عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 22ـ31) ” وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: مِنْ أَجْلِ هَذَا أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ لأن اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. تَأَمَّلُوا الْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلاَ مَخْزَنٌ وَاللهُ يُقِيتُهَا. كَمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ الطُّيُورِ!. وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟. فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَقْدِرُونَ وَلاَ عَلَى الأَصْغَرِ فَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِالْبَوَاقِي؟. تَأَمَّلُوا الزَّنَابِقَ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ الْعُشْبُ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الْحَقْلِ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ اللهُ هَكَذَا فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟. فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا. فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا أُمَمُ الْعَالَمِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَبُوكُمْ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ. بَلِ اطْلُبُوا مَلَكُوتَ اللهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ “.

 

          إن ناموس موسى قد رتَّبه الله للإسرائيليين لكى يرشدهم إلى ما كان واجبًا عليهم ليفعلوه، ولكى يضع أمامهم بوضوح كل ما كان لمنفعتهم. وهذا جعلوه أمرًا ذا بهجة عظيمة فقالوا: ” طوبى لنا نحن أبناء إسرائيل لأن الأمور التى ترضي الرب قد صارت معروفة لدينا” (باروخ4:4). ولكني أؤكد لكم أنه يناسبنا نحن ويلائمنا بالأكثر أن نستخدم هذه الكلمات، لأن الذي كلَّمنا ليس نبيًّا ولا حتى ملاكًا، بل هو الابن في شخصه الذاتي، الذي هو رب الملائكة القديسين والأنبياء. وهذا ما يعلِّمنا إياه بوضوح الحكيم بولس خادم أسراره، فيكتب هكذا: ” الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه، الذي جعله وارثًا لكل شيء، الذي به أيضًا عمل العالمين” (عب1:1ـ2). لذلك، فطوبى لنا نحن، فقد تعلَّمنا منه هو ذاته إرادته الصالحة والمخلِّصة، والتي بها يرشدنا إلى كل سعي فاضل، وهكذا إذ نكمل حياة جديرة بالمحاكاة، التى تليق بالمختارين، فإننا سنملك معه.

          لذلك، لاحظ كيف أنه بعناية وبمهارة فائقة يصوغ الرب حياة الرسل القديسين نحو الرفعة الروحية، ولكنه يفيدنا نحن أيضًا معهم، لأنه يريد أن جميع البشر يخلصون، وأن يختاروا الحياة الحكيمة والأكثر امتيازًا. لأجل هذا السبب فهو يجعلهم يتخلُّون عن الاهتمام غير الضروري، ولا يسمح لهم أن يمارسوا عملاً ما بقلق وباستعجال لأجل الرغبة في جمع ما يزيد عن ضرورياتهم، ففي هذه الأمور، فإنَّ الزيادة سوف لا تضيف شيئًا لمنفعتنا، لذلك يقول ” لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا جسدكم بما تلبسون لأن الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس“. فهو لم يقل ببساطة “لا تهتموا” بل أضاف ” لحياتكم “، ويقصد بذلك لا تنشغلوا باهتمام في هذه الأشياء، بل أعطوا اهتمامكم لأشياء ذات أهمية أعلى بكثير، لأن الحياة فى الواقع هي أكثر أهمية من الطعام والجسد أكثر أهمية من اللباس. لذلك، حيث أن هناك خطر يحيط بنا بخصوص الحياة والجسد كليهما، وهناك ألم وعقاب مقضيًّا بِهِما على أولئك الذين لا يعيشون باستقامة، فلنطرح عنا جانبًا كل هَمّ من جهة اللباس والطعام.

          وبجانب هذا، كيف لا يكون أمرًا دنيئًا بالنسبة لأولئك الذين يحبون الفضيلة، والساعين باجتهاد نحو الفضائل السامية والمقبولة من الله، أن يسكروا مزينين بزينة أنيقة مثل الصبية الصغار، وأن يسعوا وراء الموائد الفاخرة! لأن هذه يتبعها للتوِّ حشد متوحِّش من الشهوات الأخرى أيضًا، وتكون النتيجة الارتداد عن الله، لأنه مكتوب:   ” لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (1يو2: 15)، وأيضًا: ” ألا تعلمون أن محبة العالم هي عداوة لله” (يع4:4). فواجبنا إذن أن نحفظ أقدامنا بعيدًا عن جميع الشهوات، وأن نجعل بالأحرى لذَّتنا في الأمور التي ترضي الله.

          ولكن ربما تجيب على هذا وتقول: ” مَن سيعطينا إذن ضروريات الحياة؟”. وجوابنا على هذا كالآتي: إن الرب جدير بأن يُصدَّق، وهو وَعَدَك بوضوح بهذه الأشياء، وبواسطة الأمور الصغيرة يعطيك تأكيدًا كاملاً أنه سيكون صادقًا أيضًا في الأمور العظيمة، فهو يقول: ” تأمَّلوا الغربان، إنها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مَخدَع ولا مخزن والله يقيتها“. كذلك أيضًا عندما كان يُقوِّينا نحو الثبات الروحي، فإنه علَّمنا أن نحتقر حتى الموت ذاته بقوله ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (لو12: 4، مت10: 28). وبنفس الطريقة لكى يُظهر لك عنايته، فإنه استخدم أشياء بلا قيمة تمامًا لكى يُثبِت بها كلامه فيقول: ” أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منها لا يسقط بدون أبيكم، وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة، فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة” (مت10: 29ـ31). هكذا أيضًا بواسطة العصافير وزهور الحقل فإنه يغرس فيك إيمانًا ثابتًا غير متزعزِع. وهو لا يسمح لنا مطلقًا بالشك، بل بالتأكيد إنه سيعطينا مراحمه، ويمد يده المرِيحة ليهبنا كفاية في كل الأشياء. وبالإضافة إلى ذلك، إنه أمر رديء جدًّا، أنه بينما أولئك الذين هم تحت نير العبودية الجسدية يعتمدون على سادتهم كمصدر كاف لتزويدهم بالطعام واللباس، لا نضع نحن ثقتنا في الله ضابط الكل، عندما يعدنا أن يعطينا ضروريات الحياة.

          وأي فائدة توجد على الإطلاق في حياة الترف: ألا تجلب معها بالأحرى الدمار الكامل؟ لأنه سريعًا ما يدخل مع لذَّات التنعُّم، مخازي الشهوانية الوضيعة والحقيرة ـ الأشياء التي عندما تقترب منا، تكون مقاومتها صعبة. وأيضا أن نكتسي بلباس فخم أمر لا فائدة له بالمرَّة، لأنه يقول: ” تأملوا الزنابق كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها“. وهذا أيضًا حقيقي لأن كلاً من الزنابق والزهور الأخرى التي تنبت في الحقول، فإن بهاء ألوانها يحوي جمالاً بارعًا بسبب تنوُّع درجات الألوان، وبسبب اختلاف ترتيبها، فتتألَّق في لونها الأرجواني الطبيعي، أو تضيء بلمعان ألوان أخرى، ومع ذلك فإن كل ما يفعله الإنسان بفنِّه ليُحاكِى جمالها، إما عن طريق مهارة الرسام أو بفنِّ الزخرفة والتطريز، فانه يعجز تمامًا عن الوصول إلى الحقيقة، وحتى ولو كان العمل ناجحًا كإنتاج فنِّي، فإنه نادرًا ما يقترب من الحق.

          لذلك فإن كانت هذه الإيضاحات عن طريق الفن، هي أدنى كثيرًا من مجد الزنابق وجمال ألوان الزهور الأخرى، فكيف لا يكون صوابًا أنه ولا سليمان، رغم أنه كان ملكًا عظيمًا جدًّا، فإنه في كل مجده لم يكن يلبس كواحدة منها؟ فباطل إذن تعبنا لأجل اللباس الجميل. يكفي الناس العقلاء أن يكون لباسهم كما تقتضيه الضرورة، محتشمًا، ويسهل اقتناؤه ويصاحب هذا قليل من الطعام الضروري الذي يكفى حاجات الطبيعة. ولتكن وليمتهم فى المسيح كافية للقديسين، فتكون وليمة روحية، إلهية، وعقلية بالإضافة للمجد الذي سوف يأتي بعد ذلك. لأنه ” سيُغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده” (في3: 21)، وكما يقول الرب نفسه: ” سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم” (انظر مت13: 43). إذن فأي ثياب مهما كانت فإن العَظَمَة التي في المسيح تفوقها جدًّا في البهاء.

  وبنظرة أخرى، لا يليق بأولئك الذين سيصيرون قدوة ومثالاً للآخرين في السلوك المقدس، أنهم بإهمالهم يسقطون هم أنفسهم في تلك الأمور، التى بمجرَّد أن يصيروا معلمين للعالم، سيكون واجبًا عليهم أن يحثُّوا الآخرين على تركها. لأن تثقُّل التلاميذ بالاهتمام بالانشغالات العالمية سيكون له ضرر غير قليل يصيب غيرتهم وحماسهم، يؤثِّر على فائدة كرازتهم المقدسة. بل على العكس من واجبهم أن يهملوا تمامًا بعقل ثابت هذه الأمور، وأن يهتمُّوا بحماس وببساطة بالانتصارات الرسولية. ولهذا السبب فهو يشجب بحق تمامًا وصراحة الانشغال بالأمور الزمنية، فهو يقول: ” إن هذه كلها تطلبها أمم العالم“، وينهضهم إلى الاقتناع الراسخ الذي لا يهتز إنه بالتأكيد وفى جميع الأحوال سيكون عندهم ما يكفيهم، لأن أباهم الذي في السماء يعلم جيدًا ما يحتاجون إليه. وفي مناسبة ملائمة جدًّا يدعوه ” الآب ” حتى يَعلَموا أنه لن ينسى أولاده، بل هو شفوق ومُحب لهم.

          إذن فلنطلب ليس ذلك الطعام غير الضروري والزائد عن اللزوم، بل كل ما يؤدِّي إلى خلاص النفس، وليس ملابس كثيرة الثمن، بل أن نخلِّص جسدنا من النار ومن الدينونة. وليتنا نفعل هذا طالبين ملكوته، وكل ما يساعدنا على أن نصير شركاء ملكوت المسيح، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

عدم الاهتمام بالطعام واللباس – إنجيل لوقا 12 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 13ـ21) ” وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: يَا مُعَلِّمُ قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ. فَقَالَ لَهُ: يَا إِنْسَانُ مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟. وَقَالَ لَهُمُ: انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ. وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً قَائِلاً: إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ. فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟. وَقَالَ: أَعْمَلُ هَذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَّتِي وَخَيْرَاتِي. وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي. فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ فَهَذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟. هَكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا للهِ “.

 

          يوصي القديس بولس كإنسان حكيم بمدوامة الصلاة فيقول: “ صلُّوا بلا انقطاع” (1تس5: 17)، وهذا بالحقيقة أمر مليء بالفائدة، ولكني أقول هذا، إن كل من يقترب من الله يجب عليه أن لا يفعل هذا بإهمال، ولا أن يُقدِّم توسُّلات غير لائقة، فيمكن للواحد منا أن يؤكد بحق أنه يوجد عديد من التوسلات غير المناسِبة، ومثل هذه ليست مناسِبة لله أن يعطيها، كما أن نوالها غير نافع بالنسبة لنا. وإذا وجَّهنا نظرة فاحصة من عقلنا إلى الفقرة التى أمامنا سوف نرى بدون صعوبة صِدق ما قلته، فقد اقترب من المسيح مخلِّصنا جميعًا واحد من الجمع وقال له: ” يا معلِّم قُل لأخي أن يقاسمني الميراث“، ولكن الرب قال له: ” يا إنسان من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسِّمًا“؟ إن الابن فى الحقيقة عندما ظهر وصار مثلنا، فقد أقيم من الله الآب ” كرئيس وملك على صهيون جبل قدسه” بحسب كلمات المرتل (انظر مز2: 6)، وطبيعة وظيفته أعلنها هو نفسه بوضوح بقوله ” لأنِّي جئت لأكرز بأمر الله“، وما هو هذا؟ إن سيدنا المحب للفضيلة يريدنا أن نبتعد من كل الأمور الأرضية والزمنية، وأن نهرب من محبة الجسد، ومن همِّ انشغال الربح الباطل، ومن الشهوات الدنيئة، ولا نلقي بالاً لما فى الخزائن، وأن نحتقر الثروة وحب الربح، وأن نكون صالحين ومحبين بعضنا لبعض، وألا نكنز كنوزًا على الأرض، وأن نسمو فوق النزاع والحسد، ولا نتشاجر مع الإخوة، بل بالحري نفسح لهم المجال، حتى ولو كانوا يسعون لكسب فرصة أكثر منا، لأن الرب يقول: ” ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه” (لو6: 29)، بل بالأحرى نسعى وراء تلك الأمور النافعة والضرورية لخلاص النفس.

          فبالنسبة لأولئك الذين يعيشون هكذا، يضع المسيح لهم قوانين يصيرون بها لامعين وجديرين بالمديح، لأنه قال ” لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا ثوبين… ولا مزودًا، ولا نحاسًا فى مناطقكم ” (انظر مت10: 9، 10). ويقول أيضًا: ” اعملوا لكم أكياسًا لا تفنى، كنزًا لا ينفد في السموات ” (لو12: 33). وعندما اقترب منه شاب يسأله؟ ” يا معلِّم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ ” أجابه: ” اذهب بع كل أملاكك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني ” (مت19: 16ـ21).

