سوف نُناقِش في هذا البحث موضوع ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة، وذلك من خلال الإشارات الكتابية والآبائية إلى هذا التعليم الأرثوذكسيّ السليم. حيث يرى أغلب آباء الكنيسة المعلِّمين أن آلام الولادة والمخاض هي أحد نتائج سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء، وبالخصوص أمنا حواء، حيث قال الله لأمنا حواء بعد السقوط: ”وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا“ (تك ٣: ١٦). فآلام الولادة بحسب رواية سفر التكوين هي أحد نتائج السقوط، وهكذا كان لابد لحواء الثانية أن تلد ابنها آدم الثاني بدون آلام الولادة أو المخاض، لأن المسيح محا نتائج السقوط في تدبير تجسُّده، وكان أحدها هو آلام الولادة أو المخاض. وهناك نبوة في سفر إشعياء تُشِير إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة أو المخاض، حيث يقول إشعياء النبيّ التالي: ”قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ وَلَدَتْ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْمَخَاضُ وَلَدَتْ ذَكَرًا“ (إش ٦٦: ٧).
لذا تُؤمن الكنيسة الأرثوذكسية وفقاً للكتاب المقدس، وما تسلَّمناه في التقليد المقدَّس وتعليم الآباء القديسين، وبشهادة الصلوات الليتورجية، أنّ ولادة العذراء للمسيح كانت ”ولادةً لا تُفَسَّر ولا يُنطَقُ بها“، أي أنها ولادة فائقة الطبيعة، كما كان أيضاً حَبَلُها بالمسيح فوق نواميس الطبيعة. كما يُلمِّح الإنجيليّ لوقا إلى الولادة المعجزية في (لو7:2) حيث من الغريب أنّ إمرأة تلد بآلام المخاض، التي تستنزف منها آلامًا وجهدًا وطاقةً كبيرة، ومن ساعتها تقوم هي بنفسها بلفِّ المولود بالأقمطة وتُضجِعه في المذود، إذ من المألوف، قديماً، أنه في تلك الساعة، تُحِيط نساء العائلة بسرير المرأة، وفي أغلب الأحيان تكون معهنّ القابلة ليساعدنها ويخدمنها.
أناشيد سليمان
نجد إشارة مُبكرة جدًا لولادة المسيح من العذراء بدون وجع الولادة في أناشيد سليمان كالتالي:
”قد وجِدت أحشاء العذراء مخصبة، فحبلت وولدت، وصارت أمًا مُكرَّمة، وحظيت بمراحم كثيرة ونالت نعمة مُعظَّمة. قد أتت الساعة فولدت ابنًا بغير وجيعة، وهذا أمرٌ غريبٌ، لا يحدث أبدًا بدون علة، ولم تحتج قابلةً، ولا طلبت أية معونة، لأنه منحها أن تُخرِج الحياة من حشا بتولية“.[1]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
يستخدم ق. إيرينيؤس أسقف ليون بفرنسا، والملقَّب بـ ”أبو التقليد الكنسيّ“، نبوة (إش ٦٦: ٧) لكي يُؤكِّد على ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض قائلاً:
”ويُشِير النبيّ نفسه في مكانٍ آخر إلى الميلاد بقوله: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). وبهذه الطريقة، فهو يُشِير إلى الولادة العجيبة الفائقة الوصف من العذراء“.[2]
ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة
ويُشِير ق. كبريانوس أسقف قرطاچنة أيضًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:
”إنها بقدرة الله استمرَّت عذراء وولدت بلا ألمٍ وبلا مُساعدة قابلة، وخَدَمَت بذاتها وِلادتها بكل ورَعٍ. لأنها كانت تُعانِق ثمرتها المحبوبة وتُقبِّلها وتُغذِّيها بكل ابتهاج وبلا وَجعٍ وبدون أدنى مُساعدة أجنبية“.[3]
ق. غريغوريوس العجائبي
يُؤكِّد ق. غريغوريوس العجائبيّ، أسقف قيصرية الجديدة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا)، على ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة قائلاً:
”ولن تخاف بنات حواء من اللعنة القديمة، أو من أوجاع الولادة. لأن المسيح، فادي جنسنا، ومُخلِّص كُل البشرية، آدم الروحانيّ، الذي شفى جراحات الخليقة الترابية، جاء من أحشاءك المقدَّسة. مُباركةٌ أنت في النساء، ومُباركةٌ هي ثمرة بطنك، لأن الذي يحمل لنا كُل البركات ظهر كثمرة منك“.[4]
زينو من فيرونا
زينو Zeno من ڨيرونا Verona بشمال إيطاليا، هو لاهوتيّ لاتينيّ معروف من شمال إيطاليا، يتحدَّث عن ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة قائلاً:
”لم تلد مريم بألمٍ، بل بفرحٍ، لقد وُلِدَ الابن بدون أب، ولم يأت بالكامل من أمه [أي ناسوته فقط]، لأنه كان مدينًا لنفسه بحقيقة الحبل به، ومنح أمهِ حقيقة ولادته. لقد كانت أول مَن اندهش من أن مثل هذا الابن قد خرج منها، وما كانت لتُصدِق أنه وُلِدَ منها، لولا أنها ظلَّت عذراءً بعد الولادة، كما كانت غير فاسدةٍ بعد الحبل“.[5]
ق. أثناسيوس الرسولي
ويُلاحِظ ق. أثناسيوس الرسوليّ وهو يُفكِّر في كلام الإنجيل أنَّ العذراء النقية ولدت بلا واسطة أو مُساعدة القابلة، مُشِيرًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة كالتالي:
”إنها بذاتها ولدت وبذاتها قمّطَت! إن هذا لا يتمّ لسائر النساء الاعتياديات إلاّ بطريقةٍ أخرى لأنهنَّ يلِدنَ بمساعدة غيرهنَّ. وغيرهنّ يُقمّطنَ لهنّ أطفالهنّ. ولم تكن الحال هكذا عند ولادة العذراء القديسة لطفلها، لأنها وهي تَلِده بلا أوجاع كانت هي القابلة لذاتها على الرغم من كونها لم تتعلّم صناعة التوليد من أحد. ولم تسمح لأحد أن يمسّ بيدين غير طاهرتين طفلها الفائق الطُهر والقداسة. فهي بذاتها خَدَمت المولود منها وبنفسها قمَّطته ووضعته في المذود“.[6]
مار أفرام السرياني
يُؤكِّد مار أفرام السريانيّ، في تفسير سفر التكوين المنسوب إليه، على ولادة العذراء بدون أوجاع الطَلْق، مثل باقي الأمهات اللواتي يَحبَلنَ بالجِماع، لأنّ حَبَلها كان بتوليّاً ومُعتَقاً من العقوبة التي أصابت حواء وجنسها بعد السقوط كالتالي:
”ولذلك، إنَّ سيدتنا والدة إلهنا، لمَّا كان حَبَلُها بغير لذَّةِ رَجُل، لم يكن طَلْقُها بالألم، فكان بها إنحِلالُ العقوبة المحكوم بها على الجنس“.[7]
ق. غريغوريوس النزينزي
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ، الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“، إلى حقيقة ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض، فيقول على لسان العذراء والدة الإله التالي:
”والدة الإله: […] أقول إنهم أخوته من ناحيتي أنا التاعِسة، لا من ناحية أبيه الذي هو كلمته المتجسِّد، الذي ولدته بدون رجل، بطريقةٍ أعجوبيةٍ، وبدون آلام الولادة“.[8]
ويُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ (اللاهوتيّ) إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون آلام الولادة القاسية في موضع آخر قائلاً على لسان العذراء مريم والدة الإله التالي:
”والدة الإله: […] أنا وَلدته، وأنا أعلم كيف وضعته بدون أن أُمنَى بأوجاع الولادة القاسية، ولكني أرثي للذين استنزلوا الشقاء على رؤوسهم“.[9]
ق. غريغوريوس النيسي
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:
”عندما صار الله معروفًا لنا في الجسد، فإنه لم يقبل أهواء الطبيعة البشرية، ولم تتألم العذراء مريم، ولم يتضاءل الروح القدس بأيّ شكل من الأشكال، ولم تبطل قوة العليّ بأيّ حالٍ من الأحوال. وهذا كُله كان لأن كُل شيء تمَّ بواسطة الروح القدس. وهكذا لم تضعف قوة العليّ، ووُلِدَ الطفل دون أن يلحق أيّ ضرر ببتولية أمه“.[10]
يستعرض ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر مُشِيرًا إلى ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام المخاض قائلاً:
”بالحقيقة هو وحده الذي في شخصه، اكتمل الناموس، لأنه قد حُبِلَ به بطريقة لا تُوصَف، ولا يُعبَّر عنها، وعَبَرَ من رحم العذراء المحصَّن، دون ألم، حافظًا لختم بتوليتها، بعد الولادة المعجزية“.[11]
ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون ألم الولادة قائلاً:
”والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواءٍ. فحواء أُدِينَت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة (تك 3: 16)، بينما في حالة العذراء، فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أمَّا في حالة العذراء، فإن الفرح يُبعِد الألم“.[12]
ق. كيرلس الإسكندري
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على حقيقة البعد الخلاصيّ لولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة، حيث كان لابد أن يرفع لعنة الولادة بالألم التي أصابت حواء القديمة بعد السقوط قائلاً:
”ويوجد سبب ثالث، لقد قيل للمرأة سابقًا من قِبَل الله: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، إذًا، ألم تكن الحاجة أكثر إلى القضاء على هذه اللعنة أيضًا؟ وإلا كيف يمكِننا أن نتفادى زواجًا مُدانًا؟ ولكن لأن المخلِّص هو مُحِب البشر، فإنه يرفع هذه اللعنة“.[13]
ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى نفس الحقيقة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح له كُل المجد احتمل أن يُولَد من امرأةٍ لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، وهكذا قوة اللعنة قد أُبطِلَت، ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة قائلاً:
”اِفهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يُولَد من امرأة لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، فإنها كانت تلد للموت. ولذلك ذاقوا، أي أولاد المرأة، لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد ولدت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة، فإن قوة اللعنة قد أُبطِلَت. ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة“.[14]
ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية
يُؤكِّد ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية، وصديق ق. كيرلس الإسكندريّ، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكونيّ 431م، والمدافِع القويّ عن لقب ”والدة الإله“ في وجه نسطوريوس مُنكِر هذا اللقب، إلى ولادة المسيح من رحم العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:
”اليوم من دون اقتران خرج الطفل بلا ألم من الرحم، وكل الخليقة تُقدِّم عطاياها إلى الطفل الذي بلا أب“.[15]
ويُشِير ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية في موضع آخر إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:
”أمٌ لأنها ولدت مَنْ أراد أن يُولَد. عبدةٌ مُعترِفةٌ بطبيعتها ومُنادِيةٌ بالنعمة. سحابةٌ لأنها حبلت بالروح القدس مَن ولدته بغير ألم“.[16]
ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان أن مريم هي أم المسيح، وهي من ثمَّ والدة الإله، وقد ولدت ولم تُعانِ ألمًا، ولم تعرف مخاضًا، بل لبثت عذراء قبل الولادة وبعدها.[17] حيث يقول ق. أمبروسيوس التالي:
”لقد سمعنا كلمة الحق، لقد سمعنا تدبير البشارة: دعونا نتعلَّم من السرِّ. فقد كانت مريم مخطوبةً، ولكنها عذراءً. إنها رمزٌ للكنيسة طاهرةً ومُتزوِجةً أيضًا. كعذراءٍ حبلت لأجلنا من الروح القدس، وكعذراءٍ ولدت لأجلنا بدون أيّ صوت ألم. وربما السبب وراء خطوبة القديسة مريم لرجلٍ، وامتلائها بثمرة البطن من آخر، لأن جميع الكنائس المنفردة مملوءةٌ من الروح والنعمة، وفي نفس الوقت مُرتبِطةٌ من الخارج بكاهنٍ بشريّ“.[18]
ويُؤكِّد ق. أمبروسيوس في موضعٍ آخر على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة أو المخاض قائلاً:
”لقد ولدت مريم بدون ألم، بل ولدت، وهكذا عَرِفَت أنها ولدت من نفسها الربَّ من أجل الخلاص“.[19]
أوغسطينوس أسقف هيبو
يُؤكِّد أوغسطينوس أيضًا على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة في أحد عظاته على ”ميلاد المسيح“ قائلاً:
”في حبلكِ كُنتِ طاهرةً تمامًا، وفي ولادتكِ كُنتِ بلا ألم“.[20]
ق. بطرس كريسولوغوس
يُشِير ق. بطرس كريسولوغوس، أحد الآباء اللاتين في القرن الخامس، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم قائلاً:
”حبلت كعذراءٍ، وولدت كعذراءٍ، وبقيت عذراءً. وهكذا يعرف جسدها قوة المعجزة، ولكنه لم يعرف الألم [أي أثناء الولادة]. تنال العفاف في الولادة، ولم تعرف شيئًا من الألم البدنيّ“.[21]
ق. ساويروس الأنطاكي
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على التقليد المتسلسل بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة مع شعور وإدراك العذراء للولادة، ويستخدم أيضًا نبوة (إش ٦٦: ٧) للتأكيد على الحقيقة السابقة قائلاً:
”لكننا نسمع عن مارا المذكور، أنه قال هذا أيضًا إن العذراء القديسة لم تشعر بالولادة، في مُعارضةٍ جليةٍ للروح القدس الأسفار التي قيلت بواسطته. فها إشعياء ذو الصوت العاليّ بين الأنبياء يُوضِّح أنه أتى من رباط البتولية، مثل أيّ شيء آخر، وأنه وُلِدَ بطريقةٍ غير مُدرَكةٍ دون نقضها من مريم والدة الإله. حيث يقول: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). إن حقيقة أنها تجنبت [آلام المخاض]، تُوضِّح أن الميلاد قد حدث بشكلٍ مُدرَكٍ لمَّن ولدت وليس خيالاً. ويقول غريغوريوس اللاهوتيّ أيضًا في عظته عن القيامة عن ميلاد الطفل حينما وُلِدَ: ’لكنها صرخت أيضًا بدافع لا يُقاوم من روابط البتولية والأمومة بقوةٍ عظيمةٍ، حينما وُلد ذكرًا من النبية، كما يُعلِن إشعياء‘.[22] فكيف تكون حقيقة أنها صرخت من دافع لا يُقاوم، ولم يحلَّ رباط بتوليتها بدون إدراك، وبدون إدراك كبير منها وهي التي تلد؟ كما أن هذه الأشياء قد حدثت بطريقةٍ غير مُدرَكة، وفوق كل الأشياء. فإن الذي اشتهى أن يأتي بالحقيقة في كل صفاتنا، وأن يُجعَل مثلنا نحن أخوته، ولكن بدون خطية، وُلِدَ أيضًا في هيئة جسمية ميلادًا حقيقيًا وواضحًا، جاعلاً والدته مُدرِكةً لذلك، بدون أيّ ألم أو مُعاناة، لأن النبي يُصرِّح بأنها ولدت قبل أن تأتيها آلام الولادة، فكيف تتعرض لتجربة الآلام والمعاناة، وهي التي وضعت نهاية لولادة الأطفال بألم، وهذا بحقيقة أن الفرح قد وُلِدَ لكُل الجنس البشريّ؟“.[23]
ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
يوحنا الدمشقي
يُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ، من الجانب الخلقيدونيّ، على نفس التقليد المسلِّم من آباء الكنيسة المعلِّمين بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة والمخاض، مُستخدِمًا نفس نبوة (إش ٦٦: ٧). كما يرى أن العذراء رغم أنها نجت من آلام الطَلْق عند ولادتها المسيح، إلا أنها تألّمت لآلامه وصلبه كالتالي:
”وكما أنّ تلك (حواء) قد جُبِلَت من آدم بدون جماع، كذلك هي (مريم العذراء) قد حَبِلت بآدم الجديد، مولوداً بحسب الشريعة، ولما كان هو بلا أبٍ، كان ذلك بما يفوق طبيعة الولادة. وبما أنه أتمَّ الزمن المعتاد – كان قد أكمل الأشهر التسعة ووُلِدَ في بدء العاشر – فقد كان الحبل به بموجب الشريعة.وبما أن ذلك كان بلا وجع، فقد كان فوق عادة الطبيعة. فلأنه لم يسبق الولادة لذة، لذلك لم يتبعها وجع، على حسب قول النبيّ: قبل أن تتمخض ولدت، أيضًا قبل أن يأخذها الطلق وضعت ذكرًا […] ولكن تلك المغبوطة نفسها التي استحقت المواهب الفائقة الطبيعة، فإن الأوجاع التي نجت منها وهي تلد، قد احتملتها هي نفسها وقت الآلام. لأنّ انعطاف أمومتها كان يُشعِرها بتمزيق أحشائها “.[24]
يُشِير الأب يوحنا الدمشقيّ أيضًا، في العظة الثانية من عظاته الثلاثة عن ”رقاد والدة الإله“، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:
”كيف يمكن للموت أن يختطف تلك المباركة حقًا، التي أنصتت إلى كلمة الله بكُل اتضاع، وامتلأت بالروح، وحملت عطية الآب بواسطة رئيس الملائكة، حملت بدون شهوة أو معونة رجل بأقنوم الكلمة الإلهيّ، الذي يملأ الكل، وولدت إياه بدون آلام الولادة، مُتَّحِدًا كليًا بالله؟ […] كان من اللائق أن يُحفَظ جسدها، الذي حفظ بتوليتها كما هي أثناء الولادة، من الفساد حتى بعد الموت. تلك التي أرضعت خالقها كطفلٍ رضيعٍ من ثديها، كان لها الحق أن تكون في المظال الإلهية […] كان يليق بتلك التي رأت ابنها يموت على الصليب، وقَبِلت في قلبها سيف الألم الذي لم تشعر به أثناء الولادة، أن تنظر إليه جالسًا بجوار الآب“.[25]
الليتورجية القبطية
نُصلِّي في الليتورجية القبطية، وخاصةً في التسبحة السنوية، ونقول في ثيؤطوكية يوم الأثنين، القطعة التاسعة، التالي: ”خلَّصت آدم من الغواية، وأعتقت حواء من طلقات الموت“. وهنا لا بد أن نُوضِّح أن الموت ليس له طلقات، بل الولادة هي التي لها طلقات، وتُؤكِّد الثيؤطوكية هنا على أن المسيح عتق حواء الأولى التي كانت تُنجِب بوجعٍ وطلقاتٍ أبناءً للموت، وذلك بولادته من العذراء القديسة مريم، حواء الثانية، بدون آلام وأوجاع وطلقات الولادة، فصارت تُنِجب أولادًا للحياة وليس للموت.
