الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

مقدمة:

لعل من أكثر كتابات الآباء تعبيرًا عن الوحدة بين الروح والواقع هي كتابات الآباء شيوخ البرية الأقباط وذلك يعود لعمق خبراتهم الروحية والتي من خلالها تعاملوا مع كل الظروف المحيطة وأيضًا يعود إلى أنهم لا يدخلون الفلسفة في روحياتهم كاليونانيين.

مرة جاء افاغريوس البنطي إلى شيخ في البرية وسأله: ” لماذا يمارس المصريون النسك والتمييز أكثر من اليونانيين ؟

” فأجابه الشيخ ” لأن اليونانيين قد أهدروا وقتهم في حب الكلام والعجب ” وهذا يعكس لنا أن آباء البرية عاشوا التأمل Qewria والتاريخ istoria بعمق باطني يميز الروحانية القبطية. وسنتعرض الآن إلى هذا الجانب من خلال القديس مقاريوس المصري وسنلجأ في هذه الدراسة إلى عظات القديس مقاريوس التي صدرت في ترجمات عربية مختلفة.

 

الروح القدس والإنسان والكنيسة والتاريخ

في عظات القديس مقاريوس المصري

رؤية قبطية للعلاقة بين التأمل Qewria والتاريخ Istoria

 القديس مقاريوس المصري (300 ـ 390م) وأسماه إخوته في البرية ” الشاب الشيخ ” هو مؤسس منطقة الاسقيط الرهبانية وهو تلميذ العظيم الأنبا أنطونيوس وكلاهما يعبران وبصدق عن خصوصية الروحانية القبطية بل والشرقية والتي تتميز بالتفاعل العفوي والاندفاع القلبي نحو الشركة مع الله الآب في وجه يسوع الحبيب بالروح القدس. والروح القدس عند مقاريوس هو (فلاح النفس البشرية ومخصبها) ويقول العالم الفرنسي A.Guillaumont بأن عظات مقاريوس إنما تعبر عن الروحانية المسيحية في أنقى صورها ويذهب آخر إلى أن الشرق المسيحي لم يفصل أبدًا بين العقيدة كلاهوت والعقيدة كخبرة كنسية وروحية وأن العقائد الأساسية كالثالوث والتجسد وعمل الروح القدس والتي صاغها الآباء في القرون الأولى ما هي إلا صور الاختبارات النسكية وضعت في صيغ عقائدية. فالروحانية (النسك والسلوك) لا تنفصل عن العقيدة (اللاهوت). وبأسلوب آخر المخدع لا ينفصل عن المكتب.[1]

الروح لا ينفصل عن التاريخ والأحداث. وليس من قبيل المصادفة أن تزامن جهاد مقاريوس لإعلاء شأن الروح القدس وعمله في داخل النفس اختباريًا (هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة (7:5) عظات القديس مقاريوس الكبير مركز دراسات الآباء 1991 وسوف نقتبس دائمًا من هذه الترجمة مع الرجوع إلى النص اليوناني من حين إلى آخر). نقول تزامن جهاد مقاريوس مع جهاد الكنيسة لإعلاء شأن الروح القدس لاهوتيًا وصياغة ذلك عقائديًا في مجمع القسطنطينية 381م.

 

فخبرة الآباء الشيوخ هي ثيؤريا=تأمل Qewria والمجمع هو التعبير التاريخي عن هذه الخبرة، تاريخ Istoria  فهناك إذًا في ضمير الكنيسة وحدة بين الجهاد الروحي الاختباري والجهاد العلمي واللاهوتي [لأن تلك النار السماوية، ونار اللاهوت، التي يقبلها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل سوف تصير ظاهرة من الخارج] (عظة 1:11) فاللاهوت كعلم كنسي هو امتداد لعاصفة يوم الخمسيين في الكون.

[كما أن الثلاث فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم ” وسجدوا للرب بالروح والحق ” كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهية السماوية في إنسانها الداخلى وهم في هذا العالم وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشرية] (عظة 2:11) الترجمة الحرفية (يُشكل أو يرسم أيقونة سماوية) وفعل يُشكل morfie هو الذي استخدم الرسول الاسم منه في (فيلبى 2:5) “آخذًا صورة morfie العبد”.

في (عظة 30:4) يؤكد القديس مقاريوس أن السيد المسيح يرسم في النفوس صورة الإنسان السماوي على صورته. ويمثل لاهوت استدعاء الروح القدس Epiclesis في الليتورجيات الشرقية القاعدة لفهم فكر وممارسات آباء البرية وما يمثلونه من تيار نسكي ترك بصماته على الكنيسة أثناء الحقبة الآبائية، فالحياة النسكية هي استدعاء دائم للروح القدس لكي يحول جسدنا المائت إلى هيكل الحياة الأبدية أي يحول شهادة المسيح إلى واقع حي مقروء من جميع الناس أي يحول Istoria  إلى Qewria[2].

 

1ـ الروح القدس والسر المكتوم منذ الدهور:

يعتبر القديس مقاريوس أن الهدف الأساسي وراء ظهور السر المكتوم منذ الدهور في السيد المسيح هو أن [يتمتع الإنسان بالاشتراك في روح ونور الله] (عظة 2:1) وهذا النور يجعل الإنسان ناظرًا دائمًا إلى الأمام أي يصير شخصًا حيًا Prospon.

المختبرون شركة الروح القدس عند مقاريوس لا ينظرون إلى الوراء بل هم مستقبليون [لا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام] (عظة 2:1)، والسبب وراء القدرة على النظر إلى الأمام هو [الجمال الذي يفوق الوصف الذي لمجد نور السيد المسيح] ولعل أكثر ما يثلج قلب الآب أن نتمعن في وجه النور، وجه ابنه الوحيد الذي به سُر وأكثر ما يبهج الروح القدس أيضًا هو أن يشهد في قلوبنا للسيد المسيح ويأخذ مما له ويهمس به في أورشليمنا الداخلية حتى ننال نحن الموهبة غير المائتة. نحن إلهيون من جهة وتاريخيون من جهة البشرية.

إننا نسير لكننا نثبت فيما نسير. نحن زمان وروح في آنٍ واحد. يحملنا زمان لا يخلو من روح. وروح ليست مستقلة عن الزمان[3]. نـــكرز بــالـــنور في اليهودية والسامرة وأقصى الأرض فالروح القدس يعطى للشهادة بُعدًا تاريخيًا وبُعدًا كونيًا وبُعدًا شخصيًا.

 

 

2ـ الروح القدس والتدبير الإلهى والحس التاريخى للخلاص:

[هذا السر المكتوم أُعلن تديجيًا للبشر وربنا يسوع المسيح إذ اهتم بخلاص الإنسان نفذ منذ البدء كل تدبير وعناية من خلال الآباء والبطاركة والناموس والأنبياء وفي النهاية جاء هو بنفسه واستهان بعار الصليب واحتمل الموت من أجل أن يلد من ذاته ومن طبيعته أولادًا من الروح لأنه سُرَ أن يُولدوا من الروح من فوق أي من نفس لاهوته] (عظة 2:30).

 

 الروح القدس روح الـQewria  يعطى للإنسان والكنيسة حسًا تاريخيًا. والآباء وبينهم القديس مقاريوس تكلموا بإسهاب عن التدبير الإلهي منذ السقوط وحتى مجيء المسيح ونجد تعبير ” تاريخ الخلاص ” كثيرًا في المؤلفات اللاهوتية المعاصرة. فالروح يعمل منذ السقوط وفي تاريخ البشرية الساقطة بالأنبياء.

ويعمل في العالم الحاضر في قلوب المسيحيين التائبين وسيعمل في المستقبل (عظة1:11-6:30-30،7-1:35،2) وعن استمرارية عمل روح الله في التاريخ البشرى نقرأ هذا القول المملوء بنبض الروح العامل في التاريخ بكل ظروفه [لقد كانت قوة الله حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع وكانت تعمل عجائب منظورة وكانت النعمة الإلهية ساكنة فيهم وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ، التكلم حينما كانت تدعو الحاجة أن يُخبروا العالم بأحداث عظيمة] (عظة3:50).

 وهنا نلاحظ التناسق بين عمل الروح القدس وأحداث العالم العظيمة. فتاريخ العالم في اللاهوت الآبائي هو تاريخ عمل الله بالروح في العالم. والله في كلامه مع العالم استخدم ” أنواع وطرق كثيرة ” (عب 1:1) [ولما كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه أرسل الروح القدس ليعمل أعمال متنوعة في جميع الأعضاء] (عظة4:12). أي أن الله مازال يعمل بروحه في الكنيسة والعالم بطرق ومواهب متعددة. فمواهب الروح هي التي تميز بين المؤمنين في الجسد الواحد وهي تحقق حضور الكنيسة في العالم وحضور التأمل في التاريخ.

 

3ـ الروح القدس والصليب والقيامة ويوم الخمسين:

 الروح القدس هو الذي يتسلم الفداء ويوزعه ويلغى الهوة القائمة بين ما مضى وما يحصل الآن لأن الزمان يستعلن كله في أبدية هي اللحظة الحاضرة التي أنجو فيها.

ويمثل الصليب والقيامة عند القديس مقاريوس الأساس اللاهوتي والتاريخي لانسكاب الروح. وهو كعادته لا يستفيض في شرح ما حدث في الصلب من أحداث والقيامة من مواقف بل يذهب رأسًا إلى أثر هذه الأحداث في الرسل وفي المسيحيين وفي الكنيسة وفي العالم [إن الرسل أنفسهم قبل الصليب بملازمتهم للرب رأوا آيات عظيمة، كيف كان البرص يتطهرون والموتى يقومون ولكنهم لم يكونوا يعرفون كيف تدخل القوة الإلهية وتتمم خدمتها في القلب، وكيف يُولدون ثانية بالروح ويشتركون مع النفس السماوية ويصيرون خليقة جديدة (2كو17:5) ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه في شخصه. والرب قال عنهم، لماذا تتعجبون من الآيات إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله] (عظة17:12).

 

4ـ من حب الاندهاش إلى الحب بالروح:

من الغموض إلى الوعي بالذات ومن الرؤية الإلهية إلى التاريخية. القديس مقاريوس يصف لنا مشاعر الرسل قبل يوم الخمسين فإذ هي خليط من الانبهار والإعجاب ولعل هذا يتفق مع وصف العهد الجديد لجماعة المؤمنين بعد الصليب، انبهار غير قادر على اتخاذ قرار! وأكثر من ذلك [فإن كلمات المخلص كانت تبدو غريبة لهم إلى أن قام من يبن الأموات وصعد بالجسد إلى أعلى السموات من أجلنا وبعد ذلك انسكب الروح المعزى ودخل في نفوسهم واختلط بهم والحق ذاته يظهر نفسه في النفوس الصادقة والمؤمنة، يأتى الرب الذي هو الإنسان السماوي ويصير في شركة مع كل إنسان وفي شركة معك] (عظة17:12)، [ونحن من خلال جسد الابن الوحيد الذي هو متحد باللاهوت وهو دائمًا مع الروح القدس نصير دائمًا مع الرب] (عظة 4:17).

فالروح القدس في اليوم الأول للخليقة “يرف على وجه المياه ” لكي يعطى الحياة للخليقة، وحل على السيدة العذراء ممثلة البشرية جميعًا لكي ينفخ في أحشائها الحياة البشرية لكي يتجسد اللوغوس الإلهي، وهب يوم (الخمسين) على التلاميذ لكي يجعل منهم الجسد الحي للبشرية الجديدة التي هي حياة الشركة الكنسية.[4] وهنا الروح ينشئ الكنيسة ويقيمها في المسيح في التاريخ.

 

5ـ الروح والعروس:

 الروح القدس هو روح الشركة وروح الكنيسة، والقديس مقاريوس يركز دائمًا على القاعدة الرسولية للكنيسة (أي البعد التاريخي للرؤية السماوية) وأن [تعليم الرسل قد دشن عالمًا جديدًا مختارًا من الله] (عظة 6 :6). وحينما يفسر الآية الخاصة بيوحنا المعمدان (مت 11 :11)

 

يقول [حقًا من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا….. فإنه هو تكميل الأنبياء وخاتمتهم، كل الأنبياء تنبأوا عن الرب واشاروا إليه من بعيد أما يوحنا فتنبأ عن المخلص وأظهره أمام عيون الجميع صارخًا بصوت عالٍ “هوذا حمل الله ” (يو29:1) أنه لايوجد أعظم من يوحنا في مواليد النساء ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه (مت11:11) أي المولودين من الله من فوق، أي الرسل، الذين نالوا باكورة الروح المعزى، لأنهم حسبوا أهلاً لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة…وهم قد جعلوا محررين ومنقذين للناس… وتجدهم فلاحين في كرم النفوس وتجدهم أصدقاء العريس…] (عظة6:28،7).

وفي قراءة خريستولوجية typology للعهد القديم والتي ميزت كل اللاهوت الآبائى. يتكلم القديس مقاريوس عن الآباء الرسل قائلاً: [وكان رئيس الكهنة له على صدره حجران كريمان، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الأثنى عشر (خر10:28) وكان هذا ليكون رمزًا ومثلاًtypos لأن الرب أيضًا بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل وأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم اجمع وها أنت ترى كيف أن الظل يشير إلى الحقيقة] (عظة5:32) وهذا مثال رائع للوحدة بين الحس الروحي والحس التاريخي عند الآباء.

