مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس
مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس
نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.
لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.
لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.
وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.
للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.
يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:
“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.
إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.
إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.
باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.
سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.
يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:
“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.
K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.
ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:
“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”
Ibid, n. 3.
ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:
“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.
لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.
N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.
يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:
“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.
إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.
فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.
Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.
مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
إغناطيوس هو الأسقف الثاني على إنطاكية، وهو رجل ذو شخصية فريدة حُكم عليه في عهد تراجان (98-117م) بأن يقدم للوحوش المفترسة، فتم ترحيله من سوريا إلى روما لكي يستشهد هناك. وفي طريقه إلى المدينة الخالدة، كتب القديس إغناطيوس سبع رسائل هي الذكرى الوحيدة الباقية لنا عن الآلام الشديدة التي جازها.
كُتبت خمس من هذه الرسائل إلى الجماعات المسيحية في مدن أفسس ومغنسيا وتراليا وفيلادليفيا وسميرنا (أزمير)، وهي المدن التي كانت قد أرسلت مندوبين عنها لتحيته عندما كان في طريقه إلى روما. وهناك أيضاً رسالة أخرى موجهة إلى الأسقف بوليكاريوس أسقف سميرنا، أما أهم تلك الرسائل جميعاً فيه تلك الموجهة إلى الجماعة المسيحية في المدينة التي كان يقصدها، مدينة روما.
والرسائل التي قُصد توجيهها إلى أفسس ومغنسيا وتراليا، تم تدوينها في مدينة سميرنا، وهو يشكر فيها الجماعات المسيحية في تلك المدن على ما أظهروه ببراهين كثيرة من شفقة عليه بسبب ما هو مزمع أن يواجهه، ثم يحثهم على طاعة الرؤساء الكنسيين ويحذرهم من التعاليم الغريبة التي للهراطقة.
ومن نفس المدينة، أرسل إغناطيوس تحياته الحارة إلى أعضاء كنيسة روما، راجياً إياهم ألا يتخذوا أي خطوة تحول دون تحقيق رغبته الشديدة، وهي أن يموت من أجل المسيح، لأن الموت بالنسبة له ما كان إلا بداية الحياة الحقيقية: “كم هو مجيد أن أكون شمساً تغرب عن العالم نحو الرب حتى أشرق في حضوره” (رومية 2: 2). “أخاف أن يضرني حبكم، لأني لن أجد فرصة أخرى لملاقاة الرب. فأنا حنطة الرب ويجب أن أطحن بأسنان الوحوش الضارية حتى أصير خبزاً نقياً للمسيح” (رومية 1: 2، 2: 1، 4: 1).
أما رسائل إغناطيوس إلى شركائه في الإيمان في كل من فيلادليفيا وسميرنا، بالإضافة إلى رسالته لبوليكاريوس، فأرسلت من تراوس، لأنه كان قد نما إلى علم إغناطيوس، عندما كان هناك، أن الاضطهاد قد توقف في إنطاكية، ومن ثم أرسل إلى المسيحيين في فيلادليفيا، وسميرنا، وأيضاً إلى أسقف سميرنا “بوليكاريوس” ليحثهم على أن يرسلوا رُسلاً إلى أنطاكية لتهنئة الإخوة هناك.
وتُشبه هذه الرسائل بشدة تلك التي كان إغناطيوس قد أرسلها من سميرنا، وذلك من حيص الموضوعات التي تتناولها، فهي تحمل رجاءً حاراً من أجل وحدة الإيمان ووحدة الذبيحة، وتحث قراءها على الارتباط الوثيق بالأسقف المعين لرعايتهم. أما الرسالة إلى بوليكاريوس فتتضمن، إضافة إلى ما سبق، تعليمات خاصة بخدمة الأسقف؛ فهو يسدي إليه بعض النصائح مثل: “قف ثابتاً مثل السنديان تحت المطرقة، الرياضي العظيم هو الذي يتلقى الضربات ولكنه يغلب” (بوليكاريوس 3: 1).
وتلقي هذه الرسائل بالضوء على الحالة الداخلية للجماعات المسيحية المبكرة، وهي أيضاً تعطينا لمحة عما يدور في قلب هذا الأسقف الشهيد العظيم، وترسل نحونا نسمة من الغيرة الروحية، تلك التي تمتلك كياننا وتُشعل في قلوبنا نارها. ولغة إغناطيوس روحية وشديدة الأصالة، تبعد عن الزخارف الكلامية والتكلف الأدبي وروحه تحمل غيرة لا تضاهى وحماسة تحلق في مستوى يعلو أساليب التعبير المعتادة وتتخطاه. وأخيراً، فإن تلك الرسائل ذات أهمية تفوق الوصف في تاريخ العقيدة.