          لذلك، فلهؤلاء الذين يحنون رقاب أذهانهم المطيعة، يعطي وصايا ويُعيِّن لهم قوانين، ويضع لهم تعاليم، ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويعطيهم بركات روحية، ويكون لهم مستودع لمواهب لا تنقص أبدًا. بينما لأولئك، الذين يفكرون فقط فى الأمور الأرضية، وقد وضعوا قلوبهم على الثروة، ولأولئك الذين تقسَّى ذهنهم، وصاروا بلا رحمة، بلا لطف أو محبة للفقراء، فإنه لمثل هؤلاء سوف يقول بعدل: “من أقامني عليكم قاضيًا أو مقسِّمًا؟” لذلك فهو يرفض ذلك الإنسان لأنه مزعج ولأنه لا يملك رغبة فى أن يتعلم ما يناسبه.

          ولكنه لا يتركنا بدون تعليم، لأنه إذ قد وجد فرصة مواتية، فإنه يضع حديثًا نافعًا وخلاصيًّا، ويعلن محذِّرًا إياهم: ” انظروا وتحفَّظوا من الطمع“، إنه يرينا فخ الشيطان، أي الطمع، وهو أمر مكروه من الله، والذي يدعوه الحكيم بولس ” عبادة الأوثان” (كو5:3)، ربما لأنه يتناسب فقط مع أولئك الذين لا يعرفون الله، أو كأنَّهم مُتساوون في الدنس مع أولئك الناس الذين يختارون عبادة الأصنام والحجارة. إنه فخ الأرواح الشريرة، الذي بواسطته يحدِرون نفس الإنسان إلى شباك الهاوية. لهذا السبب فهو يقول بحق تمامًا، محذِّرًا إياهم:    “ انظروا وتحفظوا لأنفسكم من كل طمع“، أي من الطمع كثيره وقليله، ومن الاحتيال على أي إنسان أيًّا كان، لأنه كما قلت، هو شيء بغيض عند الله والناس.

          لأنه من ذا الذي لا يهرب ممَّن يستخدم العنف وهو سلاَّب وطمَّاع، ومستعِد للظلم في تلك الأشياء التى لا حقَّ له فيها، والذي بيد جشعه يجمع ما ليس له؟ أي وحش مفترس لا يفوقه مثل هذا الإنسان المحتال في وحشيته؟ وأية أحجار لا يكون هو أكثر قساوة منها؟ لأن قلب الذي يتم الاحتيال عليه يتمزق، بل إنه أحيانًا يذوب من الألم الحارق كما لو كان الألم نارًا ولكن المحتال يسر بهذا ويبتهج، ويجعل آلام الذين يعانون سببًا لفرحه. ولأن الإنسان المُساء إليه هو بالضرورة وبصفة عامة لا حَوْل له ولا قوة، فإنه لا يستطيع شيئًا سوى أن يرفع عينيه إلى هذا الذي هو وحده قادر أن يغضب لأجل ما قد تألم به، وهو (الله)، لأنه عادل وصالح، يقبل توسلاته ويشفق على دموع المتألم ويعاقِب أولئك المخطئين.

          وهذا يمكنك أن تتعلَّمه مما يقوله هو بنفسه بفم الأنبياء القديسين: ” لذلك مِن أجل أنكم تسحقون رؤوس المساكين وتأخذون منهم هدايا مختارة، وبنيتم بيوتًا من حجارة منحوتة لكنكم لن تسكنوا فيها، وغرستم كرومًا شهية ولن تشربوا خمرها، لأني علمتُ ذنوبكم الكثيرة وخطاياكم الثقيلة” (عا5: 11، 12 س). وأيضًا: ” ويل للذين يَصِلون بيتًا ببيت ويقرنون حقلاً بحقل، حتى يأخذوا ما لجارهم. أتسكنون وحدكم فى الأرض؟ لأن هذه الأشياء قد بلغت أذني رب الجنود، لأنه مع أنَّ بيوتكم كثيرة فإنها تصير خرابًا، ومع أنها كبيرة وحسنة فإنها ستصير بلا ساكن، لأن الأرض التي يفلحها عشرة فدادين بقر تصنع بثًّا واحدًا، والذي يزرع ستة أرادب سوف يجمع ثلاثة مكاييل” (إش5: 8ـ10)، لأن البيوت والحقول هي ناتجة عن ظلم الآخرين، لهذا يقول عنها أنها تتبدَّد وتصير مهجورة (بلا ساكن)، وسوف لا تأتي بأية فائدة لمن يعملون بظلم، لأن غضب الله العادل منسكب عليهم، لذلك فلا فائدة في الطمع من كل ناحية.

  ولكي ننظر إليه بمنظار آخر، فإن الطمع لا يفيد شيئًا، لأنه كما يقول الرب، ” متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله“، وهذا واضح أنه حقيقي، لأن سِنِيّ حياة الإنسان لا تزداد بنسبة ثرائه، كما أن محصِّلة حياته لا تسير متوازية مع أرباحه الظالمة، وهذا قد أظهره المخلِّص وكشفه لنا بوضوح بأن أضاف بمهارة شديدة المَثَل الذي أمامنا مرتبطًا بحجته السابقة فيقول: ” رجُل غني أخصبت كورته وأَغَلَّت ثمارًا كثيرة“، تمعَّن بدقة، وتعجب من جمال فن الحديث، لأنه لم يُشر لنا إلى مقاطعة أعطَى جزء منها فقط حصادًا وفيرًا، بل كلها كانت خصبة ومثمرة لصاحبها، مما يدل على اتساع ثروته. وهذا يشبه قول أحد الرسل القديسين: ” هوذا أجرة الفَعَلَة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصَّادين قد دخل إلى أذني رب الجنود” (يع5: 4)، لذلك يقول المخلِّص إن كل كورته قد أغلَّت محاصيل وفيرة.

          لذلك فما الذي فعله الرجل الغني، وهو محاط بوفرة من بركات كثيرة جدًّا تفوق كل إحصاء؟ إنه ينطق في ضيق وقلق بكلمات الفقر، فهو يقول: ” وماذا أعمل؟”، إن الإنسان الذي في احتياج إلى الضروريات يبث باستمرار هذه اللغة البائسة، ولكن انظر هنا! إن واحدًا من ذوى الأموال غير المحدودة يستخدم تعبيرات مشابهة. لقد قرر أن يبني مخازن أكثر اتساعًا، وعزم أن يمتِّع نفسه بمفرده فقط بتلك الموارد التى كانت تكفي مدينة مكتظَّة بالناس. إنه لا ينظر إلى المستقبل، ولا يرفع عينيه نحو الله، ولم يحسبه أمرًا جديرًا بأن ينفق ماله من أجله ليربح لقلبه تلك الكنوز التى هى فوق فى السماء، ولا يهتم بمحبة الفقير، ولا يرغب فى التقدير الذي يحصل عليه من جراء هذا، ولا يتعاطف مع المتألمين، فهذا أمر لا يؤلمه ولا ينهض فيه الشفقة. وما هو أكثر من ذلك مما هو غير معقول، إنه يقرِّر لنفسه سنيِّ حياته، وكأنه سوف يحصد هذا أيضًا من الأرض لأنه يقول: ” أقول لنفسي، يا نفس لك الخيرات موضوعة لسنين كثيرة، كلي واشربي وافرحي“، ولكن أيها الإنسان الغبي، يمكننا أن نقول لك، أنت فعلاً تملك مخازن كثيرة لغلالك، ولكن من أين تحصل على سنين عديدة لنفسك؟ لأنه بحُكم من الله قد قَصُرت أيامك. لأن الله قال له: ” يا غبي هذه الليلة سوف تُطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لمن تكون؟ “.

          لذلك، فإنه أمْر حقيقي أنَّ حياة الإنسان ليست من ممتلكاته، أي ليست بسبب أن له أموالاً كثيرة. بل يكون مغبوطًا جدًّا وله رجاء مجيد ذلك الإنسان الذي هو غَنِي نحو الله. من هو هذا إذن؟ من الواضح أنه هو الذي لا يُحب الثروة بل بالأحرى يحب الفضيلة، والذي يكفيه القليل، (انظر لو10: 42)، وهو الذي يده مبسوطة لاحتياجات المعوزين، والذي يريح الفقراء ويُعزِّيهم بحسب إمكانياته وبأقصى ما في طاقته. إنه هذا الذي يجمع في المخازن التي هي فوق، ويكنز كنوزًا في السماء، مثل هذا سوف يجد أرباح فضيلته، ومكافأة حياته المستقيمة والتى بلا لوم، والمسيح سوف يباركه، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

تحفظوا من الطمع – إنجيل لوقا 12 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 8 ـ10) ” وَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإِنْسَانِ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ “.

 

          هنا أيضًا يا من تُحبون أن تسمعوا، املأوا نفوسكم بكلمات القداسة، اقبلوا في داخلكم معرفة التعاليم المقدسة لكي إذ تتقدمون بنجاح في الإيمان، فإنكم تحصلون على أكليل المحبة والثبات في المسيح، لأنه يمنحه ليس لضعاف القلوب التي تهتز بسهولة، ولكن بالأولى لأولئك الذين يستطيعون أن يقولوا بحق ” لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح” (فى1: 21). لأن هؤلاء الذين يعيشون بقداسة، يعيشون للمسيح، أولئك الذين يحتملون الأخطار لأجل التقوى يربحون الحياة غير الفاسدة، إذ يكلَّلون معه أمام منبر قضائه. هذا هو ما يعلِّمنا إياه بقوله: ” كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان أيضًا قدام ملائكة الله“.

          إذن فهو شيء يعلو فوق كل الأشياء الأخرى وهو جدير بانتباهنا، أن نفحص من هو الذي يعترف بالمسيح، وبأية طريقة يمكن أن يعترف بالمسيح، بأية طريقة يمكن أن يُعترف به بحق وبلا لوم، لذلك فإن بولس الحكيم جدًّا يكتب لنا: ” لا تقُل في قلبك من يصعد إلى السماء؟ أي ليُحدِر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية؟ أي ليُصعِد المسيح من الأموات، لكن ماذا يقول الكتاب؟ الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نكرز بها، لأنك إن اعترفت بفمك بأن يسوع هو الرب وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات فسوف تحيا، لأن بالقلب يؤمن الإنسان للبِر وبالفم يُعترف للخلاص” (رو10: 6ـ10).

يشرح الرسول بهذه الكلمات سر المسيح بطريقة ممتازة جدًّا. فأول كل شيء يجب أن نعترف أن الابن المولود من الله الآب، هو الابن الوحيد لجوهره، وأنه هو الله الكلمة، وهو رب الكل، وليس كَمَن وُهِبَت له الربوبية من الخارج، بالانتساب، بل هو الرب بالطبيعة وبالحق مثل الآب تمامًا، ويجب بعد ذلك أن نؤمن أن ” الله أقامه من الأموات“، أي أنه عندما صار إنسانًا، فإنه قد تألم من أجلنا بالجسد، ثم قام من الأموات.

          فالابن إذن ـ كما قلت ـ هو رب، ولكن لا يجب أن يُحسب بين أولئك الأرباب الآخرين الذين يُعطَى لهم ويُنسَب إليهم اسم الربوبية، لأنه ـ كما قلت ـ هو وحده الرب بالطبيعة، لكونه الله الكلمة، الذي يفوق كل شيء مخلوق، وهذا ما يعلِّمنا إياه الحكيم بولس بقوله: “ لأنه وإن وُجد ما يُسمَّى آلهة في السماء أو على الأرض ـ كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون ـ لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن منه، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ” (1كو8: 65).

          ولكن رغم أنه يوجد إله واحد الذي اسمه الآب، ورب واحد الذي هو الابن، ولكن لا الآب كفَّ عن أن يكون ربًّا بسبب كونه الله بالطبيعة، ولا الابن توقَّف عن أن يكون هو الله بسبب كونه ربًّا بالطبيعة، لأن الحرية الكاملة هى صفة الجوهر الإلهي الفائق وحده، وأن يكون بعيدًا عن نير العبودية، أو بالأحرى فإن الخليقة تكون خاضعة تحت قدميه. لذلك، رغم أن كلمة الله الوحيد الجنس صار مثلنا، وإذ اتخذ قياس الطبيعة البشرية، فإنه وُضع تحت نير العبودية، لأنه دَفَع عن قصد ـ الدرهمين لجباة الضرائب اليهود بحسب ناموس موسى، إلا أنه لم يخبئ المجد الذي سكن فيه، لأنه سأل المغبوط بطرس ” ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمِن بنيهم أم مِن الأجانب؟ ولما قال مِن الأجانب، عندئذ أجابه: إذن البنون أحرار” (مت18: 25ـ26).

          كذلك فالابن في طبيعته الذاتية هو رب لأنه حر، كما يعلِّمنا الحكيم بولس أيضًا ويكتب: ” ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” (2كو3: 18)، ” وأمَّا الرب فهو الروح، وحيث روح الرب فهناك حرية” (2كو3: 17).

          لذلك لاحظ كيف يؤكِّد أن الروح هو رب. لا كمن يملك البنوة إذ أنه هو الروح وليس الابن، بل لكونه واحدًا مع الابن في الجوهر، الذي هو رب وحر، وقد تبرهن بهذه المساواة الطبيعية معه أن له تلك الحرية التى تليق بالله.

