الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – سبتمبر 2023م

 

 

الفهرست

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان. 1

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان. 1

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس… 3

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها 3

الشهوة الجنسية الشريرة 3

مبادرة النعمة. 4

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ.. 4

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان. 7

دحض التعليم بخطية الطبيعة. 7

دحض التعليم بوراثة الخطية. 11

ماهية ناموس الخطية العنيف.. 12

مفهوم الخطية الجدية. 14

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج. 18

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية. 21

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر. 24

سينرجيا النعمة والأعمال. 26

عدم سماح الله بالشر. 29

مفهوم العقوبة الإلهية. 30

دحض التعليم بالنفس المولودة 31

ماهية الغضب الإلهي. 33

غاية الله خلاص الكل. 33

الخلاصة. 36

 

 

 

 

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان

سوف نتتبع في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان، أحد أهم آباء الرهبنة اللاتينية في الغرب في القرن الخامس، خاصةً في جنوب بلاد الغال، أي فرنسا. نجح ق. يوحنا كاسيان في تطوير الحياة الرهبانية هناك. وكان سفيرًا للتراث الآبائيّ الشرقيّ النسكيّ في الغرب اللاتينيّ. وهو أحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يتعلق بالنظام الرهبانيّ الحيّ، حيث يربط بين النواحي الداخلية والخارجية في النظام الرهبانيّ. لقد كان ملمًا به بكل دقة كما عاشه في مصر وخارجها لسنوات، حيث تتلمذ على يدي آباء البرية المصرية الكبار آنذاك، ونقل هذه المعرفة والخبرة الرهبانية النسكية الفائقة إلى الغرب اللاتينيّ، وذلك من خلال كتاباته ومحاوراته مع آباء البرية العظام، بالأخص آباء البرية المصرية. دُعِيَ في بستان الرهبان باسم ”كاسيانوس الروميّ“.

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان

وُلِدَ ما بين 350- 360م، وتنيح ما بين 440-450م، إي عاش حوالي تسعين عامًا. أشار كتابه ”عن التجسُّد ضد نسطوريوس“ إلى معرفته الكبيرة بتعاليم آباء الكنيسة الأولين، وبالكُتَّاب الكلاسيكيين اللاتين أمثال: شيشرون وسنيكا وبيرسيوس. تبدأ حياته الرهبانية في حوالي عام 380م، في سن المراهقة، حيث انطلق إلى فلسطين، وبعدها بعامين إلى مصر، حيث قام بزيارة الرهبان هناك، وزار بعض الأديرة الرهبانية التي تتبع نظام الشركة في طيبة، ثم انطلق بعد ذلك إلى برية الإسقيط، حيث قضى هناك سبع سنوات يلتقي بمشاهير الآباء الرهبان، وقد جاءت مناظراته ومحاوراته ثمرةً لهذه اللقاءات والزيارات. كان صديقًا حميمًا لمار أوغريس البنطيّ وتلاميذه الأوريجانيين، وبسبب الاضطرابات في البرية المصرية آنذاك انتقل إلى القسطنطينية، حيث تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم، الذي رسمه شماسًا. وفي عام 415 أو 416م انطلق كاسيان إلى مرسيليا بفرنسا وأقام هناك ككاهن، وأسَّس ديرًا هناك للرجال باسم ”القديس فيكتور“، حيث صار الأب الروحيّ له ورئيسًا لهذا الدير، ثم أسَّس ديرًا آخر للنساء باسم ”القديس سالفاتور“، وهكذا سعان ما انتشرت الحياة الرهبانية هناك، وضمت الأديرة الآلاف من الرهبان والراهبات. غير أن البعض من أتباع أوغسطينوس أسقف هيبو شكَّكوا في أرثوذكسية ق. يوحنا كاسيان، حيث هاجموه متهمين إياه بالميول البيلاجية.[1]

بالطبع لا يمكن اتهام ق. يوحنا كاسيان بالبيلاجية، لأنه أعلن في كتابه ”عن التجسُّد الإلهيّ ضد نسطوريوس“ أن البيلاجية هي أصل كل الشرور، وهي وراء بدعة نسطوريوس. ولكن يُبرِّر البعض موقفه بأنه تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم أكثر من أوغسطينوس أسقف هيبو، فهو لم ينس قط حث ذهبيّ الفم لشعبه على المثابرة والاستمرار على الجهاد الشخصيّ والعمل. حيث يقول ق. يوحنا ذهبيّ الفم إنه ليس الله ولا نعمة الله تمنع حريتنا من الاختيار.[2] كما كان ق. يوحنا كاسيان يُشجِّع رهبانه على السلوك عن طريق بذل الذات والتضحية، مما جعله غير قادر على قبول نظرة أوغسطينوس السلبية، الذي يبدو كما لو كان يُقلِّل من شأن الإرادة البشرية مُتأثرًا بنظرته الخاصة بالنعمة الإلهية. إنْ كان الله حقًا يفعل كل شيء لنا، فِمن أين يأتي الاستحقاق للمكافأة؟ وإنْ كُنا لن نقدر أن نفعل شيئًا بدون النعمة، فما هو موقف حريتنا؟[3]

 

 

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها

يرى أوغسطينوس أن الله خلق آدم في حال الحرية التي لم يكن فيه مضطرًا لأن يخطئ. وبذلك فإذا أخطأ وصل للحال الذي لم يكن ممكنًا له ألا يخطئ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. وسقوط آدم كان خطية عظيمة. دافعها الكبرياء، والرغبة في الاستقلال عن الله، فهي أساس كل شر. لأن كل كيان الإنسان ووجوده مستمد من الله. ولكنه أراد أن يكون سيد نفسه. وأعتبر أوغسطينوس إن خطية آدم هي خطية كل الجنس البشريّ [خطية الطبيعة]. مُستندًا إلى عدة شواهد كتابية منها (رو 5: 12) في الترجمة اللاتينية التي كانت متاحةً له التي تقول: ”الذي فيه [في آدم] أخطأ الجميع“ بدلاً من ”إذ أخطأ الجميع“، والخطية الأصلية في نظر أوغسطينوس تتم بالتناسل ودافع ”الشهوة“ المصاحب للمعاشرة الجنسية. فأصبحت إرادة الإنسانية كلها تجنح للخطأ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. مما يشمل الأطفال أيضًا، رغم أن الخطية لم تصدر فعلاً عنهم، ويتوقف خلاصهم على معموديتهم كنقطة بداية. وأعتبر أوغسطينوس بذلك البشرية ”كتلة من الخطية“ و ”كتلة للهلاك“. بل إنه قال: ”إن الأطفال الذين لا يُعمَّدون يمرون في نار أبدية مع الشيطان لفترة من الزمن، وإنْ كانت أخف من النيران التي يمر فيها الأشرار الذين يضيفون لخطيتهم الموروثة خطاياهم الشخصية الفعلية“. وواضح أن هذا فتح الباب لحديث الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد عن ليمبوس الأطفال.

الشهوة الجنسية الشريرة

يظهر فساد الطبيعة البشرية في الجهل والشهوة والموت. ويجب أن نلاحظ أن الشهوة كما عبَّر عنها أوغسطينوس تعني كل ميل للابتعاد عن الله ليجد الإنسان كفايته في الأمور المادية. ورأى أوغسطينوس أن أوضح صورة لهذا الأمر نجدها في الشهوة الجنسية. إلا أننا يجب أن نحذر من أن نقول بأن أوغسطينوس أعتبر أن الخطية الأصلية هي الشهوة الجنسية. فهو يرى أن الشهوة الجنسية نتيجة ثورة الإنسان ضد الله. ولا يملّ أوغسطينوس من التنبير على أن قسوة وسطوة الغريزة الجنسية إنما هي في كل البشر. فهو يَعتبر أن المعمودية تُزِيل جرم الخطية لكنها لا تُزِيل حقيقتها في أعضاءنا. ويرى أن المخلِّص أختار أن يُولَد من عراء ليتجنب لوثة الشهوة. وبسقوط آدم فَقَدَ الإنسان حريته [الإرادة العاجزة عن فعل الخير]. حتى أننا لا نستطيع أن نتجنب الخطية بدون نعمة الله. فحرية الإنسان لازالت قائمةً ولكنه يختار الشر بكيفية تلقائية كحقيقة سيكولوجية [العجز التام والإرادة المقيَّدة بالشر].[4]

مبادرة النعمة

وفي ضوء الخلفية التي أشرنا إليها عن الطبيعة البشرية يمكننا أن نتفهم رفض أوغسطينوس لتعاليم بيلاجيوس بأن دور النعمة لا يزيد عن الاستنارة التي تُعاوِن الإرادة الحرة. فقال أوغسطينوس بأن هنالك ضرورة حتمية للنعمة. فيجب أن تعمل النعمة داخل الإنسان، ويتحقَّق عملها السريّ الداخليّ بحضور الروح القدس. وتسبق النعمة كل شيء فالمبادرة دائمًا منها. ويشير أوغسطينوس أيضًا للنعمة المعاوِنة بعد أن تبدأ النعمة عملها. كما يتحدَّث عن النعمة الكافية [المانعة الوقائية]. ويُنبِّر أوغسطينوس على أن النعمة تتبعها الاستحقاقات ولا توجد استحقاقات ينال الإنسان النعمة على أساسها. ويرى أوغسطينوس أن إرادة الله القادرة على كل شيء يجعل عمل نعمته فينا نعمة لا تُقاوَم [نعمة مانعة وقائية] وعن طريق النعمة ينال المؤمن حرية حقيقية.[5]

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ

وفي ضوء كل هذا يمكننا أن نتفهم كيف عبَّر أوغسطينوس عن التعيين [الاختيار] السابق للمؤمنين. إذ يرى أوغسطينوس استنادًا لفهمه للكتاب المقدَّس أن عدد المختارين مُحدَّد منذ الأزل. ويرفض أوغسطينوس رفضًا قاطعًا فكرة التعيين [الاختيار] السابق بناءً على علم الله السابق. ويرى أن المؤمنين الحقيقيين ينالون الضمان الأبديّ [عدم هلاك المؤمن]. إلا أن أوغسطينوس استنادًا لكلمات بولس الرسول: ”مَن يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط“ (1كو 10: 12)، قال إن الله في حكمته سمح بوجود ”مؤمنين غير حقيقيين“ وسط جماعة ”المؤمنين الحقيقيين“ ليكون الكل على حذر.[6]

لم تقبل الكنيسة وجهة نظر أوغسطينوس حول هذا الموضوع [أي سبق التعيين المزدوج] على الفور، لكنها رفضت البيلاجية في عدة مجامع كنسية. استمرت الكنيسة تُجادِل في مسألة الإرادة الحرة مقابل سبق التعيين لمدة مائتي عام أخرى حتى استقر الكاثوليك إلى حد ما على موقف وسطيّ. وكثيرًا ما يُدعَى هذا الموقف بـ ”النصف بيلاجية“ Semi-pelagianism، ولكن يمكن أن يُدعَى أيضًا عن حق بـ ”الموقف النصف أوغسطينيّ“. فقد رفض أتباع موقف النصف بيلاجية عقائد بيلاجيوس، لكنهم لم يقدروا أن يتبعوا أوغسطينوس إلى نهاية نتائج نظريته. لذا، فقد أنتجوا موقفًا وسطيًا. حيث قال ق. يوحنا كاسيان بأن الله عندما يرى بصيصًا من التفاعل البشريّ، يسكب نعمته فورًا على هذا الشخص. وبالتالي، فإن الإرادة البشرية الحرة مهمة، ويجب على البشر أن يتفاعلوا مع الله. ومع ذلك، فالتفاعل الكامل مع دعوة الله للخلاص غير ممكن بدون نعمة الله (تُرَى النعمة هنا كقوة). وفي العصور الوسطى كان موقف النصف بيلاجية هو المقبول بشكلٍ واسعٍ، وهو الذي انعكس في نظام الأسرار، أي أن الأسرار وسائط النعمة، لأنها قوة الله لغرسه الصالح فينا. وبالتالي، يمكن للبشر أن يتشاركوا مع الله في خلاصهم. وقد تبنى مارتن لوثر وجون كالفن فيما بعد وجهة نظر أوغسطينوس الأصلية، فقد رأيا أن الإنسان معتمد تمامًا على سلطان الله [الخلاص والتبرير بالنعمة فقط].[7]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان

سوف نستعرض الآن تعليم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان لنُوضِّح الاختلافات بينه وبين تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كُنا قد عرضنا أعلاه، سواء في التعليم عن النعمة، أو سبق التعيين، أو الضمان الأبديّ، أو الفساد الكلي للطبيعة البشرية، أو النعمة الوقائية المانعة من الهلاك، أو الإرادة البشرية المقيَّدة بالشر، أو وراثة ذنب آدم.

دحض التعليم بخطية الطبيعة

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم المانويّ -الذي تبناه أوغسطينوس وأتباعه- عما يُسمَى بـ ”خطية الطبيعة“، حيث ينادون بأن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين وتركيب الطبيعة البشرية بعد سقوط أبوينا الأولين، وأننا نرث عن طريق التناسل الجنسيّ من أبوينا الأولين ”خطية الطبيعة“ هذه، ولكن يدحض ق. يوحنا كاسيان هذا التعليم غير الأرثوذكسيّ، مؤكدًا على أن النزعات الجسدية المغروسة فينا بالفطرة هي لقصد مفيد، ولكن هناك نزعات أخرى خارجية أُقحِمَت من الخارج بسبب الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة، وهنا يُميِّز كاسيان بين النزعات والشهوات الجسدية الداخلية الطبيعية، والنزعات الجسدية والشهوانية الخارجية الناتجة عن الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة. حيث يرى أن الله الخالق بعنايته الإلهية هو الذي غرس فينا هذه النزعات الجسدية لغرضٍ مفيدٍ وليس لارتكاب الخطايا والرذائل كالزنا والخلاعة كالتالي:

ألسنا نُشاهِد مثلاً أن نوازع الجسد الطبيعية ليست فقط في الأولاد الذين تُساعِدهم بساطتهم على التمييز بين الخير والشر، بل حتى في الأطفال الصغار والرضع البعيدين تمامًا عن شهوة الجنس، ولكن نوازع الجسد موجودة فيهم وعُرضة للإثارة الفطرية؟ ألا نرى أيضًا أن وخزات الغضب المميتة موجودة بكامل عنفوانها في الأطفال الصغار؟ وقبل أن يتعلَّموا فضيلة الصبر والاحتمال، نجد أن المظالم تُثيرهم، ويشعرون بالمهانة ولو كانت على سبيل الدعابة، وقد يعمدون إلى الانتقام، على الرغم من ضعفهم، حين يستبد بهم الغضب؟! لست أسوق هذا كي أُوجِّه اللوم إلى حالتهم الفطرية، إنما لكي يظهر أن بعضًا من هذه النزعات التي تصدر عنا مغروسة فينا لقصدٍ مفيدٍ، بينما البعض الآخر قد أُقحِمَ من الخارج، بسبب الإهمال أو التراخي، وشهوة الإرادة الشريرة. لأنه هذه النزعات الجسدية التي تكلَّمنا عنها آنفًا، غرسها الخالق بعنايته الإلهية في جوفنا لغرضٍ نافعٍ، مثل بقاء النوع وتنشئة الأطفال، وليس لارتكاب ضروب الزنا والخلاعة، التي تقع تحت طائلة كُل من الناموس والقانون. كذلك أُعطِيت لنا وخزات الغضب بحكمةٍ بالغةٍ، حتى إذَا ما غضبنا على خطايانا وأخطأنا يتيسر لنا أن نُمارِس الفضائل والرياضات الروحية، مُظهرين كل حب الله ومُترفقين بأخوتنا“.[8]

ويُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان على أن النزعات الجسدية قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه له اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراض ضارة، ويشير إلى أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، داحضًا بذلك التعليم عن خطية الطبيعة أو طبيعة الخطية الموروثة من أبوينا الأولين، التي تجعلنا نُمارِس الخطية تلقائيًا بدون اختيار حر، ولكنه يشير إلى أن الخطية فعل إراديّ، وأن الشهوات الجسدية صالحة إلا أنه بسوء استخدامها وتوجيهها بالإرادة الشريرة الفاسدة، تصير خطايا وشرورًا كالتالي:

”إنْ قُلنا إذًا أن هذه النزعات قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه إليه اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراضٍ ضارةٍ، ورحَّبنا بأحزان قايين المتمرِدة المهلِكة وليس بالحزن الذي يُقوِّم اعوجاجنا ويُنشئ توبةً لخلاص بلا ندامة […] لكننا نُؤكِّد أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، كالحسد، وبالذات خطية الطمع هذه. هاتان الخطيتان تفدان إلى القلب من الخارج، لعدم وجود أصل لهما في الغرائز الفطرية. ويتيسر للمرء أن يأخذ حذره منهما وأن يتجنبهما نسبيًا. إنهما يُفسِدان العقل الذي يتسلطان عليه ويستبدان به، ومِن ثم يتعذر تهيئة الأدوية لشفائه منها“.[9]

ويدحض الأب سيرنيوس، أحد آباء الرهبنة المصرية الكبار آنذاك، فكرة خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية الموروثة من آدم بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس متأثرًا بالمانوية أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية، كما يدحض أيضًا فكرة الإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس أيضًا في كتاباته ضد البيلاجية، حيث يرى أنه مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقِين اللوم على الطبيعة البشرية دون مناقشة الموضوع بدقةٍ كالتالي:

سيرنيوس: مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقين اللوم على الطبيعة [البشرية] دون أن نُناقِش الموضوع بإتقانٍ […] فيلزمك ألا تحكم حسب ضعفك، إنما بناءً على قيمة التدرايب ومنهجها واختبار الآخرين لها […] هكذا بحسب الطبيعة لا يمكن أن يكون العقل خاملاً […] بل لديه على الدوام ما يشغله، وبسبب ثقله يضل ويتوه في أمورٍ كثيرةٍ ما لم يُمارِس التدرايب اليومية الطويلة […] يلزمنا ألا ننسب الانحراف في تيه القلب إلى الطبيعة البشرية أو خالقها، فإنه بالحق يقول الكتاب المقدَّس: ’أن الله صنع الإنسان مستقيمًا، أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). اختلاف الأفكار يتوقف علينا نحن، لأن الفكر الصالح يقترب مِن الذين يعرفونه والإنسان العاقل يجده. فأيّ أمر يخضع لتمييزنا وعملنا يمكننا أن نصل إليه، فإذَا لم نبلغه يرجع هذا إلى كسلنا وإهمالنا لا إلى خطأ في طبيعتنا. لو لم يكن هذا الأمر في مقدرتنا لمَّا وبَّخ الرب الفريسيين قائلاً: ’لماذا تُفكِّرون بالشر في قلوبكم؟‘ (مت 9: 4). ولمَّا كلَّف النبي ليقول: ’اعزلوا شر أفعالكم مِن أمام عينيّ‘ (إش 1: 16)، ’إلى متى تبيت في وسطك أفكارك الباطلة؟!‘ (إر 4: 14)، ولمَّا كان لنوع أفكارنا اعتبار في يوم الدينونة إذ يُهدِّد الله بواسطة إشعياء قائلاً: ’وأنا أُجازِي أعمالهم وأفكارهم‘ (إش 66: 18)“.[10]

يدحض ق. يوحنا كاسيان تعليم أوغسطينوس المتأثر بالمانوية عن خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية، أو الخطية الطبيعية الموروثة من آدم بعد السقوط، حيث يرى أن في هذا القول ضلال لأنفسنا بأن الخطأ ليس منَّا، أي من إرادتنا الحرة، بل من طبيعتنا الخاطئة، ويرفض فكرة أن الضلال هو من الطبيعة البشرية كالتالي:

”إذ نلتهب بالتدرايب اليومية لا نرى أننا كسِبنا أية قوة أو ثبات قلبيّ فنُغلَب باليأس، ونضل بهذه الفكرة، وهي الاعتقاد بأن الخطأ ليس منا، بل من طبيعتنا، وأن الضلال هو من الطبيعة البشرية“.[11]

دحض التعليم بوراثة الخطية

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم بوراثة الخطية الأصلية مؤكدًا على أن الخطية هي فعل إراديّ، حيث تنحرف إرادتنا الحرة إلى الخطية، وليس بسبب خطية أصلية موروثة أو ذنب طبيعيّ موروث، بل يُشدِّد على أن الله أوجدنا مخلوقات عاقلة ومنحنا قوة حرية الإرادة كالتالي:

”إننا ليس فقط نسعى إليه شاكرين لأنه أوجدنا مخلوقات عاقلةً، ومنحنا قوة حرية الإرادة، وأنعم علينا ببركات نعمة المعمودية، ووهبنا المعرفة والناموس، بل وأيضًا لأجل كل ما يمنحنا إياه بحمايته اليومية، إذ يُنجِينا من دهاء أعدائنا، ويعمل معنا فينقذنا من خطايا الجسد، وبدون معرفتنا لها يُعطِينا درع حمايته لنا من المخاطر، ويحمينا من السقوط في الخطية، ويُساعِدنا ويُنيرنا. بهذا نستطيع أن نفهم ونتعرف على مساعدته اليومية التي يُعطِينا إياها (والتي بعضٌ منها معروف بواسطة الناموس)، وأيضًا خلال سلطانه السريّ ننعم بتأنيب ضميرنا لارتكابنا الخطايا والإهمال. إنه يفتقدنا باهتمامه بنا وتأديبنا من أجل سلامة نفوسنا حتى أننا أحيانًا بغير إرادتنا نجد أنفسنا مرارًا مُنجذِبين بواسطته نحو خلاصنا. أخيرًا، فإن إرادتنا الحرة هذه التي تنحرف إلى الخطية كثيرًا ما تتحوَّل بواسطته إلى غرضٍ نبيلٍ، وبواسطة تأهبه واقتراحه، يجعلنا نميل في اتجاه طريق الفضيلة“.[12]

ماهية ناموس الخطية العنيف

يروي ق. يوحنا كاسيان مقارنة الأب ثيوناس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، بين المأسورين بناموس الله والمأسورين بناموس الخطية العنيف الذي جلبه سقوط الأب الأول على البشرية كالتالي:

ثيوناس: إنهم بالحقيقة يسرون بناموس الله بحسب الإنسان الباطن الذي يسمو فوق كل المنظورات، ويسعون على الدوام ليكونوا مُتَّحِدين بالله وحده، لكنهم يرون ناموسًا آخر في أعضائهم، أي منغرس في طبيعتهم البشرية، يحارب ناموس ذهنهم (رو 7: 22، 23)، أي يأسر أفكارهم إلى ناموس الخطية العنيف، ويُلزِمهم أن يتخلوا عن ذلك الصلاح الأعظم، ويرضخوا للأفكار الأرضية، التي وإنْ ظهرت هامةً ومفيدةً ونحتاج إليها في العبادة، إلا أنها تقف عائقًا عن التأمل في ذلك الصلاح الذي يسحر أنظار القديسين، فيرونها شريرةً ويحاولون تجنبُّها، لأنه خلالها إلى حد ما وإلى حين يُحرَمون من بهجة تلك السعادة الكاملة. لأن ناموس الخطية هو بحق ما جلبه سقوط الأب الأول على البشرية، إذ صار النطق بفم القاضي العادل: ’ملعونة الأرض بسببك [في أعمالك] شوكًا وحسكًا تُنبِت لك، بعرق وجهك تأكل خبزًا‘ (تك 3: 17-19)“.[13]

ويستطرد الأب ثيوناس شارحًا ماهية ناموس الخطية هذه المنغرس في أعضاء البشر جميعًا الذي يحارب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله، حيث يرى أنه بعد لعنة الأرض بأعمالنا وبعد معرفتنا للخير والشر، صارت تنبت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، وهنا لا يتحدَّث الأب ثيوناس عن خطية أصلية موروثة من الوالدين عن طريق التناسل الجنسيّ، بل عن أفكار شريرة تهاجم بذور الفضائل الطبيعية في ناموس أذهاننا وتخنقها، فالموضوع كله روحيّ، وليس عبارة عن خطية مادية موروثة عن طريق النفس المولودة وعن طريق العلل البذرية الجسدية المادية، كما كان ينادي أوغسطينوس وأتباعه من المنادين بوراثة الخطية الأصلية من أبوينا الأولين نفسًا وجسدًا، بل الموضوع كله روحيّ بحت يُشكِّل صراعًا داخل الإرادة البشرية الساقطة بين فعل الخير وفعل الشر، وليس خطية أصلية موروثة مُحرِّكة للإرادة مُقيِّدةً إياها بفعل الشر دائمًا، حتى لو أرادت فعل الصلاح كالتالي:

ثيوناس: إنني أقول إن هذا هو الناموس المنغرِس في أعضاء البشر جميعًا الذي يُحارِب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله. إذ بعدما لُعِنَت الأرض بأعمالنا بعد معرفتنا للخير والشر، صارت تُنبِت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، حتى أنه بغير عرق جبيننا لا نستطيع أن نأكل خبزنا ’النازل من السماء‘ (يو 6: 33)، والذي ’يسند قلب الإنسان‘ (مز 104: 15). لذلك، فإن البشر عامةً، بغير استثناء، خاضعون لهذا الناموس“.[14]

ويُوضِّح الأب ثيوناس ماهية ناموس الخطية في موضع آخر مشيرًا إلى انجذاب الطبيعة البشرية في بعض الأحيان من الأمور السماوية إلى الأمور الأرضية، وانحدار سمو الذهن إلى الاهتمام بالأمور التافهة، فهو مثل الأسر والسبي رغم المثابرة والاشتياق إلى خدمة ناموس الله، والعجز عن الفرار من سلطان هذا الأسر إلا بالتطلع الدائم إلى رحمة المخلِّص قائلاً:

ثيوناس: أخيرًا، فإن الرسول الطوباويّ يُعبِّر بوضوحٍ أنه قال هذا عن الناس المقدَّسين والكاملين ومَن على شاكلته، فيشير بإصبعه إلى نفسه ويتدرج في الحال: ’إذ أنا نفسي‘ […] مع أني أخدم ناموس الله بالذهن ومع ذلك أعترف بأنني بالجسد أخدم ناموس الخطية، بمعنى أن طبيعتي البشرية تجذبني أحيانًا من الأشياء السمائية إلى الأشياء الأرضية، وينحدر سمو ذهني إلى الاهتمام بأمورٍ تافهةٍ. وبناموس الخطية هذا أجد أنني في كل لحظة أُؤخذ هكذا مأسورًا رغم مثابرتي باشتياقٍ راسخٍ نحو ناموس الله، لكنني لا أستطيع بأية وسيلة أن أنجو من سلطان هذا الأسر ما لم أتطلع دائمًا إلى رحمة المخلِّص“.[15]

مفهوم الخطية الجدية

يشرح الأب ثيوناس مفهوم الخطية الجدية أو خطية آدم، حيث يرى أننا مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون ، حيث استعبد آدم البشرية لسلطان الحية، أي إبليس، وجعل كل ذريته تحت نير العبودية المستمر، بعدما استلم من الحية ثمن حريته مُستهِينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت كالتالي:

ثيوناس: لكن إذ نحن مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون. إنني اتساءل: ما هي تلك الخطية؟ ولمَّنْ؟ بلا شك هي خطية آدم الذي بسقوطه أو بتدبيره التالف وتعاقده المملوء خداعًا صِرنا مُباعين. فعندما قاده إغراء الحية إلى الضلال، جاء بجميع ذريته تحت نير العبودية المستمر. فبالأكل من الشجرة الممنوعة استلم من الحية ثمن حريته مُستهينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت. وليس بغير سبب صار كل نسله عبيدًا في خدمة ذاك الذي صار عبدًا له. لأنه هل يمكن لزوجين عبدين إلا أن يُنتِجا مَنْ هم عبيد؟ لكن هل هذا المشتري المخادِع قد سلب حق الملكية من المالك الشرعيّ الحقيقيّ؟ كلا، لأنه لم ينل حق ملكية الله. لكن الخالق إذ منح جميع الخليقة العاقلة إرادة حرة، لا يُعيد لهم حريتهم الطبيعية قهرًا، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم بخطية الشهوة الشرهة. لأن مصدر العقل والتقوب يُمقِت كل ما هو مُخالِف للصلاح والعدل، فلا يقبل أن يسلب الإنسان حريته حتى لا يخطئ في حقه. لكن الله حافظ على خلاص الإنسان ناظرًا إلى المستقبل، إلى ملء الزمان المعيَّن، وبعدلٍ ترك ذرية آدم تبقى وقتًا طويلاً تذوق مرارة العبودية إلى أن يشتريهم بدمه، وتعتقهم مراحم الله من القيود الأصلية، ويُطلِق سراحهم إلى الحرية الأولى“.[16]