التعاليم اللاهوتية عند القديس إغناطيوس
إن عقيدة “التدبير الإلهي في الكون” هو محور التعاليم اللاهوتية عند إغناطيوس. فلقد أراد الله أن يخلص العالم والبشرية من طغيان رئيس هذا العالم، لذا أعد البشرية للخلاص في اليهودية، مستخدماً الأنبياء كأداة؛ الذين قد تحقق لهم كل ما كانوا ينتظرونه في المسيح: “يسوع المسيح هو معلمنا الوحيد. إنه هو الذي تتلمذ له الأنبياء في الروح، وهو الذي كانوا ينتظرونه كمعلم لهم. (مغنسيا 9: 1-2).
التعاليم الخريستولوجية عند إغناطيوس واضحة جداً، سواء فيما يختص بلاهوت المسيح أو ناسوته: “هناك طبيب واحد، جسدي وروحي، مولود وغير مولود الله قد صار إنساناً، وحياة حقيقة في الموت نبعت من العذراء ومن الله تألم قبلاً، وهو الآن عصيّ عن الألم، يسوع المسيح ربنا” (أفسس 7: 2). ويقول أيضاً: “إنه بالحقيقة من نسل داود حسب الجسد وابن الله بمشيئة الله[1] وقوته؛ ولد حقاً من عذراء، واعتمد من يوحنا لكي يكمل كل بر” (سميرنا 1: 1).
والمسيح لا زمان له وغير منظور . “ترجى ذاك الذي لا زمان له، غير المنظور الذي لأجلنا صار منظوراً، غير المتألم الذي صار معرضاً للألم إكراماً لنا، الذي لأجلنا احتمل كل شيء” (بوليكاريوس 3: 2).
وفي الوقت نفسه هاجم إغناطيوس البدعة المعروفة باسم “الدوستية”[2] (الخيالية) التي أنكرت طبيعة المسيح البشرية، خاصة فيما يتعلق بآلامه: “لكن إن قال أحد، مثل بعض الملحدين غير المؤمنين، إن آلامه كانت خيالية (وهم الخياليون حقاً) فلماذا أنا إذاً في سلاسل؟ لماذا أصلي حتى أصارع الوحوش؟ سأموت إذاً عبثاً! ستكون شهادتي، في آخر الأمر، مجرد كذبة عن الرب! تجنبوا هذه الأغصان البرية التي لا تحمل سوى ثمر مميت، تلك التي إن ذاقها أحد يحكم عليه بالموت الكلي” (تراليا 1: 10، 11).
“إنهم يجتنبون الصلاة والاشتراك في الإفخارستيا، لأنهم لا يعترفون بأن الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم من أجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته. وهكذا يهلك هؤلاء الذين في مجادلاتهم يشككون في عطية الله. الأفضل لهم أن يقتنوا المحبة حتى يكون لهم نصيب في القيامة. إذاً، من الأفضل أن نتجنب مثل هؤلاء القوم ولا نتحدث عنهم سواء سراً أو علانية، ولندرس كتابات الأنبياء جيداً، خاصة الأناجيل تلك التي نرى فيها الآلام واضحة والقيامة ظاهرة بكمالها”. (سميرنا 7).
وبعد أخذ كل ما يلزم في الاعتبار، يمكننا أن نقول إن الأساس الذي قامت عليه التعاليم الخرستولوجية للقديس إغناطيوس هو التعاليم اللاهوتية عند القديس بولس، لكنها تأثرت أيضاً بتعاليم القديس يوحنا اللاهوتي الذي أثراها.
سُميت الكنيسة في رسائل القديس إغناطيوس بـ “مكان الذبيحة” (أفسس 5: 2؛ تراليا 7: 2؛ فيلادلفيا 4) ويبدو أن مفهوم الإفخارستيا باعتبارها الذبيحة التي تقدمها الكنيسة هو سبب هذه التسمية، خاصة وأن الإفخارستيا قد سُميت في الديداخي “الذبيحة”. ولقد دعا إغناطيوس الإفخارستيا “دواء الخلود، وترياق عدم الموت، والحياة الأبدية في المسيح” (أفسس 20: 2)، وهو ينصح قائلاً: “إذاً، احرصوا على الاشتراك في إفخارستيا واحدة؛ لأن جسد ربنا يسوع المسيح واحد، وواحد هو الكأس الذي وحدنا بدمه، كما أن هناك أسقفاً يساعده القساوسة والشمامسة شركائي في الخدمة”. (فيلبي 4).
كما أن الاقتباس التالي واضح بما لا يدع مجلاً للخطأ في فهم المعنى المقصود: “الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم لأجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته”. (سميرنا 7: 1).
