سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟
العلامة كليمندس الإسكندري
الآب هو علة الابن
يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:
”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]
ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:
”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]
يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:
”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]
ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:
”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]
العلامة أوريجينوس الإسكندري
الابن يأخذ من الآب ما هو عليه
يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:
”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]
ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:
”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]
الآب هو بداية الابن
يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:
”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]
ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:
”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]
ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:
”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]
الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان
يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:
”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]
الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس
يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:
”فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]
الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث
يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:
”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]
ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:
”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس
يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:
”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]
ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:
”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]
إكرام الابن للآب كرأس له
يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:
”قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]
الآب هو مصدر الابن
يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:
”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]
الآب هو نبع الابن
يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:
”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]
ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:
”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]
العلامة ديديموس الضرير
خروج الابن والروح القدس من الآب
يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:
”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]
ق. أثناسيوس الرسولي
الآب هو أصل الابن ووالده
يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:
”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]
الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية
يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:
”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]
الآب هو البدء والينبوع
يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:
”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]
ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:
”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]
مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح
ق. كيرلس الإسكندري
الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:
”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]
الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية
يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:
”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]
الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية
ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:
”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]
ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:
”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]
الآب هو أصل الكلمة الخالق
يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:
”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]
الآب هو الجذر والينبوع للابن
يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:
”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]
الآب هو البداية الأزلية للكلمة
يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:
”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]
الآب هو بداية الابن
يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:
”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]
الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه
يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:
”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]
ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:
”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]
مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.
حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.
وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.
ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.
ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.
[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.
[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.
[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.
[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.
[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.
[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.
[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.
[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).
[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.
سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.
سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.
أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.
الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس
يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).
ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).
ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).
ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).
فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!
يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.
يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).
ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.
هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة
سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).
كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
حواء هي سبب الموت لنفسها
يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:
”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]
الشيطان هو جالب الموت على الإنسان
يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:
”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]
الموت كان لصالح الإنسان
يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:
”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]
ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي
الإنسان جنى الموت بالعصيان
ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:
”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]
ظهور الموت بسبب حسد إبليس
ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:
”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]
ق. يوستينوس الشهيد
البشر جلبوا الموت على أنفسهم
يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:
”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]
ق. ميثوديوس الأوليمبي
الله وضع نهاية للخطية بالموت
يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:
”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]
الإنسان هو علة موته وفنائه
يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:
”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]
نوفاتيان الأفريقي
عقوبات الله الشفائية
يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:
”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق
يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:
”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]
ق. أثناسيوس الرسولي
الموت هو نتيجة التعدي
يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:
”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]
البشر هم علة فساد الموت
ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:
”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]
دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس
ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:
”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]
جلب البشر الموت على أنفسهم
ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:
”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]
الموت لتلافي النتيجة المرعبة
يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:
”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]
ق. هيلاري أسقف بواتييه
لا يوجد موت في الله
يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:
”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]
ق. باسيليوس الكبير
الله لا يميت أحد بل يحيي
يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:
”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]
الإنسان أمات نفسه بنفسه
ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:
”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]
سقوط الإنسان في الموت بالخطية
يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:
”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]
الإنسان جلب الموت بإرادته
ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:
”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]
لايوجد الموت مع الحياة في الله
ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:
”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
الموت في مصلحة الإنسان
يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:
”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]
لا يريد الله موت الخاطئ
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:
”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]
ق. غريغوريوس النيسي
الموت عقيم لم يغرسه الله
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:
”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]
الشيطان هو مصدر الموت
وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:
”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]
الشر هو بداية الموت وليس الله
يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:
”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]
الله ليس خالق الموت
ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:
”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]
التعدي هو أم الموت
يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:
”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]
دخول الموت لمنع تأبيد الشر
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:
”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]
ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:
”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]
الإنسان أمات نفسه بنفسه
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:
”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الخطية سبب الموت وليس الله
يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:
”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]
يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:
”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]
وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!
الموت في صالح الإنسان
ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:
”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]
الموت فائدة للإنسان
ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:
”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]
الموت ليس شرًا بل خيرًا
يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:
”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]
ق. كيرلس الإسكندري
الخطية هي علة الموت وليس الله
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:
”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]
الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:
”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]
الخطأة هم قتلة أنفسهم
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:
”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]
الموت في مصلحة الإنسان
ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:
”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]
دخول الموت بحسد إبليس
ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:
”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]
ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية
الشيطان مسلمنا إلى الموت
يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:
”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]
قطف آدم الموت لنفسه
يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:
”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]
ق. ساويروس الأنطاكي
الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:
”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]
سيادة الموت والهموم بعد السقوط
يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:
”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]
دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:
”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]
مار أغريس البنطي
لا يشأ الله موت أحد
يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:
”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]
لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت
ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:
”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]
موت النفس هو الشر
ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]
مار إسحاق السرياني
لا يوجد الموت في الله
يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:
”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]
ق. مكاريوس الكبير
موت الإنسان عن الله
يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:
”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]
الإنسان هو علة هلاكه وموته
يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:
”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]
موت النفس بانفصالها عن الروح القدس
يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:
”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]
ق. يوحنا كاسيان
الله ليس صانع الموت
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:
”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]
هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية
دخول الموت بحسد إبليس
تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:
”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]
الإنسان أختطف الموت لنفسه
وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:
”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]
تأديبات الله المؤدية للحياة
ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:
”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]
لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته
ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:
”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]
نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.
[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.
[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.
[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.
[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.
[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.
[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.
[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.
[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.
[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.
[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.
[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.
[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.
[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.
[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.
[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.
[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.
[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.
[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.
[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.
[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.
[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.
[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.
[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.
[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.
[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.
[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.
[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.
سوف نُناقِش في هذا البحث موضوع ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة، وذلك من خلال الإشارات الكتابية والآبائية إلى هذا التعليم الأرثوذكسيّ السليم. حيث يرى أغلب آباء الكنيسة المعلِّمين أن آلام الولادة والمخاض هي أحد نتائج سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء، وبالخصوص أمنا حواء، حيث قال الله لأمنا حواء بعد السقوط: ”وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا“ (تك ٣: ١٦). فآلام الولادة بحسب رواية سفر التكوين هي أحد نتائج السقوط، وهكذا كان لابد لحواء الثانية أن تلد ابنها آدم الثاني بدون آلام الولادة أو المخاض، لأن المسيح محا نتائج السقوط في تدبير تجسُّده، وكان أحدها هو آلام الولادة أو المخاض. وهناك نبوة في سفر إشعياء تُشِير إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة أو المخاض، حيث يقول إشعياء النبيّ التالي: ”قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ وَلَدَتْ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْمَخَاضُ وَلَدَتْ ذَكَرًا“ (إش ٦٦: ٧).
لذا تُؤمن الكنيسة الأرثوذكسية وفقاً للكتاب المقدس، وما تسلَّمناه في التقليد المقدَّس وتعليم الآباء القديسين، وبشهادة الصلوات الليتورجية، أنّ ولادة العذراء للمسيح كانت ”ولادةً لا تُفَسَّر ولا يُنطَقُ بها“، أي أنها ولادة فائقة الطبيعة، كما كان أيضاً حَبَلُها بالمسيح فوق نواميس الطبيعة. كما يُلمِّح الإنجيليّ لوقا إلى الولادة المعجزية في (لو7:2) حيث من الغريب أنّ إمرأة تلد بآلام المخاض، التي تستنزف منها آلامًا وجهدًا وطاقةً كبيرة، ومن ساعتها تقوم هي بنفسها بلفِّ المولود بالأقمطة وتُضجِعه في المذود، إذ من المألوف، قديماً، أنه في تلك الساعة، تُحِيط نساء العائلة بسرير المرأة، وفي أغلب الأحيان تكون معهنّ القابلة ليساعدنها ويخدمنها.
أناشيد سليمان
نجد إشارة مُبكرة جدًا لولادة المسيح من العذراء بدون وجع الولادة في أناشيد سليمان كالتالي:
”قد وجِدت أحشاء العذراء مخصبة، فحبلت وولدت، وصارت أمًا مُكرَّمة، وحظيت بمراحم كثيرة ونالت نعمة مُعظَّمة. قد أتت الساعة فولدت ابنًا بغير وجيعة، وهذا أمرٌ غريبٌ، لا يحدث أبدًا بدون علة، ولم تحتج قابلةً، ولا طلبت أية معونة، لأنه منحها أن تُخرِج الحياة من حشا بتولية“.[1]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
يستخدم ق. إيرينيؤس أسقف ليون بفرنسا، والملقَّب بـ ”أبو التقليد الكنسيّ“، نبوة (إش ٦٦: ٧) لكي يُؤكِّد على ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض قائلاً:
”ويُشِير النبيّ نفسه في مكانٍ آخر إلى الميلاد بقوله: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). وبهذه الطريقة، فهو يُشِير إلى الولادة العجيبة الفائقة الوصف من العذراء“.[2]
ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة
ويُشِير ق. كبريانوس أسقف قرطاچنة أيضًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:
”إنها بقدرة الله استمرَّت عذراء وولدت بلا ألمٍ وبلا مُساعدة قابلة، وخَدَمَت بذاتها وِلادتها بكل ورَعٍ. لأنها كانت تُعانِق ثمرتها المحبوبة وتُقبِّلها وتُغذِّيها بكل ابتهاج وبلا وَجعٍ وبدون أدنى مُساعدة أجنبية“.[3]
ق. غريغوريوس العجائبي
يُؤكِّد ق. غريغوريوس العجائبيّ، أسقف قيصرية الجديدة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا)، على ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة قائلاً:
”ولن تخاف بنات حواء من اللعنة القديمة، أو من أوجاع الولادة. لأن المسيح، فادي جنسنا، ومُخلِّص كُل البشرية، آدم الروحانيّ، الذي شفى جراحات الخليقة الترابية، جاء من أحشاءك المقدَّسة. مُباركةٌ أنت في النساء، ومُباركةٌ هي ثمرة بطنك، لأن الذي يحمل لنا كُل البركات ظهر كثمرة منك“.[4]
زينو من فيرونا
زينو Zeno من ڨيرونا Verona بشمال إيطاليا، هو لاهوتيّ لاتينيّ معروف من شمال إيطاليا، يتحدَّث عن ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة قائلاً:
”لم تلد مريم بألمٍ، بل بفرحٍ، لقد وُلِدَ الابن بدون أب، ولم يأت بالكامل من أمه [أي ناسوته فقط]، لأنه كان مدينًا لنفسه بحقيقة الحبل به، ومنح أمهِ حقيقة ولادته. لقد كانت أول مَن اندهش من أن مثل هذا الابن قد خرج منها، وما كانت لتُصدِق أنه وُلِدَ منها، لولا أنها ظلَّت عذراءً بعد الولادة، كما كانت غير فاسدةٍ بعد الحبل“.[5]
ق. أثناسيوس الرسولي
ويُلاحِظ ق. أثناسيوس الرسوليّ وهو يُفكِّر في كلام الإنجيل أنَّ العذراء النقية ولدت بلا واسطة أو مُساعدة القابلة، مُشِيرًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة كالتالي:
”إنها بذاتها ولدت وبذاتها قمّطَت! إن هذا لا يتمّ لسائر النساء الاعتياديات إلاّ بطريقةٍ أخرى لأنهنَّ يلِدنَ بمساعدة غيرهنَّ. وغيرهنّ يُقمّطنَ لهنّ أطفالهنّ. ولم تكن الحال هكذا عند ولادة العذراء القديسة لطفلها، لأنها وهي تَلِده بلا أوجاع كانت هي القابلة لذاتها على الرغم من كونها لم تتعلّم صناعة التوليد من أحد. ولم تسمح لأحد أن يمسّ بيدين غير طاهرتين طفلها الفائق الطُهر والقداسة. فهي بذاتها خَدَمت المولود منها وبنفسها قمَّطته ووضعته في المذود“.[6]
مار أفرام السرياني
يُؤكِّد مار أفرام السريانيّ، في تفسير سفر التكوين المنسوب إليه، على ولادة العذراء بدون أوجاع الطَلْق، مثل باقي الأمهات اللواتي يَحبَلنَ بالجِماع، لأنّ حَبَلها كان بتوليّاً ومُعتَقاً من العقوبة التي أصابت حواء وجنسها بعد السقوط كالتالي:
”ولذلك، إنَّ سيدتنا والدة إلهنا، لمَّا كان حَبَلُها بغير لذَّةِ رَجُل، لم يكن طَلْقُها بالألم، فكان بها إنحِلالُ العقوبة المحكوم بها على الجنس“.[7]
ق. غريغوريوس النزينزي
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ، الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“، إلى حقيقة ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض، فيقول على لسان العذراء والدة الإله التالي:
”والدة الإله: […] أقول إنهم أخوته من ناحيتي أنا التاعِسة، لا من ناحية أبيه الذي هو كلمته المتجسِّد، الذي ولدته بدون رجل، بطريقةٍ أعجوبيةٍ، وبدون آلام الولادة“.[8]
ويُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ (اللاهوتيّ) إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون آلام الولادة القاسية في موضع آخر قائلاً على لسان العذراء مريم والدة الإله التالي:
”والدة الإله: […] أنا وَلدته، وأنا أعلم كيف وضعته بدون أن أُمنَى بأوجاع الولادة القاسية، ولكني أرثي للذين استنزلوا الشقاء على رؤوسهم“.[9]
ق. غريغوريوس النيسي
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:
”عندما صار الله معروفًا لنا في الجسد، فإنه لم يقبل أهواء الطبيعة البشرية، ولم تتألم العذراء مريم، ولم يتضاءل الروح القدس بأيّ شكل من الأشكال، ولم تبطل قوة العليّ بأيّ حالٍ من الأحوال. وهذا كُله كان لأن كُل شيء تمَّ بواسطة الروح القدس. وهكذا لم تضعف قوة العليّ، ووُلِدَ الطفل دون أن يلحق أيّ ضرر ببتولية أمه“.[10]
يستعرض ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر مُشِيرًا إلى ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام المخاض قائلاً:
”بالحقيقة هو وحده الذي في شخصه، اكتمل الناموس، لأنه قد حُبِلَ به بطريقة لا تُوصَف، ولا يُعبَّر عنها، وعَبَرَ من رحم العذراء المحصَّن، دون ألم، حافظًا لختم بتوليتها، بعد الولادة المعجزية“.[11]
ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون ألم الولادة قائلاً:
”والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواءٍ. فحواء أُدِينَت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة (تك 3: 16)، بينما في حالة العذراء، فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أمَّا في حالة العذراء، فإن الفرح يُبعِد الألم“.[12]
ق. كيرلس الإسكندري
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على حقيقة البعد الخلاصيّ لولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة، حيث كان لابد أن يرفع لعنة الولادة بالألم التي أصابت حواء القديمة بعد السقوط قائلاً:
”ويوجد سبب ثالث، لقد قيل للمرأة سابقًا من قِبَل الله: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، إذًا، ألم تكن الحاجة أكثر إلى القضاء على هذه اللعنة أيضًا؟ وإلا كيف يمكِننا أن نتفادى زواجًا مُدانًا؟ ولكن لأن المخلِّص هو مُحِب البشر، فإنه يرفع هذه اللعنة“.[13]
ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى نفس الحقيقة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح له كُل المجد احتمل أن يُولَد من امرأةٍ لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، وهكذا قوة اللعنة قد أُبطِلَت، ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة قائلاً:
”اِفهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يُولَد من امرأة لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، فإنها كانت تلد للموت. ولذلك ذاقوا، أي أولاد المرأة، لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد ولدت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة، فإن قوة اللعنة قد أُبطِلَت. ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة“.[14]
ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية
يُؤكِّد ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية، وصديق ق. كيرلس الإسكندريّ، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكونيّ 431م، والمدافِع القويّ عن لقب ”والدة الإله“ في وجه نسطوريوس مُنكِر هذا اللقب، إلى ولادة المسيح من رحم العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:
”اليوم من دون اقتران خرج الطفل بلا ألم من الرحم، وكل الخليقة تُقدِّم عطاياها إلى الطفل الذي بلا أب“.[15]
ويُشِير ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية في موضع آخر إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:
”أمٌ لأنها ولدت مَنْ أراد أن يُولَد. عبدةٌ مُعترِفةٌ بطبيعتها ومُنادِيةٌ بالنعمة. سحابةٌ لأنها حبلت بالروح القدس مَن ولدته بغير ألم“.[16]
ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان أن مريم هي أم المسيح، وهي من ثمَّ والدة الإله، وقد ولدت ولم تُعانِ ألمًا، ولم تعرف مخاضًا، بل لبثت عذراء قبل الولادة وبعدها.[17] حيث يقول ق. أمبروسيوس التالي:
”لقد سمعنا كلمة الحق، لقد سمعنا تدبير البشارة: دعونا نتعلَّم من السرِّ. فقد كانت مريم مخطوبةً، ولكنها عذراءً. إنها رمزٌ للكنيسة طاهرةً ومُتزوِجةً أيضًا. كعذراءٍ حبلت لأجلنا من الروح القدس، وكعذراءٍ ولدت لأجلنا بدون أيّ صوت ألم. وربما السبب وراء خطوبة القديسة مريم لرجلٍ، وامتلائها بثمرة البطن من آخر، لأن جميع الكنائس المنفردة مملوءةٌ من الروح والنعمة، وفي نفس الوقت مُرتبِطةٌ من الخارج بكاهنٍ بشريّ“.[18]
ويُؤكِّد ق. أمبروسيوس في موضعٍ آخر على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة أو المخاض قائلاً:
”لقد ولدت مريم بدون ألم، بل ولدت، وهكذا عَرِفَت أنها ولدت من نفسها الربَّ من أجل الخلاص“.[19]
أوغسطينوس أسقف هيبو
يُؤكِّد أوغسطينوس أيضًا على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة في أحد عظاته على ”ميلاد المسيح“ قائلاً:
”في حبلكِ كُنتِ طاهرةً تمامًا، وفي ولادتكِ كُنتِ بلا ألم“.[20]
ق. بطرس كريسولوغوس
يُشِير ق. بطرس كريسولوغوس، أحد الآباء اللاتين في القرن الخامس، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم قائلاً:
”حبلت كعذراءٍ، وولدت كعذراءٍ، وبقيت عذراءً. وهكذا يعرف جسدها قوة المعجزة، ولكنه لم يعرف الألم [أي أثناء الولادة]. تنال العفاف في الولادة، ولم تعرف شيئًا من الألم البدنيّ“.[21]
ق. ساويروس الأنطاكي
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على التقليد المتسلسل بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة مع شعور وإدراك العذراء للولادة، ويستخدم أيضًا نبوة (إش ٦٦: ٧) للتأكيد على الحقيقة السابقة قائلاً:
”لكننا نسمع عن مارا المذكور، أنه قال هذا أيضًا إن العذراء القديسة لم تشعر بالولادة، في مُعارضةٍ جليةٍ للروح القدس الأسفار التي قيلت بواسطته. فها إشعياء ذو الصوت العاليّ بين الأنبياء يُوضِّح أنه أتى من رباط البتولية، مثل أيّ شيء آخر، وأنه وُلِدَ بطريقةٍ غير مُدرَكةٍ دون نقضها من مريم والدة الإله. حيث يقول: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). إن حقيقة أنها تجنبت [آلام المخاض]، تُوضِّح أن الميلاد قد حدث بشكلٍ مُدرَكٍ لمَّن ولدت وليس خيالاً. ويقول غريغوريوس اللاهوتيّ أيضًا في عظته عن القيامة عن ميلاد الطفل حينما وُلِدَ: ’لكنها صرخت أيضًا بدافع لا يُقاوم من روابط البتولية والأمومة بقوةٍ عظيمةٍ، حينما وُلد ذكرًا من النبية، كما يُعلِن إشعياء‘.[22] فكيف تكون حقيقة أنها صرخت من دافع لا يُقاوم، ولم يحلَّ رباط بتوليتها بدون إدراك، وبدون إدراك كبير منها وهي التي تلد؟ كما أن هذه الأشياء قد حدثت بطريقةٍ غير مُدرَكة، وفوق كل الأشياء. فإن الذي اشتهى أن يأتي بالحقيقة في كل صفاتنا، وأن يُجعَل مثلنا نحن أخوته، ولكن بدون خطية، وُلِدَ أيضًا في هيئة جسمية ميلادًا حقيقيًا وواضحًا، جاعلاً والدته مُدرِكةً لذلك، بدون أيّ ألم أو مُعاناة، لأن النبي يُصرِّح بأنها ولدت قبل أن تأتيها آلام الولادة، فكيف تتعرض لتجربة الآلام والمعاناة، وهي التي وضعت نهاية لولادة الأطفال بألم، وهذا بحقيقة أن الفرح قد وُلِدَ لكُل الجنس البشريّ؟“.[23]
ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
يوحنا الدمشقي
يُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ، من الجانب الخلقيدونيّ، على نفس التقليد المسلِّم من آباء الكنيسة المعلِّمين بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة والمخاض، مُستخدِمًا نفس نبوة (إش ٦٦: ٧). كما يرى أن العذراء رغم أنها نجت من آلام الطَلْق عند ولادتها المسيح، إلا أنها تألّمت لآلامه وصلبه كالتالي:
”وكما أنّ تلك (حواء) قد جُبِلَت من آدم بدون جماع، كذلك هي (مريم العذراء) قد حَبِلت بآدم الجديد، مولوداً بحسب الشريعة، ولما كان هو بلا أبٍ، كان ذلك بما يفوق طبيعة الولادة. وبما أنه أتمَّ الزمن المعتاد – كان قد أكمل الأشهر التسعة ووُلِدَ في بدء العاشر – فقد كان الحبل به بموجب الشريعة.وبما أن ذلك كان بلا وجع، فقد كان فوق عادة الطبيعة. فلأنه لم يسبق الولادة لذة، لذلك لم يتبعها وجع، على حسب قول النبيّ: قبل أن تتمخض ولدت، أيضًا قبل أن يأخذها الطلق وضعت ذكرًا […] ولكن تلك المغبوطة نفسها التي استحقت المواهب الفائقة الطبيعة، فإن الأوجاع التي نجت منها وهي تلد، قد احتملتها هي نفسها وقت الآلام. لأنّ انعطاف أمومتها كان يُشعِرها بتمزيق أحشائها “.[24]
يُشِير الأب يوحنا الدمشقيّ أيضًا، في العظة الثانية من عظاته الثلاثة عن ”رقاد والدة الإله“، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:
”كيف يمكن للموت أن يختطف تلك المباركة حقًا، التي أنصتت إلى كلمة الله بكُل اتضاع، وامتلأت بالروح، وحملت عطية الآب بواسطة رئيس الملائكة، حملت بدون شهوة أو معونة رجل بأقنوم الكلمة الإلهيّ، الذي يملأ الكل، وولدت إياه بدون آلام الولادة، مُتَّحِدًا كليًا بالله؟ […] كان من اللائق أن يُحفَظ جسدها، الذي حفظ بتوليتها كما هي أثناء الولادة، من الفساد حتى بعد الموت. تلك التي أرضعت خالقها كطفلٍ رضيعٍ من ثديها، كان لها الحق أن تكون في المظال الإلهية […] كان يليق بتلك التي رأت ابنها يموت على الصليب، وقَبِلت في قلبها سيف الألم الذي لم تشعر به أثناء الولادة، أن تنظر إليه جالسًا بجوار الآب“.[25]
الليتورجية القبطية
نُصلِّي في الليتورجية القبطية، وخاصةً في التسبحة السنوية، ونقول في ثيؤطوكية يوم الأثنين، القطعة التاسعة، التالي: ”خلَّصت آدم من الغواية، وأعتقت حواء من طلقات الموت“. وهنا لا بد أن نُوضِّح أن الموت ليس له طلقات، بل الولادة هي التي لها طلقات، وتُؤكِّد الثيؤطوكية هنا على أن المسيح عتق حواء الأولى التي كانت تُنجِب بوجعٍ وطلقاتٍ أبناءً للموت، وذلك بولادته من العذراء القديسة مريم، حواء الثانية، بدون آلام وأوجاع وطلقات الولادة، فصارت تُنِجب أولادًا للحياة وليس للموت.
ونُصلِّي كذلك في التسبحة السنوية، وخاصةً في ثيؤطوكية يوم الخميس، القطعة الخامسة، ونقول: ”لأن الذي وُلِدَ إله بغير ألم مِن الآب. وُلِدَ أيضًا حسب الجسد بغير ألم مِن العذراء“. وهكذا تُؤكِّد هذه الثيؤطوكية على ولادة المسيح حسب الجسد من العذراء القديسة مريم بغير ألم ووجع الولادة.
الليتورجية الرومية
ونأتي الآن إلى شهادة بعض الصلوات الليتورجية التي تُصلِّيها كنيسة الروم الأرثوذكس الخلقيدونية، والتي تتضمن عُصارة التعليم اللاهوتيّ والعقائديّ عن ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون أوجاع الولادة. وهناك العديد من الشهادات الليتورجية حول هذه النقطة تحديداً، ولكننا سوف نُشِير إلى أهمّها وأكثرها شهرةً، لأنها مألوفة السماع عند المؤمنين كالتالي:
”لمّا أبصرت البريئة من اللّوم المسيح مرفوعًا على الخشبة بمشيئته، دَهشَت وصرخت باكيةً: إني لم أُعانِ مخاضاً في ولادتكَ يا إبني وإلهي، ولكني الآن أتوجّع من صلبكَ ظُلماً على أيدي الأثمة“.[26]
وهناك إشارة أخرى إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة في كتاب التريوذي، من تقاريظ جناز المسيح، القسم الثاني كالتالي:
”في النساءِ وحدي قد وَلدتُكَ يا ابني بلا أوجاعٍ والآن أتحمَّلُ أوجاعاً لا تُطاقُ من جرّاء تألُّمِك“.[27]
وفي قانون السبت العظيم المقدَّس، في الأوذية التاسعة منه، التي هي من نظم القديس قوزما الأورشليميّ ناظم التسابيح (760م) تقول الطروبارية الأولى على لسان العذراء التالي:
”يا ابني الأزليّ، إني نجوت من الأوجاع في حين ولادتك الغريبة فتطوَّبت بما يفوق الطبيعة، والآن لمَّا أُشاهِدك يا إلهي ميتًا عادم النَسَمة أُطعنُ بحربةِ الحزن بمرارةٍ، لكن انهَض لكي أتعظَّم بك“.[28]
توما الأكويني
يُشِير توما الأكوينيّ، الملقَّب بـ ”المعلِّم الملائكيّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير في القرن الثالث عشر، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:
”آلام الولادة ناتجة عن فتح الرضيع للممر من الرحم. لقد قيل أعلاه (في الرد على الاعتراضات 28: 2)، أن المسيح خرج من رحم أمه المغلق، وبالتالي، دون أن يفتح الممر. ونتيجةً لذلك، لم يكن هناك ألم في تلك الولادة، كما لم يكن هناك أيّ فساد. بل على العكس من ذلك، كان هناك فرحٌ عظيمٌ، لأن الإله المتأنس ’وُلِدَ في العالم‘، بحسب (إش 35: 1، 2) ’تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ‘“.[29]
ويتحدَّث توما الأكوينيّ أيضًا عن أن العذراء حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم الولادة، وبدون أن تفقد بتوليتها قائلاً:
”ولأنها حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم، وبدون تعدي على كرامة بتوليتها، وبدون ضرَّر على براءة عذراويتها“.[30]
جيوفاني بونافنتورا
يُشِير چيوفاني بونافنتورا، الملقَّب بـ ”المعلِّم السيرافيميّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير، وأحد الآباء اللاتين في العصر الوسيط، إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة قائلاً:
”يا الله، إلهي: سأُمجدِّك في أمك. لأنها حبلت بك حبلاً بتوليًا، وولدتك بدون ألم“.[31]
كاتشيزم مجمع ترنت 1566م
يُشِير كاتشيزم مجمع ترنت الكاثوليكيّ عام 1566م إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة كالتالي:
”وُلِدَنا من حواء أبناءً للغضب. وقد استقبلنا يسوع المسيح من مريم […] قيل لحواء: ’بالوجع تلدين أولادًا‘. ولكن قد أستُثنِيت مريم من هذا الناموس، لأنها ولدت يسوع مُحافِظةً على عذراويتها […] ولم تشعر، كما قد قُلنا بالفعل، بأيّ إحساس الألم“.[32]
ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
وهكذا نرى الإجماع الآبائيّ المعتبر والتسليم الكتابي والآبائي في الشرق والغرب على ولادة المسيح له المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة والمخاض، لكي يُزِيل هذه اللعنة التي أصابت الجنس البشريّ بعد السقوط، ورفعها عن البشرية عند ولادته من العذراء بدون آلام الولادة والمخاض.
ولأن الكلمة الإلهيّ، لم يُحبَلَ به في أحشاء البتول مريم بمشيئة رجل أو من زرعِ بشر، بل تمّ بمسرّة الآب وبقوة الروح القدس الذي حلَّ عليها وظلَّلها (لوقا 35:1)، وكان الحَبَل فوق الناموس الطبيعيّ، وولد المسيح منها بطريقةٍ خارقة للطبيعة، مما يعني أن مريم لم تختبر آلام المخاض مثل أيّ إمرأة حُبلى على وشك الولادة، وذلك لأنّ المسيح ثمرة بطنها البتوليّ، لم يَرِث فساد الطبيعة، كأيّ مولودٍ آخر، وكان ميلاده منها بمنأى عن وراثة فساد الطبيعة ونتيجة السقوط الآدميّ. ولهذا فإنّ مريم كانت مُستثنَاة من هذا القانون الساري على جميع الأمهات العاديّات، لأنّ حَبَلها وولادتها لم يكونا وفقاً للناموس الطبيعيّ للحَبَل والولادة مثل باقي البشر، الذين يُولَدون من أمهاتهم حاملين لطخة السقوط وفساد الطبيعة التي نرثها من آدم.
وهنا لا بدّ أن نُؤكِّد على العقيدة الأرثوذكسية، أنّ الله الكلمة اتَّخذَ منها طبيعة بشرية كاملة، ووُلِدَ منها ولادة حقيقية، وصار إنساناً كاملاً بالحقيقة، لا بالوهم أو بالخيال. ولكن في الوقت عينه كانت الولادة خارقة للطبيعة، لأنّ الذي ولدته مريم لم يكن مُجرَّد إنسان، بل كان الله الابن نفسه مُتجسِّداً منها.
[1] الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير القديس أبو مقار، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، نشيد 19، ص 478.
[2] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة:د. نصحي عبد الشهيد ود. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٩)، الفصل ٥٤، ص ١٢١.
[3] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 68.
[4] غريغوريوس العجائبي (قديس)، عظتان عن البشارة بمجيء المسيح، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، العظة الثانية، ص ٢٥.
[5] Zeno of Verona, Tractatus II, 12.2. Trans. by Hunter, 2007, p. 188-192.
[6] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 67.
[7] أفرام السرياني (قديس)، تفسير لسفر التكوين منسوب إلى مار أفرام السرياني في المخطوط الماروني هونت 112 في مكتبة أوكسفورد، مقدمة ونشر: الأب يوحنا تابت، (لبنان: جامعة الروح القدس – الكسليك، 1982)، القراءة السادسة، ص 51.
[8] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الفصل الأول من مسرحية المسيح المتألم، ص ٦٤.
[10] Gregory of Nyssa (St.), Against Eunomius, Book ii, PG 45, 492.
[11] غريغوريوس النيسي (قديس)، والدة الإله وسمعان الشيخ لقاء بالروح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة، ٢٠١٧)، ص ٢٧.
[12] غريغوريوس النيسي (قديس)، عظات آبائية على الميلاد والظهور الإلهي: عظة ميلاد المسيح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ص 136.
[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ٢: ١-٣)، ص ١٧٥.
[14] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢، ص ٣٨.
[17] كيرلس سليم بسترس وآخرون (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 712.
[18] Ambrose of Milan (St.), Expositio in Lucam II. 7, on (Luke 1: 26-38).
[19] Ambrose of Milan (St.), Explanatio Psalmi 47, 11.
[20] Augustine of Hippo, Sermon 189 on Nativity of Christ.
[21] Peter Chrysologus (St.), Sermon 117: 1. See also Luigi Gambero, S. M., Mary and the Fathers of the Church: The Blessed Virgin Mary in Patristic Thought, Trans. by Thomas Buffer, (San Francisco: Ignatius Press, 1999), pp. 294, 295.
[23] ساويروس الانطاكي (قديس)، رسائل القديس ساويروس الانطاكي، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٦)، رسالة رقم ٦٣ إلى أنطونينوس أسقف بيريا، ص ١٥١، ١٥٢.
سنقوم في هذا البحث بتسليط الضوء على الاختلافات الكبيرة والعميقة بين المفهوم الشرقيّ الأرثوذكسيّ للخطية الجدية، ممثلاً في ق. كيرلس الإسكندريّ، وبين المفهوم الغربيّ اللاتينيّ، ممثلاً في أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كان المحرِّك الرئيسيّ وراء مفاهيم مجامع قرطاچنة الثلاثة التي ناقشت الهرطقة البيلاجية، وقضت بحرمها. وبالتالي، نرى أن المفهوم الغربيّ مختلف تمامًا عن المفهوم الشرقيّ للخطية الجدية، وذلك بسبب تأثير كتابات أوغسطينوس أسقف هيبو على الغرب اللاتينيّ بقوةٍ، وهكذا سوف نرى في هذا البحث الاختلاف الشديد والعميق بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للخطية الجدية.
الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري
الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة
يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى ماهية الشر باعتباره اختيار خاطئ وقاتل للنفس.[1] وهكذا يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أن الشر هو عمل إرادي مرتبط بالإرادة الإنسانية في النفس، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال شيء موروث كما علَّم المانويون ومن بعدهم أوغسطينوس كالتالي:
”فكوننا لا نريد أن نُظهِر بأسًا شديدًا، أن نكون غير مهتمين بالابتعاد عن السيئات، وكون أن العقل لا يريد أن ينقطع عن الأشياء العتيقة، أو يبتعد بطريقةٍ ما عن كل دناءة، أو يتردد في فعل ما هو نافع، كل هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن الشخص يتوقف بإرادته في دائرة الشر، في الوقت الذي كان يجب عليه فيه أن يخرج مُسرِعًا“.[2]
عدمية الشهوة الدنسة
يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشهوة ليس لها وجود في حد ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه، داحضًا بذلك أية ادعاءات بوجود تعليم وراثة الخطية الأصلية في تعليمه اللاهوتي كالتالي:
”فالشهوة مثلاً التي تنادينا وتجبرنا على فعل أي شيء، ليس لها وجود في ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه: لهذا فالخضوع الذي يسير إلى التأرجح نحو الإرادة عن واجب الخضوع لأي فرد آخر، لا يمكن أن يُدرَك في طبيعته ذاتها، بل يُعتبر بالحري شهوةً أو إرادةً أو رغبةً في أحد الأمور الموجودة بجانب اسم وحقيقة الخضوع الذي نتحدث عنه بشكلٍ مطلقٍ، فإنه لن يُفهَم أنه منسوب لأيٌ منها، ولن يعرف المرء إن كان الخضوع صالحًا أم رديئًا، إنْ لم يكن مضافًا لأولئك الذين يتم الخضوع لهم: فالإنسان خاضع لله، لكنه يخضع أيضًا للشيطان“.[3]
دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الإرادة الحرة في الإنسان العاقل هي التي تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس، داحضًا أي تعليم عن الإرادة المقيَّدة بالشر وسبق التعيين للخطية والهلاك الناتج بدوره عن التعليم بوراثة الخطية الأصلية، الذي ابتدأه أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، وانتشر بصورة كبيرة في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح البروتستانتي، خاصةً في الكالفينية كالتالي:
”ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان أن يصبح إنسانًا عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن مَن يكون إنسانًا يمكنه بإرادته الخاصة أن يكون صالحًا أو شريرًا، فالإرادة قادرة على أن تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس“.[4]
ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت من بعده بتعليم الإرادة المقيَّدة بالشر، مُؤكدًا على أن المشيئة تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وبمثابة جذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة كالتالي:
”كيرلس: مثل المشيئة، فمع أنها تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وكجذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة، والتي يمكن أن تصل إلى النقيض. لأن ما يجعلنا نفعل الخير ليس هو ما يجعلنا نفعل الشرّ، وأن ما يجعلنا نختار أن نكون حكماء، ليس هو ما يجعلنا أن نختار ما هو عكس ذلك“.[5]
وهكذا يختلف ق. كيرلس الإسكندريّ تمامًا مع الطرح الأوغسطينيّ، بل يعتقد ق. كيرلس الإسكندريّ بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا، بل ويؤكد ق. كيرلس على أن مرض الميل إلى الخطية أصاب الطبيعة البشرية بعد السقوط، وليس كأنَّ الخطية صارت جزءًا من طبيعة الإنسان كما يدَّعي البعض خطاءً وعن جهل. حيث يقول التالي:
”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِيَ للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضَّل أن يعمل ما ليس صالحًا. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا، حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مُفيدة وُجِدَ الموت الجسديّ الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[6]
دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم خطية الطبيعة، الذي أطلقه أوغسطينوس أثناء صراعه مع الهرطقة البيلاجية، وهو تعبير مانويّ في الأصل، ويرى أن الخطية قد صارت جزءًا من الطبيعة البشرية، وهذا الفكر هو فكر غنوسيّ مانويّ غير أرثوذكسيّ، يدحضه ق. كيرلس موضحًا أن إمكانية الإنسان أن يصير صالحًا أوشريرًا تتوقف على إرادته، وليس على طبيعته كالتالي:
”الإنسان لديه إمكانية أن يصير أبًا لأولاده بحسب طبيعته، وهو لا يصير أبًا بإرادته، مثلما يمكن أن يكون شريرًا أو صالحًا بإرادته. فالأول [إمكانية الولادة] توجد فيه بحسب طبيعته، بينما الثاني [أن يكون شريرًا أو صالحًا] فيعتمد على إرادته. في الحالة الثانية نتسيَّد، بينما في الحالة الأولى نخضع لناموس الطبيعة الذي لا يُخترَق“.[7]
دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط
ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وانعدام الخير فيها انعدام كليّ وتام قائلاً:
”كيرلس: إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد، وهذا يعني أننا معرضون للفساد والزوال مثل الأعشاب، بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال، وعدم تغير الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم، لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم.
إرميا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم، وذلك رغم سقوطنا، إلا أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا لم ننحرف كليةً عن طبيعتنا، ولم ننحدر إلى العدم الكليّ، رغم عدم اقتناءنا للفضيلة، فلقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة، وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعني أن الطبيعة البشرية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلق باختيار الإرادة في أن يتغير الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مُقدَّسة في القول والفعل.
كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا، فإن صفات الله تضيء في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر“.[8]
دحض فكرة وراثة ذنب آدم
يرفض ق. كيرلس الإسكندري رفضًا باتًا فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل من آدم إلى ذريته قائلاً:
”والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية الواحدة نفسها؛ التي رأسها آدم أبينا جميعًا وهو واحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابنًا كما لا تجعل ابن آدم أبًا لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى أن الأب يظل أبًا والابن يظل ابنًا. أما إذا كنتم تظنون أنكم تهيئون برهانًا ذكيًا، وتحاولون أن تفرضوا الاختلاط وانعدام التمايز على وحدة الجوهر، حتى لا يبقى كل أقنوم كما هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديَّان الكل من أن يعاقب الابن على ذنب أبيه. أو الأب على ذنب ابنه، مع أن النبي يقول: ’النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن‘ (حز 18: 20). ولكن الذي يقضي بالعدل لا يعاقب الأب على ذنوب ابنه، رغم أن الأب والابن من جوهر واحد. لأن الأب ليس ابنًا، والابن كذلك ليس أبًا، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الأبوة والبنوة، والله يعرف كلٌّ منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما أنه لا ينحدر أيضًا إلى مكانة الآخر“.[9]
ويرفض ق. كيرلس تعليم وراثة الذنب الأبويّ في موضع آخر، حيث لا يقول ق. كيرلس إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم كالتالي:
”لقد قال يجب أن يهلك أيضًا مع الأم التي زنت، الأولاد بدون رحمة. ولأي سبب؟ لأنهم أولاد زنا، ولكننا لا نقول بالتأكيد إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم، لأن ما قاله حزقيال هو ما سيحدث لنا: ’النفس التي تُخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الآب، والأب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون‘ (حز 18: 20). غير أنه يجب أن نعرف، أنه بما أن الأم التي زنت، أُخِذَت كمثال للمجمع، فإن الآتين منه لن يكونوا في حالٍ أقل منه. وعندما قيل إنهم أولاد زنا، فقد أظهر بوضوحٍ، أنهم صاروا مذنبين جراء ما اقترفوه من جرائم الزنا الذهنيّ، وإن عدم إيمانهم هذا بدأ من القماط ومن رحم أمهاتهم، وأنهم لم يلمسوا أعمال التقوى، ولم ينشغلوا أبدًا بالفضيلة، ولم يُقدِّروا الطريق الذي يُسَرُّ به الله“.[10]
وينفي ق. كيرلس وراثة الذنب الأبويّ في سياق تفسيره لمعجزة شفاء المولود أعمى، حيث يرى أن الإنسان لا يُولَد أعمى ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع له هو شخصيًا، أو إلى أبويه، مؤكدًا على أن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء كالتالي:
”فالإنسان لا يُولَد أعمى،ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع إليه هو، أو إلى أبويه. وإضافةً إلى ذلك، فإن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء“.[11]
ويدحض ق. كيرلس فكرة وراثة الذنب، وفكرة الوجود السابق للنفس قبل الجسد، ويرفض فكرة أن النفس خاطئة من قبل ولادتها، وهنا يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب خطية آدم، على العكس من أوغسطينوس، الذي يرى أن النفس تُولَد حاملةً للخطية الأصلية رأسًا من آدم أصل الجنس البشريّ، فالنفس عند ق. كيرلس ليست خاطئةً ولا وارثةً لخطية قبل ولادتها كالتالي:
”ولكن ليس من السهل أن ندرك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم، فنحن لا نؤمن أن النفس موجودة قبل الجسد، ولا يمكن أن نظن أنها أخطأت قبل الجسد، فكيف يمكن أن تخطئ وهي لم تكن قد وُلِدَت بعد؟ […] وهذا كأنه قد قال بأسلوب مختلف وأكثر بساطة إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب خطاياه الشخصية، أو بسبب خطايا والديه“.[12]
ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق أن نفس الإنسان ليست مذنبةً بخطايا قبل ولادتها بالجسد، كما يقول أوريجينوس والأوريجانيون، ويدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بوراثة النفس المولودة من الأبوين لخطية آدم الأصلية، لأنه نفس الأمر يسري عليه فهي ليست خاطئة بالولادة في جسد بشريّ قائلاً:
”وقد سبق أن أوضحنا أن الله لا يجلب خطايا الآباء على الأبناء ما لم يكونوا مشاركين لهم في شرهم، كما سبق أن أوضحنا أيضًا أن وجود الإنسان بجسدٍ ليس هو بسبب خطايا سبق أن أرتكبتها النفس قبل وجود الجسد. لأن المسيح بحديثه ضد هاتين الضلالتين أسقطهما بطريقةٍ عجيبةٍ، حيث إنه بلا شك هو يعرف كل شيء كإله، أو بالحري هو نفسه الحاكم الأعلى لكل أمورنا، وهو الذي يعيِّن تلك الأشياء التي تناسب كل إنسان، والتي يستحقها كل إنسان، لأنه بقوله إن الأعمى لم يخطئ ولا هو يعاني العمى لهذا السبب، فإنه يبين أنه من الحماقة الافتراض أن تكون نفس الإنسان مذنبةً بخطايا قبل ولادتها في الجسد، وأكثر من ذلك، فحينما يقول صراحةً إن أبويه لم يخطئا حتى يُولَد ابنهما أعمى، فهو يدحض شكوك اليهود السخيفة [بوراثة الذنب الأبويّ]“.[13]
تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“
يفسر ق. كيرلس عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“، بعيدًا عن أي تفسير ساذج بأن هذه العبارة تشير إلى وراثة الجنس البشري لخطية آدم الأصلية، حيث يرى أن جدنا آدم حاد بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، ولم يحفظ نعمة [نفخة] الروح القدس، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، فلا توجد أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى انتقال خطية آدم بالتناسل إلى ذريته، ولا أصبحت الخطية الأصلية جزء من تكوين الطبيعة البشرية، كما يدَّعي المانويون الجدد عن دون دراية، معتقدين جهلاً أن ق. كيرلس يعلِّم بـ ”خطية الطبيعة“، كما علَّم به أوغسطينوس في الغرب متأثرًا في ذلك بالمانوية التي كان أحد أتباعها ومريديها في يوم من الأيام كالتالي:
”لأنه إذ قد حاد آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، فلم يحفظ نعمة الروح [القدس]، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، لهذا لزِم أن الله الكلمة غير المتحوِّل أن يصير إنسانًا، حتى إذَا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام“.[14]
ويفسر ق. كيرلس أيضًا عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“ في موضع آخر، حيث يرى أن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وهكذا نقل انحراف الإنسان الأول خسران الصالحات إلى الطبيعة الإنسانية كلها، لأنه في آدم فسد الجنس البشريّ كله. ونؤكد أن البشر بأشخاصهم وإرادتهم الحرة لم يكونوا موجودين مع آدم وقت عصيانه، وهذا ما صرَّح به ق. كيرلس في الشذرات المتبقية من تفسيره لرسالة رومية، عندما فسر أننا صرنا ”خطأة في آدم“ رغم أننا لم نكن موجودين معه وقت خطيته وعصيانه، وها هو هنا يفسر أننا كنا موجودين في آدم كـ ”طبيعة بشرية“ عاجزة عن الثبات، فاقدةً لكل الخيرات المعطَى لها من الله، وهكذا صارت طبيعة ساقطة ومنحرفة، وليست وارثة لذنب خطية آدم، كما يفسر الغنوسيون والمانويون الجدد عن دون دراية وعن جهل بمفاهيم ومعاني عبارات ق. كيرلس. وقد جاء الجنس البشريّ من الوجود إلى العدم في آدم الأول، ولكنه فَسَدَ، عندما كسر الناموس الإلهيّ كالتالي:
”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وكان سقوطها سهلاً للغاية. فكما أنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال، أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، كي يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب الإلهية. […] لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشريّ إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فَسَدَ، لأنه كسر الناموس الإلهيّ، ففي آدم الثاني، المسيح، قد قام هذا الجنس مرةً أخرى إلى بداية ثانية، وأُعيد تشكيله مرةً أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد“.[15]
الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة
يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي غياب عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البدء، وهكذا أعاد المسيح ما غاب عن الطبيعة البشرية باتحاده بها في تجسُّده. فالطبيعة البرية كانت مأسورة للموت، واحتاجت للكلمة المحيي أن يلبس هذه الطبيعة البشرية المأسورة للموت لكي يتوقف الموت عنها كالتالي:
”إذًا، لأنه كان من المستحيل أن يبطُل الموت بالنسبة لطبيعة الإنسان، لأنه كان أسيرًا للموت، جالبًا تلك اللعنة القديمة [الفساد والموت]، فكان حتميًا أن يلبس الكلمة المحيي الطبيعة المأسورة للموت، أي طبيعتنا البشرية، لكي يتوقف الموت، الذي – كأحد الوحوش المفترسة – انقضَّ أيضًا على جسده، فأبطل سلطانه الطاغيّ علينا بكونه الله. إذًا، فهذا هو الذي كُمِّل جسديًا لأجلنا بكونه إنسانًا، أكملنا نحن بكونه الله بأن أبطل سلطان الموت. لأن عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البداية غاب عنها. لأنه يقول: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره؛ لأنه إنما خلق الجميع للبقاء. فمواليد العالم إنما كُوِّنَت معافاةً وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض‘ (حك 1: 13-14)، ’لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 24). وإذ قادنا هكذا إلى الكمال، قال لأبيه السماويّ: ’أنا مجَّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته‘ (يو 17: 4). لأنه حقًا مجد الله الآب الذي أبطل بابنه ذاته الموت. إذَا، فقد تحقَّق كماله بواسطة الآلام، وما غاب عنَّا، أُضِيفَ لنا. لأنه بالمسيح صار خلقًا جديدًا (2كو 5: 17)“.[16]
دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا فكرة وراثة الخطية الأصلية عن طريق التناسل، حيث يقر بأنه ليس القدر ولا الولادة هما ما يجعلان الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس، الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين كالتالي:
”لذلك ليس صحيحًا، إذًا، أن كل من القدر والولادة هما اللذان يتحكمان في كل شخص كما يُعتقد، وتجعل الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس من ذلك، فإن الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين، ولا يوجد شيء يمنع بالضرورة أي شخص من توجيه مسيرته في أي اتجاه يقرِّره“.[17]
وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر، حيث يرى أن الذين ينسحبون عن الضلال السابق ويسرعون إلى الحق كثمرة لحرية إرادتهم هم مستحقون بالحقيقة للمديح كالتالي:
”وإذ يُفطَّمون من ضلالهم السابق الذي تسلَّموه من آبائهم، فإنهم يقبلون كلمة الإنجيل المخلِّصة. ونحن نؤكد أن مثل أولئك هم الذين يُدعون من السياجات، فإنهم بالحقيقة أكثر عظمةً وجدارةً بالمديح حينما يكون الانسحاب من الضلال السابق والإسراع إلى الحق هو ثمرة حرية الإرادة“.[18]
دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح
يرفض ق. كيرلس الإسكندري تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، كما يتضح إن تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء الإسكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.