          إذن، فمن يعترف بالمسيح أمام الناس أنه إله ورب، فسوف يعترف به المسيح أمام ملائكة الله. ولكن متى؟ واضح أنه في الوقت الذي سوف ينزل فيه من السماء في مجد أبيه مع الملائكة القديسين عند نهاية هذا العالم، وعندئذ سوف يكلِّل المعترِف الحقيقي به، الذي له إيمان غير متزعزع وأصيل، وهكذا يقدم اعترافه، وهناك أيضًا سوف يضيء جماعة الشهداء القديسين الذين احتملوا الضيقات كل الحياة وحتى الدم، وكرَّموا المسيح باحتمالهم وصبرهم، لأنهم لم ينكروا المخلص، ولا كانوا يجهلون مجده، بل احتفظوا بولائهم له. مثل هؤلاء سوف يُمدحون من الملائكة القديسين الذين أيضًا سوف يُمجِّدون المسيح مخلِّص الجميع، لأنه منح القديسين تلك الكرامات التى تحق لهم بنوع خاص، وهذا ما يعلنه المرتل أيضًا، ” وتُخبر السموات بعدله، لأن الله هو الديان” (مز49: 6 س)، وهذا سوف يكون نصيب أولئك الذين يعترفون به.

          أما الباقون، الذين أنكروه واحتقروه، فسوف ينكرهم، عندما يقول لهم الديان، كما تكلم أحد الأنبياء القديسين فى القديم: ” كما فعلت سيُفعل بك، وعملك يرتدّ على رأسك” (عوبديا15) وسوف ينكرهم بهذه الكلمات: ” اذهبوا عنى يا فاعلى الاثم، إننى لست أعرفكم ” (لو13: 27). مَن هم هؤلاء الذين سوف ينكرهم؟ أولاً: هم أولئك الذين عندما ضغط عليهم الاضطهاد ولاحقتهم المحن، تركوا الإيمان. إن رجاء مثل هؤلاء سوف يفارقهم تمامًا من جذوره، ولمثل هؤلاء لا تكفي كلمات بشرية لوصف حالتهم، لأن الغضب والدينونة والنار التى لا تُطفأ سوف تبتلعهم.

          وبطريقة مماثلة، فإن معلِّمي الهرطقة وتابعيهم ينكرونه لأنهم يجترئون ويقولون إن كلمة الله الوحيد الجنس ليس هو الله بالطبيعة وبالحق، ويطعنون في ولادته التي لا يُنطَق بها، بقولهم إنه ليس من جوهر الآب، بل وبالأحرى يحسبون من هو خالق الكل ضمن الأشياء المخلوقة. ويصنِّفون ذلك الذي هو رب الكل مع أولئك الذين هم تحت نير العبودية، رغم أن بولس يؤكد أننا يجب أن نقول إن ” يسوع رب” (في: 11).

          كما أن تلاميذ ” ثرثرة نسطوريوس الباطلة ” أيضًا ينكرونه بقولهم بابنين، واحد زائف، والآخر حقيقي: الحقيقي هو كلمة الآب، والزائف هو الذي يملك كرامة واسم ابن بالانتساب فقط. وهو بأسلوبهم هذا فقط هو ابن، ونَبَت من نسل المبارك داود بحسب الجسد. إن دينونة هؤلاء أيضًا هى ثقيلة جدًّا، لأنهم ” ينكرون الرب الذي اشتراهم” (2بط2: 1) ولم يفهموا سر تدبيره فى الجسد، لأنه يوجد ” رب واحد وإيمان واحد” كما هو مكتوب (أف4: 5).

          فنحن لا نؤمن بإنسان وبإله، ولكن برب واحد الكلمة الذي هو من الله الآب، الذي صار إنسانًا واتَّخذ لنفسه جسدنا. فلذلك فإن هؤلاء أيضًا يُحسبون ضمن من ينكرونه.

          وقد علَّمنا الرب أن التجديف هو جريمة عظيمة جدًّا يرتكبها الناس، بقوله أيضًا: ” كل من قال كلمة على ابن الانسان يُغفَر له، وأمَّا من جدَّف على الروح القدس فلا يُغفر له“. فبأية طريقة يجب أن نفهم هذا أيضًا، إذا كان المخلِّص يقصد هذا، وهو أنه إذ استُعمِلَت كلمة احتقار من أي إنسان منا تجاه إنسان عادي فإنه سوف يَحصل على الغفران إذا ما تاب، فإن الأمر يكون خاليًا من أي صعوبة، لأن الله إذ هو صالح بالطبيعة، فإنه سوف يبرئ من كل لوم جميع الذين يتوبون. ولكن إن كان التجديف موجه إلى المسيح نفسه، مخلِّص الكل، فكيف يمكن أن يتبرَّأ أو ينجو من الدينونة ذلك الذي يتكلم ضده؟ فما نقوله إذن هو هذا: أي شخص، لم يتعلم بعد معنى سر المسيح، ولم يفهم أنه إذ هو بالطبيعة الله، وقد وضع نفسه ونزل إلى حالتنا، وصار إنسانًا، ثم يتكلم هذا الإنسان، أي شيء ضده (المسيح)، ويجدف لحدٍّ ما، ولكن ليس بدرجة الشر التى تفقده الغفران، فالله سوف يغفر لأولئك الذين أخطأوا عن جهل. ولكى أُوضِّح ما أعنيه بمثال، فإن المسيح قال في موضع ما: ” أنا هو الخبز الحي النازل من السماء والمعطي الحياة للعالم” (يو6: 51).

          لذلك فبسبب أن البعض لم يعرفوا مجده، بل ظنُّوا أنه إنسان، فإنهم قالوا    ” أليس هو ابن النجار الذي نحن عارفون بأبيه وأمه، فكيف يقول إنِّي نزلت من السماء؟”. وفى مرة أخرى بينما كان واقفًا يعلِّم في المجمع حتى تعجَّب منه الجميع، لكن البعض قالوا: ” كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلَّم” (يو7: 15)، لأنهم لم يكونوا يعرفون طبعًا أن ” فيه مذخر كل كنوز الحكمة والعِلم“(كو2: 3).

          مثل هذه الأمور يمكن أن تُغفر، إذ قيلت بتهوُّر عن جهل.

          أما من جهة أولئك الذين قد جدّفوا على اللاهوت نفسه فإن الدينونة محتَّمة والعقاب أبدي في هذا العالم وفي الآتى. لأنه يقصد بالروح هنا ليس فقط الروح القدس ولكن كل طبيعة الألوهة، وكما هو معروف إنها هي طبيعة الآب والابن والروح القدس. والمخلِّص نفسه يقول فى مكان ما: ” الله روح” (يو4: 24). فالتجديف على الروح هو على كل الجوهر الفائق، لأنه كما قلت، إن طبيعة الألوهة كما أُعلِنَت لفهمنا هي الثالوث القدوس المسجود له الذي هو واحد. ليتنا إذن كما يقول يشوع ابن سيراخ في حكمته: ” نضع بابًا ومزلاجًا للسان” (يشوع ابن سيراخ28: 25)، ونقترب بالأكثر نحو الله ولنقل: “ضع يا رب حافظًا لفمي، وبابًا حصينًا لشفتيَّ، ولا تمل قلبي إلى كلام الشر” (مز140: 3 س). لأن تلك التجاديف هى كلمات رديئة ضد الله. وهكذا إن كنا نخاف الله حقًّا فالمسيح سوف يباركنا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

الاعتراف بالمسيح وإنكاره – إنجيل لوقا 12 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12: 4ـ7): ” وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هَذَا خَافُوا! أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ اللهِ؟. بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضًا جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ! فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!“.

 

          الذِّهن الصبور المحتمِل الشجاع، هو سلاح القديسين الذي لا يمكن اختراقه، لأنه يجعلهم مزكِّين ومتألِّقين بمدائح التقوى. أخبَرَنا أحد الرسل القديسين مرَّة قائلاً:        ” بصبركم تقتنون أنفسكم ” (لو21: 19) وفى مرَّة أخرى: ” لأنكم تحتاجون إلى الصبر حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد” (عب10: 16). بمثل هذه الفضائل الرجولية نصير مشهورين وجديرين بالثناء، ولنا صيت بين الناس فى كل مكان، ومستحقين لكل الكرامات والبركات المعَدَّة للقديسين، وحتى تلك البركات التى ” لم ترها عين ولم تسمع بها أذن” (1كو2: 9) كما يقول الحكيم بولس، وكيف لا يجب أن تكون تلك الأشياء جديرة بالإعجاب والاقتناء، وهى تفوق كل فهم وكل عقل؟ لهذا كما قلت، فإن المسيح يهيئ[1] الذين يحبونه للثبات الروحى فيقول: ” أقول لكم يا أحبائي”.

          إن حديث المسيح الحالى، كما يتبين، لا يخص كل أحد حتمًا بل على العكس إنه فقط لمن يحبونه بوضوح بكل قلبهم، ويستطيعون أن يقولوا بحق: ” من سيفصلني عن محبة المسيح، أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف ” (رو8: 35). لأن هؤلاء الذين ليست لهم محبة وثيقة للمسيح وأكيدة ومؤسسة جيدًا، من الممكن أن يحتفظوا بإيمانهم بالمسيح في الأوقات الهادئة، ولكن متى أزعجتهم الضيقة أو اضطهاد قليل فإنهم يَعرِضون عنه ويهجرونه ويفقدون إيمانهم كما يفقدون الدافع الذي حرَّكهم لمحبته. وكما أن النباتات الصغيرة التى أينعت حديثًا لا تقدر أن تحتمل عنف الريح العاصفة لأنها لم تكن قد ضربت جذورها في العمق، بينما تلك التى ثبتت بمتانة وتأصَّلت جذورها تظل آمنة فى الأرض حتى ولو هزَّتها عاصفة من الرياح الشديدة، هكذا أيضًا هؤلاء الذين لم تثبت عقولهم بمتانة في المسيح، فإنهم يتركونه بسهولة، ويهجرونه بسرعة. أما الذين يختزنون ويمتلكون في عقلهم وقلبهم حبًا متينًا ثابتًا غير متزعزَع للمسيح، هؤلاء يكونون غير متغيِّرين في عقلهم ولهم قلب ثابت غير متذبذب. إذ يصيرون أعلى من كل تراخٍ، وينظرون بازدراء إلى أعظم المخاطر التى لا تُحتمل، ويسخرون من الأهوال، كما لو كانوا يهزأون برعبة الموت. فالوصيَّة هنا إذن تخص هؤلاء الذين يحبونه.

  ولكن مَن هم هؤلاء الذين يحبونه؟ إنهم المشابهون له في فكرهم وهم مشتاقون أن يقتفوا خطواته. ولهذا فإن رسوله يشجِّعنا بقوله: ” إذ قد تألم المسيح من أجلنا بالجسد، تسلحوا أنتم أيضًا بهذه النيَّة” (1بط4: 1) إنه وضع نفسه عنا ” وكان بين الأموات غير مقيَّد” (انظر مز87: 5 س)، لأن الموت لم يهاجمه مثلما هاجمنا بسبب الخطية، لأنه منفصل بعيدًا عن كل خطية، وهو بلا إثم، ولكن بإرادته وحده احتمل الموت لأجلنا، بسبب حبه غير المحدود لنا، فلننصت إليه وهو يقول بوضوح: ” ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ” (يو15: 13)،  فكيف لا يكون إذن أمرًا رديئًا جدًا ألاَّ نرُد إلى المسيح ـ كدَيْن ضروري علينا ـ ما قد نلناه منه؟

          ولكي أضع الموضوع في ضوء آخر، فإنه يجب علينا، كأحبائه، ألا نخاف الموت ولكن بالحري نتمثل بإيمان الآباء القديسين. فإن أب الآباء إبراهيم لما جُرِّب، فإنه قدَّم ابنه الوحيد إسحق ” حاسبًا أن الله قادر على الإقامة من الأموات” (عب11: 19). فلذلك أي رعبة من الموت هذه التى يمكن أن تهجم علينا؟ بعد أن ” أبطلت الحياة الموت” (انظر 2تي1: 10). فالمسيح هو ” القيامة والحياة” (يو11: 25).

          ويجب أيضًا أن نضع فى ذهننا أن الأكاليل يُظفر بها بالجهاد. إنَّ بذل الجهد الشديد متحدًا مع المهارة هو الذي يُكمَّل أولئك المصارعين الأقوياء في المباريات. إنها الجرأة والذهن الشجاع هما النافعان جدًّا لهؤلاء الماهرين في المعارك، بينما الرجل الذي يلقي عنه ترسه، فحتى أعداؤه يسخرون منه، وإن عاش الهارب فإنه يعيش حياة ملؤها الخزي، ولكن الذي يصمد في المعركة ويقف بجرأة وشجاعة وبكل قوته ضد العدو، فإنه يُكرَم إذا نال النصرة، وإن سقط فإنه يُنظر إليه بإعجاب. وهذا ما يجب أن نحسبه لأنفسنا، لأنه عندما نحتمل بصبر ونواصل المعركة بشجاعة فهذا يجلب لنا مكافأة عظيمة. وهو أمر مرغوب فيه جدًا، وننال منه البركات الممنوحة من الله. أما إذا رفضنا مكابدة الموت فى الجسد من أجل محبة المسيح، فهذا سوف يجلب علينا عقابًا دائمًا أو بالحري لا نهاية له، لأن غضب الانسان إنما يصيب الجسد على الأكثر، وموت الجسد هو أقصى ما يمكن أن يدبِّروه ضدنا، ولكن عندما يعاقِب الله، فإن الخسارة لا تصيب الجسد فقط، ولكن النفس التعيسة أيضًا تُلقى معها في العذابات. ليت نصيبنا إذن يكون بالأحرى هو الموت المُكرَّم، لأنه يجعلنا نرتقي إلى بداءة حياة أبدية، والذي يلحق بها بالضرورة تلك البركات أيضًا التي تأتي من الجود الإلهي. وليتنا نهرب من حياة الخزى ونحتقرها، تلك الحياة الملعونة، قصيرة الأجل، والتي تهبط بنا إلى عذاب أبدى مرير.