ويستطرد الأب ثيوناس ليشرح مفهوم الخطية الجدية، فيرى أن لعنة الله الأصلية جعلت من البشر جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا آدم بذلك التعاقُّد التعيس حتى صرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صرنا ننقطع في بعض الأحيان عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها، وبالتالي، نُدرِك أنه لا يسكن في أجسادنا شيء صالح، بمعنى عدم سُكنى السلام الأبديّ الدائم لهذا التأمل الإلهيّ فيها كالتالي:

ثيوناس: إذًا، لعنة الله الأصلية جعلتنا جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا بذلك التعاقُّدالتعيس حتى صِرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صِرنا ننقطع أحيانًا عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها. لهذا نحن نعلم أنه ليس ساكنًا في أجسادنا شيء صالح (رو 7: 18)، أي ليس ساكنًا فيها السلام الأبديّ الدائم الذي لهذا التأمل المذكور“.[17]

ويشرح الأب ثيوناس أيضًا ماهية الخطية الجدية، حيث يرى حدوث الطلاق البائس والتعيس، بحيث أننا عندما نريد بالذهن أن نخدم ناموس الله، وإذ لا نريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص آدم المذنِب الأول ليس بغير سبب، وبالرغم من التقيُّد بقيود الخطية، ولكننا لا نُدان بسبب نعمة المسيح المحرِّرة للجميع من ناموس الخطية والموت كالتالي:

ثيوناس: لقد حدث في قضيتنا ذلك الطلاق البائس التعيس، حتى أننا عندما نُريد بالذهن أن نخدم ناموس الله إذ لا نُريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص المذنِب الأول ليس بدون سبب. ومع أن الرسول المبارك يُعلِن جهرًا بأنه وجميع القديسين مُقيَّدين بقيود هذه الخطية، لكنه يُؤكِّد بجراءةٍ أنه لا يُدان أحد بسبب هذا قائلاً: ’إذًا، لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع […] لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 1، 2)، بمعنى أن نعمة السيد المسيح تُحرِّر جميع القديسين يومًا فيومًا من ناموس الخطية والموت، هذا الذي يخضعون إليه قسرًا بالرغم من توسلهم الدائم إلى أن يصفح عن تعدياتهم“.[18]

ويرفض الأب ثيوناس رأي جرمانيوس، صديق ق. يوحنا كاسيان، الذي يقول بأن ناموس الخطية بسبب سيطرة عادات الخطاة القديمة عليهم، قد صار ناموسًا طبيعيًا يسيطر بعنفٍ في أعضائهم، فيسقطون في شهوة انفعالاتهم القديمة المتأصلة، فتصير العادة أو تكرار الخطية بمثابة ناموس طبيعيّ مغروس في أعضاء الإنسان الضعيفة تقود مشاعر النفس التي لم تتهذب بعد بمطالب الفضيلة، أي أنهم في نقاوة غير مُهذَّبة، بل هم أسرى الخطية، فلا ينالون صلاح الطهارة التي يحبونها، بل يُجبرون على فعل الشر الذي يكرهونه. فيرى الأب ثيوناس أنه لم يُدرِك الأمر تمامًا، ويبدأ في شرح تعبيرات ”ناموس الخطية“ و ”جسد الموت“، فيُوضِّح أن جسد الخطية، أو جسد الموت، أو ناموس الخطية والموت –حيث يستخدم هذه التعبيرات بالتبادل مع بعضها البعض دون تمييز- هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية وبهذا يحرم الإنسان من السعادة الحقيقية كالتالي:

ثيوناس: رأيكم هذا يعني عدم إدراك الأمر تمامًا […] فما يقوله الرسول ينطبق على حال القديسين الذين يومًا فيومًا يسقطون تحت هذا الناموس [أي ناموس الخطية]، ليس ناموس الجرائم ولا التورط في أعمال شريرة، لكن كما سبق أن كرَّرت كثيرًا هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية (الهامة)، وبهذا يُحرَمون من بركة السعادة الحقيقية. مهما يكن مِن قلق الرسول مِن جهة ناموس الخطية الذي يُولِّد أشواك الأفكار والاهتمامات الجسدية وحسكها الناشئة في أعماق صدر الرسول، إلا أنه في الحال يختطفه ناموس النعمة فيقول: ’لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 2). إذًا، هذا هو ’جسد الموت‘ الذي لا يستطيع أن نهرب منه، الذي أسرَّ فيه الكاملون الذين ذاقوا: ’ما أطيب الرب‘ (مز 34: 8)، يشعرون يوميًا مع النبي ’كيف هو شرٌ ومرٌ للإنسان الذي ينفصل عن الرب إلهه‘ (إر 2: 19). هذا هو ’جسد الموت‘ الذي يحجزنا عن الرؤية السماوية، يجذبنا إلى الخلف للأشياء الأرضية، الذي يُسبِّب للناس أثناء ترتيلهم بالمزامير وركوعهم للصلاة أن تمتلئ أفكارهم بالمناظر البشرية، أو يتذكرون محادثات أو أعمال ضرورية تافهة. هذا هو ’جسد الموت‘ الذي ينظر إليه أولئك الذين يبارون قداسة الملائكة ويشتاقون إلى الاتصال بالله على الدوام، ومع ذلك يعجزون عن الوصول إلى كمال هذا الصلاح، لأن ’جسد الموت‘ يقف في طريقهم، فيفعلون الشر الذي لا يريدونه، أي ينجذبون إلى أسفل بأذهانهم حتى إلى الأشياء التي ليست لها صلة بتقدُّمهم وكمالهم في الفضيلة“.[19]

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج

يدحض ق. يوحنا كاسيان فكرة سبق التعيين المزدوج والقدرية، التي طالما شدَّد عليها أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب في مواجهته للهرطقة البيلاجية، حيث يُوضِّح كاسيان، في محاورة دارت بين صديقه جرمانيوس والأب بفنوتيوس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، أهمية حرية الإرادة والسينرجيا بين النعمة والجهاد قائلاً:

جرمانيوس: إذًا، أين هي حرية الإرادة؟ وكيف يمكن أن نكون مستحقينن للكرازة كثمرة للجهاد ما دام الله هو الذي يبتدئ، وهو الذي يختم كل شيء فينا بخصوص خلاصنا؟ بفنوتيوس: نحن نعرف أن الله يخلق لنا فرصًا للخلاص بشتى الطرق، لكن يمكننا أن نستخدم هذه الفرص باجتهادٍ أعظم أو أقل. فالله يُقدِّم فرصةً كقوله: ’اِذهب من أرضك‘، لكن الطاعة من اختصاص إبراهيم الذي أطاع وذهب منها. ففي القول: ’اِذهب إلى الأرض‘ تحمل معنى العمل، عمل ذاك الذي أطاع، وفي القول: ’التي أريك‘ تحمل نعمة الله الذي أوصاه أو وعده. مِن المفيد لنا أن نتأكَّد أنه بالرغم من أننا نُجاهِد في كل الفضائل جهادًا غير باطل، لكننا لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرَّد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية، ما لم يصن جهاده بالتعاون [سينرچيا] مع الله، وتوجيهات الله لقلبه نحو الحق […] هكذا نحن لا نهلك إذًا لضعف حرية إرادتنا، لأن الله يُعضِّدنا ويعيننا باسطًا يديه لنا. فبالقول: ’إذَا قُلت قد زُلّت قدمي‘، يقصد زُلّت إرادتي، وبالقول: ’فرحمتك يارب تُعضِّدني‘ (مز 94: 18)، يُظهِر عون الله لضعفنا، مُعترِفًا أنه ليس بمجهودنا الذاتيّ، بل برحمة الله لنا لا تزل أقدام إيماننا […] وأيضًا ’لولا أن الرب مُعيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت‘ (مز 94: 17). يُعلِن هنا أنه بسبب ضعف إرادتنا الحرة نسكن في الجحيم [أرض السكوت]، لو لم يُنقِذنا عون الله وحمايته“.[20]

ويدحض الأب شيريمون، أحد آباء الرهبنة المصرية آنذاك، التعليم بسبق التعيين المزدوج للخلاص أو الهلاك، كما علَّم به أوغسطينوس في سياق مواجهته للهرطقة البيلاجية، مؤكدًا على أن الله لم يخلق الإنسان بدون إرادة، بل خلقه بإرادة حرة، كما يدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، بمعنى أن الإنسان يفعل الشر تلقائيًا، وحتى لو أراد فعل الخير فإنه عاجز تمامًا عن فعل الخير، وحتى لو أراد أن يفعل الصلاح، فإنه يفعل الشر رغمًا عنه بسبب عجزه التام عن فعل الخير والصلاح كالتالي:

شيريمون: […] لا يجدر بنا أن نتطلع إلى الله أنه خلق الإنسان بلا إرادة، أو أنه عاجز عن الصلاح، فلو كان قد سمح له بالإرادة الشريرة والقدرة على الشر دون الخير يكون بذلك قد حرمه من الإرادة الحرة، وعندئذٍ ماذا تعني العبارة التي نطق بها الرب مُباشرةً بعد سقوطه: ’هوذا الإنسان قد صار كواحد منَّا عارفًا الخير والشر‘ (تك 3: 22)؟ لأننا لا نقدر أن نظن أنه كان قبلاً جاهلاً للخير تمامًا، وإلا بهذا يكون الإنسان مخلوقًا غير عاقل كالحيوانات العجماوات، وهذا القول غريب تمامًا عن الكنيسة الجامعة“.[21]

ويدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بسبق التعيين والاختيار المزدوج للخلاص والهلاك منذ الأزل، حيث يؤكد أوغسطينوس على أن هناك نوعان من البشر أحدهما مُعيَّن منذ الأزل مِن قِبل الله للخلاص الأبديّ، والنوع الآخر مُعيَّن للهلاك الأبديّ قائلاً:

شيريمون: هكذا فإن مثل هذه الأمور تتشابك معًا بلا تمييز […] حتى أن كثيرين ينشغلون بمثل هذه الاستفسارات الصعبة: هل الله يُظهِر حنوه لنا لأننا نُظهِر بداية إرادتنا الصالحة، أم أن الإرادة الصالحة تبدأ لأن الله يحنو علينا؟ يعتقد كثيرون بأحد هذين الرأيين ويُؤكِّدونه أكثر مما يجب فيسقطون في أخطاء مضادة. فإن قُلنا أن بداية الإرادة الصالحة هي في سلطاننا، فماذا نقول عن بولس المضطهِد؟ وماذا نقول عن متى العشار؟! إذ سُحِبَ أحدهما إلى الخلاص وهو توَّاق إلى سفك الدم ومعاقبة البريء، وسُحِبَ الآخر وهو مُحِب للعنف والنهب، وإنْ قُلنا أن بداية إرادتنا تأتي دائمًا كنتيجة لوحي النعمة الإلهية، فماذا نقول عن إيمان زكا، وصلاح اللص الذي على الصليب، هذين اللذين بإرادتهما اغتصبا ملكوت السموات، ونالا قيادة خاصة بالدعوة؟ حقًا يبدو أن هاتين الاثنتين: أي نعمة الله وحرية الإرادة معارضتين لبعضهما البعض، لكن في الحقيقة هما متفقتان معًا، ونحن نستنتج من نظام الصلاح إنه يُلزِمنا أن تكون لنا الاثنتين معًا متشابهتين، فإنْ نزعنا أحدهما نكون قد كسرنا نظام قانون الكنيسة. فعندما يُشاهِدنا الله مائلين نحو الخير، يلتقي بنا ويقودنا ويُقوينا […] إذ يقول: ’يتراءف عليك عند صوت صراخك، حينما يسمع يستجيب لك‘ (إش 30: 19)، ’ وادعني في اليوم الضيق أُنقِذك فتُمجِّدني‘ (مز 50: 15). وإذَا وجدنا غير راغبين في الخير، أو أننا ننمو في البرود [الروحيّ]، يُثير قلوبنا بنصائحٍ مفيدةٍ لكي ما تتجدَّد فينا الإرادة الصالحة أو تتكوَّن فينا“.[22]

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية

يدحض الأب شيريمون أيضًا تعليم أوغسطينوس بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأن إرادة الإنسان بعد السقوط صارت مقيَّدة بفعل الشر تلقائيًا، لدرجة أنها خالية تمامًا من أي بر أو صلاح يُذكَر، بل حتى لو حاولت فعل الخير، فإنها تفعل الشر تلقائيًا، ويُؤكِّد الأب شيريمون على أن آدم قد صار بعد السقوط عارفًا الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه قبلاً كالتالي:

شيريمون: علاوة على هذا، فإن سليمان الحكيم يقول: ’الله صنع الإنسان مُستقيمًا‘ (جا 7: 29). بمعنى أنه على الدوام يتمتع بمعرفة الخير وحده، ’أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). إذ صارت لهم معرفة الخير والشر كما كان من قبل. لقد صار لآدم بعد السقوط معرفة الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه. أخيرًا، تكشف كلمات الرسول بوضوحٍ أن البشرية لم تفقد معرفة الخير بعد سقوط آدم، إذ يقول: ’لأنه الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم ناموس، هم ناموس لأنفسهم، الذين يُظهِرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكيةً أو محتجةً، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس‘ (رو 2: 14-16). بنفس المعنى ينتهر الرب على لسان النبي غير الطبيعيين، الذين اختاروا بإرادتهم عمى اليهود، وخلال عنادهم جلبوا ذلك على أنفسهم ’أيها الصم اسمعوا، أيها العمي انظروا لتبصروا، مَت هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسِله؟!‘ (إش 42: 18، 19). وحتى لا ينسبوا عماهم إلى الطبيعة وليس إلي إرادتهم، يقول: ’أخرج الشعب الأعمى وله عيون والأصم وله آذان‘ (إش 43: 8)، وأيضًا ’الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون‘ (إر 5: 21)، ويقول الرب نفسه في الإنجيل: ’لأنهم مبصرون ولا يبصرون، وسامعون ولا يسمعون ولا يفهمون‘ (مت 13: 13) […] أخيرًا، لكي تُدرِك أن إمكانية الصلاح كانت موجودة فيهم، يُوبِّخ الفريسيين قائلاً: ’ولماذا لا تحكمون بالحق مِن قِبل نفوسكم؟‘ (لو 12: 57). وهذا ما كان يقول الرب ذلك لو لم يعلم أنهم بحكمهم الطبيعيّ قادرون على تمييز ما هو صالح“.[23]

ويُؤكِّد الأب شيريمون أيضًا على أننا بعد السقوط لم نُحرَم من التفكير والتصوُّر للأفكار الصالحة بشكلٍ طبيعيّ، فلا يوجد شك بأن هناك بعض بذور الصلاح بالطبيعة فينا، أوجدها حنو الخالق في كل نفس، ولكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وبالتالي، يدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي مثله مثل جميع آباء الشرق في عصره بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية مع بقاء بذور الصلاح فينا بالطبيعة كالتالي:

شيريمون: […] هكذا يمكننا أن نتكلَّم بخصوص أفكارنا اليومية، فإنه لم يُوهَب لداود وحده أن يُفكِّر فيما هو صالح، إذ لا نُحرَم نحن طبيعيًا أن نُفكِّر ونتصوّر أمورًا صالحةً. إذ لا نشك أنه بالطبيعة توجد فينا بعض بذور الصلاح، أوجدها حنو الخالق في كل نفس. لكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وكما يقول الرسول الطوباويّ: ’إذ ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله الذي يُنمِي‘ (1كو 3: 7)“.[24]

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر

يُشدِّد الأب شيريمون على بقاء حرية الإرادة على الدوام في الإنسان قبل أو بعد السقوط، فلا يمكن إهمالها أو المغالاة فيها، كما فعل أوغسطينوس أسقف هيبو وأتباعه، حيث نادوا بالإرادة المقيَّدة بفعل الشر والعاجزة تمامًا عن فعل الخير، لدرجة أنهم قالوا إن الإرادة خالية ومجرَّدة تمامًا من كل خير، كما يشير إلى سينرجيا أو تآزر النعمة مع الإرادة الإنسانية كالتالي:

شيريمون: تبقى حرية الإرادة على الدوام في الإنسان، لا نُهمِلها ولا نُغالِي فيها […] لأنه ما كان للرسول أن يُوصِي قائلاً: ’تمَّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ‘، لو لم يعلم أنه يمكن للإنسان أن يتقدم في الخلاص أو يُهمِله. لكن لا يتصوّر البشر أنهم غير محتاجين للعون الإلهيّ في عمل الخلاص، إذ يُكمِل: ’لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته‘ (في 2: 13). وأيضًا ’لا تُهمِل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدي المشيخة‘ (1تي 4: 14)، ’أُذكِّرك أن تضرم أيضًا موهبة الله التي فيك بوضع يدي‘ (2تي 1: 6). لهذا فإنه في كتابته إلى أهل كورنثوس ينصحهم ويُحذِّرهم لئلا بعدم إثمارهم يظهروا غير مستحقين لنعمة الله، قائلاً: ’نطلب ألا تقبلوا نعمة الله باطلاً‘ (2كو 6: 1). لأن قبول النعمة المخلِّصة لم يُفقِد سيمون شيئًا لأنه قَبِلَها باطلاً، إذ لم يُطع وصية بطرس المبارك الذي قال له: ’فتب مِن شرك هذا واطلب إلى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك، لأني أراك في مرارة المر ورباط الظلم‘ (أع 8: 22، 23). فالنعمة تتقدم إرادة الإنسان، إذ قيل: ’إلهي رحمته تتقدمني‘ (مز 59: 10). وأيضًا يتأخر الله لأجل صالحنا حتى يختبر رغباتنا، عندئذٍ إرادتنا هي التي تتقدم، إذ قيل: ’في الغداة [الصباح] صلاتي تتقدمك‘ (مز 88: 13)“.[25]

ويدحض الأب ثيوناس أيضًا التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، حيث يرى أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها، وليس خطية أصلية موروثة كائنة في الطبيعة البشرية، كما كان يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه، فلا يوجد إكراه أو جبرية عند الخطاة على فعل الشر، بل هم يحبونه فعلاً ويمارسونه عن طيب خاطر. كما يُوضِّح أن الخطية هي فعل إراديّ محض، وليس فعل موروث تتوارثه الأجيال من آدم وحواء عن طريق التناسل والتزاوج الجنسيّ الدنس، كما يُنادِي أوغسطينوس وأتباعه كالتالي:

ثيوناس: […] لأنه كيف يمكن أن ينطبق على الخطاة هذا القول: ’لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فأياه أفعل‘؟ أو ’فإنْ كُنتُ ما لست أُرِيده فأياه أفعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ‘؟! لأنه أيّ خاطئ يُدنِّس نفسه كُرهًا بالفجور والزنا؟! مَنْ منهم بغير إرادته يصنع مكائد ضد قريبه؟! مَنْ منهم تُلزِمه الضرورة أن يظلم إنسانًا شاهدًا عليه بالزور، أو يغشه بسرقةٍ، أو يطمع في ممتلكات آخر، أو يسفك دمه؟! كلا! بل يقول الكتاب المقدَّس: ’تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21). لأنه إلى هذه الدرجة يلتهب قلبهم بحب الخطية والشهوة راغبين في تنفيذ ما يحبونه، مُترقِبين باهتمامٍ شديدٍ أن يتمتعوا بشهواتهم ’ومجدهم في خزيهم‘ (في 3: 19). وكما يُؤكِّد إرميا النبي أنهم يرتكبون آثامهم الخبيثة لا بإرادتهم أو بانشراح قلب فحسب، بل ويبذلون جهودًا شاقةً محتملين أتعابًا في تنفيذها […] إذ يقول: ’تعبوا في الافتراء‘ (إر 9: 5). أيضًا مَن يقول أن هذه العبارة: ’بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ تنطبق على حالة الخطاة الذين لا يخدمون الله لا بالذهن ولا بالجسد؟ إذ كيف يستطيع الذين يخطئون بالجسد أن يخدموا الله بالذهن إنْ كان الجسد يقبل إغراء الخطية من القلب، إذ يُعلِن خالق الاثنين [الذهن والجسد] أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها قائلاً: ’لأن مِن القلب تخرج أفكار شريرة قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف‘ (مت 15: 19)؟! على أيّ الأحوال يظهر بوضوحٍ أن هذه العبارات لا يمكن أن تنطبق على الخطاة الذين لا يكرهون الشر فقط، بل ويحبونه فعلاً، وهم بعيدون جدًا عن خدمة الله بالذهن أو الجسد، حتى أنهم يخطئون بالذهن قبل أن يخطئوا بالجسد، وقبل أن يُتمِّموا ملذات الجسد تقهرهم الخطية في ذهنهم وأفكارهم“.[26]

سينرجيا النعمة والأعمال

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان مرةً أخرى على المبدأ الأرثوذكسيّ بتأزر النعمة والأعمال معًا من أجل تحقيق الخلاص، على العكس من أوغسطينوس الذي ركَّز على عمل النعمة الإلهية والمشيئة الإلهية أكثر من أهمية الأعمال وحرية الإرادة البشرية في التعاون والتآزر مع النعمة والمشيئة الإلهية قائلاً:

بفنوتيوس: […] ما أقوله هذا لا يعني أننا نستهين بغيرتنا وجهودنا ونشاطنا كأنها غير ضرورية، أو نستخدم الحماقة، بل ينبغي علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهِد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أيّ نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى، ما لم تُوهَب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية […] فكم غباوة وشر أن ننسب الأعمال الصالحة إلى جهادنا الذاتيّ وليس إلى نعمة الله وعنايته، وهذا ما وَضِّح بجلاءٍ في قول الرب حيث أعلن بأنه لا يقدر أحد أن يُظهِر ثمار الروح بدون وحيه وعونه. لأن ’كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار‘ (يع 1: 17)“.[27]

ويشير ق. يوحنا كاسيان إلى ضرورة التعاون والتآزر بين النعمة والأعمال، وأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية، بل تعمل في تناغم وانسجام مع النعمة الإلهية كالتالي:

بفنوتيوس: […] تنفيذ الأعمال الصالحة هو هبة من الله في نفس الطريق […] ومع ذلك فنحن نستحق الجعالة [المكافأة] أو العقاب، لأنه يمكننا أن نجتهد أو نُهمِل في تفاعلنا مع عمل الله وترتيب العناية الإلهية الموضوعة من أجلنا باهتمامٍ عظيمٍ. […] لقد أعلن الكتاب بأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية وهي أن يأتي بهم إلى أرض الميعاد […] لكن في مقدورهم أن يُخالِفوا ذلك. من هذا نستطيع أن نرى بوضوحٍ ما ننسبه لإرادتنا الحرة، وما ننسبه لمواعيد وعلامات العناية الإلهية الدائمة. ففرص الخلاص والتدابير الناجحة والنصرة تخص النعمة الإلهية، ونحن علينا إمَّا أن نُطيع بشغفٍ أو نُهمِل البركات الممنوحة لنا مِن قِبل الله“.[28]

ويُشدِّد ق. يوحنا كاسيان على مبدأ السينرجيا بين عمل النعمة والأعمال البشرية الصالحة والجهاد البشريّ، مُوضِّحًا أنه عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، فإننا نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُساعِد المجاهدين والمكافحين، فليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ بدون معونة الله كالتالي:

ليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ حتى يمكننا أن نحصل على فضيلة النقاوة العظيمة (الموجودة فطريًا في الملائكة كسكان السماء، لا بواسطة المجهود البشريّ وحده بدون معونة الله) لأن إتمام كل شيء حسن يفيض من نعمته. مَنْ منَّا بكثرة فضله يُخوِّل مثل هذه البركة الأخيرة وهذا المجد العظيم بإرادتنا الضعيفة وسبيل حياتنا القصيرة الزهيدة؟! […] عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُخوِّل هؤلاء الذين يجاهدون ويكافحون استعمال تعبير الرسول لهم ’نريد ونسعى‘ […] لكن السؤال والطلب والقرع من جانبنا لا يكفي ما لم تُعطنا رحمة الله ما ينبغي أن نسأله، وتفتح الباب الذي نقرعه، وتُؤهِّلنا أن نأخذ ما نطلبه. مِن جانبه يمنح كل الأشياء فقط إذَا أُعطِيَت له الفرصة برغبتنا الخاصة، لأنه يرغب ويبحث عن كمالنا وخلاصنا أكثر وأبعد مما نُريد نحن أنفسنا“.[29]

ويشير الأب شيريمون أيضًا إلى تعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا البشرية من أجل نفعها، وتساعدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، حيث تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، فلا تبدو أنها تهب عطاياها للإنسان الخامل المتراخي كالتالي:

شيريمون: […] هكذا تتعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا لأجل نفعها، وتُساعِدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، وذلك بطريقة يظهر فيها أنها تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، حتى لا تبدو أنها تهب عطايا للإنسان الخامل المتراخي. وهي تبحث عن فرص لكي تكشف للإنسان الخامل أنه باستكانته يفقد جود النعمة. مع هذا تُحسَب النعمة مجانيةً، لأنه من أجل جهادٍ تافهٍ تُمنَح بغنى أمجاد الخلود التي لا تُقدَّر وبركات الأبدية“.[30]

عدم سماح الله بالشر

ينفي ق. يوحنا كاسيان من خلال مناظرة الأب ثيؤدور [تادرس] فكرة سماح الله بالشر وفرضه على أحد القديسين سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق آخرين، حيث يدحض بذلك فكرة أوعسطينوس عن استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للشر كالتالي:

ثيؤدور: […] الاحتفاظ بهذا التمييز الواضح الثابت وتلك المعرفة، بأنه ليس خيرًا إلا الفضيلة وحدها، ولا يُحسَب شيء شريرًا سوى الخطية وحدها والانفصال عن الله، هذا يجعلنا نُدرِك بكل حرص: هل الله يسمح للشر أن يُفرَض على قديسيه مُباشرةً، أو عن طريق آخرين؟ بالتأكيد لا يمكن أن يحدث هذا. إذ لا يفرض أحد شر الخطية على آخر قهرًا. إنما يحدث هذا خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة. لقد استخدم الشيطان كل حيله الشريرة ضد أيوب الطوباويّ مُحاوِلاً أن يفرض عليه شر الخطية، فلم يقطع عنه فقط الاحتياجات الزمنية، بل وحاول أن يُرعِبه بكل مصائب الحرمان التي لم تكن متوقعة، كموت أولاده السبعة، وإصابته بقروحٍ مميتةٍ، وعذابات لا تُطاق من رأسه حتى أخمص قدميه، لكن أيوب بقي في هذا كله ثابتًا غير مُجدِّف“.[31]

مفهوم العقوبة الإلهية

ينفي ق. يوحنا كاسيان عن الله أن يكون هو علة الشرور التي تحدث في البشرية، بل يرى أنه حينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، فإنه يتكلَّم معهم بحسب لغتهم ومشاعرهم البشرية، ويوضح أن هناك أمور ليست صالحة ولا شريرة في ذاتها، بل هي صالحة من ناحية، وشريرة من ناحية أخرى كالتالي:

جرمانيوس: كثيرًا ما نقرأ في الكتاب المقدَّس أن الله خلق الشر وجلبه على البشر، كما جاء في هذه العبارة: ’ليس غيري. أنا الرب وليس آخر. مصوِّر النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر‘ (إش 45: 6، 7). وأيضًا: ’هل تحدث بلية في مدينةٍ والرب لم يصنعها؟‘ (عا 3: 6). ثيؤدور: اعتاد الكتاب المقدَّس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصليّ. فيستخدم كلمة ’الشرور‘ عن ’الأحزان والضيقات‘، ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَنْ تحلّ بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يَعتبرونها شرًا. فحينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، يتكلَّم معهم حسب مشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كيّ الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس والسوط يكون مُفيدًا للحصان الجامح. ويُعتبر التأديب مرًا بالنسبة للمودِّبين، إذ يقول الرسول: ’ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأمَّا أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ للسلام‘ (عب 12: 11)، ’الذي يحبه الرب يُؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله فأيّ ابنٍ لا يُؤدِّبه أبوه؟!‘ (عب 12: 6، 7). لذلك فقد أُعتيد أن تُقال كلمة ’شرور‘ عوض عن ’الحزن‘ […] أننا لا نستطيع أن نزعم بأن هذه الأمور شريرة في ذاتها، لأنها تعمل في كثيرين للخير، مُقدِّمةً لهم فرصًا للبركة الأبدية. وبذلك فنحن نعود إلى السؤال الذي وُجِّهَ إليَّ: فأقول بأن كل هذه الأشياء التي قد جلبها علينا أعداؤنا ويُظن أنها شر، لا يمكن اعتبارها شرًا، بل هي في حد ذاتها ليست شرًا ولا خيرًا. نقول في النهاية بأننا لا ننظر إلى هذه الأشياء حسبما يريد مَن صنعها أثناء ثورته وغضبه، إنما ننظر بالنسبة للذين يحتملونها. فإذَا ما لحِقَ قديس قتلاً، ينبغي علينا ألا نظن أنه قد لحِقَه شر، بل ما هو ليس بخيرٍ أو شرٍ، فيُعتبر شرًا بالنسبة للرجل الشرير، وراحةً وتحريرًا من الشرور بالنسبة للصالحين“.[32]