وسوف نستعرض رأي ق. كيرلس الإسكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:
”ولكنني أفترض أنه من الحماقة الادعاء أن النفوس وُجِدَت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة أُرسِلَت لكي تُحبَس في أجساد ترابية. وسوف أُبرهِن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ’أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا‘ (أم٩: ٩)“.[19]
نحن نرث نتائج عصيان آدم
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بالوجود السابق للأرواح مُؤكِّدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:
”يقول بولس مُوضِّحًا أن الفساد قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم: ’لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ‘ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذَّا كان الجسد الميت قد أُعطِي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إنْ كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأنَّ وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مُسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدَّسة“.[20]
ويرى ق. كيرلس أننا كُنا مُتَّحِدين بآدم عندما جلب على نفسه عقوبة الموت، وليس الله هو مُعاقِبه بالموت، لأن الموت ليس من صُنع الله، وهكذا نحن مُتَّحِدون بالمسيح عندما جلب لنا الحياة وعدم الفساد. وهنا يؤكد ق. كيرلس أننا نرث من آدم الموت والفساد وليس ذنب خطيئته نفسها، لأننا كُنا مُتَّحِدين به من خلال الطبيعة البشرية الواحدة التي تجمعنا به كبشر مولودين من نسل بشريّ آدميّ، وهكذا جلب آدم علينا نتائج خطيئته أي عقوبة الموت كالتالي:
”لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه [الجسد] من الموت، يُعدّ – من الآن فصاعدًا – طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضِعَ [أُذِلَ] حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد [الانحلال]. لأننا مُتَّحِدون به مثلما كُنا أيضًا مُتَّحِدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لذلك، إذ كتب هكذا في أحد المرات: ’فإنه إذ الموت بإنسانٍ، بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، ويقول أيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22). لذلك فإن الكلمة إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد [الانحلال]، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة“.[21]
ويوضح ق. كيرلس أننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وهكذا سقطنا في مصيدة الموت، متروكين من قِبَل الله، فيؤكد على أننا نرث نتيجة مخالفة آدم وهي السقوط في مصيدة الموت، وليس المشاركة في ذنب خطية آدم. ويعطي ق. كيرلس معنى آخر للخطية الجدية وهي أنها هجران النعمة من الطبيعة البشرية كالتالي:
”لأننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وسقطنا في مصيدة الموت متروكين من قِبَل الله، ولكن الكل بالمسيح صار جديدًا، وعاد ثانيةً كل ما يخصنا كما كان في بداية الخليقة، كان ينبغي لآدم الثاني، الذي أتى من السماء، وكان أسمى وفوق الخطية، الجذر الثاني لجنسنا كليّ القداسة وغير الدنس، أن يُخلِّص [يُحرِّر] الطبيعة البشرية من الإدانة، وصار لها أن تستدعي ثانيةً نعمة الصلاح من السماء ومن الآب، فوقها، وتُبطِل هجران النعمة لها بواسطة طاعة يسوع المسيح التي حدثت مرةً واحدةً وإلى الأبد. لأنه لم يفعل خطيةً (إش 53: 9؛ 1بط 2: 22)، وأيضًا الطبيعة البشرية، وهي متَّحِدة به، صارت بلا لوم وبريئة“.[22]
ويشير ق. كيرلس بوضوح إلى أن آدم، الجذر الأول، قد أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، لم يقل ق. كيرلس أن آدم أنبت خطيئته في الطبيعة البشرية، كما يدَّعي الغنوسيون والمانويون الجدد، بل قال نتائج الغضب، حيث الموت الذي ملك من آدم إلى موسى على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، ويقارن ق. كيرلس بين عبور نتائج الغضب أي الموت من الجذر الأول للبشرية، آدم، وبين عبور النتائج الآتية من جذرنا الثاني، المسيح، في كل الجنس البشريّ. فأين الخطية الأصلية الموروثة التي يدَّعي هؤلاء أن ق. كيرلس يؤمن بها؟! حيث يقول التالي:
”كما أن الجذر الأول، أقصد آدم، أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، حيث ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، هكذا مرتَّ [عبرت] أيضًا النتائج الآتية من جذرنا الثاني، أي المسيح في كل الجنس البشريّ، الأمر الذي يؤكده بولس الرسول قائلاً: ’لأنه إنْ كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين‘ (رو 5: 15)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22)“.[23]
الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس
يشرح ق. كيرلس ماهية الجدية وهي انعطاف الإنسان نحو الشر، وقطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس الساكن في طبيعة الإنسان منذ أن خلقه الله ونفخ فيه نفسًا حيةً كالتالي:
”كيرلس: لقد هرب العالم من خالقه، وابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو أسمى من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ، فإنه قطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس.لأنه بمجرَّد أن خُلِقت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف، زُيِّنت في الوقت نفسه بهبة العلاقة بالروح القدس، لأنه مكتوب: ’ونفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك 2: 7). لأنه – كما أعتقد – لا يستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدالة وهذا التقديس بأيّ طريق آخر، سوى شركة الروح القدس؛ فعندما تجسَّد الابن الوحيد، وجد أن طبيعة البشر خالية من الصلاح، الذي وهبه الله إليها في القديم عند خلقتها؛ لهذا أسرع بأن يشركها في ملئه مثلما من نبعٍ، قائلاً: ’اِقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)، ومُبيِّنًا نفخة روحه عندما نفخ في وجوههم. وهكذا كان تجديد البشرية وإعادتها إلى رتبتها الأولى، مماثلاً لما قد حدث عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهَم أنه ابتعاد مكانيّ، بل بالحري أنه ابتعاد هذه الخليقة عن الله وعن شركة الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولى لو أردت – طالما أنها وُهِبت التجديد الروحيّ، وهي مدعوةٌ لشركة الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس“.[24]
ويشرح ق. كيرلس المفهوم السابق بأكثر تفصيلاً بأن الإنسان فقد في آدم عدم فساده بعد مفارقة الروح القدس للإنسان بالسقوط، وانحرف الإنسان نحو الخطية، ولكن لم ينحرف تمامًا بإرادته نحو الخطية، كما يدَّعي أوغسطينوس ولوثر وكالڨن بالفساد التام والكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط بسبب خطية آدم الموروثة، التي تعمل ديناميكيًا في الطبيعة البشرية وتجعلها مُقيَّدةً دائمًا بفعل الشر والخطية حتى لو أرادت الخير فهي تفعل الشر تلقائيًا بسبب الإرادة المقيَّدة قدرًا ووراثيًا بالشر. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان تتابع تدريجيًا في الغلو في الخطايا، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، وهذا يؤكد أن ق. كيرلس يؤمن بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية والإرداة الإنسانية، وليس كما يُعلِّم اللاهوت الغربيّ بقيادة أوغسطينوس وأتباعه من المصلحين البروتستانت بالفساد والانحراف الكلي والتام للطبيعة البشرية والإرادة البشرية. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان عانى من فقدان الروح القدس، وصار تدريجيًا خاضعًا للفساد ولكل الخطايا كالتالي:
”فإن هذا الكائن الحيّ العاقل على الأرض، أعني الإنسان، قد خُلِقَ منذ البدء في عدم فساد. وكان السبب في عدم فساده وفي بقائه في كل فضيلة، هو على وجه اليقين أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله ’نفخ في أنفه نسمة حياةٍ‘ كما هو مكتوب (تك 2: 7). لكنه وبسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في الغلو في هذه الأمور، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، عانى من فقدان الروح، وفي النهاية، أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عُرضةً أيضًا لكل الخطايا“.[25]
دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه. حيث يقول التالي:
”ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكَّد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد“.[26]
ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس الإسكندري بخصوص الخطية الجدية، ونتائجها، وآثارها، على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يُعدّ هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها من الشركة مع الله بسبب وراثة خطية آدم، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.
الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث
يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا. حيث يقول التالي:
”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحمِلاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة،. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[27]
اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية
ويُؤكِّد ق. كيرلس على اجتياز مرض الموت وليس الخطية الأصلية إجباريًا من بداية الجنس البشري كجذر إلى الفروع التي تفرعت منه كالتالي:
”كيرلس: إذًا، لأن بداية الجنس البشري بسبب الخطية انتهت إلى مرض الموت، وهذا الموت اجتاز إجباريًا إلينا، فمن الجذر امتد إلى الفروع التي تفرعت منه. لأن الثمر الفاسد هو من الأصل الفاسد. وهكذا ملك الموت على الجميع، وحتى على موسى نفسه، أي حتى ذاك العصر الذي كان فيه الناموس ساريًا“.[28]
يشرح ق. كيرلس كيف نقل آدم اللعنة، أي لعنة الفساد والموت، إلى نسله من جراء مُخالفته، فيقول:
”بما أننا آتينا من (الطبيعة) الفاسدة، نحن وارثون لعنة آدم بهذه الطريقة. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية التي أُوصِيَ بها ذاك، لكن -كما قلت-لأنَّ الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة للأولاد الذين وَلدَهم؛ أي صرنا فانين من الفاني. لذلك صار ربنا يسوع المسيح آدم الثاني، وبدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. أعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مهينًا الموت، ومبطلاً إياه في جسده. بالمسيح إذًا انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا يقول بولس الحكيم أيضًا: ’فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع‘ (1كو 15: 22). نستنتج إذًا، أنَّ اللعنة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل (الجامع) للكل تحقق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يثقلها؛ لأن الإنسان الأول صار فاسدًا“.[29]
ويُؤكِّد هنا ق. كيرلس على وراثة الفساد والموت من جراء مخالفة آدم، ويرفض بشكلٍ واضحٍ وراثة الذنب الشخصيَ أو الأخلاقيّ من آدم إلى بنيه.
عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان
يُفسِّر ق. كيرلس كيفية امتلاء يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو في بطن أمه، بأنه وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، داحضًا بذلك التعليم عن وراثة الخطية الأصلية؛ لأنه لو كان يوحنا المعمدان وارثًا للخطية الأصلية من والديه، فكيف يقول الإنجيل عنه إنه كان مُمتلئًا بالروح القدس من بطن أمه، ويتحدَّث ق. كيرلس عن أنه قد وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا البشرية، حيث يقول التالي:
”لأن المخلِّص يقول: ليس بين المولودين من النساء مَن هو أعظم من يوحنا (مت 11: 11)، وهذا حق، ولكننا نرى أن الذي وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، يُكرِّم المسيح بكرامةٍ لا يمكن مقارنتها. فهو يقول: ’الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلَّ سيور حذائه‘ (مر 1: 7). فكيف لا يبدو غير معقول، بل بالحري عدم تقوى، أن نؤمن أن يوحنا ’امتلأ من الروح القدس من بطن أمه‘ (لو 1: 15)، ثم نفترض أن سيده، بل بالحري سيد ورب الكل قَبِلَ الروح القدس فقط عندما اعتمد، مع أن جبرائيل يقول للعذراء القديسة: ’الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعَى ابن الله‘ (لو 1: 35)، وعلى محب المعرفة أن يرى قوة الكلمات التي تتمخض بالحق. لأنه يقول عن يوحنا ’يمتلئ‘ من الروح القدس، لأن الروح القدس صار فيه كعطية وليس بالجوهر، أما عن المخلص، فالملاك لا يقول عنه إنه ’سوف يمتلئ‘ بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ’القدوس المولود منك‘، ولم يقل ’المولود منك سوف يصير قدوسًا‘، فهو دائمًا قدوس بالطبيعة لأنه إله“.[30]
تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12)
يُفسِّر ق. كيرلس فقرة (رو5: 12) ”واجتاز الموت لجميع الناس“ دون أي ذكر لوراثة الخطية الأصلية، حيث يقول التالي:
”لقد بيَّن ربنا يسوع المسيح المحبة الحقيقة اللافتة التي أظهرها لنا الله الآب من خلال تتميم تدبيره [الابن] في الجسد وآلامه على الصليب، إذ قيل: ’هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكيلا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية‘. وتأكيدًا لذلك، فقد بذل [الآب] بالحقيقة ابنه الوحيد من أجلنا، وبذلك افتُدِينا وتحرَّرنا من الموت والخطيئة. ’فالكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا‘ ليس لسبب آخر سوى احتمال الموت في الجسد، ولكي يتمكن من الانتصار على القوات والسلاطين، ولتحييد ذاك الذي ’له سلطان الموت، أي ابليس‘، ولكي ينزع الفساد ومعه يزيل الخطيئة التي تقهرنا. بهذه الطريقة قد محى أيضًا تلك اللعنة القديمة التي تحملتها الطبيعة البشرية في آدم باعتباره باكورة جنسنا وأصل نشأتنا. فعندما خالف آدم الوصية، فقد أخطاء تجاه الخالق. وهذا هو السبب في أنه قد صار ملعونًا وخاضعًا للموت. ولكن رب الكون قد تحنن على أولئك الذين هلكوا تمامًا؛ فنزل الابن من السماء، ومحا الاتهامات، مُبررًا الفاجر بالإيمان. كإله، أعاد تشكيل الطبيعة البشرية ليجعلها غير فاسدة رافعًا إياها إلى حالتها الأصلية. فكل ما في المسيح هو ’خليقة جديدة‘، لأنه قد جعل نفسه كأصل جديد وصار آدم الثاني. ولكن هذا لا يعني أنه قد صار سببًا لغضب الله كما كان آدم، أو سببًا لابتعاد المولودين منه عن فوق؛ بل على العكس، فهو المحسِن الذي منحنا أن نصير أقرباء لله من خلال التقديس، وعدم الفساد، والتبرير الذي بالإيمان. ويشرح لنا بولس الحكيم هذا الأمر في كلمات المقطع الذي نحن بصدده، فيقول: ’كأنما بإنسان واحد‘، ثم يُكمِل قائلاً: ’دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘. إذًا، فقد دخل الموت بالخطيئة – كما قُلتُ – في الإنسان الذي خُلِقَ أولاً، في مصدر جنسنا. ثم تم أسر [نهب] الجنس البشري بأكمله لاحقًا. وعندما تسيَّدت الحية، مُخترِعة الخطيئة، على آدم بطرق المكر، اخترقت العقل البشري. ’الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس مَنْ يعمل صلاحًا‘. في الواقع، عندما ابتعدنا عن وجه الله كلي القداسة، إذ أن العقل البشري شغل نفسه باجتهاد بالشر لأنه ’شرير منذ حداثته‘، بدأنا نعيش حياة خالية أكثر من المنطق، و ’ساد الموت وابتلعنا‘ كما يقول النبي [إشعياء]، والهاوية ’وسعت نفسها وفغرت فاها‘. فعندما صرنا متبعين لآدم في تعديه، الذي بحسبه ’أخطأ الجميع‘، صرنا مستحقين لنفس العقوبة التي كانت عليه. لكن الأرض تحت السماء لم تبقَ بدون مساعدة. فالخطيئة انتُزِعَت، وسقط الشيطان، والموت ذهب هباءً“.[31]
نفي وراثة خطية آدم
ويستطرد ق. كيرلس في سياق شرحه لفقرة (رو5: 18-19) من أجل إثبات عدم توارث ذرية آدم معصيته الأولى كذنب موروث، لأننا لم نكن مولودين وموجودين لنخطئ معه، بل يتحدَّث عن انتقال مرض الخطية إلى طبيعتنا البشرية، ويشرح الأمر كالتالي:
”يُضِيف بولس الموحَى إلهياً إليه، نوعاً من الاستنتاج حول الافكار السابقة عندما يقول: ’وهكذا بمعصية الواحد‘ وما يَتْبَع ذلك. فلقد تم إدانتنا جميعاً في آدم، كما قلت سابقاً. وعندما حَلَّت لعنة الموت، انتشرت النتيجة إلى الكل من الجذر الأصلي. ولكننا أيضاً أصبحنا مُبَرَّرين وأشرقنا مرةً أخرى للحياة عندما تبرَّرنا في المسيح. لَقَدْ عَصَى جَدُّنَا الوصية الممنوحة له. وأساء إلى الله وعانى من عواقب الغضب الإلهي، ومِنْ ثَمَّ سقط في الفساد. وهنا انتقلت الخطية إلى طبيعة البشرية، وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ والتي تعني كل شخص علي الارض. والآن قد يقول شخص ما: نعم آدم سقط، وعصى الوصية الإلهية وقد أُدِينَ للموت والفساد. ولكن كيف ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ بسببه؟ ولماذا تؤثر سقطته علينا؟ لماذا تم إدانتنا معه ونحن لم نكن مولودين بَعْدٌ؟ وعلي النقيض، يقول الله: ’لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ‘، وَلاَ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ، و ’اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ‘، كيف إذًا سندافع عن موقفنا؟ بالفعل، فإنَّ النفس التي تخطئ يجب أن تموت. ومع ذلك، لقد أصبحنا خطاةً بواسطة عصيان آدم بالطريقة التالية: لقد خُلِقَ -آدم- في الحياة وعدم الفساد، وعاش حياة مقدَّسة في فردوس النعيم. وكان عقله بالكامل وعلى الدوام يتمتع برؤية الله، وجسده كان هادئًا وغير مضطرب حيث أن كل الملَذَّات المخْزِيَّة كانت في خمولٍ. ولم يكن فيه أيّ اضطرابٍ البتة من الدوافع الغريبة. ولكن عندما سقط تحت الخطية غرق في الفساد واجتاحت الشهوات النجسة طبيعة جسده، وتُوَلِّد ناموس الشر في أعضائنا. فالْتَقَطَتْ طبيعتنا مرض الخطيئة ’بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ‘ -أي آدم- وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ ليس لأننا أخطئنا معه -إذ لم نكن موجودين بعد- بل لأننا من نفس طبيعته، التي سقطت تحت ناموس الخطية. وهكذا، كما اكتسبت الطبيعة البشرية الفساد في آدم بسبب عصيانه واجتاحتها الأهواء الشريرة، تحرَّرت مرةً اخري في المسيح، الذي كان طائعًا لله الآب، ولم يرتكب خطيةً“.[32]
يشرح ق. كيرلس في موضع آخر كيف نقل لنا آدم الأول لعنته وعقابه الذي لحق به من جراء العصيان ردًا على سؤال تيبريوس الشماس حول ذلك الأمر، حيث يقول التالي:
”سؤال: لماذا عن طريق الموت في آدم، علينا أن نُوفِي عقوبة جَدِّنَا الأول؟ ولماذا يكون كل واحد منَّا مديونًا بسبب مخالفة ذاك؟ لماذا لم أرث الطهارة حين وُلِدتُ، بالرغم من أن والدي صار طاهرًا، كلٍّ من: عقوبة الجد الأول ومن تعديه الخاص، وصار حيًا في المسيح بواسطة الروح القدس؟ لماذا لم تَفِدْني نعمة البر التي قَبِلَها هو ذاته، بالرغم من أن هذه النعمة هي أقوى جدًا من الخطية؟
جواب: ينبغي أن نفحص كيف نقل لنا آدم الأب الأول العقاب الذي لحقه من جراء مُخالفته، فقد سمع: ’أَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ‘ (تك ٣: ١٩). وهكذا صار فاسدًا من كونه غير فاسدٍ، وخضع لقيود الموت. ولكن بما أنه أنجب أولاداً بعد السقوط في هذه الحالة، فقد وُلِدْنَا نحن فاسدين بما أننا أتينا من الفاسد، وهكذا نحن وارثون لعنة آدم. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية الإلهية التي أُوصِي بها ذاك، لكن – كما قلت – لأن الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة لذريته، إذ أننا وُلِدنا مائتون من أصلٍ مائتٍ. بينما صار ربنا يسوع المسيح -آدم الثاني- بدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. وأعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مُهِينَاً الموت ومُبْطِلاً إياه في جسده. بالمسيح إذن انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا أيضاً يقول بولس الحكيم: ’فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ‘. (١ كو ١٥: ٢١)، وأيضًا: ’لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ‘. (١ كو ١٥: ٢٢). نستنتج إذًا أن العقوبة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل للكل قد تحقَّق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يُثَقِّلُهَا من خلال الإنسان الأول الذي صار فاسدًا. لكن والد كل واحد مِنَّا، بالرغم من أنه قُدِّس من الروح القدس ونال غفران خطاياه، إلَّا أنه لا يمكنه أن ينقل لنا أيضًا العطية؛ لأن واحدًا هو الذي يُقدِّس ويُبرِّر جميعنا، ويُحضِرنا ثانيةً إلى عدم الفساد، هو ربنا يسوع المسيح. وبواسطة المسيح، هذه العطية تأتي بالتساوي لجميعنا. فإنَّ مغفرة الخطية وانحلال الموت، شيئان مختلفان. فكل واحد مِنَّا يحصل على مغفرة خطاياه الخاصة في المسيح من خلال الروح القدس. بينما نتحرَّر جميعاً على حد سواء، من العقوبة الأولى المفروضة علينا، أعني عقوبة الموت التي امتدت إلى الجميع على مثال الإنسان الأول الذي سقط في الموت. لأجل هذا أيضاً يشير بولس الحكيم إلى أن الموت ’قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي‘. (رو ٥: ١٤). لكن فيما بعد، عندما أشرق المسيح، أتى البر الذي برَّرنا بنعمة الله وأبعد الفساد عن أجسادنا“.[33]
مفهوم ناموس الخطية المتوحش
يوجد أيضًا تعبير ”ناموس الخطية المتوحش“ الذي فسَّره ق. كيرلس بأنه الحركات المغروسة في الجسد التي تتم بالفكر والإرادة، فهو يقصد القدرة على فعل الخطية، وليس ممارسة الخطية نفسها، بمعنى أن القدرة على فعل الخطية شيء، أما ممارسة الخطية شيء آخر، لأن الخطية فعل إرادي وليست فعلاً موروثًا. لقد آتت المعرفة الاختبارية للشر والخطية بعد العصيان والسقوط. وبالتالي لا يعني ”ناموس الخطية المتوحش“ أبدًا وراثة الخطية الأصلية بالتناسل، ولا تتساوى الفكرتين مع بعضهما البعض. فالإنسان بعد السقوط لديه طبيعة تميل للخطية، ولكن الطبيعة البشرية الفاسدة والمائتة بالانفصال عن الله، تحتاج أن يحملها شخص عاقل مُريد لكي يُمارِس الخطية، وهكذا الطبيعة لديها ميل للخطية، ولكنها تحتاج لشخص ليقوم بممارسة هذه الخطية، لكن الطبيعة البشرية لا تمارس الخطية من تلقاء ذاتها، فقبل السقوط كان الإنسان لديه القدرة على فعل الخطية، ولكنه بعد السقوط وبعدما أختبر وعرف الشر ومارسه صار له ميل للخطية أي ”ناموس الخطية المتوحش“، أو الحركات المغروسة في الجسد، أو الفكر الذي يتسلط عليه لذات الجسد. ولكنه يُمارِس الخطية بإرادته، وليس رغمًا عنه كنتيجة حتمية طبيعية بسبب خطية أصلية موروثة في طبيعته، وكأنها جزء من أجزاء الطبيعة، أو مكون من مكونات الطبيعة البشرية، لأنه هذه هي الهرطقة المانوية، بل يُمارِس الخطية بمحض إرادته وبإرادة حرة كاملة. وهكذا يُعرِّف ق. كيرلس ”ناموس الخطية المتوحش“ كالتالي:
”لذلك نقول إنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم، وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد، أي حركاته المغروسة فينا، فقد صار من الضروري لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض، أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعًا للفساد ومريضًا بحب اللذة، خاصًا به وحيث أنه الحياة ومُعطِي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكنًا أن تُمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضًا أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا ’ناموس الخطية‘. حيث أن الجسد الإنساني صار خاصًا بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث أنه كإله ’لم يعرف الخطية‘، فإنه اتَّحد بالجسد وأعلنه خاصًا به كما قلت، فوضع نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه، لأنه هو كما هو دائمًا. بل واضح أنه لأجلنا لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم، فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضًا تأتي إلينا كلها معًا“.[34]
ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية“ في موضع آخر موضحًا أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، فناموس الخطية هو ميل إراديّ يقودنا نحو ما هو ضد الناموس كالتالي:
”فما معنى قوله إن الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مُختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحِبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإن جسده كان مُقدَّسًا ونقيًا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس“.[35]
ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية المتوحش“ بصورة أوضح مشيرًا إلى أن هناك ناموس الخطية الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، فهناك صراع داخلي بين ميل الجسد لفعل الخطية وبين ميل العقل لفعل الصلاح كالتالي:
”فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة – فهناك الشيطان الذي يُبغِض كل ما هو جميل. وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وهناك أيضًا ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان – إذَا فماذا نفعل – وهناك مثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟“.[36]
ويوضح ق. كيرلس أن ناموس الخطية في الأعضاء الجسدية يقاوم بضراوة ومرارة. ولكنه يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضل وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة، فالصراع هنا صراع نحو امتلاك الإرادة نحو الخير أو نحو الشر، وليس انقياد لا إرادي وإجباريّ وطبيعيّ نحو ممارسة الخطية والشر، كما في المنظومة الغربية الأوغسطينية والكالڨينية كالتالي:
”وناموس الخطية الذي في الأعضاء يقاوم بضراوة ومرارة. لأني أعرف أن بولس الذي كان متعلمًا في الناموس يناقش هذه الأمور بروعة، لأنه قال: ’فإني أُسرَّ بناموس الله حسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي‘ (رو 7: 22، 23). ويقول أيضًا: ’إذًا، أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ (رو 7: 25). وإلى جانب ذلك، يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضلّ وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة“.[37]
ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية
ويُسمِّي ق. كيرلس ”ناموس الخطية“ في موضع آخر بـ ”ناموس الشهوة الطبيعيّ“ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا، وهذا يدل على أن ق. كيرلس لا يقصد بوراثة الخطية الأصلية وراثة ناموس الخطية المتوحش كما يُعلِّم البعض عن تشويش وتخبط واضح وعدم فهم للاهوت ق. كيرلس وأنثروبولوچيته كالتالي:
”لأن الحية المتعددة الرؤوس تضايقنا كثيرًا، وتُورِّطنا أحيانًا في صعوبات غير متوقَّعة، حتى تحدرنا إلى الحضيض وإلى الخطية بأنواعها. زذ على ذلك، فهناك أيضًا ناموس الشهوة الطبيعيّ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا كما يقول الكتاب (رو 7: 23)“.[38]
الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح
ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت
يرى ق. كيرلس أن الفساد دبَّ في البشرية بسبب آدم، ودخلت فينا لعنة الموت بسبب آدم، ودخل ناموس الخطية فينا بواسطة لعنة الموت، وهنا يؤكد ق. كيرلس على أن ناموس الخطية هو نتيجة للعنة الموت، وليس كما أكَّد أوغسطينوس، أن ناموس الخطية بسبب وراثة خطية آدم الأصلية في البشر، فصارت خطية آدم الموروثة هي مصدر الخطية في الطبيعة البشرية. بل الإنسان، بحسب ق. كيرلس، بسبب وجوده في حالة الموت والتغرُّب عن الله دخل فيه ناموس الخطيئة وتغلغَّل في أعضائه الجسدية كالتالي:
”وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أيّ آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. […] فنحن ترابيون بسبب آدم الذي من تراب، وقد دخلت فينا لعنة الموت، التي بواسطتها دخل فينا ناموس الخطية الموجود في أعضائنا“.[39]
الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله
يرى ق. كيرلس أن المسيح هو محطم الموت والفساد الذي أصاب طبيعة الإنسان، وردَّه مرةً أخرى إلى ما كانت طبيعته عليه في الأصل، لأن جسدنا كان مشحونًا بالموت، فحرَّر المسيح جسدنا من رباطات الموت. معصية آدم جعلتنا وجوهنا محجوبة ومتغربة عن الله وصرنا نموت ونعود إلى التراب، فقصاص الله على الطبيعة البشرية هو الموت، أي العودة إلى التراب، ولكن جاء التجديد من خلال الثالوث القدوس الواهب الحياة للراقدين كالتالي:
”كان الإنسان الميت في طريقه إلى الدفن، وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة، أعني المسيح نفسه، لأنه هو مُحطِّم الموت والفساد، هو الذي ’به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً، فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. […] لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو: ’لأنك تراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم، فإن وجه الأرض سيتجدَّد لأن الله الآب بالابن في الروح القدس سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها. إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن ’ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال‘، كما يقول الكتاب (عب 8: 13). ولكن المسيح يُجدِّد لأنه هو الحياة“.[40]
ويؤكد ق. كيرلس على هجران وتغرُّب الطبيعة البشرية عن الله بعد السقوط، وهكذا قَبِلَت الطبيعة البشرية لعنة الفساد والموت، وصارت أسيرةً للموت، فالفساد دخل الطبيعة البشرية من الخارج بسبب الهجران الذي أختبرته الطبيعة البشرية من الله بعد السقوط كالتالي:
”نقول: لأن أبونا الأول داس على الوصية التي أُعطِيَت له، ولم يبالِ بالناموس الإلهيّ (تك 3: 1 وما بعده)، هُجِرَت الطبيعة البشرية من الله، ولأجل هذا قَبِلَت اللعنة، وصارت أسيرةً للموت، لكن عندما أتى الابن الوحيد كلمة الله إلى العالم ليعيد تشكيلها إلى عدم الفساد، وأخذ الطبيعة البشرية من نسل إبرام، وصار مثل إخوته (عب 2: 16-17)، كان يجب، كما وضع حدًا لتلك اللعنة الأولى القديمة، والفساد الذي دخل من الخارج، أن يضع أيضًا حدًا للهجران الذي اختبرته الطبيعة البشرية من البداية“.[41]
ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط
يشير ق. كيرلس إلى أن الطبيعة البشرية صارت في آدم لها ميل وقابلية للخطية، فالطبيعة البشرية لا يمكن أن تخطئ من تلقاء نفسها بدون أن تكون موجودة في شخص كائن عاقل له إرادة لكي يمارس بها الخطية، فالطبيعة البشرية ليس لها وجود واقعيّ حقيقيّ لو لم تكن موجودة ومتشحصنة ومتأقنمة في شخص عاقل مريد يمارس الخطية بإرادته الحرة كالتالي:
”هكذا قد محا ذنب العصيان الذي بواسطة آدم، هكذا أُبطِلَت قوة اللعنة، وأُبيدت سيادة الموت. وهذا ما يُعلِّمه بولس أيضًا قائلاً: ’لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِلَ الكثيرين خطاةً، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرين أبرارًا‘ (رو 5: 19). لأن طبيعة الإنسان كلها صارت خاطئةً [ميَّالة للخطية أو عُرضة للخطية] في شخص الذي خُلِقَ أولاً [هذا يؤكد أنها ينبغي أن تتشخصن في شخص لتصبح موجودة وفاعلة]، ولكنها الآن قد تبرَّرت كليةً من جديد في المسيح“.[42]
إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال
يرى ق. كيرلس أنه قد تمَّت إدانة الطبيعة البشرية في آدم وكانت النتيجة أنها سقطت في الانحلال أي للموت بسبب تعديه للوصية التي أُعطِيَت له كالتالي:
”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدى الوصية التي أُعطِيت له“.[43]
وهذا يُفسِّر لنا لماذا قال ق. كيرلس في موضع آخر: ”أننا أخطأنا في آدم“، وقال أيضًا: ”أننا لم نخطئ معه لأننا لم نكن موجودين آنذاك“، وهكذا ”لا نُحسَب مذنبين بذنبه وحاملين وز خطيئته“، فالمقصود من تعبير ق. كيرلس ”أخطأنا في آدم“ هو إدانة الطبيعة البشرية في آدم، وليس إدانة شخوص البشر في آدم، لأن آدم مسئول عن خطيئته وحده، ولكن لا يُحاسَب البشر بذنب خطية آدم. إلا أن الطبيعة البشرية صارت تحت الدينونة في آدم، وسقطت في الانحلال، لأن الطبيعة صارت متغربة ومحجوبة عن الله وانفصلت عن مصدر حياتها، فسقطت في الانحلال.
وراثة حكم الموت في آدم
ويُفسِّر ق. كيرلس في موضع آخر إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم، حيث يرى أننا صرنا وارثين حكم الإدانة [أي حكم الموت] التي كانت لآدم الأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه كالتالي:
”لأن طبيعة الإنسان كان محكومًا عليها بالموت بسبب عصيان المخلوق الأول، فكان يجب أن تعود ثانيةً إلى حالتها الأولى مُظهِرةً طاعتها. غير أن هذا كان بالفعل أكبر وأسمى من القدرات البشرية؛ لأنه ليس أحدٌ طاهرًا من الخطايا. لأنه إذَا كان المخلوق الأول قد سقط مرةً واحدةً في الخطية، وصار أسير ضعفه، وتغذت طبيعته بشهوات الجسد الذي أصبح جذرًا وحاملاً لناموس الخطية المتوحش، فكيف له أن يتجنب هذا تمامًا؟ […] لكي يأخذ – هذا الذي لم يعرف خطيةً – جسدًا مثلنا، ويجعله خاصًا به، حتى يوجد على الأرض بكونه إنسانًا، فيبرِّر طبيعة الإنسان بذاته ويُحرِّره من قيود الموت، مُتوَّجًا من الله الآب بتاج البراءة. وإلا يكون غريبًا، أن نصير وارثين حكم الإدانة التي كانت للأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه، دون أن نُصبِح مشاركين برّ الثاني، الذي أحضرنا ثانيةً إلى الحياة بطاعته التامة!“.[44]
النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفس مخلوقة في سياق مُقاومته لبدعة ”تجسيم أو أنسنة اللاهوت“، التي تفشت في عصره بين رهبان برية شيهيت بمصر، وبين رهبان سوريا وفلسطين، وفي سياق مقاومته لتعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد السقوط من عالم الغبطة في معية الله. حيث يقول التالي:
“ولا أظن أن أحدًا سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو أنها تتكوَّن معه، وإنما الله -بطريقة غير معروفة- يغرسها في الجسد وتُولَد معه. ولذلك، نحن نُحدِّد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”.[45]
ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق حديثه عن تجسُّد الرب إلى أن الأمهات يمنحن الجسد اللحميّ فقط، ولكن يُرسِل الله النفس بكيفيةٍ معروفةٍ له فقط في اللحم البشريّ لتتَّحد به، وتُكوِّن إنسانًا كاملاً مُركَّبًا، بحيث تلد الأمهات على الأرض إنسانًا كاملاً مُكوَّنًا من جسد ونفس عاقلة. وبالتالي، يُؤكِّد ق. كيرلس على أن النفس في أصلها مخلوقة مُباشرةً من الله، ولا تُولَد مثل الجسد اللحميّ من الأم والأب قائلاً:
“إن سر تجسُّده هو بكيفيةٍ ما مماثل لولادتنا، لأن أمهات أولئك الذين على الأرض الخاضعات لقوانين الطبيعة فيما يخص الولادة، لهم لحم يثبت في الرحم، وهو الذي ينمو قليلاً قليلاً بحسب أفعال الله غير المدرَكة، ويصل إلى النضوج في هيئة إنسان. ويرسل الله الروح في الكائن الحي بكيفيةٍ معروفةٍ له، وهذا بحسب قول النبي: ‘وجابل روح الإنسان في داخله’ (زك 12: 1). وإن الكلام عن الجسد شيء، والكلام عن النفس شيء آخر، ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النسوة هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلا أنهن يلدن الكائن الحيّ كله، وأنا أعني كائنًا مُكوَّنًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنه يلدن جزاءًا من الكائن، ولن يقول أحد إن أليصابات، مثلاً كانت أمًا للجسد فقط، وليست أمًا ولدت نفسًا في العالم إلى جانب الجسد. لأنها ولدت المعمدان إنسانًا ذا نفس، وكائنًا حيًا مُكوَّنًا من الاثنين. وأنا أعني إنسان له نفس وجسد معًا”.[46]
براءة الأطفال من الخطية الأصلية
يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى وجود معمودية الأطفال في عصره، حيث يُؤكِّد على إحضار الاشبين المسئول عن الطفل به لينال مسحة الموعوظين، ثم يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، ولم يأت ق. كيرلس الإسكندري على ذكر أية خطية موروثة تمحوها المعمودية المقدَّسة في الأطفال، بل كانت إشارته إلى نوال المسحة المقدَّسة في المعمودية كالتالي:
”لأنه حينما يُحضِرون طفلاً مولود حديثًا لكي ينال مسحة الموعوظين، أو يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، فإن مَنْ يُحضِره إلى المعمودية [أي الاشبين] يُكرِّر بصوتٍ عالٍ قائلاً: ’آمين‘ نيابةً عنه“.[47]
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن مصير اﻷطفال غير المعمَّدين، ويُذكِّرنا موقفه هذا بموقف كل من كاتب عظة ”صوم المسيح“ المنسوب إلى ق. أثناسيوس، وموقف ق. غريغوريوس النيسي في عظته عن ”الموت المبكر للأطفال غير المعمدين“. حيث يقول ق. كيرلس في رده على سؤال الشماس انثيموس (منشور القول في بردية crum حقَّقها وعلَّق عليها العالم Ehrhard) التالي:
”انثيموس: هل يدخل الأطفال الصغار إذَا ماتوا قبل أن ينالوا المعمودية الملكوت؟ كيرلس: حقًا الملكوت هو لهم، لأنهم عندما تكوَّنوا في بطون أمهاتهم قد حُسِبوا للملكوت. وبالإضافة إلى ذلك، إذَّا كان الجذر مُقدَّسًا، هكذا تكون الأغصان“.[48]
نجد هنا ق. كيرلس الإسكندري لم يقل إن الأطفال غير المعمَّدين لن يدخلون الملكوت بسبب عدم معموديتهم، ولا بسبب الخطية الأصلية الموروثة كما يقول أوغسطينوس، بل الملكوت هو لهم من بطون أمهاتهم، لأنهم مُقدَّسون من البطن بلا خطية.
ويشدد ق. كيرلس، على العكس من أوغسطينوس واللاهوت الغربيّ، على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية قائلاً:
”ولكن الولد الذي قد أخذه لأيّ شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خالٍ من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات […] في قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. وقال المخلص نفسه مرةً للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ’الحق أقول لكم، إنْ لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله‘ (مت 18: 3)“.[49]
ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على بساطة وبراءة الأطفال من أيّ خطية كالتالي:
”وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ’وأقامه عنده‘، مبينًا بذلك – كما في رسمٍ توضيحيّ – أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره لكونهم يُفكِّرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ’تعلَّموا مني لأنيّ وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[50]
يشير ق. كيرلس إلى معمودية الأطفال، حيث يُقرَّب الأطفال ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل، أي تكريس الأطفال بالمعمودية ومسحة الميرون، لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، لأنه منحدر بالأساس من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة، ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقة غير لائقة أو مُشوشة، بل بترتيب ووقار ومخافة. وهنا لم يأت ق. كيرلس على ذكر تقديم الأطفال للمعمودية من أجل مغفرة الخطية الأصلية المورثة، بل للتقريب والبركة من المسيح والتكريس بالأيادي المكرَّسة قائلاً:
”والأطفال إلى الآن يُقرَّبون ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، وقد انحدر إلينا من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة. ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقةٍ غير لائقةٍ أو مُشوشةٍ، بل بترتيبٍ ووقارٍ ومخافةٍ“.[51]
يؤكد ق. كيرلس على قلة معرفة الأطفال أو عدم معرفتهم على الإطلاق، ولذلك يتمّ إعفائهم بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ، وهنا يؤكد ق. كيرلس على براءة الأطفال من أي شر أو انحراف أو خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية. وهذا عكس الموقف الذي اتَّخذه أوغسطينوس والغرب من بعده من الأطفال، وخاصةً الأطفال غير المعمَّدين، الذين اعتبره أوغسطينوس والغرب مذنبين بسبب خطية آدم الأصلية التي ورثوها بالولادة من أبويهما، ويرى أوغسطينوس أن مصير الأطفال غير المعمَّدين هو الجحيم أو الليمبوس، وهو درجة من درجات الجحيم أخف وطأةً وتعذيبًا من درجات تعذيب الأشرار والخطاة البالغين كالتالي:
”ولكن مِن الضروريّ أن نفحص ما معنى أن نكون أطفالاً في الشرّ، وكيف يصير الإنسان هكذا، أمَّا في ذهنه فيكون كاملاً. فالطفل بسبب أنه يعرف القليل جدًا أو لا يعرف أيّ شيء مطلقًا، يُعفَى بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ. هكذا أيضًا من واجبنا أن نسعى للتمثل بهم بنفس الطريقة، بأن نطرح عنَّا تمامًا عادات الشرّ، لكي نُعتبر كأناس لا يعرفون حتى الطريق المؤدي للخداع، بل كمَّن لا يعرفون الخبث والاحتيال، وهكذا يعيشون بأسلوبٍ بسيطٍ وبريء، ويمارسون اللطف والاتضاع الفائق الثمن، كما يمتنعون بسهولةٍ عن الغضب والحقد. ونحن نؤكد أن هذه الصفات هي التي توجد في أولئك الذين لا يزالون أطفالاً. لأنه بينما تكون صفاتنا هكذا في البساطة والبراءة، فإنه ينبغي أن نكون كاملين في الذهن، فيكون لنا ذهنًا مؤسَّسًا بثباتٍ في المعرفة الواضحة للذي هو بالطبيعة وبالحق خالق الكون، وهو الإله والربّ“.[52]
تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5)
يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، فلو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسَّر هذه الآية كما فسَّرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس الإسكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسَّر آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:
”ويقول [داود] هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعيّ، لأنه لو كان كذلك ما كان مُستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة. ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يُوجِّهون كلامهم إلى الله قائلين: ’إنْ أردت أن تُحاكِمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تُحاكِم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا مُعترِفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكُوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد‘. لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ’تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب‘ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ’تذكر ما هو وجودي‘ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوحٍ صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)“.[53]
سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء
لم يشر ق. كيرلس لا من قريب ولا من بعيد إلى الخطية الأصلية الموروثة من آدم في سياق تعليله لميلاد المسيح البتوليّ من العذراء القديسة مريم، ولم يقل كما فسَّر أوغسطينوس والغرب من بعده أن ميلاد المسيح البتوليّ من العذراء مريم كان ليمحو الخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرث المسيح خطية آدم الأصلية من العذراء القديسة، والذي أدى بعد ذلك إلى ظهور تعليم الحبل بلا دنس في الغرب اللاتينيّ من بعد أوغسطينوس، والذي يقول بأن العذراء القديسة لم تُولَد من أبويها يواقيم وحنة حاملةً للخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرثها المسيح نفسه بعد ذلك عند ولادته منها بالروح القدس، فكان دور الروح القدس بحسب هذا المعتقد الغريب أن يمنع وراثة المسيح للخطية الأصلية من العذراء القديسة مريم عند الحبل البتوليّ منها، وقد منع الروح القدس من قبل أن ترث العذراء القديسة مريم الخطية الأصلية الموروثة من آدم عند الحبل بها من أبويها يواقيم وحنة. فيقول ق. كيرلس التالي:
”كيرلس: ولكن ما دام الله لم يحتقر الزواج، بل بالحري كرَّمه بمباركته، فلماذا إذًا جعل الكلمة – الذي هو الله – من عذراء أمًا لجسده بحملٍ من الروح القدس؟
المحاور: لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال.
كيرلس: بالرغم من أن المبرِّر غير ظاهر للكل، لكن إذَا فحصنا بتدقيق، نجد أن الابن أتى، أي تأنس لكي يُعيد تشكيل وضعنا داخل نفسه منذ البداية بولادةٍ وحياةٍ عجيبةٍ ومدهشةٍ حقًا؛ لهذا صار هو نفسه الأول الذي وُلِدَ من الروح القدس (أقصد من جهة الجسد)، حتى أنه صار بمثابة طريق تأتي لنا النعمة بواسطته، ليجعلنا نُولَد ثانيةً ولادةً روحيةً، ليس من دم ولا من مشيئة جسد، ولا من إرادة رجل، لكن من الله بواسطة الروح (يو 1: 13)، وبتشبُّهنا الروحيّ بالابن الحقيقيّ بالطبيعة، ندعو الله يا أبانا. وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أي آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. لذلك قال المسيح: ’لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد وهو الذي في السموات (مت 23: 9)“.[54]
الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو
سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. كيرلس الإسكندريّ، كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.
وراثة وزر عقاب خطية آدم
يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:
”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[55]
وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية
يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، فلم يُعلِّم ق. كيرلس بوراثة عبء دين خطية آدم وذنبه كالتالي:
”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[56]
تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني
يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. كيرلس الإسكندري ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[57]
يؤكد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسيّ كالتالي:
”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[58]
يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:
”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[59]
يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:
”الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[60]
يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:
”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[61]
ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:
”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[62]
يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:
”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[63]
الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط
يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ، بل يؤكد ق. كيرلس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:
”بل هو يتحدث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[64]
يتحدث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:
”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[65]
ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:
”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا.فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[66]
ويتحدث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:
”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[67]
ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[68]
نحن بشر مجبولون بالشر
يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. كيرلس الإسكندري، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:
”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[69]
استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر
ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندري كالتالي:
”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأفعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[70]
ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. كيرلس الإسكندري الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:
”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[71]
الشهوة الجنسية شرّ
يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس ق. كيرلس الذي يرى أن الشهوة عدم تحتاج إلى شخص لكي يمارسها كالتالي:
”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[72]
يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحركها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:
”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[73]
ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:
”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[74]
وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:
”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[75]
هلاك الأطفال غير المعمدين
يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:
”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[76]
يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً وق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:
”وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[77]
يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:
يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس تمامًا، حيث أكد أننا لم نكن موجودين عندما أخطأ آدم وتعدى الوصية، بل انتقلت لنا نتائج خطيئته فقط، أي الفساد والموت. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[79]
ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق كالتالي:
”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[80]
ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:
”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[81]
تعليم النفس المولودة الأوغسطيني
يعلم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[82]
اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية
ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. كيرلس الإسكندري بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[83]
وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة
يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. كيرلس الإسكندريّ بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندري أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال ق. كيرلس، وقاله أيضًا آباء الشرق معه، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[84]
خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر
ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:
”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[85]
ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:
”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة.وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[86]
الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط
يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. كيرلس الإسكندريّ الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:
”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[87]
تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج
يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![88] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![89]
ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[90]
يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.
يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[91] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[92]
وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية
يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية ”العلل البذرية“ الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:
”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[93]
ماهية الخطية الأصلية
يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[94] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[95] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[96] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[97]
يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[98]
ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[99] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[100]
الشرور الموروثة من آدم
ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[101] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[102]
ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[103] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[104] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.
يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![105] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![106] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[107] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.
استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان
يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[108] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[109] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[110] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[111] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[112] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[113]
يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[114] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[115]
يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![116]
تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي
ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشر في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:
”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[117]
تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)
يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق لنفس الآية كالتالي:
”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[118]
سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك
يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:
”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[119]
يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:
”لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[120]
ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:
”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[121]
ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:
”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[122]
الخلاصة
نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:
يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم، كما يشير ق. كيرلس إلى عدمية الشهوة الدنسة، وأنها تحتاج للإرادة البشرية العاقلة المريدة لكي توجد وتُفعَّل. يرفض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. كيرلس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. كيرلس تعليم الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.
يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب آدم، ويرى أننا لم نكن مذنبين مع آدم في خطيته، بل إننا صرنا مائتين من المائت، ولسنا خطاةً من الخاطئ. يفسر ق. كيرلس عبارة ”أخطأنا في آدم“ – التي يُدَّعَى باطلاً أنها تدل على اعتقاد وراثة خطية آدم عند ق. كيرلس – بأنها تدل على أننا كنا في آدم كطبيعة بشرية عاجزة عن الثبات وفقدنا الصالحات التي كانت مُعطَى لنا من الله. يشير ق. كيرلس إلى مفهوم الخطية الجدية باعتباره غياب عدم فساد الطبيعة البشرية وتفشي الفساد فيها بعد السقوط، والفساد هنا معناه حالة عدم الثبات والانحراف من حالة لأخرى، وليس الفساد بمعناه الأخلاقيّ أو الأدبيّ. يدحض ق. كيرلس التعليم بالقدرية ووراثة الخطية بالولادة، ويشدد على تعليم حرية الإرادة في الإنسان.
يدحض ق. كيرلس التعليم والمفهوم الأوريجانيّ لوراثة الخطية الأصلية باعتبارها سقوط الأنفس من العالم الطوباويّ السابق على وجودها في الجسد، وانحباسها في الجسد كعقوبة لها عن الخطية التي اقترفتها في عالم الغبطة السابق، وهكذا يرفض الوجود السابق للأرواح قبل ولادتها في أجسادها. يرى ق. كيرلس أننا نحن نرث نتائج عصيان آدم، وليس خطيئة آدم نفسها، كما يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه. يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط.
يشدد ق. كيرلس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. يذكر ق. كيرلس عدم وراثة الخطية الأصلية في يوحنا المعمدان، الذي كان ممتلئًا من الروح القدس من بطن أمه. يفسر ق. كيرلس آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) تفسيرًا مختلفًا تمامًا عن تفسير أوغسطينوس، الذي قرأ هذا النص في ترجمة لاتينية خاطئة، واستنتج منه أن الخطية موروثة من آدم لبنيه الذين أخطئوا فيه كشركاء له في ذنبه وخطيئته بتعدي الوصية. حيث يرى ق. كيرلس انتقال الفساد والموت للطبيعة البشرية، أي انتقال نتائج عصيانه إلى طبيعته البشرية ونسله من بعده. يفسر ق. كيرلس أن ناموس الخطية المتوحش هو كامن في أعضائنا الجسدية بعد السقوط، ولكنه ناموس إرادي خاضع لحرية إرادتنا وليس ناموسًا إجباريًا أو إلزميًا موروثًا يجبر الإنسان على ممارسة الشر والخطية رغمًا عنه، كما يدَّعي البعض عن سوء فهم وتشوش في الفكر. يسمِّي ق. كيرلس ناموس الخطية بـ ”ناموس الشهوة الطبيعي“ كمرادف لناموس الخطية الساكن في أعضائنا الجسدية، لارتباط ممارسة الخطية بالشهوة والشهوة بممارسة الخطية.
يشير ق. كيرلس إلى أن ناموس الخطية هذا ناتج عن لعنة الموت، فبسبب تغرب واغتراب وانفصال الإنسان عن الله سيطر عليه ناموس الخطية، وهكذا ناموس الخطية غير موروث من آدم بالتناسل والتزاوج كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي. يُعرِّف ق. كيرلس الخطية الجدية بأنها تغرُّب واغتراب وابتعاد عن وجه الله. يرى ق. كيرلس أن الطبيعة البشرية أصابها مرض الميل للخطية بعد السقوط، وليس أن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين الطبيعة البشرية كما قال بذلك الغنوسيون والمانويون وأوغسطينوس وأتباعه . يشير ق. كيرلس إلى إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم وسقوطها في الانحلال، فنحن نرث حكم الموت في آدم. يُعلِّم ق. كيرلس بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد بكيفية يعلمها هو وحده، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. كيرلس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية أو خطية فعلية.
يفسر ق. كيرلس آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) تفسيرًا بعيد كل البعد عن التفسير الأوغسطيني المعت باعتبارها دليل كتابيّ على وراثة الخطية الأصلية. ويشرح ق. كيرلس سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء بأنه من أجل تقديس طبيعتنا بالروح القدس، ولم يأت على ذكر منع الروح القدس لانتقال الخطية الأصلية من العذراء القديسة إلى المسيح، كما يدَّعي البعض متبعين في ذلك تعليم أوغسطينوس وأتباعه.
نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.
ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.
[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 1، ص 59.
[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الخامس، ص 229.
[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥.
[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، المقالة 7: 27، ص 94.
[8] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 15، 16.
[9] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 68، 69.
[10] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، المقالة 2، ص 67، 76.
[11] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 699.
[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 238، 239.
[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125، 126.
[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 45، ص 211.
[19] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.
[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 113- 115.
([29]) كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن الله له هيئة بشرية، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 8، ص.67، 68.
[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 164.
[31] Cyril of Alexandria, Commentaries on Romans, 1-2 Corinthians, and Hebrews, ed. Joel C. El owsky et al., trans. David R. Maxwell, Ancient Christian Texts (Downers Grove, IL: IVP Academic: An Imprint of InterVarsity Press, 2022), p. 4–5.
[33] Cyril of Alexandria, Select Letters (The Answers to Tiberius, Doctrinal Questions), Edit. & Trans. by Lionel R. Wickham, (Oxford: Clarendon Press, 1983), p. 201, 203.
[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، رسالة 45: 9، ص 185، 186.
[35] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 2، ص 39.
[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 76، 77.
[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 36، ص 158-160.
[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 222، 223.
[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 42، ص 196.
[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 229، 230.
[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح تجسد الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، ٢٠١٥)، الفصل ٢٨، ص ٦٨.
[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم (1) إلى الرهبان: 20، ص 9.
[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو11: 26)، ص 46.
[48] A. Ehrhard, Der PapyrusCodex Saec. VI- VII Der Philipusbibliothek in Cheltenham Koptische theologische Schriften, Herausgegeben und ubersetzt von W. E. Crum, (StraBbrugh: Karl J. Trubner, 1915), pp. 43-48.
