يحتمل حتى المجرمين واللصوص والزناة محدّدَا وقتًا معينًا لمجازاة كل أحد، لكن إنْ أصّر مَن يحذّرهم على عدم التوبة من القلب ينالون دينونة عظيمة. (مقالات الموعوظين 8: 4، 5).

يوضّح ق. غريغوريوس النيسي مفهوم العقوبات الإلهية في سياق تفسيره للضربات العشرة التي حلت بالمصريين إنه يجب ألا نستنتج أنَّ هذه الضربات التي حلت بمَّن يستحقونها جاءت مباشرةً من الله، بل يجب أن نلاحظ أنّ كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله، ويخاطب بولس الرسول مذلة هذا الشخص، قائلاً: “ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يجازي كل واحد حسب أعماله” (رو2: 5)، ويؤكد أيضًا أننا عندما نقول أنّ الانتقام المباشر يحل من الله على مَّن يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمِن المنطقيّ أنْ نلاحظ أنّ أصل هذه المعاناة وسببها هو في أنفسنا، حيث لا يمكن أنْ يحلّ بنا شر إلا باختيارنا الحر. (حياة موسى 2: 85- 88).

ينتقد ق. كيرلس عمود الدين القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله “ذياس” يتحدث مع آلهة أخرى عن زنى “إيجيستوس” وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ. فلأي سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تسبب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مستقيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ متخطيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أما الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويفضِّلون الظلم، هؤلاء يفسدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم. (السجود والعبادة بالروح والحق: المقالة 6).

يتحدث ق. كيرلس أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإن الناموس يحاكمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها مدن الملجأ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مخالفين لله، كما يقول الكتاب: “لأنَّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك8: 21).

فكما ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يشير إلى أقسام الأرض السفلى، أي الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، ونزل إلى الجحيم، فتح أبوابه، وحرّر النفوس من القيود. (المرجع السابق: المقالة

كما يرى ق. كيرلس ضلال عبادة الأوثان عند اليونانيين الذين يختارون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابة كثيفة الظلال ليبنوا فيها هياكل من أجل تقديم ذبائح للشياطين فيها، ويرتّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن بسبب الضعف؛ الذي هو المرض الطبيعيّ للمزيفين، الذي يحتاج للعلاج. (المرجع السابق: المقالة 10).

يوضّح القديس إيسيذوروس الفرمي مفهوم العقوبة الإلهية، ويرى أنَّ تقويم وتصحيح الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نسميه غضبًا ولا سخطًا، بل بالحري نُصحًا وموعظةً. لكن لو اعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يؤمنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء والعواطف بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم. (رسالة إلى سلوانس 344)

ويؤكد نفس المفهوم الشفائيّ والتربويّ عن العقوبة الإلهية في موضع آخر، حيث يرى أن الطبيعة الإلهية وغير الدنسة قد أعطتنا كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يحافظ على احترام العقائد. (رسالة إلى الدياكون إيسيذوروس 467).

كما يناقش ق. باسيليوس موضوع الدينونة الإلهية والعقاب، ويفسرها وكأنه يتحدث بلسان حال أيامنا الحاضرة كالتالي:

”الحديث عن الدينونة تكرر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس، باعتباره أمر ملزم، وقادر أن يحفظ أولئك الذين آمنوا بالله في المسيح يسوع في تعليم التقوى. ولأن الكلام عن الدينونة قد كُتب بطرق مختلفة، فمن الواضح أنه أحدث التباسًا لدى أولئك الذين لا يميزون المعنى بدقة. […] ولكن من الواضح أن كلمة “أدان” نتقابل معها في الكتاب المقدس، تارة بمعنى “أُجرب”، وتارة أخرى بمعنى “أحكم على نفسي” […] وقيل أيضًا إن الرب سيدين أو سيجازي كل إنسان، أو يحاسب كل إنسان، أي عندما يفحص الله كل إنسان، سيضع ذلك الإنسان نفسه في مواجهة الدينونة أو القضاء، وسيضع الله مقابل وصاياه أعمال أولئك الذين أخطأوا. وسيبين في دفاعه أن كل ما كان منوط به عمله لأجل خلاص جميع المدانين، فهذا قد عمله وتممه، حتى يقتنع ويثق الخطاة أنهم مذنبين، بسبب ما ارتكبوه من خطايا، وبعدما يقبلون بالقضاء الإلهي، سيقبلون العقوبة المفروضة عليهم بإرادتهم” (عظات على المزامير 2: 4).

ويستطرد ق. باسيليوس في نفس السياق موضحًا معنى العقوبة الإلهية كالتالي:

”فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتي على المدن والأمم لكي توقف وتحجّم فعل الشر المتفاقم. إذًا مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض الإجراءات” (عظة الله ليس علة الشر).

كما يشرح ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي معنى العقاب والدينونة الإلهية كظلمة وعمى روحيين وانفصال عن التنعم بمعاينة الله كالتالي:

”فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وافهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهرين في أذهانهم أعني أنهم سيرون الله وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نسميه “الملكوت السماوي”. وافهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جادة الحق والصواب. أي تغرب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى” (عظة المعمودية والمعمدون).

كما ينقل ق. يوحنا كاسيان رأي الأب ثيؤدور عن مفهوم العقوبة الإلهية كعقوبة تأديبية شفائية كالتالي:

”اعتاد الكتاب المقدس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصلي. فيستخدم كلمة “الشرور” عن “الأحزان والضيقات” ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَن تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يعتبرونها شرًا. فحينما يتحدث الحكم الإلهي مع البشر، يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كي الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس أو السوط يكون مفيدًا للحصان الجموح. والتأديب يُعتبر مرًا بالنسبة للمؤدبين، إذ يقول الرسول: “ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر السلام” (عب12: 11)، “الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله فأي ابن لا يؤدبه أبوه؟!” (عب12: 6، 7)” (المناظرات 6: 6).

نستنتج من هنا أن إلهنا صالح وإلى الأبد رحمته، وليس هو الإله الوثني السادي المنتقم الذي يبشر ويكرز به البعض في أيامنا هذه عن جهل، وعدم وعي، وعدم اختبار حقيقي لإلهنا الصالح. نصلي لإلهنا الصالح أن يرفع البرقع عن القلوب والعقول والأذهان والأفهام ليدركوا عظم صلاح الله.

مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.

لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.

لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.

وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.

للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.

يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:

“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.

إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.

إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.

يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:

“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.

K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.

ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:

“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”

Ibid, n. 3.

ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:

“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.

لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.

N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:

“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.

إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.

فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

Exit mobile version