دحض التعليم بالنفس المولودة

لقد علَّم أوغسطينوس أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية بتعليم النفس المولودة من نفس آدم عن طريق العلاقة الجنسية بين الوالدين، وهكذا تُولَد النفس من الوالدين حاملةً لخطية آدم الأصلية ولكن يدحض الأب سيرنيوس هذا الاعتقاد الخاطئ، مُؤكِّدًا على أن الله يخلق نفسًا جديدةً لكل إنسان، وأن النفس لا تُولَد من العلاقة الجنسية بين الوالدين، ويشير إلى أن الجسد أو اللحم هو الذي يُولَد من الأبوين عن طريق التناسل، بينما الروح مخلوقة من الله أبي الأرواح وفاطرها كالتالي:

سيرنيوس: لأنه كما قُلنا منذ برهة قليلة، الروح لا تلد روحًا، تمامًا مثلما لا تقدر النفس أن تلد نفسًا، على الرغم من أننا لا نشك في أن مجموع اللحم [الجسد] يتكوّن من نسل الإنسان، حسبما يُميِّز الرسول بوضوحٍ بين كل مِن الجوهرين، أعني اللحم [الجسد] والروح، ما يُنسَب إلى كل منهما كفاطر له، ويقول: ’وقد كان لنا آباء أجساد مؤدبين، وكُنا نهابهم. أ فلا نخضع بالأولى جدًا لأبي الأرواح فنحيا‘ (عب 12: 9). فماذا يمكن أن يُظهِر بأكثر وضوح التمييز، عن أن يُقرِّر أن البشر هم آباءٌ لحمنا. ولكنه يُعلِّم دومًا أن الله وحده هو أبو النفوس [أي خالقها] وفاطرها. على الرغم من أنه حتى في هذا الجسد الفعليّ، فإن وظيفة الخدمة وحدها هي التي تُعزى إلى البشر، ولكن الجزء الرئيسيّ في تكوينه [أي النفس] إلى الله خالق الكل، كما يقول داود: ’يداك صنعتاني وأنشأتاني‘ (مز 119: 73). ويقول المبارك أيوب: ’ألم تصبني كالجبن. كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ‘ (أي 10: 10، 11). ويقول الرب لإرميا: ’قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك‘ (إر 1: 5). ولكن يجمع سفر الجامعة بوضوحٍ ودقة شديدة طبيعة كل جوهر وبداياته ويفحص النشوء والبدايات التي نشأ منها، ويتمعن في النهايات التي يصل إليها كل منهما، ويقر أيضًا التقسيم إلى جسدٍ ونفسٍ. ويقول ما يلي: ’فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها‘ (جا 12: 7). ماذا يمكن أن يُقال بأكثر وضوح من الإعلان بأن مادة اللحم التي شكَّلها هي تراب، لأنها تنبع من نسل البشر، وتبدو أنها زُرِعَت بواسطته. ولذلك بما أنها مأخوذة من الأرض، يجب أن ترجع ثانيةً إلى الأرض. بينما يُوضِّح أن الروح التي لم تُولَد بالمعاشرة الجنسية، ولكنها تنتمي إلى الله وحده بطريقةٍ خاصةٍ تعود إلى خالقها؟ وهذا أيضًا متضمن في نسمة الله تلك التي نال بها آدم الأول حياته“.[33]

ماهية الغضب الإلهي

بينما يُعلِّم أوغسطينوس، في سياق نظرته القانونية لتدبير الخلاص، بأن الغضب الإلهيّ هو غضب قضائيّ قانونيّ تنتقم فيه العدالة الإلهية من البشرية، ينادي كاسيان بأن الله لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر كالتالي:

شيريمون: […] أمَّا المحبة فتتعلق بالله، وبالذين نالوا في داخلهم أن يكونوا على صورة الله ومثاله. لأن الله وحده هو الذي لا يصنع الصلاح خوفًا ولا ابتغاءً كلمة شكر أو نوال جزاءً، إنما يصنع الصلاح ببساطةٍ من أجل محبة الصلاح. وذلك كقول سليمان: ’الرب صنع الكل لغرضه‘ (أم 16: 4). فبصلاحه يُغدِق بالخير على المستحقين وغير المستحقين، لأنه لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر“.[34]

غاية الله خلاص الكل

يُشدِّد الأب شيريمون -في محاورته مع جرمانيوس صديق القديس يوحنا كاسيان، الذي رافقه في محاوراته مع آباء البرية المصرية- على أن غاية الله من خلقة الإنسان هي ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، فالله صادق ولا يكذب في أقواله وعهوده، ولكن الذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، إذ أن نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وتريد أن تُخلِّص جميع الناس كالتالي:

شيريمون: […] لأن غاية الله من خلقته ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، وإذ يرى أن يشع فينا صلاحه ولو بشرارةٍ خفيفةٍ من الإرادة الصالحة، فإنه يُضرِمها كما لو كانت خارجةً من الحجر الصوان الصلد لقلوبنا. إنه يُثيرها ويتعهدها ويُقويها بنسمته، ’الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون‘ (1تي 2: 4). لأنه ’هكذا ليست مشيئة أبيكم الذي في السموات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار‘ (مت 18: 14). الله صادق ولا يكذب إذ يُقسِم قائلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب أني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا. ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة. فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل؟!‘ (حز 33: 11). إنه لا يريد أن يهلك أحد أصاغره، فكيف لا نكون مُجدِّفين إنْ كُنا نتصوَّر أنه لا يريد كل البشر أن يخلصوا بل بعضهم؟! فالذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، وهو يشهد ضد كل واحد منهم يومًا فيومًا قائلاً: ’ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة، فلماذا تموتون‘ (حز 33: 11). وأيضًا ’كم مرة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا‘ (مت 23: 37) […] إذًا، نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وإذ هي تريد أن ’جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون‘، تدعو الجميع دون استثناء قائلةً: ’تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيليّ الأحمال وأنا أُريحكم‘ (مت 11: 28) […] وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“[35]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من بحثنا السابق عدم وجود منظومة التعليم الأوغسطينيّ عن وراثة الخطية الأصلية وعن النعمة في تعليم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية، بل على العكس، نجد ق. يوحنا كاسيان وآباء الرهبنة المصرية في عصره يرفضون ويدحضون تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس. فلا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة ذنب آدم، ولا نجد التعليم بخطية الطبيعة الموروثة، ويرفض كاسيان عقيدة سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، وعقيدة الضمان الأبديّ وعدم هلاك المؤمن. ويدحض كاسيان أيضًا ومعه آباء البرية المصرية العظام التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة بالشر والعجز التام والشامل للإرادة البشرية عن فعل الخير بعد السقوط، ونرى أن مفاهيم الغضب الإلهيّ والعقوبة الإلهية القضائية مختلفة تمامًا في تعليم ق. يوحنا كاسيان عنه في تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو عن الغضب الإلهيّ القانونيّ لتحقيق العدالة الإلهية، وعن العقوبة الإلهية القانونية. لا نرى في تعليم ق. يوحنا كاسيان استخدام الله للشيطان والشر كأداة عقابية للبشر كما هو موجود في تعليم أوغسطينوس. لا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة الخطية الأصلية عن طريق النفس المولودة من العلاقة الجنسية بين الوالدين، كما علَّم أوغسطينوس بذلك في سياق تعليمه عن انتقال الخطية الأصلية من نفس آدم رأسًا إلى ذريته عن طريق توالد النفس من العلاقة الجنسية للأبوين. بل يرفض ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية فكرة النفس المولودة، ويَعتبرون أن ذلك التعليم هو هرطقة تجسيم اللاهوت، التي تجعل من صورة الله غير المادية في النفس الإنسانية شيئًا ماديًا يتناقل عن طريق التناسل والتزاوج بين الوالدين. كما لا نجد في مفهوم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية التعليم بانتقال الخطية الأصلية جسديًا عن طريق العلل البذرية الجسدية من آدم إلى ذريته عن طريق العلاقة الجنسية والشهوة الجنسية الشريرة، كما علَّم أوغسطينوس بذلك.

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية، على العكس من تعليم أوغسطينوس، ببقاء الإرادة الحرة في الإنسان بعد السقوط، وقدرة الإنسان على الاختيار بين الخير والشر، كما يُشدِّدون على المبدأ الأرثوذكسيّ بتآزر أو تعاون أو تناغم أو انسجام النعمة والجهاد البشريّ من أجل تحقيق الخلاص، ولم يُشدِّدوا، كما شدَّد أوغسطينوس، على ضرورة المبادرة من الله فقط، بل قالوا إن المبادرة تأتي من الاثنين في نفس الوقت بالتبادل، أي الله والإنسان، من أجل فعل الصلاح، فمن الممكن أن يُبادِر الله من أجل الإنسان، ومن الممكن أن يُبادِر الإنسان ويطلب معونة الله وقوته من أجل فعل الصلاح.

[1] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 7-10.

[2] Comm. in Matth. hom. 15: 1; PG 58: 471.

[3] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 52، 53.

[4] عبد المسيح اسطفانوس (قس)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، ص 277، 278.

[5] المرجع السابق، ص 279.

[6] المرجع السابق، ص 279.

[7] مايكل باركر (قس)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، ص 109، 110.

[8] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المؤسسات 7: 3، ص 462، 463.

[9] المرجع السابق، المؤسسات 7: 4، 5، ص 463، 464.

[10] المرجع السابق، المناظرة 7: 4، ص 169، 170.

[11] المرجع السابق، المناظرة 7: 3، ص 169.

[12] المرجع السابق، المؤسسات 12: 18، ص 555.

[13] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 397.

[14] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 398.

[15] المرجع السابق، المناظرة 23: 16، ص 402، 403.

[16] المرجع السابق، المناظرة 23: 12، ص 398.

[17] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399.

[18] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399، 400.

[19] المرجع السابق، المناظرة 23: 15، 16، ص 400-402.

[20] المرجع السابق، المناظرة 3: 11، 12، ص 124، 125.

[21] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260.

[22] المرجع السابق، المناظرة 13: 11، ص 259، 260.

[23] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260، 261.

[24] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[25] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[26] المرجع السابق، المناظرة 23: 1، ص 390.

[27] المرجع السابق، المناظرة 3: 15، 16، ص 126، 127.

[28] المرجع السابق، المناظرة 3: 19، ص 128، 129.

[29] المرجع السابق، المؤسسات 12: 11، 14، ص 550، 551.

[30] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 263.

[31] المرجع السابق، المناظرة 6: 4، ص 156.

[32] المرجع السابق، المناظرة 6: 5، ص 156، 157.

[33] يوحنا كاسيان (قديس)، المحاورات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة: موقع االكنوز القبطية، )، المحاورة 8: 25: 1، ص 425-427.

[34] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المناظرة 11: 6، ص 237.

[35] المرجع السابق، المناظرة 13: 7، ص 254، 255.

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – أكتوبر 2023م

 

الفهرست

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس… 1

الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري.. 1

الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة. 1

عدمية الشهوة الدنسة. 2

دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر… 2

دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني.. 4

دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط.. 4

دحض فكرة وراثة ذنب آدم. 5

تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“. 8

الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة. 10

دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة. 11

دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح.. 11

نحن نرث نتائج عصيان آدم. 12

الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس… 15

دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية. 16

الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث.. 17

اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. 18

عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان. 19

تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) 20

نفي وراثة خطية آدم. 21

مفهوم ناموس الخطية المتوحش… 24

ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية. 26

ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت.. 27

الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله…. 27

ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط.. 29

إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال. 29

وراثة حكم الموت في آدم. 30

النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية. 30

براءة الأطفال من الخطية الأصلية. 32

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) 35

سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء. 35

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو. 37

وراثة وزر عقاب خطية آدم. 37

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية. 37

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني.. 38

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط.. 42

نحن بشر مجبولون بالشر… 45

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر… 45

الشهوة الجنسية شرّ… 46

هلاك الأطفال غير المعمدين.. 47

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم. 49

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني.. 51

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية. 52

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة. 52

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر… 53

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط.. 54

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج.. 55

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية. 56

ماهية الخطية الأصلية. 56

الشرور الموروثة من آدم. 58

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان. 60

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي… 61

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) 62

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك.. 63

الخلاصة. 66

 

 

 

 

 

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس

سنقوم في هذا البحث بتسليط الضوء على الاختلافات الكبيرة والعميقة بين المفهوم الشرقيّ الأرثوذكسيّ للخطية الجدية، ممثلاً في ق. كيرلس الإسكندريّ، وبين المفهوم الغربيّ اللاتينيّ، ممثلاً في أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كان المحرِّك الرئيسيّ وراء مفاهيم مجامع قرطاچنة الثلاثة التي ناقشت الهرطقة البيلاجية، وقضت بحرمها. وبالتالي، نرى أن المفهوم الغربيّ مختلف تمامًا عن المفهوم الشرقيّ للخطية الجدية، وذلك بسبب تأثير كتابات أوغسطينوس أسقف هيبو على الغرب اللاتينيّ بقوةٍ، وهكذا سوف نرى في هذا البحث الاختلاف الشديد والعميق بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للخطية الجدية.

الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري

الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة

يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى ماهية الشر باعتباره اختيار خاطئ وقاتل للنفس.[1] وهكذا يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أن الشر هو عمل إرادي مرتبط بالإرادة الإنسانية في النفس، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال شيء موروث كما علَّم المانويون ومن بعدهم أوغسطينوس كالتالي:

”فكوننا لا نريد أن نُظهِر بأسًا شديدًا، أن نكون غير مهتمين بالابتعاد عن السيئات، وكون أن العقل لا يريد أن ينقطع عن الأشياء العتيقة، أو يبتعد بطريقةٍ ما عن كل دناءة، أو يتردد في فعل ما هو نافع، كل هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن الشخص يتوقف بإرادته في دائرة الشر، في الوقت الذي كان يجب عليه فيه أن يخرج مُسرِعًا“.[2]

عدمية الشهوة الدنسة

يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشهوة ليس لها وجود في حد ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه، داحضًا بذلك أية ادعاءات بوجود تعليم وراثة الخطية الأصلية في تعليمه اللاهوتي كالتالي:

فالشهوة مثلاً التي تنادينا وتجبرنا على فعل أي شيء، ليس لها وجود في ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه: لهذا فالخضوع الذي يسير إلى التأرجح نحو الإرادة عن واجب الخضوع لأي فرد آخر، لا يمكن أن يُدرَك في طبيعته ذاتها، بل يُعتبر بالحري شهوةً أو إرادةً أو رغبةً في أحد الأمور الموجودة بجانب اسم وحقيقة الخضوع الذي نتحدث عنه بشكلٍ مطلقٍ، فإنه لن يُفهَم أنه منسوب لأيٌ منها، ولن يعرف المرء إن كان الخضوع صالحًا أم رديئًا، إنْ لم يكن مضافًا لأولئك الذين يتم الخضوع لهم: فالإنسان خاضع لله، لكنه يخضع أيضًا للشيطان“.[3]

دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الإرادة الحرة في الإنسان العاقل هي التي تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس، داحضًا أي تعليم عن الإرادة المقيَّدة بالشر وسبق التعيين للخطية والهلاك الناتج بدوره عن التعليم بوراثة الخطية الأصلية، الذي ابتدأه أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، وانتشر بصورة كبيرة في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح البروتستانتي، خاصةً في الكالفينية كالتالي:

”ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان أن يصبح إنسانًا عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن مَن يكون إنسانًا يمكنه بإرادته الخاصة أن يكون صالحًا أو شريرًا، فالإرادة قادرة على أن تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس“.[4]

ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت من بعده بتعليم الإرادة المقيَّدة بالشر، مُؤكدًا على أن المشيئة تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وبمثابة جذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة كالتالي:

”كيرلس: مثل المشيئة، فمع أنها تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وكجذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة، والتي يمكن أن تصل إلى النقيض. لأن ما يجعلنا نفعل الخير ليس هو ما يجعلنا نفعل الشرّ، وأن ما يجعلنا نختار أن نكون حكماء، ليس هو ما يجعلنا أن نختار ما هو عكس ذلك“.[5]

وهكذا يختلف ق. كيرلس الإسكندريّ تمامًا مع الطرح الأوغسطينيّ، بل يعتقد ق. كيرلس الإسكندريّ بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا، بل ويؤكد ق. كيرلس على أن مرض الميل إلى الخطية أصاب الطبيعة البشرية بعد السقوط، وليس كأنَّ الخطية صارت جزءًا من طبيعة الإنسان كما يدَّعي البعض خطاءً وعن جهل. حيث يقول التالي:

لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِيَ للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضَّل أن يعمل ما ليس صالحًا. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا، حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مُفيدة وُجِدَ الموت الجسديّ الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[6]

دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم خطية الطبيعة، الذي أطلقه أوغسطينوس أثناء صراعه مع الهرطقة البيلاجية، وهو تعبير مانويّ في الأصل، ويرى أن الخطية قد صارت جزءًا من الطبيعة البشرية، وهذا الفكر هو فكر غنوسيّ مانويّ غير أرثوذكسيّ، يدحضه ق. كيرلس موضحًا أن إمكانية الإنسان أن يصير صالحًا أوشريرًا تتوقف على إرادته، وليس على طبيعته كالتالي:

”الإنسان لديه إمكانية أن يصير أبًا لأولاده بحسب طبيعته، وهو لا يصير أبًا بإرادته، مثلما يمكن أن يكون شريرًا أو صالحًا بإرادته. فالأول [إمكانية الولادة] توجد فيه بحسب طبيعته، بينما الثاني [أن يكون شريرًا أو صالحًا] فيعتمد على إرادته. في الحالة الثانية نتسيَّد، بينما في الحالة الأولى نخضع لناموس الطبيعة الذي لا يُخترَق“.[7]

دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وانعدام الخير فيها انعدام كليّ وتام قائلاً:

”كيرلس: إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد، وهذا يعني أننا معرضون للفساد والزوال مثل الأعشاب، بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال، وعدم تغير الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم، لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم.

إرميا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم، وذلك رغم سقوطنا، إلا أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا لم ننحرف كليةً عن طبيعتنا، ولم ننحدر إلى العدم الكليّ، رغم عدم اقتناءنا للفضيلة، فلقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة، وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعني أن الطبيعة البشرية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلق باختيار الإرادة في أن يتغير الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مُقدَّسة في القول والفعل.

كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا، فإن صفات الله تضيء في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر“.[8]

دحض فكرة وراثة ذنب آدم

يرفض ق. كيرلس الإسكندري رفضًا باتًا فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل من آدم إلى ذريته قائلاً:

”والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية الواحدة نفسها؛ التي رأسها آدم أبينا جميعًا وهو واحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابنًا كما لا تجعل ابن آدم أبًا لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى أن الأب يظل أبًا والابن يظل ابنًا. أما إذا كنتم تظنون أنكم تهيئون برهانًا ذكيًا، وتحاولون أن تفرضوا الاختلاط وانعدام التمايز على وحدة الجوهر، حتى لا يبقى كل أقنوم كما هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديَّان الكل من أن يعاقب الابن على ذنب أبيه. أو الأب على ذنب ابنه، مع أن النبي يقول: ’النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن‘ (حز 18: 20). ولكن الذي يقضي بالعدل لا يعاقب الأب على ذنوب ابنه، رغم أن الأب والابن من جوهر واحد. لأن الأب ليس ابنًا، والابن كذلك ليس أبًا، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الأبوة والبنوة، والله يعرف كلٌّ منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما أنه لا ينحدر أيضًا إلى مكانة الآخر“.[9]

ويرفض ق. كيرلس تعليم وراثة الذنب الأبويّ في موضع آخر، حيث لا يقول ق. كيرلس إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم كالتالي:

”لقد قال يجب أن يهلك أيضًا مع الأم التي زنت، الأولاد بدون رحمة. ولأي سبب؟ لأنهم أولاد زنا، ولكننا لا نقول بالتأكيد إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم، لأن ما قاله حزقيال هو ما سيحدث لنا: ’النفس التي تُخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الآب، والأب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون‘ (حز 18: 20). غير أنه يجب أن نعرف، أنه بما أن الأم التي زنت، أُخِذَت كمثال للمجمع، فإن الآتين منه لن يكونوا في حالٍ أقل منه. وعندما قيل إنهم أولاد زنا، فقد أظهر بوضوحٍ، أنهم صاروا مذنبين جراء ما اقترفوه من جرائم الزنا الذهنيّ، وإن عدم إيمانهم هذا بدأ من القماط ومن رحم أمهاتهم، وأنهم لم يلمسوا أعمال التقوى، ولم ينشغلوا أبدًا بالفضيلة، ولم يُقدِّروا الطريق الذي يُسَرُّ به الله“.[10]

وينفي ق. كيرلس وراثة الذنب الأبويّ في سياق تفسيره لمعجزة شفاء المولود أعمى، حيث يرى أن الإنسان لا يُولَد أعمى ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع له هو شخصيًا، أو إلى أبويه، مؤكدًا على أن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء كالتالي:

”فالإنسان لا يُولَد أعمى،ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع إليه هو، أو إلى أبويه. وإضافةً إلى ذلك، فإن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء“.[11]

ويدحض ق. كيرلس فكرة وراثة الذنب، وفكرة الوجود السابق للنفس قبل الجسد، ويرفض فكرة أن النفس خاطئة من قبل ولادتها، وهنا يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب خطية آدم، على العكس من أوغسطينوس، الذي يرى أن النفس تُولَد حاملةً للخطية الأصلية رأسًا من آدم أصل الجنس البشريّ، فالنفس عند ق. كيرلس ليست خاطئةً ولا وارثةً لخطية قبل ولادتها كالتالي:

”ولكن ليس من السهل أن ندرك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم، فنحن لا نؤمن أن النفس موجودة قبل الجسد، ولا يمكن أن نظن أنها أخطأت قبل الجسد، فكيف يمكن أن تخطئ وهي لم تكن قد وُلِدَت بعد؟ […] وهذا كأنه قد قال بأسلوب مختلف وأكثر بساطة إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب خطاياه الشخصية، أو بسبب خطايا والديه“.[12]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق أن نفس الإنسان ليست مذنبةً بخطايا قبل ولادتها بالجسد، كما يقول أوريجينوس والأوريجانيون، ويدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بوراثة النفس المولودة من الأبوين لخطية آدم الأصلية، لأنه نفس الأمر يسري عليه فهي ليست خاطئة بالولادة في جسد بشريّ قائلاً:

”وقد سبق أن أوضحنا أن الله لا يجلب خطايا الآباء على الأبناء ما لم يكونوا مشاركين لهم في شرهم، كما سبق أن أوضحنا أيضًا أن وجود الإنسان بجسدٍ ليس هو بسبب خطايا سبق أن أرتكبتها النفس قبل وجود الجسد. لأن المسيح بحديثه ضد هاتين الضلالتين أسقطهما بطريقةٍ عجيبةٍ، حيث إنه بلا شك هو يعرف كل شيء كإله، أو بالحري هو نفسه الحاكم الأعلى لكل أمورنا، وهو الذي يعيِّن تلك الأشياء التي تناسب كل إنسان، والتي يستحقها كل إنسان، لأنه بقوله إن الأعمى لم يخطئ ولا هو يعاني العمى لهذا السبب، فإنه يبين أنه من الحماقة الافتراض أن تكون نفس الإنسان مذنبةً بخطايا قبل ولادتها في الجسد، وأكثر من ذلك، فحينما يقول صراحةً إن أبويه لم يخطئا حتى يُولَد ابنهما أعمى، فهو يدحض شكوك اليهود السخيفة [بوراثة الذنب الأبويّ]“.[13]

تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“

يفسر ق. كيرلس عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“، بعيدًا عن أي تفسير ساذج بأن هذه العبارة تشير إلى وراثة الجنس البشري لخطية آدم الأصلية، حيث يرى أن جدنا آدم حاد بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، ولم يحفظ نعمة [نفخة] الروح القدس، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، فلا توجد أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى انتقال خطية آدم بالتناسل إلى ذريته، ولا أصبحت الخطية الأصلية جزء من تكوين الطبيعة البشرية، كما يدَّعي المانويون الجدد عن دون دراية، معتقدين جهلاً أن ق. كيرلس يعلِّم بـ ”خطية الطبيعة“، كما علَّم به أوغسطينوس في الغرب متأثرًا في ذلك بالمانوية التي كان أحد أتباعها ومريديها في يوم من الأيام كالتالي:

”لأنه إذ قد حاد آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، فلم يحفظ نعمة الروح [القدس]، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، لهذا لزِم أن الله الكلمة غير المتحوِّل أن يصير إنسانًا، حتى إذَا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام“.[14]

ويفسر ق. كيرلس أيضًا عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“ في موضع آخر، حيث يرى أن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وهكذا نقل انحراف الإنسان الأول خسران الصالحات إلى الطبيعة الإنسانية كلها، لأنه في آدم فسد الجنس البشريّ كله. ونؤكد أن البشر بأشخاصهم وإرادتهم الحرة لم يكونوا موجودين مع آدم وقت عصيانه، وهذا ما صرَّح به ق. كيرلس في الشذرات المتبقية من تفسيره لرسالة رومية، عندما فسر أننا صرنا ”خطأة في آدم“ رغم أننا لم نكن موجودين معه وقت خطيته وعصيانه، وها هو هنا يفسر أننا كنا موجودين في آدم كـ ”طبيعة بشرية“ عاجزة عن الثبات، فاقدةً لكل الخيرات المعطَى لها من الله، وهكذا صارت طبيعة ساقطة ومنحرفة، وليست وارثة لذنب خطية آدم، كما يفسر الغنوسيون والمانويون الجدد عن دون دراية وعن جهل بمفاهيم ومعاني عبارات ق. كيرلس. وقد جاء الجنس البشريّ من الوجود إلى العدم في آدم الأول، ولكنه فَسَدَ، عندما كسر الناموس الإلهيّ كالتالي:

”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وكان سقوطها سهلاً للغاية. فكما أنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال، أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، كي يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب الإلهية. […] لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشريّ إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فَسَدَ، لأنه كسر الناموس الإلهيّ، ففي آدم الثاني، المسيح، قد قام هذا الجنس مرةً أخرى إلى بداية ثانية، وأُعيد تشكيله مرةً أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد“.[15]

الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة

يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي غياب عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البدء، وهكذا أعاد المسيح ما غاب عن الطبيعة البشرية باتحاده بها في تجسُّده. فالطبيعة البرية كانت مأسورة للموت، واحتاجت للكلمة المحيي أن يلبس هذه الطبيعة البشرية المأسورة للموت لكي يتوقف الموت عنها كالتالي:

”إذًا، لأنه كان من المستحيل أن يبطُل الموت بالنسبة لطبيعة الإنسان، لأنه كان أسيرًا للموت، جالبًا تلك اللعنة القديمة [الفساد والموت]، فكان حتميًا أن يلبس الكلمة المحيي الطبيعة المأسورة للموت، أي طبيعتنا البشرية، لكي يتوقف الموت، الذي – كأحد الوحوش المفترسة – انقضَّ أيضًا على جسده، فأبطل سلطانه الطاغيّ علينا بكونه الله. إذًا، فهذا هو الذي كُمِّل جسديًا لأجلنا بكونه إنسانًا، أكملنا نحن بكونه الله بأن أبطل سلطان الموت. لأن عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البداية غاب عنها. لأنه يقول: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره؛ لأنه إنما خلق الجميع للبقاء. فمواليد العالم إنما كُوِّنَت معافاةً وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض‘ (حك 1: 13-14)، ’لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 24). وإذ قادنا هكذا إلى الكمال، قال لأبيه السماويّ: ’أنا مجَّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته‘ (يو 17: 4). لأنه حقًا مجد الله الآب الذي أبطل بابنه ذاته الموت. إذَا، فقد تحقَّق كماله بواسطة الآلام، وما غاب عنَّا، أُضِيفَ لنا. لأنه بالمسيح صار خلقًا جديدًا (2كو 5: 17)“.[16]

دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا فكرة وراثة الخطية الأصلية عن طريق التناسل، حيث يقر بأنه ليس القدر ولا الولادة هما ما يجعلان الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس، الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين كالتالي:

لذلك ليس صحيحًا، إذًا، أن كل من القدر والولادة هما اللذان يتحكمان في كل شخص كما يُعتقد، وتجعل الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس من ذلك، فإن الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين، ولا يوجد شيء يمنع بالضرورة أي شخص من توجيه مسيرته في أي اتجاه يقرِّره“.[17]

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر، حيث يرى أن الذين ينسحبون عن الضلال السابق ويسرعون إلى الحق كثمرة لحرية إرادتهم هم مستحقون بالحقيقة للمديح كالتالي:

”وإذ يُفطَّمون من ضلالهم السابق الذي تسلَّموه من آبائهم، فإنهم يقبلون كلمة الإنجيل المخلِّصة. ونحن نؤكد أن مثل أولئك هم الذين يُدعون من السياجات، فإنهم بالحقيقة أكثر عظمةً وجدارةً بالمديح حينما يكون الانسحاب من الضلال السابق والإسراع إلى الحق هو ثمرة حرية الإرادة“.[18]

دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح

يرفض ق. كيرلس الإسكندري تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، كما يتضح إن تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء الإسكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.

