الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – سبتمبر 2023م

 

 

الفهرست

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان. 1

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان. 1

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس… 3

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها 3

الشهوة الجنسية الشريرة 3

مبادرة النعمة. 4

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ.. 4

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان. 7

دحض التعليم بخطية الطبيعة. 7

دحض التعليم بوراثة الخطية. 11

ماهية ناموس الخطية العنيف.. 12

مفهوم الخطية الجدية. 14

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج. 18

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية. 21

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر. 24

سينرجيا النعمة والأعمال. 26

عدم سماح الله بالشر. 29

مفهوم العقوبة الإلهية. 30

دحض التعليم بالنفس المولودة 31

ماهية الغضب الإلهي. 33

غاية الله خلاص الكل. 33

الخلاصة. 36

 

 

 

 

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان

سوف نتتبع في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان، أحد أهم آباء الرهبنة اللاتينية في الغرب في القرن الخامس، خاصةً في جنوب بلاد الغال، أي فرنسا. نجح ق. يوحنا كاسيان في تطوير الحياة الرهبانية هناك. وكان سفيرًا للتراث الآبائيّ الشرقيّ النسكيّ في الغرب اللاتينيّ. وهو أحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يتعلق بالنظام الرهبانيّ الحيّ، حيث يربط بين النواحي الداخلية والخارجية في النظام الرهبانيّ. لقد كان ملمًا به بكل دقة كما عاشه في مصر وخارجها لسنوات، حيث تتلمذ على يدي آباء البرية المصرية الكبار آنذاك، ونقل هذه المعرفة والخبرة الرهبانية النسكية الفائقة إلى الغرب اللاتينيّ، وذلك من خلال كتاباته ومحاوراته مع آباء البرية العظام، بالأخص آباء البرية المصرية. دُعِيَ في بستان الرهبان باسم ”كاسيانوس الروميّ“.

نبذة قصيرة عن حياة ق. يوحنا كاسيان

وُلِدَ ما بين 350- 360م، وتنيح ما بين 440-450م، إي عاش حوالي تسعين عامًا. أشار كتابه ”عن التجسُّد ضد نسطوريوس“ إلى معرفته الكبيرة بتعاليم آباء الكنيسة الأولين، وبالكُتَّاب الكلاسيكيين اللاتين أمثال: شيشرون وسنيكا وبيرسيوس. تبدأ حياته الرهبانية في حوالي عام 380م، في سن المراهقة، حيث انطلق إلى فلسطين، وبعدها بعامين إلى مصر، حيث قام بزيارة الرهبان هناك، وزار بعض الأديرة الرهبانية التي تتبع نظام الشركة في طيبة، ثم انطلق بعد ذلك إلى برية الإسقيط، حيث قضى هناك سبع سنوات يلتقي بمشاهير الآباء الرهبان، وقد جاءت مناظراته ومحاوراته ثمرةً لهذه اللقاءات والزيارات. كان صديقًا حميمًا لمار أوغريس البنطيّ وتلاميذه الأوريجانيين، وبسبب الاضطرابات في البرية المصرية آنذاك انتقل إلى القسطنطينية، حيث تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم، الذي رسمه شماسًا. وفي عام 415 أو 416م انطلق كاسيان إلى مرسيليا بفرنسا وأقام هناك ككاهن، وأسَّس ديرًا هناك للرجال باسم ”القديس فيكتور“، حيث صار الأب الروحيّ له ورئيسًا لهذا الدير، ثم أسَّس ديرًا آخر للنساء باسم ”القديس سالفاتور“، وهكذا سعان ما انتشرت الحياة الرهبانية هناك، وضمت الأديرة الآلاف من الرهبان والراهبات. غير أن البعض من أتباع أوغسطينوس أسقف هيبو شكَّكوا في أرثوذكسية ق. يوحنا كاسيان، حيث هاجموه متهمين إياه بالميول البيلاجية.[1]

بالطبع لا يمكن اتهام ق. يوحنا كاسيان بالبيلاجية، لأنه أعلن في كتابه ”عن التجسُّد الإلهيّ ضد نسطوريوس“ أن البيلاجية هي أصل كل الشرور، وهي وراء بدعة نسطوريوس. ولكن يُبرِّر البعض موقفه بأنه تأثر بالقديس يوحنا ذهبيّ الفم أكثر من أوغسطينوس أسقف هيبو، فهو لم ينس قط حث ذهبيّ الفم لشعبه على المثابرة والاستمرار على الجهاد الشخصيّ والعمل. حيث يقول ق. يوحنا ذهبيّ الفم إنه ليس الله ولا نعمة الله تمنع حريتنا من الاختيار.[2] كما كان ق. يوحنا كاسيان يُشجِّع رهبانه على السلوك عن طريق بذل الذات والتضحية، مما جعله غير قادر على قبول نظرة أوغسطينوس السلبية، الذي يبدو كما لو كان يُقلِّل من شأن الإرادة البشرية مُتأثرًا بنظرته الخاصة بالنعمة الإلهية. إنْ كان الله حقًا يفعل كل شيء لنا، فِمن أين يأتي الاستحقاق للمكافأة؟ وإنْ كُنا لن نقدر أن نفعل شيئًا بدون النعمة، فما هو موقف حريتنا؟[3]

 

 

تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس

وراثة الخطية الأصلية ونتائجها

يرى أوغسطينوس أن الله خلق آدم في حال الحرية التي لم يكن فيه مضطرًا لأن يخطئ. وبذلك فإذا أخطأ وصل للحال الذي لم يكن ممكنًا له ألا يخطئ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. وسقوط آدم كان خطية عظيمة. دافعها الكبرياء، والرغبة في الاستقلال عن الله، فهي أساس كل شر. لأن كل كيان الإنسان ووجوده مستمد من الله. ولكنه أراد أن يكون سيد نفسه. وأعتبر أوغسطينوس إن خطية آدم هي خطية كل الجنس البشريّ [خطية الطبيعة]. مُستندًا إلى عدة شواهد كتابية منها (رو 5: 12) في الترجمة اللاتينية التي كانت متاحةً له التي تقول: ”الذي فيه [في آدم] أخطأ الجميع“ بدلاً من ”إذ أخطأ الجميع“، والخطية الأصلية في نظر أوغسطينوس تتم بالتناسل ودافع ”الشهوة“ المصاحب للمعاشرة الجنسية. فأصبحت إرادة الإنسانية كلها تجنح للخطأ [الإرادة المقيَّدة بالشر]. مما يشمل الأطفال أيضًا، رغم أن الخطية لم تصدر فعلاً عنهم، ويتوقف خلاصهم على معموديتهم كنقطة بداية. وأعتبر أوغسطينوس بذلك البشرية ”كتلة من الخطية“ و ”كتلة للهلاك“. بل إنه قال: ”إن الأطفال الذين لا يُعمَّدون يمرون في نار أبدية مع الشيطان لفترة من الزمن، وإنْ كانت أخف من النيران التي يمر فيها الأشرار الذين يضيفون لخطيتهم الموروثة خطاياهم الشخصية الفعلية“. وواضح أن هذا فتح الباب لحديث الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد عن ليمبوس الأطفال.

الشهوة الجنسية الشريرة

يظهر فساد الطبيعة البشرية في الجهل والشهوة والموت. ويجب أن نلاحظ أن الشهوة كما عبَّر عنها أوغسطينوس تعني كل ميل للابتعاد عن الله ليجد الإنسان كفايته في الأمور المادية. ورأى أوغسطينوس أن أوضح صورة لهذا الأمر نجدها في الشهوة الجنسية. إلا أننا يجب أن نحذر من أن نقول بأن أوغسطينوس أعتبر أن الخطية الأصلية هي الشهوة الجنسية. فهو يرى أن الشهوة الجنسية نتيجة ثورة الإنسان ضد الله. ولا يملّ أوغسطينوس من التنبير على أن قسوة وسطوة الغريزة الجنسية إنما هي في كل البشر. فهو يَعتبر أن المعمودية تُزِيل جرم الخطية لكنها لا تُزِيل حقيقتها في أعضاءنا. ويرى أن المخلِّص أختار أن يُولَد من عراء ليتجنب لوثة الشهوة. وبسقوط آدم فَقَدَ الإنسان حريته [الإرادة العاجزة عن فعل الخير]. حتى أننا لا نستطيع أن نتجنب الخطية بدون نعمة الله. فحرية الإنسان لازالت قائمةً ولكنه يختار الشر بكيفية تلقائية كحقيقة سيكولوجية [العجز التام والإرادة المقيَّدة بالشر].[4]

مبادرة النعمة

وفي ضوء الخلفية التي أشرنا إليها عن الطبيعة البشرية يمكننا أن نتفهم رفض أوغسطينوس لتعاليم بيلاجيوس بأن دور النعمة لا يزيد عن الاستنارة التي تُعاوِن الإرادة الحرة. فقال أوغسطينوس بأن هنالك ضرورة حتمية للنعمة. فيجب أن تعمل النعمة داخل الإنسان، ويتحقَّق عملها السريّ الداخليّ بحضور الروح القدس. وتسبق النعمة كل شيء فالمبادرة دائمًا منها. ويشير أوغسطينوس أيضًا للنعمة المعاوِنة بعد أن تبدأ النعمة عملها. كما يتحدَّث عن النعمة الكافية [المانعة الوقائية]. ويُنبِّر أوغسطينوس على أن النعمة تتبعها الاستحقاقات ولا توجد استحقاقات ينال الإنسان النعمة على أساسها. ويرى أوغسطينوس أن إرادة الله القادرة على كل شيء يجعل عمل نعمته فينا نعمة لا تُقاوَم [نعمة مانعة وقائية] وعن طريق النعمة ينال المؤمن حرية حقيقية.[5]

النعمة وسبق التعيين والضمان الأبديّ

وفي ضوء كل هذا يمكننا أن نتفهم كيف عبَّر أوغسطينوس عن التعيين [الاختيار] السابق للمؤمنين. إذ يرى أوغسطينوس استنادًا لفهمه للكتاب المقدَّس أن عدد المختارين مُحدَّد منذ الأزل. ويرفض أوغسطينوس رفضًا قاطعًا فكرة التعيين [الاختيار] السابق بناءً على علم الله السابق. ويرى أن المؤمنين الحقيقيين ينالون الضمان الأبديّ [عدم هلاك المؤمن]. إلا أن أوغسطينوس استنادًا لكلمات بولس الرسول: ”مَن يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط“ (1كو 10: 12)، قال إن الله في حكمته سمح بوجود ”مؤمنين غير حقيقيين“ وسط جماعة ”المؤمنين الحقيقيين“ ليكون الكل على حذر.[6]

لم تقبل الكنيسة وجهة نظر أوغسطينوس حول هذا الموضوع [أي سبق التعيين المزدوج] على الفور، لكنها رفضت البيلاجية في عدة مجامع كنسية. استمرت الكنيسة تُجادِل في مسألة الإرادة الحرة مقابل سبق التعيين لمدة مائتي عام أخرى حتى استقر الكاثوليك إلى حد ما على موقف وسطيّ. وكثيرًا ما يُدعَى هذا الموقف بـ ”النصف بيلاجية“ Semi-pelagianism، ولكن يمكن أن يُدعَى أيضًا عن حق بـ ”الموقف النصف أوغسطينيّ“. فقد رفض أتباع موقف النصف بيلاجية عقائد بيلاجيوس، لكنهم لم يقدروا أن يتبعوا أوغسطينوس إلى نهاية نتائج نظريته. لذا، فقد أنتجوا موقفًا وسطيًا. حيث قال ق. يوحنا كاسيان بأن الله عندما يرى بصيصًا من التفاعل البشريّ، يسكب نعمته فورًا على هذا الشخص. وبالتالي، فإن الإرادة البشرية الحرة مهمة، ويجب على البشر أن يتفاعلوا مع الله. ومع ذلك، فالتفاعل الكامل مع دعوة الله للخلاص غير ممكن بدون نعمة الله (تُرَى النعمة هنا كقوة). وفي العصور الوسطى كان موقف النصف بيلاجية هو المقبول بشكلٍ واسعٍ، وهو الذي انعكس في نظام الأسرار، أي أن الأسرار وسائط النعمة، لأنها قوة الله لغرسه الصالح فينا. وبالتالي، يمكن للبشر أن يتشاركوا مع الله في خلاصهم. وقد تبنى مارتن لوثر وجون كالفن فيما بعد وجهة نظر أوغسطينوس الأصلية، فقد رأيا أن الإنسان معتمد تمامًا على سلطان الله [الخلاص والتبرير بالنعمة فقط].[7]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعليم الخطية الجدية عند ق. يوحنا كاسيان

سوف نستعرض الآن تعليم الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان لنُوضِّح الاختلافات بينه وبين تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كُنا قد عرضنا أعلاه، سواء في التعليم عن النعمة، أو سبق التعيين، أو الضمان الأبديّ، أو الفساد الكلي للطبيعة البشرية، أو النعمة الوقائية المانعة من الهلاك، أو الإرادة البشرية المقيَّدة بالشر، أو وراثة ذنب آدم.

دحض التعليم بخطية الطبيعة

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم المانويّ -الذي تبناه أوغسطينوس وأتباعه- عما يُسمَى بـ ”خطية الطبيعة“، حيث ينادون بأن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين وتركيب الطبيعة البشرية بعد سقوط أبوينا الأولين، وأننا نرث عن طريق التناسل الجنسيّ من أبوينا الأولين ”خطية الطبيعة“ هذه، ولكن يدحض ق. يوحنا كاسيان هذا التعليم غير الأرثوذكسيّ، مؤكدًا على أن النزعات الجسدية المغروسة فينا بالفطرة هي لقصد مفيد، ولكن هناك نزعات أخرى خارجية أُقحِمَت من الخارج بسبب الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة، وهنا يُميِّز كاسيان بين النزعات والشهوات الجسدية الداخلية الطبيعية، والنزعات الجسدية والشهوانية الخارجية الناتجة عن الإهمال والتراخي وشهوة الإرادة الشريرة. حيث يرى أن الله الخالق بعنايته الإلهية هو الذي غرس فينا هذه النزعات الجسدية لغرضٍ مفيدٍ وليس لارتكاب الخطايا والرذائل كالزنا والخلاعة كالتالي:

ألسنا نُشاهِد مثلاً أن نوازع الجسد الطبيعية ليست فقط في الأولاد الذين تُساعِدهم بساطتهم على التمييز بين الخير والشر، بل حتى في الأطفال الصغار والرضع البعيدين تمامًا عن شهوة الجنس، ولكن نوازع الجسد موجودة فيهم وعُرضة للإثارة الفطرية؟ ألا نرى أيضًا أن وخزات الغضب المميتة موجودة بكامل عنفوانها في الأطفال الصغار؟ وقبل أن يتعلَّموا فضيلة الصبر والاحتمال، نجد أن المظالم تُثيرهم، ويشعرون بالمهانة ولو كانت على سبيل الدعابة، وقد يعمدون إلى الانتقام، على الرغم من ضعفهم، حين يستبد بهم الغضب؟! لست أسوق هذا كي أُوجِّه اللوم إلى حالتهم الفطرية، إنما لكي يظهر أن بعضًا من هذه النزعات التي تصدر عنا مغروسة فينا لقصدٍ مفيدٍ، بينما البعض الآخر قد أُقحِمَ من الخارج، بسبب الإهمال أو التراخي، وشهوة الإرادة الشريرة. لأنه هذه النزعات الجسدية التي تكلَّمنا عنها آنفًا، غرسها الخالق بعنايته الإلهية في جوفنا لغرضٍ نافعٍ، مثل بقاء النوع وتنشئة الأطفال، وليس لارتكاب ضروب الزنا والخلاعة، التي تقع تحت طائلة كُل من الناموس والقانون. كذلك أُعطِيت لنا وخزات الغضب بحكمةٍ بالغةٍ، حتى إذَا ما غضبنا على خطايانا وأخطأنا يتيسر لنا أن نُمارِس الفضائل والرياضات الروحية، مُظهرين كل حب الله ومُترفقين بأخوتنا“.[8]

ويُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان على أن النزعات الجسدية قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه له اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراض ضارة، ويشير إلى أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، داحضًا بذلك التعليم عن خطية الطبيعة أو طبيعة الخطية الموروثة من أبوينا الأولين، التي تجعلنا نُمارِس الخطية تلقائيًا بدون اختيار حر، ولكنه يشير إلى أن الخطية فعل إراديّ، وأن الشهوات الجسدية صالحة إلا أنه بسوء استخدامها وتوجيهها بالإرادة الشريرة الفاسدة، تصير خطايا وشرورًا كالتالي:

”إنْ قُلنا إذًا أن هذه النزعات قد غرسها الخالق فينا، فلا يعني هذا أن نُوجِّه إليه اللوم، ما دُمنا قد أسأنا الاختيار بإساءة استخدامها، وانحرفنا بها لأغراضٍ ضارةٍ، ورحَّبنا بأحزان قايين المتمرِدة المهلِكة وليس بالحزن الذي يُقوِّم اعوجاجنا ويُنشئ توبةً لخلاص بلا ندامة […] لكننا نُؤكِّد أن بعض العيوب تنمو بدون أن تتهيأ أية فرصة طبيعية لمولدها، إنما ببساطة تتم عن طريق الاختيار الحر لإرادة فاسدة شريرة، كالحسد، وبالذات خطية الطمع هذه. هاتان الخطيتان تفدان إلى القلب من الخارج، لعدم وجود أصل لهما في الغرائز الفطرية. ويتيسر للمرء أن يأخذ حذره منهما وأن يتجنبهما نسبيًا. إنهما يُفسِدان العقل الذي يتسلطان عليه ويستبدان به، ومِن ثم يتعذر تهيئة الأدوية لشفائه منها“.[9]