كان إغناطيوس هو أول من استخدم مصطلح “الكنيسة الجامعة[3]” (سميرنا 8: 2) ويعني به المؤمنين كلهم بشكل جماعي: “حيث يظهر الأسقف هناك تجتمع الرعية، تماماً كما أنه حيث يكون يسوع المسيح هناك تكون الكنيسة الجامعة” (سميرنا 8: 2).
وندرك من رسائل إغناطيوس الصورة الحية لكرامة الرئاسات الكهنوتية والمكانة الممنوحة للأسقف في وسط رعيته. ولا يذكر القديس إغناطيوس أي شيء عن الأنبياء الذين كانوا لا يزالون ينتقلون من كنيسة إلى أخرى مدفوعين من الروح القدس كما وصفوا في الديداخي، بل كان هناك أساقفة ذوو سلطة يرعون جماعات. ونحن لا نرى في الصورة سوى الأسقف الذي يحيط به كهنته وشمامسته. ويترأس الأسقف كممثل لله، ويشكل الكهنة مجمع الرسل، ويقوم الشمامسة بخدمات المسيح: “إني أنصحكم بأن تجتهدوا لتفعلوا كل شيء في اتفاق إلهي، برئاسة الأسقف القائم مقام الله، والكهنة يعملون كمجمع الرسل، أما الشمامسة – وهو الأقرب إلى قلبي – فمؤتمنون على خدمة يسوع المسيح” (مغنيسيا 6: 1).
إن الفكرة القائلة بأن الأسقف يمثل حضور المسيح تكسب وظيفته كرامة وسمواً غير عادي حتى أن سلطان الأسقف صغير السن يصبح أمرً لا يمكن التشكيك فيه: “ولكن بالنسبة لكم أيضاً، يجب ألا تستغلوا له كل احترام لكونه يمثل سلطة الله الآب، وقد عرفت أن قساوستكم يفعلون هذا عينه، إنهم لا يطلبون أن يربحوا شيئاً من وراء حداثة سنه؛ لا، بل إنهم حكماء في الله ولهذا يخضعون له، أو بالأحرى ليس له، بل لأبي ربنا يسوع المسيح، أسقف البشر جميعهم.” (مغنيسيا 3: 1).
والأسقف – قبل كل شيء – هو معلم المؤمنين والمسؤول عنهم، ومعنى أن يكون المسيحي في شركة معه هو أن يكون محصناً ضد الخطأ والهرطقة (تراليا 6؛ فيلادلفيا 3)، وذلك لأن الأسقف دائماً ما يحض رعيته على السلام والوحدة اللذين لا يمكن الوصول إليهما إلا بالتضامن مع الرئاسة الدينية: “لذلك يجب أن تعملوا في اتفاق مع فكر الأسقف؛ وهذا هو ما تفعلونه. وبكل تأكيد ينطبق هذا الكلام على جماعة قساوستكم، هؤلاء الجديرون باسم القسوسية والجديرون بالله، لأنهم متناغمون مع الأسقف تماماً كتناغم الأوتار مع القيثارة، ولهذا السبب تنطبق من سيمفونية تناغمكم ومحبتكم ترانيم التسبيح ليسوع المسيح. لكن، ينبغي عليكم – أيها العلمانيون – أن تشكلوا أنتم أيضاً جوقة تسبيح، وذلك حتى إنه بانضمامكم إلى تلك السيمفونية بتناغمكم معاً، وحصولكم على مفتاح موسيقاكم من الله باتحادكم، يمكن لكم في صوت واحد من خلال يسوع المسيح أن ترنموا للآب، وهكذا سيسمعكم وسيميز فيكم ألحان ابنه بسبب صلاح حياتكم. لذلك، يجب عليكم أن تستمروا في وحدتكم التي لا عيب فيها، حتى يكون لكم في كل وقت نصيب في الله” (أفسس 4، ACW).
والأسقف – بحسب إغناطيوس – هو أيضاً رئيس الكهنة المسؤول عن إقامة الليتورجيا وهو موزع أسرار الله، فلا يمكن أن يُحتفل بالمعمودية أو مائدة الأغابي أو الإفخارستيا بدونه: “ليس مسموحاً بدون إذن الأسقف أن تتم معمودية أو تقام مائدة أغابي؛ لكن الأمر الذي يقره الأسقف، مهما يكن، هو مقبول من الله، وهكذا يكون كل شيء تفعلونه محصناً من الأخطار وشرعياً”. (سميرنا 8: 2). “لا يصنع أحد شيئاً متعلقاً بالكنيسة بعيداً عن الأسقف. ولنعتبر الاحتفال الإفخارستي الذي يقيمه الأسقف أو من ينوب عنه هو وحده الشرعي”. (سميرنا 8: 1).