          ولكي يمنح وسيلة أخرى بها يسعف عقولنا، فإنه يضيف بقوة: ” أليست خمسة عصافير بالكاد ربما تساوى فلسين، ومع ذلك فحتى واحد منها ليس منسيًّا قدام الله“. ويقول فضلاً عن ذلك: ” أيضًا شعور رؤوسكم محصاة” تأمل إذن ما أعظم العناية التى يخلعها على هؤلاء الذين يحبونه. لأنه إن كان حافظ الكون يمدّ معونته إلى أشياء تافهة بهذا المقدار، ويتنازل ـ إن جاز القول ـ إلى أصغر الحيوانات، فكيف يمكنه أن ينسى هؤلاء الذين يحبونه، لاسيما إذا كان يعتني بهم عناية عظيمة، ويتنازل ليفتقدهم لكي يعرف بالضبط أصغر الأشياء عن حالتهم، بل وحتى كم عدد شعور رؤوسهم. أين إذن هو تفاخُر الوثنين وثرثرتهم الفارغة الحمقاء؟ ” أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر ألم يُجهِّل الله حكمة العالم؟” (1كو1: 20). لأن بعضًا منهم ينكر تمامًا العناية الإلهية، بينما آخرون يجعلونها تصل إلى القمر فقط، ويضعون عليها قيودًا كما لو كانت هذه السلطة قد خُوِّلَت لهم. لمثل هؤلاء نقول: ” هل عناية الله أضعف من أن تمتد إلى ما هو أسفل بل وحتى أن تبلغ إلينا، أم أنَّ خالق الكل مُتعَب لهذه الدرجة حتى أنه لا يرى ما نفعل؟ إن قالوا إذن إن العناية ضعيفة جدًّا، فهذا هو الغباء بعينه ليس إلا. أما إذا صوَّروا الطبيعة الإلهية أنها خاضعة للكسل، فإنهم يجعلونها أيضًا قابلة للحسد وهذا أيضًا هو تجديف وجرم لا يوجد أعظم منه. ولكنهم يجيبون أنه إزعاج للإرادة الإلهية والفائقة أن تثقَّل بالعناية بكل هذه الأمور الأرضية، لأنهم لا يعلمون كم هي عظيمة هذه الطبيعة الإلهية التي لا يمكن للعقل أن يفهمها أو للنطق أن يصفها، والتي تملك على الكل، لأنه بالنسبة لها فإن جميع الأشياء صغيرة، وهكذا يعلِّمنا النبي المبارك إشعياء حيث يقول: ” حقًّا إنما جميع الأمم كنقطة من دلو وتحسب كغبار الميزان، وتُعدّ كبصاق، فبمَّن تشبِّهون الرب؟” (إش40: 15، 18 س). فماذا تكون نقطة واحدة من دلو؟ وماذا يكون غبار الميزان؟ وماذا يكون البصاق؟ أي تفلة واحدة؟ فإن كان هذا هو وضع جميع الأشياء أمام الله، فكيف يكون أي أمر عظيمًا عليه، أو يكون أمرًا يسبِّب له إزعاجًا أن يعتني بكل الأشياء؟ إن مشاعر الوثنيين الضارة إنما هي عديمة العقل.

          ليتنا إذن لا نشُك، بل نؤمن أنه بيد سخيَّة سوف يمنح نعمته لهؤلاء الذين يحبونه. لأنه إما أنه لن يسمح لنا أن نقع في تجربة، أو إذا سمح ـ بقصده الحكيم ـ أن نؤخذ فى الشرك لأجل أن نربح المجد بالآلام، فإنه بكل تأكيد سيمنحنا القوة أن نحتملها. وبولس المبارك هو الشاهد لنا ويقول: ” الله أمين، الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو10: 13). لأن الذي هو المخلِّص وهو ربنا جميعًا هو رب القوات، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] حرفيًّا “يمسح”، وهى استعارة مأخوذة من معهد المصارعة (الجمنزيوم) حيث كان المصارع يُدهن بالزيت قبل أن تبدأ المعركة مباشرة، فصار معنى يمسح إذن هو الإعداد للجهاد المرتقب.

عناية الله بمحبيه – إنجيل لوقا 12 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 52 ، 12: 1ـ2) ” وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ. ولمَا خَرَج مِن هُنَاك ابْتَدَأَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يَحْنَقُونَ جِدًّا وَيُصَادِرُونَهُ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَهُمْ يُرَاقِبُونَهُ طَالِبِينَ أَنْ يَصْطَادُوا شَيْئًا مِنْ فَمِهِ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ  وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ إِذِ اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضًا ابْتَدَأَ يَقُولُ لِتَلاَمِيذِهِ: أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ. فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ، لِذَلِكَ كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ يُسْمَعُ فِي النُّورِ وَمَا كَلَّمْتُمْ بِهِ الأُذُنَ فِي الْمَخَادِعِ يُنَادَى بِهِ عَلَى السُّطُوحِ “.

 

          الذين يفتِّشون الكتب المقدسة ويعرفون إرادة الله، عندما يكونون رجالاً فاضلين، ومهتمين بما هو نافع للناس، وماهرين فى قيادتهم باستقامة إلى كل الأمور الممتازة، سوف يُكافأون بكل بركة، إذا أدُّوا مهامهم بكل اجتهاد. وهذا ما يؤكده لنا المخلِّص حيث يقول: “ فمن هو إذن العبد الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمِهِ ليعطيهم الطعام فى حينه، طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا، الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله” (مت45:24ـ47)، ولكن إن كان كسولاً ومهملاً وتسبب فى ضرر من أؤتُمن عليهم، فإنه بإنحرافه عن الطريق المستقيم، يكون في بؤس عظيم وفى خطر عقاب محقَّق، لأن المسيح نفسه أيضًا قد قال: “ ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخيرٌ له أن يُعلَّق في عنقه حجر حمار[1] ويُغرق في لُجَّة  البحر” (مت18: 6).

          وقد أثبت المسيح أنهم مذنبون بأخطاء فظيعة أولئك الذين يدعون أنهم حاذقون فى الناموس، أقصد الكتبة والناموسيون، ولهذا يقول لهم: ” ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة“، ونحن نعتقد أن مفتاح المعرفة يَقصد به الناموس نفسه، والتبرير بالمسيح وأنا أعني بالإيمان به. لأنه رغم أن الناموس كان ظلاً ومثالاً، إلاَّ أن هذه الرموز ترسم لنا الحقيقة، وتلك الظلال تصوِّر لنا بِر المسيح بطرق متنوعة. كان يقدَّم حَمَل ذبيحة بحسب ناموس موسى، وكانوا يأكلون لحمه ويدهنون القائمتين بدمه، وهكذا كانوا يَغلبون المهلِك. ولكن مجرد دم خروف لا يمكن أن يبعد الموت. لقد كان المسيح هو المشار إليه بمِثال في شكل حمل، هو الذي احتمل أن يكون ذبيحة عن حياة العالم، وأن يخلِّص بدمه أولئك الذين يشتركون فيه. ويمكن للإنسان أن يذكر أمثلة أخرى كثيرة، يمكن بواسطتها أن نميِّز سر المسيح المرسوم فى ظلال الناموس. والمسيح نفسه لمَّا تكلم ذات مرة لليهود قال: “يوجد الذي يشكُوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم، لأنكم لو كنتم تُصدّقون موسى لكنتم تصدّقونني لأنه هو كتب عني” (يو5: 45ـ46)، وأيضًا ” فتِّشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهى التى تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة” (يو5: 39)، لأن كل كلمة فى الكتب الإلهية الموحَى بها تتطلَّع نحوه وتشير إليه. وإن كان موسى الذي يتكلم، فهو على أى حال كان كما رأينا مثالاً للمسيح، وإن كان الأنبياء القديسون الذين تُذكر أسماؤهم، فإنهم أيضًا أعلنوا لنا سر المسيح مسبقًا عن الخلاص الذي بواسطته.

          لذلك كان يجب على أولئك الذين يُدعَون ناموسيون، بسبب دراستهم لناموس موسى وكانوا على دراية كبيرة بأقوال الأنبياء القديسين، كان ينبغي أن يفتحوا أبواب المعرفة لجماهير اليهود، لأن الناموس يُوجِّه الناس إلى المسيح، والإعلانات المقدسة التى للأنبياء القديسين تقود ـ كما قلت لكم ـ للتعرُّف عليه. لكن المدعُوِّين ناموسيون لا يفعلون هكذا، بل على العكس أبعدوا مفتاح المعرفة، والذي ينبغي أن نعرف أنه إرشاد الناموس. أو هو بالحقيقة الإيمان بالمسيح، لأن معرفة الحق هى بالإيمان، كما يقول إشعياء النبي في موضع ما: ” إن لم تؤمنوا فلا تفهموا” (إش7: 39 س). وطريقة الخلاص هذه نفسها بالإيمان بالمسيح أعلنها لنا سابقًا بواسطة الأنبياء القديسين قائلاً: “ قليلاً، بعد قليل سيأتي الآتي ولا يبطئ…” (حبقوق2: 3 س) ” وإن ارتدَّ لا تُسر به نفسي” (عب10: 37)، والمقصود بارتداد الشخص هو أن يستسلم للتواني، لذلك يقول إنه لا يجب أن يرتد واحد، فالمقصود أنه إذا كان يزداد توانيًا فى سَيرِه نحو النعمة التى بالإيمان فإن نفسي لن تُسر به.

          أما كون الآباء قد تزّكوا بالإيمان، ففحص أعمالهم يوضِّح ذلك. خُذ على سبيل المثال أب الآباء إبراهيم الذي دُعيَ خليل الله، ماذا كُتِب عنه؟ “ آمن إبراهيم بالله فحُسب إيمانه له برًّا ودُعيَ خليل الله” (يع2: 23). كما كُتب أيضًا ” بالإيمان نوح لما أُوحيَ إليه عن أمور لم تُرَ بعد خاف فبنى فُلكًا لخلاص بيته، الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء” (عب11: 7، 1بط3: 20). كما أن المبارك بولس قدَّم لنا تعريفًا، أو بالأحرى قانونًا عامًّا بقوله: ” بدون إيمان لا يمكن ارضاء الله” (عب11: 6)، لأنه قال إن به نال القدماء، شهادة حسنة (عب11: 2).

          أما هؤلاء المدعوون ناموسيون فقد أخذوا مفتاح المعرفة، ولم يسمحوا للناس أن يؤمنوا بالمسيح مخلِّص الجميع. إنه أجرى عجائب بطرق متنوعة، فأقام الموتى من القبور، وأعاد البصر للعميان الذين فقدوا الرجاء، وجعل العرج يمشون وطهَّر البرص، وانتهر الأرواح النجسة، أما هم رغم أنه كان من واجبهم أن ينظروا إليه بإعجاب بسبب هذه الأمور، إلا أنهم احتقروا آياته الإلهية، وجعلوا الشعب الذي أودع أمانة عندهم أن يعثر فيه، إذ قالوا: ” هذا الإنسان لا يُخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24). ها أنت ترى أنهم قد أخذوا مفتاح المعرفة. فهو علَّم في مجامعهم، وكشف لسامعيه مشيئة الله الآب الصالحة والمرضية الكاملة (رو12: 2)، لكنهم لم يتركوا حتى تعاليمه هذه بدون لوم، لأنهم صرخوا للجموع: به شيطان، وهو يهذي ” لماذا تسمعون له؟” (يو10: 20). حقًّا إنهم أخذوا مفتاح المعرفة فما دخلوا هم أنفسهم ومنعوا الآخرين.

          وهكذا وقد صاروا ساخطين على هذا التوبيخ، فإنهم كما يقول الكتاب: ” بدءوا يحنقون عليه” والذي يعني أنهم بدءوا يهاجمونه بمكرٍ ويقاومونه، ويُظهرون بغضهم له، بل وتجاسروا أيضًا كما يقول: ” أن يُفحموه على أمور كثيرة[2]،ومرَّة ثانية ما هو المقصود بأن يُفحموه (يسكتوه)؟

          المقصود هو أنهم طلبوا منه فورًا، أي بدون إعطائه فرصة للتفكير فى الإجابة على أسئلتهم الشريرة، ومتوقِّعين بكل تأكيد أن يقع في شباكهم وأن يقول شيئًا ما أو شيئًا آخر يمكن الاعتراض عليه. ولكنهم لم يعلموا أنه هو الله، بل بالحري هم الذين كانوا حقيرين، مغرورين، منتفخين. ولذلك قال المسيح لأصدقائه، أعنى لتلاميذه: ” تحرَّزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين والكتبة“، وهو يقصد بالخمير تظاهرهم الكاذب، لأن الرياء أمر ممقوت لدى الله ومكروه من الناس ولا يجلب مكافأة وهو عديم الفائدة تمامًا لخلاص النفس بل بالأحرى هو سبب هلاكها. وإن اختبأ ولم ينكشف لفترة قصيرة، فلابد أن يُفضح بعد زمن ليس بطويل، ويجلب عليهم الاحتقار، مثل النسوة قبيحات المنظر، عندما تُنزع عنهن زينتهن الخارجية التى عملوها بوسائل مصطنعة.