 

6ـ الكنيسة واقتناء الروح القدس:

إن اللاهوت هو امتداد لشهادة marteria،marturia المسيح في الكنيسة وتحقيق لها في العالم والتاريخ. ولهذا فاللاهوت يعبر عن يوم الخمسين الدائم الحضور في الكنيسة من خلال وحدتها وتمايز مواهب أعضائها وهذا التمايز في المواهب تحكمه احتياجات الإنسان. وهنا يحدث وعى بعمل الروح التجديدي لكل أعضاء جسد الكنيسة ومنهم إلى جسد البشرية جمعاء وهكذا فإن نعمة الشركة الإفخارستيا تتحول في أعضاء الكنيسة إلى مواهب وإلى لاهوت يسند هذه المواهب ويؤسسها ويحفظها في شركة الكنيسة.

والقديس مقاريوس مثل غيره من الآباء يدرك أهمية الكنيسة وأسرارها في “نقل” النار السماوية إلى البشرية وهنا نحن أمام أعمق تجسد للرؤية في التاريخ البشرى، بالأسرار تتحول الكنيسة إلى خليقة جديدة ويندفع أولادها المستنيرون بالمعمودية وإضرام بذرة الحياة الجديدة بالتوبة واقتناء المواهب في شركة الإفخارستيا والخدمة، إلى الشهادة الحية.

والقديس مقاريوس يشرح لنا أسرار الكنيسة على أنها هي الأمور التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن (1كو2:9) والتي أعلنها الله لكنيسته بالروح [في ذلك الزمان كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المخلص لابد أن يأتي ولكنهم لم يكونوا يعرفون ولا كانوا قد سمعوا أنه سيتألم ويصلب ويسفك دمه على الصليب ولم يخطر على بالهم أنه ستكون هناك معمودية بالنار والروح القدس] وأن في الكنيسة ستُقدم تقدمة الخبز والخمر تحقيقًا لجسده ودمه، الإفخارستيا هي أعمق مثال على الاتحاد الكامل بين الثيؤريا والتاريخ عند الآباء وفي الكنيسة فكما تقول الديداكية ” الكنيسة تجمع الحنطة من على الجبال أي ثمرة عمل الإنسان وتقدمها للرب على المذبح لكى يتحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه…”.

ويقول عالم الآباء ألكسندر شميمن في كتابه عن الأسرار[5] (إننا نقدم إلى الله العالم كله وتاريخ البشر في هيئة الخبز والخمر لكى ما يقدسها ويعيدها إلينا متحدة بروحه وجسده ودمه، إن أولئك الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا)، [لأن الرسل والمسيحيين سينالون المعزى “ويتأيدون بالقوة من الأعالي “(لو49:24) ويمتلئون إلى كل ملء الله(أف) وأن نفوسهم تمتزج بالروح القدس وتتشبع به، هذا لم يعرفه الأنبياء والملوك ولا خطر على قلبهم، والآن فإن المسيحيين يتمتعون بغنى عظيم يختلف عن غيره وقلوبهم تشتاق إلى الله] (عظة 17:27).

وفي العظة الثالثة عشر يتكلم عن ضرورة تكريس القلب والتغصب للاستعداد لنوال الأسرار السماوية ويعطيه الرب الطعام السماوي والشراب الروحاني (1كو4:10) والجسد والدم هو طعام البنين (يو35:8) [وإذ يذهب الأولاد مع يسوع والدهم في كل مكان فإنه يعطيهم ذاته] ” من يأكل جسدي ويشرب دمى يثبت في وأنا فيه ” (يو56:6) وأيضًا ” لايرى الموت ” (يو51:8) المعمودية كممارسة في الزمن وعطية الروح القدس أي الزمن الجديد.

 

واكن ما يعنينا هنا أن في النصوص الأخرى هناك تعاليم أخرى للقديس مقاريوس سبق وأشرنا إلى بعضها في العظات الخمسين ولكن هنــــاك تأكيـــد عليها يهمنا أن نعرضه لعلاقته الوطيدة بعمل الروح القدس في الكنيسة ذكرها العالم الفرنسي الأرثوذكسي Placide Deseille في المقدمة الرائعة التي سبقت ترجمته لعظات مقاريوس إلى الفرنسية ووضعها تحت عنوان ” اقتناء الخلاص ” وبعدها وضع عنوانًا جانبيًا ” المعمودية أساس الحياة الروحية ” وفي هذا النص الهام يجيب القديس مقاريوس على السؤال الآتي: إذا كانت المعمودية ممارسة حقيقية وأساس الإيمان فلا يجب أن ننتظر شيئًا آخر من السماء (يقصد الامتلاء وشركة الروح التي يذكرها دائمًا القديس مقاريوس) إذًا من الواضح أنه لا جدوى من انتظار شيئًا آخر بعد المعمودية!

ويجيب القديس مقاريوس: [إننا في المعمودية نأخذ أساس عمل الروح القدس] وهنا تجد عظات مقاريوس في وضعها اللاهوتي الصحيح وهو احترام لموهبة الله التي حلت في المسيحيين وذلك بالتوبة والصلاة والشركة: وفي ” الرسالة الكبرى ” يشرح القديس مقاريوس هذا الأساس الكنسي لعمل الروح القدس وفي الفقرة الثانية من الرسالة يُسهب القديس مقاريوس في شرح ضرورة أن يقدموا أجسادهم ذبيحة مقدسة عبادتهم العقلية (رو2:12) ليختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية، ويربط بين سر الثالوث والإيمان الأرثوذكسي والاعتراف بالإيمان في المعمودية، [الإيمان الأرثوذكسي يسجد للثالوث ذي الجوهر الواحد والمجد الواحد كما نعترف في السر المقدس الذي للمعمودية].

وفي موضع آخر يقول [إن المؤمنين يقبلون عربون الروح في المعمودية باسم الثالوث وذلك من أجل أن ننمو في الكمال، كمال الميراث ومن أجل مضاعفة الوزنة في (مت 15:25) التي للسر العظيم]. وفي نفس الرسالة يتكلم عن الكنيسة بشكل أوضح [إن الروح الإلهى المعزى الذي أُعطى الرسل ومنهم لكنيسة الله في ساعة المعمودية، هذا الروح يتحد بكل من يتقدم للمعمودية بإيمان صادق]… أي أنكار للأسرار أو تقليل من شأنها هو تقليل من شأن الكنيسة وبالتالي الحضور التاريخي الفعلي للروح في العالم والكنيسة ليست مؤسسة دنياوية بل هي امتداد ملكوت الله (الثيؤريا)على الأرض (الأستوريا).

” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء يا والدة الإله أنت هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة ” (من صلوات الأجبية المقدسة).

روح الشركة: أنا أتكون من حرارة الآخر الروحية:

يسمى القديس مقاريوس حياة الشركة:

(أ) بالشركة الأخوية (عظة 3). (ب) والمدينة السماوية (عظة 2:12).

(جـ) والعائلة السماوية (عظة 23).

[والكنيسة السماوية هي واحدة ولكن بها أعداد لا تحصى وكل شخص فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة لأنه كما أن الطيور تخرج من أجسادها غطاء لها هو ريشها إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بين الطيور نفسها…هكذا القديسون فأنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة…. فإن الروح إذ يأتي إلى القلب فإنه يصنع فكرًا واحدًا، فإن الذين هم فوق والذين أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد] (عظة 3:32).

 

التوازن بين المؤسسة والخاريسما (موهبة) بين الروح والتاريخ:

القضية الكبرى التي واجهتها الكنيسة الأولى منذ البدء والواضحة في رسائل بولس والآباء الرسوليين ولاهوت أغناطيوس الأنطاكي هي ضرورة أن تجتمع كل المواهب حول سر الإفخارستيا والأسقف. وهنا تأسس الانسجام والتوازن بين المواهب والتنظيم الكنسي والإدارة والتي انطلقت من روح الإفخارستيا. فلأفخارستيا هي مركز كل حركة الكنيسة في التاريخ. قد كتب الباحث الأمريكي Peter Brown عن أن الخطورة تكمن في أن يحدث (روتنة المواهب) وهنا يحدث الفصام بين الإدارة الكنسية والمواهب وقديمًا قال أفلاطون ” ليت الفلاسفة يحكمون والحكام يتفلسفون “.

وأباء الكنيسة طبقوا ذلك في الكنيسة فأدار الكنيسة اللاهوتيون فصارت الإدارة نفسها خاريسما أي الموهبة الروحية فلا يوجد عند الآباء تناقض بين ” خادم النادي ” و ” خادم الكلمة ” أو ” خادم أخوة الرب ” أي أن كل عمل في الكنيسة تحول إلى عمل خريسماتيكى نابع من روح التوبة والشركة وحين يتكلم عن مريم ومرثا يؤكد مقاريوس على هذه الوحدة (عظة 16:12)

وفي تعبير رائع عن هذا الاتزان بين المواهب ” فمهما كان انشغال الأخوة فينبغي أن يقوموا به في محبة وبشاشة نحو بعضهم البعض، فالذي يشتغل منهم فليقل عن الذي يصلى ” أن الكنز الذي يجده أخي هو كنز مشترك فلذلك فهو كنزى ” والذى يصلى يقول عن الذي يقرأ ” أن كل ما استفادة أخي من القراءة هو لمنفعتى ” والذى يعمل فليقل ” أن ما أعمله من الخدمة diakonia هو لمنفعة الجميع “…..

وهناك أمر لازم للجميع، هو أن يحصل الإنسان في داخل نفسه على كنز، وعلى الحياة في عقله هذه الحياة التي هي الرب نفسه ـ حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلى أو يقرأ فلا يزال حاصلاً على ذلك النصيب الذي لا يزول الذي هو الروح القدس (عظة 3:3). الوحدة بين المواهب والكنيسة وأباءها لدليل على الوحدة بين عمل الروح والواقع التاريخي بين الثيؤريا والإستوريا.

 

إن العداء بين الأنبياء كحاملين للروح والكهنة كخدام للطقس أي بين النعمة وتجسيدها التاريخي في الأسرار والكهنوت لا يمت بصلة للتراث الآبائي بل هو نتاج قراءة بروتستانتية للكتاب المقدس أثناء عصر الإصلاح والهجوم على الكنيسة الكاثوليكية وخاصة العهد القديم فالنبي في العهد القديم هو ابن بيئته الطقسية ونقد الأنبياء كان ضد الممارسة الشكلية للطقس وليس ضد الطقس ومحاولة تأسيس الصراع بين المواهب والمؤسسة، بين النبي والكاهن نشأ في ظروف عصر الإصلاح البروتستانتي (5)، ولا نجد أثر له عند الآباء فالكنيسة تحفظ المواهب وتجد بينها الاتزان اللازم. (راجع 1كو12).

 

الجهاد الروحي والواقعية الآبائية:

في وسط هذه الأجواء الروحية المقاريوسية أي الطوباوية يجد الجهاد الروحي معناه وهدفه وفي معظم العظات يتكلم قديسينا عن الجهاد وضرورة اشتراك الإنسان في العمل مع الروح: ” فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أيضًا أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي لكيما يستطيع بدون صعوبة أن يتهيأ أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم ـ تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك مهما غصب نفسه…. أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح وبالإيمان والثقة وبصبر كثير تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة ” (عظة 3:18، 19).

وفي العظة 25 يؤكد الحاجة إلى قوة الصليب ويعتبر أن الحياة على الأرض باطلة وبلا هدف بدون قوة الله أي أن التاريخ بلا معنى بدون رؤية الله. (عظة 2:25)

ويميز القديس مقاريوس بين الجهاد الذاتي والجهاد بالروح (عظة 21:26) ” الأشياء التي تعملها بنفسك هي حسنة مقبولة أمام الله ولكنها ليست نقية تمامًا فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبة كاملة فحينما يأتي الرب إلى داخلك فإنه يعطيك محبة سماوية غير متغيرة… منذ سقوط الإنسان صارت تربة القلب البشرى تنبت شوكًا وحسكًا والإنسان يعمل فيها ويتعب ومع ذلك تنبت فيها أشواك الخطية (تك 18:3) إلى أن يأتي الروح نفسه ” ويعين ضعفات الإنسان ” (رو26:8) ويزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب ويفلحها ولكن برغم ذلك لايزال الحسك والشوك ينبتان ثانية ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس ولايزال أشواك “.

 

تظهر الواقعية الآبائية أيضًا في أن حصول الإنسان على النعمة لا يغير طبيعته فالذي كان شديدًا يبقى على شدته والرقيق على رقته (عظة 5:26) وسيظل احتفاظ كل إنسان بطبيعته حتى في قيامة الأجساد (عظة 10:15). سر الخلاص عند الأباء هو في إطلاق طاقة الإنسان لتصير أعمالاً خلاقة وإبداعات شاهدة للمسيح وأخيرًا فإن الحياة في الروح عند القديس مقاريوس هي مسيرة لا تنتهي ويعتبر أن سبب الخطية يكون في أن كثيرين ظنوا أنهم قد حصلوا على الكمال وقالوا هذا يكفي ولكن الرب ليس له نهاية ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة ولا يجرؤ المسيحيون أن يقولوا ” لقد أدركنا ” (في 13:3) ولكنهم يظلون يطلبون بتواضع.

ويعلمنا القديس مقاريوس أن أمور الحياة نسبية لأنه ” إذا ذهب إنسان له بعض العلم إلى قرية حيث الناس غير متعلمين فإنهم يعجبون به ويمدحونه كأحد العلماء لأنهم جهلاء تمامًا ولكن إذا ذهب نفس هذا الشخص بعمله القليل إلى مدينة حيث العلماء والخطباء فإنه لا يجسر أن يظهر بينهم أو يتكلم لآن العلماء الحقيقيون يحسبونه جاهلاً (عظة 17:26).