[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 54، ص 264.
سوف نحاول في هذا البحث الموجز أن نفحص معضلة الألم والمرض والشر، وما هو سبب هذه المعضلة التي حيَّرت الكثير من الفلاسفة واللاهوتيين العظام، ولكننا في هذا البحث سنقوم بمقاربة حذرة بعض الشيء من هذه المعضلة الكبيرة المحيرة، والتي وقف أمامها كبار الفلاسفة واللاهوتيين عاجزين عن تفسير أعماقها وتعقيداتها الكثيرة.
سبب هذا البحث هو إدعاء البعض عن جهل ودون وعي أن الله هو مصدر التجارب المؤذية المهلكة للبشر، ونسوا أن الله عندما يُعاقِب فهو يُعاقِب من أجل التأديب والإصلاح والتقويم، وليس من أجل هلاك البشر وفنائهم. يدَّعي البعض عن جهل أن مصدر الألم والمرض وغيرها من البلايا والشدائد والضيقات هو الله، وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة الكتابية والآبائية المعلَنة لنا. كما يرون أن المرض هو صليب والصليب مرض، وهذا الإدعاء هو تجديف حقيقيّ على الصليب قوة الله للخلاص، فالصليب هو شفاء وقوة، وليس ضعف ومرض وابتلاء من الله.
سنحاول في هذا البحث توضيح أن التجارب مصدرها هو الشيطان الذي يريد هلاك البشرية وإسقاطها في التجارب لهلاكها وفناءها، كما أن البشر هم علة عقاب أنفسهم ويسقطون بإرادتهم الشريرة إلى التجارب الشريرة، ويجلبون العقوبة على أنفسهم، فهم يعاقبون أنفسهم بأنفسهم بشرورهم وشهواتهم الفاسدة. نهدف أيضًا إلى توضيح حقيقة أن الصليب هو قوة ونصرة وليس مرض وضعف وابتلاء كما يدَّعي هؤلاء عن جهل ودون معرفة حقيقية بالله كليّ الصلاح والرحمة والرأفة، شافي الأمراض ومُبدِّد الضعفات والضيقات والآلام التي تواجه البشرية.
الفصل الأول: مقاربة آبائية من معضلة الألم والمرض والشر
سنُحاوِل في هذا الفصل توضيح وجهة نظر آباء ومُعلِّمي الكنيسة الكبار في معضلة الألم والمرض والشر، وكيف عالج آباء الكنيسة هذه المعضلة الكبيرة والمعقَّدة.
ق. يوستينوس الشهيد
المسيح هو شافي آلامنا
يُؤكِّد ق. يوستينوس الشهيد على أن الكلمة صار إنسانًا لأجلنا وشاركنا آلامنا لكي يشفينا، فالمسيح يشفي الآلام ولا يصيب الإنسان بهذه الآلام، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق كالتالي:
”لأننا نعبد ونحب الكلمة الذي هو من الله الآب غير المولود، غير الموصوف، فالكلمة صار إنسانًا لأجلنا وشاركنا آلامنا لكي يشفينا“.[1]
المسيح ينقذنا من نار تجارب إبليس
يرى ق. يوسينوس أن الله قد انتشلنا وأنقذنا من نار تجارب إبليس وأعوانه، وليس هو مَن يُرسِل هذه التجارب الشريرة لهلاكنا قائلاً:
”فنحن قد انتُشِلَنا كما من نار عندما طهَّرنا الله من خطايانا السابقة، وأنقذنا من نار التجارب التي يُجرِّبنا بها الشيطان وأعوانه. ومِن مثل هذه الأخطار ينتشلنا يسوع ابن الله، فهو قد وعد بأن يُلبِسنا الثياب المعدَّة لنا إنْ حفظنا وصاياه وسيُكافئنا بملكوتٍ أبديّ“.[2]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
التجربة من أجل خلاصنا وليس هلاكنا
يرى ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن الله لا يُجرِّب الإنسان بالشرور، فهو يختبر الإنسان، ولكنه لا يدفعه إلى التجربة دفعًا، وإنه عندما يُجرِّبنا ويختبرنا، فهو يُجرِّبنا من أجل خلاصنا وليس هلاكنا كالتالي:
”وهكذا، اُقتِيد المسيح بالروح، ليس لكي يدخل في التجربة، بل ليكون مُجرَّب من الشرير، وهكذا، إبراهيم أيضًا لم يُدخِل [الله] بنفسه إلى التجربة، ولم يقتده الله إليها، لكن قد جرَّبه [اختبره] الله لكنه لم يدفعه فيها. وحتى الربّ نفسه قد اختبر التلاميذ. لكن عندما يُجرِّبنا الشرير يستميلنا إلى التجارب، فينشغل الإنسان في تجارب الشرير. لكن عندما يُجرِّب (يختبر) الله، فإن تجاربه غير مُجرِّبة بالشرور. فقد قيل عن الله إنه ’غير مُجرَّب بالشرور‘. لكن يسحبنا الشيطان للتجربة بعنفٍ، ويُلقِينا في الهلاك، أمَّا الله فيقودنا بيديه ليُدرِّبنا من أجل خلاصنا“.[3]
ويُؤكِّد ق. ديونيسيوس على أن تجارب واختبارات الله لمنفعتنا ولا يصنع شيئًا شريرًا لنا، لأنه غير مُجرِّب بالشرور، فالله عكس الشيطان، الذي يُجرِّب من أجل قتل وإهلاك منقاديه، فالله لا يميت ولا يُهلِك أحدًا كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بطبيعة الله كليّ الصلاح كالتالي:
”عندما يختبر الله، فإنه يمتحن من أجل منفعتنا، وليس لأجل صُنع شيئًا شريرًا؛ إذ قيل إن الله غير مُجرِّب بالشرور. وبعد قليل، مَن يحتمل التجارب يُتوَّج بكرامةٍ، وهناك تجارب أخرى تأتي من الشيطان. هذا يُجرِّب كي يقتل مُنقاديه. [الشيطان] هو أيضًا لا يعرف إلى ماذا يؤول الأمر، أمَّا الربُّ فيعرف، ولذلك، أعطى للبشر أن يفعلوا ما يحلو لهم بكامل إرادتهم“.[4]
الله غير مُجرِّب بالشرور
يُؤكِّد ق. ديونيسيوس على أن الله غير مُجرِّب بالشرور، بل هو يريد أن يعطينا أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر كالتالي:
”لأنه مع الله لا توجد تجربة بالشرِّ، لأنه يُرِيد أن يُعطِينا أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر“.[5]
الله كلي الصلاح ليس علة الشر
ينتقد ق. ديونيسيوس أولئك الذين يزدرون بالله الإله الحقيقيّ، وينسبون الشرَّ إلى الله كليّ الصلاح كالتالي:
”فوجب علينا أن نَعتبره دنسًا كل مَن يزدري بالله الحقيقيّ الواحد الوحيد، خالق وربّ السماء والأرض وكل الأشياء، ويجعله أدنى وأقل توقيرًا مِن بعض الآلهة الأخرى، وينسبون الشرَّ إلى كليِّ الصلاح، أو لا يؤمنون أن [ابنه] المحبوب هو مُخلِّصنا يسوع المسيح“.[6]
ق. أثناسيوس الرسولي
سبب الألم هو ضعف الطبيعة البشرية
يرى ق. أثناسيوس أن علة الموت والانحلال والألم هو ضعف طبيعتنا البشرية، وليس الله هو علة هذه الأمور، بل الله هو القوة والحياة عينها، ومعطي القوة والحياة والشفاء للبشر وليس الألم والمرض والموت، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق كالتالي:
”إن الموت الذي يصيب البشر عادةً يأتيهم بسبب ضعف طبيعتهم، وإذ هم لا يستطيعون البقاء لزمنٍ طويلٍ، فإنهم ينحلون في الزمن (المحدَّد). وبسبب هذا أيضًا تنتابهم الأسقام [الأمراض] فيمرضون ويموتون. أمَّا الربُّ، فإنه ليس ضعيفًا، بل هو قوة الله، وكلمة الله، وهو الحياة عينها“.[7]
الألم هو أحد نتائج السقوط
يشير ق. أثناسيوس إلى أن الألم والحزن والهم هي نتائج سقوط الإنسان، لأن الإنسان في حالته الفردوسية الأولى كان بلا ألم ولا حزن ولا هم، فكيف يُرسِل الله الألم والمرض للإنسان وهو أحد نتائج سقوط الإنسان؟! فالألم والمرض لا يوجدان في الله، فكيف يُرسِلهما للإنسان؟! بل الإنسان هو مَن جلب على نفسه الألم والمرض والموت بسقوطه وليس الله قائلاً:
”وأعطاهم وصيةً حتى إذَا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء. أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم، ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه، ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت“.[8]
عدمية الشر
يؤكد ق. أثناسيوس على أن كل ما هو شرّ فهو عدم، وكل ما هو خير فهو موجود، فكيف يُرسِل الله للبشر الشر العدميّ في صورة هلاك، أو أمراض، أو آلام، بل الله كليّ الصلاح يُرسِل كل ما هو خير وصالح، أي كل ما هو موجود، وليس عدميّ كالشرّ قائلاً:
”لأن كل ما هو شرٌ فهو عدمٌ، وكل ما هو خيرٌ فهو موجودٌ“.[9]
ق. كيرلس الأوورشليمي
الصليب شافي الأمراض وليس مرض
يؤكد ق. كيرلس الأورشليميّ على أن الصليب يشفي الأمراض إلى اليوم، وبالتالي، يدحض إدعاء البعض عن جهل ودون وعي أن الصليب مرض والمرض صليب، المرض ليس صليبًا، لأن الصليب هو قوة الله للخلاص والشفاء، وليس مرضًا، هذا للأسف تجديف على قوة صليب رب المجد المخلِّصة والشافية للآلام والأمراض كالتالي:
”إنه بالحري شعار حضرة الخلاص، أي صليب يسوع، الذي جمعكم كلكم هنا. هو الذي قهر الفرس، ولجَّم السكيثيين، ووهب المصريين معرفة الله عوض القطط والكلاب، وأضاليلهم العديدة. إنه إلى اليوم يشفي الأمراض، ويطرد الشياطين، ويُفسِد مفعول السموم والسحر“.[10]
ق. باسيليوس الكبير
الله الشافي ليس علة الأمراض
يرفض ق. باسيليوس الكبير أن يكون الله هو علة الأمراض، بل يؤكد على أن الله هو شافي الأمراض كالتالي:
”أننا نعرف جيدًا أنه في حالة إصابة أحد بأيّ مرض، فإنه يُعطَى له علاجًا مُفيدًا ليُشفَ، ولكن عندما يُصاب بمرض لا يقبل الشفاء تصير الحاجة إلى قطع العضو غير القابل للشفاء حتى لا ينتشر المرض في كل أعضائه الحية والنشطة. إذًا، كما أن الطبيب ليس هو السبب في إجراء الجراحة أو الكي، بل المرض نفسه، هكذا فالخطايا هي التي تُسبِّب دمار المدن، وليس الله المنزَّه عن أيّ تهمة“.[11]
ويرفض ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الشر والأمراض والموت كالتالي:
”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[12]
ق. غريغوريوس النيسي
الله ليس علة الأمراض الجسدية
يرفض ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو سبب الأمراض الجسدية، وأن التفكير في ذلك هو من خصائص الطبيعة غير العاقلة أيّ الطبيعة الحيوانية كالتالي:
”أن يدعو أحد الله بأنه جابل الشرور بسبب الآلام الجسدية التي تصيب بالضرورة طبيعتنا المتقلِبة، أو أن يدَّعي أنه ليس خالق الإنسان بالكلية حتى لا يُظن أنه علة أحزاننا، فهذا يُعتبر الحد الأقصى لضيق الأفق لأولئك الذين يريدون أن يُميِّزوا بين الخير والشر بميزان الحواس، أولئك الذين لا يعرفون أن ما هو وحده صالح بالطبيعة لا يمكن إدراكه بالحواس، أمَّا ما هو وحده شر، فهو المغاير للصلاح. فالحكم بواسطة الألم واللذة على ما هو خير وما هو ليس بخير هو من خصائص الطبيعة غير العاقلة (أي الحيوانات)، إذ لا مجال لها في فهم الخير الحقيقي، لأنها لا تشترك في ملكة الذهن والتفكير“.[13]
البشر هم علة آلامهم وليس الله
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ أن الله ليس هو سبب وعلة الآلام التي يُعانِي منها مُستحقوها، بل كل واحد هو لنفسه سبب الشقاء الذي يلم به كالتالي:
”والمهم أن نُدرِك أن السبب الرئيسيّ لجميع هذه الضربات هو حرية المصريين، وأن التنفيذ وحده كان لعدالة الله غير الفاسدة التي تتفق وهذه الحرية. فلا يخطر لنا على الإطلاق، إذَا تقيَّدنا بحرفية التاريخ، إن الله سبب الآلام التي عاناها مَن استحقوها، ولكن كل واحدٍ هو لنفسه سبب الشقاء الذي يُلم به، إذ يبذل قصاراه، وبملء إرادته، لجرِّ ذلك الشقاء عليه، على حد قول الرسول لإنسانٍ من هذا النوع: ’بقساوتك وقلبك غير التائب تُدخِر لنفسك غضبًا ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة الذي سيُكافئ كل واحدٍ بحسب أعماله‘ (رو 2: 3-6)“.[14]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
الشر منا ومن الشرير
يرى ق. غريغوريوس اللاهوتيّ أنه لا يوجد أصل للشرّ من صُنع الله، حاشا! وإنما الشرّ منَّا ومن الشرير، ودخل فينا بسبب إهمالنا وعدم احتراسنا، وليس لله علاقة به قائلاً:
”وآمنوا أنه لا يوجد أصل للشرّ من صُنع الله حاشا! وإنما الشرّ منَّا ومن الشرير. هو ما دخل فينا بسبب إهمالنا وعدم احتراسنا، وليس لله علاقة به“.[15]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الأمراض نتيجة ضعف الطبيعة البشرية
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الأمراض والعاهات والعيوب ناتجة عن ضعف طبيعتنا البشرية كالتالي:
”وحيث إن كل هذه العاهات والعيوب ناتجة عن ضعف طبيعتنا البشرية، فعندما يشفيها فهو يُظهِر قوته“.[16]
الأذى غريبٌ عن طبيعة الله
يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على أن الأذى أمرٌ غريبٌ عن طبيعة الله، وأن وفرة الفوائد والمنافع هي السمة المألوفة والمعروفة في الله، وذلك ردًا على الذين يدَّعون أن الله باعث تجارب الأمراض المهلكة والصعبة، وكأنَّ الله يعمل على أذى الإنسان، حاشا! هذا تجديفٌ على الله، فيقول التالي:
”أمَّا فيما يخص الله، فليس هناك أذى، لأن الأذى أمرٌ غريبٌ عن طبيعة الله، بل إن وفرة الفوائد والمنافع هي الملمح والسمة المألوفة والمعروفة في الله“.[17]
الخطية شر وليس مصائب الحياة
ويرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الشرّ ليس في مصائب هذه الحياة، بل الخطية وحدها هي الشرّ قائلاً:
”لذلك ليس الشرّ في مصائب هذه الحياة، ولا الخير في نعمها، بل الخطية وحدها هي الشرّ، والعمى ليس في حقيقته شرًا“.[18]
الله شافي المرض وليس علة المرض
ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أن المرض سببه شيء آخر غير الله، بل الله استخدمه لمجد اسمه بأن يشفي من هذا المرض، وليس أن يجلب المرض ويُجرِّب الإنسان بالمرض كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق قائلاً:
”لأن المرض نتج من سبب آخر، لكنه [المسيح] استخدمه لمجد الله“.[19]
تفسير آية يجرح ويعصب
يُفسِّر ذهبيّ الفم آية ”يجرح ويعصب“ (أي ٥: ١٨) أن الله يضع حدًا ونهاية للبلايا، ويحولها إلى ما يضادها، ويجعل الإنسان ينعم بسلامٍ عميقٍ، وليس الله هو مُرسِلها ويبتلي بها البشر كالتالي:
”إنْ كان الله هو الذي يضع نهاية البلايا، ويُحوِّلها إلى ما يضادها، ويجعل الإنسان ينعم بسلامٍ عميقٍ، فهذا لا يفعله بفكرٍ مختلفٍ، إنما في الواقع العملي هو الذي يقود في كلا الأمرين“.[20]
وهكذا، نجد حديث ذهبيّ الفم هنا عن تدخُّل الله من أجل وضع نهاية للبلايا التي يتعرض لها الإنسان، وليس هو علة بلايا الإنسان، فيُحوِّل الله الشر إلى خير، ولا يصنع هو بنفسه الشر (حاشا)!
البشر هم خالقو الأعمال الشريرة
يُفرِّق ق. يوحنا ذهبي الفم بين الأمور الإلهية الصالحة التي تحدث مع الإنسان خلال اليوم، وبين الأعمال الشريرة التي يخلقها البشر الأشرار خلال فترة السنة كلها قائلاً:
”فإنْ كان ما يحدث خلال فترات اليوم أعمالاً إلهيةً، فهي أمورٌ صالحةٌ، وتُعتبر شريرةً إنْ كانت مُرتكَبة من أناس أشرارًا. وبناءً على ذلك، فإن البشر هم الذين يخلقون الأعمال الشريرة التي تحدث خلال فترة السنة كلها“.[21]
الإنسان هو علة فساد الخليقة
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الإنسان بسقوطه في الفساد أفسد الخليقة كلها معه، باعتباره تاج الخليقة، وأخضعها إلى البطل والفساد، ومن ثمَّ، كل الكوارث الحادثة في الخليقة من زلازل وبراكين هي نتاج خضوع الخليقة للبطل والفساد بسبب الإنسان قائلاً:
”إذًا، هذا ما يُوضِّحه بولس الرسول هنا، فيُشخِّصن الخليقة، ويقول كيف أنها تئن وتتمخض، لا لأنه سمع أنينًا يخرج من الأرض ومن السماء، لكن لكي يُشِير إلى خيرات الدهر الآتيّ الوافرة جدًا، ويُعلِن الرغبة في التخلُّص من الشرور التي كانت سائدةً. ’إذ أُخضِعَت الخليقة للبطل، ليس طوعًا، بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء‘. ماذا يعني أن ’الخليقة أُخضِعَت للبطل‘؟ يعني أنها صارت فاسدةً. لأيّ سبب ولماذا صارت فاسدةً؟ حدث هذا من أجلك أنت أيها الإنسان. لأنك أخذت جسدًا فانيًا وضعيفًا، ولأن الأرض قَبِلَت اللعنة وأنبتت شوكًا وحسكًا“.[22]
محبة الله الفائقة رغم الشرور
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الله غني في الرحمة، لأنه بالرغم من الشرور الكثيرة التي لم تكن تستحق محبته ورحمته، بل تستحق الإدانة الكبرى والغضب، إلا أنه بسبب غنى رحمته كانت محبته الفائقة كالتالي:
”[الله] ليس فقط رحيمًا، بل غنيًا في الرحمة، مثلما يقول في موضع آخر: ’ككثرة مراحمك‘ (مز 69: 16)، وأيضًا ’أرحمنى يا الله […] حسب كثرة رأفتك‘ (مز 51: 1). ثم يقول: ’من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها‘. ومن أين يتَّضح أنه أحبنا؟ لأن تلك الأمور لم تكن مستحقة للمحبة، بل للغضب، ولإدانة كبرى. إذًا، فمحبته هذه هي بسبب غنى رحمته“.[23]
ق. أمبرسيوس أسقف ميلان
إخضاع الضعفات بالصليب
يُبيِّن ق. أمبروسيوس أسقف ميلان قوة الصليب في إخضاع الضعفات البشرية، وليس الصليب هو مرض وضعف بشريّ، كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:
”لذلك، فكما أنه على الصليب، لم يكن هو ملء اللاهوت الذي أُخضِعَ، بل ضعفنا، هكذا أيضًا فإن الابن سيخضع للآب بالطبيعة التي اشترك فيها معنا، حتى أنه حينما يتم إخضاع شهوات جسدنا، لا يكون للقلب أيّ اهتمام بالغنى، أو الطمع، أو اللذات، بل يكون الله هو الكل بالنسبة لنا، إنْ عشنا حسب صورته ومثاله، بأقصى ما يمكننا البلوغ إليه في كل شيء“.[24]
الصليب هو نصرة على الألم
يُؤكِّد ق. أمبروسيوس على أن ميراث الصليب قد منحنا النصرة على الألم، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أن الصليب مرض والمرض صليب كالتالي:
”لقد منحتكم النصرة على الألم، أي ميراث الصليب“.[25]
الإيمان بالمسيح هو شافي آلامنا
يشير ق. أمبروسيوس إلى أن الإيمان بالمسيح هو العلاج الفعَّال لأصل الألم ومصدره، وليس هو مصدر الألم والشدائد، فالإيمان بالمسيح هو الدواء الممتاز والشافي لجراحاتنا وخطايانا كالتالي:
”حقًا إنه علاجٌ فعَّالٌ، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضًا يقطع أصل الألم ومصدره. أيها الإيمان الأثمن من كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز الشافي لجراحتنا وخطايانا!“.[26]
ق. كيرلس الإسكندري
الله ليس علة بلايا البشر
يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية ”هل توجد مصيبة في المدينة لم يصنعها الرب؟“ (عا٣: ٦) مُستنكِرًا أن يكون الله علة بلايا البشر، ويَعتبر التفكير فيه هو انصراف الذهن إلى الفحشاء كالتالي:
”أمَّا من ناحية الأقوال بما يُحدِثه الله في المدينة، فلا يجب أن ينصرف الذهن إلى الفحشاء (ليبتعد هذا الفكر بعيدًا حاشا!)، بل الإساءة فقط، أي الغضب وإعلانه، إذ يُهدِّد الذين يخطئون مقنعًا إياهم أن يرجعوا إلى ما يليق وما يجب“.[27]
إعلان العجز أمام معضلة الألم والمرض
ولكن يُعلِن ق. كيرلس في الأخير عجزه أمام معضلة الألم والمرض المعقدة وصعبة الحل والتفسير قائلاً:
”ولكن ليس من السهل أن نُدرِك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يُقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصَابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم. […] حقيقة لا نستطيع أن ندرك بعقولنا تلك الأمور التي تعلو فوقنا جدًا. وأنا أنصح العقلاء وفوق الكل أنصح نفسي، بالابتعاد عن الرغبة في فحص هذه الأمور بطريقةٍ عميقةٍ. […] ينبغي أن نعترف بتقوى أن الله وحده يعرف هذه الأمور بكيفية تخصه هو وممتازة في نفس الوقت، وينبغي أن نُؤكِّد ونُؤمِن أنه بما أنه هو ينبوع كل برّ، فهو لن يفعل شيئًا ولن يُقرِّر شيئًا في شئون البشر أو في أمور باقي الخليقة يكون غير لائق بذاته، أو يتعارض بأيّ حال مع الاستقامة الحقيقية للبرّ“.[28]
ق. ساويروس الأنطاكي
الإنسان هو علة فساد الخليقة
يرى ق. ساويروس الأنطاكيّ أن آدم الإنسان الأول بعصيانه وتعديه الوصية جلب الفساد والموت على نفسه وعلى الخليقة، وهكذا فقدت الخليقة نعمة عدم الفساد وعدم الموت التي كانت من الله، ولذلك حُكِمَ على الإنسان ذاته بالموت وخدمت الخليقة نفسها الفساد وخضعت للبُطْل كالتالي:
”ومرةً أخرى، لو أن الإنسان الأول كان قد حفظ الوصية، ولم يضل بالخطية التي بغواية الحية، لبقيتْ الخليقة ذاتها مُحتفِظةً لنفسها بنعمة عدم الموت من الله. لأنه بموجب الحالة التي نحن فيها كما وُجِدَت من أجلنا، تزول أجزاؤها أيضًا. ولهذا السبب أيضًا حينما حُكِمَ على الإنسان ذاته بالموت، خدمتْ هي ذاتها أيضًا [الخليقة] الفساد، و ’أُخضِعَتْ للبُطْل‘ (رو 8: 20)، كما يقول الرسول، لكنها تأمل أن تكتسب معنا، ما كان لها منذ البدء، وسيكون لها خلودًا بغير فساد، حينما نبلغ القيامة وملكوت السماوات. حيث يقول بولس ذاته الأكثر حكمةً ويصرخ أيضًا: ’لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ‘ (رو 8: 21)“.[29]
ويُؤكِّد ق. ساويروس على أن الله لم يخلق العالم من أجل الفساد، لأن خليقة الله جيدةٌ. ولكن لأن طبيعتها مائعة جدًا فهي قابلة للفساد، ولذا فهي تحتاج إلى تدخل الله لكي ما تشترك في عدم الفساد كالتالي:
”ولكن يا صديقي الصالح، في الواقع، إن الله لم يخلق العالم لكي يفسد، لأن كل خليقة الله جيدةٌ كما قد سمعتَ. ولكن بما أنها من طبيعة مائعة جدًا، فعلى النقيض، قد أوجدها كيما تشترك في عدم الفساد، لأنه في الواقع ’الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ‘ (رو 8: 21)“.[30]
ق. يوحنا كاسيان
عدم سماح الله بالشر
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب ثيؤدور، أحد الآباء النساك الكبار آنذاك في البرية المصرية، عن أن الله لا يسمح بالشرّ إطلاقًا على قديسيه أو عن طريق آخرين، فلا يفرض أحدٌ شرّ الخطية على آخر قهرًا، إنما يحدث هذا من خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة كالتالي:
”الاحتفاظ بهذا التمييز الواضح الثابت وتلك المعرفة، بأنه ليس شيئًا خيرًا إلا الفضيلة وحدها، ولا يُحسَب شيء شريرًا سوى الخطية وحدها والانفصال عن الله، هذا يجعلنا نُدرِك بكل حرص: هل الله يسمح للشر أن يُفرَض على قديسيه مُباشرةً، أو عن طريق آخرين؟ بالتأكيد، لا يمكن أن يحدث هذا. إذ لا يفرض أحدٌ شر الخطية على آخر قهرًا. إنما يحدث هذا خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة“.[31]
الله كلي الصلاح غير متغير
وينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، عن أن الله لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر كالتالي:
”أمَّا المحبة فتتعلق بالله، وبالذين نالوا في داخلهم أن يكونوا على صورة الله مثاله. لأن الله وحده هو الذي لا يصنع الصلاح خوفًا، ولا ابتغاء كلمة شكر، أو نوال جزاء، إنما يصنع الصلاح ببساطةٍ من أجل محبة الصلاح. وذلك كقول سليمان: ’الربّ صنع الكل لغرضه‘ (أم 16: 4). فبصلاحه يُغدِق بالخير على المستحقين وغير المستحقين، لأنه لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر“.[32]
الله ليس علة الموت
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت كالتالي:
”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[33]
نستنتج من هنا أن الله ليس علة الأمراض الجسدية، بل الله الصالح هو الشافي والمخلص للآلام، وواضع النهاية لها، ولا يسمح الله بالأمراض كأنه مُشترِك أو مُتورِّط في إصابة البشر بالأمراض، بل الله يُحوِّل الشر إلى خير، ويُحوِّل المرض إلى صحة، وليس العكس، فالله في طبيعته صالح وخيّر وإلى الأبد رحمته، وليس مرض وموت وشر في طبيعته، حاشا!
لا توجد فكرة ما دام الله لا يسمح بالمرض يبقى إله ميت في ذاته، هذا كلام غير منطقي. الله خلق نظام طبيعي فيه علل طبيعية تحدث جميعها في انسجام وتوافق، هل معنى اختلال هذه العلل الطبيعية هو اختلال وخلل في خالقها، أم نقص في طبيعتها يتدخل الله بتدبيره وعنايته ليُصلِّحه؟ المرض والموت والألم والشر وغيرها من مترادفات دخلت بعد السقوط وانفصال الإنسان عن الله مصدر الصحة، والحياة، والسعادة، والخير، ولم يكن المرض والموت والألم والشر في طبيعة الله؟ فهل يرتد مرض، وموت، وألم، وشر الإنسان على الله، ويصبح الله علة هذه الأشياء، لأنه هو خالق ومُوجِد هذا النظام الطبيعيّ؟
أمَّا تدبير وعناية الله بالخليقة، فهذا شيءٌ مفروغٌ منه، أمَّا القول إذَا كان الله لا يسمح بالمرض، فلا يسمح بالشفاء، فهذا مغالطة منطقية، لأنه الأصل هو الصحة، وليس المرض، المرض هو اختلال في النظام الطبيعيّ الذي خلقه الله، لا ترتد علته على الله خالق النظام الطبيعيّ، بل علته في ضعف النظام الطبيعيّ، لذا يتدخل الله بعنايته وقدرته لإصلاح الخلَّل، وليس هو علة الخلَّل من الأساس.
الفصل الثاني: مفهوم العقوبة الإلهية
سوف نحاول في هذا الفصل استعراض رؤية آباء الكنيسة وتعاملاته مع البشر في حالة انتشار الفساد والشرّ بصورةٍ مفرطةٍ في العالم، وذلك من خلال مفهوم الآباء ونظرتهم لتأديبات الله للبشرية، وكيف يُؤدِّب الله البشر بسبب شرورهم وفسادهم.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
طول أناة الله في إصلاح الإنسان
يرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، أن الله طويل الأناة في مسألة إصلاح الإنسان كالتالي:
”لكن طالما أن الله لا يُغلَب، وهو طويل الأناة، فقد أظهر نفسه أنه طويل الأناة في مسألة إصلاح الإنسان وامتحان الجميع“[34]
شفاء الإنسان من مرض الخطية
يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الخطية هي مرض ينبغي أن يُشفَى الإنسان منه لكي يتمجَّد، وهكذا يستطيع رؤية ربه كالتالي:
”لأن غير المخلوق هو كاملٌ، أي الله. كان ضروريًا أن يُخلَق الإنسان أولاً، وبعد أن يُخلَق يجب أن ينمو، وعندما ينمو يجب أن يتقوى، وبعد أن يتقوى يجب أن يكثر، وبعد أن يكثر يجب أن يُشفَى من مرض الخطية، وبعد أن يُشفَى يتمجَّد، وبعد أن يتمجَّد يجب أن يرى ربه“.[35]
ويستطرد ق. إيرينيؤس مُشِيرًا إلى أن الله الابن قد شفى الإنسان بغفران خطاياه، وهكذا أظهر نفسه مَن يكون هو، لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يغفر الخطايا إلا الله وحده، وبينما الرب غفرها، فإنه شفى الناس وأظهر ألوهيته كالتالي:
”لذلك، فهو شفى الإنسان بغفران الخطايا، بينما أظهر نفسه أيضًا مَن يكون هو، لأنه إنْ كان لا يستطيع أحدٌ أن يغفر الخطايا إلا الله وحده، بينما الرب غفرها وشفى الناس، فواضح أنه هو نفسه كلمة الله الصائر ابن الإنسان“.[36]
ق. يوستينوس الشهيد
المسيح هو الطبيب الشافي
يشير ق. يوستينوس الشهيد إلى أن المسيح طبيبنا قد خلَّصنا من شهوات الجسد، فهو يشفي البشر من مرض الشهوات، فالله يهدف إلى شفاء الإنسان وليس معاقبته لإهلاكه كالتالي:
”ولكن إذَا كان طبيبنا وإلهنا المسيح قد خلَّصنا من شهوات الجسد، ونظَّم رغباته من خلال حكمته وناموسه، فهذا دليلٌ دامغٌ على وعد المسيح للجسد بالخلاص، كما هو الحال بالنسبة للطبيب الذي لصالح المريض الذي يأمل في شفائه، لا يدعه يفعل كل ما يشتهيه“.[37]
العلامة كليمندس الإسكندري
الله لا يعاقب بل يؤدب
يُؤكِّد العلامة كليمندس الإسكندريّ على أن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ، ولكنه يُؤدِّب من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم جماعيًا وفرديًا كالتالي:
”لأن هناك تقويمٌ جزئيّ، يُسمَّى التأديب، والذي يتكبده الكثيرون منَّا عندما نبتعد بالمعصية عن شعب الربِّ. ولكن كأطفال يُؤدَّبون من مُعلِّميهم، أو والدهم، هكذا نحن أيضًا من قِبَل العناية الإلهية. ولكن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ. ومع ذلك، هو يُؤدِّب، من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم، جماعيًا وفرديًا“.[38]
العلامة أوريجينوس الإسكندري
العقوبة الإلهية التربوية
يتحدَّث العلامة أوريجينوس عن قيمة العقوبة التربوية من الله، وإنها لتقويم وتصحيح الخطاة، وليس المقصود إهلاكهم وفنائهم، حيث يرد على ادعاءات الغنوسيين بقسوة إله العهد القديم وبصلاح ورأفة إله العهد الجديد بحسب زعمهم الباطل بوجود إلهين في الكتاب المقدَّس بعهديه كالتالي:
”ليتهم يخبرون عن فضيلة ففضيلة مُنكِبين على فحص الكتب، فلا يسعوا إلى التملُّص بقولهم: إنَّ الله الذي يُجازِي كل أحد بحسب أعماله يُجازِي على السوء بسوءٍ حنقًا منه على الأشرار؛ وإنه لا يُبادِر الذين أخطئوا وهم في احتياج إلى العناية بهم بأدويةٍ ناجعةٍ، بعلاجٍ يبدو أنه يحمل الألم إليهم في الآن الحاضر لأجل إصلاحهم. فهم لم يقرأوا ما كُتِبَ عن رجاء الذين لقوا حتفهم في أثناء الطوفان، الرجاء الذي قال عنه بطرس في رسالته الأولى: لقد مات المسيح بحسب الجسد، ولكنه مُحيي بحسب الروح، وبهذا الروح مضى وبشَّر الأرواح المضبوطة في السجن، تلك التي عصت قديمًا إذ كان حلم الله يتأنى، أيام كان نوح يبني الفلك الذي نجا فيه، بالماء، عدد يسير من الناس – ثمانية أنفس بالضبط. وأنتم أيضًا يُخلِّصكم اليوم بالعماد على النحو نفسه. ويا ليتهم يقولون لنا، في موضوع سدوم وعمورة، هل يعتقدون بصدور الأقوال النبوية عن الله، الذي نُقِلَ عنه أنه أمطر عليهم وابلاً من نار وكبريت! ماذا يقول حزقيال عن هاتين المدينتين؟ ستعود سدوم إلى قديم حالها. فإذ إنه اقتصّ من الذين استحقوا القصاص، ألم يفعل ذلك لمنفعتهم؟ فقد قال مُخاطِبًا بنت الكلدانيين: عندك حجر، فاقعدي عليه يُثبِك خيرًا. وفي شأن الذين سقطوا في البرية، ليُصغِي الزنادقة إلى ما جاء خبره في المزمور 77، منسوبًا بعنوانه إلى آساف: إذ كان يقتلهم كانوا يلتمسونه. لم يقل إنّ بعضًا منهم إذ قُتِلوا، كان آخرون يلتمسونه، بل إنّ الذين قُتِلوا قد لقوا حتفهم، بحيث إنهم كانوا يلتمسون الله عندما قضوا نحبهم. فهذا كله يُظهِر أنَّ الله العادل والصالح، إله الناموس والأناجيل، إله واحد هو هو نفسه، وأنه يعمل الخير بعدلٍ، ويُعاقِب بصلاحٍ، إذ ليس الصلاح دون العدل، ولا العدل دون الصلاح، علامة منزلة الطبيعة الإلهية“.[39]
ويستمر العلامة أوريجينوس بالرد على الغنوسيين وادعاءاتهم الفاسدة بإلهين في الكتاب المقدَّس في سياق تفسيره لشفاعة موسى وهارون أمام الله أثناء حادثة تمرد قورح وداثان وأبيرام وانتشار الوباء بين العبرانيين (عد16: 46). حيث يُذكِّر العلامة أوريجينوس بلطف الله الذي تمتع به تلاميذ المسيح، لكيلا يتزعزع أحد بتأثير الهراطقة فهم يقولون إنَّ رب الشريعة ليس مُحبًا لكنه عادل، وإن شريعة موسى لا تُعلِّم المحبة بل العدل. فلينظروا هؤلاء المحارِبون لله، والمحارِبون للشريعة كيف أنَّ موسى نفسه وهارون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مُقدَّمًا لتعاليم الإنجيل.
موسى ”أحب أعداءه وصلى لأجل مُضطهِديه“. هذا ما علَّمته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلَّم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أنْ يقتلوهما. إذًا، نجد قوة الإنجيل في الشريعة، ولا تُفهَم الأناجيل إلا على أساس الشريعة.[40]
دحض العقوبة الجزائية الانتقامية
ويرى العلامة أوريجينوس أن الله يُوقِع التعب والعقوبات على الأشرار كأدوية لهدايتهم، مُشِيرًا إلى العقوبات الشفائية التربوية للأشرار، وليست العقوبات الجزائية الانتقامية قائلاً:
”لماذا لا نُحسِّن نفوس أولئك الذين يُؤمِنون بالإنجيل لتكون أفضل؟ العقيدة المسيحية لا تُعلِّم أن الرجل فاقد الوعي أو فاقد العقل يستحق العقاب لأنه رجل شرير، ولكنها تُظهِر أن الله يُوقِع التعب والعقوبات على الرجال الأشرار كأدوية لهدايتهم. هذا هو رأي المسيحيين الأذكياء، مع أنهم يتقبلون الأفكار البسيطة كما يفعل الآباء مع الأولاد الصغار جدًا“.[41]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
الانفصال عن الله أعظم عقاب للبشرية
يرى ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن ترك الإنسان بلا عناية وبلا افتقاد من الله هو أعظم عقاب لذنوبه الجسيمة قائلاً:
”أن يُترَك [الإنسان] بلا عناية وبلا افتقاد من الله، وأن نصير يتامى ومتروكين، فهذا هو أعظم عقاب لذنوبنا الجسيمة التي تجعلنا غرباء في الحال“.[42]
التأديب الإلهي التربوي
يشير ق. ديونيسيوس إلى تأديب الله التربويّ لنا بالتجربة، فهو يؤدبنا ولا يضرنا أو يهلكنا بالتجربة، لأن الله غير مُجرِّب بالشرور، أمَّا عن تجربة إبليس فهي تجربةٌ تؤدي إلى هلاكنا وليس خلاصنا كالتالي:
”وقد علَّمهم أن يصلوا حتى لا يدخلون في تجربةٍ، عندما قال: ’ولا تُدخِلنا في تجربة‘، التي تعني ’أدِّبنا لكن لا تُوقِعنا في التجربة‘، ولأنه لم يقصد أنهم سيكونون بمنأى عن التجارب، بل أنهم سينجون من الشرير، فقد أضاف قائلاً: ’لكن نجنا من الشرير‘، ولعلك تسأل عمَّا الفرق بين أن يكون أحدٌ مُجرَّب وأن يسقط ويبقى في التجربة؟ حسنًا، فإذَا كان أحدٌ منتصرًا على الشرِّ، فهل ينتصر عليه دون أن يُجاهِد ضده، ودون أن يحميه الله بستره، هذا الإنسان يكون قد دخل التجربة ووقع فيها كمَّن اُقتيد إليها مأسورًا. لكن إذَا كان يُقاوِم ويحتمل، فتقول عن هذا الإنسان إنه مُجرَّب، لأنه لم يدخل فيها أو يسقط داخلها [بنفسه]. وهكذا اُقتيد المسيح بالروح، لكن ليس لكي يدخل في التجربة، بل ’ليُجرَّب من إبليس‘ (مت 3: 1)، وهكذا إبراهيم أيضًا لم يدخل بنفسه إلى التجربة، ولم يقتاده الله إليها، لكن الله قد جرَّبه (اختبره) لكنه لم يدفعه فيها. وحتى الربَّ نفسه قد اختبر التلاميذ. ولكن عندما يُجرِّبنا الشرير يستميلنا إلى التجارب، فينشغل الإنسان في تجارب الشرير. لكن عندما يُجرِّب (يختبر) الله، فإن تجاربه غير مُجرِّبة بالشرور. فقد قيل عن الله إنه ’غير مُجرَّب بالشرور‘، لكن الشيطان يسحبنا للتجربة بعنفٍ، ويُلقِينا في الهلاك، أمَّا الله فيقودنا بيديه ليُدرِّبنا من أجل خلاصنا“.[43]
ق. كيرلس الأورشليمي
شفاء مرض الخطية
يرى ق. كيرلس الأورشليميّ إن الخطية هي شر مُرعِب للغاية، لكنها ليست بالمرض المستعصِي شفائه، هي مُرعِبة لمنْ يلتصق بها، لكن مَنْ يتركها بالتوبة يُشفَى منها بسهولة.[44]
رحمة الله ورأفته بالخطأة
يُؤكِّد ق. كيرلس الأورشليميّ على عظم محبة الله للبشر، وترفقه وطول أناته الشديدة عليهم من أجل توبتهم، ويُعدِّد أمثلة رحمة ورأفة الله بالخطاة، وتعامُّله معهم كما يتعامل الطبيب الماهر مع مرضاه، فيذكر طول أناته على جبابرة الأرض الخطاة خمسمائة عامًا يُهدِّدهم بالطوفان لكي يهبهم مُهلة للتوبة، فلو أنهم تابوا لما أخفقوا في التمتُّع بمحبة الله المترفِقة. ونفس الشيء صنعه الله مع راحاب الزانية الوثنية، ومع هارون عندما أخطأ في حق أخيه موسى، وترفُّقه بداود الساقط، ورحمته بسليمان وآخاب ملك السامرة، ويربعام الملك عابد الأوثان، ومع منسى الملك الشرير، ومع حزقيا الملك، ومع نبوخذ نصر الملك وغيرهم الكثيرين.[45]
يُواجِه ق. كيرلس الأورشليميّ هرطقة الغنوسيين القائلين بإلهين في الكتاب المقدَّس، واحد للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، إنَّ الأسفار المقدَّسة وتعاليم الحق تُعرِّفنا بإله واحد وحده، مُدبِّر كل الأمور بقدرته، يتحمل كثيرًا بإرادته. إنه صاحب سلطان على الوثنيين، وبطول أناته يحتملهم.
له سلطان على الهراطقة الذين لا يُقِيمونه عليهم إلهًا، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الشياطين وبطول أناته يحتملهم، ليس لأنه مُحتاج إلى سلطان كمَّن هو ضعيف، لقد سمح للشياطين أن تعيش لغرضين: لكي تُخزِي نفسها بنفسها بالأكثر في حربها، ولكي يتكلّل البشر بالنصرة. يا لعناية الله الحكيمة! التي تستخدم نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين! لا شيء يفلت من سلطان الله الذي يحكم الكل وبطول أناته يحتمل حتى المجرِمين واللصوص والزناة مُحدِّدًا وقتًا مُعيَّنًا لمجازاة كل أحد، لكن إنْ أصرَّ مَنْ يُحذِّرهم على عدم التوبة من القلب ينالون دينونة عظيمة.[46]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الله لا يريد معاقبتنا
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الله لا يريد أن يتركنا أو يُعاقِبنا، وأنه حتى عندما يُعاقِبنا العقوبة الشفائية التأديبية، فإنه يُعاقِبنا كارهًا وعن غير رغبة منه، فالله لا يُسرّ بموت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا كالتالي:
”في الحقيقة نحن عندما نُترَك من الله، نُسلَّم إلى إبليس، وعندما نُسلَّم له نُبتلَى بنتائج مميتة لا تُعدَّ. والكتاب المقدَّس من أجل يخيف سامعيه قال: ’إنه قسي‘، و ’إنه أسلَّمهم‘. وكشهادة على أنه هو نفسه ليس فقط لا يتخلى عنَّا، بل أيضًا لا يتركنا ما لم نرد نحن هذا، اسمع لِمَّا قاله: ’ألم تفصل آثامكم بيني وبينكم‘ (إش 59: 2)، وأيضًا ’هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). وصرَّح هوشع أيضًا: ’لأنك نسيت شريعة إلهك، أنسى أنا أيضًا بنيك‘ (هو 4: 6). وهو نفسه أعلن في الإنجيل: ’كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولم تريدوا‘ (لو 13: 14). ويقول إشعياء أيضًا في موضع آخر: ’لماذا جئت وليس إنسان، ناديت وليس مجيب‘ (إش 50: 2). إنه قال هذه الأشياء ليُظهِر أننا نحن الذين نبدأ عملية الابتعاد، ونصير بذلك مسئولين عن هلاكنا. لأن الله ليس فقط لا يريد أن يتركنا أو يُعاقِبنا، بل حتى عندما يُعاقِبنا، فهو يُعاقِبنا كارهًا وعلى غير رغبة منه. وهو في الواقع يقول: ’إني لا أُسرّ بموت الخاطئ، بل بأن يرجع ويحيا‘ (حز 18: 32). بل إن المسيح بكى على خراب أورشليم كما نبكي نحن في حالة موت أصدقائنا. لذلك حيث إننا نعرف هذه الأمور، فلنبذل كل جهد كيلا ننفصل عن الله، بل على العكس، ليتنا نجتهد في العناية بنفوسنا وخلاصها، وبإظهار الحب لبعضنا البعض“.[47]
يليق بالله الخلاص وليس العقوبة
ويُوضِّح ذهبيّ الفم أنه يليق بالله أن يُخلِّص وليس أن يُعاقِب، لذلك فعل كل هذه الأشياء وفقًا لخطته من جهة خلاص البشرية كالتالي:
”مع الوضع في الاعتبار أن الخطية ليست مثل الهبة، والموت ليس كالحياة، وأيضًا من المستحيل أن يُوضَع الشيطان في مُقارنة مع الله، لأن الفروق غير محدودة ولا تُحصَى. إذًا، هذا قد حدث بالنظر إلى قدرة ذاك الذي فعل كل هذه الأشياء، ووفقًا لخطة الله من جهة خلاص البشرية – لأن ما يليق بالله بالأكثر هو أن يُخلِّص لا أن يُعاقِب – وهنا مكمن التميُّز والانتصار“.[48]
غاية الله هي الخلاص وليس العقوبة
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الله لم يمت لكي يقف أمامه أناس يستوجبون العقوبة ومحكوم عليهم، بل لكي يُقدِّم لهم العون بموته وقيامته لأجل تبريرهم قائلاً:
”لأنه لم يمت لكي يقف أمامه أناسٌ يستوجبون العقاب ومحكوم عليهم، بل لكي يُقدِّم لهم العون، لهذا مات وقام لأجل تبريرنا“.[49]
ق. غريغوريوس النيسي
البشر يعاقبون أنفسهم بأنفسهم
يستنكر ق. غريغوريوس النيسيّ أولئك الذين ينسبون إنزال الله للشرِّ بالبشر، بل البشر هم الذين يستسلمون لشرورهم بإرادتهم الحرة، وهم الذين يجلبون على أنفسهم الشرور والعقوبة، فهم يعاقبون أنفسهم بأنفسهم جراء شرورهم وأهوائهم الفاسدة كالتالي:
”ولكن إذَا كان صحيحًا أن الكتاب المقدَّس يتكلَّم هذا الكلام، وإذَا كان الله لا يُسلِّم إلى الأهواء الفاسقة إلا مَن يستسلم لها، فليس تصلُّب فرعون بإرادةٍ إلهيةٍ، وليست الحياة الخسيسة من ثمار الفضيلة. فإذَا كانت الألوهة تستطيع أن تريد ذلك وتفعله، توقفت الحرية عن أيّ عمل، وزال كل فرق بين الخير والشرّ. لا، ليس الأمر كذلك، ونحن نرى أناسًا يختارون هذه الحياة، وآخرين يختارون أخرى، ونرى هؤلاء يترقون في الفضيلة، وأولئك ينزلقون في الرذيلة. ومن ثمَّ، فليس من الصحيح أن نُعلِّق بقدرٍ فائقٍ الطبيعة وقائم بإرادةٍ إلهيةٍ، هذه الاختلافات التي هي، عند كل إنسانٍ، من شأن اختياره الحر. […] ولكننا سنُضمِّن الأمر معنى صحيحًا، ونقول إن الحرمان من النور، عند مَن لا يرى هو سبب سقوطه في الحفرة. وهكذا، يجب أن نفهم قول الرسول، عندما يتكلَّم على مَن يغفلون عن معرفة الله، وأن الله يُسلِّمهم إلى أهوائهم الفاسدة، كما يجب أن نفهم تصلُّب قلب فرعون، لا أن الإرادة الإلهية تُحدِث التصلُّب في النفس، ولكن الحرية، بانحرافها إلى الشرِّ، تصد الكلمة التي تعمل على تليين مقاومتها“.[50]
الإنسان يجلب العقوبة على نفسه
يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ مفهوم العقوبات الإلهية في سياق تفسيره للضربات العشرة التي حلَّت بالمصريين، إنه يجب ألا نستنتج أنَّ هذه الضربات التي حلَّت بمَّن يستحقونها جاءت مُباشرةً من الله، بل يجب أن نُلاحِظ أنَّ كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله، ويُخاطِب بولس الرسول مذلة هذا الشخص، قائلاً: ”ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تُذخِر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يُجازِي كل واحد حسب أعماله“ (رو2: 5)، ويُؤكِّد النيسيّ أيضًا أننا عندما نقول إنَّ الانتقام المباشر يحل من الله على مَّن يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمِن المنطقيّ أنْ نُلاحِظ أنَّ أصل هذه المعاناة وسببها هو في أنفسنا، حيث لا يُمكِن أنْ يحلَّ بنا شرّ إلا باختيارنا الحر.[51]
ق. كيرلس الإسكندري
إحياء الوثنية من جديد
وينتقد ق. كيرلس الإسكندريّ القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله ”ذياس“ يتحدَّث مع آلهة أخرى عن زنا ”إيجيستوس“، وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ.
فلأيّ سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبِّب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مُستقِيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ مُتخطِيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يُقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أمَّا الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويُفضِّلون الظلم، هؤلاء يُفسِدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.[52]
العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذَا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإنَّ الناموس يُحاكِمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسمَّاها ”مدن الملجأ“ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله، كما يقول الكتاب: ”لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته“ (تك8: 21).
فكمَّا ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجَّمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقَب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يُشِير إلى أقسام الأرض السفلى، أيّ الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، نزل إلى الجحيم، وفتح أبوابه، وحرَّر النفوس من القيود.[53]
العقوبة ليست مشورة الله وإرادته
ويرى ق. كيرلس أن العقوبة الإلهية هي النتيجة الفعلية لحماقة البشر، وليست نتيجة عن مشورة الله أو إرادته كالتالي:
”رغم كل ذلك، فإنه أكرمه بنفس درجة إكرامه للباقين، وغسل قدميه أيضًا، مبينًا دائمًا علامات محبته، ولم يعط فرصةً للعقاب إلا بعد أن يكون استنفذ كل محاولات الإصلاح. ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الصفة أيضًا هي خاصة بالطبيعة الإلهية. لأنه رغم أن الله يعرف ما سيحدث، إلا أنه لا يُوقِع عقابه قبل الأوان على أي إنسان. بل بالحري، بعد أن يصبر على الخاطئ لأطول مدة لازمة، حينما يرى أنهم لا ينتفعون من صبره عليهم، بل بالحري يظلون مُستمِرين في طريقهم الشريرة التي اختاروها بأنفسهم، فحينئذٍ يُعاقِبهم، مُبينًا أن عقابه لهم هو النتيجة الفعلية لحماقتهم وانحرافهم، وليس ناتجًا عن مشورته أو إرادته، فحزقيال يقول مثلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب، إني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا‘ (حز 33: 11)“.[54]
العقوبة نتيجة الفعل نفسه
ويدحض ق. كيرلس تعليم القدرية والجبرية مؤكدًا على ضرورة توافر حرية الإرادة في النفس، لأنها لو حادت عن الحق وفي طياشة تعدت مشيئة مُعطِي الناموس، فيقع عقاب تعديها عليها، فالعقوبة هي نتيجة التعدي والعصيان كالتالي:
”لأن كلمة التعليم تتطلب أن تتوفر للنفس الإرادة الحرة والاختيار الحر لكي تسعى لطلب المكافآت العادلة لأعمالها الصالحة، وهي إنْ حادت عن الحق، وفي طياشة تَعدَّت مشيئة مُعطِي الناموس، يقع عليها عقاب تعديها وهذا أمر معقول جدًا“.[55]
لا يوجد أذى في طبيعة الله
ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن ”الله لا يؤذي إذ ليس في طبيعته أذى“.[56] وذلك ردًا على مَن يقولون أن الله يرسل الأمراض والآلام والتجارب الشريرة على البشر لإهلاكهم وأذيتهم.
