الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – سبتمبر 2023م

 

 

الفهرست

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان. 1

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان. 1

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس… 3

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها 3

الشهوة الجنسية الشريرة 3

مبادرة النعمة. 4

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ.. 4

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان. 7

دحض التعليم بخطية الطبيعة. 7

دحض التعليم بوراثة الخطية. 11

ماهية ناموس الخطية العنيف.. 12

مفهوم الخطية الجدية. 14

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج. 18

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية. 21

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر. 24

سينرجيا النعمة والأعمال. 26

عدم سماح الله بالشر. 29

مفهوم العقوبة الإلهية. 30

دحض التعليم بالنفس المولودة 31

ماهية الغضب الإلهي. 33

غاية الله خلاص الكل. 33

الخلاصة. 36

 

 

 

 

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان

سوف نتتبع في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان، أحد أهم آباء الرهبنة اللاتينية في الغرب في القرن الخامس، خاصةً في جنوب بلاد الغال، أي فرنسا. نجح ق. يوحنا كاسيان في تطوير الحياة الرهبانية هناك. وكان سفيرًا للتراث الآبائيّ الشرقيّ النسكيّ في الغرب اللاتينيّ. وهو أحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يتعلق بالنظام الرهبانيّ الحيّ، حيث يربط بين النواحي الداخلية والخارجية في النظام الرهبانيّ. لقد كان ملمًا به بكل دقة كما عاشه في مصر وخارجها لسنوات، حيث تتلمذ على يدي آباء البرية المصرية الكبار آنذاك، ونقل هذه المعرفة والخبرة الرهبانية النسكية الفائقة إلى الغرب اللاتينيّ، وذلك من خلال كتاباته ومحاوراته مع آباء البرية العظام، بالأخص آباء البرية المصرية. دُعِيَ في بستان الرهبان باسم ”كاسيانوس الروميّ“.

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان

وُلِدَ ما بين 350- 360م، وتنيح ما بين 440-450م، إي عاش حوالي تسعين عامًا. أشار كتابه ”عن التجسُّد ضد نسطوريوس“ إلى معرفته الكبيرة بتعاليم آباء الكنيسة الأولين، وبالكُتَّاب الكلاسيكيين اللاتين أمثال: شيشرون وسنيكا وبيرسيوس. تبدأ حياته الرهبانية في حوالي عام 380م، في سن المراهقة، حيث انطلق إلى فلسطين، وبعدها بعامين إلى مصر، حيث قام بزيارة الرهبان هناك، وزار بعض الأديرة الرهبانية التي تتبع نظام الشركة في طيبة، ثم انطلق بعد ذلك إلى برية الإسقيط، حيث قضى هناك سبع سنوات يلتقي بمشاهير الآباء الرهبان، وقد جاءت مناظراته ومحاوراته ثمرةً لهذه اللقاءات والزيارات. كان صديقًا حميمًا لمار أوغريس البنطيّ وتلاميذه الأوريجانيين، وبسبب الاضطرابات في البرية المصرية آنذاك انتقل إلى القسطنطينية، حيث تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم، الذي رسمه شماسًا. وفي عام 415 أو 416م انطلق كاسيان إلى مرسيليا بفرنسا وأقام هناك ككاهن، وأسَّس ديرًا هناك للرجال باسم ”القديس فيكتور“، حيث صار الأب الروحيّ له ورئيسًا لهذا الدير، ثم أسَّس ديرًا آخر للنساء باسم ”القديس سالفاتور“، وهكذا سعان ما انتشرت الحياة الرهبانية هناك، وضمت الأديرة الآلاف من الرهبان والراهبات. غير أن البعض من أتباع أوغسطينوس أسقف هيبو شكَّكوا في أرثوذكسية ق. يوحنا كاسيان، حيث هاجموه متهمين إياه بالميول البيلاجية.[1]

بالطبع لا يمكن اتهام ق. يوحنا كاسيان بالبيلاجية، لأنه أعلن في كتابه ”عن التجسُّد الإلهيّ ضد نسطوريوس“ أن البيلاجية هي أصل كل الشرور، وهي وراء بدعة نسطوريوس. ولكن يُبرِّر البعض موقفه بأنه تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم أكثر من أوغسطينوس أسقف هيبو، فهو لم ينس قط حث ذهبيّ الفم لشعبه على المثابرة والاستمرار على الجهاد الشخصيّ والعمل. حيث يقول ق. يوحنا ذهبيّ الفم إنه ليس الله ولا نعمة الله تمنع حريتنا من الاختيار.[2] كما كان ق. يوحنا كاسيان يُشجِّع رهبانه على السلوك عن طريق بذل الذات والتضحية، مما جعله غير قادر على قبول نظرة أوغسطينوس السلبية، الذي يبدو كما لو كان يُقلِّل من شأن الإرادة البشرية مُتأثرًا بنظرته الخاصة بالنعمة الإلهية. إنْ كان الله حقًا يفعل كل شيء لنا، فِمن أين يأتي الاستحقاق للمكافأة؟ وإنْ كُنا لن نقدر أن نفعل شيئًا بدون النعمة، فما هو موقف حريتنا؟[3]

 

 

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها

يرى أوغسطينوس أن الله خلق آدم في حال الحرية التي لم يكن فيه مضطرًا لأن يخطئ. وبذلك فإذا أخطأ وصل للحال الذي لم يكن ممكنًا له ألا يخطئ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. وسقوط آدم كان خطية عظيمة. دافعها الكبرياء، والرغبة في الاستقلال عن الله، فهي أساس كل شر. لأن كل كيان الإنسان ووجوده مستمد من الله. ولكنه أراد أن يكون سيد نفسه. وأعتبر أوغسطينوس إن خطية آدم هي خطية كل الجنس البشريّ [خطية الطبيعة]. مُستندًا إلى عدة شواهد كتابية منها (رو 5: 12) في الترجمة اللاتينية التي كانت متاحةً له التي تقول: ”الذي فيه [في آدم] أخطأ الجميع“ بدلاً من ”إذ أخطأ الجميع“، والخطية الأصلية في نظر أوغسطينوس تتم بالتناسل ودافع ”الشهوة“ المصاحب للمعاشرة الجنسية. فأصبحت إرادة الإنسانية كلها تجنح للخطأ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. مما يشمل الأطفال أيضًا، رغم أن الخطية لم تصدر فعلاً عنهم، ويتوقف خلاصهم على معموديتهم كنقطة بداية. وأعتبر أوغسطينوس بذلك البشرية ”كتلة من الخطية“ و ”كتلة للهلاك“. بل إنه قال: ”إن الأطفال الذين لا يُعمَّدون يمرون في نار أبدية مع الشيطان لفترة من الزمن، وإنْ كانت أخف من النيران التي يمر فيها الأشرار الذين يضيفون لخطيتهم الموروثة خطاياهم الشخصية الفعلية“. وواضح أن هذا فتح الباب لحديث الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد عن ليمبوس الأطفال.

الشهوة الجنسية الشريرة

يظهر فساد الطبيعة البشرية في الجهل والشهوة والموت. ويجب أن نلاحظ أن الشهوة كما عبَّر عنها أوغسطينوس تعني كل ميل للابتعاد عن الله ليجد الإنسان كفايته في الأمور المادية. ورأى أوغسطينوس أن أوضح صورة لهذا الأمر نجدها في الشهوة الجنسية. إلا أننا يجب أن نحذر من أن نقول بأن أوغسطينوس أعتبر أن الخطية الأصلية هي الشهوة الجنسية. فهو يرى أن الشهوة الجنسية نتيجة ثورة الإنسان ضد الله. ولا يملّ أوغسطينوس من التنبير على أن قسوة وسطوة الغريزة الجنسية إنما هي في كل البشر. فهو يَعتبر أن المعمودية تُزِيل جرم الخطية لكنها لا تُزِيل حقيقتها في أعضاءنا. ويرى أن المخلِّص أختار أن يُولَد من عراء ليتجنب لوثة الشهوة. وبسقوط آدم فَقَدَ الإنسان حريته [الإرادة العاجزة عن فعل الخير]. حتى أننا لا نستطيع أن نتجنب الخطية بدون نعمة الله. فحرية الإنسان لازالت قائمةً ولكنه يختار الشر بكيفية تلقائية كحقيقة سيكولوجية [العجز التام والإرادة المقيَّدة بالشر].[4]

مبادرة النعمة

وفي ضوء الخلفية التي أشرنا إليها عن الطبيعة البشرية يمكننا أن نتفهم رفض أوغسطينوس لتعاليم بيلاجيوس بأن دور النعمة لا يزيد عن الاستنارة التي تُعاوِن الإرادة الحرة. فقال أوغسطينوس بأن هنالك ضرورة حتمية للنعمة. فيجب أن تعمل النعمة داخل الإنسان، ويتحقَّق عملها السريّ الداخليّ بحضور الروح القدس. وتسبق النعمة كل شيء فالمبادرة دائمًا منها. ويشير أوغسطينوس أيضًا للنعمة المعاوِنة بعد أن تبدأ النعمة عملها. كما يتحدَّث عن النعمة الكافية [المانعة الوقائية]. ويُنبِّر أوغسطينوس على أن النعمة تتبعها الاستحقاقات ولا توجد استحقاقات ينال الإنسان النعمة على أساسها. ويرى أوغسطينوس أن إرادة الله القادرة على كل شيء يجعل عمل نعمته فينا نعمة لا تُقاوَم [نعمة مانعة وقائية] وعن طريق النعمة ينال المؤمن حرية حقيقية.[5]

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ

وفي ضوء كل هذا يمكننا أن نتفهم كيف عبَّر أوغسطينوس عن التعيين [الاختيار] السابق للمؤمنين. إذ يرى أوغسطينوس استنادًا لفهمه للكتاب المقدَّس أن عدد المختارين مُحدَّد منذ الأزل. ويرفض أوغسطينوس رفضًا قاطعًا فكرة التعيين [الاختيار] السابق بناءً على علم الله السابق. ويرى أن المؤمنين الحقيقيين ينالون الضمان الأبديّ [عدم هلاك المؤمن]. إلا أن أوغسطينوس استنادًا لكلمات بولس الرسول: ”مَن يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط“ (1كو 10: 12)، قال إن الله في حكمته سمح بوجود ”مؤمنين غير حقيقيين“ وسط جماعة ”المؤمنين الحقيقيين“ ليكون الكل على حذر.[6]

لم تقبل الكنيسة وجهة نظر أوغسطينوس حول هذا الموضوع [أي سبق التعيين المزدوج] على الفور، لكنها رفضت البيلاجية في عدة مجامع كنسية. استمرت الكنيسة تُجادِل في مسألة الإرادة الحرة مقابل سبق التعيين لمدة مائتي عام أخرى حتى استقر الكاثوليك إلى حد ما على موقف وسطيّ. وكثيرًا ما يُدعَى هذا الموقف بـ ”النصف بيلاجية“ Semi-pelagianism، ولكن يمكن أن يُدعَى أيضًا عن حق بـ ”الموقف النصف أوغسطينيّ“. فقد رفض أتباع موقف النصف بيلاجية عقائد بيلاجيوس، لكنهم لم يقدروا أن يتبعوا أوغسطينوس إلى نهاية نتائج نظريته. لذا، فقد أنتجوا موقفًا وسطيًا. حيث قال ق. يوحنا كاسيان بأن الله عندما يرى بصيصًا من التفاعل البشريّ، يسكب نعمته فورًا على هذا الشخص. وبالتالي، فإن الإرادة البشرية الحرة مهمة، ويجب على البشر أن يتفاعلوا مع الله. ومع ذلك، فالتفاعل الكامل مع دعوة الله للخلاص غير ممكن بدون نعمة الله (تُرَى النعمة هنا كقوة). وفي العصور الوسطى كان موقف النصف بيلاجية هو المقبول بشكلٍ واسعٍ، وهو الذي انعكس في نظام الأسرار، أي أن الأسرار وسائط النعمة، لأنها قوة الله لغرسه الصالح فينا. وبالتالي، يمكن للبشر أن يتشاركوا مع الله في خلاصهم. وقد تبنى مارتن لوثر وجون كالفن فيما بعد وجهة نظر أوغسطينوس الأصلية، فقد رأيا أن الإنسان معتمد تمامًا على سلطان الله [الخلاص والتبرير بالنعمة فقط].[7]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان

سوف نستعرض الآن تعليم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان لنُوضِّح الاختلافات بينه وبين تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كُنا قد عرضنا أعلاه، سواء في التعليم عن النعمة، أو سبق التعيين، أو الضمان الأبديّ، أو الفساد الكلي للطبيعة البشرية، أو النعمة الوقائية المانعة من الهلاك، أو الإرادة البشرية المقيَّدة بالشر، أو وراثة ذنب آدم.

دحض التعليم بخطية الطبيعة

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم المانويّ -الذي تبناه أوغسطينوس وأتباعه- عما يُسمَى بـ ”خطية الطبيعة“، حيث ينادون بأن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين وتركيب الطبيعة البشرية بعد سقوط أبوينا الأولين، وأننا نرث عن طريق التناسل الجنسيّ من أبوينا الأولين ”خطية الطبيعة“ هذه، ولكن يدحض ق. يوحنا كاسيان هذا التعليم غير الأرثوذكسيّ، مؤكدًا على أن النزعات الجسدية المغروسة فينا بالفطرة هي لقصد مفيد، ولكن هناك نزعات أخرى خارجية أُقحِمَت من الخارج بسبب الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة، وهنا يُميِّز كاسيان بين النزعات والشهوات الجسدية الداخلية الطبيعية، والنزعات الجسدية والشهوانية الخارجية الناتجة عن الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة. حيث يرى أن الله الخالق بعنايته الإلهية هو الذي غرس فينا هذه النزعات الجسدية لغرضٍ مفيدٍ وليس لارتكاب الخطايا والرذائل كالزنا والخلاعة كالتالي:

ألسنا نُشاهِد مثلاً أن نوازع الجسد الطبيعية ليست فقط في الأولاد الذين تُساعِدهم بساطتهم على التمييز بين الخير والشر، بل حتى في الأطفال الصغار والرضع البعيدين تمامًا عن شهوة الجنس، ولكن نوازع الجسد موجودة فيهم وعُرضة للإثارة الفطرية؟ ألا نرى أيضًا أن وخزات الغضب المميتة موجودة بكامل عنفوانها في الأطفال الصغار؟ وقبل أن يتعلَّموا فضيلة الصبر والاحتمال، نجد أن المظالم تُثيرهم، ويشعرون بالمهانة ولو كانت على سبيل الدعابة، وقد يعمدون إلى الانتقام، على الرغم من ضعفهم، حين يستبد بهم الغضب؟! لست أسوق هذا كي أُوجِّه اللوم إلى حالتهم الفطرية، إنما لكي يظهر أن بعضًا من هذه النزعات التي تصدر عنا مغروسة فينا لقصدٍ مفيدٍ، بينما البعض الآخر قد أُقحِمَ من الخارج، بسبب الإهمال أو التراخي، وشهوة الإرادة الشريرة. لأنه هذه النزعات الجسدية التي تكلَّمنا عنها آنفًا، غرسها الخالق بعنايته الإلهية في جوفنا لغرضٍ نافعٍ، مثل بقاء النوع وتنشئة الأطفال، وليس لارتكاب ضروب الزنا والخلاعة، التي تقع تحت طائلة كُل من الناموس والقانون. كذلك أُعطِيت لنا وخزات الغضب بحكمةٍ بالغةٍ، حتى إذَا ما غضبنا على خطايانا وأخطأنا يتيسر لنا أن نُمارِس الفضائل والرياضات الروحية، مُظهرين كل حب الله ومُترفقين بأخوتنا“.[8]

ويُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان على أن النزعات الجسدية قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه له اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراض ضارة، ويشير إلى أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، داحضًا بذلك التعليم عن خطية الطبيعة أو طبيعة الخطية الموروثة من أبوينا الأولين، التي تجعلنا نُمارِس الخطية تلقائيًا بدون اختيار حر، ولكنه يشير إلى أن الخطية فعل إراديّ، وأن الشهوات الجسدية صالحة إلا أنه بسوء استخدامها وتوجيهها بالإرادة الشريرة الفاسدة، تصير خطايا وشرورًا كالتالي:

”إنْ قُلنا إذًا أن هذه النزعات قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه إليه اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراضٍ ضارةٍ، ورحَّبنا بأحزان قايين المتمرِدة المهلِكة وليس بالحزن الذي يُقوِّم اعوجاجنا ويُنشئ توبةً لخلاص بلا ندامة […] لكننا نُؤكِّد أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، كالحسد، وبالذات خطية الطمع هذه. هاتان الخطيتان تفدان إلى القلب من الخارج، لعدم وجود أصل لهما في الغرائز الفطرية. ويتيسر للمرء أن يأخذ حذره منهما وأن يتجنبهما نسبيًا. إنهما يُفسِدان العقل الذي يتسلطان عليه ويستبدان به، ومِن ثم يتعذر تهيئة الأدوية لشفائه منها“.[9]

ويدحض الأب سيرنيوس، أحد آباء الرهبنة المصرية الكبار آنذاك، فكرة خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية الموروثة من آدم بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس متأثرًا بالمانوية أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية، كما يدحض أيضًا فكرة الإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس أيضًا في كتاباته ضد البيلاجية، حيث يرى أنه مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقِين اللوم على الطبيعة البشرية دون مناقشة الموضوع بدقةٍ كالتالي:

سيرنيوس: مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقين اللوم على الطبيعة [البشرية] دون أن نُناقِش الموضوع بإتقانٍ […] فيلزمك ألا تحكم حسب ضعفك، إنما بناءً على قيمة التدرايب ومنهجها واختبار الآخرين لها […] هكذا بحسب الطبيعة لا يمكن أن يكون العقل خاملاً […] بل لديه على الدوام ما يشغله، وبسبب ثقله يضل ويتوه في أمورٍ كثيرةٍ ما لم يُمارِس التدرايب اليومية الطويلة […] يلزمنا ألا ننسب الانحراف في تيه القلب إلى الطبيعة البشرية أو خالقها، فإنه بالحق يقول الكتاب المقدَّس: ’أن الله صنع الإنسان مستقيمًا، أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). اختلاف الأفكار يتوقف علينا نحن، لأن الفكر الصالح يقترب مِن الذين يعرفونه والإنسان العاقل يجده. فأيّ أمر يخضع لتمييزنا وعملنا يمكننا أن نصل إليه، فإذَا لم نبلغه يرجع هذا إلى كسلنا وإهمالنا لا إلى خطأ في طبيعتنا. لو لم يكن هذا الأمر في مقدرتنا لمَّا وبَّخ الرب الفريسيين قائلاً: ’لماذا تُفكِّرون بالشر في قلوبكم؟‘ (مت 9: 4). ولمَّا كلَّف النبي ليقول: ’اعزلوا شر أفعالكم مِن أمام عينيّ‘ (إش 1: 16)، ’إلى متى تبيت في وسطك أفكارك الباطلة؟!‘ (إر 4: 14)، ولمَّا كان لنوع أفكارنا اعتبار في يوم الدينونة إذ يُهدِّد الله بواسطة إشعياء قائلاً: ’وأنا أُجازِي أعمالهم وأفكارهم‘ (إش 66: 18)“.[10]

يدحض ق. يوحنا كاسيان تعليم أوغسطينوس المتأثر بالمانوية عن خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية، أو الخطية الطبيعية الموروثة من آدم بعد السقوط، حيث يرى أن في هذا القول ضلال لأنفسنا بأن الخطأ ليس منَّا، أي من إرادتنا الحرة، بل من طبيعتنا الخاطئة، ويرفض فكرة أن الضلال هو من الطبيعة البشرية كالتالي:

”إذ نلتهب بالتدرايب اليومية لا نرى أننا كسِبنا أية قوة أو ثبات قلبيّ فنُغلَب باليأس، ونضل بهذه الفكرة، وهي الاعتقاد بأن الخطأ ليس منا، بل من طبيعتنا، وأن الضلال هو من الطبيعة البشرية“.[11]

دحض التعليم بوراثة الخطية

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم بوراثة الخطية الأصلية مؤكدًا على أن الخطية هي فعل إراديّ، حيث تنحرف إرادتنا الحرة إلى الخطية، وليس بسبب خطية أصلية موروثة أو ذنب طبيعيّ موروث، بل يُشدِّد على أن الله أوجدنا مخلوقات عاقلة ومنحنا قوة حرية الإرادة كالتالي:

”إننا ليس فقط نسعى إليه شاكرين لأنه أوجدنا مخلوقات عاقلةً، ومنحنا قوة حرية الإرادة، وأنعم علينا ببركات نعمة المعمودية، ووهبنا المعرفة والناموس، بل وأيضًا لأجل كل ما يمنحنا إياه بحمايته اليومية، إذ يُنجِينا من دهاء أعدائنا، ويعمل معنا فينقذنا من خطايا الجسد، وبدون معرفتنا لها يُعطِينا درع حمايته لنا من المخاطر، ويحمينا من السقوط في الخطية، ويُساعِدنا ويُنيرنا. بهذا نستطيع أن نفهم ونتعرف على مساعدته اليومية التي يُعطِينا إياها (والتي بعضٌ منها معروف بواسطة الناموس)، وأيضًا خلال سلطانه السريّ ننعم بتأنيب ضميرنا لارتكابنا الخطايا والإهمال. إنه يفتقدنا باهتمامه بنا وتأديبنا من أجل سلامة نفوسنا حتى أننا أحيانًا بغير إرادتنا نجد أنفسنا مرارًا مُنجذِبين بواسطته نحو خلاصنا. أخيرًا، فإن إرادتنا الحرة هذه التي تنحرف إلى الخطية كثيرًا ما تتحوَّل بواسطته إلى غرضٍ نبيلٍ، وبواسطة تأهبه واقتراحه، يجعلنا نميل في اتجاه طريق الفضيلة“.[12]

ماهية ناموس الخطية العنيف

يروي ق. يوحنا كاسيان مقارنة الأب ثيوناس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، بين المأسورين بناموس الله والمأسورين بناموس الخطية العنيف الذي جلبه سقوط الأب الأول على البشرية كالتالي:

ثيوناس: إنهم بالحقيقة يسرون بناموس الله بحسب الإنسان الباطن الذي يسمو فوق كل المنظورات، ويسعون على الدوام ليكونوا مُتَّحِدين بالله وحده، لكنهم يرون ناموسًا آخر في أعضائهم، أي منغرس في طبيعتهم البشرية، يحارب ناموس ذهنهم (رو 7: 22، 23)، أي يأسر أفكارهم إلى ناموس الخطية العنيف، ويُلزِمهم أن يتخلوا عن ذلك الصلاح الأعظم، ويرضخوا للأفكار الأرضية، التي وإنْ ظهرت هامةً ومفيدةً ونحتاج إليها في العبادة، إلا أنها تقف عائقًا عن التأمل في ذلك الصلاح الذي يسحر أنظار القديسين، فيرونها شريرةً ويحاولون تجنبُّها، لأنه خلالها إلى حد ما وإلى حين يُحرَمون من بهجة تلك السعادة الكاملة. لأن ناموس الخطية هو بحق ما جلبه سقوط الأب الأول على البشرية، إذ صار النطق بفم القاضي العادل: ’ملعونة الأرض بسببك [في أعمالك] شوكًا وحسكًا تُنبِت لك، بعرق وجهك تأكل خبزًا‘ (تك 3: 17-19)“.[13]

ويستطرد الأب ثيوناس شارحًا ماهية ناموس الخطية هذه المنغرس في أعضاء البشر جميعًا الذي يحارب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله، حيث يرى أنه بعد لعنة الأرض بأعمالنا وبعد معرفتنا للخير والشر، صارت تنبت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، وهنا لا يتحدَّث الأب ثيوناس عن خطية أصلية موروثة من الوالدين عن طريق التناسل الجنسيّ، بل عن أفكار شريرة تهاجم بذور الفضائل الطبيعية في ناموس أذهاننا وتخنقها، فالموضوع كله روحيّ، وليس عبارة عن خطية مادية موروثة عن طريق النفس المولودة وعن طريق العلل البذرية الجسدية المادية، كما كان ينادي أوغسطينوس وأتباعه من المنادين بوراثة الخطية الأصلية من أبوينا الأولين نفسًا وجسدًا، بل الموضوع كله روحيّ بحت يُشكِّل صراعًا داخل الإرادة البشرية الساقطة بين فعل الخير وفعل الشر، وليس خطية أصلية موروثة مُحرِّكة للإرادة مُقيِّدةً إياها بفعل الشر دائمًا، حتى لو أرادت فعل الصلاح كالتالي:

ثيوناس: إنني أقول إن هذا هو الناموس المنغرِس في أعضاء البشر جميعًا الذي يُحارِب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله. إذ بعدما لُعِنَت الأرض بأعمالنا بعد معرفتنا للخير والشر، صارت تُنبِت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، حتى أنه بغير عرق جبيننا لا نستطيع أن نأكل خبزنا ’النازل من السماء‘ (يو 6: 33)، والذي ’يسند قلب الإنسان‘ (مز 104: 15). لذلك، فإن البشر عامةً، بغير استثناء، خاضعون لهذا الناموس“.[14]

ويُوضِّح الأب ثيوناس ماهية ناموس الخطية في موضع آخر مشيرًا إلى انجذاب الطبيعة البشرية في بعض الأحيان من الأمور السماوية إلى الأمور الأرضية، وانحدار سمو الذهن إلى الاهتمام بالأمور التافهة، فهو مثل الأسر والسبي رغم المثابرة والاشتياق إلى خدمة ناموس الله، والعجز عن الفرار من سلطان هذا الأسر إلا بالتطلع الدائم إلى رحمة المخلِّص قائلاً:

ثيوناس: أخيرًا، فإن الرسول الطوباويّ يُعبِّر بوضوحٍ أنه قال هذا عن الناس المقدَّسين والكاملين ومَن على شاكلته، فيشير بإصبعه إلى نفسه ويتدرج في الحال: ’إذ أنا نفسي‘ […] مع أني أخدم ناموس الله بالذهن ومع ذلك أعترف بأنني بالجسد أخدم ناموس الخطية، بمعنى أن طبيعتي البشرية تجذبني أحيانًا من الأشياء السمائية إلى الأشياء الأرضية، وينحدر سمو ذهني إلى الاهتمام بأمورٍ تافهةٍ. وبناموس الخطية هذا أجد أنني في كل لحظة أُؤخذ هكذا مأسورًا رغم مثابرتي باشتياقٍ راسخٍ نحو ناموس الله، لكنني لا أستطيع بأية وسيلة أن أنجو من سلطان هذا الأسر ما لم أتطلع دائمًا إلى رحمة المخلِّص“.[15]

مفهوم الخطية الجدية

يشرح الأب ثيوناس مفهوم الخطية الجدية أو خطية آدم، حيث يرى أننا مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون ، حيث استعبد آدم البشرية لسلطان الحية، أي إبليس، وجعل كل ذريته تحت نير العبودية المستمر، بعدما استلم من الحية ثمن حريته مُستهِينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت كالتالي:

ثيوناس: لكن إذ نحن مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون. إنني اتساءل: ما هي تلك الخطية؟ ولمَّنْ؟ بلا شك هي خطية آدم الذي بسقوطه أو بتدبيره التالف وتعاقده المملوء خداعًا صِرنا مُباعين. فعندما قاده إغراء الحية إلى الضلال، جاء بجميع ذريته تحت نير العبودية المستمر. فبالأكل من الشجرة الممنوعة استلم من الحية ثمن حريته مُستهينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت. وليس بغير سبب صار كل نسله عبيدًا في خدمة ذاك الذي صار عبدًا له. لأنه هل يمكن لزوجين عبدين إلا أن يُنتِجا مَنْ هم عبيد؟ لكن هل هذا المشتري المخادِع قد سلب حق الملكية من المالك الشرعيّ الحقيقيّ؟ كلا، لأنه لم ينل حق ملكية الله. لكن الخالق إذ منح جميع الخليقة العاقلة إرادة حرة، لا يُعيد لهم حريتهم الطبيعية قهرًا، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم بخطية الشهوة الشرهة. لأن مصدر العقل والتقوب يُمقِت كل ما هو مُخالِف للصلاح والعدل، فلا يقبل أن يسلب الإنسان حريته حتى لا يخطئ في حقه. لكن الله حافظ على خلاص الإنسان ناظرًا إلى المستقبل، إلى ملء الزمان المعيَّن، وبعدلٍ ترك ذرية آدم تبقى وقتًا طويلاً تذوق مرارة العبودية إلى أن يشتريهم بدمه، وتعتقهم مراحم الله من القيود الأصلية، ويُطلِق سراحهم إلى الحرية الأولى“.[16]

ويستطرد الأب ثيوناس ليشرح مفهوم الخطية الجدية، فيرى أن لعنة الله الأصلية جعلت من البشر جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا آدم بذلك التعاقُّد التعيس حتى صرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صرنا ننقطع في بعض الأحيان عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها، وبالتالي، نُدرِك أنه لا يسكن في أجسادنا شيء صالح، بمعنى عدم سُكنى السلام الأبديّ الدائم لهذا التأمل الإلهيّ فيها كالتالي:

ثيوناس: إذًا، لعنة الله الأصلية جعلتنا جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا بذلك التعاقُّدالتعيس حتى صِرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صِرنا ننقطع أحيانًا عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها. لهذا نحن نعلم أنه ليس ساكنًا في أجسادنا شيء صالح (رو 7: 18)، أي ليس ساكنًا فيها السلام الأبديّ الدائم الذي لهذا التأمل المذكور“.[17]

ويشرح الأب ثيوناس أيضًا ماهية الخطية الجدية، حيث يرى حدوث الطلاق البائس والتعيس، بحيث أننا عندما نريد بالذهن أن نخدم ناموس الله، وإذ لا نريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص آدم المذنِب الأول ليس بغير سبب، وبالرغم من التقيُّد بقيود الخطية، ولكننا لا نُدان بسبب نعمة المسيح المحرِّرة للجميع من ناموس الخطية والموت كالتالي:

ثيوناس: لقد حدث في قضيتنا ذلك الطلاق البائس التعيس، حتى أننا عندما نُريد بالذهن أن نخدم ناموس الله إذ لا نُريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص المذنِب الأول ليس بدون سبب. ومع أن الرسول المبارك يُعلِن جهرًا بأنه وجميع القديسين مُقيَّدين بقيود هذه الخطية، لكنه يُؤكِّد بجراءةٍ أنه لا يُدان أحد بسبب هذا قائلاً: ’إذًا، لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع […] لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 1، 2)، بمعنى أن نعمة السيد المسيح تُحرِّر جميع القديسين يومًا فيومًا من ناموس الخطية والموت، هذا الذي يخضعون إليه قسرًا بالرغم من توسلهم الدائم إلى أن يصفح عن تعدياتهم“.[18]

ويرفض الأب ثيوناس رأي جرمانيوس، صديق ق. يوحنا كاسيان، الذي يقول بأن ناموس الخطية بسبب سيطرة عادات الخطاة القديمة عليهم، قد صار ناموسًا طبيعيًا يسيطر بعنفٍ في أعضائهم، فيسقطون في شهوة انفعالاتهم القديمة المتأصلة، فتصير العادة أو تكرار الخطية بمثابة ناموس طبيعيّ مغروس في أعضاء الإنسان الضعيفة تقود مشاعر النفس التي لم تتهذب بعد بمطالب الفضيلة، أي أنهم في نقاوة غير مُهذَّبة، بل هم أسرى الخطية، فلا ينالون صلاح الطهارة التي يحبونها، بل يُجبرون على فعل الشر الذي يكرهونه. فيرى الأب ثيوناس أنه لم يُدرِك الأمر تمامًا، ويبدأ في شرح تعبيرات ”ناموس الخطية“ و ”جسد الموت“، فيُوضِّح أن جسد الخطية، أو جسد الموت، أو ناموس الخطية والموت –حيث يستخدم هذه التعبيرات بالتبادل مع بعضها البعض دون تمييز- هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية وبهذا يحرم الإنسان من السعادة الحقيقية كالتالي:

ثيوناس: رأيكم هذا يعني عدم إدراك الأمر تمامًا […] فما يقوله الرسول ينطبق على حال القديسين الذين يومًا فيومًا يسقطون تحت هذا الناموس [أي ناموس الخطية]، ليس ناموس الجرائم ولا التورط في أعمال شريرة، لكن كما سبق أن كرَّرت كثيرًا هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية (الهامة)، وبهذا يُحرَمون من بركة السعادة الحقيقية. مهما يكن مِن قلق الرسول مِن جهة ناموس الخطية الذي يُولِّد أشواك الأفكار والاهتمامات الجسدية وحسكها الناشئة في أعماق صدر الرسول، إلا أنه في الحال يختطفه ناموس النعمة فيقول: ’لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 2). إذًا، هذا هو ’جسد الموت‘ الذي لا يستطيع أن نهرب منه، الذي أسرَّ فيه الكاملون الذين ذاقوا: ’ما أطيب الرب‘ (مز 34: 8)، يشعرون يوميًا مع النبي ’كيف هو شرٌ ومرٌ للإنسان الذي ينفصل عن الرب إلهه‘ (إر 2: 19). هذا هو ’جسد الموت‘ الذي يحجزنا عن الرؤية السماوية، يجذبنا إلى الخلف للأشياء الأرضية، الذي يُسبِّب للناس أثناء ترتيلهم بالمزامير وركوعهم للصلاة أن تمتلئ أفكارهم بالمناظر البشرية، أو يتذكرون محادثات أو أعمال ضرورية تافهة. هذا هو ’جسد الموت‘ الذي ينظر إليه أولئك الذين يبارون قداسة الملائكة ويشتاقون إلى الاتصال بالله على الدوام، ومع ذلك يعجزون عن الوصول إلى كمال هذا الصلاح، لأن ’جسد الموت‘ يقف في طريقهم، فيفعلون الشر الذي لا يريدونه، أي ينجذبون إلى أسفل بأذهانهم حتى إلى الأشياء التي ليست لها صلة بتقدُّمهم وكمالهم في الفضيلة“.[19]

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج

يدحض ق. يوحنا كاسيان فكرة سبق التعيين المزدوج والقدرية، التي طالما شدَّد عليها أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب في مواجهته للهرطقة البيلاجية، حيث يُوضِّح كاسيان، في محاورة دارت بين صديقه جرمانيوس والأب بفنوتيوس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، أهمية حرية الإرادة والسينرجيا بين النعمة والجهاد قائلاً:

جرمانيوس: إذًا، أين هي حرية الإرادة؟ وكيف يمكن أن نكون مستحقينن للكرازة كثمرة للجهاد ما دام الله هو الذي يبتدئ، وهو الذي يختم كل شيء فينا بخصوص خلاصنا؟ بفنوتيوس: نحن نعرف أن الله يخلق لنا فرصًا للخلاص بشتى الطرق، لكن يمكننا أن نستخدم هذه الفرص باجتهادٍ أعظم أو أقل. فالله يُقدِّم فرصةً كقوله: ’اِذهب من أرضك‘، لكن الطاعة من اختصاص إبراهيم الذي أطاع وذهب منها. ففي القول: ’اِذهب إلى الأرض‘ تحمل معنى العمل، عمل ذاك الذي أطاع، وفي القول: ’التي أريك‘ تحمل نعمة الله الذي أوصاه أو وعده. مِن المفيد لنا أن نتأكَّد أنه بالرغم من أننا نُجاهِد في كل الفضائل جهادًا غير باطل، لكننا لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرَّد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية، ما لم يصن جهاده بالتعاون [سينرچيا] مع الله، وتوجيهات الله لقلبه نحو الحق […] هكذا نحن لا نهلك إذًا لضعف حرية إرادتنا، لأن الله يُعضِّدنا ويعيننا باسطًا يديه لنا. فبالقول: ’إذَا قُلت قد زُلّت قدمي‘، يقصد زُلّت إرادتي، وبالقول: ’فرحمتك يارب تُعضِّدني‘ (مز 94: 18)، يُظهِر عون الله لضعفنا، مُعترِفًا أنه ليس بمجهودنا الذاتيّ، بل برحمة الله لنا لا تزل أقدام إيماننا […] وأيضًا ’لولا أن الرب مُعيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت‘ (مز 94: 17). يُعلِن هنا أنه بسبب ضعف إرادتنا الحرة نسكن في الجحيم [أرض السكوت]، لو لم يُنقِذنا عون الله وحمايته“.[20]

ويدحض الأب شيريمون، أحد آباء الرهبنة المصرية آنذاك، التعليم بسبق التعيين المزدوج للخلاص أو الهلاك، كما علَّم به أوغسطينوس في سياق مواجهته للهرطقة البيلاجية، مؤكدًا على أن الله لم يخلق الإنسان بدون إرادة، بل خلقه بإرادة حرة، كما يدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، بمعنى أن الإنسان يفعل الشر تلقائيًا، وحتى لو أراد فعل الخير فإنه عاجز تمامًا عن فعل الخير، وحتى لو أراد أن يفعل الصلاح، فإنه يفعل الشر رغمًا عنه بسبب عجزه التام عن فعل الخير والصلاح كالتالي:

شيريمون: […] لا يجدر بنا أن نتطلع إلى الله أنه خلق الإنسان بلا إرادة، أو أنه عاجز عن الصلاح، فلو كان قد سمح له بالإرادة الشريرة والقدرة على الشر دون الخير يكون بذلك قد حرمه من الإرادة الحرة، وعندئذٍ ماذا تعني العبارة التي نطق بها الرب مُباشرةً بعد سقوطه: ’هوذا الإنسان قد صار كواحد منَّا عارفًا الخير والشر‘ (تك 3: 22)؟ لأننا لا نقدر أن نظن أنه كان قبلاً جاهلاً للخير تمامًا، وإلا بهذا يكون الإنسان مخلوقًا غير عاقل كالحيوانات العجماوات، وهذا القول غريب تمامًا عن الكنيسة الجامعة“.[21]

ويدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بسبق التعيين والاختيار المزدوج للخلاص والهلاك منذ الأزل، حيث يؤكد أوغسطينوس على أن هناك نوعان من البشر أحدهما مُعيَّن منذ الأزل مِن قِبل الله للخلاص الأبديّ، والنوع الآخر مُعيَّن للهلاك الأبديّ قائلاً:

شيريمون: هكذا فإن مثل هذه الأمور تتشابك معًا بلا تمييز […] حتى أن كثيرين ينشغلون بمثل هذه الاستفسارات الصعبة: هل الله يُظهِر حنوه لنا لأننا نُظهِر بداية إرادتنا الصالحة، أم أن الإرادة الصالحة تبدأ لأن الله يحنو علينا؟ يعتقد كثيرون بأحد هذين الرأيين ويُؤكِّدونه أكثر مما يجب فيسقطون في أخطاء مضادة. فإن قُلنا أن بداية الإرادة الصالحة هي في سلطاننا، فماذا نقول عن بولس المضطهِد؟ وماذا نقول عن متى العشار؟! إذ سُحِبَ أحدهما إلى الخلاص وهو توَّاق إلى سفك الدم ومعاقبة البريء، وسُحِبَ الآخر وهو مُحِب للعنف والنهب، وإنْ قُلنا أن بداية إرادتنا تأتي دائمًا كنتيجة لوحي النعمة الإلهية، فماذا نقول عن إيمان زكا، وصلاح اللص الذي على الصليب، هذين اللذين بإرادتهما اغتصبا ملكوت السموات، ونالا قيادة خاصة بالدعوة؟ حقًا يبدو أن هاتين الاثنتين: أي نعمة الله وحرية الإرادة معارضتين لبعضهما البعض، لكن في الحقيقة هما متفقتان معًا، ونحن نستنتج من نظام الصلاح إنه يُلزِمنا أن تكون لنا الاثنتين معًا متشابهتين، فإنْ نزعنا أحدهما نكون قد كسرنا نظام قانون الكنيسة. فعندما يُشاهِدنا الله مائلين نحو الخير، يلتقي بنا ويقودنا ويُقوينا […] إذ يقول: ’يتراءف عليك عند صوت صراخك، حينما يسمع يستجيب لك‘ (إش 30: 19)، ’ وادعني في اليوم الضيق أُنقِذك فتُمجِّدني‘ (مز 50: 15). وإذَا وجدنا غير راغبين في الخير، أو أننا ننمو في البرود [الروحيّ]، يُثير قلوبنا بنصائحٍ مفيدةٍ لكي ما تتجدَّد فينا الإرادة الصالحة أو تتكوَّن فينا“.[22]

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية

يدحض الأب شيريمون أيضًا تعليم أوغسطينوس بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأن إرادة الإنسان بعد السقوط صارت مقيَّدة بفعل الشر تلقائيًا، لدرجة أنها خالية تمامًا من أي بر أو صلاح يُذكَر، بل حتى لو حاولت فعل الخير، فإنها تفعل الشر تلقائيًا، ويُؤكِّد الأب شيريمون على أن آدم قد صار بعد السقوط عارفًا الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه قبلاً كالتالي:

شيريمون: علاوة على هذا، فإن سليمان الحكيم يقول: ’الله صنع الإنسان مُستقيمًا‘ (جا 7: 29). بمعنى أنه على الدوام يتمتع بمعرفة الخير وحده، ’أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). إذ صارت لهم معرفة الخير والشر كما كان من قبل. لقد صار لآدم بعد السقوط معرفة الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه. أخيرًا، تكشف كلمات الرسول بوضوحٍ أن البشرية لم تفقد معرفة الخير بعد سقوط آدم، إذ يقول: ’لأنه الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم ناموس، هم ناموس لأنفسهم، الذين يُظهِرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكيةً أو محتجةً، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس‘ (رو 2: 14-16). بنفس المعنى ينتهر الرب على لسان النبي غير الطبيعيين، الذين اختاروا بإرادتهم عمى اليهود، وخلال عنادهم جلبوا ذلك على أنفسهم ’أيها الصم اسمعوا، أيها العمي انظروا لتبصروا، مَت هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسِله؟!‘ (إش 42: 18، 19). وحتى لا ينسبوا عماهم إلى الطبيعة وليس إلي إرادتهم، يقول: ’أخرج الشعب الأعمى وله عيون والأصم وله آذان‘ (إش 43: 8)، وأيضًا ’الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون‘ (إر 5: 21)، ويقول الرب نفسه في الإنجيل: ’لأنهم مبصرون ولا يبصرون، وسامعون ولا يسمعون ولا يفهمون‘ (مت 13: 13) […] أخيرًا، لكي تُدرِك أن إمكانية الصلاح كانت موجودة فيهم، يُوبِّخ الفريسيين قائلاً: ’ولماذا لا تحكمون بالحق مِن قِبل نفوسكم؟‘ (لو 12: 57). وهذا ما كان يقول الرب ذلك لو لم يعلم أنهم بحكمهم الطبيعيّ قادرون على تمييز ما هو صالح“.[23]

ويُؤكِّد الأب شيريمون أيضًا على أننا بعد السقوط لم نُحرَم من التفكير والتصوُّر للأفكار الصالحة بشكلٍ طبيعيّ، فلا يوجد شك بأن هناك بعض بذور الصلاح بالطبيعة فينا، أوجدها حنو الخالق في كل نفس، ولكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وبالتالي، يدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي مثله مثل جميع آباء الشرق في عصره بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية مع بقاء بذور الصلاح فينا بالطبيعة كالتالي:

شيريمون: […] هكذا يمكننا أن نتكلَّم بخصوص أفكارنا اليومية، فإنه لم يُوهَب لداود وحده أن يُفكِّر فيما هو صالح، إذ لا نُحرَم نحن طبيعيًا أن نُفكِّر ونتصوّر أمورًا صالحةً. إذ لا نشك أنه بالطبيعة توجد فينا بعض بذور الصلاح، أوجدها حنو الخالق في كل نفس. لكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وكما يقول الرسول الطوباويّ: ’إذ ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله الذي يُنمِي‘ (1كو 3: 7)“.[24]

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر

يُشدِّد الأب شيريمون على بقاء حرية الإرادة على الدوام في الإنسان قبل أو بعد السقوط، فلا يمكن إهمالها أو المغالاة فيها، كما فعل أوغسطينوس أسقف هيبو وأتباعه، حيث نادوا بالإرادة المقيَّدة بفعل الشر والعاجزة تمامًا عن فعل الخير، لدرجة أنهم قالوا إن الإرادة خالية ومجرَّدة تمامًا من كل خير، كما يشير إلى سينرجيا أو تآزر النعمة مع الإرادة الإنسانية كالتالي:

شيريمون: تبقى حرية الإرادة على الدوام في الإنسان، لا نُهمِلها ولا نُغالِي فيها […] لأنه ما كان للرسول أن يُوصِي قائلاً: ’تمَّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ‘، لو لم يعلم أنه يمكن للإنسان أن يتقدم في الخلاص أو يُهمِله. لكن لا يتصوّر البشر أنهم غير محتاجين للعون الإلهيّ في عمل الخلاص، إذ يُكمِل: ’لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته‘ (في 2: 13). وأيضًا ’لا تُهمِل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدي المشيخة‘ (1تي 4: 14)، ’أُذكِّرك أن تضرم أيضًا موهبة الله التي فيك بوضع يدي‘ (2تي 1: 6). لهذا فإنه في كتابته إلى أهل كورنثوس ينصحهم ويُحذِّرهم لئلا بعدم إثمارهم يظهروا غير مستحقين لنعمة الله، قائلاً: ’نطلب ألا تقبلوا نعمة الله باطلاً‘ (2كو 6: 1). لأن قبول النعمة المخلِّصة لم يُفقِد سيمون شيئًا لأنه قَبِلَها باطلاً، إذ لم يُطع وصية بطرس المبارك الذي قال له: ’فتب مِن شرك هذا واطلب إلى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك، لأني أراك في مرارة المر ورباط الظلم‘ (أع 8: 22، 23). فالنعمة تتقدم إرادة الإنسان، إذ قيل: ’إلهي رحمته تتقدمني‘ (مز 59: 10). وأيضًا يتأخر الله لأجل صالحنا حتى يختبر رغباتنا، عندئذٍ إرادتنا هي التي تتقدم، إذ قيل: ’في الغداة [الصباح] صلاتي تتقدمك‘ (مز 88: 13)“.[25]

ويدحض الأب ثيوناس أيضًا التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، حيث يرى أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها، وليس خطية أصلية موروثة كائنة في الطبيعة البشرية، كما كان يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه، فلا يوجد إكراه أو جبرية عند الخطاة على فعل الشر، بل هم يحبونه فعلاً ويمارسونه عن طيب خاطر. كما يُوضِّح أن الخطية هي فعل إراديّ محض، وليس فعل موروث تتوارثه الأجيال من آدم وحواء عن طريق التناسل والتزاوج الجنسيّ الدنس، كما يُنادِي أوغسطينوس وأتباعه كالتالي:

ثيوناس: […] لأنه كيف يمكن أن ينطبق على الخطاة هذا القول: ’لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فأياه أفعل‘؟ أو ’فإنْ كُنتُ ما لست أُرِيده فأياه أفعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ‘؟! لأنه أيّ خاطئ يُدنِّس نفسه كُرهًا بالفجور والزنا؟! مَنْ منهم بغير إرادته يصنع مكائد ضد قريبه؟! مَنْ منهم تُلزِمه الضرورة أن يظلم إنسانًا شاهدًا عليه بالزور، أو يغشه بسرقةٍ، أو يطمع في ممتلكات آخر، أو يسفك دمه؟! كلا! بل يقول الكتاب المقدَّس: ’تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21). لأنه إلى هذه الدرجة يلتهب قلبهم بحب الخطية والشهوة راغبين في تنفيذ ما يحبونه، مُترقِبين باهتمامٍ شديدٍ أن يتمتعوا بشهواتهم ’ومجدهم في خزيهم‘ (في 3: 19). وكما يُؤكِّد إرميا النبي أنهم يرتكبون آثامهم الخبيثة لا بإرادتهم أو بانشراح قلب فحسب، بل ويبذلون جهودًا شاقةً محتملين أتعابًا في تنفيذها […] إذ يقول: ’تعبوا في الافتراء‘ (إر 9: 5). أيضًا مَن يقول أن هذه العبارة: ’بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ تنطبق على حالة الخطاة الذين لا يخدمون الله لا بالذهن ولا بالجسد؟ إذ كيف يستطيع الذين يخطئون بالجسد أن يخدموا الله بالذهن إنْ كان الجسد يقبل إغراء الخطية من القلب، إذ يُعلِن خالق الاثنين [الذهن والجسد] أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها قائلاً: ’لأن مِن القلب تخرج أفكار شريرة قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف‘ (مت 15: 19)؟! على أيّ الأحوال يظهر بوضوحٍ أن هذه العبارات لا يمكن أن تنطبق على الخطاة الذين لا يكرهون الشر فقط، بل ويحبونه فعلاً، وهم بعيدون جدًا عن خدمة الله بالذهن أو الجسد، حتى أنهم يخطئون بالذهن قبل أن يخطئوا بالجسد، وقبل أن يُتمِّموا ملذات الجسد تقهرهم الخطية في ذهنهم وأفكارهم“.[26]

سينرجيا النعمة والأعمال

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان مرةً أخرى على المبدأ الأرثوذكسيّ بتأزر النعمة والأعمال معًا من أجل تحقيق الخلاص، على العكس من أوغسطينوس الذي ركَّز على عمل النعمة الإلهية والمشيئة الإلهية أكثر من أهمية الأعمال وحرية الإرادة البشرية في التعاون والتآزر مع النعمة والمشيئة الإلهية قائلاً:

بفنوتيوس: […] ما أقوله هذا لا يعني أننا نستهين بغيرتنا وجهودنا ونشاطنا كأنها غير ضرورية، أو نستخدم الحماقة، بل ينبغي علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهِد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أيّ نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى، ما لم تُوهَب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية […] فكم غباوة وشر أن ننسب الأعمال الصالحة إلى جهادنا الذاتيّ وليس إلى نعمة الله وعنايته، وهذا ما وَضِّح بجلاءٍ في قول الرب حيث أعلن بأنه لا يقدر أحد أن يُظهِر ثمار الروح بدون وحيه وعونه. لأن ’كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار‘ (يع 1: 17)“.[27]

ويشير ق. يوحنا كاسيان إلى ضرورة التعاون والتآزر بين النعمة والأعمال، وأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية، بل تعمل في تناغم وانسجام مع النعمة الإلهية كالتالي:

بفنوتيوس: […] تنفيذ الأعمال الصالحة هو هبة من الله في نفس الطريق […] ومع ذلك فنحن نستحق الجعالة [المكافأة] أو العقاب، لأنه يمكننا أن نجتهد أو نُهمِل في تفاعلنا مع عمل الله وترتيب العناية الإلهية الموضوعة من أجلنا باهتمامٍ عظيمٍ. […] لقد أعلن الكتاب بأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية وهي أن يأتي بهم إلى أرض الميعاد […] لكن في مقدورهم أن يُخالِفوا ذلك. من هذا نستطيع أن نرى بوضوحٍ ما ننسبه لإرادتنا الحرة، وما ننسبه لمواعيد وعلامات العناية الإلهية الدائمة. ففرص الخلاص والتدابير الناجحة والنصرة تخص النعمة الإلهية، ونحن علينا إمَّا أن نُطيع بشغفٍ أو نُهمِل البركات الممنوحة لنا مِن قِبل الله“.[28]

ويُشدِّد ق. يوحنا كاسيان على مبدأ السينرجيا بين عمل النعمة والأعمال البشرية الصالحة والجهاد البشريّ، مُوضِّحًا أنه عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، فإننا نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُساعِد المجاهدين والمكافحين، فليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ بدون معونة الله كالتالي:

ليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ حتى يمكننا أن نحصل على فضيلة النقاوة العظيمة (الموجودة فطريًا في الملائكة كسكان السماء، لا بواسطة المجهود البشريّ وحده بدون معونة الله) لأن إتمام كل شيء حسن يفيض من نعمته. مَنْ منَّا بكثرة فضله يُخوِّل مثل هذه البركة الأخيرة وهذا المجد العظيم بإرادتنا الضعيفة وسبيل حياتنا القصيرة الزهيدة؟! […] عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُخوِّل هؤلاء الذين يجاهدون ويكافحون استعمال تعبير الرسول لهم ’نريد ونسعى‘ […] لكن السؤال والطلب والقرع من جانبنا لا يكفي ما لم تُعطنا رحمة الله ما ينبغي أن نسأله، وتفتح الباب الذي نقرعه، وتُؤهِّلنا أن نأخذ ما نطلبه. مِن جانبه يمنح كل الأشياء فقط إذَا أُعطِيَت له الفرصة برغبتنا الخاصة، لأنه يرغب ويبحث عن كمالنا وخلاصنا أكثر وأبعد مما نُريد نحن أنفسنا“.[29]

ويشير الأب شيريمون أيضًا إلى تعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا البشرية من أجل نفعها، وتساعدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، حيث تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، فلا تبدو أنها تهب عطاياها للإنسان الخامل المتراخي كالتالي:

شيريمون: […] هكذا تتعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا لأجل نفعها، وتُساعِدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، وذلك بطريقة يظهر فيها أنها تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، حتى لا تبدو أنها تهب عطايا للإنسان الخامل المتراخي. وهي تبحث عن فرص لكي تكشف للإنسان الخامل أنه باستكانته يفقد جود النعمة. مع هذا تُحسَب النعمة مجانيةً، لأنه من أجل جهادٍ تافهٍ تُمنَح بغنى أمجاد الخلود التي لا تُقدَّر وبركات الأبدية“.[30]

عدم سماح الله بالشر

ينفي ق. يوحنا كاسيان من خلال مناظرة الأب ثيؤدور [تادرس] فكرة سماح الله بالشر وفرضه على أحد القديسين سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق آخرين، حيث يدحض بذلك فكرة أوعسطينوس عن استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للشر كالتالي:

ثيؤدور: […] الاحتفاظ بهذا التمييز الواضح الثابت وتلك المعرفة، بأنه ليس خيرًا إلا الفضيلة وحدها، ولا يُحسَب شيء شريرًا سوى الخطية وحدها والانفصال عن الله، هذا يجعلنا نُدرِك بكل حرص: هل الله يسمح للشر أن يُفرَض على قديسيه مُباشرةً، أو عن طريق آخرين؟ بالتأكيد لا يمكن أن يحدث هذا. إذ لا يفرض أحد شر الخطية على آخر قهرًا. إنما يحدث هذا خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة. لقد استخدم الشيطان كل حيله الشريرة ضد أيوب الطوباويّ مُحاوِلاً أن يفرض عليه شر الخطية، فلم يقطع عنه فقط الاحتياجات الزمنية، بل وحاول أن يُرعِبه بكل مصائب الحرمان التي لم تكن متوقعة، كموت أولاده السبعة، وإصابته بقروحٍ مميتةٍ، وعذابات لا تُطاق من رأسه حتى أخمص قدميه، لكن أيوب بقي في هذا كله ثابتًا غير مُجدِّف“.[31]

مفهوم العقوبة الإلهية

ينفي ق. يوحنا كاسيان عن الله أن يكون هو علة الشرور التي تحدث في البشرية، بل يرى أنه حينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، فإنه يتكلَّم معهم بحسب لغتهم ومشاعرهم البشرية، ويوضح أن هناك أمور ليست صالحة ولا شريرة في ذاتها، بل هي صالحة من ناحية، وشريرة من ناحية أخرى كالتالي:

جرمانيوس: كثيرًا ما نقرأ في الكتاب المقدَّس أن الله خلق الشر وجلبه على البشر، كما جاء في هذه العبارة: ’ليس غيري. أنا الرب وليس آخر. مصوِّر النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر‘ (إش 45: 6، 7). وأيضًا: ’هل تحدث بلية في مدينةٍ والرب لم يصنعها؟‘ (عا 3: 6). ثيؤدور: اعتاد الكتاب المقدَّس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصليّ. فيستخدم كلمة ’الشرور‘ عن ’الأحزان والضيقات‘، ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَنْ تحلّ بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يَعتبرونها شرًا. فحينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، يتكلَّم معهم حسب مشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كيّ الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس والسوط يكون مُفيدًا للحصان الجامح. ويُعتبر التأديب مرًا بالنسبة للمودِّبين، إذ يقول الرسول: ’ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأمَّا أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ للسلام‘ (عب 12: 11)، ’الذي يحبه الرب يُؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله فأيّ ابنٍ لا يُؤدِّبه أبوه؟!‘ (عب 12: 6، 7). لذلك فقد أُعتيد أن تُقال كلمة ’شرور‘ عوض عن ’الحزن‘ […] أننا لا نستطيع أن نزعم بأن هذه الأمور شريرة في ذاتها، لأنها تعمل في كثيرين للخير، مُقدِّمةً لهم فرصًا للبركة الأبدية. وبذلك فنحن نعود إلى السؤال الذي وُجِّهَ إليَّ: فأقول بأن كل هذه الأشياء التي قد جلبها علينا أعداؤنا ويُظن أنها شر، لا يمكن اعتبارها شرًا، بل هي في حد ذاتها ليست شرًا ولا خيرًا. نقول في النهاية بأننا لا ننظر إلى هذه الأشياء حسبما يريد مَن صنعها أثناء ثورته وغضبه، إنما ننظر بالنسبة للذين يحتملونها. فإذَا ما لحِقَ قديس قتلاً، ينبغي علينا ألا نظن أنه قد لحِقَه شر، بل ما هو ليس بخيرٍ أو شرٍ، فيُعتبر شرًا بالنسبة للرجل الشرير، وراحةً وتحريرًا من الشرور بالنسبة للصالحين“.[32]

دحض التعليم بالنفس المولودة

لقد علَّم أوغسطينوس أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية بتعليم النفس المولودة من نفس آدم عن طريق العلاقة الجنسية بين الوالدين، وهكذا تُولَد النفس من الوالدين حاملةً لخطية آدم الأصلية ولكن يدحض الأب سيرنيوس هذا الاعتقاد الخاطئ، مُؤكِّدًا على أن الله يخلق نفسًا جديدةً لكل إنسان، وأن النفس لا تُولَد من العلاقة الجنسية بين الوالدين، ويشير إلى أن الجسد أو اللحم هو الذي يُولَد من الأبوين عن طريق التناسل، بينما الروح مخلوقة من الله أبي الأرواح وفاطرها كالتالي:

سيرنيوس: لأنه كما قُلنا منذ برهة قليلة، الروح لا تلد روحًا، تمامًا مثلما لا تقدر النفس أن تلد نفسًا، على الرغم من أننا لا نشك في أن مجموع اللحم [الجسد] يتكوّن من نسل الإنسان، حسبما يُميِّز الرسول بوضوحٍ بين كل مِن الجوهرين، أعني اللحم [الجسد] والروح، ما يُنسَب إلى كل منهما كفاطر له، ويقول: ’وقد كان لنا آباء أجساد مؤدبين، وكُنا نهابهم. أ فلا نخضع بالأولى جدًا لأبي الأرواح فنحيا‘ (عب 12: 9). فماذا يمكن أن يُظهِر بأكثر وضوح التمييز، عن أن يُقرِّر أن البشر هم آباءٌ لحمنا. ولكنه يُعلِّم دومًا أن الله وحده هو أبو النفوس [أي خالقها] وفاطرها. على الرغم من أنه حتى في هذا الجسد الفعليّ، فإن وظيفة الخدمة وحدها هي التي تُعزى إلى البشر، ولكن الجزء الرئيسيّ في تكوينه [أي النفس] إلى الله خالق الكل، كما يقول داود: ’يداك صنعتاني وأنشأتاني‘ (مز 119: 73). ويقول المبارك أيوب: ’ألم تصبني كالجبن. كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ‘ (أي 10: 10، 11). ويقول الرب لإرميا: ’قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك‘ (إر 1: 5). ولكن يجمع سفر الجامعة بوضوحٍ ودقة شديدة طبيعة كل جوهر وبداياته ويفحص النشوء والبدايات التي نشأ منها، ويتمعن في النهايات التي يصل إليها كل منهما، ويقر أيضًا التقسيم إلى جسدٍ ونفسٍ. ويقول ما يلي: ’فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها‘ (جا 12: 7). ماذا يمكن أن يُقال بأكثر وضوح من الإعلان بأن مادة اللحم التي شكَّلها هي تراب، لأنها تنبع من نسل البشر، وتبدو أنها زُرِعَت بواسطته. ولذلك بما أنها مأخوذة من الأرض، يجب أن ترجع ثانيةً إلى الأرض. بينما يُوضِّح أن الروح التي لم تُولَد بالمعاشرة الجنسية، ولكنها تنتمي إلى الله وحده بطريقةٍ خاصةٍ تعود إلى خالقها؟ وهذا أيضًا متضمن في نسمة الله تلك التي نال بها آدم الأول حياته“.[33]