فالمعرفة البشرية مهما كان مستواها فهي لا ترقى إلى معرفة كل شيء. والأباء أحبوا رؤية الرسول بولس للأمور الآن في مراه (1كو 10:13). والتاريخ والأحداث ستأخذ معناها من قصدها النهائي أي من الاسخاتولوجيا وذلك واضح من قول الرسول في بقية الآية: [فإننا ننظر الآن في مراه في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت] (1كو 12:13). المعرفة عند الأباء اسخاتولوجية المدى. وهناك يأخذ تأمل الأباء الشيوخ في الموت كل قوته في الإسخاتولوجيا.

 

 

[1] Andrew Louth, the origins of the Christian Mystical Tradition Oxford, 1991, P.v

[2] الرؤية الآبائية لحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة والعالم ـ خرستوس ياناراس ـ ترجمة أ. ناجى أسحق. وقد ظهر هذا المقال في كتاب أعمال المؤتمر السنوي الثاني للدراسات الآبائية ـ سبتمبر 1994م.

[3] الخولاجي المقدس والثلاث قداسات إصدار دير السيدة العذراء ـ المحرق (صلاة الصلح القداس الباسيلي). انظر أيضًا كتاب (وجه النور) للأب ليف جيلليه.

[4] ملحوظة: انظر خرستوس ياناراس ص1، انظر أيضًا عظة 6:6،7.

[5] من أجل حياة العالم For the life of the world.

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

دخول الموت إلى العالم وأثره – أمجد بشارة

دخول الموت إلى العالم وأثره – أمجد بشارة

دخول الموت إلى العالم وأثره – أمجد بشارة

دخول الموت إلى العالم وأثره – أمجد بشارة

إقرأ أيضًا للكاتب أمجد بشارة

بسبب الموت الطاغي أصبح الإنسان غير قادر على العيش وفق مصيره الأصلي في المحبة اللا أنانية. فهو يملك الآن غريزة حفظ الذات التي أصبحت متجذرة فيه منذ ولادته. وبما انه يعيش باستمرار خائفًا من الموت، فهو يسعي على الدوام نحو الأمان النفسي والجسدي فيصبح ميالاً الى أناه ونفعيًا في مواقفه. الخطيئة هي فشل الإنسان في العيش وفقًا لمصيره في الحب اللا أناني الذي لا يبتغي ذاته. وهذا الفشل متجذر في مرض الموت. وبما أن الموت بيد الشيطان الذي هو سبب الموت، فإن القضاء على مملكة الشر والفساد يكون بإزالة الموت.

الأب جون رومانيدس اللاهوتي الأرثوذكسي[1]

 

يجب أن نؤكد أيضًا لنفهم أن آدم أخطأ فمات. نحن نولد مائتين إذًا نحن عرضة للخطية. الله لا يحكم علينا بالموت الآن لأننا شركاءٌ في ذنبِ آدم وخطيئته الأولي أو الأصلية كما يفهمها لاهوتيو العصور الوسطى. بل لأننا نرث طبيعة خاطئة…
الله سمح بالموت كعمل رحمه حتى لا يكون الإنسان خالدًا في الخطية. كما يقول د/ عدنان طرابلسي[2]. ويكمل أيضًا قائلاً: عندما قال بولس (لأن أجرة الخطية هي موت .. رومية 6: 23 ) فإنه لا يعني أن الله يُجازي أعمال الإنسان بالموت، بل أن الخطية هي مرضنا القاتل. خطية آدم كانت إعلان بأنه ذاتي الاكتفاء… ويفصل نفسه عن الله الذي له وحده عدم الموت (1 تيموثاوس 6: 16) والمصدر الوحيد للحياة، أضاع آدم الروح القدس، الحياة الحقة[3].

وهذا يتفق تمامًا مع ما تسلمته الكنيسة من تعاليم الآباء، فيقول مار فليكسينوس: منذ التعدي الأول للوصية ساد الموت، وامتزج الموت مع الشهوة بالطبيعة، وصار كل من يدخل العالم بالزواج، من الطبيعي أن يولد مائتًا، وأن يكون خاضعًا للموت حتمًا، سواء أخطأ أو لا، وسواء أخطأ قليلاً أم كثيرًا، لأن الموت صار ممزوجًا بالطبيعة[4].

ويقول القديس كيرلس عمود الدين: الحكم من واحد للدينونة، أي للموت. وهكذا الذين لم يشتركوا في خطية آدم سرى إليهم الموت بسبب وحدة الطبيعة الإنسانية التي خُلقت مثل شجرة وأُصيب جذرها بالموت، فسري الموت للأغصان. وهكذا أخطأ الجميع لأنهم أخطأوا عندما أخطأ آدم، لأنه عندما أخطأ آدم لم يكونوا هؤلاء موجودين. ولكن، لأن الجميع من الطبيعة التي سقطت تحت سلطان الناموس والموت، قيل إن الجميع اخطأوا لأننا جميعًا تركنا الله عندما تركه آدم[5].

ويُضيف القديس مقاريوس إضافة في غاية الأهمية إذ يقول: ولكننا مع ذلك لا نقول إن كل شيء قد ضاع وتلاشى ومات.. بل أنه ماتعن الله، ولكنه ظل حيًا بالنسبة إلى طبيعته.. فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل.. ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراتهم فيصرف النظر عنهم وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضي الله، وكما أن الأتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي ترتكب فيها الفحشاء والفسق، فإنهم ينفرون منها ويرفضون مجرد النظر ناحيتها ـ لأن هذه الأمور هي موت في نظرهم ـ هكذا فإن الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته فتعبر عيناه على هم ولكنه لا يكون في شركة معهم.. ولا يستطيع الرب أن يجد راحة في داخل أفكارهم[6]..

بعد أن خُدع الإنسان الأول بواسطة الحية، ونال مشورة الخطية، وبالخطية واجه الموت، وبالموت البؤس، لم ينسه الله. لم ينسانا صلاح الله بالرغم من جفافنا نحو حنو الله، ومقاومتنا صانع الخيرات بعنفٍ. مع هذا لن نقدر أن نطمس حبه لنا، فإننا قد قمنا من الموت، وصرنا أحياء بربنا يسوع المسيح نفسه….

هذا ولم يكفِه أن يدعونا إلى الحياة من جديد، بل يعدَّنا للراحة الأبدية، التي في عظمة فرحها تفوق كل فكر بشري.

القديس باسيليوس الكبير[7]

تشوه الصورة الإلهية واحتياج البشرية للفداء

احتاجت البشرية إلى ترياق ضد الموت (أغناطيوس الانطاكي). طبيعتنا المريضة احتاجت إلى شافٍ؛ إنساننا الساقط احتاج إلى من يقومه؛ من فقد نعمة الحياة احتاج إلى مانح الحياة (غريغوريوس النيصي)؛ ترياق هذه الحالة هو ناسوت الله (غريغوريوس النيزنزي)، خميرة وتخمر استنارتنا وتقديسنا: التجسد؛ إن جسد الكلمة المتجسد ودمه هما الترياق ضد الموت، دواء عدم الموت (أغناطيوس الأنطاكي)[8].

خلقنا الله على صورته في القداسة وحرية الإرادة والسيادة على الأرض كآلهة، وجعل كل الخليقة خاضعة لنا، يقول العلامة أوريجانوس: لاحظ كيف يوجد في خلق الإنسان أمر سامٍ جدًا لا نجده في خلق آخر، فخلق الله الإنسان على صورته ومثاله، الأمر الذي لا نجده في خلق السماء أو الأرض أو الشمس أو القمر… الذي صُنع على صورة الله هو إنساننا الداخلي غير المنظور، غير الجسدي، غير المائت ولا الفاني. بهذه السمات الحقيقية تتصف صورة الله وبها تُعرف[9]. ويقول القديس غريغوريوس النيصي: حيث إن إحدى الأمور الصالحة التي تخص الطبيعة الإلهية هي “الأبدية”، كان لابد ألاَّ تفتقر طبيعتنا إلى هذه الخاصية، بل تتسم بعنصر الخلود، حتى يستطيع (الإنسان) خلال قدرته الطبيعية أن يُدرك ما لا يُدرك، وأن يتوق إلى الأبدية الإلهية.

حقًا لقد أوضحت قصة الخليقة ذلك بتعبيرٍ واضحٍ مفهومٍ، باستخدام عبارةٍ واحدةٍ، إذ قيل إن الإنسان خُلق “على صورة الله ومثاله”… يوجد فردوس ثماره فريدة، لم تُشبع شهية من ذاقوها، بل تقدم لهم معرفة وحياة أبدية. هذا يتفق تمامًا مع ما سبق ملاحظته بخصوص الإنسان، وهو أن طبيعتنا البشرية كانت صالحة منذ البدء ومحاطة بالصلاح[10].

ويُكمل أيضًا في موضع آخر: هذا الإله (الصالح) ما كان يحرم الإنسان من أنبل الأمور الصالحة وأثمنها، أعني هبة الحرية والقدرة على اتخاذ القرارات بنفسه. فلو إن الضرورة هي التي تحكم حياة الإنسان، لكانت “الصورة” (التي له كصورة الله) زائفة، لأنها تكون بذلك بعيدة كل البعد عن الأصل، ولا وجه للشبه بينهما. كيف يمكن للطبيعة المُستعبدة لأي نوع من الضرورة أن تُسمَّى صورة الطبيعة الملوكية؟ … الله ليس مسئولاً عن الشرور الحاضرة، فقد أسس طبيعتك لتكون حرة غير مُستعبدة، إنما تقع المسئولية على الإرادة المنحرفة التي بها يختار الإنسان ما هو رديء عوضًا عما هو أفضل[11].

وبسقوطنا من نعمته لم نفقد كل هذا بشكل كامل كما لو أنه تلاشي في داخلنا، بل تشوهت صورتنا ومفاهيمنا لكل من هذه الأشياء: القداسة، الإرادة، الحرية، السيادة والسلطان. فأصبحت القداسة مستحيلة بدون سكنى الروح القدس داخلنا، والحرية أصبحت: أن تحيا بلا أي حدود أو خضوع، فتحولت لانفلات، والإرادة أصبحت مُقيدة بخطايا وعادات وتقاليد، والسيادة أصبحت هي بذاتها الاستبداد والديكتاتورية.

وقد أتى المسيح ليُعيد صورة الله فينا، أولاً بأن جعل طبيعتنا قابلة لسكنى الروح الإلهي بعد أنْ قدّسها باتحاده بها فأخذنا إمكانية حياة القداسة مره أُخري، وثانيًا أرانا معنى السيادة وهو في البذل والرعاية لا في التسلط، وأخيرًا أعطانا الحرية والعتق من حرف الناموس ومن تسلط الخطية بسلطانها الكامن في الموت.

يقول الأب دوروثيئوس: تجسد الرب يسوع المسيح ليعيد الإنسان إلى صورته الأولى. ولكن كيف نرجع إلى تلك الصورة الأولى؟ حين نتعلم من الرسول القائل: “لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح” (٢كورنثوس ٧: ١). لنتطهر، فيظهر الشبه (بالله) الذي نلناه. لنعزل عنه دنس الخطية، فيظهر بكل جماله خلال الفضيلة. يقول داود في صلاته من أجل هذا الجمال: “أعطيت جمالي قوة” (مزمور ٢٩: ٨). إذن فلنطهر أنفسنا لنعود إلى التشبه بالله، الأمر الذي أقامه فينا[12].

ويقول القديس كيرلس السكندري: لأنه في البداية خُلقَ الكائن الحي الذي صنعه الله وكرمه بطريقة ما عندما خلقه بيديه كما يقول الكتاب. وعندما جاء إلى الوجود، صار على صورة الله حيث أنه قبل في داخله نفخة الحياة. لكنه عندما رفض هذه العطية وانعطف نحو الشر، فإنه عاد مرة اخرى إلى وضعه القديم. وعندما جدد المسيح تلك الصورة التي فسدت، جاعلاً إياها إلهية وروحية استخدم نفس الطريقة الأولى لأنه نفخ في وجوه تلاميذه القديسين قائلاً (أقبلوا الروح القدس)[13].

[1]لاهوت الكنيسة عند القديس اغناطيوس الأنطاكي. للأب جون رومانيدس استاذ العقائد المسيحية في جامعة سالونيك اللاهوتية، ترجمة الأب ميشال نجم. إصدار مكتبة السائح بلبنان. ص 9. راجع رسائل أغناطيوس الأنطاكي إلىأفسس فقره 19

[2] د/ عدنان أديب طرابلسي ومجموعه من العلماء واللاهوتيين الأرثوذكس. سألتني فأجبتك الجزء الاول. ص 285

[3]سألتني فأجبتك ج1 ص 543

[4]مار فيلكسينوس أسقف منبج. الرسائل العقائدية الجزء الاول. ترجمة الراهب روجيه يوسف أخرس دير مار افرام السرياني. عن الرسالة إلى دير تلعدا محقق عن عدة مخطوطات فقره 27. ص 107

[5]القديس كيرلس السكندري، تعليقًا على رومية 5: 18. مترجم عن P.G . vol 74 , p. 788 , 789  .ترجمة د / جورج حبيب بباوي. الخلاص كما شرحه القديس كيرلس السكندري، ص 16

[6]عظات القديس مقاريوس 12: 2 

[7]. Regulae fusius tractatae 2: 3. الحب الالهي. للاب تادرس يعقوب. ص 177

[8]د/ عادل أديب طرابلسي ومجموعه من العلماء واللاهوتيين الأرثوذكس. سألتني فأجبتك الجزء الاول. ص 285

[9] In Gen. hom 1: 13.

[10] Oratione Cat. 5 ترجمة الدكتورة نورا العجمي

[11] Oratione Cat. 5.