          لذلك فالرياء شيء غريب عن أخلاق القديسين، لأنه من المستحيل أن تلك الأمور التى نفعلها ونقولها، أن تخفى على عين الله، وهذا ما أوضحه بقوله:    ” فليس مكتومٌ لن يُستعلن، ولا خفيٌّ لن يُعرف“، لأن جميع أقوالنا وأعمالنا سوف تنكشف فى يوم الدينونة. إن الرياء إذن هو عناء لا لزوم له، ومن واجبنا أن نثبت أننا عابدون حقيقيون، نخدم الله بوجه طلق مكشوف، ولا نخضع فكرنا لمن أخذوا مفتاح المعرفة، بل يجب أن نرى حتى في الناموس سر المسيح، ونمسك بكلمات الأنبياء القديسين لتثبت معرفتنا به. وهذا أيضًا ما علَّمنا به تلميذه بقوله: ” وعندنا الكلمة النبوية وهى أثبت، التى تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح فى قلوبكم ” (2بط1: 19).

          فنحن الذين في المسيح قد أشرق إذن علينا النهار، وقد طلع كوكب الصبح العقلي، حاصلين على معرفة صحيحة وبلا لوم لأنه هو نفسه قد وضع في ذهننا وقلبنا المعرفة الإلهية، إذ هو المخلِّص ورب الكل، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] يقصد القديس فى نصه هنا حجر الرحى الكبير الذى يُدار بحمار، لتمييزه عن حجر الرحى الصغير الذى يُدار باليد.

[2] هذا بحسب النص الذى فى يد القديس كيرلس To put him to Silence وكذلك نفس المعنى بحسب النص اليونانى. وفى ترجمة دار “الكتاب المقدس: ” يصادرونه على أمور كثيرة “.

 

مفتاح المعرفة – إنجيل لوقا 12 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تعاليم يسوع المسيح – إنجيل لوقا 5 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تعاليم يسوع المسيح – إنجيل لوقا 5 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تعاليم يسوع المسيح – إنجيل لوقا 5 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأصحاح الخامس

 (لو5: 1ـ2) ” وَإِذْ كَانَ الْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ، كَانَ وَاقِفًا عِنْدَ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ. فَرَأَى سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ الْبُحَيْرَةِ، وَالصَّيَّادُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُمَا وَغَسَلُوا الشِّبَاكَ“.

        يليق أن نعجب بالطريقة الماهرة التي استُخدِمت لصيد أولئك الذين سيصيرون صيادين لكل الأرض، وأعني بهم الرسل القديسين الذين رغم أنهم كانوا ماهرين في صيد السمك، إلا أنهم أُمسكوا في شبكة المسيح، لكي يستطيعوا هم أيضًا بإلقاء شبكة الكرازة الرسولية، أن يجمعوا لهم سكان العالم كله. لأنه حقًّا قال في موضع آخر بواسطة أحد الأنبياء القديسين “ هأنذا أُرسل صيادين كثيرين يقول الرب، فيصطادونهم ثم بعد ذلك، أُرسل كثيرين من القانصين فيقتنصونهم” (إر16:16)، وهو يعني بالصيادين الرسل القديسين، أما القانصين فيقصد بهم أولئك الذين تبعوهم كمدبرين ومعلمين للكنائس المقدسة. وأرجو أن تلاحظوا أن الرب لم يكرز فقط، بل يجرى آيات أيضًا، معطيًا بذلك أدلة على قوته ومثبتًا كلامه بعمل المعجزات، لأنه بعد أن تحدث مع الجموع، رجع إلى أعماله العادية المقتدرة، وعن طريق تعامله مع التلاميذ الصيادين فأنه يمسك بهم كأسماك، لكي يعلم الناس أن مشيئته قادرة على كل شيء، وأن الخليقة تطيع أوامره الإلهية.

(لو5: 3ـ7) ” فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلاً عَنِ الْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ قَالَ لِسِمْعَانَ:ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْد. فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ:يَا مُعَلِّمُ، قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا. وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. وَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ أَمْسَكُوا سَمَكًا كَثِيرًا جِدًّا، فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ. فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمُِ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ الأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ “.

          حيث إنه لم يكن قد علَّمهم بقدر كافٍ، وكان من المناسب أيضًا أن يضيف عملاً إلهيًّا على كلماته لأجل فائدة الحاضرين، طلب إلى سمعان ورفاقه أن يبعدوا عن الشاطئ وأن يلقوا شباكهم للصيد. ولكنهم أجابوا أنهم قد تعبوا الليل كله ولم يمسكوا شيئًا، ومع ذلك فإنهم ألقوا الشبكة باسم المسيح وفي الحال امتلأت من السمك لكن عن طريق حقيقة منظورة تمَّت بطريقة معجزية كمَثَل ونموذج يمكن أن يقتنعوا به تمامًا أن تعبهم لم يكن بدون مكافئة، ولا غيرتهم ستكون بلا ثمر، تلك الغيرة التي أظهروها بنشر شبكة تعليم الإنجيل، لأنه يلزم بالتأكيد أن يمسكوا بأفواج الأمم داخل هذه الشباك… ولكن لاحظوا هذا أنه لا سمعان ولا رفقاؤه استطاعوا أن يجذبوا الشبكة إلى الشاطئ، وإذ قد انعقد لسانهم من الخوف والدهشة ـ لأن الدهشة أخرستهم ـ أشاروا إلى شركائهم، أي أولئك الذين يشاركونهم في عمل الصيد، أن يأتوا ويساعدوهم للمحافظة على الصيد وعلى ما اصطادوه، لأن كثيرين قد اشتركوا مع الرسل القديسين في أتعابهم ولا يزال الأمر كذلك إلى الآن، خاصة أولئك الذين يفتشون عن معنى المكتوب في الأناجيل المقدسة، وآخرين أيضًا معهم، وأعنى الرعاة والمعلمين ومدبري الشعب، المتدربين في تعليم الحق. لأن الشبكة لا تزال مطروحة بينما المسيح يقوم بملئها، وهو يدعو الذين في أعماق البحر أن يتغيَّروا، بحسب كلمة الكتاب، أي أولئك الذين يعيشون في تيار وأمواج الأمور العالمية.

(لو5: 8ـ9) ” فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ! إِذِ اعْتَرَتْهُ وَجمِيعَ الَّذِينَ مَعَهُ دَهْشَةٌ عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ الَّذِي أَخَذُوهُ “.

         لهذا السبب فإن بطرس إذ رجع بذاكرته إلى خطاياه السابقة خاف وارتعد، وإذ شعر أنه غير طاهر فإنه لا يجرؤ أن يستقبل ذلك الذي هو طاهر، وخوفه هذا يستحق المدح لأنه قد تعلَّم من الناموس أن يميِّز بين المقدس والنجس.

(لو5: 12ـ13) ” وَكَانَ فِي إِحْدَى الْمُدُنِ، فَإِذَا رَجُلٌ مَمْلُوءٌ بَرَصًا. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ، فَاطْهُرْ! وَلِلْوَقْتِ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ “.

          إيمان الرجل الذي اقترب من يسوع يستحق كل مديح، لأنه يشهد أن عمانوئيل يستطيع أن يتمم كل الأشياء بنجاح، ويسعى للحصول على الشفاء بأمر إلهي منه، رغم أنه يعلم أن مرضه كان عديم الشفاء؛ لأن البرص كانت تعجز أمامه مهارة الأطباء. ولكنه يقول (في نفسه): إني أرى الشياطين النجسة تُطرد بسلطان إلهي، وأرى آخرين يُطلَقون أحرارًا من أمراضهم، وأُدرك أن مثل هذه الأشياء تتم بقوة إلهية لا تُقهر، وإني أرى أيضًا أنه صالح ومستعد تمامًا أن يعطف على أولئك الذين يأتون إليه، لذلك فما الذي يمنع أن يشفق عليَّ أنا أيضًا؟ وما هو جواب المسيح؟ إنه يُدعِّم إيمانه ويعطيه تأكيدًا كاملاً لإيمانه. فإنه يقبل طلبه ويعلن أنه يستطيع بقوله: “أريد فاطهر”. كما يمنحه أيضًا لمسة يده القدوسة والكلية القدرة، وفي الحال تركه البرص وانتهت معاناته. تعالوا واشتركوا معي في التعجب من المسيح، إنه بذلك يعمل في نفس الوقت بقوة إلهية وجسدية معًا، فأن “يريد” هذا فعل إلهي، كما أراد بالنسبة لكل شيء أن يوجد، ولكن أن “يمد يده” فهذا فعل بشري، فالمسيح يعرف بأنه واحد مِن اثنين كما هو مكتوب، “الكلمة صار جسدًا”.

(لو5: 14) ” فَأَوْصَاهُ أَنْ لاَ يَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ امْضِ وَأَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ كَمَا أَمَرَ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ “.

          رغم أن الأبرص صمت ولم يتكلم فإن حقيقة الشفاء نفسها كانت كافية أن تُعلِن لكل الذين عرفوه عن عظمة وقوة ذلك الذي شفاه، ولكن المسيح يوصيه ألا يقول لأحد، لماذا؟ لكي يتعلم أولئك الذين ينالون من الله موهبة الشفاء ألا يتطلعوا إلى مدح أولئك الذين شفوهم ولا إلى أي مدح من أي إنسان، لئلا يسقطوا فريسة للكبرياء الذي هو أردأ جميع الرذائل.

وهو يأمر عن قصد أن يقدِّم للكهنة التقدمة حسب ناموس موسى لأنه كان يرغب في الحقيقة أن يبطل الظل ويحوِّل الرموز إلى عبادة روحية. ولأن اليهود لم يكونوا قد آمنوا به فإنهم ربطوا أنفسهم بأوامر موسى، مفترضين أن عاداتهم القديمة لا تزال قائمة، ولذلك فقد سمح هو للأبرص أن يقدِّم تقدمة شهادة لهم. وما هو هدفه من منح هذا التصريح للأبرص؟ السبب هو أن اليهود إذ كانوا يستخدمون احترامهم للناموس كحجَّة، يتذرعون بها، ويقولون إن موسى النبي كان خادمًا لشريعة من الأعالي فإنهم كانوا يسعون أن يعامِلوا المسيح مخلِّصنا كلنا باحتقار، ولقد قالوا صراحة: ” نحن نعلم أن موسى كلَّمه الله وأما هذا فما نعلم من أين هو؟” (يو9: 29)، لذلك كان من الضروري أن يقتنعوا بواسطة الحقائق الفعلية أن مستوى موسى أقل من مجد المسيح، لأن موسى كان أمينًا كخادم في بيته، وأما المسيح فكابن على بيت أبيه (عب3: 5). إذًا فمِن هذا الشفاء للأبرص، يمكننا أن نرى بوضوح تام أن المسيح يفوق ناموس موسى بما لا يقارن، لأن مريم أخت موسى، هي نفسها ضُربت بالبرص لأنها تكلمت ضده، وموسى تألم جدًّا بسبب إصابتها، ولأنه لم يكن في مقدوره أن يزيل المرض من أخته فإنه سقط بوجهه أمام الله، قائلاً: “ أتوسل إليك اللهم اشفها” (عد12: 13)، فلاحظوا هذا إذًا أنه أولاً كان هناك توسل، لقد سعى بالصلاة أن يحصل على رحمة من فوق، أما مخلِّص الكل فتكلم بسلطان إلهي: ” أريد فاطهر“، لذلك فإن نزْع البرص كان شهادة للكهنة لكي يعرف أولئك الذين يعطون أعلى رتبة لموسى أنهم يضلون عن الحق. فإنه كان مناسبًا، بل ومناسبًا جدًّا أن يُعتَبر موسى بتقدير كخادم للشريعة، وخادم للنعمة التي تكلم بها ملائكة ولكن تقديرنا لعمانوئيل يجب أن يفوق جدًّا تقديرنا لموسى. وكذلك المجد الذي ينبغي أن نعطيه له كابن الله الآب.

          وكل من يريد أن يرى، يمكنه أن يرى سر المسيح العميق، والفائق القدرة الذي كتب لمنفعتنا في سفر اللاويين، لأن ناموس موسى يُعلن أن الأبرص نجس ويأمره أن يخرج خارج المحلة كنجس، ولكن إن زال المرض منه فإن الناموس يأمر بالسماح للمريض بدخول المحلة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الناموس يُحدِّد بوضوح الطريقة التي تُعلن بها طهارة الأبرص فيقول: “ هذه تكون شريعة الأبرص يوم تطهيره. يؤتى به إلى الكاهن، ويخرج الكاهن إلى خارج المحلة فإن رأى الكاهن وإذا ضربة البرص قد برأت من الأبرص يأمر الكاهن أن يؤخذ للمتطهر عصفوران حيَّان طاهران…. ويأمر الكاهن أن يُذبح العصفور الواحد في إناء خزف على ماء حي، أما العصفور الحي فإنه يغمسه في دم العصفور المذبوح على الماء الحي ويرش على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره ثم يطلق العصفور الحي على وجه الصحراء” (لا14: 1ـ7). فالعصافير إذًا عددها اثنان وكلاهما بلا عيب أي طاهران، وهي بلا لوم من جهة الشريعة، ويُذبح أحدهما على الماء الحي، أما الآخر إذ ينجو من الذبح، فإنه بعد ذلك يُعمَّد في دم العصفور الذي ذُبح، ثم يطلق حرًّا.