ماهية الغضب الإلهي

بينما يُعلِّم أوغسطينوس، في سياق نظرته القانونية لتدبير الخلاص، بأن الغضب الإلهيّ هو غضب قضائيّ قانونيّ تنتقم فيه العدالة الإلهية من البشرية، ينادي كاسيان بأن الله لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر كالتالي:

شيريمون: […] أمَّا المحبة فتتعلق بالله، وبالذين نالوا في داخلهم أن يكونوا على صورة الله ومثاله. لأن الله وحده هو الذي لا يصنع الصلاح خوفًا ولا ابتغاءً كلمة شكر أو نوال جزاءً، إنما يصنع الصلاح ببساطةٍ من أجل محبة الصلاح. وذلك كقول سليمان: ’الرب صنع الكل لغرضه‘ (أم 16: 4). فبصلاحه يُغدِق بالخير على المستحقين وغير المستحقين، لأنه لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر“.[34]

غاية الله خلاص الكل

يُشدِّد الأب شيريمون -في محاورته مع جرمانيوس صديق القديس يوحنا كاسيان، الذي رافقه في محاوراته مع آباء البرية المصرية- على أن غاية الله من خلقة الإنسان هي ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، فالله صادق ولا يكذب في أقواله وعهوده، ولكن الذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، إذ أن نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وتريد أن تُخلِّص جميع الناس كالتالي:

شيريمون: […] لأن غاية الله من خلقته ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، وإذ يرى أن يشع فينا صلاحه ولو بشرارةٍ خفيفةٍ من الإرادة الصالحة، فإنه يُضرِمها كما لو كانت خارجةً من الحجر الصوان الصلد لقلوبنا. إنه يُثيرها ويتعهدها ويُقويها بنسمته، ’الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون‘ (1تي 2: 4). لأنه ’هكذا ليست مشيئة أبيكم الذي في السموات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار‘ (مت 18: 14). الله صادق ولا يكذب إذ يُقسِم قائلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب أني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا. ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة. فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل؟!‘ (حز 33: 11). إنه لا يريد أن يهلك أحد أصاغره، فكيف لا نكون مُجدِّفين إنْ كُنا نتصوَّر أنه لا يريد كل البشر أن يخلصوا بل بعضهم؟! فالذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، وهو يشهد ضد كل واحد منهم يومًا فيومًا قائلاً: ’ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة، فلماذا تموتون‘ (حز 33: 11). وأيضًا ’كم مرة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا‘ (مت 23: 37) […] إذًا، نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وإذ هي تريد أن ’جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون‘، تدعو الجميع دون استثناء قائلةً: ’تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيليّ الأحمال وأنا أُريحكم‘ (مت 11: 28) […] وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“[35]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من بحثنا السابق عدم وجود منظومة التعليم الأوغسطينيّ عن وراثة الخطية الأصلية وعن النعمة في تعليم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية، بل على العكس، نجد ق. يوحنا كاسيان وآباء الرهبنة المصرية في عصره يرفضون ويدحضون تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس. فلا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة ذنب آدم، ولا نجد التعليم بخطية الطبيعة الموروثة، ويرفض كاسيان عقيدة سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، وعقيدة الضمان الأبديّ وعدم هلاك المؤمن. ويدحض كاسيان أيضًا ومعه آباء البرية المصرية العظام التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة بالشر والعجز التام والشامل للإرادة البشرية عن فعل الخير بعد السقوط، ونرى أن مفاهيم الغضب الإلهيّ والعقوبة الإلهية القضائية مختلفة تمامًا في تعليم ق. يوحنا كاسيان عنه في تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو عن الغضب الإلهيّ القانونيّ لتحقيق العدالة الإلهية، وعن العقوبة الإلهية القانونية. لا نرى في تعليم ق. يوحنا كاسيان استخدام الله للشيطان والشر كأداة عقابية للبشر كما هو موجود في تعليم أوغسطينوس. لا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة الخطية الأصلية عن طريق النفس المولودة من العلاقة الجنسية بين الوالدين، كما علَّم أوغسطينوس بذلك في سياق تعليمه عن انتقال الخطية الأصلية من نفس آدم رأسًا إلى ذريته عن طريق توالد النفس من العلاقة الجنسية للأبوين. بل يرفض ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية فكرة النفس المولودة، ويَعتبرون أن ذلك التعليم هو هرطقة تجسيم اللاهوت، التي تجعل من صورة الله غير المادية في النفس الإنسانية شيئًا ماديًا يتناقل عن طريق التناسل والتزاوج بين الوالدين. كما لا نجد في مفهوم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية التعليم بانتقال الخطية الأصلية جسديًا عن طريق العلل البذرية الجسدية من آدم إلى ذريته عن طريق العلاقة الجنسية والشهوة الجنسية الشريرة، كما علَّم أوغسطينوس بذلك.

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية، على العكس من تعليم أوغسطينوس، ببقاء الإرادة الحرة في الإنسان بعد السقوط، وقدرة الإنسان على الاختيار بين الخير والشر، كما يُشدِّدون على المبدأ الأرثوذكسيّ بتآزر أو تعاون أو تناغم أو انسجام النعمة والجهاد البشريّ من أجل تحقيق الخلاص، ولم يُشدِّدوا، كما شدَّد أوغسطينوس، على ضرورة المبادرة من الله فقط، بل قالوا إن المبادرة تأتي من الاثنين في نفس الوقت بالتبادل، أي الله والإنسان، من أجل فعل الصلاح، فمن الممكن أن يُبادِر الله من أجل الإنسان، ومن الممكن أن يُبادِر الإنسان ويطلب معونة الله وقوته من أجل فعل الصلاح.

[1] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 7-10.

[2] Comm. in Matth. hom. 15: 1; PG 58: 471.

[3] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 52، 53.

[4] عبد المسيح اسطفانوس (قس)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، ص 277، 278.

[5] المرجع السابق، ص 279.

[6] المرجع السابق، ص 279.

[7] مايكل باركر (قس)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، ص 109، 110.

[8] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المؤسسات 7: 3، ص 462، 463.

[9] المرجع السابق، المؤسسات 7: 4، 5، ص 463، 464.

[10] المرجع السابق، المناظرة 7: 4، ص 169، 170.

[11] المرجع السابق، المناظرة 7: 3، ص 169.

[12] المرجع السابق، المؤسسات 12: 18، ص 555.

[13] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 397.

[14] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 398.

[15] المرجع السابق، المناظرة 23: 16، ص 402، 403.

[16] المرجع السابق، المناظرة 23: 12، ص 398.

[17] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399.

[18] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399، 400.

[19] المرجع السابق، المناظرة 23: 15، 16، ص 400-402.

[20] المرجع السابق، المناظرة 3: 11، 12، ص 124، 125.

[21] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260.

[22] المرجع السابق، المناظرة 13: 11، ص 259، 260.

[23] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260، 261.

[24] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[25] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[26] المرجع السابق، المناظرة 23: 1، ص 390.

[27] المرجع السابق، المناظرة 3: 15، 16، ص 126، 127.

[28] المرجع السابق، المناظرة 3: 19، ص 128، 129.

[29] المرجع السابق، المؤسسات 12: 11، 14، ص 550، 551.

[30] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 263.

[31] المرجع السابق، المناظرة 6: 4، ص 156.

[32] المرجع السابق، المناظرة 6: 5، ص 156، 157.

[33] يوحنا كاسيان (قديس)، المحاورات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة: موقع االكنوز القبطية، )، المحاورة 8: 25: 1، ص 425-427.

[34] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المناظرة 11: 6، ص 237.

[35] المرجع السابق، المناظرة 13: 7، ص 254، 255.

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

“المحبة تستطيع أن تحتمل، والمحبة تستطيع أن تغفر… لكن المحبة لا تستطيع أبداً أن تتصالح مع شيء بغيض… لذلك لا يستطيع الله مطلقاً أن يتصالح مع خطيئتك، لأن الخطية نفسها غير قابلة للتغيير، ولكن الله يمكنه أن يتصالح معك كشخص، لأن الشخص يمكن استرداده وتجديده.”

تراهيرن

Traherne. Centuries of Meditation.

إن أي تفكير في صلاح الله ينذرنا على الفور بالمعضلة التالية. فمن ناحية، إذا كان الله أحكم منا فإن حكمه لا بد أن يختلف عن حكمنا في الكثير من الأمور، وليس بأقلها في الخير والشر. فما يبدو بالنسبة لنا خيراً قد لا يكون خيراً في عينيه، وما يبدو بالنسبة لنا شراً قد لا يكون شراً.

من الناحية الأخرى، إذا كان حكم الله الأدبي الأخلاقي يختلف عن حكمنا بحيث أن ما نعتبره “أسود” قد يكون بالنسبة لله “أبيض”، فليس هناك أي معنى أن ندعو الله صالحاً؛ لأننا عندما نقول إن “الله صالح”، بينما نؤكد أن صلاحه يختلف بالكامل عن صلاحنا، فهذا معناه الحقيقي فقط أن نقول، “إننا لا نعرف ماهية الله”. وصفة غير معروفة على الإطلاق في الله لا تستطيع أن تعطينا أسساً أخلاقية لكي نحبه ونطيعه. فإذا لم يكن الله (بحسب مفهومنا) “صالح” فإننا سنطيعه، إن كنا سنطيعه من الأساس، فقط من خلال الخوف – وعندها يجب أن نكون مستعدين بالمثل أن نطيع شيطاناً كلي القدرة. عندما نستنتج من عقيدة “الفساد الكلي” Total Depravity – أنه حيث أننا فاسدون كلية فإن فكرتنا عن الخير ببساطة لا تساوي شيئاً – فإن هذا قد يحول المسيحية بالتالي إلى شكل من أشكال عبادة الشيطان.

لذلك يعتمد الهروب من هذه المعضلة على ملاحظة ما يحدث في العلاقات الإنسانية، عندما يدخل إنسان ذو معايير أدبية أخلاقية دنيا إلى مجتمع يتكون من أولئك الذين هم أفضل وأحكم منه ويتعلم تدريجياً أن يقبل “معاييرهم”، وهي عمليه، إذ تحدث، يمكنني أن أصفها بدقة شديدة، حيث أنني قد اختبرتها بصفة شخصية، فعندما ذهبت أول مرة إلى الجامعة كنت تقريباً بدون ضمير أخلاقي هو نوع من النفور الضئيل من القسوة ومن الدناءة بشأن المال، أما العفة، والصدق، والتضحية بالنفس فقد كنت أفكر فيها مثلما يفكر قرد البابون في الموسيقا الكلاسيكية.

لكن برحمة الله وقعت بين مجموعة من الشباب (وبالمناسبة، ليس من بينهم مسيحيون) كانوا قريبين مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مباشرة، ولكنهم أيضاً عرفوا، وحاولوا أن يطيعوا، القانون الأخلاقي. وبالتالي فإن حكمهم على الخير والشر كان مختلفاً جداً عن حكمي.

ما يحدث في مثل هذه الحالة لا يشبه في أقل تقدير أن يتم سؤالك أن تعامل ما كان يطلق عليه حتى ذلك الحين “أسود”، باعتباره “أبيض”. فالأحكام الأخلاقية الجديدة لا تدخل العقل أبداً كمجرد انعكاسات Reversals للأحكام السابقة (رغم انها تقوم بالفعل بعكسها)، بل “كأسياد متوقعين بكل تأكيد”. فلا يمكن أن يكون لديك أدنى شك في الاتجاه الذي ستتحرك فهي؛ إذ ان هذه الأحكام الجديدة تشبه “الخير” أكثر من ذرات الخير التي كانت لديك بالفعل، ولكنها تكون من ناحية ما مستمرة معها (يعني الكاتب أن كل إنسان في داخله بعض الإدراك لما هو خير وصالح، وبداخله أيضاً بعض القدر من ذرات الصلاح، حتى وإن كانت أفعاله شريرة، وعندما يتعرف هذا الإنسان على الخير والصلاح فإنه يجد أن في داخله تعرف وإدراك مسبق لهذا الصلاح – المحرر).

لكن الاختبار العظيم هنا هو أن إدراك المعايير الجديدة يصحبه شعور بالخزي والذنب؛ إذ يعي الإنسان أنه قد أخطأ بفداحة داخل مجتمع هو غير مؤهل له. وهكذا، في ضوء مثل هذه الخبرات لا بد لنا أن نفكر في صلاح الله.

دون أدنى شك، فكرة الله عن “الصلاح” تختلف عن فكرتنا؛ لكنك لا تحتاج أن تخاف من أنك إذ تقترب من فكرته سيطلب منك ببساطة أن تعكس Reverse أو تناقض معاييرك الأخلاقية؛ فعندما يظهر لك الفارق المقصود بين الأخلاقيات الإلهية وأخلاقياتك الشخصية، لن يكون لديك في الحقيقة أدنى شك في أن التغيير المطلوب منك هو في الاتجاه الذي تستطيع بالفعل أن تدعوه “أفضل”.

يختلف “الصلاح” الإلهي عن صلاحنا، لكنه “لا يختلف جوهرياً” عنه؛ إنه لا يختلف عنه مثل اختلاف الأبيض عن الأسود، بل مثل اختلاف الدائرة الكاملة المتقنة عن أول محاولة يقوم بها طفل للاسم دائرة عجلة. لكن عندما يتعلم الطفل أن يرسم، سيعرف عندئذ أن الدائرة التي رسمها في النهاية هي ما كان يحاول أن يرسمه منذ البداية. (يقصد الكاتب أن صلاح الله لا يختلف عن صلاحنا في جوهره أي لا يناقضه بصورة مطلقة بل إنه يختلف عنه في جودته وكماله وإتقانه – المرجم.)

هذا التعليم مفترض مسبقاً في الكتاب المقدس. فالمسيح يدعو البشر إلى التوبة – وهي دعوة كانت ستصبح بلا معنى لو أن معايير الله تخلف جوهرياً عن المعايير التي عرفها البشر بالفعل وفشلوا في ممارستها. فالله يناشد حكمنا الأخلاقي الموجود بالفعل، إذ يقول، لماذا لا تحكمون في أنفسكم بما هو حق؟ (لوقا 12: 57) كان الله في العهد القديم يوبخ البشر على أساس مفاهيمهم الشخصية عن الامتنان والإخلاص والعدل؛ ويضع نفسه كما لو أنه في محاكمة مع مخلوقاته التي صنعها. “ماذا وجد فيّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني؟” (إرميا 2: 5).