[12] Com. on an Easter Hymn. . الاب دوروثيئوس أسقف غزه. عن كتاب الحب الالهي للاب تادرس يعقوب مالطي 

[13]القديس كيرلس السكندري. حوار حول الثالوث. ترجمة د / جوزيف موريس فلتس.  ج 6 ح 7 ص 20، 21

دخول الموت إلى العالم وأثره – أمجد بشارة

العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون

العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون

العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون

العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون أستاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد*

مقدمة: 

وُلد القديس مقاريوس حوالى سنة 300م. وفى سن الثلاثين (30) اعتزل في برية الأسقيط جنوب الأسكندرية (المعروفة حديثًا بوادى النطرون)، حيث صار واحدًا من أوائل المتوحدين.

وقد ذُكر عنه أنه زار القديس أنطونيوس عدة مرات وأنه كان يعتبره معلمه ومرشده. وخلال فترة قصيرة سعى إليه زوار كثيرون وقبل بعضًا منهم كتلاميذ له. واشتهر القديس مقاريوس ببصيرته وأفرازه وسرعان ما دُعى بلقب الشاب الشيخ. والروايات حول ممارسته النسكية وحول تأكيده على السكون واستبصاره العميق النافذ في قلوب الناس كل هذه معروفة جيدًا.

وحينما بلغ 40 عامًا نال موهبة شفاء المرضى ومعرفة المستقبل. ولأنه كان موهبًا في الكلام فإن رهبان نتريا لجأوا إليه لينتفعوا بتعاليمه، بل إنه أيضًا سيم كاهنًا على الكنيسة في نتريا (فلم يكن للأسقيط كنيسة خاصة به أثناء حياته). ولما بلغ من العمر أكثر من 70 عامًا نفاه أسقف الأسكندرية الآريوسى، ولكنه رجع بعد فترة قصيرة إلى برية الأسقيط، حيث توفى هناك حوالى سنة 390م [1].

وكما يتضح من الأقوال والروايات التي رويت عنه من آباء الرهبنة الذين جاءوا بعده “والذين قالوا إنهم كانوا تلاميذ له ” وبنوعٍ خاص إيفاغريوس البنطى، ومن مؤلفين مثل بالاديوس، وروفينوس ومؤلف الكتاب المعروف باسم ” تاريخ الرهبان في مصر ” (Historia Monachorum)، من كل هؤلاء يتضح أن مقاريوس كان واحدًا من أهم آباء الرهبنة الأوائل.

وفى سنوات شيخوخته كان هو المصدر المعتمد لمجموعة الرهبان المرتبطة بالأنبا بامبوـ الاخوة الأربعة الطوال ـ الذين صار منهم أثنين أساقفة، وإيفاغريوس[2]. ولكنه مثل إيفاغريوس توفى قبل أن تُطرد هذه المجموعة من الرهبان المفكرين والمعجبين بأوريجينوس، من البرية. ومع ذلك يبدو كما لو أنه لم يترك أية كتابات لأبنائه سوى رسائل قليلة التي من بينها رسالة واحدة على الأقل تبدو أصيلة[3]. ولم يذكر أى كاتب من الكُتّاب القدامى أية عظات أو أية نصوص أخرى بقلمه.

ورغم هذا فإن شهرته في المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية كلتاهما تعتمد أساسًا على العظات الخمسين المنسوبة إليه[4]. وفى الحقيقة فإن قليلاً من النصوص لها مثل هذه الأهمية العظيمة في تاريخ الروحانية المسيحية. ورغم أن هذه العظات تحمل اسم القديس مقاريوس فلا أحد من العلماء المحدثين يقبل هذه العظات على أنه هو الذي كتبها فعلاً.

فليس فقط أنه من الصعب أن نتصور أن ناسكًا قليل التعليم في الأسقيط يكتب مثل هذه العظات الطويلة، ولكن أيضًا الإطار الذي اقتبست فيه أولاً، والخلفية السريانية لكثير من محتوياتها تشير إلى أنها بدأت وسط رهبنة القرن الرابع في شمال سوريا، ومع هذا فإن هذا لا يحل مشكلة تأليف هذه العظات[5].

وفى سنة 1920م تحقق أحد الدارسين من أن بعض العبارات الموجودة في العظات تتشابه مع عبارات حُكم عليها بأنها ” ميساليان ” (Messalian) في مجمع أفسس سنة 431م[6]. وهذا الاسم (Messalian) هو من اللغة السريانية ومعناها ” المُصلون “. وهو يشير إلى حركة عُرفت عن طريق عدة مجامع وأيضًا من بعض الكُتّاب مثل ثيئودوريتوس أسقف قورش وفليكسينوس المنبجى.

و ” المصلون ” وُصفوا بأنهم رهبان احتقروا العمل العادى لكى يصلوا بلا انقطاع وأيضًا إنهم اعتبروا الأسرار الكنسية أقل أهمية مؤكدين على المعمودية الروحية كاختبار داخلى. وكتابهم الرئيسى عُرف باسم ” الأسكيتيكون ” (Asketikon) (ومعناها كتاب النُسك). وهو عبارة عن دليل لروحانيتهم. هذا الكتاب كان معروفًا في مجمع أفسس، ووضع يوحنا الدمشقي قائمة بمحتويات هذا الكتاب في كتابه عن الـ80 هرطقة.

ويقول فيلكسينوس المنبجى إن هذه الهرطقة بدأت بشخص معين من ” أوديسا ” (الرها) اسمه “أدلفيوس” وإن هذا الشخص ذهب إلى مصر حوالى سنة 350م سعيًا وراء آباء الرهبنة الذين وصلت أخبارهم إلى شمال سوريا. ويُقال إن هذا الشخص ذهب إلى القديس أنطونيوس وصار تلميذًا له وغالبًا إنه ذهب أيضًا وتعرّف على القديس مقاريوس. وبعد فترة من الوقت رجع إلى سوريا وبدأ يجمع حوله تلاميذه الخاصين به.

وبحسب فيلكسينوس فإن هذا الشخص أساء فهم تعاليم الآباء المصريين، ولذلك فإن المجموعة التي التفت حوله صارت تضع تأكيدًا كبيرًا على النسك والأمور الروحانية لدرجة أنهم قطعوا أنفسهم ليس عن المجتمع فقط بل من الكنيسة أيضًا.

وكتاب ” الأسكيتيكون ” الذي بُنى عليه حكم الإدانة فُقد ولم يُحفظ. ولكن في مجموعة العظات الخمسين المنسوبة للقديس مقاريوس توجد عبارات عديدة تتشابه مع عبارات حُكم عليها على أساس أنها مأخوذة من كتاب ” الأسكيتيكون ” والشرح الأكثر احتمالاً هو أن كثيرًا من الرهبان بل وحتى بعض الأساقفة شعروا أن التقليد الروحي المتضمن في هذه المجموعة له قيمة عظيمة ولذلك ينبغى أن يحتفظ في صورة نقية.

وهكذا شُطبت العبارات الهرطوقية الواضحة ونُسبت المجموعة إلى اسم القديس مقاريوس كمؤلف. وهكذا لايمكن بعد ذلك أن نشك فيها بأنها هرطوقية بل حُفظت كجزء من التقليد الرهبانى المصرى الأصيل والمقبول.

ويبدو أن مؤلف هذه المجموعة هو يونانى مثقف وأسلوبه ومناقشاته تتشابه مع أسلوب ومناقشات الآباء الكبادوكيين، خاصة الكتابات النُسكية للقديس باسيليوس وغريغوريوس النيسي، حيث نجد نفس التأكيد على إرضاء الله وعلى المحبة العملية. وتعليم العظات المقارنة عن الروح القدس يفترض معرفة بتعاليم مجمع القسطنطينية سنة 381م ويتشابه جدًا مع بعض المقاطع في كتابات القديس غريغوريوس النزينزى.

ومع أن العظات هى مجموعة من النصوص التي جرت عليها عدة تنقيحات ويظهر فيها تأثير من التقليد الرهبانى السريانى المتطرف وأيضًا من الآباء الكبادوكيين، فهذا لا يستبعد أن معظم أجزاء هذه المجموعة تُظهر تقليدًا مصريًا يرجع إلى القديس مقاريوس الكبير.

وحتى لو كانت الرواية التي أخبرنا بها فيلكسينوس عن أدلفيوس لا يمكن إثباتها، فهناك دليل كاف على وجود علاقات بين الرهبان المصريين من ناحية والرهبان الفلسطينيين والسوريين من ناحية أخرى خلال النصف الثانى من القرن الرابع مما يجعله أمرًا محتملاً جدًا أن كتابًا نسكيًا في سوريا تكون جذوره مستمدة من تعاليم الرهبان المصريين[7]. وكثير مما نجده في هذه العظات هو أيضًا قريب جدًا مما نجده في أقوال آباء البرية. وهكذا فإن نسبة هذه العظات إلى القديس مقاريوس لها أساس في حقيقة إن تقليدها الروحي له جذوره في البراري المصرية.

وفى رأيى فإن اعتبار إن العظات المنسوبة للقديس مقاريوس لها تاريخ متصل بحركة “المصلين “، جعل هذه العظات أكثر أهمية. فنجد في هذه العظات عناصر من تقليد رهبانى متطرف يمكن بسهوله أن يصير هرطوقيًا كما نجد فيها عناصر تدحض هذه الاتجاهات. فمثلا نجد في هذا النص ملاحظات نقدية لأولئك الذين يعتبرون صلاة الدهش على أنها السلاح الفعال الوحيد، وأيضًا لأولئك الذين يظنون إن موهبة الروح القدس هى اختبار يجعل الراهب حرًا من الخطية.

فبينما بعض العبارات التي حوكم عليها إذا استخدمت خارج السياق الصحيح ـ يمكن أن تساند فهمًا هرطوقيًا، فإنها في هذه العظات توضع في إطار أوسع حيث تكون متمشية تمامًا مع التقليد الرهبانى الأصيل. فغالبًا فإن القديس فيلكسينوس كان على صواب حينما قال إن البدعة ” الميسالينية ” ليست سوى تشويه لتعليم آباء البرية، أو قراءة من جانب واحد لأقوال الشيوخ “أبوفثجماتا ” (Apophthegmata).

وكون العظات ـ ربما في صورة مختلفة نوعًا ما كانت مستخدمة من ” الميساليانز ” (أصحاب البدعة) فهذا لا يبرهن إن هذه العظات لم تأت من تقليد نابع من تلاميذ القديس أنطونيوس، وبنوع خاص القديس مقاريوس الكبير[8].

 

تعليم عظات القديس مقاريوس:

العظات ليست أبحاثًا لاهوتية ولا توجد بها عناصر مشتركة مع اللاهوت النظامى الحديث أو الشروحات اللاهوتية المبسطة في دروس مدارس الأحد. ولكنها تقدم اختبارًا شخصيًا. كاتب العظات راهب وهو متصوف وهو يشرك تلاميذه معه في سعيه الشخصى نحو الحق وفى حبه للكتاب المقدس.

توجد خمس موضوعات رئيسية في هذه العظات:

  1. سمو الإنسان.
  2. قوة الشر.
  3. التجسد. الله في هيئة بشرية.
  4. روح الله.
  5. معنى الصلاة.

باختصار فإن تعليم هذه العظات يمكن أن يتلخص فيما يجب أن نتعلمه عن كيف يولد الإنسان من الروح، وكيف يقاوم الشر، وحينما نُهزم كيف نستعيد القوة من جديد بالصلاة. فالصلاة هى التي تجعل الإنسان يمسك بالله، وليس التفكير العقلى.

 

1 ـ سمو الإنسان:

يكمن سمو الإنسان في إمكانية الشركة مع الله وفى وجود علاقة حب مع الله بدلاً من علاقة الاحتياج. ومع كل عظمة الخلائق الأخرى فهى مقيدة بقوانينها ـ قوانين الطبيعة ـ فالإنسان وحده يملك حرية، فلذلك يستطيع أن يصير هيكلاً لله. وتحوى العظات أوصافًا جميلة للطبيعة وهى غالبًا من نوع تصوف الطبيعة، ولكنها تعود دائمًا لتتحدث عن السمو العظيم للإنسان فالذى يسطر داخل الإنسان في النهاية هو ” العقل” (noàV).

إنه الاشتياق لما هو روحانى وأبدى هو حنين ينبغى أن ينضج ليصل إلى الاستبصار. ولكن العقل مهدد دائمًا بحركات متنوعة من النفس والأفكار والصور والدوافع التي تحاول أن تمسك بنا، وهى الـLogismoi (لوغوزموى = الأفكار) إذا استخدمنا الكلمة اليونانية الشائعة في كل كتابات آباء الرهبنة الأولين.

 

2 ـ قوة الشر:

هذا موضوع هام في هذه العظات، أى اختبار وجود الشر في داخل الإنسان والصعوبات في مقاتلة الأفكار الشريرة. فبحسب هذه العظات يوجد الشر في الإنسان كقوة خفية. هذه القوة تحكم في الداخل دون أن نتحقق من الوضع الصحيح للأمور. ورغم إن الشر غريب عن طبيعتنا فقد جعل لنفسه مسكنًا فينا ولا يجد صعوبة في أن يكون مقيمًا فينا مع الروح القدس الذي نلناه بالمعمودية. والاتهام الموجه ” للمصلين ” بأنهم احتقروا المعمودية ربما يرجع إلى التأكيد في العظات على أن المعمودية ليست كافية لأستئصال الشر من النفس.

والقديس مقاريوس مولع جدًا بالصور ويصور الشر كاللصوص الذين أقاموا في البيت وحولوا أنفسهم إلى حيات تختبئ عند الضرورة ولكنهم لا يزالون يتحكمون في كل ما يحدث. فميدان المعركة بين الخير والشر هو قلب الإنسان. وسقوط الإنسان وطرده من الفردوس لم تلاش الصلاح كما أن المعمودية لم تلاش الشر.