وسوف نستعرض رأي ق. كيرلس الإسكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:

”ولكنني أفترض أنه من الحماقة الادعاء أن النفوس وُجِدَت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة أُرسِلَت لكي تُحبَس في أجساد ترابية. وسوف أُبرهِن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ’أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا‘ (أم٩: ٩)“.[19]

نحن نرث نتائج عصيان آدم

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بالوجود السابق للأرواح مُؤكِّدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:

”يقول بولس مُوضِّحًا أن الفساد قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم: ’لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ‘ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذَّا كان الجسد الميت قد أُعطِي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إنْ كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأنَّ وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مُسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدَّسة“.[20]

ويرى ق. كيرلس أننا كُنا مُتَّحِدين بآدم عندما جلب على نفسه عقوبة الموت، وليس الله هو مُعاقِبه بالموت، لأن الموت ليس من صُنع الله، وهكذا نحن مُتَّحِدون بالمسيح عندما جلب لنا الحياة وعدم الفساد. وهنا يؤكد ق. كيرلس أننا نرث من آدم الموت والفساد وليس ذنب خطيئته نفسها، لأننا كُنا مُتَّحِدين به من خلال الطبيعة البشرية الواحدة التي تجمعنا به كبشر مولودين من نسل بشريّ آدميّ، وهكذا جلب آدم علينا نتائج خطيئته أي عقوبة الموت كالتالي:

”لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه [الجسد] من الموت، يُعدّ – من الآن فصاعدًا – طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضِعَ [أُذِلَ] حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد [الانحلال]. لأننا مُتَّحِدون به مثلما كُنا أيضًا مُتَّحِدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لذلك، إذ كتب هكذا في أحد المرات: ’فإنه إذ الموت بإنسانٍ، بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، ويقول أيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22). لذلك فإن الكلمة إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد [الانحلال]، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة“.[21]

ويوضح ق. كيرلس أننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وهكذا سقطنا في مصيدة الموت، متروكين من قِبَل الله، فيؤكد على أننا نرث نتيجة مخالفة آدم وهي السقوط في مصيدة الموت، وليس المشاركة في ذنب خطية آدم. ويعطي ق. كيرلس معنى آخر للخطية الجدية وهي أنها هجران النعمة من الطبيعة البشرية كالتالي:

”لأننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وسقطنا في مصيدة الموت متروكين من قِبَل الله، ولكن الكل بالمسيح صار جديدًا، وعاد ثانيةً كل ما يخصنا كما كان في بداية الخليقة، كان ينبغي لآدم الثاني، الذي أتى من السماء، وكان أسمى وفوق الخطية، الجذر الثاني لجنسنا كليّ القداسة وغير الدنس، أن يُخلِّص [يُحرِّر] الطبيعة البشرية من الإدانة، وصار لها أن تستدعي ثانيةً نعمة الصلاح من السماء ومن الآب، فوقها، وتُبطِل هجران النعمة لها بواسطة طاعة يسوع المسيح التي حدثت مرةً واحدةً وإلى الأبد. لأنه لم يفعل خطيةً (إش 53: 9؛ 1بط 2: 22)، وأيضًا الطبيعة البشرية، وهي متَّحِدة به، صارت بلا لوم وبريئة“.[22]

ويشير ق. كيرلس بوضوح إلى أن آدم، الجذر الأول، قد أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، لم يقل ق. كيرلس أن آدم أنبت خطيئته في الطبيعة البشرية، كما يدَّعي الغنوسيون والمانويون الجدد، بل قال نتائج الغضب، حيث الموت الذي ملك من آدم إلى موسى على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، ويقارن ق. كيرلس بين عبور نتائج الغضب أي الموت من الجذر الأول للبشرية، آدم، وبين عبور النتائج الآتية من جذرنا الثاني، المسيح، في كل الجنس البشريّ. فأين الخطية الأصلية الموروثة التي يدَّعي هؤلاء أن ق. كيرلس يؤمن بها؟! حيث يقول التالي:

”كما أن الجذر الأول، أقصد آدم، أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، حيث ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، هكذا مرتَّ [عبرت] أيضًا النتائج الآتية من جذرنا الثاني، أي المسيح في كل الجنس البشريّ، الأمر الذي يؤكده بولس الرسول قائلاً: ’لأنه إنْ كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين‘ (رو 5: 15)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22)“.[23]

الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس

يشرح ق. كيرلس ماهية الجدية وهي انعطاف الإنسان نحو الشر، وقطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس الساكن في طبيعة الإنسان منذ أن خلقه الله ونفخ فيه نفسًا حيةً كالتالي:

”كيرلس: لقد هرب العالم من خالقه، وابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو أسمى من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ، فإنه قطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس. لأنه بمجرَّد أن خُلِقت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف، زُيِّنت في الوقت نفسه بهبة العلاقة بالروح القدس، لأنه مكتوب: ’ونفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك 2: 7). لأنه – كما أعتقد – لا يستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدالة وهذا التقديس بأيّ طريق آخر، سوى شركة الروح القدس؛ فعندما تجسَّد الابن الوحيد، وجد أن طبيعة البشر خالية من الصلاح، الذي وهبه الله إليها في القديم عند خلقتها؛ لهذا أسرع بأن يشركها في ملئه مثلما من نبعٍ، قائلاً: ’اِقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)، ومُبيِّنًا نفخة روحه عندما نفخ في وجوههم. وهكذا كان تجديد البشرية وإعادتها إلى رتبتها الأولى، مماثلاً لما قد حدث عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهَم أنه ابتعاد مكانيّ، بل بالحري أنه ابتعاد هذه الخليقة عن الله وعن شركة الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولى لو أردت – طالما أنها وُهِبت التجديد الروحيّ، وهي مدعوةٌ لشركة الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس“.[24]

ويشرح ق. كيرلس المفهوم السابق بأكثر تفصيلاً بأن الإنسان فقد في آدم عدم فساده بعد مفارقة الروح القدس للإنسان بالسقوط، وانحرف الإنسان نحو الخطية، ولكن لم ينحرف تمامًا بإرادته نحو الخطية، كما يدَّعي أوغسطينوس ولوثر وكالڨن بالفساد التام والكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط بسبب خطية آدم الموروثة، التي تعمل ديناميكيًا في الطبيعة البشرية وتجعلها مُقيَّدةً دائمًا بفعل الشر والخطية حتى لو أرادت الخير فهي تفعل الشر تلقائيًا بسبب الإرادة المقيَّدة قدرًا ووراثيًا بالشر. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان تتابع تدريجيًا في الغلو في الخطايا، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، وهذا يؤكد أن ق. كيرلس يؤمن بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية والإرداة الإنسانية، وليس كما يُعلِّم اللاهوت الغربيّ بقيادة أوغسطينوس وأتباعه من المصلحين البروتستانت بالفساد والانحراف الكلي والتام للطبيعة البشرية والإرادة البشرية. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان عانى من فقدان الروح القدس، وصار تدريجيًا خاضعًا للفساد ولكل الخطايا كالتالي:

”فإن هذا الكائن الحيّ العاقل على الأرض، أعني الإنسان، قد خُلِقَ منذ البدء في عدم فساد. وكان السبب في عدم فساده وفي بقائه في كل فضيلة، هو على وجه اليقين أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله ’نفخ في أنفه نسمة حياةٍ‘ كما هو مكتوب (تك 2: 7). لكنه وبسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في الغلو في هذه الأمور، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، عانى من فقدان الروح، وفي النهاية، أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عُرضةً أيضًا لكل الخطايا“.[25]

دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه. حيث يقول التالي:

”ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكَّد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد“.[26]

ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس الإسكندري بخصوص الخطية الجدية، ونتائجها، وآثارها، على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يُعدّ هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها من الشركة مع الله بسبب وراثة خطية آدم، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.

الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا. حيث يقول التالي:

”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحمِلاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة،. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[27]

اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية

ويُؤكِّد ق. كيرلس على اجتياز مرض الموت وليس الخطية الأصلية إجباريًا من بداية الجنس البشري كجذر إلى الفروع التي تفرعت منه كالتالي:

”كيرلس: إذًا، لأن بداية الجنس البشري بسبب الخطية انتهت إلى مرض الموت، وهذا الموت اجتاز إجباريًا إلينا، فمن الجذر امتد إلى الفروع التي تفرعت منه. لأن الثمر الفاسد هو من الأصل الفاسد. وهكذا ملك الموت على الجميع، وحتى على موسى نفسه، أي حتى ذاك العصر الذي كان فيه الناموس ساريًا“.[28]

يشرح ق. كيرلس كيف نقل آدم اللعنة، أي لعنة الفساد والموت، إلى نسله من جراء مُخالفته، فيقول:

”بما أننا آتينا من (الطبيعة) الفاسدة، نحن وارثون لعنة آدم بهذه الطريقة. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية التي أُوصِيَ بها ذاك، لكن -كما قلت- لأنَّ الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة للأولاد الذين وَلدَهم؛ أي صرنا فانين من الفاني. لذلك صار ربنا يسوع المسيح آدم الثاني، وبدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. أعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مهينًا الموت، ومبطلاً إياه في جسده. بالمسيح إذًا انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا يقول بولس الحكيم أيضًا: ’فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع‘ (1كو 15: 22). نستنتج إذًا، أنَّ اللعنة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل (الجامع) للكل تحقق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يثقلها؛ لأن الإنسان الأول صار فاسدًا“.[29]

ويُؤكِّد هنا ق. كيرلس على وراثة الفساد والموت من جراء مخالفة آدم، ويرفض بشكلٍ واضحٍ وراثة الذنب الشخصيَ أو الأخلاقيّ من آدم إلى بنيه.

عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان

يُفسِّر ق. كيرلس كيفية امتلاء يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو في بطن أمه، بأنه وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، داحضًا بذلك التعليم عن وراثة الخطية الأصلية؛ لأنه لو كان يوحنا المعمدان وارثًا للخطية الأصلية من والديه، فكيف يقول الإنجيل عنه إنه كان مُمتلئًا بالروح القدس من بطن أمه، ويتحدَّث ق. كيرلس عن أنه قد وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا البشرية، حيث يقول التالي:

”لأن المخلِّص يقول: ليس بين المولودين من النساء مَن هو أعظم من يوحنا (مت 11: 11)، وهذا حق، ولكننا نرى أن الذي وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، يُكرِّم المسيح بكرامةٍ لا يمكن مقارنتها. فهو يقول: ’الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلَّ سيور حذائه‘ (مر 1: 7). فكيف لا يبدو غير معقول، بل بالحري عدم تقوى، أن نؤمن أن يوحنا ’امتلأ من الروح القدس من بطن أمه‘ (لو 1: 15)، ثم نفترض أن سيده، بل بالحري سيد ورب الكل قَبِلَ الروح القدس فقط عندما اعتمد، مع أن جبرائيل يقول للعذراء القديسة: ’الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعَى ابن الله‘ (لو 1: 35)، وعلى محب المعرفة أن يرى قوة الكلمات التي تتمخض بالحق. لأنه يقول عن يوحنا ’يمتلئ‘ من الروح القدس، لأن الروح القدس صار فيه كعطية وليس بالجوهر، أما عن المخلص، فالملاك لا يقول عنه إنه ’سوف يمتلئ‘ بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ’القدوس المولود منك‘، ولم يقل ’المولود منك سوف يصير قدوسًا‘، فهو دائمًا قدوس بالطبيعة لأنه إله“.[30]

تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12)

يُفسِّر ق. كيرلس فقرة (رو5: 12) ”واجتاز الموت لجميع الناس“ دون أي ذكر لوراثة الخطية الأصلية، حيث يقول التالي:

”لقد بيَّن ربنا يسوع المسيح المحبة الحقيقة اللافتة التي أظهرها لنا الله الآب من خلال تتميم تدبيره [الابن] في الجسد وآلامه على الصليب، إذ قيل: ’هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكيلا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية‘. وتأكيدًا لذلك، فقد بذل [الآب] بالحقيقة ابنه الوحيد من أجلنا، وبذلك افتُدِينا وتحرَّرنا من الموت والخطيئة. ’فالكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا‘ ليس لسبب آخر سوى احتمال الموت في الجسد، ولكي يتمكن من الانتصار على القوات والسلاطين، ولتحييد ذاك الذي ’له سلطان الموت، أي ابليس‘، ولكي ينزع الفساد ومعه يزيل الخطيئة التي تقهرنا. بهذه الطريقة قد محى أيضًا تلك اللعنة القديمة التي تحملتها الطبيعة البشرية في آدم باعتباره باكورة جنسنا وأصل نشأتنا. فعندما خالف آدم الوصية، فقد أخطاء تجاه الخالق. وهذا هو السبب في أنه قد صار ملعونًا وخاضعًا للموت. ولكن رب الكون قد تحنن على أولئك الذين هلكوا تمامًا؛ فنزل الابن من السماء، ومحا الاتهامات، مُبررًا الفاجر بالإيمان. كإله، أعاد تشكيل الطبيعة البشرية ليجعلها غير فاسدة رافعًا إياها إلى حالتها الأصلية. فكل ما في المسيح هو ’خليقة جديدة‘، لأنه قد جعل نفسه كأصل جديد وصار آدم الثاني. ولكن هذا لا يعني أنه قد صار سببًا لغضب الله كما كان آدم، أو سببًا لابتعاد المولودين منه عن فوق؛ بل على العكس، فهو المحسِن الذي منحنا أن نصير أقرباء لله من خلال التقديس، وعدم الفساد، والتبرير الذي بالإيمان. ويشرح لنا بولس الحكيم هذا الأمر في كلمات المقطع الذي نحن بصدده، فيقول: ’كأنما بإنسان واحد‘، ثم يُكمِل قائلاً: ’دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘. إذًا، فقد دخل الموت بالخطيئة – كما قُلتُ – في الإنسان الذي خُلِقَ أولاً، في مصدر جنسنا. ثم تم أسر [نهب] الجنس البشري بأكمله لاحقًا. وعندما تسيَّدت الحية، مُخترِعة الخطيئة، على آدم بطرق المكر، اخترقت العقل البشري. ’الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس مَنْ يعمل صلاحًا‘. في الواقع، عندما ابتعدنا عن وجه الله كلي القداسة، إذ أن العقل البشري شغل نفسه باجتهاد بالشر لأنه ’شرير منذ حداثته‘، بدأنا نعيش حياة خالية أكثر من المنطق، و ’ساد الموت وابتلعنا‘ كما يقول النبي [إشعياء]، والهاوية ’وسعت نفسها وفغرت فاها‘. فعندما صرنا متبعين لآدم في تعديه، الذي بحسبه ’أخطأ الجميع‘، صرنا مستحقين لنفس العقوبة التي كانت عليه. لكن الأرض تحت السماء لم تبقَ بدون مساعدة. فالخطيئة انتُزِعَت، وسقط الشيطان، والموت ذهب هباءً“.[31]

نفي وراثة خطية آدم

ويستطرد ق. كيرلس في سياق شرحه لفقرة (رو5: 18-19) من أجل إثبات عدم توارث ذرية آدم معصيته الأولى كذنب موروث، لأننا لم نكن مولودين وموجودين لنخطئ معه، بل يتحدَّث عن انتقال مرض الخطية إلى طبيعتنا البشرية، ويشرح الأمر كالتالي:

”يُضِيف بولس الموحَى إلهياً إليه، نوعاً من الاستنتاج حول الافكار السابقة عندما يقول: ’وهكذا بمعصية الواحد‘ وما يَتْبَع ذلك. فلقد تم إدانتنا جميعاً في آدم، كما قلت سابقاً. وعندما حَلَّت لعنة الموت، انتشرت النتيجة إلى الكل من الجذر الأصلي. ولكننا أيضاً أصبحنا مُبَرَّرين وأشرقنا مرةً أخرى للحياة عندما تبرَّرنا في المسيح. لَقَدْ عَصَى جَدُّنَا الوصية الممنوحة له. وأساء إلى الله وعانى من عواقب الغضب الإلهي، ومِنْ ثَمَّ سقط في الفساد. وهنا انتقلت الخطية إلى طبيعة البشرية، وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ والتي تعني كل شخص علي الارض. والآن قد يقول شخص ما: نعم آدم سقط، وعصى الوصية الإلهية وقد أُدِينَ للموت والفساد. ولكن كيف ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ بسببه؟ ولماذا تؤثر سقطته علينا؟ لماذا تم إدانتنا معه ونحن لم نكن مولودين بَعْدٌ؟ وعلي النقيض، يقول الله: ’لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ‘، وَلاَ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ، و ’اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ‘، كيف إذًا سندافع عن موقفنا؟ بالفعل، فإنَّ النفس التي تخطئ يجب أن تموت. ومع ذلك، لقد أصبحنا خطاةً بواسطة عصيان آدم بالطريقة التالية: لقد خُلِقَ -آدم- في الحياة وعدم الفساد، وعاش حياة مقدَّسة في فردوس النعيم. وكان عقله بالكامل وعلى الدوام يتمتع برؤية الله، وجسده كان هادئًا وغير مضطرب حيث أن كل الملَذَّات المخْزِيَّة كانت في خمولٍ. ولم يكن فيه أيّ اضطرابٍ البتة من الدوافع الغريبة. ولكن عندما سقط تحت الخطية غرق في الفساد واجتاحت الشهوات النجسة طبيعة جسده، وتُوَلِّد ناموس الشر في أعضائنا. فالْتَقَطَتْ طبيعتنا مرض الخطيئة ’بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ‘ -أي آدم- وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ ليس لأننا أخطئنا معه -إذ لم نكن موجودين بعد- بل لأننا من نفس طبيعته، التي سقطت تحت ناموس الخطية. وهكذا، كما اكتسبت الطبيعة البشرية الفساد في آدم بسبب عصيانه واجتاحتها الأهواء الشريرة، تحرَّرت مرةً اخري في المسيح، الذي كان طائعًا لله الآب، ولم يرتكب خطيةً“.[32]

يشرح ق. كيرلس في موضع آخر كيف نقل لنا آدم الأول لعنته وعقابه الذي لحق به من جراء العصيان ردًا على سؤال تيبريوس الشماس حول ذلك الأمر، حيث يقول التالي:

”سؤال: لماذا عن طريق الموت في آدم، علينا أن نُوفِي عقوبة جَدِّنَا الأول؟ ولماذا يكون كل واحد منَّا مديونًا بسبب مخالفة ذاك؟ لماذا لم أرث الطهارة حين وُلِدتُ، بالرغم من أن والدي صار طاهرًا، كلٍّ من: عقوبة الجد الأول ومن تعديه الخاص، وصار حيًا في المسيح بواسطة الروح القدس؟ لماذا لم تَفِدْني نعمة البر التي قَبِلَها هو ذاته، بالرغم من أن هذه النعمة هي أقوى جدًا من الخطية؟

جواب: ينبغي أن نفحص كيف نقل لنا آدم الأب الأول العقاب الذي لحقه من جراء مُخالفته، فقد سمع: ’أَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ‘ (تك ٣: ١٩). وهكذا صار فاسدًا من كونه غير فاسدٍ، وخضع لقيود الموت. ولكن بما أنه أنجب أولاداً بعد السقوط في هذه الحالة، فقد وُلِدْنَا نحن فاسدين بما أننا أتينا من الفاسد، وهكذا نحن وارثون لعنة آدم. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية الإلهية التي أُوصِي بها ذاك، لكن – كما قلت – لأن الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة لذريته، إذ أننا وُلِدنا مائتون من أصلٍ مائتٍ. بينما صار ربنا يسوع المسيح -آدم الثاني- بدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. وأعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مُهِينَاً الموت ومُبْطِلاً إياه في جسده. بالمسيح إذن انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا أيضاً يقول بولس الحكيم: ’فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ‘. (١ كو ١٥: ٢١)، وأيضًا: ’لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ‘. (١ كو ١٥: ٢٢). نستنتج إذًا أن العقوبة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل للكل قد تحقَّق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يُثَقِّلُهَا من خلال الإنسان الأول الذي صار فاسدًا. لكن والد كل واحد مِنَّا، بالرغم من أنه قُدِّس من الروح القدس ونال غفران خطاياه، إلَّا أنه لا يمكنه أن ينقل لنا أيضًا العطية؛ لأن واحدًا هو الذي يُقدِّس ويُبرِّر جميعنا، ويُحضِرنا ثانيةً إلى عدم الفساد، هو ربنا يسوع المسيح. وبواسطة المسيح، هذه العطية تأتي بالتساوي لجميعنا. فإنَّ مغفرة الخطية وانحلال الموت، شيئان مختلفان. فكل واحد مِنَّا يحصل على مغفرة خطاياه الخاصة في المسيح من خلال الروح القدس. بينما نتحرَّر جميعاً على حد سواء، من العقوبة الأولى المفروضة علينا، أعني عقوبة الموت التي امتدت إلى الجميع على مثال الإنسان الأول الذي سقط في الموت. لأجل هذا أيضاً يشير بولس الحكيم إلى أن الموت ’قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي‘. (رو ٥: ١٤). لكن فيما بعد، عندما أشرق المسيح، أتى البر الذي برَّرنا بنعمة الله وأبعد الفساد عن أجسادنا“.[33]

مفهوم ناموس الخطية المتوحش

يوجد أيضًا تعبير ”ناموس الخطية المتوحش“ الذي فسَّره ق. كيرلس بأنه الحركات المغروسة في الجسد التي تتم بالفكر والإرادة، فهو يقصد القدرة على فعل الخطية، وليس ممارسة الخطية نفسها، بمعنى أن القدرة على فعل الخطية شيء، أما ممارسة الخطية شيء آخر، لأن الخطية فعل إرادي وليست فعلاً موروثًا. لقد آتت المعرفة الاختبارية للشر والخطية بعد العصيان والسقوط. وبالتالي لا يعني ”ناموس الخطية المتوحش“ أبدًا وراثة الخطية الأصلية بالتناسل، ولا تتساوى الفكرتين مع بعضهما البعض. فالإنسان بعد السقوط لديه طبيعة تميل للخطية، ولكن الطبيعة البشرية الفاسدة والمائتة بالانفصال عن الله، تحتاج أن يحملها شخص عاقل مُريد لكي يُمارِس الخطية، وهكذا الطبيعة لديها ميل للخطية، ولكنها تحتاج لشخص ليقوم بممارسة هذه الخطية، لكن الطبيعة البشرية لا تمارس الخطية من تلقاء ذاتها، فقبل السقوط كان الإنسان لديه القدرة على فعل الخطية، ولكنه بعد السقوط وبعدما أختبر وعرف الشر ومارسه صار له ميل للخطية أي ”ناموس الخطية المتوحش“، أو الحركات المغروسة في الجسد، أو الفكر الذي يتسلط عليه لذات الجسد. ولكنه يُمارِس الخطية بإرادته، وليس رغمًا عنه كنتيجة حتمية طبيعية بسبب خطية أصلية موروثة في طبيعته، وكأنها جزء من أجزاء الطبيعة، أو مكون من مكونات الطبيعة البشرية، لأنه هذه هي الهرطقة المانوية، بل يُمارِس الخطية بمحض إرادته وبإرادة حرة كاملة. وهكذا يُعرِّف ق. كيرلس ”ناموس الخطية المتوحش“ كالتالي:

”لذلك نقول إنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم، وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد، أي حركاته المغروسة فينا، فقد صار من الضروري لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض، أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعًا للفساد ومريضًا بحب اللذة، خاصًا به وحيث أنه الحياة ومُعطِي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكنًا أن تُمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضًا أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا ’ناموس الخطية‘. حيث أن الجسد الإنساني صار خاصًا بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث أنه كإله ’لم يعرف الخطية‘، فإنه اتَّحد بالجسد وأعلنه خاصًا به كما قلت، فوضع نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه، لأنه هو كما هو دائمًا. بل واضح أنه لأجلنا لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم، فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضًا تأتي إلينا كلها معًا“.[34]

ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية“ في موضع آخر موضحًا أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، فناموس الخطية هو ميل إراديّ يقودنا نحو ما هو ضد الناموس كالتالي:

”فما معنى قوله إن الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مُختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحِبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإن جسده كان مُقدَّسًا ونقيًا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس“.[35]

ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية المتوحش“ بصورة أوضح مشيرًا إلى أن هناك ناموس الخطية الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، فهناك صراع داخلي بين ميل الجسد لفعل الخطية وبين ميل العقل لفعل الصلاح كالتالي:

”فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة – فهناك الشيطان الذي يُبغِض كل ما هو جميل. وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وهناك أيضًا ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان – إذَا فماذا نفعل – وهناك مثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟“.[36]

ويوضح ق. كيرلس أن ناموس الخطية في الأعضاء الجسدية يقاوم بضراوة ومرارة. ولكنه يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضل وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة، فالصراع هنا صراع نحو امتلاك الإرادة نحو الخير أو نحو الشر، وليس انقياد لا إرادي وإجباريّ وطبيعيّ نحو ممارسة الخطية والشر، كما في المنظومة الغربية الأوغسطينية والكالڨينية كالتالي:

وناموس الخطية الذي في الأعضاء يقاوم بضراوة ومرارة. لأني أعرف أن بولس الذي كان متعلمًا في الناموس يناقش هذه الأمور بروعة، لأنه قال: ’فإني أُسرَّ بناموس الله حسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي‘ (رو 7: 22، 23). ويقول أيضًا: ’إذًا، أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ (رو 7: 25). وإلى جانب ذلك، يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضلّ وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة“.[37]

ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية

ويُسمِّي ق. كيرلس ”ناموس الخطية“ في موضع آخر بـ ”ناموس الشهوة الطبيعيّ“ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا، وهذا يدل على أن ق. كيرلس لا يقصد بوراثة الخطية الأصلية وراثة ناموس الخطية المتوحش كما يُعلِّم البعض عن تشويش وتخبط واضح وعدم فهم للاهوت ق. كيرلس وأنثروبولوچيته كالتالي:

”لأن الحية المتعددة الرؤوس تضايقنا كثيرًا، وتُورِّطنا أحيانًا في صعوبات غير متوقَّعة، حتى تحدرنا إلى الحضيض وإلى الخطية بأنواعها. زذ على ذلك، فهناك أيضًا ناموس الشهوة الطبيعيّ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا كما يقول الكتاب (رو 7: 23)“.[38]