هذا المثل إذًا يُمثل لنا السر العظيم والمكرَّم الذي لمخلصنا. لأن الكلمة كان من فوق، أي من الآب، من السماء، ولهذا السبب من المناسب جدًّا أن يقارَن بطائر، فرغم أنه نـزَل لأجل تدبير الخلاص ليأخذ شكلنا أي يأخذ صورة عبد إلاَّ أنه رغم ذلك كان من فوق، نعم فإنه حتى حينما كلَّم اليهود قال هكذا بوضوح ” أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق” (يو8: 3). وأيضًا ” ليس أحد صعد إلى السماء إلا ابن الإنسان الذي نزل من السماء” (يو3: 13)، فكما قلتُ الآن حالاً، فإنه حتى حينما صار جسدًا، أي إنسانا كاملاً، لم يكن أرضيًّا، بل كان سماويًّا ويفوق الأشياء العالمية من جهة لاهوته، فيمكننا أن نرى إذًا، في العصفورَين المقدمَين في تطهير الأبرص، يمكننا أن نرى المسيح متألمًا بالجسد حسب الكتب، ولكنه يظل متعاليًا على الآلام. نراه مائتًا في طبيعته البشرية، ولكنه حيّ بطبيعته الإلهية، لأن الكلمة هو الحياة. فقد قال التلميذ الحكيم جدًا: ” مُماتًا في الجسد ولكن مُحيي في الروح” (1بط3: 18). ولكن رغم أن الكلمة لا يمكن أن يقبل آلام الموت في طبيعته الخاصة، إلا أنه ينسب إلى نفسه ما تألم به جسده، العصفور الحي اعتمد في دم العصفور الميت، وهكذا اصطبغ بالدم، وإذ صار مشتركًا في الآلام، فإنه أُطلق حرًّا إلى الصحراء، وهكذا أيضًا رجع كلمة الله الوحيد إلى السماء مع الجسد الذي اتحد به. وكان منظرًا غريبًا جدًّا في السماء وجموع الملائكة دُهشت حينما رأت ملك الأرض ورب القدرة مثلنا في الشكل وقالوا ” من ذا الآتي من أدوم ” ـ ويعنون بذلك الأرض ـ “بثياب حمر من بصرة” (إش63: 1)، وتفسير لفظة بصرة هو جسد. ثم سألوه ما هذه الجروح في يديك؟ فأجاب ” هي التي جُرحتُ بها في بيت أحبائي” (زك13: 6). فكما أنه بعد عودته إلى الحياة من الموت حينما كشف بقصد حكيم، يديه لتوما، أمره أن يلمس آثار المسامير، والفتحة التي في جنبه، هكذا أيضًا حينما وصل إلى السماء، أعطى برهانًا كاملاً للملائكة القديسين أن إسرائيل قد طُرد بعدل ولم يعُد شعبه. لهذا السبب أراهم ثيابه المصبوغة بالدم، والجروح في يديه، ليس لأنه لا يستطيع أن يلاشي الجروح، لأنه حينما قام من الأموات أبطل الفساد وأبطل معه كل علاماته وصفاته. لذلك احتفظ بآثار الجروح لكي تعلن حكمة الله المتنوعة التي صنعها في المسيح فتعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين بواسطة الكنيسة بحسب خطة الخلاص.

          ولكن ربما يسأل أحد ويقول، كيف تستطيع أن تؤكد إن يسوع المسيح هو نفسه الابن والرب والوحيد بينما هناك عصفوران قد قدِّما؟ ويضيف أيضًا، ألا يُوضِّح الناموس بهذا أنه يوجد ابنان ومسيحان؟ نعم إنَّ بعض الناس قد وصلوا إلى مثل هذه الهوَّة من عدم التَّقوى بأن يُفكِّروا وأن يقولوا إنَّ كلمة الله الآب هو مسيح واحد بمفرده، وأن ذلك الذي جاء من نسل داود هو مسيح آخر. ولكننا نجيب أولئك الذين يتصورون بجهلهم الأمور هكذا، بما كتبه بولس الإلهي: “ رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة” (أف4: 5). لذلك إن كانوا يؤكدون أنه يوجد ابنان فبالضرورة يكون هناك ربَّان، وإيمانان، ومعموديتان. لذلك رغم أنه، أي بولس يملك المسيح متكلمًا فيه كما يؤكد هو نفسه فمع ذلك يصير تعليمه خاطئًا، لكن هذا لا يمكن أن يكون بالمرة! لذلك فنحن نعترف برب واحد هو كلمة الله الوحيد المتجسد، غير فاصلين بين الناسوت واللاهوت، بل نؤكد بالخلاص أن كلمة الله الآب صار هو إنسانًا في الوقت الذي فيه استمرَّ إلهًا.

          وبعد ذلك لندع أصحاب الرأي المضاد أن يتكلموا قائلين “إن كان هناك ابنان، واحد من نسل داود والآخر منفصل عنه هو كلمة الله الآب، ألا يكون كلمة الله الآب أعلى في طبيعته من ذلك الذي جاء من نسل داود؟ فماذا نفعل إذًا، ونحن نرى العصفورين غير مختلفين في الطبيعة الواحد عن الآخر؟ بل العكس هما من نفس النوع ولا يختلفان في أي نقطة أحدهما عن الآخر”. ولكن هؤلاء لا يربحون شيئًا بمجادلتهم هذه لأنه يوجد فرق عظيم جدًّا بين اللاهوت والناسوت وحينما نشرح الأمثلة، ينبغي أن نفهمها بحسب تشابهها المناسب، لأن الأمثلة قاصرة تمامًا عن مستوى الحق. وهي عادة تعطي توضيحًا جزئيًّا للأشياء التي تشير إليها. وفوق ذلك نقول، إن الناموس كان نوعًا من الظل والمثال، ورسْم يضع الأشياء أمام عيني الناظرين. ولكن في الفن التصويري تكون الظلال هي أساس الألوان وحينما توضع درجات الألوان الساطعة على الظلال، فحينئذ يلمع جمال الرَّسم، وبنفس الطريقة حيث أنه كان مناسبًا لناموس موسى أن يخطِّط لسر المسيح بوضوح، فإن الناموس لا يظهر كميت وكحي في نفس العصفور الواحد لئلا إذا حدث ذلك يكون له شكل شعوذة مسرحية، ولكنه أشار إليه كمتألم مذبوح في أحد العصفورين وأظهر في العصفور الآخر المسيح كحي ومطلق حرًّا.

          ولكني سأحاول أن أبين أن ما أناقشه هنا لا يخرج عن حدود الاحتمال المعقول بواسطة قصة أخرى، لأنه لو أراد أحد من جماعتنا أن يرى تاريخ إبراهيم موضحًا في رسم فكيف يرسمه الفنان، هل يرسمه وهو يعمل الأشياء مرة واحدة؟ أم أنه يرسمه في صور متتابعة وهو يعمل أعمالاً مختلفة في عدة صور رغم أن الذي يعمل كل الأعمال المختلفة هو شخص واحد. فأنا أعني أن يرسمه مثلاً مرة وهو جالس على الحمار وإسحق يسير مرافقًا له والغلمان يتبعونهما، ثم في مرة أخرى يرسم الحمار متروكًا مع الغلمان وإسحق يحمل الحطب وإبراهيم نفسه يحمل السكين والنار في يديه. وفي جزء آخر يرسم إبراهيم نفسه في موقف مختلف تمامًا. إذ يكون إسحق مربوطًا فوق الحطب وإبراهيم يمسك السكين بيده اليمنى مستعدًّا أن يذبحه، ولكن في كل هذه الرسوم لا يكون غير إبراهيم واحد رغم أنه يُمثَّل بأشكال مختلفة في الرسم، ولكنه هو واحد وهو نفس الشخص في كل الرسوم إذ أن فن الرسام يتكيَّف بحسب ما تحتاجه الأمور المطلوب توضيحها في الرسم، لأن من المستحيل أن نراه في رسم واحد يعمل جميع الأعمال المذكورة سابقًا، لذلك هكذا الناموس أيضًا كان رسمًا ومثالاً لحقائق آتية. ولذلك فرغم أنه كان هناك عصفوران، إلا أن الذي كان يشير إليه العصفوران هو واحد فقط، كمتألم وكحر من الألم، كمائت وكمن هو فوق الموت، وصاعد إلى السماء كباكورة ثانية للطبيعة البشرية المتحدة في عدم فساد، لأنه صنع لنا طريقًا جديدًا إلى ما هو فوق، ونحن سنتبعه حينما يحين الوقت. فذبح أحد العصفورين بينما العصفور الآخر يعتمد في دم المذبوح ويظل هو حرًّا من الذبح، كان هذا إشارة إلى ما سيحدث حقيقة لأن المسيح مات لأجلنا، ونحن الذين اعتمدنا في موته، قد خلصنا بدم نفسه.

 (لو5: 17) ” وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ. وَكَانَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ لِشِفَائِهِمْ “.

          كان يحيط به مجموعة من الكتبة الحاقدين ومن الفريسيين، هؤلاء جميعًا كانوا يشاهدون أعماله العجيبة، وكانوا أيضًا يستمعون إليه وهو يعلِّم. ويقول الإنجيل إن قوة الرب كانت حاضرة لشفائهم. فهل معنى هذا الكلام هو كما لو أن الله أعطاه القدرة أن يعمل المعجزات؟ أي هل استعار القوة من آخر؟ ولكن مَن الذي يتجاسر أن يقول هذا الكلام؟

          إنه هو بالأحرى الذي كان يعمل بقوَّته الخاصة، كان يعمل كإله ورب وليس كشخص يشترك في نعمة إلهية. لأن الناس في الحقيقة هم الناس حتى بعد أن يُحسبوا أهلاً للمواهب الروحية، إلاَّ أنه يتَّضح أحيانًا أنهم ضعفاء، وذلك بحسب القياس المعروف لله الذي يُوزع النعم الإلهية. أما في حالة مخلصنا كلنا فلم يكن هناك شيء من ذلك، فإن قوَّته للشفاء لم تكن قوة بشرية، بل هو قوة إلهية فائقة لا تقاوَم، لأنه هو الله وهو ابن الله.

          المسيح وحده هو الذي يُعلِّم لأنه هو المعلِّم الحقيقي، وهو حكمة الآب، لأن جميع الباقين يعلِّمون بمقدار ما ينالون منه، ويقول الإنجيل إن قوة الرب كانت حاضرة لشفاء الكل، وهذا معناه أن قوَّته القادرة على الشفاء لم تكن بشرية بل قوة إلهية لا تضعف، لأن بقية القديسين ينالون قوة لعمل الشفاء في وقت معيَّن، بينما في أوقات أخرى لا ينالون هذه القوة. أما يسوع فإذ هو الله وهو قوة الآب فإنه شفى الجميع في كل الأوقات.

 (لو5: 18ـ20) ” وَإِذَا بِرِجَال يَحْمِلُونَ عَلَى فِرَاشٍ إِنْسَانًا مَفْلُوجًا، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا بِهِ وَيَضَعُوهُ أَمَامَهُ. وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُونَ بِهِ لِسَبَبِ الْجَمْعِ، صَعِدُوا عَلَى السَّطْحِ وَدَلَّوْهُ مَعَ الْفِرَاشِ مِنْ بَيْنِ الأَجُرِّ إِلَى الْوَسْطِ قُدَّامَ يَسُوعَ. فَلَمَّا رَأَى إِيمَانَهُمْ قَالَ لَهُ: أَيُّهَا الإِنْسَانُ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ “.

          حينما كان عدد غير قليل، كما يقول الإنجيل، من الكتبة والفريسين مجتمعين إذا برجال يحملون إنسان مشلولاً على فراش ولأنهم لم يستطيعوا أن يدخلوا من الباب صعدوا به على السطح ليحاولوا أن يعملوا أمرًا غريبًا وجديدًا. فإذ رفعوا الآجر، فإنَّهم أزالوا الخشب الموضوع هناك. وبينما كانوا يفعلون هذا كان يسوع ينتظر بصبر والحاضرين كانوا صامتين ينتظرون نتيجة ما حدث، ويرغبون أن يروا ما الذي سيقوله يسوع وماذا سيفعل، لذلك إذ كشفوا السقف فإنهم أنزلوا الفراش ووضعوا المشلول في الوسط فماذا فعل الرب بعد ذلك؟ إنه لما رأى إيمانهم، ليس إيمان المشلول، بل إيمان الحاملين لأنه من الممكن أن يُشفى الإنسان بواسطة إيمان آخرين، أو ربما أن الرب لاحظ أيضًا أن المفلوج نفسه له إيمان ولذلك شفاه، وأيضًا من المحتمل أن يكون المكان الذي أنزلوا منه فراش المفلوج بين الآجر كان مفتوحًا على الهواء حتى أنهم لم يحتاجوا أن يكسروا السقف. ولكن حينما يقول له المخلِّص ” أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك“، فإنه يوجه هذا الكلام للجنس البشري عمومًا. لأن أولئك الذين يؤمنون به إذ ينالون الشفاء من أمراض النفس فإنهم يحصلون على غفران الخطايا التي ارتكبوها سابقًا. أو ربما يقصد هذا: أني ينبغي أن أشفى نفسك قبل أن أشفى جسدك، لأنه إن لم يحدث ذلك، فإنك بحصولك على قدرة المشي يمكن أن تفعل خطية أكثر، وحتى إن كنت لم تطلب هذا ولكنني أنا كإله أرى أمراض النفس التي جلبت عليك هذا المرض.