ورغم إن آدم فتح الباب للشر ولكن كل إنسان مسئول عن المساحة التي يسلمها للشر في داخل نفسه ورغم إن آدم باع كل الجنس البشرى للعبودية تحت الشيطان، فإن كل واحد مسئول في عدم مقاومته للشر، ذلك الشر الذي يستمد قوته أساسًا من الدوافع والأفكار. ولذلك من الضرورى أن تعرف وتفهم نفسك “yuc» ” أنت وتتعلم كيف تقاتل الرذائل.

 

3 ـ التجسد:

وحينما تعالج العظات، التجسد، فمن المهم أن نلاحظ كيف تتكلم غالبًا عن إن الله يولد في قلب الإنسان. التجسد الذي حدث من خلال العذراء مريم ليس فقط حقيقة تاريخية مرتبطة بزمن معين، ولكنه هو قبول الكلمة للطبيعة البشرية المستمر، فينا ومن خلالنا.

فالانتصار على الموت وإنزال الشيطان من عرشة والمصالحة بين السماء والأرض كل هذه تحدث في كل إنسان له اهتمام بأن يشترك في المسيح. هذه المُشاركة تأتى بواسطة سكنى الروح، الذي هو عطية، ولكنه عطية تفترض عمل تنقية للنفس الداخلية لكيما يستريح الروح في النفس.

 

4 ـ روح الله:

الروح القدس هو قوة مُطهرِّة، هو قوة أقوى من الشر. ويرد ذكر سكنى الروح في هذه العظات أكثر من 125 مرة. وكثيرًا ما نجد حديث عن الامتزاج، امتزاج روح الإنسان مع روح الله وهذه الطريقة في التعبير توجد أيضًا عند أوريجينوس. وتخبرنا العظات عن كيف إن الحواس الخمس هى مثل خمس عذارى حكيمات عندهن زيت حتى يستطعن أن يضيئن مصابيحهن حينما يأتى العريس. والزيت هو عطية من الله، ولكن بدون يقظة وبصيرة ورغبة صادقة لا يستطيع أن يفعل شيئًا. فنشاط الإنسان أمر لا غنى عنه، ولكن منح إكليل النصرة هو دائمًا عمل الله.

هدف النُسك هوـ مثلما جاء في رسائل القديس أنطونيوس أيضًا ـ يوصف بأنه “الراحة” (¢n£pausiV). وهى حالة من الحرية الكاملة ولكنها أيضًا هدوء كامل بدون ألم الاختبار وهى تسمى أحيانًا ـ كما عند القديس غريغوريوس النيسى ـ سُكر او انجذاب. وتشير العظات إلى الاتحاد بالله ولكنها تؤكد أيضًا على الاختلاف بين الخالق والمخلوق. هذه الراحة يمكن تذوقها في هذه الحياة، وإن كان ليس بصفة دائمة.

والإشارة المستمرة في العظات إلى الشعور والاختبار هى ربما أحد الأسباب التي جعلت المجموعة التي استعملت العظات كمرجعها الوحيد، تصير ضيقة الفكر ومتعصبة، ولكنها أيضًا هى أحد الأسباب التي جعلت العظات محبوبة جدًا مع ” التقويين ” (Pietists).

والكتاب المقدس يُشار إليه في العظات على إنه رسالة عظيمة من الملك. إنه خطاب دعوة. وتمتلئ العظات باقتباسات من الكتاب رغم أن المؤلف قد تعلم من الكتاب المقدس كثيرًا من أوريجينوس ومن الآباء المصريين والكابادوكيين فإنه لا يقتبس أى نص آخر سوى من الكتاب المقدس. وتفسير الاقتباس يوجه مباشرة إلى الشخص، كما لو أن تاريخ الخلاص هو التاريخ الشخصى لكل أحد. لذلك فالتفسير المحورى للكتاب في العظات ليس هو عادة التفسير المجازى بل بالحرى ” التفسير بالأنماط ” (Typological).

 

5 ـ معنى الصلاة:

وكما هو متوقع من نص مرتبط ببدعة ” الميساليانيز”، أى أولئك الذين يصلون، فالصلاة هى محورية بالنسبة للعظات والأمثال التي تشير للصلاة تُذكر باستمرار. ومن الواضح إن المؤلف عنده اختبارات شخصية عميقة في الصلاة. فالصلاة في العظات هى بصفة أولية صرخة لطلب المعونة، هى صوت العبد الذي يطوق للتحرر.

لذلك فإن استجابة الصلاة ينظر إليها على إنها استعادة سمو الإنسان من جديد واستعادة الحرية الخاصة به. الصلاة وحدها هى التي تجعل الروح القدس يحل القيود ويهزم الشر. لذلك يحاول الشيطان دائمًا أن يمنعنا من الصلاة بأن يشتت تركيزنا بأفكار متنوعة. الصلاة بغير تشتت هى هبة من الله ولكنها تستلزم تعاوننا.

والعظات كان لها تأثير هائل على مدى التاريخ. ففى التقليد الروحى اليونانى كان لها أهمية كبيرة عن سمعان اللاهوتى الجديد وغريغوريوس بالاماس وهكذا امتدت هذه الأهمية إلى كل التقليد “الهدوئى” (Hesychast) وحُفظت أجزاء من العظات مع الخطاب الكبير أيضًا في الفيلوكاليا، وهى المجموعة التي صارت محورية بالنسبة للتقليد الروحى في روسيا[9].

ولكن توجد أيضًا أمثلة لكُتّاب روحيين داخل البروتستانتية الغربية كانوا مدينين كثيرًا للعظات المقارية. وأهم هؤلاء الكُتّاب هما: جوهان أرندت(Johann Arndt) وجون وسلى (John Wesley). والمجلدات الأربعة التي وضعها جوهان أرندت مؤسس ” الحركة التقوية” (Pietism) والتى تُسمى “أربعة كتب حول المسيحية الحقيقية” هذه المجلدات مملوءة بإشارات لهذه العظات، ويُقال إن ” أرندت ” حفظ هذه العظات عن ظهر قلب وترجم جوتفرد أرنولد (Gottfried Arnold)، العظات إلى اللغة الألمانية وحاول أن يثبت إنها تعلّم عن التبرير بالإيمان الذي كان هو العقيدة المحورية لثورة الإصلاح.

كانت العظات حينئذ تُقرأ في دوائر متسعة وخلقت حركة في القرن الثامن عشر عُرفت فيما بعد باسم ” طيبا البروتستانتية ” (Protestant Thebaid). وبعض التقويين المتشددين خرجوا أيضًا إلى الغابات وصاروا نُساكًا تابعين تعاليم آباء البرية[10].

وبعض هؤلاء التقويين المتشددين اُضطهدوا من الكنائس الرسمية (ومن الدولة) وهربوا إلى أمريكا حيث وجدوا ملجأً لهم في بنسلفانيا، حيث نشأ دير ” تقوّى ” حيث كانت توزع ترجمات لكتابات الآباء الأولين. إلى هذه المجموعة جاء ” جون وسلى ” مؤسس حركة ” الميثوديست ” (Mothodist) وأحد أهم قادة أوربا الروحيين في القرن الـ 18. ولتأثر وسلى بتعاليم آباء الرهبنة عاش كناسك لفترة قصيرة في غابة بنسلفانيا.

ووجد ” وسلى ” كثيرًا من إيمانه الخاص في عظات القديس مقاريوس وأصدر ترجمة إنجليزية للعظات أُعيد طبعها عدة مرات. وما كان مهمًا بالنسبة إليه بنوع خاص هو أنه بحسب العظات فإن آدم لم يرجع فقط إلى حالته قبل السقوط، بل إنه في المسيح يوجد مستقبل للإنسان يتجاوز الخليقة[11].

وإذ أعود مرة أخرى إلى تاريخ العظات فإنه بالإضافة للقيمة الروحية للنصوص نفسها، توجد بعض أمور يمكن أن نتعلمها من المصير العجيب للعظات المنسوبة للقديس مقاريوس:

أولا: هى توضح لنا إن قبول الروحانية الرهبانية بدون تمييز، أى تعليم القديس أنطونيوس وآباء البرية يمكن أن يقود إلى آراء متطرفة. فالرهبان الذين كانوا جزءًا من الحركة ” الميسالية” أسسوا فهمهم للحياة الروحية على تعاليم آباء البرية، ولكن لم تكن لهم سوى فطنة قليلة جدًا ويحتمل أنه لم يكن لهم سوى احترام قليل جدًا للآخرين. وبدلاً من أن يستفيدوا من الإطار الواسع لتعاليم الكنيسة فإنهم صاروا متعصبين.

ثانيًا: يمكن أن نرى نوعين من رد الفعل تجاه الرهبان “الميساليان‏” فبينما واجه غالبية من الأساقفة الحركة بإدانات واضطهادات فهناك أقلية من بينهم كالقديس غريغوريوس النيسى الذي ظل مُشفقًا عليهم واستعمل كتاباتهم في صيغة معدلة لكى يساعدهم ان يظلوا داخل أحضان الكنيسة.

ثالثًا: نسبة العظات إلى القديس مقاريوس تبين لنا كيف أن بعض النصوص التي كانت تستخدمها في وقت ما مجموعة هرطوقية، إذا وُضعت في السياق الصحيح فإنها تساعد على النمو الروحى للتقليد الرهبانى الأصيل. وحتى لو كانت العظات في صورتها الحالية ليست من عمل القديس مقاريوس نفسه، فإنها متأصلة في نفس تقليده لدرجة أنها صارت ذات قيمة ومعنى للأجيال اللاحقة.

فنسبة العظات إليه تضيف سياقًا ضروريًا إلى النص المجرد للعظات. وهذا ينبغى ان يكون تحذيرًا لنا لكى لا نطرح بعيدًا الكتابات الروحية واللاهوتية لمجرد أنها أتت من أحد الأجنحة الهرطوقية للتقليد المسيحى. فمثل هذه الكتابات لو استعملت بطريقة صحيحة وأُدمجت في تعاليم الكنيسة فإن كتابات هؤلاء المعزولين الذين يبدون أنهم هراطقة مثل (أوريجينوس) فإنها تكون جزءً لا غنى عنه من تقليدنا.

رابعًا: التأثير العظيم الذي كان لعظات القديس مقاريوس على التقاليد المسيحية المتنوعة: الرهبنة الشرقية، الهدوئية اليونانية، الروحانية الروسية، التقوية البروتستانتية، يبين إن التأليف الروحى ذو العمق الكبير لا يعرف الحواجز المذهبية بين الكنائس، لذلك فهو أدب مسكونى بحق. فإن كان البروتستانت قد أمكنهم أن يقدروا العظات بنفس الطريقة مثل رهبان البرارى المصرية فهذا يبرهن إنه توجد هناك وحدة للروحانية المسيحية تتجاوز جدران المذاهب المتنوعة مثل الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

هوامش الموضوع: 

* محاضرة أُلقيت بالإنجليزية بمركز دراسات الآباء بالقاهرة في 17/11/1997م ؛ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد بطرس.

لزيادة الفائدة من هذه المحاضرة يمكن الرجوع إلى: ” عظات القديس مقاريوس الكبير “، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة، الطبعة الثانية، القاهرة 1991.

[1] أهم المراجع عن حياة القديس مقاريوس هي بعض أقوال الآباء والذي يُسمى ” كتاب الشيوخ ” (PG 65)،

Historia Lausiaca (ed. Butler, The Lausiac History of Palladius, Cambridge 1898 – 1904); Rufinus’ Latin version of Historia Monachorum in Aegypto (ed. Eva Schulz – Fluegel, in: Patristische Texte und Studien 34, Berlin 1990).

[2] العلاقة بين مقاريوس الكبير وإيفاجريوس نوقشت في:

Bunge, Evagre le Pontique et les deux Macaire“, Irénikon 56 (1983), PP. 215 – 226; 323-360.

[3] بالنسبة لخطابات القديس مقاريوس أنظر الآتي:

Letters des Péres du désert, Ammonas, Macaire, Arséne, Sérapion de Thmuis (Spiritualité Orientale 42), Bellefontaine 1985, PP. 61-81; U. Zanetti, Deux lettres de Macaire consevées en arabe et en georgien, in: Le Muséon 99 (1986).

[4] H.Dörries, E. Klostermann und M. Kroeger, in: Patristische Texte und Studien 4, Berlin 1964.

 [5] C. Stewart, Working the Earth of the Heart. The Messalian Controversy in History, Texts, and Language to AD 431, Oxford 1991.

[6] L. Villecourt, “La date et l’origine des Homélies spirituelles’ attribuées à Macaire”, Comptes rendus de l’ Académie des Inscriptions et Belles – Lettres, Paris 1920, pp.250-258.

[7] S. Rubenson, “The Egyptian Relations of Early palestinian Monasticism”, in: The Christian Heritage in the Holy Land (ed. by A. O’ Mahony, Göran Gunner and Kevork Hintlian), London 1995, pp. 35-46.

[8] Les Homélies spirituelles de Saint Macaire, pp. 11-49.

[9] G. A. Maloney, The Fifty Homilies and the Great Letters (Classics of Western Spirituality), Paulist Press 1992.

 [10] E. Benz. Die Protestantische Thebais. Zur Entwirkung des Makarios des Ägypters im Protestantismus des 17 und 18 Jhdts. in Europa u. Amerika, Wiesbaden 1963.

[11] A. C. Outler, John Wesly, New York 1964. pp. 368-382; 432-435.

العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

أولاً: التعليم عن الإنسان الجديد والخليقة الجديدة فى العهد الجديد:

أ ـ نجد أن التعليم عن الخليقة الجديدة والإنسان الجديد أو الحياة الجديدة، أولاً فى حديث رب المجد يسوع نفسه مع نيقوديموس فى يوحنا: ” إن كان أحد لا يولد من فوق (أو ثانيةً) لا يقدر أن يرى ملكوت الله“، ” إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله“. كما نجده فى كلام إنجيل القديس يوحنا عن الذين يؤمنون بالمسيح ويقبلوه أنهم ” أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يوحنا1)، فهؤلاء وُلِدوا من الله وليس من دم ولا من مشيئة جسد أو رجل بل من الله.

ب ـ نجد حديثًا كثيرًا عن الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة فى المسيح، عند القديس بولس الرسول، فى كل رسائله تقريبًا: نكتفى ببعضها:

اعتمدنا لموت المسيح حتى كما أُقيم المسيح.. هكذا نسلك نحن.. فى جدة الحياة” (رو:6و4)، ” إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة هوذا الكل قد صار جديدًا” (2كو17:5)، ” فى المسيح لا ينفع شئ آخر (لا ختان ولا غرلة) بل الخليقة الجديدة” (غلا15:6)، ” المسيح هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحدًا) (أى اليهود والأمم) وأبطل العداوة بينهما بذبيحته لكى يخلق الاثنين فى نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا” (أف14:2و15)

الحياة فى المسيح والسلوك فيه هو أننا تعلّمنا أن نخلع… الإنسان العتيق الفاسد… ” وتتجددوا بروح ذهنكم وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق” (انظر أف20:4ـ24)، ” إذ تخلعون الإنسان العتيق.. والبسوا الإنسان الجديد، الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه… بل المسيح هو الكل فى الكل” (انظر كو8:3ـ11).

+ خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد يتم بعمل الروح القدس بالدفن والقيامة مع المسيح فى المعمودية (انظر رو3:6و4) والجديد الذى نلبسه بالمعمودية هو “المسيح فينا”، ” كلكم الذى اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلا7:3)، وبلبس المسيح نصير أبناء الله، أى بالمعمودية والإيمان (انظر غلا6:3)، ” وبمقتضى رحمته خلّصنا بغُسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس…” (انظر تى3:3ـ7).

وهذا الإنسان الجديد ـ أو الحياة الجديدة ـ الموهوب لنا هو نعمة، يحتاج إلى إماتة الأعضاء النفسية المرتبطة بأهواء النفس والجسد كالطمع والنجاسة والغضب والخبث والتجديف .. وخلع هذه العادات العتيقة من فكرنا وقلوبنا ومشاعرنا، وإلى لبس الجديد باستمرار (انظر كو8:3ـ11) أى تواضع المسيح ورأفته ولطفه ووداعته وصفحه، وإلى لبس المحبة ورباط الكمال… (انظر كو12:3ـ15).

وهكذا إذا لبسنا المسيح فى المعمودية نحتاج أن نواصل لبس المسيح بإيماننا وإرادتنا وتوبتنا والتصاقنا به فى الصلاة:

فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور.. بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات” (انظر رو11:14ـ14).

وبالمسيح ننتقل من الظلمة إلى نوره العجيب لنسلك فى النور ” كنتم ظلمة وأما الآن فنور فى الرب. اسلكوا كأولاد نور” ذلك النور يثمر بالروح كل صلاح وبر وحق: ” لأن ثمر النور (الروح) هو فى كل صلاح وبر وحق” (أف8:5و9).

 

ثانيًا: التعليم عن الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة عند القديس مقاريوس:

1 ـ ماذا يعنى الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس؟

أ ـ الإنسان الجديد يعنى عنده: أن نلبس يسوع المسيح فيكون فينا، [.. كل الذين خلعوا الإنسان العتيق ـ رداء مملكة الظلمة ـ قد لبسوا الإنسان الجديد السماوى ـ أى يسوع المسيح ـ بكل عضو مقابل عضو؛ عيون مقابل عيون، آذان مقابل آذان، رأس مقابل رأس ليكون الإنسان نقيًا بارتدائه الصورة السماوية] (عظة4:2)، [وينبغى أن يلبسوا الإنسان السماوى الجديد الذى هو المسيح] (عظة3:42).

ب ـ فالقديس يأخذ حقيقة لبس المسيح المذكورة عند الرسول بولس فى غلا28:3، وفى رو14:13 ” البسوا الرب يسوع“، ويمتد بها من واقع اختباره الروحى. فالذين يلبسون المسيح: [ هؤلاء ألبسهم الرب لباس ملكوت النور الذى لا يُنطق به، لباس الإيمان والرجاء والمحبة والفرح والسلام والصلاح واللطف (ثمر الروح فى غلا22:5)، وكل الملابس الأخرى الإلهية الحية التى لنور الحياة..] (عظة5:2).

واللباس ليس لباسًا خارجيًا ولكنه [هو المسيح ـ مملكة النور والصورة السماوية الذى يضيئ الآن سرًا فى النفس.. وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا.. حتى يأتى يوم القيامة..] (عظة5:2).

ويعلّمنا القديس مقاريوس أن المسيح يشرق بنوره داخل النفس التى تطلبه وتنتظره ليلاً ونهارًا فيكون هو لها [النور الذى يرشدها والطعام والشراب الحقيقى، الذى، هو الرب] وأن [ نطلب أن نرى الشمس الحقيقية] (عظة4:33) لأننا بدون نور المسيح فينا نكون عميان روحيًا لا نراه مضيئًا فى داخلنا، لأن يسوع جاء لكى يشفى عيوننا الداخلية من العمى فيصير إنساننا الداخلى صحيحًا معافى] (عظة4:33).

 

2 ـ والقديس مقاريوس يرى سر الإنسان الجديد مُشار إليه كظل مُسبق فى رؤيا حزقيال النبى: المُسجلة فى الإصحاح الأول من سفر حزقيال:

التى رأى فيها الشاروبيم ـ الأربع كائنات الروحانية الحية تحمل عرش الله على رؤوسها ” شبه عرش كمنظر حجر العقيق (الياقوت) الأزرق وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان عليه من فوق”، “ومثل منظر النحاس البراق كمنظر نار داخله ومن حوله من حقويه إلى فوق ومن حقويه إلى تحت مثل منظر نار ولها لمعان من حولها”.

ورأى تحت الكاروبيم مثل ايدى إنسان تحت أجنحتها. وهذه الكائنات الروحانية التى رآها هى أربعة كائنات لها شبه إنسان ولكل منها أربعة أوجه: شبه وجه إنسان وشبه وجه أسد ووجه ثور ووجه نسر. ولها أجنحة وكل واحد يسير إلى وجهه (إلى الأمام). والكائنات الحية مملوءة عيونًا من كل جهة…

[ هذا منظر شبه مجد الرب” (انظر حزقيال ص1، وعظة1:1).

 

أ ـ النفس تصير كلها نورًا وعينًا وتسير إلى الأمام:

وقد كشف الروح القدس للقديس مقاريوس سر رؤيا حزقيال النبى هذه فقال إن ما رآه النبى كان حقيقيًا وأكيدًا وأن ما رآه يشير كظل مُسَّبق إلى السر المكتوم منذ الدهور والأجيال ولكنه أُظهر فى الأزمنة الأخيرة بظهور المسيح (بالتجسد).

ويعتبر القديس مقاريوس أن السر الذى ظهر بالتجسد هو سر النفس التى ستستقبل ربها وتصير عرشًا لمجده: [ لأن النفس التى تتمتع بامتياز الاشتراك فى روح ونور الله وتتشرب بأشعة جمال مجده غير الموصوف… فإنها تصير كلها نورًا وكلها عينًا! ولا يكون فيها جزءً غير مملوء بعيون النور الروحانية. أى ليس فيها جزءً مظلمًا بل تصير بكليتها نورًا وروحًا، وتمتلئ كلها عيونًا، فلا يكون لها جزءً خلفى بل فى كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام بواسطة الجمال الذى يفوق التعبير الذى لمجد نور المسيح الجالس والراكب عليها] (عظة2:1).

 

ب ـ المسيح يجلس على عرش النفس ويقودها ويوجهها:

وحلول المسيح فى القلب (انظر أف17:3) الذى يبدأ بالمعمودية والإيمان،” المسيح فيكم رجاء المجد” (كو27:1)، هو فى اختبار القديس مقاريوس أساس نمو الإنسان الجديد بقوة الروح القدس، لأنه يقول إن المسيح المُشار إليه فى الرؤيا بمنظر إنسان فوق عرش الشاروبيم ” هو الذى هيأ النفس لتكون عرشًا ومسكنًا” له. ” والمسيح جلس بمجده ونوره جالس وراكب على النفس“.

هذا الإنسان الجديد الذى ” يشبع تمامًا بالجمال الذى لا يُوصف، جمال مجد نور وجه المسيح” و” كون فى شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له، فإنها تصير كلها عينًا، وكلها نورًا، وكلها وجهًا، وكلها مجدًا، وكلها روحًا، والمسيح الذى يقودها، ويرشدها، ويحملها، ويسندها ويوجهها” (انظر عظة2:1).

ويقول إن المسيح “ يمسك الزمام ويقود قوى النفس بروحه، حينما تتجه للسير إلى السماء، فهى تسير حسب قيادته وليس بحسب مشيئتها الخاصة“.. وهو يكشف للإنسان فى الداخل أسرارًا بلا حجاب (انظر عظة3:1).

 

ج ـ الحياة الجديدة فى الإنسان الباطن هى بنور الروح القدس وفعله:

فالنفس التى آمنت بالرب وأُميتت عن حياة الظلمة وأُنقذت من الخطية ونالت نور الروح القدس كحياة لها فانتقلت إلى الحياة حقًا، فإنها تصرف زمانها فيما بعد فى نفس هذه الحياة، إذ تكون ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت”.. “ويكون نور الله فى داخلها وبذلك تعيش فى النور”.. (انظر عظة7:1و8)… ولأن لها “روح النور أعنى قوة الروح القدس فإنها جزء لا ينفصل عن النور” (انظر عظة6:1).

 

د ـ وهذه الحياة الجديدة بنور الروح القدس هى الحياة الأبدية (حياة الله نفسه) منذ الآن فى داخل النفس:

فالنفس لا تملك النور الإلهى بطبيعتها ـ رغم أنها مخلوقة على صورة الله…” فقد سُرّ الله بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعته الخاصة، ولكن من لاهوته أى من روحه ومن نوره. تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا ولباسًا سماويًا، وهذه هى حياة النفس أى الحياة الحقيقية” (عظة10:1).

[فإن لم تولد النفس الآن فى أرض الأحياء وتستمد غذاءً روحيًا منها وتنمو نموًا روحيًا أمام الرب وتكتسى من اللاهوت بحُلّل الجمال السماوى التى تفوق الوصف… فإنها لا يمكن أن تحيا من نفسها… إذ بكل أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور السماوى، التى تأتى من الله ـ تكون حياة النفس الأبدية... وإن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها فى شئ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ أنها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها] (عظة11:1).

 

هـ – نور المسيح الإلهى فى حياة المؤمنين الآن وفى الدهر الآتى:

أنا هو نور العالم..” (يو12:8). ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم..” (يو46:12). ” النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان…” (يو9:1). ” أنتم نور العالم.. فليضيء نوركم..” (مت14:5ـ16).

فالنور الذى فى حياة القديسين هو نور اللاهوت، نور المسيح الإله المتجسد. فالمسيح صيَّر الرسل نورًا إذ قال لهم ” أنتم نور العالم“، وبعد ذلك أمرهم أن ينيروا العالم: ” فليضيء نوركم قدام الناس“، وبمعنى آخر ـ مثل السراج على المنارة ـ ” لا تخفوا الموهبة التى قبلتموها منى“، ويعلّق على قول المسيح: ” ..إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرًا..” (مت22:6و23، لو34:11) بأن النور الذى يناله الذين يكرزون من المسيح يعطونه للذين يؤمنون بواسطتهم ” بأن ينيروا قلوبهم بالنور السماوى. نور الروح الذى كانوا هم أنفسهم مستنيرين له” (انظر عظة4:1).

والنفس التى تنتمى إلى جسد المسيح.. لها حياة روح النور وهى جزء لا ينفصل عن النور (انظر عظة6:1). والنفس التى أُميتت عن حياة الظلمة ونالت نور الروح القدس كحياة لها تكون ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت (انظر عظة7:1)… “ويكون نور الله فى داخلها وبذلك تعيش فى النور” وتنتقل (وهى فى الجسد) إلى مدينة نور اللاهوت وتعيش هناك…” (عظة8:1).

 

+ المسيح يضئ داخل النفس الآن ويغمر بنوره الجسد فى القيامة:

الذين لبسوا المسيح يلبسهم الرب لباس ملكوت النور، لباس الفرح والمحبة والرجاء والسلام… إلخ، وكل ملابس نور الحياة حتى كما أن الله هو محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، فهكذا يكون الإنسان الجديد بالنعمة.. ويسوع المسيح ـ الصورة السماوية، مملكة النور يضئ الآن سرًا داخل النفس ويملك فى نفوس القديسين ولكنه مُخفى عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا حتى يأتى يوم القيامة الذى فيه، سيُغمر الجسد أيضًا بنور الرب ويتمجد به، ذلك النور المختفى الآن فى نفس الإنسان (انظر عظة 5:2).

+ مجد النور وأطعمة الروح التى سيحصل عليها المسيحيون الحقيقيون فى القيامة، تُمنح لهم منذ الآن بطريقة خفية، وسوف تظهر وتنكشف بعد ذلك على أجسادهم، لأن المجد الذى يحصل عليه القديسون الآن فى نفوسهم ـ أى فى الحياة الحاضرة ـ وهو بعينه سوف يغطى ويكسو أجسادهم العارية ويختطفهم إلى السماء فنستريح هناك مع الرب فى ملكوته جسدًا ونفسًا إلى الأبد (انظر عظة1:5).