ويدحض الأب سيرنيوس، أحد آباء الرهبنة المصرية الكبار آنذاك، فكرة خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية الموروثة من آدم بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس متأثرًا بالمانوية أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية، كما يدحض أيضًا فكرة الإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، التي نادى بها أوغسطينوس أيضًا في كتاباته ضد البيلاجية، حيث يرى أنه مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقِين اللوم على الطبيعة البشرية دون مناقشة الموضوع بدقةٍ كالتالي:

سيرنيوس: مِن الخطر أن نُسرِع إلى هذه النتيجة مُلقين اللوم على الطبيعة [البشرية] دون أن نُناقِش الموضوع بإتقانٍ […] فيلزمك ألا تحكم حسب ضعفك، إنما بناءً على قيمة التدرايب ومنهجها واختبار الآخرين لها […] هكذا بحسب الطبيعة لا يمكن أن يكون العقل خاملاً […] بل لديه على الدوام ما يشغله، وبسبب ثقله يضل ويتوه في أمورٍ كثيرةٍ ما لم يُمارِس التدرايب اليومية الطويلة […] يلزمنا ألا ننسب الانحراف في تيه القلب إلى الطبيعة البشرية أو خالقها، فإنه بالحق يقول الكتاب المقدَّس: ’أن الله صنع الإنسان مستقيمًا، أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). اختلاف الأفكار يتوقف علينا نحن، لأن الفكر الصالح يقترب مِن الذين يعرفونه والإنسان العاقل يجده. فأيّ أمر يخضع لتمييزنا وعملنا يمكننا أن نصل إليه، فإذَا لم نبلغه يرجع هذا إلى كسلنا وإهمالنا لا إلى خطأ في طبيعتنا. لو لم يكن هذا الأمر في مقدرتنا لمَّا وبَّخ الرب الفريسيين قائلاً: ’لماذا تُفكِّرون بالشر في قلوبكم؟‘ (مت 9: 4). ولمَّا كلَّف النبي ليقول: ’اعزلوا شر أفعالكم مِن أمام عينيّ‘ (إش 1: 16)، ’إلى متى تبيت في وسطك أفكارك الباطلة؟!‘ (إر 4: 14)، ولمَّا كان لنوع أفكارنا اعتبار في يوم الدينونة إذ يُهدِّد الله بواسطة إشعياء قائلاً: ’وأنا أُجازِي أعمالهم وأفكارهم‘ (إش 66: 18)“.[10]

يدحض ق. يوحنا كاسيان تعليم أوغسطينوس المتأثر بالمانوية عن خطية الطبيعة، أو طبيعة الخطية، أو الخطية الطبيعية الموروثة من آدم بعد السقوط، حيث يرى أن في هذا القول ضلال لأنفسنا بأن الخطأ ليس منَّا، أي من إرادتنا الحرة، بل من طبيعتنا الخاطئة، ويرفض فكرة أن الضلال هو من الطبيعة البشرية كالتالي:

”إذ نلتهب بالتدرايب اليومية لا نرى أننا كسِبنا أية قوة أو ثبات قلبيّ فنُغلَب باليأس، ونضل بهذه الفكرة، وهي الاعتقاد بأن الخطأ ليس منا، بل من طبيعتنا، وأن الضلال هو من الطبيعة البشرية“.[11]

دحض التعليم بوراثة الخطية

يدحض ق. يوحنا كاسيان التعليم بوراثة الخطية الأصلية مؤكدًا على أن الخطية هي فعل إراديّ، حيث تنحرف إرادتنا الحرة إلى الخطية، وليس بسبب خطية أصلية موروثة أو ذنب طبيعيّ موروث، بل يُشدِّد على أن الله أوجدنا مخلوقات عاقلة ومنحنا قوة حرية الإرادة كالتالي:

”إننا ليس فقط نسعى إليه شاكرين لأنه أوجدنا مخلوقات عاقلةً، ومنحنا قوة حرية الإرادة، وأنعم علينا ببركات نعمة المعمودية، ووهبنا المعرفة والناموس، بل وأيضًا لأجل كل ما يمنحنا إياه بحمايته اليومية، إذ يُنجِينا من دهاء أعدائنا، ويعمل معنا فينقذنا من خطايا الجسد، وبدون معرفتنا لها يُعطِينا درع حمايته لنا من المخاطر، ويحمينا من السقوط في الخطية، ويُساعِدنا ويُنيرنا. بهذا نستطيع أن نفهم ونتعرف على مساعدته اليومية التي يُعطِينا إياها (والتي بعضٌ منها معروف بواسطة الناموس)، وأيضًا خلال سلطانه السريّ ننعم بتأنيب ضميرنا لارتكابنا الخطايا والإهمال. إنه يفتقدنا باهتمامه بنا وتأديبنا من أجل سلامة نفوسنا حتى أننا أحيانًا بغير إرادتنا نجد أنفسنا مرارًا مُنجذِبين بواسطته نحو خلاصنا. أخيرًا، فإن إرادتنا الحرة هذه التي تنحرف إلى الخطية كثيرًا ما تتحوَّل بواسطته إلى غرضٍ نبيلٍ، وبواسطة تأهبه واقتراحه، يجعلنا نميل في اتجاه طريق الفضيلة“.[12]

ماهية ناموس الخطية العنيف

يروي ق. يوحنا كاسيان مقارنة الأب ثيوناس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، بين المأسورين بناموس الله والمأسورين بناموس الخطية العنيف الذي جلبه سقوط الأب الأول على البشرية كالتالي:

ثيوناس: إنهم بالحقيقة يسرون بناموس الله بحسب الإنسان الباطن الذي يسمو فوق كل المنظورات، ويسعون على الدوام ليكونوا مُتَّحِدين بالله وحده، لكنهم يرون ناموسًا آخر في أعضائهم، أي منغرس في طبيعتهم البشرية، يحارب ناموس ذهنهم (رو 7: 22، 23)، أي يأسر أفكارهم إلى ناموس الخطية العنيف، ويُلزِمهم أن يتخلوا عن ذلك الصلاح الأعظم، ويرضخوا للأفكار الأرضية، التي وإنْ ظهرت هامةً ومفيدةً ونحتاج إليها في العبادة، إلا أنها تقف عائقًا عن التأمل في ذلك الصلاح الذي يسحر أنظار القديسين، فيرونها شريرةً ويحاولون تجنبُّها، لأنه خلالها إلى حد ما وإلى حين يُحرَمون من بهجة تلك السعادة الكاملة. لأن ناموس الخطية هو بحق ما جلبه سقوط الأب الأول على البشرية، إذ صار النطق بفم القاضي العادل: ’ملعونة الأرض بسببك [في أعمالك] شوكًا وحسكًا تُنبِت لك، بعرق وجهك تأكل خبزًا‘ (تك 3: 17-19)“.[13]

ويستطرد الأب ثيوناس شارحًا ماهية ناموس الخطية هذه المنغرس في أعضاء البشر جميعًا الذي يحارب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله، حيث يرى أنه بعد لعنة الأرض بأعمالنا وبعد معرفتنا للخير والشر، صارت تنبت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، وهنا لا يتحدَّث الأب ثيوناس عن خطية أصلية موروثة من الوالدين عن طريق التناسل الجنسيّ، بل عن أفكار شريرة تهاجم بذور الفضائل الطبيعية في ناموس أذهاننا وتخنقها، فالموضوع كله روحيّ، وليس عبارة عن خطية مادية موروثة عن طريق النفس المولودة وعن طريق العلل البذرية الجسدية المادية، كما كان ينادي أوغسطينوس وأتباعه من المنادين بوراثة الخطية الأصلية من أبوينا الأولين نفسًا وجسدًا، بل الموضوع كله روحيّ بحت يُشكِّل صراعًا داخل الإرادة البشرية الساقطة بين فعل الخير وفعل الشر، وليس خطية أصلية موروثة مُحرِّكة للإرادة مُقيِّدةً إياها بفعل الشر دائمًا، حتى لو أرادت فعل الصلاح كالتالي:

ثيوناس: إنني أقول إن هذا هو الناموس المنغرِس في أعضاء البشر جميعًا الذي يُحارِب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله. إذ بعدما لُعِنَت الأرض بأعمالنا بعد معرفتنا للخير والشر، صارت تُنبِت حسك الأفكار وأشواكها التي تخنق بذور الفضائل الطبيعية، حتى أنه بغير عرق جبيننا لا نستطيع أن نأكل خبزنا ’النازل من السماء‘ (يو 6: 33)، والذي ’يسند قلب الإنسان‘ (مز 104: 15). لذلك، فإن البشر عامةً، بغير استثناء، خاضعون لهذا الناموس“.[14]

ويُوضِّح الأب ثيوناس ماهية ناموس الخطية في موضع آخر مشيرًا إلى انجذاب الطبيعة البشرية في بعض الأحيان من الأمور السماوية إلى الأمور الأرضية، وانحدار سمو الذهن إلى الاهتمام بالأمور التافهة، فهو مثل الأسر والسبي رغم المثابرة والاشتياق إلى خدمة ناموس الله، والعجز عن الفرار من سلطان هذا الأسر إلا بالتطلع الدائم إلى رحمة المخلِّص قائلاً:

ثيوناس: أخيرًا، فإن الرسول الطوباويّ يُعبِّر بوضوحٍ أنه قال هذا عن الناس المقدَّسين والكاملين ومَن على شاكلته، فيشير بإصبعه إلى نفسه ويتدرج في الحال: ’إذ أنا نفسي‘ […] مع أني أخدم ناموس الله بالذهن ومع ذلك أعترف بأنني بالجسد أخدم ناموس الخطية، بمعنى أن طبيعتي البشرية تجذبني أحيانًا من الأشياء السمائية إلى الأشياء الأرضية، وينحدر سمو ذهني إلى الاهتمام بأمورٍ تافهةٍ. وبناموس الخطية هذا أجد أنني في كل لحظة أُؤخذ هكذا مأسورًا رغم مثابرتي باشتياقٍ راسخٍ نحو ناموس الله، لكنني لا أستطيع بأية وسيلة أن أنجو من سلطان هذا الأسر ما لم أتطلع دائمًا إلى رحمة المخلِّص“.[15]

مفهوم الخطية الجدية

يشرح الأب ثيوناس مفهوم الخطية الجدية أو خطية آدم، حيث يرى أننا مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون ، حيث استعبد آدم البشرية لسلطان الحية، أي إبليس، وجعل كل ذريته تحت نير العبودية المستمر، بعدما استلم من الحية ثمن حريته مُستهِينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت كالتالي:

ثيوناس: لكن إذ نحن مُباعين تحت الخطية فنحن جسدانيون. إنني اتساءل: ما هي تلك الخطية؟ ولمَّنْ؟ بلا شك هي خطية آدم الذي بسقوطه أو بتدبيره التالف وتعاقده المملوء خداعًا صِرنا مُباعين. فعندما قاده إغراء الحية إلى الضلال، جاء بجميع ذريته تحت نير العبودية المستمر. فبالأكل من الشجرة الممنوعة استلم من الحية ثمن حريته مُستهينًا بها، واختار لنفسه العبودية المستمرة للحية التي استلم منها الثمن المميت. وليس بغير سبب صار كل نسله عبيدًا في خدمة ذاك الذي صار عبدًا له. لأنه هل يمكن لزوجين عبدين إلا أن يُنتِجا مَنْ هم عبيد؟ لكن هل هذا المشتري المخادِع قد سلب حق الملكية من المالك الشرعيّ الحقيقيّ؟ كلا، لأنه لم ينل حق ملكية الله. لكن الخالق إذ منح جميع الخليقة العاقلة إرادة حرة، لا يُعيد لهم حريتهم الطبيعية قهرًا، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم بخطية الشهوة الشرهة. لأن مصدر العقل والتقوب يُمقِت كل ما هو مُخالِف للصلاح والعدل، فلا يقبل أن يسلب الإنسان حريته حتى لا يخطئ في حقه. لكن الله حافظ على خلاص الإنسان ناظرًا إلى المستقبل، إلى ملء الزمان المعيَّن، وبعدلٍ ترك ذرية آدم تبقى وقتًا طويلاً تذوق مرارة العبودية إلى أن يشتريهم بدمه، وتعتقهم مراحم الله من القيود الأصلية، ويُطلِق سراحهم إلى الحرية الأولى“.[16]

ويستطرد الأب ثيوناس ليشرح مفهوم الخطية الجدية، فيرى أن لعنة الله الأصلية جعلت من البشر جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا آدم بذلك التعاقُّد التعيس حتى صرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صرنا ننقطع في بعض الأحيان عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها، وبالتالي، نُدرِك أنه لا يسكن في أجسادنا شيء صالح، بمعنى عدم سُكنى السلام الأبديّ الدائم لهذا التأمل الإلهيّ فيها كالتالي:

ثيوناس: إذًا، لعنة الله الأصلية جعلتنا جسدانيين، وحُكِمَ علينا بالأشواك والحسك، وقد باعنا أبونا بذلك التعاقُّدالتعيس حتى صِرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده، إذ صِرنا ننقطع أحيانًا عن تذكُّر الله العظيم السمو مُضطِرين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشريّ. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها. لهذا نحن نعلم أنه ليس ساكنًا في أجسادنا شيء صالح (رو 7: 18)، أي ليس ساكنًا فيها السلام الأبديّ الدائم الذي لهذا التأمل المذكور“.[17]

ويشرح الأب ثيوناس أيضًا ماهية الخطية الجدية، حيث يرى حدوث الطلاق البائس والتعيس، بحيث أننا عندما نريد بالذهن أن نخدم ناموس الله، وإذ لا نريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص آدم المذنِب الأول ليس بغير سبب، وبالرغم من التقيُّد بقيود الخطية، ولكننا لا نُدان بسبب نعمة المسيح المحرِّرة للجميع من ناموس الخطية والموت كالتالي:

ثيوناس: لقد حدث في قضيتنا ذلك الطلاق البائس التعيس، حتى أننا عندما نُريد بالذهن أن نخدم ناموس الله إذ لا نُريد أن نُحوِّل نظرنا قط عن البهاء الإلهيّ، نجد أنفسنا مُحاصرين بالثقل الجسديّ، فيُجبِرنا ناموس الخطية إلى الحرمان من الصلاح الذي نُدرِكه ونسقط عن ذلك السمو الذهنيّ المرتفع، مُنحدِرين إلى الاهتمامات والأفكار الأرضية، الذي حُكِمَ به علينا في شخص المذنِب الأول ليس بدون سبب. ومع أن الرسول المبارك يُعلِن جهرًا بأنه وجميع القديسين مُقيَّدين بقيود هذه الخطية، لكنه يُؤكِّد بجراءةٍ أنه لا يُدان أحد بسبب هذا قائلاً: ’إذًا، لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع […] لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 1، 2)، بمعنى أن نعمة السيد المسيح تُحرِّر جميع القديسين يومًا فيومًا من ناموس الخطية والموت، هذا الذي يخضعون إليه قسرًا بالرغم من توسلهم الدائم إلى أن يصفح عن تعدياتهم“.[18]

ويرفض الأب ثيوناس رأي جرمانيوس، صديق ق. يوحنا كاسيان، الذي يقول بأن ناموس الخطية بسبب سيطرة عادات الخطاة القديمة عليهم، قد صار ناموسًا طبيعيًا يسيطر بعنفٍ في أعضائهم، فيسقطون في شهوة انفعالاتهم القديمة المتأصلة، فتصير العادة أو تكرار الخطية بمثابة ناموس طبيعيّ مغروس في أعضاء الإنسان الضعيفة تقود مشاعر النفس التي لم تتهذب بعد بمطالب الفضيلة، أي أنهم في نقاوة غير مُهذَّبة، بل هم أسرى الخطية، فلا ينالون صلاح الطهارة التي يحبونها، بل يُجبرون على فعل الشر الذي يكرهونه. فيرى الأب ثيوناس أنه لم يُدرِك الأمر تمامًا، ويبدأ في شرح تعبيرات ”ناموس الخطية“ و ”جسد الموت“، فيُوضِّح أن جسد الخطية، أو جسد الموت، أو ناموس الخطية والموت –حيث يستخدم هذه التعبيرات بالتبادل مع بعضها البعض دون تمييز- هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية وبهذا يحرم الإنسان من السعادة الحقيقية كالتالي:

ثيوناس: رأيكم هذا يعني عدم إدراك الأمر تمامًا […] فما يقوله الرسول ينطبق على حال القديسين الذين يومًا فيومًا يسقطون تحت هذا الناموس [أي ناموس الخطية]، ليس ناموس الجرائم ولا التورط في أعمال شريرة، لكن كما سبق أن كرَّرت كثيرًا هو الانجذاب بعيدًا عن التأمل في الله إلى الانشغال بالأمور الجسدية (الهامة)، وبهذا يُحرَمون من بركة السعادة الحقيقية. مهما يكن مِن قلق الرسول مِن جهة ناموس الخطية الذي يُولِّد أشواك الأفكار والاهتمامات الجسدية وحسكها الناشئة في أعماق صدر الرسول، إلا أنه في الحال يختطفه ناموس النعمة فيقول: ’لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت‘ (رو 8: 2). إذًا، هذا هو ’جسد الموت‘ الذي لا يستطيع أن نهرب منه، الذي أسرَّ فيه الكاملون الذين ذاقوا: ’ما أطيب الرب‘ (مز 34: 8)، يشعرون يوميًا مع النبي ’كيف هو شرٌ ومرٌ للإنسان الذي ينفصل عن الرب إلهه‘ (إر 2: 19). هذا هو ’جسد الموت‘ الذي يحجزنا عن الرؤية السماوية، يجذبنا إلى الخلف للأشياء الأرضية، الذي يُسبِّب للناس أثناء ترتيلهم بالمزامير وركوعهم للصلاة أن تمتلئ أفكارهم بالمناظر البشرية، أو يتذكرون محادثات أو أعمال ضرورية تافهة. هذا هو ’جسد الموت‘ الذي ينظر إليه أولئك الذين يبارون قداسة الملائكة ويشتاقون إلى الاتصال بالله على الدوام، ومع ذلك يعجزون عن الوصول إلى كمال هذا الصلاح، لأن ’جسد الموت‘ يقف في طريقهم، فيفعلون الشر الذي لا يريدونه، أي ينجذبون إلى أسفل بأذهانهم حتى إلى الأشياء التي ليست لها صلة بتقدُّمهم وكمالهم في الفضيلة“.[19]

دحض التعليم بالقدرية وسبق التعيين المزدوج

يدحض ق. يوحنا كاسيان فكرة سبق التعيين المزدوج والقدرية، التي طالما شدَّد عليها أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب في مواجهته للهرطقة البيلاجية، حيث يُوضِّح كاسيان، في محاورة دارت بين صديقه جرمانيوس والأب بفنوتيوس، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، أهمية حرية الإرادة والسينرجيا بين النعمة والجهاد قائلاً:

جرمانيوس: إذًا، أين هي حرية الإرادة؟ وكيف يمكن أن نكون مستحقينن للكرازة كثمرة للجهاد ما دام الله هو الذي يبتدئ، وهو الذي يختم كل شيء فينا بخصوص خلاصنا؟ بفنوتيوس: نحن نعرف أن الله يخلق لنا فرصًا للخلاص بشتى الطرق، لكن يمكننا أن نستخدم هذه الفرص باجتهادٍ أعظم أو أقل. فالله يُقدِّم فرصةً كقوله: ’اِذهب من أرضك‘، لكن الطاعة من اختصاص إبراهيم الذي أطاع وذهب منها. ففي القول: ’اِذهب إلى الأرض‘ تحمل معنى العمل، عمل ذاك الذي أطاع، وفي القول: ’التي أريك‘ تحمل نعمة الله الذي أوصاه أو وعده. مِن المفيد لنا أن نتأكَّد أنه بالرغم من أننا نُجاهِد في كل الفضائل جهادًا غير باطل، لكننا لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرَّد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية، ما لم يصن جهاده بالتعاون [سينرچيا] مع الله، وتوجيهات الله لقلبه نحو الحق […] هكذا نحن لا نهلك إذًا لضعف حرية إرادتنا، لأن الله يُعضِّدنا ويعيننا باسطًا يديه لنا. فبالقول: ’إذَا قُلت قد زُلّت قدمي‘، يقصد زُلّت إرادتي، وبالقول: ’فرحمتك يارب تُعضِّدني‘ (مز 94: 18)، يُظهِر عون الله لضعفنا، مُعترِفًا أنه ليس بمجهودنا الذاتيّ، بل برحمة الله لنا لا تزل أقدام إيماننا […] وأيضًا ’لولا أن الرب مُعيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت‘ (مز 94: 17). يُعلِن هنا أنه بسبب ضعف إرادتنا الحرة نسكن في الجحيم [أرض السكوت]، لو لم يُنقِذنا عون الله وحمايته“.[20]

ويدحض الأب شيريمون، أحد آباء الرهبنة المصرية آنذاك، التعليم بسبق التعيين المزدوج للخلاص أو الهلاك، كما علَّم به أوغسطينوس في سياق مواجهته للهرطقة البيلاجية، مؤكدًا على أن الله لم يخلق الإنسان بدون إرادة، بل خلقه بإرادة حرة، كما يدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، بمعنى أن الإنسان يفعل الشر تلقائيًا، وحتى لو أراد فعل الخير فإنه عاجز تمامًا عن فعل الخير، وحتى لو أراد أن يفعل الصلاح، فإنه يفعل الشر رغمًا عنه بسبب عجزه التام عن فعل الخير والصلاح كالتالي:

شيريمون: […] لا يجدر بنا أن نتطلع إلى الله أنه خلق الإنسان بلا إرادة، أو أنه عاجز عن الصلاح، فلو كان قد سمح له بالإرادة الشريرة والقدرة على الشر دون الخير يكون بذلك قد حرمه من الإرادة الحرة، وعندئذٍ ماذا تعني العبارة التي نطق بها الرب مُباشرةً بعد سقوطه: ’هوذا الإنسان قد صار كواحد منَّا عارفًا الخير والشر‘ (تك 3: 22)؟ لأننا لا نقدر أن نظن أنه كان قبلاً جاهلاً للخير تمامًا، وإلا بهذا يكون الإنسان مخلوقًا غير عاقل كالحيوانات العجماوات، وهذا القول غريب تمامًا عن الكنيسة الجامعة“.[21]

ويدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بسبق التعيين والاختيار المزدوج للخلاص والهلاك منذ الأزل، حيث يؤكد أوغسطينوس على أن هناك نوعان من البشر أحدهما مُعيَّن منذ الأزل مِن قِبل الله للخلاص الأبديّ، والنوع الآخر مُعيَّن للهلاك الأبديّ قائلاً:

شيريمون: هكذا فإن مثل هذه الأمور تتشابك معًا بلا تمييز […] حتى أن كثيرين ينشغلون بمثل هذه الاستفسارات الصعبة: هل الله يُظهِر حنوه لنا لأننا نُظهِر بداية إرادتنا الصالحة، أم أن الإرادة الصالحة تبدأ لأن الله يحنو علينا؟ يعتقد كثيرون بأحد هذين الرأيين ويُؤكِّدونه أكثر مما يجب فيسقطون في أخطاء مضادة. فإن قُلنا أن بداية الإرادة الصالحة هي في سلطاننا، فماذا نقول عن بولس المضطهِد؟ وماذا نقول عن متى العشار؟! إذ سُحِبَ أحدهما إلى الخلاص وهو توَّاق إلى سفك الدم ومعاقبة البريء، وسُحِبَ الآخر وهو مُحِب للعنف والنهب، وإنْ قُلنا أن بداية إرادتنا تأتي دائمًا كنتيجة لوحي النعمة الإلهية، فماذا نقول عن إيمان زكا، وصلاح اللص الذي على الصليب، هذين اللذين بإرادتهما اغتصبا ملكوت السموات، ونالا قيادة خاصة بالدعوة؟ حقًا يبدو أن هاتين الاثنتين: أي نعمة الله وحرية الإرادة معارضتين لبعضهما البعض، لكن في الحقيقة هما متفقتان معًا، ونحن نستنتج من نظام الصلاح إنه يُلزِمنا أن تكون لنا الاثنتين معًا متشابهتين، فإنْ نزعنا أحدهما نكون قد كسرنا نظام قانون الكنيسة. فعندما يُشاهِدنا الله مائلين نحو الخير، يلتقي بنا ويقودنا ويُقوينا […] إذ يقول: ’يتراءف عليك عند صوت صراخك، حينما يسمع يستجيب لك‘ (إش 30: 19)، ’ وادعني في اليوم الضيق أُنقِذك فتُمجِّدني‘ (مز 50: 15). وإذَا وجدنا غير راغبين في الخير، أو أننا ننمو في البرود [الروحيّ]، يُثير قلوبنا بنصائحٍ مفيدةٍ لكي ما تتجدَّد فينا الإرادة الصالحة أو تتكوَّن فينا“.[22]

دحض التعليم بالفساد الكلي للطبيعة البشرية

يدحض الأب شيريمون أيضًا تعليم أوغسطينوس بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأن إرادة الإنسان بعد السقوط صارت مقيَّدة بفعل الشر تلقائيًا، لدرجة أنها خالية تمامًا من أي بر أو صلاح يُذكَر، بل حتى لو حاولت فعل الخير، فإنها تفعل الشر تلقائيًا، ويُؤكِّد الأب شيريمون على أن آدم قد صار بعد السقوط عارفًا الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه قبلاً كالتالي:

شيريمون: علاوة على هذا، فإن سليمان الحكيم يقول: ’الله صنع الإنسان مُستقيمًا‘ (جا 7: 29). بمعنى أنه على الدوام يتمتع بمعرفة الخير وحده، ’أمَّا هم فطلبوا اختراعات كثيرةً‘ (جا 7: 29). إذ صارت لهم معرفة الخير والشر كما كان من قبل. لقد صار لآدم بعد السقوط معرفة الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، ولكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه. أخيرًا، تكشف كلمات الرسول بوضوحٍ أن البشرية لم تفقد معرفة الخير بعد سقوط آدم، إذ يقول: ’لأنه الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم ناموس، هم ناموس لأنفسهم، الذين يُظهِرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكيةً أو محتجةً، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس‘ (رو 2: 14-16). بنفس المعنى ينتهر الرب على لسان النبي غير الطبيعيين، الذين اختاروا بإرادتهم عمى اليهود، وخلال عنادهم جلبوا ذلك على أنفسهم ’أيها الصم اسمعوا، أيها العمي انظروا لتبصروا، مَت هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسِله؟!‘ (إش 42: 18، 19). وحتى لا ينسبوا عماهم إلى الطبيعة وليس إلي إرادتهم، يقول: ’أخرج الشعب الأعمى وله عيون والأصم وله آذان‘ (إش 43: 8)، وأيضًا ’الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون‘ (إر 5: 21)، ويقول الرب نفسه في الإنجيل: ’لأنهم مبصرون ولا يبصرون، وسامعون ولا يسمعون ولا يفهمون‘ (مت 13: 13) […] أخيرًا، لكي تُدرِك أن إمكانية الصلاح كانت موجودة فيهم، يُوبِّخ الفريسيين قائلاً: ’ولماذا لا تحكمون بالحق مِن قِبل نفوسكم؟‘ (لو 12: 57). وهذا ما كان يقول الرب ذلك لو لم يعلم أنهم بحكمهم الطبيعيّ قادرون على تمييز ما هو صالح“.[23]

ويُؤكِّد الأب شيريمون أيضًا على أننا بعد السقوط لم نُحرَم من التفكير والتصوُّر للأفكار الصالحة بشكلٍ طبيعيّ، فلا يوجد شك بأن هناك بعض بذور الصلاح بالطبيعة فينا، أوجدها حنو الخالق في كل نفس، ولكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وبالتالي، يدحض الأب شيريمون التعليم الأوغسطينيّ بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي مثله مثل جميع آباء الشرق في عصره بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية مع بقاء بذور الصلاح فينا بالطبيعة كالتالي:

شيريمون: […] هكذا يمكننا أن نتكلَّم بخصوص أفكارنا اليومية، فإنه لم يُوهَب لداود وحده أن يُفكِّر فيما هو صالح، إذ لا نُحرَم نحن طبيعيًا أن نُفكِّر ونتصوّر أمورًا صالحةً. إذ لا نشك أنه بالطبيعة توجد فينا بعض بذور الصلاح، أوجدها حنو الخالق في كل نفس. لكن هذه البذور لا يمكن أن تنمو ما لم يرعها العون الإلهيّ، وكما يقول الرسول الطوباويّ: ’إذ ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله الذي يُنمِي‘ (1كو 3: 7)“.[24]

دحض التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر

يُشدِّد الأب شيريمون على بقاء حرية الإرادة على الدوام في الإنسان قبل أو بعد السقوط، فلا يمكن إهمالها أو المغالاة فيها، كما فعل أوغسطينوس أسقف هيبو وأتباعه، حيث نادوا بالإرادة المقيَّدة بفعل الشر والعاجزة تمامًا عن فعل الخير، لدرجة أنهم قالوا إن الإرادة خالية ومجرَّدة تمامًا من كل خير، كما يشير إلى سينرجيا أو تآزر النعمة مع الإرادة الإنسانية كالتالي:

شيريمون: تبقى حرية الإرادة على الدوام في الإنسان، لا نُهمِلها ولا نُغالِي فيها […] لأنه ما كان للرسول أن يُوصِي قائلاً: ’تمَّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ‘، لو لم يعلم أنه يمكن للإنسان أن يتقدم في الخلاص أو يُهمِله. لكن لا يتصوّر البشر أنهم غير محتاجين للعون الإلهيّ في عمل الخلاص، إذ يُكمِل: ’لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته‘ (في 2: 13). وأيضًا ’لا تُهمِل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدي المشيخة‘ (1تي 4: 14)، ’أُذكِّرك أن تضرم أيضًا موهبة الله التي فيك بوضع يدي‘ (2تي 1: 6). لهذا فإنه في كتابته إلى أهل كورنثوس ينصحهم ويُحذِّرهم لئلا بعدم إثمارهم يظهروا غير مستحقين لنعمة الله، قائلاً: ’نطلب ألا تقبلوا نعمة الله باطلاً‘ (2كو 6: 1). لأن قبول النعمة المخلِّصة لم يُفقِد سيمون شيئًا لأنه قَبِلَها باطلاً، إذ لم يُطع وصية بطرس المبارك الذي قال له: ’فتب مِن شرك هذا واطلب إلى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك، لأني أراك في مرارة المر ورباط الظلم‘ (أع 8: 22، 23). فالنعمة تتقدم إرادة الإنسان، إذ قيل: ’إلهي رحمته تتقدمني‘ (مز 59: 10). وأيضًا يتأخر الله لأجل صالحنا حتى يختبر رغباتنا، عندئذٍ إرادتنا هي التي تتقدم، إذ قيل: ’في الغداة [الصباح] صلاتي تتقدمك‘ (مز 88: 13)“.[25]

ويدحض الأب ثيوناس أيضًا التعليم بالإرادة المقيَّدة بالشر بعد السقوط، حيث يرى أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها، وليس خطية أصلية موروثة كائنة في الطبيعة البشرية، كما كان يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه، فلا يوجد إكراه أو جبرية عند الخطاة على فعل الشر، بل هم يحبونه فعلاً ويمارسونه عن طيب خاطر. كما يُوضِّح أن الخطية هي فعل إراديّ محض، وليس فعل موروث تتوارثه الأجيال من آدم وحواء عن طريق التناسل والتزاوج الجنسيّ الدنس، كما يُنادِي أوغسطينوس وأتباعه كالتالي:

ثيوناس: […] لأنه كيف يمكن أن ينطبق على الخطاة هذا القول: ’لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فأياه أفعل‘؟ أو ’فإنْ كُنتُ ما لست أُرِيده فأياه أفعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ‘؟! لأنه أيّ خاطئ يُدنِّس نفسه كُرهًا بالفجور والزنا؟! مَنْ منهم بغير إرادته يصنع مكائد ضد قريبه؟! مَنْ منهم تُلزِمه الضرورة أن يظلم إنسانًا شاهدًا عليه بالزور، أو يغشه بسرقةٍ، أو يطمع في ممتلكات آخر، أو يسفك دمه؟! كلا! بل يقول الكتاب المقدَّس: ’تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21). لأنه إلى هذه الدرجة يلتهب قلبهم بحب الخطية والشهوة راغبين في تنفيذ ما يحبونه، مُترقِبين باهتمامٍ شديدٍ أن يتمتعوا بشهواتهم ’ومجدهم في خزيهم‘ (في 3: 19). وكما يُؤكِّد إرميا النبي أنهم يرتكبون آثامهم الخبيثة لا بإرادتهم أو بانشراح قلب فحسب، بل ويبذلون جهودًا شاقةً محتملين أتعابًا في تنفيذها […] إذ يقول: ’تعبوا في الافتراء‘ (إر 9: 5). أيضًا مَن يقول أن هذه العبارة: ’بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ تنطبق على حالة الخطاة الذين لا يخدمون الله لا بالذهن ولا بالجسد؟ إذ كيف يستطيع الذين يخطئون بالجسد أن يخدموا الله بالذهن إنْ كان الجسد يقبل إغراء الخطية من القلب، إذ يُعلِن خالق الاثنين [الذهن والجسد] أن القلب هو أصل الخطية ومنبعها قائلاً: ’لأن مِن القلب تخرج أفكار شريرة قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف‘ (مت 15: 19)؟! على أيّ الأحوال يظهر بوضوحٍ أن هذه العبارات لا يمكن أن تنطبق على الخطاة الذين لا يكرهون الشر فقط، بل ويحبونه فعلاً، وهم بعيدون جدًا عن خدمة الله بالذهن أو الجسد، حتى أنهم يخطئون بالذهن قبل أن يخطئوا بالجسد، وقبل أن يُتمِّموا ملذات الجسد تقهرهم الخطية في ذهنهم وأفكارهم“.[26]

سينرجيا النعمة والأعمال

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان مرةً أخرى على المبدأ الأرثوذكسيّ بتأزر النعمة والأعمال معًا من أجل تحقيق الخلاص، على العكس من أوغسطينوس الذي ركَّز على عمل النعمة الإلهية والمشيئة الإلهية أكثر من أهمية الأعمال وحرية الإرادة البشرية في التعاون والتآزر مع النعمة والمشيئة الإلهية قائلاً:

بفنوتيوس: […] ما أقوله هذا لا يعني أننا نستهين بغيرتنا وجهودنا ونشاطنا كأنها غير ضرورية، أو نستخدم الحماقة، بل ينبغي علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهِد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أيّ نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى، ما لم تُوهَب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية […] فكم غباوة وشر أن ننسب الأعمال الصالحة إلى جهادنا الذاتيّ وليس إلى نعمة الله وعنايته، وهذا ما وَضِّح بجلاءٍ في قول الرب حيث أعلن بأنه لا يقدر أحد أن يُظهِر ثمار الروح بدون وحيه وعونه. لأن ’كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار‘ (يع 1: 17)“.[27]

ويشير ق. يوحنا كاسيان إلى ضرورة التعاون والتآزر بين النعمة والأعمال، وأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية، بل تعمل في تناغم وانسجام مع النعمة الإلهية كالتالي:

بفنوتيوس: […] تنفيذ الأعمال الصالحة هو هبة من الله في نفس الطريق […] ومع ذلك فنحن نستحق الجعالة [المكافأة] أو العقاب، لأنه يمكننا أن نجتهد أو نُهمِل في تفاعلنا مع عمل الله وترتيب العناية الإلهية الموضوعة من أجلنا باهتمامٍ عظيمٍ. […] لقد أعلن الكتاب بأن العطية الإلهية الخاصة بالحرية ليست إجبارية وهي أن يأتي بهم إلى أرض الميعاد […] لكن في مقدورهم أن يُخالِفوا ذلك. من هذا نستطيع أن نرى بوضوحٍ ما ننسبه لإرادتنا الحرة، وما ننسبه لمواعيد وعلامات العناية الإلهية الدائمة. ففرص الخلاص والتدابير الناجحة والنصرة تخص النعمة الإلهية، ونحن علينا إمَّا أن نُطيع بشغفٍ أو نُهمِل البركات الممنوحة لنا مِن قِبل الله“.[28]

ويُشدِّد ق. يوحنا كاسيان على مبدأ السينرجيا بين عمل النعمة والأعمال البشرية الصالحة والجهاد البشريّ، مُوضِّحًا أنه عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، فإننا نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُساعِد المجاهدين والمكافحين، فليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ بدون معونة الله كالتالي:

ليست أتعاب الجسد ولا ندامة القلب في ذاتها كافيتين للحصول على طهارة الإنسان الداخليّ حتى يمكننا أن نحصل على فضيلة النقاوة العظيمة (الموجودة فطريًا في الملائكة كسكان السماء، لا بواسطة المجهود البشريّ وحده بدون معونة الله) لأن إتمام كل شيء حسن يفيض من نعمته. مَنْ منَّا بكثرة فضله يُخوِّل مثل هذه البركة الأخيرة وهذا المجد العظيم بإرادتنا الضعيفة وسبيل حياتنا القصيرة الزهيدة؟! […] عندما نقول إن المجهود البشريّ لا يستطيع بمفرده أن يحمينا بدون مساعدة الله، نُصرّ على أن مراحم الله ونعمته هي التي تُخوِّل هؤلاء الذين يجاهدون ويكافحون استعمال تعبير الرسول لهم ’نريد ونسعى‘ […] لكن السؤال والطلب والقرع من جانبنا لا يكفي ما لم تُعطنا رحمة الله ما ينبغي أن نسأله، وتفتح الباب الذي نقرعه، وتُؤهِّلنا أن نأخذ ما نطلبه. مِن جانبه يمنح كل الأشياء فقط إذَا أُعطِيَت له الفرصة برغبتنا الخاصة، لأنه يرغب ويبحث عن كمالنا وخلاصنا أكثر وأبعد مما نُريد نحن أنفسنا“.[29]

ويشير الأب شيريمون أيضًا إلى تعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا البشرية من أجل نفعها، وتساعدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، حيث تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، فلا تبدو أنها تهب عطاياها للإنسان الخامل المتراخي كالتالي:

شيريمون: […] هكذا تتعاون النعمة على الدوام مع إرادتنا لأجل نفعها، وتُساعِدها في كل شيء، وتحميها، وتُدافِع عنها، وذلك بطريقة يظهر فيها أنها تبحث عن بعض الجهاد الذي للإرادة الصالحة، حتى لا تبدو أنها تهب عطايا للإنسان الخامل المتراخي. وهي تبحث عن فرص لكي تكشف للإنسان الخامل أنه باستكانته يفقد جود النعمة. مع هذا تُحسَب النعمة مجانيةً، لأنه من أجل جهادٍ تافهٍ تُمنَح بغنى أمجاد الخلود التي لا تُقدَّر وبركات الأبدية“.[30]

عدم سماح الله بالشر

ينفي ق. يوحنا كاسيان من خلال مناظرة الأب ثيؤدور [تادرس] فكرة سماح الله بالشر وفرضه على أحد القديسين سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق آخرين، حيث يدحض بذلك فكرة أوعسطينوس عن استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للشر كالتالي:

ثيؤدور: […] الاحتفاظ بهذا التمييز الواضح الثابت وتلك المعرفة، بأنه ليس خيرًا إلا الفضيلة وحدها، ولا يُحسَب شيء شريرًا سوى الخطية وحدها والانفصال عن الله، هذا يجعلنا نُدرِك بكل حرص: هل الله يسمح للشر أن يُفرَض على قديسيه مُباشرةً، أو عن طريق آخرين؟ بالتأكيد لا يمكن أن يحدث هذا. إذ لا يفرض أحد شر الخطية على آخر قهرًا. إنما يحدث هذا خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة. لقد استخدم الشيطان كل حيله الشريرة ضد أيوب الطوباويّ مُحاوِلاً أن يفرض عليه شر الخطية، فلم يقطع عنه فقط الاحتياجات الزمنية، بل وحاول أن يُرعِبه بكل مصائب الحرمان التي لم تكن متوقعة، كموت أولاده السبعة، وإصابته بقروحٍ مميتةٍ، وعذابات لا تُطاق من رأسه حتى أخمص قدميه، لكن أيوب بقي في هذا كله ثابتًا غير مُجدِّف“.[31]

مفهوم العقوبة الإلهية

ينفي ق. يوحنا كاسيان عن الله أن يكون هو علة الشرور التي تحدث في البشرية، بل يرى أنه حينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، فإنه يتكلَّم معهم بحسب لغتهم ومشاعرهم البشرية، ويوضح أن هناك أمور ليست صالحة ولا شريرة في ذاتها، بل هي صالحة من ناحية، وشريرة من ناحية أخرى كالتالي:

جرمانيوس: كثيرًا ما نقرأ في الكتاب المقدَّس أن الله خلق الشر وجلبه على البشر، كما جاء في هذه العبارة: ’ليس غيري. أنا الرب وليس آخر. مصوِّر النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر‘ (إش 45: 6، 7). وأيضًا: ’هل تحدث بلية في مدينةٍ والرب لم يصنعها؟‘ (عا 3: 6). ثيؤدور: اعتاد الكتاب المقدَّس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصليّ. فيستخدم كلمة ’الشرور‘ عن ’الأحزان والضيقات‘، ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَنْ تحلّ بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يَعتبرونها شرًا. فحينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، يتكلَّم معهم حسب مشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كيّ الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس والسوط يكون مُفيدًا للحصان الجامح. ويُعتبر التأديب مرًا بالنسبة للمودِّبين، إذ يقول الرسول: ’ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأمَّا أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ للسلام‘ (عب 12: 11)، ’الذي يحبه الرب يُؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله فأيّ ابنٍ لا يُؤدِّبه أبوه؟!‘ (عب 12: 6، 7). لذلك فقد أُعتيد أن تُقال كلمة ’شرور‘ عوض عن ’الحزن‘ […] أننا لا نستطيع أن نزعم بأن هذه الأمور شريرة في ذاتها، لأنها تعمل في كثيرين للخير، مُقدِّمةً لهم فرصًا للبركة الأبدية. وبذلك فنحن نعود إلى السؤال الذي وُجِّهَ إليَّ: فأقول بأن كل هذه الأشياء التي قد جلبها علينا أعداؤنا ويُظن أنها شر، لا يمكن اعتبارها شرًا، بل هي في حد ذاتها ليست شرًا ولا خيرًا. نقول في النهاية بأننا لا ننظر إلى هذه الأشياء حسبما يريد مَن صنعها أثناء ثورته وغضبه، إنما ننظر بالنسبة للذين يحتملونها. فإذَا ما لحِقَ قديس قتلاً، ينبغي علينا ألا نظن أنه قد لحِقَه شر، بل ما هو ليس بخيرٍ أو شرٍ، فيُعتبر شرًا بالنسبة للرجل الشرير، وراحةً وتحريرًا من الشرور بالنسبة للصالحين“.[32]

دحض التعليم بالنفس المولودة

لقد علَّم أوغسطينوس أثناء مواجهته للهرطقة البيلاجية بتعليم النفس المولودة من نفس آدم عن طريق العلاقة الجنسية بين الوالدين، وهكذا تُولَد النفس من الوالدين حاملةً لخطية آدم الأصلية ولكن يدحض الأب سيرنيوس هذا الاعتقاد الخاطئ، مُؤكِّدًا على أن الله يخلق نفسًا جديدةً لكل إنسان، وأن النفس لا تُولَد من العلاقة الجنسية بين الوالدين، ويشير إلى أن الجسد أو اللحم هو الذي يُولَد من الأبوين عن طريق التناسل، بينما الروح مخلوقة من الله أبي الأرواح وفاطرها كالتالي:

سيرنيوس: لأنه كما قُلنا منذ برهة قليلة، الروح لا تلد روحًا، تمامًا مثلما لا تقدر النفس أن تلد نفسًا، على الرغم من أننا لا نشك في أن مجموع اللحم [الجسد] يتكوّن من نسل الإنسان، حسبما يُميِّز الرسول بوضوحٍ بين كل مِن الجوهرين، أعني اللحم [الجسد] والروح، ما يُنسَب إلى كل منهما كفاطر له، ويقول: ’وقد كان لنا آباء أجساد مؤدبين، وكُنا نهابهم. أ فلا نخضع بالأولى جدًا لأبي الأرواح فنحيا‘ (عب 12: 9). فماذا يمكن أن يُظهِر بأكثر وضوح التمييز، عن أن يُقرِّر أن البشر هم آباءٌ لحمنا. ولكنه يُعلِّم دومًا أن الله وحده هو أبو النفوس [أي خالقها] وفاطرها. على الرغم من أنه حتى في هذا الجسد الفعليّ، فإن وظيفة الخدمة وحدها هي التي تُعزى إلى البشر، ولكن الجزء الرئيسيّ في تكوينه [أي النفس] إلى الله خالق الكل، كما يقول داود: ’يداك صنعتاني وأنشأتاني‘ (مز 119: 73). ويقول المبارك أيوب: ’ألم تصبني كالجبن. كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ‘ (أي 10: 10، 11). ويقول الرب لإرميا: ’قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك‘ (إر 1: 5). ولكن يجمع سفر الجامعة بوضوحٍ ودقة شديدة طبيعة كل جوهر وبداياته ويفحص النشوء والبدايات التي نشأ منها، ويتمعن في النهايات التي يصل إليها كل منهما، ويقر أيضًا التقسيم إلى جسدٍ ونفسٍ. ويقول ما يلي: ’فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها‘ (جا 12: 7). ماذا يمكن أن يُقال بأكثر وضوح من الإعلان بأن مادة اللحم التي شكَّلها هي تراب، لأنها تنبع من نسل البشر، وتبدو أنها زُرِعَت بواسطته. ولذلك بما أنها مأخوذة من الأرض، يجب أن ترجع ثانيةً إلى الأرض. بينما يُوضِّح أن الروح التي لم تُولَد بالمعاشرة الجنسية، ولكنها تنتمي إلى الله وحده بطريقةٍ خاصةٍ تعود إلى خالقها؟ وهذا أيضًا متضمن في نسمة الله تلك التي نال بها آدم الأول حياته“.[33]

ماهية الغضب الإلهي

بينما يُعلِّم أوغسطينوس، في سياق نظرته القانونية لتدبير الخلاص، بأن الغضب الإلهيّ هو غضب قضائيّ قانونيّ تنتقم فيه العدالة الإلهية من البشرية، ينادي كاسيان بأن الله لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر كالتالي:

شيريمون: […] أمَّا المحبة فتتعلق بالله، وبالذين نالوا في داخلهم أن يكونوا على صورة الله ومثاله. لأن الله وحده هو الذي لا يصنع الصلاح خوفًا ولا ابتغاءً كلمة شكر أو نوال جزاءً، إنما يصنع الصلاح ببساطةٍ من أجل محبة الصلاح. وذلك كقول سليمان: ’الرب صنع الكل لغرضه‘ (أم 16: 4). فبصلاحه يُغدِق بالخير على المستحقين وغير المستحقين، لأنه لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر“.[34]

غاية الله خلاص الكل

يُشدِّد الأب شيريمون -في محاورته مع جرمانيوس صديق القديس يوحنا كاسيان، الذي رافقه في محاوراته مع آباء البرية المصرية- على أن غاية الله من خلقة الإنسان هي ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، فالله صادق ولا يكذب في أقواله وعهوده، ولكن الذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، إذ أن نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وتريد أن تُخلِّص جميع الناس كالتالي:

شيريمون: […] لأن غاية الله من خلقته ألا يهلك الإنسان، بل يحيا إلى الأبد، وهذه الغاية لا تزال كما هي، وإذ يرى أن يشع فينا صلاحه ولو بشرارةٍ خفيفةٍ من الإرادة الصالحة، فإنه يُضرِمها كما لو كانت خارجةً من الحجر الصوان الصلد لقلوبنا. إنه يُثيرها ويتعهدها ويُقويها بنسمته، ’الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون‘ (1تي 2: 4). لأنه ’هكذا ليست مشيئة أبيكم الذي في السموات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار‘ (مت 18: 14). الله صادق ولا يكذب إذ يُقسِم قائلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب أني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا. ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة. فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل؟!‘ (حز 33: 11). إنه لا يريد أن يهلك أحد أصاغره، فكيف لا نكون مُجدِّفين إنْ كُنا نتصوَّر أنه لا يريد كل البشر أن يخلصوا بل بعضهم؟! فالذين يهلكون، إنما يهلكون بغير إرادته، وهو يشهد ضد كل واحد منهم يومًا فيومًا قائلاً: ’ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة، فلماذا تموتون‘ (حز 33: 11). وأيضًا ’كم مرة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا‘ (مت 23: 37) […] إذًا، نعمة المسيح حاضرة بين أيدينا في كل يوم، وإذ هي تريد أن ’جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون‘، تدعو الجميع دون استثناء قائلةً: ’تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيليّ الأحمال وأنا أُريحكم‘ (مت 11: 28) […] وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“[35]

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من بحثنا السابق عدم وجود منظومة التعليم الأوغسطينيّ عن وراثة الخطية الأصلية وعن النعمة في تعليم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية، بل على العكس، نجد ق. يوحنا كاسيان وآباء الرهبنة المصرية في عصره يرفضون ويدحضون تعليم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس. فلا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة ذنب آدم، ولا نجد التعليم بخطية الطبيعة الموروثة، ويرفض كاسيان عقيدة سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، وعقيدة الضمان الأبديّ وعدم هلاك المؤمن. ويدحض كاسيان أيضًا ومعه آباء البرية المصرية العظام التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة بالشر والعجز التام والشامل للإرادة البشرية عن فعل الخير بعد السقوط، ونرى أن مفاهيم الغضب الإلهيّ والعقوبة الإلهية القضائية مختلفة تمامًا في تعليم ق. يوحنا كاسيان عنه في تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو عن الغضب الإلهيّ القانونيّ لتحقيق العدالة الإلهية، وعن العقوبة الإلهية القانونية. لا نرى في تعليم ق. يوحنا كاسيان استخدام الله للشيطان والشر كأداة عقابية للبشر كما هو موجود في تعليم أوغسطينوس. لا نجد في تعليم ق. يوحنا كاسيان وراثة الخطية الأصلية عن طريق النفس المولودة من العلاقة الجنسية بين الوالدين، كما علَّم أوغسطينوس بذلك في سياق تعليمه عن انتقال الخطية الأصلية من نفس آدم رأسًا إلى ذريته عن طريق توالد النفس من العلاقة الجنسية للأبوين. بل يرفض ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية فكرة النفس المولودة، ويَعتبرون أن ذلك التعليم هو هرطقة تجسيم اللاهوت، التي تجعل من صورة الله غير المادية في النفس الإنسانية شيئًا ماديًا يتناقل عن طريق التناسل والتزاوج بين الوالدين. كما لا نجد في مفهوم ق. يوحنا كاسيان عن الخطية الجدية التعليم بانتقال الخطية الأصلية جسديًا عن طريق العلل البذرية الجسدية من آدم إلى ذريته عن طريق العلاقة الجنسية والشهوة الجنسية الشريرة، كما علَّم أوغسطينوس بذلك.

يُؤكِّد ق. يوحنا كاسيان ومعه آباء البرية المصرية، على العكس من تعليم أوغسطينوس، ببقاء الإرادة الحرة في الإنسان بعد السقوط، وقدرة الإنسان على الاختيار بين الخير والشر، كما يُشدِّدون على المبدأ الأرثوذكسيّ بتآزر أو تعاون أو تناغم أو انسجام النعمة والجهاد البشريّ من أجل تحقيق الخلاص، ولم يُشدِّدوا، كما شدَّد أوغسطينوس، على ضرورة المبادرة من الله فقط، بل قالوا إن المبادرة تأتي من الاثنين في نفس الوقت بالتبادل، أي الله والإنسان، من أجل فعل الصلاح، فمن الممكن أن يُبادِر الله من أجل الإنسان، ومن الممكن أن يُبادِر الإنسان ويطلب معونة الله وقوته من أجل فعل الصلاح.