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت

يرى ق. كيرلس أن الفساد دبَّ في البشرية بسبب آدم، ودخلت فينا لعنة الموت بسبب آدم، ودخل ناموس الخطية فينا بواسطة لعنة الموت، وهنا يؤكد ق. كيرلس على أن ناموس الخطية هو نتيجة للعنة الموت، وليس كما أكَّد أوغسطينوس، أن ناموس الخطية بسبب وراثة خطية آدم الأصلية في البشر، فصارت خطية آدم الموروثة هي مصدر الخطية في الطبيعة البشرية. بل الإنسان، بحسب ق. كيرلس، بسبب وجوده في حالة الموت والتغرُّب عن الله دخل فيه ناموس الخطيئة وتغلغَّل في أعضائه الجسدية كالتالي:

”وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أيّ آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. […] فنحن ترابيون بسبب آدم الذي من تراب، وقد دخلت فينا لعنة الموت، التي بواسطتها دخل فينا ناموس الخطية الموجود في أعضائنا“.[39]

الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله

يرى ق. كيرلس أن المسيح هو محطم الموت والفساد الذي أصاب طبيعة الإنسان، وردَّه مرةً أخرى إلى ما كانت طبيعته عليه في الأصل، لأن جسدنا كان مشحونًا بالموت، فحرَّر المسيح جسدنا من رباطات الموت. معصية آدم جعلتنا وجوهنا محجوبة ومتغربة عن الله وصرنا نموت ونعود إلى التراب، فقصاص الله على الطبيعة البشرية هو الموت، أي العودة إلى التراب، ولكن جاء التجديد من خلال الثالوث القدوس الواهب الحياة للراقدين كالتالي:

”كان الإنسان الميت في طريقه إلى الدفن، وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة، أعني المسيح نفسه، لأنه هو مُحطِّم الموت والفساد، هو الذي ’به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً، فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. […] لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو: ’لأنك تراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم، فإن وجه الأرض سيتجدَّد لأن الله الآب بالابن في الروح القدس سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها. إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن ’ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال‘، كما يقول الكتاب (عب 8: 13). ولكن المسيح يُجدِّد لأنه هو الحياة“.[40]

ويؤكد ق. كيرلس على هجران وتغرُّب الطبيعة البشرية عن الله بعد السقوط، وهكذا قَبِلَت الطبيعة البشرية لعنة الفساد والموت، وصارت أسيرةً للموت، فالفساد دخل الطبيعة البشرية من الخارج بسبب الهجران الذي أختبرته الطبيعة البشرية من الله بعد السقوط كالتالي:

”نقول: لأن أبونا الأول داس على الوصية التي أُعطِيَت له، ولم يبالِ بالناموس الإلهيّ (تك 3: 1 وما بعده)، هُجِرَت الطبيعة البشرية من الله، ولأجل هذا قَبِلَت اللعنة، وصارت أسيرةً للموت، لكن عندما أتى الابن الوحيد كلمة الله إلى العالم ليعيد تشكيلها إلى عدم الفساد، وأخذ الطبيعة البشرية من نسل إبرام، وصار مثل إخوته (عب 2: 16-17)، كان يجب، كما وضع حدًا لتلك اللعنة الأولى القديمة، والفساد الذي دخل من الخارج، أن يضع أيضًا حدًا للهجران الذي اختبرته الطبيعة البشرية من البداية“.[41]

ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط

يشير ق. كيرلس إلى أن الطبيعة البشرية صارت في آدم لها ميل وقابلية للخطية، فالطبيعة البشرية لا يمكن أن تخطئ من تلقاء نفسها بدون أن تكون موجودة في شخص كائن عاقل له إرادة لكي يمارس بها الخطية، فالطبيعة البشرية ليس لها وجود واقعيّ حقيقيّ لو لم تكن موجودة ومتشحصنة ومتأقنمة في شخص عاقل مريد يمارس الخطية بإرادته الحرة كالتالي:

”هكذا قد محا ذنب العصيان الذي بواسطة آدم، هكذا أُبطِلَت قوة اللعنة، وأُبيدت سيادة الموت. وهذا ما يُعلِّمه بولس أيضًا قائلاً: ’لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِلَ الكثيرين خطاةً، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرين أبرارًا‘ (رو 5: 19). لأن طبيعة الإنسان كلها صارت خاطئةً [ميَّالة للخطية أو عُرضة للخطية] في شخص الذي خُلِقَ أولاً [هذا يؤكد أنها ينبغي أن تتشخصن في شخص لتصبح موجودة وفاعلة]، ولكنها الآن قد تبرَّرت كليةً من جديد في المسيح“.[42]

إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال

يرى ق. كيرلس أنه قد تمَّت إدانة الطبيعة البشرية في آدم وكانت النتيجة أنها سقطت في الانحلال أي للموت بسبب تعديه للوصية التي أُعطِيَت له كالتالي:

لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدى الوصية التي أُعطِيت له“.[43]

وهذا يُفسِّر لنا لماذا قال ق. كيرلس في موضع آخر: ”أننا أخطأنا في آدم“، وقال أيضًا: ”أننا لم نخطئ معه لأننا لم نكن موجودين آنذاك“، وهكذا ”لا نُحسَب مذنبين بذنبه وحاملين وز خطيئته“، فالمقصود من تعبير ق. كيرلس ”أخطأنا في آدم“ هو إدانة الطبيعة البشرية في آدم، وليس إدانة شخوص البشر في آدم، لأن آدم مسئول عن خطيئته وحده، ولكن لا يُحاسَب البشر بذنب خطية آدم. إلا أن الطبيعة البشرية صارت تحت الدينونة في آدم، وسقطت في الانحلال، لأن الطبيعة صارت متغربة ومحجوبة عن الله وانفصلت عن مصدر حياتها، فسقطت في الانحلال.

وراثة حكم الموت في آدم

ويُفسِّر ق. كيرلس في موضع آخر إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم، حيث يرى أننا صرنا وارثين حكم الإدانة [أي حكم الموت] التي كانت لآدم الأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه كالتالي:

”لأن طبيعة الإنسان كان محكومًا عليها بالموت بسبب عصيان المخلوق الأول، فكان يجب أن تعود ثانيةً إلى حالتها الأولى مُظهِرةً طاعتها. غير أن هذا كان بالفعل أكبر وأسمى من القدرات البشرية؛ لأنه ليس أحدٌ طاهرًا من الخطايا. لأنه إذَا كان المخلوق الأول قد سقط مرةً واحدةً في الخطية، وصار أسير ضعفه، وتغذت طبيعته بشهوات الجسد الذي أصبح جذرًا وحاملاً لناموس الخطية المتوحش، فكيف له أن يتجنب هذا تمامًا؟ […] لكي يأخذ – هذا الذي لم يعرف خطيةً – جسدًا مثلنا، ويجعله خاصًا به، حتى يوجد على الأرض بكونه إنسانًا، فيبرِّر طبيعة الإنسان بذاته ويُحرِّره من قيود الموت، مُتوَّجًا من الله الآب بتاج البراءة. وإلا يكون غريبًا، أن نصير وارثين حكم الإدانة التي كانت للأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه، دون أن نُصبِح مشاركين برّ الثاني، الذي أحضرنا ثانيةً إلى الحياة بطاعته التامة!“.[44]

النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفس مخلوقة في سياق مُقاومته لبدعة ”تجسيم أو أنسنة اللاهوت“، التي تفشت في عصره بين رهبان برية شيهيت بمصر، وبين رهبان سوريا وفلسطين، وفي سياق مقاومته لتعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد السقوط من عالم الغبطة في معية الله. حيث يقول التالي:

“ولا أظن أن أحدًا سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو أنها تتكوَّن معه، وإنما الله -بطريقة غير معروفة- يغرسها في الجسد وتُولَد معه. ولذلك، نحن نُحدِّد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”.[45]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق حديثه عن تجسُّد الرب إلى أن الأمهات يمنحن الجسد اللحميّ فقط، ولكن يُرسِل الله النفس بكيفيةٍ معروفةٍ له فقط في اللحم البشريّ لتتَّحد به، وتُكوِّن إنسانًا كاملاً مُركَّبًا، بحيث تلد الأمهات على الأرض إنسانًا كاملاً مُكوَّنًا من جسد ونفس عاقلة. وبالتالي، يُؤكِّد ق. كيرلس على أن النفس في أصلها مخلوقة مُباشرةً من الله، ولا تُولَد مثل الجسد اللحميّ من الأم والأب قائلاً:

“إن سر تجسُّده هو بكيفيةٍ ما مماثل لولادتنا، لأن أمهات أولئك الذين على الأرض الخاضعات لقوانين الطبيعة فيما يخص الولادة، لهم لحم يثبت في الرحم، وهو الذي ينمو قليلاً قليلاً بحسب أفعال الله غير المدرَكة، ويصل إلى النضوج في هيئة إنسان. ويرسل الله الروح في الكائن الحي بكيفيةٍ معروفةٍ له، وهذا بحسب قول النبي: ‘وجابل روح الإنسان في داخله’ (زك 12: 1). وإن الكلام عن الجسد شيء، والكلام عن النفس شيء آخر، ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النسوة هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلا أنهن يلدن الكائن الحيّ كله، وأنا أعني كائنًا مُكوَّنًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنه يلدن جزاءًا من الكائن، ولن يقول أحد إن أليصابات، مثلاً كانت أمًا للجسد فقط، وليست أمًا ولدت نفسًا في العالم إلى جانب الجسد. لأنها ولدت المعمدان إنسانًا ذا نفس، وكائنًا حيًا مُكوَّنًا من الاثنين. وأنا أعني إنسان له نفس وجسد معًا”.[46]

براءة الأطفال من الخطية الأصلية

يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى وجود معمودية الأطفال في عصره، حيث يُؤكِّد على إحضار الاشبين المسئول عن الطفل به لينال مسحة الموعوظين، ثم يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، ولم يأت ق. كيرلس الإسكندري على ذكر أية خطية موروثة تمحوها المعمودية المقدَّسة في الأطفال، بل كانت إشارته إلى نوال المسحة المقدَّسة في المعمودية كالتالي:

”لأنه حينما يُحضِرون طفلاً مولود حديثًا لكي ينال مسحة الموعوظين، أو يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، فإن مَنْ يُحضِره إلى المعمودية [أي الاشبين] يُكرِّر بصوتٍ عالٍ قائلاً: ’آمين‘ نيابةً عنه“.[47]

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن مصير اﻷطفال غير المعمَّدين، ويُذكِّرنا موقفه هذا بموقف كل من كاتب عظة ”صوم المسيح“ المنسوب إلى ق. أثناسيوس، وموقف ق. غريغوريوس النيسي في عظته عن ”الموت المبكر للأطفال غير المعمدين“. حيث يقول ق. كيرلس في رده على سؤال الشماس انثيموس (منشور القول في بردية crum حقَّقها وعلَّق عليها العالم Ehrhard) التالي:

”انثيموس: هل يدخل الأطفال الصغار إذَا ماتوا قبل أن ينالوا المعمودية الملكوت؟ كيرلس: حقًا الملكوت هو لهم، لأنهم عندما تكوَّنوا في بطون أمهاتهم قد حُسِبوا للملكوت. وبالإضافة إلى ذلك، إذَّا كان الجذر مُقدَّسًا، هكذا تكون الأغصان“.[48]

نجد هنا ق. كيرلس الإسكندري لم يقل إن الأطفال غير المعمَّدين لن يدخلون الملكوت بسبب عدم معموديتهم، ولا بسبب الخطية الأصلية الموروثة كما يقول أوغسطينوس، بل الملكوت هو لهم من بطون أمهاتهم، لأنهم مُقدَّسون من البطن بلا خطية.

ويشدد ق. كيرلس، على العكس من أوغسطينوس واللاهوت الغربيّ، على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية قائلاً:

”ولكن الولد الذي قد أخذه لأيّ شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خالٍ من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات […] في قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. وقال المخلص نفسه مرةً للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ’الحق أقول لكم، إنْ لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله‘ (مت 18: 3)“.[49]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على بساطة وبراءة الأطفال من أيّ خطية كالتالي:

”وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ’وأقامه عنده‘، مبينًا بذلك – كما في رسمٍ توضيحيّ – أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره لكونهم يُفكِّرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ’تعلَّموا مني لأنيّ وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[50]

يشير ق. كيرلس إلى معمودية الأطفال، حيث يُقرَّب الأطفال ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل، أي تكريس الأطفال بالمعمودية ومسحة الميرون، لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، لأنه منحدر بالأساس من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة، ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقة غير لائقة أو مُشوشة، بل بترتيب ووقار ومخافة. وهنا لم يأت ق. كيرلس على ذكر تقديم الأطفال للمعمودية من أجل مغفرة الخطية الأصلية المورثة، بل للتقريب والبركة من المسيح والتكريس بالأيادي المكرَّسة قائلاً:

والأطفال إلى الآن يُقرَّبون ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، وقد انحدر إلينا من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة. ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقةٍ غير لائقةٍ أو مُشوشةٍ، بل بترتيبٍ ووقارٍ ومخافةٍ“.[51]

يؤكد ق. كيرلس على قلة معرفة الأطفال أو عدم معرفتهم على الإطلاق، ولذلك يتمّ إعفائهم بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ، وهنا يؤكد ق. كيرلس على براءة الأطفال من أي شر أو انحراف أو خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية. وهذا عكس الموقف الذي اتَّخذه أوغسطينوس والغرب من بعده من الأطفال، وخاصةً الأطفال غير المعمَّدين، الذين اعتبره أوغسطينوس والغرب مذنبين بسبب خطية آدم الأصلية التي ورثوها بالولادة من أبويهما، ويرى أوغسطينوس أن مصير الأطفال غير المعمَّدين هو الجحيم أو الليمبوس، وهو درجة من درجات الجحيم أخف وطأةً وتعذيبًا من درجات تعذيب الأشرار والخطاة البالغين كالتالي:

”ولكن مِن الضروريّ أن نفحص ما معنى أن نكون أطفالاً في الشرّ، وكيف يصير الإنسان هكذا، أمَّا في ذهنه فيكون كاملاً. فالطفل بسبب أنه يعرف القليل جدًا أو لا يعرف أيّ شيء مطلقًا، يُعفَى بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ. هكذا أيضًا من واجبنا أن نسعى للتمثل بهم بنفس الطريقة، بأن نطرح عنَّا تمامًا عادات الشرّ، لكي نُعتبر كأناس لا يعرفون حتى الطريق المؤدي للخداع، بل كمَّن لا يعرفون الخبث والاحتيال، وهكذا يعيشون بأسلوبٍ بسيطٍ وبريء، ويمارسون اللطف والاتضاع الفائق الثمن، كما يمتنعون بسهولةٍ عن الغضب والحقد. ونحن نؤكد أن هذه الصفات هي التي توجد في أولئك الذين لا يزالون أطفالاً. لأنه بينما تكون صفاتنا هكذا في البساطة والبراءة، فإنه ينبغي أن نكون كاملين في الذهن، فيكون لنا ذهنًا مؤسَّسًا بثباتٍ في المعرفة الواضحة للذي هو بالطبيعة وبالحق خالق الكون، وهو الإله والربّ“.[52]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5)

يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، فلو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسَّر هذه الآية كما فسَّرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس الإسكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسَّر آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

ويقول [داود] هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعيّ، لأنه لو كان كذلك ما كان مُستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة. ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يُوجِّهون كلامهم إلى الله قائلين: ’إنْ أردت أن تُحاكِمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تُحاكِم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا مُعترِفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكُوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد‘. لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ’تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب‘ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ’تذكر ما هو وجودي‘ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوحٍ صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)“.[53]

سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء

لم يشر ق. كيرلس لا من قريب ولا من بعيد إلى الخطية الأصلية الموروثة من آدم في سياق تعليله لميلاد المسيح البتوليّ من العذراء القديسة مريم، ولم يقل كما فسَّر أوغسطينوس والغرب من بعده أن ميلاد المسيح البتوليّ من العذراء مريم كان ليمحو الخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرث المسيح خطية آدم الأصلية من العذراء القديسة، والذي أدى بعد ذلك إلى ظهور تعليم الحبل بلا دنس في الغرب اللاتينيّ من بعد أوغسطينوس، والذي يقول بأن العذراء القديسة لم تُولَد من أبويها يواقيم وحنة حاملةً للخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرثها المسيح نفسه بعد ذلك عند ولادته منها بالروح القدس، فكان دور الروح القدس بحسب هذا المعتقد الغريب أن يمنع وراثة المسيح للخطية الأصلية من العذراء القديسة مريم عند الحبل البتوليّ منها، وقد منع الروح القدس من قبل أن ترث العذراء القديسة مريم الخطية الأصلية الموروثة من آدم عند الحبل بها من أبويها يواقيم وحنة. فيقول ق. كيرلس التالي:

”كيرلس: ولكن ما دام الله لم يحتقر الزواج، بل بالحري كرَّمه بمباركته، فلماذا إذًا جعل الكلمة – الذي هو الله – من عذراء أمًا لجسده بحملٍ من الروح القدس؟

المحاور: لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال.

كيرلس: بالرغم من أن المبرِّر غير ظاهر للكل، لكن إذَا فحصنا بتدقيق، نجد أن الابن أتى، أي تأنس لكي يُعيد تشكيل وضعنا داخل نفسه منذ البداية بولادةٍ وحياةٍ عجيبةٍ ومدهشةٍ حقًا؛ لهذا صار هو نفسه الأول الذي وُلِدَ من الروح القدس (أقصد من جهة الجسد)، حتى أنه صار بمثابة طريق تأتي لنا النعمة بواسطته، ليجعلنا نُولَد ثانيةً ولادةً روحيةً، ليس من دم ولا من مشيئة جسد، ولا من إرادة رجل، لكن من الله بواسطة الروح (يو 1: 13)، وبتشبُّهنا الروحيّ بالابن الحقيقيّ بالطبيعة، ندعو الله يا أبانا. وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أي آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. لذلك قال المسيح: ’لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد وهو الذي في السموات (مت 23: 9)“.[54]

 

 

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو

سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. كيرلس الإسكندريّ، كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.

وراثة وزر عقاب خطية آدم

يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:

”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[55]

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية

يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، فلم يُعلِّم ق. كيرلس بوراثة عبء دين خطية آدم وذنبه كالتالي:

”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[56]

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني

يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. كيرلس الإسكندري ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[57]

يؤكد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسيّ كالتالي:

”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[58]

يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:

”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[59]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:

الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[60]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:

”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[61]

ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:

”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[62]

يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:

”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[63]

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط

يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ، بل يؤكد ق. كيرلس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:

”بل هو يتحدث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[64]

يتحدث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:

”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[65]

ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:

”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[66]

ويتحدث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:

”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[67]

ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[68]

نحن بشر مجبولون بالشر

يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. كيرلس الإسكندري، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:

”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[69]

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر

ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندري كالتالي:

”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأ فعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[70]

ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. كيرلس الإسكندري الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:

”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[71]

الشهوة الجنسية شرّ

يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس ق. كيرلس الذي يرى أن الشهوة عدم تحتاج إلى شخص لكي يمارسها كالتالي:

”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[72]

يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحركها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:

”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[73]

ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:

”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[74]

وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:

”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[75]

هلاك الأطفال غير المعمدين

يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:

”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[76]

يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً وق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:

وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[77]

يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:

”أسأل أيْن تُصاب النّفس بِالخطيئة الّتي بِنتيجتِها تسقُط في الهلاك الّذي لا يُعفى مِنه طِفل يموت بِدون نوال نِعمة المسيح بِالعِماد؟ لِأنّك لست مِن أولئِك الّذين ينطِقون بِأشياء جديدة، ويَذهبون إلى حدّ القوْل بِأنّه ليْس مِن خطيئة أصليّة يُعفَى مِنها الطِّفل بِالعِماد“.[78]

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم

يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس تمامًا، حيث أكد أننا لم نكن موجودين عندما أخطأ آدم وتعدى الوصية، بل انتقلت لنا نتائج خطيئته فقط، أي الفساد والموت. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[79]

ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق كالتالي:

”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[80]

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:

”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[81]

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني

يعلم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[82]

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية

ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. كيرلس الإسكندري بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[83]

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة

يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. كيرلس الإسكندريّ بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندري أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال ق. كيرلس، وقاله أيضًا آباء الشرق معه، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[84]

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر

ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:

”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[85]

ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:

”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة. وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[86]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. كيرلس الإسكندريّ الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:

”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[87]

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![88] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![89]

ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[90]

يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[91] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[92]

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية

يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل البذرية الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[93]

ماهية الخطية الأصلية

يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[94] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[95] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[96] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[97]

يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[98]

ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[99] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[100]

الشرور الموروثة من آدم

ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[101] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[102]

ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[103] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[104] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![105] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![106] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[107] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان

يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[108] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[109] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[110] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[111] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[112] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[113]

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[114] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[115]

يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![116]

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي

ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشر في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:

”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[117]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)

يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق لنفس الآية كالتالي:

”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[118]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:

”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[119]

يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:

لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[120]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:

”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[121]

ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:

”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[122]

 

 

الخلاصة

نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:

يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم، كما يشير ق. كيرلس إلى عدمية الشهوة الدنسة، وأنها تحتاج للإرادة البشرية العاقلة المريدة لكي توجد وتُفعَّل. يرفض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. كيرلس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. كيرلس تعليم الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.

يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب آدم، ويرى أننا لم نكن مذنبين مع آدم في خطيته، بل إننا صرنا مائتين من المائت، ولسنا خطاةً من الخاطئ. يفسر ق. كيرلس عبارة ”أخطأنا في آدم“ – التي يُدَّعَى باطلاً أنها تدل على اعتقاد وراثة خطية آدم عند ق. كيرلس – بأنها تدل على أننا كنا في آدم كطبيعة بشرية عاجزة عن الثبات وفقدنا الصالحات التي كانت مُعطَى لنا من الله. يشير ق. كيرلس إلى مفهوم الخطية الجدية باعتباره غياب عدم فساد الطبيعة البشرية وتفشي الفساد فيها بعد السقوط، والفساد هنا معناه حالة عدم الثبات والانحراف من حالة لأخرى، وليس الفساد بمعناه الأخلاقيّ أو الأدبيّ. يدحض ق. كيرلس التعليم بالقدرية ووراثة الخطية بالولادة، ويشدد على تعليم حرية الإرادة في الإنسان.

يدحض ق. كيرلس التعليم والمفهوم الأوريجانيّ لوراثة الخطية الأصلية باعتبارها سقوط الأنفس من العالم الطوباويّ السابق على وجودها في الجسد، وانحباسها في الجسد كعقوبة لها عن الخطية التي اقترفتها في عالم الغبطة السابق، وهكذا يرفض الوجود السابق للأرواح قبل ولادتها في أجسادها. يرى ق. كيرلس أننا نحن نرث نتائج عصيان آدم، وليس خطيئة آدم نفسها، كما يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه. يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط.

يشدد ق. كيرلس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. يذكر ق. كيرلس عدم وراثة الخطية الأصلية في يوحنا المعمدان، الذي كان ممتلئًا من الروح القدس من بطن أمه. يفسر ق. كيرلس آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) تفسيرًا مختلفًا تمامًا عن تفسير أوغسطينوس، الذي قرأ هذا النص في ترجمة لاتينية خاطئة، واستنتج منه أن الخطية موروثة من آدم لبنيه الذين أخطئوا فيه كشركاء له في ذنبه وخطيئته بتعدي الوصية. حيث يرى ق. كيرلس انتقال الفساد والموت للطبيعة البشرية، أي انتقال نتائج عصيانه إلى طبيعته البشرية ونسله من بعده. يفسر ق. كيرلس أن ناموس الخطية المتوحش هو كامن في أعضائنا الجسدية بعد السقوط، ولكنه ناموس إرادي خاضع لحرية إرادتنا وليس ناموسًا إجباريًا أو إلزميًا موروثًا يجبر الإنسان على ممارسة الشر والخطية رغمًا عنه، كما يدَّعي البعض عن سوء فهم وتشوش في الفكر. يسمِّي ق. كيرلس ناموس الخطية بـ ”ناموس الشهوة الطبيعي“ كمرادف لناموس الخطية الساكن في أعضائنا الجسدية، لارتباط ممارسة الخطية بالشهوة والشهوة بممارسة الخطية.

يشير ق. كيرلس إلى أن ناموس الخطية هذا ناتج عن لعنة الموت، فبسبب تغرب واغتراب وانفصال الإنسان عن الله سيطر عليه ناموس الخطية، وهكذا ناموس الخطية غير موروث من آدم بالتناسل والتزاوج كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي. يُعرِّف ق. كيرلس الخطية الجدية بأنها تغرُّب واغتراب وابتعاد عن وجه الله. يرى ق. كيرلس أن الطبيعة البشرية أصابها مرض الميل للخطية بعد السقوط، وليس أن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين الطبيعة البشرية كما قال بذلك الغنوسيون والمانويون وأوغسطينوس وأتباعه . يشير ق. كيرلس إلى إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم وسقوطها في الانحلال، فنحن نرث حكم الموت في آدم. يُعلِّم ق. كيرلس بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد بكيفية يعلمها هو وحده، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. كيرلس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية أو خطية فعلية.

يفسر ق. كيرلس آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) تفسيرًا بعيد كل البعد عن التفسير الأوغسطيني المعت باعتبارها دليل كتابيّ على وراثة الخطية الأصلية. ويشرح ق. كيرلس سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء بأنه من أجل تقديس طبيعتنا بالروح القدس، ولم يأت على ذكر منع الروح القدس لانتقال الخطية الأصلية من العذراء القديسة إلى المسيح، كما يدَّعي البعض متبعين في ذلك تعليم أوغسطينوس وأتباعه.

نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.

ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.

 

 

[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 1، ص 59.

[2] المرجع السابق، ص 59، 60.

[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 383.

[4] المرجع السابق، ص 104.

[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الخامس، ص 229.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥.

[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، المقالة 7: 27، ص 94.

[8] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 15، 16.

[9] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 68، 69.

[10] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، المقالة 2، ص 67، 76.

[11] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 699.

[12] المرجع السابق، ص 664، 665.

[13] المرجع السابق، ص 663.

[14] المرجع السابق، ص 530.

[15] المرجع السابق، ص 531.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 238، 239.

[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125، 126.

[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 45، ص 211.

[19] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.

[20] المرجع السابق، ص ١٢١.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 142، ص 691، 692.

[22] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 119.

[23] المرجع السابق، ص 120، 121.

[24] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الرابع، ص 195.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 528، 529.

[26] المرجع السابق، ص ٦٥٥.

[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 113- 115.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 2، ص 112، 113.

([29]) كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن الله له هيئة بشرية، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 8، ص.67، 68.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 164.

[31] Cyril of Alexandria, Commentaries on Romans, 1-2 Corinthians, and Hebrews, ed. Joel C. El owsky et al., trans. David R. Maxwell, Ancient Christian Texts (Downers Grove, IL: IVP Academic: An Imprint of InterVarsity Press, 2022), p. 4–5.

[32] Ibid.

[33] Cyril of Alexandria, Select Letters (The Answers to Tiberius, Doctrinal Questions), Edit. & Trans. by Lionel R. Wickham, (Oxford: Clarendon Press, 1983), p. 201, 203.

[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، رسالة 45: 9، ص 185، 186.

[35] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 2، ص 39.

[36] المرجع السابق، العظة 6، ص 57.

[37] المرجع السابق، العظة 34، ص 149، 150.

[38] المرجع السابق، العظة 78، ص 376، 377.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 76، 77.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 36، ص 158-160.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 222، 223.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 42، ص 196.

[43] المرجع السابق، العظة 118، ص 565.

[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 229، 230.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح تجسد الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، ٢٠١٥)، الفصل ٢٨، ص ٦٨.

[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم (1) إلى الرهبان: 20، ص 9.

[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو11: 26)، ص 46.

[48] A. Ehrhard, Der PapyrusCodex Saec. VI- VII Der Philipusbibliothek in Cheltenham Koptische theologische Schriften, Herausgegeben und ubersetzt von W. E. Crum, (StraBbrugh: Karl J. Trubner, 1915), pp. 43-48.

[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 54، ص 264.

[50] المرجع السابق، ص 265.

[51] المرجع السابق، العظة 121، ص 582.

[52] المرجع السابق، ص 583، 584.

[53] Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092.

[54] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 75، 76.

[55] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 122، ص 551.

[56] المرجع السابق، العظة في مز 103: 6، ص 98، 99.