          والآن إذ اجتمع عدد كبير من الكتبة والفريسيين فلابد أن تجرى معجزة إلهية لأجل منفعتهم، وبسبب الازدراء الذي كانوا ينظرون به إليه فان المخلِّص فعل حسنًا إذ صنع من أجلهم عملاً عجيبًا جدًّا، لأنه كان هناك رجل ممددًا على فراش يعاني من مرض لا شفاء له ولأن مهارة الأطباء أثبتت عدم نفعها بالمرة، فقد حمله أقرباؤه إلى الطبيب الذي من فوق، من السماء، وحينما أصبح في حضرة ذلك الذي له القدرة على الشفاء فإنه إيمانه صار مقبولاً، وقد أظهر المسيح في الحال أن ذلك الإيمان يمكن أن يلاشي الخطية، لأنه يبشره وهو موضوع هناك قائلاً ” مغفورة لك خطاياك“، ولكن ربما يقول واحد إن ما كان يريده الرجل هو أن يتحرر من مرضه، فلماذا إذًا يعلن له المسيح غفران خطاياه؟ لقد حدث هكذا لكي تتعلم أن الله يرى أحوال الناس في سكون وبدون ضوضاء ويراقب سيرة حياة كل واحد، لأنه مكتوب ” طرق الإنسان أمام عيني الرب، وهو يزن كل سبله” (أم5: 21). ولأن الله صالح ويريد خلاص جميع الناس فإنه كثيرًا ما يُطهِّر أولئك الذين ارتكبوا الخطايا بأن يصيبهم بمرض في جسدهم لأنه هكذا يقول بصوت إرميا “ يا أورشليم سوف تتعلمين بالتعب والضرب” (إر6: 8س). وأيضًا كاتب سفر الأمثال يقول ” يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تخُر حينما يوبخك لأن الذي يحبه الرب يؤدبه. ويجلد كل ابن يقبَله” (أم3: 11، 12س، انظر عب 12: 5، 6). حسنًا إذًا يعلَّم المسيح أنه سيَقطَع سبب المرض وجذر المعاناة وأعنى به الخطية، لأنه إذا أزيلت هذه فبالضرورة فإن المرض الناتج عنها يتلاشى في نفس الوقت.

(لو5: 21ـ23) “ فَابْتَدَأَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُفَكِّرُونَ قَائِلِينَ مَنْ هذَا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟ فَشَعَرَ يَسُوعُ بِأَفْكَارِهِمْ، وَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: مَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟ “.

          فيسوع إذ كان مملوءًا بسلطان إلهي على غفران الخطايا، ولكن هذا الإعلان يسبِّب اضطرابًا لعصبة الفريسيين الجاهلة الحقودة… لأنهم قالوا بعضهم لبعض: ” من هذا الذي يتكلم بتجاديف؟” ولكنك أيها الفريسي لو كنتَ تعرف الكتب الإلهية لما قلت هذا عنه، ولو وضعتَ في عقلك كلمات النبوة، لفهمت سر التجسد الممجد المملوء قوة، ولكنهم الآن ينسبون إليه التجديف، ويجدون ضده أقصى عقوبة ويحكمون عليه بالموت، لان ناموس موسى يأمر أن من جدَّف على اسم الرب ينبغي أن يموت. (انظر لا24: 16). ولكن حالما يصلون إلى قمة جسارتهم فإنه يظهر أنه هو الله ليوبخهم مرة أخرى على عدم تقواهم الفظيع. لأنه قال لهم ” ماذا تفكرون في قلوبكم؟” لذلك فإن كنت أيها الفريسي تقول، مَنْ يستطيع أن يغفر الخطايا إلاَّ الله وحده، فإني أقول لك أيضًا من يقدر أن يعرف القلوب ويرى الأفكار المختفية في أعماق العقل إلا الله وحده؟ لأنه هو نفسه يقول في موضع آخر بصوت الأنبياء ” أنا الرب فاحص القلوب ومختبر الكلى” (إر17: 10)، ويقول داود أيضًا “ المصوِّر قلوبهم جميعًا” (مز33: 15)، لذلك فالذي هو كإله يعرف القلوب والكلي فهو كإله أيضًا يغفر الخطايا.

(لو5: 24) “ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!“.

          ولكن لأنه كان لا يزال هناك مجال مفتوح لعدم الإيمان في قوله ” مغفورة لك خطاياك“، لأن الإنسان لا ينظر الخطايا المغفورة بعيني الجسد، بينما إزالة المرض وقيام المشلول ومشيه كل هذه تحمل معها برهانًا ظاهرًا على القوة الإلهية، لذلك أضاف يسوع ” قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك“، وهذا قد تم ورجع الرجل إلى بيته متحررًا من المرض الذي عانى منه طويلاً، لذلك فقد تبرهن بالحقيقة الفعلية أن ابن الإنسان له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا. ولكن عن من يقول هذا؟ هل عن نفسه أم عنا نحن أيضًا؟ كِلا الأمرين صحيح، لأنه هو يغفر الخطايا لكونه الإله المتجسد، رب الناموس، ونحن أيضًا قد نلنا منه هذه النعمة العظيمة والعجيبة جدًّا، لأنه قد توَّج طبيعة الإنسان بهذه الكرامة العظيمة أيضًا، إذ قال للرسل القديسين        ” الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت18:18)، وأيضًا ” من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكت” (يو20: 23). وما هي المناسبة التي تجده يتكلم فيها هكذا إلى الرسل؟ لقد حدث هذا بعدما داس على قوة الموت، وقام من الموت، حينما نفخ فيهم وقال “ اقبلوا الروح القدس” (يو20: 22)، لأنه إذ قد جعلهم شركاء طبيعته، ومنحهم سكنى الروح القدس، فإنه جعلهم أيضًا مشارِكين في مجده، بإعطائهم القوة أن يحلوا ويمسكوا الخطايا. وكما أننا قد أُمرنا منه أن نمارس هذا العمل، فكيف لا يغفر هو نفسه الخطايا بالأحرى بينما هو يعطى الآخرين السلطان الذي يمكنهم أن يفعلوا هذا؟

 (لو5: 27ـ29) ” وَبَعْدَ هذَا خَرَجَ فَنَظَرَ عَشَّارًا اسْمُهُ لاَوِي جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَتَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَامَ وَتَبِعَهُ. وَصَنَعَ لَهُ لاَوِي ضِيَافَةً كَبِيرَةً فِي بَيْتِهِ. وَالَّذِينَ كَانُوا مُتَّكِئِينَ مَعَهُمْ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ عَشَّارِينَ وَآخَرِينَ “.

          كان لاوي عشارًا، إنسانًا لا يشبع من الربح القبيح ولا من الطمع الفاحش، وفي سعيه وراء ما ليس له كان يهمل العدل، فهذه كانت هي خصائص العشارين. ولكنه اُنتزِعَ من صميم معمل الإثم، وخَلُصَ بدعوة المسيح مخلِّصنا جميعًا، لأنه قال له، اتبعني فترك كل شيء وتبعه. انظر بولس الحكيم جدًّا يقول بحق إن ” المسيح جاء ليخلِّص الخطاة” (1تي1: 15)، ألا تنظر كلمة الله الوحيد إذ قد أخذ الجسد، كيف نقل إلى نفسه أمتعة إبليس؟

تعاليم يسوع المسيح – إنجيل لوقا 5 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

لو (8:2 ـ18) ” وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ. وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ. وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ. فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ “.

أبدأ حديثي إليكم بما هو مكتوب في سفر المزامير: ” هلم نسبح الرب، ونرنم لله مخلصنا” (مز1:95) لأنه هو رأس عيدنا، ولذلك فلنخبِر بأعماله العظيمة، ونروي طريقة ذلك التدبير الذي خطَّطه تخطيطًا جميلاً، والذي بواسطته خلص العالم، ووضع نير ملكوته على كل واحد منا. هذا التدبير يستحق أن يكون موضوع إعجابنا. ” يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم“، ويضيف أيضًا: ” رتلوا بفهم لأن الله ملك على جميع الأمم” (47: 7،1) لأن هذا السر المقدس قد تم بحكمة فائقة جدًّا بالمسيح، إن كان حقًّا، وحق هو بالتأكيد، أن الرب رغم أنه هو الله، ظهر لنا. ورغم أنه في صورة الآب وهو ذو تفوُّق فائق وشامل، فقد أخذ شكل عبد. ولكن رغم هذا فإنه هو إله ورب. فإنه لم يزل كما كان (قبل أن يتجسد).

 

إن جماعة الأنبياء القديسين قد سبقوا فأخبروا بميلاده بالجسد، وباتخاذه شكلنا في الوقت المعيَّن، الآن قد تحقق هذا الرجاء، فإن قوات السماء تأتي بالأخبار المفرحة عن ظهوره في هذا العالم للرعاة قبل الجميع في بيت لحم، وبذلك كانوا أول من حصل على معرفة السر. والرمز هنا يشير إلى الحقيقة، لأن المسيح يعلن نفسه للرعاة الروحيين لكي يبشِّروا به الآخرين، كما حدث من الرعاة أيضًا عندما تعلَّموا سره من الملائكة القديسين، وأسرعوا ليحملوا الأخبار المفرحة للآخرين، لذلك فالملائكة هم أول من بشَّر به وأعلنوا مجده كإله مولود في الجسد من امرأة بطريقة عجيبة.

 

ولكن ربما يعترض أحد على هذا، فيقول ” إن الذي وُلد الآن كان طفلاً وكان ملفوفًا بالأقماط ومضجعًا في مذود، فكيف نقول إنَّه تُسبِّحه القوَّات العلوية كإله؟ وردًّا على هذا الاعتراض نقول بحسم: أيها الإنسان عمِّق السر فإن الله صار في شكل منظور مثل شكلنا. رب الكل في شكل عبد، ومع ذلك فإن مجد الربوبية غير منفصل عنه. افهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يولد من امرأة من أجلنا، لكي يُبطل اللعنة التي حُكم بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها، “ بالوجع تلدين أولادًا” (تك16:3) فإنها كأنها تلد للموت. ولذلك ذاقوا أي أولاد المرأة لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد وَلَدَت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة فإن قوة اللعنة قد أُبطلت. ومع إبطال الموت أُبطلت أيضًا الأوجاع[1]التي تحتملها الأمهات الأرضيات في الولادة.

 

أتريد أن تتعلَّم سببًا آخر لهذا الأمر؟ تذكَّر ما كتبه بولس الحكيم جدًّا عنه: ” لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه، لأنه كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في جسده، لكي يَتم حُكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد، بل حسب الروح” (رو8: 4،3). فما معنى قوله إن الابن أُرسل في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مصاحباً تحرك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإنَّ جسده كان مقدسًا ونقيًّا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًّا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًّا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس.

 

لذلك فحينما ترى الطفل ملفوفًا بالأقماط لا تُركز فكرك على ميلاده في الجسد فقط، بل ارتفع إلى تأمل مجده الإلهي، ارفع عقلك عاليًا، اِصعد إلى السماء، وهكذا سوف تنظره في أعلى تمجيد، وهو صاحب المجد الفائق، سوف تراه: “جالسًا على عرش عالٍ ومرتفع” (إش1:6)، سوف تسمع السيرافيم يمجدونه بتسابيح، ويقولون إن السماء والأرض مملوءتان من مجده، نعم بل حتى على الأرض قد حدث هذا، لأن مجد الله أضاء على الرعاة، وكان هناك جمهور من الجنود السماويين يخبرون بمجد المسيح. فهذا ما سبق أن أخبر به موسى منذ القديم ” افرحي معه أيتها السموات، وليسجد له كل أبناء الله” (تث43:32 سبعينية) لأن أنبياء قديسين كثيرين قد وُلدوا على مرِّ الأزمنة، ولكن لم يُمجَّد أي واحد منهم بأصوات الملائكة، لأنهم كانوا بشرًا، وكانوا على نفس القياس مثلنا. كانوا خدام الله الحقيقيين وحاملي كلماته، أما المسيح فلم يكن هكذا: لأنه إله ورب، وهو مرسِل الأنبياء القديسين. وكما يقول المرنِّم: ” مَن في السماء يعادل الرب، مَن يشبه الرب بين أبناء الله” (مز1:89) لأن لقب البنوة قد مُنح لنا كنعمة حلَّت علينا نحن الذين تحت النير، ونحن بطبيعتنا عبيد، أما المسيح فهو الابن الحقيقي، أي أنه ابن الله الآب بالطبيعة، حتى حينما صار جسدًا: لأنه استمر على ما كان عليه منذ الأزل، رغم أنه اتخذ ما لم يكن له[2].