وبالمثل، يجب أن تُبرم عقود الزواج أمامه: “بالنسبة لهؤلاء الذين من الجنسين ويفكرون في الزواج، سيكون من اللائق أن يدخلا في هذا الاتحاد بمباركة الأسقف؛ وهكذا يكون زواجهم مقبولاً أمام الرب وليس إشباعاً لشهوة ما”. (بوليكاريوس 5: 2).
إن شرح القديس إغناطيوس للزواج والبتولية يُظهر تأثير القديس بولس عليه، فالزواج عنده يمثل الاتحاد بين المسيح وعروسه الكنيسة: “أخبر أخواتي أن يحببن الرب وأن يكتفين بأزواجهن جسدياً وروحياً. وبالمثل، أنصح إخوتي في اسم يسوع المسيح أن يحبوا زوجاتهم مثلما أحب الرب الكنيسة” (بوليكاريوس 5: 1).
ولكنه أيضاً ينصح بالبتولية: “إذا كان إنسان يستطيع أن يظل بتولاً لإكرام جسد الرب، فليهرب دائماً من التفاخر.” (بوليكاريوس 5: 2).
حينما يقارن المرء افتتاحيات الرسائل الموجهة إلى الجماعات المسيحية في آسيا الصغرى مع التحيات التي وجهها إغناطيوس إلى كنيسة روما، لن يبادره أي شك في كون إغناطيوس يضع كنيسة روما في مكانة أعلى من الكنائس الأخرى، ولا يمكن أن نكون قد بالغنا في فهم دلالة هذه التحيات؛ فهي بمثابة أقدم اعتراف بأولوية كنيسة روما نملكه بقلم كاتب كنسي غير روماني[4]: “من إغناطيوس المدعو أيضاً حامل الله إلى الكنيسة التي وجدت رحمة في العظمة الفائقة التي لله الآب العلي، وفي يسوع المسيح ابنه الوحيد؛ الكنيسة التي بإرادته – ذاك الذي بإرادته صار كل شيء – صار محبوبة ومستنيرة بإيمان ومحبة يسوع المسيح إلهنا؛ المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان، تلك اللائقة بالله، واللائق بها الفخر، واللائق بها الحبور، واللائق بها المديح، واللائق بها القداسة، والمترئسة في المحبة، والحافظة لشريعة المسيح، والحاملة لاسم الآب، أحييها باسم يسوع المسيح ابن الآب. وأتمنى الفرح الذي لا ينقطع في يسوع المسيح إلهنا لهؤلاء الذين هم متحدون في الجسد والروح بكل وصاياه الذين برباطة جأش يتمتعون بملء نعمة الله، هؤلاء الأنقياء من كل صبغة غريبة” (ACW) ومن ضمن ألقاب المديح التي أسبغها إغناطيوس الأنطاكي على كنيسة روما لقب محدد استرعى انتباه الدارسين، وهو “المترئسة في المحبة” ، لكنهم منقسمون جداً حول ما يعنيه هذا اللقب، فقد رأي أ. هارناك (A. Harnack) في هذه العبارة مجرد اعتراف يحمل عرفاناً بالجميل بسبب المحبة الفائقة التي كان المسيحيون الرومانيون يُظهرونها. فوفقاً لرأيه، لُقبت كنيسة روما بلقب “المترئسة في المحبة” لأنها كانت أكثر الكنائس إحساناً وكرماً واستعداداً لتقديم يد العون، ولهذا السبب صارت حامية وراعية المحبة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يتجاهل حقيقة كون اللقب قد جاء ذكره في التحيات مرتين بدون أي تغير واضح في المعنى، وقد ذكره إغناطيوس في المرة الأولى على النحو التالي: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان” ، وهنا تصبح فكرة الرئاسة الكنسية لا مفر منها[5]، ويصبح تفسير هارناك غير قابل للتطبيق. أما الدليل على هذا هو أن العبارة الاصطلاحية اليونانية نفسها المستخدمة هنا لم تستخدم في أي مكان آخر في رسائل إغناطيوس إلا في (مغنيسيا 6: 1، 2)، وهي تشير، بلا أدنى خطأ من جانبنا، إلى ممارسة الأسقف والقساوسة والشمامسة لوظيفة الإشراف. كما أن هناك مشكلة أصعب فيما يتعلق بالمعنى المقصود من كلمة “المحبة” ، فمن يقرأ رسائل إغناطيوس سرعان ما سيدرك أن كلمة مُستخدمة فيها بعدة معاني. ولقد قدم (F. X. Funk) حلاً اعتمد فيه على حقيقة كون إغناطيوس قد قام في أحيان عدة (مثلاً في: فيلادلفيا 11: 2؛ سميرنا 12: 1؛ تراليا 13: 1؛ رومية 9: 3) بجعل المصطلح “المحبة” مرادفاً للكنائس التي وجه إليها رسائله، ولكنه قام بتغير العبارة في الرسالة إلى كنيسة روما إلى: “مترئسة على رباط المحبة” بحيث تكون عبارة “رباط المحبة” مجرد طريقة أخرى لقول “الكنيسة الجامعة”. ولكن الأبحاث اللاحقة التي قام بها كل من (J. Thiele) و(A. Ehrhard) أثبتت أنه من المستبعد أن تكون هذه هي الترجمة الصحيحة وذلك مع أخذ سياق واتجاه فكر إغناطيوس في الاعتبار. أضف إلى ذلك أن الترجمات اللاتينية القديمة، والسريانية، والأرمنية لرسائل إغناطيوس لا تدعم مثل هذه الصياغة. أما الاقتراح الذي قدمه (J. Thiele) فهو الأكثر أقناعاً، وهو يقوم على إعطاء الكلمة المذكورة في هذه الفقرة معنى أوسع وأعمق، وفهم كلمة “المحبة” باعتبارها تعني كلية الحياة الخارقة للعادة التي يضرمها المسيح في قلوبنا بحبه، وهكذا يكون إغناطيوس قد عزا إلى كنيسة روما – بالعبارة القائلة: “المترئسة في المحبة” – السلطة ليكون لها دور الإرشاد والقيادة في هذا الأمر الذي يشكل جوهر المسيحية، وكذلك في النظام الجديد الذي أدخلته إلى العالم محبة المسيح الإلهية للبشر. لكن، وبعيداً عن تلك المشكلة الممثلة في هذا المُصطلح الصعب، تُظهر رسالة إغناطيوس إلى كنيسة روما في مُجملها – متخطية أي اعتراضات – أن إغناطيوس قد اعترف بالمكانة المُشرفة الممنوحة لكنيسة روما باعتباره أمراً تستحقه، وأن هذه المكانة المُشرفة ليس مؤسسة على مدى ما يتركه إحسانها من تأثير، بل على كونها حقاً أصيلاً أن تكون لها الأولية في الكنيسة الجامعة، وهذا ما تؤكده هذه العبارة الواردة في التحيات التي تقول: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان”؛ وأيضاً عبارة “بل علمتم الآخرين” (روما 3: 1)؛ ومرة ثالثة بالطلب الذي قدمه إغناطيوس الأنطاكي لأعضاء كنيسة روما في رسالته إليهم بأن يقفوا إلى جانب كنيسة سوريا كما كان للمسيح أن يفعل وكما يجدر بالأسقف أن يعمل: “اذكروا في صلواتكم الكنيسة في سوريا تلك التي ليس لها إلا الله ليرعاها بدلاً مني. فلن يكون لها أسقف سوى يسوع المسيح ومحبتكم” (فصل 9: 1) وأيضاً من الأمور ذات المغزى، هو أن إغناطيوس بالرغم من أنه في كل رسائله يحض المؤمنين على الوحدة والتناغم إلا أنه لا يفعل ذلك في رسالته إلى كنيسة روما، وذلك لأن سلطانها ممنوح لها من مقدمي الرسولين بطرس وبولس: “إني لا آمركم كبطرس وبولس؛ إنهما رسولان أما أنا فمدان” (روما 4: 3). وهذه الشهادة أيضاً تجعل من إغناطيوس شاهداً مهماً على إقامة بطرس وبولس المؤقتة في روما.
المنهج السرائري (المستيكي) للقديس إغناطيوس
ومثلما تجمع التعاليم الخريستولوجية للقديس إغناطيوس بين التعليم اللاهوتي للقديس بولس والتعليم اللاهوتي للقديس يوحنا، هكذا أيضاً تأثر مذهبه المستيكي بكليهما، فهو يربط بين تعليم بولس عن الاتحاد بالمسيح وتعليم القديس يوحنا عن الحياة في المسيح. وهنا تظهر فكرة القديس إغناطيوس المحببة لديه وهي فكرة “الاقتداء بالمسيح”.
1 – الاقتداء بالمسيح
ربما لم يتحدث كاتب في العصور المسيحية المبكرة عن “الاقتداء بالمسيح” بمثل هذه الفصاحة التي تحدث بها القديس إغناطيوس. فإذا أردنا أن نحيا حياة في المسيح وفي الله لا بد أن نتبنى المبادئ والفضائل التي لله وللمسيح: “لا يستطيع الجسداني أن يحيا حياة روحية، ولا يستطيع الروحاني أن يحيا حياة جسدانية، فلا يمكن للإيمان أن يمارس أفعال الكفر، ولا يمكن للكفر أن يأتي بأفعال الإيمان. لكن، حتى الأشياء التي تفعلونها بالجسد هي روحي، لأننا نفعل كل شيء متحدين بيسوع المسيح”. (أفسس 8: 2).