بعد هذه المقدمات، أرجو أن يكون من الآمن أن أفترض أن بعض المفاهيم الخاصة بالصلاح الإلهي التي تميل إلى أن تسود تفكيرنا، رغم أنه يندر التعبير عنها بكلمات كثيرة، هي الآن عرضة للنقد.

في أيامنا هذه نحن نقصد بصلاح لله حصرياً تقريباً، محبته؛ وقد نكون على حق في ذلك. في هذا السياق، معظمنا يعني بالحب، اللطف والحنان، أو الرغبة في رؤية الآخرين أكثر سعادة من النفس؛ ليس أن نراهم سعداء بهذه الطريقة أو تلك، بل فقط سعداء. فالذي يمكن أن يرضينا حقاً هو إله يقول على أي شيء نحب أن نفعله. “ماذا يهم، طالما أنهم راضون وقانعون؟” إننا في الحقيقة لا نريد “أباً” في السماء قد ما نريد “جداً” في السماء، شيخاً عجوزاً محسناً، الذي كما يقولون “يحب أن يرى الشباب يستمتعون”، والذي خطته لأجل الكون هي ببساطة أن يقال فعلياً في نهاية كل يوم، “لقد استمتع الجميع بوقت طيب”.

إنني أعترف أنه ليس كل الناس يقومون بصياغة لاهوت بمثل هذه المصطلحات بالتحديد؛ لكن هناك مفهوم لا يختلف كثيراً عن هذا يقبع في الخلفية الذهنية للكثيرين. أنا لا أزعم أنني استثناء، لذلك: كنت أرغب كثيراً في أن أعيش في عالم تحكمه مثل هذه الأفكار الخاطئة. لكن حيث أنه من الواضح بشدة أنني لا أستطيع ذلك، وحيث أن لدي سبب لكي أعتقد، رغم ذلك، أن الله محبة، فإنني أستنتج أن مفهومي عن الحب يحتاج إلى تصحيح.

ربما قد تعلمت بالفعل، حتى من الشعراء، أن الحب هو شيء أكثر صرامة وقوة وروعة من مجرد اللطف؛ وأن حتى الحب بين الجنسين، هو كما في دانتي Dante، “سيد ذو مظهر رهيب” ” A Lord of Terrible Aspect”. نعم هناك لطف في الحب؛ لكن الحب واللطف ليسا متزامنين ومتماثلين Coterminous، وعندما ينفصل اللطف (بحسب المعنى المقدم أعلاه) عن العناصر الأخرى من الحب، فإنه يتضمن نوعاً معيناً من اللامبالاة الجوهرية بالشيء موضوع اهتمامه، بل حتى ما يشبه احتقاره.

إذ يوافق اللطف بسهولة جداً على القضاء على الشيء موضوع اهتمامه، فقد التقينا جميعاً بأناس يقودهم لطفهم تجاه الحيوانات باستمرار إلى قتلها حتى لا تتألم. لذلك فاللطف، كمجرد لطف، لا يهتم ما إذا أصبح موضوع اهتمامه جيداً أو سيئاً، طالما أنه يهرب من الألم. لكن كما يشير الكتاب المقدس، النغول هم الذين يتركون دون تهذيب؛ أما الأبناء الشرعيون، الذين عليهم أن يحملوا ويواصلوا تقليد العائلة، فيتم تأديبهم.

فالناس الذين لا يعنينا شيء من أمرهم هم الذين نطلب لهم السعادة بأية شروط، أما أصدقائنا، وأحبائنا، وأبنائنا، فإننا نكون صارمين، ونفضل حتى أن نراهم يتألمون كثيراً عن أن يكونوا سعداء بطرق حقيرة وجافية. فإذا كان الله محبة، فإنه بحسب تعريف المحبة، يكون أكثر من مجرد لطف. ويبدو من كل السجلات، أنه على الرغم من أن الله يوبخنا كثيراً ويديننا، إلا أنه لا ينظر إلينا أبداً باحتقار وازدراء.

فقد أعطانا الله عطية الحب التي لا يمكن استيعابها أو التعبير عنها، وبرهم لنا هذا الحب بأعمق المعاني وبأكثر الطرق المأساوية التي لا تنسى (هذا التعبير هو تجسد الله في المسيح وموته الكفاري – المحرر).

بالطبع، العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة متفردة، ولا يمكن مقارنتها بأية علاقة أخرى بين مخلوق وغيره. فالله أسمى وأبعد عنا وفي نفس الوقت أقرب إلينا، من أي كائن آخر. فهو أبعد عنا لأن الفارق المطلق بين ذاك الذي يحمل في ذاته مبدأ وجوده وذلك المخلوق الذي يتواصل معه، يمكن مقارنته بالفارق بين رئيس الملائكة ودودة حقيرة.

فالله هو الذي يخلق، ونحن المخلوقون؛ هو الأصل، ونحن المشتقون منه. لكن في نفس الوقت، ولنفس السبب، فإن العلاقة الحميمة بين الله وبين حتى أدنى المخلوقات هي أقرب من أية علاقة يمكن الوصول إليها بين مخلوق وآخر.

إن حياتنا، في كل لحظة منها، مستمدة من الله؛ فالقوة المعجزية الضئيلة المتمثلة في إرادتنا الحرة تعمل فقط في أجساد تقوم طاقته المستمرة بحفظها في الوجود، بل أن مجرد قدرتنا نفسها على التفكير هي قدرته المنقولة إلينا، مثل هذه العلاقة الفريدة يمكن إدراكها فقط بواسطة التشبيهات؛ فمن خلال مختلف أنواع الحب المعروفة بين المخلوقات، نصل إلى مفهوم غير كاف، ولكنه مفيد، عن محبة الله للإنسان.

أدنى أنواع الحب، النوع الذي لا يُعتبر “حباً” على الإطلاق إلا فقط كامتداد للكلمة، هو الذي يشعر به الفنان تجاه عمل فني. تتم تصوير علاقة الله بالإنسان بهذه الطريقة في رؤية إرميا للفخاري والوعاء الذي كان يصنعه من الطين، أو عندما يتكلم القديس بطرس عن الكنيسة بأكملها باعتبارها بناء يعمل فيه الله، وعن الأعضاء الأفراد باعتبارهم حجارة. لكن تتمثل محدودية هذه التشبيه بالطبع في أنه في هذا الرمز لا يعتبر المتألم حياً، وأن هناك قضايا معينة تختص العدالة والرحمة تنشأ عندما تكون “الحجارة” بالفعل “حية”.

وبالتالي تظل هذه القضايا غير ممثلة في هذا التشبيه. لكنه تشبيه مهم على قدر ما يذهب إليه. فنحن، ليس مجازياً بل بالحقيقة، تحفة فنية إلهية، شيء يصنعه الله، وبالتالي لن يرضى إلا عندما يكون له شخصية وكفاءة معينة. هنا، مرة أخرى، نلتقي بما أطلق عليه “الثناء الذي لا يُعبر عنه” Intolerable Compliment (بمعنى ان اهتمام الله وتعلقه بالإنسان لا يمكن استيعابه او التعبير عنه. إنه نوع من الحب غير مدرك المعاني أو المفردات بالنسبة للإنسان الذي هو مثل الدودة الصغيرة الحقيرة – المحرر).

قد لا يشعر الفنان بانزعاج كبير بشأن لوحة قد رسمها دون اهتمام لإسعاد طفل؛ قد يرضى بأن يتركها كما هي رغم أنها قد لا تكون بالضبط كما قصدها أن تكون، لكنه بالنسبة للصورة العظيمة لحياته، العمل الذي يحبه، رغم أنه على نحو مختلف، في مثل القوة التي يحب بها رجل امرأة أو أم طفلها – سيتحمل مصاعب لا نهاية لها – وبالتالي سيعطي بلا شك اهتماماً لا حد له للصورة لو كانت حية. يمكن للإنسان أن يتخيل صورة حية، بعد أن يتم حكها وكشطها وإعادة رسمها للمرة العاشرة، تتمنى تلك الصورة لو أنها كانت فقط مجرد رسم مصغر يتم الانتهاء منه في دقيقة. نفس الطريقة، من الطبيعي بالنسبة لنا أن نتمنى لو أن الله كان قد صمم لنا مصيراً أقل مجداً وبالتالي أقل شقاءً؛ لكننا عندها نكون راغبين ليس في حب أكثر بل في حب أقل.

هناك نوع آخر من الحب وهو محبة إنسان لحيوان، وهي علاقة تستخدم باستمرار في الكتاب المقدس لكي ترمز إلى العلاقة بين الله والبشر؛ فنحن قطيعه، “شعبه وغنم مرعاه”. هذا من بعض النواحي تشبيه أفضل من السابق، لأن الطرف الأدنى كائن حي، ولكنه مع ذلك أدنى بلا أي شك من الطرف الآخر. لكن هذا المقياس لا يزال أقل من جيد، حيث أن الإنسان لم يخلق الحيوان ولا يفهمه بالكامل.

ومع ذلك تكمن القيمة العظيمة في التشبيه في حقيقة أن الرابط (يمكن أن نقول مثلاً) بين إنسان وكلب هي في الأساس لأجل خاطر الإنسان: فالإنسان يروض الكلب في الأساس لكي يحب الكلب، وليس لكي يحبه الكلب، ولكي يقوم الكلب بخدمته، وليس لكي يقوم الإنسان بخدمة الكلب. لكن في نفس الوقت، لا يتم التضحية باهتمامات الكلب لأجل اهتمامات الإنسان. فالغاية الواحدة (أن يحب الإنسان الكلب) لا يمكن الوصول إليها بالكامل إلا إذا قام الكلب أيضاً، بطريقته، بمحبة الإنسان، ولا يستطيع الكلب أن يخدم الإنسان إلا إذا قام الإنسان، بطريقة مختلفة، بخدمة الكلب.

فقط لأن الكلب بحسب المقاييس البشرية هو واحد من “أفضل” المخلوقات غير العاقلة، وموضوع مناسب لمحبة الإنسان – بالطبع بدرجة ونوع المحبة التي تناسب مثل هذا الكائن، وليس بدرجة المبالغات السخيفة بتشبيه الكلب بالإنسان – يتدخل الإنسان في حياة الكلب ولجعله محبوباً أكثر مما هو عليه في الطبيعة. ففي حالته كما هو بالطبيعة يكون للكلب رائحة منفرة، وعادات تحبط محبة الإنسان: لذلك يقوم الإنسان بغسل جسم كلبه، وتدريبه في البيت، وتعليمه ألا يسرق؛ وبذلك يستطيع الإنسان أن يحبه بالكامل. بالنسبة إلى الجرو، لو كان عالماً لاهوتياً، لكانت ستبدو له العملية كلها وكأنها تلقي بشكوك خطيرة على “صلاح” الإنسان؛ لكن الكلب كامل النضج وتام التدريب، والأكبر حجماً، والأكثر صحة، والذي يعيش حياة أطول من الكلب البري. والذي يمنح الدخول، كما لو كان بالنعمة، إلى عالم كامل من الميول والولاءات والاهتمامات ووسائل الراحة أبعد بكثير من مصيره الحيواني. لن تكون له مثل هذه الشكوك.

ستلاحظ أن الإنسان (إنني أتكلم خلال كل ذلك عن إنسان صالح) يتحمل كل هذه المشقات والآلام مع الكلب، ويسبب للكلب كل هذه الآلام، فقط لأنه حيوان في مستوى عال – لأنه محبوب بطريقة حميمة حتى أنه يستحق مشقة جعله محبوباً بالكامل. فالإنسان لا يقوم بتدريب حشرة “أبو مقص” في المنزل. أو يقوم بغسل جسم حشرة “أم أربعة وأربعين”. قد نرغب بالفعل لو كنا بمثل هذا الشأن الدنيء لدى الله حتى يتركنا لشأننا لكي نتبع دوافعنا الطبيعية – أن يتخلى عن محاولاته لتدريبنا على شيء يختلف كثيراً عن ذواتنا الطبيعية؛ لكن مرة أخرى، عندها لن نكون ساعين إلى مزيد من الحب، بل إلى القليل منه. (يريد الكاتب أن يقول إن محبه الله لنا تجعله يتحمل ألم تدريبنا وتشكيلنا وتجعلنا نجتاز في آلام مختلفة لأننا نمثل قيمة عظيمة بالنسبة له، لأننا لو كنا ذوي قيمة ضئيلة لما تحمل تلك التكلفة وهذه المشقة الباهظة. والمحبة الحقيقية الحميمة تستلزم التهذيب الذي يكون بلا شك مؤلماً – المترجم.)

هناك تشبه آخر أكثر نبلاً، والذي أقره الاتجاه المستمر لتعليم ربنا، وهو تشبيه محبة الله للإنسان بمحبة الأب لابنه. إلا أنه كلما يتم استخدام هذه التشبيه (أي كلما نصلي الصلاة الربية)، لا بد أن نتذكر أن المخلص استخدمه في وقت ومكان حيث كانت السلطة الأبوية تحتل مكانة أسمى بكثير مما هي عليها الآن في إنجلترا الحديثة. حين يكون الأب الآن نصف آسف لأنه أتى بابنه إلى العالم، خائفاً من كبحه لئلا ينشئ حواجز بينهما بل خائفاً حتى من تعليمه وإرشاده لئلا يتداخل في استقلالية فكره، وبالتالي يمثل ذلك رمزاً شديد التضليل للأبوة الإلهية.

إنني لا أناقش هنا ما إذا كانت سلطة الآباء، في حدودها القديمة، شيئاً جيداً أم سيئاً؛ بل إنني أشرح فقط ماذا كان يعني مفهوم الأبوة بالنسبة إلى أول من استمعوا إلى ربنا، وبالتأكيد لمن خلفوهم على مدى عدة قرون. سيصبح هذا أكثر وضوحاً إذا فكرنا كيف كان ربنا ينظر إلى بنوته الشخصية للآب، ويخضع إرادته بالكامل للإرادة الأبوية ولا يسمح حتى لنفسه بأن يدعى “صالحاً” لأن “الصالح” هو اسم الآب (رغم أن المسيح بحسب عقيدتنا، هو واحد مع أبيه وهو شريك سرمدي معه.

وهذا ما لا يوجد بين أي ابن أرضي لأب أرضي). فالحب بين الآب والابن، في هذا الرمز، يعني في الأساس الحب السلطوي من جانب، والحب الطائع من الجانب الآخر. فالأب يستخدم سلطته لكي يجعل الابن في صورة الكيان البشري الذي، عن حق في حكمته الفائقة، يريده أن يكون. حتى في أيامنا هذه، مهما كان يمكن للإنسان أن يقول، فليس هناك أي معنى أن يقول، “إنني أحب ابني ولكني لا أعباً بمدى بشاعة بذاءته طالما أنه يقضي وقتاً ممتعاً.”