ق. إيسيذوروس الفرمي
العقوبة الإلهية للإصلاح والتقويم
يُوضِّح ق. إيسيذوروس الفرميّ مفهوم العقوبة الإلهية، ويرى أنَّ تقويم وتصحيح الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نسميه ’غضبًا‘ ولا ’سخطًا‘، بل بالحري ’نُصحًا‘ و ’موعظةً‘. لكن لو اعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يُؤمِنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء والعواطف بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم كالتالي:
” تقويم [تصحيح] الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نُسمِّيه ’غضبًا‘ ولا ’سخطًا‘، بل بالحري ’نُصحًا‘ و ’موعظةً‘. لكن لو اَعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يُؤمِنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء [العواطف] بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم“.[57]
العقوبة الإلهية التربوية
ويُؤكِّد ق. إيسيذوروس أيضًا على نفس المفهوم الشفائيّ والتربويّ عن العقوبة الإلهية في موضع آخر، حيث يرى أن الطبيعة الإلهية وغير الدنسة قد أعطتنا كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يُحافِظ على احترام العقائد كالتالي:
”لقد أعطتنا الطبيعة الإلهية وغير الدنسة كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، بهدف تقويمنا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يُحافِظ على احترام العقائد.[58]
ق. باسيليوس الكبير
مفهوم الدينونة الإلهية
يُناقِش ق. باسيليوس الكبير موضوع الدينونة الإلهية والعقاب، ويُفسِّرها وكأنه يتحدَّث بلسان حال أيامنا الحاضرة كالتالي:
”الحديث عن الدينونة تكرَّر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدَّس، باعتباره أمر مُلزِم، وقادر أن يحفظ أولئك الذين آمنوا بالله في المسيح يسوع في تعليم التقوى. ولأن الكلام عن الدينونة قد كُتِبَ بطرق مُختلفة، فمِن الواضح أنه أحدث التباسًا لدى أولئك الذين لا يُميِّزون المعنى بدقةٍ. […] ولكن من الواضح أن كلمة ’أدان‘ نتقابل معها في الكتاب المقدَّس، تارة بمعنى ’أُجرِّب‘، وتارة أخرى بمعنى ’أحكم على نفسي‘ […] وقيل أيضًا إن الرب سيدين أو سيُجازِي كل إنسان، أو يُحاسِب كل إنسان، أيّ عندما يفحص الله كل إنسان، سيضع ذلك الإنسان نفسه في مواجهة الدينونة أو القضاء، وسيضع الله مقابل وصاياه أعمال أولئك الذين أخطأوا. وسيُبيِّن في دفاعه أن كل ما كان منوط به عمله لأجل خلاص جميع المدانين، فهذا قد عمله وتمَّمه، حتى يقتنع ويثق الخطاة أنهم مُذنِبين، بسبب ما ارتكبوه من خطايا، وبعدما يقبلون بالقضاء الإلهيّ، سيقبلون العقوبة المفروضة عليهم بإرادتهم“.[59]
العقوبة الإلهية الشفائية
ويستطرد ق. باسيليوس الكبير في نفس السياق مُوضِّحًا معنى العقوبة الإلهية، التي يهدف الله من خلالها إلى الخلاص وليس الهلاك كالتالي:
”فالمجاعات والسيول هي نكبات مُشتركة تأتي على المدن والأمم لكي تُوقِف وتُحجِّم فعل الشر المتفاقِم. إذًا، مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه مُحسِن وكريم حتى لو تسبَّب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يُحارِب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يُدبِّر الخلاص من خلال مُحصلة بعض الإجراءات“.[60]
ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي
العقوبة الإلهية التربوية
يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ على العقوبة الإلهية التربوية والشفائية لنا عندما نخطئ، فهو يرى أن العقوبة الإلهية ليست عقوبة قانونية جزائية تعسفية وانتقامية قائلاً:
”وحق هو الكلام القائل: ’مَنْ يحبه الرب يؤدبه، ويؤدب الرب كل ابنٍ يحبه‘، والذي يهتم به. والله تعالى جعل العصمة من الخطأ فوق الطبيعة البشرية. وأمَّا إذَا أخطأنا وعُوقِبنا حتى شُفِينا، ينبغي علينا أن نستمر في وجدان التربية الإلهية، ومع الله على الخط التربويّ، وأن نتجنب عقوبةً ثانيةً مرتبة على خطيئة ثانية“.[61]
الله يعاقب بقياسات التربية
ويرى ق. غريغوريوس النزينزيّ أن الله الكلمة يُوقِف المصيبة بالعطف والشفقة، ويعاقب بقياسات التربية والتأديب التي يعرفها الله جيدًا كالتالي:
”ذلك تقدير الكلمة الصانع الحكيم، وذلك هو تصرفه في عنايته بنا، وهو خازن أمورنا وشئوننا في مخازن حكمته وتدبيره. أجل هو الذي يعرف أن يُوقِف المصيبة بالعطف والشفقة، وأن يُلجِّم القباحة والوقاحة بالزجر والعقاب، أعني بقياسات التربية والتأديب التي يعرفها جيدًا“.[62]
العقوبة عمى روحي وانفصال عن الله
يشرح النزينزيّ معنى العقاب والدينونة الإلهية كظلمة وعمى روحيين وانفصال عن التنعُّم بمعاينة الله كالتالي:
”فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وافهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهَّرين في أذهانهم أعني أنهم سيرون الله وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نسميه ’الملكوت السماوي‘. وافهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جادة الحق والصواب. فأي تغرُّب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى“.[63]
ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة
تأديبات الله للتقويم والإصلاح
يرى ق. كبريانوس الشهيد، أسقف قرطاچنة، أن تأديبات الله هي للتقويم والإصلاح، وليس للهلاك قائلاً:
”وأخذنا من سليمان توصيات الحكمة التي تنصحنا قائلةً: ’يا ابني، لا تحتقر تأديب الربِّ، ولا تكره توبيخه. لأن الذي يحبه الربُّ يُؤدِّبه‘ (أم 3: 11، 12). فإنْ كان الله يُؤدِّب الذي يحبه، ويُؤدِّبه لكي يتقوَّم، لذلك على الأخوة، وبالأخص الكهنة، ألا يبغضوا مَن هم يُؤدِّبونهم لكي يتقوَّموا (ينصلح حالهم)، إذ أن الله تنبأ من قبل بفم إرميا، وأشار إلى زماننا بقوله: ’وسأعطيكم رعاةً بحسب قلبي، وسيغذونكم، ويرعونكم بالتأديب‘ (أنظر إر 3: 15)“.[64]
ق. يوحنا كاسيان
العقوبة الإلهية الشفائية
ينقل ق. يوحنا كاسيان رأي الأب ثيؤدور، أحد آباء البرية المصرية، عن مفهوم العقوبة الإلهية كعقوبة تأديبية شفائية كالتالي:
”اعتاد الكتاب المقدَّس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصليّ. فيستخدم كلمة ’الشرور‘ عن ’الأحزان والضيقات‘ ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَنْ تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يَعتبرونها شرًا. فحينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كي الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَنْ لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس أو السوط يكون مُفيدًا للحصان الجموح. والتأديب يُعتبر مرًا بالنسبة للمُؤدِّبين، إذ يقول الرسول: ’ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأمَّا أخيرًا فيُعطِي الذين يتدربون به ثمر بر السلام‘ (عب12: 11)، ’الذي يحبه الرب يُؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله فأيّ ابن لا يُؤدِّبه أبوه؟!‘ (عب12: 6، 7)“.[65]
الفصل الثالث: مفهوم العدالة الإلهية
سوف نحاول في هذا الفصل توضيح رؤية ومفهوم آباء الكنيسة عن العدالة الإلهية، وهل يتفق مفهوم العدالة الإلهية مع مفهوم العدالة البشرية؟ وهل الله عادلٌ بنفس المفهوم البشريّ لعدالة المحاكم البشرية، أن يسمو مفهوم العدالة الإلهية السامية والكاملة على العدل البشريّ الناقص والنسبيّ.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
عدل الله هو صلاحه وحكمته
نرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ في رده على الهرطقة الماركيونية، يربط بين عدل الله وصلاحه مُؤكِّدًا على أن صلاح الله لا يهجره عندما يُمارِس عدله، بل على العكس، فإن صلاحه يتقدَّم إلى الأمام ويأخذ الصدارة أثناء ممارسته لعدله الصالح الحكيم والرحيم كالتالي:
”لذلك فالآب سيفوق في الحكمة كل حكمة بشرية وملائكية، لأنه هو ربٌّ، قاضي وهو العادل، والحاكم فوق الكل. لأنه صالح، ورحيم، ومتأني، ويُخلِّص الذين يجب أن يخلصهم. كما أن صلاحه لا يهجره عندما يُمارِس العدل، كما أن حكمته لا تنتقص، لأنه يُخلِّص الذين يجب أن يُخلِّصهم، ويدين أولئك الذين يستحقون الدينونة: كما أنه لا يكون عادلاً بطريقةٍ غير رحيمةٍ؛ لأن صلاحه يتقدَّم إلى الأمام بلا شك ويأخذ الأسبقية“.[66]
العلامة أوريجينوس الإسكندري
عدل الله هو صلاحه وقداسته
يُشِير العلامة أوريجينوس إلى أن القداسة والعدل إنما مردها إلى صفة الصلاح، بمعنى أن العدل والقداسة هما الصلاح، ولا اختلاف جوهري أو معنوي بين الكلمات الثلاثة كالتالي:
”ثم يسألون: ماذا إذًا؟ ما طبيعة شجرة الناموس؟ فإن الأمر ظاهر للعيان من ثمارها، أي من أقوال فرائضه. فإن وُجِدَ الناموس صالحًا، يمكن الاعتقاد بلا أدنى ريبة بأن الذي وضعه هو الله الصالح أيضًا؛ ولكن، إن كان الناموس عادلاً أكثر منه صالحًا، فالاعتقاد أن إلهه مُشرِّع عادل. ولم يلتف بولس الرسول على العبارة، عندما قال: إذًا، الناموس صالح، والوصية مقدَّسة وعادلة وصالحة (رو 7: 12). ويتَّضح من هذا أن بولس لم يتلق علومه في كُتب هؤلاء الذين يفصلون بين العادل والصالح، وإنما تعلَّم من الله -واستنار بروح هذا الإله- القدوس، والصالح، والعادل. فإذ تفوه بما ألقى عليه روحه، قال إن وصية الناموس مُقدَّسة، وعادلة، وصالحة. وريثما يجلو جلاءً بيَّنًا أن في الوصية من الصلاح أكثر مما فيها أيضًا من القداسة والعدل، لا يلبث يُردِّد كلامه مقتصرًا به على الصلاح عوض عن هذه الثلاث، ويقول: أ فيكون لي ما هو صالح، إذًا، ميتًا؟ حاشا (رو 7: 13). وذلك إنما لعلمه بأن الصلاح يمثل الجنس، بين الفضائل، والعدل والقداسة نوعي الجنس. لذلك، فيما ذكره أعلاه اسم الجنس والنوعين، ردَّد الجنس فقط حينما فاه ثانيةً بهذه الكلمة. بيد أنه يقول لاحقًا: لقد فعلت الخطيئة الموت، بواسطة ما هو صالح (رو 7: 13). إنه يختم بالجنس ما كان قد بسطه قبلاً بالنوع. ويجب أن تُفهَم هذه الكلمات على المنوال ذاته أيضًا: الإنسان الصالح، من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصلاح؛ والإنسان الشرير من كنزه الشرير يُخرِج الشر (لو 6: 45). فقد عمد الكاتب هنا أيضًا إلى الجنس، الصالح والشرير، مظهرًا بلا أدنى ريبة أن العدل والقسط والفطنة والتقوى وكل أمر يُسمَّى صالحًا، أو يُفهَم بأنه صالح، لفي الإنسان الصالح. وتحدَّث كذلك عن الإنسان الشرير الذي هو بالتأكيد إنسان لا عدل فيه، ونجس، وكافر، وكل ما من شأنه أن يصور الإنسان الشرير بعناصره المتنوعة. فكما لا يمكن أحدنا أن يتخيل إنسانًا أنه شرير، بدون هذه الرجاسات، وألا يمكنه أن يكون شريرًا، كذلك من الثابت أنه ليس في وسع أحد أن يُقال فيه إنه صالح بدون هذه الفضائل“.[67]
ق. أثناسيوس الرسولي
عدل الله هو قداسته
يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في طبيعة الله المحب للفضيلة قائلاً:
”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادل وقدوس بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يعادل القول القائل إنه يحب الصالحين ويعينهم“.[68]
العلامة ديديموس الضرير
عدل الله هو صلاحه ورحمته
يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ ديديموس الضرير على ارتباط العدل والصلاح في جوهر الله مُشِيرًا إلى أن رحمة الله هي بنفس قدر عدله، وذلك في سياق مقاومته للهرطقة الماركيونية والمانوية التي تفصل بين إله العهد القديم الإله العادل وإله العهد الجديد الإله الصالح والرحيم كالتالي:
”فربنا ومخلصنا يعاملنا بحسب رحمته بمنحنا كل شيء يُفضِي إلى خلاصنا. كما أنه عندما يعاملنا بحسب رحمته بتوقيع عقوبة علينا، فهي دائمًا ما تكون مشفوعة بصلاح رحمته. ووفق هذا النص (إش 63: 7)، فعلينا أن نواجه خطأ هؤلاء الهراطقة الذين ينزعون الصلاح عن العدل، ويخترعون إلهًا صالحًا وآخر عادلاً. ولتحكم أنت بنفسك في النهاية كيف يُظهِر النص الحالي الله نفسه بكونه صالحًا وعادلاً، ويجازي بحسب رحمته وعدله، وأن رحمته هي بنفس قدر عدله. وعليه، فلا يفيدهم نفعًا دفاعهم عن التعاليم المنحرفة التي ينادون خلالها بأن إله الإنجيل صالح، بينما إله العهد القديم عادل. لأنه في فقرات أخرى عديدة، كما هو الحال في نص النبي الحالي، يُوصَف الله بأنه ’العادل والصالح‘“.[69]
ق. كيرلس الأورشليمي
الله عادل وصالح في آن واحد
يُوضِّح ق. كيرلس الأورشليميّ إن الله عادلٌ وصالحٌ في نفس الوقت في مواجهة الهرطقات الغنوسية والمانوية والماركيونية التي تنادي بإلهين، مؤكدًا على عدم وجود صراع بين صفتي العدل والصلاح في جوهر الله كالتالي:
”إنه صالحٌ وعادلٌ في نفس الوقت، فإنْ سمعت مِن هرطوقيّ يُنادِي بوجود إله عادل وآخر صالح، تذكر في الحال سهام الهراطقة المسمومة. إذ يتجاسر البعض في كفرٍ أن يقسموا الله الواحد. وقال البعض إن واحد خالق للنفس وآخر إله الجسد. وهذا التعليم غامض وشرير. لأنه كيف يمكن لإنسان أن يصير خادمًا للسيدين، بينما يقول ربنا في الإنجيل: ’لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؟!‘ (مت 6: 24؛ لو 6: 13). يوجد الله، واحد وحيد، خالق للنفوس والأجساد، واحد هو خالق السماء والأرض، وصانع الملائكة ورؤساء الملائكة. هو خالق لكثيرين، لكنه أب لواحد وحيد قبل كل الدهور، الابن الواحد الوحيد ربنا يسوع المسيح، الذي به خلق كل شيء، ما يُرَى وما لا يُرَى (يو 1: 3؛ لو 1: 16)“.[70]
عدل الله وصلاحه
ويُؤكِّد ق. كيرلس الأورشليميّ على أن الله هو إلهٌ واحدٌ صالحٌ وعادلٌ في نفس الوقت ضد الهراطقة الغنوسيين والمانويين، فيربط بين صلاح الله وعدله في نفس الوقت، فعدله لا ينفصل عن صلاحه، وصلاحه لا ينفصل عن عدله، وعدل الله مرده إلى صلاحه، وصلاح الله مرده إلى عدله كالتالي:
”إنه يوجد طريق الخلاص، إنْ ازدريت بالقيء ومقتهم من قلبك، وانفصلت عنهم بنفسك لا بشفتيك، إنْ تعبدت لأب المسيح إله الشريعة والأنبياء، إنْ عرفت أن الصالح والعادل إلهٌ واحدٌ بنفسه“.[71]
ق. غريغوريوس النيسي
عدل الله هو صلاحه وحكمته وقوته
يربط ق. غريغوريوس النيسيّ بين صفات القوة والعدل والصلاح والحكمة في الله، مؤكدًا على اتحاد هذه الصفات مع بعضها البعض في الجوهر الإلهي، وأن مَرد كل الصفات هو لصلاح الله في تعامله مع الإنسان المتقلب والمتغير الإرادة كالتالي:
”وبناءً عليه يقر الجميع أنه يجب أن نؤمن أن اللاهوت ليس فقط قويًا، بل وأيضًا عادلاً، وصالحًا، وحكيمًا، وفيه كل ما يخطر على الذهن من صفات سامية، وبالتالي، فيما يخص التدبير موضوع حديثنا الحالي، فإن الله لا يمكنه من ناحية أن يرغب في أن تظهر واحدة من صفاته العالية في الخليقة، ومن ناحية أخرى، ألا تظهر إحدى صفاته الأخرى. وبشكلٍ عامٍ، لا تنفصل أي واحدة من الصفات السامية الإلهية عن الصفات الأخرى، فالفضيلة ليست بمفردها، ولا الصلاح يكون صلاحًا حقيقيًا، إن لم يكن مُتَّحِدًا مع العدل والحكمة والقوة، لأن الظلم والحماقة والضعف ليسوا بصلاحٍ، وأيضًا القوة المنفصلة عن الحكمة والحق لا تُعتبر فضيلةً، لأن هذا النوع من القوة يُعتبر توحشًا وطغيانًا. والأمر نفسه ينصرف على باقي الصفات، إن كانت الحكمة خارج العدل، أو لو كان العدل لا يصاحبه القوة والصلاح، فإن تلك الصفات بالأحرى تُسمَّى شرًا، فكيف يُحسَب غياب الخير من ضمن الصالحات؟ فإنْ كانت كل هذه الصفات من اللائق أن تترافق معًا فيما نعتقده عن الله، فعلينا أن نفحص هل في التدبير بالتجسُّد كإنسان، تغيب أيٌ من هذه الصفات التي تليق بالله؟ وما نطلبه في الله دائمًا هو سمات الصلاح، فأية شهادة للصلاح أكثر وضوحًا من استعادة الإنسان الذي هجر الله إلى الخصم، إذ أن طبيعة الله غير المتغيِّرة والراسخة في الصلاح، لم تتأثر بتقلب إرادة الإنسان المتغيِّرة؟ لأنه لم يكن ليأتي ليُخلِّصنا، كما يقول داود (مز 105: 4، 5)، إنْ لم يكن الصلاح يُحرِّك تلك الإرادة“.[72]
ق. كيرلس الإسكندري
عدل الله هو صلاحه ورأفته
يربط ق. كيرلس الإسكندريّ بين العدل والصلاح والرأفة في حادثة شفاء الرب يسوع لمريض بركة بيت حسدا قائلاً:
”لذلك كان حكم المخلص عادلاً وصالحًا ولم يعوقه حتى يوم السبت عن أن يكون رؤوفًا عطوفًا على العليل، لكنه إذ هو الإله يعرف كيف يتمم هذا الأمر؛ لأن الطبيعة الإلهية هي نبع الصلاح، وهذا ما فعله حتى يوم السبت“.[73]
مار إسحاق السرياني
عدل الله هو صلاحه ورحمته
يربط مار إسحاق السريانيّ عدل الله وصلاحه مُؤكِّدًا على أن ابن الله أظهر كيف أن الله صالحٌ وطيبٌ ورحومٌ كالتالي:
”كُن كارزًا بصلاح الله، لأن الله يملك عليك، برغم عدم استحقاقك، وبرغم أنك مدين له بالشيء الكثير جدًا، فهو لا يطالبك بالدفع؛ وعلى الأعمال الصغيرة التي تقوم بها يمنحك مكافآت عظيمة. لا تدعُ الله عادلاً، إذ أن عدله لا يظهر في الأمور التي تخصك. وإذا كان داود دعاه عادلاً ومستقيمًا (مز 25: 8؛ مز 145: 17)، فلقد أظهر ابن الله أن الله صالح وطيب. فهو يقول: ’إنه صالح مع الأشرار والخطاة‘ (لو 6: 35). كيف تدعو الله عادلاً عندما تقرأ ما جاء في الإنجيل عن أجرة الفعلة؟ ’يا صاحب ما ظلمتك! […] فإني أريد أن أُعطِي هذا الأخير مثلك […] أم عينك شريرة لأني أنا صالح‘ (مت 20: 13-15)، كيف يستطيع الإنسان أن يدعو الله عادلاً عندما يقرأ ما جاء عن الابن الضال الذي بدَّد ثروته بعيشٍ مسرفٍ، وأنه لأجل الندم فقط الذي أظهره، ركض الأب وعانقه وسلَّطه على كل غناه (لو 5: 11)؟ لم يقل هذه الأمور بخصوص الله شخص آخر، بل ابنه ذاته، لئلا نشك فيها، وبهذا شهد الابن لله. فأين إذًا عدالة الله، ’لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا‘ (رو 5: 8)، ولكن إذا كان الله رحومًا هنا، فلنؤمن بأنه لن يتغيّر“.[74]
الأب يوحنا الدمشقي
عدل الله هو صلاحه وحكمته
يشرح الأب يوحنا الدمشقيّ عدل الله وصلاحه وحكمته في تدبير خلاص الإنسان من أسر الشيطان، فعدل الله ظهر في انتشال الله للإنسان من الموت، كالتالي:
”ومن ثمَّ، فإن الرب البارئ نفسه قد اتخذ على عاتقه الدفاع عن جبلته الخاصة، فصار بعمله معلمًا. فإن العدو لما كان قد خدع الإنسان بأمل التأله، فقد انخدع هو بظهور جسد، واتضح للحال صلاح الله وحكمته وعدله واقتداره: فقد ظهر صلاحه تعالى بأنه لم يحتقر ضعف جبلته الخاصة، بل انعطف عليها في سقطتها ومدَّ لها يده. وقد ظهر عدله بأن الإنسان لما كان مغلوبًا، لم يترك الله لغيره أن يقهر الطاغي ولا انتشل الإنسان بالقوة، بل إن الصالح والعادل قد جعل ذاك نفسه الذي كان الموت قديمًا قد استعبده بالخطايا يعود اليوم من جديد فينتصر، فخلَّص المثل بمثله. وقد كان الأمر مستعصيًا، وكان من شأن الحكمة أن تجد حلاً لائقًا جدًا للأمور المستعصية“.[75]
الفصل الرابع: تعاليم جون كالفن عن صليب المرض والتجارب
سوف نستعرض في هذا الفصل تعاليم چون كالفن، أحد أهم رجال الإصلاح البروتستانتي عن صليب المرض والتجارب، وسوف نجد أن مصدر هذه التعاليم هو چون كالفن وأتباعه من حركة الإصلاح البروتستانتيّ الذين يرون في التجارب والأمراض أنها صليب، وكأن الصليب صار مرضًا وتجربةً، وليس هو علامة النصرة على التجارب والقوة والشفاء من الأمراض.
الصليب تجربة وامتحان
يرى چون كالفن أن هناك البعض الذين يُمتحَنون بنوعٍ مُعيَّنٍ من الصليب، ويُمتحَن الآخرين بغيره كالتالي:
”من هذا يُرى أن البعض يُمتحون بنوعٍ مُعيَّنٍ من الصليب، فيما يُمتحَن آخرون بغيره. ولما كان الطبيب السماويّ يعالج البعض بمزيدٍ من اللطف، وآخرين بعلاجاتٍ أكثر قساوةً، بينما يشاء الصحة للجميع، فهو لا يترك أحدًا من دون أن يلمسه لأنه يعرف أن الجميع، كلاً بمفرده، في حاجة إلى الدواء“.[76]
ويحث چون كالفن على احتمال البلايا والمهانة من أجل الدفاع عن البرّ، ويدعونا أن نقبل التجارب برضا وسرور من يد الربّ، بحسب إدعائه، حيث يرى أن المؤمنين يتميَّزون بهذا النوع من صليب التجارب والبلايا كالتالي:
”بهذه التحذيرات وما يُشابِهها، يُعطِينا الكتاب المقدَّس وافر العزاء سواء في المهانة أو في البلايا التي نتحملها من أجل الدفاع عن البرّ. لذا نُنكِر الفضل على نحوٍ مُشينٍ، إنْ لم نقبل تلك التجارب برضا وبسرور من يد الربِّ؛ وخصوصًا أن هذا النوع من الصليب يتميَّز به المؤمنون، وبه يشأ المسيح أن يتمجَّد فينا“.[77]
ابتلاء الله للبشر
يُشِير چون كالفن إلى أن الله يبتلينا لا ليُدمِّرنا أو ليُفنينا، بل بالأحرى لكي يُحرِّرنا من الدينونة التي يدين بها العالم، للأسف كيف يبتلينا الله وهو مصدر كل الصالحات؟! فيقول التالي:
”فهو يبتلينا لا يُدمِّرنا أو ليُفنينا، بل بالأحرى لكي يُحرِّرنا من الدينونة التي يدين العالم بها“.[78]
صليب المرض
يرى چون كالفن أنه يمكننا أن نثبت في احتمالنا مهما كان نوع الصليب الذي نُعانِي منه، حتى لو كان ذلك من أشد عذابات النفس، فإذَا ابتُلِينا بالمرض فسوف نئن ونتوجع ونتوق إلى الصحة، ونرزح تحت وطأة الفقر فتخزنا سهام الهمّ والأسى، وهكذا ينتابنا ألم المهانة والاحتقار والظلم كالتالي:
”وهكذا يمكننا أن نثبت في احتمالنا مهما كان نوع الصليب الذي نُعانِي منه، حتى لو كان ذلك من أشد عذابات النفس. هذا لأن الضيقات ذاتها سوف تأتي بمنغصاتها؛ فإن ابتُلِينا بالمرض فسوف نئن ونتوجع ونتوق إلى الصحة؛ ومن ثمَّ، نرزح تحت وطأة الفقر فتَخزنا سهام الهمّ والأسى؛ وهكذا ينتابنا ألم المهانة والاحتقار والظلم“.[79]
الله هو مصدر التجارب والبلايا
يُوضِّح چون كالفن أن العلة الرئيسية لحمل صليبنا من وحي المشيئة الإلهية، ويجب أن نفهم أننا مُجرَّبون بيد الله من خلال شدائدنا، وهكذا ينبغي إطاعة الله في هذه التجارب والشدائد، يا له من منطق بائس ومأساويّ! فالله هو مصدر كل الصالحات. وهكذا يرى چون كالفن إننا إذَا كنا نعاني من الفقر أو المنفى أو السجن أو الإهانة أو المرض أو الحزن أو غير ذلك، ينبغي أن نعتقد بأنه لا يحدث شيء من دون مشيئة الله وعنايته، وأنه لا يفعل شيئًا إلا من قِبَل نظام عدالته. وهكذا يُرجِع چون كالفن كافة البلايا والشدائد التي يتعرض لها الإنسان إلى مشيئة الله ونظام عدالته.
الله غير المجرِّب بالشرور، والذي لا يُسقِط البشر في التجارب والشدائد، بل إبليس هو الذي يُسقِط البشر في التجارب، ويجعلهم ينشغلون بها، حتى لا يخرجوا منها إلا هالكين، صار الله، بحسب منطق چون كالفن، يفعل كل هذه البلايا للبشر بحسب مشيئته ونظام عدالته. وهذا عكس ما رأيناه في تعاليم آباء الكنيسة العظام، بل هو تشويه مُتعمِّد لصلاح الله ومحاولة لتقديم صورة مُشوَّهة عن الله كليّ الصلاح والرحمة والرأفة. فيقول كالفن التالي:
”أمَّا الآن، وقد اتَّخذنا العلة الرئيسية لحمل صليبنا من وحي المشيئة الإلهية، فقد لزم أن نُميِّز في بضع كلمات الفرق بين المفهوم الفلسفيّ للصبر والمفهوم المسيحيّ له. مما لا ريب فيه أن القليلين من الفلاسفة ارتقوا إلى مستوى رفيع كهذا من المنطق، حتى يفهموا أننا مُجرَّبون بيد الله من خلال شدائدنا، وأن يحسبوا أنه من هذا المنطلق ينبغي أن نُطيع الله. ولكنهم، علاوة على ذلك، لا يُقدِّمون لها سببًا سوى أنه هكذا كان ينبغي أن يكون. […] فسواء كنا نُعانِي الفقر أو المنفى أو السجن أو الإهانة أو المرض أو الحزن أو غير ذلك، ينبغي أن نعتقد بأنه لا يحدث شيءٌ من دون مشيئة الله وعنايته، وأنه لا يفعل شيئًا إلا من قِبَل نظام عدالته. ماذا إذًا؟ ألا تستحق تعدياتنا اليومية العديدة أن تُعاقَب بقضبانٍ أكثر قساوةً من الشدائد التي يُوقِعها [الله] علينا من فرط لطفه؟ […] ألا يحق عدل الرب وحقه ما يُصِيبنا من مصاعب؟ لكن لمَّا كان عدل الله المؤكَّد يظهر في الشدائد، فلن يمكننا أن نتذمر أو نُقاوِمه من دون أن نخطئ. […] وحيث إننا نُسرّ بما ندرك أنه لخلاصنا ولمصلحتنا، يعزينا أبونا العظيم المراحم في هذا المجال أيضًا، إذ يُؤكِّد لنا أنه يعمل لخلاصنا في كل صليب يُجرِّبنا [الله] به“.[80]
[1] يوسينيوس (قديس)، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الدفاع الثاني : 13، ص 120.
[10] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته -مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006)، مقالة 13: 40، ص 198.
[11] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، ص ٢٣.
[12] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.
[13] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٢)، ٨: ١٥، ص ١٤٥.
[14] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 67.
[16] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 56، ص 101.
[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 12: 2، ص 197.
[18] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 56، ص 101.
[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير سفر أيوب، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، ٢٠٠٨)، تعليق على (أي ٥: ١٨)، ص ٨١.
[21] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 19: 1، ص 267.
[22] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 15: 5، ص 357، 358.
[23] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 4: 2، ص 78.
[24] أمبروسيوس (قديس)، شرح الإيمان المسيحي، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 5: 14: 174، ص 337.
[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر عاموس، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٢)، تعليق على (عا٣: ٦)، ص ٩٠.
[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 6: 1، ص 664، 665.
[29] ساويروس الأنطاكي (قديس)، رسائل ساويروس الأنطاكي، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016)، رسالة إلى يوحنا وثيؤدور ويوحنا الكهنة والأرشمندريتين، ص 143.
[47] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 68، ص 245.
[48] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 1، ص 248.
[50] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 63، 64.
[51] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: د. فهيم حنا، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2021)، 2: 85- 88، ص 62، 63.
[57] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، رسالة 344 إلى سلوانس، ص 273.
[58] المرجع السابق، رسالة 467 إلى الدياكون إيسيذوروس، ص 335.
[59] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 2: 4، ص 83- 85.
[60] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 22.
[61] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليان الجاحد، ص 89.
مقدمة: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء الكنيسة
سوف نستعرض في هذا البحث طبيعة وماهية الملكوت والجحيم بحسب تعالم آباء الكنيسة، وذلك ردًا على الإدعاءات الواهية بأن الملكوت والجحيم مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ، وبالتالي محاولة تجسيم الملكوت والجحيم وجعلهم أشياءً ماديةً لا تختلف في شيء عن باقي الأمور المادية والحسية في هذه الحياة، ولكن كيف يستقيم تجسيم الملكوت والجحيم مع العالم الروحانيّ غير الماديّ الذي يعيش فيه الله؟!
الله الذي طبيعته روحانية غير مادية ولا يوجد الله في مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، كما أن الملائكة سواء ملائكة صالحة أو ملائكة أشرار، أي شياطين، طبيعتهم طبيعة روحية غير مادية، فالملائكة الصالحون هم أرواح نورانية تعيش مع الله في عالم روحانيّ غير ماديّ، وغير مكانيّ، وغير جغرافيّ، كذلك الشياطين طبيعتهم طبيعة روحية غير مادية مظلمة تعيش بمعزل عن الله في ظلمة، فكيف تلك الطبائع الروحية غير المادية تعيش في أماكن مادية جغرافية محددة الأبعاد، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالحياة الأبدية الروحية غير المادية؟!
كما أن المسيح أعلن أن البشر سيكونون في السماء كملائكة الله، وسوف يلبس الفاسد عدم الفساد، وسوف يلبس البشر أجسادًا روحانيةً ونورانيةً غير مادية، هي أجساد القيامة الممجَّدة، فكيف يسكنون في أماكن مادية وجغرافية مُحدَّدة الأبعاد سواء في الملكوت والجحيم؟! كما يُؤكِّد بولس الرسول أن ملكوت الله ليس أكل وشرب، بل برّ وفرح وسلام في الروح القدس، فهل البرّ والفرح والسلام هي أماكن مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! وهل بولس الرسول كان مُخطئًا في مفهومه عن طبيعة الملكوت والجحيم باعتبارهما حالة البر والفرح والسلام في الملكوت أو العكس الحزن والخوف والقلق في الجحيم؟!
سوف نحاول في هذا البحث الوقوف على حقيقة طبيعة الملكوت والجحيم بحسب تعاليم آباء الكنيسة، وهل هي مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، أم حالة نفسية ذهنية غير مادية وغير مكانية وغير جغرافية تناسب وتلائم طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير المنظور وغير الحسيّ؟!
أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث الموجز هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الكتابية والآبائية التي تُؤكِّد على عدم مادية وعدم مكانية الملكوت والجحيم.
الفصل الأول: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الكتاب المقدس
يتحدَّث السيد المسيح عن أن الأبرار سوف يضيئون في ملكوت الآب السماويّ كالشمس، ولا يمكن أن يكون هذا النور نورًا ماديًا مخلوقًا، مثل النور الطبيعيّ للشمس المادية، بل هو نور إلهيّ غير مخلوق، وهكذا يعكس الأبرار نور أبيهم السماويّ الإلهيّ كالتالي: ”حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ“ (مت 13: 44).
يُؤكِّد السيد المسيح على حقيقة وجود الملكوت داخل كل إنسان، فملكوت الله ليس مكانًا أرضيًا حسيًا، بل هو سُّكنى الله نفسه داخل الإنسان بروحه القدوس كالتالي: ”وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: ’مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟‘ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: ’لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ‘“ (مت 17: 20-21).
ويدحض الربُّ يسوع فكرة أن الملكوت هو مكان حسيّ يتزوج فيه البشر، بل أكَّد على الطبيعة الروحية غير المادية وغير المكانية للملكوت الذين يكون فيه البشر كملائكة الله كالتالي: ”فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: ’تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ‘“ (مت 22: 29، 30).
ويُوضِّح السيد المسيح ماهية وطبيعة الحياة الأبدية الروحية غير الحسية وغير المادية وغير المكانية، فيصف الربُّ يسوع الحياة الأبدية بحالة المعرفة للإله الحقيقيّ وحده ومعرفة الرب يسوع المسيح، فالمعرفة هنا معرفة روحية عقلية ذهنية غير مادية وغير مكانية، بل معرفة تفوق الحواس الطبيعية، ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان كالتالي: ”وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ“ (يو 17: 3).
ويدحض بولس الرسول أيضًا فكرة مادية أو مكانية الملكوت، بل يرفض أن يكون ملكوت الله أكل وشرب، بل هو حالة البرّ والسلام والفرح في الروح القدس قائلاً: ”لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ“ (رو 14: 17).
ويُشِير بولس الرسول أيضًا إلى حالة التغيُّر والتبدُّل التي يخضع لها البشر بعد الرقاد وعند القيامة الأموات، حيث نتغيَّر من حالة الفساد لنقوم في عدم فساد، وهكذا ننال الحالة الأفضل عند القيامة العامة كالتالي: ”هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ“ (1كو 15: 51، 52).
ويُشدِّد بولس الرسول على أن جسدنا الفاسد والمائت سوف يلبس عدم الفساد وعدم الموت، وهي حالة عدم الخضوع لقوانين الزمان والمكان، بل هي حالة فائقة للطبيعة المادية المنظورة كالتالي: ”لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟“ (1كو 15: 53-55).
ويشرح بولس الرسول ماهية المعاينة الإلهية الطوباوية، حين ننظر مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ، وهنا لا يصف رؤيا مادية أو مكانية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل رؤيا روحية غير مادية وغير حسية ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان، ويؤكد بولس الرسول على حالة التغيُّر والتبدُّل التي تصير لنا من الحالة المادية الحسية الخاضعة لقوانين الزمان والمكان إلى الحالة الروحية الطوباوية المجيدة المجرَّدة من خبرة الحواس، وغير الخاضعة لقوانين الزمان والمكان كالتالي: ”وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ“ (2كو 3: 17، 18).
يصف أيضًا بولس الرسول الخبرة الروحية التي عايشها بالانخطاف إلى السماء، ويؤكد على غموض هذه الخبرة الروحية فهي غير خاضعة لقوانين الجسد، لدرجة أنه لا يعلم هل هي في الجسد أم خارجه، وغير خاضة للحواس، فقد سمع كلمات لا يُنطَق بها، والسمع هنا غير السمع الطبيعيّ الماديّ الخاص بطبيعتنا، بل هنا خبرة روحية صرف لا تمت بصلة لمعرفة الحواس المادية الخاضعة للزمان والمكان، بل هي خبرة روحية غير مادية وغير حسية بحواس روحية أخرى تفوق الطبيعة وتلائم طبيعة السماء والعالم الروحانيّ كالتالي: ”أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا“ (2كو 12: 2-4).
ويُؤكِّد بولس الرسول على أن الذي أعدَّه الله لمختاريه لا يخضع لخبرة الحواس، ولا يخضع لقوانين الزمان والمكان، فهو غير مرئيّ وغير مسموع، ولم يخطر على عقل بشريّ خاضع للتجربة الحسية والمكانية قائلاً: ”مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ“ (1كو 2: 9).
ويرى يوحنا الرسول أن الحالة التي سنكون عليها هي سر، ولكننا نعلم أننا سنكون مثله متى أُظهِرَ، وأننا سنراه كما هو في مجده الإلهيّ وبهائه وهذا سر روحيّ غير خاضع لقوانين الزمان والمكان، بل يفوق الطبيعة والزمان والمكان كالتالي: ”أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ“ (1يو 3: 2).
هناك العديد والعديد من النصوص الكتابية التي تؤكد على أن الملكوت والجحيم ليست أماكن جغرافية مادية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل هما خارج قوانين الزمان والمكان، لأنهما لو كانا خاضعان لقوانين الزمان والمكان، لكان من السهل على الحواس المادية إدراكهم، وتحديد موقعهم الجغرافيّ مكانيًا وزمانيًا، وهذا يتعارض مع طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير الحسيّ وطبيعة الملكوت والجحيم الروحية البحتة.
الفصل الثاني: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الآباء الرسوليين
سوف نستعرض في الجزء من بحثنا طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الآباء الرسوليين، وهم خلفاء رسل المسيح، وهم الأساقفة الذين قام الرسل برسامتهم خلفًا لهم على الكنائس التي بشَّروها بالمسيحية، وقبلت المسيح رب ومخلص، وقاموا بتأسيسها في جميع أنحاء العالم القديم المعروف آنذاك.
ق. كليمندس الروماني
الملكوت هو الفرح في الأبدية
يصف ق. كليمندس الرومانيّ حالة الملكوت بأنها حياة وفرح مع الآباء في أبدية بلا حزن قائلاً:
”فلا يحزن الشخص البار عندما يتألم في الزمان الحاضر، لأن ذلك الزمن المبارك ينتظره في الأعالي، ليحيا ويفرح مع الآباء في أبدية بلا حزن“.[1]
ق. أغناطيوس الأنطاكي
الحياة الحقيقية في المسيح
يرى ق. أغناطيوس الأنطاكيّ أن الحياة الحقيقية هي في وجودنا في المسيح يسوع قائلاً: ”الحياة الحقيقية هي في وجودنا في المسيح يسوع“.[2] ويُخاطِب ق. أغناطيوس الأنطاكيّ ق. بوليكاربوس أسقف سميرنا، ويحثه على الوصول إلى الله عن طريق اليقظة كجندي لله، ومن ثمَّ، نوال المكافأة التي هي عدم الفساد والحياة الأبدية كالتالي:
”حتى تصل إلى الله، كن متيقظًا كجندي الله، فإن المكافأة هي عدم الفساد، والحياة الأبدية التي تُؤمِن بها“.[3]
ق. بوليكاربوس أسقف سميرنا
إزالة أوجاع الجحيم
يُشِير ق. بوليكاربوس أسقف سميرنا [أزمير بتركيا حاليًا] إلى إزالة أوجاع الجحيم بسبب تحمُّل المسيح الموت من أجل خطايانا وقيامته بواسطة الله كالتالي:
”وكما أن الأساس الراسخ لإيمانكم، والمشهود به لكم منذ الأزمنة القديمة، لا يزال ثابتًا حتى الآن، ويُثمِر لربِّنا يسوع المسيح، الذي تحمَّل من أجل خطايانا، وتألم حتى الموت، والذي أقامه الله بعد أن أزال أوجاع الجحيم (أع 2: 24)“.[4]
الرسالة إلى ديوجنيتوس
حالة المسكن غير الفاني في السموات
يُؤكِّد كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس على خلود النفس، ويُقارِن بين وجود النفس الخالدة في مسكنٍ أو جسدٍ فانٍ، وبين حالة المسيحيين الذين يعيشون كغرباءٍ بين الأشياء الفانية، ولكنهم يتطلعون إلى المسكن غير الفانيّ في السموات قائلاً:
”وكما أن الروح الخالدة تسكن في مسكنٍ فانٍ، هكذا المسيحيون أيضًا، فإنهم يعيشون كغرباءٍ بين الأشياء الفانية، ولكنهم يتطلعون إلى المسكن غير الفانيّ في السموات“.[5]
أناشيد سليمان
ذوبان الجحيم أمام وجه الرب
تتحدَّث أناشيد سليمان، أحد الكتابات في العصر الرسوليّ، عن ذوبان الجحيم أمام وجه الربِّ عندما نزل إليه، وتبدَّدت ظلمته وتلاشت بنظرةٍ منه، وهكذا أخرج المسيح النفوس من الجحيم ومنحها الحياة غير الفانية كالتالي:
”الهاوية [الجحيم] من أمام وجه الربِّ قد ذابت، وبنظرةٍ منه، تبدَّدت الظلمة وتلاشت. […] هيا اخرجوا أنتم يا مَن كُنتم مظلومين لتنالوا الفرح الدائم وتصيروا مسرورين؛ وبالنعمة تصيروا لنفوسكم وارثين، وللحياة غير الفانية، تصبحوا نائلين“.[6]
الملكوت هو الالتحاف بالمسيح
وتصف الأناشيد حالة الملكوت أنها الالتحاف بالمسيح في العالم الجديد، حيث التمتُّع بعدم الفساد والخلود في زمن التجديد قائلةً:
”أنا هو الديَّان الذي سوف يدينكم بكل تأكيد. أمَّا الذين التحفوا بي، فلن يخيبوا في العالم الجديد، بل سينعمون بعدم الفساد، والخلود في زمان التجديد“.[7]
وتُشِير الأناشيد إلى ضمان الخلاص، وميراث الحياة الأبدية، والعتق من الفساد في المسيح قائلةً:
”فقد صار الخلاص فيه [في المسيح] مكفولاً، وميراث الحياة الأبدية مضمونًا، والذي قَبِلَه، صار من الفساد معتوقًا. هللويا!“.[8]
الفصل الثالث: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الآباء المدافعين
سوف نستعرض في هذا الجزء طبيعة وماهية الملكوت والجحيم كما فهمه وعلَّم بهالآباء المدافعين عن الإيمان المسيحيّ في القرون الأولى للمسيحية.
العلامة أثيناغوراس الأثيني
السكنى مع الله كأرواح سماوية
يُؤكِّد العلامة أثيناغوراس الأثينيّ على أننا عندما نُنقَل من الحياة الحاضرة، فإننا سوف نحيا حياةً أخرى في السماء أفضل من الحياة الحاضرة، ولكنها ليست حياة أرضية أخرى، بل سوف نسكن مع الله كأرواح سماوية، وليس كمخلوقات جسدية حتى لو امتلكنا أجسادًا. وهكذا يُؤكِّد العلامة أثيناغوراس على الحالة غير المادية وغير المكانية للبشر في ملكوت السموات كالتالي:
”فإننا مقتنعون بأننا حين نُنقَل من الحياة الحاضرة فسوف نحيا حياةً أخرى في السماء أفضل من تلك [الحياة]، وليست [حياة] أخرى أرضية، حيث إننا سوف نسكن مع الله كأرواح سماوية، ولس كمخلوقات جسدية حتى لو امتلكنا أجسادًا، وبواسطة معونته لنكون بلا تغيُّر ومُتحرِّرين في أرواحنا من المعاناة“.[9]
ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي
الملكوت هو مجد الله غير الفاني
يتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أنه عندما يدعو الله بالملكوت، فإنه يتحدَّث عن مجده قائلاً: ”وإذَا دعوته الملكوت، فأنا أتحدَّث عن مجده“.[10] ويُوضِّح ق. ثيؤفيلوس حالة القيامة والملكوت بأنها عندما يخلع الإنسان ما هو فانٍ ويلبس عدم الفساد، حينئذٍ سيرى الله بحقٍ قائلاً:
”عندما تخلع ما هو فانٍ وتلبس عدم الفساد (1كو 1: 53). حينئذٍ سترى الله بحقٍ؛ لأن الله يجعل جسدك غير فانٍ مع نفسك. وبعد أن تصبح غير فانٍ سترى وقتها غير الفاني، إذَا آمنت به الآن“.[11]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
المسيح هو الملكوت والجحيم
ويرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ وأسقف ليون بفرنسا في سياق تصويره لمشهد الدينونة الإلهية أن كلمة الله يأتي مُجهِّزًا مسكنًا مُلائِمًا لكُلٌّ من الطرفين، الذين يعيشون في النور، يُعطِيهم أن يتمتعوا بالنور والأمور الصالحة التي يحويها، أمَّا أولئك الذين يعيشون في الظلمة، فيشتركون في كوارثها، وهذه هي حالة الملكوت والجحيم، فالمسيح الله الكلمة هو نفسه الملكوت والجحيم لكلا الطرفين كالتالي:
”وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور. لأن كل مَن يعمل السيئات يُبغِض النور ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله. وأمَّا مَن يفعل الحق، فيأتي إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولةٌ‘ (يو 3: 19-21). إذًا، طالما أنه في هذا العالم يُقبِل بعض الأشخاص بأنفسهم إلى النور، وبالإيمان يُوحِّدون أنفسهم بالله، بينما آخرون يتحاشون النور، ويفصلون أنفسهم عن الله، فإن كلمة الله يأتي مُجهِّزًا مسكنًا مُلائمًا لكُلٌّ من الطرفين. فالذين في النور، يُعطِيهم أن يتمتعوا بالنور وبالأشياء الصالحة التي يحتوي عليها، أمَّا أولئك الذين في الظلمة، فهم يشتركون في كوارثها. ولهذا السبب، يقول إن الذين عن يمينه هم مدعوون إلى ملكوت السموات، أمَّا الذين على اليسار فسيُرسِلهم إلى النار الأبدية، لأنهم حرموا أنفسهم من كُل صلاح“.[12]
الملكوت نور والجحيم ظلمة
يُشِير ق. إيرينيؤس إلى حالة الذين يستمرون في محبتهم لله، هؤلاء يمنحهم الله شركةً معه في الملكوت، لأن الشركة مع الله هي حياة ونور وتمتُّع بكل البركات المذخرة لهم، ولكن كُل الذين يبتعدون عن الله بناءً على اختيارهم الذاتيّ، هؤلاء يُعاقِبهم بالانفصال عن ذاته، لأنهم اختاروا لأنفسهم هذه العقوبة، وهذ هي حالة الجحيم بالنسبة لهم. فالانفصال عن الله هو موتٌ، والانفصال عن النور هو ظلمةٌ، والانفصال عن الله يشمل فقدان كُل البركات التي ذخرها كالتالي:
”وكُل الذين يستمرون في محبتهم لله، هؤلاء يمنحهم شركةً معه، ولكن الشركة مع الله هي حياةٌ ونورٌ وتمتُّع بكُل البركات التي ذخرها لهم. ولكن كُل الذين يبتعدون عن الله بناءً على اختيارهم الذاتيّ، هؤلاء يُعاقِبهم بالانفصال عن ذاته، الذي اختاروا من تلقاء أنفسهم. ولكن الانفصال عن الله هو موتٌ، والانفصال عن النور هو ظلمةٌ، والانفصال عن الله يشمل فقدان كُل البركات التي ذخرها“.[13]
ق. يوستينوس الشهيد
الملكوت روحي غير أرضي
يُشدِّد ق. يوستينوس على أننا نحن المسيحيون لا ننتظر ملكوتًا ماديًا جغرافيًا أرضيًا قائلاً:
”فلو كُنا ننتظر ملكوتًا أرضيًا لكُنَّا أنكرنا أننا مسيحيون حتى لا يتمّ الحكم علينا بالموت، أو كُنَّا قد حاولنا الاختباء منكم حتى نُحقِّق ما نُرِيده. ولكن لأننا لا نضع رجاءنا في هذه الحياة الحاضرة. فنحن لا نُمانِع أن نُقتَل بما أن الموت أمرٌ آتٍ في كل الأحوال“.[14]
الملكوت هو الحياة الأبدية في محضر الله
لذا يرى ق. يوستينوس أن الملكوت هو الحياة الأبدية في حضرة الله، فحضرة الله ليست مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، بل عالم روحانيّ غير ماديّ وغير مكانيّ قائلاً:
”وتعلَّمنا أيضًا أن الله في صلاحه خلق في البدء كُل شيء من مادة غير مُهيأة لأجل الإنسان. وإذَا أثبت المرء بأعماله أنه جدير بخطة الله فسيكون مُستحِقًا لأن يسكن معه ويملك معه ويتحرَّر من كُل فساد وألم. وكما أنه في البدء خلقنا إذ لم نكن؛ هكذا أيضًا نحن نُؤمن أن مَن يختار أن يُرضِي الله فبسبب هذا الاختيار سيكون مُستحِقًا للحياة الأبدية في حضرة الله“.[15]
الجحيم حالة الوعي بالعذاب
يُؤكِّد ق. يوستينوس على أن الجحيم هو حالة الوعي والإدراك للعذاب التي تنتظرها الأرواح الحية الخاطئة قائلاً:
”ارجعوا إلى نهاية كُلٌّ من الأباطرة السابقين، وتأملوا كيف ماتوا كسائر البشر، الأمر الذي إذَا كان يؤدي إلى الراحة يكون وكأنه هديةٌ لجميع الخطأة. ولكن بما أنه هناك حالة من الوعي والإدراك تنتظر كُل هؤلاء الذين كانوا أحياءً، وحيث إن العقاب الأبديّ ينتظر الأشرار، فتأكَّدوا أن ما أقوله لكم هو الحق. […] حتى بعد الموت تظلُّ الأرواح في حالة وعي وإدراك“.[16]
حال الأبرار وحال الأشرار
ويُشِير ق. يوستينوس إلى نفس المعنى السابق مُفرِّقًا بين حالة أرواح الأشرار من العقاب، وبين حالة السعادة التي يحياها الأبرار قائلاً:
”كذلك عندما نُؤكِّد أن أرواح الأشرار ستكون موجودةً بعد الموت تلقى عقوبة بعد الموت بوعي وإدراكٍ، في حين تنجو أرواح الأبرار من العقاب وتحيا في سعادة“.[17]
ق. كليمندس الإسكندري
الله لا يعاقب بل يؤدب
يُؤكِّد العلامة كليمندس الإسكندريّ على أن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ، ولكنه يُؤدِّب من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم جماعيًا وفرديًا كالتالي:
”لأن هناك تقويمٌ جزئيّ، يُسمَّى التأديب، والذي يتكبده الكثيرون منَّا عندما نبتعد بالمعصية عن شعب الربِّ. ولكن كأطفال يُؤدَّبون من مُعلِّميهم، أو والدهم، هكذا نحن أيضًا من قِبَل العناية الإلهية. ولكن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ. ومع ذلك، هو يُؤدِّب، من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم، جماعيًا وفرديًا“.[18]
الله نور الأبرار ونار الأشرار
ويُوضِّح العلامة كليمندس أن الله وكلمته وُصِفَ مجازيًا في الكتاب المقدَّس بأنهما نورٌ ونارٌ، فالله هو نورٌ للأبرر ونارٌ للأشرار قائلاً:
”وأن الله وكلمته قد وُصِفَ مجازيًا بواسطة الكتاب المقدَّس بالنار والنور“.[19]
الله هو الدينونة والرحمة
ويستطرد العلامة كليمندس في نفس السياق، مُؤكِّدًا على أن الله لديه القوة نفسها في الدينونة والعقوبة وفي نفس الوقت الرحمة والأمانة كالتالي:
”إذ قيل: ’لأنه رؤوفٌ يغفر الإثم ولا يُهلِك وكثيرًا ما ردَّ غضبه ولم يُشعِل كل سخطه‘ (مز 78: 38). وأنظر كيف يكون عدل المعلِّم، عندما يستخدم العقاب، وكيف يتَّضح ويظهر صلاح الله عندما يتراءف ويرحم. وحيث يعلم داود – أي الروح من خلاله – بالجانبين كليهما ينشر عن الله ذاته ’العدل والحقّ قاعدة كرسيك. الرحمة والأمانة تتقدَّمان أمام وجهك‘ (مز 89: 14). وإذ يُعلِن أن القوة ذاتها لها أن تدين وتُعاقِب، وأن تكون رحمةً، لأن لها السيطرة على كلا الاثنين، وتُفرِز الدينونة ما هو حقٌّ مما هو نقيضه. والله الحقّ هو عادلٌ وصالحٌ، وهو الكل في الكل، لأنه هو الله، وهو وحده الله“.[20]
الفصل الرابع: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الثالث
سوف نستعرض الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم كما فهمه آباء الكنيسة في القرن الثالث.