[1] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 7-10.

[2] Comm. in Matth. hom. 15: 1; PG 58: 471.

[3] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، ص 52، 53.

[4] عبد المسيح اسطفانوس (قس)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، ص 277، 278.

[5] المرجع السابق، ص 279.

[6] المرجع السابق، ص 279.

[7] مايكل باركر (قس)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، ص 109، 110.

[8] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المؤسسات 7: 3، ص 462، 463.

[9] المرجع السابق، المؤسسات 7: 4، 5، ص 463، 464.

[10] المرجع السابق، المناظرة 7: 4، ص 169، 170.

[11] المرجع السابق، المناظرة 7: 3، ص 169.

[12] المرجع السابق، المؤسسات 12: 18، ص 555.

[13] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 397.

[14] المرجع السابق، المناظرة 23: 11، ص 398.

[15] المرجع السابق، المناظرة 23: 16، ص 402، 403.

[16] المرجع السابق، المناظرة 23: 12، ص 398.

[17] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399.

[18] المرجع السابق، المناظرة 23: 13، ص 399، 400.

[19] المرجع السابق، المناظرة 23: 15، 16، ص 400-402.

[20] المرجع السابق، المناظرة 3: 11، 12، ص 124، 125.

[21] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260.

[22] المرجع السابق، المناظرة 13: 11، ص 259، 260.

[23] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 260، 261.

[24] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[25] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 262.

[26] المرجع السابق، المناظرة 23: 1، ص 390.

[27] المرجع السابق، المناظرة 3: 15، 16، ص 126، 127.

[28] المرجع السابق، المناظرة 3: 19، ص 128، 129.

[29] المرجع السابق، المؤسسات 12: 11، 14، ص 550، 551.

[30] المرجع السابق، المناظرة 13: 12، ص 263.

[31] المرجع السابق، المناظرة 6: 4، ص 156.

[32] المرجع السابق، المناظرة 6: 5، ص 156، 157.

[33] يوحنا كاسيان (قديس)، المحاورات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة: موقع االكنوز القبطية، )، المحاورة 8: 25: 1، ص 425-427.

[34] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته، كتاباته، أفكاره)، (القاهرة، 1997)، المناظرة 11: 6، ص 237.

[35] المرجع السابق، المناظرة 13: 7، ص 254، 255.

 

الخطية الجدية عند القديس يوحنا كاسيان – د. أنطون جرجس عبد المسيح

المسيا هو الغصن من جذع يسى .. الحال عليه روح الرب

قال يسوع حينما دفع اليه سفر اشعياء ليقرا
17 فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ:
18 «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ،
19 وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ».
20 ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ، وَجَلَسَ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ.
21 فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ».

لنرى اقوال اليهود عن المسيا الغصن الحال عليه روح الله

وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ،
مدراش رباه

What is the name of the King Messiah?… ‘Did I not tell you at his coming [the Temple] was destroyed and at his coming it will be rebuilt’? R. Abun said: Why should I learn this from an Arab when there is an explicit text wherein it is stated, And Lebanon shall fall by a mighty one (Isa. X, 34), which is followed by, And there shall come forth a shoot out of the stock of Jesse, and a twig shall grow forth out of his roots (ib. XI, I).

.

مدراش على المزامير

… Another comment on Give the king Thy judgments O God, and Thy righteousness: here king means the King Messiah, of whom it is said And there shall come forth a shoot out of the stock of Jesse … And the spirit of the Lord shall rest upon himAnd he shall not judge after the sight of his eyes, neither decide after the hearing of his ears; but with righteousness shall he judge the poor, and decide with equity for the meek of the land (Isa. 11:1a, 3b–c, 4a).

 

ترجوم يوناثان للانبياء

And a king shall come forth from the sons of Jesse, and the Messiah shall be anointed from among his children’s children. And upon him shall rest the spirit of divine prophecy, the spirit of wisdom and sagacity, the spirit of counsel and might, the spirit of knowledge and fear of the Lord. And the lord shall bring him near to the worship of Him. He shall not judge according to the sight of his eyes, not shall he reprove according to the hearing of ears. But he shall judge the poor in truth, and shall reprove in faithfulness for the needy of the people. He shall smite the guilty of the land with the word of his mouth, and with the speech of his lips he shall slay Armilus the wicked. The righteous shall surround him, and the faithful shall be near him.

 

وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.

التلمود البابلى

R. Tanhum said: Bar Kappara expounded in Sepphoris: What is meant by,These six of barley gave he to me? What are ‘six of barley’? Shall we say it is meant literally? But was it Boaz’s practice to give [only] six barley grains? [93b] But [if it means] six se’ahs, can a woman take six se’ahs?—But he symbolically intimated to her [by giving her six barley grains] that six sons were destined to come forth from her, who should each be blessed with six blessings. Viz, David, Messiah, Daniel, Hananiah, Mishael and Azariah. David, for it is written, Then answered one of the servants, and said, Behold, I have seen a son of Jesse, the Bethlehemite, that is cunning in playing, and a mighty valiant man, and a man of war, and understanding in matters, …

 

The Messiah—as it is written, And the spirit of the Lord shall rest upon him, the spirit of wisdom and understanding, the spirit of counsel and might, the spirit of knowledge of the fear of the Lord. And shall make him of quick understanding[wa-hariho] in the fear of the Lord.

 

مدراش رباه التكوين

AND THE SPIRIT OF GOD HOVERED: this alludes to the spirit of Messiah, as you read, And the spirit of the Lord shall rest upon him (Isa. XI, 2).

Huckel, T. (1998). The Rabbinic Messiah (Is 11:3). Philadelphia: Hananeel House.

مدراش رباه العدد

 

.

 

Another reason why attudim is written in full and the other word with a superfluous waw. It alludes to the six sons descended form Nahshon who were possessed of six blessings. They are the following: David, the Messiah, Daniel, Hananiah, Mishael, and Azariah. How do we know it of David? Because it is written, ‘Skilful in playing’, etc. (I Sam. XVI, 18). ‘The Messiah’? Because it is written, And the spirit of the Lord shall rest upon him; the spirit of wisdom and understanding (Isa. XI, 2

 

مدراش رباه راعوث

 

R. Judah b. Simon said: The meaning is that as a reward for, AND HE MEASURED SIX BARLEYS AND LAID [THEM] ON HER, he was vouchsafed that there should arise from her six righteous men, each one of them possessing six outstanding virtues, viz. David, Hezekiah, Josiah, Hananiah, Mishael and Azariah, Daniel, and the Messiah … The Messiah, as it is said, And the spirit of the Lord shall rest upon him, the spirit of wisdom and understanding, etc. (Isa. XI, 2).

.

3 وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ،

التلمود البابلى

R. Tanhum said: Bar Kappara expounded in Sepphoris: What is meant by,These six of barley gave he to me? What are ‘six of barley’? Shall we say it is meant literally? But was it Boaz’s practice to give [only] six barley grains? [93b] But [if it means] six se’ahs, can a woman take six se’ahs?—But he symbolically intimated to her [by giving her six barley grains] that six sons were destined to come forth from her, who should each be blessed with six blessings. Viz, David, Messiah, Daniel, Hananiah, Mishael and Azariah. David, for it is written, Then answered one of the servants, and said, Behold, I have seen a son of Jesse, the Bethlehemite, that is cunning in playing, and a mighty valiant man, and a man of war, and understanding in matters, …

 

The Messiah—as it is written, And the spirit of the Lord shall rest upon him, the spirit of wisdom and understanding, the spirit of counsel and might, the spirit of knowledge of the fear of the Lord. And shall make him of quick understanding[wa-hariho] in the fear of the Lord.

.

مدراش على المزامير

Another comment on Give the king Thy judgments O God, and Thy righteousness: here king means the King Messiah, of whom it is saidAnd there shall come forth a shoot out of the stock of Jesse … And the spirit of the Lord shall rest upon him … And he shall not judge after the sight of his eyes, neither decide after the hearing of his ears; but with righteousness shall he judge the poor, and decide with equity for the meek of the land (Isa. 11:1a, 3b–c, 4a).

.

 

 

.

4 بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ.

التلمود البابلى

Raba said: He smells [a man] and judges, as it is written, and he shall not judge after the sight of his eyes, neither reprove after the hearing of his ears, yet with righteousness shall he judge the poor.

(Bar Koziba reigned two and a half years, and then said to the Rabbis, ‘I am the Messiah.’ They answered, ‘Of Messiah it is written that he smells and judges: let us see whether he [Bar Koziba] can do so.’ When they saw that he was unable to judge by the scent, they slew him

مدراش راباه راعوث

The fifth interpretation makes it refer to the Messiah … AND THEY REACHED HER PARCHED CORN, means that he will be restored to his throne, as it is said, And he shall smite the land with the rod of his mouth (Isa. XI, 4).

.

مدراش على المزامير

Should it be reported to the lord Messiah in the time-to-come, “A certain land is in rebellion against thee,” He will say, “Let locusts come and smite it,” as is said He shall smite the land with the rod of his mouth (Isa. 11:4).

.

المسيا هو الغصن الخارج من يسى الحال عليه روح الله روح الحكمة روح المشورة والقوة


رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ.

Pəsiqtâ də-Raḇ Kahănâ, Supplement 5, 4.
… Also “beautiful upon the mountains” is the harbinger of good tidings (Isa. 52:7), namely, Isaiah, who said of himself, “The spirit of the Lord God is upon me, because the lord hath anointed me to bring good tidings unto the humble” (Isa. 61:1).

Huckel, T. (1998). The Rabbinic Messiah (Is 61:1). Philadelphia: Hananeel House.

.

انتهى……

المرشد الروحي – أبوة الخادم – الخدمة روح أبوة وأمومة

المرشد الروحي – أبوة الخادم – الخدمة روح أبوة وأمومة

المرشد الروحي – أبوة الخادم – الخدمة روح أبوة وأمومة

المرشد الروحي – أبوة الخادم – الخدمة روح أبوة وأمومة

 

[لأنه وإن كان لكم ربوات من المُرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل] (1كورنثوس 4: 15)

[يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم] (غلاطية 4: 19)

[كنا مترفقين في وسطكم كما تُربي المرضعة أولادها، هكذا إذ كنا حانَّين إليكم كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط بل أنفسنا أيضاً، لأنكم صرتم محبوبين إلينا] (1تسالونيكي 2: 7، 8)

الخادم (أو الخادمة) المؤتمن على الخدمة في الكنيسة وعلى الأخص لو كانت خدمة الأطفال (وطبعاً الكبار أيضاً) لابد من أن يحمل روح الأبوة في داخله من الله، لأن حينما يُعلن الخادم عن أبوة الله للمخدوم، فلابد من أن تنبع من داخله كقوة ممنوحة له من الله تحمل في داخلها قوة الله، لكيلا يكون كلامه لفظي بل فعل إلهي يشع منه، لأن الأبوة ليست كلام ولا ألفاظ ولا عظات ولا مُسميات، بل قوة تشع من الداخل، قوة تم استلامها من رب المجد يسوع المسيح شخصياً كهبة وعطية من الروح القدس.

فمن هو الأب الروحي الحقيقي: الأب الروحي الحقيقي الذي من الله، هو الذي يفتدي أولاده بحياته باذلاً نفسه من أجلهم حتى الموت، والأبوة الحقيقية بهذه الصورة نراها قوية ساطعة في أبوة الله لنا إذ بذل ذاته في ابنه حتى الموت موت الصليب وافتدانا من الموت لنحيا له!

والمسيح الرب نفسه سلمنا روح الأبوة في شخصه الحي، إذ بذل نفسه وأخلى ذاته واحتمل الآلام وأطاع حتى الموت موت الصليب، لكي يفدينا من الموت ويحضرنا أمام أبيه أحياء وبلا لوم فيه، وبذلك أظهر نحونا روح أبوة الآب الحقيقية، ثم أعطانا جسده ودمه وروحه لكي نأخذ عيَّنة هذه الأبوة في هذا البذل وقوة الحب القادر أن يجعلنا آباء نحتمل الآلام حتى الموت من أجل الآخرين أيضاً كما صنع هو تماماً من أجلنا، إذ أطاع الآب الذي بذله إلى الموت موت الصليب.

وبهذا صار لنا في المسيح الرب إمكانية الأبوة، لا كأنها بقدراتنا الشخصية ولا بإرادتنا أو تقوانا، ولكن بقوة من مات وقام من أجلنا ووهبنا روح البنوة التي بها نقول أبا أيها الآب بالروح، ولكي نصير بدورنا آباء لأبناء نخدمهم بنفس ذات الروح

والخادم الحقيقي يُسلم روح البنوة لمن يخدمهم معلناً لهم أن الله أباً لهم، بإشراق روح الأبوة من خلاله، وبالطبع لن تظهر فيه روح الأبوة إلا لو حسب نفسه رخيصة عنده (أعمال 20: 24)، غير محسوب عند ذاته، قادراً أن يبذل نفسه بفرح بقوة المسيح الرب الذي فيه، وذلك بغرض وهدف خلاص الآخرين، لا عن شجاعة شخصية أو افتخار أو مجرد شعور أنه يؤدي خدمة عظيمة لأولاده الذين يخدمهم كأب.

أو كخادم عظيم يفهم ويعرف كيف يخدم لأن عنده الخبرة والمعرفة والفهم والقدرة على الكلام أو الترتيب والنظام، أو له المقدرة على ابتكار الدروس وتنوعها أو له القدرة على التفكير بمنطق وله كل المعرفة والدراسات الوافية، أو له فكر فلسفي عميق، أو عنده قدرة بالغة على التأمل، أو شديد الجاذبية من جهة شخصيته أو لأنه كبير في السن وعنده أولاد رباهم، أو بسبب أن له خبرة في الحياة لا يُستهان بها… الخ.

 

الخادم له أن يعيش بما أخذ من الله (بدون زيادة أو نُقصان) مقدماً خدمة لمن ائتمنه الله على خدمتهم بكل حنان الأبوة الحانية، ناسياً ما هو لذاته وكرامته الشخصية، ذاكراً فقط ضرورة خلاصهم، فكل إنسان في المسيح يسوع دخل في السيرة الروحانية وتأصل في معرفة الله وحياة التوبة، يصير في المسيح أباً رحيماً لا بكبرياء الأبوة الكاذبة المصطنعة التي حسب كبرياء الناس، بل برفق وحنان ورحمة ورأفة ربنا يسوع [كنا مترفقين في وسطكم كما تُربي المرضعة أولادها، هكذا كنا حانَّين إليكم] (1تسالونيكي 2: 7و 8)

يا إخوتي الخُدام والخادمات لا تقدموا للأطفال أو حتى لأي شخص ما، ألفاظاً وكلمات مجردة من روحها فيكم، فأن أردتم أن تسلموا الأولاد – أو أياً من تخدموه – أبوة الله، سلموها من خبراتكم الروحية الأصيلة بالروح والحق الذي فيكم، لأنكم أن لم تسمحوا لأبوة الله أن تشع منكم فستصير خدمتكم عبارة عن ألفاظ وكلام خارج من الفم وليس فيها روح ولا حياة، أو تصير أبوة من ناحية عاطفة الجسد، وتصير نظرية روحية تتغير وفق الأحوال التي نراها أو حالتنا النفسية المتقلبة.

وربما نبحث عن ألفاظاً جديدة لكي نوصل للأولاد فكرة نُريد أن تُستحوذ عليهم، وهذا خطيراً للغاية، لأننا لا نبحث عن ألفاظ وكلمات لنقدم من خلالها تعاليم تخصنا حسب مفهومنا التربوي والنفسي، بل هؤلاء المخدومين أولاداً لله ائتمنا على خدمتهم لنُقدم لهم الله وفق ما يراه الله فقط، وليس حسب ما نراه نحن مما تعلمناه من أصول تربوية ونفسيه وما اكتسبناه من خبرة في القدرة على الكلام والتعبيرات اللفظية واللاهوتية.

فالخادم الصادق هو الذي تلقى من الله مباشرة لوح المعرفة الروحية المنقوش بإصبع الله، أي بفعل الاستنارة في أعماق قلبه من الداخل، ومن المستحيل أن يكون هناك خادم يحمل روح الأبوة نقلاً عن الآخرين، بل يتكلم مما رأى وأحس به في نفسه بنور الله وليس من فكره الخاص:

  • والخادم إن أراد أن يكون أداة مُصالحة مع الآخرين، فلابد أن يكون هو أولاً قد تصالح مع الله وهذا يظهر في محبته حتى للأعداء.
  • والخادم إن أراد أن يُعلِّم الآخرين أنهم أبناء الله بروح الأبوة، فلابد أن يكون هو أولاً يعيش بنوته لله والأبوة تُشع منه تلقائياً دون عناء.
  • والخادم أن أراد أن يُعلِّم الآخرين روح التقوى والوقار ومهابة الله، فلابد أن يكون هو أولاً يعيش بروح التقوى ويهاب الله ويحترمه جداً.
  • والخادم إن أراد أن يُعلِّم طريق التوبة للآخرين، فلابد أن يكون هو أولاً تذوقها ويعيشها ومن خبراته يقدم للآخرين خبرة فرحها الحلو.