[57] أوغسطينوس، مدينة الله مج1، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: ١٠، ص 237.

[58] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 3: 7، ص 218.

[59] المرجع السابق، 3: 4: 9، ص 220.

[60] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 36، ص 50.

[61] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 13، ص 226.

[62] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 49، ص 68.

[63] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 14، ص 226.

[64] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 25، ص 38.

[65] المرجع السابق، الفصل 28، ص 41.

[66] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز118: 1، ص 328.

[67] On the Spirit and the Letter xxx. 52 (MPL 44. 234).

[68] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج2، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، العظة في مز 45: 13، ص 234.

[69] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج3، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2015)، العظة الأولى في مز 70: 2، ص 284.

[70] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 10: 21، ص 233.

[71] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 27، ص 40.

[72] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 12: 5: 5، ص 484.

[73] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[74] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547، 548.

[75] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 14: 18، ص 195، 196.

[76] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 9، ص 17، 18.

[77] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 118، ص 448.

[78] أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، رسالة 166: 6، ص116.

[79] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في 118: 5، ص 453.

[80] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، خطاب 131 من أوغسطينوس إلى چيروم، 3: 6، ص 323.

[81] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 16: 27، ص 329، 330.

[82] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، الخطاب من أوغسطينوس إلى أوبتاتوس 144: 5، ص 430.

[83] المرجع السابق، 144: 7، ص 432.

[84] المرجع السابق، خطاب 144: 9، 10، ص 434-436.

[85] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 2، ص 9.

[86] المرجع السابق، الفصل 3، ص 11، 12.

[87] المرجع السابق، الفصل 34، ص 48.

[88] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[89] المرجع السابق، ص 56.

[90] المرجع السابق، ص 60.

[91] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[92] المرجع السابق، ص 236.

[93] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 14، ص 126.

[94] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 3: 5، ص 250. ومدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 23، ص143، 144.

[95] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 13: 18، ص 271.

[96] المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.

[97] المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.

[98] المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.

[99] المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.

[100] المرجع السابق، ص 533.

[101] المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.

[102] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[103] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[104] المرجع السابق، ص 548.

[105] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[106] المرجع السابق، ص 56.

[107] المرجع السابق، ص 60.

[108] المرجع السابق، ص 69.

[109] المرجع السابق، ص 70.

[110] المرجع السابق، ص 71.

[111] المرجع السابق، ص 73.

[112] Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. by Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.

[113] Ibid, P.184.

[114] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[115] المرجع السابق، ص 236.

[116] المرجع السابق، 9: 5، ص 427.

[117] المرجع السابق، ص32-33.

[118] أوغسطينوس، عظات على المزامير ج2، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، عظة في المزمور 50: 10، ص 362، 363.

[119] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، ١٤: ٢٣، ص 201.

[120] Letter clxxxvi. 7. 23 (PL 33. 824).

[121] Letter clxxxvi. 7. 22; 6. 18 (PL 33. 823).

[122] On the Gift of Perseverance xiv. 37; xiv. 38; xiv. 40 (PL 45. 1016-1018).

 

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري.. 4

خلاص الإنسان بالتأله. 4

مفهوم المصالحة. 6

الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية. 6

مفهوم الغضب الإلهي. 13

مفهوم العداوة 22

مفهوم الذبيحة. 23

مفهوم الفدية. 24

مفهوم الدين. 31

دحض نظرية الإبدال العقابي. 33

دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ. 34

مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية. 35

الخلاص بالأسرار. 38

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن. 44

مفهوم نظرية البدلية العقابية. 44

مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي. 46

مفهوم الغضب والعقوبة. 47

مفهوم اللعنة. 48

حمل المسيح لإنتقام الله العادل. 48

مفهوم الذبيحة. 49

مفهوم التبرير بالدم 49

مفهوم العداوة والمصالحة. 49

مفهوم الثمن. 50

مفهوم التبرير القانوني. 51

البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة. 52

الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية. 55

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 59

 

 

 

مقدمة

سوف نُحاوِل في هذا البحث المختصر دحض أوهام البعض بوجود بدلية عقابية في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، لاهوتيّ التأله والانجماع الكليّ في المسيح، وذلك من خلال عمل دراسة مقارنة بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ حول تدبير الخلاص، وبين تعليم چون كالفن حول البدلية العقابية والكفارة، حيث يُعتبر چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، إنْ لم يكن الممثِّل الأساسيّ لنظرية البدلية العقابية في شرح الفداء والكفارة، والهدف من هذه الدراسة المقارنة هو توضيح ما هي البدلية العقابية؟ وما هي عناصر التعليم بالبدلية العقابية؟ وكيف أقول إن هذا الأب أو غيره من آباء الكنيسة لديهم تعليم بدلية عقابية في تعاليمهم.

لقد دأب البعض على ملء الدنيا صياحًا بأن هناك بدلية عقابية في فكر آباء الكنيسة الشرقية عامةً، وفي فكر ق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، ويبدو أنهم لا يعرفون ما هو مفهوم البدلية العقابية التي يدَّعونها زورًا وبهتانًا على آباء الكنيسة الشرقية الذين يؤمنون بالخلاص عن طريق التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، ضاربين عرض الحائط الدراسات اللاهوتية والآبائية الأكاديمية العديدة، التي تؤكد إنه لا يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ كما شرحه رجال الإصلاح البروتستانتيّ، وأهمهم چون كالفن، في تعليم آباء الكنيسة الشرقية، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بهذه الدراسات الأكاديمية على أعلى مستوى لاهوتيّ أكاديميّ، بل يستخدمون بعض النصوص هنا وهناك من أجل إيهام البسطاء بإنه يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ في تعليم آباء الشرق، ونسوا إنه الجيل القادم لن يقتنع بحججهم الواهية والضعيفة غير المثبَتة أكاديميًا ولاهوتيًا، بل هي مُجرَّد أوهام وخيالات وضلالات يوهمون بها أنفسهم لضلال أنفسهم وضلال الآخرين، وهي والعدم سواء.

أود التنويه إلى أن نصوص ق. كيرلس الإسكندريّ ونصوص چون كالفن هي بعض من كل، فهناك العديد من النصوص لكليهما التي تفي بغرض البحث، والذي هو نفي وجود تعليم البدلية العقابية في تعليم تدبير الخلاص للقديس كيرلس الإسكندريّ، وتوضيح المعنى الصحيح للبدلية العقابية في تعليم الكفارة والفداء عند چون كالفن، كمُمثِّل أساسيّ للتعليم الصحيح والدقيق عن البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ، والذي نقيس من خلاله هل يوجد تعليم بدلية عقابية في تعليم أيّ أب شرقيّ من عدمه، وليس كما يدّعي الجهلاء بتعليم البدلية العقابية وينسبونه زورًا وبهتانًا إلى آباء الكنيسة الشرقية عامةً والقديس كيرلس الإسكندريّ خاصةً.

 

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، أحد أهم آباء الشرق المسيحيّ في عصره، مُمثِّلاً عن الفكر الآبائيّ اليونانيّ الشرقيّ عامةً، وعن الفكر الآبائيّ الإسكندريّ خاصةً، وسوف نعقد مقارنة بين مفاهيمه حول تدبير الخلاص، وبين مفاهيم چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، والذي يُعتبر النسخة المكتمِلة والناضجة لنظرية البدلية العقابية في الغرب، وذلك لكي نعرف هل هناك تعليم ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ أم لا؟

خلاص الإنسان بالتأله

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الابن وحده يعطي ما يخص طبيعته ليصير خاصًا بالبشر جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بين البشر، وهذا لا يمكن أن نجده في تقديم المسيح كبديل عقابيّ عن خطايانا، كالتالي:

”إذ حيث إنهم قَبِلوا الابن فقد نالوا السلطان أن يعدوا من أولاد الله، فالابن وحده هو الذي يُعطِي ما يخص طبيعته [اللاهوتية]، ليصير خاصًا بهم جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بينهم لتكون هذه صورة طبيعة محبته للإنسان وللعالم. وليس هناك وسيلة أخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا ’صورة الترابيّ‘ نهرب من الفساد، إلا إذَا خُتِمنا بجمال ’الصورة السمائية‘ (1كو 15: 49) بدعوتنا إلى البنوة، لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس، نُختَم لنكون مثله ونرتفع إلى الصورة الأولى التي أخبرتنا الكتب المقدَّسة أننا خُلِقَنا عليها (تك 1: 27). وبذلك نكون قد استعادنا جمال طبيعتنا الأولى وخُلِقَنا من جديد لنكون على مثال الطبيعة الإلهية، ونصير مرتفعين عن الأمراض التي أصابتنا بسبب السقوط. إذًا، نحن نرتفع إلى كرامة أسمى من طبيعتنا بسبب المسيح لأننا سنكون أيضًا ’أبناء الله‘ ليس مثله تمامًا، بالنعمة وبالتشبُّه به“.[1]

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن المسيح أضأ علينا، لأنه جعلنا مثله، وهكذا قد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورة إلهية في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله كالتالي:

”وقد أضأ علينا لأنه جعلنا مثله، فقد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورةٍ إلهيةٍ في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله“.[2]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تألُّه ناسوت المسيح، الذي يُعد الوسيلة الوحيدة لتألُّه أجسادنا نحن أيضًا، وهذا التعليم لا يوجد في تعليم البدلية العقابية، ولا يمكن التوفيق بين تعليم البدلية العقابية وتعليم الخلاص بتأليه الإنسان من خلال تألُّه جسد المسيح الذي هو جسد البشرية كلها، وفيه تتألَّه البشرية كلها، حيث يقول التالي:

”تتقدَّم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألَّهت، وهذا مُبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل [الجسد] الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة مُتألهةً بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعَى أبناء الله وآلهةً. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة مُنتقِلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية بنعمة المسيح“.[3]

مفهوم المصالحة

ويرى ق. كيرلس، في سياق شرحه لمفهوم المصالحة بين الجميع مع الآب في المسيح، أن الابن نزل إلى مستوى العبودية دون أن يفقد ما يخصه كإله، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياءً، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً وأبناء الله بالإيمان، لأن الابن الذي هو الله بالطبيعة سكن فينا، وأحتوى الكل فيه، وهكذا صالح الكل في جسدٍ واحدٍ مع الآب كالتالي:

”أليس واضحًا للجميع أنه نزل إلى مستوى العبودية، دون أن يفقد ما يخصه كإلهٍ، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياء (أنظر 2كو 8: 9)، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً، وأبناء الله بالإيمان؟ وتمَّ ذلك لأن الذي هو بالطبيعة الابن، والذي هو الله، قد سكن فينا، ولذلك نصرخ بروحه: ’يا آبا الآب‘ (رو 8: 15). وسكن الكلمة في هيكلٍ واحدٍ أخذه منَّا ولأجلنا، وصار مثل الكل، لأنه أحتوى الكل فيه، واستطاع أن ’يصالح الكل في جسدٍ واحدٍ‘ مع الآب، كما يقول بولس (أف 2: 16-18)“.[4]

الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ نظرية الإبدال العقابيّ، التي يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي أنها موجودةٌ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، حيث يُؤكِّد على فكرة وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

”ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا الكاملة“.[5]

وهذا ما يُؤكِّده أيضًا ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل العقابيّ، ومُؤكِّدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، قائلاً:

”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السرِّ العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[6]

ويدحض ق. كيرلس فكرة البديل العقابيّ مُؤكِّدًا على أن المتَّحِدين بالمسيح هم مصلوبون معه قائلاً:

”وبطريقةٍ أخرى، فإن المتَّحِدين بالمسيح هم أيضًا مصلوبون معه، فإنهم إذ يقبلون الموت عن سيرتهم القديمة في الجسد، فإنهم يُعاد تشكيلهم إلى حياة جديدة حسب الإنجيل“.[7]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على انتقال عملية الشفاء من المسيح إلينا نحن المشتركين معه في نفس الطبيعة البشرية كالتالي:

”وهكذا فإن الطبيعة الإنسانية في المسيح تنتقل إلى حالة أفضل وأكثر اقترابًا من الطبيعة الإلهية. وبهذه الطريقة – وليس بغيرها – فإن عملية الشفاء اجتازت منه إلينا نحن. لأن طبيعة الإنسان أُعِيدت إلى جدَّة الحياة، في المسيح نفسه أولاً -كباكورة، وفيه أيضًا قد حصلنا على الأمور التي تفوق الطبيعة. ولهذا السبب، فهو يُدعَى في الكتب المقدسة ’آدم الثاني‘ (1كو 15: 45)“.[8]

يُؤكِّد ق. كيرلس على اتحاد المسيح بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا مشيرًا إلى فكرة وساطة المسيح بين البشرية والله كالتالي:

”ولن يستطيع أحد إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح. لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فهو من خلال نفسه وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله. فحيث إنه مولودٌ من جوهر الله الآب، إذ هو الكلمة، والبهاء، والصورة ذاتها، فهو واحد مع الآب، لكونه في الآب كليةً، والآب كائنٌ فيه هو نفسه؛ أما من جهة صيرورته إنسانًا مثلنا، فهو يتَّحد بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا، وهكذا فهو قد صار بمعنى كرابط بين ناحتين، إذ يحوي في ذاته كل ما يؤدي إلى الوحدة والصداقة“.[9]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن السبب الحقيقيّ والشامل لتجسُّد الابن الوحيد هو انجماع كل شيء في المسيح من أجل استرجاع كل الأشياء التي انحرفت إلى ما كانت عليه في البداية قائلاً:

”ونعرف أننا نحن أيضًا نكون فيه – بنفس الطريقة – وهو فينا. لقد قدَّم بولس الحكيم سببًا حقيقيًا وشاملاً لتجسُّد الابن الوحيد، عندما قال: ’إن الله الآب سُرّ أن يجمع كل شيء في المسيح‘ (أف 1: 10)، وكونه ’يجمع في واحد‘ في الاسم والشيء معًا، فهذا معناه استرجاع كل الأشياء التي انحرفت بعيدًا، وإعادتها إلى ما كانت عليه في البداية. ثم إذ يريد أن يضع أمامنا بجلاءٍ طرق ’جمع كل شيء‘ بالتفصيل قال مرةً: ’لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ‘ (رو 8: 3، 4)؛ ويقول في مرة أخرى: ’فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ‘ (عب 2: 14، 15). وهكذا عندنا هنا طريقان ’لجمع الأشياء معًا‘ قدَّمها بولس الرسول لشرح تعليم تجسُّد الابن الوحيد بحسب لزوم الأمر. ولكن هناك طريقة أخرى تشمل الطرق المتعددة، قدَّمها لنا البشير يوحنا. فهو يكتب عن المسيح هكذا: ’إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ‘ (يو 1: 11-13). هكذا، أظن أنه يتضح تمامًا ويظهر جليًا للكل، أنه لهذه الأسباب خاصةً قد صار الابن الوحيد إنسانًا، الابن الوحيد الذي هو بالطبيعة إله ومن الله؛ بقصد أن ’يدين الخطية في الجسد‘، ولكي بموته يذبح الموت، ويجعلنا أولاد الله، مجددًا بالروح الذين على الأرض وناقلاً إياهم إلى كرامة فوق الطبيعة. لأني أعتقد أنه حسن جدًا أن يجمع كل الأشياء معًا في واحد، ويعيد الجنس البشري الذي كان قد عثر وسقط إلى الحالة الأولى“.[10]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح ليردها مرةً أخرى إلى حالتها الأولى كالتالي:

”ولذلك فإن الله الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح مرةً أخرى ليردها إلى حالتها الأولى، وأراد أن يتحقَّق هذا بالمسيح“.[11]

ويُشدِّد ق. كيرلس على وجودنا الحقيقيّ في المسيح بسبب مجيئه في الجسد، داحضًا بذلك أي كلام عن أننا جسد رمزيّ أو اعتباريّ، بل أننا جسد حقيقيّ للمسيح قائلاً:

”فالمخلِّص الذي هو الحياة بالطبيعة صار إنسانًا إذ لبس طبيعتنا، وذلك لكي يُحرِّر أولئك الذين هم تحت دينونة اللعنة القديمة، من الفساد والموت. لأنه هكذا قُهِرَت قوة الموت، وتلاشى سلطان الذي سيطر علينا. وحيث إن الطبيعة الإلهية خالية تمامًا من أيّ ميل نحو الخطية، فقد رفعنا ومجَّدنا بواسطة جسده الخاص. لأننا فيه يكون لنا جميعًا وجود حقيقيّ، بسبب مجيئه في الجسد“.[12]

ويُوضِّح ق. كيرلس أن موت المسيح على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشري أو نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بدافع حبه الأصيل قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم للآب، فلم تكن ذبيحة المسيح ترضيةً للآب، بل بدافع الحب منه للبشر كالتالي:

”يُدافِع البشير الحكيم جدًا بطريقةٍ نافعةٍ عن الآلام الخلاصية، ويبين أن الموت على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشريّ، ولم يعان المسيح الموت نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بالحري قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم لله الآب بدافع حبه الأصيل. فحيث إنه كان ينبغي أن يتألم لكي يُبطِل ما دخل من فساد وخطية وموت، فقد أعطى نفسه فديةً عن حياة الجميع“.[13]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن الكل كان موجودًا في المسيح بصيرورته إنسانًا، وهكذا مات بالجسد لأجلنا ليقيم طبيعتنا كلها معه، وقَبِلَ الروح القدس في جسده لأجلنا لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها كالتالي:

”وأيضًا إذ هو الحياة بالطبيعة، مات بالجسد لأجلنا، لكي يغلب الموت لأجلنا، ويُقِيم طبيعتنا كلها معه، لأن الكل كان فيه بصيرورته إنسانًا، وهكذا أيضًا قَبِلَ الروح القدس لأجلنا، لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها. لأنه لم يأت لكي ينفع نفسه، بل لكي يصبح لنا جميعًا، الباب والبداية والطريق لكل الخيرات السمائية“.[14]

ويدحض ق. كيرلس نظرية البدلية العقابية مُشِيرًا إلى أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنا، بحيث أن موت الكل حدث في المسيح، لأن الكل كان فيه كالتالي:

”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنا. الواحد عن الكل؛ لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحد مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي بسببنا ولأجلنا مات وقام. لقد أبيدت الخطية، فكيف يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن، بعد أن أُبِيدت الخطية؟ لذلك نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ (هو 13: 14؛ 1كو 15: 55)“.[15]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا في موضع آخر عن الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية البدلية العقابية قائلاً:

”ولا يوجد أدنى شك في أن جرائم عصيان آدم، قد وجدت حلاً بالمسيح؛ لأنه كما هو مكتوب ’صار لعنةً لأجلنا‘ (غلا 3: 13)، مُحرِّرًا الأرض من اللعنة القديمة. ونقول حقًا إن الكُل انجمع بواسطته إلى حالته الأولى التي أعطاها الله الآب. إذًا، ’إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17). لأنه هو آدم الثاني وبطاعته، أبعد عنا تهمة الإنسان الأول، أقصد العصيان بالتأكيد، الذي صار في بدايات الخليقة“.[16]

يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندريّ بين الهرطوقيّ والأرثوذكسيّ بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:

”وحيث أن الهرطوقيّ في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: [إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تُشِير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي]. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبيِّن للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة. فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]، فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦). كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[17]

مفهوم الغضب الإلهي

يُحدِّد ق. كيرلس الإسكندري ماهية الغضب الإلهيّ، حين يتحدَّث عن الحياة إنها الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أمَّا ”غضب الله“ فهو عذابات الأشرار، حيث يقول:

”لكن إنْ كان من الممكن إدراك أنَّ غير المؤمن سوف يُحرَم من الحياة في الجسد، لكنه بالتأكيد قد أضاف على الفور ’بل يمكث عليه الموت‘ لكن حيث إنه يُسمِّيه ’غضب الله‘، فمِن الجلي إنه يعقد مُقارنة بين عقاب الأشرار وتنعُّمات القديسين، وأيضًا يصف تلك الحالة بكلمة ’الحياة‘ التي هي الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أما عذابات الأشرار فيُسمِيها ’غضب الله‘، وكثيرًا ما سُمِيَ ذلك العقاب في الكتاب المقدَّس إنه ’غضب‘، وسوف أقتبس من شاهدين، بولس ويوحنا المعمدان: إذ يقول الأول للمهتدين بين الأمم ’وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضًا‘ (أف2: 3)، ويقول الآخر للكتبة والفريسيين: ’يا أولاد الأفاعي، مَنْ أراكم أنْ تهربوا من الغضب الآتي؟‘ (مت3: 7)“.[18]

يستنكر ق. كيرلس فكرة وراثة الغضب الإلهيّ من الآباء للأبناء بسبب خطايا الآباء، حيث إنهم لو كانوا حكماء، ألا يكون لائقًا بهم بالأحرى أنْ يعتنقوا الرأي الذي يقول: أن الله الذي هو مصدر البر ومصدر قوانيننا الأخلاقية لا يُمكِن أنْ يفعل شيئًا مُخجلاً كهذا؛ لأنه حتى الناس يُعاقِبون العصاة بحسب القوانين، ولكنهم لا يُوقِعون هذه العقوبات على أولادهم، إلا لو كان هؤلاء الأولاد مُشترِكين مع آبائهم في الأفعال الشريرة. فذلك الذي وصف لنا قوانين كل عدل، كيف يُمكِن أنْ يُقَال عنه أنه يُوقِع عقوبات تُعتبر مُدانة عندنا بشدة (لأنها غير عادلة).[19]

ويُناقِش ق. كيرلس موضوع الانفعالات البشرية المنسوبة لله في الكتاب المقدَّس من الغضب والندم والسخط، ويُعلِّل ذلك بأن السبب الحقيقيّ الذي جعل الكتاب المقدَّس يُحدِّثنا عن الله بأقوال تخص الأعضاء الجسدية، هو ضعف عقلنا ولغتنا. بدون شك الأمور المتعلِقة بالله هي أبعد من أنْ تُوصَف. وبالتأكيد لا يُمكِننا أنْ نُدرِك الأمور الهامة عن الله، نحن الذين نحيا في أجساد مادية وسميكة، إلا فقط، إذا قَبِلنا أمثلة ونماذج تتناسب مع نوعية طبيعتنا. بمثل هذه الطريقة فقط، يكون لدينا المقدرة أنْ نرتفع نحو مفاهيم سامية عن الله.[20]

يتحدَّث ق. كيرلس عن إنذارات الله لأولئك الذين يُغضِبونه ويُسبِّبون له حزنًا، حيث يُعلِن الله لهم الأمور التي سوف تحدث لهم أحيانًا، ولكن بطرق ملائمة، على الأقل برسالة الملائكة إلى العقل البشريّ، وعندما يُعلِّم بها أولئك، يذوبون خوفًا من الحزن، ويصير هذا الإعلان بالنسبة لهم بمثابة إنذارٍ كبداية للغضب والعقاب الذي يُهدِّدهم. ولأنه يستريح في الأنبياء القديسين، ففي مرات كثيرة يُعلِن لهم، ليس فقط الأمور المحزِنة والأمور التي سوف يُضايقون بها شخصًا لتجعله يجلس ويبكي، لكن أيضًا يذكر لهم الأمور المفرِحة حقًا لرفاهية البعض، أمَّا الفُجَّار وأتباع المنجِّمين فيكشف لهم الأمور الشريرة التي سوف تحدث لهم.[21]

يُوضِّح ق. كيرلس إلى أن الله استخدم في العهد القديم تعبيرات بشرية عن ذاته بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا وبسبب استعمال اللغة وعجزها كالتالي:

”ورغم أنك قد تقول إن الله قال في كتاب العهد القديم لليهود: ’أصوامكم وأعيادكم بغضتها نفسي‘ (أنظر إش 1: 13، 14 سبعينية)، وتعبيرات أخرى مشابهة، إلا أننا نقول إنه استعمل طريقتنا في الكلام، خاصةً بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا، وبسبب استعمال اللغة وعجزها، فهو يتحدَّث عن طبيعته غير الجسدية على أن لها وجهًا، وعيونًا، وأعضاءً أخرى“.[22]

يُشِير ق. كيرلس إلى أننا ينبغي أن نوجه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية التي لا تستطيع التعبير عن الحقائق الإلهية بطريقة مناسبة قائلاً:

”فلا ينبغي أن نعثر بسبب هذا، بل بالحري ينبغي أن نُوجِّه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية، التي لا تستطيع أن تُعبِّر عن الحقائق الإلهية بطريقةٍ مناسبةٍ. فما هي اللغة التي تكفي أن تشرح طبيعة الله ومجده اللذين يفوقان كل تعبير“.[23]

ونرى ق. كيرلس يُؤكِّد على أن الله عديم الهوى أو خالي من الهوى απαθής أي الأهواء البشرية كالتالي:

”وبما أن الابن يُقارن بالآب من جهة الأعظم والأدنى، وهذه المقارنة تقع خارج الهوى، خاصةً وأن الله عديم الهوى απαθής، وبما أن الآب لا يتفوق على الابن، باعتبار أن الابن له نفس جوهر الآب، ولا يمكن للابن أن يعاني شيئًا أو يتأثر بشيءٍ، فالقول ’أعظم‘، إنما يُقال فقط من جهة بداية الابن الأزلية من الآب“.[24]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ مثله مثل جميع آباء الشرق اليونانيّ، وبالخلاف عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ، ولاهوت العصر الوسيط، واللاهوت البروتستانتيّ، على أن الله هو هو دائمًا، لا يتحوَّل ولا يتغيَّر من حال إلى حال، وأن عدم التغيُّر في الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهر الله نفسه كالتالي:

”بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عُرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال. وعدم تغيُّر الله ليس صفةً عرضيةً، بل يرجع إلى جوهره“.[25]

ويُشِير ق. كيرلس أيضًا إلى احتمال الله للبشر الذين يصبون جام غضبهم عليه، ليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء كالتالي:

”فقد أتى مُخلِّصنا مرةً إلى قرية السامريين بالقرب من اليهودية؛ فلم يقبلوه وثار التلاميذ بسبب هذا الأمر، وقالوا له: ’يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم‘ (لو 9: 52-56). فأنتهرهم المخلِّص ورفض أفكارهم. لأنه لم يأت كإله ليستخدم قوته الإلهية ضد أولئك الذين يصبون جام غضبهم عليه، بل بالحري ليُعلِّمنا أن نحتمل ونصبر في كل الضيقات، وليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء. لذلك قال أيضًا: ’تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[26]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الله هي طبيعة بسيطة، وحتى إن كانت أفعاله متنوعة، ولها إرادة بسيطة حكيمة، فما يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا ينسجم غضب الله مع لطفه كالتالي:

”هل لمجرَّد أن قُلنا إن الطبيعة الإلهية طبيعة بسيطةٌ، يُنكِرون أن تكون أفعال الله متنوعةً. يجب عليهم أن يعرفوا أن هذه الطبيعة لها إرادة بسيطة حكيمة، وليس إرادات مُتعدِّدة، وذلك لأن الله يمكن أن يلوم الذين يمدحهم، ويُؤدِّب الذين يحبهم. والذي يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا فغضب الله ينسجم مع لطفه. وأنا أريد أن أُضيف شيئًا آخر: إن اللاهوت طبيعة واحدة بسيطة، ولكنه أيضًا هو الحياة والقوة والحكمة والمجد“.[27]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع للأهواء البشرية مثل الغضب، ويُوضِّح أن غضب الله يكون بالطريقة المعروفة لنفسه فقط وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق كالتالي:

”حينما يريد الكتاب الإلهيّ أن يُعبِّر عن غضب الله ضد الخطط الشريرة من أي نوع، فهو يقتبس الكلمات من التعبيرات المستعمَلة بيننا، ويتحدَّث عن الغضب بعباراتٍ بشريةٍ؛ رغم أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع لهذه الأهواء بأي طريقة يمكن مقارنتها بمشاعرنا، ولكنه يتحرك بالسخط بالدرجة المعروفة لنفسه فقط، وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق. ولكن الكتاب الإلهيّ، كما قُلنا، يُسجِّل أشياء أعلى بكثير من قدرتنا البشرية“.[28]

ويعترض ق. كيرلس على انفعال بطرس الرسول على عبد رئيس الكهنة، مُؤكِّدًا على أن المسيح جاء ليعطينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، وهكذا يلوم المسيح الانفعالات التي بحسب الناموس، والتي لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية كالتالي:

”لذلك فإن انفعال بطرس كان مشروعًا بحسب القوانين القديمة؛ ولكن ربنا يسوع المسيح حينما جاء ليُعطِينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، يلوم تلك الانفعالات التي بحسب الناموس، على أنها لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية. لأن الفضيلة الكاملة لا تكون بمجازاة الفعل بمثله، بل بالحري تَظهر في الترفق الكامل“.[29]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله لم يمنعه من أن يربي ويفيد البشرية بطرق متنوعة، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين تم تضليلهم وينقلهم إلى ما يفيدهم كالتالي:

”لكن بالإضافة إلى هذا، لاحظ أن غضب إله الكل في هذه الحالة، لم يمنعه من أن يربي ويفيد بطرقٍ متنوعةٍ، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين أُضِلوا وينقلهم إلى ما يُفِيدهم“.[30]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الله لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر في الشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع، لأنه كيف يكون طويل الأناة وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إن كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورة في الشخص المخطئ، فمن الحماقة تمامًا أن نفترض أن الله مع محبته ولطفه بالبشر، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول. وهكذا يدحض ق. كيرلس أولئك القائلين بوراثة العقوبة من الآباء إلى أبنائهم حتى الجيل الرابع قائلاً:

”ولهذه الغاية فهو يُعلِن أن: ’الرب طويل الروح وكثير الإحسان، يغفر الذنب والسيئة‘ (عد 14: 18). ولذلك فهو لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر بالشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع. لأنه كيف يكون طويل وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إنْ كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورةً فقط في الشخص الذي أخطأ، بل يمدها إلى ما بعد الجيل الثالث، فيكون بذلك كنوع من الرعد الذي يصعق حتى البريء. إذًا، فإنه مما لا يُصدَق بالمرة ومن الحماقة التامة أن نفترض أن الله، مع محبته للبشر ولطفه، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول“.[31]

يُوضِّح ق. كيرلس أن الله بطيء الغضب جدًا نحو آثام الذين يحزنونه بخطاياهم كالتالي:

”وإذ هو بطيء الغضب جدًا نحو آثام أولئك الذين يحزنونه بخطاياهم طبعًا، وإذ هو يفي بوعده للآباء القديسين، فإنه يصعد ليعلمهم ويضع أمامهم تعاليم الخلاص“.[32]

يُؤكِّد ق. كيرلس على أن اليهود بعدم إيمانهم أوقعوا أنفسهم تحت الغضب الإلهي، ولكن الرب كطبيب ماهر يُظهِر ضعفهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، يكشف عن سببه، لكي لا يبقوا رازحين تحته، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع الذي حزن كثيرًا لأجلهم لأسباب عادلة كالتالي:

”لم يقل الرب فقط: ’لقد رأيتموني، ولستم تؤمنون‘، لكن كان من الضروري أن يُورِد ذكر السبب في عماهم، ليعرفوا أنهم قد وقعوا تحت الغضب الإلهي. لهذا، وكطبيبٍ ماهرٍ فإنه يُظهِر ضعفهم من جهة، ويكشف عن سببه من جهة أخرى، لا لكي إذا ما علموا بأمره يبقوا رازحين فيه، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع، الذي حزن لأجلهم كثيرًا لأسبابٍ عادلةٍ“.[33]

ويُشدِّد ق. كيرلس على أن الإنسان الذي يهمل وصايا الله الواجبة، ويصير أسيرًا للخطية، هو علة الغضب الإلهي، وليس الله هو المتسبب في ذلك، فهذا غير منطقي تمامًا، فالغضب الإلهي هو عدم شمول عطف الرب لنا، وهكذا لن يكون هناك عائق أمام الخطية يمنعها من تعذبينا بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشر علينا كالتالي:

”بلاديوس: إذًا، هل عندما نُهمِل وصايا الله الواجبة، ونصير أسرى للخطية، نُلقِي اللوم على الله، ونشتكي من غضبه، وندَّعي أننا بسبب هذا الغضب أخطأنا؟ كيرلس: بالطبع، لا يمكن أن يكون الله هو المتسبِّب في هذا؛ وإلا كان ذلك غير منطقيّ. لكن عندما نقول: ’أنت سخطت إذ أخطأنا‘، نقصد أنه إذا لم يشملنا عطف الرب، فلن يكُن أمام الخطية أي عائق يمنعها من تعذيبنا، وذلك بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشرِّ علينا“.[34]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله على العاصين ممزوجٌ بالوداعة، فلم يسمح ناموس الطبيعة – الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة – بحدوث فساد ودمار شامل عام كالتالي:

”إذًا، لا يسمح ناموس الطبيعة بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يُعلِن إن الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُسَاق تمامًا نحو العدم، يسودها فساد طائش، لكنها تبقى يتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُص من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته، إذ مكتوب الآتي: ’فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وإن خلائق العالم مفيدة وليس فيها سم مهلك، ولا مُلِك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأن البر خالد‘ (حك 1: 14)“.[35]

يُوضِّح ق. كيرلس أن الله لا يمكن أن يكون ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، داحضًا بذلك فكرة الغضب الإلهي الانتقامي والجزائي التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح قائلاً:

”لأن الله لا يمكن أن يوجد ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، بل بالحري هو الفضيلة ذاتها في كل صورها، وبكل يقين قد تصرف في هذا الأمر تصرفًا حسنًا، وكانت عاطفته خالية من كل لوم“.[36]

مفهوم العداوة

يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم إبطال العداوة، وعلى عكس مفهوم البدلية العقابية أن الله الآب كان غاضبًا علينا وفي عداوة معنا بسبب الخطية التي أهانت كرامته، فقام الآب بمعاقبة الابن كبديل عقابيّ عنا لكي يتصالح معنا وتنتهي عداوته لنا، ولكن يرى ق. كيرلس أن الابن وحَّدنا بذاته مع الله الآب مبطِلاً العداوة كالتالي:

”صار [المسيح] لأجلنا الأساس والأمان ودعامة ثابتة، وحجر الأساس غير المتصدِع. […] لقد وحَّدنا بذاته مع الله الآب مُبطِلاً العداوة كما هو مكتوب (أف 2: 15-16). وقال حقًا لأبيه السماويّ عن كل الذين تبرَّروا بإيمانهم فيه: ’أيها الآب أنت فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا‘ (يو 17: 21)“.[37]

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بوجود أية خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”وقد أظهره الله الآب مُتجسِّدًا، ومنظورًا، وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: ’هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا‘ (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم ’يقل هذا الجسد‘، بل ’هذا هو ابني‘، وذلك حتى لا نَعتبره مُجزَّئًا ومُنفصِلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا – واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقةٍ فريدةٍ خاصةٍ – على أن المتجسِّد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقيّ، وكيف لا يكون؟“.[38]

مفهوم الذبيحة

يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم ذبيحة المسيح على الصليب، ويدحض في نفس الوقت مفهوم ذبيحة المسيح كبديل عقابيّ عن البشرية يقدم هذه الذبيحة ترضيةً لغضب الله الآب على البشرية الخاطئة، حيث يرى أن المسيح ذُبِحَ أمام الله الآب وبموافقته من أجل خلاص العالم، ولكن الآب لم يستعذب ويرضى بالألم الذي تعانيه الذبيحة لكي يهدئ من غضبه، كما تُصوِّره نظرية البدلية العقابية، بل كان يعرف أن آلام ابنه هي من أجل خلاص العالم كالتالي:

”هكذا يصير ذبحه أمام الربِّ، معطيًا بذلك إشارةً إلى موافقة الآب على أنه يجب أن يموت الابن، ولم يرفع نظره بينما كان يُذبَح. لكنه على أية حال، لا يستعذب الألم الذي تُعانِيه الذبيحة ويثني عليه، إلا أنه يعرف أن ألم عمانوئيل هو لأجل خلاص العالم. إذًا، فقد حمل المسيح خطايانا، وتألم لأجلنا محتملاً الذبح فوق الصليب الكريم“.[39]

ويشرح ق. كيرلس مفهوم الذبيحة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح أشرق في الكنيسة في العالم بطرقٍ كثيرةٍ، وهكذا قُدِّمت كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ لله وفديةً وتعويضًا لأجل حياة الكل، لأنه كان واحدًا في الجوهر مع كل البشر، وهكذا لأن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ وبدايةٍ للطبيعة البشرية الجديدة، وهكذا تُقدَّم الذبيحة كل يوم باستمرار، لأن المسيح سيظهر بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه ذبيحةً بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة، وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة لله الآب لكي ما نصير فيه ذبيحةً مُقدَّسةً ونموت عن العالم كالتالي:

”سأعرض لك الأمر بقدر المستطاع: عندما ظهرت الخيمة المقدَّسة الحقيقية، أي الكنيسة في العالم، وأشرق المسيح فيها بطرقٍ كثيرةٍ، قُدِّمَت فديةٌ وتعويضٌ لأجل حياة الكل كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ إلى الله، الواحد في الجوهر مع كل البشر. أي بسبب أن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ، وبدايةٍ للطبيعة البشرية (الجديدة)، والذي تفوح منه القداسة الموجودة فيه من طبيعته وجوهره لأنه هو الله. […] التقدمة اليومية تشير إلى استمرارية ذبيحة المسيح كل يوم وعدم انقطاعها، والثمار تشير إلى الذين خلصوا بالإيمان. لأن السجود له لن ينقطع، ولا تقديم العطايا. سوف يظهر المسيح بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة. وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة. لأنه يُقدِّم ذاته ذبيحةً إلى أبيه، وليس بالتأكيد لأجل ذاته وفق التعليم المستقيم، لكن لأجلنا نحن الذين كنا تحت نير وثقل الخطية. ونحن نتشبه حقًا بذاك ونصير ذبيحةً مُقدِّسةً ونموت عن العالم (رو 6: 5)، لأنه الخطية ماتت فينا ونحيا لله حياة القداسة“.[40]

مفهوم الفدية

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى مفهوم الفدية، حيث يُعطِينا المخلِّص نحن البشر الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته. كما يرفض ق. كيرلس أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس، ويُؤكِّد على تقديم الفدية لأجلنا، حيث قدَّم المسيح الفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالي:

”لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها“.[41]

ويُؤكِّد ق. كيرلس – مثلما أكَّد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت عن حياة كل البشر قائلاً:

”لذا كان من الضروريّ أن يُقدِّم ابن الآب الحيّ جسده الخاص للموت كفديةٍ عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتَّحِد بالكلمة يُمهِّد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت“.[42]

ويشير ق. كيرلس في موضع آخر إلى أن الفدية كانت من أجل الجميع لإماتة الموت بموت المسيح، وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة، حيث يقول التالي:

”(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحِيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة. لأنني لهذا صرت مثلك إنسانًا، أي من ذرية إبراهيم، حتى ’أُشبِه أخوتي في كل شيء‘ (أنظر عب 2: 17)“.[43]

ويتحدَّث ق. كيرلس عن الفدية في موضع آخر مشيرًا إلى القيمة العظيمة لموت الكلمة المتجسِّد، الذي لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الله المتأنس كالتالي:

”نجد هذا الذي لم يعرف خطيةً، أقصد المسيح، قد تألم بكل ما يليق بالملعونين جراء قرارٍ ظالمٍ؛ حتى يُمكِن لهذا الذي هو جدير بالكل، أن يموت لأجل الجميع، لكي يحل جرائم عصيان الكل، ويشتري المسكونة بدمه. لأن إنسانًا عاديًا لا يُمكِنه أن يكون جديرًا بالجميع للجميع. لكن، بما أن الله هو الذي تأنس وتألم من جهة جسده، فالخليقة كلها تتضاءل مقابله، وبالتالي، يصل موت جسده إلى درجة أن يكون فديةً، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة، الكلمة المولود من الله الآب“.[44]

يُشِير ق. كيرلس إلى تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

”وعندما قدَّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا“.[45]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع، للكبير والصغير، وللغني والفقير، ولليهودي والأممي كالتالي:

”لأنه هكذا خلَّص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني“.[46]

وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس أن المسيح قد أعطى جسده فديةً لأجلنا، لأنه لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الإله المتجسِّد الأجدر من الجميع، لذلك كان دمه كافيًا لفداء العالم كله وتسديد الدَّين كالتالي:

”إذًا، فقد افتُدِينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً، فإذا اعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو اعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدارةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا“.[47]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدَّث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليُطلِقنا من الأسر، بل يُؤكِّد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء – على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

”ويُعلِن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة“.[48]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

”وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفِضوا وفقدوا كل العناية السماوية“.[49]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

”نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسَب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت“.[50]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدَّم ذاته فديةً للموت كالتالي:

”لأنه افتدانا من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرَك كطريقة للفداء. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مُسمِّرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ’الذي بذل نفسه فديةً لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة‘ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد“.[51]

ويُوضِّح ق. كيرلس أن الآب نفسه هو الذي بذل وقدَّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

”وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ’قد اشتُريتم بثمن فمجَّدوا الله‘ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام“.[52]

كما يُؤكِّد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسرَّ بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

”فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفَع الفدية لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدَّمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدَّم ذاته لأجلنا“.[53]

لذلك، إن كان الآب هو مُقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المُقدِّم للفدية والمُقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابيّ البروتستانتيّ، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس قائلاً:

”والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يُلاشِي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطِل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ’التفت إليَّ وارحمني‘ (مز ٢٥: ١٦)“.[54]

أخيرًا، نستنتج أن الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري تمَّ تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليُقدِّم المسيح للآب الجنس البشريّ جنسًا مُقدَّسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه. فالسمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقَب من الآب لأجل البشر. كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يُعاقِب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدَّس، ونصلي في الليتورچية، وفي الأجبية. فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يُمارِس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يُمِيت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يُمِيت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يُمارِس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت. فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا ادعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقِب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

مفهوم الدين

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الله خلَّصنا وسدَّد عنا ديوننا مجانًا بلا مُقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يُعرَف بـ ”شريعة سنة اليوبيل“. ونرى بوضوحٍ المنحى الشفائيّ الخلاصيّ عند ق. كيرلس، حيث يرى ق. كيرلس إنه غاية تدبير المخلِّص هي شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة. وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربيّ بشقيه المدرسيّ والبروتستانتيّ، كالتالي:

”وقد خلَّصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نُعطِي أيّ مُقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً: ’فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. وَهذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لاَ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلاَ أَخَاهُ، لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ. الأَجْنَبِيَّ تُطَالِبُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ أَخِيكَ فَتُبْرِئُهُ يَدُكَ مِنْهُ. إِلاَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيكَ فَقِيرٌ. لأَنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا يُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِتَمْتَلِكَهَا‘ (تث١٥: ١-٤). هل رأيت كيف تُشرِق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوحٍ تامٍ سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرَّر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصِرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حرَّرهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم“.[55]

يُؤكِّد ق. كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:

”إذًا، بما أن المسيح لم يُوزَّع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلِبَ لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا احتُوِينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله“.[56]

ويشرح ق. كيرلس في موضع آخر مفهوم الدَّين، وعلى عكس نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ التي تقول بتسديد الابن لدَّين الخطية الذي كنا مديونين به لله الآب عن طريق معاقبته كبديل عقابيّ عنا، حيث يرى ق. كيرلس أننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهامات إبليس لنا بسبب الخطية، وذلك بإبطال حكم الموت الذي كان نتيجة العصيان والتعدي كالتالي:

”لأن الخطية ملكت على كل مَن على الأرض، لذا انجذب كثيرون من الأحداث إلى الشرور كما هو مكتوب (تك 6: 5)، وقد أصرَّ الجميع تمامًا على تحقيق كل ما يريدونه، وهكذا وجدنا أنفسنا حتمًا محسوبين لحكم الموت. لأن حكم الموت كان نتيجة مخالفة الناموس الإلهيّ وعدم الطاعة للإرادة الإلهية. ولذا حزن الخالق على طبيعة الإنسان التي فسدت؛ وصار الوحيد الجنس إنسانًا، وجعل جسده يحتمل الموت لأجلنا، ذلك الذي تسلَّل إلينا بسبب الخطية؛ لكي بموته يُبطِل الخطية ويُوقِف اتهامات الشيطان نحونا، لأننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهاماتنا بسبب الخطية؛ لأنه وفقًا لكلمات النبيّ: ’هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين‘ (إش 53: 12؛ يو 1: 29). أو ألم نُشفَ بآلام ذاك؟“.[57]

يرى آباء الأرثوذكسية وق. كيرلس الإسكندريّ أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا اقتضت حكمة الله أن يجوز مَنْ كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.

دحض نظرية الإبدال العقابي

يدحض ق. كيرلس فكرة الإبدال العقابيّ بتقديم الابن كبديل عقابيّ عن البشرية الخاطئة لإرضاء كرامة الآب المهدرة التي أهانها البشر بالخطية، ولتهدئة وتسكين غضب الآب على البشرية الخاطئة، حيث ير ى ق. كيرلس أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنَّا نحن الذين كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، وخاضعين للفساد والموت كالتالي:

”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنَّا. الواحد عن الكل، لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحدٌ مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي مات وقام بسببنا ولأجلنا. لقد أُبِيدت الخطية، فكيفى يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن بعد أُبِيدت الخطية؟ لذلك، نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين فلبتك يا هاوية؟‘ (1كو 15: 55؛ هو 13: 14)“.[58]

دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ فكرة إيفاء العدل الإلهيّ والإبدال العقابيّ بتقديم بريء عوضًا عن آخرين خطاة كالتالي:

”لأنه حتى لو أن قانون العدالة اَعتبر أنه من العبث تمامًا معاقبة آخرون بدلاً من أولئك الذين أخطأوا بالفعل، فيجب، إذًا، أن يكون واضحًا للجميع أنه من المحتمل أن يسلم المرء بأنه لا يوجد شيء أكثر بؤسًا من أولئك الذين يعبدونهم كآلهة، إذا كانت القوانين ومُديِّري كل شيء غير قادرين على الحكم على نحو صحيح عند تكليفهم للقيام بذلك. من الواضح أنه لدينا مَن يحكم على كل شخص بشكلٍ صحيحٍ، وهم في الواقع الأفضل، لأنهم يحترمون العدل كما هو مناسبٌ، في حين أنهم يعتقدون أن مَن تثبُت مسئوليتهم عن الجرائم التي ارتكبوها، فهم مكرهون، ويلزم مُعاقبتهم بما يتناسب مع الأفعال السيئة التي أُدِينوا بسببها. حسنًا، يا سيدي العزيز، هذا بالضبط ما يعتقد شعراؤك وكُتَّابك البارزون أيضًا حول هذا الشأن، فاِسمع إلى ما يقوله أحد حكمائنا: ’حماقة الرجل تعوج طريقه، وعلى الرب يحنق قلبه‘ (أم 19: 3). وبالتالي، إذا كان المرء خاليًا من الحماقة، فلن يُفسِد طريقه، ولن يتهم الطبيعة الإلهية على الإطلاق بأنها تحثه على ما حرمته تلك الطبيعة نفسها“.[59]

ويربط ق. كيرلس بين العدل والصلاح والرأفة في حادثة شفاء الرب يسوع لمريض بركة بيت حسدا قائلاً:

”لذلك كان حكم المخلص عادلاً وصالحًا ولم يعوقه حتى يوم السبت عن أن يكون رؤوفًا عطوفًا على العليل، لكنه إذ هو الإله يعرف كيف يتمم هذا الأمر؛ لأن الطبيعة الإلهية هي نبع الصلاح، وهذا ما فعله حتى يوم السبت“.[60]

مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية

ينتقد ق. كيرلس الإسكندريّ القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله ”ذياس“ يتحدَّث مع آلهة أخرى عن زنى ”إيجيستوس“، وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ. فلأيّ سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبِّب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مُستقِيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ مُتخطِيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يُقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أمَّا الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويُفضِّلون الظلم، هؤلاء يُفسِدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.[61]

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذَّا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإنَّ الناموس يُحاكِمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها ”مدن الملجأ“ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله، كما يقول الكتاب: ”لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته“ (تك8: 21). فكمَّا ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجَّمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقَب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يُشِير إلى أقسام الأرض السفلى، أيّ الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، نزل إلى الجحيم، وفتح أبوابه، وحرَّر النفوس من القيود.[62]

ويرى ق. كيرلس أن العقوبة الإلهية هي النتيجة الفعلية لحماقة البشر، وليست نتيجة عن مشورة الله أو إرادته كالتالي:

”رغم كل ذلك، فإنه أكرمه بنفس درجة إكرامه للباقين، وغسل قدميه أيضًا، مبينًا دائمًا علامات محبته، ولم يعط فرصةً للعقاب إلا بعد أن يكون استنفذ كل محاولات الإصلاح. ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الصفة أيضًا هي خاصة بالطبيعة الإلهية. لأنه رغم أن الله يعرف ما سيحدث، إلا أنه لا يُوقِع عقابه قبل الأوان على أي إنسان. بل بالحري، بعد أن يصبر على الخاطئ لأطول مدة لازمة، حينما يرى أنهم لا ينتفعون من صبره عليهم، بل بالحري يظلون مُستمِرين في طريقهم الشريرة التي اختاروها بأنفسهم، فحينئذٍ يُعاقِبهم، مُبينًا أن عقابه لهم هو النتيجة الفعلية لحماقتهم وانحرافهم، وليس ناتجًا عن مشورته أو إرادته، فحزقيال يقول مثلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب، إني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا‘ (حز 33: 11)“.[63]

ويدحض ق. كيرلس تعليم القدرية والجبرية مؤكدًا على ضرورة توافر حرية الإرادة في النفس، لأنها لو حادت عن الحق وفي طياشة تعدت مشيئة مُعطِي الناموس، فيقع عقاب تعديها عليها، فالعقوبة هي نتيجة التعدي والعصيان كالتالي:

”لأن كلمة التعليم تتطلب أن تتوفر للنفس الإرادة الحرة والاختيار الحر لكي تسعى لطلب المكافآت العادلة لأعمالها الصالحة، وهي إنْ حادت عن الحق، وفي طياشة تَعدَّت مشيئة مُعطِي الناموس، يقع عليها عقاب تعديها وهذا أمر معقول جدًا“.[64]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على عدم وجود الأذى في طبيعة الله كليّ الصلاح كالتالي:

”الله لا يؤذي إذ ليس في طبيعته أذى“.[65]

الخلاص بالأسرار

لا يتفق تعليم الخلاص بالأسرار مع تعليم البدلية العقابية، كما سنرى ذلك في تعليم البدلية العقبية عند چون كالفن، المعبِّر الحقيقيّ والمثاليّ عن نظرية ”البدلية العقابية“. حيث يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أننا عندما ننال سر المعمودية نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، ودُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله كالتالي:

”أمَّا الذين بالإيمان بالمسيح يصلون إلى البنوة التي من الله، فإنهم لا يعتمدون لمَّن هو مخلوق، وإنما يعتمدون للثالوث القدوس نفسه، وبواسطة الكلمة كوسيط، الذي اتَّحد بما هو إنسانيّ أي بالجسد، وفي نفس الوقت هو واحدٌ مع الآب بلاهوته، فهذا يجعلنا نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، وبالإيمان دُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله. […] فكيف يُقَال عننا – نحن الذين نُولَد في المعمودية – بواسطته، إننا مولودون من الله؟ فإمَّا أن يكون الإنجيليّ كاذبًا، وهو ليس كذلك، وإمَّا أن يكون صادقًا وهو كذلك بالتأكيد، وبذلك يكون الروح القدس هو الله، ومن الله بالطبيعة ونصبح نحن مستحقين بالإيمان بالمسيح أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4)، ومولودين من الله، ومدعوين آلهةً، وليس بفضل النعمة فقط وحدها نرتفع إلى المجد الذي فوق طبيعتنا، بل لأنه قد صار لنا الآن سُّكنى الله وإقامته فينا“.[66]

ولكن يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا ننال شركة الله بالشركة في جسده الخاص كالتالي:

”فإن المن الرمزيّ لم يعد بعد يخصنا، لأنه ليس بحرف موسى نقتات بعد، بل لنا الخبز الذي من السماء، أي المسيح، يقوتنا إلى حياة أبدية، بواسطة زاد الروح القدس، وكذلك بشركة جسده الخاص، الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[67]

ويتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن شركة الطبيعة الإلهية من خلال الاشتراك في البركة أي الإفخارستيا، وهذا لا يتفق مع تعليم البدلية العقابية الحقيقيّ، وليس كما يدَّعي البعض عن عناد وجهل كالتالي:

”حتى إذا ما اشتركوا في البركة التي منه، يصيرون شركاء الطبيعة الإلهية، وبذلك يُستعادون إلى الحياة وعدم الفساد، وتُعاد خلقتهم إلى حالة طبيعتنا الأولى“.[68]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، لأن الناسوت لا يمكن أن يهبنا الحياة الأبدية والخلود، وهذا لا يمكن أن يتفق وتعليم البدلية العقابية الذي يرى أن المسيح عُوقِب مرةً واحدةً عن خطايانا بدلاً عنا، وبالتالي، لا يمكن تقديمه على المذبح كبديل عقابيّ في سر الإفخارستيا مرات عديدة على آلاف المذابح على مر العصور كالتالي:

”بسبب الجهل المطبق، فإن بعض الذين كان المسيح المخلص يعلمهم، قد استاءوا من كلماته. إذ أنهم حين سمعوه يقول: الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم (يو ٦: ٥٣)، ظنوا أنهم مدعوون إلى سلوك بربري وحشي، وكأنهم مدعوون إلى الاشتراك في أكل لحم إنسان، وشرب دمه، وأنهم سيضطرون إلى عمل أمور تثير الذعر لمجرد سماعها. لأنهم لم يعرفوا جمال السر، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك، فإنهم قد ناقشوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيء من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم لأن كل شيء عريان ومكشوف لعينيه (عب ٤: ١٣)، فإنه يشفيهم مرة أخرى […] حتى أنهم متى أدركوا معنى المناقشة، ينصتون إليه، لا كمن ينصت إلى مجرد إنسان عادي فقط، بل يعرفون أخيرًا أنه هو الله الكلمة في الجسد، ويؤمنون أن جسده أيضًا واهب الحياة“.[69]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح يعطي جسده المتَّحِد بلاهوته في سر الإفخارستيا، وهذا لا يتسق وتعليم البدلية العقابية الذي يدَّعيه البعض عن جهل وعناد إنه موجود في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ كالتالي:

”وعلينا إذًا، كما يقول المخلص، ألا نعمل للطعام البائد، الذي إذا ما مر إلى الأمعاء، والذي يجعل العقل ينتشي لبرهة وجيزة جدًا بأتفه الملذات، فإنه يتحول إلى نفاية، وسرعان ما يُقذَف خارج البطن مرة أخرى، لكن الطعام الروحي، الذي يسند قلب الإنسان (مز ١٠٤: ١٥)، يحفظ الإنسان إلى حياة أبدية، الذي وعد المسيح أيضًا أن يهبه لنا قائلاً: الذي يعطيكم ابن الإنسان، إذ إنه يتكلم عن جسده المتحد بلاهوته، وبذلك يكون قد ربط كل سر التدبير بالجسد، في ترتيبه الصحيح. لكنه في رأيي يلمح إلى الطعام السري الأكثر روحانيةً، الذي بواسطته نحيا فيه، مُقدَّسين نفسًا وجسدًا، لكننا سوف نراه يتكلم بعلانية أكثر فيما بعد. وعلينا أن نحفظ الحديث لوقته ومكانه المناسبين“.[70]

يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الجسد وحده لا تهب الحياة، بل باتحاد الكلمة بالجسد، فإنه يصير واهب للحياة بالكلية، وذلك في سياق تأكيده على أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، أي المسيح كله، في سر الإفخارستيا كالتالي:

”لكن حينما تمعنون النظر في سر التجسُّد، وتعرفون مَن هو ذاك الذي حلَّ في هذا الجسد، ستشعرون حتمًا أن الجسد يمكنه أن يهب الحياة، مع أن الجسد في حد ذاته لا يفيد شيئًا البتة إلا إذا أتهمتم الروح الإلهي نفسه – الذي في الجسد – أنه هو أيضًا لا يفيد شيئًا. لأنه إذ اتحد الجسد بالكلمة مُعطِي الحياة، فقد صار واهبًا للحياة كلية، مرتفعًا إلى قوة الطبيعة الأكثر علوًا، دون أن يجبر ذاك الذي لا يمكن إخضاعه بأي حال للتحول إلى طبيعة الجسد الخاصة، برغم أن طبيعة الجسد في حد ذاتها عاجزة عن أن تعطي حياة من ذاتها، ومع هذا فهي تقدر على فعل ذلك، حينما يصير لها الكلمة مُعطِي الحياة، وتكون مفعمة بفاعليته كلها. لأن هذا الجسد هو جسد ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، وليس جسد أي كائن أرضي الذي يُقال عنه حقًا: الجسد فلا يفيد شيئًا“.[71]

يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا عن تناول الجسد الذي له في ذاته الكلمة (اللاهوت) الذي هو الحياة بالطبيعة، هذا التعليم يرفضه تعليم البدلية العقابية تمامًا، لأن المسيح مات مرةً واحدةً على الصليب بديلاً عقابيًا عن خطايانا، وبالتالي، لا يمكننا أن نذبحه ونُقدِّمه كبديل عقابيّ مرات ومرات على آلاف المذابح في آلاف القداسات على مر العصور كالتالي:

”لهذا فإن كل مَن يأكل من الجسد المقدَّس الذي للمسيح، فله حياة أبدية، لأن الجسد له في ذاته الكلمة الذي هو الحياة بالطبيعة. لهذا يقول: وأنا أقيمه في اليوم الأخير. وبدلاً من القول: جسدي سوف يقيمه، أي يقيم مَن يأكل هذا الجسد، قد وضع الضمير أنا في عبارة ’أنا أقيمه‘ لا كأنه هو آخر غير جسده الخاص، لأنه بعد الاتحاد لا يمكنه أبدًا أن ينقسم إلى ابنين. لهذا يقول أنا الذي صرت فيه من خلال جسدي الخاص نفسه، أي أنني سوف أقيم في اليوم الأخير، ذاك الذي يأكل جسدي، لأنه كان من المستحيل حقًا أن ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، ألا يقهر الفساد بشكلٍ أكيد، وألا يسود على الموت“.[72]

يُؤكِّد ق. كيرلس أننا بتناولنا للإفخارستيا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، هذا التعليم لا نجد له محل في تعليم البدلية العقابية، كما نادى به أصحابه، وخاصةً چون كالفن، كما سوف نستعرضه فيما يلي، والذي يحاول البعض دون وعي إلصاقه زورًا وبهتانًا بالقديس كيرلس الإسكندريّ كالتالي:

”لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتي إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. إذًا، فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة التقدمة السرية المحيية [أي الإفخارستيا]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدَّسة مؤمنين أننا ننال حياة وبركة، روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومُعطِي الحياة“.[73]

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء والبدلية العقابية في تعليم چون كالفن لعمل مقارنة بين تعليمه وتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص لنعرف هل هناك تعليم بدلية عقابية عند ق. كيرلس الإسكندريّ، كما يتوهم البعض، ويحاول إيهام الآخرين بذلك؟

مفهوم نظرية البدلية العقابية

سوف نستعرض مفهوم ”البدلية العقابية“ عند چون كالفن مُؤسِّس الكنيسة الكالفنية، وأحد أهم الدعائم التي ترتكز عليها الكنيسة المشيخية المصلِحة في شرحها لعقيدة الكفارة والفداء، ثم سوف نقوم بطرح الاعتراضات على نظرية ”البدلية العقابية“ في منظورها الغربيّ البروتستانتيّ في شرح عمل المسيح الخلاصيّ على الصليب.