ونُصلِّي كذلك في التسبحة السنوية، وخاصةً في ثيؤطوكية يوم الخميس، القطعة الخامسة، ونقول: ”لأن الذي وُلِدَ إله بغير ألم مِن الآب. وُلِدَ أيضًا حسب الجسد بغير ألم مِن العذراء“. وهكذا تُؤكِّد هذه الثيؤطوكية على ولادة المسيح حسب الجسد من العذراء القديسة مريم بغير ألم ووجع الولادة.
الليتورجية الرومية
ونأتي الآن إلى شهادة بعض الصلوات الليتورجية التي تُصلِّيها كنيسة الروم الأرثوذكس الخلقيدونية، والتي تتضمن عُصارة التعليم اللاهوتيّ والعقائديّ عن ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون أوجاع الولادة. وهناك العديد من الشهادات الليتورجية حول هذه النقطة تحديداً، ولكننا سوف نُشِير إلى أهمّها وأكثرها شهرةً، لأنها مألوفة السماع عند المؤمنين كالتالي:
”لمّا أبصرت البريئة من اللّوم المسيح مرفوعًا على الخشبة بمشيئته، دَهشَت وصرخت باكيةً: إني لم أُعانِ مخاضاً في ولادتكَ يا إبني وإلهي، ولكني الآن أتوجّع من صلبكَ ظُلماً على أيدي الأثمة“.[26]
وهناك إشارة أخرى إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة في كتاب التريوذي، من تقاريظ جناز المسيح، القسم الثاني كالتالي:
”في النساءِ وحدي قد وَلدتُكَ يا ابني بلا أوجاعٍ والآن أتحمَّلُ أوجاعاً لا تُطاقُ من جرّاء تألُّمِك“.[27]
وفي قانون السبت العظيم المقدَّس، في الأوذية التاسعة منه، التي هي من نظم القديس قوزما الأورشليميّ ناظم التسابيح (760م) تقول الطروبارية الأولى على لسان العذراء التالي:
”يا ابني الأزليّ، إني نجوت من الأوجاع في حين ولادتك الغريبة فتطوَّبت بما يفوق الطبيعة، والآن لمَّا أُشاهِدك يا إلهي ميتًا عادم النَسَمة أُطعنُ بحربةِ الحزن بمرارةٍ، لكن انهَض لكي أتعظَّم بك“.[28]
توما الأكويني
يُشِير توما الأكوينيّ، الملقَّب بـ ”المعلِّم الملائكيّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير في القرن الثالث عشر، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:
”آلام الولادة ناتجة عن فتح الرضيع للممر من الرحم. لقد قيل أعلاه (في الرد على الاعتراضات 28: 2)، أن المسيح خرج من رحم أمه المغلق، وبالتالي، دون أن يفتح الممر. ونتيجةً لذلك، لم يكن هناك ألم في تلك الولادة، كما لم يكن هناك أيّ فساد. بل على العكس من ذلك، كان هناك فرحٌ عظيمٌ، لأن الإله المتأنس ’وُلِدَ في العالم‘، بحسب (إش 35: 1، 2) ’تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ‘“.[29]
ويتحدَّث توما الأكوينيّ أيضًا عن أن العذراء حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم الولادة، وبدون أن تفقد بتوليتها قائلاً:
”ولأنها حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم، وبدون تعدي على كرامة بتوليتها، وبدون ضرَّر على براءة عذراويتها“.[30]
جيوفاني بونافنتورا
يُشِير چيوفاني بونافنتورا، الملقَّب بـ ”المعلِّم السيرافيميّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير، وأحد الآباء اللاتين في العصر الوسيط، إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة قائلاً:
”يا الله، إلهي: سأُمجدِّك في أمك. لأنها حبلت بك حبلاً بتوليًا، وولدتك بدون ألم“.[31]
كاتشيزم مجمع ترنت 1566م
يُشِير كاتشيزم مجمع ترنت الكاثوليكيّ عام 1566م إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة كالتالي:
”وُلِدَنا من حواء أبناءً للغضب. وقد استقبلنا يسوع المسيح من مريم […] قيل لحواء: ’بالوجع تلدين أولادًا‘. ولكن قد أستُثنِيت مريم من هذا الناموس، لأنها ولدت يسوع مُحافِظةً على عذراويتها […] ولم تشعر، كما قد قُلنا بالفعل، بأيّ إحساس الألم“.[32]
ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
وهكذا نرى الإجماع الآبائيّ المعتبر والتسليم الكتابي والآبائي في الشرق والغرب على ولادة المسيح له المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة والمخاض، لكي يُزِيل هذه اللعنة التي أصابت الجنس البشريّ بعد السقوط، ورفعها عن البشرية عند ولادته من العذراء بدون آلام الولادة والمخاض.
ولأن الكلمة الإلهيّ، لم يُحبَلَ به في أحشاء البتول مريم بمشيئة رجل أو من زرعِ بشر، بل تمّ بمسرّة الآب وبقوة الروح القدس الذي حلَّ عليها وظلَّلها (لوقا 35:1)، وكان الحَبَل فوق الناموس الطبيعيّ، وولد المسيح منها بطريقةٍ خارقة للطبيعة، مما يعني أن مريم لم تختبر آلام المخاض مثل أيّ إمرأة حُبلى على وشك الولادة، وذلك لأنّ المسيح ثمرة بطنها البتوليّ، لم يَرِث فساد الطبيعة، كأيّ مولودٍ آخر، وكان ميلاده منها بمنأى عن وراثة فساد الطبيعة ونتيجة السقوط الآدميّ. ولهذا فإنّ مريم كانت مُستثنَاة من هذا القانون الساري على جميع الأمهات العاديّات، لأنّ حَبَلها وولادتها لم يكونا وفقاً للناموس الطبيعيّ للحَبَل والولادة مثل باقي البشر، الذين يُولَدون من أمهاتهم حاملين لطخة السقوط وفساد الطبيعة التي نرثها من آدم.
وهنا لا بدّ أن نُؤكِّد على العقيدة الأرثوذكسية، أنّ الله الكلمة اتَّخذَ منها طبيعة بشرية كاملة، ووُلِدَ منها ولادة حقيقية، وصار إنساناً كاملاً بالحقيقة، لا بالوهم أو بالخيال. ولكن في الوقت عينه كانت الولادة خارقة للطبيعة، لأنّ الذي ولدته مريم لم يكن مُجرَّد إنسان، بل كان الله الابن نفسه مُتجسِّداً منها.
[1] الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير القديس أبو مقار، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، نشيد 19، ص 478.
[2] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة:د. نصحي عبد الشهيد ود. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٩)، الفصل ٥٤، ص ١٢١.
[3] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 68.
[4] غريغوريوس العجائبي (قديس)، عظتان عن البشارة بمجيء المسيح، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، العظة الثانية، ص ٢٥.
[5] Zeno of Verona, Tractatus II, 12.2. Trans. by Hunter, 2007, p. 188-192.
[6] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 67.
[7] أفرام السرياني (قديس)، تفسير لسفر التكوين منسوب إلى مار أفرام السرياني في المخطوط الماروني هونت 112 في مكتبة أوكسفورد، مقدمة ونشر: الأب يوحنا تابت، (لبنان: جامعة الروح القدس – الكسليك، 1982)، القراءة السادسة، ص 51.
[8] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الفصل الأول من مسرحية المسيح المتألم، ص ٦٤.
[10] Gregory of Nyssa (St.), Against Eunomius, Book ii, PG 45, 492.
[11] غريغوريوس النيسي (قديس)، والدة الإله وسمعان الشيخ لقاء بالروح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة، ٢٠١٧)، ص ٢٧.
[12] غريغوريوس النيسي (قديس)، عظات آبائية على الميلاد والظهور الإلهي: عظة ميلاد المسيح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ص 136.
[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ٢: ١-٣)، ص ١٧٥.
[14] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢، ص ٣٨.
[17] كيرلس سليم بسترس وآخرون (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 712.
[18] Ambrose of Milan (St.), Expositio in Lucam II. 7, on (Luke 1: 26-38).
[19] Ambrose of Milan (St.), Explanatio Psalmi 47, 11.
[20] Augustine of Hippo, Sermon 189 on Nativity of Christ.
[21] Peter Chrysologus (St.), Sermon 117: 1. See also Luigi Gambero, S. M., Mary and the Fathers of the Church: The Blessed Virgin Mary in Patristic Thought, Trans. by Thomas Buffer, (San Francisco: Ignatius Press, 1999), pp. 294, 295.
[23] ساويروس الانطاكي (قديس)، رسائل القديس ساويروس الانطاكي، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٦)، رسالة رقم ٦٣ إلى أنطونينوس أسقف بيريا، ص ١٥١، ١٥٢.
سنقوم في هذا البحث بتسليط الضوء على الاختلافات الكبيرة والعميقة بين المفهوم الشرقيّ الأرثوذكسيّ للخطية الجدية، ممثلاً في ق. كيرلس الإسكندريّ، وبين المفهوم الغربيّ اللاتينيّ، ممثلاً في أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كان المحرِّك الرئيسيّ وراء مفاهيم مجامع قرطاچنة الثلاثة التي ناقشت الهرطقة البيلاجية، وقضت بحرمها. وبالتالي، نرى أن المفهوم الغربيّ مختلف تمامًا عن المفهوم الشرقيّ للخطية الجدية، وذلك بسبب تأثير كتابات أوغسطينوس أسقف هيبو على الغرب اللاتينيّ بقوةٍ، وهكذا سوف نرى في هذا البحث الاختلاف الشديد والعميق بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للخطية الجدية.
الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري
الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة
يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى ماهية الشر باعتباره اختيار خاطئ وقاتل للنفس.[1] وهكذا يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أن الشر هو عمل إرادي مرتبط بالإرادة الإنسانية في النفس، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال شيء موروث كما علَّم المانويون ومن بعدهم أوغسطينوس كالتالي:
”فكوننا لا نريد أن نُظهِر بأسًا شديدًا، أن نكون غير مهتمين بالابتعاد عن السيئات، وكون أن العقل لا يريد أن ينقطع عن الأشياء العتيقة، أو يبتعد بطريقةٍ ما عن كل دناءة، أو يتردد في فعل ما هو نافع، كل هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن الشخص يتوقف بإرادته في دائرة الشر، في الوقت الذي كان يجب عليه فيه أن يخرج مُسرِعًا“.[2]
عدمية الشهوة الدنسة
يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشهوة ليس لها وجود في حد ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه، داحضًا بذلك أية ادعاءات بوجود تعليم وراثة الخطية الأصلية في تعليمه اللاهوتي كالتالي:
”فالشهوة مثلاً التي تنادينا وتجبرنا على فعل أي شيء، ليس لها وجود في ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه: لهذا فالخضوع الذي يسير إلى التأرجح نحو الإرادة عن واجب الخضوع لأي فرد آخر، لا يمكن أن يُدرَك في طبيعته ذاتها، بل يُعتبر بالحري شهوةً أو إرادةً أو رغبةً في أحد الأمور الموجودة بجانب اسم وحقيقة الخضوع الذي نتحدث عنه بشكلٍ مطلقٍ، فإنه لن يُفهَم أنه منسوب لأيٌ منها، ولن يعرف المرء إن كان الخضوع صالحًا أم رديئًا، إنْ لم يكن مضافًا لأولئك الذين يتم الخضوع لهم: فالإنسان خاضع لله، لكنه يخضع أيضًا للشيطان“.[3]
دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الإرادة الحرة في الإنسان العاقل هي التي تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس، داحضًا أي تعليم عن الإرادة المقيَّدة بالشر وسبق التعيين للخطية والهلاك الناتج بدوره عن التعليم بوراثة الخطية الأصلية، الذي ابتدأه أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، وانتشر بصورة كبيرة في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح البروتستانتي، خاصةً في الكالفينية كالتالي:
”ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان أن يصبح إنسانًا عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن مَن يكون إنسانًا يمكنه بإرادته الخاصة أن يكون صالحًا أو شريرًا، فالإرادة قادرة على أن تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس“.[4]
ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت من بعده بتعليم الإرادة المقيَّدة بالشر، مُؤكدًا على أن المشيئة تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وبمثابة جذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة كالتالي:
”كيرلس: مثل المشيئة، فمع أنها تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وكجذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة، والتي يمكن أن تصل إلى النقيض. لأن ما يجعلنا نفعل الخير ليس هو ما يجعلنا نفعل الشرّ، وأن ما يجعلنا نختار أن نكون حكماء، ليس هو ما يجعلنا أن نختار ما هو عكس ذلك“.[5]
وهكذا يختلف ق. كيرلس الإسكندريّ تمامًا مع الطرح الأوغسطينيّ، بل يعتقد ق. كيرلس الإسكندريّ بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا، بل ويؤكد ق. كيرلس على أن مرض الميل إلى الخطية أصاب الطبيعة البشرية بعد السقوط، وليس كأنَّ الخطية صارت جزءًا من طبيعة الإنسان كما يدَّعي البعض خطاءً وعن جهل. حيث يقول التالي:
”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِيَ للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضَّل أن يعمل ما ليس صالحًا. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا، حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مُفيدة وُجِدَ الموت الجسديّ الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[6]
دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم خطية الطبيعة، الذي أطلقه أوغسطينوس أثناء صراعه مع الهرطقة البيلاجية، وهو تعبير مانويّ في الأصل، ويرى أن الخطية قد صارت جزءًا من الطبيعة البشرية، وهذا الفكر هو فكر غنوسيّ مانويّ غير أرثوذكسيّ، يدحضه ق. كيرلس موضحًا أن إمكانية الإنسان أن يصير صالحًا أوشريرًا تتوقف على إرادته، وليس على طبيعته كالتالي:
”الإنسان لديه إمكانية أن يصير أبًا لأولاده بحسب طبيعته، وهو لا يصير أبًا بإرادته، مثلما يمكن أن يكون شريرًا أو صالحًا بإرادته. فالأول [إمكانية الولادة] توجد فيه بحسب طبيعته، بينما الثاني [أن يكون شريرًا أو صالحًا] فيعتمد على إرادته. في الحالة الثانية نتسيَّد، بينما في الحالة الأولى نخضع لناموس الطبيعة الذي لا يُخترَق“.[7]
دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط
ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وانعدام الخير فيها انعدام كليّ وتام قائلاً:
”كيرلس: إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد، وهذا يعني أننا معرضون للفساد والزوال مثل الأعشاب، بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال، وعدم تغير الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم، لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم.
إرميا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم، وذلك رغم سقوطنا، إلا أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا لم ننحرف كليةً عن طبيعتنا، ولم ننحدر إلى العدم الكليّ، رغم عدم اقتناءنا للفضيلة، فلقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة، وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعني أن الطبيعة البشرية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلق باختيار الإرادة في أن يتغير الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مُقدَّسة في القول والفعل.
كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا، فإن صفات الله تضيء في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر“.[8]
دحض فكرة وراثة ذنب آدم
يرفض ق. كيرلس الإسكندري رفضًا باتًا فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل من آدم إلى ذريته قائلاً:
”والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية الواحدة نفسها؛ التي رأسها آدم أبينا جميعًا وهو واحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابنًا كما لا تجعل ابن آدم أبًا لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى أن الأب يظل أبًا والابن يظل ابنًا. أما إذا كنتم تظنون أنكم تهيئون برهانًا ذكيًا، وتحاولون أن تفرضوا الاختلاط وانعدام التمايز على وحدة الجوهر، حتى لا يبقى كل أقنوم كما هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديَّان الكل من أن يعاقب الابن على ذنب أبيه. أو الأب على ذنب ابنه، مع أن النبي يقول: ’النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن‘ (حز 18: 20). ولكن الذي يقضي بالعدل لا يعاقب الأب على ذنوب ابنه، رغم أن الأب والابن من جوهر واحد. لأن الأب ليس ابنًا، والابن كذلك ليس أبًا، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الأبوة والبنوة، والله يعرف كلٌّ منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما أنه لا ينحدر أيضًا إلى مكانة الآخر“.[9]
ويرفض ق. كيرلس تعليم وراثة الذنب الأبويّ في موضع آخر، حيث لا يقول ق. كيرلس إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم كالتالي:
”لقد قال يجب أن يهلك أيضًا مع الأم التي زنت، الأولاد بدون رحمة. ولأي سبب؟ لأنهم أولاد زنا، ولكننا لا نقول بالتأكيد إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم، لأن ما قاله حزقيال هو ما سيحدث لنا: ’النفس التي تُخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الآب، والأب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون‘ (حز 18: 20). غير أنه يجب أن نعرف، أنه بما أن الأم التي زنت، أُخِذَت كمثال للمجمع، فإن الآتين منه لن يكونوا في حالٍ أقل منه. وعندما قيل إنهم أولاد زنا، فقد أظهر بوضوحٍ، أنهم صاروا مذنبين جراء ما اقترفوه من جرائم الزنا الذهنيّ، وإن عدم إيمانهم هذا بدأ من القماط ومن رحم أمهاتهم، وأنهم لم يلمسوا أعمال التقوى، ولم ينشغلوا أبدًا بالفضيلة، ولم يُقدِّروا الطريق الذي يُسَرُّ به الله“.[10]
وينفي ق. كيرلس وراثة الذنب الأبويّ في سياق تفسيره لمعجزة شفاء المولود أعمى، حيث يرى أن الإنسان لا يُولَد أعمى ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع له هو شخصيًا، أو إلى أبويه، مؤكدًا على أن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء كالتالي:
”فالإنسان لا يُولَد أعمى،ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع إليه هو، أو إلى أبويه. وإضافةً إلى ذلك، فإن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء“.[11]
ويدحض ق. كيرلس فكرة وراثة الذنب، وفكرة الوجود السابق للنفس قبل الجسد، ويرفض فكرة أن النفس خاطئة من قبل ولادتها، وهنا يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب خطية آدم، على العكس من أوغسطينوس، الذي يرى أن النفس تُولَد حاملةً للخطية الأصلية رأسًا من آدم أصل الجنس البشريّ، فالنفس عند ق. كيرلس ليست خاطئةً ولا وارثةً لخطية قبل ولادتها كالتالي:
”ولكن ليس من السهل أن ندرك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم، فنحن لا نؤمن أن النفس موجودة قبل الجسد، ولا يمكن أن نظن أنها أخطأت قبل الجسد، فكيف يمكن أن تخطئ وهي لم تكن قد وُلِدَت بعد؟ […] وهذا كأنه قد قال بأسلوب مختلف وأكثر بساطة إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب خطاياه الشخصية، أو بسبب خطايا والديه“.[12]
ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق أن نفس الإنسان ليست مذنبةً بخطايا قبل ولادتها بالجسد، كما يقول أوريجينوس والأوريجانيون، ويدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بوراثة النفس المولودة من الأبوين لخطية آدم الأصلية، لأنه نفس الأمر يسري عليه فهي ليست خاطئة بالولادة في جسد بشريّ قائلاً:
”وقد سبق أن أوضحنا أن الله لا يجلب خطايا الآباء على الأبناء ما لم يكونوا مشاركين لهم في شرهم، كما سبق أن أوضحنا أيضًا أن وجود الإنسان بجسدٍ ليس هو بسبب خطايا سبق أن أرتكبتها النفس قبل وجود الجسد. لأن المسيح بحديثه ضد هاتين الضلالتين أسقطهما بطريقةٍ عجيبةٍ، حيث إنه بلا شك هو يعرف كل شيء كإله، أو بالحري هو نفسه الحاكم الأعلى لكل أمورنا، وهو الذي يعيِّن تلك الأشياء التي تناسب كل إنسان، والتي يستحقها كل إنسان، لأنه بقوله إن الأعمى لم يخطئ ولا هو يعاني العمى لهذا السبب، فإنه يبين أنه من الحماقة الافتراض أن تكون نفس الإنسان مذنبةً بخطايا قبل ولادتها في الجسد، وأكثر من ذلك، فحينما يقول صراحةً إن أبويه لم يخطئا حتى يُولَد ابنهما أعمى، فهو يدحض شكوك اليهود السخيفة [بوراثة الذنب الأبويّ]“.[13]
تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“
يفسر ق. كيرلس عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“، بعيدًا عن أي تفسير ساذج بأن هذه العبارة تشير إلى وراثة الجنس البشري لخطية آدم الأصلية، حيث يرى أن جدنا آدم حاد بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، ولم يحفظ نعمة [نفخة] الروح القدس، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، فلا توجد أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى انتقال خطية آدم بالتناسل إلى ذريته، ولا أصبحت الخطية الأصلية جزء من تكوين الطبيعة البشرية، كما يدَّعي المانويون الجدد عن دون دراية، معتقدين جهلاً أن ق. كيرلس يعلِّم بـ ”خطية الطبيعة“، كما علَّم به أوغسطينوس في الغرب متأثرًا في ذلك بالمانوية التي كان أحد أتباعها ومريديها في يوم من الأيام كالتالي:
”لأنه إذ قد حاد آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، فلم يحفظ نعمة الروح [القدس]، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، لهذا لزِم أن الله الكلمة غير المتحوِّل أن يصير إنسانًا، حتى إذَا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام“.[14]
ويفسر ق. كيرلس أيضًا عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“ في موضع آخر، حيث يرى أن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وهكذا نقل انحراف الإنسان الأول خسران الصالحات إلى الطبيعة الإنسانية كلها، لأنه في آدم فسد الجنس البشريّ كله. ونؤكد أن البشر بأشخاصهم وإرادتهم الحرة لم يكونوا موجودين مع آدم وقت عصيانه، وهذا ما صرَّح به ق. كيرلس في الشذرات المتبقية من تفسيره لرسالة رومية، عندما فسر أننا صرنا ”خطأة في آدم“ رغم أننا لم نكن موجودين معه وقت خطيته وعصيانه، وها هو هنا يفسر أننا كنا موجودين في آدم كـ ”طبيعة بشرية“ عاجزة عن الثبات، فاقدةً لكل الخيرات المعطَى لها من الله، وهكذا صارت طبيعة ساقطة ومنحرفة، وليست وارثة لذنب خطية آدم، كما يفسر الغنوسيون والمانويون الجدد عن دون دراية وعن جهل بمفاهيم ومعاني عبارات ق. كيرلس. وقد جاء الجنس البشريّ من الوجود إلى العدم في آدم الأول، ولكنه فَسَدَ، عندما كسر الناموس الإلهيّ كالتالي:
”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وكان سقوطها سهلاً للغاية. فكما أنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال، أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، كي يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب الإلهية. […] لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشريّ إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فَسَدَ، لأنه كسر الناموس الإلهيّ، ففي آدم الثاني، المسيح، قد قام هذا الجنس مرةً أخرى إلى بداية ثانية، وأُعيد تشكيله مرةً أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد“.[15]
الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة
يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي غياب عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البدء، وهكذا أعاد المسيح ما غاب عن الطبيعة البشرية باتحاده بها في تجسُّده. فالطبيعة البرية كانت مأسورة للموت، واحتاجت للكلمة المحيي أن يلبس هذه الطبيعة البشرية المأسورة للموت لكي يتوقف الموت عنها كالتالي:
”إذًا، لأنه كان من المستحيل أن يبطُل الموت بالنسبة لطبيعة الإنسان، لأنه كان أسيرًا للموت، جالبًا تلك اللعنة القديمة [الفساد والموت]، فكان حتميًا أن يلبس الكلمة المحيي الطبيعة المأسورة للموت، أي طبيعتنا البشرية، لكي يتوقف الموت، الذي – كأحد الوحوش المفترسة – انقضَّ أيضًا على جسده، فأبطل سلطانه الطاغيّ علينا بكونه الله. إذًا، فهذا هو الذي كُمِّل جسديًا لأجلنا بكونه إنسانًا، أكملنا نحن بكونه الله بأن أبطل سلطان الموت. لأن عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البداية غاب عنها. لأنه يقول: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره؛ لأنه إنما خلق الجميع للبقاء. فمواليد العالم إنما كُوِّنَت معافاةً وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض‘ (حك 1: 13-14)، ’لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 24). وإذ قادنا هكذا إلى الكمال، قال لأبيه السماويّ: ’أنا مجَّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته‘ (يو 17: 4). لأنه حقًا مجد الله الآب الذي أبطل بابنه ذاته الموت. إذَا، فقد تحقَّق كماله بواسطة الآلام، وما غاب عنَّا، أُضِيفَ لنا. لأنه بالمسيح صار خلقًا جديدًا (2كو 5: 17)“.[16]
دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا فكرة وراثة الخطية الأصلية عن طريق التناسل، حيث يقر بأنه ليس القدر ولا الولادة هما ما يجعلان الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس، الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين كالتالي:
”لذلك ليس صحيحًا، إذًا، أن كل من القدر والولادة هما اللذان يتحكمان في كل شخص كما يُعتقد، وتجعل الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس من ذلك، فإن الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين، ولا يوجد شيء يمنع بالضرورة أي شخص من توجيه مسيرته في أي اتجاه يقرِّره“.[17]
وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر، حيث يرى أن الذين ينسحبون عن الضلال السابق ويسرعون إلى الحق كثمرة لحرية إرادتهم هم مستحقون بالحقيقة للمديح كالتالي:
”وإذ يُفطَّمون من ضلالهم السابق الذي تسلَّموه من آبائهم، فإنهم يقبلون كلمة الإنجيل المخلِّصة. ونحن نؤكد أن مثل أولئك هم الذين يُدعون من السياجات، فإنهم بالحقيقة أكثر عظمةً وجدارةً بالمديح حينما يكون الانسحاب من الضلال السابق والإسراع إلى الحق هو ثمرة حرية الإرادة“.[18]
دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح
يرفض ق. كيرلس الإسكندري تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، كما يتضح إن تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء الإسكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.
وسوف نستعرض رأي ق. كيرلس الإسكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:
”ولكنني أفترض أنه من الحماقة الادعاء أن النفوس وُجِدَت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة أُرسِلَت لكي تُحبَس في أجساد ترابية. وسوف أُبرهِن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ’أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا‘ (أم٩: ٩)“.[19]
نحن نرث نتائج عصيان آدم
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بالوجود السابق للأرواح مُؤكِّدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:
”يقول بولس مُوضِّحًا أن الفساد قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم: ’لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ‘ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذَّا كان الجسد الميت قد أُعطِي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إنْ كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأنَّ وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مُسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدَّسة“.[20]
ويرى ق. كيرلس أننا كُنا مُتَّحِدين بآدم عندما جلب على نفسه عقوبة الموت، وليس الله هو مُعاقِبه بالموت، لأن الموت ليس من صُنع الله، وهكذا نحن مُتَّحِدون بالمسيح عندما جلب لنا الحياة وعدم الفساد. وهنا يؤكد ق. كيرلس أننا نرث من آدم الموت والفساد وليس ذنب خطيئته نفسها، لأننا كُنا مُتَّحِدين به من خلال الطبيعة البشرية الواحدة التي تجمعنا به كبشر مولودين من نسل بشريّ آدميّ، وهكذا جلب آدم علينا نتائج خطيئته أي عقوبة الموت كالتالي:
”لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه [الجسد] من الموت، يُعدّ – من الآن فصاعدًا – طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضِعَ [أُذِلَ] حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد [الانحلال]. لأننا مُتَّحِدون به مثلما كُنا أيضًا مُتَّحِدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لذلك، إذ كتب هكذا في أحد المرات: ’فإنه إذ الموت بإنسانٍ، بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، ويقول أيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22). لذلك فإن الكلمة إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد [الانحلال]، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة“.[21]
ويوضح ق. كيرلس أننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وهكذا سقطنا في مصيدة الموت، متروكين من قِبَل الله، فيؤكد على أننا نرث نتيجة مخالفة آدم وهي السقوط في مصيدة الموت، وليس المشاركة في ذنب خطية آدم. ويعطي ق. كيرلس معنى آخر للخطية الجدية وهي أنها هجران النعمة من الطبيعة البشرية كالتالي:
”لأننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وسقطنا في مصيدة الموت متروكين من قِبَل الله، ولكن الكل بالمسيح صار جديدًا، وعاد ثانيةً كل ما يخصنا كما كان في بداية الخليقة، كان ينبغي لآدم الثاني، الذي أتى من السماء، وكان أسمى وفوق الخطية، الجذر الثاني لجنسنا كليّ القداسة وغير الدنس، أن يُخلِّص [يُحرِّر] الطبيعة البشرية من الإدانة، وصار لها أن تستدعي ثانيةً نعمة الصلاح من السماء ومن الآب، فوقها، وتُبطِل هجران النعمة لها بواسطة طاعة يسوع المسيح التي حدثت مرةً واحدةً وإلى الأبد. لأنه لم يفعل خطيةً (إش 53: 9؛ 1بط 2: 22)، وأيضًا الطبيعة البشرية، وهي متَّحِدة به، صارت بلا لوم وبريئة“.[22]
ويشير ق. كيرلس بوضوح إلى أن آدم، الجذر الأول، قد أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، لم يقل ق. كيرلس أن آدم أنبت خطيئته في الطبيعة البشرية، كما يدَّعي الغنوسيون والمانويون الجدد، بل قال نتائج الغضب، حيث الموت الذي ملك من آدم إلى موسى على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، ويقارن ق. كيرلس بين عبور نتائج الغضب أي الموت من الجذر الأول للبشرية، آدم، وبين عبور النتائج الآتية من جذرنا الثاني، المسيح، في كل الجنس البشريّ. فأين الخطية الأصلية الموروثة التي يدَّعي هؤلاء أن ق. كيرلس يؤمن بها؟! حيث يقول التالي:
”كما أن الجذر الأول، أقصد آدم، أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، حيث ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، هكذا مرتَّ [عبرت] أيضًا النتائج الآتية من جذرنا الثاني، أي المسيح في كل الجنس البشريّ، الأمر الذي يؤكده بولس الرسول قائلاً: ’لأنه إنْ كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين‘ (رو 5: 15)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22)“.[23]
الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس
يشرح ق. كيرلس ماهية الجدية وهي انعطاف الإنسان نحو الشر، وقطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس الساكن في طبيعة الإنسان منذ أن خلقه الله ونفخ فيه نفسًا حيةً كالتالي:
”كيرلس: لقد هرب العالم من خالقه، وابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو أسمى من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ، فإنه قطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس.لأنه بمجرَّد أن خُلِقت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف، زُيِّنت في الوقت نفسه بهبة العلاقة بالروح القدس، لأنه مكتوب: ’ونفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك 2: 7). لأنه – كما أعتقد – لا يستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدالة وهذا التقديس بأيّ طريق آخر، سوى شركة الروح القدس؛ فعندما تجسَّد الابن الوحيد، وجد أن طبيعة البشر خالية من الصلاح، الذي وهبه الله إليها في القديم عند خلقتها؛ لهذا أسرع بأن يشركها في ملئه مثلما من نبعٍ، قائلاً: ’اِقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)، ومُبيِّنًا نفخة روحه عندما نفخ في وجوههم. وهكذا كان تجديد البشرية وإعادتها إلى رتبتها الأولى، مماثلاً لما قد حدث عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهَم أنه ابتعاد مكانيّ، بل بالحري أنه ابتعاد هذه الخليقة عن الله وعن شركة الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولى لو أردت – طالما أنها وُهِبت التجديد الروحيّ، وهي مدعوةٌ لشركة الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس“.[24]
ويشرح ق. كيرلس المفهوم السابق بأكثر تفصيلاً بأن الإنسان فقد في آدم عدم فساده بعد مفارقة الروح القدس للإنسان بالسقوط، وانحرف الإنسان نحو الخطية، ولكن لم ينحرف تمامًا بإرادته نحو الخطية، كما يدَّعي أوغسطينوس ولوثر وكالڨن بالفساد التام والكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط بسبب خطية آدم الموروثة، التي تعمل ديناميكيًا في الطبيعة البشرية وتجعلها مُقيَّدةً دائمًا بفعل الشر والخطية حتى لو أرادت الخير فهي تفعل الشر تلقائيًا بسبب الإرادة المقيَّدة قدرًا ووراثيًا بالشر. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان تتابع تدريجيًا في الغلو في الخطايا، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، وهذا يؤكد أن ق. كيرلس يؤمن بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية والإرداة الإنسانية، وليس كما يُعلِّم اللاهوت الغربيّ بقيادة أوغسطينوس وأتباعه من المصلحين البروتستانت بالفساد والانحراف الكلي والتام للطبيعة البشرية والإرادة البشرية. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان عانى من فقدان الروح القدس، وصار تدريجيًا خاضعًا للفساد ولكل الخطايا كالتالي:
”فإن هذا الكائن الحيّ العاقل على الأرض، أعني الإنسان، قد خُلِقَ منذ البدء في عدم فساد. وكان السبب في عدم فساده وفي بقائه في كل فضيلة، هو على وجه اليقين أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله ’نفخ في أنفه نسمة حياةٍ‘ كما هو مكتوب (تك 2: 7). لكنه وبسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في الغلو في هذه الأمور، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، عانى من فقدان الروح، وفي النهاية، أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عُرضةً أيضًا لكل الخطايا“.[25]
دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه. حيث يقول التالي:
”ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكَّد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد“.[26]
ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس الإسكندري بخصوص الخطية الجدية، ونتائجها، وآثارها، على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يُعدّ هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها من الشركة مع الله بسبب وراثة خطية آدم، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.
الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث
يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا. حيث يقول التالي:
”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحمِلاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة،. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[27]
اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية
ويُؤكِّد ق. كيرلس على اجتياز مرض الموت وليس الخطية الأصلية إجباريًا من بداية الجنس البشري كجذر إلى الفروع التي تفرعت منه كالتالي:
”كيرلس: إذًا، لأن بداية الجنس البشري بسبب الخطية انتهت إلى مرض الموت، وهذا الموت اجتاز إجباريًا إلينا، فمن الجذر امتد إلى الفروع التي تفرعت منه. لأن الثمر الفاسد هو من الأصل الفاسد. وهكذا ملك الموت على الجميع، وحتى على موسى نفسه، أي حتى ذاك العصر الذي كان فيه الناموس ساريًا“.[28]
يشرح ق. كيرلس كيف نقل آدم اللعنة، أي لعنة الفساد والموت، إلى نسله من جراء مُخالفته، فيقول:
”بما أننا آتينا من (الطبيعة) الفاسدة، نحن وارثون لعنة آدم بهذه الطريقة. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية التي أُوصِيَ بها ذاك، لكن -كما قلت-لأنَّ الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة للأولاد الذين وَلدَهم؛ أي صرنا فانين من الفاني. لذلك صار ربنا يسوع المسيح آدم الثاني، وبدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. أعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مهينًا الموت، ومبطلاً إياه في جسده. بالمسيح إذًا انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا يقول بولس الحكيم أيضًا: ’فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع‘ (1كو 15: 22). نستنتج إذًا، أنَّ اللعنة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل (الجامع) للكل تحقق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يثقلها؛ لأن الإنسان الأول صار فاسدًا“.[29]
ويُؤكِّد هنا ق. كيرلس على وراثة الفساد والموت من جراء مخالفة آدم، ويرفض بشكلٍ واضحٍ وراثة الذنب الشخصيَ أو الأخلاقيّ من آدم إلى بنيه.
عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان
يُفسِّر ق. كيرلس كيفية امتلاء يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو في بطن أمه، بأنه وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، داحضًا بذلك التعليم عن وراثة الخطية الأصلية؛ لأنه لو كان يوحنا المعمدان وارثًا للخطية الأصلية من والديه، فكيف يقول الإنجيل عنه إنه كان مُمتلئًا بالروح القدس من بطن أمه، ويتحدَّث ق. كيرلس عن أنه قد وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا البشرية، حيث يقول التالي:
”لأن المخلِّص يقول: ليس بين المولودين من النساء مَن هو أعظم من يوحنا (مت 11: 11)، وهذا حق، ولكننا نرى أن الذي وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، يُكرِّم المسيح بكرامةٍ لا يمكن مقارنتها. فهو يقول: ’الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلَّ سيور حذائه‘ (مر 1: 7). فكيف لا يبدو غير معقول، بل بالحري عدم تقوى، أن نؤمن أن يوحنا ’امتلأ من الروح القدس من بطن أمه‘ (لو 1: 15)، ثم نفترض أن سيده، بل بالحري سيد ورب الكل قَبِلَ الروح القدس فقط عندما اعتمد، مع أن جبرائيل يقول للعذراء القديسة: ’الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعَى ابن الله‘ (لو 1: 35)، وعلى محب المعرفة أن يرى قوة الكلمات التي تتمخض بالحق. لأنه يقول عن يوحنا ’يمتلئ‘ من الروح القدس، لأن الروح القدس صار فيه كعطية وليس بالجوهر، أما عن المخلص، فالملاك لا يقول عنه إنه ’سوف يمتلئ‘ بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ’القدوس المولود منك‘، ولم يقل ’المولود منك سوف يصير قدوسًا‘، فهو دائمًا قدوس بالطبيعة لأنه إله“.[30]
تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12)
يُفسِّر ق. كيرلس فقرة (رو5: 12) ”واجتاز الموت لجميع الناس“ دون أي ذكر لوراثة الخطية الأصلية، حيث يقول التالي:
”لقد بيَّن ربنا يسوع المسيح المحبة الحقيقة اللافتة التي أظهرها لنا الله الآب من خلال تتميم تدبيره [الابن] في الجسد وآلامه على الصليب، إذ قيل: ’هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكيلا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية‘. وتأكيدًا لذلك، فقد بذل [الآب] بالحقيقة ابنه الوحيد من أجلنا، وبذلك افتُدِينا وتحرَّرنا من الموت والخطيئة. ’فالكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا‘ ليس لسبب آخر سوى احتمال الموت في الجسد، ولكي يتمكن من الانتصار على القوات والسلاطين، ولتحييد ذاك الذي ’له سلطان الموت، أي ابليس‘، ولكي ينزع الفساد ومعه يزيل الخطيئة التي تقهرنا. بهذه الطريقة قد محى أيضًا تلك اللعنة القديمة التي تحملتها الطبيعة البشرية في آدم باعتباره باكورة جنسنا وأصل نشأتنا. فعندما خالف آدم الوصية، فقد أخطاء تجاه الخالق. وهذا هو السبب في أنه قد صار ملعونًا وخاضعًا للموت. ولكن رب الكون قد تحنن على أولئك الذين هلكوا تمامًا؛ فنزل الابن من السماء، ومحا الاتهامات، مُبررًا الفاجر بالإيمان. كإله، أعاد تشكيل الطبيعة البشرية ليجعلها غير فاسدة رافعًا إياها إلى حالتها الأصلية. فكل ما في المسيح هو ’خليقة جديدة‘، لأنه قد جعل نفسه كأصل جديد وصار آدم الثاني. ولكن هذا لا يعني أنه قد صار سببًا لغضب الله كما كان آدم، أو سببًا لابتعاد المولودين منه عن فوق؛ بل على العكس، فهو المحسِن الذي منحنا أن نصير أقرباء لله من خلال التقديس، وعدم الفساد، والتبرير الذي بالإيمان. ويشرح لنا بولس الحكيم هذا الأمر في كلمات المقطع الذي نحن بصدده، فيقول: ’كأنما بإنسان واحد‘، ثم يُكمِل قائلاً: ’دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘. إذًا، فقد دخل الموت بالخطيئة – كما قُلتُ – في الإنسان الذي خُلِقَ أولاً، في مصدر جنسنا. ثم تم أسر [نهب] الجنس البشري بأكمله لاحقًا. وعندما تسيَّدت الحية، مُخترِعة الخطيئة، على آدم بطرق المكر، اخترقت العقل البشري. ’الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس مَنْ يعمل صلاحًا‘. في الواقع، عندما ابتعدنا عن وجه الله كلي القداسة، إذ أن العقل البشري شغل نفسه باجتهاد بالشر لأنه ’شرير منذ حداثته‘، بدأنا نعيش حياة خالية أكثر من المنطق، و ’ساد الموت وابتلعنا‘ كما يقول النبي [إشعياء]، والهاوية ’وسعت نفسها وفغرت فاها‘. فعندما صرنا متبعين لآدم في تعديه، الذي بحسبه ’أخطأ الجميع‘، صرنا مستحقين لنفس العقوبة التي كانت عليه. لكن الأرض تحت السماء لم تبقَ بدون مساعدة. فالخطيئة انتُزِعَت، وسقط الشيطان، والموت ذهب هباءً“.[31]
نفي وراثة خطية آدم
ويستطرد ق. كيرلس في سياق شرحه لفقرة (رو5: 18-19) من أجل إثبات عدم توارث ذرية آدم معصيته الأولى كذنب موروث، لأننا لم نكن مولودين وموجودين لنخطئ معه، بل يتحدَّث عن انتقال مرض الخطية إلى طبيعتنا البشرية، ويشرح الأمر كالتالي:
”يُضِيف بولس الموحَى إلهياً إليه، نوعاً من الاستنتاج حول الافكار السابقة عندما يقول: ’وهكذا بمعصية الواحد‘ وما يَتْبَع ذلك. فلقد تم إدانتنا جميعاً في آدم، كما قلت سابقاً. وعندما حَلَّت لعنة الموت، انتشرت النتيجة إلى الكل من الجذر الأصلي. ولكننا أيضاً أصبحنا مُبَرَّرين وأشرقنا مرةً أخرى للحياة عندما تبرَّرنا في المسيح. لَقَدْ عَصَى جَدُّنَا الوصية الممنوحة له. وأساء إلى الله وعانى من عواقب الغضب الإلهي، ومِنْ ثَمَّ سقط في الفساد. وهنا انتقلت الخطية إلى طبيعة البشرية، وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ والتي تعني كل شخص علي الارض. والآن قد يقول شخص ما: نعم آدم سقط، وعصى الوصية الإلهية وقد أُدِينَ للموت والفساد. ولكن كيف ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ بسببه؟ ولماذا تؤثر سقطته علينا؟ لماذا تم إدانتنا معه ونحن لم نكن مولودين بَعْدٌ؟ وعلي النقيض، يقول الله: ’لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ‘، وَلاَ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ، و ’اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ‘، كيف إذًا سندافع عن موقفنا؟ بالفعل، فإنَّ النفس التي تخطئ يجب أن تموت. ومع ذلك، لقد أصبحنا خطاةً بواسطة عصيان آدم بالطريقة التالية: لقد خُلِقَ -آدم- في الحياة وعدم الفساد، وعاش حياة مقدَّسة في فردوس النعيم. وكان عقله بالكامل وعلى الدوام يتمتع برؤية الله، وجسده كان هادئًا وغير مضطرب حيث أن كل الملَذَّات المخْزِيَّة كانت في خمولٍ. ولم يكن فيه أيّ اضطرابٍ البتة من الدوافع الغريبة. ولكن عندما سقط تحت الخطية غرق في الفساد واجتاحت الشهوات النجسة طبيعة جسده، وتُوَلِّد ناموس الشر في أعضائنا. فالْتَقَطَتْ طبيعتنا مرض الخطيئة ’بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ‘ -أي آدم- وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ ليس لأننا أخطئنا معه -إذ لم نكن موجودين بعد- بل لأننا من نفس طبيعته، التي سقطت تحت ناموس الخطية. وهكذا، كما اكتسبت الطبيعة البشرية الفساد في آدم بسبب عصيانه واجتاحتها الأهواء الشريرة، تحرَّرت مرةً اخري في المسيح، الذي كان طائعًا لله الآب، ولم يرتكب خطيةً“.[32]
يشرح ق. كيرلس في موضع آخر كيف نقل لنا آدم الأول لعنته وعقابه الذي لحق به من جراء العصيان ردًا على سؤال تيبريوس الشماس حول ذلك الأمر، حيث يقول التالي:
”سؤال: لماذا عن طريق الموت في آدم، علينا أن نُوفِي عقوبة جَدِّنَا الأول؟ ولماذا يكون كل واحد منَّا مديونًا بسبب مخالفة ذاك؟ لماذا لم أرث الطهارة حين وُلِدتُ، بالرغم من أن والدي صار طاهرًا، كلٍّ من: عقوبة الجد الأول ومن تعديه الخاص، وصار حيًا في المسيح بواسطة الروح القدس؟ لماذا لم تَفِدْني نعمة البر التي قَبِلَها هو ذاته، بالرغم من أن هذه النعمة هي أقوى جدًا من الخطية؟
جواب: ينبغي أن نفحص كيف نقل لنا آدم الأب الأول العقاب الذي لحقه من جراء مُخالفته، فقد سمع: ’أَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ‘ (تك ٣: ١٩). وهكذا صار فاسدًا من كونه غير فاسدٍ، وخضع لقيود الموت. ولكن بما أنه أنجب أولاداً بعد السقوط في هذه الحالة، فقد وُلِدْنَا نحن فاسدين بما أننا أتينا من الفاسد، وهكذا نحن وارثون لعنة آدم. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية الإلهية التي أُوصِي بها ذاك، لكن – كما قلت – لأن الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة لذريته، إذ أننا وُلِدنا مائتون من أصلٍ مائتٍ. بينما صار ربنا يسوع المسيح -آدم الثاني- بدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. وأعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مُهِينَاً الموت ومُبْطِلاً إياه في جسده. بالمسيح إذن انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا أيضاً يقول بولس الحكيم: ’فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ‘. (١ كو ١٥: ٢١)، وأيضًا: ’لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ‘. (١ كو ١٥: ٢٢). نستنتج إذًا أن العقوبة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل للكل قد تحقَّق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يُثَقِّلُهَا من خلال الإنسان الأول الذي صار فاسدًا. لكن والد كل واحد مِنَّا، بالرغم من أنه قُدِّس من الروح القدس ونال غفران خطاياه، إلَّا أنه لا يمكنه أن ينقل لنا أيضًا العطية؛ لأن واحدًا هو الذي يُقدِّس ويُبرِّر جميعنا، ويُحضِرنا ثانيةً إلى عدم الفساد، هو ربنا يسوع المسيح. وبواسطة المسيح، هذه العطية تأتي بالتساوي لجميعنا. فإنَّ مغفرة الخطية وانحلال الموت، شيئان مختلفان. فكل واحد مِنَّا يحصل على مغفرة خطاياه الخاصة في المسيح من خلال الروح القدس. بينما نتحرَّر جميعاً على حد سواء، من العقوبة الأولى المفروضة علينا، أعني عقوبة الموت التي امتدت إلى الجميع على مثال الإنسان الأول الذي سقط في الموت. لأجل هذا أيضاً يشير بولس الحكيم إلى أن الموت ’قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي‘. (رو ٥: ١٤). لكن فيما بعد، عندما أشرق المسيح، أتى البر الذي برَّرنا بنعمة الله وأبعد الفساد عن أجسادنا“.[33]
مفهوم ناموس الخطية المتوحش
يوجد أيضًا تعبير ”ناموس الخطية المتوحش“ الذي فسَّره ق. كيرلس بأنه الحركات المغروسة في الجسد التي تتم بالفكر والإرادة، فهو يقصد القدرة على فعل الخطية، وليس ممارسة الخطية نفسها، بمعنى أن القدرة على فعل الخطية شيء، أما ممارسة الخطية شيء آخر، لأن الخطية فعل إرادي وليست فعلاً موروثًا. لقد آتت المعرفة الاختبارية للشر والخطية بعد العصيان والسقوط. وبالتالي لا يعني ”ناموس الخطية المتوحش“ أبدًا وراثة الخطية الأصلية بالتناسل، ولا تتساوى الفكرتين مع بعضهما البعض. فالإنسان بعد السقوط لديه طبيعة تميل للخطية، ولكن الطبيعة البشرية الفاسدة والمائتة بالانفصال عن الله، تحتاج أن يحملها شخص عاقل مُريد لكي يُمارِس الخطية، وهكذا الطبيعة لديها ميل للخطية، ولكنها تحتاج لشخص ليقوم بممارسة هذه الخطية، لكن الطبيعة البشرية لا تمارس الخطية من تلقاء ذاتها، فقبل السقوط كان الإنسان لديه القدرة على فعل الخطية، ولكنه بعد السقوط وبعدما أختبر وعرف الشر ومارسه صار له ميل للخطية أي ”ناموس الخطية المتوحش“، أو الحركات المغروسة في الجسد، أو الفكر الذي يتسلط عليه لذات الجسد. ولكنه يُمارِس الخطية بإرادته، وليس رغمًا عنه كنتيجة حتمية طبيعية بسبب خطية أصلية موروثة في طبيعته، وكأنها جزء من أجزاء الطبيعة، أو مكون من مكونات الطبيعة البشرية، لأنه هذه هي الهرطقة المانوية، بل يُمارِس الخطية بمحض إرادته وبإرادة حرة كاملة. وهكذا يُعرِّف ق. كيرلس ”ناموس الخطية المتوحش“ كالتالي:
”لذلك نقول إنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم، وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد، أي حركاته المغروسة فينا، فقد صار من الضروري لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض، أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعًا للفساد ومريضًا بحب اللذة، خاصًا به وحيث أنه الحياة ومُعطِي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكنًا أن تُمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضًا أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا ’ناموس الخطية‘. حيث أن الجسد الإنساني صار خاصًا بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث أنه كإله ’لم يعرف الخطية‘، فإنه اتَّحد بالجسد وأعلنه خاصًا به كما قلت، فوضع نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه، لأنه هو كما هو دائمًا. بل واضح أنه لأجلنا لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم، فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضًا تأتي إلينا كلها معًا“.[34]
ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية“ في موضع آخر موضحًا أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، فناموس الخطية هو ميل إراديّ يقودنا نحو ما هو ضد الناموس كالتالي:
”فما معنى قوله إن الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مُختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحِبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإن جسده كان مُقدَّسًا ونقيًا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس“.[35]
ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية المتوحش“ بصورة أوضح مشيرًا إلى أن هناك ناموس الخطية الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، فهناك صراع داخلي بين ميل الجسد لفعل الخطية وبين ميل العقل لفعل الصلاح كالتالي:
”فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة – فهناك الشيطان الذي يُبغِض كل ما هو جميل. وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وهناك أيضًا ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان – إذَا فماذا نفعل – وهناك مثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟“.[36]
ويوضح ق. كيرلس أن ناموس الخطية في الأعضاء الجسدية يقاوم بضراوة ومرارة. ولكنه يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضل وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة، فالصراع هنا صراع نحو امتلاك الإرادة نحو الخير أو نحو الشر، وليس انقياد لا إرادي وإجباريّ وطبيعيّ نحو ممارسة الخطية والشر، كما في المنظومة الغربية الأوغسطينية والكالڨينية كالتالي:
”وناموس الخطية الذي في الأعضاء يقاوم بضراوة ومرارة. لأني أعرف أن بولس الذي كان متعلمًا في الناموس يناقش هذه الأمور بروعة، لأنه قال: ’فإني أُسرَّ بناموس الله حسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي‘ (رو 7: 22، 23). ويقول أيضًا: ’إذًا، أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ (رو 7: 25). وإلى جانب ذلك، يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضلّ وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة“.[37]
ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية
ويُسمِّي ق. كيرلس ”ناموس الخطية“ في موضع آخر بـ ”ناموس الشهوة الطبيعيّ“ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا، وهذا يدل على أن ق. كيرلس لا يقصد بوراثة الخطية الأصلية وراثة ناموس الخطية المتوحش كما يُعلِّم البعض عن تشويش وتخبط واضح وعدم فهم للاهوت ق. كيرلس وأنثروبولوچيته كالتالي:
”لأن الحية المتعددة الرؤوس تضايقنا كثيرًا، وتُورِّطنا أحيانًا في صعوبات غير متوقَّعة، حتى تحدرنا إلى الحضيض وإلى الخطية بأنواعها. زذ على ذلك، فهناك أيضًا ناموس الشهوة الطبيعيّ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا كما يقول الكتاب (رو 7: 23)“.[38]
الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح
ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت
يرى ق. كيرلس أن الفساد دبَّ في البشرية بسبب آدم، ودخلت فينا لعنة الموت بسبب آدم، ودخل ناموس الخطية فينا بواسطة لعنة الموت، وهنا يؤكد ق. كيرلس على أن ناموس الخطية هو نتيجة للعنة الموت، وليس كما أكَّد أوغسطينوس، أن ناموس الخطية بسبب وراثة خطية آدم الأصلية في البشر، فصارت خطية آدم الموروثة هي مصدر الخطية في الطبيعة البشرية. بل الإنسان، بحسب ق. كيرلس، بسبب وجوده في حالة الموت والتغرُّب عن الله دخل فيه ناموس الخطيئة وتغلغَّل في أعضائه الجسدية كالتالي:
”وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أيّ آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. […] فنحن ترابيون بسبب آدم الذي من تراب، وقد دخلت فينا لعنة الموت، التي بواسطتها دخل فينا ناموس الخطية الموجود في أعضائنا“.[39]
الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله
يرى ق. كيرلس أن المسيح هو محطم الموت والفساد الذي أصاب طبيعة الإنسان، وردَّه مرةً أخرى إلى ما كانت طبيعته عليه في الأصل، لأن جسدنا كان مشحونًا بالموت، فحرَّر المسيح جسدنا من رباطات الموت. معصية آدم جعلتنا وجوهنا محجوبة ومتغربة عن الله وصرنا نموت ونعود إلى التراب، فقصاص الله على الطبيعة البشرية هو الموت، أي العودة إلى التراب، ولكن جاء التجديد من خلال الثالوث القدوس الواهب الحياة للراقدين كالتالي:
”كان الإنسان الميت في طريقه إلى الدفن، وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة، أعني المسيح نفسه، لأنه هو مُحطِّم الموت والفساد، هو الذي ’به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً، فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. […] لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو: ’لأنك تراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم، فإن وجه الأرض سيتجدَّد لأن الله الآب بالابن في الروح القدس سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها. إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن ’ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال‘، كما يقول الكتاب (عب 8: 13). ولكن المسيح يُجدِّد لأنه هو الحياة“.[40]
ويؤكد ق. كيرلس على هجران وتغرُّب الطبيعة البشرية عن الله بعد السقوط، وهكذا قَبِلَت الطبيعة البشرية لعنة الفساد والموت، وصارت أسيرةً للموت، فالفساد دخل الطبيعة البشرية من الخارج بسبب الهجران الذي أختبرته الطبيعة البشرية من الله بعد السقوط كالتالي:
”نقول: لأن أبونا الأول داس على الوصية التي أُعطِيَت له، ولم يبالِ بالناموس الإلهيّ (تك 3: 1 وما بعده)، هُجِرَت الطبيعة البشرية من الله، ولأجل هذا قَبِلَت اللعنة، وصارت أسيرةً للموت، لكن عندما أتى الابن الوحيد كلمة الله إلى العالم ليعيد تشكيلها إلى عدم الفساد، وأخذ الطبيعة البشرية من نسل إبرام، وصار مثل إخوته (عب 2: 16-17)، كان يجب، كما وضع حدًا لتلك اللعنة الأولى القديمة، والفساد الذي دخل من الخارج، أن يضع أيضًا حدًا للهجران الذي اختبرته الطبيعة البشرية من البداية“.[41]
ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط
يشير ق. كيرلس إلى أن الطبيعة البشرية صارت في آدم لها ميل وقابلية للخطية، فالطبيعة البشرية لا يمكن أن تخطئ من تلقاء نفسها بدون أن تكون موجودة في شخص كائن عاقل له إرادة لكي يمارس بها الخطية، فالطبيعة البشرية ليس لها وجود واقعيّ حقيقيّ لو لم تكن موجودة ومتشحصنة ومتأقنمة في شخص عاقل مريد يمارس الخطية بإرادته الحرة كالتالي:
”هكذا قد محا ذنب العصيان الذي بواسطة آدم، هكذا أُبطِلَت قوة اللعنة، وأُبيدت سيادة الموت. وهذا ما يُعلِّمه بولس أيضًا قائلاً: ’لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِلَ الكثيرين خطاةً، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرين أبرارًا‘ (رو 5: 19). لأن طبيعة الإنسان كلها صارت خاطئةً [ميَّالة للخطية أو عُرضة للخطية] في شخص الذي خُلِقَ أولاً [هذا يؤكد أنها ينبغي أن تتشخصن في شخص لتصبح موجودة وفاعلة]، ولكنها الآن قد تبرَّرت كليةً من جديد في المسيح“.[42]
إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال
يرى ق. كيرلس أنه قد تمَّت إدانة الطبيعة البشرية في آدم وكانت النتيجة أنها سقطت في الانحلال أي للموت بسبب تعديه للوصية التي أُعطِيَت له كالتالي:
”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدى الوصية التي أُعطِيت له“.[43]
وهذا يُفسِّر لنا لماذا قال ق. كيرلس في موضع آخر: ”أننا أخطأنا في آدم“، وقال أيضًا: ”أننا لم نخطئ معه لأننا لم نكن موجودين آنذاك“، وهكذا ”لا نُحسَب مذنبين بذنبه وحاملين وز خطيئته“، فالمقصود من تعبير ق. كيرلس ”أخطأنا في آدم“ هو إدانة الطبيعة البشرية في آدم، وليس إدانة شخوص البشر في آدم، لأن آدم مسئول عن خطيئته وحده، ولكن لا يُحاسَب البشر بذنب خطية آدم. إلا أن الطبيعة البشرية صارت تحت الدينونة في آدم، وسقطت في الانحلال، لأن الطبيعة صارت متغربة ومحجوبة عن الله وانفصلت عن مصدر حياتها، فسقطت في الانحلال.
وراثة حكم الموت في آدم
ويُفسِّر ق. كيرلس في موضع آخر إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم، حيث يرى أننا صرنا وارثين حكم الإدانة [أي حكم الموت] التي كانت لآدم الأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه كالتالي:
”لأن طبيعة الإنسان كان محكومًا عليها بالموت بسبب عصيان المخلوق الأول، فكان يجب أن تعود ثانيةً إلى حالتها الأولى مُظهِرةً طاعتها. غير أن هذا كان بالفعل أكبر وأسمى من القدرات البشرية؛ لأنه ليس أحدٌ طاهرًا من الخطايا. لأنه إذَا كان المخلوق الأول قد سقط مرةً واحدةً في الخطية، وصار أسير ضعفه، وتغذت طبيعته بشهوات الجسد الذي أصبح جذرًا وحاملاً لناموس الخطية المتوحش، فكيف له أن يتجنب هذا تمامًا؟ […] لكي يأخذ – هذا الذي لم يعرف خطيةً – جسدًا مثلنا، ويجعله خاصًا به، حتى يوجد على الأرض بكونه إنسانًا، فيبرِّر طبيعة الإنسان بذاته ويُحرِّره من قيود الموت، مُتوَّجًا من الله الآب بتاج البراءة. وإلا يكون غريبًا، أن نصير وارثين حكم الإدانة التي كانت للأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه، دون أن نُصبِح مشاركين برّ الثاني، الذي أحضرنا ثانيةً إلى الحياة بطاعته التامة!“.[44]
النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفس مخلوقة في سياق مُقاومته لبدعة ”تجسيم أو أنسنة اللاهوت“، التي تفشت في عصره بين رهبان برية شيهيت بمصر، وبين رهبان سوريا وفلسطين، وفي سياق مقاومته لتعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد السقوط من عالم الغبطة في معية الله. حيث يقول التالي:
“ولا أظن أن أحدًا سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو أنها تتكوَّن معه، وإنما الله -بطريقة غير معروفة- يغرسها في الجسد وتُولَد معه. ولذلك، نحن نُحدِّد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”.[45]
ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق حديثه عن تجسُّد الرب إلى أن الأمهات يمنحن الجسد اللحميّ فقط، ولكن يُرسِل الله النفس بكيفيةٍ معروفةٍ له فقط في اللحم البشريّ لتتَّحد به، وتُكوِّن إنسانًا كاملاً مُركَّبًا، بحيث تلد الأمهات على الأرض إنسانًا كاملاً مُكوَّنًا من جسد ونفس عاقلة. وبالتالي، يُؤكِّد ق. كيرلس على أن النفس في أصلها مخلوقة مُباشرةً من الله، ولا تُولَد مثل الجسد اللحميّ من الأم والأب قائلاً:
“إن سر تجسُّده هو بكيفيةٍ ما مماثل لولادتنا، لأن أمهات أولئك الذين على الأرض الخاضعات لقوانين الطبيعة فيما يخص الولادة، لهم لحم يثبت في الرحم، وهو الذي ينمو قليلاً قليلاً بحسب أفعال الله غير المدرَكة، ويصل إلى النضوج في هيئة إنسان. ويرسل الله الروح في الكائن الحي بكيفيةٍ معروفةٍ له، وهذا بحسب قول النبي: ‘وجابل روح الإنسان في داخله’ (زك 12: 1). وإن الكلام عن الجسد شيء، والكلام عن النفس شيء آخر، ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النسوة هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلا أنهن يلدن الكائن الحيّ كله، وأنا أعني كائنًا مُكوَّنًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنه يلدن جزاءًا من الكائن، ولن يقول أحد إن أليصابات، مثلاً كانت أمًا للجسد فقط، وليست أمًا ولدت نفسًا في العالم إلى جانب الجسد. لأنها ولدت المعمدان إنسانًا ذا نفس، وكائنًا حيًا مُكوَّنًا من الاثنين. وأنا أعني إنسان له نفس وجسد معًا”.[46]
براءة الأطفال من الخطية الأصلية
يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى وجود معمودية الأطفال في عصره، حيث يُؤكِّد على إحضار الاشبين المسئول عن الطفل به لينال مسحة الموعوظين، ثم يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، ولم يأت ق. كيرلس الإسكندري على ذكر أية خطية موروثة تمحوها المعمودية المقدَّسة في الأطفال، بل كانت إشارته إلى نوال المسحة المقدَّسة في المعمودية كالتالي:
”لأنه حينما يُحضِرون طفلاً مولود حديثًا لكي ينال مسحة الموعوظين، أو يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، فإن مَنْ يُحضِره إلى المعمودية [أي الاشبين] يُكرِّر بصوتٍ عالٍ قائلاً: ’آمين‘ نيابةً عنه“.[47]
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن مصير اﻷطفال غير المعمَّدين، ويُذكِّرنا موقفه هذا بموقف كل من كاتب عظة ”صوم المسيح“ المنسوب إلى ق. أثناسيوس، وموقف ق. غريغوريوس النيسي في عظته عن ”الموت المبكر للأطفال غير المعمدين“. حيث يقول ق. كيرلس في رده على سؤال الشماس انثيموس (منشور القول في بردية crum حقَّقها وعلَّق عليها العالم Ehrhard) التالي:
”انثيموس: هل يدخل الأطفال الصغار إذَا ماتوا قبل أن ينالوا المعمودية الملكوت؟ كيرلس: حقًا الملكوت هو لهم، لأنهم عندما تكوَّنوا في بطون أمهاتهم قد حُسِبوا للملكوت. وبالإضافة إلى ذلك، إذَّا كان الجذر مُقدَّسًا، هكذا تكون الأغصان“.[48]
نجد هنا ق. كيرلس الإسكندري لم يقل إن الأطفال غير المعمَّدين لن يدخلون الملكوت بسبب عدم معموديتهم، ولا بسبب الخطية الأصلية الموروثة كما يقول أوغسطينوس، بل الملكوت هو لهم من بطون أمهاتهم، لأنهم مُقدَّسون من البطن بلا خطية.