يا أحبائي الخدمة ليست كلمات ولا دروس مُنمقة وأبحاث عميقة الفكر ومتسعة المعرفة مُقدمة كمجرد دروس واجب أن نقدمها بحسب ما تعلمناه في إعداد الخدام، وليس فقط حسب ما يوجهنا له أمين الخدمة، ولا ما تقدمه لنا جامعات ومحاضرات لاهوتية عميقة في الفكر والمعنى والمضمون، وليست هي ذكاء العقل وقدرة على الابتكار أو خلق فكر جديد، بل هي ولادة وتسليم وتصوير للمسيح [يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم] (غلاطية 4: 19)

[لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً] (1كورنثوس 11: 23) (طبعاً هنا القديس بولس يتكلم عن الإفخارستيا، ولكن بروح التسليم لأنه لم يُسلم إلا ما هو وفق مشيئة الله وإرادته فقط وبدون زيادة ولا نُقصان بل حسب مشيئة الله وإعلانه كما هو بكل دقة)، وفي الكنيسة نقول [من جيل إلى جيل وإلى دهر الدهور كلها آمين]، فالخادم الأمين الصادق الحقيقي، هو من يحمل روح الأبوة والأمومة معاً وفق الآيات التي ذكرناها، ويُسلم ما استلمه بروح الإلهام وما ناله من نعمه وفق عطية الله كما هي بكل دقة بدون أن يضيف أو يحذف حسب ما يراه هوَّ ولا ما يرتاح إليه نفسياً.

فالأبوة ليست اسماً أو وظيفة ولا حتى صناعة، إنما الأبوة آلام ودموع وسهر وتعب وكدّ واحتمال المشقات، في رأفة، في تعليم، في وعظ، في وداعة، في لطف، في تحنن، في إشفاق، في قدوة فاضلة (2كورنثوس 6: 4 – 10) واليوم كيف يُدعى خادم أو كاهن أو أياً من كان [أب] مهما ما كانت درجته واسمه أو خبرته ومعرفته وهو غير مستعد أن يبذل حياته لأجل الآخرين؟ وكيف يُدعى أحد [أباً] وهو لا يترفق ويحنو ويشفق ويحيا بالوداعة في تواضع المحبة للآخرين؟

وكيف يُدعى أحد بلقب [خادم] (والخادم المفروض يحمل روح الأبوة) وهو لا يستطيع أن يصفح عن الآخرين، وهو يظل يهين البعض ويطرد البعض ويحكم بلا شفقة على البعض، ويتصيد أخطاء البعض ليعزلهم، ويجمع توقيعات بالوشاية لكي يعزل ويبتر أخيه من كنيسة الله الحي، التي هي جسد المسيح الواحد، ولا يحب الخاطئ الذي أحبه المسيح ومات لأجله، أو يُصلي من أجل المخدومين بنشاط وبذل ذاته ووقته؟

وكيف يخدم الإنسان أن لم يحمل في قلبه التعليم الإلهي محفوراً فيه وفي ذهنه؟ وكيف يخدم وهو لا يزال لا يعرف ما الذي يقدمه وفق مشيئة الله وإرادته؟

وإذ كان لي الكثير لأكتبه وأكتب كل ما كتبه الآباء [والذين استوحيت معظم الألفاظ والكلمات منهم] وحسب خبرتي الصغيرة جداً، وفضلت أن أكتب هذه الكلمات القليلة في الموضوع وليس حسب نظرة الناس التي لا تُريد أن تتعلم أصول الخدمة كما سلمها لنا الآباء على مر العصور، ولمن يُريد أن يهتم فلا يقف عند هذه الكلمات بل ليُصلي ويطلب إرشاد الله وتعليمه ليحيا وفق إرادة الله وليس وفق إرادته هو لكي تكون الخدمة من الله ولله.

 

والحكيم الذي له روح إفراز ليُصغي بقلبه ليسمع ما يقوله الروح لا الناس، ومكتوب [أعطي الحكيم فرصة ليزداد]، وليهبنا الله سر مشيئته وتعليمه الإلهي ومعرفته كما يُعلنها هو وليس وفق أفكار الناس وأحاسيسهم الخاصة وأفكارهم حتى لو كانت صحيحة جداً وجميلة للغاية وتتوافق مع أحاسيسنا ومشاعرنا وحدود معرفتنا الخاصة، ولنُصلي بعضنا من أجل بعض دائماً؛ النعمة معكم آمين.

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المرشد الروحي – أبوة الخادم – الخدمة روح أبوة وأمومة

أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله !

ليتنا يا إخوتي ننتبه ونحذر من تصديق كل واحد يقول الرب قال لي أو أن عنده رؤى ومشاهد روحية أو ينقل ويكتب عن معجزات حدثت أو تحدث، لأن كثيرة هي اضطرابات النفس التي تؤدي لأوهام تبدو صالحة ومقدسة من الله، ولكنها من حيل عدو الخير أو حَوَّل روحي داخلي ينشأ من عدة أسباب كثيرة، وقد تؤدي لتعاليم خاطئة، لأن عن طريق تصديق الرؤى والأحلام وبعض المعجزات تنشأ افكار عكس كلمة الله تؤدي لتعاليم خاطئة تُفسد النفس وتسقطها من عمل النعمة، فمبارك من يُصلي دائماً لينال روح التمييز والإفراز جاعلاً كلمة الله مرآته الخاصة التي يرى فيها كل شيء مقارناً الروحيات بالروحيات غير متسرعاً في الحكم على الأشياء بل ينتظر في الصلاة حتى يكتشف الحقيقة بنور الله المُشرق…

فاطلبوا روح إفراز وتمييز من الله لأنه مكتوب: 

  • [ امتحنوا كل شيء تمسكوا بالحسن ] (1تسالونيكي 5: 21)
  • [ أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم ] (1يوحنا 4: 1)

 

أن حيل عدو الخير كثيرة متنوعة، وله قدرة على خداع أي إنسان، وبخاصة من يظن في نفسه أنه وصل لدرجة روحية عميقة، وبخاصة الذين يسعون نحو الرؤى والإعلانات ظناً منهم أنها المرحلة العميقة في الإيمان، لذلك علينا يا إخوتي أن نكثف صلاتنا في طلب التمييز بإلحاح من الله، لأن كثيرين انخدعوا في أحلامهم والرؤى الروحانية التي ظنوا أنها من الله وهي خدعة عدو الخير للنفس التي تسعى نحو الرؤى لأن أصل الكبرياء يُحركها وليست بساطة القلب في الإيمان، فكثيرون انخدعوا في مطالبهم التي يسعون إليها لذلك مكتوب: [ القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه ] (إرميا 17: 9)، ولذلك قال المرنم في صلاته [ أُنظر أن كان في طريقٌ باطلٌ واهدني طريقاً أبدياً ] (مزمور 139: 24)

فكل مشاهدة روحية ينبغي أن تُسترشد بالإيمان المُسلَّم بالإنجيل الظاهر في قوة الرجاء والعامل بالمحبة، فالإيمان والمحبة يجعلنا لا نطلب أن نرى لأنه مكتوب: [ طوبى للذين آمنوا ولم يروا ] (يوحنا 20: 29)، بل علينا أن نترك هذا الأمر تماماً لحكمة الروح القدس الذي يُعطي رؤى وإعلانات حسب القصد الإلهي، أولاً لبنيان النفس الخاص، وثانياً خبره تُقدم للآخرين، فالله قبل تلك المرحلة يُنقي القلب ويهب الحس العقلي المستنير لترى النفس اللامنظور في المحبة المتدفقة في قلبها بالروح القدس…

وعلينا أن نعلم يقيناً أن الله لا يخالف نفسه ولا يضاد أفعاله ولا وصاياه ولا يُعطي شيئاً عكس ما أعلنه في الكتاب المقدس وتم تسليمه من جيلٍ لجيل، لأن النفس المصابة بالحوَّل الروحي لا تقدر أن تُميز الأمور تمييزاً صحيحاً، فتنخدع بالمناظر الروحية التي هي أساسها من عدو كل خير، فينخدع قلبها التي تسترشد به لأنها تفرح بالإعلانات مثل الطفل الذي يفرح بأي شيء يراه في عينيه جميلاً جداً مع أنه أخذه من غريب، ويود أن يريه للجميع مفتخراً بما لديه وأنه ناله من أبويه، مع أن في الواقع أخذه من آخر غيرهم قد خدعه بأنها هدية والديه، وبذلك يعطيه الثقة في نفسه حتى لا يعود مرة أخرى يستقبل كل ما هو صالح، لذلك علينا أن نحذر جداً وننتبه، وأن نطلب الإفراز والتمييز، ولا نفرح برؤى وإعلانات بل نفرح بالتصاقنا بالله الظاهر في تغيير قلبنا بطاعة الوصية وحفظ التعليم المُسلَّم لنا من جيل لجيل بدون أن نضيف شيئاً غريباً بعيد عن روح التعليم، أو ننتقص منه شيئاً أو نخالف ما قد أُعلن لنا في إنجيل الخلاص وبشارة الحياة.

الله يا إخوتي كُلي الصلاح طبيعياً وبما لا يُقاس، أما الإنسان فيُصبح صالحاً فقط بسعيه وعنايته وانتباهه، فالنفس المهتمة بالصالحات تتحد بالله قدر طاقتها بإرادتها حسب نموها الظاهر في طاعتها لكلمة الله وعدم مشاركتها في شرور العالم ورغبات الناس المُدمرة للنفس، مبتعدة عن كل طمع حتى في المشاهد الروحية، وبفعل عمل صلاح الله فيها التي تكتسبه بالصلاة، يتحوَّل الإنسان ويتغير عن شكله بتجديد ذهنه مختبراً إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة، لأن الرسول يقول: [ ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة ] (رومية 12: 2)، وحينما نختبر إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة فأنه لن يخدعنا أحد، لأننا حصلنا على بصيرة نافذة وعقلاً مستنيراً راجحاً أي باختصار لنا فكر المسيح وبذلك لن ننخدع قط…
_______________


[ أيها الأب الوقور (القس المحبوب يوسابيوس)، ثبت الإخوة، وانذر الذين يظنون أنهم يعرفون الأمور السماوية بإعلانات تُخالف ما هو مُسَلَّمٌ لنا في الأسفار المُقدسة، مُتذكرين كلمات الرسول بولس [ إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به، فلتكن هذه البشارة ملعونة ] (راجع غلاطية 1: 8)

وسلام الله الكامل يملك على قلوبكم، ويحفظنا معكم في الإيمان المستقيم. صلوا لنا لكي نُكمل جهادنا، ونرث ملكوت الله الذي وعدنا به الرب يسوع المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين ] (من رسالة الأب صفرونيوس إلى القس يوسابيوس من كتاب الثالوث القدوس توحيد وشركة وحياة – الطبعة الأولى 2010)

جهادنا الصحيح حسب روح الانجيل .

  • جاهدوا أن تقوَّموا نفوسكم بالخضوع لكلمة الله بالصلاة الدائمة طالبين معونة الروح القدس لأن منه تخرج الصلاة الحقيقية لأنه هو فقط المُعين لضعفتنا لأننا لا نعلم كيف ينبغي أن نُصلي؛ فالاتكال على الروح القدس الذي يسكن أوانينا نُصلي حسناً حسب مسرة مشيئة الله، واعلموا أنه بتواضع القلب واعتراف الإيمان الحسن بتقديم النفس كل يوم ذبيحة حية بعبادة عقلية (عاقلة ومتعقلة) تُغفر لكم الخطايا بغسل دم حمل الله رافع خطية العالم؛ لأن بدون إيمان بدم المسيح بحر غسيل الدنسين يستحيل أن تحدث مغفرة إطلاقاً مهما ما قدمنا من توبة حسنة، وبالخضوع للنعمة وطاعة وصية مسيح القيامة والحياة والالتصاق بالله الحي، يحفظكم الله دائماً من معاودة السقوط في نفس الخطايا.

روح الوهيم هو روح المسيا فى الفكر اليهودى.

وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ
וְהָאָרֶץ הָיְתָה תֹהוּ וָבֹהוּ וְחֹשֶׁךְ עַל־פְּנֵי תְהֹום וְרוּחַ אֱלֹהִים מְרַחֶפֶת עַל־פְּנֵי הַמָּיִם׃

من كتاب مدراش راباه Midrash Rabbah
Resh Lakish said Ahor means [Man was created] the last on the last day, and kedem [i.e. foremost] means on the first day. In the opinion of Resh Lakish [that is the meaning], since it is said, And the spirit of God hovered over the face of the waters, i.e. the spirit of the Messianic King

 

Huckel, T. (1998). The Rabbinic Messiah (Ge 1:2). Philadelphia: Hananeel House


 

وروح الله يرف على وجه المياه بمعنى روح الملك المسيانى

روح المسيح(الابن) ازلية :-

 

فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ

 

الرد على: روح الله وتحريف القساوسة لنصوص اليهود – روح ام رياح

الشبهة نصا كالتالي

اقتباس:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عملية التحريف لم تقتصر فقط على تحريف اليهود للتوراة ، وتحريف النصارى لكتبهم ، بل توسعت النصارى في التحريف حتى حرفوا نصوص اليهود .

واليهود نفسهم يؤكدون هذا الأمر ويتهمون النصارى بأنهم حرفوا التوراة بدءاً من تلفيق النبوات عليها إلى آخره .
وهذا نموذج صغير لما قام به النصارى من تحريف في نصوص اليهود



وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. تك 1 : 2

והארץ היתה תהו ובהו וחשׁך על־פני תהום ורוחאלהים מרחפת על־פני המים



والكلمةالملونة ( רוח روح ) تعني في العبرية روح ورياح أيضاً ، لذلك يكون الفيصلفي فهم معنى الكلمة هل هي روح ام رياح هم اليهود أنفسهم ومرجعنا في ذلكعدة شواهد :
· الشاهد الأول : الترجوم الآرامي .
· الشاهد الثاني : الترجمات القديمة مثل سعديا الفيومي وهي اقدم من اي مخطوط كامل للماسورا والنص السامري .
· الشاهد الثالث : المدراش واقوال علماء اليهود .

أولاً بالنسبة للترجوم :
جاءت قراءة ترجوم أونكيلوس كالآتي :
וְאַרְעָא הֲוָת צָדְיָא וְרֵיקָנְיָא וַחֲשׁוֹכָא עַל אַפֵּי תְהוֹמָא וְרוּחָאמִן קֳדָם יְיָ מְנַשְּׁבָא עַל אַפֵּי מַיָּא. [1]

الترجمة :
والأرض كانت خربة وخالية والظلمة على وجه الهاوية ورياح / وروحمن أمام الرب هبت على وجه الماء
.

وهي نفس المشكلة فقد استخدم نفس الكلمة التي جاءت في الماسورا ولكن المدهش في الأمر هو ترجمة هذا النص من العبرية للإنجليزية .
ففي الترجمة الإنجليزية للترجوم ترجمت النص هكذا :

and a wind from before the Lord [2]

فترجم الكلمة إلى رياح وليست إلى روح
.

الشاهد الثاني :
الشاهد الثاني وهي ترجمة الحبر اليهودي العلامة المصري سعديا الفيومي وهي ترجمة عربية كُتبت بحروف عبرية و يعود تاريخها إلى ما قبل أي مخطوط كامل للماسورا ، ترجم النص هكذا :
ואלארץ כאנת גמרה מסתבחר וצלאמ עלי וגה אלגמר וריאחאללה תהב עלי וגה אלמא ‘ ‘

الترجمة :
والأرض كانت غامرة مستبحرة ، وظلام على وجه الغمر ، ورياح الله تهب على وجه الماء .

ثانياً الترجمة العربية للنص السامري لأبي الحسن إسحاق الصوري اليهودي [3] :
والأرض كانت مغمورة ومستبحرة ورياح الله هابة على وجه الماء .

ثالثاُ ترجمة النص السامري لأبي سعيد بن أبي الحسين ابن أبي سعيد السامري [4] :
ورياح الله هابة على وجه الماء .

الشاهد الثالث :
ما جاء في مدراش سفر التكوين على لسان الرابي يهودا بن شمعون :

And God made a wind to pass over the earth .

ففسرها على أنها الرياح ، وللأمانة العلمية جاء في نفس المدراش قولاً للرابي شمعون بن لاقيش يقول :

This alludes to the spirit of Messiah , as you read , And the spirit of the Lord shall rest upon him ( Isa. XI, 2 ) .[5]

الترجمة : وهذا يشير الي روح المسيا مثل ما تقرأ ، وروح الرب سوف تحل عليه ( اش 11 : 2( .


وهذا القوللا أهمية له في وجود الترجمات القديمة والترجوم ، وتعضد هذه الشواهد الأقوال الأخرى للربيين الذين قالوا بأنها رياح.

ونختتم بكلام الرابي شلومو بن يتصحاقي

The Throne of Glory was suspended in the air and hovered over the face of the water with the breath of the mouth of the Holy One, blessed be He and with His word, like a dove, which hovers over the nest, acoveter in Old French, to cover, hover over . [6]



فكما نرى اليهود أصحاب الكتاب كيف يعني النص عندهم وما هو مدلوله وهذا ما يوجزه أنطونيوس فكري في تفسير سفر التكوين وتصريحه بأن اليهود يفهمون النص على أنه ” الريح ” [7] .

وإن كان فهم هذا النص بما قاله اليهود أصحاب النص لا يعطي أي أهمية ، إلا أن اصدقائنا المسيحيين لهم رأي خاص في هذا الموضوع .

