الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

مقدمة:

لعل من أكثر كتابات الآباء تعبيرًا عن الوحدة بين الروح والواقع هي كتابات الآباء شيوخ البرية الأقباط وذلك يعود لعمق خبراتهم الروحية والتي من خلالها تعاملوا مع كل الظروف المحيطة وأيضًا يعود إلى أنهم لا يدخلون الفلسفة في روحياتهم كاليونانيين.

مرة جاء افاغريوس البنطي إلى شيخ في البرية وسأله: ” لماذا يمارس المصريون النسك والتمييز أكثر من اليونانيين ؟

” فأجابه الشيخ ” لأن اليونانيين قد أهدروا وقتهم في حب الكلام والعجب ” وهذا يعكس لنا أن آباء البرية عاشوا التأمل Qewria والتاريخ istoria بعمق باطني يميز الروحانية القبطية. وسنتعرض الآن إلى هذا الجانب من خلال القديس مقاريوس المصري وسنلجأ في هذه الدراسة إلى عظات القديس مقاريوس التي صدرت في ترجمات عربية مختلفة.

 

الروح القدس والإنسان والكنيسة والتاريخ

في عظات القديس مقاريوس المصري

رؤية قبطية للعلاقة بين التأمل Qewria والتاريخ Istoria

 القديس مقاريوس المصري (300 ـ 390م) وأسماه إخوته في البرية ” الشاب الشيخ ” هو مؤسس منطقة الاسقيط الرهبانية وهو تلميذ العظيم الأنبا أنطونيوس وكلاهما يعبران وبصدق عن خصوصية الروحانية القبطية بل والشرقية والتي تتميز بالتفاعل العفوي والاندفاع القلبي نحو الشركة مع الله الآب في وجه يسوع الحبيب بالروح القدس. والروح القدس عند مقاريوس هو (فلاح النفس البشرية ومخصبها) ويقول العالم الفرنسي A.Guillaumont بأن عظات مقاريوس إنما تعبر عن الروحانية المسيحية في أنقى صورها ويذهب آخر إلى أن الشرق المسيحي لم يفصل أبدًا بين العقيدة كلاهوت والعقيدة كخبرة كنسية وروحية وأن العقائد الأساسية كالثالوث والتجسد وعمل الروح القدس والتي صاغها الآباء في القرون الأولى ما هي إلا صور الاختبارات النسكية وضعت في صيغ عقائدية. فالروحانية (النسك والسلوك) لا تنفصل عن العقيدة (اللاهوت). وبأسلوب آخر المخدع لا ينفصل عن المكتب.[1]

الروح لا ينفصل عن التاريخ والأحداث. وليس من قبيل المصادفة أن تزامن جهاد مقاريوس لإعلاء شأن الروح القدس وعمله في داخل النفس اختباريًا (هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة (7:5) عظات القديس مقاريوس الكبير مركز دراسات الآباء 1991 وسوف نقتبس دائمًا من هذه الترجمة مع الرجوع إلى النص اليوناني من حين إلى آخر). نقول تزامن جهاد مقاريوس مع جهاد الكنيسة لإعلاء شأن الروح القدس لاهوتيًا وصياغة ذلك عقائديًا في مجمع القسطنطينية 381م.

 

فخبرة الآباء الشيوخ هي ثيؤريا=تأمل Qewria والمجمع هو التعبير التاريخي عن هذه الخبرة، تاريخ Istoria  فهناك إذًا في ضمير الكنيسة وحدة بين الجهاد الروحي الاختباري والجهاد العلمي واللاهوتي [لأن تلك النار السماوية، ونار اللاهوت، التي يقبلها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل سوف تصير ظاهرة من الخارج] (عظة 1:11) فاللاهوت كعلم كنسي هو امتداد لعاصفة يوم الخمسيين في الكون.

[كما أن الثلاث فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم ” وسجدوا للرب بالروح والحق ” كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهية السماوية في إنسانها الداخلى وهم في هذا العالم وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشرية] (عظة 2:11) الترجمة الحرفية (يُشكل أو يرسم أيقونة سماوية) وفعل يُشكل morfie هو الذي استخدم الرسول الاسم منه في (فيلبى 2:5) “آخذًا صورة morfie العبد”.

في (عظة 30:4) يؤكد القديس مقاريوس أن السيد المسيح يرسم في النفوس صورة الإنسان السماوي على صورته. ويمثل لاهوت استدعاء الروح القدس Epiclesis في الليتورجيات الشرقية القاعدة لفهم فكر وممارسات آباء البرية وما يمثلونه من تيار نسكي ترك بصماته على الكنيسة أثناء الحقبة الآبائية، فالحياة النسكية هي استدعاء دائم للروح القدس لكي يحول جسدنا المائت إلى هيكل الحياة الأبدية أي يحول شهادة المسيح إلى واقع حي مقروء من جميع الناس أي يحول Istoria  إلى Qewria[2].

 

1ـ الروح القدس والسر المكتوم منذ الدهور:

يعتبر القديس مقاريوس أن الهدف الأساسي وراء ظهور السر المكتوم منذ الدهور في السيد المسيح هو أن [يتمتع الإنسان بالاشتراك في روح ونور الله] (عظة 2:1) وهذا النور يجعل الإنسان ناظرًا دائمًا إلى الأمام أي يصير شخصًا حيًا Prospon.

المختبرون شركة الروح القدس عند مقاريوس لا ينظرون إلى الوراء بل هم مستقبليون [لا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام] (عظة 2:1)، والسبب وراء القدرة على النظر إلى الأمام هو [الجمال الذي يفوق الوصف الذي لمجد نور السيد المسيح] ولعل أكثر ما يثلج قلب الآب أن نتمعن في وجه النور، وجه ابنه الوحيد الذي به سُر وأكثر ما يبهج الروح القدس أيضًا هو أن يشهد في قلوبنا للسيد المسيح ويأخذ مما له ويهمس به في أورشليمنا الداخلية حتى ننال نحن الموهبة غير المائتة. نحن إلهيون من جهة وتاريخيون من جهة البشرية.

إننا نسير لكننا نثبت فيما نسير. نحن زمان وروح في آنٍ واحد. يحملنا زمان لا يخلو من روح. وروح ليست مستقلة عن الزمان[3]. نـــكرز بــالـــنور في اليهودية والسامرة وأقصى الأرض فالروح القدس يعطى للشهادة بُعدًا تاريخيًا وبُعدًا كونيًا وبُعدًا شخصيًا.

 

 

2ـ الروح القدس والتدبير الإلهى والحس التاريخى للخلاص:

[هذا السر المكتوم أُعلن تديجيًا للبشر وربنا يسوع المسيح إذ اهتم بخلاص الإنسان نفذ منذ البدء كل تدبير وعناية من خلال الآباء والبطاركة والناموس والأنبياء وفي النهاية جاء هو بنفسه واستهان بعار الصليب واحتمل الموت من أجل أن يلد من ذاته ومن طبيعته أولادًا من الروح لأنه سُرَ أن يُولدوا من الروح من فوق أي من نفس لاهوته] (عظة 2:30).

 

 الروح القدس روح الـQewria  يعطى للإنسان والكنيسة حسًا تاريخيًا. والآباء وبينهم القديس مقاريوس تكلموا بإسهاب عن التدبير الإلهي منذ السقوط وحتى مجيء المسيح ونجد تعبير ” تاريخ الخلاص ” كثيرًا في المؤلفات اللاهوتية المعاصرة. فالروح يعمل منذ السقوط وفي تاريخ البشرية الساقطة بالأنبياء.

ويعمل في العالم الحاضر في قلوب المسيحيين التائبين وسيعمل في المستقبل (عظة1:11-6:30-30،7-1:35،2) وعن استمرارية عمل روح الله في التاريخ البشرى نقرأ هذا القول المملوء بنبض الروح العامل في التاريخ بكل ظروفه [لقد كانت قوة الله حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع وكانت تعمل عجائب منظورة وكانت النعمة الإلهية ساكنة فيهم وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ، التكلم حينما كانت تدعو الحاجة أن يُخبروا العالم بأحداث عظيمة] (عظة3:50).

 وهنا نلاحظ التناسق بين عمل الروح القدس وأحداث العالم العظيمة. فتاريخ العالم في اللاهوت الآبائي هو تاريخ عمل الله بالروح في العالم. والله في كلامه مع العالم استخدم ” أنواع وطرق كثيرة ” (عب 1:1) [ولما كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه أرسل الروح القدس ليعمل أعمال متنوعة في جميع الأعضاء] (عظة4:12). أي أن الله مازال يعمل بروحه في الكنيسة والعالم بطرق ومواهب متعددة. فمواهب الروح هي التي تميز بين المؤمنين في الجسد الواحد وهي تحقق حضور الكنيسة في العالم وحضور التأمل في التاريخ.

 

3ـ الروح القدس والصليب والقيامة ويوم الخمسين:

 الروح القدس هو الذي يتسلم الفداء ويوزعه ويلغى الهوة القائمة بين ما مضى وما يحصل الآن لأن الزمان يستعلن كله في أبدية هي اللحظة الحاضرة التي أنجو فيها.

ويمثل الصليب والقيامة عند القديس مقاريوس الأساس اللاهوتي والتاريخي لانسكاب الروح. وهو كعادته لا يستفيض في شرح ما حدث في الصلب من أحداث والقيامة من مواقف بل يذهب رأسًا إلى أثر هذه الأحداث في الرسل وفي المسيحيين وفي الكنيسة وفي العالم [إن الرسل أنفسهم قبل الصليب بملازمتهم للرب رأوا آيات عظيمة، كيف كان البرص يتطهرون والموتى يقومون ولكنهم لم يكونوا يعرفون كيف تدخل القوة الإلهية وتتمم خدمتها في القلب، وكيف يُولدون ثانية بالروح ويشتركون مع النفس السماوية ويصيرون خليقة جديدة (2كو17:5) ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه في شخصه. والرب قال عنهم، لماذا تتعجبون من الآيات إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله] (عظة17:12).

 

4ـ من حب الاندهاش إلى الحب بالروح:

من الغموض إلى الوعي بالذات ومن الرؤية الإلهية إلى التاريخية. القديس مقاريوس يصف لنا مشاعر الرسل قبل يوم الخمسين فإذ هي خليط من الانبهار والإعجاب ولعل هذا يتفق مع وصف العهد الجديد لجماعة المؤمنين بعد الصليب، انبهار غير قادر على اتخاذ قرار! وأكثر من ذلك [فإن كلمات المخلص كانت تبدو غريبة لهم إلى أن قام من يبن الأموات وصعد بالجسد إلى أعلى السموات من أجلنا وبعد ذلك انسكب الروح المعزى ودخل في نفوسهم واختلط بهم والحق ذاته يظهر نفسه في النفوس الصادقة والمؤمنة، يأتى الرب الذي هو الإنسان السماوي ويصير في شركة مع كل إنسان وفي شركة معك] (عظة17:12)، [ونحن من خلال جسد الابن الوحيد الذي هو متحد باللاهوت وهو دائمًا مع الروح القدس نصير دائمًا مع الرب] (عظة 4:17).

فالروح القدس في اليوم الأول للخليقة “يرف على وجه المياه ” لكي يعطى الحياة للخليقة، وحل على السيدة العذراء ممثلة البشرية جميعًا لكي ينفخ في أحشائها الحياة البشرية لكي يتجسد اللوغوس الإلهي، وهب يوم (الخمسين) على التلاميذ لكي يجعل منهم الجسد الحي للبشرية الجديدة التي هي حياة الشركة الكنسية.[4] وهنا الروح ينشئ الكنيسة ويقيمها في المسيح في التاريخ.

 

5ـ الروح والعروس:

 الروح القدس هو روح الشركة وروح الكنيسة، والقديس مقاريوس يركز دائمًا على القاعدة الرسولية للكنيسة (أي البعد التاريخي للرؤية السماوية) وأن [تعليم الرسل قد دشن عالمًا جديدًا مختارًا من الله] (عظة 6 :6). وحينما يفسر الآية الخاصة بيوحنا المعمدان (مت 11 :11)

 

يقول [حقًا من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا….. فإنه هو تكميل الأنبياء وخاتمتهم، كل الأنبياء تنبأوا عن الرب واشاروا إليه من بعيد أما يوحنا فتنبأ عن المخلص وأظهره أمام عيون الجميع صارخًا بصوت عالٍ “هوذا حمل الله ” (يو29:1) أنه لايوجد أعظم من يوحنا في مواليد النساء ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه (مت11:11) أي المولودين من الله من فوق، أي الرسل، الذين نالوا باكورة الروح المعزى، لأنهم حسبوا أهلاً لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة…وهم قد جعلوا محررين ومنقذين للناس… وتجدهم فلاحين في كرم النفوس وتجدهم أصدقاء العريس…] (عظة6:28،7).

وفي قراءة خريستولوجية typology للعهد القديم والتي ميزت كل اللاهوت الآبائى. يتكلم القديس مقاريوس عن الآباء الرسل قائلاً: [وكان رئيس الكهنة له على صدره حجران كريمان، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الأثنى عشر (خر10:28) وكان هذا ليكون رمزًا ومثلاًtypos لأن الرب أيضًا بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل وأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم اجمع وها أنت ترى كيف أن الظل يشير إلى الحقيقة] (عظة5:32) وهذا مثال رائع للوحدة بين الحس الروحي والحس التاريخي عند الآباء.