ويشدد ق. كيرلس، على العكس من أوغسطينوس واللاهوت الغربيّ، على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية قائلاً:
”ولكن الولد الذي قد أخذه لأيّ شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خالٍ من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات […] في قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. وقال المخلص نفسه مرةً للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ’الحق أقول لكم، إنْ لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله‘ (مت 18: 3)“.[49]
ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على بساطة وبراءة الأطفال من أيّ خطية كالتالي:
”وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ’وأقامه عنده‘، مبينًا بذلك – كما في رسمٍ توضيحيّ – أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره لكونهم يُفكِّرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ’تعلَّموا مني لأنيّ وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[50]
يشير ق. كيرلس إلى معمودية الأطفال، حيث يُقرَّب الأطفال ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل، أي تكريس الأطفال بالمعمودية ومسحة الميرون، لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، لأنه منحدر بالأساس من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة، ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقة غير لائقة أو مُشوشة، بل بترتيب ووقار ومخافة. وهنا لم يأت ق. كيرلس على ذكر تقديم الأطفال للمعمودية من أجل مغفرة الخطية الأصلية المورثة، بل للتقريب والبركة من المسيح والتكريس بالأيادي المكرَّسة قائلاً:
”والأطفال إلى الآن يُقرَّبون ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، وقد انحدر إلينا من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة. ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقةٍ غير لائقةٍ أو مُشوشةٍ، بل بترتيبٍ ووقارٍ ومخافةٍ“.[51]
يؤكد ق. كيرلس على قلة معرفة الأطفال أو عدم معرفتهم على الإطلاق، ولذلك يتمّ إعفائهم بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ، وهنا يؤكد ق. كيرلس على براءة الأطفال من أي شر أو انحراف أو خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية. وهذا عكس الموقف الذي اتَّخذه أوغسطينوس والغرب من بعده من الأطفال، وخاصةً الأطفال غير المعمَّدين، الذين اعتبره أوغسطينوس والغرب مذنبين بسبب خطية آدم الأصلية التي ورثوها بالولادة من أبويهما، ويرى أوغسطينوس أن مصير الأطفال غير المعمَّدين هو الجحيم أو الليمبوس، وهو درجة من درجات الجحيم أخف وطأةً وتعذيبًا من درجات تعذيب الأشرار والخطاة البالغين كالتالي:
”ولكن مِن الضروريّ أن نفحص ما معنى أن نكون أطفالاً في الشرّ، وكيف يصير الإنسان هكذا، أمَّا في ذهنه فيكون كاملاً. فالطفل بسبب أنه يعرف القليل جدًا أو لا يعرف أيّ شيء مطلقًا، يُعفَى بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ. هكذا أيضًا من واجبنا أن نسعى للتمثل بهم بنفس الطريقة، بأن نطرح عنَّا تمامًا عادات الشرّ، لكي نُعتبر كأناس لا يعرفون حتى الطريق المؤدي للخداع، بل كمَّن لا يعرفون الخبث والاحتيال، وهكذا يعيشون بأسلوبٍ بسيطٍ وبريء، ويمارسون اللطف والاتضاع الفائق الثمن، كما يمتنعون بسهولةٍ عن الغضب والحقد. ونحن نؤكد أن هذه الصفات هي التي توجد في أولئك الذين لا يزالون أطفالاً. لأنه بينما تكون صفاتنا هكذا في البساطة والبراءة، فإنه ينبغي أن نكون كاملين في الذهن، فيكون لنا ذهنًا مؤسَّسًا بثباتٍ في المعرفة الواضحة للذي هو بالطبيعة وبالحق خالق الكون، وهو الإله والربّ“.[52]
تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5)
يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، فلو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسَّر هذه الآية كما فسَّرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس الإسكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسَّر آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:
”ويقول [داود] هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعيّ، لأنه لو كان كذلك ما كان مُستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة. ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يُوجِّهون كلامهم إلى الله قائلين: ’إنْ أردت أن تُحاكِمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تُحاكِم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا مُعترِفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكُوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد‘. لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ’تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب‘ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ’تذكر ما هو وجودي‘ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوحٍ صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)“.[53]
سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء
لم يشر ق. كيرلس لا من قريب ولا من بعيد إلى الخطية الأصلية الموروثة من آدم في سياق تعليله لميلاد المسيح البتوليّ من العذراء القديسة مريم، ولم يقل كما فسَّر أوغسطينوس والغرب من بعده أن ميلاد المسيح البتوليّ من العذراء مريم كان ليمحو الخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرث المسيح خطية آدم الأصلية من العذراء القديسة، والذي أدى بعد ذلك إلى ظهور تعليم الحبل بلا دنس في الغرب اللاتينيّ من بعد أوغسطينوس، والذي يقول بأن العذراء القديسة لم تُولَد من أبويها يواقيم وحنة حاملةً للخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرثها المسيح نفسه بعد ذلك عند ولادته منها بالروح القدس، فكان دور الروح القدس بحسب هذا المعتقد الغريب أن يمنع وراثة المسيح للخطية الأصلية من العذراء القديسة مريم عند الحبل البتوليّ منها، وقد منع الروح القدس من قبل أن ترث العذراء القديسة مريم الخطية الأصلية الموروثة من آدم عند الحبل بها من أبويها يواقيم وحنة. فيقول ق. كيرلس التالي:
”كيرلس: ولكن ما دام الله لم يحتقر الزواج، بل بالحري كرَّمه بمباركته، فلماذا إذًا جعل الكلمة – الذي هو الله – من عذراء أمًا لجسده بحملٍ من الروح القدس؟
المحاور: لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال.
كيرلس: بالرغم من أن المبرِّر غير ظاهر للكل، لكن إذَا فحصنا بتدقيق، نجد أن الابن أتى، أي تأنس لكي يُعيد تشكيل وضعنا داخل نفسه منذ البداية بولادةٍ وحياةٍ عجيبةٍ ومدهشةٍ حقًا؛ لهذا صار هو نفسه الأول الذي وُلِدَ من الروح القدس (أقصد من جهة الجسد)، حتى أنه صار بمثابة طريق تأتي لنا النعمة بواسطته، ليجعلنا نُولَد ثانيةً ولادةً روحيةً، ليس من دم ولا من مشيئة جسد، ولا من إرادة رجل، لكن من الله بواسطة الروح (يو 1: 13)، وبتشبُّهنا الروحيّ بالابن الحقيقيّ بالطبيعة، ندعو الله يا أبانا. وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أي آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. لذلك قال المسيح: ’لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد وهو الذي في السموات (مت 23: 9)“.[54]
الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو
سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. كيرلس الإسكندريّ، كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.
وراثة وزر عقاب خطية آدم
يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:
”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[55]
وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية
يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، فلم يُعلِّم ق. كيرلس بوراثة عبء دين خطية آدم وذنبه كالتالي:
”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[56]
تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني
يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. كيرلس الإسكندري ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[57]
يؤكد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسيّ كالتالي:
”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[58]
يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:
”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[59]
يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:
”الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[60]
يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:
”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[61]
ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:
”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[62]
يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:
”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[63]
الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط
يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ، بل يؤكد ق. كيرلس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:
”بل هو يتحدث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[64]
يتحدث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:
”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[65]
ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:
”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا.فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[66]
ويتحدث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:
”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[67]
ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[68]
نحن بشر مجبولون بالشر
يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. كيرلس الإسكندري، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:
”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[69]
استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر
ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندري كالتالي:
”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأفعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[70]
ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. كيرلس الإسكندري الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:
”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[71]
الشهوة الجنسية شرّ
يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس ق. كيرلس الذي يرى أن الشهوة عدم تحتاج إلى شخص لكي يمارسها كالتالي:
”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[72]
يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحركها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:
”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[73]
ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:
”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[74]
وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:
”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[75]
هلاك الأطفال غير المعمدين
يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:
”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[76]
يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً وق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:
”وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[77]
يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:
يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس تمامًا، حيث أكد أننا لم نكن موجودين عندما أخطأ آدم وتعدى الوصية، بل انتقلت لنا نتائج خطيئته فقط، أي الفساد والموت. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[79]
ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق كالتالي:
”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[80]
ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:
”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[81]
تعليم النفس المولودة الأوغسطيني
يعلم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[82]
اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية
ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. كيرلس الإسكندري بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[83]
وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة
يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. كيرلس الإسكندريّ بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندري أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال ق. كيرلس، وقاله أيضًا آباء الشرق معه، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[84]
خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر
ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:
”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[85]
ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:
”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة.وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[86]
الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط
يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. كيرلس الإسكندريّ الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:
”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[87]
تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج
يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![88] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![89]
ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[90]
يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.
يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[91] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[92]
وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية
يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية ”العلل البذرية“ الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[93]
ماهية الخطية الأصلية
يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[94] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[95] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[96] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[97]
يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[98]
ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[99] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[100]
الشرور الموروثة من آدم
ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[101] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[102]
ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[103] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[104] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.
يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![105] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![106] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[107] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.
استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان
يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[108] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[109] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[110] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[111] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[112] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[113]
يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[114] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[115]
يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![116]
تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي
ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشر في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:
”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[117]
تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)
يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق لنفس الآية كالتالي:
”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[118]
سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك
يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:
”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[119]
يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:
”لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[120]
ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:
”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[121]
ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:
”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[122]
الخلاصة
نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:
يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم، كما يشير ق. كيرلس إلى عدمية الشهوة الدنسة، وأنها تحتاج للإرادة البشرية العاقلة المريدة لكي توجد وتُفعَّل. يرفض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. كيرلس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. كيرلس تعليم الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.
يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب آدم، ويرى أننا لم نكن مذنبين مع آدم في خطيته، بل إننا صرنا مائتين من المائت، ولسنا خطاةً من الخاطئ. يفسر ق. كيرلس عبارة ”أخطأنا في آدم“ – التي يُدَّعَى باطلاً أنها تدل على اعتقاد وراثة خطية آدم عند ق. كيرلس – بأنها تدل على أننا كنا في آدم كطبيعة بشرية عاجزة عن الثبات وفقدنا الصالحات التي كانت مُعطَى لنا من الله. يشير ق. كيرلس إلى مفهوم الخطية الجدية باعتباره غياب عدم فساد الطبيعة البشرية وتفشي الفساد فيها بعد السقوط، والفساد هنا معناه حالة عدم الثبات والانحراف من حالة لأخرى، وليس الفساد بمعناه الأخلاقيّ أو الأدبيّ. يدحض ق. كيرلس التعليم بالقدرية ووراثة الخطية بالولادة، ويشدد على تعليم حرية الإرادة في الإنسان.
يدحض ق. كيرلس التعليم والمفهوم الأوريجانيّ لوراثة الخطية الأصلية باعتبارها سقوط الأنفس من العالم الطوباويّ السابق على وجودها في الجسد، وانحباسها في الجسد كعقوبة لها عن الخطية التي اقترفتها في عالم الغبطة السابق، وهكذا يرفض الوجود السابق للأرواح قبل ولادتها في أجسادها. يرى ق. كيرلس أننا نحن نرث نتائج عصيان آدم، وليس خطيئة آدم نفسها، كما يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه. يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط.
يشدد ق. كيرلس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. يذكر ق. كيرلس عدم وراثة الخطية الأصلية في يوحنا المعمدان، الذي كان ممتلئًا من الروح القدس من بطن أمه. يفسر ق. كيرلس آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) تفسيرًا مختلفًا تمامًا عن تفسير أوغسطينوس، الذي قرأ هذا النص في ترجمة لاتينية خاطئة، واستنتج منه أن الخطية موروثة من آدم لبنيه الذين أخطئوا فيه كشركاء له في ذنبه وخطيئته بتعدي الوصية. حيث يرى ق. كيرلس انتقال الفساد والموت للطبيعة البشرية، أي انتقال نتائج عصيانه إلى طبيعته البشرية ونسله من بعده. يفسر ق. كيرلس أن ناموس الخطية المتوحش هو كامن في أعضائنا الجسدية بعد السقوط، ولكنه ناموس إرادي خاضع لحرية إرادتنا وليس ناموسًا إجباريًا أو إلزميًا موروثًا يجبر الإنسان على ممارسة الشر والخطية رغمًا عنه، كما يدَّعي البعض عن سوء فهم وتشوش في الفكر. يسمِّي ق. كيرلس ناموس الخطية بـ ”ناموس الشهوة الطبيعي“ كمرادف لناموس الخطية الساكن في أعضائنا الجسدية، لارتباط ممارسة الخطية بالشهوة والشهوة بممارسة الخطية.
يشير ق. كيرلس إلى أن ناموس الخطية هذا ناتج عن لعنة الموت، فبسبب تغرب واغتراب وانفصال الإنسان عن الله سيطر عليه ناموس الخطية، وهكذا ناموس الخطية غير موروث من آدم بالتناسل والتزاوج كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي. يُعرِّف ق. كيرلس الخطية الجدية بأنها تغرُّب واغتراب وابتعاد عن وجه الله. يرى ق. كيرلس أن الطبيعة البشرية أصابها مرض الميل للخطية بعد السقوط، وليس أن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين الطبيعة البشرية كما قال بذلك الغنوسيون والمانويون وأوغسطينوس وأتباعه . يشير ق. كيرلس إلى إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم وسقوطها في الانحلال، فنحن نرث حكم الموت في آدم. يُعلِّم ق. كيرلس بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد بكيفية يعلمها هو وحده، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. كيرلس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية أو خطية فعلية.
يفسر ق. كيرلس آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) تفسيرًا بعيد كل البعد عن التفسير الأوغسطيني المعت باعتبارها دليل كتابيّ على وراثة الخطية الأصلية. ويشرح ق. كيرلس سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء بأنه من أجل تقديس طبيعتنا بالروح القدس، ولم يأت على ذكر منع الروح القدس لانتقال الخطية الأصلية من العذراء القديسة إلى المسيح، كما يدَّعي البعض متبعين في ذلك تعليم أوغسطينوس وأتباعه.
نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.
ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.
[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 1، ص 59.
[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الخامس، ص 229.
[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥.
[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، المقالة 7: 27، ص 94.
[8] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 15، 16.
[9] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 68، 69.
[10] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، المقالة 2، ص 67، 76.
[11] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 699.
[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 238، 239.
[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125، 126.
[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 45، ص 211.
[19] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.
[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 113- 115.
([29]) كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن الله له هيئة بشرية، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 8، ص.67، 68.
[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 164.
[31] Cyril of Alexandria, Commentaries on Romans, 1-2 Corinthians, and Hebrews, ed. Joel C. El owsky et al., trans. David R. Maxwell, Ancient Christian Texts (Downers Grove, IL: IVP Academic: An Imprint of InterVarsity Press, 2022), p. 4–5.
[33] Cyril of Alexandria, Select Letters (The Answers to Tiberius, Doctrinal Questions), Edit. & Trans. by Lionel R. Wickham, (Oxford: Clarendon Press, 1983), p. 201, 203.
[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، رسالة 45: 9، ص 185، 186.
[35] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 2، ص 39.
[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 76، 77.
[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 36، ص 158-160.
[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 222، 223.
[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 42، ص 196.
[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 229، 230.
[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح تجسد الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، ٢٠١٥)، الفصل ٢٨، ص ٦٨.
[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم (1) إلى الرهبان: 20، ص 9.
[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو11: 26)، ص 46.
[48] A. Ehrhard, Der PapyrusCodex Saec. VI- VII Der Philipusbibliothek in Cheltenham Koptische theologische Schriften, Herausgegeben und ubersetzt von W. E. Crum, (StraBbrugh: Karl J. Trubner, 1915), pp. 43-48.
[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 54، ص 264.
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سميركتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
الفكرة بأن آدم كان ضخماً وذو قامة عالية جداً إذ كان رأسه يمس السماء فقصر الله من قامته حتى وصل 60 ذراعًا. هذه القصة الأسطورية يهودية بالأصل وقائمة على سوء تفسير لبعض الآيات واهمهم الآية (تث 4: 32) “فاسأل عن الأيام الأولى التي كانت قبلك من اليوم الذي خلق الله فيه الإنسان على الأرض، ومن أقصاء السماء الى إقصائها هل جرى مثل هذا الأمر العظيم أو هل سمع نظيره” حيث تم الدمج ما بين الشق الخاص بآدم (الإنسان على الأرض) والشق التالي (من إقصاء السماء.. هل جرى مثل هذا؟).
◄ في هذه الأسطورة تم اعتبار (أي 20: 6) وكأنها حديث عن قامة آدم “ولو بلغ السموات طوله ومسّ راسه السحاب”، وقيل أن آدم بسبب خطيته قد خسر قامته وهذا كتأويل الآية (مز 139: 5) “من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت عليّ يدك”.
– من التلمود البابلي[1] (تم تجميعه في القرن الرابع ميلادياً)
[قال الرابي اليعزر: الإنسان الأول كان (يمتد) من الأرض والى السماء[2]، لأنه قيل “من اليوم الذي خلق الله فيه الإنسان على الأرض ومن أقصاء السماء الى أقصائها” (تث 4: 32)، ولكن عندما أخطأ، وضع القدوس مُباركٌ هو يده عليه فقلَّصه[3] لأنه قيل “من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت عليّ يدك” (مز 139: 5)]
*هذه الفكرة مُكررة في أماكن كثيرة بداخل التلمود والمدراشيم المختلفة[4].
◄ واستكمالاً لنفس الفكرة فقد ورد في المدراشيم القديمة أن آدم بالخطية قد فقد ستة أمور ومن ضمن تلك الأمور قامته العالية.
[.. قال الرابي يودا اللاوي ابن شلوم: الواو(ו) تلك تشير الى الستة أشياء التي أخذها القدوس مُباركٌ هو من الإنسان الأول (ادم) بعد خطيئته وهؤلاء هم: بريق وجهه، قامته، حياته، ثمرات الأرض، الطرد من جنة عدن، والشمس والقمر[6]… قامته، أين؟ -من المكتوب (مزمور 139: 5) “من خلف ومن قدام حاصرتني”..]
*هذه الفكرة أيضاً مُكررة في أماكن كثيرة بداخل المدراشيم المختلفة[7]
[1] תלמוד בבלי מסכת סנהדרין דף לח/ב [אמר רבי אלעזר אדם הראשון מן הארץ עד לרקיע היה שנאמר למן היום אשר ברא אלהים אדם על הארץ ולמקצה השמים (עד קצה השמים) כיון שסרח הניח הקדוש ברוך הוא ידו עליו ומיעטו שנאמר אחור וקדם צרתני וגו’]
[2] جاءت عبرياً (ركيع – רקיע) وهي جلد السماء (تك 1: 8)
[4] תלמוד בבלי מסכת חגיגה דף יב/א، מדרש רבה בראשית פרשה כא פסקה ג، מדרש תנחומא
[5] מדרש תנחומא בראשית פרק ו [אמר רבי יודא הלוי בר שלום וא”ו זו כנגד ששה דברים שחיסר הקב”ה מאדם הראשון לאחר שחטא ואלו הן זיו פניו וקומתו וחייו ופירות הארץ ונטרד מגן עדן וחמה ולבנה .. קומתו מנין דכתיב אחור וקדם צרתני וגו’ (תהלים קלט)]
هل الله كان يمشي في جنة عدن حرفيا وبشكل مرئي؟ تكوين 3: 8 – ترجمة: مايكل عاطف
هل الله كان يمشي في جنة عدن حرفيا وبشكل مرئي؟ تكوين 3: 8 – ترجمة: مايكل عاطف
الإجابة :
في سفر التكوين الأصحاح الثالث العدد الثامن يقول ” وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. ” ولكننا نعلم من إنجيل يوحنا الأصحاح الرابع والعدد الرابع والعشرين “ أن اَللهُ رُوحٌ “، لذا فكيف كان الله “مَاشِيًا” بالتحديد في الجنة.
