مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

المؤرخ “أوسابيوس القيصري” الذي أطلع على معظم مؤلفات القديس يوستينوس، يقول، في كتابه “التاريخ الكنيسي”، 4،18،1 – 6، مما يلي: “لقد ترك لنا يوستينوس عدداً كبيراً من المؤلفات المفيدة التي تبرهن عن عمق تفكيره، وسعة علمه، وحماسه للأمور الالهيه.

أولها خطابه الموجه للأمبراطور “انطونيوس بيوس” ولأولاده، ولمجلس الشيوخ، والذي يدافع فيه عن عقيدتنا.

وثانيها خطابه الموجه لخلفه “انطونيوس فيروس”، والذى يدافع فيه عن أيماننا.

وثالثها خطابه لليونانيين حول طبيعة الشيطان التي كانت مجال أُخذ ورد من قبلنا ومن قبل فلاسفة اليونان.

ورابعها كتابه الموجه ايضاً الى اليونانيين الذي أسماه “الرد”، ويتناول فيه سلطة الله، مستنداً في ذلك على الكتب المقدسة وعلى كتب فلاسفة اليونان.

وخامسها كتابه “المزامير”.

وسادسها كتابه عن “النفس”، الذي يفند فيه تعاليم فلاسفة اليونان ليصل بعدئذٍ الى التعاليم لمسيحية ورأيها في ذلك.

وسابعها كتابه “الحوار مع اليهودي تريفون”، أحد مشاهير اليهود في ذلك الزمان، والذي حصل في مدينة أفسس، مؤكداً فيه على النعمة التي نالها قبل الله، والتي فتحت عينيه على الأيمان الحقيقي بعد أن فتش عن الحقيقة في المدارس الفلسفية المنتشرة في ذلك الوقت” (راجع آباء الكنيسة، مجموعة مين، م 20، عمود 373 ب – 376 أ).

ولكن هذه المؤلفات التي يذكرها “اوسابيوس” لم تكن كامله. فيوستينوس نفسه يذكر في كتابه “الدفاع الاول”، 26، 8، كتاباً بعنوان “ضد الهرطقات”. كذلك القديس “ايريناوس” يستشهد بكتاب له ضد “ماركيون” ويعود اليه، مستنداً الى ما جاء فيه، ويعتبره من أهم ما كتب في هذا الموضوع. ورغم ان هذه المؤلفات لم يصلنا منها سوى “الدفاع الأول” و “الدفاع الثاني”، و”الحوار مع اليهودي تريفون” كامله، غير أن أباء الكنيسه قد قد نقلوا إلينا بعض مقاطع من هذه المؤلفات الضائعه. وهناك مؤلفات اخرى قد نسبت إليه، وسنأتي على ذكرها في دراستنا هذه.

أ – الدفاع الأول.

يذكر يوستينوس نفسه أنه كتب “الدفاع الأول” بعد مرور مائةً وخمسسين سنه على ولادة المسيح، وهو موجه الى الإمبراطور “ماركوس أوريليوس” الذي اعتلى العرش سنة 147 مسيحية. والدافع لكتابة هذا الدفاع ما تعرض له المسيحيون في الإمبراطورية من عذاب وتنكيل وتشريد وأضطهاد وقتل، خصوصاً وإن أتهامهم بالملحدين والكافرين والمجرمين قد أحزن يوستينوس وجميع القيمين على شؤون الكنيسة في ذلك الوقت، الأمر الذي دفع به لرفع هذا الخطاب الى الإمبراطور الذي كان يعتبره رجل حكمه وعلم ورجل عدل وأنسانيه.

ففي الفصول الثلاثة الأولى، التي تعتبر كمقدمه، يتوجه يوستينوس الى الإمبراطور باسم المسيحيين جميعا، طالباً منه التدخل شخصياً لينظر في الأمر، دون الركون الى اقاويل الحساد، والأستماع الى الأصوات المغرضة والمشوشة التي تتحامل على ابناء دينه، محتجاً ضد لا شرعية مطاردة المسيحيين، وظلمهم ونعتهم بالكافرين، واعداء الدوله، والمجرمين.

اما القسم الأول، وهو الفصل الرابع ولغاية الفصل الثالث عشر، فيبدأ بالتأكيد على ألوهة المسيح وتعاليمه الحقيقية: “هذه التعاليم” التي تسلمناها من المسيح ومن الأنبياء الذين سبقوه، وهي وحدها الحقيقية، وهي أقدم من تعاليم كتابكم… فالمسيح يسوع هو حقاً ابن الله، وكلمته، وبكره، وقوته… وقبل ان يظهر بين الناس، فإن البعض، وتحت تأثير الشياطين، وبواسطة الشعراء، قد أعتبروا أساطيرهم المختلقه حقيقيه، وعلموها للناس”.

ثم يشدد يوستينوس على الموقف السلبي الذي تتخذه السلطه بالنسبه الى المسيحيين، متسائلاً: وهل كلمة “مسيحي” أو كلمة “فيلسوف”، تعني حضراً الأجرام أو البراءه؟ فالعقاب يجب ان لا يفرض إلا على الذين يذنبون أو يقترفون الجرائم. والمسيحيون ليسوا كافرين أو ملحدين، ولكنهم يرفضون عباد’ الآلهه لأنهم يعرفون أن الإله الحقيقي هو إلههم، وإيمانهم بالآخره، وخوفهم من العقاب الأبدي، يمنعانهم من ان يفعلوا الشر لأي انسان، وبالتالي يدعمون السلطة المدنية لكيلا يكون هناك خلل في المجتمع. لذلك، إنه من الظلم بمكان ان يؤخذ بافتراءات بعض الناس المشبوهين الذين لا هم لهم سوى ملاحقة المسيحيين وتقديمهم للموت.

واما القسم الثاني من الدفاع، وهو من الفصل الرابع عشر الى الفصل السابع والستين، فهو تبرير للديانه المسيحية.  إنه يؤكد، بنوع خاص، على العقيدة والطقوس الليتورجيا والأسس التاريخية والأسباب التي تفرض اعتناقها والعمل بها. فالنبؤات الالهيه تبرهن على أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية حسب أرادة الله الذي أحب ان يصلح الإنسانية ويجددها.

ولقد حاول الشياطين ان يمثلوا بأنبياء العهد القديم في طقوسهم الوثنية السرية. من هنا نجد بعض الشبه بين الديانة المسيحية وبعض الشعائر الوثنية، وبنوع خاص عن أفلاطون الذي أخذ كثيراً عن العهد القديم حيث نجد أفكاراً مسيحية في أفلاطونية. ثم ينتقل يوستينوس الى شرح سر العماد وسر الإفخارستيا والحياة المسيحية الاجتماعية.

أما الخلاصة، وهي الفصل الثامن والستون، فهي تنبيه مباشر للإمبراطور نفيه، بحيث أنه يعود الى البراءة التي بعث بها الإمبراطور “أدريانوس”، سنة 125، الى والي آسيا “مينوسيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) يعلن فيها القواعد الأربع التي من خلالها يجب ان يحاكم المسيحيون. وهذه القواعد هي التاليه:

اولاً: لا يحاكم المسيحيون إلا امام محكمه جزائيه وحسب الأصول القانونيه المتبعه.

ثانياً: لايصدر الحكم إلا اذا تأكد ان المتهمين قد أخطأوا ضد الشرائع الرومانيه.

ثالثاً: يجب ان يكون العقاب متناسباً مع طبيعة الجرائم ودرجاتها.

رابعاً: وكل اتهام خاطئ وفيه تحامل على المسيحيين يجب ان يعاقب صاحبه بشده.

هذه القواعد، او بالاحرى هذه الوثسقه التاريخيه، قد اتخذها يوستينوس مستنداً مهماً لينذر الإمبراطور وينبهه الى خطورة ما يتعرض له المسيحيون. ويعلق المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 8، 8، على ذلك قائلاً: ان يوستينوس كان يعرف ما ينتظره، لكنه كلمة الحق في وجه الإمبراطور.

ب- الدفاع الثاني.

يبدأ يوستينوس كتابة “الدفاع الثاني” بتذكير الرومانيين بما حدث أيام ولاية “أوربيكوس” في روما، فيقول: “ايها الرومانيون، لقد وقعت اخيراً، في مدينتكم، أحداث غريبه، أيام حكم اوربيكوس، كما وقعت أحداث اخرى في أماكن عديده من الامبراطوريه تبرهن عن ظلم الحكام، وهي غير عادله” (1، 1).

وفي الواقع، فان المؤرخين يؤكدون على أن يوستينوس تأثر جداً عندما عرف بان “أوربيكوس” قطع رأس ثلاثة مسيحيين، وذلك لأنهم مسيحيون وحسب، ولم تجد الهداله شيئاً ضدهم بالنسبه الى القوانين الرومانيه.

لذلك توجه الى الرأي العام الروماني محتجاً ضد العنف غير المبرر ورافضاً جميع الانتقادات التي كانت توجه الى المسيحيين. ورداً على بعض الرومانيين الذين كانوا يطلبون بهزء من المسيحيين الانتحار للقاء ربهم بسرعه، يجيب يوستينوس: “”ان ننتحر فذلك ضد ارادة الله. اما امام الحكام فاننا لا ننكر اننا نشتهي الموت لملاقاة الله وبالشهاده لأننا لسنا مخطئين، وبالتالي فاننا نعتبر عدم قول الحقيقه نوعاً من الزندقه والكفر” (2، 4). ثم يؤكد في مقطع آخر على ان الاضهادات ليست سوى عمل الشياطين التي تكره الحقيقه.

وكذلك في العهد القديم فان الابرار كانوا عرضه للاضهاد من قبل الوثنيين. ولكن ليفهم الجميع أن أحداً من هؤلاء الحكام لم تكن له سلطه على المسيحيين إن لم تعط له من الله، وذلك لكي يصلوا الى الفضيله والمكافأه بواسطة العذابات، والى الحياه والسعاده بواسطة الموت وإبادة الحياه. وكذلك ايضاً فان الإضطهادات تسمح للمسيحيين بان يبرهنوا، بطرق واضحة ومدهشه، عن تفوق ديانتهم وتساميها بالنسبة الى الوثنية. ثم ينهي دفاعه بالتوسل الى الإمبراطور لكي يكون عادلاً وشفوقاً ورحوماً ومحباً للحقيقه وهو يحكم على المسيحيين.

في هذا “الدفاع الثاني”، الذي حدده المؤرخون حوالي سنة 161 مسيحية، نرى ان يوستينوس لم يتطرق الى الفلسفة الرواقية كما في ” الدفاع الاول” بل طرح فلسفه افلاطون وتحدث عنها مسهباً. ففي “الدفاع الاول” عرض فلسفة “زينون” بكل ابعادها ومعطياتها، وناقشها وفندها، مستفيداً من المبادئ التي تلتقي مع المسيحية ليدعم طلبه امام الإمبراطور الذي كان اعتنق الفلسفة الرواقيه.

ولكن في “الدفاع الثاني” فاننا نلحظ موقفاً جديداً بالنسبه لوصول “ماركوس أوريليوس” الى السلطه رغم ان يوستينوس يعود دائما الى “الدفاع الاول” مذكراً بما قاله للإمبراطور سابقاً، مستشهداً بمقاطع عديده، الأمر الذي دفع المؤرخ “أوسابيوس القيصر” لاعتبار الدفاعين دفاعاً واحداً. فيوستينوس لم يرد ان يدافع عن المسيحية ومبادئها وتعاليمها في هذا “الدفاع الثاني” كما فعل في ” الدفاع الأول” بل كان هدفه الرد على بعض الوثنيين المتهتكين الذين كانوا ينصحون المسيحيين بالأنتحار للقاء ربهم كما ذكرنا، وبالتالي الرد على الذين كانوا يقولون لهم: لماذا لا يخلصكم ربكم من الأضطهاد. والأمر الظاهر بوضوح في هذا الدفاع هو افتخار يوستينوس بمسيحيته علناً اذ يقول: “انا مسيحي، وهذه عظمتي. وكل رغبتي هي ان اظهر ذلك.

وهذا لا يعني ان فلسفة أفلاطون هى غريبه عن تعاليم المسيح وحسب، بل هي بعيده كل البعد عنها، وكذلك فلسفة الرواقيين والشعراء والكتاب. واذا كان أحدهم قد عبر عن الحقيقه بطريقه أو باخري، فان ذلك يعود الى النعمه التي اعطاها لهم الله، ولكن حقيقتهم هي جزئيه. إنهم لا يملكون العلم المعصوم ولا المعرفه المتعذر دحضها. وكل ما قيل من حقيقه من قبلهم فهو ملك لنا نحن المسيحيين” (13، 2 – 4).

إذن “الدفاع الثاني” هو تكمله “للدفاع الأول”، وموقف مسيحي جريء في وجه الإمبراطور ووجه الحكام والمتطاولين على المسيحيين. إنه شهادة جرأه من قبل يوستينوس الذي يعتبر بحق من الآباء العظام الذين دفعوا دمهم ثمن جرأتهم. ولكن الكنيسه لم تثبت ولم تتشعب جذورها ولم تنمو لو لم يكن فيها امثال هذا الرجل الذي اعطاها دفعاً كبيراً في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. فموقفه كان مثلاً جليلاً بالنسبه الى الأجيال اللاحقه، ومدرسته خرَّجت العظام الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه الوثنية والوثنيين فيما بعد.

ج- الحوار مع اليهودي تريفون.

يُعتبر كتاب “الحوار مع اليهودي تريفون” أقدم منافحه مسيحية ضد اليهود. فالمؤرخون يؤكدون، وفي مقدمتهم “أوسابيوس القيضري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 18، 6، على أن هذا الحوار قد دار بين يوستينوس ويهودي مثقف لا يبعد ان يكون الحاخام “تارفون” حسب “الميشنا”، إحدى المدارس التفسيرية اليهودية للكتاب المقدس، وذلك في مدينة إزمير.

ولقد وضعه يوستينوس كتابةً ما بين سنة 150 و160 مسيحية، في روما، بعد كتابة “الدفاع الثاني”، وهو مؤلف من مئه واثنين وأربعين فصلاً أو باباً، وقد أهداه الى صديق له يُدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus pompeius).

وفي مقدمة الكتاب (2 – 8) يروي يوستينوس بالتفصيل نسأته الفكريه، مروراً بالمدارس الفلسفيه التي اطلع عليها، حتى يصل الى لقائه مع الشيخ المجهول على شاطئ البحر، ومن ثم ارتداده الى المسيحية.

وفي القسم الاول (9 – 47) يعرض الأفكار الرئيسيه وهى: بطلان العهد القديم وتعاليمه، والتأكيد على ألوهية المسيح الذي تكلم عنه الأنبياء ومن ثم تجسده في أحشاء مريم العذراء، وأخيراً دعوة الأمم ليصبحوا شعب الله المختار بعد ان بطلت الشريعه القديمه وابتدأت الشريعه الجديده مع المسيح. اما في القسم الثاني (48 – 108) فيبين، بواسطة تعاليم الأنبياء، ان عبادة المسيح لا تعاكس الايمان بالأله الواحد الحقيقي، ومن عبادة إله أبراهيم واسحق ويعقوب.

واما في القسم الثالث (109 – 142) فيبرهن على ان المسيحيين هم اسرائيل الحقيقي الذي ورث مواعيد العهد القديم. وفي النهايه يقول يقول يوستينوس: “إنني لا أهتم بعرض حجج وبراهن تستند الى المنطق وحسب، ولكن نعمه سماويه كانت لي من الله كي أفهم الكتب المقدسة” (الحوار، 58، 1).

الكتاب له قيمه تاريخيه مهمه. فاليهود، في منتصف القرن الثاني المسيحي، كانوا قوه لا يستهان بها، ولقد سعوا، بجميع الوسائل، للوقوف في وجه المسيحية والمسيحيين على السواء. ورغم ان يوستينوس يعرض عن ذكر ذلك، فانهم كانوا المحرضين الاساسيين على اضطهاد المسيحيين، نظراً للحقد الذي كانوا يضمرونه لهم. ولم يكن “تريفون” سوى صورة اليهودي التقليدي الذي كان يشدد على عودة اليهود، الذين اعتنقوا المسيحية، الى احضان اليهودية، وبالتالي يشدد على تعاليم التلمود والمدارس الربانيه التي كانت متبعه في ذلك الزمن.

إن يهوديته كانت يهوديه متزمته، بعكس يهودية “فيلون الأسكندري” التي كانت يهوديه منفتحه ومتسامحه، نظراً لانفتاح “فيلون” على الفلسفه اليونانيه التي أثرت عليه وأعطته بعداً فكرياً متحرراً. و”تريفون” هو تلميذ “موسى” بكل معنى الكلمه. إنه كان يقبل بان الوثنيين بامكانهم الوصول الى الخلاص، ولكن من خلال التزامهم بشريعة “موسى”، وهذا ما يذكره يوستينوس على لسانه: “أختن نفسك اولاً، ومن ثم التزم بالسبت وبالاعياد التي نحتفل بها، وبكلام آخر، اعمل بشريعة موسى، هكذا يكون لك الخلاص” (8، 4).

كما يقول عنه يوستينوس ايضاً: إنه كان يتقن العهد القديم بدقه، وبنوع خاص تعاليم التلمود. ولكن موقف يوستينوس من “تريفون” كان موقفاً صارماً، مؤكداً فيه على سمو المسيحية وتخطيها العهد القديم في كل شئ. وبينما نرى “ماركيون” يعيد المسيحية والكنيسة الى الاله الرحوم التي بشرت به اليهودية المتأخرة من خلال العهد الجديد، رافضاً الاله العادل التي بشرت به التوراة، إذا بيوستينوس لا يقبل إلا بتعاليم المسيح والرسل كما هى حرفياً.

إنه يؤكد على ان العهد القديم لم يكن سوى تهيئه للعهد الجديد، ويشدد على ان اليهود لا خلاص لهم إلا إذا تبعوا المسيح وتركوا شريعة “موسى” وكما في كتابيه “الدفاع الاول” و”الدفاع الثاني” حيث أكد على أن الفلاسفه بأمكانهم أن يوصلوا الوثنيين الى الأيمان، كذلك في الحوار مع اليهودي “تريفون” يبرهن على أن الأنبياء الذين نالوا الوحي من الله كانوا مقدمه وتهيئه للعقيدة المسيحية. ورغم أن جهوده لم تكلل بالنجاح، و”تريفون” لم يعتنق المسيحية، فان كتابه قد أثر بكثيرين من بعده، وربما كان سببا لأرتداد عددٍ كبير من اليهود.

كذلك، فان كتاب يوستينوس هو وثيقة تاريخيه مهمه ايضاً بالنسبة الى اليهود الذين اعتنقوا المسيحية وبقوا يمارسون الشعائر الدينية اليهودية. هؤلاء اليهود كانوا يعبدون المسيح ويؤمنون به الهاً، ومع ذلك كانوا يراعون شريعة موسى. من هنا نرى يوستينوس يعلن: “انا لست من رأيهم، وكثيرون من الذين يفكرون مثلي لا يوافقون على موقفهم. فالمسيح لم يأمرنا بان نخضع لتعاليم بشرية.

بل لتعاليم الانبياء الطوباويين الذين أعلنوا عن مجيئه” (الحوار، 48، 4). وفى الفصل الثمانين، العدد الخامس من الحوار، يقول: “أما بالنسبه لى والى المسيحيين الحقيقيين فان قيامة الجسد ستكون في اورشليم الحقيقيه كما أكد ذلك الأنبياء، وفي مقدمتهم “حزقيال واشعياء”. واذا تصفحنا الكتاب كله بدقه نرى ان الأستشهادات التي يوردها فيه هي استشهادات المقصود منها التذكير بان الله رفض أسرائيل واختار شعباً جديداً من الأمم.

فهاجس كنيسة المسيح كان يلاحقه في كل كلمه قالها او كتبها، والتأكيد على ان الشريعه الجديده هي شريعة المسيح الاله المخلص الذي يجب ان يؤمن به اليهود والوثنيون على حد سواء لكي يحصلوا على الخلاص. هذا باختصار موضوع الحوار.

د – القيامه (البعث)

القديس “يوحنا الدمشقي” يذكر في كتابه “المقارنة المقدسة” ان القديس يوستينوس قد كتب كتاباً عن القيامه، ويستشهد ببعض مقاطع منه. كذلك “بروكوبيوس القيصري” يذكر ايضاً ان يوستينوس الفيلسوف والشهيد له كتاب عن القيامه، وقد شرح فيه ما ورد في الانجيل، معلقاً على قيامة المسيح وقيامة الموتى والمجد الذي ينتظرهم. وفي القرن الثالث المسيحي كتب “ميتوديوس الأولمبي” كتاباً بعنوان “الأصوات الشجية” ذكر فيه كتاب يوستينوس عن القيامه حيث يعلق هذا الأخير على الفصل العاشر من رسالة القديس بولس الأولى الى القورنثيين.

ورغم ان المؤرخ “اوسابيوس القيصري” لم يذكر هذا الكتاب بين الكتب التي تحدث عنها عند يوستينوس، فان جميع المؤرخين الآخرين يؤكدون على ذلك. اما الآن فانه لا يوجد بين ايدينا مقطع واحد من هذا الكتاب.

هـ – ضد الهرطقات والبدع

هذا الكتاب يذكره يوستينوس في كتابه “الدفاع الأول” وكان قد ألفه سابقاً. ولكنه لم يصل إلينا. لكن “ترتوليانوس القرطاجي” يستشهد ببعض مقاطع منه، معتبراً يوستينوس أقدم مدافع عن العقيدة المسيحية ضد الهرطقات والبدع. ويذكر المؤرخون ان هذا الكتاب كان أداه مهمه في يد الذين وقفوا في وجه هذه الهرطقات والبدع في القرنين الثاني والثالث المسيحيين.

و ــ ضد ماركيون

القديس “ايريناوس”، أسقف مدينة ليون، يستشهد مرتين بهذا الكتاب في كتابه “ضد الهرطقات”، 4، 6، 2. ويؤكد ايضاً على ان كتاب يوستينوس “ضد ماركيون” هو أهم ما كُتب ضد هذه البدعه التي ضربت الكنيسه وأثرت عليها في القرنين الاول والثاني. كذلك المؤرخ “اوسابيوس القيصري” يذكر ما ذكره القديس “ايريناوس” لا أكثر ولا أقل. لذلك تساءل الباحثون أنه فصل من كتاب وليس كتاباً منفرداً على كل حال الكتاب لم يصلنا ولا نعرف عنه الآن سوى ما ذكره القديس “ايريناوس” وحسب.

زــ الخطاب إلى اليونانيين.

هذا “الخطاب الى اليونانيين” الذي يذكره المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس نسب خطأ إليه، ولقد وصلنا بترجمه سريانيه مع بعض الحواشي والتعليقات والشروحات. والمترجم السرياني الذي يدعى “أمبروسيوس” نقله عن اليونانيه، ولكن ليس عن نصٍ كامل كما يذكر ذلك في المقدمة، ولكن عن بعض مقاطع تحمل اسم يوستينوس الروماني كما كان معروفاً في ذلك الزمان.

والعالم “بويش” (Puech) يعتقد ان هذا الخطاب كُتب ما بين سنة 180 و210 مسيحية، وهو مقاله نقديه أكثر منها مقاله دفاعيه (راجع بويش: المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي، باريس، 1912، ص 299). اما العالم “هارناك” (Harnack) فينفي كلياً ان يكون هذا الخطاب من يوستينوس نظراً الى أن لغته الأدبيه هي بعيده كل البعد عن لغة يوستينوس، وبالتالي فان الموضوع الذي يطرحه الخطاب لا يتوافق مع نفسية القديس الشهيد. على كل حال كان من الضروري ذكر ذلك لأن هذا الخطاب لم يزل يعرف باسم يوستينوس لغاية الآن رغم تأكيدات العلماء ونفيهم انتسابه إليه.

ح ــ الأرشاد الى الوثنيين

” الارشاد الى الوثنيين” او “الارشاد الى اليونانيين”، الذي ذكره المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس، هو عباره عن دراسته مقارنه بين الديانة الوثنية والديانة المسيحية يحاول من خلالها المؤلف ان يدحض تعاليم الوثنية، مبرهناً على ان الديانة المسيحية هي الديانة الحقيقية، وإن تعاليم المسيح هي بحق تعاليم ابن الله الذي نزل الى الأرض ليخلص البشرية ويعيدها الى الفردوس بعد خطيئة آدم.

ورغم ان المؤرخين يتكلمون عن هذا الكتاب من خلال كلامهم عن مؤلفات يوستينوس، غير أن الدراسات العلمية الأخيرة التي قام بها العالمان “بويش” و”هارناك” تنفي ان تاريخ تأليفه يعود الى مابين سنة 260 وسنة 300 مسيحية، والمؤلف هو، حسب تقديرهما، “أبوليناريوس اللاذقي” الذي عاش في تلك الفتره والفه ونسبه ليوستينوس الروماني. وبذلك يكون اعتقاد “أوسابيوس القيصري” اعتقاداً خاطئاً. وبانتظار ان تتم اكتشافات جديده حول هذا الكتاب، فانه يبقي من ضمن مجموعة مؤلفات يوستينوس، ونحن مضطرون لذكره في سياق دراستنا هذه.

ط ــ السلطة

هناك كتاب آخر حول سلطة الله ووحدانيته يذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته عن يوستينوس. وهذا الكتاب يؤكد على وحدانية الله بواسطة إستشهادات من الآداب الوثنية نفسها التي تتكلم عن وحدة الله، والتي عرضها يوستينوس ليعيد الوثنيين الى المسيحية. ولكن الدراسات الحديثة التي قام بها بعض اللاهوتيين أمثال “شورر” (Schurer) و”بويش” (Puech) قد اثبتت ان النصوص نفسها منحوله، وان الكتاب قد نسب عمداً الى يوستينوس.

ولقد كتبه مؤلف مغمور في نهاية القرن الثاني المسيحي ليدعم فكرة يوستينوس نفسه، وليؤكد على وحدانية الله في وجه تعدد الآلهه في العالم الوثني. اما تأكيد المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحته فلم يكن له اساس، رغم ان البعض من العلماء يدرجون هذا الكتاب تحت اسم يوستينوس لغاية الآن. لذلك نحن ندرجه ايضاً هنا عملاً بالتقليد حتي تتوضح نهائياً حقيقة مؤلفه والغايه التي توخاها من استعارة اسم يوستينوس لهذا الأمر.

ى ــ كتاب المزامير

هذا الكتاب الذي هو تفسير للمزامير قد ذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته، ولكن الأجيال اللاحقة لم تطلع عليه، وبقي مفقوداً لغاية الآن.

ك ــ كتاب النفس

هذا الكتاب قد ذكره ايضاً “اوسابيوس القيصري” في لائحته، واعطى خلاصه عن فحواه. ولكنه فقد في ما بعد، ولم يتوصل اللاهوتيون لغاية  الآن الى معرفة شئ عنه.

ل ــ تفسير رؤيا يوحنا

القديس “إيرونيموس” يذكر في الفصل التاسع من كتابه “الرجال العظام” ان يوستينوس قد ترك لنا كتاباً مفصلاً هو كنايه عن شرح وتعليق على رؤيا القديس يوحنا الرسول. ولكن هذا الكتاب لم يصلنا ايضاً.

هذه الكتب، وغيرها من الكتب المنحوله التي يذكرها التاريخ تحت اسم يوستينوس، والتي لا مجال لذكرها هنا لأن الدراسات العلميه لم تجزم بعد في مدى نسبتها اليه، كانت مرجعا مهماً في القرون الأولى للكنيسة، استعملها المدافعون عن العقيدة للرد على المتحاملين على المسيحية والطاعنين بتعاليمها. وان دلت على شئ، فانها تؤكد لنا على قيمة هذا الرجل العظيم الذي نفذَ بعقله الى جوهر الكنيسه التي أقام بانيها في اعماقه، وأحاط كفيلسوف بكل ما يدور حولها وما يحاك لها.

والحقيقه ان ما من أحدٍ كان معداً مثله لتلك المجابهه الكبرى. فلقد توغل في افكار الفلاسفة، وزاول الفلسفة وأحبها الى أبعد الحدود، وعرفها من الداخل، ولم يبحث عن الحقيقة إلا لكي يعيشها. عانى الكثير في سبيلها، فقام برحلات بعيده واحتمل المشاق في سعيه الى المعرفة المثلى.

ولكونه تعذب في الطريق، نكتشف عنده زهداً مذهلاً، زهداً هو بعينه الشهاده التي لا تخدع ولا تكذب. سما باخلاقه، ومال الى الدقه التاريخيه، وتأثر بلين الجدليه عند الهلينيين، وبالتدقيق في فن الحوار الذي يرتفع بالعقل من المحسوس الى المعقول، حتي وصلت به الحكمه الى الحقيقه التي تنتهي عند قدمي الله. لم يرفض فكر افلاطون، بل أدخله الكنيسه، ولطالما أعلن ان الفلاسفه مسيحيون دون علم منهم. فكلمة الله هي التي تنير العقول، مما يفسر وجود اجزاء من الحقيقه عن كلٍ من هؤلاء الباحثين والمفكرين، فيما يمتلك المسيحيون كلمة الله كامله غير منقوصه.

وهنا يجدر التوقف عن حقيقة نوه بها المؤرخون، وهي ان تعليم الفيلسوف المسيحي أرغم السلطات والمفكرين على ان يقيموا للمسيحية وزناً كبيراً، فاكتسب الفكر الانجيلي بفضله حق الحضور الفاعل في عاصمة الامبراطورية روما.

ولقد جاء استشهاده ليثبت بالدليل القاطع ان نشاطه أرهب حكام روما فتخوفوا من امتداد نفوذه وانتشار تعاليم المسيح في ارجاء الأمبراطوريه، اذ حصر جهوده كلها في اثبات صحة الايمان المسيحي، متسلحاً بالمجادله خلال محاربته الهراطقه إذ كانت دائرة الهراطقه قد اتسعت وبدأت تشكل خطراً أكيداً على العقيدة الصحيحة. ألم يعبر القديس “ايريناوس” أسقف مدينة ليون، بعد خمسين سنه على أستشهاد يوستينوس، عن اعجابه واجلاله لمن هو حقاً رائداً في هذا المجال؟ ويهمنا التأكيد هنا على ان يوستينوس لم يُعن يوماً بالاسلوب الأدبي، بل كان همه شرح العقيدة وايصالها الى سامعيه. خطته في الكتابة فضفاضة، ومسيرته في شرح أفكاره تعيقها الاستطرادات الكثيره والرجوع الدائم الى الوراء.

ورغم هذه الشوائب فان كتاباته لها علينا سحر عجيب تصعب مقاومته عندما نكتشف نفسه المنفتحه، المستقيمه، الساميه باستمرار الى تفهم الخصم. فلقد آمن دائماً بأن “كل انسان يمكنه قول الحقيقه، واذا لم يفعل ذلك فان الله سيحاسبه يوم الدينونه” (الحوار مع اليهودي تريفون، 82). ولا يفوتنا هنا أنه اول كاتب مسيحي مد الجسور بين المسيحية والفلسفة والوثنية.

فاستقامة نفسه وشفافيتها حركت شعور الكثيرين من حوله، وطرافته ارتكزت على التجديد في المجهود اللاهوتي مما جعله يقنع محاوريه بان الدين الجديد هو دين الحق الذي بشر به الانبياء، قد وحد العهدين القديم والجديد.

وهكذا بقي يوستينوس، من خلال مؤلفاته، المرجع المهم لمرحله من أهم مراحل المسيحية، كان فيها الرائد لكثيرين أتوا بعده وتمنطقوا بالحكمه والعلم والشجاعه والجرأه والخلقيه والرؤيا التي كانت جميعها مناره لكل من وقف سداً منيعاً في وجه المسيحية، والتي وضع اسسها هو في منتصف القرن الثاني المسيحي.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

بين الذين وقفوا حياتهم للدفاع عن المسيحية وتعاليمها، يعتبر القديس يوستينوس الشهيد في الطليعة، نظراً الى أنه كرس القسم الأكبر من حياته التعليمية والتبشيرية لهذا الأمر. فهو ذلك الأنسان الذي تميز بسعة الاطلاع على جميع التيارات الفلسفية التي كانت منتشرة في ذلك الزمان، وقارن بينها وبين تعاليم المسيح، وفندها، وبين قصورها في الجواب على الطروحات العقلية التي يتوقف عندها كل باحث عن الحقيقه الماورائية. لذلك أعتبره المؤرخون والفلاسفة واللاهوتيون مرجعاً مهما لمرحلة كانت من أهم المراحل التي مرت بها المسيحية في القرن الثاني الميلادي، وبالتالي الشاهد التاريخي على تطور الكنيسة في قلب الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطرف.

يعرف يوستينوس عن نفسه في كتابه “الدفاع الأول”، الفصل الأول، أنه ولد في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis) في فلسطين، المعروفة اليوم بمدينة “نابلس” الواقعة على الضفة الغربية لنهر الأردن، وكان والدهُ “بريسكوس” (Priscus)، ابن “باكيوس” (Bacchius)، من أحدى المدن الإيطالية التي كانت خاضعه للسيطرة اليونانية، كما يذكر ذلك “لاغرنج” في كتابه “القديس يوستينوس”، لكنهُ أصبح رومانياً بعد انتقاله إلى فلسطين، الأمر الذي أكدهُ هو في كتابه “الحوار مع اليهودي تريفون”، 1،3 أنهُ كان شابا خلال حرب اليهود وثورة “باركوشيبا” (Bar-Kocheba)، أيام حكم الإمبراطور “أدريانوس” (Publius Aelius Hadrianus)، ما بين سنة 132 و 135 مسيحية، وكان قد أطلع على بعض التيارات الفلسفية التي كانت تدرس في مدارس الشرق والغرب.

أما سبيله الى المسيحية فلقد جاء متشعباً: عبر محطات كثيره، أولُها مدرسة أحد الفلاسفه الرواقيين، وثانيها مدرسة أحد الفلاسفه الأرسطاطاليسيين، وثالثها مدرسة أحد الفلاسفه الفيثاغوريين. لكن أحداً من هؤلاء الثلاثه لم يستطع أقناعه بمبادئ فلسفته وبصحة نظرياتها. فالرواقى فشل أذ عجز عن تقديم أي تفسير لكينونة الله، وألح الأرسطاطاليسي (المشائي) إلحاحاً سمجاً، وبسوء مصادفه على أن يتقاضى أجر دروسه مسبقا، فرد عليه يوستينوس بتخيله عن الدرس والمدرس.

وأما الفيثاغوري ففرض عليه، قبل البدء بالدراسه، أن يتقن علم الموسيقي وعلم الفلك وعلم الهندسة، علوم لم تلق هوى في نفسه، الأمر الذي دفعه للانتقال الى مدرسة أحد الفلاسفه الأفلاطونيين الذي أستوقفهُ زمناً طويلاً وتأثر به الى حد بعيد (الحوار مع اليهودي تريفون، الفصل الثاني). لكن العناية الألهية أرادتهُ لرسالة أخرى ولفلسفة هى أسمى وأشمل من جميع الفلسفات البشرية، فإلتقى على شاطيء البحر، وهو في فترة تأمل، شيخاً جليلاً أقنعه بعجز تلك الفلسفات التي لا ترضي العقل والقلب، ولفته إلى قراءة كتب “أنبياء بشروا وحدهم بالحقيقه”.

ويضيف يوستينوس قائلاً: “إن الرجل أسمعني هذه الأقوال والكثير غيرها مما لم يحن وقت الأفصاح عنها، ثم تركني ومضى بعد أن نصحني بالتأمل بكل ما سمعتُه منه. ولم تشاهدهُ عيناي بعد ذلك اليوم. غير أن ناراً أشتعلت فجأة في داخلي، فأحببت أولئك الأنبياء حملة الحقيقة، كما أحببت جميع أصدقاء المسيح. وعندما أمتلأ تفكيري بهم، وحللت محتوى اقوالهم وفحواها، أدركت أن فلسفتهم هي الحقيقه والمفيده. تلك هي الأسباب التي قادتني الى الفلسفه وجعلتني فيلسوفاً. ولكم أتنمى أن ينعم الجميع بهذه المشاعر ولا يبتعدوا عن تعاليم المخلص الألهي”.

(الحوار….الفصل الثامن). وفي كتابه “الدفاع الثاني” الفصل الثاني، العدد 12،13، يقول: “عندما كنت من تلامذة أفلاطون أستوقفتني التهم الموجهه الي المسيحيين، ثم شاهدتهم يواجهون الموت ويجابهون كل ما يخشاه الآخرون بتلك الشجاعه العجيبه، فأقتنعت بأنهم على حق، إذ يستحيل أن يكون أمثالهم على ضلال أو أن ينغمسوا في الملذات …. وعندما رأيت بعدئذٍ أن الشياطين الشريره كانت تسعى لإفساد الآخرين، وابعادهم عن تعاليم المسيح الألهيه، سخرت من الأكاذيب والوشايات المغرضة وموقف الجماهير ضد المسيحيين، معترفا هنا أنني كنت أصلي وأحاول جاهداً، وبكل ما أوتيت من قوة، ان يعلم الجميع أنني مسيحي”.

المؤرخ (أوسابيوس القيصري) يؤكد في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 18، إن القديس يوستينوس كان أعتنق المسيحية قبل حرب اليهود ما بين سنة 132 و135، وربما كان ذلك في مدينة “إزمير” وبعد اعتناقه المسيحية أرتدى المعطف الخاص بفلاسفة الأغريق، وبدأ رحلته كأستاذ متجول، حاصراً كل اهتمامه في الدفاع عن تعاليم المسيح. ورغم أنه لم يصبح كاهناً، فلقد كان يجاهر دائماً بان كل أنسان عليه ان يبشر بالحقيقه ويدافع عنها لأن الله سيدين من يتقاعس عن ذلك (الحوار، 82، 3).

وهكذا، فلقد كرَّس حياته للتبشير وللتعليم، متبعاً طريقة “سقراط” الفيلسوف، خصوصاً في مدرسته التي أسسها في روما، عاصمة الإمبراطورية، حوالي سنة 138 م، بالقرب من حمامات “تيموثاوس” على تلة الـ”فيمينال” (Viminal)، حيث كان يُدرس العقيدة المسيحية لكلاً من رغب بذلك ولقد اشتهرت مدرسته، بنوع خاص، خلال السنوات الأخيرة من حكم الإمبراطور “ادريانوس”، وطوال حكم الإمبراطور “انطونيوس بيوس” (Antoninus Pius)، لأنها كانت سنوات سلام للكنيسه في الإمبراطورية.

وكان في عداد تلامذته (تاتيانوس السرياني) الذي دخل بعدئذٍ صفوف المدافعين عن العقيدة المسيحية، كما التقي هناك عدوه الألد الفيلسوف “كريشينس” (Crescens) الذي سبق ليوستينوس ان كشف جهله ونعته بالأمي الجاهل. ولم يكتفِ بالتعليم، بل كانت تلك المرحله مرحلة أنتاج فكري إذ كتب دفاعه الأول الذي وجهه الى الإمبراطور، والى مجلس الشيوخ، والى الشعب الروماني، سنة 150 مسيحية. ولقد صدر دفاعه بما يلي: “الى أصدقاء العلم، الإمبراطور تيتوس إيليوس أدريانوس انطونيوس بيوس أوغسطس القيصر، والى ابنه الفيلسوف فيريسموس، والى الفيلسوف لوسيوس ابن القيصر بالطبيعة وابن بيوس بالتبني، والى مجلس الشيوخ، والى كل الشعب الروماني، لصالح جميع البشر المكروهين والمضطهدين ظلماَ، من يوستينوس ابن بريسكوس، ابن باكيوس، المولود في فلافيا نيابوليس في سوريا – فلسطين، موجَه هذا الالتماس وهذا الخطاب” (الدفاع الاول، 1،1).

فالإمبراطور الذي وجه إليه هذا الخطاب هو “انطونيوس بيوس”، والقيصر هو “ماركوس أوريليوس” الذي جعله الإمبراطور شريكاً له في الحكم سنة 138 مسيحية، وابن “انطونيوس بيوس” بالتبني هو “لوسيوس فيروس” (Lucius Verus). ولم تكن المرة الأولى التي يتوجه فيها المسيحيون الى الأباطرة للدفاع عن عقيدتهم، بل سبق يوستينوس الى ذلك “كوادراتوس” (Quadratus) في دفاعه الموجه للأمبراطور “أدريانوس”، و”أريستيدوس الأثيني” (Aristide d Athenes) في دفاعه الموجه للأمبراطور “انطونيوس بيوس”. ورغم اخفاق هاتين المحاولتين، فلقد أصر يوستينوس في محاولته على التأكيد بأنه من واجب المسيحي اعلان عقيدته امام الجميع.

وبهذا المعني يقول: “علينا أن نعلن امام الجميع عن حياتنا وعن تعاليمنا، مخافة ان نكون مسؤولين امام ضميرنا عن الخطايا التي تقترفونها بجهل. فعليكم أن تسمعوا لنا، كما يفرض ذلك العقل فأذا لم تحققوا العدل وأنتم قد أستنرتم بما نعلن، فأنكم تصبحون مسؤولين أمام الله، (الدفاع الأول، 3،4-5). والى السنوات اللاحقه وضع كتابه فحوى حواره الذي كان قد حصل قبل عشرين سنه بينه وبين اليهودي “تريفون” الذي قال عنه “أوسابيوس القيصرى” إنه كان “المع يهوديي عصره” (التاريخ الكنسي، 6، 18). وهذا الحوار يبرهن لنا كم كان يوستينوس متحمساً لاعلان تعاليم الكنيسه وموقفها من تعاليم اليهود.

ولكن هذه التعاليم التي كانت موجهة بجرأة كبيرة للوثنيين ولليهود على السواء لم تترك الحساد والمناهضين ليوستينوس غير مبالين، لذلك تصدى له الفيلسوف الوثني “كريشينس” بعنف، الأمر الذي دفع بيوستينوس للقول: “وانا ايضاً معرض، وهذا ما أعرفه حق المعرفه، الى دسائس ومؤامرات البعض من الذين قلت عنهم إنهم شياطين ويسعون لادخالنا السجن، وعلى رأسهم “كريشينس”، الفيلسوف المتبجح وصديق الضوضاء.

فكلمة فيلسوف لا توافق هذا الرجل الذي يشكونا علناً، بينما هو لا يعرفنا حق المعرفه، وبالتالي يتهم المسيحيين بأنهم ملحدون كافرون لكي يرضي عدداً كبيراً من الذين هم على ضلال…ولقد طرحت عليه بعض الأسئله، وحاورته، ولكننى اقتنعت اخيراً انه لا يعرف من الفلسفة سوى الإسم” (الدفاع الثانى، 3،1 – 2، 4). هذا الهجوم الصاعق على “كريشينس” دفع بالأخير لأن يشكو يوستينوس أمام الحكام، الأمر الذي اضطره للابتعاد عن روما لفترة زمنيه وجيزه. وعندما تسلم “ماركوس أوريليوس” الحكم سنة 161 مسيحية، بعد موت “انطونيوس بيوس”، رجع الى روما، أملاَ منه بأن الإمبراطور الجديد سيكون متفهماَ وضع المسيحيين نظراَ لحكمتة ولعمقه الفلسفي. وفي تلك السنة كتب دفاعه الثاني الذي بين فيه ان الفلسفه الرواقيه، التي كان اعتنقها “ماركوس أوريليوس” تلتقي مع المسيحية في بعض تعاليمها الأساسية.

وهذا الدفاع كان آخر ما كتبه يوستينوس قبل إستشهاده هو ورفاقه. ويذكر “اوسابيوس القيصري” في كتابه “التاريخ الكنسي، 4، 16، 8،” عن لسان “تاتيانوس السورى” ما يلي: “إن كريشينس، الذي كان يسكن في المدينه الكبيره (هكذا كانوا يسمون روما في الماضي)، تفوق على الجميع بشروره الكثيره، وببخله، وبنزعته لاقتراف كل ما هو ضد الطبيعه. وهو، الذي كان يدعو الى أحتقار الموت، كان يخاف جداً من الموت، حتى أنه سعى جاهداً، امام الحكام، لحملهم على قتل يوستينوس ورفاقه”. وفي الواقع، ففي سنة 165 مسيحية، أوقف “يوستينوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163 – 167) الذي قدمهم للمحاكمة على أنهم مسيحيون ولا يقدمون الضحايا للآلهه.

اما يوستينوس فقد اعترف علناً مع رفاقه أنه لا يؤمن إلا بالمسيح، رافضاً تقديم الضحايا لآلهه روما. وامام هذا الاعتراف الصريح أعلن الوالي الحكم التالي: “إن الذين رفضوا تقديم الضحايا للآلهه، وطاعة اوامر الأمبراطور، فليجلدوا اولاً، ثم تقطع رؤوسهم حسب شريعة الامبراطوريه” وهكذا كان. والذي كتب سيرة يوستينوس ورفاقه يزيد قائلاً: “إن الشهداء القديسين، الذين مجدوا الله، سيقوا الى المكان الذي كان الرومان أعدوه لذلك.

وبعد جلدهم طويلاً قطعوا رؤوسهم، مستشهدين في سبيل ايمانهم بالمسيح” (راجع كتاب استشهاد يوستينوس ورفاقه في مجموعة، الآباء اليونان، م 6، عمود 1572 ب). والكنيسه اللآتينيه تُعيد لهُ في الرابع والعشرين من نيسان، كما أعلنهُ بعدئذٍ البابا لاوون الثالث عشر قديس الكنيسه الجامعه سنه 1882.

وبالاستناد الى ما تقدم يمكننا القول: إن يوستينوس هو في طليعة آباء القرن الثاني لأنه أوفر هؤلاء عظمةً وأوسعهم شهرةً. فيلسوف يوحي بالاعجاب والتقدير، ومفكر علماني تدين له الكنيسه بالتمهيد للحوار مع كلٍ من جماعتي الوثنيين واليهود. وقف حياته كلها على البحث عن الحقيقه ففي اعماله المدونه بخشونه وصلابه. دون أية محاوله للزخرفه الانشائيه، تتجسد شهادة ضاعفت الأجيال المتعاقبه عظمتها. فالمسيحية ليست، في رأيه، مذهباً، بل هي إنسان هو “الكلمه” المتجسد يسوع المصلوب. فيلسوف مسيحي يعود بنا القهقرى الى ثمانية عشر جيلاً، نجد عنده صدى أبحاثنا، ورجع اعتراضاتنا، وكذلك يقيننا وكل ما في نفوسنا من ايمان.

فنحن اذ نكتشف نفسه الرحبه، نلمس بالأنامل الدقيقة ارادته الصادقة في تقبل أفكار سواه وميله الى الحوار. صفات حببته الى الآخرين وجذبتهم إليه. ولئن كان معظم أعماله الحميمه كافٍ للكشف عن ظروفه الحياتيه، من نشاته حتى اليوم الذي استشهد فيه على أسم المسيح. ولقد استفاد يوستينوس من حق المواطنيه التي اكتسبها الفلاسفه في روما التي ظلت، رغم انتصارات جيوشها، تابعه للحضاره الشرقيه ولاختمار الدين في بلاد الشرق. فاساتذة الفكر كانوا يأتون من آسيا بغية التدريس في عاصمة القياصرة. اما الرومان فلقد شغفوا يومئذٍ بفلسفة اليونان، وبتعاليم الديانات القائمه على الأسرار.

وكانت روما قد سيطرت على امبراطوريات بأسرها، فاضطرت بالتالي الى استيعاب آلهة تلك الامبراطوريات وإدخالها “البانتيون” المعبد الذي دشنه قدماء الرومان لإكرام جميع الآلهه. وعندما تملك الرومان الملل من ديانتهم الوثنية التي كانت تفتقر الى الروح الشاعريه، أقبلوا على الفلسفه يجعلونها مدريه روحيه تزهو بالسلم وبصفاء الروح، واتجهوا الى الفلاسفه يعتمدونهم مرشدين وآباء روحيين ولقد حذا الإمبراطور “ماركوس أوريليوس” حذو رعيته فتدثر بأخلاقية “الرواقيه” (stoicism)، الفلسفه القائلة بأن كل شيء في الطبيعة إنما يقع بالعقل الكلي، ويقبل مفاعيل القدر طوعاً. وقد صادف اعتناق يوستينوس الدين المسيحي اجتياز الكنيسة.

مرحلة قلقٍ وغليان، ولم يكن الغريب عنها، مثل الوثني القادم من روما أو من إزمير، فإستطاع الاهتداء بسهوله الى “كنيسة بطرس” في خضم تلك المدارس، او البدع التي تكاثرت من حولها وتشعبت بسرعه تفوق التطور. وكان الوثني، في تلك الأيام، شأنه شأن غير المسيحيين في يومنا هذا، ضائعاً وسط شيع متعدده، متباينة الاتجاهات، تدعي جميعها الالتزام بتعاليم المسيح.

اما داخل الكنيسه فلم تكن القرارات الحاسمه قد اتخدت بعد، نظراً الى أن العرف ما زال حديث الولاده ومن المرجح أن يوستينوس أستطاع لقاء رجال عايشوا الرسولين بطرس وبولس، وربما التقى، في مدينة إزمير، مسيحيين سمعوا يوحنا الرسول صاحب “الرؤيا” ويومها كانت المسيحية في مطلع شبابها، حاره الأيمان تحتضن أبناءها بدفء الأم وحنوها فيما تحاول صيغة عقيدتها والتعبير عن إيمانها.

ولقد أعرب يوستينوس عن فكره خلال ما رواه في سيرته الذاتيه إذ أقام الحُجه وجادل في الوقت عينه، وشهد في كتاباته للأيمان الذي أختاره، الأمر الذي دفع ببعض الفلاسفه وأبناء الطبقه الحاكمه، مثل الأشراف والنبلاء، لتقبل سر المعمودية، ولاعتناق المسيحية على يديه.

وهذا ما أثار نقمة الكتاب الوثنيين عليه، فتوالت أنتقاداتهم لهُ، وكثرت أتهاماتهم الكاذبه الموجهه الى المسيحيين من خلاله، فجابه الصعاب بأيمانه الفتي، ورفع شعاره الشهير: “الأعمال لا أقوال”، ترديداً لصدا كلام (منيسيوس فليكس): “لا نبتغي كلاماً مرصوفاً، بل نحن نريد الحياه” وعندما وقف أسياد المجتمع الروماني للحؤول دون بلوغ كلمة المسيح الى الناس، وأدعى الأقاقون ان أتباع المخلص هم عبدة اله مشوه، وهم فجار وفاسقون يقيمون ولائم تشابه ولائم آكلة لحوم البشر، وسعى الفلاسفه والكتاب متصنعون الى أنتزاع النفوذ ممن أعتبروهم منافسين خطرين لهم، أنبرى يوستينوس رجل حوار من اجل توضيح الحقيقه وتوطيد العلاقه بين الايمان والفكر.

ولعل كلمة الكاتب “بويش” (puech) في كتابه “المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي) تختصر شخصية يوستينوس العظيمه، إذ يقول: “إن الذي يجذبنا في شخصية يوستينوس هو اسميه بشفافية نفسه الصادقة والصريحة والمضطرمة في كل شيء…والذي يشدنا إليه هو أنه طرح، وللمره الأولى، ما ستطرحه، فيما بعد، مدرسة الأسكندريه عن العلاقه القائمه بين الفلسفه والأيمان. فحياة يوستينوس المسلكية والعقلية في نبع فياض من الأيمان والفكر لأنه عاش الأثنان معاً، دون أن يضحي بواحده في سبيل الأخرى. لقد كان مثالاً للأجيال اللاحقة” (المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي، 52 – 53)

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

Exit mobile version