 

و ـ الخليقة الجديدة للمسيحيين الحقيقيين فى الباطن ثم فى الخارج:

يخصص القديس مقاريوس عظة رقم 5 كلها للحديث عن خليقة المسيحيين الجديدة، كما يشير إلى هذه الخليقة الجديدة مرات عدة فى عظاته الأخرى: نذكر هنا فقط القليل من حديثه هذا

1ـ ما يميز الخليقة الجديدة عن أهل العالم هو:

+ تجديد القلب وسلامة الأفكار والمحبة للرب والشهوة السماوية له… فالمسيحيون لهم مجد وجمال وغنى سمائى يفوق الوصف والتعبير (انظر عظة5:5).

+ قلب المسيحى وعقله هو دائمًا فى المجال السماوى، فالمسيحيون الحقيقيون ينظرون الخيرات الأبدية كما فى مرآة، وذلك بسبب حصولهم على الروح القدس وشركته.. فعقلهم واهتمام نفسهم هو سلام المسيح ومحبة الروح، عن مثل هذا تكلم الرب حينما قال ” إنهم قد انتقلوا من الموت إلى الحياة” (يو24:5)، لأنهم مولودون من فوق وقد صاروا أولاد الله بالحق والفعل.. (انظر عظة4:5).

2 ـ الروح والنور والمجد هم فى الداخل ويظهروا على الجسد من الخارج:

المسيحيون الحقيقيون بالفعل يكون لهم ثقة ويفرحون عند خروجهم من الجسد لأن لهم بيت غير مصنوع بيد، بيت ابدى، الذى هو قوة الروح الساكن فيهم، ويؤمنون أنهم سيقتنون ذلك البيت ويمتلكونه منذ الآن. لذلك فحتى إن نقض بيت خيمتنا الأرضى (انظر 2كو1:5ـ4) ـ أى بيت الجسد ـ فلا يخافون لأن لهم بيت الروح والمجد الذى لا يفسد ـ البيت السماوى ـ ذلك المجد الذى سوف يبنى بيت الجسد أيضًا ويمجده فى يوم القيامة.. كما يقول الرسول: ” سيُحيى أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رو8:8)، وأيضًا: ” تظهر حياة يسوع فى جسدنا المائت” (2كو11:4)، ” لكى يُبتلع المائت من الحياة” (2كو4:5) (عظة7:5).

+ ويحثنا القديس مقاريوس أن نسعى بالإيمان والصلاة والاجتهاد أن نقتنى ذلك اللباس هنا، لأن كل واحد بقدر ما يحسب أهلاً ليصير شريكًا للروح القدس بقدر ذلك يتمجد جسده فى ذلك اليوم. فكل ما خزنته النفس فى داخلها فى هذه الحياة الحاضرة، سوف يُعلن حينئذٍ وينكشف من الخارج ظاهرًا فى الجسد (انظر عظة8:5).

3 ـ فى القيامة ـ يخرج مجد الروح القدس ـ بقوة شمس البر ـ من الداخل فيكسو ويغطى أجساد القديسين ـ ذلك المجد الذى كان مختفيًا داخل نفوسهم. فإن ما يكون للإنسان الآن، سيظهر بعينه خارجًا من الداخل وينكشف فى جسده.

ـ وهكذا ستتمجد أجساد المسيحيين بواسطة النور الفائق الوصف الذى هو فيهم منذ الآن ـ وأعنى به قوة الروح القدس،… فكل جمال البهاء والبريق السماوى سوف يصير لهم من روح اللاهوت.. الذى حُسبوا أهلاً لقبوله فى هذه الحياة الحاضرة (عظة9:5).

4 ـ وفى عظتى 32 و33 يتحدث عن هذه الحقيقة أيضًا:

+ ثوب المجد الآن وفى القيامة:

المسيحيون يحصلون على الثوب السماوى ساكنًا داخل نفوسهم منذ الآن، وفى القيامة فإن هذا الثوب الذى يكسو نفوسهم منذ الآن ويمجدها، وهو الآن فى داخل قلوبهم هذا سوف يكسو أيضًا أجسادهم العارية ويمجدها عندما تقوم من القبور فتقوم مكتسية بالموهبة السماوية وبالثوب السماوى الذى يناله المسيحيون فى هذه الحياة منذ الآن (انظر عظة2:32).

+ النفوس تقوم وتتمجد أولاً ثم بعد ذلك تتمجد أجسادها معها:

الأجساد التى سبق أن أُقيمت نفوسها قبلاً وتمجدت، هذه الأجساد تتمجد أيضًا فى القيامة مع النفوس وتستنير بالنفوس التى قد استنارت وتمجدت فى هذه الحياة الحاضرة… وهم يلبسون مسكنًا من السماء ” غير مصنوع بأيدى” (2كو1:5)، وهو مجد النور الإلهى إذ قد صاروا أبناء النور… والجميع يتغيّرون إلى طبيعة القداسة الإلهية ويصيرون ذوى صلاح وخير، وآلهة، ,ابناء الله… (انظر عظة2:34).

 

ز ـ التجلى : تجلى المسيح وتجلى الإنسان:

1 ـ تحدث كثيرون من آباء الكنيسة عن تجلى المسيح ونظروا إلى النور الفائق الذى اشع من وجهه وجسده وثيابه، على أنه هو نور لاهوته، وأن هذا المجد هو إعلان مُسبَّق للمجد الذى سيظهر به فى مجيئه الثانى. وهذا النور المُشع من المسيح هو الذى يُنير فى القديسين فيمجدهم فى الداخل وبعد ذلك يمجد أجسادهم فى القيامة كما رأينا فى الأقوال السابقة للقديس مقاريوس[1].

يقول القديس مقاريوس إن أجساد القديسين ستتمجد وتضئ مثل البرق كما تمجد جسد الرب حينما صعد إلى الجبل وتجلى بالمجد الإلهى وبالنور غير المحدود. فالمجد الذى كان فى داخل المسيح فاض على جسده وأضاء وبنفس هذه الطريقة يحدث فى القديسين، فإن قوة المسيح التى فى داخلهم تنسكب فى ذلك اليوم على أجسادهم من الخارج، فهم منذ الآن يشتركون فى جوهره وطبيعته فى عقولهم كما يقول: ” أنا أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى” (يو22:17). وكما أن مصابيح كثيرة تُوقد من نار واحدة هكذا أجساد القديسين، إذ هم أعضاء المسيح فبالضرورة تصير مثل المسيح نفسه (انظر عظة38:15).

كما قال رب المجد نفسه عن المؤمنين فى ملكوت الله: “ حينئذٍ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم” (مت43:13)، وهذا ما يشير إليه يوحنا الرسول أيضًا بقوله: ” نعلم أنه إذا أُظهر (المسيح) نكون مثله لأننا سنراه كما هو (أى كما هو فى مجد لاهوته)” (1يو2:3و3).

2 ـ تجلى بعض القديسين فى الحياة الحاضرة:

حالة التجلى بنور المسيح ظهرت على وجوه بعض القديسين وهم على الأرض وأضاءت أجسادهم بالنور الإلهى. ونجد أخبار هذه الحالات من التجلى المنظور فى الدهر الحاضر فى أخبار آباء الصحراء. وتعرفنا هذه الأخبار عن تجلى بعض الآباء النُساك مثل الأنبا بموا، والقديس مقاريوس نفسه والقديسين مكسيموس ودوماديوس، والأنبا سيسوى والقديس أرسانيوس، والأنبا يوسف (قرن4و5). وفى العصر الحديث أيضًا حدثت حالات التجلى المنظور للأب سيرافيم الروسى (قرن19)، والأنبا أبرام أسقف الفيوم (قرن20).

 

ح ـ نور المسيح وحياتنا الحاضرة:

النور الإلهى الذى تجلى به المسيح على الجبل، يرينا حالة النور والمجد الذى سيُستعلن فينا عند مجيئه بالمجد العظيم ليفتدى أجسادنا ويشركها فى مجده، ” متوقعين التبنى فداء أجسادنا” (رو23:8) أى يحرر أجسادنا من الموت والاضمحلال ويشركها فى مجد الحياة الأبدية، كما تشترك الخليقة المادية مع أجسادنا فى نوال حرية مجد أولاد الله، ويصبح الكون كله شفافًا للنعمة، إذ ستُعتق الخليقة من عبودية الفساد بفعل الروح القدس (انظر رو21:8ـ23).

هذا النور الإلهى، نور مجد الله، نور الحياة الجديدة، التى ينالها المسيحى وهو فى العالم، هذه الحياة ليست من هذا العالم، ولذلك فالمسيحى ليس من العالم كما قال الرب: ” أنتم لستم من العالم.. كما أنى أنا لست من العالم” (يو19:15، 17:14)، ولكنه وهو ليس من العالم فهو يعيش فى العالم. هو يؤمن بالمسيح حقًا وينال روحه بداخله وينتظر مجيء الرب المجيد باشتياق، لأن نور المسيح المتجلى، المسيح الحي المُمجد الآن، قد أشرق فى قلبه، ولذلك يحس فى داخله بجمال مجد المسيح وهذا يقوده للاشتياق إلى يوم الاتحاد الكامل به.

والمسيحى يُعد منذ الآن للاشتراك فى هذا المجد، وهذا الإعداد يتم بتنقية القلب من الظلمة والبغضة وسائر الخطايا والأهواء، بقوة نور المسيح الذى ينقلنا من الظلمة إلى النور: ” أنا هو نور العالم من يتبعنى لا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو12:8) ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم حتى أن كل من يؤمن بى لا يمكث فى الظلمة” (يو46:12) كما قال الرب أيضًا: ” آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور” (يو36:12).

إن الالتصاق بالمسيح النور الحقيقى بكل القلب يحوّلنا من الداخل لنصير منيرين أى أبناء النور ولذلك يقول أيضًا أنتم نور العالم، فنورنا مأخوذ من نوره، وبنوره نضئ قدام الناس لكى يرى الناس حياة المسيح ونوره ظاهرة فى أعمالنا فيمجدوا أبانا أب النور، ” يروا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات” (مت14:6ـ16).

قال رب المجد: ” متى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا” (مت22:6). العين البسيطة على القلب البسيط الذى ينظر إلى المسيح ببساطة وحب واستقامة والقلب البسيط يعنى القلب الذى ينظر فى اتجاه واحد فقط هو الرب وحده (وليس فى اتجاهات كثيرة لأن هذه صفة العين الشريرة أى الطامعة فهذه تجعل الجسد كله مُظلمًا). ” فالحاجة إلى واحد… النصيب الصالح الذى لا يُنزع منها” (لو42:10).

وبهذا النظر الداخلى يمتلئ الإنسان بنور المسيح فى قلبه فتهرب الظلمة بكل أنواعها ويصير قلبه نقيًا يستطيع أن يرى مجد الله ساطعًا فى داخله، ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت8:5).

 

ط ـ النظر إلى نور المسيح ومجده والتغيّر المستمر إلى صورة مجده:

النظر إلى مجد المسيح كما ذكرنا ينقى القلب، ويغيّر إنساننا الداخلى من مجد إلى مجد، إذ يقول الرسول بولس: ” ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما فى مرآة نتغير على تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” (2كو18:3).

أى بمداومة النظر فى داخل قلوبنا، إلى المسيح المُمجد، فإننا ننظر مجد المسيح منعكسًا على مرآة قلوبنا. ” كما فى مرآة“، أى ليس عيانًا والمرآة هنا هى قلوبنا، إذ أن قلوبنا هى مرآة الله. وهذا النظر إلى المسيح فى الداخل والتفرس فى مجده غير المنظور يغيرنا من الداخل، يغيرنا إلى صورة مجده كما يقول الرسول ” نتغير إلى تلك الصورة عينها“، نتغير بأن يرسم المسيح بروحه صورة مجده فينا كما يقول الرسول ” من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” أى أن هذا التغيير إلى صورة مجد المسيح فينا يتم بعمل الروح القدس داخلنا.

وهذا ما يقوله القديس مقاريوس:

[المسيح ـ الفنان الصالح ـ فى الذين يؤمنون به ويتطلعون إليه ويُثبّتون نظرهم فيه دائمًا،يرسم صورة الإنسان السماوى على صورته. فمن روحه ومن جوهر النور نفسه ـ النور غير الموصوف ـ يرسم صورة سماوية… فينبغى أن ننظر إليه ونتفرس فيه، ونؤمن به ونحبه، ونرذل كل شئ غيره، ونأتى أمامه لكيما يرسم صورته السماوية، ويرسلها إلى داخل نفوسنا، وهكذا إذ نلبس المسيح، فإننا ننال الحياة الأبدية ونحصل على يقين تام ـ هنا ومنذ الآن ـ وندخل إلى الراحة] (عظة 4:30).

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

 

[1] تحدث عن التجلى آباء مشهورون: مار أفرام السريانى والقديسون باسيليوس وغريغوريوس الناطق بالإلهيات، ويوحنا ذهبى الفم، وقد وردت بعض أقوالهم عن هذا الأمر فى مقال “تجلى المسيح” بالكتاب الشهرى عدد أغسطس1981م.

الإنسان الجديد عند القديس مقاريوس د. نصحي عبد الشهيد

الشركة والإتحاد بالله فى عظات القديس مقاريوس الكبير

الشركة والإتحاد بالله فى عظات القديس مقاريوس الكبير – د/ نصحى عبد الشهيد

الشركة والإتحاد بالله فى عظات القديس مقاريوس الكبير – د/ نصحى عبد الشهيد 

الشركة والإتحاد بالله فى عظات القديس مقاريوس الكبير – د/ نصحى عبد الشهيد

مقدمة :

الشركة مع الله أو الإتحاد به، تعتبر محورًا أساسيًا فى روحانية القديس مقاريوس كما نجدها فى عظاته الخمسين.