أخيراً نأتي إلى تشبيه مليء بالأخطار، وذي تطبيق أكثر محدودية، والذي يتصادف مع ذلك أن يكون أكثر التشبيهات المفيدة لهدفنا الخاص في تلك اللحظة، وأعني بذلك، القياس بين محبة الله للإنسان ومحبة رجل لامرأة. ويستخدم هذا القياس بحرية في الكتاب المقدس. فإسرائيل زوجة خائنة، ولكن زوجها السماوي لا يستطيع أن ينسى الأيام السعيدة التي قضاها معها: “قد ذكرت لك غير صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في أرض غير مزروعة” (إرميا 2: 2) إسرائيل هو العروس الفقيرة اللقيطة التي وجدها حبيبها مطروحة على قارعة الطريق، فألبسها وزينها وجعلها جميلة ومع ذلك خانته. يدعونا القديس يعقوب “زناة وزواني”، لأننا ابتعدنا عن الله واتجهنا إلى “محبة العالم”، بينما الله “الروح الذي حل فينا يشتاق إلى الحب”.

هكذا أيضاً الكنيسة هي عروس الرب التي يحبها كثيراً حتى أنه لا يطيق أن يوجد فيها أي عيب أو غضن. لذلك فإن الحق الذي يعمل هذا التشبيه على تأكيده هو أن الحب، بحسب طبيعته الخاصة، يتطلب تكميل المحبوب Love In Its Own Nature , Demands The Perfecting Of The Beloved؛ وأن مجرد “اللطف” الذي يحتمل أي شيء سوى الألم لأجل الشيء أو الشخص موضوع الاهتمام هو، من هذه الناحية، في القطب المضاد للحب. فعندما نقع في حب امرأة، هل نتوقف عن الاهتمام بما إذا كانت نظيفة أم قذرة، جميلة أم كريهة؟ بل ألسنا بالأحرى نبدأ في الاهتمام بها؟ هل تعتبر أية امرأة أنها علامة على الحب في الرجل أنه لا يعرف ولا يهتم كيف يبدو مظهرها؟ يكن للمحب، بالتأكيد، أن يحب محبوبته عندما تفقد جمالها؛ ولكن ليس لأنه فقد.

يمكن للمحب أن يفغر كل العيوب والنقائص ويظل يحب على الرغم من كل هذه؛ لكن المحب لا يمكن أن يتوقف عن الرغبة في إزالة هذه العيوب. الحب أكثر حساسية من الكراهية نفسها لك عيب في المحبوب: “فمشاعره أكثر رقة وحساسية من القرون الرقيقة لقوقع الكوكل البحري.” أنه يغفر أكثر من كل القوى؛ ولكنه أقلها في التغاضي عن الأخطاء؛ إنه يرضى بالقليل، ولكنه يطلب الكل.

لذلك عندما تقول المسيحية أن الله يحب الإنسان، فإنها تعني أن الله “يحب” الإنسان بالحقيقة؛ وليس أن لديه نوع من الاهتمام الفاتر بمصلحتنا، لأنه فعلياً غير مبال أو مهتم، بل أن الحقيقة المهيبة والمدهشة، هي أننا نحن موضوع محبة الله. لقد طلبت إلهاً محباً: وها أنت لديك هذا الإله. إن الروح العظيمة التي استحضرها باستخفاف شديد، “السيد ذو المظهر الرهيب” حاضرة: وهو ليس شيخاً خيّراً يرغب وهو في حالة النعاس في أن تكون سعيداً بطريقتك الخاصة، ولا يقدم إحساناً بارداً كما من حالم ذي ضمير متيقظ، ولا مجرد رعاية كالمضيف الذي يشعر بالمسؤولية عن راحة ضيوفه، ولكن الله يحب لكونه هو نفسه ناراً آكلة، الحب الذي خلق العوالم، حب ثابت مستمر مثل حب الفنان لعمله الفني، وملح مثل محبة الإنسان لكلبه، وحكيم بعيد النظر وجليل مثل حب الأب لابنه، وغيور، يتعذر تغييره وكثير المطالب مثل الحب بين الجنسين.

كيف يمكن أن يكون هذا، لا أعرف؛ إنه حب يتخطى العقل لكي يفسر لماذا يجب لأية مخلوقات، فما بالك مخلوقات مثلنا، أن يكون لها مثل هذه القيمة المدهشة للغاية في عيني خالقها. إنه بالتأكيد ثقل مجد ليس فقط أبعد من استحقاقنا بل أيضاً، فيما عدا لحظات نادرة من النعمة، أبعد من رغبتنا؛ فنحن نميل، مثل العذارى في المسرحية القديمة، إلى أن ننتقص من محبة زيوس Zeus. لكن هذه الحقيقة تبدو غير قابلة للشك.

فالله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يتكلم كما لو أنه يعاني من الحب والعشق، وذاك الذي يحوي في ذاته سبب سعادته وسعادة الجميع يتكلم كما لو أنه يمكن أن يكون في احتياج وشوق. “هل أفرايم ابن عزيز لدي أو ولد مُسر؟ لأني كلما تكلمت به أذكره بعد ذكراً. من أجل ذلك حنت أحشائي أليه” (إرميا 31: 20)، “كيف أتركك يا أفرايم؟ كيف أتخلى عنك يا إسرائيل… قد انقلب عليّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً” (هوشع 11: 8)، “يا أورشليم يا أورشليم، كم مرة أردت أن أجمعك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا” (متى 23: 37).

إن مشكلة التوفيق بين الألم البشري ووجود إله يحب، تصبح فقط غير قابلة للحل طالما أننا ننسب معنى تافهاً لكلمة “الحب”، وننظر إلى الأشياء كما لو أن الإنسان هو محورها. ليس الإنسان هو المركز. فالله لا يوجد لأجل الإنسان، كما أن الإنسان لا يوجد لأجل نفسه. “لأنك أنت (يا الله) خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخلقت.” (رؤيا 4: 11) فنحن لم نخلق أساساً لكي نحب الله (رغم أننا خلقنا لأجل ذلك أيضاً) بل لكي يحبنا الله، حتى نصبح موضوع محبته إذ “يُسر” الحب الإلهي بأن يستقر فينا.

لذلك أن نطلب أن محبة الله يحب أن ترضى بنا كما نحن، هذا معناه أننا نريد أن يتوقف الله عن أن يكون هو الله؛ فحيث أن الله هو كينونة وماهيته، فلا بد أن تٌعاق وتٌرفض محبته، بطبيعة الأمور، بواسطة موانع معينة في شخصياتنا الحالية. وحيث أنه بالفعل يحبنا فلا بد أن يجاهد ويتعب لكي يجعلنا محبوبين. إننا لا يمكن حتى أن نتخيل، في أفضل حالاتنا، أنه يمكن لله أن يصالح نفسه مع نجاساتنا الحالية. كما لم تستطع الفتاة المتسولة أن تتخيل أن يرضى الملك كوفيتوا King Cophetua يخرقها البالية وقذارتها، أو أن يتخيل كلب، بعد أن يكون قد تعلم أن يحب إنساناً، أن هذا الإنسان سوف يتحمل في بيته ذلك المخلوق القذر، الذي يعض وينهش، ويلوث المكان، في حالته البرية دون ترويض.

إن ما نطلق عليه هنا والآن “سعادتنا” ليس هو الغاية في الأساس في نظر الله. لكننا عندما نكون مثل ذلك الكيان الذي يستطيع الله أن يحبه بدون عوائق، عندئذ سنكون حقاً سعداء.

يمكنني أن أتوقع بوضوح أن مسار حجتي هذا قد يثير اعتراضاً. فقد وعدت أننا عندما نأتي إلى فهم الصلاح الإلهي يجب ألا يطلب منا قبول مجرد انعكاس Reversal لأخلاقنا الشخصية في الاتجاه المضاد. لكن قد يتم الاعتراض بأن هذا الانعكاس هو بالتحديد ما يطلب منا قبوله. ربما يٌقال إن نوع الحب الذي أنسبه إلى الله هو بالضبط النوع الذي نصنفه في البشر بأنه الحب “الأناني” Selfish أو “الاستحواذي” Possessive، وهو يتناقض بصورة غير مواتية مع نوع آخر يسعى أولاً إلى سعادة المحبوب وليس إلى رضا المحب.

لكني غير واثق من أن هذا هو بالضبط ما أشعر به حتى تجاه الحب البشري. فأنا لا أعتقد أنني يجب أن أعتبر محبة صديق ذات قيمة عظيمة إذا كان كل ما يهتم به فقط هو سعادتي، ولا يعترض إذا أصبحت مثلاً غير أمين. ومع ذلك، فالاعتراض هو موضع ترحيب، والإجابة عليه سوف تلتقي على الموضوع ضوءً جديداً، وتصحح ما كان ذو جانب واحد في نقاشنا.

الحقيقة هي أن هذا التناقض بين الحب الأناني Egoistic والحب الغيري Altruistic لا يمكن تطبيقـه بطريقة لا لبس فيها على محبـة الله لمخلوقاتـه. فتضارب الاهتمامات، وبالتـالي الفرص إما بسـبب الأنانية أو غير الأنانية، يحدث فقط بين الكائنات التي تسـكن عالماً مشتركاً A Common World؛ فلا يمكن لله أن يكون في منافسه مع مخلوق، كما لا يمكن لشكسبير Shakespeare أن يكون في منافسة مع آلة الكمان. وعندما صار الله إنساناً وعاش كمخلوق بين مخلوقاته في فلسطين، عندها بالحقيقة كان حياته حياة التضحية الفائقة بالنفس والتي أدت إلى الجلجثة.

قال أحد الفلاسفة الوجوديين المحدثين، “عندما يقع المطلق The Absolute داخل البحر فإنه يصبح سمكة”؛ بنفس الطريقة، يمكننا نحن المسيحيون أن نشير إلى التجسد Incarnation ونقول إنه عندما يُخلي الله نفسه من مجده ويخضع إلى تلك الظروف التي فيها فقط يكون للأنانية والغيرية معنى واضحاً، فإننا نراه غيرياً بالكامل. لكن الله في سموه – الله باعتباره الأساس غير المشروط لكل الظروف – لا يمكن بسهولة التفكير فيه بنفس الطريقة. إننا ندعو الحب البشري أنانياً عندما يُشبع احتياجاته الشخصية على حساب احتياجات الآخر موضوع المحبة – كما عندما يُبقي الأب أبناءه معه في المنزل، الذين يجب لأجل مصلحتهم الشخصية ان يخرجوا إلى العالم، لأنه لا يحتمل أن يتخلى عن رفقتهم له.

يتضمن هذا الموقف احتياجاً أو عاطفة من جانب المحب، واحتياجاً متضارباً من جانب المحبوب، وتجاهل المحب، أو جهله الملوم لاحتياج المحبوب. لكن لا توجد أي من هذه الحالات في علاقة الله بالإنسان. فالله ليس لديه احتياجات. الحب البشري، كما يعلمنا أفلاطون Plato، هو ابن الفقر، ابن الاحتياج او النقص؛ فسببه هو خير وصلاح حقيقي أو مفترض في محبوبه، والذي يحتاجه المحب ويرغب فيه. لكن محبة الله، إذ تبعد كثيراً عن أن تكون بسبب خير أو صلاح في الإنسان موضوع المحبة، هي التي تسبب كل خير وصلاح لدى ذلك الإنسان، فهي التي أحبته منذ البداية حتى أنها أتت به إلى الوجود ثم بعد ذلك جعلته يصبح جديراً حقاً بالحب، رغم أن تلك الجدارة مشتقة من الله.

فالله هو الخير والصلاح الخالص. يستطيع الله أن يعطي الخير، ولكنه لا يستطيع أن يحتاجه أو يحصل عليه. بهذا المعنى فإن كل حب الله، إذا جاز التعبير، غيري متفان إلى أقصى حد بحكم تعريفه الحقيقي؛ فالله لديه كل شيء لكي يعطيه، ولا شيء ليأخذه. من هنا، إذا كان الله في بعض الأحيان يتكلم كما لو أن الإله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يمكن أن يتألم من العاطفة. وكما لو أن الملء الأبدي يمكن أن يكون في احتياج إلى تلك الكائنات التي يغدق عليها كل شيء بدية من مجرد وجودها وحتى كل شيء آخر فصاعداً.

فإن هذا يمكن فقط أن يعني، إن كان يعني أي شيء مفهوم بالنسبة لنا، أن الله بمجرد معجزة قد جعل نفسه قادراً أن يجوع، وخلق في نفسه ذلك الشيء الذي يمكننا نحن أن نشبعه. لذلك فإذا كان الله يحتاجنا، فإن احتياجه ذلك هو باختياره الشخصي. وإذا كان القلب الثابت غير القابل للتغير يمكن أن يحزن بسبب دمى من صنعه الخاص، فإن هذا القلب هو الإله كلي القدرة؛ وليس غيره، والذي أخضع قلبه بهذه الطريقة، وبكامل حريته، وباتضاع يفوق الفهم. إذا كان العالم يوجد ليس أساساً لكي نحب نحن الله بل لكي يحبنا الله، فإن تلك الحقيقة نفسها، على مستوى أعمق، هي كذلك لأجلنا نحن، إذا كان الشخص الذي في ذاته لا يمكن أن يحتاج إلينا أحد.

إن قبل ووراء كل علاقات الله بالإنسان، كما نعرفها نحن الآن من المسيحية، يقبع منجم وخزان لا محدود من فعل إلهي للعطاء الخالص – والذي يتمثل في اختار الإنسان، من اللاوجود Nonentity، لكي يكون محبوب الله، وبالتالي (من ناحية ما) يحتاجه الله ويرغب فيه – الله الذي لا يحتاج أو يرغب في شيء سوى هذا الفعل، حيث أن لديه سرمدياً كل الخير والصلاح، بل أنه هو نفسه، كل الخير والصلاح. هذا الفعل هو لأجلنا نحن، فمن الخير لنا أن نعرف الحب؛ والأفضل لنا أن نعرف محبة من هو أفضل موضوع للحب، الله نفسه.

لكن إذا قلنا إننا نعرف هذا الحب كحب كنا نحن فيه المبادرين المتوددين بالحب في البداية والله هو المحبوب، الحب الذي فيه نحن الذي سعينا إلى الله وهو الذي وجد، والذي فيه يتوافق الله مع احتياجاتنا، ولسنا نحن الذين نتوافق مع احتياجاته، أي أن حبنا نحن هو الذي يأتي أولاً، فهذا معناه أننا نعرف الحب بصورة مزيفة لطبيعة الأشياء نفسها. فحيث أننا مجرد مخلوقات فقط؛ لا بد أني يكون دورنا دائماً هو دور التابع تجاه القوة، دور الأنثى تجاه الذكر، دور المرآة تجاه النور، دور الصدى تجاه الصوت.

أقصى نشاط لنا لا بد أن يكون هو الاستجابة، وليس المبادرة. لذلك عندما نختبر محبة الله بصورة حقيقية وليست خيالية وهمية، فهذا معناه أنا نختبرها كتسليم لمطلبه، واتفاق مع رغبته؛ لكن أن نختبرها بطريقة عكسية، إذا جاز التعبير، فهذا خطأ نحوي ضد قواعد لغة الوجود.

إنني لا أنكر، بالطبع، أنه على مستوى معين قد يحق لنا أن نتحدث عن بحث النفس عن الله، وعن الله كمتلقي لمحبة النفس؛ لكن على المدى الطويل، بحث النفس عن الله يمكن فقط أن يكون صيغة، أو مظهر (Erscheinung) لبحث الله عنها، حيث أن الكل يأتي من الله، وحيث أن إمكانية حبنا نفسها هي عطية منه لنا، وحيث أن حريتنا هي فقط حرية للاستجابة سواء للأفضل أو للأسوأ. ومن هنا اعتقد أنه لا يوجد شيء يميز التوحيد الوثني عن المسيحية بصورة حادة قدر مبدأ أرسطو Aristotle بأن الله يحرك الكون، لكنه هو نفسه غير متحرك، كما يحرك المحبوب المحب. اما بالنسبة للمسيحية، “هذه هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا” (1يو 4: 10).