أولا: من الواضح في سفر التكوين الأصحاح الثالث العدد الثامن أن الله كان يعلن عن وجوده عن طريق ” صَوْتا “
يبدا العدد بقوله “ وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ ” في جميع الأحوال أياً كان الشكل الذي اتخذه الله، فقد سمح بكل تأكيد بإصدار صوت مادي. كان صوت مشيه مسموع. كان يحدث جلبه في المكان.
ذكرت الآية أيضا “وجود” الله بين الأشجار في الجنة. كان وجود الله في الجنة وجودًا اعترف به آدم وحواء واعتقدوا أنهما يمكنهما الاختباء منه. لذا، مشي الله في الجنة تضمن صوتًا ونوعًا ما من الحضور بين الأشجار.
ولكن بالنظر إلى هذين البيانين، تختلف التفسيرات اختلافًا كبيرًا. يؤكد البعض على حقيقة أن الله الآب غير مرئي ولا يمكن للبشر رؤيته. وفق هذا الرأي، لم يظهر الله في الجسد. بدلاً من ذلك، أخذ مظهرًا رمزيًا ومضمونًا، مثل سحابة، كما فعل مع الإسرائيليين في الصحراء مع موسى (تثنية 31:15).
يقترح آخرون أن فكرة … كان الله “ مَاشِيًا ” تشير إلى ظهور الله – وهو ظهور الله في شكل بشري ملموس. يشير اللاهوتيون الذين يتبنون هذا الرأي إلى موازاة الأحداث كما حدث في تكوين 18 “ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ.“، حيث يظهر الله كواحد من ثلاثة زوار (يبدو أنهم بشر) لإبراهيم.
وتستند نظرية أخرى على العبارة العبرية المترجمة “برودة اليوم”. يمكن ترجمة ذلك حرفياً “رياح ذلك اليوم”. يعتقد البعض أن هذا قد يشير إلى رياح قوية. إذا كان الأمر كذلك، فإن رد فعل آدم وحواء أكثر منطقية. لقد سمعوا حضور الله حيث ضربت رياح رهيبة أشجار الجنة اُخْتُبِئُوا. لقد دعا الله آدم لمواجهة الدينونة (باستخدام كلمة عبرية تعني أيضًا “استدعاء”). يسجل سفر أعمال الرسل الأصحاح الثاني توازيًا مثيرًا للاهتمام: فقد جاء مجيء الروح القدس “وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ،” (الآية 2). كما تحدث الله إلى أيوب “ فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَة” (أيوب 38: 1).
بغض النظر عما إذا كان الله قد ظهر في شكل بشري أو في سحابة، أو ما إذا كان قد عرف حضوره بعاصفة رياح، فمن الواضح أن الله نفسه واجه الخطاة وأصدر الحكم. ولنشكره علي نعمته، تضمن هذا الحكم أيضًا وعد الفادي المستقبلي (تكوين 3:15). وهكذا بدأت ملحمة عظيمة أدت في النهاية إلى مجيء يسوع المسيح، الذبيحة الكاملة من أجل الخطية واستبدال العقوبة الخلاص.
من خلال يسوع المسيح الذين يؤمنون سينالون غفران للخطايا وحياه ابديه:
من جديد نعود مع منشورات قناة البينة، ولكن هذا المنشور يتميز بمستوى ضحل من التفكير المنطقي واللاهوتي والعلمي. ففي بداية الصورة يوجة كلامه إلى النصارى، ولا يعلم أنهم هم النصارى وأننا فقط مسيحيون، وقد رددنا على هذا الزعم وفندنا أطروحاته بالتفصيل في موضوع ومازلنا مسيحيين ولسنا نصارى ، وهل المسلمون نصارى؟، وثاني خطأ في المنشور في نفس السطر هو أن يوجه الكلام لعقل المسيحي (الذي يسميه بالخطأ بالنصراني) وهو في نفس اللحظة لا يملك من العقل ما يؤهله لفهم سؤاله، فلو فهم سؤاله لما سأله. لكن على كلٍ سنرد على سؤاله كاملاً…
ولنا تعليقات على هذه الصورة.
أولاً: ما معنى “يعيد الخطية الأصلية إلى العدم”؟! ما معنى هذا التعبير “يعيد إلى العدم”؟ هل يقصد هذا النصراني المسلم أن يغفر الله الخطية دون تجسد وفداء؟ لو كان يقصد هذا فليقرأ موضوع: #العيّنة_بيّنة (20): الخطية الأصلية والموت والفداء الخلاصي
ثانيا: نسأله نفس سؤاله، لماذا لا تؤمن أن الله يقدر ببساطة أن يغفر أن يشرك به؟ فالنص القرآني صريح ويقول [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) النساء] فلماذا لا يعيد الله الشرك إلى العدم؟ هل لا يقدر؟ ولماذا لم يغفر الله لآدم الذي جحد فجحدت ذريته والذي أخرج بذنبه الناس من الجنة؟ لماذا لم عيد ذنبه إلى العدم؟ فالحديث يقول:
ثالثاً: ما معنى “المتحكم بالعدم والوجود”؟ وما هو الذي كان موجودا ثم جعله الله عدماً؟ هل يمكن أن يجيب المسلم على هذه الأسئلة أم انه يطرح كلاما لا يفهم معناه؟!
رابعاً: من قال لك أن الله “إضطر” للتجسد والفداء؟! الله لا يضطر لشيء، بل من فائق حبه للبشر ورحمته بنا تجسد إلينا من مجده وهذه هي أفضل وأرقى وأقرب خصيصة خص بها الله الإنسان، أن يتجد آخذا جسده بغير تغير في طبيعته اللاهوتية، فالله لا يضطر لشيء.
رابعا: هو بالطبع يقدر، لكن بهذا لن يكون قد حل المشكلة، ليست القضية في خطية آدم بقدر ما نتائج هذه الخطية الأصلية، فالإنسان إلى اليوم يخطيء كل يوم، فآدم ليس مجرد إنسان، آدم كان المخلوق البشري الأول لله، وكان على صورته في القداسة والبر، ولم يكن آدم قد عرف بعدُ الشر، الخطية الأصلية والعصيان، وكانت وصية الرب له ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولم تكن الخطية الأصلية في الأكل بحد ذاته بل في العصيان الذي طرأ فجأة في طبيعة الإنسان من مؤثر خارجي، عبر عنه الكتاب المقدس بأنه هو الحية، الشيطان
فليست القضية مجرد خطية وغفران كما يصورها لنا هذا المسلم، بل أن القضية في أصولها هي قضية حب إلهي دائم وثابت نحو بني البشر، فمحبته للبشر جعلته يتجد في صورة بني البشر، فالرب يسوع قد جاء ليعطينا الحياة إذا ما آمنا بإسمه، ومن ضمن هذه الحياة كان فداء الصليب، فداء الله لنا، ليست المشكلة في الخطية الأصلية فالإنسان يخطيء، ولكن المشكلة في دخول الخطية إلى الإنسان الأول فهذا تغييرا قد طرأ عليه فجأة وأفسد نقاءه.
خامساً: يقول هذا المسلم أنه “بمجرد توبة آدم وحواء بكلمة واحدة يعدم الله الخطية” وهنا أسأله، لماذا إذن عندما تاب الله على آدم، إستمر تأثير خطيته على الناس أجمعين بحيث أنهم هبطوا من الجنة ولم يعودا إليها؟ حتى أن موسى حاجج آدم وقال له انه هو السبب في إخراج الناس من الجنة بذنبه، فإن كانت القضية تنتهي بالتوبة -في الفكر الإسلامي- فلماذا لم يعد الناس مجددا إلى الجنة؟ أو بالأحرى لماذا لم يظلوا فيها من الأساس؟!
سادساً: بخصوص قوانين الخالق وسير الكون عليها، فهذه صحيح، لكن ما هي قوانين الخالق؟ نعرف أنه منذ البدء وفقا للكتاب المقدس قد جعل الله الذبائح رمزا أساسيا لغفران الخطايا، حتى في الإسلام فإنهم إلى اليوم يعيدون بالأضحية على مثال إبراهيم! فيلزمنا أولا تحديد ما هي قوانين الخالق لكي نعرف من الذي يسير عليها ومن لا يسير. فحاول أن تدرس دينك ثم ديننا لتعرف أنك كنت جاهل فيهما.
بين يدينا اليوم، أحد الإختراعات التي يخترعها بعض المسلمين كل يوم، وهنا نجد ان الأخ المسلم يخترع مثالا لا علاقة له بقضية الخطية الأصلية ولا علاقة له بالعقيدة المسيحية من قريب أو من بعيد، وللأسف، يصدق المسلمون هذا الكلام الخاطيء عن الإيمان المسيحي مما يساهم بصورة أو بأخرى في تشويه عقيدة المسيحيين والمسيحية بشكل عام نظرًا لأن القاريء لهذا الكلام ربما لا يقرأ في أي مصدر مسيحي عقيدة المسيحيين بدلا من إستقاء معلوماته من مصادر كهذه لا تعرف أي شيء عن العقيدة المسيحية، وسوف ننتهج سياسة تصحيح المثل ثم تصحيح صورة العقيدة التي يحاول أن يشوها هذا المدعي.
تصحيح المثل:
يقول [خادم اخطأ فعاقبه سيده]
ليست القضية في خطية آدم بقدر ما نتائج هذه الخطية الأصلية، فالإنسان إلى اليوم يخطيء كل يوم، فآدم ليس مجرد إنسان، آدم كان المخلوق البشري الأول لله، وكان على صورته في القداسة والبر، ولم يكن آدم قد عرف بعدُ الشر، الخطية الأصلية والعصيان، وكانت وصية الرب له ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولم تكن الخطية الأصلية في الأكل بحد ذاته بل في العصيان الذي طرأ فجأة في طبيعة الإنسان من مؤثر خارجي، عبر عنه الكتاب المقدس بأنه هو الحية، الشيطان.
يقول [ونتيجة خطأ هذا الخادم، أصبح أبناء هذا الخادم ملوثين]
في الحقيقة لا أعرف، هل كاتب هذا الكلام مسلم حقاً؟ هل يعرف في دينه ليتصدر للكلام عن دين غيره؟ هل لم يقرأ هذا المسلم هذه الأحاديث الصحيحة في دينه:
5209 – لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا ؟ قال: رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال له داود قال: أي رب كم عمره ؟ قال ستون سنة قال: فزده من عمري أربعين سنة: قال: إذن يكتب و يختم و لا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود ؟ فجحدت ذريته و نسي آدم فنسيت ذريته و خطئ آدم فخطئت ذريته. (صحيح الجامع، للألباني)
3368 حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن ابن أبي ذباب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال له ربه يرحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملإ منهم جلوس فقل السلام عليكم قالوا وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت قال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء فقال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه فإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قد كتبت له عمر أربعين سنة قال يا رب زده في عمره قال ذاك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك قال ثم أسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها فكان آدم يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال فمن يومئذ أمر بالكتا ب والشهود قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
تحقيق الألباني : حسن صحيح ، المشكاة ( 4662 ) ، ظلال الجنة ( 204 – 206 ) [صحيح وضعيف سنن الترمذي]
كل هذه الاحاديث هي أحاديث صحيحة، يؤمن المسلم أنها وحي من عند الله، فماذا قرأتم في هذا الوحي؟ قرأتم قول موسى النبي لآدم النبي (حسب الإسلام) [ أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ] وقرأتم [فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته].
إذن، من المفترض ان يؤمن المسلم أن آدم هو المسئول عن إخراج الناس من الجنة، فهل كان الناس من الجنة حين أخطأ آدم؟ وما ذنب الناس في خطية آدم؟ وما الناس أن يخرجوا من الجنة بذنب آدم الذي لم يقترفوه؟ الغريب أن النص الآخر يربط بين جحود آدم وجحود ذريته، ونسيان آدم ونسيان ذريته، فما علاقة آدم بذريته، يا من تخترع الأمثال الخاطئة عن المسيحية؟ هل يجرؤ أن يجيبنا؟ وهنا نسأله: لماذا جحد أبناء آدم؟
يقول [ولمحبة السيد لهذا الخادم هو وأسرته ورحمته بهم قام هذا السيد بعقاب إبنه وليس إبن الخادم]
للأسف، هنا يظهر هذا الشخص أنه لا يعرف أبجديات العقيدة المسيحية، فالعقيدة المسيحية تقول أن الله تجسد وأخذ جسد إنساني، بغير أن يُحَد الله أو يتأثر، فالله نفسه قد تجسد وأخذ جسدنا، فهو إذن لم يعد بعيدا أو غريباً عن الجسد الذي كان لآدم، فكيف يقول هذا المسلم أن السيد قام بعقاب “إبنه” وليس “إبن الخادم” في حين أن العقيدة المسيحية تقول أن هذا السيد قد تجسد وأخذ جسد الخادم؟ ففي المسيح له كل المجد إتحدت طبيعته الألوهية بطبيعته البشرية، فلم يعد بعدُ غريباً عن طبيعة آدم، حتى أنه دعي أنه آدم الثاني، فيما عدا الخطية.
يقول [وذلك لكي يخلص أبناء الخادم من هذا الذنب]
للأسف، فإن الشائع لدى غير الدارسين من المسيحيين فضلا عن غير المسيحيين، أن السبب الأول والأوحد لتجسد الله هو لغفران الخطية الأصلية، ولكن الصحيح هو أن الله تجسد لأنه يحبنا، هذا هو السبب الأول والأعم في خطة الفداء، فالرب قد قال أن لذته في بني البشر وقال أيضا أنه أحبنا محبة أبدية، فالرب يسوع المسيح قال أنه قد جاء ليكون لنا حياة وليكون لنا أفضل، ويؤكد الكتاب المقدس على هذا المبدأ كثيراً.
فليست القضية مجرد خطية وغفران كما يصورها لنا هذا المسلم، بل أن القضية في أصولها هي قضية حب إلهي دائم وثابت نحو بني البشر، فمحبته للبشر جعلته يتجد في صورة بني البشر، فالرب يسوع قد جاء ليعطينا الحياة إذا ما آمنا بإسمه، ومن ضمن هذه الحياة كان فداء الصليب، فداء الله لنا.
يقول [فلا أبناء الخادم لهم ذنب في شيء ولا إبن السيد له ذنب في شيء]
يجتمع هنا جهل هذا الشخص بدينه وبدين غيره، فدينه يقر كما أوضحنا بنصوص صريحة صحيحة موحى بها أن خطية آدم وذنبه هما السبب في خروج أبناءه من الجنة بل وشقائهم، وأن آدم جحد فجحدت ذريته، فكيف يقول المسلم هذا الكلام؟! وما رده هو نفسه على سؤاله؟
أما عن المسيحية، فبالفعل الرب يسوع المسيح ليس له ذنب، لكن هذه العبارة يكتمل معناها عندما نعرف أنه هو بنفسه وإرادته من أراد حمل ذنبنا، فيقول الكتاب المقدس [4 لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. 5 وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل آثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا] (أشعياء 53: 4-5)، فهل الأخ المسلم هذا؟
يقول [فالحل الوحيد هو عقاب هذا الخادم أو العفو عنه]
الغريب هنا أن هذا الشخص لا يعرف أن هذا ما حدث فعلاً، فمن جهة فقد أخذ الله جسدنا هذا وبه تمم الفداء ومات وقام من بين الأموات، وهنا فقد عوقب الإنسان، ومن جهة أخرى فقد أعفي عن البشر الذين قبلوا الخلاص الذي قدمه الرب يسوع المسيح على الصليب.
يقول [وهذا ما جاء به القرآن الإسلام: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) إنتهى الإشكال يا سادة] كما قلنا من قبل، فلم تكن المشكلة هي الخطية الأصلية بل طبيعة آدم التي تغيرت وطرأت عليها الخطية، أما في الجانب الإسلامي، فقد رأينا كيف أن موسى يحاج آدم ويقول له أنك أخرجت الناس من الجنة بسبب ذنبه، ويقول القرآن [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) طه].