وقد أشار كل من القديس يوحنا الرسول والقديس بطرس الرسول إلى الشركة مع الله : ” وأما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ” (1يو 3:1)، ” لكى تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية… ” (2بط 4:1) ولكن القديس مقاريوس يتحدث كثيرًا جدًا عن هذه الشركة مع الله ويصفها من اختباره وتذوقه أنها حالة عرس روحانى أو زيجة روحانية بين المسيح والنفس الإنسانية، فالمسيح هو العريس والنفس هى العروس، والحب المشتعل بنار الروح القدس هو الذى يوحد العريس بالعروس.

وعلاقة المسيح كعريس للكنيسة وردت فى سفر الرؤيا (رؤ7:19)،(2كو 2:12).

كما جاءت علاقة الله كعريس لشعبه فى العهد القديم (هو19:2). ولكن القديس يتحدث أساسًا عن العلاقة الشخصية الإختبارية، والإتحاد الشخصى بين المسيح والنفس، وربما نجد بداية هذه الخبرة فى قول الرسول بولس ” وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ” (1كو 17:6). حيث كلمة التصق تعنى فى سياق حديث الرسول ” اقترن بالرب ” أو ” اتحد بالرب “.

أولاً : مباردة الشركة والإتحاد هى من الله :

1 ـ فيقول القديس مقاريوس أن الله لايجد راحته فى أى من المخلوقات التى خلقها ” إنه يحكم كل الخليقة ولكنه لم يثبت عرشه فيها ولا دخل فى شركة معها بل إن الله قد سُرَ بالإنسان وحده ودخل فى شركة معه وفيه وحده استراح ” ( عظة 5:45 ص 338 ). ” وأن الرب لايُسر بأحد سوى الإنسان وحده “.

ويقول : [ إن الله يكون مدفوعًا بالمحبة والحنان نحو الإنسان، وذلك من ذاته وبالصلاح الطبيعى الخاص به وإذ هو الكلى الصلاح فإنه يلتصق بتلك النفس ويصير معها روحًا واحدًا ” كما يقول الرسول ].

وأيضًا يقول عن حنان الله ومحبته الشديدة للإنسان : ” الله غير المحدود… بصلاحه وحنانه الذى يفوق العقل قد أخلى نفسه من مجده الذى لايدنى منه ليتمكن من الاتحاد بخلائقه المنظورة مثل نفوس القديسين، وذلك حتى يستطيعوا هم أيضًا أن يشتركوا فى حياة اللاهوت ” ( عظة 4 : 9 ص 51 ). وأيضًا ” الله من محبته قد أعطى للإنسان أن ينال نار المسيح الإلهية ( المحبة ) ” ( عظة 7 ص 82 ).

2 ـ الغرض من التجسد أن يجعلنا مشتركين فيه :

يقول : ” الغرض والهدف من مجئ الرب إلينا فى التجسد، هو أن يغير نفوسنا ويخلقها خلقة جديدة، ويجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية كما هو مكتوب (2بط 4:1) ( عظة 44 : 9 ص 333 ).

3 ـ الرب خلق النفس لكى يصيرها عروسًا له :

يقول : ” فالنفس هى حقًا صنيع إلهى عظيم مملوءُُ عجبًا…. فإنه خلقها لكى يصيرها عروسًا له وتدخل فى شركة معه لكيما يلتصق بها ويصير روحًا واحدًا معها كما يقول الرسول ” وأما من ألتصق بالرب ـ فهو روح واحد ” (1كو 17:6) ( عظة 46 : 5 ص 344 ).

ويقول أيضًا : [ الله لم يقل عن الملائكة، بل عن الطبيعة البشرية ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا “… وأنت قد دُعيت إلى الخلود والتبنى والأخوة للملك ولتكون عروسًا للملك. فى هذا العالم الذى حولنا كل ما للعريس يصيرُ للعروس، وهكذا ما هو للرب مهما كان فإنه يودعه إياك ) (عظة13:16ص175).

+ ويقول أيضًا أن المسيح العريس السماوى هو الذى يخطب النفس لأجل شركته السرية الإلهية ( أنظر عظة 15 : 2 ص 131 ).

 

ثانيًا : اتحاد النفس بالعريس السماوى :

 

1 ـ النفس لاتجد راحتها إلا فى الرب :

فيقول ” أنظركم هى قرابة الإنسان لله فالنفس الحكيمة بعد مرورها على جميع المخلوقات لاتجد راحة لنفسها، إلا فى الرب وحده ” (عظة5:45ص338)

2 ـ النفس لاتقنع بالعطايا الروحية بل تريد الشركة الكاملة مع العريس :

فيقول : ” العذراء المخطوبة لرجل تقبل منه هدايا كثيرة قبل الزواج… ولكنها لاتقتنع ولاترضى بكل هذه الهدايا إلا أن يأتى يوم العرس الذى فيه تصير واحدًا معه. كذلك أيضًا النفس المخطوبة كعروس للعريس السماوى فإنها تنال منه كعربون من الروح مواهب ( متعددة )… ولكنها لاتقنع بهذه العطايا بل تترجى الوصول إلى الشركة الكاملة معه والاتحاد به، أى المحبة التى لاتتغير ولاتسقط أبدًا ” ( عظة 7:45 ص 339 ).

3 ـ الرب والنفس يصيران روحًا واحدًا :

” وحينما تلتصق النفس بالرب ويعطف عليها ويحبها ويأتى إليها ويلتصق بها… فإن الرب والنفس يصيران روحًا واحدًا ومزاجًا وعقلاً واحدًا وبينما يكون جسدها مطروحًا على الأرض فإن عقلها يكون فى أورشليم السماوية مرتفعًا إلى السماء الثالثة ويلتصق بالرب ويخدمه هناك ” ( عظة 3:46ص342 ).

4 ـ المسيح يزين النفس بالجمال الروحانى ويجعلها كلها نورًا :

” النفس التى تتشبع تمامًا بالجمال الذى لايُوصف، جمال مجد نور وجه المسيح، وتكون فى شركة تامة مع الروح القدس وتنال الإمتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له فإنها تصير كلها عينًا وكلها نورًا وكلها مجدًا وكلها روحًا، والمسيح الذى يقودها ويرشدها ويحميها ويسندها، هو الذى يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحانى ” ( عظة 2:1 ص 24 ).

5 ـ النفوس الحكيمة بالروح تقدم اشباعًا كاملاً للعريس السماوى :

” النفوس التى تطلب تقديس الروح… تعلق حبها كله بالرب وتسير فيه، وفى الربُ تصلى، وبه تنشغل أفكارها، تاركين كل ما هو سواه ولهذا السبب يُحسبون أهلاًلنوال زيت النعمة السماوية وينجحون فى عبور هذه الحياة بلا سقوط مقدمين إرضاءًا وإشباعًا كاملاً للعريس السماوى ( عظة 6:4 ص 50).

6 ـ المسيح يصير روحًا واحدًا مع الإنسان :

” الله برأفته ومحبته للإنسان لبس أعضاء هذا الجسد متخليًا عن المجد الذى لايُدنى منه إذ يصير هو بنفسه جسدًا، ويأخذ اليه النفوس المقدسة المرضية الأمينة، ويختلط معها بل يصير معها روحًا واحدًا كما قال الرسول بولس…. حتى أن النفس تستطيع أن تعيش فى اتحاد وتتذوق الحياة غير المائتة وتصير شريكة فى المجد الذى لايفسد ” ( عظة 10:4 ص 52 ).

7 ـ حب النفوس الإلهى للمسيح :

+ ” أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة…، وجرح قلوبهم بحب إلهى للمسيح الملك السماوى، وارتبطوا بذلك الجمال وبذلك المجد الفائق الوصف… والغنى الذى يفوق التصور ـ غنى المسيح الحقيقى الأبدى.. وبرغبةٍ يشتاقون نحو ذلك الذى أسرهم بحبه واستعبدهم.. ومن أجله يعتبرون كل بهاء الملوك والرؤساء على الأرض وأمجادهم وكرامتهم وغناهم كلها كلا شئ بالمرة، لأنهم مجرحون بالجمال الإلهى… لذلك فإن شهوتهم موجهة نحو الملك السماوى…. ومن أجله يتخلون عن كل محبة عالمية ” (عظة6:5ص71،72).

+ نار حب المسيح : ويقول أيضًا : [ الذين يشتغلون بالشهوة المقدسة شهوة الروح واشتياقه وتجرح نفوسهم بالمحبة الإلهية وتشتعل فيهم النار الإلهية السماوية التى جاء الرب ليلقيها على الأرض… ويلتهبون بالشهوة السماوية للمسيح، هؤلاء يعتبرون كل الأشياء المجيدة والثمينة الخاصة بهذا العالم كأنها أشياء حقيرة وكريهة بسبب نار حب المسيح التى تحصرهم وتشعلهم وتضرمهم ليميلوا بكل قلوبهم إلى الله وإلى خيرات الحب الإلهى. ذلك الحب الذى لاتستطيع كل الأشياء سواء فى السماء أو على الأرض أو تحت الأرض أن تفصلهم عنه كما يقول الرسول ” من سيفصلنا عن محبة المسيح ؟ أشدة أم ضيق… ” (رو35:8 ـ 39)] ( عظة 9:9 ص 93 ).

+ الإلتصاق بالرب وحده : يقول : ” حينما تخصص النفس ذاتها كلها للرب وتلتصق به وحده وتسير بوصاياه وتعطى روح المسيح حقه من الاكرام… فإنها تحسب حينئذٍ أهلاً أن تصير روحًا واحدًا وتركيبًا واحدًا كما يقول الرسول (1كو17:6) ” ( عظة 12:9 ص 95 ).

+ ” النفوس التى تحب الحق وتحب الله وتشتهى برجاءٍ كثير وإيمان أن تلبس المسيح كلية… لاتحتمل ولا إلى لحظة أن تكون محرومة من حبها المشتعل للرب واشتياقها السمائى له.. واذ يكونون مجروحين بالشوق السماوى وجائعين إلى الفضائل، فإنه يكون لهم رغبة عظيمة لاتنطفأ فى أشراق الروح وإنارته “(عظة 1:10 ص 97).

+ شوق روحانى حار إلى العريس السماوى : [ بقدر ما يحسبون أهلاً لنوال المواهب الروحية بقدر ذلك يزدادون عطشًا للمواهب السماوية، ويزدادون فى طلبها باجتهادٍ وسهرٍ ويزدادون جوعًا وعطشًا إلى شركة النعمة وازديادها… إذ أنهم لايشبعون من الشوق الروحانى الحار إلى العريس السماوى، كما يقول الكتاب ” الذين يأكلون يعودون إلى جائعين والذين يشربوننى يعطشون ” ( ابن سيراخ 21:24) ] ( عظة 1:10 ص 97 ).

+ ” فمثل هذه النفوس التى تحب الرب حبًا حارًا لا ينطفئ… تُمنح لهم نعمة التحرر من الشهوات وينالون إشراق الروح القدس بالتمام وحضوره الذى يفوق الوصف، والشركة السرية معه فى ملء النعمة “.

8 ـ الشركة السرية مع العريس السمائى :

” والنفس التى تحب الله والمسيح حقيقة حتى إذا عملت ربوات من أعمال البر فهى تعتبر ذاتها لم تعمل شيئًا بسبب حبها المشتعل نحو الله… طوال النهار تشتاق وتجوع وتعطش بالإيمان والمحبة وبمداومة الصلاة… وتكون مجروحة بحب حار مشتعل ـ حب الروح السماوى ـ ويتحرك فى داخل نفسها باستمرار بالنعمة إلهام وشوق حار للعريس السماوى، راغبة أن تدخل دخولاً كاملاً إلى الشركة السرية الفائقة الوصف معه، بتقديس الروح ” (عظة4:10 ص 99 ).

9 ـ رؤية العريس السماوى فى نور الروح :

” وإذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، فإنها تحدق فى العريس السماوى وجهًا لوجه فى نور الروح الذى لايُعبر عنه، وتختلط به بملء الثقة وتتشبه بموته وترقُب دائمًا بشوق عظيم أن تموت لأجل المسيح. وهى تثق بيقين شديد أنها ستنال بقوة الروح انعتاق كامل من الخطية ومن ظلمة الشهوات، حتى إذا ما اغتسلت وتطهرت بالروح، وتقدست نفسًا وجسدًا يسمح لها حينئذٍ أن تكون إناءًا طاهرًا معدًا لاستقبال المسحة السماوية وحلول المسيح الملك الحقيقى، وحينئذٍ تؤهل للحياة الأبدية إذ تكون قد صارت منذ تلك الساعة مسكنًا طاهرًا للروح القدس ” ( عظة 4:10 ص 99 ).

10 ـ شركة النفس مع الروح القدس زيجة روحانية واتحادٌ بالله :

يقول القديس مقاريوس ” الزوجة باتفاقها مع زوجها تصير واحدًا معه لكنهما فى لحظة أخرى يفترقان لأنه قد يحدث أن يموت أحدهما ويعيش الآخر. وعلى مثال هذه الشركة تكون شركة الروح القدس مع النفس. فيصيران روحًا واحدًا ” لأن من التصق بالرب فهو روح واحد “. وهذا الأمر يحدث عندما يمتلئ الإنسان بالنعمة فتحيطه من كل ناحية ” ( عظة 2:16 ص 166 ).

 

الشركة والإتحاد بالله فى عظات القديس مقاريوس الكبير

Exit mobile version