العلامة أوريجينوس الإسكندري
الحياة الأبدية هي معرفة الله والمسيح
يرى العلامة أوريجينوس الإسكندريّ أن جوهر الحياة الأبدية يتألَّف من معرفة الله ويسوع المسيح قائلاً:
”لكن الآن دعَّنا نر ماذا يُعطَى مَن يطلبون هذه الأشياء. يقول: ’الحياة الأبدية‘. ويُعلِّمنا المخلِّص عن هذه الحياة عندما يقول: ’وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته‘ (يو 17: 3). بهذه الكلمات يُعرِّفنا أن جوهر الحياة الأبدية يتألف من معرفة الله ويسوع المسيح. لكن كيفية اقتنا ء معرفة الله هو ما تعلَّمناه في سفر المزامير حين يقول: ’كفوا واعلموا أني أنا الله‘ (مز 46: 10)“.[21]
التغرب عن الحياة الأبدية
ويُؤكِّد العلامة أوريجينوس على نفس المعنى مُشِيرًا إلى أن أيّ أحد لا يعرف أبا ربنا يسوع المسيح، الإله الحقيقيّ وحده، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية كالتالي:
”هل تود أن تعرف أنه لا أحد يملك الحياة الأبدية سوى مَن يؤمن بالمسيح فقط؟ إذًا، لتسمع صوت المخلِّص نفسه يقولها بوضوحٍ في الأناجيل: ’وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته‘ (يو 17: 3). لذلك فأيّ أحد لم يعرف أبا ربّنا يسوع المسيح، الإله الوحيد الحقيقيّ، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية . بلا شك، هذه المعرفة ذاتها وهذا الإيمان يُوصَفان في هذا النص بالحياة الأبدية. إذًا، المكانة الأولى تخص المسيحيين الذين ستُعطَى لهم الحياة الأبدية؛ لأنهم يطلبون المجد والكرامة وعدم الفساد بالجهاد في الأعمال الصالحة. وهذه بالتأكيد نفس الحياة الأبدية التي تقول: ’أنا هو الطريق والحق والحياة‘ (يو 14: 6). لكن في المسيح، الذي هو الحياة الأبدية، يوجد الملء الكامل للصالحات (كو 1: 19)“.[22]
الحياة الأبدية الخيرالأسمى
ويُشدِّد العلامة أوريجينوس على أن الحياة الأبدية هي الخير الأسمى، وأن هذه الحياة الأبدية هي أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح كالتالي:
”لكن تأمل الآن مَن يُدافِع عن حق الله، ومَن هو فيلسوف بحسب المسيح، الذي هو حق الله وحكمة الله (1كو 1: 24؛ يو 14: 6)، كيف يعلم الناس أن الخير الأسمى هو الحياة الأبدية. فضلاً عن ذلك، هذه هي الحياة الأبدية أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح (يو 17: 3)“.[23]
ق. غريغوريوس العجائبي
غاية البشر التشبه بالله
يُشِير ق. غريغوريوس العجائبيّ إلى أن غايتنا النهائية نحن البشر تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه ونخلد فيه قائلاً:
”أعتقد أن غايتنا النهائية تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه، ونخلد [أو نسكن] فيه“.[24]
التأله غاية الإنسان النهائية
يرى ق. غريغوريوس العجائبيّ أيضًا أن فضيلة الألوهة بحسب القدماء هي نفسها فضيلة البشر، فإذَا اكتسبت الروح مهارة تأمل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه قائلاً:
”أصاب القدماء في اعتبارهم، أن في تلك الوصية، تعبيرًا عن الدور الخاص للفطنة البشرية، لأن فضيلة الألوهة (وبحسب رأيهم) هي نفسها فضيلة البشر. فإذَا ما اكتسبت الروح مهارة تأمُّل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه“.[25]
فهل التألُّه والتشبُّه بالله يكون في مكان ماديّ جغرافيّ محدَّد الأبعاد كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالأمور الروحية والعالم الروحانيّ غير الماديّ؟!
ق. ميثوديوس الأوليمبي
الرؤيا الإلهية الطوباوية
يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على أننا سوف ننال الفهم الدقيق والكامل لما يتعلق بالثالوث القدوس، الذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث تُشاهِد أهيه، الله الكائن، مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا كالتالي:
”وألف ومئتان وستون يومًا، التي نقضيها هنا أيتها العذارى، هي الفهم الدقيقو الكامل فيما يختص بالآب والابن والروح القدس، والذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج خلال هذا الوقت؛ حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث لا تعود تُفكِّر في ’أهيه‘ (خر 3: 14) من خلال وسائل المعرفة الإنسانية، لكنها تُشاهِده مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا“.[26]
مظاهر الحياة الملائكية في السماء
يُوضِّح ق. ميثوديوس مظاهر الحياة الملائكية السمائية في الملكوت، حيث يرى أنها تخلو من الأمور، التي تبدو عظيمة على الأرض، ولكنها ضئيلة جدًا هناك، مثل: الثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب. فهؤلاء الذين يحلقون عاليًا نحو السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، يحلقون إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود، وتستقبلهم الملائكة بالفرح كالتالي:
”لكن أولئك الذين بأجنحةٍ خفيفةٍ يرتفعون إلى الحياة السماوية، ويرون من بعيد ما يعجز الآخرون عن رؤيته – مروج الخلود – حاملين كثير من زهور الجمال الذي لا يُدرِكه العقل، يُحوِّلون أنفسهم مرةً أخرى إلى المناظر هناك. ولهذا السبب، فإن هذه الأشياء التي تُعتبَر عظيمةً هنا، تبدو لهم ضئيلةً جدًا، كالثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب؛ فلا يعودوا يُفكِّرون في مثل هذه الأمور. […] والآن ليس صحيحًا، أن أجنحة البتولية بطبيعتها تنجذب نحو الأرض، بل تُحلِّق عاليًا إلى السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة. وأيضًا بعد دعوتهم ورحيلهم – أولئك الذين بحقٍ وإيمانٍ جاهدوا كبتوليين من أجل المسيح – يحملون جائزة الانتصار، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود. لأنه بمُجرَّد رحيل أرواحهم عن هذا العالم، يُقَال إن الملائكة تستقبلهم بالفرح، وتُوصِّلهم إلى المروج السابق الحديث عنها، والتي كانوا يشتاقون إلى المجيء إليها، مُفكِّرين فيها من بعيد، عندما كانوا يسكنون أجسادهم بدت سماوية أمامهم“.[27]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
الانفصال عن الله أعظم عقاب للبشرية
يرى ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن ترك الإنسان بلا عناية وبلا افتقاد من الله هو أعظم عقاب لذنوبه الجسيمة قائلاً:
”أن يُترَك [الإنسان] بلا عناية وبلا افتقاد من الله، وأن نصير يتامى ومتروكين، فهذا هو أعظم عقاب لذنوبنا الجسيمة التي تجعلنا غرباء في الحال“.[28]
الفصل الخامس: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الرابع
سوف نفحص في هذا الجزء الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء الكنيسة في القرن الرابع، أو آباء العصر الذهبيّ، كما يُطلَق عليهم في الأوساط اللاهوتية الأكاديمية.
ق. أثناسيوس الرسولي
الملكوت الداخلي
يرى ق. أثناسيوس أن ملكوت المسيح وسيادته قد تحقَّقت فينا، فهو يرى أن الملكوت قد تحقَّق فينا في داخلنا بسكنى الله داخلنا بالروح القدس، فهل سُّكنى الله بداخلنا هو سكنى مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! حيث يقول التالي:
”إذًا، فبطرس بالأحرى – ما كان يقصد بهذه الكلمات أن جوهر الكلمة مخلوق؛ لأنه يعرف أنه ابن الله، إذ أنه قد اعترف قائلاً: ’أنت هو المسيح ابن الله الحيّ‘ (مت 16: 16)، ولكنه يقصد بها ملكوته وسيادته التي تحقَّقت وصارت فينا بحسب النعمة“.[29]
الملكوت رفعة والجحيم تدني
يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الملكوت هو رفعة وتمجيد وارتفاع لنا، بينما الجحيم هو رقاد وموت تحت الأرض، فالمعنى هو الملكوت هو ارتفاع وتمجيد، والجحيم هو تدني وتذلل كالتالي:
”فلو لم يكن الرب قد صار إنسانًا، لما كان في وسعنا أن نُفتَدى ونتحرَّر من الخطيئة، وأن نقوم من بين الأموات، بل لبقينا أمواتًا تحت الأرض، ولما كنا لنُرفَع ونُمجَّد إلى السماء، بل لرقدنا في الجحيم“.[30]
ق. أنطونيوس الكبير
الامتلاء بالروح وجسد القيامة الروحاني
يرى ق. أنطونيوس أن الجسد يتطهَّر ويأخذ ملء الروح وينال نصيبًا من الجسد الروحاني العتيد أن يكون في قيامة الأبرار كالتالي:
”النتيجة تغيير وتجلي الجسد، وبذلك يتغيَّر الجسد كله ويتجدَّد ويصبح تحت سلطان الروح. وأعتقد أنه عندما يتطهَّر كل الجسد ويأخذ ملء الروح، فإنه بذلك يكون قد نال بعض النصيب من ذلك الجسد الروحانيّ العتيد أن يكون في قيامة الأبرار“.[31]
حلول اللاهوت في البشر
يُشِير ق. أنطونيوس إلى حالة الأبرار سواء هنا على الأرض أو في السماء بعد حلول اللاهوت فيهم قائلاً:
”هؤلاء يحلُّ فيهم اللاهوت، ويُغذِّي نفوسهم بالفرح، وهذا الفرح يغني النفس، ويجعلها تنمو كثيرًا. لأنه كما أن الأشجار لا تنمو إنْ لم تشرب من الماء، هكذا أيضًا النفس فهي لا تستطيع أن تنمو وتصعد إلى العلاء، إنْ لم تقبل الفرح السماويّ. ومِن بين الذين يقبلون الفرح السماويّ، فهناك قليلون يُعلِن الله لهم الأسرار التي في السماء، ويُرِيهم مواضعهم السماوية بينما هم لا يزالون في الجسد. ويكون لهم دالة أمامه، ويُعطِيهم كل ما يطلبونه“.[32]
ق. كيرلس الأورشليمي
حالة الملكوت والجحيم
يُفرِّق ق. كيرلس الأورشليميّ بين حالتي الملكوت والجحيم، حيث يرى أن القيامة عامةٌ للجميع، ولكنها ليست متشابهة للجميع، فالجميع يستلم أجسادًا أبديةً، لكنها ليست متشابهةً. فالبعض يتقبلها خلال الأبدية مرتبطين بجوقات الملائكة، وأمَّا الأشرار فيتقبلونها لاحتمال عذابات خطاياهم كالتالي:
”ومع أن القيامة عامةٌ للجميع، لكنها ليست مُتشابِهةً بالنسبة للجميع. يستلم الجميع أجسادًا أبديةً، لكنها ليست مُتشابِهةً. فالبعض يتقبلها خلال الأبدية مُرتبِطين بجوقات الملائكة، وأمَّا الأشرار فيتقبلونها لاحتمال عذابات خطاياهم“.[33]
المسيح هو الملكوت والجحيم
ويرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن المسيح سيأتي في مجيئه الثاني مثل النار الممحصة، وسيجلس ممحصًا ومنقيًا قائلاً:
”أمَّا عن مجيئه الثاني فيقول: ’وملاك العهد الذي تسرون به هوذا يأتي قال الربُّ القادر على كل شيء. ومَن يحتمل يوم مجيئه؟! ومَن يثبُت عند ظهوره؟! لأنه يأتي مثل نار الممحص، ومثل أسنان القصار، وسيجلس ممحصًا ومنقيًا‘. بعد هذا يقول المخلِّص نفسه: ’واقترب إليكم للحكم، وأكون شاهدًا سريعًا على السحرة، وعلى الفاسقين، وعلى الحالفين لاسمي زورًا …‘ (مل 3: 5). لهذا السبب يُحذِّرنا بولس قائلاً: ’إنْ كان أحدٌ يبني على هذا ذهبًا، فضةً، حجارةً كريمةً، خشبًا، عشبًا، قشًا، فعمل كل واحدٍ سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيُبيِّنه، لأنه بنارٍ يُستعلَن‘ (1كو 3: 12، 13)“.[34]
ويُوضِّح ق. كيرلس الأورشليميّ أن المسيح نفسه هو الملكوت والجحيم في سياق تصويره لمجيء الرب من السماء على السحاب، حيث هتاف الأبواق الملائكية، وقيامة الأموات في المسيح، واختطاف الأبرار أولاً إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية، بينما يكون مجيء المسيح نفسه مُخيفًا مثل النار لاختبار عمل كل أحد، فلو وجده ذهبًا فيلمع، ولو وجدته قشًا فيحترق بالنار كالتالي:
”لنتطلع إلى مجيء الربِّ من السماء على السحاب ونترقبه، ستُصوِّت الأبواق الملائكية، حينئذٍ ’الأموات في المسيح سيقومون أولاً‘ (1تس 4: 16). وسيُختطَف الأبرار الصالحون إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية. […] مُخيفٌ هو مجيء مُخلِّصنا، إذ يقول داود: ’يأتي إلهنا ولا يصمت، نارٌ قدامه تأكل وحوله عاصفٌ جدًا‘ (مز 50: 3 لآساف). يأتي ابن الإنسان للآب كما يقول الكتاب الذي قُرِأ ’على سحاب السماء‘ وبالقرب منه ’نهر نار‘ (دا 7: 10)، لاختبار أعمال كل أحدٍ. فإنْ وُجِدَت ذهبًا تلمع، وإنْ كانت قشًا تحترق بالنار“.[35]
ق. يوحنا ذهبي الفم
حالة الملكوت والجحيم
يصف ق. يوحنا ذهبيّ الفم في سياق مدحه لمدى محبة بولس الرسول للربِّ يسوع المسيح، كيف يرى بولس الرسول أن فقدان محبة المسيح هي جُهنم، والعذاب، وأن سعادته الحقيقية هي في الحصول على هذه المحبة، فهذا هو الملكوت بالنسبة له قائلاً:
”فإنه [بولس الرسول] كان يملك في ذاته أغنى الكنوز، محبة المسيح: مع هذه المحبة كان يَعدُّ نفسه أسعد كل البشر، بدون هذه المحبة لم يكن يطمح إلى أن يكون له مقام في مصفِّ السيادات والرئاسات والقوات؛ […] لم يكن في نظره إلا عقوبة واحدة: فقدان هذه المحبة. هذا هو جُهنم، هذا هو العذاب، هذه هي الشدائد التي لا يُحصَى لها عدد؛ كما أن سعادته العظمى هي الحصول على هذه المحبة: هذا هو الحياة، هذا هو العالم بأسره، هذا هو نصيب الملائكة، وهذا هو الحاضر، هذا هو المستقبل، هذا هو هو الملكوت، هذا هو الموعد، هذا هو فيض الخير“.[36]
الحالة النفسية المأساوية في الجحيم
ويستطرد ذهبيّ الفم في نفس السياق مُؤكِّدًا على الحالة النفسية المأساوية التي يُعانِي منها الذين هم في الجحيم قائلاً:
”كيف ستكون الحالة النفسية التي لأولئك عندما يرون أن هناك مَن سيُؤخَذ بعيدًا بكرامةٍ كبيرةٍ، بينما الآخرون سيُترَكون في خزي كبير؟ صدقوني، إنه من غير الممكن أن أعرض للألم الذي سيكون بالكلام. هل رأيتم أناسًا يأخذونهم لكي يُقدِّموهم للموت؟ كيف تتصوَّرون حالتهم النفسية، عندما يسيرون في الطريق المؤدي إلى النار؟ ألا يكون لديهم الاستعداد لتحمُّل أنواع الآلام غير المقبولة لديهم، حتى يتخلصوا من تلك الظلمة؟ لقد سمعت كثيرين من هؤلاء، أنه بسبب محبة الملك للبشر، بعدما أخذوهم، أرجعوهم ثانيةً، فوصفوا حالتهم، وقالوا إنهم لم يكونوا يرون البشر كبشر، بل إن نفوسهم كانت مُضطرِبةً وهائجةً. […] لأنه حتى وإنْ لم يكن هناك جهنم، فكوننا نُلقَى بعيدًا عن هذا البهاء، وهذا المجد، وأن نبقى بلا كرامة، أفلا يُعدّ هذا عقاب لا حدود له؟“.[37]
الجحيم هو الانفصال عن الله
ويُشدِّد ذهبيّ الفم على نفس الأمر في موضع آخر، حيث يرى أن الجحيم هو حالة الانفصال عن الله، وهي حالة نفسية قاسية مأساوية جدًا، للأسف يستهين بها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعمى روحيّ شديد، وكأنهم يستهينون بهذه الحالة القاسية التي لا تضاهيها أية حالة قاسية أخرى هنا في هذه الحياة قائلاً:
”وحتى إنْ لم يوجد هناك جحيم، فيجب أن نُفكِّر كم سيكون العقاب عظيمًا عندما تُطرَد بعيدًا عن الله وتذهب مُهانًا من أمامه. فإنْ كان أولئك الذين لا يرون نور الشمس يحيون حياةً أكثر مرارةً من الموت، فينبغي علينا نحن أن نُفكِّر فيما سنُعانِي منه إذَا ما حُرِمنا من النور الحقيقيّ؟ ولأيّ سبب نحيا ونتنفس ونُوجد، عندما لا نرى الله؟ فإنْ كان واحد من الذين تربوا هنا من بين العائلات الغنية، إذَا حُبِسَ في السجن، فإنه سيَعتبر رائحة السجن الكريهة والظلام الذي يوجد فيه، لهو أمرٌ أسوأ من الموت. تأمل ماذا سيكون عندما نحترق هناك مع أشرار المسكونة كلها بدون أن نراهم أو يروننا، مُتخيلين أننا بمفردنا، برغم من وجودنا بين هذا الحشد الكبير. الظلمة وغياب النور سوف لا يجعلنا نُميِّز أولئك الذين سوف يوجدون بالقرب منَّا، لكن كُل واحد سيكون له انطباع خاص به وسيُعانِي بمفرده“.[38]
الحرمان من المسيح أعظم جحيم
وهكذا يرى ذهبيّ الفم أن الأسوأ من الكل هو حرمان المؤمن من مجد المسيح، فإنْ كان الجحيم وجُهنم غير محتملين بالطبع، ولكن إنْ أضفت آلاف الجحيمات، لن تستطيع أن تُعبِّر عن كم هو مُرعِب أن يفقد الإنسان مجد المسيح، ويبتعد عن المسيح، ويشيح المسيح بوجهه الحلو عنَّا، وعيونه الجميلة لا تطيق أن ترانا كالتالي:
”إن بولس، الذي يعرف كُل الأمور الحسنة، لطالما يقول إن الأسوأ من الكُل هو أن يُحرَم المؤمن من مجد المسيح. هذا ما سنعرفه حقًا عندما نبتلي بهذه المصيبة. بالتأكيد، نحن نطلب من ابن الله الوحيد ألا نُعانِي أبدًا من مثل هذه الكارثة، وألا نذوق هذا العقاب الذي لا يستطيع الخاطئ أن يهرب منه. الجحيم وجُهنم هما غير مُحتمَلين بالتأكيد، ولكن إنْ أضفت آلاف الجحيمات، لن تستطيع أن تُعبِّر عن كم هو مُرعِبٌ أن يفقد الإنسان مجد المسيح، وتبتعد عن المسيح، وتسمع من فمه عبارة: ’لست أعرِفكمُ‘ (مت 21: 52)، ونُدَان بأننا رأيناه جوعانًا ولم نُعطِه ليأكل. أن تسقط فوق رؤوسنا آلاف الصواعق، أفضل، من أن يشيح المسيح بوجهه الحلو عنَّا، وعيونه الجميلة لا تطيق أن ترانا“.[39]
ق. باسيليوس الكبير
حالة الفرح وحالة الفزع
يتحدَّث ق. باسيليوس الكبير عن الفرق بين الأبرار الذين يمكنهم الاقتراب من النور الحقيقيّ أي الله، بعد الكشف عن أمورهم المخفية، والأشرار الذين يعيشون حالة من الرعب والفزع برؤية خطاياهم وأفعالهم الشائنة التي في نفوسهم من خلال ذاكرة النفس الباقية للأبد كالتالي:
”طوبى للإنسان الذي عندما يأتي الرب في يوم دينونته العادلة، ويثير خفايا الظلام، ويُظهِر أفكار القلوب، هذا سيجرؤ على الوقوف تحت نور فاحص القلوب وسيأتي دون خجل، لأنه يحمل ضميرًا نقيًا وخاليًا من الأعمال الشريرة. لأن أولئك الذين فعلوا السيئات سيقومون، لكي يُدانوا ويخجلوا ناظرين للأفعال الشائنة التي في نفوسهم، وآثار خطاياهم التي ارتكبوها، وربما الأفعال الشائنة هي أكثر رعبًا وفزعًا من الظلمة والنار الأبدية، التي مزمع أن يكون فيها الخطاة معًا إلى الأبد، وستكون آثار خطاياهم التي ارتكبوها بالجسد أمام أعينهم على الدوام، والتي تبقى في ذاكرة النفس إلى الأبد كصبغة لا يمكن إزالتها. إن قليلين هم الذين سيمكنهم الاقتراب من النور الحقيقي، وسيُكشَفون أمامه، وبعد كشف الأمور المخفية، لن يأتوا بوجوه مخزية“.[40]
المسيح هو الملكوت والجحيم
يُشِير ق. باسيليوس إلى أن الربَّ هو الملكوت والجحيم، ومنه تخرج قوتان للنار، القوة الحارقة التي تحرق الشيطان وملائكته والأشرار، والقوة المنيرة المشرِقة التي تُعطَى للأبرار قائلاً:
”إن صوت الربِّ يقطع الاستمرار الطبيعيّ للنار ووحدة هذه النار. بالرغم من أنه من الواضح، وفقًا للمنطق الإنسانيّ، أن النار لا تتجزأ، ولا تتفرق، لكن بأمر الربِّ تنقطع وتتفرق. أعتقد أن هذه هي النار المعدَّة لعقاب الشيطان وملائكته، فالنار تنقطع بصوت الربِّ. حتى أن هناك قوتين للنار، القوة الحارقة، والقوة المنيرة المشرِقة، الأولى تُلهِب وتحرق، وتستمر قوة النار العقابية لأولئك الذين يستحقون أن يُحرقوا، أمَّا القوة المنيرة والمشرِقة، فهي تُعطَى للأبرار كميراث لأجل فرح ومسرة أولئك الذين سيبتهجون. إذًا، ’صوت الربِّ يقطع لهيب النار‘، وتتفرق، حتى أن نار الجحيم تُصبِح ظلامًا، وأمَّا في موضع الراحة، فالنور لا يحرق“.[41]
ق. غريغوريوس النزينزي
الملكوت نور والجحيم ظلام
يُوضِّح ق. غريغوريوس النزينزيّ أيضًا الفرق بين الملكوت وهو نور للمطهَّرين في أذهانهم، حيث يتحدَّث عن حالة ذهنية، وكذلك مُعاينة الله لكل واحد على قدر طهارته، والجحيم والعقاب هما حالة الظلام عن الحق، والتغرُّب عن الله والعمى كالتالي:
”فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وأفهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهَّرين في أذهانهم، أعني أنهم سيرون الله، وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نُسمِّيه الملكوت السماويّ، وأفهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جدة الحق والصواب، أيّ تغرُّب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى“.[42]
المسيح هو الملكوت والجحيم
ويُميِّز النزينزيّ بين الملكوت والجحيم بإعطاء مثال الشمس التي تُعطِي ضوءًا للنظر السليم وليس للأعين المريضة، فليس العيب في الشمس، بل في حالة العين، هكذا المسيح الواحد هو نفسه الملكوت والجحيم في نفس الوقت، لأنه عند مجيئه الثاني ”يُمثِّل عثرةً وقيامةً: عثرةٌ لغير المؤمن، وقيامةٌ للمؤمن“.[43]
ويُؤكِّد النزينزيّ على نفس الفكرة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح، أقنوم الكلمة، هو مُخيفٌ بطبيعته لكل مَن هم بطبيعتهم غير مُستحقين، ولكنه بمحبته للبشر، أهَّل الذين استعدوا بالتنقية، وطردوا الأرواح المادية الشريرة من نفوسهم وزيَّنوها بالمعرفة الصافية، أهَّلهم أن يكونوا مواضع سُكنى له كالتالي:
”إن الكلمة المسيح مُخيف بطبيعته لكُل مَن هم بطبيعتهم غير مُستحقين، لكنه، بمحبته للبشر، أهَّل الذين استعدوا بالتنقية، وطردوا الأرواح المادية الشريرة من نفوسهم، وزيَّنوها بالمعرفة الصافية، أهَّلهم أن يكونوا مواضع سُّكنى له“.[44]
ق. غريغوريوس النيسي
دحض مكانية الملكوت أو الجحيم
ينفي ق. غريغوريوس النيسيّ على لسان أخته ق. ماكرينا أن تكون حالة النفس بعد حياة الجسد في مكان، لأن الوجود في المكان هو من خصائص الأجساد فقط، بينما النفس غير مُقيَّدة بمكان كالتالي:
”ماكرينا: وطالما أن الاعتراض لا يهز عقيدتنا الأساسية فيما يتعلق بوجود النفس بعد الحياة في الجسد، فإن حديثنا لن يدخل في جدل حول المكان، لأننا نتمسك بأن الوجود في مكان هو من خصائص الأجساد فقط، ولأن النفس ليست بجسم، فهي بحكم طبيعتها غير مُقيَّدة على كل حال بأيّ مكان“.[45]
ويصف النيسيّ حضن ابراهيم في مثل الغني ولعازر، والذي يُعتبر أحد مسميات الملكوت، على أنه الحالة الجيدة للنفس على لسان أخته ق. ماكرينا قائلاً:
”ماكرينا: لهذا السبب يبدو لي أن الحالة الجيدة للنفس التي يشير الكتاب المقدَّس إليها بحضن إبراهيم هي راحة تُعطَى إلى الرياضي الذي يصبر طويلاً“.[46]
طبيعة الملكوت والجحيم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل السادس: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الخامس
سوف نستعرض في هذا الجزء من بحثنا الإشارات إلى طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الخامس، وهل فهموا طبيعة الملكوت والجحيم أنها حالة ذهنية نفسية أم مكان ماديّ جغرافيّ؟
ق. كيرلس الإسكندري
المسيح هو الملكوت والجحيم
يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن المسيح نفسه هو الملكوت والجحيم، فهو الحياة الأبدية، الذي يُحِيي أولئك المؤمنين به، إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة ويسكن فيهم بالإيمان، أمَّا غير المؤمن فسوف يقوم بحسب ناموس القيامة العام، لكنه لن يرى حياةً، فلن يُنعِم أبدًا حتى بمُجرَّد رؤيا حياة القديسين، ولن يلمس غبطتهم، بل يبقى محرومًا من تذوق حياتهم الطوباوية، لأنه هذه هي الحياة بالحقيقة، لكن بقاء المرء في عقتبٍ لهو أكثر مرارةً من كل موت، وإذ تكون نفسه حبيسةً الجسد فقط لتُعانِي الآلام كالتالي:
”لأن الابن الوحيد هو بالطبيعة الحياة، ’لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28)، لكنه يحلُّ فينا بالتأكيد من خلال الإيمان ويسكن فينا بالروح القدس، وسيشهد الطوباويّ يوحنا الإنجيليّ قائلاً في رسائله: ’بهذا نعرف أننا نثبُت فيه وهو فينا: أنه قد أعطانا من روحه‘ (1يو 4: 13)، إذًا، فالمسيح سيحيي أولئك الذين يؤمنون به، إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة، وهو يسكن فيهم. […] وبما أنه بالإيمان به يدخل ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة فينا، كيف لا يكون صادقًا بقوله: ’الذي يؤمن بالابن له حياةً أبديةً‘؟ أي أن الابن ذاته، ولا آخر سواه هو الذي نعرف أنه هو الحياة. […] لأنه يقول عن المؤمن أنه سينال ’حياةً أبديةً‘، أمَّا عن الذي لا يؤمن، فإن للكلمة مغزى آخر مختلفًا، لأنه لم يقل أنه لن ينال حياةً، بل سيقوم بواسطة ناموس القيامة العام، لكنه يقول عنه إنه لن يرى حياةً، أي أنه لن ينعم أبدًا حتى بمُجرَّد رؤية حياة القديسين، ولن يلمس غبطتهم، بل يبقى محرومًا من تذوق حياتهم الطوباوية، لأنه هذه هي الحياة الحقيقية، لكن بقاء المرء في عقابٍ لهو أكثر مرارةً من كل موت، وإذ تكون نفسه حبيسة الجسد فقط لتعانِي الآلام. […] ألا يجدر بنا هنا أيضًا أن نقول أنه يشير إلى حياة القديسين؟ لكني أظن أن هذا جليّ أمام الجميع، لأنه في الواقع لم يحث البعض على ترك الشرّ، حتى ينالوا قيامة الجسد بعد الموت، لأنهم سيقومون ثانيةً حتى إنْ لم يكفوا عن الشرّ، بل أنه يحضُّهم بالأحرى على طلب تلك الحياة، حيث يرون أيامًا صالحةً على الدوام، ويقضون حياةً لا تنتهي في غبطةٍ ومجدٍ“.[47]
رمزية مثل الغني ولعازر
ويرى ق. كيرلس أن مثل الغني ولعازر هو مُجرَّد مثل مطروح بصورةٍ أدبيةٍ جميلةٍ، وقد ذكر الربُّ هذا الأمر كمُجرَّد مثال لكي يجعل حديثه مفهومًا، رافضًا رفضًا تامًا حدوث الدينونة قبل نزول المسيح من السماء، وقبل حدوث قيامة الأموات، وقبل حدوث الدينونة والمجازاة عن الأعمال كالتالي:
”يقول الكتاب المقدَّس إن الدينونة سوف تصير بعد قيامة الأموات. لكن القيامة لن تحدث، لو لم يأت المسيح أولاً إلينا، مُحاطًا بمجد الآب مع الملائكة القديسين. […] إذًا، طالما لم ينزل ديَّان الجميع بعد من السماء، ولم تصر بعد قيامة الأموات، بالتالي، كيف لا يكون سخيفًا أن نُفكِّر بأن المجازاة صارت بالفعل للبعض سواء كانوا أشرارًا أم صالحين؟ أمَّا كل ما يقوله المسيح عن الغني ولعازر، فهو مُجرَّد مَثل مطروح بصورةٍ أدبيةٍ جميلةٍ. حسنًا يقول المثل – كما يذكر تقليد العبرانيين – إن لعازر كان وقتذاك يعيش في أورشليم، حيث كان يُعانِي فقرًا مدقعًا ومرض. وقد ذكر الربُّ هذا الأمر، آخذًا إياه كمثال لكي يجعل حديثه مفهومًا. وبالتالي، طالما لم ينزل بعد المسيح مُخلِّص الكل من السماء، ولا صارت القيامة، ولا نال البعض مُجازاةً عن أعمالهم، بل كما مِن صورةٍ، يشير إلى مثلٍ لغنيٍ بحياة الرفاهية وبلا رحمة، وآخر فقيرٍ مملوءٍ من الأمراض؛ لكي يُدرِك أولئك الأغنياء على الأرض بأنه إنْ لم يريدوا أن يكونوا نافعين ورحومين ومُحِبين للشركة، وإنْ لم يُظهِروا استعدادهم أن يُعضِّدوا الفقراء المحتاجين، فلسوف يسقطون في دينونةٍ مُخيفةٍ ورهيبةٍ لا مفر منها“.[48]
الفرق بين الملكوت والجحيم
يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا في تفسيره لمثل الغني ولعازر عن الفرق بين الملكوت المدعو في المثل بحضن إبراهيم، والجحيم الذي هو حالة العذاب والخزي والظلمة كالتالي:
”وهو يقول إنَّ لعازر حملته الملائكة القديسون إلى حضن إبراهيم، أمَّا عن الغني فيقول إنه مات ودُفِنَ، لأنه بالنسبة لذلك الغني الذي أظهر نفسه قاسيًا وعديم الرحمة، فإن الانفصال عن الجسد هو موت. فقد خرج من التنعُّم إلى العذاب، ومن المجد إلى الخزي، ومن النور إلى الظلمة. هذه هي الأشياء التي كان على الغني أن يُعانِيها، وهو الذي كان شهوانيًا وبخيلاً وغير ميَّال للرحمة. وما كان يُعذِّبه أكثر وهو في الجحيم أنه رأى لعازر في حضن إبراهيم“.[49]
ق. مكاريوس الكبير
حالة النفس بعد الموت والقيامة
يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى حالة النفس بعد الموت والقيامة واتحادها بالجسد مرةً أخرى قائلاً:
”فلقد ألبسهم الرب ثياب مملكة النور الذي لا يُعبَّر عنه: ثياب إيمانٍ ورجاءٍ وفرحٍ وسلامٍ وصلاحٍ ولطفٍ (غلا 5: 22، 23) وكل ما يتبعها من الثياب الإلهية الحية، ثياب نورٍ وحياةٍ وراحةٍ لا يُنطَق بها، حتى كما أن الله محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، هكذا يصير الإنسان الجديد أيضًا بالنعمة. وكما أن الخطيئة ومملكة الظلمة كلتيهما مخفيتان في النفس حتى يوم القيامة، حيث يتغطى جسد الخطأة هو أيضًا بالظلمة المخفية في النفس منذ الآن؛ كذلك أيضًا مملكة النور والصورة السماوية، أيّ يسوع المسيح، يُنِير النفس سرًا منذ الآن، ويملك داخل نفوس القديسين. ورغم أنه مخفي عن أعين الناس، إلا أنه – أعني المسيح – يُرَى بالحقيقة بأعين النفس فقط، وذلك حتى يوم القيامة، حيث يتغطى الجسد هو أيضًا بنور الرب ويتمجَّد به، ذلك النور الكائن منذ الآن في نفس الإنسان، حتى يملك الجسد هو أيضًا مع النفس التي منذ الآن قد نالت ملكوت المسيح واستراحت في النور الأبديّ واستنارت به. فالمجد لرأفاته وشفقته، لأنه يرحم عبيده وينيرهم ويُنقِذهم من مملكة الظلمة وينعم عليهم بنوره الخاص وبملكوته الخاص، له المجد والسلطان إلى الدهور، أمين“.[50]
ق. إيسيذوروس الفرمي
حالة النفس بعد الموت
ويُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ على حالة النفس في الحياة الأبدية، مُشِيرًا إلى أن الملكوت والجحيم هما حالة وليس مكان كالتالي:
”وأنت بالتأكيد تسأل عن الحالة التي ستكون عليها النفس هناك، وبأيّ طريقة تُحفَظ. أنا أقول لك: تلك التي عاشت في الفضيلة، سوف تنقاد إلى قيامة الحياة، بينما تلك التي عاشت في الشر، سوف تنقاد إلى النار الأبدية (أنظر مت ٢٥: ٤٦)“.[51]
مار أوغريس البنطي
الملكوت الداخلي
ويُشِير مار أوغريس البنطيّ، أحد آباء الرهبنة المصرية العظام، إلى أن ملكوت السماء هو التأمُّل في الكائنات، وإنه موجودٌ في داخلنا، وهكذا لو كان داخلنا مشغولاً بالشياطين، فهذا ما يُعبِّر عنه الكتاب المقدَّس باحتلال الفلسطينين لأرض الموعد قائلاً:
”إذَا كان ملكوت السماء هو التأمل في الكائنات، وإذَا كان الأول طبقًا لأقوال ربّنا هو في داخلنا، وكان داخلنا مشغولاً بالشياطين، فإنه لذلك يُقَال بالصواب إن الفلسطينيين يحتلون أرض الموعد“.[52]
ويرى مار أوغريس أن ملكوت الله هو الروح القدس الذي يأتي ويسكن فينا، وذلك في سياق تفسيره لطلبة الصلاة الربانية ”ليأت ملكوتك“ قائلاً: ”ملكوت الله هو الروح القدس، ونحن نُصلِي لكي ينزل علينا“.[53]
الجحيم حرمان من تأمل الله
بينما يرى مار أوغريس أن الجحيم أو الهاوية هي جهل الطبيعة العاقلة بسبب حرمانها من التأمُّل في الله قائلاً:
”الهاوية [الجحيم] (أم 30: 16) هي جهل الطبيعة العاقلة الناجم عن الحرمان من التأمُّل في الله“.[54]
كما يرى أن النار هي رذيلة الطبيعة العاقلة المدمِّرة لفضائل الله قائلاً: ”النار (أم 30: 16) هي رذيلة الطبيعة العاقلة المدمِّرة لفضائل الله“.[55]
أوغسطينوس أسقف هيبو
حالة الملكوت والجحيم
يُؤكِّد أوغسطينوس على أن الملكوت والحياة الأبدية هي حالة مُعاينة ورؤيا الله التي لا تُمنَح للأشرار كالتالي:
”والآن هذه هي الحياة الأبدية أي تلك المعاينة التي لا تخص الأشرار […] وما هي الحياة الأبدية سوى هذه الرؤيا التي لا تُمنَح للفجار“.[56]
الفصل السابع: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء ما بعد خلقيدونية
سوف نستعرض في هذا الجزء الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء ما بعد مجمع خلقيدونية 451.