يرى چون كالفن أن الخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا بارًا، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة.[74] ولأن الإنسان انفصل عن الله بسبب الخطية، وأصبح وارثًا للدينونة، وتحت لعنة الموت الأبدي، محرومًا من كل رجاء بالخلاص، بعيدًا عن كل بركة من الله، عبدًا للشيطان، أسيرًا تحت نير الخطيئة، مصيره النهائيّ هلاك مروع بدأ يعمل فيه منذ الآن؛ وبينما الإنسان في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة؛ وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله؛ وهكذا من خلال كفارة المسيح نال رضا الله الآب، وقُبِلَت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر.[75]

يُشِير چون كالفن إلى أنه بمعزل عن مسرة الله لا يقدر المسيح أن يستحق شيئًا. لكن استحقاقه جاء من كونه عُيَّن ليسترضي غضب الله من خلال ذبيحته، وليمحو تعدياتنا بطاعته. باختصار: بقدر ما كان استحقاق المسيح يعتمد على نعمة الله وحدها التي رسمت لنا طريقة الخلاص هذه، فهي تتعارض تمامًا مع كل البرّ البشريّ بقدر ما نعمة الله تتعارض.[76] وهذا يعني أننا نحن الذين ”بالطبيعة أبناء الغضب“ (أف 2: 3) ومُبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني واسترضينا الله وسكَّنا غضبه.[77] فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تمَّ إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن.[78] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له.[79] ويُعلِن الرسول بوضوحٍ أن المسيح قد دفع الثمن ليفدينا من عقاب الموت،[80] فالله [الآب] قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح، بحيث بعد أن نلنا البرَّ يمكننا أن نقف مطمئنين أمام عرش الله.[81]

مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي

يتحدَّث چون كالفن عن عمل المسيح في المصالحة بين الله والإنسان من خلال طاعة الله، وإرضاء عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة، وتتجلى بذلك أوضح صور ”البدلية العقابية“ من تقديم جسد المسيح أي جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله، ودفع عقوبتنا في هذا الجسد، كالتالي:

”المطلب الثاني لمصالحتنا مع الله هو أن الإنسان الذي ضلَّ بعصيانه، مُطالَب بإصلاح الوضع عن طريق طاعته، وإرضائه عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة. لهذا السبب، جاء ربنا كإنسان حقيقي وأخذ طبيعة آدم واسمه، ليأخذ مكان آدم في طاعة الآب، ويُقدِّم جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله العادلة، وليدفع في هذا الجسد ذاته العقوبة التي نستحقها نحن“.[82]

يُشِير چون كالفن إلى إرضاء المسيح لغضب الله الآب العادل من خلال تقديم جسده ذبيحةً لمحو ذنبنا كالتالي:

”إنَّ طبيعتنا المشتركة مع المسيح هي الضمان لشركتنا مع ابن الله، وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطيئة معًا جاعلاً من هذا الانتصار والغلبة ملكًا لنا، وقدَّم الجسد الذي نال منا، ذبيحةً لكي يمحو ذنبنا من خلال كفارته وإرضائه غضب الله العادل“.[83]

يُوضِّح چون كالفن أيضًا ملمح الغضب في ”البدلية العقابية“ وترضية غضب الله بكفارة المسيح قائلاً:

”فيسوع كوسيط طاهر وبلا عيب، يريد من خلال قداسته أن يُصالِحنا مع الله. لكن تمنعنا لعنة العدالة الإلهية من الاقتراب منه، والله بصفته قاضيًا، غاضب علينا. لهذا السبب، لابد من إدخال الكفارة لكي ينال المسيح ككاهن رضا الله من نحونا ويسترضي غضبه. لهذا السبب – بغرض أن يُتمِّم وظيفته – كان عليه أن يتقدَّم بذبيحة“.[84]

يستطرد كالفن أيضًا للحديث عن التبرير المجاني بذبيحة المسيح واسترضاءنا وتسكيننا لغضب الله من خلالها قائلاً:

”وهذا يعني أننا نحن الذين ’بالطبيعة أبناء الغضب‘ (أف٢: ٣) ومُبعَدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجانيّ، واسترضينا الله وسكَّنا غضبه“.[85]

مفهوم الغضب والعقوبة

يستطرد چون كالفن أيضًا شارحًا ملمح العقوبة والغضب، وضرورة بحث الإنسان عن وسائل يسترضي بها غضب الله عليه، وأن الله لا يغفر الخطايا بدون عقاب، وأنه على استعداد دائم للمعاقبة كالتالي:

”لا أحد يغوص في أعماق ذاته، ويتأمل نفسه بجدية من دون أن يشعر بغضب الله عليه، وبأنه يُعادِي الله. ولهذا، يجب أن يسعى بجدية وراء طرق ووسائل يسترضي بها الله، وهذا يتطلب تكفيرًا عن الخطيئة. والضمانة المرجوة هي ضمانة غير عادية، فالخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا عادلاً، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة“.[86]

مفهوم اللعنة

يتحدَّث چون كالفن عن ملمح اللعنة في ”البدلية العقابية“، وكيف تم محو اللعنة بالتكفير عن الإثم من خلال ذبيحة جسد المسيح والتطهير بدمه كالتالي:

”فالبشر كانوا تحت اللعنة إلى الوقت الذي تم فيه التكفير عن إثمهم من خلال الذبيحة (غل٣: ١٠، ١٣) لقد كانوا غرباء عن الله إلى الوقت الذي تصالحوا فيه معه من خلال جسد المسيح (كو١: ٢١- ٢٢) […] فلو لم يكن مُعلنًا بوضوحٍ أن غضب الله وعقابه، والموت الأبديّ هو من نصيبنا، لكان مِن النادر أن نُدرِك كم حياتنا تعيسة بدون رحمة الله […] وبينما هو (الخاطئ) في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب، الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة، وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله، وهكذا نال من خلال كفارة المسيح رضا الله الآب، وقُبِلت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر“.[87]

حمل المسيح لإنتقام الله العادل

يتحدَّث چون كالفن في سياق فكرة ”المبادلة العقابية“ حيث تتمُّ المبادلة بين المسيح وبيننا ليحمل عنا انتقام الله العادل كالتالي:

”وهكذا تمت تبرئتنا: فالذنب الذي جعلنا مدينين للقصاص نُقِلَ إلى ابن الله (إش٥٣: ١٢)، ويجب أن نتذكر، فوق كل شيء، هذه المبادلة، لئلا نرتجف ونقلق كل حياتنا، كما لو أن انتقام الله العادل، الذي حمله ابن الله، مازال مُتسلِطًا فوق رؤوسنا“.[88]

مفهوم الذبيحة

ويُشِير چون كالفن إلى ذبيحة المسيح كذبيحة تكفيرية قدَّمها المسيح للآب في الموت، لكي يُدمِّر الآب قوة الخطية بنقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح كالتالي:

”فقد دمَّر الآب قوة الخطيئة عندما نقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح، من هنا معنى هذا القول: قُدِّمَ المسيح إلى الآب في الموت كذبيحة تكفيرية، بحيث إنه إذ أتمَّ التكفير من خلال ذبيحته، يُمكِننا أن نكف عن الخوف من دينونة الله“.[89]

مفهوم التبرير بالدم

يتحدَّث چون كالفن أيضًا عن التبرير بدم المسيح المسفوك لأجلنا ليغسلنا من فسادنا كالتالي:

”فنحن لا نقدر أن نؤمن بكل يقين أن المسيح هو فداؤنا، وفديتنا، والكفارة عنا، ما لم يكن قد قُدِّمَ كذبيحة […] ولذلك هناك إشارة إلى الدم في كل مرة يبحث الكتاب المقدَّس طريقة الفداء. لكن دم المسيح المسفوك لم يكن تكفيرًا فحسب، بل مغسلة أيضًا ليغسلنا من فسادنا“.[90]

مفهوم العداوة والمصالحة

ويتحدَّث چون كالفن عن طريقة مُصالحتنا مع الله الذي كان يُبغِضنا بسبب الخطية بطاعة المسيح، وتكفيره، وعقابه عنا لنوال استحقاقات فداء المسيح كالتالي:

”إنَّ المسيح بطاعته، نال لنا حقًا النعمة عن استحقاق مع أبيه. […] وأنا أُسلِّم جدلاً بأنه في حال صنع المسيح تكفيرًا لخطايانا، إذ هو دفع العقاب الذي علينا، إذ هو سكَّن غضب الله بطاعته – باختصار إذ هو كإنسان بار تألم لأجل الأشرار – فهو اكتسب الخلاص لنا من خلال بره الذي هو مُساوٍ لاستحقاقه. لكن كما يقول بولس: ’قد صُولِحنا مع الله بموت ابنه‘ (رو٥: ١٠- ١١). لكن لا تحصل المصالحة إلا حيث تسبقها الإساءة. فيكون المعنى كالتالي: الله الذي كان يُبغضِنا بسبب الخطيئة، رضى عنا من خلال موت ابنه، وصار مُؤيِّدًا لنا“.[91]

مفهوم الثمن

يُشِير چون كالفن إلى دم المسيح كثمن إرضاء دينونة الله، والتبرير بالدم، وتسكين غضب الله قائلاً:

”فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن […] وهذا يُظهِر بسهولة أن نعمة المسيح تضعف قيمتها كثيرًا ما لم تمنح ذبيحته القوة على التكفير، وتسكين الغضب، وإرضاء الله […] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له“.[92]

ويتحدَّث چون كالفن عن مبدأ ”التعويض“ عن خطايانا بدفع الثمن لله أي دم المسيح كالتالي:

”فالله قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح [….] وهذه المقارنة لا تنطبق لو لم يكن هناك تعويض قد تمَّ عن خطايانا بهذا الثمن [….] ما لم يُوضَع عليه العقاب الذي نستحق، لهذا السبب، يُسمِي الرسول الفداء بدم المسيح ’غفران الخطايا‘ […] وقد أشار هناك إلى الجزاء أو التعويض الذي يعفينا من الذنب“.[93]

ويتحدَّث چون كالفن عن الثمن الذي دفعه المسيح بموته كدليل على إرضاء الله كالتالي:

”ولكي يأخذ عنا الدينونة، لم يكن كافيًا بالنسبة إليه أن يموت ميتة عادية، فلكي يدفع ثمن فدائنا كان لابد من اختيار نوع من الموت، يُمكِنه من خلاله أن يُحرِّرنا عن طريق أخذه عنا دينونتنا وحمله ذنبنا. […] لما كان في ذلك الموت دليل إرضاء لله“.[94]

مفهوم التبرير القانوني

يُقَال، بحسب چون كالفن، إنه مُبرَّر في عيني الله، مَن يحسبه الله في حكمه مُبرَّرًا، ومَن قُبِلَ من أجل بره هو. في الحقيقة، لأن الخطيئة رجس في عيني الله، لا يستطيع خاطئ أن يكون مرضيًا عنده ما دام يظل خاطئًا. وأينما كانت الخطيئة ظهر غضب الله ونقمته أيضًا. ويُحسَب مُبرَّرًا مَن لا يُعتبر في حالة خاطئ، بل في حالة إنسان بار، ولهذا السبب، يقف ثابتًا أمام كرسي دينونة الله فيما يسقط جميع الخطاة. فإذَا دُعِيَ إنسان بريء أمام كرسي قضاء قاضٍ مُنصِفٍ، حيث يُقضَى له على أساس براءته، يُقَال إنه ’مُبرَّر‘ أمام القاضي. وهكذا يقف مبرَّرًا أمام الله مَن قد تحرَّر من زمرة الخطاة فيشهد الله لبره ويُؤكِّده. وبالطريقة نفسها، مَن وُجِدت حياته في الطهارة والقداسة التي تستحق أن يُشهد لها بالبر أمام عرش الله، يُقَال إنه مُبرَّر بالأعمال، أو هو مَن بقداسة أفعاله يُرضِي قضاء الله. على العكس، إن مَن لا يفي مقاييس برّ الأعمال، فيتمسك بالبرِّ الذي في المسيح بالإيمان، فيلبسه، فهذا هو مَن لا يبدو في نظر الله كإنسان خاطئ، بل كإنسانٍ بار. فالتبرير هو ببساطة القبول الذي يستقبلنا به الله في رحاب نعمته كأبرار. وإنه يعود إلى محو الخطايا ببرِّ المسيح.[95]

البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة

يرى چون كالفن في سياق تعليم البدلية العقابية أن الإفخارستيا ليست ذبيحة، لأننا بذلك نذبح المسيح عدة مرات في كل مرة نُقدِّم فيها ذبيحة الإفخارستيا على المذابح في القداس، وهذه معضلة تواجه المنادين عن جهل بأن ق. كيرلس الإسكندريّ لديه تعليم البدلية العقابية، حيث يرفض تعليم البدلية العقابية في صورته الصحيحة، وليس كما يدَّعي هؤلاء عن جهل، فكرة تقديم الإفخارستيا كذبيحة لأن المسيح مات مرةً واحدة بديلاً عقابيًا عن الخطأة، وبالتالي لا يمكن تقديمة مرات عديدة على المذابح في القداسات كذبيحة، فلا يحتاج المرء سوى أن يؤمن بعمل المسيح الكفاريّ فقط على الصليب، وبالتالي لا يوجد ضرورة للأسرار في نظام البدلية العقابية، وهذا عكس ما يُعلِّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، الذي يرى ضرورة الإفخارستيا كسر الاتحاد بين الله والإنسان من أجل التقديس ونوال الحياة الأبدية والتألُّه، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بمعنى تعليم البدلية العقابية ومخاطره على إنكار الأسرار الكنسية برمتها. حيث يقول چون كالفن التالي:

”فهكذا أيضًا أكَّد الرب بموته العهد الذي وهن لنا به مغفرة الخطايا والبرّ الأبديّ (عب 9: 15-17). فكل مَن يُغيِّر أو يضيف شيئًا جديدًا إلى وصية هذه التركة، يُنكِر موته ويُبطِل فاعليتها. وما القداس سوى وصية جديدة مختلفة تمام الاختلاف؟ لماذا؟ ألا تُعدَّ القداديس الفردية مغفرة جديدة للخطايا، وحصولاً جديدًا على البرّ، بحيث يوجد الآن العديد من العهود الجديدة بقدر عدد القداديس؟ لذلك، دع المسيح يأتي ثانيةً، وبموتٍ جديدٍ دعه يُصادِق على هذا العهد الجديد؛ أو بالحري بموتٍ متعدِّدٍ وبعهودٍ جديدةٍ لقداديس لا تُحصَى دعه يجيء. ألم أقل الحق في بداية الأمر، أن موت المسيح الفريد والحقيقيّ تمحوه القداديس؟ ماذا إنْ كان منطق القداس يقود مباشرةً إلى أن يُذبَح المسيح مرةً أخرى (بل مرات)، إنْ أمكن ذلك؟ لأنه حيث توجد وصية (يقول الرسول) يلزم بيان موت الموصِي (عب 9: 16). يعرض القداس وصية جديدة للمسيح؛ ومن ثمَّ، يقتضي موته. فضلاً عن ذلك، يلزم أن تُذبَح الذبيحة التي تُقدَّم. فإنْ كان المسيح يُذبَح كلما أُقيم قداس، فمن المحتم أنه يُذبَح بوحشيةٍ في ألف مكان في كل لحظة“.[96]

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية

تجدر الإشارة إلى إقرارات الإيمان البروتستانتية التي توضح أيضًا مفهوم البدلية العقابية الذي شرحه چون كالفن، كما عرضناه سابقًا، وهذا لنرى أنه شتان بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص بالتأله والانجماع الكليّ في المسيح، وبين نظرية الإبدال العقابيّ في اللاهوت الغربيّ البروتستانتيّ، الذي يحاول البعض إلصاقها عن جهل ودون وعي بتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ.

يتحدَّث إقرار إيمان الكنيسة اللوثرية، المعروف بـ ”إقرار إيمان أوجسبرج 1531م“، في سياق نظرية البدلية العقابية، وذلك في المادة الثالثة، أن المسيح لم يمت كفارةً عن الخطية الأصلية فقط، بل كفارةً لكل الخطايا، وهو بذلك يُصالِحنا مع الآب.[97]

وتتجلى أقوى معاني البدلية العقابية في إقرار الإيمان البلچيكيّ 1561م، حيث يتحدَّث في المادة التاسعة عشر عن أن الله أظهر عدله ورحمته في المسيح، فأظهر عدله ضد ابنه عندما حمل خطايانا، وسكب رحمته علينا في محبته، إذ أعطانا ابنه حتى الموت لأجلنا لننال به الخلود والحياة الأبدية. ويستطرد في نفس السياق، وذلك في المادة العشرين، أن الله يُظهِر عدله ورحمته في المسيح، فيقول التالي: إن الله الذي هو رحوم تمامًا وعادل تمامًا أرسل ابنه ليأخذ الطبيعة التي اقتُرِفَت فيها عدم الطاعة ليُقدِّم إرضاءً عن عقاب الخطية بآلامه وموته، وبذلك أظهر عدله ضد ابنه، إذ وضع عليه خطايانا، وسكب رحمته وصلاحه علينا. فمات ابنه لأجلنا وقام لتبريرنا لننال به الخلود والحياة الأبدية.[98]

ويتحدَّث كاتشيزم هيدلبرج عام 1563م عن الفداء من السؤال الأول إلى السؤال الحادي والعشرين، فيُبرِز قوتين: العدل والرحمة. عدل الله يُعاقِب ورحمة الله التي تغفر. وهذه هي صورة الله التي نجدها في الفكر اللاهوتيّ في الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروتستانتة على السواء، وكأنَّ هناك تعارُّض في طبيعة الله. إن كلمة ”برّ“ التي جاءت في العهد القديم فُهِمَت بمعنى ”عدل“، أي إعطاء كل ذي حق حقه بالضبط، كصورة إلهة العدل التي يُصوِّرونها أمام المحاكم معصوبة العينين وتحمل كفتي ميزان! إلا أن برّ الله كما يُقدِّمه لنا الكتاب المقدَّس فيه جانب شخصيّ لا يخضع للمنطق البشريّ.[99]

ونعرض الإجابات على أسئلة الكاتشيزم، ليظهر مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”يستلزم الله تحقيق عدله، ولذلك يتوجب علينا أن نُسدِّد الثمن كاملاً، إمَّا بأنفسنا أو بواسطة آخر. […] لن يُعاقِب الله أي مخلوق آخر بسبب الخطية التي اقترفها الإنسان، وعلاوة على ذلك، لا يمكن لمجرَّد مخلوق أن يتحمَّل وطأة غضب الله الأبديّ على الخطية حتى يُخلِّص الآخرين منه. ما شكل الوسيط والمخلِّص إذًا الذي يجب أن نبحث عنه؟ يجب أن يكون إنسانًا حقًا وبارًا تمامًا، ومع ذلك، يجب أن يكون أقدر من جميع المخلوقات؛ أي يجب أن يكون أيضًا إلهًا حقًا. لماذا يجب أن يكون إنسانًا حقًا وأيضًا بارًا تمامًا؟ لأن عدل الله يتطلب أن نفس الطبيعة البشرية التي ارتكبت الخطية، ينبغي كذلك أن تُسدِّد ثمن الخطية؛ والشخص الذي هو نفسه خاطئ لا يستطيع أن يُسدِّد الثمن عن الآخرين. لماذا يجب أن يكون أيضًا في نفس الشخص إلهًا حقًا؟ لكي يقدر بقوة ألوهيته أن يتحمل بطبيعته البشرية وطأة غضب الله، وأن يحصل من أجلنا على البرّ والحياة ويستعيدهم لنا. مَنْ هو، إذًا، ذلك الوسيط الذي هو في شخصٍ واحدٍ إلهٌ حقًا وإنسانٌ بارٌ حقًا؟ إنه ربّنا يسوع المسيح الذي صار لنا حكمةً من الله وبرًا وقداسةً وفداءً“.[100]

ونرى ملمح ترضية العدل الإلهيّ بذبيحة الابن في إقرار إيمان وستمنسر 1646م، فيُشِير في المادة الثامنة إلى التالي:

”أن الربَّ يسوع بواسطة طاعته الكاملة، وذبيحة نفسه، الذي بروحٍ أزليّ، قدَّمها لله مرةً، وقد أرضى تمامًا عدل أبيه، واشترى ليس فقط المصالحة، بل ميراثًا في ملكوت السموات، لأجل كل الذين قد أعطاهم له الآب“.[101]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 12)، ص 128.

[2] المرجع السابق، تعليق على (يو 1: 9)، ص 106.

[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 14)، ص 134.

[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، مقتطفات من تعليقات على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، تعليق على (رو 6: 6)، ص 46.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.

[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 469.

[8] المرجع السابق، ص 75.

[9] المرجع السابق، ص 150.

[10] المرجع السابق، ص 212.

[11] المرجع السابق، ص 215.

[12] المرجع السابق، ص 321.

[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 557.

[14] المرجع السابق، ص 163.

[15] المرجع السابق، ص 153.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلاڨيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة 2، ص 161.

[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.

[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 2: 3: 4، ص 218، 219.

[19] المرجع السابق، 6: 1، تعليق على يو 9: 2، 3، ص 657، 658.

[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 1، ص 50.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 6، ص 243، 244.

[22] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 76.

[23] المرجع السابق، ص 333.

[24] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، 11: 6، ص 138، 139.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 16.

[26] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 427.

[27] المرجع السابق، الحوار الثاني، ص 70.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 108.

[29] المرجع السابق، ص 428.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، تعليق على (هو 2: 7)، ص 79.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 658.

[32] المرجع السابق، ص 459.

[33] المرجع السابق، ص 374.

[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الأولى، ص 46، 47.

[35] المرجع السابق، المقالة العاشرة، ص 424.

[36] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص ِ533.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الثالثة، ص 143.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 8، ص 103.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة العاشرة، ص 414.

[40] المرجع السابق، ص 427، 428.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 7، ص 77.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

[43] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 4: 2، تعليق على (يو6: 51)، ص 403.

[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الثانية، ص 209، 210.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

[49] المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

[50] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

[51] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

[52] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

[53] المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

[54] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

[55] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السابعة، ص 288.

[56] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٠٨.

[57] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الثالثة، ص 140، 141.

[58] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 29)، ص 153.

[59] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125.

[60] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 287.

[61] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 6، ص 254.

[62] المرجع السابق، مقالة 8، ص 339.

[63] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 99.

[64] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 396.

[65] المرجع السابق، ص 116.

[66] المرجع السابق، ص 130.

[67] المرجع السابق، 3: 6، تعليق على (يو6: 35)، ص 370.

[68] المرجع السابق، ص 374.

[69] المرجع السابق، ص 426، 427.

[70] المرجع السابق، ص 346.

[71] المرجع السابق، ص 427، 428.

[72] المرجع السابق، ص 413، 414.

[73] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٤٢، ص ٦٨٩، ٦٩٠.

[74] چون كالفن، أسس الإيمان المسيحي مج1، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 2: 16، ص 469.

[75] المرجع السابق، ص 469، 470.

[76] المرجع السابق، 2: 17، ص 491.

[77] المرجع السابق، ص 492.

[78] المرجع السابق، ص 492، 493.

[79] المرجع السابق، ص 493.

[80] المرجع السابق.

[81] المرجع السابق، ص 493، 494.

[82] المرجع السابق، ٢: ١٢: ٣، ص 436.

[83] المرجع السابق.

[84] المرجع السابق ٢: ١٥: ٦، ص 466.

[85] المرجع السابق ٢: ١٧: ٢، ص 492.

[86] المرجع السابق ٢: ١٦: ١، ص 468.

[87] المرجع السابق ٢: ١٦: ٢، ص 469.

[88] المرجع السابق ٢: ١٦: ٥، ص 473.

[89] المرجع السابق ٢: ١٦: ٦، ص 474.

[90] المرجع السابق.

[91] المرجع السابق ٢: ١٧: ٣، ص 492.

[92] المرجع السابق ٢: ١٧: ٤، ص 493.

[93] المرجع السابق ٢: ١٧: ٥، ص 494.

[94] المرجع السابق ٢: ١٦: ٥، ص 473.

[95] چون كالفن، أسس الدين المسيحي مج2، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 3: 11، ص 678.

[96] المرجع السابق، ص 1338، 1339.

[97] عبد المسيح اسطفانوس (دكتور)، قوانين الإيمان وإقرارته: دورها وتأثيرها في الكنيسة، (القاهرة: دار الثقافة، 2017)، ص 111.

[98] المرجع السابق، 138.

[99] المرجع السابق، ص 142، 143.

[100] دليل أسئلة وأجوبة هيدلبرج (نسخة إليكترونية)، (خدمات موقع ليجونير، 2021)، القسم الثاني، الأسئلة 12-18، ص 4. يمكن الرجوع إلى الموقع الإليكتروني

https://ar.ligonier.org

[101] إقرار إيمان وستمنستر (نسخة إليكترونية)، (فلوريدا: موقع خدمات الألفية الثالثة، 2016)، الفصل 8: 5، ص 32. يمكن الرجوع إلى الموقع الإليكتروني

http://arabic.thirdmill.org

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

Exit mobile version