والنبي أيضًا يؤكد لنا أن ما أقوله صحيح، بقوله: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل، زبدًا وعسلاً يأكل قبل أن يعرف أن يختار الشر. هو يُفضِّل الخير: لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يعرف الخير والشر فهو لا يطيع الشر بل يختار الخير” (إش14:7ـ16 سبعينية) أليس واضحًا للجميع أن الطفل حديث الولادة لا يستطيع بسبب صغره وضعفه، أن يفهم أي شيء، وهو غير كفء بعد لمُهمَّة التمييز بين الخير والشر، لأنه لا يعرف شيئًا على الإطلاق. أما في حالة المسيح مخلصنا فقد أكل الزبد والعسل رغم أنه كان لا يزال طفلاً، ولأنه كان إلهًا وصار جسدًا بطريقة تفُوق الفهم فإنه عرف الخير فقط، وكان منزهًا عن الفساد الذي في البشر، وهذه أيضًا صفة للجوهر الفائق، لأن ما هو صالح بالطبيعة، هو خاص به بثبات وبغير تغيير، وهو خاص به وحده: ” ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله” (لو19:18) وكما قال مخلِّصنا نفسه.

 

أتريد أن تعرف فضيلة أخرى لهذا الطفل؟ أتريد أن ترى أنه بالطبيعة إله، ذاك الذي وُلد في الجسد من امرأة؟ انظر ما يقوله إشعياء النبي عنه: ” فاقتربتُ إلى النبية، فحبلت وولدت ابنًا. فقال لي الرب ادع اسمه: ” أسرع وأسر، وأتلَف بسرعة” (إش8: 4،3). لأنه في نفس توقيت ميلاد المسيح أُتلِفَت قوة الشيطان، لأنه في دمشق كان الشيطان هو موضوع الخدمة الدينية، وكان له هناك عابدون، ولكن حينما وَلدت العذراء القديسة انكسرت قوة الطغيان، إذ أن الوثنيين انجذبوا إلى معرفة الحق وكان باكورتهم وقادتهم المجوس الذين جاءوا من المشرق إلى أورشليم، الذين كان معلِّمتهم هي السماء وأستاذهم هو النجم.

 

لذلك لا تنظر إلى المُضطجِع في المذود على أنه مجرد طفل، بل في فقرنا انظر ذاك الذي هو غني كإله. وفي مستوى بَشَريتنا انظر ذاك الذي يفوق سكان السماء، ولذلك فإنه يمجَّد من الملائكة القديسين. وما أرفع تلك التسبحة: ” المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة!” لأن الملائكة ورؤساء الملائكة والعروش والسيادات، وأعلى منهم السيرافيم، هم يحفظون رتبهم المعيَّنة، وهم في سلام مع الله. لأنهم لا يتعدّون إرادته الصالحة أبدًا بأي طريقة. بل هم ثابتون وراسخون في البر والقداسة. أما نحن المخلوقات البائسة، فقد وضعنا أنفسنا في موضع الأعداء بالنسبة للرب، لأننا وضعنا شهواتنا الخاصة ضد مشيئته. ولكن المسيح قد أبطل كل هذا! ” لأنه هو سلامنا” (أف14:2) لأنه قد وحَّدنا مع الله الآب بواسطة نفسه إذ قد رفع سبب العداوة من الوسط وأعني به الخطية، وهكذا هو يبرِّرنا بالإيمان، ويجعلنا قديسين وبلا لوم، والذين كانوا بعيدين يدعوهم قريبين إليه. وإلى جانب ذلك، فقد خلق الشعبين في إنسان واحد جديد، صانعًا سلامًا ومصالحًا الاثنين في جسد واحد مع الآب. لأنه قد سر الله الآب أن يجمع فيه كل الأشياء (أف10:1) في واحد جديد متكامل، وأن يربط الأشياء السفلى مع الأشياء التي فوق، ويجعل الذين في السماء والذين على الأرض رعية واحدة. لذلك فالمسيح قد صار لنا سلامًا ومسرَّة، الذي به ومعه لله الآب المجد والكرامة والقدرة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

[1] ربما يقصد القديس كيرلس أن العذراء القديسة في ولادتها للمسيح ولدت بدون وجع.

[2] واضح أن القديس كيرلس يقصد أن المسيح استمر إلهًا كما كان منذ الأزل رغم أنَّه أخذ الجسد الذى لم يكن له أصلاً بل أخذه من العذراء مريم.

 

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو2:1) ” الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ “.

عندما سيقول البشير لوقا إن الرسل كانوا شهود عيان لذات الكلمة المحيي، فإنه بذلك يتفق مع البشير يوحنا، الذي يقول إن “ الكلمة صار جسدًا، وحل فينا، ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب” (يو14:1). فالكلمة أصبح من الممكن رؤيته بسبب الجسد الذي هو منظور وملموس وصُلب، بينما الكلمة ذاته غير منظور. ويوحنا أيضًا يقول في رسالته: ” الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فإن الحياة أُظهِرَت” (1يو1:1).

 

ألا تسمعونه يتحدث عن الحياة على أساس أنها يمكن أن تُلمس؟ وهو يقول هذا لكى تفهموا أن الابن صار إنسانًا وصار منظورًا من جهة الجسد، ولكنه غير منظور من جهة لاهوته.

 

(لو51:1) ” صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ “.

الذراع يشير رمزيًّا إلى الكلمة الذي وُلد من العذراء، وتعني مريم بالمستكبرين: الشياطين الأردياء الذين سقطوا مع رئيسهم بواسطة الكبرياء. ويعني أيضًا حكماء اليونانيين، الذين رفضوا أن يقبلوا كرازة الإنجيل التي عندهم جهالة، وأيضًا اليهود الذين لم يؤمنوا والذين تشتتوا بسبب تصوراتهم غير اللائقة عن كلمة الله. وتقصد “بالأعزاء” الكتبة والفريسيين الذين يسعون للكراسي الأولى. ومع ذلك فإنه أقرب إلى المعنى، أن يقصد “بالأعزاء” الشياطين الأردياء، فإن هؤلاء حينما ادَّعوا السيادة على العالم فإن الرب شتَّتهم بمجيئه إلينا، ونقل أولئك الذين كانوا أسرى لهم إلى سيادته وملكوته هو. فإن كل هذه الأشياء حدثت بحسب نبوءة العذراء بأنه:

 

(لو52:1) ” أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ “.

فإن كبرياء هؤلاء الشياطين الذي شتَّتهم هو كبرياء فظيع وهكذا أيضًا كبرياء فلاسفة اليونانيين، وكذلك الفريسيين والكتبة كما ذكرت. ولكنه هو أنزلهم، ورفع أولئك الذين تواضعوا تحت يده القوية، وأعطى هؤلاء السلطان أن يدوسوا الحيات والعقارب، وعلى كل قوة العدو. وأبطل مؤامرات هذه الكائنات المستكبـِرة ضدنا. اليهود الذين كانوا يفتخرون سابقًا بمملكتهم نُزعت منهم بسبب عدم إيمانهم، بينما الوثنيين الذين لم يكونوا يعرفون الله رفعهم ومجَّدهم بسبب إيمانهم.

 

(لو53:1) ” أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ “.

وهي تعني “بالجياع” الجنس البشري. إذ أنه فيما عدا اليهود كان الجميع مجروحين بالجوع، فاليهود كانوا أغنياء بإعطائهم الناموس وبتعليم الأنبياء القديسين. فقد كان لهم “التبنِّي والعبادة والاشتراع والمواعيد” (رو4:9) ولكنهم تلهّوا بالطعام الكثير، انتفخوا بالمنزلة التي أُعطيَت لهم ولأنهم رفضوا أن يقتربوا باتضاع من الكلمة المتجسد، فقد صُرفوا فارغين، لا يحملون معهم شيئًا لا الإيمان ولا المعرفة ولا الرجاء في البركات الآتية، فإنهم بالحقيقة صاروا منبوذين من أورشليم الأرضية وأيضًا غرباء عن حياة المجد التى ستُعلَن في المستقبل، لأنهم لم يقبلوا رئيس الحياة، بل صلبوا رب المجد، وتركوا ينبوع الماء الحي واعتبروا الخبز النازل من السماء أنه لا شيء، ولهذا السبب فقد أتى عليهم جوع أشد من أي جوع آخر، وعطشٌ أكثر مرارة من كل عطش آخر. فإنه لم يكن جوع إلى الخبز المادي ولا عطش إلى الماء، ولكنه “جوع لاستماع كلمة الله” (انظر عاموس11:8).

 

ولكن الأمم الذين كانوا جياع وعطشى بنفوسهم الهزيلة البائسة، فقد امتلأوا بالبركات الروحية، لأنهم قبلوا الرب. فإن كل امتيازات اليهود قد نُقلِتْ إليهم.

 

(لو54:1) ” عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً “.

عَضَد إسرائيل ـ ليس إسرائيل حسب الجسد الذي يفخر بمجرد الاسم، ولكن ذلك الذي هو بالروح وبحسب المعنى الحقيقي للاسم ـ ذلك الذي ينظر إلى الله، ويؤمن به، وينال تبنِّي البنين بواسطة الابن بحسب الكلمة التي أُعطيَت، والوعد المعطَى للأنبياء والبطاركة (رؤساء الآباء) القدماء. ولكن كلمة إسرائيل لها انطباق حقيقي أيضًا على إسرائيل الجسدي، فإن آلاف وربوات من بينهم قد آمنوا. ولكنه قد ذكر رحمته كما وعد إبراهيم. وقد تمَّم ما قاله له بأن ” في نسلك تتبارك جميع قبائل الأرض” (تك18:22). فإن هذا الوعد كان في طريقه إلى التحقُّق بميلاد مخلِّصنا المسيح الذي كان على وشك الحدوث، الذي هو نسل إبراهيم الذي فيه تتبارك الأمم، لأنه أمسك بنسل إبراهيم كما تقول كلمات الرسول (انظر عب16:2). وهكذا تحقق الوعد الذي أعطَى للآباء.

 

(لو69:1) ” وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ “.

إن كلمة ” قرن” تشير لا إلى القوة فقط بل إلى الملوكية. ولكن المسيح الذي هو المخلِّص الذي جاء لنا من بيت وجنس داود هو القوة والملك معًا، لأنه هو ملك الملوك وهو قوة الآب غير المغلوبة.

 

(لو72:1) ” لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا “.

المسيح هو رحمة وعدل ” بر” لأننا نلنا رحمة بواسطته، وتبرَّرنا إذ قد غُسلنا من أوساخ خطيتنا بالإيمان به.

 

(لو73:1) ” الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا “.

لا ينبغي لأحد حينما يسمع أن الله أقسم لإبراهيم، لا ينبغى له أن يسمح لنفسه بأن يُقسِم، وكما أن الغضب حينما يُقال على الله هو ليس غضبًا ولا يعني الانفعال، ولكن يُقصد به القوة التي تظهر في العقاب أو أي حركة مشابهة. هكذا أيضًا فالقَسَم بالنسبة له ليس قسمًا. لأن الله لا يقسم بل يشير إلى يقينية الحدث ـ أي أنَّ ما يقوله سيحدث بالضرورة، لأن قَسَم الله هو كلمته الخاصة التي تحُث الذين يسمعونه حثًّا كاملاً، وتعطي كل واحد الاعتقاد بأن ما قد وعد به الله وقاله لابد أن يحدث بالتأكيد.

(لو76:1) ” وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ “.

أرجو أن تلاحظوا هذا أيضًا، أن المسيح هو العليِّ الذي كان يوحنا سابقًا له في ميلاده وكرازته لإعداد الطريق، فماذا يتبقى إذًا، لكي يقول أولئك الذين يقلِّلون من لاهوته؟ ولماذا لا يفهمون أنه حينما قال زكريا ” وأنت نبي العلي تُدعى“، إنما كان يقصد بهذا الكلام أنه نبي ” الله” مثل أنبياء الله السابقين له.

 

(لو79:1) ” لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ “.

كان المعمدان بالنسبة لأولئك الذين تحت الناموس الساكنين في اليهودية، كأنه سراج سابق للمسيح، وهكذا تكلم عنه الله سابقًا ” هيأت سراجًا لمسيحى” (مز17:131). والناموس يُعطي إشارة عنه بالمنارة التي في المسكن الأول، التي أوصى بأن تكون موقَدة دائمًا. ولكن اليهود، بعد أن سُرُّوا به فترة قصيرة مندفعين أفواجًا إلى معموديته، ومعجبين بطريقة حياته، فإنهم سريعًا ما جعلوه يرقد رقاد الموت مجتهدين أن يطفئوا المصباح الدائم الاشتعال. لذلك تحدث عنه المخلِّص أيضًا: ” كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة” (يو5: 35).

 

لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ “.

لأن العالم في الواقع كان تائهًا في الضلال، يعبد المخلوق بدلاً من الخالق، وكأن الليل قد سقط على عقول الجميع فلا يدعهم يبصرون ذاك الذي هو بالطبيعة وبالحقيقة الله.

 

ولكن رب الكل جاء للإسرائيليين مثل نور ومثل شمس.

 

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسابقات في انجيل لوقا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل لوقا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل لوقا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل لوقا PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

تحميل الكتاب PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)
سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

تحميل الكتاب PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج1، من التكوين خروج لاويين عدد تثنية يشوع PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج2 من قضاة الى استير PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج4، من اشعياء إلى ملاخي PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

Exit mobile version