ق. ساويروس الأنطاكي
العالم الروحاني غير المادي
يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى خلق الله للعالم العلويّ الروحانيّ غير الماديّ، ويقصد بذلك عالم الملائكة قائلاً:
”إذ هو كاملٌ في كل شيء بطبعه، مُظهِرًا جوده بطريقةٍ فائقةٍ تسمو فوق الكُل، وحينما سُرَّ بذلك، خلق العالم العلويّ والروحانيّ، أعني الملائكة ورؤساء الملائكة الروحانيين غير الماديين، أراد أن يُشرِكها في السعادة وفي النعيم الفائق العظمة الذي ينبع منه بوفرةٍ بسبب سخائه للذين يملكون فيض النعمة حتى يمتلئوا بالنور الباهر الذي ينبثق منه كما من ينبوع، فيُمجِّدونه بغير انقطاعٍ دون أن يشبعوا مُطلقًا بتسابيح سمائية وترانيم البهجة، كما يقول النبي في المزامير: ’هلم نُرنِّم للربّ نهتف لصخرة خلاصنا. نتقدَّم أمامه بحمدٍ وبترنيماتٍ نهتف له‘ (مز 95: 1، 2)، لأنه بالحقيقة عيد ووليمة دائمة أن نُسبِّح الله دون توقف“.[57]
الطبيعة الروحية للعالم السماوي
ويستطرد ق. ساويروس مُؤكِّدًا على الطبيعة الروحانية للعالم السماويّ، ومُفرِّقًا بينه وبين العالم الحسيّ المنظور قائلاً:
”ولمَّا كانت هذه الآفاق بعيدةٌ جدًا ومُنفصِلةٌ، أعني العالم الروحانيّ والعالم المنظور، ولا يوجد بينهما اختلاط أو شركة، فقد خلق [الله] الإنسان بفعلٍ عجيبٍ ووضعه بين الاثنين. […] هكذا يُذكِّر الإنسان حقًا بالعالم المنظور بجسده، وبالعالم غير الماديّ وغير المنظور بروحه؛ وبرؤيته ذاك ’العالم المنظور‘ بعين الروح، يكتشف حكمة الخالق الظاهرة في كُل منهما، ويشعر بالفرح والتهليل، عند تفكيره في أنه يسكن على الأرض مثل ملاك آخر، فيكون في نفس الوقت منظورًا وغير منظور، ويظهر في ذاته أكثر من الملائكة بالعقل الذي لا يمكن فحصه الذي لله الحكيم وحده“.[58]
الأب يوحنا السينائي السلمي
حالة النفس بعد الموت
يصف الأب يوحنا السينائيّ، المعروف بـ ”السلميّ“، حالة النفس بعد انفصالها عن الجسد، حيث يُؤكِّد على أن العقول التي كانت نحو العلويات تصعد إلى العلاء جزئيًا، أمَّا الذين يفتكرون في السفليات، فإلى أسفل ينحطون كالتالي:
”إن الذين عقولهم نحو العلويات، بعد انفصال النفس من الجسد يصعدون إلى العلاء جزئيًا، أمَّا الذين يفتكرون في السفليات، فإلي أسفل ينحطون؛ إذ لا يوجد [بين الاثنين] مكان متوسط. من بين جميع خلائق الله، تُحقِّق النفس [البشرية] وحدها كيانها في شيء آخر وليس في ذاتها؛ وإنه لعجيب حقًا، كيف تستطيع أن تحيا خارج ذاك الذي فيه اقتبلت وجودها“.[59]
مار إسحاق السرياني
حالة الملكوت والجحيم
يُشدِّد مار إسحاق السريانيّ على أن الملكوت والجحيم هما حالتان ليس بينهما حالة متوسطة كالتالي:
”في عملية الفصل التي ستتمُّ في المستقبل، لا توجد حالة مُتوسطة ما بين الحالة الأسمى تمامًا، والحالة المنخفِضة تمامًا. فالإنسان إما أنه يصير بكامله من نصيب الذين يسكنون في الأعالي، أو يصير بكامله من نصيب الذين هم أسفل، غير أنه توجد درجات مُتفاوتة من المجازاة داخل كل حالة من الحالتين على حدة“.[60]
مار يوحنا سابا الدلياتي
الملكوت الداخلي
يرى مار يوحنا سابا الدلياتيّ أن الملكوت هو في داخلنا، داحضًا بذلك فكرة أن الملكوت هو مكانٌ ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد قائلاً:
”بلد النقي النفس هو في داخله، والشمس التي تشرق فيه هي نور الثالوث القدوس. والهواء الذي يتنفسه سكانه هو الروح القدس، الباراقليط. والديريون الذين يعيشون معه هم الجموع المقدَّسة الروحانية. وحياتهم وبلدهم وفرحهم وابتهاجهم هو المسيح ضياء الآب. وذلك المتوحِّد يبتهج برؤية نفسه كل حين، وبجمالها يتعجب، ويفوق حسنه مائة ضعف جمال الشمس. تلك هي أورشليم، وذلك هو ملكوت الله اللذان هما مختبئان في داخلنا (لو 17: 21)، على حد ما يقول ربّنا. هذا هو بلد غمامة مجد الله: أنقياء القلوب فقط (مت 5: 8) يدخلون لرؤية وجه ربّهم، ولكي تستضيء أذهانهم بأشعة نوره“.[61]
جهنم الداخلي
يرى مار يوحنا سابا الدلياتيّ أن مَن آمن يبتهج فلبه بالربّ ويتخلَّص من المبغض، ومَن لا يؤمن فليحتمل جهنمه الداخليّ كما يحبّ. ويُشِير إلى العالم الروحانيّ الذي يسكن فيه الروحانيون، ويعلم لهم الروح في عالمهم الروحانيّ أسراره قائلاً:
”هذه الأمور أراني إياها الربّ بنعمته، أنا النجس أكثر من أيّ بشريّ. وأَذِنَ ليّ أن أكتب. فمَّن سمع وآمن يبتهج قلبه بالربّ، ويتخلَّص من المبغِض. ومَن لا يؤمن فليحتمل جهنمه داخله كما يحبّ. […] بل طوبى له لما هو مزمع أن ينال عطايا من الربّ عوضًا عن ضيقه، هذه العطايا التي ليس لي أن أتكلَّم عليها هاهنا. بل لا يستطيع لابسُ جسد أن يُترجِم أسرار الروح ولا الروحانيون كذلك، في العالم المحسوس. الروح وحده يستطيع أن يُوضِّح لنا أسراره في عالمنا وللروحانيين في عالمهم. لكن الروحانيين، بموجب روحانيتهم، يستطيعون توضيح الأسرار في عالمهم، مثل عالمهم الممجَّد والعجيب الجمالات، الذي نستحقه كُلنا بنعمة المسيح ابن الله، آمين“.[62]
جحيم النفس
ويُشِير الدلياتيّ إلى جحيم النفس المخفيّ داخلها، لأنها حرمت نفسها من التطويبات بفعل هواها الشرير، وهكذا جعلت بينها وبين الملكوت في داخلها سورًا مُظلِمًا قائلاً:
”وأقول بإيجاز إن الصلاة المستديمة هي تسبحة القلب أو النظر المحدِّق في الله والاندهاش به. إنها فعل الساجدين الحقيقيين بالروح، الذين يحبهم الربّ مثل كلمة حياة الكلّ. الويل للنفس التي حرمت ذاتها من تلك التطويبات بفعل هواها الشرّير، ولم تتأكَّد من هاهنا، من مكان انتقالها، ولم يناغ فيها الروح بأسراره القدوسة وتقديس الروحانيين، وأعمت ذاتها بذاتها لكي لا ترى جمال طبعها. تلك هي التي فيها الجحيم مخفيّ، وجعلت بينها وبين الملكوت في داخلها سورًا مُظلِمًا. ومَن ذلك الذي أغلق الباب في وجهك لكي لا ترين وجه ربّك. إن مفاتيح ملكوته وضعها في يديك وأعطاك السلطان للأخذ والفتح، لإغناء نفسك وإغناء الآخرين“.[63]
الأب مكسيموس المعترف
المسيح هو الملكوت والجحيم
يرى الأب مكسيموس المعترف أن المسيح هو الملكوت؛ لأنه الوارث، ولأنه ينفذ من خلال الشركة إلى كل الأشياء قائلاً:
”كلمة الله دُعِيَ الباب (يو 10: 9) لأنه يقود هؤلاء الذين لا تشوبهم شائبةً في الحياة النسكية، […] لأنه هو نفسه الطريق، والباب، والمفتاح، والملكوت. […] وهو الملكوت لأنه الوارث، ولأنه يدخل من خلال الشركة إلى كل الأشياء“.[64]
ملكوت الثالوث في النفس
ويستطرد الأب مكسيموس المعترف مُؤكِّدًا على أن الملكوت هو ملكوت الثالوث القدوس في النفس الإنسانية، حيث يكون لها النصيب العظيم في الملكوت الموجود بالأساس في الله الآب للجميع، ويصبح الذكاء في النفس مسكنًا شفافًا للروح القدس، وينال الإمكانية الكاملة لمعرفة الطبيعة الإلهية على قدر الإمكان قائلاً:
”يحث الذكاء، الممنوح طبيعيًا قداسة الصورة الإلهية، النفس أن تُطابِق ذاتها باختيارها الحر مع المثال الإلهيّ، فتصير بهذه الطريقة قادرةً على يكون لها نصيب في الملكوت العظيم الموجود بالأساس في الله الآب للكُل، ويصبح [الذكاء] مسكنًا شفافًا للروح القدس، آخذًا – إذَا كان يمكن التعبير بهذه الطريقة – الإمكانية الكاملة لمعرفة الطبيعة الإلهية على قدر ما يكون هذا مُمكنًا“.[65]
الأب يوحنا الدمشقي
الملكوت مكان عقلاني
يُؤكِّد الدمشقيّ على أن الملكوت هو مكان عقلانيّ غير محصور حصرًا جسمانيًا، وذلك في سياق وصفه لمكان وحالة الملائكة التي سوف نكون عليها نحن البشر في الأبدية، لأننا سنكون كملائكة السماء في الحالة عينها قائلاً:
”ولأنهم [الملائكة] عقول، فهم في أمكنة عقلانية أيضًا، غير محصورين حصرًا جسمانيًا. ومن اقتضاء طبيعتهم أن لا يكون لهم شكلٌ جسمانيّ ولا أن يمتدوا في الأنحاء الثلاث، بل أن يحضروا حضورًا عقلانيًا، ويعملوا حيثما يؤمرون دون أن يستطيعوا في آنٍ واحدٍ أن يكونوا ويعملوا هنا وهنالك“.[66]
حالة البشر في الأبدية
ويصف الأب يوحنا الدمشقيّ الحالة الملائكية التي سوف تكون حالتنا كبشر في الأبدية قائلاً:
”إن الله وحده الذي صنعهم يعلم هذا، لأنه يعرف كل شيء. وهم يختلف بعضهم عن بعض بالإنارة والمقام، لحصولهم على المقام نظرًا للإنارة، أو على الإنارة نظرًا للمقام. وهم ينيرون بعضهم بعضًا لسمو رتبتهم أو طبيعتهم، لأنه واضحٌ أن المتفوقين منهم يُشرِكون مَن هم دونهم بالضياء والمعرفة. […] إنه لصعب تحرُّكهم نحو الشرّ، وليسوا بغير متحركين إليه إطلاقًا. وهم لا يتحركون إليه الآن، لا من طبيعتهم، بل بالنعمة وبثباتهم في الخير الوحيد. وهم يرون الله على قدر استطاعتهم. وبهذا يقوم طعامهم. إنهم يتفوقون علينا بصفتهم خالين من الجسد ومن كل انفعال جسمانيّ. ولكنهم ليسوا بدون انفعال البتة، لأن الإله وحده لا ينفعل. وإنهم يُغيِّرون شكلهم تلبيةً لما يأمرهم به الله سيدهم وعلى هذا النحو يتراءون للبشر ويكشفون لهم الأسرار الإلهية. وهم يعيشون في السماء وعملهم الواحد هو تسبيح الله وخدمة مشيئته الإلهية“.[67]
الأب سمعان اللاهوتي الحديث
المسيح هو الملكوت والجحيم
يرى الأب سمعان اللاهوتيّ الحديث أن المسيح نفسه هو الملكوت بالنسبة للأبرار والجحيم بالنسبة للخطأة، فنحن عندما نخطئ ننفصل عن كنيسة القديسين، ونُحرَم بسبب الخطيئة من ثوبنا الإلهيّ، الذي هو المسيح نفسه، الذي نؤمن به، والذي نرتديه كثوبٍ عند معموديتنا، وهكذا نكون قد حُرِمنا من الحياة الأبدية، ذلك النور الذي لا يخبو، والأشياء الطيبة الأبدية، التقديس والبنوة، وبعدما صرنا سماويين مشابهين آدم الثاني، ربّنا يسوع المسيح، في كل شيء، أصبحنا أرضيين ثانيةً كما كان آدم الأول، وليس هذا فقط، ولكننا أصبحنا الآن أيضًا مُدَانين حتى الموت، فننحدر إلى الظلمة والنار الجهنمية بألمٍ كبيرٍ وأنينٍ عظيمٍ وصرير الأسنان، وهذا لأننا لم نُنف من فردوسٍ طبيعيّ، كما كان الحال مع آدم، ولم نُدَن لنحرث الأرض كما كان هو، ولكننا نطرد أنفسنا من ملكوت السموات، ومن تلك الخيرات الأبدية، ونصير مُدَانين للذهاب إلى العذاب قائلاً:
”تمامًا مثلما طُرِدَ آدم بعد التعدي من الفردوس، من تلك الوفرة والشركة التي كانت له مع الملائكة، وابتعد بنفسه عن الله، هكذا نحن أيضًا، عندما نخطئ ننفصل عن كنيسة القديسين، ونُحرَم بسبب الخطيئة من ثوبنا الإلهيّ، الذي هو المسيح نفسه، الذي نؤمن به، والذي نرتديه كثوبٍ عند معموديتنا، وهكذا نكون قد حُرِمنا من الحياة الأبدية، ذلك النور الذي لا يخبو، والأشياء الطيبة الأبدية، التقديس والبنوة، وبعدما صرنا سماويين مشابهين آدم الثاني، ربّنا يسوع المسيح، في كل شيء، أصبحنا أرضيين ثانيةً كما كان آدم الأول، وليس هذا فقط، ولكننا أصبحنا الآن أيضًا مُدَانين حتى الموت، فننحدر إلى الظلمة والنار الجهنمية بألمٍ كبيرٍ وأنينٍ عظيمٍ وصرير الأسنان، وهذا لأننا لم نُنف من فردوسٍ طبيعيّ، كما كان الحال مع آدم، ولم نُدَن لنحرث الأرض كما كان هو، ولكننا نطرد أنفسنا من ملكوت السموات، ومن تلك الخيرات ’التي لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، وما على قلب بشرٍ خَطَرَتْ‘ (1كو 2: 9)، ونصير مُدَانين للذهاب إلى العذاب“.[68]
حالة الملكوت والجحيم
ويدحض الأب سمعان اللاهوتيّ الحديث فكرة أن الملكوت أو الجحيم مكانٌ، مُؤكِّدًا على أن الله بإحسانه العظيم، بعد نزوله إلى الجحيم ورفعه لأبوينا الأولين، آدم وحواء، لم يضعهما ثانيةً في ذلك الفردوس الذي نُفِيَا منه، ولكنه بالحري رفعهما إلى سماء السماء كالتالي:
”لو أن جدَّينا تابا عندئذٍ، عندما كانا ما يزالان في الفردوس، فإنهما كانا سيأخذان الفردوس فقط ولا شيء أكثر، حيث أنهما قد نُفِيَا منه لعدم توبتهما. ولكن فيما بعد تابا وبكيا كثيرًا وعانيا الألم والعرق والتعب، ولهذا أراد الربُّ الإله أن يُكرِّمهما ويُمجِّدهما ويجعلهما ينسيان تلك الأشياء الشريرة كلها التي عانيا منها. وماذا عمل؟ فلتفتكر بإحسانه العظيم. بعد نزوله إلى الجحيم ورفعهما، لم يضعهما ثانيةً في ذلك الفردوس الذي نُفِيَا منه، ولكنه بالأحرى رفعهما إلى سماء السماء. وعندما جلس ربنا يسوع المسيح عن يمين الله الآب الأزليّ – تأمل في هذا الآن – بأيّ مجد وشرف مجَّد آدم [البشرية]، الذي كان بالطبيعة عبده وبالنعمة أباه؟ هل ترى إلى أيّ سمو رفعة المسيح ربنا؟ ولكن الله المحِب لم يُشرِّف آدم ويُمجِّده وحده فقط، بل نحن أيضًا أبناءه، ذلك يعني، أولئك الذين قلَّدوا توبته ودموعه ومراثيه […]. والله يُتابِع إلى هذا اليوم، كما فعل لآدم، في تمجيد وتكريم أولئك الذين يتوبون كما يجب، ويفعلون ما فعله آدم“.[69]
الأب غريغوريوس بالاماس
ماهية الملكوت والجحيم
يرى الأب غريغوريوس بالاماس أنه في هذه القيامة العامة، ستكون نعمة الثالوث الإلهية هواء ونور الدهر الآتيّ. لكنها ستكون هي ذاتها نورًا للقديسين، ونارًا للخطأة. حيث يُعلِّق بالاماس على قول يوحنا المعمدان: ”هو سيُعمِّدكم بالروح القدس ونار“ (مت 3: 11)، قائلاً إنه يعني به ”الإستنارة وعذاب الجحيم، بحيث أن كل واحدٍ سيأخذ ما يُناسِب حالته“.[70] فهؤلاء الذين لم يعرفوا الله كنورٍ، يقول بالاماس، مستندًا إلى قول ق. غريغوريوس اللاهوتيّ،[71] ولم يؤمنوا به: ”سيعاينونه مثل نار“. لكن هذه النار تملأها ظلماتٌ، تُطابِق الظلمات ”المعدَّة لإبليس وملائكته“. وهكذا، يقول الأب بالاماس في هذا الصدد:
”على هذا المنوال، يتراءى الله اليوم لمَّن تطهَّروا بالحب، ولكن سيأتي يوم سيتراءى فيه لهم ’وجهًا لوجه‘ كما قيل في (1كو 13: 12). إن الذين لا يؤمنون بأن الله يتراءى كنور فائق النور، لعدم خبرتهم بالإلهيات وعدم معاينتهم لها، الذين يؤمنون بأن العقل وحده يستطيع أن يُعاينه، هم مثل عميان يتلقون دفء الشمس فقط، ولكن لا يُصدِّقون، مَن يُبصِرون بهاءها أيضًا. وإذَا عمدوا، فوق ذلك، إلى تعليم المبصِرين بقولهم إن الشمس ليست نورًا، بينما هي الشيء الحسيّ الأكثر نورًا، فالذين لهم عيون حسية سوف لا يسعهم إلا أن يسخروا بهم. والقوم الذين تذكرهم يكادون يكونون في مثل هذا الوضع عينه بالنسبة ’لشمس البرّ‘ (ملا 4: 2) الفائق العالم. فسيندب حظهم، ليس فقط الذين يملكون حقًا البصر العقليّ، بل وأيضًا مَن يثقون بهؤلاء المبصِرين. إن الله، لفائض محبته لنا، وهو المتعالِي عل كل شيء وغير المدرَك، والفائق الوصف، يرضى أن يُشرِك عقلنا به، وأن يُرى بنحوٍ غير مرئيّ، في عزته الفائقة الجوهر والممتنعة الانفصال، ولكن هؤلاء لا يُقابِلون بالمحبة تلك المحبة الجلية والمعقولة في ذاتها. بل أكثر من ذلك، إنهم لا يُرِيدون أن يقتدوا بالقديسين الذين، بدافع محبتهم للناس، يقودونهم بأقوالهم نحو ذلك النور، بل يعزمون بإدعاء كليّ على اجتذاب مَن يثقون بالقديسين ليجعلوهم رفاقًا لهم عندما ’يعاينون مثل نار، حسب قول غريغوريوس اللاهوتيّ، مَن لم يعرفوه كنور‘، ومَن لم يؤمنوا به. ولكن هذه النار تملأها الظلمات، بل تُطابِق الظلمات التي تُهدِّدنا تلك ”المعدَّة لإبليس وملائكته“ حسب قول الربّ (مت 25: 14). فهذه الظلمات ليست بالتالي مُجرَّد ظلمات حسية، لأنها مُعدَّة للملائكة الأشرار عديمي الإحساس، كما أنها ليست مُجرَّد جهل، لأن الذين يقنعهم اليوم ورثة هذه الظلمات لن يجهلوا الله أكثر ما يجهلونه الآن. بل سيعرفونه بصورةٍ أفضل، لأنه قيل: ’كل جسد سيشهد أن يسوع هو الربّ لمجد الله الآب‘ (في 2: 11). آمين. فهذا النور، إذًا، ليس حسيًا بكل معنى الكلمة، وليس هو معرفة ما دامت الظلمات التي تُقابِله ليست جهلاً. فإذَا كان هذا النور، مع كُونه ليس بمعرفة، يُؤتي معرفة أسرار الله معرفةً روحيةً خفيةً، فإن بواكيره التي يُعاينها منذ الآن مَن طهَّروا قلوبهم لا يمكن أن تكون معرفة فقط، ولكنها مع ذلك تُؤتيهم معرفة توافقهم: إنها نور معقول وعقليّ، بل نور روحيّ. إنها حاضرة ومرئية روحيًا، تتسامى كل السمو على كُل معرفة وكُل فضيلة، ووحدها تُؤتي المسيحيين الكمال الذي يستطيعون الوصول إليه منذ هذا الدهر، والذي لا ينجم عن اقنفاء الآخرين، أو عن عمل عاقل، بل نتيجة كشف ونعمة من الروح“.[72]
الأب مرقس الأفسسي
نار جهنم غير المخلوقة
يرى الأب مرقس الأفسسيّ إنه في المواضع التي تُذكَر فيها النار في الكتاب المقدَّس والنصوص الآبائية، يكون المقصود بها نار جهنم الأبدية التي هي في الواقع غير مخلوقة. لا يتعلَّق الأمر بشيءٍ مخلوقٍ، أو واقعٍ مخلوقٍ، ولكن بعمل الله الذي يُختبَر كنارٍ من قِبَل أولئك الذين لم يتمّ شفاؤهم.
يُؤكِّد الأب مرقس الأفسسيّ في عظته الأولى أنه: ”لو وُجِدَ أيّ ذكر للنار في هذه الصلوات والتسابيح، فهي ليست نارًا مُؤقتةً ذات قوة مُطهِّرة، ولكنها بالأحرى نار أبدية وعقاب لانهائيّ، ويُصلِي القديسون لكي يخلُص منها أولئك الذين رحلوا في الإيمان“.[73] هذه النار المذكورة في نصوص الكنيسة ليست نارًا مُؤقتةً، ولكنها نار أبدية. يُشِير الأب مرقس الأفسسيّ إلى نص ق. غريغوريوس اللاهوتيّ قائلاً: ”إنه يقول إن هذه النار ليست مُؤقتةً وعابرةً، ولكنها مُستدِيمةً وأكثر إيلامًا“.[74]
دحض مادية نار جهنم
ليست نار جهنم، إذًا، هي نارٌ ماديةٌ ومخلوقةٌ، ولكنها غير مخلوقة. ويقول الأب مرقس الأفسسيّ إن النور بالنسبة للمستحِق هو رؤية الله. وبلا شك هذا النور هو مجد الله غير المخلوق. يربط أيضًا الأفسسيّ النور غير المخلوق بنار جهنم. فيقول إن النار الأبدية ليست نارًا ماديةً ”حيث إنها نور لأولئك المستحِقين رؤيتها“. وهو إذ يُحلِّل هذا المنظور يُؤكِّد على أن قديسي الكنيسة يأخذون النار الأبدية والعقاب اللانهائيّ ”بطريقةٍ مجازيةٍ“. فهي مسألة مجازية لأن نور الأبرار هو نور غير ماديّ، كما أن نار الخطأة ليست نارًا مخلوقةً ولا ماديةً. فهما حقيقتان واقعتان وحالتان حقيقيتان، ولكنهما ليسا كالحالات التي نعرفها من عالم الحواس. يستخدم الكتاب المقدَّس العديد من الصور ليصف حالة المعاقَبين مثل النار، والدود، والثعابين، وصرير الأسنان. تُعبِّر كل هذه عن حقائق أخرى. يعني القديسون بالنار الجهل بالله. ”لا يجب أن نظن أن هذه النار هنالك هي نارٌ ماديةٌ، ولا أن الظلمة الخارجية هي شيء آخر غير الجهل بالله“.
حالة الملكوت والجحيم
إننا بلا شك عندما نتحدَّث عن الجهل بالله نعني عدم الشركة فيه، طالما أننا نُدرِك أن الخطأة سوف يرون الله. بمعنى أنهم سوف يرون الله، ولكنهم لن يشتركوا فيه، وسيكونون جُهال به. إن معرفة الله في التقليد الأرثوذكسيّ هي الاشتراك فيه. تُشِير الدودة أو بعض السلالات من الزواحف السامة آكلة اللحوم إلى عذاب الأشرار بواسطة ضميرهم وندمهم المرير. يعني صرير الأسنان نفس الشيء بالضبط، أي أنه يُشِير إلى الحزن والغضب والنحيب المرّ الذي لأولئك الذين هم في صراع مع أنفسهم.[75] مِن الواضح، إذًا، أنه عندما يتحدَّث التقليد الكنسيّ عن النار، فإنه يقصد النار الأبدية غير المخلوقة. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلَّق بنارٍ مطهريةٍ مُؤقتةٍ، ولكن باختبار نعمة الله غير المخلوقة كنارٍ بسبب نجاسة المرء. وهذا هو بعينه السبب الذي يجعل وجود نار المطهر، كما في فكر اللاتين، مستحيلاً.
وهكذا يتبع الأب مرقس الأفسسيّ بأمانةٍ تعليم أبيه غريغوريوس بالاماس، الذي ”كان يرى كُل المناقشات حول النار والنور في إطار التألُّه، الذي يُختبَر كرؤيةٍ لنور الله غير المخلوق“. أي أن السماء والجحيم، اللتين يتكلَّم عليهما الكتاب المقدَّس، ”هما أمكنة نسبية تنتج عن اللقاء الإسخاتولوچيّ للمخلوق مع القوى غير المخلوقة. في مواجهة الأبدية، نور الله الواحد هو نفسه سيُنِير وسيحرق، وبين خبرة هذين القطبين هناك هوة عظيمة، لا يمكن لأحد عبورها (لو 16: 19-31)“.[76]
وبحسب هذا اللاهوت، يتكلَّم الأب مرقس الأفسسيّ قائلاً إن أنفس القديسين الراقدين، تسكن ”بالإيمان“ في الروح القدس كمكانٍ مُنيرٍ، وهي تختبر هذا المكان المنير كمعاينةٍ نقيةٍ [ثيؤريا]، ومباركةٍ لله. إنهم يحيون في تألق النور الإلهيّ، كوجهٍ يومض داخل أرضيةٍ ذهبيةٍ لأيقونة. إنهم في راحةٍ تامةٍ، أحرارٌ في السماء مع الملائكة وهم بقرب الله نفسه، إنهم حقًا في الفردوس من حيث سقط آدم. تكلَّم عن هذا النور، كسكنٍ في الروح القدس، الكتاب المقدَّس وآباء الكنيسة. في لاهوت الإنجيليّ يوحنا، النور هو هذا المكان المقدَّس الذي ينيره حضور الروح القدس، وهو يُشكِّل النقطة الرئيسية في لاهوت ق. باسيليوس الكبير.[77] ويُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ هذا الواقع بقوله: ”إن مكان الله هو المكان حيث قوى الله حاضرة […] إنه ذاك [المكان] الذي يشترك في قوى الله ونعمته“.[78] يذكر الأب مرقس الأفسسيّ أيضًا استشهادًا من ق. غريغوريوس اللاهوتيّ، يتكلَّم فيه على الأبرار أنهم يتلقون ”النور الذي لا يُوصَف، ومعاينة الثالوث القدوس، وهم يشعون بأكثر ضياءً ونقاوةً“.[79] ويقترح الأب مرقس الأفسسيّ أن تلك الحالة المباركة يمكن أن تُدعَى: ”معاينة الله، أو الاشتراك والشركة مع الله، أو ملكوت السموات“.[80]
الأب نيقولا كاباسيلاس
الجحيم خسارة الأبدية
يصف الأب نيقولا كاباسيلاس حالة الجحيم بأنه خسارة الغبطة الأبدية، والسُّكنى في العالم الذي لا يموت في شقاءٍ وموتٍ روحيّ، وعدم التمتُّع بالفرح السماويّ قائلاً:
”أولئك الذين يرحلون عن هذا العالم، بدون أن يتسلَّحوا بالقوى الروحية والمشاعر الضرورية لحياة السماء، سيخسرون الغبطة الأبدية، وسيقطنون العالم الذي لا يموت أشقياءً وأمواتًا روحيًا كما كانوا ووجدوا ساعة رحلوا. لماذا لا يتمتع أولئك بالفرح السماويّ؟ لأنهم كانوا يفتقرون إلى ابصار روحية تُمكِّنهم من رؤية النور الروحيّ، رؤية شمس العدل، رؤية المسيح المشع في كل اتجاه“.[81]
الفرق بين الملكوت والجحيم
يُفرِّق الأب نيقولا كاباسيلاس بين حالة الأبرار في الملكوت، الذي هو رؤية الله، والتمتُّع بالمعية مع المسيح، وبين حالة الأشرار في الجحيم، الذين لا يمكنهم رؤية الله أو الاتحاد به، ولا يمكنهم التمتُّع بجماله، لذا، قد ذهبوا إلى الحياة الأخرى عميان النظر والروح محرومين من معرفة المخلِّص ومحبته، ومحرومين من إرادة الاتحاد به والقدرة على هذا الاتحاد كالتالي:
”إن القيامة هي ترميم الطبيعة. إنها موهبةٌ مجانيةٌ من الله، وكما أنه خلقنا بدون إرادتنا فيقيمنا بدون مساهمتنا. أمَّا ذلك الملكوت، أمَّا رؤية الله، وأن نكون مع المسيح، هذه المتعة للنفس، للذين يحبونه، ويشتاقونه، فالله يحتفظ بها للذين أرادوه واشتاقوه. أمَّا الذين لم يشتاقوه، ولم يريدوه، فكيف يمكنهم أن يروه، أو يتَّحدوا به، ويتمتعوا بجماله، كما يقول السيد: ’لا يستطيع العالم أن يتلقاه لأنه لا يراه ولا يعرفه‘ (يو 14: 17)؟ في الواقع، لقد ذهبوا إلى الحياة الأخرى عميان النظر والروح محرومين من معرفة المخلِّص ومحبته، ومن إرادة الاتحاد به، والقدرة على هذا الاتحاد، فلا نعجبن، إذًا، إذَا كان الكل خالدين، ولكن لا كلهم يتمتعون بالغبطة. الجميع يتمتعون بطبيعة العناية الإلهية، ولكن المكافأة لا تُمنَح إلا للمؤمنين خدام الله، والسبب هو أن الله يريد خلاص الجميع، ويتمنى الخير للكل، ويُعطِي الكل بالسواء ما يُقوِّي الإرادة ويُقوِّم الطبيعة، ولا مجال لرفض خيرات الله التي يمنحنا إياها ونقبلها بالرغم عنَّا“.[82]
دحض مكانية الملكوت والجحيم
ويدحض الأب نيقولا كاباسيلاس فكرة أن الملكوت أو الجحيم مكانٌ، حيث يرى أننا لا يمكننا أن نفهم طبيعة الحياة المستقبلية، ولا حتى القديسون يستطيعون ذلك، وأكثرهم يعترف بعجزه، إنهم يدركون الشيء الذي يعرفونه شعوريًا، ويعرفونه بقلوبهم النقية، ولكنهم لا يستطيعون أن يجدوا التعبير الخاص لهذه الحالة من المعرفة الإلهية، فهذه الحالة تدخل في نطاق العجائب كالتالي:
”لهذه الأسباب، لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نفهم طبيعة هذه الحياة. حتى ولا القديسون يستطيعون ذلك وأكثرهم يعترف بعجزه، وإنهم يعرفون رمزيًا كما في مرآة، ولا يستطيعون أن يُعبِّروا بالكلام حتى عن الشيء الذي يعرفونه. إنهم يُدرِكونه شعوريًا ويعرفونه بقلوبهم النقية، ولكنهم لا يستطيعون أن يجدوا التعبير الخاص لهذه الحالة من المعرفة الإلهية. فهذه الحالة تدخل في نطاق العجيبة التي شاهدها بولس في الفردوس عندما اختُطِفَ إلى السماء الثالثة (2كو 12: 4)“.[83]
الفصل الثامن: التأله والحياة الأبدية
نرى آباء الكنيسة يركزون على تأليه الإنسان باعتباره الغاية النهائية للإنسان، فالتألُّه فهو اكتساب الحياة الأبدية التي هي حياة الله، وهي هبة وعطية يمنحها الله للبشرية بمحبته وصلاحه، والتألُّه هو الخلود وحياة عدم الموت وعدم الفساد في شركة ومعية الله، التألُّه هو شركة الطبيعة الإلهية ونعمة التبني لله الآب، التألُّه هو التمتُّع بسُّكنى الروح القدس أقنوميًا فينا، والذي من خلاله نتمتع بشركة الثالوث القدوس، التي هي الغاية النهائية لحياة الإنسان.
ق. يوستينوس الشهيد
التأله غاية الإنسان الأخيرة
يُؤكِّد ق. يوستينوس على أن التألُّه هو غاية الإنسان النهائية، حيث تُعطِينا قوة اللوغوس الخلود وتجعل منَّا نحن البشر آلهةً كالتالي:
”إن قوة الكلمة هذه لا تصنع منَّا شعراءً أو فلاسفةً مُثقَّفين أو خطباءً فُصحاءً، ولكنها تُعطِينا الخلود، وتجعل منَّا نحن البشر آلهةً، وتنقلنا من الأرض إلى أماكن أعلى من [جبال] أولمبوس“.[84]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
التأله والاشتراك في مجد الله
يرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ أن الإنسان مخلوق غير كامل، وغير خالد في طبيعته المائتة، ولكنه كان سيصير إلهًا ويشترك في مجد الله فيما بعد لو أطاع خالقه كالتالي:
”فالذي لم يصر إنسانًا بعد، كيف يمكن أن يكون إلهًا؟ أو كيف يمكن أن يكون كاملاً، هذا الذي لم يُخلَق إلا أخيرًا؟ وكيف يمكن أيضًا أن يكون خالدًا [غير مائت]، هذا الذي وهو في طبيعته المائتة لم يطع خالقه؟ لأنه يجب في البداية أن تمسك برتبة إنسان، ثم بعد ذلك تشترك في مجد الله. لأنك أنت لا تصنع الله، بل الله هو الذي يصنعك. إذًا، فإنْ كُنت صنعة يدي الله، فانتظر يد خالقك التي تخلق كل شيء في حينه، في الحين المناسب بقدر ما يخصك، أنت الذي يجري تنفيذ خلقتك“.[85]
العلامة كليمندس الإسكندري
التأله وحالة اللاهوى
ويُؤكِّد العلامة كليمندس على أن الإنسان عندما يتألَّه بالنقاوة يتحوَّل إلى حالة اللاهوى، فيصير واحدًا. فالذين وفقًا للحياة الغنوسية الحقيقية يضعون الله أمامهم، ويُحضِرون بصورةٍ تدريجيةٍ أنفسهم إلى الله، مُبجِّلين إياه فيكرِّمون أنفسهم، وهكذا يعبد المرء الله في حياة التأمل مصغيًا إليه، فيعاين الله القدوس من خلال تنقية نفسه كالتالي:
”والآن، انتزع المخلِّص الغضب في الشهوة ومعها، الغضب لكونه شهوة الانتقام. لأن الخضوع للمشاعر هو أمرٌ عامٌ يخص كل نوع من الرغبات. والإنسان، عندما يتأله بالنقاوة [يتحوَّل] إلى حالة اللاهوى، فيصير واحدًا. وكما أن أولئك الذين في البحر يكونون ممسكين بالمرساة، ويُسحَبون إلى المرساة. فإن أولئك، الذين وفقًا للحياة الغنوسية، يضعون الله تجاههم، ويُحضِرون أنفسهم بصورةٍ تدريجيةٍ إلى الله، لأن الذي يُبجِّل الله يُكرِّم نفسه. إذًا، في حياة التأمُّل، يعبد المرء الله مُصغِيًا إليه، ومن خلال تنقية نفسه، يُعاين الله القدوس بقداسةٍ. لأن ضبط النفس، بصفتها هذه، تُفكِّر في نفسها بلا انقطاع، وتتمثَّل بالله إلى أقصى حدّ ممكن“.[86]
ق. غريغوريوس العجائبي
التأله غاية الإنسان النهائية
يتحدَّث ق. غريغوريوس العجائبيّ مادحًا العلامة أوريجينوس بأنه رجل قد تجاوز الحالة البشرية متخطيًا في ارتقائه نحو التألُّه، وهكذا يُبيِّن الغاية النهائية لكل إنسان قائلاً:
”أنوي التحدُّث عن رجل يبدو في الظاهر رجلاً، أمَّا هو فبعيون القادرين على تقدير ذاك السمو الذي ارتقت إليه نفسه، قد تجاوز الحالة البشرية مُتخطِيًا إياها إلى حالةٍ أفضل في ارتقائه نحو التألُّه […] سأذكر إذًا ما هو سامٍ في هذا الرجل، وما هو قريب من الألوهة، سأذكر السجايا المحتجزة في الجسم الظاهر والمائت والتي تبذل جهدًا شاقًا للتشبُّه بالله“.[87]
ق. أثناسيوس الرسولي
التأله غاية حياة الإنسان
يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن التألُّه هو الغاية النهائية في حياة الإنسان، الذي لَبِسَ الكلمة من أجله جسدًا بشريًا مخلوقًا، لكي بعدما يُجدِّده الكلمة كخالق، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته، وهكذا يُدخِلنا إلى ملكوت السموات على مثال صورته كالتالي:
”ولذلك، فإن الحق يُوضِّح أن الكلمة لا ينتمي إلى المخلوقات، بل بالحري هو نفسه خالقهم. ولذلك، فقد لَبِسَ الجسد البشريّ المخلوق، لكي بعد أن يُجدِّده كخالق، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته هو نفسه، وهكذا يُدخِلنا إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتألَّه لو أنه اتَّحد بمخلوقٍ، أو لو أن الابن لم يكن إلهًا حقيقيًا. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب، لو لم يكن الذي لَبِسَ الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقيّ“.[88]
يربط هنا ق. أثناسيوس بين تأليه الإنسان ودخوله إلى ملكوت السموات في حضرة الله الآب، وأن ذلك كان أحد بركات سر تجسُّد الكلمة، وبالتالي، لا يمكن أن تكون حالة التألُّه، ومن ثمَّ، ملكوت السموات، مكانًا ماديًا جغرافيًا مُحدَّد الأبعاد، وخاضع لقوانين الزمان والمكان.
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
التأله والانجماع الكلي في المسيح
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ إلى قصد الله من أجلنا، فقد صار إنسانًا وأفتقر، لكي يُقِيم جسدنا، ويستعيد صورته، ويُعِيد تشكيل الإنسان، حتى نصير جميعًا واحدًا في المسيح، الذي قد صار بالكامل في جميعنا كل ما يكونه هو نفسه، لذا ينبغي أن نُدفَن مع المسيح، ونقوم مع المسيح، ونكون وارثين مع المسيح، ونصير ابناءً لله، بل نصير بالنعمة مثل الله نفسه وليس بالطبيعة قائلاً:
”ليتني أُميت أعضائي التي على الأرض، وأُنفِق كل ما لدي على الروح، سائرًا في الطريق الضيق الذي يدوسه القليلون، وليس في الطريق الرحب والسهل. لأن عواقبه مجيدةٌ وعظيمةٌ، ورجاؤنا أعظم من استحقاقنا. فما هو الإنسان حتى تذكره؟ وما هو هذا السرّ الجديد الذي أتعلق به؟ أنا صغيرٌ وعظيمٌ، متواضعٌ ومرتفعٌ، مائتٌ وخالدٌ، أرضيّ وسماويّ. أنا أشترك في حالة مع العالم السُّفليّ، وفي الأخرى مع الله؛ أحدهما بالجسد والأخرى بالروح. ينبغي أن أُدفَن مع المسيح، وأقوم مع المسيح، وأكون وارثًا مع المسيح، وأصير ابنًا لله، بل مثل الله[89] نفسه. أنظر إلى أين أودت بنا حجتنا في تقدَّمها. أكاد أكون مدينًا بنفسي للواقعة التي ألهمتني بمثل هذه الأفكار، وجعلتني أكثر افتنانًا برحيلي من هنا. هذا هو هدف السرّ العظيم بالنسبة لنا. هذا هو قصد الله من أجلنا، صار إنسانًا وأفتقر، لكي يُقِيم جسدنا، ويستعيد صورته، ويُعِيد تشكيل الإنسان، حتى نصير جميعًا واحدًا في المسيح، الذي قد صار بالكامل في جميعنا كل ما يكونه هو نفسه، حتى لا نكون فيما بعد ذكرًا وأنثى، أوبرابرة، أو سكيثيين، أو عبيدًا، أو أحرارًا، التي هي علامات الجسد، بل لكي نحمل في أنفسنا فقط ختم الله، الذي به ومن أجله خُلِقنا، وقد تلقينا منه حتى الآن صورتنا ومثالنا، الذي نُعرَف به وحده“.[90]
ق. يوحنا ذهبي الفم
التأله والتبني لله الآب
يُميِّز ق. يوحنا ذهبي الفم بين مفهوم التألُّه بالطبيعة الخاص بالله وحده، وبين مفهوم التألُّه بنعمة التبني لله الآب والاتحاد بالله الخاص بالبشر، وبالتالي، يدحض ذهبيّ الفم حجة مُنكِري عقيدة تأليه الإنسان بالنعمة في العصر الحديث، الذين يخلطون بين تألُّه الله بالطبيعة وتأليه الإنسان بالنعمة والاتحاد بالله والتبني لله الآب قائلاً:
”’في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم‘ (يو 14: 20). لذلك فالجزء الذي يشير إلى الآب من هذا القول يُؤكِّد على جوهره، بينما ما قاله من جهة الرسل يُشِير إلى اتحادهم مع الله والمعونة التي حصلوا عليها منه. سوف تسألني: مِن فضلك كيف يُعقَل هذا؟ وأنا بدوري أسألك: فكيف أن العكس معقول؟ لأن الفرق بين المسيح وتلاميذه عظيم ولا نهائيّ. وأيضًا لو أن نفس الكلمات استُخدِمَت لكليهما فلا تتعجب من هذا. لأن الكتاب اعتاد مرارًا كثيرة استخدام نفس الكلمات لكُلٌّ من الله والبشر. ولو أنه ليس بنفس المعنى. مثلما دُعِيَنا آلهةً وأبناءً لله (يو 10: 34؛ غلا 3: 26)، فلو أن التعبير استُخدِمَ من جهتنا ومن جهة الله، لكن ليس له نفس الفاعلية لكليهما. علاوة على ذلك، فالابن دُعِيَ صورة الله ومجده، ونحن أيضًا دُعِيَنا هكذا، لكن هناك فرق عظيم، وأيضًا ’أنتم للمسيح والمسيح لله‘ (1كو 3: 23)“.[91]
ق. كيرلس الإسكندري
التأله غاية الإنسان النهائية
يُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن التألُّه هو غاية الإنسان النهائية، حيث يصير شريكًا في ملكوت المسيح، وعلى صورة جسد مجده، والإكرام بعطية عدم الفساد والحياة الحقيقية كالتالي:
”فقد أعلن الآب عني إني إله الكون، ولكني لا أضَّن عليكم بمثل هذه الخيرات. فقد أعطيتكم أنتم كبشرٍ ولكم طبيعة العبيد أن تصيروا آلهةً وأبناءً لله، إذ إني أجلكم لامعين بواسطة نعمتي، وتُضِيئون بكراماتٍ تفوق طبيعتكم؛ وقد أدخلتكم إلى شركة ملكوتي، لأجعلكم على صورة جسد مجدي (في 3: 21)، وقد كرَّمتكم بعدم الفساد والحياة الحقيقية، ولكن كل هذا لا يزال موضوع رجاء محفوظ ليتحقَّق في الدهر الآتيّ“.[92]
مار أوغريس البنطي
الآب هو النهاية والنعمة المطلقة
يرى مار أوغريس أن الآب نفسه هو النهاية والنعمة المطلقة. لأننا حين لا نعرف الله بعد في مرآة (1كو 13: 12) ولا من خلال وسطاء، بل نقترب إليه كما إلى الواحد الوحيد، حينئذٍ سنرى النهاية النهائية. لأنهم يقولون إن مملكة المسيح هي كل المعرفة المادية، أمَّا مملكة الله الآب هي التأمل غير الماديّ، وإنْ جاز التعبير، هي التأمُّل في اللاهوت غير المخفَى نفسه قائلاً:
”لأن الآب نفسه هو النهاية والنعمة المطلقة. لأننا حين لا نعرف الله بعد في مرآة (1كو 13: 12) ولا من خلال وسطاء، بل نقترب إليه كما إلى الواحد الوحيد، حينئذٍ سنرى النهاية النهائية. لأنهم يقولون إن مملكة المسيح هي كُل المعرفة المادية، أمَّا مملكة الله الآب هي التأمُّل غير الماديّ، وإنْ جاز التعبير، هي التأمُّل في اللاهوت غير المخفَى نفسه. لكن ربّنا أيضًا، هو النهاية والنعمة المطلقة باعتباره الكلمة. لأنه ماذا يقول في الإنجيل؟ ’وأنا أُقيمه في اليوم الأخير‘ (يو 6: 40)، عانيًا بالقيامة التحوُّل من المعرفة المادية إلى التأمُّل غير الماديّ، ومُسمِّيًا ’اليوم الأخير‘ المعرفة التي لا يوجد بعدها معرفة أخرى. لن تقوم عقولنا وتصعد إلى علو النعمة إلا حين تتأمَّل أقنوم الكلمة على أنه الواحد الوحيد. لأن الآن عقولنا الغليظة مُتعلِّقة بالأرض ومُختلِطة بالخزف، ولا تقدر أن تُثبِّت نفسها في التأمُّل المجرَّد. لذلك فإنها تتفكر في أعمال صانعها مقودة بجمال الأجسام وتتأمل تأثيرها في الوقت الحاليّ. وإذ تنمو في القوة قليلاً قليلاً، ستُصبِح قادرةً أن تدنو من اللاهوت غير المخفَى نفسه“.[93]
الأب مكسيموس المعترف
التأله هو نهاية كل الأزمنة
يُوضِّح المعترف أن التألُّه هو إنجاز ونهاية كل العصور والأزمنة، والنهاية هي الاتحاد في الشخص الذي مُنِحَ الخلاص، بين أصله الحقيقيّ وبين نهايته الحقيقية، ويستلزم هذا الاتحاد تجاوز كل ما هو محدود جوهريًا بالطبيعة، ويحدث هذا التجاوز من خلال القوة القديرة لله العاملة بأسلوب مباشر ولا نهائيّ في الشخص المستحق لهذا التجاوز كالتالي:
”التألُّه، باختصار، هو إنجاز ونهاية كل العصور والأزمنة، وفي كل ما يوجد في غيرهما. هذا الإنجاز وهذه النهاية هي الاتحاد في الشخص الذي مُنِحَ الخلاص، بين أصله الحقيقيّ [الواقعيّ] وبين نهايته الحقيقية. يستلزم الاتحاد تجاوزًا لكل ما هو بالطبيعة محدود جوهريًا ببداية ونهاية. يحدث مثل هذا التجاوز بواسطة القوة القديرة والأكثر من قوية التي لله، العاملة بأسلوبٍ مباشرٍ ولا نهائيّ في الشخص الذي وُجِدَ مستحقًا لهذا التجاوز. يُنعِم عمل هذه القدرة الإلهية بالسرور والفرح الأكثر من فائقين الوصف على الذي قد تمَّ فيه الاتحاد غير المنطوق به، والذي لا يسبر غوره، مع ما هو إلهيّ. وفي طبيعة الأشياء، لا يمكن أن يُفهَم هذا ولا يتمّ تخيُّله ولا يُعبَّر عنه“.[94]
[1] كليمندس الروماني (قديس)، الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، 19: 4، ص 163.
[2] أغناطيوس الأنطاكي (قديس)، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة إلى كنيسة أفسس 11: 1، ص 325.
[3] المرجع السابق، الرسالة إلى بوليكاربوس 2: 3، ص 370.
[4] بوليكاربوس أسقف سميرنا (قديس)، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة إلى كنيسة فيلبي 1: 2، ص 382.
[5] الآباء الرسوليون، ترجمة: القس لوقا يوسف وآخرون، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة إلى ديوجنيتوس 6: 8، ص 433.
[6] الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، نشيد 31، ص 493، 494.
[40] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ٧: ٤، تعليق على مز ٣٤: ٥، ص 228، 229.
[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 2: 4، تعليق على (يو 3: 36)، ص 217، 218.
[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئةً بشريةً، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2013)، الفصل 16، ص 85، 86.
[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة ١١٢، ص 546.
[50] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 2: 5، ص 141.
[51] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي ج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، رسالة ٢٦٧ إلى كيرينيوس، ص 233.
[52] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، (وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، كيفالايا غنوستيكا أو فصول غنوسية 5: 30، ص 210.
[53] المرجع السابق، تعليقات على الصلاة الربانية، ص 559.
[54] المرجع السابق، الفصول من 17-33، تعليقات على سفر الأمثال : 25، ص 566.
[55] المرجع السابق، الفصول من 17-33، تعليقات على سفر الأمثال : 28، ص 566.
[57] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي، ترجمة: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 199.
[59] يوحنا السينائي (أب)، السلم إلى الله، إعداد: المتنيح الأنبا مكاري أسقف شبه جزيرة سيناء، تقديم: الأنبا متاؤس أسقف دير السريان، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء مريم السريان، 2009)، الدرجة 26: 106، ص 299.
[64] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، (القاهرة، 2017)، مئتا نص في علم معرفة الله والتدبير الإلهي لتجسد ابن الله إلى طلاسيوس، 2: 69، ص 149.
[72] غريغوريوس بالاماس (أب)، الدفاع عن القديسين الهدوئيين، ترجمة: دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات التراث الآبائي، 1995)، الثلاثية الأولى: 3: 10، ص 83، 84.
[76] Mark Archbishop of Ephesus, Refutation of Purgatory, homily 1, ch. 14, 7 (PO. 15, 58, 12-28 W1); Refutation of Purgatory, homily 2, ch. 4, (PO. 15, 111, 20-30 W2); ch. 23, 7 (147, 9-22); See Nicholas Constas, Mark Eugenikos, La Theologie Byzantine et sa Tradition II, Sous la direction de: Carmelo Conticello & Vassa Conticello, Turnhout Brepols Publishers, 2002, p. 452.
[80] Responses, ch. 1, (PO. 15, 153, 15-17 W3); See Nicholas Constas, Mark Eugenikos, La Theologie Byzantine et sa Tradition II, Sous la direction de: Carmelo Conticello & Vassa Conticello, Turnhout Brepols Publishers, 2002, p. 453.
[81] نيقولا كاباسيلاس (أب)، الحياة في المسيح، ترجمة: البطريرك إلياس الرابع، (لبنان: منشورات تعاونية النور الأرثوذكسية، 2002)، القسم الأول، ص 15.
[90] Gregory of Nazianzus (St.), NPNF207, Trans. by Charles Gordon Browne & James Edward Swallow, Edit. by Philip Schaff, (New York & Michigan: Grand Rapids, MI: CCEL, 1819-1893), Or. 7: 23, Panegyric on his brother Caesarius, p. 490, 491.
[91] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 75، ص 65، 66.
[92] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 15: 9، 10)، ص 281، 282.
[93] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، (وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة عن الإيمان : 23، 24، ص 504.
[94] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، (القاهرة، 2017)، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة، 4: 19، ص 231.
سوف نحاول في هذا البحث تسليط الضوء على قضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة، وهي قضية التهود، والتهود في معناه البسيط هو الارتداد عن المسيحية إلى الطقوس والعقائد والممارسات اليهودية، وتُعتبر هذه القضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة منذ نشأتها وحتى عصرنا هذا.
فلا يوجد عصر من العصور لم يتسلل فيه التهود إلى الكنيسة، ولا يوجد عصر من العصور لم يوجد فيه المتهودون المؤمنون بالأفكار والعقائد اليهودية بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشر. ويتسلل التهود إلى الكنيسة بطريقة خفية من خلال دراسة الخلفية اليهودية للعهد الجديد من الناحية التاريخية والطقسية والعقائدية، وهذا شيء لا غبار عليه، ولكن عند التوغل في هذه الدراسة لدرجة تصل إلى تفسير العهد الجديد على مقياس العهد القديم فهذا يدق ناقوس الخطر، وينبئ عن انزلاق غير محسوس نحو التهود، وعودة الفكر اليهوديّ مرة أخرى ليسود الكنيسة في ثوبٍ جديدٍ، ويُعتبر هذا من أخطر الأمور على الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ، لأن الذين يقومون بذلك يقعون فريسة للتهود دون دراية بدافع دراسة الخلفية اليهودية لنصوص العهد الجديد، فيبدأ هنا الارتداد عن المسيحية للسقوط في هوة التهود.
سوف نستعرض في هذا البحث كيف واجه آباء الكنيسة قضية التهود منذ العصر الرسوليّ وفي القرون الأولى للمسيحية، وسوف نستعرض أهم صور التهود التي رفضها آباء الكنيسة وحاربوها بشدة، وسوف نطرح وجهة نظر آباء الكنيسة حول عقائد وممارسات وطقوس العهد القديم وعلاقتها بعقائد وممارسات وطقوس العهد الجديد.
الآباء الرسوليون
سوف نستعرض في هذا الجزء موقف الآباء الرسوليين من بدع التهود في بداية المسيحية منذ القرن الأول وما بعده، وسوف نرى كيف كانت الكنيسة تنظر إلى الناموس والذبائح اليهودية في العصر الرسوليّ.
رسالة برنابا
إلغاء الذبائح والفرائض الناموسية
يشير كاتب رسالة برنابا إلى رفض الله لكافة الذبائح والمحرقات والتقدمات اليهودية عن طريق أنبيائه، وأنه ألغى كل الأمور الناموسية لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد خاليًا من نير الفروض والإجبار كالتالي:
”لأن [الله] أعلن لنا عن طريق كل أنبيائه أنه لا يحتاج ذبائح، ولا محرقات، ولا تقدمات، قائلاً: ’لماذا كثرة ذبائحكم لي؟ يقول الرب. شبعتُ من محرقات الكباش ودهن الحملان، ولا أريد دم العجول والتيوس، ولا أن تأتوا لتظهروا أمامي. لأنه مَنْ طلب هذا من أيديكم؟ لا تسيروا في ساحتى مرةً أخرى. حينما تحملون لي دقيقًا فاخرًا، فهو بلا قيمة لي، وحين تُقدِّمون بخورًا فهو نجس، ولم أعد أحتمل أعياد أول الشهور والسبوت التي لكم‘ (إش 1: 11-13). وهكذا ألغى [الله] كل هذه الأمور، لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد حاليًا من نير الإجبار، ولا يقبل تقدمة يُجبَر البشر على تقديمها“.[1]
ولكن بعد ذلك نجد البعض بمنتهى الغرابة ينادي بالإلغاء الجزئيّ للناموس اليهوديّ وفرائضه، وينادون بكل جرأة بأن أحكام الناموس اليهوديّ لازالت قائمة وسارية في المسيحية وعلى الكنيسة المسيحية، يا له من تعليم متهود فاسد!
الرسالة إلى ديوجنيتوس
رفض المعتقدات والحرفية اليهودية
يطلب كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس من المؤمنين المسيحيين ألا يتعلموا أيّ شيء بشأن المعتقدات والتأويلات اليهودية حول الطعام، وأيام السبوت، والختان، والصوم، والأعياد اليهودية، ويطلب منهم الابتعاد عن سخافات اليهود النجسة كالتالي:
”وبالنسبة لأولئك الذين يظنون أنهم يُقدِّمون له ذبائح دموية ورائحة دهن الذبائح، والمحرقات، ويعتقدون أنهم يُكرِّمونه بواسطة هذه التقدمات، فبالنسبة لي، فإن هؤلاء لا يختلفون شيئًا عن أولئك الذين يُقدِّمون هذه الكرامة للأوثان الصماء […] وأكثر من ذلك وسوستهم بخصوص الطعام، ومعتقداتهم بخصوص أيام السبوت، وتباهيهم الباطل بالختان، وزعمهم بخصوص الصوم وأوائل الشهور، فهذه أمور سخيفة، ولا تستحق أيّ حديث، وأنا لا أظن أنك تحتاج إلى أن تتعلَّم مني أيّ شيء من تلك الأمور […] أعتقد الآن، أنك قد تعلَّمت بشكلٍ كافٍ أن المسيحيين هم على حق في ابتعادهم عن سخافات اليهود النجسة هذه، وحرفيتهم الخادعة، وافتخارهم، ولكن بالنسبة لسر عبادتهم الخاصة، فلا تتوقع أن تستطيع تعلُّمها من إنسان“.[2]
ق. أغناطيوس الأنطاكي
رفض التهود والمتهودين
يرفض ق. أغناطيوس الأنطاكيّ التهود بكل أشكاله رفضًا قاطعًا مُستنكرًا أن يتلفظ البعض باسم يسوع المسيح، ولكنهم مازالوا يعيشون ويُفكِّرون كما يعيش ويُفكِّر اليهود، فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية كالتالي:
”اِطرحوا عنكم الخمير الفاسد العتيق، وتحوَّلوا إلى الخمير الجديد الذي هو يسوع المسيح. وليكن هو ملح حياتكم حتى لا يفسد واحدٌ منكم، لأنكم من رائحتكم تُعرَفون. إنه من غير اللائق أن تتلفظ باسم يسوع المسيح، وأنت تعيش كما يعيش اليهود. فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية، التي فيها اجتمع كل إنسان يؤمن بالله“.[3]
الرفض التام للتفاسير اليهودية
يُشدِّد ق. أغناطيوس الأنطاكيّ على مقاطعة أيّ أحد يُفسِّر المسيحية من خلال التفاسير اليهودية، ويُشبِّه هؤلاء المتهودين الذين لا يتحدَّثون عن المسيح بتاتًا بأنهم كشواهد القبور الحجرية وكقبور الأموات تحمل فقط أسماء الأشخاص المائتين كالتالي:
”إذَا فسَّر لكم أحدٌ وفقًا لليهودية، فلا تسمعوا له. لأنه مِن الأفضل أن تسمعوا مختونًا يكرز بالمسيحية، مِن أن تسمعوا غير مختونٍ يكرز باليهودية. وإذَا لم يكلِّمكم أيٌّ منهما عن يسوع المسيح، فهما بالنسبة لي كشواهد القبور الحجرية، وكقبور الأموات، كُتِبَ عليها فقط أسماء الأشخاص الموتى“.[4]
الآباء المدافعون
سوف نستعرض بداية وتطور حركة التهود التي أزعجت الكنيسة في القرون الأولى لأنها كانت رافضة لرسالة الإيمان المسيحيّ، وذلك في كتابات الأباء المدافعين في القرون الأولى للمسيحية.
ق. يوستينوس الشهيد
إبطال العهد الجديد للعهد القديم
يُؤكِّد ق. يوستينوس الشهيد في القرن الثاني على رفض الكنيسة للتهود والمتهودين، بل ويشير إلى أن ناموس المسيح قد أبطل الناموس الموسويّ وفرائضه ووصاياه، وأن المقصود منه كان اليهود فقط وليس المؤمنين المسيحيين. بل ويُصرِّح ق. يوستينوس الشهيد تصريحًا، قد يبدو للمتهودين في أيامنا هذه تصريحًا صادمًا، وهو أن العهد الجديد قد أبطل العهد القديم، وأنه حلَّ محله، ولا يُفرَض علينا أيً من فرائضه أو وصاياه. فهل كان ق. يوستينوس الشهيد بهذا التصريح ماركيونيًا كما يدَّعي البعض كذبًا في هذه الأيام على الناطقين بالحق الأرثوذكسيّ بأنهم ماركيونيون؟ فيقول التالي:
”غير أن رجاءنا ليس بموسى أو الناموس، وإلا صارت عاداتنا كعاداتكم. وقد قرأت أنه ينبغي أن يكون هناك ناموسًا حاسمًا وعهدًا مُلزِمًا أكثر من العهود الأخرى، يحترمه جميع الذين يسعون إلى ميراث الله. فإن الناموس الذي أُعطِيَ على جبل حوريب قد أُبطِلَ وكان المقصود به اليهود فقط. بينما الناموس الذي أتحدَّث عنه أنا هو ببساطة لجميع الناس. وكما أن أيّ قانون جديد إذَا تعارض مع قانون القديم، فهو يُبطِل القديم، فهكذا العهد الجديد يحل محل القديم. لقد أُعطِيَنا ناموسًا أبديًا كاملاً، وهو المسيح ذاته، وأخذنا عهدًا جديرًا بالثقة لن يكون بعده أيّ ناموس أو فريضة أو وصية“.[5]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
رفض التهود والارتداد إلى الناموس
يُوضِّح ق. إيرينيؤس في صراعه مع التهود أن الرب لا يريد للمؤمنين المسيحيين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، وأننا نخلُص بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله وبجدة الحياة بمعونة الكلمة كالتالي:
”وأيضًا يُعرِّفنا إشعياء أن الرب لا يريد للمؤمنين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، لكن بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله نخلُص بجدة الحياة بمعونة الكلمة، بقوله: ’لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألا تعرفونه. اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يُمجِّدني حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماء أنهارًا في القفر لأسقي شعبي مختاري. هذا الشعب جبلته لنفسي، يُحدِّث بفضائلي‘ (إش 43: 18-20 سبعينية)“.[6]
التهود ورفض التجسُّد الإلهي
يتحدَّث ق. إيرينيؤس عن شيعة الأبيونيين، وهم فرقة مسيحية مُتهودة كانت تُحافِظ على التقاليد والتفاسير اليهودية جنبًا إلى جنب مع التفاسير المسيحية، وكانوا يُوؤِّلون نصوص العهد الجديد في ضوء نصوص العهد القديم، حيث يرفضون عقيدة التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالإنسان في المسيح كالتالي:
”باطلون أيضًا هم الأبيونيون، الذين لا يقبلون الإيمان في نفوسهم بالاتحاد بين الله والإنسان، بل يظلون في الخميرة القديمة التي للميلاد الطبيعيّ، ولا يريدون أن يفهموا أن ’الروح القدس حلَّ على مريم، وقوة العلي ظلَّلتها‘ (لو 1: 35)، لذلك، فالذي وُلِدَ منها قدوس وابن العلي، الله آب الكل، الذي تمَّم تجسُّد هذا الكائن، وأظهر نوعًا جديدًا من الولادة، حتى أنه كما بالولادة السابقة ورثنا الموت، هكذا بهذه الولادة الجديدة نرث الحياة.