 

6ـ الكنيسة واقتناء الروح القدس:

إن اللاهوت هو امتداد لشهادة marteria،marturia المسيح في الكنيسة وتحقيق لها في العالم والتاريخ. ولهذا فاللاهوت يعبر عن يوم الخمسين الدائم الحضور في الكنيسة من خلال وحدتها وتمايز مواهب أعضائها وهذا التمايز في المواهب تحكمه احتياجات الإنسان. وهنا يحدث وعى بعمل الروح التجديدي لكل أعضاء جسد الكنيسة ومنهم إلى جسد البشرية جمعاء وهكذا فإن نعمة الشركة الإفخارستيا تتحول في أعضاء الكنيسة إلى مواهب وإلى لاهوت يسند هذه المواهب ويؤسسها ويحفظها في شركة الكنيسة.

والقديس مقاريوس مثل غيره من الآباء يدرك أهمية الكنيسة وأسرارها في “نقل” النار السماوية إلى البشرية وهنا نحن أمام أعمق تجسد للرؤية في التاريخ البشرى، بالأسرار تتحول الكنيسة إلى خليقة جديدة ويندفع أولادها المستنيرون بالمعمودية وإضرام بذرة الحياة الجديدة بالتوبة واقتناء المواهب في شركة الإفخارستيا والخدمة، إلى الشهادة الحية.

والقديس مقاريوس يشرح لنا أسرار الكنيسة على أنها هي الأمور التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن (1كو2:9) والتي أعلنها الله لكنيسته بالروح [في ذلك الزمان كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المخلص لابد أن يأتي ولكنهم لم يكونوا يعرفون ولا كانوا قد سمعوا أنه سيتألم ويصلب ويسفك دمه على الصليب ولم يخطر على بالهم أنه ستكون هناك معمودية بالنار والروح القدس] وأن في الكنيسة ستُقدم تقدمة الخبز والخمر تحقيقًا لجسده ودمه، الإفخارستيا هي أعمق مثال على الاتحاد الكامل بين الثيؤريا والتاريخ عند الآباء وفي الكنيسة فكما تقول الديداكية ” الكنيسة تجمع الحنطة من على الجبال أي ثمرة عمل الإنسان وتقدمها للرب على المذبح لكى يتحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه…”.

ويقول عالم الآباء ألكسندر شميمن في كتابه عن الأسرار[5] (إننا نقدم إلى الله العالم كله وتاريخ البشر في هيئة الخبز والخمر لكى ما يقدسها ويعيدها إلينا متحدة بروحه وجسده ودمه، إن أولئك الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا)، [لأن الرسل والمسيحيين سينالون المعزى “ويتأيدون بالقوة من الأعالي “(لو49:24) ويمتلئون إلى كل ملء الله(أف) وأن نفوسهم تمتزج بالروح القدس وتتشبع به، هذا لم يعرفه الأنبياء والملوك ولا خطر على قلبهم، والآن فإن المسيحيين يتمتعون بغنى عظيم يختلف عن غيره وقلوبهم تشتاق إلى الله] (عظة 17:27).

وفي العظة الثالثة عشر يتكلم عن ضرورة تكريس القلب والتغصب للاستعداد لنوال الأسرار السماوية ويعطيه الرب الطعام السماوي والشراب الروحاني (1كو4:10) والجسد والدم هو طعام البنين (يو35:8) [وإذ يذهب الأولاد مع يسوع والدهم في كل مكان فإنه يعطيهم ذاته] ” من يأكل جسدي ويشرب دمى يثبت في وأنا فيه ” (يو56:6) وأيضًا ” لايرى الموت ” (يو51:8) المعمودية كممارسة في الزمن وعطية الروح القدس أي الزمن الجديد.

 

واكن ما يعنينا هنا أن في النصوص الأخرى هناك تعاليم أخرى للقديس مقاريوس سبق وأشرنا إلى بعضها في العظات الخمسين ولكن هنــــاك تأكيـــد عليها يهمنا أن نعرضه لعلاقته الوطيدة بعمل الروح القدس في الكنيسة ذكرها العالم الفرنسي الأرثوذكسي Placide Deseille في المقدمة الرائعة التي سبقت ترجمته لعظات مقاريوس إلى الفرنسية ووضعها تحت عنوان ” اقتناء الخلاص ” وبعدها وضع عنوانًا جانبيًا ” المعمودية أساس الحياة الروحية ” وفي هذا النص الهام يجيب القديس مقاريوس على السؤال الآتي: إذا كانت المعمودية ممارسة حقيقية وأساس الإيمان فلا يجب أن ننتظر شيئًا آخر من السماء (يقصد الامتلاء وشركة الروح التي يذكرها دائمًا القديس مقاريوس) إذًا من الواضح أنه لا جدوى من انتظار شيئًا آخر بعد المعمودية!

ويجيب القديس مقاريوس: [إننا في المعمودية نأخذ أساس عمل الروح القدس] وهنا تجد عظات مقاريوس في وضعها اللاهوتي الصحيح وهو احترام لموهبة الله التي حلت في المسيحيين وذلك بالتوبة والصلاة والشركة: وفي ” الرسالة الكبرى ” يشرح القديس مقاريوس هذا الأساس الكنسي لعمل الروح القدس وفي الفقرة الثانية من الرسالة يُسهب القديس مقاريوس في شرح ضرورة أن يقدموا أجسادهم ذبيحة مقدسة عبادتهم العقلية (رو2:12) ليختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية، ويربط بين سر الثالوث والإيمان الأرثوذكسي والاعتراف بالإيمان في المعمودية، [الإيمان الأرثوذكسي يسجد للثالوث ذي الجوهر الواحد والمجد الواحد كما نعترف في السر المقدس الذي للمعمودية].

وفي موضع آخر يقول [إن المؤمنين يقبلون عربون الروح في المعمودية باسم الثالوث وذلك من أجل أن ننمو في الكمال، كمال الميراث ومن أجل مضاعفة الوزنة في (مت 15:25) التي للسر العظيم]. وفي نفس الرسالة يتكلم عن الكنيسة بشكل أوضح [إن الروح الإلهى المعزى الذي أُعطى الرسل ومنهم لكنيسة الله في ساعة المعمودية، هذا الروح يتحد بكل من يتقدم للمعمودية بإيمان صادق]… أي أنكار للأسرار أو تقليل من شأنها هو تقليل من شأن الكنيسة وبالتالي الحضور التاريخي الفعلي للروح في العالم والكنيسة ليست مؤسسة دنياوية بل هي امتداد ملكوت الله (الثيؤريا)على الأرض (الأستوريا).

” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء يا والدة الإله أنت هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة ” (من صلوات الأجبية المقدسة).

روح الشركة: أنا أتكون من حرارة الآخر الروحية:

يسمى القديس مقاريوس حياة الشركة:

(أ) بالشركة الأخوية (عظة 3). (ب) والمدينة السماوية (عظة 2:12).

(جـ) والعائلة السماوية (عظة 23).

[والكنيسة السماوية هي واحدة ولكن بها أعداد لا تحصى وكل شخص فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة لأنه كما أن الطيور تخرج من أجسادها غطاء لها هو ريشها إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بين الطيور نفسها…هكذا القديسون فأنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة…. فإن الروح إذ يأتي إلى القلب فإنه يصنع فكرًا واحدًا، فإن الذين هم فوق والذين أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد] (عظة 3:32).

 

التوازن بين المؤسسة والخاريسما (موهبة) بين الروح والتاريخ:

القضية الكبرى التي واجهتها الكنيسة الأولى منذ البدء والواضحة في رسائل بولس والآباء الرسوليين ولاهوت أغناطيوس الأنطاكي هي ضرورة أن تجتمع كل المواهب حول سر الإفخارستيا والأسقف. وهنا تأسس الانسجام والتوازن بين المواهب والتنظيم الكنسي والإدارة والتي انطلقت من روح الإفخارستيا. فلأفخارستيا هي مركز كل حركة الكنيسة في التاريخ. قد كتب الباحث الأمريكي Peter Brown عن أن الخطورة تكمن في أن يحدث (روتنة المواهب) وهنا يحدث الفصام بين الإدارة الكنسية والمواهب وقديمًا قال أفلاطون ” ليت الفلاسفة يحكمون والحكام يتفلسفون “.

وأباء الكنيسة طبقوا ذلك في الكنيسة فأدار الكنيسة اللاهوتيون فصارت الإدارة نفسها خاريسما أي الموهبة الروحية فلا يوجد عند الآباء تناقض بين ” خادم النادي ” و ” خادم الكلمة ” أو ” خادم أخوة الرب ” أي أن كل عمل في الكنيسة تحول إلى عمل خريسماتيكى نابع من روح التوبة والشركة وحين يتكلم عن مريم ومرثا يؤكد مقاريوس على هذه الوحدة (عظة 16:12)

وفي تعبير رائع عن هذا الاتزان بين المواهب ” فمهما كان انشغال الأخوة فينبغي أن يقوموا به في محبة وبشاشة نحو بعضهم البعض، فالذي يشتغل منهم فليقل عن الذي يصلى ” أن الكنز الذي يجده أخي هو كنز مشترك فلذلك فهو كنزى ” والذى يصلى يقول عن الذي يقرأ ” أن كل ما استفادة أخي من القراءة هو لمنفعتى ” والذى يعمل فليقل ” أن ما أعمله من الخدمة diakonia هو لمنفعة الجميع “…..

وهناك أمر لازم للجميع، هو أن يحصل الإنسان في داخل نفسه على كنز، وعلى الحياة في عقله هذه الحياة التي هي الرب نفسه ـ حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلى أو يقرأ فلا يزال حاصلاً على ذلك النصيب الذي لا يزول الذي هو الروح القدس (عظة 3:3). الوحدة بين المواهب والكنيسة وأباءها لدليل على الوحدة بين عمل الروح والواقع التاريخي بين الثيؤريا والإستوريا.

 

إن العداء بين الأنبياء كحاملين للروح والكهنة كخدام للطقس أي بين النعمة وتجسيدها التاريخي في الأسرار والكهنوت لا يمت بصلة للتراث الآبائي بل هو نتاج قراءة بروتستانتية للكتاب المقدس أثناء عصر الإصلاح والهجوم على الكنيسة الكاثوليكية وخاصة العهد القديم فالنبي في العهد القديم هو ابن بيئته الطقسية ونقد الأنبياء كان ضد الممارسة الشكلية للطقس وليس ضد الطقس ومحاولة تأسيس الصراع بين المواهب والمؤسسة، بين النبي والكاهن نشأ في ظروف عصر الإصلاح البروتستانتي (5)، ولا نجد أثر له عند الآباء فالكنيسة تحفظ المواهب وتجد بينها الاتزان اللازم. (راجع 1كو12).

 

الجهاد الروحي والواقعية الآبائية:

في وسط هذه الأجواء الروحية المقاريوسية أي الطوباوية يجد الجهاد الروحي معناه وهدفه وفي معظم العظات يتكلم قديسينا عن الجهاد وضرورة اشتراك الإنسان في العمل مع الروح: ” فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أيضًا أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي لكيما يستطيع بدون صعوبة أن يتهيأ أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم ـ تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك مهما غصب نفسه…. أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح وبالإيمان والثقة وبصبر كثير تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة ” (عظة 3:18، 19).

وفي العظة 25 يؤكد الحاجة إلى قوة الصليب ويعتبر أن الحياة على الأرض باطلة وبلا هدف بدون قوة الله أي أن التاريخ بلا معنى بدون رؤية الله. (عظة 2:25)

ويميز القديس مقاريوس بين الجهاد الذاتي والجهاد بالروح (عظة 21:26) ” الأشياء التي تعملها بنفسك هي حسنة مقبولة أمام الله ولكنها ليست نقية تمامًا فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبة كاملة فحينما يأتي الرب إلى داخلك فإنه يعطيك محبة سماوية غير متغيرة… منذ سقوط الإنسان صارت تربة القلب البشرى تنبت شوكًا وحسكًا والإنسان يعمل فيها ويتعب ومع ذلك تنبت فيها أشواك الخطية (تك 18:3) إلى أن يأتي الروح نفسه ” ويعين ضعفات الإنسان ” (رو26:8) ويزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب ويفلحها ولكن برغم ذلك لايزال الحسك والشوك ينبتان ثانية ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس ولايزال أشواك “.

 

تظهر الواقعية الآبائية أيضًا في أن حصول الإنسان على النعمة لا يغير طبيعته فالذي كان شديدًا يبقى على شدته والرقيق على رقته (عظة 5:26) وسيظل احتفاظ كل إنسان بطبيعته حتى في قيامة الأجساد (عظة 10:15). سر الخلاص عند الأباء هو في إطلاق طاقة الإنسان لتصير أعمالاً خلاقة وإبداعات شاهدة للمسيح وأخيرًا فإن الحياة في الروح عند القديس مقاريوس هي مسيرة لا تنتهي ويعتبر أن سبب الخطية يكون في أن كثيرين ظنوا أنهم قد حصلوا على الكمال وقالوا هذا يكفي ولكن الرب ليس له نهاية ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة ولا يجرؤ المسيحيون أن يقولوا ” لقد أدركنا ” (في 13:3) ولكنهم يظلون يطلبون بتواضع.

ويعلمنا القديس مقاريوس أن أمور الحياة نسبية لأنه ” إذا ذهب إنسان له بعض العلم إلى قرية حيث الناس غير متعلمين فإنهم يعجبون به ويمدحونه كأحد العلماء لأنهم جهلاء تمامًا ولكن إذا ذهب نفس هذا الشخص بعمله القليل إلى مدينة حيث العلماء والخطباء فإنه لا يجسر أن يظهر بينهم أو يتكلم لآن العلماء الحقيقيون يحسبونه جاهلاً (عظة 17:26).

فالمعرفة البشرية مهما كان مستواها فهي لا ترقى إلى معرفة كل شيء. والأباء أحبوا رؤية الرسول بولس للأمور الآن في مراه (1كو 10:13). والتاريخ والأحداث ستأخذ معناها من قصدها النهائي أي من الاسخاتولوجيا وذلك واضح من قول الرسول في بقية الآية: [فإننا ننظر الآن في مراه في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت] (1كو 12:13). المعرفة عند الأباء اسخاتولوجية المدى. وهناك يأخذ تأمل الأباء الشيوخ في الموت كل قوته في الإسخاتولوجيا.

 

 

[1] Andrew Louth, the origins of the Christian Mystical Tradition Oxford, 1991, P.v

[2] الرؤية الآبائية لحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة والعالم ـ خرستوس ياناراس ـ ترجمة أ. ناجى أسحق. وقد ظهر هذا المقال في كتاب أعمال المؤتمر السنوي الثاني للدراسات الآبائية ـ سبتمبر 1994م.

[3] الخولاجي المقدس والثلاث قداسات إصدار دير السيدة العذراء ـ المحرق (صلاة الصلح القداس الباسيلي). انظر أيضًا كتاب (وجه النور) للأب ليف جيلليه.

[4] ملحوظة: انظر خرستوس ياناراس ص1، انظر أيضًا عظة 6:6،7.

[5] من أجل حياة العالم For the life of the world.

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) هو أحد أعمدة الرهبنة القبطية والوريث الوحيد لفضائل ونعمة القديس أنبا أنطونيوس[1] أبو الرهبان. وهو الذي أسس الرهبنة بالمنطقة التي تسمى بالأسقيط[2] أو برية شيهيت[3]، ولهذا فإن المهتمين بدراسات الآباء يعتبرون أن القديس مقاريوس الكبير بالنسبة للتاريخ الكنسي هو الأب الروحي للأسقيط والمؤسس الحقيقي لبرية شيهيت[4].

ويسمى القديس مقاريوس بالمصري أو بالكبير لتمييزه عن القديس مقاريوس الإسكندري المعاصر له (293-393)، أما ألقابهم هذه فكانت تدل على موطن نشأتهم، فالأول نشأ في الريــــف المصري والثاني في الإسكندرية أكبر مدن العالم في ذلك العصر الأمر الذي أثر في تربيته وثقافته[5]. ويقول سقراط المؤرخ الكنسي[6] “أن فضائل المقارين كانت متشابهة للغاية إلا أن الفارق الوحيد هو أن مقاريوس المصري (أبو مقار) كان ذا هيبة وبنوعٍ ما صارمًا مع الذين كانوا يقصدونه بينما كان مقاريوس الإسكندري مرحًا جدًا في حديثه خصوصًا مع الشباب قائدًا إياهم للتوبة والنسك”.

 

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

ولد القديس مقاريوس عام 300ميلادية في أسرة مسيحية إذ كان أبوه إبراهيم كاهنًا وأمه سارة امرأة قديسة في قرية شبشير القريبة من ترنوط[7] سوق شيهات الذي كان ينزل إليها الرهبان لبيع شغل أيديهم.

+ توحد في الصحراء المتاخمة لقريته وهو في الثلاثين من عمره، وانطلق إلى برية شيهيت بناء على رؤية ظهر فيها له الشاروبيم كانسان نوراني وأرشده إلى منطقة الاسقيط واعلمه أن الرب سيهبها ميراثًا له ولأولاده ليتفرغ فيها للصلاة وكان عمره آنذاك أربعين عامًا أي عام 340م بعد أن سيم قسيسًا بواسطة أسقف أشمون.

+ تخبرنا المخطوطة القبطية والعربية[8] أنه زار الأنبا أنطونيوس في بداية اعـــتزاله في بـــرية شيهيـــت وبعد 3 سنوات، وعلى التحديد 340م واستلم منه وصايا ومرسوم خدمته وكل ما يليق بزي الرهبنة المقدس[9] وأصبح تلميذًا للأب الكبير الأنبا أنطونيوس[10].

وتدكر نفس المخطوطة أنه قام بزيارة الأنبا أنطونيوس مرة أخرى، غير أن كثير من العلماء يؤكدون عدم صحة هذه المعلومة ولكن الذي يؤكدها هو قول محفوظ لنا للآباء جاء فيه “حدث مرة أن ذهب أبا مقار لزيارة الأنبا أنطونيوس فلما تحدث معه عاد إلى شيهيت، وجاء الآباء لاستقباله وبينما هو يتحدث معهم قال لهم: لقد قلت لأبا أنطونيوس أننا نقيم ذبيحة في موضعنا.. ديرنا بشيهيت[11] ومن هذا القول يتضح أن هذه الزيارة هي رقم 2 حيث أنه في المرة الأولى لم يكن هنا كنيسة بالمنطقة (جبل شيهيت) وظل الأنبا مقار يتردد على نتريا لمدة 10 سنوات لحضور القداسات هناك كما أن وجود الأخوة في استقباله يدل على مرور وقت تكونت خلاله جماعة رهبانية احتاجت لإقامة كنيسة لهم.

 

اشتهر بين آباء نتريا الذين كان يتردد عليهم باستمرار للاشتراك في الأسرار الكنسية بالحكمة ورجاحة عقل الشيوخ حتى أنهم لقبوه بـ”الشاب الشيخ”Paidariogeron  وكانت له مكانة كبيرة بينهم حتى أنهم دعوه في أواخر أيامه لزيارتهم فلبى الدعوة وألقى عليهم خطبته الأخيرة المشهورة كما سنتحدث عنها فيما بعد.

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

في سنة 373م نُفى في جزيرة بالدلتا وذلك عندما حرض أتباع أريوس الوالي فالنس على اضطهاد الرهبان بسبب تمسكهم ودفاعهم عن الإيمان النيقاوي مما أدى إلى نفى القديسين مقاريوس المصري (أبو مقار) ومقاريوس الإسكندري[12]. وعاد قديسنا من منفاه بعد عامين أي سنة 375م بعد أن خدم أهل هذه الجزيرة وحولهم من وثنيين إلى مسيحيين. تنيح بسلام بعد أن بلغ 90 عامًا مليئة بالجهاد حتى النفس الأخير.

 

أعياد القديس أبو مقار:

13      برمهات عودته من المنفى

27      برمهات  نياحته

19      مسرى   إعادة جسده إلى ديره في شيهيت

8        طوبة    تذكار تكريس كنيسته على يد البابا بنيامين الـ38

 

لمحة مختصرة عن حياته الروحية وتعليمه:

عاش حياة مضيئة واشتهر باسم ابنفماتوفورس أي اللابس الروح. وكان يحيا في خبرة العشرة المستمرة مع الله، والمسيحية بالنسبة له ” طعام وشراب ” فكلما أكل الإنسان منها ازداد قلبه ولعًا بحلاوتها ولا يتوقف أو يكتفى بل يطلب المزيد ويستمر يأكل بلا شبع أو امتلاء (عظة13:17) وهي (المسيحية) في حقيقتها تذوق عميق للحق، هي أكل وشرب للحق.. أن تأكل وأن تشرب وهكذا لتنال القوة الفعلية (عظة 7:27).

لقد عاش وعلم أنه يجب علينا أن نطلب الله غير المحدود وغير الموحى فإنه موجود في كل مكان ” فإن كنت تطلب الرب في العمق فهناك تجده، في المياه فهناك تجده صانعًا عجائب (خر 15: 11) وإن فتشت عنه في الجب فهناك تجده حارسًا دانيال البار وسط الأسود، وان فتشت عنه في النار فهناك تجده حافظًا عبيده الفتية الثلاثة. وإن سألت عنه على الجبل فهناك تجده مع إيليا وموسى فهو في كل مكان ـ وتحت الأرض وفوق السموات…. بل وفى داخلنا أيضًا نعم إنه في كل مكان كما أن نفسك أيضًا قريبة منك من داخلك وفى خارجك لأنك إلى حيث تشاء أن تذهب إلى بلاد بعيدة فهناك يكون عقلك سواء ناحية الشرق أو نحو السماء ـ هناك يذهب عقلك (عظة 12: 12).

وهذا هم الأهم أن الله يوجد داخلنا وخصوصًا بعد التجسد والصليب. ومن واقع حياته وخبرته علم أن الإنسان بعد السقوط أصابه الهوان الشديد وكان من الضروري تدخل الله نفسه، ومع أن تدبير الله الخلاصي بدأ في العهد القديم ومن خلال تقابل الله مع شعب إسرائيل ـ أي قبل التجسد إلا أن عملية التجسد كانت ضرورية جدًا لكي يستطيع أن يخلص المثيل بالمثيل أي يخلص الإنسان بالإنسان (عظة44:15). وهذا هو عينه ما يركز عليه اللاهوت الأرثوذكسي بشأن أهمية التجسد لفداء الإنسان وما علم به الآباء الذين كتبوا باليونانية والآباء الكبادوك.

+ إن نفس الإنسان وفكره تشتركان مع روح الله من حيث وجودهما في كل مكان (12: 12). ولكن فكر الإنسان لابد أن يتجه دائمًا نحو الله لكي يبقى دائمًا معه. إن نفس الإنسان هي عروس المسيح الذي هو عريسها ولابد أن ترتبط العروس بعريسها بصفة دائمة بواسطة شركة الروح. وفى موضع آخر يعلم أن النفس التي تتشبع تمامًا بالجمال الذي لا يوصف، جمال مجد نور وجه المسيح وتكون في شركة تامة مع الروح تنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له” (عظة 1: 2).

بل ويصف النفوس التي ” يتساقط عليها ندى روح الحياة أي ندى الإلهيات بأن قلوبهم تمتلئ بالعشق الإلهي وحينئذ تستطيع هذه النفوس أن تعيش من الآن وهي على الأرض حالة القيامة وعدم الفساد”.

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

أعماله (كتاباته):

تنسب للقديس مقاريوس المصري أعمالاً كثيرة، وتحاول الأبحاث العلمية فحصها وتحليلها ونقدها للوصول إلى حقيقة مصدرها وصحة نسبها للقديس مقاريوس وتصل هذه الكتابات إلى ما يقرب المائة، تتنوع بين عظة ومقال توجد في خمس مجموعات.

ولقد أثرت هذه الكتابات في الحياة الروحية والنسكية في الشرق والغرب بعد أن تأثرت من قبل بكتابات القديس باسيليوس الكبير والتي تميزت بالشمولية ودقائق الأمور العملية.. لهذا فإن كتابات القديس مقاريوس لاقت انتشارًا واسعًا بين الأوساط الرهبانية والتي كان اهتمامهم منحصرًا في الحياة الروحية والنسكية الصارمة بجانب خبرات الرؤى الإلهية:

1ـ المجموعة الأولى: وتشمل 64 مقالاً وهي من أكبر المجموعات مع أنها من أقلها انتشارًا، والمقال الأول منها يطابق نص الرسالة الأخيرة الشهيرة كذلك فإن المقال 40

هو على هيئة رسالة والمقال 62 من الفقرة 1ـ 22 يوجد في كتابات كل من كليمندس الإسكندري ومكسيموس المعترف.

2 ـ المجموعة الثانية: وتشمل العظات الخمسين والتي نحن بصدد دراستها هنا، هي من أكثر المجموعات شهرة وتحظى بأكبر اهتمام من العلماء وقد نشرت لأول مرة عام 1559.

3 ـ المجموعة الثالثة: وتشمل 43 مقالاً. منهم مقال من المجموعة الثانية وثمانية مقالات من المجموعة الأولى وتم نشر هذه المجموعة لأول مرة 1961.

4 ـ المجموعة الرابعة: وتشمل 26 مقالاً وهي مقالات مكررة من المجموعة الأولى.

5 ـ المجموعة الخامسة: وتشمل 7 مقالات عن حفظ القلب (وهي عبارة عن مقاطع من مقالات المجموعة الأولى) ـ وعن الكمال المسيحي ـ عن الصلاة، عن الصبر في الجهاد ـ عن رفع الفكر لله ـ عن المحبة الإلهية ـ عن تحرر الفكر والمقالات من 2 ـ 7 هي مقتطفات من المجموعة الرابعة والتي تأتى معظمها من المجموعة الأولى ومقالات المجموعة الخامسة هذه عبارة عن فصول عددها 150 فصل.

 

ـ العظات السبعة: يوجد في مخطوطتين ضمن المجموعة الثانية 7 عظات الثانية والخامسة منها ورد مضمونها ضمن المجموعة الثالثة بينما الأولى والثالثة والخامسة في المجموعة العربية الرابعة عبارة عن الفصول 47، 48 من كتاب تاريخ بلاديوس.. والسابعة تطابق الرسالة الثانية لأموناس (رسائل الأنبا أنطونيوس).

 

ـ الرسالة الكبرى: وهي نص مهم للحياة الروحية والنسكية ويرى العلماء أن لها علاقة كبيرة بمقالة لإغريغريوس النيصصي أو (النيسي) عن.. الهدف الإلهي.

 

خصائص كتاباته:

تتميز كتابات القديس مقاريوس وخصوصًا رسالته الأخيرة بمنهجها الروحي العملي وبأنها تخلو من المنهج التأملي الذي ميز كتابات أوريجينوس كما أنها تخلو من المنهج العقلي والذي كان يركز على التداريب الروحية كما كان يعلم أوغريس في القرن الرابع والذي كان منتشرًا بين آباء نتريا وشهيت ومن بعده الشيخ الروحاني ومار اسحق. لقد اعتمد القديس مقاريوس في كتاباته على الخبرة الروحية القائمة على حياة التسليم المطلق للأب الروحي، حيث تأتى المعرفة دائمًا نتيجة الخبرة الروحية وليس العكس.

 

لقد حاول بعض العلماء إثبات أن كتابات القديس مقاريوس لها علاقة بالكتابات الخاصة بجماعات (المصلين) التي انتشرت تعاليمها في القرن الرابع والتي حرمها المجمع الثالث (431م). لكن القديس مقاريوس ـ إن كان هو فعلاً كاتب هذه العظات ـ حاول أن يصحح لجماعات الرهبان في عصره والمتأثرون بفكر جماعات المصلين غير الأرثوذكسي فكرهم عن النسك والعلاقة الحية مع الله، ونجح من خلال كتاباته هذه أن يعيد هذه الجماعات الرهبانية المتطرفة إلى حضن الكنيسة وأن يعطيها أساسًا أرثوذكسيًا لجهادها.

 

[1] كتاب تاريخ الرهبنة في مصر لروفينوس (كما يظن) Historia Monachorum, Latin version. ch. xxviv

[2] الأسقيط هي ترجمة الكلمة اليونانية SkhtiV  وهي مشتقة من الكلمة AskhthV بمعنى الناسك. أى أن كلمة الأسقيط معناها مكان النسك ومنها أيضًاSkhtiwthV  بمعنى الراهب الأسقيطى.

[3] كلمة قبطية تكتب  si/tوتنطق شيهات وجاءت في بعض المخطوطات sih/t و s/h/t  وأضافة حرف H (الهورى) هو حديث يرجع إلى القرن 13 وما بعده ومنذ القديم كان سائدًا أن المعنى العام للكلمة هو أنها تشير إلى كلمة   s/t بمعنى قلب كما جاءت في قصة يوحنا القصير حيث يُفسر اسم المنطقة هكذا “أذهب إلى جبل النطرون الذي هو شيهيتsih/t الموضع الذي توزن فيه القلوب والأفكار بمقايس حقيقية Amelineau,Monastore de la basse.. Egypta (Mus`ee Gvimt xxv),P.236

[4] Quasteu, Patrology, vol.II, P.161

[5] Lausiaca, Monachorum in Aegypto, les moines d.orient I, 2.

[6] سقراط مؤرخ كنسي يوناني (380-450م) من القسطنطينية. كتب كتاب في التاريخ الكنسى من 7 أجزاء ويعتبر مكملاً لتاريخ يوسابيوس. كتب من الفترة ما بين (305-439م)

[7] مدينة تقع غرب فرع النيل الغربى (رشيد) وقريبة من مدينة نقوسبا وأسمها باليونانية teronouqhVوهي المدينة التي تقابل فيها الرهبان (70000) مع عمرو بن العاص عند مجيئه إلى مصر وحسب رواية المقريزى اعطاهم الأمان في صورة وثيقة tu.white ,II,72,Apoth.Part xiii

[8] هي المخطوطة رقم 18 س بمكتبة دير الأنبا مقار حققها وترجمها ونشرها اميلينو عن حياة القديس مقاريوس بقلم صرابامون تلميذه.

[9] المرجع السابق

[10] Butler, The Lausiac History of Palladius I/II

[11] Apoth.Part.xxvi, Macar Aegypt

[12] Socrates, H.E. IV, 24

 أنتم نور العالم – للقديس مقاريوس الكبير

أنتم نور العالم – للقديس مقاريوس الكبير

أنتم نور العالم – للقديس مقاريوس الكبير

أنتم نور العالم للقديس مقاريوس الكبير [1]

أن تصير نفوس الأبرار نورًا سماويًا، فهذا هو ما أعلنه الرب للرسل، عندما قال ” أنتم نور العالم” (مت14:5) لأنه صيّرهم نورًا أولاً، ثم بعد ذلك أمر بأن يستنير بهم العالم إذ يقول “ لا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضئ لكل من فى البيت، فليضئ نوركم هكذا قدام الناس” (مت16،15:5).

 

وبمعنى آخر، لا تخفوا الموهبة التى قبلتموها منى، بل أعطوا لكل الذين يرغبون أن ينالوها. وقال أيضًا ” سراج الجسد هو العين فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا. وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا. فإن كان النور الذى فيك ظلامًا فالظلام كم يكون” (مت23،22:6، لو34:11)، فكما أن العينين هما نور الجسد ـ وطالما هما بحالة جيدة ـ فالجسد كله يكون نيرًا، ولكن إن حدث لهما حادث فأظلمتا، يصير الجسد كله فى ظلمة، هكذا قد جعل الرسل ليكونوا عيونًا ونورًا للعالم كله. لذلك فإن الرب أمرهم بهذا القول.

فأنتم الذين هم نور الجسد ، إن كنتم تثبتون ولا تنصرفون عنى، فحينئذ يستنير جسد العالم كله، وأما إن كنتم وأنتم النور تكونون مظلمين فما أعظم تلك الظلمة، التى هى ليست شيئًا أقل من العالم. وهكذا فإن الرسل إذ كانوا هم أنفسهم نورًا، فقد أعطوا النور لأولئك الذين آمنوا، إذ أناروا قلوبهم بذلك النور السماوى ـ نور الروح الذى كانوا هم أنفسهم مستنيرين به.

 

الملح والذبيحة والكاهن :

وإذ كانوا هم أنفسهم ملحًا فإنهم حفظوا وملّحوا كل نفس مؤمنة بملح الروح القدس؛ لأن الرب قال لهم ” أنتم ملح الأرض” (مت13:5)، ويقصد بالأرض قلوب الناس. إنهم أعطوا لنفوس الناس من الداخل الملح السماوى ـ ملح الروح ـ فيملحونهم ويجعلونهم أحرارًا من الفساد والتعفن، بدلاً من تلك الحالة الكريهة التى كانوا فيها. إن اللحم، إن لم يُملّح، يفسد ويمتلئ برائحة كريهة، حتى أن الناس كلهم يبتعدون من الرائحة العفنة، ويدب الدود فى اللحم الفاسد ويسكن فيه ويتغذى عليه ويختبئ فيه؛ ولكن حينما يلقى عليه الملح يموت الدود الساكن فيه وتنتهى الرائحة الكريهة لأن هذه هى خاصية الملح أن يقتل الدود ويزيل الرائحة الكريهة.

 

وبنفس الطريقة فإن كل نفس لا تُصلّح وتُملّح بالروح القدس ولا تشترك فى الملح السماوى الذى هو قوة الله فإنها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى أن وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التى تسكن فى مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذى هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتى بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور ” قد أنتنت وقاحت جراحاتى” (مز5:38).

 

ولكن حينما تهرب النفس إلى الله لأجل الخلاص وتؤمن وتطلب ملح الحياة الذى هو الروح الصالح المحب للبشر، فحينئذ يأتى الملح السماوى ويقتل تلك الديدان المرعبة ويزيل الرائحة النتنة، ويطهر النفس بعمل قوته الفعال، وهكذا تصير النفس سليمة صحيحة وحرة من الاضمحلال بواسطة ذلك الملح الحقيقى وتُرد وتُعاد لتكون نافعة لخدمة السيد السماوى وهذا هو السبب الذى من أجله أمر الله، فى الناموس مستعملاً الرمز أن كل ذبيحة ينبغى أن تُملح بملح (لا13:2، انظر مرقس49:9).

 

فالذبيحة ينبغى أولاً أن تُذبح بواسطة الكاهن، وتموت، ثم تُقطع قطعًا وتُملح، وبعد ذلك توضع على النار. فإن لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت، فإنه لا يُملح ولا يُقرب كقربان محرقة للرب. هكذا نفسنا أيضًا ينبغى أن تأتى إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقى ليذبحها، وتموت عن هوى فكرها الخاص وعن حياة الخطية الشريرة التى كانت تعيشها قبلاً. يجب أن تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة. كما أن الجسد إذ خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التى سبق أن عاشها، فلا يسمع ولا يمشى، كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوى ـ حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم، فإنها تموت عن حياة الشر التى كانت تعيشها، فلا تعود تسمع أو تتكلم أو يكون لها شركة وتوطن فى ظلمة الخطيئة لأن حياتها ـ التى هى الأهواء الشريرة قد خرجت منها بواسطة النعمة. والرسول يصرخ قائلاً:” قد صُلب العالم لى وأنا صُلبت للعالم” (غلا14:6).

 

فالنفس التى لا تزال تحيا فى العالم وفى ظلام الخطيئة ولم تُمات بواسطة المسيح ولا يزال روح الخبث فى داخلها أعنى نشاط ظلمة أهواء الشر، التى تتحكم فيها فإن هذه النفس لا تنتمى إلى جسد المسيح، لا تنتمى إلى جسد النور، بل هى فى الحقيقة جسد الظلمة ولا تزال جزءً لا ينفصل من الظلمة، أما الذين لهم حياة روح النور، أعنى قوة الروح القدس فإنهم جزء لا ينفصل من النور.

[1] عن العظة الأولى، من عظات القديس مقاريوس الكبير، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة، القاهرة سبتمبر 2000 ص27 ـ 29.

أنتم نور العالم – للقديس مقاريوس الكبير

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

أولاً: التعليم عن الإنسان الجديد والخليقة الجديدة فى العهد الجديد:

أ ـ نجد أن التعليم عن الخليقة الجديدة والإنسان الجديد أو الحياة الجديدة، أولاً فى حديث رب المجد يسوع نفسه مع نيقوديموس فى يوحنا: ” إن كان أحد لا يولد من فوق (أو ثانيةً) لا يقدر أن يرى ملكوت الله“، ” إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله“. كما نجده فى كلام إنجيل القديس يوحنا عن الذين يؤمنون بالمسيح ويقبلوه أنهم ” أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يوحنا1)، فهؤلاء وُلِدوا من الله وليس من دم ولا من مشيئة جسد أو رجل بل من الله.

ب ـ نجد حديثًا كثيرًا عن الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة فى المسيح، عند القديس بولس الرسول، فى كل رسائله تقريبًا: نكتفى ببعضها:

اعتمدنا لموت المسيح حتى كما أُقيم المسيح.. هكذا نسلك نحن.. فى جدة الحياة” (رو:6و4)، ” إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة هوذا الكل قد صار جديدًا” (2كو17:5)، ” فى المسيح لا ينفع شئ آخر (لا ختان ولا غرلة) بل الخليقة الجديدة” (غلا15:6)، ” المسيح هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحدًا) (أى اليهود والأمم) وأبطل العداوة بينهما بذبيحته لكى يخلق الاثنين فى نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا” (أف14:2و15)

الحياة فى المسيح والسلوك فيه هو أننا تعلّمنا أن نخلع… الإنسان العتيق الفاسد… ” وتتجددوا بروح ذهنكم وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق” (انظر أف20:4ـ24)، ” إذ تخلعون الإنسان العتيق.. والبسوا الإنسان الجديد، الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه… بل المسيح هو الكل فى الكل” (انظر كو8:3ـ11).

+ خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد يتم بعمل الروح القدس بالدفن والقيامة مع المسيح فى المعمودية (انظر رو3:6و4) والجديد الذى نلبسه بالمعمودية هو “المسيح فينا”، ” كلكم الذى اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلا7:3)، وبلبس المسيح نصير أبناء الله، أى بالمعمودية والإيمان (انظر غلا6:3)، ” وبمقتضى رحمته خلّصنا بغُسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس…” (انظر تى3:3ـ7).

وهذا الإنسان الجديد ـ أو الحياة الجديدة ـ الموهوب لنا هو نعمة، يحتاج إلى إماتة الأعضاء النفسية المرتبطة بأهواء النفس والجسد كالطمع والنجاسة والغضب والخبث والتجديف .. وخلع هذه العادات العتيقة من فكرنا وقلوبنا ومشاعرنا، وإلى لبس الجديد باستمرار (انظر كو8:3ـ11) أى تواضع المسيح ورأفته ولطفه ووداعته وصفحه، وإلى لبس المحبة ورباط الكمال… (انظر كو12:3ـ15).

وهكذا إذا لبسنا المسيح فى المعمودية نحتاج أن نواصل لبس المسيح بإيماننا وإرادتنا وتوبتنا والتصاقنا به فى الصلاة:

فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور.. بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات” (انظر رو11:14ـ14).

وبالمسيح ننتقل من الظلمة إلى نوره العجيب لنسلك فى النور ” كنتم ظلمة وأما الآن فنور فى الرب. اسلكوا كأولاد نور” ذلك النور يثمر بالروح كل صلاح وبر وحق: ” لأن ثمر النور (الروح) هو فى كل صلاح وبر وحق” (أف8:5و9).

 

ثانيًا: التعليم عن الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة عند القديس مقاريوس:

1 ـ ماذا يعنى الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس؟

أ ـ الإنسان الجديد يعنى عنده: أن نلبس يسوع المسيح فيكون فينا، [.. كل الذين خلعوا الإنسان العتيق ـ رداء مملكة الظلمة ـ قد لبسوا الإنسان الجديد السماوى ـ أى يسوع المسيح ـ بكل عضو مقابل عضو؛ عيون مقابل عيون، آذان مقابل آذان، رأس مقابل رأس ليكون الإنسان نقيًا بارتدائه الصورة السماوية] (عظة4:2)، [وينبغى أن يلبسوا الإنسان السماوى الجديد الذى هو المسيح] (عظة3:42).

ب ـ فالقديس يأخذ حقيقة لبس المسيح المذكورة عند الرسول بولس فى غلا28:3، وفى رو14:13 ” البسوا الرب يسوع“، ويمتد بها من واقع اختباره الروحى. فالذين يلبسون المسيح: [ هؤلاء ألبسهم الرب لباس ملكوت النور الذى لا يُنطق به، لباس الإيمان والرجاء والمحبة والفرح والسلام والصلاح واللطف (ثمر الروح فى غلا22:5)، وكل الملابس الأخرى الإلهية الحية التى لنور الحياة..] (عظة5:2).

واللباس ليس لباسًا خارجيًا ولكنه [هو المسيح ـ مملكة النور والصورة السماوية الذى يضيئ الآن سرًا فى النفس.. وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا.. حتى يأتى يوم القيامة..] (عظة5:2).

ويعلّمنا القديس مقاريوس أن المسيح يشرق بنوره داخل النفس التى تطلبه وتنتظره ليلاً ونهارًا فيكون هو لها [النور الذى يرشدها والطعام والشراب الحقيقى، الذى، هو الرب] وأن [ نطلب أن نرى الشمس الحقيقية] (عظة4:33) لأننا بدون نور المسيح فينا نكون عميان روحيًا لا نراه مضيئًا فى داخلنا، لأن يسوع جاء لكى يشفى عيوننا الداخلية من العمى فيصير إنساننا الداخلى صحيحًا معافى] (عظة4:33).

 

2 ـ والقديس مقاريوس يرى سر الإنسان الجديد مُشار إليه كظل مُسبق فى رؤيا حزقيال النبى: المُسجلة فى الإصحاح الأول من سفر حزقيال:

التى رأى فيها الشاروبيم ـ الأربع كائنات الروحانية الحية تحمل عرش الله على رؤوسها ” شبه عرش كمنظر حجر العقيق (الياقوت) الأزرق وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان عليه من فوق”، “ومثل منظر النحاس البراق كمنظر نار داخله ومن حوله من حقويه إلى فوق ومن حقويه إلى تحت مثل منظر نار ولها لمعان من حولها”.

ورأى تحت الكاروبيم مثل ايدى إنسان تحت أجنحتها. وهذه الكائنات الروحانية التى رآها هى أربعة كائنات لها شبه إنسان ولكل منها أربعة أوجه: شبه وجه إنسان وشبه وجه أسد ووجه ثور ووجه نسر. ولها أجنحة وكل واحد يسير إلى وجهه (إلى الأمام). والكائنات الحية مملوءة عيونًا من كل جهة…

[ هذا منظر شبه مجد الرب” (انظر حزقيال ص1، وعظة1:1).

 

أ ـ النفس تصير كلها نورًا وعينًا وتسير إلى الأمام:

وقد كشف الروح القدس للقديس مقاريوس سر رؤيا حزقيال النبى هذه فقال إن ما رآه النبى كان حقيقيًا وأكيدًا وأن ما رآه يشير كظل مُسَّبق إلى السر المكتوم منذ الدهور والأجيال ولكنه أُظهر فى الأزمنة الأخيرة بظهور المسيح (بالتجسد).

ويعتبر القديس مقاريوس أن السر الذى ظهر بالتجسد هو سر النفس التى ستستقبل ربها وتصير عرشًا لمجده: [ لأن النفس التى تتمتع بامتياز الاشتراك فى روح ونور الله وتتشرب بأشعة جمال مجده غير الموصوف… فإنها تصير كلها نورًا وكلها عينًا! ولا يكون فيها جزءً غير مملوء بعيون النور الروحانية. أى ليس فيها جزءً مظلمًا بل تصير بكليتها نورًا وروحًا، وتمتلئ كلها عيونًا، فلا يكون لها جزءً خلفى بل فى كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام بواسطة الجمال الذى يفوق التعبير الذى لمجد نور المسيح الجالس والراكب عليها] (عظة2:1).

 

ب ـ المسيح يجلس على عرش النفس ويقودها ويوجهها:

وحلول المسيح فى القلب (انظر أف17:3) الذى يبدأ بالمعمودية والإيمان،” المسيح فيكم رجاء المجد” (كو27:1)، هو فى اختبار القديس مقاريوس أساس نمو الإنسان الجديد بقوة الروح القدس، لأنه يقول إن المسيح المُشار إليه فى الرؤيا بمنظر إنسان فوق عرش الشاروبيم ” هو الذى هيأ النفس لتكون عرشًا ومسكنًا” له. ” والمسيح جلس بمجده ونوره جالس وراكب على النفس“.

هذا الإنسان الجديد الذى ” يشبع تمامًا بالجمال الذى لا يُوصف، جمال مجد نور وجه المسيح” و” كون فى شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له، فإنها تصير كلها عينًا، وكلها نورًا، وكلها وجهًا، وكلها مجدًا، وكلها روحًا، والمسيح الذى يقودها، ويرشدها، ويحملها، ويسندها ويوجهها” (انظر عظة2:1).

ويقول إن المسيح “ يمسك الزمام ويقود قوى النفس بروحه، حينما تتجه للسير إلى السماء، فهى تسير حسب قيادته وليس بحسب مشيئتها الخاصة“.. وهو يكشف للإنسان فى الداخل أسرارًا بلا حجاب (انظر عظة3:1).

 

ج ـ الحياة الجديدة فى الإنسان الباطن هى بنور الروح القدس وفعله:

فالنفس التى آمنت بالرب وأُميتت عن حياة الظلمة وأُنقذت من الخطية ونالت نور الروح القدس كحياة لها فانتقلت إلى الحياة حقًا، فإنها تصرف زمانها فيما بعد فى نفس هذه الحياة، إذ تكون ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت”.. “ويكون نور الله فى داخلها وبذلك تعيش فى النور”.. (انظر عظة7:1و8)… ولأن لها “روح النور أعنى قوة الروح القدس فإنها جزء لا ينفصل عن النور” (انظر عظة6:1).

 

د ـ وهذه الحياة الجديدة بنور الروح القدس هى الحياة الأبدية (حياة الله نفسه) منذ الآن فى داخل النفس:

فالنفس لا تملك النور الإلهى بطبيعتها ـ رغم أنها مخلوقة على صورة الله…” فقد سُرّ الله بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعته الخاصة، ولكن من لاهوته أى من روحه ومن نوره. تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا ولباسًا سماويًا، وهذه هى حياة النفس أى الحياة الحقيقية” (عظة10:1).

[فإن لم تولد النفس الآن فى أرض الأحياء وتستمد غذاءً روحيًا منها وتنمو نموًا روحيًا أمام الرب وتكتسى من اللاهوت بحُلّل الجمال السماوى التى تفوق الوصف… فإنها لا يمكن أن تحيا من نفسها… إذ بكل أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور السماوى، التى تأتى من الله ـ تكون حياة النفس الأبدية... وإن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها فى شئ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ أنها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها] (عظة11:1).

 

هـ – نور المسيح الإلهى فى حياة المؤمنين الآن وفى الدهر الآتى:

أنا هو نور العالم..” (يو12:8). ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم..” (يو46:12). ” النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان…” (يو9:1). ” أنتم نور العالم.. فليضيء نوركم..” (مت14:5ـ16).

فالنور الذى فى حياة القديسين هو نور اللاهوت، نور المسيح الإله المتجسد. فالمسيح صيَّر الرسل نورًا إذ قال لهم ” أنتم نور العالم“، وبعد ذلك أمرهم أن ينيروا العالم: ” فليضيء نوركم قدام الناس“، وبمعنى آخر ـ مثل السراج على المنارة ـ ” لا تخفوا الموهبة التى قبلتموها منى“، ويعلّق على قول المسيح: ” ..إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرًا..” (مت22:6و23، لو34:11) بأن النور الذى يناله الذين يكرزون من المسيح يعطونه للذين يؤمنون بواسطتهم ” بأن ينيروا قلوبهم بالنور السماوى. نور الروح الذى كانوا هم أنفسهم مستنيرين له” (انظر عظة4:1).

والنفس التى تنتمى إلى جسد المسيح.. لها حياة روح النور وهى جزء لا ينفصل عن النور (انظر عظة6:1). والنفس التى أُميتت عن حياة الظلمة ونالت نور الروح القدس كحياة لها تكون ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت (انظر عظة7:1)… “ويكون نور الله فى داخلها وبذلك تعيش فى النور” وتنتقل (وهى فى الجسد) إلى مدينة نور اللاهوت وتعيش هناك…” (عظة8:1).

 

+ المسيح يضئ داخل النفس الآن ويغمر بنوره الجسد فى القيامة:

الذين لبسوا المسيح يلبسهم الرب لباس ملكوت النور، لباس الفرح والمحبة والرجاء والسلام… إلخ، وكل ملابس نور الحياة حتى كما أن الله هو محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، فهكذا يكون الإنسان الجديد بالنعمة.. ويسوع المسيح ـ الصورة السماوية، مملكة النور يضئ الآن سرًا داخل النفس ويملك فى نفوس القديسين ولكنه مُخفى عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا حتى يأتى يوم القيامة الذى فيه، سيُغمر الجسد أيضًا بنور الرب ويتمجد به، ذلك النور المختفى الآن فى نفس الإنسان (انظر عظة 5:2).

+ مجد النور وأطعمة الروح التى سيحصل عليها المسيحيون الحقيقيون فى القيامة، تُمنح لهم منذ الآن بطريقة خفية، وسوف تظهر وتنكشف بعد ذلك على أجسادهم، لأن المجد الذى يحصل عليه القديسون الآن فى نفوسهم ـ أى فى الحياة الحاضرة ـ وهو بعينه سوف يغطى ويكسو أجسادهم العارية ويختطفهم إلى السماء فنستريح هناك مع الرب فى ملكوته جسدًا ونفسًا إلى الأبد (انظر عظة1:5).

 

و ـ الخليقة الجديدة للمسيحيين الحقيقيين فى الباطن ثم فى الخارج:

يخصص القديس مقاريوس عظة رقم 5 كلها للحديث عن خليقة المسيحيين الجديدة، كما يشير إلى هذه الخليقة الجديدة مرات عدة فى عظاته الأخرى: نذكر هنا فقط القليل من حديثه هذا

1ـ ما يميز الخليقة الجديدة عن أهل العالم هو:

+ تجديد القلب وسلامة الأفكار والمحبة للرب والشهوة السماوية له… فالمسيحيون لهم مجد وجمال وغنى سمائى يفوق الوصف والتعبير (انظر عظة5:5).

+ قلب المسيحى وعقله هو دائمًا فى المجال السماوى، فالمسيحيون الحقيقيون ينظرون الخيرات الأبدية كما فى مرآة، وذلك بسبب حصولهم على الروح القدس وشركته.. فعقلهم واهتمام نفسهم هو سلام المسيح ومحبة الروح، عن مثل هذا تكلم الرب حينما قال ” إنهم قد انتقلوا من الموت إلى الحياة” (يو24:5)، لأنهم مولودون من فوق وقد صاروا أولاد الله بالحق والفعل.. (انظر عظة4:5).

2 ـ الروح والنور والمجد هم فى الداخل ويظهروا على الجسد من الخارج:

المسيحيون الحقيقيون بالفعل يكون لهم ثقة ويفرحون عند خروجهم من الجسد لأن لهم بيت غير مصنوع بيد، بيت ابدى، الذى هو قوة الروح الساكن فيهم، ويؤمنون أنهم سيقتنون ذلك البيت ويمتلكونه منذ الآن. لذلك فحتى إن نقض بيت خيمتنا الأرضى (انظر 2كو1:5ـ4) ـ أى بيت الجسد ـ فلا يخافون لأن لهم بيت الروح والمجد الذى لا يفسد ـ البيت السماوى ـ ذلك المجد الذى سوف يبنى بيت الجسد أيضًا ويمجده فى يوم القيامة.. كما يقول الرسول: ” سيُحيى أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رو8:8)، وأيضًا: ” تظهر حياة يسوع فى جسدنا المائت” (2كو11:4)، ” لكى يُبتلع المائت من الحياة” (2كو4:5) (عظة7:5).

+ ويحثنا القديس مقاريوس أن نسعى بالإيمان والصلاة والاجتهاد أن نقتنى ذلك اللباس هنا، لأن كل واحد بقدر ما يحسب أهلاً ليصير شريكًا للروح القدس بقدر ذلك يتمجد جسده فى ذلك اليوم. فكل ما خزنته النفس فى داخلها فى هذه الحياة الحاضرة، سوف يُعلن حينئذٍ وينكشف من الخارج ظاهرًا فى الجسد (انظر عظة8:5).

3 ـ فى القيامة ـ يخرج مجد الروح القدس ـ بقوة شمس البر ـ من الداخل فيكسو ويغطى أجساد القديسين ـ ذلك المجد الذى كان مختفيًا داخل نفوسهم. فإن ما يكون للإنسان الآن، سيظهر بعينه خارجًا من الداخل وينكشف فى جسده.

ـ وهكذا ستتمجد أجساد المسيحيين بواسطة النور الفائق الوصف الذى هو فيهم منذ الآن ـ وأعنى به قوة الروح القدس،… فكل جمال البهاء والبريق السماوى سوف يصير لهم من روح اللاهوت.. الذى حُسبوا أهلاً لقبوله فى هذه الحياة الحاضرة (عظة9:5).

4 ـ وفى عظتى 32 و33 يتحدث عن هذه الحقيقة أيضًا:

+ ثوب المجد الآن وفى القيامة:

المسيحيون يحصلون على الثوب السماوى ساكنًا داخل نفوسهم منذ الآن، وفى القيامة فإن هذا الثوب الذى يكسو نفوسهم منذ الآن ويمجدها، وهو الآن فى داخل قلوبهم هذا سوف يكسو أيضًا أجسادهم العارية ويمجدها عندما تقوم من القبور فتقوم مكتسية بالموهبة السماوية وبالثوب السماوى الذى يناله المسيحيون فى هذه الحياة منذ الآن (انظر عظة2:32).

+ النفوس تقوم وتتمجد أولاً ثم بعد ذلك تتمجد أجسادها معها:

الأجساد التى سبق أن أُقيمت نفوسها قبلاً وتمجدت، هذه الأجساد تتمجد أيضًا فى القيامة مع النفوس وتستنير بالنفوس التى قد استنارت وتمجدت فى هذه الحياة الحاضرة… وهم يلبسون مسكنًا من السماء ” غير مصنوع بأيدى” (2كو1:5)، وهو مجد النور الإلهى إذ قد صاروا أبناء النور… والجميع يتغيّرون إلى طبيعة القداسة الإلهية ويصيرون ذوى صلاح وخير، وآلهة، ,ابناء الله… (انظر عظة2:34).

 

ز ـ التجلى : تجلى المسيح وتجلى الإنسان:

1 ـ تحدث كثيرون من آباء الكنيسة عن تجلى المسيح ونظروا إلى النور الفائق الذى اشع من وجهه وجسده وثيابه، على أنه هو نور لاهوته، وأن هذا المجد هو إعلان مُسبَّق للمجد الذى سيظهر به فى مجيئه الثانى. وهذا النور المُشع من المسيح هو الذى يُنير فى القديسين فيمجدهم فى الداخل وبعد ذلك يمجد أجسادهم فى القيامة كما رأينا فى الأقوال السابقة للقديس مقاريوس[1].

يقول القديس مقاريوس إن أجساد القديسين ستتمجد وتضئ مثل البرق كما تمجد جسد الرب حينما صعد إلى الجبل وتجلى بالمجد الإلهى وبالنور غير المحدود. فالمجد الذى كان فى داخل المسيح فاض على جسده وأضاء وبنفس هذه الطريقة يحدث فى القديسين، فإن قوة المسيح التى فى داخلهم تنسكب فى ذلك اليوم على أجسادهم من الخارج، فهم منذ الآن يشتركون فى جوهره وطبيعته فى عقولهم كما يقول: ” أنا أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى” (يو22:17). وكما أن مصابيح كثيرة تُوقد من نار واحدة هكذا أجساد القديسين، إذ هم أعضاء المسيح فبالضرورة تصير مثل المسيح نفسه (انظر عظة38:15).

كما قال رب المجد نفسه عن المؤمنين فى ملكوت الله: “ حينئذٍ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم” (مت43:13)، وهذا ما يشير إليه يوحنا الرسول أيضًا بقوله: ” نعلم أنه إذا أُظهر (المسيح) نكون مثله لأننا سنراه كما هو (أى كما هو فى مجد لاهوته)” (1يو2:3و3).

2 ـ تجلى بعض القديسين فى الحياة الحاضرة:

حالة التجلى بنور المسيح ظهرت على وجوه بعض القديسين وهم على الأرض وأضاءت أجسادهم بالنور الإلهى. ونجد أخبار هذه الحالات من التجلى المنظور فى الدهر الحاضر فى أخبار آباء الصحراء. وتعرفنا هذه الأخبار عن تجلى بعض الآباء النُساك مثل الأنبا بموا، والقديس مقاريوس نفسه والقديسين مكسيموس ودوماديوس، والأنبا سيسوى والقديس أرسانيوس، والأنبا يوسف (قرن4و5). وفى العصر الحديث أيضًا حدثت حالات التجلى المنظور للأب سيرافيم الروسى (قرن19)، والأنبا أبرام أسقف الفيوم (قرن20).

 

ح ـ نور المسيح وحياتنا الحاضرة:

النور الإلهى الذى تجلى به المسيح على الجبل، يرينا حالة النور والمجد الذى سيُستعلن فينا عند مجيئه بالمجد العظيم ليفتدى أجسادنا ويشركها فى مجده، ” متوقعين التبنى فداء أجسادنا” (رو23:8) أى يحرر أجسادنا من الموت والاضمحلال ويشركها فى مجد الحياة الأبدية، كما تشترك الخليقة المادية مع أجسادنا فى نوال حرية مجد أولاد الله، ويصبح الكون كله شفافًا للنعمة، إذ ستُعتق الخليقة من عبودية الفساد بفعل الروح القدس (انظر رو21:8ـ23).

هذا النور الإلهى، نور مجد الله، نور الحياة الجديدة، التى ينالها المسيحى وهو فى العالم، هذه الحياة ليست من هذا العالم، ولذلك فالمسيحى ليس من العالم كما قال الرب: ” أنتم لستم من العالم.. كما أنى أنا لست من العالم” (يو19:15، 17:14)، ولكنه وهو ليس من العالم فهو يعيش فى العالم. هو يؤمن بالمسيح حقًا وينال روحه بداخله وينتظر مجيء الرب المجيد باشتياق، لأن نور المسيح المتجلى، المسيح الحي المُمجد الآن، قد أشرق فى قلبه، ولذلك يحس فى داخله بجمال مجد المسيح وهذا يقوده للاشتياق إلى يوم الاتحاد الكامل به.

والمسيحى يُعد منذ الآن للاشتراك فى هذا المجد، وهذا الإعداد يتم بتنقية القلب من الظلمة والبغضة وسائر الخطايا والأهواء، بقوة نور المسيح الذى ينقلنا من الظلمة إلى النور: ” أنا هو نور العالم من يتبعنى لا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو12:8) ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم حتى أن كل من يؤمن بى لا يمكث فى الظلمة” (يو46:12) كما قال الرب أيضًا: ” آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور” (يو36:12).

إن الالتصاق بالمسيح النور الحقيقى بكل القلب يحوّلنا من الداخل لنصير منيرين أى أبناء النور ولذلك يقول أيضًا أنتم نور العالم، فنورنا مأخوذ من نوره، وبنوره نضئ قدام الناس لكى يرى الناس حياة المسيح ونوره ظاهرة فى أعمالنا فيمجدوا أبانا أب النور، ” يروا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات” (مت14:6ـ16).

قال رب المجد: ” متى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا” (مت22:6). العين البسيطة على القلب البسيط الذى ينظر إلى المسيح ببساطة وحب واستقامة والقلب البسيط يعنى القلب الذى ينظر فى اتجاه واحد فقط هو الرب وحده (وليس فى اتجاهات كثيرة لأن هذه صفة العين الشريرة أى الطامعة فهذه تجعل الجسد كله مُظلمًا). ” فالحاجة إلى واحد… النصيب الصالح الذى لا يُنزع منها” (لو42:10).

وبهذا النظر الداخلى يمتلئ الإنسان بنور المسيح فى قلبه فتهرب الظلمة بكل أنواعها ويصير قلبه نقيًا يستطيع أن يرى مجد الله ساطعًا فى داخله، ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت8:5).

 

ط ـ النظر إلى نور المسيح ومجده والتغيّر المستمر إلى صورة مجده:

النظر إلى مجد المسيح كما ذكرنا ينقى القلب، ويغيّر إنساننا الداخلى من مجد إلى مجد، إذ يقول الرسول بولس: ” ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما فى مرآة نتغير على تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” (2كو18:3).

أى بمداومة النظر فى داخل قلوبنا، إلى المسيح المُمجد، فإننا ننظر مجد المسيح منعكسًا على مرآة قلوبنا. ” كما فى مرآة“، أى ليس عيانًا والمرآة هنا هى قلوبنا، إذ أن قلوبنا هى مرآة الله. وهذا النظر إلى المسيح فى الداخل والتفرس فى مجده غير المنظور يغيرنا من الداخل، يغيرنا إلى صورة مجده كما يقول الرسول ” نتغير إلى تلك الصورة عينها“، نتغير بأن يرسم المسيح بروحه صورة مجده فينا كما يقول الرسول ” من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” أى أن هذا التغيير إلى صورة مجد المسيح فينا يتم بعمل الروح القدس داخلنا.

وهذا ما يقوله القديس مقاريوس:

[المسيح ـ الفنان الصالح ـ فى الذين يؤمنون به ويتطلعون إليه ويُثبّتون نظرهم فيه دائمًا،يرسم صورة الإنسان السماوى على صورته. فمن روحه ومن جوهر النور نفسه ـ النور غير الموصوف ـ يرسم صورة سماوية… فينبغى أن ننظر إليه ونتفرس فيه، ونؤمن به ونحبه، ونرذل كل شئ غيره، ونأتى أمامه لكيما يرسم صورته السماوية، ويرسلها إلى داخل نفوسنا، وهكذا إذ نلبس المسيح، فإننا ننال الحياة الأبدية ونحصل على يقين تام ـ هنا ومنذ الآن ـ وندخل إلى الراحة] (عظة 4:30).

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

 

[1] تحدث عن التجلى آباء مشهورون: مار أفرام السريانى والقديسون باسيليوس وغريغوريوس الناطق بالإلهيات، ويوحنا ذهبى الفم، وقد وردت بعض أقوالهم عن هذا الأمر فى مقال “تجلى المسيح” بالكتاب الشهرى عدد أغسطس1981م.

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

 

العظة الثانية

الإنسان العتيق والإنسان الجديد

“عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة – وان الله هو القادر وحده أن ينزع منا الخطيئة ويخلصنا من عبودية رئيس الشر”.

 

القديس مقاريوس الكبير | العظة الثانية: عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة – وان الله هو القادر وحده أن ينزع منا الخطيئة ويخلصنا من عبودية رئيس الشر

 1- أن ملكوت الظلمة أي الرئيس الشرير، لما أسر الانسان في البدء، قد غمر النفس وكساها بقوة الظلمة كما يكسو الإنسان انساناً غيره. “لكيما يجعلوه ملكاً، ويلبسونه الملابس الملوكية من رأسه إلى قدمه” ([1]) وبنفس هذه الطريقة قد كسا الرئيس الشرير، النفس وكل جوهرها بالخطيئة. ولوثها بكليتها، وأخذها بكليتها أسيرة إلى ملكوته، ولم يدع عضواً واحداً منها حراً منه، – لا الأفكار، ولا القلب، ولا الجسد، بل كساها كلها بأرجوان الظلمة.

 لأنه كما أن الجسد لا يتألم منه جزء أو عضو بمفرده، بل الجسد كله يتألم معاً، هكذا النفس بكليتها تألمت بأوجاع الشقاء والخطيئة. فالشرير كسا النفس كلها التي هي الجزء أو العضو الأساسي في الانسان، كساها بشقائه الخاص، الذي هو الخطيئة، ولذلك أصبح الجسد قابلاً للألم والفساد (الاضمحلال).

الإنسان العتيق:

 2- لأنه عندما يقول الرسول: “اخلعوا الإنسان العتيق” ([2])، فهو يقصد انساناً بتمامه، فيه عيون مقابل عيون، وآذان مقابل آذان، وأيدي مقابل أيدي، وأرجل مقابل أرجل.

لأن الشرير قد لوث الإنسان كله، نفساً وجسداً، وأحدره، وكساه “بانسان عتيق”، أي انسان ملوث، نجس، في حالة عداوة مع الله، “وليس خاضعاً لناموس الله” ([3])، بل هو بكليته خطيئة، حتى أن الإنسان لا يعود ينظر كما يشاء هو بل ينظر بعين شريرة، ويسمع بأذن شريرة، وله أرجل تسرع إلى فعل الشر، ويديه تصنع الإثم، وقلبه يخترع شروراً. لذلك فلنتوسل إلى الله أن ينزع منا الإنسان العتيق، لأنه هو وحده القادر على نزع الخطيئة منا، لأن الذين قاموا بأسرنا ولا يزالون يستبقوننا في مملكتهم، هم أقوى منا.

ولكنه قد وعدنا بأن يحررنا من هذه العبودية المؤلمة. فعندما تكون هناك شمس ساخنة وتهب معها الريح فان كل من الشمس والريح لها كيان وطبيعة خاصة بها، ولكن لا يستطيع أحد أن يفصل بين الشمس والريح الا الله الذي يستطيع وحده أن يمنع الريح من الهبوب وبنفس المثال، فان الخطيئة ممتزجة بالنفس، مع أن كل منهما له طبيعته الخاصة.

 3- فمن المستحيل الفصل بين النفس والخطيئة، أن لم يوقف الله ويسكت الريح الشرير، الذي يسكن في النفس وفي الجسد.

 وكما أن الإنسان إذا رأى عصفوراً يطير، فانه يشتاق أن يطير هو ايضاً، ولكنه لا يستطيع، لأنه لا يملك أجنحة يطير بها. كذلك أيضاً فان ارادة الإنسان حاضرة ([4]) وقد يشتهي أن يكون نقياً، وبلا لوم، وبلا عيب، وان لا يكون في شيء من الشر، بل أن يكون دائماً مع الله، ولكنه لا يملك القوة ليكون كذلك. وقد تكون شهوته هي أن يطير إلى الجو الإلهي، وحرية الروح القدس ولكن لا يمكنه ذلك الا إذا اعطيت له أجنحة (لتحقيق هذه الغاية).

فلنلتمس من الله أن ينعم علينا “بأجنحة الحمامة” – أي الروح القدس لكيما نطير إليه “ونوجد في الراحة” ([5])، ولكي يفصل الريح الشرير ويقطعه من نفوسنا وأجسادنا، ذلك الريح الذي هو الخطية الساكنة في أعضاء نفوسنا وأجسادنا. ليس أحد إلا هو (الروح القدس) الذي يستطيع أن يفعل هذا الأمر.

يقول الكتاب “هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” ([6]) انه هو وحده الذي أظهر هذه الرحمة لأولئك الأشخاص الذين يؤمنون به، إذ انه يخلصهم من الخطيئة، وهو يحقق هذا الخلاص الذي لا ينطق به لأولئك الذين ينتظرونه دائماً ويضعون رجاءهم فيه ويطلبونه بلا انقطاع.

  4- وكما انه يحدث في أحد الليالي المظلمة الكئيبة أن تهب ريح عاصفة وتحرك وتفتش كل الزروع والنباتات وتهزها، هكذا حينما يسقط الإنسان تحت سلطة ظلام ليل الشيطان، ويصير في الليل والظلمة، فانه يتكدر بواسطة ذلك الريح المرعب ريح الخطيئة الذي يهب (عليه) فيهزه ويقلبه ويفتش أعماق طبيعته كلها: نفسه وأفكاره، وعقله، ويهز أيضاً كل أعضاء جسده، ولا ينجو عضو سواء من أعضاء النفس أو أعضاء الجسد ويبقى بمأمن من الخطية الساكنة فينا.

وبالمثل فهناك نهار النور والريح الالهي، ريح الروح القدس، الذي يهب وينعش النفوس التي تكون في نهار النور الالهي. والروح القدس ينفذ في جوهر النفس كلها وفي أفكارها وكل كيانها، وكذلك ينعش ويريح كل أعضاء الجسد براحة الهية تفوق الوصف. وهذا هو ما أعلن عنه الرسول عندما قال “لسنا أبناء ليل أو ظلمة، بل جميعنا أبناء نور وأبناء نهار”([7]).

الإنسان الجديد:

 وكما انه هناك في الحالة الأولى – حالة الخطيئة والسقوط – فإن الإنسان القديم لبس انسان الفساد بكليته، أي لبس ثوب مملكة الظلمة، ورداء التجديف وعدم الايمان، وعدم المبالاة والمجد الباطل والكبرياء والجشع والشهوة، وكل الفخاخ الأخرى الوسخة غير الطاهرة البغيضة التي لمملكة الظلمة، هكذا يحدث هنا أن كل الذين خلعوا الإنسان العتيق، الذي هو من تحت – من الأرض – كل الذين خلع عنهم يسوع رداء مملكة الظلمة – قد لبسوا الإنسان الجديد السماوي – أي يسوع المسيح – بكل عضو مقابل (العتيق)، عيون مقابل عيون، آذان مقابل آذان، رأس مقابل رأس، ليكون الإنسان كله نقياً بارتدائه الصورة السماوية.

 5- هؤلاء قد ألبسهم الرب لباس ملكوت النور الذي لا ينطق به، لبس الايمان والرجاء والمحبة، والفرح والسلام والصلاح واللطف وكل الملابس الأخرى الالهية الحية التي لنور الحياة، ملابس الراحة التي لا يعبر عنها، حتى كما أن الله نفسه هو محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، فكذلك يكون الإنسان الجديد بالنعمة.

وكما أن مملكة الظلمة والخطيئة تبقى خفية في النفس إلى يوم القيامة، الذي فيه سوف تغمر أجساد الخطاة أيضاً بالظلمة المختفية الآن في النفس، هكذا مملكة النور، والصورة السماوية – يسوع المسيح – يضيء الآن سراً داخل النفس، ويملك في نفوس القديسين ولكنه مخفي عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هي التي ترى المسيح حقاً حتى يأتي يوم القيامة، الذي فيه سيغمر الجسد أيضاً بنور الرب ويتمجد به، ذلك النور المختفي الآن في نفس الانسان، ليملك الجسد أيضاً مع النفس التي تنال منذ الآن ملكوت المسيح وتستريح مستنيرة بالنور الأبدي.

فالمجد لمراحمه وحنانه وشفقته، لأنه هكذا يعطف على عبيده وينيرهم، وينقذهم من مملكة الظلمة ويمنحهم نوره الخاص وملكوته الخاص. له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

 

 

([1]) الاقتباس – لم يذكر مصدره – وهو ليس اقتباساً من الكتاب المقدس، والقصد منه – على أي حال، هو اعطاء فكرة التغطية الكلية بالملابس.

([2]) كو 3 : 9.

([3]) رو 9 : 7.

([4]) رو 7 : 8.

([5]) مز 55 : 6.

([6]) يو 1 : 29.

([7]) 1تس 5 : 5.

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

 

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

العظة الأولى

النفس عرش الله وهو قائدها

“تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي”

          1- يقص حزقيال النبي المبارك الرؤيا المجيدة الملهمة التي رآها، ووصفه لهذه الرؤيا يبين أنها مليئة بالأسرار التي لا ينطق بها.

          لقد رأى مركبة الشاروبيم وهي عبارة عن أربعة كائنات روحانية حية، لكل منها أربعة أوجه، واحد منها وجه أسد، وآخر وجه نسر، وآخر وجه ثور، والرابع وجه انسان. ولكل وجه أجنحه بحيث لا توجد أجزاء خلفية لي واحد منهم. وظهورهم مملؤة عيوناً، وكذلك بطونهم مشحونة ومزدحمة بالعيون، وليس فيهم أي جزء لم يكن مملوءاً عيوناً. وكان أيضاً لكل وجه بكرات، بكرة في وسط بكرة وكان الروح في البكرات.

          ورأى حزقيال منظر شبه انسان قدميه كمنظر حجر العقيق (الياقوت) الأزرق. ومركبة ([1]) الشاروبيم والكائنات الحية كانت تحمل الرب الذي جلس فوقهم. وحيثما شاء أن يسير فإنه يسير والوجه إلى الأمام. ورأى تحت الشاروبيم كمثل يد انسان تسند وتحمل.

          2- وهذا الذي رآه النبي كان في جوهره حقيقياً وأكيداً، ولكنه يشير كظل مسبق إلى شيء آخر، سري والهي – السر المكتوم بالحقيقة منذ الدهور ومنذ الأجيال ([2])، ولكنه أظهر في الأزمنة الأخيرة ([3]) بظهور المسيح. فإن السر الذي رآه هو سر النفس التي كانت ستستقبل ربها وتصير هي ذاتها عرشاً لمجده ([4]).

لأن النفس التي تتمتع بامتياز الاشتراك في روح ونور الله وتتشرب بأشعة جمال مجده غير الموصوف، وهو الذي هيأها لتكون كرسياً ومسكناً له، فإنها تصير كلها نوراً وكلها عيناً! ولا يكون فيها أي جزء غير مملوء بعيون النور الروحانية. أي ليس فيها جزء مظلم بل تصير بكليتها نوراً وروحاً، وتمتلئ كلها عيوناً، فلا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام بواسطة الجمال الذي يفوق التعبير الذي لمجد نور المسيح الجالس والراكب عليها.

          وكما أن الشمس هي بكليتها ذات شبه واحد، بدون أي جزء من الخلف أو من أسفل، بل هي مكسوة بالنور من كل ناحية، وهي بالحقيقة كلها نور، بدون اختلاف بين اجزائها، أو كما ان النار، أي نفس نور النار، هي متشابهة كلها، وليس فيها أول أو آخر، أو أكبر وأصغر،

هكذا أيضاً النفس التي تتشبع تماماً بالجمال الذي لا يوصف جمال مجد نور وجه المسيح وتكون في شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشاً له، فانها تصير كلها عيناً، وكلها نوراً، وكلها وجهاً، وكلها مجداً، وكلها روحاً، والمسيح الذي يقودها، ويرشدها، ويحملها ويسندها، هو الذي يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحاني، لأن الكتاب يقول: ويد انسان كانت تحت الشاروبيم ([5]) لأنه هو ذاك الذي يركب عليها ويوجهها.

الشاروبيم رمز لقوى النفس:

          3- والكائنات الحية الأربع التي حملت المركبة انما كانت رمزاً للملكات (أي القوى) الحاكمة للنفس. فكما ان النسر هو ملك الطيور والأسد ملك الوحوش الضارية، والثور ملك الحيوانات المستأنسة، والإنسان ملك المخلوقات عامة، هكذا فإن النفس أيضاً لها ملكاتها الحاكمة. وهذه الملكات هي الإرادة، والضمير، والعقل، وملكة الحب فهذه الملكات تضبط مركبة النفس، وعليها يستريح الله وبحسب تفسير آخر فإن الرمز يشير إلى كنيسة القديسين في السماء.

فكما يقال هنا ان الكائنات الحية كانت مرتفعة جداً، ومملوءة عيوناً وانه لم يستطع احد ان يدرك عدد العيون أو الارتفاع، لأننا لم نعط عنها معرفة، وكما أنه – قد المعطي لجميع الناس – فيما يخص نجوم السماء، ان ينظروا النجوم ويتعجبوا منها، ولكن لم يعط لهم ان يعرفوها ويدركوا عددها، فهكذا أيضاً الحال فيما يخص كنيسة القديسيين في السماء، فالدخول اليها، والتمتع بها قد أعطي لكل الذين يرغبون ويجاهدون في طلبها، أما كيفية رؤية وإدراك العدد الذي فيها، فهذا خاص بمعرفة الله وحده.

فالراكب اذن تنقله وتحمله مركبة أو عرش الكائنات الحية التي كلها عيوناً، أو بمعنى آخر تحمله النفس التي أصبحت عرشاً له وكرسياً، وهي الآن عين ونور. أنه يصعد عليها ويحكمها بزمام الروح ويقودها بحسب فكره هو. وكما ان الكائنات الروحانية الحية، لم تذهب إلى حيث شائت بل إلى حيث يعرف ويشاء ذاك الذي يجلس عليه ويوجههم، هكذا الحال هنا، فإنه هو نفسه الذي يمسك الزمام ويقود قوى النفس بروحه، حينما تتجه للسير في السماء، فهي تسير حسب قيادته وليس بحسب مشيئتها الخاصة.

فأحياناً يطرح الجسد، ويقود النفس ويأخذها بالفكر إلى السماء، وأحياناً – حينما يشاء هو – يأتي بها للعمل في الجسد وشئونه، – وأحياناً – حينما يشاء هو – يأتي بها إلى أقاصي الأرض ويشكف للنفس أسراراً بلا حجاب. آه، يا لسموه وصلاحه، ذلك القائد الحقيقي الوحيد (للنفس)!. وبنفس الطريقة، فإن أجسادنا أيضاً ستنال الإمتياز في القيامة، بعد أن تكون النفس قد سبقت وتمجدت منذ الآن على الأرض وامتزجت مع الروح في الحياة الحاضرة.

أنتم نور العالم:

          4- وأما ان نفوس الأبرار تصير نوراً سماوياً، فهذا هو ما أعلنه الرب للرسل، عندما قال “أنتم نور العالم” ([6]) لأنه صيرهم نوراً أولاً، ثم بعد ذلك أمر بأن يستنير بهم العالم إذ يقول “لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت الميكال، بل على المنارة فيضيء، لكل من في البيت. فليضيء نوركم هكذا قدام الناس”([7]).

          وبمعنى آخر، لا تخفوا الموهبة التي قبلتموها مني، بل أعطوا لكل الذين يرغبون ان ينالوها. وقال أيضاً “سراج الجسد هو العين فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً. وان كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً. فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون” ([8])، فكما ان العينين هما نور الجسد – وطالما هما بحالة جيدة – فالجسد كله يكون نيراً، ولكن ان حدث لهما حادث فاظلمتا، يصير الجسد كله في ظلمة، هكذا قد جعل الرسل ليكونوا عيوناً ونوراً للعالم كله.

لذلك فإن الرب أمرهم بهذا القول. فأنتم الذين هم نور الجسد، إن كنتم تثبتون ولا تنصرفون عني، فحينئذ يستنير جسد العالم كله، وأما أن كنتم وانتم النور تكونون مظلمين فما أعظم تلك الظلمة، التي هي ليست شيئاً أقل من العالم. وهكذا فإن الرسل إذ كانوا هم أنفسهم نوراً، فقد أعطوا النور لأولئك الذين آمنوا، إذا أناروا قلوبهم بذلك النور السماوي – نور الروح الذي كانوا هم أنفسهم مستنيرين به.

الملح والذبيحة والكاهن:

          5- واذا كانوا هم أنفسهم ملحاً، فانهم حفظوا وملحوا كل نفس مؤمنة بملح الروح القدس، لأن الرب قال لهم “أنتم ملح الأرض” ([9]) ويقصد بالأرض قلوب الناس. انهم اعطوا لنفوس الناس من الداخل الملح السماوي – ملح الروح – فيملحونهم ويجعلونهم أحراراً من الفساد والتعفن، بدلاً من تلك الحالة الكريهة التي كانوا فيها.

ان اللحم، ان لم يملح، يفسد ويمتلئ برائحة كريهة، حتى ان الناس كلهم يبتعدون من الرائحة العفنة، ويدب الدود في اللحم الفاسد ويسكن فيه ويتغذى عليه ويختبئ فيه، ولكن حينما يلقى عليه الملح يموت الدود الساكن فيه وتنتهي الرائحة الكريهة لأن هذه هي خاصية الملح ان يقتل الدود ويزيل الرائحة الرديئة.

          وبنفس الطريقة فإن كل نفس لا تصلح وتملح بالروح القدس ولا تشترك في الملح السماوي الذي هو قوة الله فانها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى ان وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التي تسكن في مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذي هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتي بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور “قد انتنت وقاحت جراحاتي” ([10]).

          ولكن حينما تهرب النفس إلى الله لأجل الخلاص وتؤمن وتطلب ملح الحياة الذي هو الروح الصالح المحب للبشر، فحينئذ يأتي الملح السماوي ويقتل تلك الديدان المرعبة ويزيل الرائحة النتنة، ويطهر النفس بعمل قوته الفعال، وهكذا تصير النفس سليمة صحيحة وحرة من الاضمحلال بواسطة ذلك الملح الحقيقي وترد وتعاد لتكون نافعة لخدمة السيد السماوي وهذا هو السبب الذي من أجله أمر الله، في الناموس مستعملاً الرمز ان كل ذبيحة ينبغي ان تملح بملح([11]).

          6- فالذبيحة ينبغي أولاً ان تذبح بواسطة الكاهن، وتموت، ثم تقطع قطعاً قطعاً وتملح، وبعد ذلك توضع على النار. فان لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت، فإنه لا يملح ولا يقرب كقربان محرقة للرب. هكذا نفسنا ايضاً ينبغي ان تأتي إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي ليذبحها، وتموت عن هوى فكرها الخاص وعن حياة الخطية الشريرة التي كانت تعيشها قبلاً. يجب ان تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة.

كما ان الجسد اذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق ان عاشها، فلا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوي – حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم فانها تموت عن حياة الشر التي كانت تعيشها قبلاً. يجب ان تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة.

كما ان الجسد اذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق ان عاشها، فلا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوي – حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم فانها تموت عن حياة الشر التي كانت تعيشها، فلا تعود تسمع أو تتكلم أو يكون لها شركة وتوطن في ظلمة الخطيئة لأن حياتها – التي هي الأهواء الشريرة قد خرجت منها بواسطة النعمة. والرسول يصرح قائلاً “قد صلب العالم لي وأنا صلبت للعالم” ([12]).

          فالنفس التي لا تزال تحيا في العالم وفي ظلام الخطيئة ولم تمات بواسطة المسيح ولا يزال روح الخبث في داخلها أعني نشاط ظلمة أهواء الشر، التي تتحكم فيها فإن هذه النفس لا تنتمي إلى جسد المسيح لا تنتمي إلى جسد النور، بل هي في الحقيقة جسد الظلمة ولا تزال جزءاً لا ينفصل من الظلمة، أما الذين لهم حياة روح النور، أعني قوة الروح القدس فإنهم جزء لا ينفصل من النور.

          7- ولكن قد يسألني أحدكم قائلاً: كيف تدعو النفس بلقب جسد الظلمة في حين انها لم تخلق من الظلمة؟ اصغ الي، وافهمني جيداً. كما ان ثوبك الذي تلبسه قد صنعه آخر غيرك، وانت تلبسه، وكما ان بيتك قد بناه آخر وأنت تسكن فيه، هكذا حينما تعدى آدم وصية الله وأطاع الحية الخبيثة، صار مباعاً أو باع نفسه للشيطان فاكتست النفس – تلك الخليقة الحسنة التي صورها الله على صورته الخاصة – اكتست بنفس الشرير مثل رداء.

لذلك يقول الرسول “اذ جرد الرياسات والسلاطين، ظفر بهم في الصليب” ([13])، وهذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (الى العالم)، لكيما يطرحهم خارجاً ويسترجع بيته وهيكله، أي الانسان. لهذا السبب تسمى النفس جسد ظلمة الخبث طالما ان ظلمة الخطية موجودة فيها، لأنها تحيا لعالم الظلمة الشرير، وهي ممسوكة بشدة هناك.

لذلك يسميها الرسول جسد الخطيئة أو جسد الموت، قائلاً “ليبطل جسد الخطيئة” ([14])، وأيضاً: “من ينقذني من جسد هذا الموت” ([15])، ومن الجهة الأخرى فان النفس التي قد آمنت بالرب وانقذت من الخطية واميتت عن حياة الظلمة وقد نالت نور الروح القدس كحياة لها، وبهذه الطريقة قد انتقلت إلى الحياة حقاً، فانها تصرف زمانها بعد ذلك في نفس هذه الحياة، لأنها تكون هناك ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت.

فان النفس في ذاتها لا هي من طبيعة اللاهوت، ولا هي من طبيعة ظلمة الخبث، بل هي خليقة عاقلة، جميلة، عظيمة، وحسنة كمثال وصورة الله. وانما عن طريق التعدي دخل فيها خبث أهواء الظلمة.

ضرورة المجيء إلى المسيح لنموت ونحيا:

          8- اذن فما تختلط به النفس فانها تكون متحدة معه في حركات ارادتها، فإما يكون لها نور الله في داخلها، وبذلك، تعيش في النور، في كل الفضائل، وتنتسب إلى نور الراحة. وإما يكون لها ظلمة الخطيئة فستجد الدينونة. فالنفس التي تشتهي ان تعيش مع الله في الراحة والنور الأبدي يجب ان تأتي، – كما قلنا سابقاً – إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي لتنذبح وتموت عن العالم وعن حياة ظلمة الخبث السابقة. وتنتقل إلى حياة أخرى والى سيرة الهية.

وكما يحدث عندما يموت انسان في مدينة ما فانه لا يسمع صوت الناس الساكنين فيها ولا أحاديثهم ولا الضوضاء التي يصنعونها، بل هو يصير ميتاً مرة واحدة، وينتقل إلى منطقة أخرى حيث لا يوجد أصوات ولا صرخات من تلك المدينة التي خرج منها…

كذلك النفس ايضاً حينما تنذبح مرة وتموت عن مدينة الأهواء الشريرة التي تسكن وتعيش فيها فانها لا تعود تسمع في داخلها صوت أفكار الظلمة، ولا يعود يسمع فيها حديث وصراخ المنازعات الباطلة الشريرة أو ضجيج أرواح الظلمة بل تنتقل إلى مدينة مملوءة بالصلاح والسلام، إلى مدينة نور اللاهوت وتعيش هناك، وتسمع وتستوطن وتتكلم وتشارك، وهناك تعمل اعمالها الروحانية التي تليق بالله.

فلنصل لكي ننذبح بقوته:

          9- لذلك فلنصلي لكي ننذبح بواسطة قوته ونموت عن عالم الظلمة الخبيث ولكي تموت فينا روح الخطية، ولكيما نلبس وننال حياة الروح السماوي، وننتقل من حيث الظلمة إلى نور المسيح، ولكي نستريح في الحياة إلى مدى الدهور. فكما ان المركبات تتسابق في الميدان والمركبة التي تسبق الأخرى تصير لها مانعاً وحاجزاً وعائقاً، حتى انها لا تستطيع ان تتقدم وتصل إلى النصرة، وهكذا ايضاً سباق أفكار النفس والخطيئة في الانسان.

فاذا حدث ان سبق فكر الخطيئة فانه يعوق النفس ويحجزها ويمنعها، حتى انها لا تستطيع ان تقترب إلى الله وتنال النصرة منه. ولكن حيث يركب الرب ويمسك بزمام النفس بيديه فانه دائماً يغلب لأنه بمهارة يدير ويقود مركبة النفس إلى ذهن سماوي ملهم كل حين.

وهو – أي الرب – لا يحارب ضد الخبث اذ له دائماً القوة الفائقة والسلطان في نفسه، بل هو يصنع النصرة بنفسه. فالكاروبيم اذن لا تسير حيث تشاء من نفسها ان تسير بل إلى حيث يقودها ويوجهها الراكب عليها. وهي تسير حيث يريد هو، وهو يسندها لأن الكتاب يقول “ويد انسان كانت تحتها” ([16]).

          فهذه النفوس المقدسة تنقاد وتسير بروح المسيح الذي يمسك بزمامها ويقودها إلى حيث يشاء – فاحياناً يشاء ان تقيم في التأملات السماوية، واحياناً يشاء ان تلبث في الجسد، وهكذا حيثما يشاء هو فانها تقوم بالخدمة.

          وكما ان أجنحة الطائر هي له بمثابة الرجلين كذلك فان النور السماوي أي نور الروح يحمل اجنحة افكار النفوس المستحقة، ويقودها ويدبرها كما يعرف هو انه الأحسن لها.

أنظر إلى نفسك جيداً:

          10- لذلك فحينما تسمع بهذه الأشياء أنظر إلى نفسك جيداً، هل انت حاصل على هذه الاشياء ومالك لها بالفعل والحق في داخل نفسك أم لا؟ فانها ليست مجرد كلمات تقال بل هي فعل الحق الذي يحدث في داخل نفسك. فان لم تكن مالكاً لها بل انت معدم من مثل هذه الخيرات الروحانية، ينبغي لك ان تكتئب وتحزن وتسعى بلهفة كانسان لا يزال ميتاً ومنفصلاً عن الملكوت وكانسان مجروح اصرخ دائماً إلى الرب واطلب منه بايمان ان يمنحك انت شخصياً هذه الحياة الحقيقية.

          وحينما صنع الله جسدنا هذا فانه لم يمنحه ان تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا ان يحيا الجسد بذاته، وهكذا دبر له الطعام والشراب واللباس والأحذية، وهكذا عين الله له ان يأخذ كل حاجات الحياة من الخارج اذ انه صنع الجسد نفسه عرياناً ولا يمكن للجسد ان يعيش بدون الاشياء الخارجة عنه أي بدون الطعام والشراب واللباس فان حاول ان يعتمد على طبيعته وحدها دون ان يأخذ شيئاً من الخارج فانه يضمحل ويموت.

وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس ايضاً فهي لا تملك النور الالهي رغم انها مخلوقة على صورة الله وهكذا نظم الله احوالها وقد سر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أي من روحه ومن نوره. تنال طعاماً وشراباً روحانياً، ولباساً سماوياً وهذه هي حياة النفس، أي الحياة بالحقيقة.

          11- وكما رأينا ان حياة الجسد ليست من ذاته، ولكن من خارجه، أي في الأرض، وبدون الأشياء التي من خارجه لا يمكنه ان يعيش هكذا أيضاً النفس أن لم تولد الآن إلى “أرض الأحياء” ([17]) وتستمد غذاء روحياً منها وتنمو نمواً روحياً أمام الرب وتكتسي من اللاهوت بحلل الجمال السماوي التي تفوق الوصف، فانها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها في فرح وراحة.

أن الطبيعة الالهية فيها خبز الحياة الذي قال “أنا هو خبز الحياة”([18])، “والماء الحي”([19])، “والخمر التي تفرح قلب الانسان”([20])، “وزيت الابتهاج”([21]) وجميع أصناف طعام الروح السماوي ولباس النور السماوي تلك التي تأتي من الله. وفي هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية.

ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضاً ويل للنفس أن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها في شيء سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فانها تموت اذ انها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها. ففي حالة المرضى بالجسد، بمجرد أن يفقد الجسد القدرة على تقبل الغذاءن لا يعود هناك أمل في هؤلاء المرضى ويبدأ أصدقاؤهم الحقيقيون وأقرباؤهم ومحبيهم في البكاء وذرف الدموع.

وبنفس الطريقة فان الله والملائكة يبكون على النفوس التي لا تتغذى بطعام الروح السماوي، ولم تأت إلى الحياة في عدم الفساد. ومرة أخرى أقول: أن هذه الأشياء ليست مجرد كلمات تقال، بل هي عمل الحياة الروحانية، عمل الحق الذي يتحقق في النفس الأمينة المستحقة.

ليكن لنا حس سريع:

          12- فاذا كنت قد صرت عرشاً لله، وجلس فوقك الراكب السماوي، ونفسك كلها قد صارت عيناً روحانية، وصارت نفسك كلها نوراً، واذا كنت قد تغذيت بذلك الغذاء، غذاء الروح القدس، وان كنت قد سقيت من ماء الحياة، وان كنت قد لبست ملابس النور الذي لا يوصف، وثبت انسانك الداخلي في اختبار هذه الأمور بملء الثقة واليقين، فانك بذلك تكون حياً، انك تحيا الحياة الأبدية بالحقيقة، وان نفسك هي في الراحة مع الرب منذ الآن فصاعداً.

انظر فها أنت قد قبلت هذه الأشياء من الرب وامتلكتها بالحق، لكيما تحيا الحياة الحقيقية. ولكن اذا وعيت نفسك ووجدت انه ليس عندك شيء من هذه الأشياء (التي سبق ذكرها) فحينئذ يلزم أن تبكي وتنوح وتحزن لأنك حتى الآن لم تجد الغنى السماوي الأبدي.

          لذلك ينبغي أن تتوجع بسبب فقرك المدقع، وتتضرع إلى الرب ليلاً ونهاراً لأنك قد سقطت في فقر الخطيئة المرعب.

          يا ليت كل انسان يصير له احساس سريع وتوجع بسبب فقره، ولا نسير في الحياة بلا مبالاة، مكتفين كأننا قد امتلأنا!، لأن الذي يحس بشدة فقره، ويأتي إلى الرب ويسأله بالصلاة باستمرار، فانه حالاً يحصل على الفداء والكنوز السماوية، كما قال الرب في ختام حديثه عن القاضي الظالم والأرملة “أفلا ينصف الله الذين يصرخون إليه ليلاً ونهاراً، نعم أقول لكم انه ينصفهم سريعاً” () الذي له المجد والقوة إلى الأبد آمين.

 

([1]) حزقيال النبي لم يستعمل كلمة “مركبة” في الأصحاح الأول ولكن الكلمة استعملت في النسخة السبعينية في سفر حزقيال اصحاح 43 عدد 3.

([2]) كولوسي 1 : 26.

([3]) 1 بطرس 1 : 10.

([4]) مت 25 : 31.

([5]) حزقيال 1 : 8 يفسر القديس مقاريوس “الإنسان” هنا بأنه المسيح ويد انسان كانت تحت الشاروبيم لأنه هو الذي يركبها ويوجهها.

([6]) مت 5 : 14.

([7]) مت 5 : 15، 16.

([8]) مت 6 : 22، 23، لو 11 : 34.

([9]) مت 5 : 13.

([10]) مز 38 : 5.

([11]) لا 2 : 13، انظر مرقس 9 : 49.

([12]) غلاطية 6 : 14.

([13]) كولوسي 2 : 15.

([14]) رومية 6 : 6.

([15]) رومية 7 : 24.

([16]) حزقيال 1 : 8.

([17]) مز 27 : 13.

([18]) يو 6 : 35.

([19]) يو 4 : 10.

([20]) مز 104 : 15.

([21]) مز 45 : 7.

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

Exit mobile version