فأين إنتهى الإشكال ومازال البشر أبناء آدم هابطون عن الجنة كما يقول القرآن وخارجون عنها كما يقول الحديث؟، بل ولماذا يكون بعضنا لبعض عدو إن كان الإشكال إنتهى بالتوبة؟ ولماذا بعد هذه التوبة المدعاه لم يقل الله لآدم وإمرأته [إصعدا إليها جميعا بعضكم لبعض حليف]؟ لهذا، فلا يمكن أبدا أن نقول أن الإسلام قد عالج هذه القضية حتى وفق العقيدة الإسلامية.
أما بخصوص الشواهد الكتابية التي ذكرها، حيث قد ذكر (أرميا 31: 30) و (أخبار الأيام الثاني 25: 4)، فهي وكالعادة شواهد مجتزأة مبتورة من سياقها، فلكل نص من هذين النصين سياق يتكلم عن قصة محددة وحدث محدد وواقعة محددة كان فيها الله يتكلم بشأنه، ولم يعمم هذا الأمر على الإنسان ككل، لأنه وكما قلنا أن ليست المشكلة في الخطية الأصلية فالإنسان يخطيء، ولكن المشكلة في دخول الخطية إلى الإنسان الأول فهذا تغييرا قد طرأ عليه فجأة وأفسد نقاءه، لكن ولأن المسلم لن يعي هذا الكلام وسيفهم النصوص فقط، فسنعطي له نصوصا تخالف المعنى الذي قصده من إقتباس هذه النصوص، ولهذا فمن السهل جدا إقتباس نصوص صريحة تخالف فكرته:
Deu 5:9 لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني
Exo 34:7 حافظ الاحسان الى الوف. غافر الاثم والمعصية والخطية. ولكنه لن يبرئ ابراء. مفتقد اثم الاباء في الابناء وفي ابناء الابناء في الجيل الثالث والرابع».
Jer 32:18 صانع الإحسان لألوف ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه
Mat 23:35 لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح.
فهذه النصوص تنفي الفكرة التي أراد المسلم خداع البسطاء من المسلمين بها، لكن أيضاً هذه النصوص هي نصوص لها سياق محدد وحكم محدد ولا يمكن تعميمه.
يقول [من الذي فرض على الله قانون أن الله لا يستطيع غفران الذنوب بدون دم]
في الحقيقة يجب أن نسأله نحن، من الذي قال هذا الكلام من الأساس؟ من الذي قال أن الله لا يستطيع أن يغفر دون دم؟ هناك فارق كبير بين “بدون دم لا تحصل مغفرة” وبين “الله لا يستطيع أن يغفر دون دم”، فكما قلنا وكررنا، فالقضية لم تكن هي الخطية الأصلية ليكون الحل هو الغفران، بل القضية هي قضية فساد طبيعة الجنس البشري.
لذلك كان الحل أن ياخذ الكلي الصلاح جسدنا هذا ويموت به بحسب الجسد لكي يصلح فساد هذه الطبيعة، لقد كانت المشكلة أن الإنسان ورث الموت، ورث عدم الحياة، لذلك جاء الرب يسوع المسح بجسد إنساني وقال لنا أنه هو الحياة (يوحنا 11: 25)، فلقد أدل الرب يسوع المسيح الحياة إلى جسدنا المائت فأحيا أجسادنا لكل من آمن به وبخلاصه المجيد.
الغريب أن هذا الشخص المسلم أيضاً قد نسى أو تناسى أنه يعيّد بعيد “الأضحى” أي “الأضحية”، ومع ذلك يعترض على مبدأ الذبيحة.
العقيدة المسيحية:
العقيدة المسيحية والكتاب المقدس والآباء، وخاصة آباء مدرسة الإسكندرية يعلمون بتوارث الموت وفساد طبيعة الإنسان، وليس توارث الخطية نفسها كفعل في زمن محدد، فيقول القديس بولس الرسول:
12 من اجل ذلك كأنما بانسان واحد دخلت الخطية الى العالم وبالخطية الموتوهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس اذ اخطأ الجميع.
13 فانه حتى الناموس كانت الخطية في العالم. على ان الخطية لا تحسب ان لم يكن ناموس.
14 لكن قد ملك الموت من آدم الى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي.
15 ولكن ليس كالخطية هكذا ايضا الهبة. لانه ان كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيرا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالانسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين.
16 وليس كما بواحد قد اخطأ هكذا العطية. لان الحكم من واحد للدينونة. واما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير.
17 لانه ان كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح.
18 فاذا كما بخطية واحدة صار الحكم الى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة الى جميع الناس لتبرير الحياة.
19 لانه كما بمعصية الانسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا ايضا باطاعة الواحد سيجعل الكثيرون ابرارا.
(رومية 5: 12- 19)
فبالخطية قد ملك الموت علينا وبتجسد الله (الحياة، وأصل الحياة) قد أعاد لنا الحياة في جسدنا المائت.
كيف يجب أن نقرأ قصة آدم وبدأت السلالة البشرية من رجل وامرأة فقط! – كيف يجب أن نقرأ قصة آدم وحواء في سفر التكوين؟
حواء في سفر التكوين؟ بطريقة رمزية أو بطريقة مجازية، بطريقة حرفية، أم مختلطة؟ هل بدأت السلالة البشرية حقاً من زوج واحد (رجل وامرأة) من البشر فقط؟
د. عدنان طرابلسي
نميل في ثقافتنا المعاصرة إلى خلط الحقيقة بالواقع. إن أمكن (ولو نظرياً) ان نصوّر حدث معين (بالكاميرا)، عندئذ يُمكن أن تُعتبر أنها حقيقة وحقيقة. لكن هذا فهمٌ محدود جداً للحقيقة. لأن هذا سيستثني من واقع الحقيقة حقائق مثل الحب والرباط الروحي، لأن هذه لا يمكن التثبّت من صحتها على نحو تجريبي. الأمر نفسه بالنسبة للإيمان: فيمكننا أن نشهد لإيماننا ولمحتواه، لكن لا يمكننا أن نبرهن أننا نؤمن في الواقع، أو أن محتوى إيماننا هو حقيقي أو واقعي. الحقيقة تتعالى عن الواقع بطرق عديدة. هذا واضح بصورة خاصة في القصص الكتابية، مثل أمثال يسوع 0غير التاريخية) وقصة آدم وحواء.
السؤال المزدوج الأساسي المتعلق بقصة آدم وحواء هذه في سفر التكوين 2-3 هو هذا: ماذا كانت نيّة الكاتب (والذي يُعتقد تقليدياً أنه موسى)، وماذا كانت غياية الله في إلهام ذلك الكاتب لتأليف القصة على النحو الذي فعل؟
هل اعتقد الكاتب نفسه أن قصة آدم وحواء هي قصة “واقعية”؟ إنه بالتأكيد اعتبرها أنها قصة “حقيقية”، بمقدار ما تتكلم ببلاغة عن عمل الله الخلّاق في خلق البشرية، وعن تمرّد الإنسان ضد مشيئة الله، وعن المعاناة المعروفة للأشخاص البشريين في تغرّبهم عن الله، وعن حياتهم “خارج الفردوس”. بالطبع لا يمكننا أن نعرف فكر المؤلّف، إنما من المحتمل أنه طوّر قصة آدم وحواء (على أساس تقليد أساسي شفهي) كنوع من المثال “السببي”: أي قصة تفسّر، بتصوير أسطوري، أصل الحقائق في حياتنا اليوميّة.
غايته إذاً كانت الإجابة على أسئلة مثل هذه: كيف أتى الرجل والمرأة إلى الوجود؟ لماذا توجد خطيئة بشرية ولماذا يوجد موت؟ لماذا تتألم المرأة عند المخاض والولادة، ولماذا يجب على الرجال أن يكدحوا بعرق جبينهم لكي يؤمّنوا ضروريات الحياة؟ للإجابة على أسئلة مثل هذه الأسئلة سمح مؤلّف تكوين 2-3 لنفسه أن يكون مُلهَماً ومَرشَداً من الروح القدس ليخلق قصة آدم وحواء الأخاذة والجميلة.
فلكي نفسّر هذه القصة بصورة صحيحة نحتاج أن نقرأها “بصورة مجازية”، بالمعنى الموصوف أعلاه. نحتاج أن ننظر إلى ما وراء أي حدث تاريخي صرف، لكي نعاين في وسط التاريخ البشري الأولي حضور الله وعمله، والذي هو خالقنا وقاضينا وفادينا.
كيف إذاً نجيب على السؤال: “هل بدأت السلالة البشرية حقاً من زوج واحد فقط من البشر؟”. هذا سؤال دقيق، خاصة في الولايات المتحددة اليوم. فالمسيحيون بصورة خاصة يُمسكون وهم في معركة تضع مؤيدي الخلق ضد نظرية التطور الداروينية. فالذين يملكون النزعات المتطرفة، وهم عادة ما يرون المعنى “الحرفي” أو “التاريخي” لنص كتابي، يريدون أن يقرأوا قصة التكوين (في الحقيقة قصص التكوين) بصورة حرفية: “إن كان الكتاب يقول هذا، فلابد أن تكون حقيقة” (مرة أخرى، نخلط بين الحقيقة truth والواقعة fact أو نُحدّ من الحقيقة ونحوّلها لمجرد واقعة fact).
أما الذين درسوا العلوم فيجدون في الأبحاث المجراة على حقول متنوعة تنوع علم الأحياء في العصور السابقة وعلم الأحياء الدقيقة برهاناً يؤكّد “حقيقة” أن الحياة على الأرض، بما في ذلك الحياة البشرية، قد تطوّرت بحسب حدثية من “التطور” (سواء بحسب النموذج الدارويني أو سواه). الاكتشافات الحديقة للطبيعة ووظائف الدنا DNA، “مخطط” الحياة، تؤكّد وبقوة النموذج التطوري. إذاً هؤلاء الناس يميلون إلى رفض قصة الخلق على أنها ساذجة ولا علاقة لها بالموضوع، خاصة التكوين في سفر التكوين 2-3.
مع ذلك فإنهم يميلون أيضاً، مثلهم مثل “المتطرفين” أو “الحَرْفيين الكتابيين”، إلى افتقاد النقطة الأساسية المتعلقة بتلك القصة. كلا الطرفان يميل إلى تحجيم الحقيقة بالواقعة، ويكون عاجزاً على فهم وتقدير المعنى الرمزي للقصة الكتابية.
ومن جهة أخرى، يجب أن نقول إنه يوجد تواصل بيولوجي طوال التطور الكامل للحياة على الأرض، من الكائنات الوحيدة الخلية إلى الفرد البشري الذي يبلغ عدد خلاياه عدة تريليونات. لقد تطورت الحياة البشرة على طول هذا الواقع المتصل، ربما بحسب نواميس الاصطفاء الطبيعي، وربما خلال ما يزيد عن ملايين السنين، أو في نقلات مفاجئة من الكم.
مهما تكن الحدثية يمكننا أن نؤكد على شيئين. فمن جهة إن الشيفرة الوراثية البشرية هي مماثلة للشيفرة الوراثية لمخلوقات حية أخرى (كالفئران مثلاً)، بحيث أن التواصل البيولوجي بين الكائنات الحيّة هو أمرٌ لا يمكن نكرانه. ومن جهة أخرى، إن الشخص البشري فريدّ (بمقدار ما نعرفه) في أنه يمتلك أو، بصورة أفضل، في أنه يتميّز بـ”نفسٍ حيّة”. على كل حال، إن النفس البشرية فريدة كمبدأ للحياة، في أنها وحدها “تحمل صورة الله” (راجع التكوين 26:1-27). كيف يمكننا إذاً أن نجيب على السؤال: هل بدأت السلالة البشرية حقاً من زوجٍ واحد؟
في نقطة معينة من تواصل الحياة خلق الله كائناً كلً خصائص الحياة البشرية كما نعرفها من وجهة نظر البيولوجيا. مع ذلك كان هذا الكائن فريداً، في أن الله “نفخ” فيه نفساً بشرية متميّزة (إن تعبير “نفخ” الشائع الاستعمال للنفس هو تعبير مُضلّلٌ، فالله لم يخلق الإنسان “مع” نفسٍ، بل خلقه نفساً: “النفس” هي مبدأ الحياة الديناميكية التي تمكنّنا لا أن نحيل فحسب، بل أن نحيا في علاقة من الحب بين الله والأشخاص الآخرين).
هكذا نحتاج إلى قراءة قصة التكوين، مثل نصوص كتابية أخرى كثيرة، على أكثر من مستوى مختلف. فيمكننا قراءتها “حرفياً”، أو أن نراها كمَثَل، كقصةٍ قد صيغت بطريقة معينة من قبل المؤلّف الكتابي، ليساعدنا على رؤية ما وراء المعنى الحرفي الذي تنقله الكلمات نفسها.
كانت غايته أن يقود قرّاءه لإدراك حقيقة أعمق: أن الله هو مؤلّف (أصل) حياتنا الفريد والمطلق، وأننا مخلوقون على صورته (ولو أن هذا التعبير هو خاص بقصة الخلق المستقلة في تكوين 1)، وأن الرجل والمرأة متحدان بيولوجياً وروحياً كحاملِين لصورة الله وهدفه، وأننا، كبشر، نُخطئ ضد الله ويجب أن نعاني النفي عن الفردوس كنتيجة لهذا، وأن حياتنا على هذه الأرض موسومة بالمعاناة والتي تخدم بتذكرنا بالله وبخلق توقٍ فينا نحو سلام وفرح ملكوت السماوات.
بدون هذا النوع من القراءة “الرمزية” لقصة آدم وحواء ستبقي هذه القصة مصدراً لسوء فهم وخلاف. كلمة “رمزية” تشير إلى حقيقتيّن “محاكتين” معاً (من اليونانية: symballo). فمثلاً أي مَثَل جيد، يُقصَد من كلمات القصة أن ترفعنا إلى ما وراء المعنى “الحرفي” الصرف للنص، وأن تكشف لنا معنى أعمق يتعلق بأصولنا، بحالتنا الراهنة من التغرّب عن الله، وبرجائنا “بالعودة إلى الفردوس”. ففي حين لا يُجيب هذا على السؤال الذي يطرحه الجدل بين أتباع الخلق وأتباع التطوّر، إلا أنه يمكّننا من رؤية حقيقة في كلمات النص الكتابي وما ورائها، حقيقة تعجز الكلمات البشرية المجردة عن التعبير عنها.
لا يُقصد من قصة آدم وحواء، مثل الاستطراد في وصف الخروج في العهد القديم أو أمثال يسوع، أن تكون تقرير حقائق، لقد أُعطيت لنا كوحي إلهي. بحسب هذا، يجب أن نؤكد أن أي واحد يلتصق بالإيمان المسيحي هو، بالتعريف، من أتباع الخلق، إن كنا نقصد بهذا التعبير بأننا مقتنعون بأن الله هو أصل كل الأشياء، وأنه الخالق والفادي للحياة البشرية.
على كل حال، إن هذه القناعة لا تعني أنه يجب علينا أن نرفض أي نموذج من التطور لشرح الطريقة التي أحضر الله بها أشكال الحياة المتنوعة إلى الوجود. فبينما نرفض أي مفهوم “ملحد” يتضمنه فهم معين لـ “الاصطفاء الطبيعي” و “التنوّع العشوائي”، إلا أنه يبدو لنا أن الله قد نقش في النظام الطبيعي نفسه ما نره “عشوائية” (واضح مثلاً في “تشوّش” الجمل المجهرية). بكلمات أخرى، إن الإيمان بنظرية علمية من التطوّر ليس بالضرورة غير متوافقٍ مع الإيمان بأن الله خلق السماوات والأرض، وكل ما فيهما. كل شيء يعتمد على كيف نعرّف مصلحتنا.
هذه الخاتمة تتحكم مباشرة بالطريقة التي بها نقرأ قصص الخلق في تكوين 1-3. فإن أخذناها بالمعنى الحرفي (ستة أيام من الخلق، السماء والأرض خُلقتا قبل الشمس والقمر، الإنسان شُكّل من تراب الأرض، والمرأة أُخذت من ضلع آدم، الخ)، عندئذ فإننا بكل بساطة أسأنا فهم القصة الكتابية: إننا نقرأها بحسب نظرية من “العصمة اللفظية الفعلية verbal inerrancy” لا يمكن الدفاع عنها.
إن قرأنا هذه القصص كما قُصدت أن تُقرأ، فإننا نرى أن اللغة والصور تقدّم لنا فهماً للواقع يتعالى عن حدود اللغة البشرية العادية. ومثل لغة الشعر، إن قصص الخلق تستعمل تعابير اعتيادية للتعبير عن حوادث غير اعتيادية: حوادث لا يمكن التعبير عنها بأية طريقة أخرى سوى التصوير الرمزي. (الأب جان بريك).
“اعتاد شيخ على القول: إن الله يطلب من المسيحيين سوى أن يصغوا إلى الكتابي المقدس، وأن يطبّقوا الأشياء الواردة فيه” (آباء البرية)
“أيها السيد المحب البشر، أشرقْ في قلوبنا نور معرفتك الإلهية الذي لا يضمحل، وافتح حدقتّي ذهننا لإدراك تعاليم إنجيلك” (صلاة قبل قراءة الإنجيل)