لذلك، هؤلاء الناس يرفضون مزج الخمر السمائيّ، ويريدون أن يكون ماء العالم فقط، فلا يقبلون الله لكي يكون لهم اتحاد معه، بل يظلون في ذلك الآدم، الذي انهزم وطُرِدَ من الفردوس، غير مُقدِّرين أنه كما في بداية خلقتنا في آدم أن نسمة الحياة التي صدرت من الله إذ اتَّحدت بما كان قد شُكِّلَ قبلاً، فإنها أحيت الإنسان، وأظهرته ككائن مُنِحَ له عقل، هكذا أيضًا في أزمنة النهاية، فإن كلمة الآب وروح الله، إذ قد صارا مُتَّحِدين بالجوهر القديم لخلقة وتكوين آدم، جعلا الإنسان حيًا كاملاً، ومستعدًا لتقبل الآب الكامل، حتى كما في آدم الطبيعيّ، كُنا جميعًا مائتين، هكذا في الروحانيّ نصير كُلنا أحياء“.[7]
ق. ميلتيوس أسقف ساردس
الناموس العتيق ووقتية المثال
يشير ق. ميلتيوس أسقف ساردس إلى سر الفصح بأنه كان قديمًا بحسب الناموس، ولكنه جديدًا بحسب الكلمة نفسه، وأنه كان مؤقتًا بحسب المثال، ولكنه خالدًا بحسب النعمة كالتالي:
”فافهموا، إذًا، يا أحبائي، كيف يكون سر الفصح: جديدًا وقديمًا، أبديًا ومؤقتًا، قابل للفساد وغير قابل للفساد، زائلاً وخالدًا. قديمًا بحسب الناموس ولكنه جديدًا بحسب الكلمة. مؤقتًا بحسب المثال، لكنه خالدًا بحسب النعمة. قابل للفساد بذبح الحمل، وغير قابل للفساد بحياة الرب. زائلاً بدفنه في الأرض، وخالدًا بقيامته من بين الأموات. قديم هو الناموس، ولكن جديد هو الكلمة. مؤقت هو المثال، أبدية هي النعمة […] ففي الخروف كان المثال، وفي الرب ظهرت الحقيقة“.[8]
إبطال مثال الناموس بحقيقة الإنجيل
يعقد ق. ميلتيوس مقارنة بين الناموس والإنجيل، وبين الشعب الإسرائيليّ والكنيسة، ويُؤكِّد على أن الناموس هو كتاب الأمثال والرموز، ولكن الإنجيل هو شرح الناموس وكماله، وليس العكس كما يدَّعي المتهودون الجدد ذلك، ويُحاولون تفسير العهد الجديد في ضوء العهد القديم. كما يشير ق. ميلتيوس إلى إبطال مثال الناموس مانحًا صورته للإنجيل الذي هو حقيقيّ بالطبيعة، وهكذا بطُل الشعب الإسرائيليّ لمَّا قامت الكنيسة كالتالي:
”فشعب إسرائيل كان مثال الصورة الأولية، والناموس كان كتاب الأمثال؛ والإنجيل كان شرح الناموس وكماله، والكنيسة هي مستودع الحق. وهكذا، فالمثال كان مُكرَّمًا قبل الحقيقة، والرمز كان عجيبًا قبل التفسير؛ أعني أن الشعب كان مُكرَّمًا قبل أن تُشيَّد الكنيسة، والناموس كان عجيبًا قبل أن يُنير الإنجيل. ولكن، لمَّا شُيَّدت الكنيسة، وظهر الإنجيل، بطُلَ المثال مانحًا قوته إلى ما هو حقيقيّ، وأُكمل الناموس مُسلِّمًا قوته للإنجيل. وبنفس الطريقة، حين بطُلَ المثال مانحًا صورته لِما هو حقيقيّ بالطبيعة، وحين أُكمِلَ الرمز مُستنيرًا بالتفسير، هكذا، أُكمِلَ الناموس لمَّا أضاء الإنجيل، وبطُلَ الشعب لمَّا قامت الكنيسة؛ ونحلَّ المثال بظهور الرب. واليوم، ما كان مُكرَّمًا مرةً بات مُحتقرًا، بعد أن ظهر ما هو مُكرَّمًا بالطبيعة“.[9]
الآباء اليونانيون
سوف نبحث في هذا الجزء صراع الآباء اليونانيين مع بدع التهود والمتهودين التي ظلَّت تلاحق الكنيسة على مر عصورها وإلى يومنا هذا.
العلامة أوريجينوس
التهود وإتباع ناموس اليهود
يشير العلامة أوريجينوس إلى جماعة الأبيونيين المتهودين الذين كانوا يتظاهرون بالمسيحية، حيث كانوا يقبلون بيسوع ويفتخرون بأنهم مسيحيون، ولكنهم مازالوا يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود، ولكن يُقرَّ العلامة السكندريّ بأنهم يُقدِّمون أفكارًا غريبةً لا تنسجم مع العقائد التقليدية التي تسلَّمناها من الرب يسوع لنكون مسيحيين كالتالي:
”ولنعترف بأن البعض يقبلون يسوع أيضًا، ولهذا السبب يفتخرون بأنهم مسيحيون مع أنهم لا يزالون يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود. هذه هي طائفتا الأبيونيين، الأولى تعترف كما نفعل بأن يسوع وُلِدَ من عذراء، والثانية تؤمن بأنه لم يُولَد فيها بهذه الطريقة، ولكن مثل الرجال الآخرين“.[10]
ق. أثناسيوس الرسولي
التهود والتظاهر بالمسيحية
يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين بأنهم مثل اليهود، لا يؤمنون بألوهية المسيح، ويطالبهم بأن يُختتنوا مثل اليهود، ولا يتظاهرون بالمسيحية، ويحاربونها في الخفاء، وهذه هي صورة التهود التي تتسلل دائمًا إلى الكنيسة، حيث يتظاهر البعض بالمسيحية والدفاع عن العقائد المسيحية، بل ويلبسون ثياب المسيحية، ولكن للأسف عقولهم وقلوبهم وأفكارهم مملوءة ومتشبعة بأفكار التهود وعقائده غير المسيحية قائلاً:
”لماذا، إذًا، وهم يعتقدون مثل اليهود، لا يختتنون مثلهم، بل يتظاهرون بالمسيحية، بينما هم يحاربونها، لأنه لو كان غير موجود، أو لو كان موجودًا ثم رُقِيَ فيما بعد، فكيف خُلِقَت كل الأشياء بواسطته، وكيف يفرح به الآب لو لم يكن كاملاً؟“.[11]
التهود ورفض التبني لله الآب
ويصف ق. أثناسيوس بدعة الآريوسيين مُنكري ألوهية اللوغوس، بأنها بدعة المتهودين المعاصرين، حيث يشرح المتهودون الثالوث بصورة تتطابق مع الشرح الآريوسيّ، بحيث أن السامع لا يمكنه إدراك الفرق بين الأرثوذكسية والتهود أثناء الحديث، ويتعجب ق. أثناسيوس من كلام المتهودين الجدد الذين يرفضون بنوة الله الآب، وإعلان الابن المتجسِّد عنه كأب حقيقيّ للبشر كالتالي:
”وهؤلاء المشارِكون الأولون كيف لا يُشارِكون اللوغوس؟ وهذا التعليم ليس حقيقيًا، بل هو بدعة المتهودين المعاصرين. فكيف، إذًا، في هذه الحالة –يمكن لأيّ أحد على الإطلاق، أن يتعرَّف على الله كأب؟ لأن من غير المستطاع أن يحدث التبني بغير الابن الحقيقيّ، وهو نفسه القائل: ’ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومَن أراد الابن أن يُعلِن له‘ (مت 11: 27)“.[12]
التهود وتحريف تفسير نصوص الكتاب المقدس
يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين، بأنهم مثل اليهود يتبنون أسلوب قيافا في تحريف معاني أقوال الكتاب المقدَّس، حيث أنهم بذلك يريدون أن يتهودوا، وهكذا يُحرِّفون معاني الكتاب المقدَّس لخدمة أغراضهم غير الأرثوذكسية، بل ولا يستخدمون الأقوال الرسولية في العهد الجديد كالتالي:
”ولكنهم بدلاً من المعنى الحقيقيّ، فإنهم يلقون بذور سم هرطقتهم الخاصة، لأنهم ’لو عرفوا لما صلبوا رب المجد‘ (1كو 2: 8)، ولما كانوا يُحرِّفون معاني أقوال الكتاب الحسنة. إذًا، فإنْ كانوا يتبنون أسلوب قيافا صراحةً، فإنهم يكونون تبعًا لذلك قد قرَّروا أن يتهودوا، حتى أنهم يجهلون المكتوب بأنه ’حقًا سيسكن الله على الأرض‘ (زك 2: 10)، دعهم لا يفحصون الأقوال الرسولية، لأن هذا ليس من سمة اليهود“.[13]
التهود وإلباس اليهودية اسم المسيحية
ويُحارِب ق. أثناسيوس تهود الآريوسيين، الذين يتظاهرون بالمسيحية، ولكنهم في حقيقتهم ينكرون حقيقة التجسُّد الإلهيّ، وينكرون ألوهية وأزلية المخلِّص، مثل اليهود، فيدعوهم أن يُختتنوا ويتهودوا علانيةً. نفس االأسلوب الذي يتبعه المتهودون في كل عصر، يتظاهرون بالمسيحية، وهم ينكرون في داخلهم العقائد المسيحية الأرثوذكسية، ويحاولون إلباس اليهودية اسم المسيحية كالتالي:
”إذًا، طالما أن هذا الضلال هو يهوديّ، ويُوصَف هكذا نسبةً إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً بأنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قُلنا حضور المخلِّص في الجسد، لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم.
أو إنْ كانوا يخافون أن يُختتنوا ويتهودوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا، فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إنْ تخلوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم، لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون –نعم نحن مسيحيون ونحن نتميَّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلِّص، ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان“.[14]
يوسابيوس القيصري
التهود والخلاص بالناموس والمسيح
يتحدَّث يوسابيوس القيصريّ عن جماعة المتهودين التي تُدعَى بـ ”الأبيونية“، التي نادت بأن المسيح مُجرَّد إنسانًا عاديًا، وأنه تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وإنه كان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع القديسة مريم، ويعتقدون بأنه مِن الضروريّ الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ، لأنهم لا يستطيعون الخلاص بالإيمان بالمسيح فقط كالتالي:
”وقد كان الأقدمون مُحقين إذ دعوا هؤلاء القوم ’أبيونيين‘ لأنهم أعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة. فهم اَعتبروه إنسانًا بسيطًا عاديًا، قد تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وكان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع مريم. وفي اعتقادهم أن الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ ضروريّ جدًا، على أساس أنهم لا يستطيعون أن يخلُصوا بالإيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة. […] وقد حافظوا مثلهم على السبت وسائر نظم اليهود، ولكنهم في نفس الوقت حافظوا على أيام الرب مثلنا كتذكار قيامة المخلِّص. ولهذا أُطلِقَ عليهم اسم ’أبيونيون‘ الذي يُعبِّر عن فقرهم في التفكير. لأن هذا هو الاسم الذي يُطلَق على رجلٍ فقير بين العبرانيين“.[15]
ق. باسيليوس القيصري الكبير
الناموس هرم وشاخ
يُشدِّد ق. باسيليوس الكبير على أننا ينبغي أن نعبد الله لا بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. لأنه مَن لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يغني للرب أغنية جديدة كالتالي:
”’غنوا له أغنية جديدة‘ (مز 33: 3) بمعنى، أن تعبدوا الله، ليس بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. فهذا الذي لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يُغنِي للرب أغنية جديدة. لأن ذلك الذي هرم وشاخ، قد مضى وانقضى من الوعد. أمَّا نحن فقد تَبِعنا الترنيمة الجديدة والمتجدِّدة التي لتعليم الرب، والذي يُجدِّد مثل النسر شبابنا (مز 3: 1-5)، عندما يفنى إنسان الخارج، ونتجدَّد يوما فيوم“.[16]
ق. غريغوريوس النيسي
الناموس ظل وصورة
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ أن الناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء هو ظل وصورة لمَّا سيأتي، لذا فإنه يظل غير صالح للمعارك الحقيقية، ولكن المسيح هو مُتمِّم الناموس كالتالي:
”والناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء كظلٍ وصورةٍ لمَّا سيأتي، يظلُّ غير صالحٍ للمعارك الحقيقية (عب 8: 5). وقائد الجيش هو الذي ’يُتمِّم الناموس‘؛ وهو الذي بُشِّر به مِن قبل وكان مُشترِكًا في الاسم مع خليفة موسى [يشوع] الذي كان على رأس جيش إسرائيل“.[17]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الناموس القديم جزئي وناقص
يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن المعرفة بناموس العهد القديم كانت جزئية وناقصة إذَا ما قُورنت بمعرفة العهد الجديد الآتية، وهكذا يُبطل الجزئيّ والناقص بالمعرفة الأخرى الكاملة، لأنه متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض، فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد على الإدعاء بأن ذهبيّ الفم كان ماركيونيًا أو يتبع فكر الهرطقة الماركيونية؟ حيث يقول التالي:
”مِن كل هذه الاعتبارات يتضح أنه ليس مِن أيّ سوء في ناموس العهد القديم فشل في أن يأتي بنا، وإنما لأنَّ الوقت الآن هو وقت الوصايا الأسمى. وإنْ كان أنقص من الجديد فلا يعني هذا أنه شرير: وإلا بناءً على هذا المبدأ سيكون الناموس الجديد ذاته في الحالة نفسها شريرًا. فإن معرفتنا، في الحقيقة، إنْ قُورنت بالمعرفة الآتية، فهي نوع من الأمر الجزئيّ والناقص الذي يبطل بمجيء المعرفة الأخرى (الكاملة). يقول: ’لكن متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض‘ (1كو 13: 10)، كما حدث للناموس القديم من خلال الجديد. ومع ذلك فنحن لا نلوم الناموس الجديد على هذا، لأنه يُفسِح المجال لحصولنا على الملكوت، لكنا ندعوه عظيمًا بسبب هذا كله“.[18]
العهد الجديد أكثر أهمية من القديم
يناقش ق. يوحنا ذهبي الفم معضلة صعوبة تفسير نبوات العهد القديم وسهولة تفسير العهد الجديد، رغم أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية من العهد القديم، مثل: ملكوت السموات، وقيامة الأموات، والخيرات التي لا تُوصَف قائلاً:
”فدعونا نفتح آذاننا، طالما سوف نستمع إلى ألغاز نبوية لأن أقوال الأنبياء تُشبِه الألغاز، وتوجد صعوبة شديدة لفهمها في العهد القديم كما أن أسفاره عسرة الفهم، بينما العهد الجديد أكثر وضوحًا وأكثر سهولةً. ويمكن لأيّ أحد أن يتساءل ولماذا قد دُوِّن العهد القديم بهذه الطريقة، مع أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية مثل ملكوت السماوات، وعن قيامة الأموات، وعن الخيرات التي لا تُوصَف وتتجاوز حدود العقل البشريّ؟“.[19]
ق. كيرلس الإسكندري
كلمات الناموس مجرد رموز وظلال
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ بدع المتهودين بضرورة إتباع الناموس، حيث يُؤكِّد على أن كلمات أسفار موسى هي مُجرَّد ظلال ورموز لكلمات المخلِّص الرب يسوع المسيح، لأن كلمات المسيح أسمى وهي الحق، فهل يمكن أن يتجرأ المتهودون الجدد في عصرنا على الإدعاء بأن ق. كيرلس الإسكندريّ كان ماركيونيًا في جعله لكلمات المسيح أسمى وأحق من كلمات أسفار موسى؟! فيقول التالي:
”قد يظن وبشكلٍ خاطئ أن أسفار موسى تفوق كلمات المخلِّص. لأن هذا ما تبدو عليه الآية بحسب الظاهر، وبقدر ما يقول قائل، معتبرًا الآية دون تدقيق، تسبغ على أسفار موسى شهرة أكثر من كلمات المخلِّص. لأنه بقوله: ’فإن كُنتم لستم تصدقون كُتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي‘ (يو 5: 47). فإنه بطريقة ما يعطينا أن نفهم أن كتب موسى في موضع أسمى من كلماته هو. لكن طبيعة الأمر إذَا ما تفحصناه بعمقٍ سوف يكشف لنا عن مدى حماقة تلك الفكرة البعيدة عن التصديق والقبول، لأنه كيف يمكن أن تُعرَف كتب موسى بأنها تفوق كلمات المخلِّص، بينما كلماته كانت رموزًا وظلالاً وكلمات المسيح هي الحق؟“.[20]
معرفة الناموس ناقصة
يرى ق. كيرلس أن تعليم الناموس لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، ولم يُكمِّل شيئًا. ويرى أن المعرفة التي أُعطِيت عن الله في الناموس هي معرفة ناقصة، ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمورٍ أفضل مما كانت تحت الناموس. فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد في عصرنا على اتهام ق. كيرلس الإسكندريّ، الملقَّب بـ ”عمود الدين“، وبـ ”ختم الآباء“، بأنه كان ماركيونيًا؟ حيث يقول التالي:
”لأنه كما أن الناموس حينما أتى بهذا التعليم، الذي لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، لم يُكمِّل شيئًا. هكذا أيضًا المعرفة التي أُعطِيت عن الله تحت الناموس كانت ناقصة، وكانت فقط تستطيع أن تمنع الناس من عبادة الآلهة الكاذبة، وتُقنِعهم أن يعبدوا الإله الحقيقيّ الواحد، لأنه يقول: ’لا يكن لك آلهة أخرى أمامي‘ (خر 20: 3)، و ’للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد‘ (مت 4: 10 من تث 6: 13).
ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمور أفضل من التي كانت تحت الناموس، ويُعلِّم تعليمًا أوضح من وصية الناموس، ويُقدِّم للجميع معرفةً أفضل وأوضح من معرفة العهد القديم. لأنه أوضَّح لنا بأن وضع نفسه أمامنا على أنه صورة الآب قائلاً: ’مَن رآني فقد رأى الآب‘ (يو 14: 9). وأيضًا ’أنا والآب واحد‘ (يو 10: 30)“.[21]
عدم كمال الناموس
يشير ق. كيرلس إلى أن المسيح أنقص من قوانين الناموس، وأضاف إليها مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة، فالمسيح لم يكن مثل الكتبة الذين كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معه، بل لم يكن المسيح يتبع الرموز التي كانت في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل كانت كلمته مُميَّزةً بالقوة الإلهية كالتالي:
”لأن الكتبة كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معهم [أي اليهود]، أمَّا ربنا يسوع المسيح فلم يكن يتبع الرموز التي في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل إذ هو يجعل كلمته مميَّزةً بالقوة الإلهية، فإنه يُنادِي: ’سمعتم إنه قيل في القديم لا تزن. أمَّا أنا فأقول لكم […] لا تشتهي‘ (مت 5: 27، 28). رغم أن الناموس يقول صراحةً إنه لا ينبغي لأيّ واحد أن يضيف على قوانين الله أو يُنقِص منها. ولكن المسيح أنقص منها وأيضًا أضاف إليها، مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة. لذلك، فلا يمكن أن يُحسَب أنه مِن بين الذين هم تحت الناموس، أيّ مِن بين المخلوقات، لأن مَن وُضِعت على طبيعته وصية العبودية، يكون بالضرورة تحت الناموس“.[22]
تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
نخرج من هذا البحث ببعض النتائج الهامة والضرورية، وهي أن مجال الدراسات اليهودية هو مجال بحثيّ وأكاديميّ مهم في فهم الخلفية الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية، والدينية لنصوص العهد الجديد، ولكن تفسير عقائد وتعاليم العهد الجديد ينبغي أن يكون في ضوء عمل المسيح وتدبيره للخلاص، وليس في ضوء تعاليم العهد القديم العتيق.
حيث يُؤكِّد آباء الكنيسة الجامعة على أن قد تحرَّرنا من أحكام ووصايا الناموس اليهوديّ، وحارب آباء الكنيسة بدع التهود والمتهودين في القرون الأولى منذ نشأة المسيحية، متمثلة في جماعة الأبيونيين وغيرهم من المسيحيين المتهودين، الذين كانوا يتظاهرون بقبول المسيحية، ولكنهم مازالوا يتبعون ناموس اليهود وتفاسيرهم وتأويلاتهم، ويقومون بتطبيقها في تفسير نصوص العهد الجديد، وهو ما نراه الآن يحدث في عصرنا الحديث تحت دعوى دراسة الخلفية اليهودية للأناجيل والرسائل على اعتبار أن المسيح والرسل كانوا يهودًا في الأصل، ولكن هذه في الحقيقة دعوات للارتداد إلى التهود بصورةٍ مُقنَّعةٍ وغير واضحة.
لقد أكَّد جميع الآباء والمعلمين الكنسيين بلا استثناء في القرون الأولى للمسيحية على أن العهد الجديد قد أبطل وصايا وشرائع العهد القديم، لأن العهد القديم كان مُجرَّد ظل وصورة ورمز للعهد الجديد. كما واجه آباء الكنيسة خطر التهود والارتداد إلى اليهودية، الذي بدا واضحًا في دخول التفاسير والتأويلات اليهودية للعقائد المسيحية الأساسية، فحذَّر آباء الكنيسة المؤمنين الحقيقيين من الانسياق وراء هذه المعتقدات والتفاسير والتأويلات اليهودية. وناشد آباء الكنيسة المؤمنين المسيحيين الحقيقيين عدم التعاطي مع هذه المعتقدات والأفكار اليهودية الدخيلة على إيمان الكنيسة المسلَّم من المسيح إلى الرسل.
وأشار آباء الكنيسة أيضًا إلى أن تعاليم وناموس العهد القديم هي تعاليم رمزية ومؤقتة بطُلت بمُجرَّد مجيء المرموز إليه وهو شخص الرب يسوع نفسه، مُتمِّم الناموس ومُكمِّله، وحجر الزاوية لكنيسة العهد الجديد. كما أكَّد آباء الكنيسة على أن تعاليم الناموس والعهد القديم هي تعاليم جزئية وناقصة كمُلت بمجيء تعاليم العهد الجديد الأسمى والأكمل، وأنه حينما يأتي الكامل فحينئذٍ يبطُل كل ما هو جزئيّ وناقص.
وعندما كان آباء الكنيسة يصفون تعاليم العهد الجديدة بتلك الأوصاف، لم يخشوا من الاتهامات بالهرطقة الماركيونية، التي يُطلِقها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعدم وعي، على كل مؤمن حقيقيّ يريد التمسُّك بتعاليم الأرثوذكسية كما هي في الكتاب المقدَّس، وكما شرحها آباء الكنيسة بكل أمانة وتقوى. فهل يجرؤ هؤلاء المتهودون الجدد على إطلاق هذه الاتهامات الباطلة على آباء الكنيسة الأرثوذكسيين في سياق وصفهم لتعاليم العهد القديم، بأنها تعاليم ناقصة وجزئية عند مقارنتها بتعاليم العهد الجديد الكاملة والسامية؟!
[1] الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، رسالة برنابا 2: 4-6، ص 39، 40.
[2] المرجع السابق، الرسالة إلى ديوجنيتوس 3: 5؛ 4: 1-6، ص 429، 430.
[3] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة مغنيسيا 10: 2، 3، ص 336، 337.
[4] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة فيلادلفيا 6: 1، ص 356، 357.
[5] القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الحوار مع تريفون اليهودي: 11، ص 148، 149.
[6] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2009)، الفصل 89، ص 146.
[7] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 5: 1: 3، ص 274.
[8] ميلتيوس أسقف ساردس (قديس)، رحلة عبورنا إلى القيامة (العظة الفصحية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2009)، الفصول 2-4، ص 25-27.
[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 38، ص 104.
[15] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، (القاهرة: مكتبة المحبة، 1999)، 3: 27، ص 130.
[16] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج 1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 6: 2، ص 186، 187.
[17] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 85.
[18] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج 1، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1996)، عظة 16: 6، ص 182.
[19] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، القصد من غموض النبوات، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 1: 3، ص 53، 54.
[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 1، ص 313.
[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 369.
سوف نُحاوِل في هذا البحث المختصر دحض أوهام البعض بوجود بدلية عقابية في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، لاهوتيّ التأله والانجماع الكليّ في المسيح، وذلك من خلال عمل دراسة مقارنة بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ حول تدبير الخلاص، وبين تعليم چون كالفن حول البدلية العقابية والكفارة، حيث يُعتبر چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، إنْ لم يكن الممثِّل الأساسيّ لنظرية البدلية العقابية في شرح الفداء والكفارة، والهدف من هذه الدراسة المقارنة هو توضيح ما هي البدلية العقابية؟ وما هي عناصر التعليم بالبدلية العقابية؟ وكيف أقول إن هذا الأب أو غيره من آباء الكنيسة لديهم تعليم بدلية عقابية في تعاليمهم.
لقد دأب البعض على ملء الدنيا صياحًا بأن هناك بدلية عقابية في فكر آباء الكنيسة الشرقية عامةً، وفي فكر ق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، ويبدو أنهم لا يعرفون ما هو مفهوم البدلية العقابية التي يدَّعونها زورًا وبهتانًا على آباء الكنيسة الشرقية الذين يؤمنون بالخلاص عن طريق التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، ضاربين عرض الحائط الدراسات اللاهوتية والآبائية الأكاديمية العديدة، التي تؤكد إنه لا يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ كما شرحه رجال الإصلاح البروتستانتيّ، وأهمهم چون كالفن، في تعليم آباء الكنيسة الشرقية، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بهذه الدراسات الأكاديمية على أعلى مستوى لاهوتيّ أكاديميّ، بل يستخدمون بعض النصوص هنا وهناك من أجل إيهام البسطاء بإنه يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ في تعليم آباء الشرق، ونسوا إنه الجيل القادم لن يقتنع بحججهم الواهية والضعيفة غير المثبَتة أكاديميًا ولاهوتيًا، بل هي مُجرَّد أوهام وخيالات وضلالات يوهمون بها أنفسهم لضلال أنفسهم وضلال الآخرين، وهي والعدم سواء.
أود التنويه إلى أن نصوص ق. كيرلس الإسكندريّ ونصوص چون كالفن هي بعض من كل، فهناك العديد من النصوص لكليهما التي تفي بغرض البحث، والذي هو نفي وجود تعليم البدلية العقابية في تعليم تدبير الخلاص للقديس كيرلس الإسكندريّ، وتوضيح المعنى الصحيح للبدلية العقابية في تعليم الكفارة والفداء عند چون كالفن، كمُمثِّل أساسيّ للتعليم الصحيح والدقيق عن البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ، والذي نقيس من خلاله هل يوجد تعليم بدلية عقابية في تعليم أيّ أب شرقيّ من عدمه، وليس كما يدّعي الجهلاء بتعليم البدلية العقابية وينسبونه زورًا وبهتانًا إلى آباء الكنيسة الشرقية عامةً والقديس كيرلس الإسكندريّ خاصةً.
الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري
سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، أحد أهم آباء الشرق المسيحيّ في عصره، مُمثِّلاً عن الفكر الآبائيّ اليونانيّ الشرقيّ عامةً، وعن الفكر الآبائيّ الإسكندريّ خاصةً، وسوف نعقد مقارنة بين مفاهيمه حول تدبير الخلاص، وبين مفاهيم چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، والذي يُعتبر النسخة المكتمِلة والناضجة لنظرية البدلية العقابية في الغرب، وذلك لكي نعرف هل هناك تعليم ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ أم لا؟
خلاص الإنسان بالتأله
يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الابن وحده يعطي ما يخص طبيعته ليصير خاصًا بالبشر جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بين البشر، وهذا لا يمكن أن نجده في تقديم المسيح كبديل عقابيّ عن خطايانا، كالتالي:
”إذ حيث إنهم قَبِلوا الابن فقد نالوا السلطان أن يعدوا من أولاد الله، فالابن وحده هو الذي يُعطِي ما يخص طبيعته [اللاهوتية]، ليصير خاصًا بهم جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بينهم لتكون هذه صورة طبيعة محبته للإنسان وللعالم. وليس هناك وسيلة أخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا ’صورة الترابيّ‘ نهرب من الفساد، إلا إذَا خُتِمنا بجمال ’الصورة السمائية‘ (1كو 15: 49) بدعوتنا إلى البنوة، لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس، نُختَم لنكون مثله ونرتفع إلى الصورة الأولى التي أخبرتنا الكتب المقدَّسة أننا خُلِقَنا عليها (تك 1: 27). وبذلك نكون قد استعادنا جمال طبيعتنا الأولى وخُلِقَنا من جديد لنكون على مثال الطبيعة الإلهية، ونصير مرتفعين عن الأمراض التي أصابتنا بسبب السقوط. إذًا، نحن نرتفع إلى كرامة أسمى من طبيعتنا بسبب المسيح لأننا سنكون أيضًا ’أبناء الله‘ ليس مثله تمامًا، بالنعمة وبالتشبُّه به“.[1]
يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن المسيح أضأ علينا، لأنه جعلنا مثله، وهكذا قد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورة إلهية في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله كالتالي:
”وقد أضأ علينا لأنه جعلنا مثله، فقد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورةٍ إلهيةٍ في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله“.[2]
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تألُّه ناسوت المسيح، الذي يُعد الوسيلة الوحيدة لتألُّه أجسادنا نحن أيضًا، وهذا التعليم لا يوجد في تعليم البدلية العقابية، ولا يمكن التوفيق بين تعليم البدلية العقابية وتعليم الخلاص بتأليه الإنسان من خلال تألُّه جسد المسيح الذي هو جسد البشرية كلها، وفيه تتألَّه البشرية كلها، حيث يقول التالي:
”تتقدَّم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألَّهت، وهذا مُبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل [الجسد] الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة مُتألهةً بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعَى أبناء الله وآلهةً. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة مُنتقِلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية بنعمة المسيح“.[3]
مفهوم المصالحة
ويرى ق. كيرلس، في سياق شرحه لمفهوم المصالحة بين الجميع مع الآب في المسيح، أن الابن نزل إلى مستوى العبودية دون أن يفقد ما يخصه كإله، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياءً، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً وأبناء الله بالإيمان، لأن الابن الذي هو الله بالطبيعة سكن فينا، وأحتوى الكل فيه، وهكذا صالح الكل في جسدٍ واحدٍ مع الآب كالتالي:
”أليس واضحًا للجميع أنه نزل إلى مستوى العبودية، دون أن يفقد ما يخصه كإلهٍ، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياء (أنظر 2كو 8: 9)، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً، وأبناء الله بالإيمان؟ وتمَّ ذلك لأن الذي هو بالطبيعة الابن، والذي هو الله، قد سكن فينا، ولذلك نصرخ بروحه: ’يا آبا الآب‘ (رو 8: 15). وسكن الكلمة في هيكلٍ واحدٍ أخذه منَّا ولأجلنا، وصار مثل الكل، لأنه أحتوى الكل فيه، واستطاع أن ’يصالح الكل في جسدٍ واحدٍ‘ مع الآب، كما يقول بولس (أف 2: 16-18)“.[4]
الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ نظرية الإبدال العقابيّ، التي يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي أنها موجودةٌ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، حيث يُؤكِّد على فكرة وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه كالتالي:
”ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا الكاملة“.[5]
وهذا ما يُؤكِّده أيضًا ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل العقابيّ، ومُؤكِّدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، قائلاً:
”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السرِّ العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[6]
ويدحض ق. كيرلس فكرة البديل العقابيّ مُؤكِّدًا على أن المتَّحِدين بالمسيح هم مصلوبون معه قائلاً:
”وبطريقةٍ أخرى، فإن المتَّحِدين بالمسيح هم أيضًا مصلوبون معه، فإنهم إذ يقبلون الموت عن سيرتهم القديمة في الجسد، فإنهم يُعاد تشكيلهم إلى حياة جديدة حسب الإنجيل“.[7]
ويُؤكِّد ق. كيرلس على انتقال عملية الشفاء من المسيح إلينا نحن المشتركين معه في نفس الطبيعة البشرية كالتالي:
”وهكذا فإن الطبيعة الإنسانية في المسيح تنتقل إلى حالة أفضل وأكثر اقترابًا من الطبيعة الإلهية. وبهذه الطريقة – وليس بغيرها – فإن عملية الشفاء اجتازت منه إلينا نحن. لأن طبيعة الإنسان أُعِيدت إلى جدَّة الحياة، في المسيح نفسه أولاً -كباكورة، وفيه أيضًا قد حصلنا على الأمور التي تفوق الطبيعة. ولهذا السبب، فهو يُدعَى في الكتب المقدسة ’آدم الثاني‘ (1كو 15: 45)“.[8]
يُؤكِّد ق. كيرلس على اتحاد المسيح بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا مشيرًا إلى فكرة وساطة المسيح بين البشرية والله كالتالي:
”ولن يستطيع أحد إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح. لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فهو من خلال نفسه وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله. فحيث إنه مولودٌ من جوهر الله الآب، إذ هو الكلمة، والبهاء، والصورة ذاتها، فهو واحد مع الآب، لكونه في الآب كليةً، والآب كائنٌ فيه هو نفسه؛ أما من جهة صيرورته إنسانًا مثلنا، فهو يتَّحد بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا، وهكذا فهو قد صار بمعنى كرابط بين ناحتين، إذ يحوي في ذاته كل ما يؤدي إلى الوحدة والصداقة“.[9]
ويُشِير ق. كيرلس إلى أن السبب الحقيقيّ والشامل لتجسُّد الابن الوحيد هو انجماع كل شيء في المسيح من أجل استرجاع كل الأشياء التي انحرفت إلى ما كانت عليه في البداية قائلاً:
”ونعرف أننا نحن أيضًا نكون فيه – بنفس الطريقة – وهو فينا. لقد قدَّم بولس الحكيم سببًا حقيقيًا وشاملاً لتجسُّد الابن الوحيد، عندما قال: ’إن الله الآب سُرّ أن يجمع كل شيء في المسيح‘ (أف 1: 10)، وكونه ’يجمع في واحد‘ في الاسم والشيء معًا، فهذا معناه استرجاع كل الأشياء التي انحرفت بعيدًا، وإعادتها إلى ما كانت عليه في البداية. ثم إذ يريد أن يضع أمامنا بجلاءٍ طرق ’جمع كل شيء‘ بالتفصيل قال مرةً: ’لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ‘ (رو 8: 3، 4)؛ ويقول في مرة أخرى: ’فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ‘ (عب 2: 14، 15). وهكذا عندنا هنا طريقان ’لجمع الأشياء معًا‘ قدَّمها بولس الرسول لشرح تعليم تجسُّد الابن الوحيد بحسب لزوم الأمر. ولكن هناك طريقة أخرى تشمل الطرق المتعددة، قدَّمها لنا البشير يوحنا. فهو يكتب عن المسيح هكذا: ’إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ‘ (يو 1: 11-13). هكذا، أظن أنه يتضح تمامًا ويظهر جليًا للكل، أنه لهذه الأسباب خاصةً قد صار الابن الوحيد إنسانًا، الابن الوحيد الذي هو بالطبيعة إله ومن الله؛ بقصد أن ’يدين الخطية في الجسد‘، ولكي بموته يذبح الموت، ويجعلنا أولاد الله، مجددًا بالروح الذين على الأرض وناقلاً إياهم إلى كرامة فوق الطبيعة. لأني أعتقد أنه حسن جدًا أن يجمع كل الأشياء معًا في واحد، ويعيد الجنس البشري الذي كان قد عثر وسقط إلى الحالة الأولى“.[10]
وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح ليردها مرةً أخرى إلى حالتها الأولى كالتالي:
”ولذلك فإن الله الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح مرةً أخرى ليردها إلى حالتها الأولى، وأراد أن يتحقَّق هذا بالمسيح“.[11]
ويُشدِّد ق. كيرلس على وجودنا الحقيقيّ في المسيح بسبب مجيئه في الجسد، داحضًا بذلك أي كلام عن أننا جسد رمزيّ أو اعتباريّ، بل أننا جسد حقيقيّ للمسيح قائلاً:
”فالمخلِّص الذي هو الحياة بالطبيعة صار إنسانًا إذ لبس طبيعتنا، وذلك لكي يُحرِّر أولئك الذين هم تحت دينونة اللعنة القديمة، من الفساد والموت. لأنه هكذا قُهِرَت قوة الموت، وتلاشى سلطان الذي سيطر علينا. وحيث إن الطبيعة الإلهية خالية تمامًا من أيّ ميل نحو الخطية، فقد رفعنا ومجَّدنا بواسطة جسده الخاص. لأننا فيه يكون لنا جميعًا وجود حقيقيّ، بسبب مجيئه في الجسد“.[12]
ويُوضِّح ق. كيرلس أن موت المسيح على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشري أو نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بدافع حبه الأصيل قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم للآب، فلم تكن ذبيحة المسيح ترضيةً للآب، بل بدافع الحب منه للبشر كالتالي:
”يُدافِع البشير الحكيم جدًا بطريقةٍ نافعةٍ عن الآلام الخلاصية، ويبين أن الموت على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشريّ، ولم يعان المسيح الموت نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بالحري قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم لله الآب بدافع حبه الأصيل. فحيث إنه كان ينبغي أن يتألم لكي يُبطِل ما دخل من فساد وخطية وموت، فقد أعطى نفسه فديةً عن حياة الجميع“.[13]
يُشِير ق. كيرلس إلى أن الكل كان موجودًا في المسيح بصيرورته إنسانًا، وهكذا مات بالجسد لأجلنا ليقيم طبيعتنا كلها معه، وقَبِلَ الروح القدس في جسده لأجلنا لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها كالتالي:
”وأيضًا إذ هو الحياة بالطبيعة، مات بالجسد لأجلنا، لكي يغلب الموت لأجلنا، ويُقِيم طبيعتنا كلها معه، لأن الكل كان فيه بصيرورته إنسانًا، وهكذا أيضًا قَبِلَ الروح القدس لأجلنا، لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها. لأنه لم يأت لكي ينفع نفسه، بل لكي يصبح لنا جميعًا، الباب والبداية والطريق لكل الخيرات السمائية“.[14]
ويدحض ق. كيرلس نظرية البدلية العقابية مُشِيرًا إلى أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنا، بحيث أن موت الكل حدث في المسيح، لأن الكل كان فيه كالتالي:
”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنا. الواحد عن الكل؛ لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحد مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي بسببنا ولأجلنا مات وقام. لقد أبيدت الخطية، فكيف يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن، بعد أن أُبِيدت الخطية؟ لذلك نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ (هو 13: 14؛ 1كو 15: 55)“.[15]
ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا في موضع آخر عن الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية البدلية العقابية قائلاً:
”ولا يوجد أدنى شك في أن جرائم عصيان آدم، قد وجدت حلاً بالمسيح؛ لأنه كما هو مكتوب ’صار لعنةً لأجلنا‘ (غلا 3: 13)، مُحرِّرًا الأرض من اللعنة القديمة. ونقول حقًا إن الكُل انجمع بواسطته إلى حالته الأولى التي أعطاها الله الآب. إذًا، ’إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17). لأنه هو آدم الثاني وبطاعته، أبعد عنا تهمة الإنسان الأول، أقصد العصيان بالتأكيد، الذي صار في بدايات الخليقة“.[16]
يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندريّ بين الهرطوقيّ والأرثوذكسيّ بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:
”وحيث أن الهرطوقيّ في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: [إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تُشِير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي]. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبيِّن للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة. فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]، فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦). كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[17]
مفهوم الغضب الإلهي
يُحدِّد ق. كيرلس الإسكندري ماهية الغضب الإلهيّ، حين يتحدَّث عن الحياة إنها الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أمَّا ”غضب الله“ فهو عذابات الأشرار، حيث يقول:
”لكن إنْ كان من الممكن إدراك أنَّ غير المؤمن سوف يُحرَم من الحياة في الجسد، لكنه بالتأكيد قد أضاف على الفور ’بل يمكث عليه الموت‘ لكن حيث إنه يُسمِّيه ’غضب الله‘، فمِن الجلي إنه يعقد مُقارنة بين عقاب الأشرار وتنعُّمات القديسين، وأيضًا يصف تلك الحالة بكلمة ’الحياة‘ التي هي الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أما عذابات الأشرار فيُسمِيها ’غضب الله‘، وكثيرًا ما سُمِيَ ذلك العقاب في الكتاب المقدَّس إنه ’غضب‘، وسوف أقتبس من شاهدين، بولس ويوحنا المعمدان: إذ يقول الأول للمهتدين بين الأمم ’وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضًا‘ (أف2: 3)، ويقول الآخر للكتبة والفريسيين: ’يا أولاد الأفاعي، مَنْ أراكم أنْ تهربوا من الغضب الآتي؟‘ (مت3: 7)“.[18]
يستنكر ق. كيرلس فكرة وراثة الغضب الإلهيّ من الآباء للأبناء بسبب خطايا الآباء، حيث إنهم لو كانوا حكماء، ألا يكون لائقًا بهم بالأحرى أنْ يعتنقوا الرأي الذي يقول: أن الله الذي هو مصدر البر ومصدر قوانيننا الأخلاقية لا يُمكِن أنْ يفعل شيئًا مُخجلاً كهذا؛ لأنه حتى الناس يُعاقِبون العصاة بحسب القوانين، ولكنهم لا يُوقِعون هذه العقوبات على أولادهم، إلا لو كان هؤلاء الأولاد مُشترِكين مع آبائهم في الأفعال الشريرة. فذلك الذي وصف لنا قوانين كل عدل، كيف يُمكِن أنْ يُقَال عنه أنه يُوقِع عقوبات تُعتبر مُدانة عندنا بشدة (لأنها غير عادلة).[19]
ويُناقِش ق. كيرلس موضوع الانفعالات البشرية المنسوبة لله في الكتاب المقدَّس من الغضب والندم والسخط، ويُعلِّل ذلك بأن السبب الحقيقيّ الذي جعل الكتاب المقدَّس يُحدِّثنا عن الله بأقوال تخص الأعضاء الجسدية، هو ضعف عقلنا ولغتنا. بدون شك الأمور المتعلِقة بالله هي أبعد من أنْ تُوصَف. وبالتأكيد لا يُمكِننا أنْ نُدرِك الأمور الهامة عن الله، نحن الذين نحيا في أجساد مادية وسميكة، إلا فقط، إذا قَبِلنا أمثلة ونماذج تتناسب مع نوعية طبيعتنا. بمثل هذه الطريقة فقط، يكون لدينا المقدرة أنْ نرتفع نحو مفاهيم سامية عن الله.[20]
يتحدَّث ق. كيرلس عن إنذارات الله لأولئك الذين يُغضِبونه ويُسبِّبون له حزنًا، حيث يُعلِن الله لهم الأمور التي سوف تحدث لهم أحيانًا، ولكن بطرق ملائمة، على الأقل برسالة الملائكة إلى العقل البشريّ، وعندما يُعلِّم بها أولئك، يذوبون خوفًا من الحزن، ويصير هذا الإعلان بالنسبة لهم بمثابة إنذارٍ كبداية للغضب والعقاب الذي يُهدِّدهم. ولأنه يستريح في الأنبياء القديسين، ففي مرات كثيرة يُعلِن لهم، ليس فقط الأمور المحزِنة والأمور التي سوف يُضايقون بها شخصًا لتجعله يجلس ويبكي، لكن أيضًا يذكر لهم الأمور المفرِحة حقًا لرفاهية البعض، أمَّا الفُجَّار وأتباع المنجِّمين فيكشف لهم الأمور الشريرة التي سوف تحدث لهم.[21]
يُوضِّح ق. كيرلس إلى أن الله استخدم في العهد القديم تعبيرات بشرية عن ذاته بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا وبسبب استعمال اللغة وعجزها كالتالي:
”ورغم أنك قد تقول إن الله قال في كتاب العهد القديم لليهود: ’أصوامكم وأعيادكم بغضتها نفسي‘ (أنظر إش 1: 13، 14 سبعينية)، وتعبيرات أخرى مشابهة، إلا أننا نقول إنه استعمل طريقتنا في الكلام، خاصةً بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا، وبسبب استعمال اللغة وعجزها، فهو يتحدَّث عن طبيعته غير الجسدية على أن لها وجهًا، وعيونًا، وأعضاءً أخرى“.[22]
يُشِير ق. كيرلس إلى أننا ينبغي أن نوجه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية التي لا تستطيع التعبير عن الحقائق الإلهية بطريقة مناسبة قائلاً:
”فلا ينبغي أن نعثر بسبب هذا، بل بالحري ينبغي أن نُوجِّه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية، التي لا تستطيع أن تُعبِّر عن الحقائق الإلهية بطريقةٍ مناسبةٍ. فما هي اللغة التي تكفي أن تشرح طبيعة الله ومجده اللذين يفوقان كل تعبير“.[23]
ونرى ق. كيرلس يُؤكِّد على أن الله عديم الهوى أو خالي من الهوى απαθής أي الأهواء البشرية كالتالي:
”وبما أن الابن يُقارن بالآب من جهة الأعظم والأدنى، وهذه المقارنة تقع خارج الهوى، خاصةً وأن الله عديم الهوى απαθής، وبما أن الآب لا يتفوق على الابن، باعتبار أن الابن له نفس جوهر الآب، ولا يمكن للابن أن يعاني شيئًا أو يتأثر بشيءٍ، فالقول ’أعظم‘، إنما يُقال فقط من جهة بداية الابن الأزلية من الآب“.[24]
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ مثله مثل جميع آباء الشرق اليونانيّ، وبالخلاف عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ، ولاهوت العصر الوسيط، واللاهوت البروتستانتيّ، على أن الله هو هو دائمًا، لا يتحوَّل ولا يتغيَّر من حال إلى حال، وأن عدم التغيُّر في الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهر الله نفسه كالتالي:
”بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عُرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال. وعدم تغيُّر الله ليس صفةً عرضيةً، بل يرجع إلى جوهره“.[25]
ويُشِير ق. كيرلس أيضًا إلى احتمال الله للبشر الذين يصبون جام غضبهم عليه، ليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء كالتالي:
”فقد أتى مُخلِّصنا مرةً إلى قرية السامريين بالقرب من اليهودية؛ فلم يقبلوه وثار التلاميذ بسبب هذا الأمر، وقالوا له: ’يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم‘ (لو 9: 52-56). فأنتهرهم المخلِّص ورفض أفكارهم. لأنه لم يأت كإله ليستخدم قوته الإلهية ضد أولئك الذين يصبون جام غضبهم عليه، بل بالحري ليُعلِّمنا أن نحتمل ونصبر في كل الضيقات، وليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء. لذلك قال أيضًا: ’تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[26]
وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الله هي طبيعة بسيطة، وحتى إن كانت أفعاله متنوعة، ولها إرادة بسيطة حكيمة، فما يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا ينسجم غضب الله مع لطفه كالتالي:
”هل لمجرَّد أن قُلنا إن الطبيعة الإلهية طبيعة بسيطةٌ، يُنكِرون أن تكون أفعال الله متنوعةً. يجب عليهم أن يعرفوا أن هذه الطبيعة لها إرادة بسيطة حكيمة، وليس إرادات مُتعدِّدة، وذلك لأن الله يمكن أن يلوم الذين يمدحهم، ويُؤدِّب الذين يحبهم. والذي يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا فغضب الله ينسجم مع لطفه. وأنا أريد أن أُضيف شيئًا آخر: إن اللاهوت طبيعة واحدة بسيطة، ولكنه أيضًا هو الحياة والقوة والحكمة والمجد“.[27]
يُشِير ق. كيرلس إلى أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع للأهواء البشرية مثل الغضب، ويُوضِّح أن غضب الله يكون بالطريقة المعروفة لنفسه فقط وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق كالتالي:
”حينما يريد الكتاب الإلهيّ أن يُعبِّر عن غضب الله ضد الخطط الشريرة من أي نوع، فهو يقتبس الكلمات من التعبيرات المستعمَلة بيننا، ويتحدَّث عن الغضب بعباراتٍ بشريةٍ؛ رغم أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع لهذه الأهواء بأي طريقة يمكن مقارنتها بمشاعرنا، ولكنه يتحرك بالسخط بالدرجة المعروفة لنفسه فقط، وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق. ولكن الكتاب الإلهيّ، كما قُلنا، يُسجِّل أشياء أعلى بكثير من قدرتنا البشرية“.[28]
ويعترض ق. كيرلس على انفعال بطرس الرسول على عبد رئيس الكهنة، مُؤكِّدًا على أن المسيح جاء ليعطينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، وهكذا يلوم المسيح الانفعالات التي بحسب الناموس، والتي لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية كالتالي:
”لذلك فإن انفعال بطرس كان مشروعًا بحسب القوانين القديمة؛ ولكن ربنا يسوع المسيح حينما جاء ليُعطِينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، يلوم تلك الانفعالات التي بحسب الناموس، على أنها لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية. لأن الفضيلة الكاملة لا تكون بمجازاة الفعل بمثله، بل بالحري تَظهر في الترفق الكامل“.[29]
ويُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله لم يمنعه من أن يربي ويفيد البشرية بطرق متنوعة، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين تم تضليلهم وينقلهم إلى ما يفيدهم كالتالي:
”لكن بالإضافة إلى هذا، لاحظ أن غضب إله الكل في هذه الحالة، لم يمنعه من أن يربي ويفيد بطرقٍ متنوعةٍ، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين أُضِلوا وينقلهم إلى ما يُفِيدهم“.[30]
وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الله لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر في الشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع، لأنه كيف يكون طويل الأناة وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إن كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورة في الشخص المخطئ، فمن الحماقة تمامًا أن نفترض أن الله مع محبته ولطفه بالبشر، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول. وهكذا يدحض ق. كيرلس أولئك القائلين بوراثة العقوبة من الآباء إلى أبنائهم حتى الجيل الرابع قائلاً:
”ولهذه الغاية فهو يُعلِن أن: ’الرب طويل الروح وكثير الإحسان، يغفر الذنب والسيئة‘ (عد 14: 18). ولذلك فهو لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر بالشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع. لأنه كيف يكون طويل وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إنْ كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورةً فقط في الشخص الذي أخطأ، بل يمدها إلى ما بعد الجيل الثالث، فيكون بذلك كنوع من الرعد الذي يصعق حتى البريء. إذًا، فإنه مما لا يُصدَق بالمرة ومن الحماقة التامة أن نفترض أن الله، مع محبته للبشر ولطفه، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول“.[31]
يُوضِّح ق. كيرلس أن الله بطيء الغضب جدًا نحو آثام الذين يحزنونه بخطاياهم كالتالي:
”وإذ هو بطيء الغضب جدًا نحو آثام أولئك الذين يحزنونه بخطاياهم طبعًا، وإذ هو يفي بوعده للآباء القديسين، فإنه يصعد ليعلمهم ويضع أمامهم تعاليم الخلاص“.[32]
يُؤكِّد ق. كيرلس على أن اليهود بعدم إيمانهم أوقعوا أنفسهم تحت الغضب الإلهي، ولكن الرب كطبيب ماهر يُظهِر ضعفهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، يكشف عن سببه، لكي لا يبقوا رازحين تحته، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع الذي حزن كثيرًا لأجلهم لأسباب عادلة كالتالي:
”لم يقل الرب فقط: ’لقد رأيتموني، ولستم تؤمنون‘، لكن كان من الضروري أن يُورِد ذكر السبب في عماهم، ليعرفوا أنهم قد وقعوا تحت الغضب الإلهي. لهذا، وكطبيبٍ ماهرٍ فإنه يُظهِر ضعفهم من جهة، ويكشف عن سببه من جهة أخرى، لا لكي إذا ما علموا بأمره يبقوا رازحين فيه، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع، الذي حزن لأجلهم كثيرًا لأسبابٍ عادلةٍ“.[33]
ويُشدِّد ق. كيرلس على أن الإنسان الذي يهمل وصايا الله الواجبة، ويصير أسيرًا للخطية، هو علة الغضب الإلهي، وليس الله هو المتسبب في ذلك، فهذا غير منطقي تمامًا، فالغضب الإلهي هو عدم شمول عطف الرب لنا، وهكذا لن يكون هناك عائق أمام الخطية يمنعها من تعذبينا بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشر علينا كالتالي:
”بلاديوس: إذًا، هل عندما نُهمِل وصايا الله الواجبة، ونصير أسرى للخطية، نُلقِي اللوم على الله، ونشتكي من غضبه، وندَّعي أننا بسبب هذا الغضب أخطأنا؟ كيرلس: بالطبع، لا يمكن أن يكون الله هو المتسبِّب في هذا؛ وإلا كان ذلك غير منطقيّ. لكن عندما نقول: ’أنت سخطت إذ أخطأنا‘، نقصد أنه إذا لم يشملنا عطف الرب، فلن يكُن أمام الخطية أي عائق يمنعها من تعذيبنا، وذلك بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشرِّ علينا“.[34]
يُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله على العاصين ممزوجٌ بالوداعة، فلم يسمح ناموس الطبيعة – الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة – بحدوث فساد ودمار شامل عام كالتالي:
”إذًا، لا يسمح ناموس الطبيعة بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يُعلِن إن الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُسَاق تمامًا نحو العدم، يسودها فساد طائش، لكنها تبقى يتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُص من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته، إذ مكتوب الآتي: ’فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وإن خلائق العالم مفيدة وليس فيها سم مهلك، ولا مُلِك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأن البر خالد‘ (حك 1: 14)“.[35]
يُوضِّح ق. كيرلس أن الله لا يمكن أن يكون ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، داحضًا بذلك فكرة الغضب الإلهي الانتقامي والجزائي التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح قائلاً:
”لأن الله لا يمكن أن يوجد ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، بل بالحري هو الفضيلة ذاتها في كل صورها، وبكل يقين قد تصرف في هذا الأمر تصرفًا حسنًا، وكانت عاطفته خالية من كل لوم“.[36]
مفهوم العداوة
يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم إبطال العداوة، وعلى عكس مفهوم البدلية العقابية أن الله الآب كان غاضبًا علينا وفي عداوة معنا بسبب الخطية التي أهانت كرامته، فقام الآب بمعاقبة الابن كبديل عقابيّ عنا لكي يتصالح معنا وتنتهي عداوته لنا، ولكن يرى ق. كيرلس أن الابن وحَّدنا بذاته مع الله الآب مبطِلاً العداوة كالتالي:
”صار [المسيح] لأجلنا الأساس والأمان ودعامة ثابتة، وحجر الأساس غير المتصدِع. […] لقد وحَّدنا بذاته مع الله الآب مُبطِلاً العداوة كما هو مكتوب (أف 2: 15-16). وقال حقًا لأبيه السماويّ عن كل الذين تبرَّروا بإيمانهم فيه: ’أيها الآب أنت فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا‘ (يو 17: 21)“.[37]
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بوجود أية خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:
”وقد أظهره الله الآب مُتجسِّدًا، ومنظورًا، وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: ’هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا‘ (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم ’يقل هذا الجسد‘، بل ’هذا هو ابني‘، وذلك حتى لا نَعتبره مُجزَّئًا ومُنفصِلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا – واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقةٍ فريدةٍ خاصةٍ – على أن المتجسِّد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقيّ، وكيف لا يكون؟“.[38]
مفهوم الذبيحة
يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم ذبيحة المسيح على الصليب، ويدحض في نفس الوقت مفهوم ذبيحة المسيح كبديل عقابيّ عن البشرية يقدم هذه الذبيحة ترضيةً لغضب الله الآب على البشرية الخاطئة، حيث يرى أن المسيح ذُبِحَ أمام الله الآب وبموافقته من أجل خلاص العالم، ولكن الآب لم يستعذب ويرضى بالألم الذي تعانيه الذبيحة لكي يهدئ من غضبه، كما تُصوِّره نظرية البدلية العقابية، بل كان يعرف أن آلام ابنه هي من أجل خلاص العالم كالتالي:
”هكذا يصير ذبحه أمام الربِّ، معطيًا بذلك إشارةً إلى موافقة الآب على أنه يجب أن يموت الابن، ولم يرفع نظره بينما كان يُذبَح. لكنه على أية حال، لا يستعذب الألم الذي تُعانِيه الذبيحة ويثني عليه، إلا أنه يعرف أن ألم عمانوئيل هو لأجل خلاص العالم. إذًا، فقد حمل المسيح خطايانا، وتألم لأجلنا محتملاً الذبح فوق الصليب الكريم“.[39]
ويشرح ق. كيرلس مفهوم الذبيحة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح أشرق في الكنيسة في العالم بطرقٍ كثيرةٍ، وهكذا قُدِّمت كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ لله وفديةً وتعويضًا لأجل حياة الكل، لأنه كان واحدًا في الجوهر مع كل البشر، وهكذا لأن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ وبدايةٍ للطبيعة البشرية الجديدة، وهكذا تُقدَّم الذبيحة كل يوم باستمرار، لأن المسيح سيظهر بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه ذبيحةً بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة، وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة لله الآب لكي ما نصير فيه ذبيحةً مُقدَّسةً ونموت عن العالم كالتالي:
”سأعرض لك الأمر بقدر المستطاع: عندما ظهرت الخيمة المقدَّسة الحقيقية، أي الكنيسة في العالم، وأشرق المسيح فيها بطرقٍ كثيرةٍ، قُدِّمَت فديةٌ وتعويضٌ لأجل حياة الكل كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ إلى الله، الواحد في الجوهر مع كل البشر. أي بسبب أن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ، وبدايةٍ للطبيعة البشرية (الجديدة)، والذي تفوح منه القداسة الموجودة فيه من طبيعته وجوهره لأنه هو الله. […] التقدمة اليومية تشير إلى استمرارية ذبيحة المسيح كل يوم وعدم انقطاعها، والثمار تشير إلى الذين خلصوا بالإيمان. لأن السجود له لن ينقطع، ولا تقديم العطايا. سوف يظهر المسيح بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة. وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة. لأنه يُقدِّم ذاته ذبيحةً إلى أبيه، وليس بالتأكيد لأجل ذاته وفق التعليم المستقيم، لكن لأجلنا نحن الذين كنا تحت نير وثقل الخطية. ونحن نتشبه حقًا بذاك ونصير ذبيحةً مُقدِّسةً ونموت عن العالم (رو 6: 5)، لأنه الخطية ماتت فينا ونحيا لله حياة القداسة“.[40]
مفهوم الفدية
يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى مفهوم الفدية، حيث يُعطِينا المخلِّص نحن البشر الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته. كما يرفض ق. كيرلس أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس، ويُؤكِّد على تقديم الفدية لأجلنا، حيث قدَّم المسيح الفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالي:
”لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها“.[41]
ويُؤكِّد ق. كيرلس – مثلما أكَّد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت عن حياة كل البشر قائلاً:
”لذا كان من الضروريّ أن يُقدِّم ابن الآب الحيّ جسده الخاص للموت كفديةٍ عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتَّحِد بالكلمة يُمهِّد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت“.[42]
ويشير ق. كيرلس في موضع آخر إلى أن الفدية كانت من أجل الجميع لإماتة الموت بموت المسيح، وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة، حيث يقول التالي:
”(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحِيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة. لأنني لهذا صرت مثلك إنسانًا، أي من ذرية إبراهيم، حتى ’أُشبِه أخوتي في كل شيء‘ (أنظر عب 2: 17)“.[43]
ويتحدَّث ق. كيرلس عن الفدية في موضع آخر مشيرًا إلى القيمة العظيمة لموت الكلمة المتجسِّد، الذي لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الله المتأنس كالتالي:
”نجد هذا الذي لم يعرف خطيةً، أقصد المسيح، قد تألم بكل ما يليق بالملعونين جراء قرارٍ ظالمٍ؛ حتى يُمكِن لهذا الذي هو جدير بالكل، أن يموت لأجل الجميع، لكي يحل جرائم عصيان الكل، ويشتري المسكونة بدمه. لأن إنسانًا عاديًا لا يُمكِنه أن يكون جديرًا بالجميع للجميع. لكن، بما أن الله هو الذي تأنس وتألم من جهة جسده، فالخليقة كلها تتضاءل مقابله، وبالتالي، يصل موت جسده إلى درجة أن يكون فديةً، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة، الكلمة المولود من الله الآب“.[44]
يُشِير ق. كيرلس إلى تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:
ويُؤكِّد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع، للكبير والصغير، وللغني والفقير، ولليهودي والأممي كالتالي:
”لأنه هكذا خلَّص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني“.[46]
وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس أن المسيح قد أعطى جسده فديةً لأجلنا، لأنه لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الإله المتجسِّد الأجدر من الجميع، لذلك كان دمه كافيًا لفداء العالم كله وتسديد الدَّين كالتالي:
”إذًا، فقد افتُدِينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً، فإذا اعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو اعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدارةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا“.[47]
ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدَّث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليُطلِقنا من الأسر، بل يُؤكِّد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء – على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:
”ويُعلِن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة“.[48]
ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:
”وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفِضوا وفقدوا كل العناية السماوية“.[49]
ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:
”نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسَب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت“.[50]
ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدَّم ذاته فديةً للموت كالتالي:
”لأنه افتدانا من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرَك كطريقة للفداء. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مُسمِّرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ’الذي بذل نفسه فديةً لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة‘ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد“.[51]
ويُوضِّح ق. كيرلس أن الآب نفسه هو الذي بذل وقدَّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:
”وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ’قد اشتُريتم بثمن فمجَّدوا الله‘ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام“.[52]
كما يُؤكِّد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسرَّ بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:
”فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفَع الفدية لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدَّمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدَّم ذاته لأجلنا“.[53]
لذلك، إن كان الآب هو مُقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المُقدِّم للفدية والمُقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابيّ البروتستانتيّ، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس قائلاً:
”والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يُلاشِي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطِل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ’التفت إليَّ وارحمني‘ (مز ٢٥: ١٦)“.[54]
أخيرًا، نستنتج أن الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري تمَّ تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليُقدِّم المسيح للآب الجنس البشريّ جنسًا مُقدَّسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه. فالسمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقَب من الآب لأجل البشر. كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يُعاقِب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدَّس، ونصلي في الليتورچية، وفي الأجبية. فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يُمارِس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يُمِيت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يُمِيت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يُمارِس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت. فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا ادعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقِب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!
مفهوم الدين
يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الله خلَّصنا وسدَّد عنا ديوننا مجانًا بلا مُقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يُعرَف بـ ”شريعة سنة اليوبيل“. ونرى بوضوحٍ المنحى الشفائيّ الخلاصيّ عند ق. كيرلس، حيث يرى ق. كيرلس إنه غاية تدبير المخلِّص هي شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة. وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربيّ بشقيه المدرسيّ والبروتستانتيّ، كالتالي:
”وقد خلَّصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نُعطِي أيّ مُقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً: ’فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. وَهذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لاَ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلاَ أَخَاهُ، لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ. الأَجْنَبِيَّ تُطَالِبُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ أَخِيكَ فَتُبْرِئُهُ يَدُكَ مِنْهُ. إِلاَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيكَ فَقِيرٌ. لأَنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا يُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِتَمْتَلِكَهَا‘ (تث١٥: ١-٤). هل رأيت كيف تُشرِق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوحٍ تامٍ سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرَّر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصِرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حرَّرهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم“.[55]
يُؤكِّد ق. كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:
”إذًا، بما أن المسيح لم يُوزَّع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلِبَ لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا احتُوِينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله“.[56]
ويشرح ق. كيرلس في موضع آخر مفهوم الدَّين، وعلى عكس نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ التي تقول بتسديد الابن لدَّين الخطية الذي كنا مديونين به لله الآب عن طريق معاقبته كبديل عقابيّ عنا، حيث يرى ق. كيرلس أننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهامات إبليس لنا بسبب الخطية، وذلك بإبطال حكم الموت الذي كان نتيجة العصيان والتعدي كالتالي:
”لأن الخطية ملكت على كل مَن على الأرض، لذا انجذب كثيرون من الأحداث إلى الشرور كما هو مكتوب (تك 6: 5)، وقد أصرَّ الجميع تمامًا على تحقيق كل ما يريدونه، وهكذا وجدنا أنفسنا حتمًا محسوبين لحكم الموت. لأن حكم الموت كان نتيجة مخالفة الناموس الإلهيّ وعدم الطاعة للإرادة الإلهية. ولذا حزن الخالق على طبيعة الإنسان التي فسدت؛ وصار الوحيد الجنس إنسانًا، وجعل جسده يحتمل الموت لأجلنا، ذلك الذي تسلَّل إلينا بسبب الخطية؛ لكي بموته يُبطِل الخطية ويُوقِف اتهامات الشيطان نحونا، لأننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهاماتنا بسبب الخطية؛ لأنه وفقًا لكلمات النبيّ: ’هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين‘ (إش 53: 12؛ يو 1: 29). أو ألم نُشفَ بآلام ذاك؟“.[57]
يرى آباء الأرثوذكسية وق. كيرلس الإسكندريّ أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا اقتضت حكمة الله أن يجوز مَنْ كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.
دحض نظرية الإبدال العقابي
يدحض ق. كيرلس فكرة الإبدال العقابيّ بتقديم الابن كبديل عقابيّ عن البشرية الخاطئة لإرضاء كرامة الآب المهدرة التي أهانها البشر بالخطية، ولتهدئة وتسكين غضب الآب على البشرية الخاطئة، حيث ير ى ق. كيرلس أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنَّا نحن الذين كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، وخاضعين للفساد والموت كالتالي:
”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنَّا. الواحد عن الكل، لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحدٌ مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي مات وقام بسببنا ولأجلنا. لقد أُبِيدت الخطية، فكيفى يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن بعد أُبِيدت الخطية؟ لذلك، نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين فلبتك يا هاوية؟‘ (1كو 15: 55؛ هو 13: 14)“.[58]
دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ فكرة إيفاء العدل الإلهيّ والإبدال العقابيّ بتقديم بريء عوضًا عن آخرين خطاة كالتالي:
”لأنه حتى لو أن قانون العدالة اَعتبر أنه من العبث تمامًا معاقبة آخرون بدلاً من أولئك الذين أخطأوا بالفعل، فيجب، إذًا، أن يكون واضحًا للجميع أنه من المحتمل أن يسلم المرء بأنه لا يوجد شيء أكثر بؤسًا من أولئك الذين يعبدونهم كآلهة، إذا كانت القوانين ومُديِّري كل شيء غير قادرين على الحكم على نحو صحيح عند تكليفهم للقيام بذلك. من الواضح أنه لدينا مَن يحكم على كل شخص بشكلٍ صحيحٍ، وهم في الواقع الأفضل، لأنهم يحترمون العدل كما هو مناسبٌ، في حين أنهم يعتقدون أن مَن تثبُت مسئوليتهم عن الجرائم التي ارتكبوها، فهم مكرهون، ويلزم مُعاقبتهم بما يتناسب مع الأفعال السيئة التي أُدِينوا بسببها. حسنًا، يا سيدي العزيز، هذا بالضبط ما يعتقد شعراؤك وكُتَّابك البارزون أيضًا حول هذا الشأن، فاِسمع إلى ما يقوله أحد حكمائنا: ’حماقة الرجل تعوج طريقه، وعلى الرب يحنق قلبه‘ (أم 19: 3). وبالتالي، إذا كان المرء خاليًا من الحماقة، فلن يُفسِد طريقه، ولن يتهم الطبيعة الإلهية على الإطلاق بأنها تحثه على ما حرمته تلك الطبيعة نفسها“.[59]
ويربط ق. كيرلس بين العدل والصلاح والرأفة في حادثة شفاء الرب يسوع لمريض بركة بيت حسدا قائلاً:
”لذلك كان حكم المخلص عادلاً وصالحًا ولم يعوقه حتى يوم السبت عن أن يكون رؤوفًا عطوفًا على العليل، لكنه إذ هو الإله يعرف كيف يتمم هذا الأمر؛ لأن الطبيعة الإلهية هي نبع الصلاح، وهذا ما فعله حتى يوم السبت“.[60]
مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية
ينتقد ق. كيرلس الإسكندريّ القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله ”ذياس“ يتحدَّث مع آلهة أخرى عن زنى ”إيجيستوس“، وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ. فلأيّ سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبِّب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مُستقِيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ مُتخطِيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يُقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أمَّا الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويُفضِّلون الظلم، هؤلاء يُفسِدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.[61]
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذَّا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإنَّ الناموس يُحاكِمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها ”مدن الملجأ“ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله، كما يقول الكتاب: ”لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته“ (تك8: 21). فكمَّا ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجَّمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقَب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يُشِير إلى أقسام الأرض السفلى، أيّ الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، نزل إلى الجحيم، وفتح أبوابه، وحرَّر النفوس من القيود.[62]
ويرى ق. كيرلس أن العقوبة الإلهية هي النتيجة الفعلية لحماقة البشر، وليست نتيجة عن مشورة الله أو إرادته كالتالي:
”رغم كل ذلك، فإنه أكرمه بنفس درجة إكرامه للباقين، وغسل قدميه أيضًا، مبينًا دائمًا علامات محبته، ولم يعط فرصةً للعقاب إلا بعد أن يكون استنفذ كل محاولات الإصلاح. ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الصفة أيضًا هي خاصة بالطبيعة الإلهية. لأنه رغم أن الله يعرف ما سيحدث، إلا أنه لا يُوقِع عقابه قبل الأوان على أي إنسان. بل بالحري، بعد أن يصبر على الخاطئ لأطول مدة لازمة، حينما يرى أنهم لا ينتفعون من صبره عليهم، بل بالحري يظلون مُستمِرين في طريقهم الشريرة التي اختاروها بأنفسهم، فحينئذٍ يُعاقِبهم، مُبينًا أن عقابه لهم هو النتيجة الفعلية لحماقتهم وانحرافهم، وليس ناتجًا عن مشورته أو إرادته، فحزقيال يقول مثلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب، إني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا‘ (حز 33: 11)“.[63]
ويدحض ق. كيرلس تعليم القدرية والجبرية مؤكدًا على ضرورة توافر حرية الإرادة في النفس، لأنها لو حادت عن الحق وفي طياشة تعدت مشيئة مُعطِي الناموس، فيقع عقاب تعديها عليها، فالعقوبة هي نتيجة التعدي والعصيان كالتالي:
”لأن كلمة التعليم تتطلب أن تتوفر للنفس الإرادة الحرة والاختيار الحر لكي تسعى لطلب المكافآت العادلة لأعمالها الصالحة، وهي إنْ حادت عن الحق، وفي طياشة تَعدَّت مشيئة مُعطِي الناموس، يقع عليها عقاب تعديها وهذا أمر معقول جدًا“.[64]
ويُؤكِّد ق. كيرلس على عدم وجود الأذى في طبيعة الله كليّ الصلاح كالتالي:
لا يتفق تعليم الخلاص بالأسرار مع تعليم البدلية العقابية، كما سنرى ذلك في تعليم البدلية العقبية عند چون كالفن، المعبِّر الحقيقيّ والمثاليّ عن نظرية ”البدلية العقابية“. حيث يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أننا عندما ننال سر المعمودية نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، ودُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله كالتالي:
”أمَّا الذين بالإيمان بالمسيح يصلون إلى البنوة التي من الله، فإنهم لا يعتمدون لمَّن هو مخلوق، وإنما يعتمدون للثالوث القدوس نفسه، وبواسطة الكلمة كوسيط، الذي اتَّحد بما هو إنسانيّ أي بالجسد، وفي نفس الوقت هو واحدٌ مع الآب بلاهوته، فهذا يجعلنا نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، وبالإيمان دُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله. […] فكيف يُقَال عننا – نحن الذين نُولَد في المعمودية – بواسطته، إننا مولودون من الله؟ فإمَّا أن يكون الإنجيليّ كاذبًا، وهو ليس كذلك، وإمَّا أن يكون صادقًا وهو كذلك بالتأكيد، وبذلك يكون الروح القدس هو الله، ومن الله بالطبيعة ونصبح نحن مستحقين بالإيمان بالمسيح أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4)، ومولودين من الله، ومدعوين آلهةً، وليس بفضل النعمة فقط وحدها نرتفع إلى المجد الذي فوق طبيعتنا، بل لأنه قد صار لنا الآن سُّكنى الله وإقامته فينا“.[66]
ولكن يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا ننال شركة الله بالشركة في جسده الخاص كالتالي:
”فإن المن الرمزيّ لم يعد بعد يخصنا، لأنه ليس بحرف موسى نقتات بعد، بل لنا الخبز الذي من السماء، أي المسيح، يقوتنا إلى حياة أبدية، بواسطة زاد الروح القدس، وكذلك بشركة جسده الخاص، الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[67]
ويتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن شركة الطبيعة الإلهية من خلال الاشتراك في البركة أي الإفخارستيا، وهذا لا يتفق مع تعليم البدلية العقابية الحقيقيّ، وليس كما يدَّعي البعض عن عناد وجهل كالتالي:
”حتى إذا ما اشتركوا في البركة التي منه، يصيرون شركاء الطبيعة الإلهية، وبذلك يُستعادون إلى الحياة وعدم الفساد، وتُعاد خلقتهم إلى حالة طبيعتنا الأولى“.[68]
وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، لأن الناسوت لا يمكن أن يهبنا الحياة الأبدية والخلود، وهذا لا يمكن أن يتفق وتعليم البدلية العقابية الذي يرى أن المسيح عُوقِب مرةً واحدةً عن خطايانا بدلاً عنا، وبالتالي، لا يمكن تقديمه على المذبح كبديل عقابيّ في سر الإفخارستيا مرات عديدة على آلاف المذابح على مر العصور كالتالي:
”بسبب الجهل المطبق، فإن بعض الذين كان المسيح المخلص يعلمهم، قد استاءوا من كلماته. إذ أنهم حين سمعوه يقول: الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم (يو ٦: ٥٣)، ظنوا أنهم مدعوون إلى سلوك بربري وحشي، وكأنهم مدعوون إلى الاشتراك في أكل لحم إنسان، وشرب دمه، وأنهم سيضطرون إلى عمل أمور تثير الذعر لمجرد سماعها. لأنهم لم يعرفوا جمال السر، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك، فإنهم قد ناقشوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيء من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم لأن كل شيء عريان ومكشوف لعينيه (عب ٤: ١٣)، فإنه يشفيهم مرة أخرى […] حتى أنهم متى أدركوا معنى المناقشة، ينصتون إليه، لا كمن ينصت إلى مجرد إنسان عادي فقط، بل يعرفون أخيرًا أنه هو الله الكلمة في الجسد، ويؤمنون أن جسده أيضًا واهب الحياة“.[69]
ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح يعطي جسده المتَّحِد بلاهوته في سر الإفخارستيا، وهذا لا يتسق وتعليم البدلية العقابية الذي يدَّعيه البعض عن جهل وعناد إنه موجود في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ كالتالي:
”وعلينا إذًا، كما يقول المخلص، ألا نعمل للطعام البائد، الذي إذا ما مر إلى الأمعاء، والذي يجعل العقل ينتشي لبرهة وجيزة جدًا بأتفه الملذات، فإنه يتحول إلى نفاية، وسرعان ما يُقذَف خارج البطن مرة أخرى، لكن الطعام الروحي، الذي يسند قلب الإنسان (مز ١٠٤: ١٥)، يحفظ الإنسان إلى حياة أبدية، الذي وعد المسيح أيضًا أن يهبه لنا قائلاً: الذي يعطيكم ابن الإنسان، إذ إنه يتكلم عن جسده المتحد بلاهوته، وبذلك يكون قد ربط كل سر التدبير بالجسد، في ترتيبه الصحيح. لكنه في رأيي يلمح إلى الطعام السري الأكثر روحانيةً، الذي بواسطته نحيا فيه، مُقدَّسين نفسًا وجسدًا، لكننا سوف نراه يتكلم بعلانية أكثر فيما بعد. وعلينا أن نحفظ الحديث لوقته ومكانه المناسبين“.[70]
يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الجسد وحده لا تهب الحياة، بل باتحاد الكلمة بالجسد، فإنه يصير واهب للحياة بالكلية، وذلك في سياق تأكيده على أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، أي المسيح كله، في سر الإفخارستيا كالتالي:
”لكن حينما تمعنون النظر في سر التجسُّد، وتعرفون مَن هو ذاك الذي حلَّ في هذا الجسد، ستشعرون حتمًا أن الجسد يمكنه أن يهب الحياة، مع أن الجسد في حد ذاته لا يفيد شيئًا البتة إلا إذا أتهمتم الروح الإلهي نفسه – الذي في الجسد – أنه هو أيضًا لا يفيد شيئًا. لأنه إذ اتحد الجسد بالكلمة مُعطِي الحياة، فقد صار واهبًا للحياة كلية، مرتفعًا إلى قوة الطبيعة الأكثر علوًا، دون أن يجبر ذاك الذي لا يمكن إخضاعه بأي حال للتحول إلى طبيعة الجسد الخاصة، برغم أن طبيعة الجسد في حد ذاتها عاجزة عن أن تعطي حياة من ذاتها، ومع هذا فهي تقدر على فعل ذلك، حينما يصير لها الكلمة مُعطِي الحياة، وتكون مفعمة بفاعليته كلها. لأن هذا الجسد هو جسد ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، وليس جسد أي كائن أرضي الذي يُقال عنه حقًا: الجسد فلا يفيد شيئًا“.[71]
يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا عن تناول الجسد الذي له في ذاته الكلمة (اللاهوت) الذي هو الحياة بالطبيعة، هذا التعليم يرفضه تعليم البدلية العقابية تمامًا، لأن المسيح مات مرةً واحدةً على الصليب بديلاً عقابيًا عن خطايانا، وبالتالي، لا يمكننا أن نذبحه ونُقدِّمه كبديل عقابيّ مرات ومرات على آلاف المذابح في آلاف القداسات على مر العصور كالتالي:
”لهذا فإن كل مَن يأكل من الجسد المقدَّس الذي للمسيح، فله حياة أبدية، لأن الجسد له في ذاته الكلمة الذي هو الحياة بالطبيعة. لهذا يقول: وأنا أقيمه في اليوم الأخير. وبدلاً من القول: جسدي سوف يقيمه، أي يقيم مَن يأكل هذا الجسد، قد وضع الضمير أنا في عبارة ’أنا أقيمه‘ لا كأنه هو آخر غير جسده الخاص، لأنه بعد الاتحاد لا يمكنه أبدًا أن ينقسم إلى ابنين. لهذا يقول أنا الذي صرت فيه من خلال جسدي الخاص نفسه، أي أنني سوف أقيم في اليوم الأخير، ذاك الذي يأكل جسدي، لأنه كان من المستحيل حقًا أن ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، ألا يقهر الفساد بشكلٍ أكيد، وألا يسود على الموت“.[72]
يُؤكِّد ق. كيرلس أننا بتناولنا للإفخارستيا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، هذا التعليم لا نجد له محل في تعليم البدلية العقابية، كما نادى به أصحابه، وخاصةً چون كالفن، كما سوف نستعرضه فيما يلي، والذي يحاول البعض دون وعي إلصاقه زورًا وبهتانًا بالقديس كيرلس الإسكندريّ كالتالي:
”لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتي إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. إذًا، فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة التقدمة السرية المحيية [أي الإفخارستيا]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدَّسة مؤمنين أننا ننال حياة وبركة، روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومُعطِي الحياة“.[73]
تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن
سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء والبدلية العقابية في تعليم چون كالفن لعمل مقارنة بين تعليمه وتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص لنعرف هل هناك تعليم بدلية عقابية عند ق. كيرلس الإسكندريّ، كما يتوهم البعض، ويحاول إيهام الآخرين بذلك؟
مفهوم نظرية البدلية العقابية
سوف نستعرض مفهوم ”البدلية العقابية“ عند چون كالفن مُؤسِّس الكنيسة الكالفنية، وأحد أهم الدعائم التي ترتكز عليها الكنيسة المشيخية المصلِحة في شرحها لعقيدة الكفارة والفداء، ثم سوف نقوم بطرح الاعتراضات على نظرية ”البدلية العقابية“ في منظورها الغربيّ البروتستانتيّ في شرح عمل المسيح الخلاصيّ على الصليب.
يرى چون كالفن أن الخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا بارًا، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة.[74] ولأن الإنسان انفصل عن الله بسبب الخطية، وأصبح وارثًا للدينونة، وتحت لعنة الموت الأبدي، محرومًا من كل رجاء بالخلاص، بعيدًا عن كل بركة من الله، عبدًا للشيطان، أسيرًا تحت نير الخطيئة، مصيره النهائيّ هلاك مروع بدأ يعمل فيه منذ الآن؛ وبينما الإنسان في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة؛ وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله؛ وهكذا من خلال كفارة المسيح نال رضا الله الآب، وقُبِلَت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر.[75]
يُشِير چون كالفن إلى أنه بمعزل عن مسرة الله لا يقدر المسيح أن يستحق شيئًا. لكن استحقاقه جاء من كونه عُيَّن ليسترضي غضب الله من خلال ذبيحته، وليمحو تعدياتنا بطاعته. باختصار: بقدر ما كان استحقاق المسيح يعتمد على نعمة الله وحدها التي رسمت لنا طريقة الخلاص هذه، فهي تتعارض تمامًا مع كل البرّ البشريّ بقدر ما نعمة الله تتعارض.[76] وهذا يعني أننا نحن الذين ”بالطبيعة أبناء الغضب“ (أف 2: 3) ومُبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني واسترضينا الله وسكَّنا غضبه.[77] فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تمَّ إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن.[78] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له.[79] ويُعلِن الرسول بوضوحٍ أن المسيح قد دفع الثمن ليفدينا من عقاب الموت،[80] فالله [الآب] قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح، بحيث بعد أن نلنا البرَّ يمكننا أن نقف مطمئنين أمام عرش الله.[81]
مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي
يتحدَّث چون كالفن عن عمل المسيح في المصالحة بين الله والإنسان من خلال طاعة الله، وإرضاء عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة، وتتجلى بذلك أوضح صور ”البدلية العقابية“ من تقديم جسد المسيح أي جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله، ودفع عقوبتنا في هذا الجسد، كالتالي:
”المطلب الثاني لمصالحتنا مع الله هو أن الإنسان الذي ضلَّ بعصيانه، مُطالَب بإصلاح الوضع عن طريق طاعته، وإرضائه عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة. لهذا السبب، جاء ربنا كإنسان حقيقي وأخذ طبيعة آدم واسمه، ليأخذ مكان آدم في طاعة الآب، ويُقدِّم جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله العادلة، وليدفع في هذا الجسد ذاته العقوبة التي نستحقها نحن“.[82]
يُشِير چون كالفن إلى إرضاء المسيح لغضب الله الآب العادل من خلال تقديم جسده ذبيحةً لمحو ذنبنا كالتالي:
”إنَّ طبيعتنا المشتركة مع المسيح هي الضمان لشركتنا مع ابن الله، وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطيئة معًا جاعلاً من هذا الانتصار والغلبة ملكًا لنا، وقدَّم الجسد الذي نال منا، ذبيحةً لكي يمحو ذنبنا من خلال كفارته وإرضائه غضب الله العادل“.[83]
يُوضِّح چون كالفن أيضًا ملمح الغضب في ”البدلية العقابية“ وترضية غضب الله بكفارة المسيح قائلاً:
”فيسوع كوسيط طاهر وبلا عيب، يريد من خلال قداسته أن يُصالِحنا مع الله. لكن تمنعنا لعنة العدالة الإلهية من الاقتراب منه، والله بصفته قاضيًا، غاضب علينا. لهذا السبب، لابد من إدخال الكفارة لكي ينال المسيح ككاهن رضا الله من نحونا ويسترضي غضبه. لهذا السبب – بغرض أن يُتمِّم وظيفته – كان عليه أن يتقدَّم بذبيحة“.[84]
يستطرد كالفن أيضًا للحديث عن التبرير المجاني بذبيحة المسيح واسترضاءنا وتسكيننا لغضب الله من خلالها قائلاً:
”وهذا يعني أننا نحن الذين ’بالطبيعة أبناء الغضب‘ (أف٢: ٣) ومُبعَدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجانيّ، واسترضينا الله وسكَّنا غضبه“.[85]
مفهوم الغضب والعقوبة
يستطرد چون كالفن أيضًا شارحًا ملمح العقوبة والغضب، وضرورة بحث الإنسان عن وسائل يسترضي بها غضب الله عليه، وأن الله لا يغفر الخطايا بدون عقاب، وأنه على استعداد دائم للمعاقبة كالتالي:
”لا أحد يغوص في أعماق ذاته، ويتأمل نفسه بجدية من دون أن يشعر بغضب الله عليه، وبأنه يُعادِي الله. ولهذا، يجب أن يسعى بجدية وراء طرق ووسائل يسترضي بها الله، وهذا يتطلب تكفيرًا عن الخطيئة. والضمانة المرجوة هي ضمانة غير عادية، فالخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا عادلاً، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة“.[86]
مفهوم اللعنة
يتحدَّث چون كالفن عن ملمح اللعنة في ”البدلية العقابية“، وكيف تم محو اللعنة بالتكفير عن الإثم من خلال ذبيحة جسد المسيح والتطهير بدمه كالتالي:
”فالبشر كانوا تحت اللعنة إلى الوقت الذي تم فيه التكفير عن إثمهم من خلال الذبيحة (غل٣: ١٠، ١٣) لقد كانوا غرباء عن الله إلى الوقت الذي تصالحوا فيه معه من خلال جسد المسيح (كو١: ٢١- ٢٢) […] فلو لم يكن مُعلنًا بوضوحٍ أن غضب الله وعقابه، والموت الأبديّ هو من نصيبنا، لكان مِن النادر أن نُدرِك كم حياتنا تعيسة بدون رحمة الله […] وبينما هو (الخاطئ) في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب، الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة، وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله، وهكذا نال من خلال كفارة المسيح رضا الله الآب، وقُبِلت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر“.[87]
حمل المسيح لإنتقام الله العادل
يتحدَّث چون كالفن في سياق فكرة ”المبادلة العقابية“ حيث تتمُّ المبادلة بين المسيح وبيننا ليحمل عنا انتقام الله العادل كالتالي:
”وهكذا تمت تبرئتنا: فالذنب الذي جعلنا مدينين للقصاص نُقِلَ إلى ابن الله (إش٥٣: ١٢)، ويجب أن نتذكر، فوق كل شيء، هذه المبادلة، لئلا نرتجف ونقلق كل حياتنا، كما لو أن انتقام الله العادل، الذي حمله ابن الله، مازال مُتسلِطًا فوق رؤوسنا“.[88]
مفهوم الذبيحة
ويُشِير چون كالفن إلى ذبيحة المسيح كذبيحة تكفيرية قدَّمها المسيح للآب في الموت، لكي يُدمِّر الآب قوة الخطية بنقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح كالتالي:
”فقد دمَّر الآب قوة الخطيئة عندما نقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح، من هنا معنى هذا القول: قُدِّمَ المسيح إلى الآب في الموت كذبيحة تكفيرية، بحيث إنه إذ أتمَّ التكفير من خلال ذبيحته، يُمكِننا أن نكف عن الخوف من دينونة الله“.[89]
مفهوم التبرير بالدم
يتحدَّث چون كالفن أيضًا عن التبرير بدم المسيح المسفوك لأجلنا ليغسلنا من فسادنا كالتالي:
”فنحن لا نقدر أن نؤمن بكل يقين أن المسيح هو فداؤنا، وفديتنا، والكفارة عنا، ما لم يكن قد قُدِّمَ كذبيحة […] ولذلك هناك إشارة إلى الدم في كل مرة يبحث الكتاب المقدَّس طريقة الفداء. لكن دم المسيح المسفوك لم يكن تكفيرًا فحسب، بل مغسلة أيضًا ليغسلنا من فسادنا“.[90]
مفهوم العداوة والمصالحة
ويتحدَّث چون كالفن عن طريقة مُصالحتنا مع الله الذي كان يُبغِضنا بسبب الخطية بطاعة المسيح، وتكفيره، وعقابه عنا لنوال استحقاقات فداء المسيح كالتالي:
”إنَّ المسيح بطاعته، نال لنا حقًا النعمة عن استحقاق مع أبيه. […] وأنا أُسلِّم جدلاً بأنه في حال صنع المسيح تكفيرًا لخطايانا، إذ هو دفع العقاب الذي علينا، إذ هو سكَّن غضب الله بطاعته – باختصار إذ هو كإنسان بار تألم لأجل الأشرار – فهو اكتسب الخلاص لنا من خلال بره الذي هو مُساوٍ لاستحقاقه. لكن كما يقول بولس: ’قد صُولِحنا مع الله بموت ابنه‘ (رو٥: ١٠- ١١). لكن لا تحصل المصالحة إلا حيث تسبقها الإساءة. فيكون المعنى كالتالي: الله الذي كان يُبغضِنا بسبب الخطيئة، رضى عنا من خلال موت ابنه، وصار مُؤيِّدًا لنا“.[91]
مفهوم الثمن
يُشِير چون كالفن إلى دم المسيح كثمن إرضاء دينونة الله، والتبرير بالدم، وتسكين غضب الله قائلاً:
”فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن […] وهذا يُظهِر بسهولة أن نعمة المسيح تضعف قيمتها كثيرًا ما لم تمنح ذبيحته القوة على التكفير، وتسكين الغضب، وإرضاء الله […] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له“.[92]
ويتحدَّث چون كالفن عن مبدأ ”التعويض“ عن خطايانا بدفع الثمن لله أي دم المسيح كالتالي:
”فالله قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح [….] وهذه المقارنة لا تنطبق لو لم يكن هناك تعويض قد تمَّ عن خطايانا بهذا الثمن [….] ما لم يُوضَع عليه العقاب الذي نستحق، لهذا السبب، يُسمِي الرسول الفداء بدم المسيح ’غفران الخطايا‘ […] وقد أشار هناك إلى الجزاء أو التعويض الذي يعفينا من الذنب“.[93]
ويتحدَّث چون كالفن عن الثمن الذي دفعه المسيح بموته كدليل على إرضاء الله كالتالي:
”ولكي يأخذ عنا الدينونة، لم يكن كافيًا بالنسبة إليه أن يموت ميتة عادية، فلكي يدفع ثمن فدائنا كان لابد من اختيار نوع من الموت، يُمكِنه من خلاله أن يُحرِّرنا عن طريق أخذه عنا دينونتنا وحمله ذنبنا. […] لما كان في ذلك الموت دليل إرضاء لله“.[94]
مفهوم التبرير القانوني
يُقَال، بحسب چون كالفن، إنه مُبرَّر في عيني الله، مَن يحسبه الله في حكمه مُبرَّرًا، ومَن قُبِلَ من أجل بره هو. في الحقيقة، لأن الخطيئة رجس في عيني الله، لا يستطيع خاطئ أن يكون مرضيًا عنده ما دام يظل خاطئًا. وأينما كانت الخطيئة ظهر غضب الله ونقمته أيضًا. ويُحسَب مُبرَّرًا مَن لا يُعتبر في حالة خاطئ، بل في حالة إنسان بار، ولهذا السبب، يقف ثابتًا أمام كرسي دينونة الله فيما يسقط جميع الخطاة. فإذَا دُعِيَ إنسان بريء أمام كرسي قضاء قاضٍ مُنصِفٍ، حيث يُقضَى له على أساس براءته، يُقَال إنه ’مُبرَّر‘ أمام القاضي. وهكذا يقف مبرَّرًا أمام الله مَن قد تحرَّر من زمرة الخطاة فيشهد الله لبره ويُؤكِّده. وبالطريقة نفسها، مَن وُجِدت حياته في الطهارة والقداسة التي تستحق أن يُشهد لها بالبر أمام عرش الله، يُقَال إنه مُبرَّر بالأعمال، أو هو مَن بقداسة أفعاله يُرضِي قضاء الله. على العكس، إن مَن لا يفي مقاييس برّ الأعمال، فيتمسك بالبرِّ الذي في المسيح بالإيمان، فيلبسه، فهذا هو مَن لا يبدو في نظر الله كإنسان خاطئ، بل كإنسانٍ بار. فالتبرير هو ببساطة القبول الذي يستقبلنا به الله في رحاب نعمته كأبرار. وإنه يعود إلى محو الخطايا ببرِّ المسيح.[95]
البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة
يرى چون كالفن في سياق تعليم البدلية العقابية أن الإفخارستيا ليست ذبيحة، لأننا بذلك نذبح المسيح عدة مرات في كل مرة نُقدِّم فيها ذبيحة الإفخارستيا على المذابح في القداس، وهذه معضلة تواجه المنادين عن جهل بأن ق. كيرلس الإسكندريّ لديه تعليم البدلية العقابية، حيث يرفض تعليم البدلية العقابية في صورته الصحيحة، وليس كما يدَّعي هؤلاء عن جهل، فكرة تقديم الإفخارستيا كذبيحة لأن المسيح مات مرةً واحدة بديلاً عقابيًا عن الخطأة، وبالتالي لا يمكن تقديمة مرات عديدة على المذابح في القداسات كذبيحة، فلا يحتاج المرء سوى أن يؤمن بعمل المسيح الكفاريّ فقط على الصليب، وبالتالي لا يوجد ضرورة للأسرار في نظام البدلية العقابية، وهذا عكس ما يُعلِّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، الذي يرى ضرورة الإفخارستيا كسر الاتحاد بين الله والإنسان من أجل التقديس ونوال الحياة الأبدية والتألُّه، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بمعنى تعليم البدلية العقابية ومخاطره على إنكار الأسرار الكنسية برمتها. حيث يقول چون كالفن التالي:
”فهكذا أيضًا أكَّد الرب بموته العهد الذي وهن لنا به مغفرة الخطايا والبرّ الأبديّ (عب 9: 15-17). فكل مَن يُغيِّر أو يضيف شيئًا جديدًا إلى وصية هذه التركة، يُنكِر موته ويُبطِل فاعليتها. وما القداس سوى وصية جديدة مختلفة تمام الاختلاف؟ لماذا؟ ألا تُعدَّ القداديس الفردية مغفرة جديدة للخطايا، وحصولاً جديدًا على البرّ، بحيث يوجد الآن العديد من العهود الجديدة بقدر عدد القداديس؟ لذلك، دع المسيح يأتي ثانيةً، وبموتٍ جديدٍ دعه يُصادِق على هذا العهد الجديد؛ أو بالحري بموتٍ متعدِّدٍ وبعهودٍ جديدةٍ لقداديس لا تُحصَى دعه يجيء. ألم أقل الحق في بداية الأمر، أن موت المسيح الفريد والحقيقيّ تمحوه القداديس؟ ماذا إنْ كان منطق القداس يقود مباشرةً إلى أن يُذبَح المسيح مرةً أخرى (بل مرات)، إنْ أمكن ذلك؟ لأنه حيث توجد وصية (يقول الرسول) يلزم بيان موت الموصِي (عب 9: 16). يعرض القداس وصية جديدة للمسيح؛ ومن ثمَّ، يقتضي موته. فضلاً عن ذلك، يلزم أن تُذبَح الذبيحة التي تُقدَّم. فإنْ كان المسيح يُذبَح كلما أُقيم قداس، فمن المحتم أنه يُذبَح بوحشيةٍ في ألف مكان في كل لحظة“.[96]
تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية
تجدر الإشارة إلى إقرارات الإيمان البروتستانتية التي توضح أيضًا مفهوم البدلية العقابية الذي شرحه چون كالفن، كما عرضناه سابقًا، وهذا لنرى أنه شتان بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص بالتأله والانجماع الكليّ في المسيح، وبين نظرية الإبدال العقابيّ في اللاهوت الغربيّ البروتستانتيّ، الذي يحاول البعض إلصاقها عن جهل ودون وعي بتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ.
يتحدَّث إقرار إيمان الكنيسة اللوثرية، المعروف بـ ”إقرار إيمان أوجسبرج 1531م“، في سياق نظرية البدلية العقابية، وذلك في المادة الثالثة، أن المسيح لم يمت كفارةً عن الخطية الأصلية فقط، بل كفارةً لكل الخطايا، وهو بذلك يُصالِحنا مع الآب.[97]
وتتجلى أقوى معاني البدلية العقابية في إقرار الإيمان البلچيكيّ 1561م، حيث يتحدَّث في المادة التاسعة عشر عن أن الله أظهر عدله ورحمته في المسيح، فأظهر عدله ضد ابنه عندما حمل خطايانا، وسكب رحمته علينا في محبته، إذ أعطانا ابنه حتى الموت لأجلنا لننال به الخلود والحياة الأبدية. ويستطرد في نفس السياق، وذلك في المادة العشرين، أن الله يُظهِر عدله ورحمته في المسيح، فيقول التالي: إن الله الذي هو رحوم تمامًا وعادل تمامًا أرسل ابنه ليأخذ الطبيعة التي اقتُرِفَت فيها عدم الطاعة ليُقدِّم إرضاءً عن عقاب الخطية بآلامه وموته، وبذلك أظهر عدله ضد ابنه، إذ وضع عليه خطايانا، وسكب رحمته وصلاحه علينا. فمات ابنه لأجلنا وقام لتبريرنا لننال به الخلود والحياة الأبدية.[98]
ويتحدَّث كاتشيزم هيدلبرج عام 1563م عن الفداء من السؤال الأول إلى السؤال الحادي والعشرين، فيُبرِز قوتين: العدل والرحمة. عدل الله يُعاقِب ورحمة الله التي تغفر. وهذه هي صورة الله التي نجدها في الفكر اللاهوتيّ في الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروتستانتة على السواء، وكأنَّ هناك تعارُّض في طبيعة الله. إن كلمة ”برّ“ التي جاءت في العهد القديم فُهِمَت بمعنى ”عدل“، أي إعطاء كل ذي حق حقه بالضبط، كصورة إلهة العدل التي يُصوِّرونها أمام المحاكم معصوبة العينين وتحمل كفتي ميزان! إلا أن برّ الله كما يُقدِّمه لنا الكتاب المقدَّس فيه جانب شخصيّ لا يخضع للمنطق البشريّ.[99]
ونعرض الإجابات على أسئلة الكاتشيزم، ليظهر مفهوم البدلية العقابية كالتالي:
”يستلزم الله تحقيق عدله، ولذلك يتوجب علينا أن نُسدِّد الثمن كاملاً، إمَّا بأنفسنا أو بواسطة آخر. […] لن يُعاقِب الله أي مخلوق آخر بسبب الخطية التي اقترفها الإنسان، وعلاوة على ذلك، لا يمكن لمجرَّد مخلوق أن يتحمَّل وطأة غضب الله الأبديّ على الخطية حتى يُخلِّص الآخرين منه. ما شكل الوسيط والمخلِّص إذًا الذي يجب أن نبحث عنه؟ يجب أن يكون إنسانًا حقًا وبارًا تمامًا، ومع ذلك، يجب أن يكون أقدر من جميع المخلوقات؛ أي يجب أن يكون أيضًا إلهًا حقًا. لماذا يجب أن يكون إنسانًا حقًا وأيضًا بارًا تمامًا؟ لأن عدل الله يتطلب أن نفس الطبيعة البشرية التي ارتكبت الخطية، ينبغي كذلك أن تُسدِّد ثمن الخطية؛ والشخص الذي هو نفسه خاطئ لا يستطيع أن يُسدِّد الثمن عن الآخرين. لماذا يجب أن يكون أيضًا في نفس الشخص إلهًا حقًا؟ لكي يقدر بقوة ألوهيته أن يتحمل بطبيعته البشرية وطأة غضب الله، وأن يحصل من أجلنا على البرّ والحياة ويستعيدهم لنا. مَنْ هو، إذًا، ذلك الوسيط الذي هو في شخصٍ واحدٍ إلهٌ حقًا وإنسانٌ بارٌ حقًا؟ إنه ربّنا يسوع المسيح الذي صار لنا حكمةً من الله وبرًا وقداسةً وفداءً“.[100]
ونرى ملمح ترضية العدل الإلهيّ بذبيحة الابن في إقرار إيمان وستمنسر 1646م، فيُشِير في المادة الثامنة إلى التالي:
”أن الربَّ يسوع بواسطة طاعته الكاملة، وذبيحة نفسه، الذي بروحٍ أزليّ، قدَّمها لله مرةً، وقد أرضى تمامًا عدل أبيه، واشترى ليس فقط المصالحة، بل ميراثًا في ملكوت السموات، لأجل كل الذين قد أعطاهم له الآب“.[101]
الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي
نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:
(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.
(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.
(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.
(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!
(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.
(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.
(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.
(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.
(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.
(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.
(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.
(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.
(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.
(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.
(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!
[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 12)، ص 128.
[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.
[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 14)، ص 134.
[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، مقتطفات من تعليقات على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، تعليق على (رو 6: 6)، ص 46.
[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.
[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 469.
[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلاڨيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة 2، ص 161.
[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.
[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 2: 3: 4، ص 218، 219.
[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 1، ص 50.
[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 7، ص 77.
[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.
[43] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 4: 2، تعليق على (يو6: 51)، ص 403.
[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الثانية، ص 209، 210.
[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.
[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.
[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.
[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.
[49] المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.
[50] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.
[51] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.
[52] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.
[56] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٠٨.
[58] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 29)، ص 153.
[59] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125.
[60] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 287.