ومثلما كان المسيح يعمل ما يعمله الآب، هكذا أيضاً يجب علينا أن نقتدي بالمسيح: “افعلوا ما فعله المسيح، لأنه هو أيضاً عمل ما يفعله الآب.” (فيلبي 7: 2).
ولكن هذا الاقتداء بالمسيح لا يقتصر فقط على حفظ الناموس الأخلاقي في حياة لا تختلف قيد أنملة عما علم به المسيح، ولكنه أيضاً يتضمن بشكل خاص أن يأخذ المرء إلى نفسه آلام المسيح وموته، وهكذا يستعطف إغناطيوس مؤمني روما قائلاً: “دعوني أتمثل بإلهي المتألم” (روما 6: 3).
2 – الاستشهاد
ينبع اشتياق إغناطيوس وحماسه للاستشهاد من إدراكه للاقتداء بربه، فهو يفهم الاستشهاد باعتباره قمة الاقتداء بالمسيح؛ ومن ثم يكون التلميذ الحقيقي للمسيح هو من لديه الاستعداد أن يبذل حياته من أجله: “إني لم أكتمل بعد في يسوع المسيح، ولكني بالفعل قد بدأت الآن أن أكون تلميذاً، وإني أخاطبكم الآن كشركائي في التلمذة.” (أفسس 3: 1) “أعذروني، أنا أعرف جيداً أين تكمن مصلحتي، فأخيراً أنا في طريقي لأكون تلميذاً. أتمنى ألا يشتت انتباهي أي شيء سواء كان منظوراً أو غير منظور حتى أكمل طريقي بسعادة إلى يسوع المسيح! النار، الصليب، الصراع مع الوحوش، سحق العظام، تشويه الأطراف، سحق الجسد بالكامل، العذابات الرهيبة التي يثيرها الشيطان، لتأت كلها عليّ بشرط أن أسير في طريقي إلى يسوع المسيح. فليس لأقاصي الكون أو ممالك العالم أية أهمية عندي، فأنا أفضل أن أموت وأمضي إلى يسوع المسيح على أن أصير ملكاً على الأرض كلها. إني أطلب ذاك الذي مات من أجلنا، إني أحب ذاك الذي قام بسببنا. لقد أتت آلام المخاض عليّ. سامحوني أيها الأخوة، لا تعطلوا وصولي إلى الحياة، ولا تكونوا راغبين في موتي؛ لا تقدموا إنساناً هدية إلى العالم وهو يريد أن يكون ملكاً لله، احذروا لئلا تغروني بالماديات، واسمحوا لي أن أنال النور النقي، فبمجرد أن أصل إلى هناك سأصير إنساناً”. (رومية 5: 3-6) “لماذا إذاً أسلم نفسي للموت، للنار، للسيف، للحيوانات المفترسة؟ حسناً أن اقترب من السيف يعني أني سأكون في يد الله، ليكن هذا فقط في اسم يسوع المسيح! إني أحتمل كل شيء لأتألم معه، يمنحني القوة، ذاك الذي قد صار إنساناً” (سميرنا 4: 2).
3 – سكنى المسيح
إن تعاليم بولس الرسول عن حلول الله في النفس البشرية تُشكل أحد الموضوعات المفضلة عند القديس إغناطيوس، فإن ألوهية المسيح تسكن في نفوس المسيحيين[6] كما في هيكل: “لنفعل كل شيء ونحن مقتنعون أنه يسكن فينا، وهكذا نكون هيكله وهو إلهنا الذي فينا. هذا حق وسيظهر أمام أعيننا، لذا دعونا نحبه كما يستحق”. (أفسس 15: 3).
وكان إدراك إغناطيوس لسكنى الله في الإنسان قد امتلكه تماماً وألهمه إلى درجة أنه قد صك مصطلحات جديدة دخلت إلى ثقافة عصره، فهو يدعو المسيحيين بالألقاب التالية: “حاملو الله” ، “حاملو المسيح” ، “حاملو الهيكل” : “هكذا أنتم كلكم رفقاء لنا في رحلة السفر، حاملو الإله، وحاملو الهيكل، وحاملو المسيح.” (أفسس 9: 2) وهو يدعو نفسه “حامل الله” وهكذا كان يبدأ رسائله بالعبارة التالية: “إغناطيوس المدعو أيضاً ثيؤفورس”.