فقد تبين لهم أن مثل هذا النص هو الفرصة الذهبية لتدعيم بعض النواحي اللاهوتية .

فقد حرفوا كلام اليهود عن موضعه وأولوا كلمة الرياح إلى الروح .


فهذه ترجمة البشيتا السيريانية تترجم النص على أنه روح الله !!

Now the earth was formless and empty. Darkness was on the surface of the deep. The Spirit of God was hovering over the surface of the waters [8]

وكذلك الفولجات اللاتينية

terra autem erat inanis et vacua et tenebrae super faciem abyssi et spiritus Dei ferebatur super aquas



الترجمة للإنجليزية


And the earth was void and empty and darkness was upon the face of the deep and the spirit of god moved over the waters [9]

موقف الترجمة السبعينية
استخدمت الترجمة السبعينية كلمة πνεῦμα في ترجمتها للنص ، وهذه الكلمة أيضاً تحمل كلا المعنيين السابقين روح ، وريح او رياح

ἡ δὲ γῆ ἦν ἀόρατος καὶ ἀκατασκεύαστος, καὶ σκότος ἐπάνω τῆς ἀβύσσου, καὶ πνεῦμα θεοῦ ἐπεφέρετο ἐπάνω τοῦ ὕδατος.

يقول قاموس سترونج في شرح معناها :

a current of air, that is, breath (blast) or a breeze; by analogy or figuratively a spirit, that is, (human) the rational soul, (by implication) vital principle, mental disposition, etc., or (superhuman) an angel, daemon, or (divine) God, Christ’s spirit, the Holy spirit: – ghost, life, spirit (-ual, -ually), mind.
والترجمات الإنجليزية للسبعينية ترجمة المعني مرة على أنه روح الله ، ومرة على أنه الرياح .
ففي ترجمة برينتون تترجم النص على أنه روح
But the earth was unsightly and unfurnished, and darkness was over the deep, and the Spirit of God moved over the water.[10]


بينما نجد الترجمة الإنجليزية الحديثة للسبعينية تترجمها على أنها الرياح موافقة في ذلك اليهود وتفسيراتهم وترجماتهم :
and a divine wind was being carried along over the water[11]
وهي ترجمة حديثة خلاف ترجمة برينتون الصادرة عام 1851 .


وأياً كان ، فاليهود أصحاب الكتاب – وأكرر هذا – قد شرحوا المعنى وبينوه ولا حاجة لنا في السبعينية أو غيرها في فهم النص وشرحه .


والحمد لله رب العالمين


[1] Comprehensive Aramaic Lexicon: Targum Onqelos to the Pentateuch; Targum Onkelos. Hebrew Union College, 2005; 2005, S. Ge 1:2

[2] The Targums of Onkelos and Jonatahn Ben Uzzel on the Pentateuch P35

[3] التوراة السامرية ترجمة الكاهن أبو الحسن إسحاق الصوري – تقديم الدكتور أحمد حجازي السقا – دار الأنصار .

[4]Secundum Arabican Pentateuchi Samaritani Vresion .

[5] midrsh rabbah translated into English with notes glossary and indies under the editorship of rabbi DR.H Freedman, B.A., PHD. And Maurice Simon M.A with a forword by rabbi DR. I EPstien B.A, PH.D, third edition impression 1961 .

[6] Tanakh with Rashi Gen 1 :2

[7] تفسير سفر التكوين – كنيسة السيدة العذراء – الفجالة .

[8] Lamsa Bible Gen 1 : 8 .

[10] Lxx English translation – Brenton

[11] NETS Gen 1:2 .

الرد بنعمة الرب

 

روح الله ام ريح الله ، يرف على وجه المياه؟
هذة الشبهة كلها قائمة على استشهادات باطلة واستنتاجات خاطئة وقلة معلومات. عرض كاتب الشبهة رأيه -الخاطئ- في ثلاث نقاط هم (الترجومات- التفاسير- الترجمات) وسنعرض نحن الحقيقة بأستخدام نفس الثلاث نقاط ومعهم نقطة اضافية ، لنرى الحقيقة البينة ، حقيقة ان النص يتكلم عن “روح الله” وان اليهود اعترفوا بذلك وفسروها قائلين “روح المسيح” ، في كل نقطة من الأربعة نقاط سنعرض الحقيقة ونرد على ما قاله كاتب الشبهة.
اولا: الترجومات الآرامية
ثانيا: الترجمات
ثالثا : تفاسير اليهود
رابعا : اثبات لقراءة “روح الله” من داخل النصوص المقدسة.
اولا : الترجومات الآرامية تشهد بأن الآية تتكلم عن روح الله وهو روح المسيح ذاته.
الترجومات الآرامية هي ترجمات وضعها اليهود من الأصل العبري بعد رجعوهم من السبي البابلي ، لأن اغلبهم بدأ في نسيان العبرية ، ومن هنا كانت الحاجة لوجود ترجمات للنصوص العبرية الى اللغة الآرامية التي تعلموها في بابل ،فكانوا يقرأون قطعة من التوراة او اسفار الانبياء بالعبرية ثم يتلون ترجمتها الآرامية وتفسيرها .
الترجومات الآرامية كانت شفهية في بادئ الأمر ثم لجأ تدوينها في فترة لاحقة . لذا فنصوص الترجومات التي بين ايدينا الآن لا تمثل فقط فكر وتفسير اليهود وقت تدوينها وانما تمثل ايضا فكر اقدم كان يتناقل شفهيا قبل مرحلة التدوين.
1- ترجوم نيوفِتي ( (Neofiti Targum
מלקדמין בחכמה ברא דייי שכלל ית שמיא וית ארעא
וארעא הוות תהיא ובהיא וצדי מן בר נש ומן בעיר וריקנא מן כל פלחן צמחין ומן אילנין וחשוכא פריס על אפי תהומא ורוח דרחמין מן קדם ייי הוה מנשבא על אפי מיא
[في البدء بحكمة خلق الرب وصنع السموات والارض
والارض كانت خالية وخربة وفارغة من بني البشر ومن الحيوانات وفقيرة من كل عاملي (فلاح) النباتات ومن الاشجار والظلمة ممتدة على وجه الغمر وروح الرحمة من امام الرب يرف على وجه المياة.]
ملحوظة 1 : هو من اكبر الترجومات التوراتية -لكبر شرحه للآيات- ويقارب الترجوم المنسوب ليوناثان حجما ، ويعتقد البعض[1] إنه الاقدم على الاطلاق.
ملحوظة 2 : نرى هنا ان اليهود عرفوا ان الله قد خلق الكون بكلمته ، والكلمة هو الحكمة[2] . وذكروا ايضا ان الروح هو روح الله وهو الذي هام على وجه المياة .
في هذا النص نرى الثالوث كاملا ، فالله الآب خلق السماوات والارض (تكوين 1: 1) بكلمته وحكمته خلق (امثال 3: 19 ، 8: 22-31) وبروحه القدوس المحي اعطى حياة (تكوين 2: 7).
2- الترجوم المُجزأ او المُقطع ( (Fragmentary Targum
בחכמה ברא ה׳ ית שמיא וית ארעא
וארעא הוות תהייא ובהייא וצדייא מן בני נשא וריקנא מן כל בעיר ורוחא דרחמין מן קדם ה׳ הוות מנשבא על אפי מיא[3]
[بحكمة خلق الرب السموات والارض
والارض كانت خالية وخربة وفارغة من بني البشر وفقيرة من كل الحيوانات وروح الرحمة من امام الرب يرف على وجه المياة.]
ملحوظة 1 : الترجوم المُقطع[4] هو ترجوم تفسيري[5] ، هذا الترجوم ومعه الترجوم المنسوب ليوناثان كُتبوا في فلسطين وهم يمثلون مرحلة وسطية فهم كُتِبوا بعد ترجوم فلسطيني اقدم ،وقبل الجيل الاخير من الترجومات والذي يشمل اونكيلوس[6]. فالترجومات القديمة تميل الى التفسير الثري للنصوص ومن هذة الترجومات جاء ترجوم اونكيلوس الرسمي الذي محى فيه اليهود الشرح الزائد عن المطلوب واقتربوا الى الحرفية قدر الامكان.
ملحوظة 2 : كلمة روح الرحمة التي نراها في الترجوم نفهم منها ان المقصود من الوحي هو روح وليست رياح ،ومنها ندرك ايضا ان اليهود ادركوا ان روح المسيح هو روح الله نفسه لأن الرحمة هي من اسامي المسيح وعمله.
فبحسب فهم اليهود فإن روح الله هو كائن منذ البدء (ازلي) وهو سيكون في المسيح القادم وهذا طبقا لما اعلنه اشعياء النبي بالوحي المقدس
اشعياء 11: 1 وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، 2 وَيَحُلُّعَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ،رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ 3 وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْه 4 بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ.

 

بحسب نص اشعياء النبي نرى ان الرحمة هي عمل المسيح القادم ، ولهذا قالوا ان المسيح سيُدعي حنانيا -في تفسيرهم لمراثي ارميا[7]– لفظ حنانيا (חנינה) هو مشتق من حنن (חָנַן) ويعني يرحم او ينعم والذي ورد على سبيل المثال في مزمور 25: 16 “اِلْتَفِتْ إِلَيَّ وَارْحَمْنِي (חנני)، لأَنِّي وَحْدٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا”.
فالمسيح هو الرحيم اسما وفعلا ، وعليه يحل روح الله ، ولذلك قال الترجوم روح الرحمة في ترجمته لـ “روح الله”.

3- الترجوم المنسوب ليوناثان ( (Pseudo-Jonathan Targum
וארעא הוות תהייא ובהיא צדיא מבני נש וריקנייא מן כל בעיר וחשוכא על אנפי תהומא ורוח רחמין מן קדם אלקים מנתבא על אנפי מיא
والارض كانت خالية وخربة وفارغة من بني البشر وفقيرة من كل الحيوانات والظلمة ممتدة على وجه الغمر وروح الرحمة من امام الرب يرف على وجه المياة.
وهي توافق ايضا ما جاء في الترجوم المُقطع وفد تكلمنا عن اهمية هذا الترجوم سابقا.

4- ترجوم اونكيلوس (Onkelos Targum)
لم يذكر كاتب الشبهة اي شئ عن الترجومات السابقة ولكنه فقط تكلم عن ترجوم اونكيلوس ، لنرى ماذا قال
اقتباس:
جاءت قراءة ترجوم أونكيلوس كالآتي :
וְאַרְעָא הֲוָת צָדְיָא וְרֵיקָנְיָא וַחֲשׁוֹכָא עַל אַפֵּי תְהוֹמָא וְרוּחָא מִן קֳדָם יְיָ מְנַשְּׁבָא עַל אַפֵּי מַיָּא. [1]
الترجمة :
والأرض كانت خربة وخالية والظلمة على وجه الهاوية ورياح / وروح من أمام الرب هبت على وجه الماء

وهي نفس المشكلة فقد استخدم نفس الكلمة التي جاءت في الماسورا ولكن المدهش في الأمر هو ترجمة هذا النص من العبرية للإنجليزية .
ففي الترجمة الإنجليزية للترجوم ترجمت النص هكذا :
and a wind from before the Lord [2]

فترجم الكلمة إلى رياح وليست إلى روح
هذا هو ما يستند عليه لوضع ادعائه بأن اليهود لم يقولوا روح الله وانما رياح من عند الله.
النص الذي استند عليه يضع كلمة (רוּחָא) وهي تحمل نفس المعنيين روح او رياح ، ولهذا فمن المفترض ان استشهاده بذلك النص لا يفيد بشئ جديد، ولكننا نجد ان الكاتب لجأ لاحد المترجمين الذي ترجمها –بما يراه- وقال ريح !
فهل هذا هو اثباتك !؟ – يا له من اثبات ردئ !
دعني اقول لك يا عزيز القارئ ان الترجمة الصحيحة لنص الترجوم هي “روح من امام يهوه” ، فهل يستطيع أحد ان يُكذب ما اقول ؟
في الحقيقة فإن الترجمة الصحيحة هي ما قلته انا اي “روح من امام يهوه” ، وهذا ندركه بسهوله عندما نرى الترجومات الاقدم والتي تعتبر مصدر لترجوم اونكيلوس -كما شرحنا سابقا- , فاليهود حذفوا الجزء الاكبر من الشروحات الزائدة عن النص الاصلي من الترجومات القديمة ، فمحو “الرحمة” من عبارة “روح الرحمة من امام الرب” لان الرحمة هي شرح وتفسير وليست من النص الاصلي ، فتبقت عبارة “روح من امام الرب” في الترجوم المعروف بأونكيلوس . لانهم في تدوينهم لهذا الترجوم بعدوا عن التفسير الثري واقتربوا الى الحرفية.
ومن هنا نرى ان الترجومات بأنواعها تشهد بقوة على ان الآية الكريمة تتكلم عن “روح الله المُحي” والذي هو روح المسيح.

2- الترجمات تشهد بكذب ادعاء كاتب الشبهة وان الصحيح هو “روح الله “.
يقول
اقتباس:
الشاهد الثاني وهي ترجمة الحبر اليهودي العلامة المصري سعديا الفيومي وهي ترجمة عربية كُتبت بحروف عبرية و يعود تاريخها إلى ما قبل أي مخطوط كامل للماسورا ، ترجم النص هكذا : ואלארץ כאנת ג’מרה מסתבחר וצלאמ עלי וגה אלג’מר וריאח אללה תהב עלי וגה אלמא ‘ ‘
الترجمة : والأرض كانت غامرة مستبحرة ، وظلام على وجه الغمر ، ورياح الله تهب على وجه الماء .


ثانياً الترجمة العربية للنص السامري لأبي الحسن إسحاق الصوري اليهودي [3] :
والأرض كانت مغمورة ومستبحرة ورياح الله هابة على وجه الماء .
ثالثاُ ترجمة النص السامري لأبي سعيد بن أبي الحسين ابن أبي سعيد السامري [4] :
ورياح الله هابة على وجه الماء .
اعتمد الكاتب على ترجمتين وكلاهما به مشاكل خطيرة ، ترجمة سعديا القيومي والترجمات السامرية
لاحظ عزيزي القارئ الآتي
1- ترجمة سعديا الفيومي (882-942 م)
بعد المسيحية بحوالي 9 قرون ، وهو فيلسوف ترجم التوراة بشكل تفسيري وغير حرفي، وهو يعتبر روح الله هو مجد الله (الشكينة) ، فهو لا يعترف بكيان يُدعى روح الله ولذلك كانت عندما ترد عبارة “روح الله” في التوراة كان يُفسرها بما يراه ، فمثلا ترجم تكوين 1: 2 (ريح الله) وفي خروج31: 3 (علم من عند الله) وفي عدد 11: 25 (نور) وفي عدد 24: 2 (نبوة الله)
فهل هذا الشخص هو الذي تحتج به في الفصل بين “روح الله ، و”ريح الله” !!
معلومة اخرى ربما لا يعرفها عزيزي القارئ ، فإن سعديا استخدم ترجمته لمحاربة النصوص التي يستخدمها المسيحيون في حواراتهم ضد اليهود ونذكر مثال واحد هو تثنية 18: 18 حيث ترجمها سعديا قائلا “اي نبي” بدلا من “نبي” فهو اراد ان يقول ان النبوة تتكلم عن اي نبي يأتي بعد موسي في حين انها نبوة مسيانية من الدرجة الاولى واستخدمها المسيحيون في القرن الاول في حواراتهم مع اليهود ، فكان الحل بالنسبة للرباي سعديا هو ترجمته التفسيرية التي نقلت فكره فقال “اي نبي”.
، ولذلك اقول بقوة ان تفسيره للآية على انها “رياح” هو تفسير مستحدث -كغيره- وغير اصيل على اليهودية لجأ اليه للهروب من موضوع ازلية المسيح الذي اعلنه المسيحيين بنصوص مقدسة.
2- ترجمة السامريين
توجد مشكلة هنا ، وهي انهم لا يترجمون “روح الله” بحرفية في التوراة وانما يشرحونها بما يروا
فمثلا تكوين 1: 2 (ريح الله) وفي خروج31: 3 (روحانية الله) وفي عدد 11: 25 (نبوة) وفي عدد 24: 2 (نبوة الله) –الامثلة السابقة موجودة في ترجمة حسيب شحادة و ترجمة ابو الحسن اسحاق السوري-,
نفس المشكلة ، ففي كل مرة يُذكر روح الله في النص المقدس ، فهم يُفسروها بحسب معتقدهم.
فهل هذا هو دليلك الثاني !! ، دليل ساقط ميت ليس له وجود .
من 1 ، 2 نرى ان كاتب الشبهة لم يلجأ الا لنوعين من الترجمات ، احداهما كتبه فيلسوف لا يعترف بكيان “روح الله” اصلا -بالرغم من ذكر النصوص المقدسة له- وترجمته تفسيرية غير حرفية والاخر لم يذكر كلمة روح الله اصلا في مواضعها في التوراة.
هل رأيتم رداءة الاستشهادات والفلس !؟
تعالوا نتعمق في الترجمات ونرى الحقيقة
توجد الاف الترجمات بمختلف اللغات التي ذكرت “روح الله يرف” ، وذكر كاتب الشبهة بعضها لكن دعونا نضع الاهم
ترجمات اليهود نفسهم من النصوص العبرية لغيرها من اللغات
1- ترجمة اليهود القدماء في القرون التي تسبق الميلاد ، وهنا نتكلم عن الترجمات الآرامية التي ترجمها اليهود من النص العبري ، والتي بدأ اليهود استخدامها بشكل شفهي وذلك بعد رجوعهم من السبي البابلي ، وهذا كبه يسبق مرحلة التدوين ، وقد عرضنا ذلك سابقا في نقطة (الترجومات) .
2- لو تكلمنا عن ترجمة يهود هذا العصر ، سنرى الترجمات الانجليزية التي ترجمها اليهود من النص العبري .
قي الحقيقة فإن ترجمة يهودية واحدة تقول “روح الله” هي كفيلة بانهاء الموضوع .
1853 Isaac Lesser
And the earth was without form and void, and darkness was upon the face of the deep; and the spirit of God was waving over the face of the waters.