الحالة الأولى إذاً لما يُسمى الحب الأناني بين البشر، منعدمة بالنسبة لله. فالله ليس لديه ضرورات طبيعة، ولا هوى أو شهوة، لكي تتنافس مع رغبته في خير المحبوب؛ أو إذا كان فيه شيء يجب أن نتخيله فيما يشبه الهوى، أو الاحتياج، فإنه فيه بحسب مشيئته الخاصة ولأجل صالحنا نحن. كما أن الحالة الثانية أيضاً منعدمة بالنسبة لله. قد تختلف المصالح الحقيقية لطفل ما عما تتطلبه عواطف الأب بالغريزة، لأن الطفل هو كائن منفصل عن أبيه ذو طبيعة لها احتياجاتها الخاصة والتي لا تتواجد فقط لأجل الأب كما أنها لا تجد اكتمالها التام في أن تشعر بالحب من جانبه. ولا الأب نفسه يفهمها فهماً كاملاً. لكن المخلوقات ليس منفصلة هكذا عن خالقها، ولا يستطيع الخالق أن يخطئ فهمها.

فالمكان الذي صممها لأجله في نظام الأشياء هو المكان المصنوعة لأجله. لذلك عندما تصل إليه تُشبع طبيعتها وتتحقق سعادتها: هناك عظام مكسورة في الكون قد تم جبرها. فانتهى الألم والمعاناة. لذلك عندما نريد أن نكون شيئاً غير الشيء الذي يريدنا الله أن نكون، فلا بد أننا نرغب فيما هو، في الحقيقة، لن يجعلنا سعداء. إن تلك المطالب الإلهية التي تبدو لآذاننا الطبيعية مثل مطالب حاكم مستبد أكثر منها مطالب محب، هي في الحقيقة ترشدنا إلى حيث يجب أن نرغب في الذهاب لو كنا نعرف ما نريد. يطلب الله عبادتنا، وطاعتنا، وسجودنا. فهل نفترض أن هذه الأمور يمكن أن تصنع لله أية فائدة.

أو أن يكون هناك خوف، مثلما تقول الجوقة في ميلتونMilton، من أن عدم المهابة البشرية يمكن أن يأتي “بنقصان لمجده”؟ كلا على الإطلاق؛ لا يمكن لأنسان أن ينقص من مجد الله برفضه لعبادته، كما لا يمكن لمجنون أن يطفئ الشمس بأن يخربش كلمة “ظلمة” على جدران غرفته. الله يريد خيرنا، وخيرنا هو أن نحبه (بتلك المحبة المستجيبة التي تتناسب مع مخلوقات) ولكي نحبه لا بد ان نعرفه؛ وإذا عرفناه، فإننا في الحقيقة سوف نسقط على وجوهنا رهبة.

فإذا لم نفعل، فهذا يُظهر فقط أن ما نحاول أن نحبه ليس هو الله بعد – رغم أنه قد يكون أقرب تقريب لله يمكن لفكرنا وخيالنا أن يصل إليه. إلا أن الدعوة ليست فقط لكي نسجد ونرتعب؛ بل إلى ما نعكس الحياة الإلهية، فتصبح مخلوقات مشاركة في الصفات الإلهية التي هي أبعد بما لا يقاس عن رغباتنا الحاضرة. إننا مدعوون إلى أن “نلبس المسيح”، وأن نصبح مثل الله، وهذا يعني، سواء أحببنا ذلك أم لا، أن الله ينوي أن يعطينا ما نحتاجه، وليس ما نعتقد الآن أننا نريده. ومرة أخرى، نشعر بالخجل بسبب “الثناء الذي لا يعبر عنه” Intolerable Compliment لله بنا. بسبب محبة الله الكثيرة للغاية، وليست الضئيلة للغاية.

ومع ذلك ربما حتى هذه النظرة تقصر عن الحقيقة. ليس الأمر ببساطة أن الله قد خلقنا بتعسف بحيث يكون هو فقط خيرنا الوحيد. بل أن الله هو الخير الوحيد لجميع المخلوقات؛ وبالضرورة، كل منها لا بد أن يجد خيره في ذلك النوع والدرجة من الشبع والاستمتاع بالله الذي يلائم طبيعته. قد يختلف النوع والدرجة بحسب طبيعة المخلوق؛ لكن إمكانية أن يكون هناك على الإطلاق أي خير آخر، هو حلم إلحادي. في مقطع لا أستطيع أن أبحث فيه الآن. يمثل جورج ماكدونالد George Macdonald الله وكأنه يقول للبشر: “لا بد أن تكونوا أقوياء بقوتي ومباركين بنعيمي Blessedness، لأنه ليس لدي شيء آخر أعطيه لكم.”

هذا هو ختام الأمر كله. الله يعطي ما لديه، لا ما ليس لديه؛ إنه يعطي السعادة الموجودة، ليس السعادة غير الموجودة. فإما أن تكون الله – أو أنت تكون مثل الله وتشاركه صلاحه باستجابة المخلوق – أو أن تكون شقياً بائساً. هذه هي البدائل الثلاث الوحيدة المتاحة. فإذا لم نتعلم أن نأكل الطعام الوحيد الذي ينبته الكون (ما لدى الله) – الطعام الوحيد الذي يمكن لأي كون ممكنPossible Universe أن يُنبته على الإطلاق – فإننا لابد أن نتضور جوعاً إلى الأبد.

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

مصدر الشر، أصل ومصدر الشر؟ من أين أتى الشر إذا كان الله هو الكلي الخير؟

أصل ومصدر الشر؟ من أين أتى الشر إذا كان الله هو الكلي الخير؟ – دعوة للحوار 

أصل ومصدر الشر؟ من أين أتى الشر إذا كان الله هو الكلي الخير؟ – دعوة للحوار
 
 
كنت قد طرحت سؤالا عن مصدر الشر منذ أشهر، وكنت قد وعدت بأني سأعطي رأيي الشخصي في هذا الموضوع لتناقش حوله بكل محبة وفهم، وها هو..
 
هذا شرٌ، أنت شرير، لا تفعل الشر، أوصاف لربما نسمعها يوميًا وغيرها من الألفاظ التي تُميِّز بين فعلين، فهذا خير وهذا شر، وهذا صالح وهذا فاسد، هذا كامل وهذا ناقص، فما هو معيار هذا التقييم؟ ما هو الشر؟ من أين أتى؟ وما هو مصدره؟ وكيف يمكن دعوة شيء أنه شر أو خير؟ هل للشر كينونة في ذاته كفعل إيجابي؟
 
رأيي باختصار في نقاط:
  1. الله هو الكائن الوحيد صاحب الصفات المطلقة (هكذا نُعَرِّفه في الأديان).
  2. لا يمكن أن يكون هناك إنسان أو ملاك أو أي كائن آخر له أي صفة مطلقة، بغض النظر عن ماهية الصفة نفسها. فصفات البر والوجود والرحمة والحب ..إلخ، مهما زادت في مخلوق، فهي محدودة. ونستطيع أن نضع معادلة بسيطة مثل: مخلوق = محدود
  3. الخير هو فعل إيجابي positive والشر هو قِلة هذا الخير. أي أن الشر هو نقص هذا الخير (محدودية الخير تجعل الخير ليس كاملا (محدود) = شر.
  4. يترتب على هذا أن الخير كصفة، هو صفة نسبية في الإنسان. أي أن الإنسان (أو أي مخلوق آخر مثل الملائكة) به نسبة عدم كمال للخير = محدودية للخير = شر إمكاني.
  5. مجرد غياب الخير، أو قلته، هو شر، فـ99,99999999999999999999999999999 خير، يعني وجود 00,00000000000000000000000000001 شر.
  6. معنى كلمة “نسبي” وهي الخاصة بكل المخلوقات أنه سيوجد فيه نقص.
  7. من هنا، كل كائن -طالما انه ليس الله (المطلق في الخير)- سيكون، نسبي في الخير.
  8. الذي يكون نسبي في الخير، يعني أن به نسبة من عدم الخير، أي الشر.
  9. فمجرد وجود كائن غير الله، يوجِد تلقائياً: الشر (قلة الخير).
 
وإلى التفصيل….

بالضدِ تُعرَف الأشياء، لكي نقوم بتعريف الشر لابد لنا أن نعرف أولاً الخير جيداً فالشر ضدَّه، وقبل أن نعرف الخير علينا بتحديد هذا الخير، هل هو الخير مطلق؟ هل هو نسبي؟! هل عندما كان يقول الكتاب المقدس على إنسان أو ملاك أنه “بار” كان يقصد انه “بار” بشكل مطلق أم نسبي؟

بالطبع هو نسبي، حسنًا، هل يمكن لإنسان أو لملاك أن يصل لأي بر مطلق؟ بالطبع لا، لان الإنسان أو الملاك بحسب طبيعته هو نسبي في كل شيء، في خيره وفي شره، إذن، من هو الكائن الذي نَصِفَهُ بالصلاح المطلق؟ نسميه “الله”، وهو مطلق في الصلاح (100%).

يظهر إلينا سؤال هام، وهو، هل يمكن أن يوجد إنسان/ملاك له بر مطلق؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال سأضعه في صورته الأصعب، وهي: هل يستطيع الله أن يخلق إنسان/ملاك مطلق في بره؟ فإذا كانت إجابتك: نعم، فهذا يعني أن هناك إنسان/ملاك سيكون له صفة أصيلة لله، وهي الإطلاق، ومن يكون له هذه الصفة يكون هو نفسه “الله”، لكن “الله” لا يمكن أن يخلق “الله” آخر، لأن “الله” لا يُخلَق وإلا لما كان “الله” وكان محدودًا في زمنيته.

وإذا كانت إجابتك: لا، فكيف يكون الله لا يستطيع عمل شيء؟! وبعيداً عن الإجابة على هذا السؤال، الذي ربما نجيبه في مقال قادم، لكن كإجابة سريعة، أن “الله” لا يمكن أن يخلق من صفته “غير مخلوق”، فلا يمكن أن يكون أي كائن “مخلوق” و”غير مخلوق” في نفس الوقت، فهذا تناقض ذاتي ينبغي حله قبل أن نسأل عن إمكانية خلقه، وهو مشابه لسؤال: هل يمكن أن يخلق الله مثلث بأربعة أضلاع؟

الإجابة: لا، ليس لعدم مقدرة الله، بل لوجود تناقض داخلي في المسئول عنه، ألا وهو المثلث، فقد سمي بـ”مثلث” لأنه بثلاثة أضلاع، فصفته الأساسية هي “الثلاثة أضلاع” فإذا قمت بتغييرها إلى “أربعة أضلاع” لا تكون تتكلم عن “مثلث” بالأساس.

لكن ما علاقة هذا بموضوعنا؟ علاقة هذا أن كينونة الله تتصف بالإطلاق في كل الصفات، فهو صاحب الحب المطلق، والحق المطلق، والخير المطلق، والعلم المطلق، والعدل المطلق …إلخ، ولا يمكن أن يكون هناك “مطلق” آخر، لأن هذا يعني أن هذا الآخر هو “الله”.

كُنا عندما نسأل، من أين أتى الشر للعالم، يجيب البعض (حسب الرد المحفوظ) أن مجموعة من الملائكة تكبروا وأرادوا أن يكونوا مثل الله، فتحولوا بهذا الشر إلى “شياطين” ومن الشيطان أتى كل شر بعداً، لكن كان يبقى السؤال، ومن أين جاءهم هذا التكبر إذا كانوا هم أول من أخطأوا؟!

وهنا يقف العقل التقليدي، لا يجد إجابة! والبعض كان يشير إلى النص القائل: مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر. أنا الرب صانع كل هذه (أشعياء 45: 7)، وعلى الرغم من أن النص هنا في سياقه لا يتكلم عن الشر كمفهوم، إلا أننا سنعتبره يتكلم عن الشر كمفهوم، فكيف يخلق الله الشر؟ ومن أين أتى؟ الحقيقة.

وبحسب رأيي، أن الشر جاء بخلق أي كائن آخر، فللطبيعة شر، وشرها أنها ليست كاملة في الصلاح كمالًا مطلقًا، وعدم كمالها في الصلاح هو شر، أي أن نسبية صلاحها هو شر، وهذا يفسر، بنسبة ما، الحوادث الطبيعية التي تودي بحياة الكثيرين، وللملائكة شر، وشرها أنها ليست كاملة في الصلاح كمالًا مطلقًا، وعدم كمالها في الصلاح هو شر، أي أن نسبية صلاحها هو شر.

وهذا يفسر، بنسبة ما، لماذا أخطأتَ، وإلا لما خَطِئت! وللإنسان (وللملاك) أيضًا شر، وشره أنه ليس كامل في الصلاح كمالًا مطلقًا، وعدم كماله في الصلاح هو شر، أي أن نسبية صلاحه هو شر، وهذا يفسر، بنسبة ما، لماذا كانت لديه الفرصة ليخطأ، وهنا أنا لا أتكلم عن الشر الإجرائي، بل الشر الإمكاني.

بمعنى أني لا أتكلم عن شيء فعله الإنسان/الملاك وحُسب عليه شر، بل أتكلم عن عدم كماله في الصلاح المطلق، أي نسبية الصلاح، التي أسميها “شر” وهذا يختلف عن دخول الإنسان/الملاك في الشر أو بالأحرى دخول الشر الفعلي في الإنسان/الملاك.

فعندما خطئ آدم، دخل الشر الفعلي إلى طبيعته، بحيث أنه بعدما كان لديه إمكانية الشر (عدم الصلاح المطلق) ولكن لم يختبره، أصبح –بعد الخطية- لديه إمكانية الشر أيضًا لكنه كان إختبر الخطية فعليًا.

إذن، وباختصار، كل من هو غير الله، هو غير كامل، ومن ضمن عدم كماله، هو عدم كماله في الخير، وعدم كمال الخير يعني وجود نسبة “عدم خير”، أي “شر”، ومن هنا جاء الشر، فكل مخلوق كان هو غير الخالق المطلق في الخير، ومن هنا أتى مفهوم الشر.

هل للشر كينونة في ذاته كمفهوم؟ الشر هو غياب الخير، ولهذا يقول الكتاب المقدس [فمن يعرف ان يعمل حسنا ولا يعمل فذلك خطية له] (يعقوب 4: 17)، فمجرد الإمتناع عن الخير، هو شر، فهنا لا نجد ان الإنسان قد أقدم على فعل بل أن الخطية حُسبت لمجرد إمتناعه عن الخير، والخطية من جملة الشر، فالشر هو نقص أو غياب الخير، لذا، فهو ليس فعلاً إيجابيًا بل مجرد عدم الفعل الإيجابي (الخير) هو “شر”.

 

أصل ومصدر الشر؟ من أين أتى الشر إذا كان الله هو الكلي الخير؟ – دعوة للحوار

للحوار مع الكاتب: https://www.facebook.com/MolkaMolkan
Exit mobile version