4 – الكينونة في المسيح
إن المسيح ليس فقط فينا، ولكننا نحن أيضاً واحد معه، ومن ثم يرتبط المسيحيون بعضهم بالبعض الآخر في اتحاد إلهي. وهكذا يكرر إغناطيوس مرة بعد أخرى تعبير القديس بولس “في المسيح”، فهو يرغب في أن “يوجد في المسيح”. والاتحاد بالمسيح هو الرابطة التي تجمع كل المسيحيين معاً، لذلك هو يتوسل إلى أهل أفسس أن يتمثلوا بالرب: “حتى تكونوا كاملين في النقاوة والتعقل في يسوع المسيح جسدياً وروحياً”. (أفسس 10: 3).
وقد كتب إغناطيوس في رسالته إلى مؤمني مغنسيا يقول إنه يصلي لأجل الكنائس: “إني أصلي لكي يكون فيهم الوحدة القائمة على جسد وروح يسوع المسيح الذي هو حياتنا الأبدية، وحدة الإيمان والمحبة التي ليس هناك شيء آخر أفضل منها، لكنها اتحاد بنوع خاص مع يسوع والآب”. (مغنسيا 1: 2).
ومن الأمور المميزة لإغناطيوس هو أنه يؤكد مراراً وتكراراً على أن المسيحيين يصبحون متحدين في المسيح فقط حينما يكونون متحدين مع أسقفهم بالإيمان، وبالطاعة، وعلى وجه الخصوص بالشركة في العبادة الإلهية؛ فهو لا يعرف الاستقلالية الذاتية في الحياة الروحية أو في الاتحاد السري بالمسيح، لكنه يعترف فقط باتحاد إلهي واحد مع المخلص، هذا الذي يتم من خلال العبادة الليتورجية، فالمنهج الروحي للقديس إغناطيوس ينبع من العبادة الإلهية، أي أن مركزها ليس هو الفرد الواحد بل الجماعة المؤمنة التي تعمل كجسد واحد من خلال الليتورجيا. وهذا يفسر السبب في أن مصطلحاته السرائرية التي تخلل أسلوبه الأدبي تميل إلى الرموز والعبارات التي مصدرها العبادة والليتورجيا.
أصالة الرسائل
كانت أصالة هذه الرسائل محل شك لمدة طويلة من قبل البروتستانت، فقد كانوا يرون – من وجهة نظرهم – أنه من غير المحتمل أن يجد المرء في زمن الإمبراطور تراجان نظام الأسقفيات المونارخية أي ذات الأسقف الواحد، وهذا الترتيب الواضح القاطع في تقسيم الوظائف الكهنوتية إلى أساقفة، وقسوس وشمامسة. لقد شكوا في رسائل إغناطيوس باعتبارها رسائل ملفقة كتبت لهدف معين هو خلق المنظومة الكهنوتية. ومثل هذا الادعاء ليس صحيحاً. ولكن اليوم يتفق الجميع على أصالة تلك الرسائل، وذلك بعد الدفاع البارع الذي قدمه كل من لايت فوت (J. B. Lightfoot)، وهارناك (A. V. Harnack)، وزان (Th. Zahn)، وفانك (F. X. Funk) عن أصالتها. وتقف كل من الأدلة الخارجية والداخلية في صالحها، فلدينا شهادات ترجع إلى زمن كتاباتها؛ فقد كتب القديس بوليكاريوس أسقف سميرنا – وأحد من وجهت إليهم تلك الرسائل – في رسالته إلى أهل فيلبي والتي كتبت بعد استشهاد إغناطيوس بوقت قليل: “نرسل إليكم كما طلبتم رسائل إغناطيوس التي أرسلها إلينا ورسائل أخرى موجودة عندنا، ستستفيدون منها كثيراً لأنها ستقودكم إلى الإيمان والصبر وكل ما يبني في ربنا”. (13: 2) وهذا الوصف ينطبق تماماً على الرسائل. وقد أشار كل من أوريجانوس وإيرينيوس إلى هذه الرسائل، أما يوسابيوس فقد ذكر أسماءها في ترتيبها التقليدي واعتبرها مكملة لبعضها البعض في مجموعة واحدة (Hist Eccles: 3: 36: 4 ff).
كيف وصل النص إلينا
حفظت هذه الرسائل لنا في ثلاثة نصوص:
1 – النص القصير
وهو النص الأصلي الموجود فقط باللغة اليونانية والمحفوظ في المخطوطة (Codex Mediceus lauretianus 57)، ويرجع هذا النص إلى القرن الثاني الميلادي، غير أنه تنقصه الرسالة إلى أهل رومية، لكن نصها قد وجد في المخطوطة (Codex Paris grace. No. 1457) التي ترجع إلى القرن العاشر الميلادي.