The Jewish Publication Society (JPS) 1917
Now the earth was unformed and void, and darkness was upon the face of the deep; and the spirit of God hovered over the face of the waters.

من الجدير بالذكر هنا ان النسخة الحديثة من تلك الترجمة كتبت “رياح الله” وهذا لان الترجمة الحديثة اهتمت بتفسير الربوات للكلمات ، فهم اخذوا من تفاسير العصور الوسطى وخاصة الرباي راشي .

1981 The Living Torah by Aryeh Kaplan
The earth was without form and empty, with darkness on the face of the depths, but God’s spirit moved on the water’s surface.

Judaica press
Now the earth was astonishingly empty, and darkness was on the face of the deep, and the spirit of God was hovering over the face of the water.

Mesorah Publications, The Artscroll Chumash (ترجمة تفسيرية)

 
when the earth was astonishingly empty, with darkness upon the surface of the deep, and the Divine Presence hovered upon the surface of the waters
نرى هنا تفسيرهم لروح الله على انه الوجود الالهي.
الخلاصة : اليهود قديما وحديثا ترجموا النص هكذا “روح الله يرف” .
انا لم احضر حتى الان سوى الترجمات التي ترجمها اليهود ، اما الترجمات الاخرى لو اردت عرضتها لوصل عددها لالاف الترجمات.

3- المدراش وتفاسير اليهود تثبت وجود واصالة الفكر اليهودي الذي يشهد بان الاية تتكلم عن روح الله
يقول
اقتباس:
ما جاء في مدراش سفر التكوين على لسان الرابي يهودا بن شمعون :
And God made a wind to pass over the earth .

ففسرها على أنها الرياح ، وللأمانة العلمية جاء في نفس المدراش قولاً للرابي شمعون بن لاقيش يقول :
This alludes to the spirit of Messiah , as you read , And the spirit of the Lord shall rest upon him ( Isa. XI, 2 ) .[5]


الترجمة : وهذا يشير الي روح المسيا مثل ما تقرأ ، وروح الرب سوف تحل عليه ( اش 11 : 2 ( .
وهذا القول لا أهمية له في وجود الترجمات القديمة والترجوم ، وتعضد هذه الشواهد الأقوال الأخرى للربيين الذين قالوا بأنها رياح .

ونختتم بكلام الرابي شلومو بن يتصحاقي :

The Throne of Glory was suspended in the air and hovered over the face of the water with the breath of the mouth of the Holy One, blessed be He and with His word, like a dove, which hovers over the nest, acoveter in Old French, to cover, hover over .

لجأ الكاتب الى تفسيرين يهوديين فقط ، وكلاهما لا يفيد ادعائاته ، بل يكذبان ادعائه.
لاحظ عزيزي القارئ الآتي
1- مدراش التكوين يثبت كذب ادعاء كاتب الشبهة ، فالتفسير الذي احضره يؤكد ان البعض يفسرون الآية كونها تتكلم عن روح الله وهو روح المسيح ! ، فكيف بعد ذلك يتهم النصارى باختلاق وادعاء فكرة ان التفاسير اليهودية اعلنت ان روح الله هو روح المسيح ؟! اليس مدراش التكوين هو تفسير يهودي !؟ – ما هذا العبث والهراء !؟
2- يقول ان التفسير القائل بأن الآية تتكلم عن “روح الله” ليس له اهمية
فمن انت حتى تحدد اهمية هذا التفسير من عدمه ، ولو فرضنا جدلا –وهذا غير صحيح- ان هذا التفسير غير هام ، هل ستسطيع ان تُكذب المسيحيون الذين اعلنوا عن وجود مثل ذلك التفسير في كتب اليهود !!؟
يقول ان التفسير القائل بأن الآية تتكلم عن “روح الله” ليس له اهمية ، لأن الترجوم والترجمات القديمة تعضد ادعائه .. وانا سأستخدم نفس منطقه
عرضت سابقا ان الترجومات –بما فيها اونكيلوس- تشهد بان الاية تشير لروح الله ، وعرضت ان الترجمات الاقدم والاهم تشهد نفس الشهادة ، وبناءا على ذلك استطيع ان اقول ان التفسير اليهودي القائل بان الآية تتكلم عن “ريح من عند الله” ليس له اي اهمية.
3- عرض الكاتب ايضا تفسير راشي (سليمان بن اسحاق) -وهو من اشد اعداء المسيحية- وهو عاش (1040 -1105 م) اي بعد المسيحية بـ 11 قرن ولجأ اليه كاتب الشبهة لسببين
أ- ان تفسير راشي وضع فيه الرباي رأيه وتفسيره فقط على عكس عادة المفسرين اليهود الذين يذكرون التفاسير المختلفة للاية الواحدة ، فتفسير راشي يوضح فكره هو ولا ينفي وجود فكر اخر في اليهودية ، لذا لا يمكن الاعتماد على تفسيره في نفي فكرة وجود التفسير القائل بـ”روح الله” في التراث اليهودي،وسنرى لاحقا اصالة وقدم ذلك التفسير الذي نقوله.
ب- راشي معروف بتفاسيره التي يبعد فيها عن التراث اليهودي الاقدم ،وهذا لانه كان يحاول دائما الدفاع عن الايمان اليهودي ضد هجوم المسيحيون وهذا ما دفعه احيانا الى تبني تفسير جديد –بعيد عن التراث- حتى لا يستخدم المسيحيون تلك النصوص في اثبات عقيدتهم ولعل اشهر تفاسيره في تلك الناحية هي تفسيره لدانيال 9 واعتباره ان النبوة غير مسيانية وتفسيره لـ اشعياء 53 واعتبار انها غير مسيانية ايضا.
وهذا يشبه -الى حد كبير- ترجمة سعديا الفيومي (882-942 م) اي بعد المسيحية بحوالي 9 قرون ،ومعروف ان ترجمته تفسيرية ومحاربة للنصوص التي يستخدمها المسيحيون في حواراتهم ضد اليهود –وشرحنا هذا سابقا في الرد على شبهة ذكر اسم مكة والحجاز في ترجمة سعديا الفيومي- ، ولذلك اقول بقوة ان تفسير الآية على انها “رياح” هو تفسير مستحدث وغير اصيل على اليهودية لجأ اليه اليهود للهروب من موضوع ازلية المسيح الذي اعلنه المسيحيين بنصوص مقدسة.
4- الحقيقة
دعونا نتعمق اكثر ونعرض تفاسير اخرى لم يعرضها كاتب الشبهة
فالتفسير القائل “روح الله” قديم جدا ويصل قدمه للقرن الثاني الميلادي ، بل واقدم من ذلك ، فمخطوطات البحر الميت -ترجع الى ما قبل الميلاد- تشهد بذلك.
اهمية مخطوطات البحر الميت هي انها قبل المسيحية ، وبالتالي لم يكن هناك تأثير للمسيحيون على تفاسير اليهود ، فاليهود كتبوا التفاسير فيها بحرية دون اي قيود فكرية .
اما التفاسير اليهودية التي جاءت بعد المسيحية ، فهي لم تهتم فقط بالتفسير وانما الرد على هجوم المسيحيون الذين بداوا في استخدام النصوص المقدسة لاثبات ان يسوع هو المسيح الأزلي ، وهذا هو التأثر الذي نتكلم عنه الذي جعلهم على سبيل المثال يفسرون تفسيرات جديدة تخلق ردا على المسيحيون. والان دعونا نعرض بعض تلك التفاسير.
تفاسير ما قبل الميلاد (تمتاز بالتفسير الحر البعيد عن التأثر الخارجي)
1- مخطوطات البحر الميت و “روح الله الذي يرف”
Frag. 2 col. ii 4Q 521
6 ועל ענוים רוחו תרחף ואמונים יחליף בכחו
وعلى الفقراء روحه ترف ويجدد المؤمنين بقوته.
هذا النص هو موجود في مخطوطة (4Q 521) ويسميها العلماء “Messianic Apocalypse” وهي تتكلم عن الاحداث التي ستحدث عندما يجئ المسيح . استخدم الاثينيون كلمة “ترف” (תרחף) وهي نفس الكلمة التي وردت في تكوين 2: 1 وهذة الكلمة نادرة الاستخدام و لم تتكرر هي او مشتاقاتها في كل العهد القديم سوى 3 مرات (تكوين 1: 2 – تثنية 32: 11 – ارميا 23: 9) . نقل الاثينيون نفس اللفظ في حديثهم عن روح الله الذي يساعد الفقراء والمؤمنين ايام المسيح. ومعروف لمن يدرسون التراث اليهودي ان اليهود في تفاسيرهم يحاولون -قدر الامكان- استخدام نفس الفاظ الوحي في شروحاتهم لمعنى الآية التي بها اللفظ المراد تفسيره.
تفاسير ما بعد الميلاد (فيها نرى اليهود متأثرون بعض الشئ بالفكر المسيحي فنرى تفاسير جديدة ليست اصيلة وهدفها هو الرد على المسيحيين ، ومنها الاية محور حديثنا و اشعياء 53 و دانيال 9 وغيرهم)
بالنسبة للاية محور حديثنا فاننا سنرى الكتب اليهودية ذكرت التفسير المعتاد وهو “روح الله يرف” ومعه ذكرت التفاسير الجديدة. وسأعرض فقط الجزء المؤيد.
2- فى كتاب الزوهار(זֹהַר‎‎)[8] ، [فى مجلد (וישב)]
[“وروحا مستقيما جدد في احشائي” (مزمور 51: 12) هذا هو الروح المستقيم المذكور في “وروح الله يرف على وجه المياة” (تكوين 1: 2) قيل انه روح المسيح ،حيث قيل “وروحا جديدة في داخلكم” (حزقيال 36: 26) و لهذا سأل داود على“روحا مستقيما – روح المسيح- جدد في احشائي”(مزمور 51: 12)]
هناك امثلة اخرى من الزوهار تجدها في
– [فى مجلد (פנחס)] قيل ان (تكوين 1: 2) يتكلم عن الروح القدس (روح الله).
– [فى مجلد (ויחי)] عن تفسير تكوين 49: 11 . فُسِرت النبوة على المسيح ، واشار التفسير الى (تكوين 1: 2) وقيل ان روح المسيح هو روح الله.
2- مدراش التكوين وقد عرضه كاتب الشبهة
3- مدراش اللاويين (14: 1)
[“وروح الله يرف على وجه المياة” (تكوين 1: 2) هذا هو روح الملك المسيح]
4- يلقوط شمعوني في تفسير التكوين (1: 4)
[“وروح الله يرف” (تكوين 1: 2) هذا هو روح المسيح المكتوب فيه “يحل عليه روح الرب” (اشعياء 11: 2)]
هنا نرى ان اللآية تتكلم عن روح الله وليس ريح ، كما اننا نرى الربط بين روح الله والمسيح .
هذة بعض الامثلة من التراث اليهودي وليس جميعها ، فهي اكثر من ان توضع في هذا الرد.
رأينا في تلك النقطة ان مفهوم “روح الله” موجود في اليهودية في مصادر مختلفة ، بل ان اقدم تلك المصادر واهمها يثبت ذلك التفسير. كما اننا رأينا وجود واصالة التفسير اليهودي القائل بان روح الله هو روح المسيح.

4- اثبات لقراءة “روح الله يرف” من باقي النصوص المقدسة .

1- الخلق عمل الهي
تكوين 1 هو اصحاح الخلق ، فيه نرى خلق الله للعالم ، الله الواحد هو (الآب وكلمته وروحه)
فالله الآب خلق السماوات والارض (تكوين 1: 1)
بكلمته خلق ، والكلمة هو الحكمة وهو الإبن الذي اعلن عن ذاته في العهد القديم وفي الجديد.
مزمور 33: 6 “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ” ، امثال 3: 19 (الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ) ، امثال 8: 22-31 “مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ .. كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا”
وبروحه أحيا المخلوقات ،
تكوين 2: 7 “،وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً ” ، مزمور 33: 6 “وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا”
بل واعطى روحه للانسان من قبل ان يفجر الانسان وينزع الله روحه منه (تكوين 6: 3) ولم يعد يحل الا على القليل من البشر ومنهم الانبياء ، وبعد ملء الزمان اتى المسيح واتم الصلح بين الله والانسان فرجع روح الله للمؤمنين باسمه (يوحنا 14: 17 ،اعمال الرسل 2 ،1كورنثوس 3: 16 ، 2كورنثوس 6: 16 ،غلاطية 3: 5 ،1رسالة يوحنا 3: 24 …. الخ)
في تكوين 1 ، طبيعي ان نرى الثالوث مجتمعا في هذا النص ، فالله الاب خلق السموات والارض… اذ قال الله كن ، فكان … وكان روحه على وجه المياة يعطي الحياة لمخلوقاته.
2- لفظ “يرف”
اولا : هذ اللفظ لا يعني محدودية روح الله القدوس .
لفظ يرف هو لفظ اختاره الوحي ليعبر عن وجود روح الله ، فالانسان بشكل عام لا يتخيل غير المجسم ، فلزم ورود بعض الالفاظ التي تصف الجسمانية للتدليل على وجود الكيان وحياته. فمثلا يقول الوحي “قال الله في الانبياء” وهذا لا يعني ان لله فم او ان الله مجسم ، ولكن معناه ان الله موجود وقد اوصل رسالته للنبي ، كذلك عبارة “روح الله يرف” فهذا لايعني ان الله مجسم او ان الروح يتحرك او محدود ، ولكن معناه ان الله موجود حي وهو وحده المسئول عن الخلق حينما كانت الارض لم تتكون بعد. وهذا شئ معروف للمفسرين اليهود والمسيحيون على حدا سواء
اعرض ما قاله الرباي موسى بن ميمون في كتابه دلالة الحائرين[9] (الجزء الاول – النقطة 46)
ثانيا : معنى اللفظ ودلالته
ذكر الوحي الالهى كلمة “يرف” للتعبر عن وجود “روح الله” ، كلمة يرف تعني رفرفة الطائر .
ولم يذكر الوحي الالهي هذا اللفظ او مشتقاته سوى 3 مرات فقط .
قال الرباي راشي في تفسيره ان لفظ يرف المذكور هو كالحمامة عندما ترفرف على عشها .
[كالحمامة التي ترفرف على العش ، وهي (اكيفيتير) بالفرنسية القديمة]
اختيار الوحي لهذا اللفظ لم يكن صدفة وانما مقصودا ،دعونا نتذكر المرة التي ظهر فيها الروح القدس على المياة .. نعم ، انه وقت عماد المسيح
متى 3

13حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. 14وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» 15فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. 16فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، 17وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً:« هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».

وكأن الوحي المقدس يقول لنا ، روح الله القدوس كان موجودا عندما كانت الارض خربة ولم وخالية ، وروح الله “يرف” فوق المياة التي كانت تغمر الارض ، وبالروح عُمِرت الأرض والسماء (ايوب 26: 13).
ظهر الروح مرة اخرى عندما كانت نفوس الانسان خربة بفعل عبودية الشيطان وخالية من كل صلاح ، اخذ الروح شكل حمام “يرف” فوق مياة الاردن ، وبه عُمِرت قلوب البشر . والمسيح كان ومازال الطريق الوحيد الذي عن طريقه تُعمر النفوس بروح الله ، فهو المُخلص المُصالح الذي اهدانا روح الله القدوس (يوحنا 14: 26).
ولله كل المجد

 

[1] ومنهم العالم Bruce M. Metzger.

 

[2] اقنوم الأبن (يوحنا 1: 18) هو اقنوم الكلمة (يوحنا 1: 1 ، رؤيا 19: 13) هو اقنوم الحكمة (1كورنثوس 1: 24 ، كولوسي 2: 3) .


[3]Comprehensive Aramaic Lexicon. (2005; 2005). Fragment Targum, recension VNL, MSS Vatican Ebr. 440, Nuernberg and Leipzig B.H. fol. 1 (Ge 1:1-2). Hebrew Union College.

[4] هو موجود على اجزاء صغيرة ، ربما لان هذا هو المتبقي من الترجوم كالملا وربما لانه كان يستخدم في الليتورجيات كقطع صغيرة لبعض النصوص التي ترجموها عن العبرية.

 

[5] اي انه يترجم النص العبري الاصلي الى الارامي بشكل متحرر ، يبعد عن الحرفية ويهتم بالتفسير من حيث ايضاح المعاني وشرح الآيات.


[6] Old Testament Textual Criticism (Ellis R. Brotzman) page 71

[7] (מדרש רבה איכה) مدراش مراثي ارميا 1: 16-17


[8] كتبه الرباى شمعون ابن يوخاى (שמעון בר יוחאי) وجذوره ترجع للقرن الثانى الميلادى.

[9] מורה נבוכים

تم تنسيق البحث بشكل افضل وتم اضافة صور الاقتباسات اليهودية في

هذا الملف للتحميل
http://www.mediafire.com/?4mzy0qlstpyqy0p

 

Exit mobile version