2 – النص الطويل
تم التلاعب بالمجموعة الأصلية وتحريفها في القرن الرابع الميلادي، فخرج النص الطويل من قلم كاتب معاصر لمؤلف “المراسم الرسولية”، وهو شخص لها علاقة ما بأتباع الهرطقة الأبوليناريةن[7]. وقد أضاف هذا الشخص ست رسائل مزورة إلى جانب الرسائل السبع الأصلية. ويوجد هذا النص الطويل في عدة مخطوطات يونانية ولاتينية، وقد اشتهر النص الطويل أولاً، فقد طبع باللغة اللاتينية عام 1489م ثم باللغة اليونانية عام 1557م. أما النص القصير الأصلين الخاص بكل من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل مغنسيا، والرسالة إلى أهل تراليا، والرسالة إلى أهل فيلادلفيا، والرسالة إلى أهل سميرنا، والرسالة إلى الأسقف بوليكاريوس، فقد طبع عام 1646م، ثم طبع نص الرسالة إلى أهل روما عام 1689م، ومنذ ذلك الحين صارت هناك قناعة بأن النص الطويل مزيف.
3 – المختصر السرياني
نشر W. Cureton عام 1845م نصاً سريانياً لمجموعة مكونة من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل روما، والرسالة إلى بوليكاريوس. ولقد اعتبر المحرر هذا المختصر السرياني هو النص الأصلي، غير أن لايت فوت (Lightfoot) وآخرين أثبتوا أن هذا النص ما هو إلا مختصر سرياني للنص القصير.
[1] تم توضيح علاقة الآبن بالآب في القرون اللاحقة حيث أكد الآباء أن الابن مولود من الآب بالطبيعة وليس بالإرادة على خلاف الخليقة التي أوجدت بمشيئة الله. (المراجع)
[2] هي بدعة تعود إلى القرن الأول الميلادي وانتشرت بين الغنوسيين، ينادي أصحابها بأن جسد المسيح هو خيال، وأن آلامه وموته كانت مجرد آلام ظاهرية، وتكلم عنهم القديس يوحنا الرسول في (1يو 4: 2؛ 2يو 7)، وحاربهم القديس إغناطيوس الإنطاكي في رسائله كما يتضح في المتن. (المراجع)
[3] لم يكن مصطلح “الكنيسة الجامعة” عند إغناطيوس يعني “الكنيسة الكاثوليكية” بالمعنى الطائفي، لكنه يعني نعتاً “للكنسية الرسولية الجامعة” لكل الأجناس والشعوب والبلاد و”الكراسي” الرسولية المحلية. (المراجع).
[4] المؤلف من أبناء الكنيسة الكاثوليكية، وهو بالرغم من مكانته العالية إلا أنه يحاول في كل مناسبة أن يستخرج من النصوص ما لا تتضمنه لإثبات أولية كنيسة روما أو عقائدها المختلفة كما سنرى. وعلى سبيل المثال، كما يتضح من النص، الصفات التي أطلقها ق. إغناطيوس على كنيسة روما لا تشير إطلاقاً إلى أولية تلك الكنيسة ورئاستها على بقية الكنائس كما يدعي المؤلف: فعبارة “المترئسة في عاصمة بلاد الرومان” إنما تعني أن وضعها هو مثل وضع كنيسة الإسكندرية بالنسبة لمصر، وكذلك “المترئسة في المحبة” فتعني تميزها في أعمال المحبة والرحمة وأنها أكثر الكنائس إظهاراً للكرم والإحسان. (المراجع)
[5] ارجع إلى الحاشية السابقة. (المراجع)
[6] التأثر الكاثوليكي عن المؤلف يظهر هنا أيضاً في الفصل بين اللاهوت والناسوت في هذه العبارة، لأن المسيح الواحد كله يتحد بنا روحياً بروحه القدوس وجسدياً بسر الإفخارستيا كما يقول ق. كيرلس السكندري. ونحن لا نرى هذا الفصل في الاقتباس الذي يورده هنا المؤلف للقديس إغناطيوس. (المراجع).
[7] كان أبوليناريوس من أشد المقاومين للآريوسية، وقد صار أسقفاً للاذيقية عام (361م). ادعى أبوليناريوس أن لاهوت اللوغوس حل محل الروح البشرية في المسيح. وقد رد القديس غريغورويوس النزينزي عليه في الرسالة 101 قائلاً: “ما لم يؤخذ كله لا يشفى كله”، مؤكداً أنه لا بد أن يتخذ الكلمة الناسوت كاملاً حتى يشفى الناسوت كاملاً. (المراجع).
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة