الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

 

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

 

ما هيَ الهرطقات والبدع

كلمة هرطقة هيَ كلمة يونانيّة ”αίρεσις– Hairesis“ ومعناها اختيار، وقد استخدمت للتعبير عن المدارس الفكرية إلهيّلينية، اليونانيّة، كما استخدمت في العهد الجديد بمعنى ”شيعه، مذهب، بدعة“، وذلك للتعبير عن الجماعات اليهوديّة مثل ”شيعة αίρεσις الصدوقيين’ (أع17:5)، و‘مذهب αίρέσεως الفريسيين’ (أع5:15؛ أع5:26).

قد استخدمها المؤرخ والكاهن اليهوديّ يوسيفوس المُعاصر لتلاميذ المسيح (35-100م) بهذا المعنى، وطبقها على المذاهب اليهوديّة التي كانت سائدة في عصره، وهيَ الفريسيين والصدوقيين والآسينيّين.[1] 

كما استخدمت من وجهة نظر اليهود لوصف الجماعة المسيحيّة في أيامها الأولى والتي نظروا إليها كجماعة خارجة من اليهوديّة ومن ثُمَّ دُعيت بـ”الطريق الذي يقال له شيعة αίρεσιν“ (أع14:24)، و”مذهب αίρέσεως يقاوم في كلّ مكان“ (أع22:28)، كما وُصِف القديس بولس بـ”مُقدّام شيعة αίρέσεως الناصريين“ (أع5:24).

واستخدمت في الكنيسة الأولى بمعنى ”بدعة αίρεσεις“ (غل20:5)، لوصف الجماعات التي خرجت عن التسليم الرسوليّ وتعاليم الكنيسة، والذين وُصفوا بأصحاب ”البدع αίρεσεις“ (1كو19:11)، والذين يقول عنهم القديس بطرس أنهم معلمون كذبة ”الذين يدسّون بدع αίρεσεις هلاك وإذ هم ينكرون الرّبّ الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سرّيّعا“ (2بط1:2).

شاع بعد ذلك تعبير هراطقة للتعبير عن أصحاب البدع والهرطقات التي خرجت عن المسيحيّة وصار لهم فكرهم الخاص. يقول العلَّامة ترتليان:

”لأنهم هرطقة فلا يمكن أن يكونوا مسيحيّين حقّيقيّين لأنهم حصلوا على ما أتّبعوه ليس من المسيح بل باختيارهم الخاص، ومن هذا السعي جلبوا على أنفسهم وقبلوا اسم هراطقة. وهكذا فلكونهم غير مسيحيّين لم ينالوا أي حقّ في الأسفار المسيحيّة المُقدّسة؟ ومن العدل أن نقول لهم “ من أنتم؟ من أين ومتى جئتم؟ ولأنكم لستم منا ماذا تفعلون بما هو لنا؟ حقًّا، بأي حقّ يا مركيون تقطع خشبي؟ ومن الذي سمح لك يا فالنتينوس أن تحوِّل مجاري نبعي؟“[2]

السيمونيّة

نسبة إلى سيمون الساحر، الذي كان مُعاصرًا للرسل (أع8: 10)، وقد نسب إليه آباء الكنيسة كلّ هرطقة وبدعة دخلت إلى المسيحيّة، يقول عنه القديس يوستينوس: ”إنه ولد في قرية جيتون، ووصل إلى روما في عهد الإمبراطور كلوديوس، حيث عُبِد كإله“.[3] 

يكتب عنه القديس كيرلس الأورشليمي: ”هذا الرجل بعد أن طرده الرسل جاء إلى روما، واستمال إليه زانية تُدعى هيلانة، وقد تجاسرّ بفمه المملوء تجديفًا أن يدّعي أنه هو الذي ظهر على جبل سيناء كالآب، وظهر كيسوع المسيح بين اليهود، وليس في جسد حقّيقيّ،[4] وبعد ذلك كالروح القدس الذي وعد المسيح أن يُرسله كمُعزٍ“.[5]

الأبيونيّة Ebionites، المتهودون أو اليهود المُتنصرين

ظلوا مُتمسكين بتقاليدهم اليهوديّة، ورفضوا الإيمان بالثالوث. وقالوا بأن الروح القدس قوة مؤنثة وأنها أم المسيح. وقد تزعمهم كيرنثوس، وقد أرَّقت هذه البدعة الكنيسة حتّى القرن السابع. كانوا يحفظون السبت على الرغم من احتفالهم بيوم الأحد مع المسيحيّين، ورفضوا الميلاد العذراوي، كما علَّموا أيضًا بالتبني، أي أن يسوع كان مُجرّد إنسان ارتفع في المجد واتحد بالله من أجل فضائله، وبهذا فليس هو الله الظاهر في الجسد.

دعاهم رجال الكنيسة بـ”الأبيونيين“، وهيَ من الكلمة العبريّة (אֶבְירֹן)، وجمعها أبيونيم، والتي تعني ”الفقراء“، نسبة إلى فقر تعاليمهم وضحالتها.

وقد تحدث عنهم العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ قائلًا:

”يعترف الأبيونيون، على آية حال، أن العالم خُلِق بواسطة الذي هو الله بالحقّيقة، لكنّهم يزعمون عن المسيح أساطير مثيلة بما زعمه كيرنثوس وكربوكريتس. ويعيشون بحسب عادات اليهود زاعمين أنهم يتبرّرون بإتمام الناموس.

لذلك فقد كان -بحسب الأبيونيين- أن المخلّص دُعيَّ مسيح الله ويسوع، لأنّه ولا واحد من بقية البشر حفظ الناموس تمامًا. لأنّه حتّى لو حفظ أي أحد أخر، وتمّم الوصايا المحتواة في الناموس سيكون هذا مسيحًا. ويزعم الأبيونيين، أنهم هم أيضًا عندما يتممون الناموس، بنفس الطريقة سيصبحون مسحاء؛ لأنهم يؤكدون أن رّبّنا نفسه كان إنسانًا مثل كلّ البشر“.[6]

لقد كان أغلب الأبيونيين مسيحيّين، لكنّهم رفضوا الاعتراف بجديد الإنجيل، العهد الذي أسّسه الرّبّ جديدًا مع الكنيسة، وظلوا مُتمسكين بالشريعة اليهوديّة. ويرفض هؤلاء الأبيونيون أن يكون المسيح قد ولِد من عذراء، هو مخلوق مثل رؤساء الملائكة، وهو يملك على الملائكة، وعلى جميع الخلائق.

وعليه، فقد اسقطت الأبيونيّة من حسبانها الإيمان الثالوثيّ، ورفضت كلّ ما يُهدّد فكرة التوحيد بالشكل الحسابيّ البشريّ، لذا، اعتبرت المسيح مُجرّد مخلوق، اصطفاه الله لحسن سلوكه، وإيمانه، وجعله ابنًا فوق كلّ خليقته، وهذا ما عُرِف فيما بعد بـ”التبنويّة“.

ذكرهم القديس جيروم، في إحدى رسائله إلى القديس أغسطينوس، يقول فيها:

”إنّ المسألة التي هيَ موضوع المناقشة… يمكن أن تُلخص في الآتي:

أنه منذ الكرازة بانجيل المسيح، يحفظ اليهود الذين آمنوا وصايا الناموس بحرص… فإنّ كان هذا صحيحًا، فإننا نسقط في هرطقة كيرينثوس وإبيون اللذين، رغم إيمانهما بالمسيح، حُرما بواسطة الآباء من أجل هذا الخطأ الواحد أنهما خلطا بين شعائر وطقوس الناموس من جهة، وإنجيل المسيح من الجهة الأخرى، وأعلنا إيمانهما في ما هو جديد بينما لم يتخليا عن ما هو قديم.

ولماذا أتحدث عن الإبيونيين، الذين يدَّعون انهم مسيحيّون؟ فإنّه في أيامنا هذه توجد طائفة بين اليهود والتي تتخلل كلّ مجامع الشرق، وتدعى طائفة Minei وهيَ الآن أيضًا قد حُرمت بواسطة الفريسيين. وأتباع هذه البدعة يُعرفون ”بالناصريين“.

يؤمنون بالمسيح أنه ابن الله وقد وُلد من العذراء مريم، ويقولون إن الذي تألم تحت حُكم بيلاطس البنطي وقام ثانيةً هو نفسه الذي نؤمن به. لكنّ بينما هم يرغبون أن يكونوا يهودًا وفي نفس الوقت مسيحيّين صاروا ليسوا يهودًا ولا مسيحيّين…

لذلك إن كان لايوجد بديل لنا سوى أن نقبل يهودًا في الكنيسة، هم والممارسات التي يفرضها ناموسهم، وإن كان باختصار، سوف يُعلن شرعيًا بالنسبة لهم أن يستمروا في كنائس المسيح وأن يمارسوا ما اعتادوا ممارسته في مجامع الشيطان، سأقول لك رأيي في هذا الأمر، إنهم لن يصبحوا مسيحيّين، لكنّهم سيحولوننا إلى يهود“.[7]

الغنوصيّة Gnosticism

أو ”العرفان- γνωσις“، أي الذين يبتغون المعرفة. تيار خلط بين الدين والفلسفة، يرتكز على المعرفة ليشرح كلّ شئ، ولاسيَّما اللاهوتيًّات. والهدف النهائي من المعرفة بحسب الغنوصيّة، هو خلاص الجنس البشريّ، الذي هو كائنات مُنبثقة من الإله، وقد تَمَّ حبسها داخل أجساد في عالم الشر.

وقد تاثرت الغنوصيّة بعدّد من الفلسفات اليونانيّة، وأخذت منها عناصر مُختلفة تكونت من خلالها تعاليمها الدينية؛ فقد أخذت عن الأفلاطونيّة الحديثة فكرة الوسطاء بين الله والعالم، وعن الفيثاغورية النظرة النسكيّة الزهديّة والمتصوفة، وعن الرواقيّة الواجب الأخلاقيّ للفرد.

وقد انتشرت الغنوصيّة في أوائل القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، في الإسكندريّة، وأنطاكيّة، وروما. ولقائها مع المسيحيّة قد أكسبها أهمّيّة بالغة، إذ تسلّلت بين المؤمنين، وخاصة المُثقفين، الذين أرادوا وضع ماهية عقلية للمسيحيّة. وقد كان أزهر عصورها هو القرن الثاني، الذي فيه ظهر أهمّ قادتها، واُنتِجت خلاله الكثير من الأعمال والأناجيل الغنوصيّة، التي اكتُشِفت حديثًا من خلال ”مكتبة نجع حمادي“ في مصر.[8]

فقد أخذوا شيئًا ما بما تقوله الكنيسة، وإنما بصورة مشوَّهة وعلى اتساع تحليلي، وكان زعيمها الأوّل ”سيمون“ وهو ساحر سفر الأعمال، وكان قبل عماده يُدعى من جميع الشعب ”قوة الله العظيمة“ (أع 10:8)، لِمّا كان يأتيه من معجزات.

وكان قد تلقَّى بعض تعاليم الرسل في ما يختص بأن القوة الإلهيّة إنما تتصل مباشرة باسم الروح القدس كما هو مدوَّن بوضوح في سفر الأعمال (أع 9:8-19)، لكنّه إرتد من بعد عماده (من أيدي الرسل) وتمّ عزله عن الكنيسة، فادَّعى أن شريكته هيلانة هيَ ”الباراكليت“ وأن القوة التي تنبثق من الله هيَ قوَّة مؤنَّثة.

وتقول الغنوصيّة بالثنائية، أي أنها تؤمن بإلهين، إله شرير قد خلق العالم، وإله خيّر يسعى لإنقاذ البشر. كما تؤمن أن بأن أرواح البشر من بين هذه الكائنات الإلهيّة، وهيَ سجينة أجساد نُفخت بداخلها، وتسعى للخلاص من خلال النسك مع المعرفة، وبهذا تطهر الروح وتعود بعد الموت إلى الإلهيّ.

ويُمكن تلخيص الخطوط العامة للعقائد الغنوصيّة كالتالي:

1-    يوجد تعارض تام بين النظام الكوني لهذا العالم، وبين الله الفائق السمو بغير حدود، ولا يُمكن التوفيق بينهما بحال من الأحوال. فالعالم في الغنوصيّة هو عالم من الصراعات المُستمرة، والانقسام والتضاد بين النور والظلمة، وداخل الإنسان ذاته بين الروحاني والماديّ، وتؤدي هذه الثنائية إلى رفض مبدأ وحدة الخالق، الذي هو أساس تقليد الفكر اليهوديّ والمسيحيّ.

فهي تؤمن بخلق العالم من خلال إلهين:

الديمورج، خالق هذا العالم، وبهذا فهو خالق الشر، وهو إله العهد القديم، بحسب الفكر الغنوصيّ.

وهُناك كائن وسيط بين النور والظُلمة يُدعى ”الروح، أو اللوغوس“.

والإله الأسمى، الذي يدعونه بصفات سلبية، أي: الغير موصوف، غير المعروف، بداية كلّ شئ… وغير ذلك.

2-    الغنوصيّ يؤمن أن الروح الإنسانيّ، مصدرها إلهيّ دائمًا، وتخص الكائن الإلهيّ الأسمى.

3-    الروح الذي هو من الإله الأسمى، اختلط بعنصرين أدنى منه، وهم من نتاج الديميورج الشرير، هما النفس والجسد. ويظل الإنسان على غير درآية أو لا يعرف بوجود الروح.

4-    وهذا الروح يحتاج إلى فادٍ، كيما يُخلّصه من قيود الجسد، الذي هو بمثابة سجن للمخلوق الإلهيّ.

فدراسة مُدقّقة لها تجعلنا نُجزم أنّها خليط ما بين إلهيّلينيّة والعبرانيّة. ومن أشهر قادتها: ماركيون، باسيليدس، فالنتينوس.

أشهر أعضائها

1- ماركيون Marcion

أحد هراطقة القرن الثاني، يُحسب كواحد من الغنوصيّين، وُلِد في بنطس، وكان يعمل في صناعة السفن، انتمى إلى كنيسة روما، وقد حرمته عام 144م بسبب أفكاره المُنحرفة، فقد كان مُعاديًا لليهوديّة، ويرفض العهد القديم.

ألّف كتاب للعهد الجديد خاص به، جمعه من بعض رسائل بولس، ومن أجزاء من إنجيل لوقا. وقد أدّعى أن للعالم إلهين، أحدهما ظالم وشرير ومُنتقم وهو إله العبرانيّين، وآخر بار ومُحب وهو من كشفه لنا المسيح، الذي تجسد ظاهريًا فقط، ولم يكن له جسد من لحم ودم مثلنا. لذا، نجد القديس إيرينيئوس يقول عنه: ”عندما يقسم ماركيون الله إلى اثنين، معلنًا أن واحدًا صالحٌ والآخر عادلٌ، فهو في الحقّيقة يضع نهاية للألوهة كلها“.[9]

وقد واجهه كلّ من يوستينوس، وترتليان، وأوريجانوس، وإيرينيئوس، وحاربوا هذه البدعة التي لم تنته إلَّا مع مطلع القرن العاشر.

 يقول عنه ق. كيرلس الأورشليمي:

”لتمقتوا أيضًا أتباع ماركيون الذين يفصلون بين أقوال العهد القديم والعهد الجديد لأنّ ماركيون أعظم المُنافقين، زعم بوجود ثلاثة آلهة، وإذ عرّف أن في العهد الجديد شهادات الأنبياء عن المسيح، ترك الشهادات المأخوذة من العهد القديم حتّى ترك الملك بغير شهادة“.[10]

2- فالنتينوس Valentinus

كان مُعلمًا مصريًا بدأ نشاطه في الإسكندريّة، ثُمَّ ذهب إلى روما حيث أسّس هُناك مدرسة، ولما حُرِم من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مُستقلة، وهو أحد الهراطقة الغنوصيّين المشهورين. وكان يؤكد على أن الإلوهيّة تتكون من ثلاثيّن إيونًا[11] منهم الروح القدس. وقال إنّ إنبثاق الروح القدس ليس بصورة مباشرة من الله.

وقال إنّ الإله فيتوس (أي العمق) ولد ثمانية أيونات، ومنهم وُلد عشرة، ومن العشرة وُلد أثنا عشر ذكرا وأنثى، وولد سيغا (أي الصمت)، من هذا الإله فيتوس، ومن سيغا ولد الكلمة، كما قال إنّ كمال الآلهة هو كائن يُدعى الحكمة، وهو المسيح!![12]

 وقال إنّ المسيح لم يتخذ جسدًا إنسانيًّا حقّيقيًّا، بل اتخّذ هيئة الجسد، مظهر الجسد وهيئة الإنسان لأنّه لا يمكن أن يأخذ جسد من المادة التي هيَ شر بحسب اعتقاده! اتخّذ جسدًا سمائيًّا أو أثيريًا، وهو، حسب قوله لم يُولد من العذراء لكنّ جسده الهوائي مرَّ من خلال جسدها العذراوي!![13]

3- باسيليدس Basilides

بحسب إيرينيئوس، فإنّ باسيليدس كان مُعلّمًا في الإسكندريّة، وعاش في عهد الإمبراطور هدريان، وأنطونيوس بيوس (120- 145م).[14] كتب إنجيلًا ليس في حوزتنا منه سوى شذرة واحدة، وكتاب آخر باسم ”التفسير- Exegetica“، بقيَّ لنا منه بعض الشذرات التي اقتبسها هيجيمونيوس،[15] وإكليمندس السكندريّ.[16] كما ألّف مزامير وأناشيد لم يبقى منها شئ.

يتلَّخص فكره العقائديّ في أنه يؤمن بإنبثاقات الفيض في الإلوهة، بحسب الفكر الغنوصيّ، والتي تُدعى ”إيونات“. تسكن في ثلاثمائة خمس وستين من السماوات التي خلقتها لنفسها، وهيَ تتساوى مع عدّد أيام السنة.

وإن المسيح، وهو الابن البكر لله، وهو ”النوس“ أو العقل، قد جاء لينجي الذين يؤمنون به من سلطان العالم. وعند الصلب جاء سمعان القيرواني ليحمل معه الصليب، فأُلقيَّ شبهه عليه، وصلب مكانه بالجهل والخطأ، بينما ظلّ يسوع واقفًا بهيئة سمعان يسخر منهم، ثُمَّ غيّر هيئته بإرادته، وصعد إلى الذي أرسله.[17]       

الغنوصيّون المسيحيّون بالاجمال يفسرون العقائد المسيحيّة تبعًا لتعاليمهم ويصوغون تعاليمهم بألفاظ وعبارات مسيحيّة. فهم يُقيَّمون الثنائية على ما يزعمون من تعارض بين التوراة والإنجيل، إذ يقولون إن التوراة تصور إلهًا قاسيًا جبارًا، بينما الإنجيل يكشف لنا عن إله وديع حليم خَيَّر للغاية.

فذهب باسيليدس للقول بإن إله العهد القديم ما هو إلَّا رئيس الملائكة الأشرار، ولا صلة بين المسيح المخلّص وبين المسيح الحربى الذي وعد به أنبياء العهد القديم الناطقون عن وحى إلههم، لكنّ المسيح جاء لتحقيق رسالة مساندة للمسيحيّة. لذلك كان الغنوصيّون ينبذون التوراة نبذًا تامًا، ويقبلون من بين الأناجيل والرسائل ما يروق لهم، ويحذفون ما لا يقبلونه من الفصول والآيات المناقضة لآرائهم.

باسيليدس يضع بعد (الآب) ثمانى مُجرّدًات مشخصة صدر بعضها عن بعض، الواحد تلو الآخر، منها الحكمة والعدالة والسلام، ويقول إنّ الملائكة الأوّل الصادرين عن الحكمة صنعوا السماء الأولى، والملائكة الصادرين عنهم صنعوا السماء الثانية. 

أراد الآب أن يقضى على العمل المشئوم الذي عمله الصانع، وأن يخلّص الإنسانيّة التعيسة التي لم يخلقها، والتي لم تكن تعرفه فنزل المسيح من السماء لم يولد من العذراء مريم، بل ظهر تام التكوين، وأخذ يعلّم ويعرف الناس بالآب، ولم يتخذ له جسدًا ماديًّا، بل ظهر في شبه جسد، لأنّ المادة رديئة، ولأنها ملك الصانع.

افترق الغنوصيّون فيما يترتب على رداءة المادة واحتقار الجسم، فذهب فريق إلى منع الزواج، وذهب فريق آخر إلى إباحة جميع الأفعال، وإعفاء النفس من تبعية ضعف الجسم، أمّا ما ذهب إليه باسيليدس، فهو: إن الشهوة الجنسية ولو أنّها طبيعيّة، إلَّا إنّها ليست ضرورية.

كان المسيحيّين ينكرون ذلك أشد الانكار، كما كانوا ينكرون التعاليم الغنوصيّة، في أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضيّة، وأن الخطية الأصلية ارتكبت في العالم المعقول، وأن المادة شريرة بالذات، وأن الأجسام لا تقوم. ولما كانت هذه القضايا أفلاطونيّة، وكان الغنوصيّون يستشهدون بأفلاطون في صدّدها، فقد دعا البعض من المسيحيّين أفلاطون بأنه أب البدع، في الوقت الذي كان فيه غيرهم يعتبره مهمًا بالنسبة للفلسفات المسيحيّة.

لقد عاشت الكنيسة في صراع داخليّ لمواجهة هذه الأخطار الغنوصيّة وصارعت أكثر من قرنين لتوضح بالأقوال اللاهوتيّة خطورة التعاليم الغنوصيّة المسيحيّة.

المونارخيّون Monarchianism، أو الموحدين، أو مؤلمي الآب

وهي قريبة الشبه من الأبيونية، وقد سُميَّت بـ”صالبيّ الآب، أو مؤلميّ الآب“، لأنهم يقولون أن الله واحد صمد، بالمفهوم الصنمي العدّدي، وهم بذلك يجعلون من الآب مصلوبًا على الصليب، إذ تلاشى مفهوم الأقانيم، وصار الآب والابن والروح القدس مُجرّد صور تعبيرية عن الله الواحد عدّديًا.

وأشهر ممثليها هم براكسياس الذي كتب ضده العلَّامة ترتليان، ونوئيتوس الذي كتب ضده العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ، وقال:

”نوئيتوس الذي من سميرنا، طلَّ علينا بهرطقته التي جلبها عن إبيجونوس، ووصل بها إلى روما، وقد أيّدها كاليستوس (رئيس أساقفة روما في ذلك الحين)، ويقول إنّ الله الآب خالق الكون، هو الذي دُعيَّ أيضًا بالابن، وهذا شخص واحد، إنما مُقسم من جهة الاسم فقط“.[18]

ينادون بأن الروح القدس هو أصل وجود الآب والابن. وهيَ تعني أن الابن متطابق مع الآب (يُعرف على أنه الآب، أو أنهما واحد). ومنهم من يعتقدون بأن الآب نفسه نزل إلى بطن العذراء، وهو نفسه وُلد منها، وهو نفسه قد تألم على الصليب، وفي الحقّيقة هو نفسه يسوع المسيح.

لقد كان براكسيوس هو أوّل من جلب هذا النوع من الضلال من آسيا إلى روما، حين رحل إليها في عهد الإمبراطور مرقس أوريليوس، وقد هاجمه العلَّامة ترتليان بمهارة،[19] ودعاه: ”حامل رسالة الشيطان المزدوجة“، فمن جهة هو ينكر الروح القدس، ومن جهة أُخرى فهو يصلب الآب.

وكلمة ”مونارخيًّا- μοναρχια“ كانت في الأصل كلمة أرثوذكسيّة، تُستخدم في التعبير عن وحدة الرأسة التي للآب، أي أن الآب هو الأصل والينبوع الذي ولد منه الابن، وانبثق عنه الروح القدس.

وتنقسم المونارخيّة بحسب منحاها اللاهوتيّ إلى قسمين كبيرين:

1-    التبني Adoptianosme: تُعلم هذه النظرية، بأن المسيح، كسائر البشر، ولد كإنسان فقط، ونما مثل سائر الناس، وأن الله الآب قد جعل منه ابنًا خاصًا له، نظرًا لتقواه، وحدث هذا تحديدًا وقت عماده في نهر الأردن، وبعضهم يقولون أن هذا التبني حدث بعد القيامة. وقد قال بهذه النظرية: ثيودوتُس، بولس الساوساطي.

2-    الشكليّة، أو الدوسيتيّة: إحدى شيع المونارخيّة، أسّسها سابليّوس أحد أساقفة المُدن الخمس الغربية، وقد نادى بأن الله أقنوم واحد، لكنّ له أسماء مُتعدّدة، فعندما خلقنا دُعيَّ الآب، وعندما خلّصنا دُعيَّ الابن، وعندما قدّسنا دُعيَّ الروح القدس.

بمُجرّد أن ارتقى كاليستوس كرسي بطريركية روما (217م) قام بعزل سابليّوس من شركة الكنيسة.

 

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ ضد المونارخيّين في كتابه ”شرح الإيمان“، يقول:

ونحن نؤمن بالمثل بالروح القدس (1كو10:2). ولا نعتقد بـ ”ابن-آب“ كما يفعل السابيليون… هادمين بنوة الابن. ولا نحن نعزو إلى الآب الجسد القابل للألم الذي حمله الابن من أجل خلاص العالم كله، ولا نعتقد بثلاثة أقانيم متفرقة عن بعضها البعض، مثل ثلاثة أشخاص منفصلين بدنيًا (أو شخصيًّا)، فذلك سوف يفضي إلى تعدّد الآلهة الذي للوثنيّين، لكنّ على العكس، كنهر مولود من منبع وهو غير منفصل عن منبعه، مع أن هناك شكلان واسمان…

لكنّ الينبوع (أو المنبع) ليس هو النهر ولا النهر هو المنبع لكنّ كلّ منهما هو الماء نفسه… وهكذا تتدفق الألوهة من الآب إلى الابن بغير تغير الانفصال… ونحن لا نعتقد في ابن الله الذي هو الله الخالق كلّ الأشياء، أنه ”مخلوق“ أو ”مصنوع“ أو ”آتٍ من عدم الوجود“، لكنّه هو الكائن من الكائن.[20]

[1] Jud. II ,Viii,I, Ant. XIII,V,9.

[2] Tertullian, The Prescription Against Heretics.

[3] كواستن، باترولوجي، مرجع سابق، ص 282.

[4] كانت الغنوصيّة تعتقد أن الجسد هو شر كما العالم الماديّ الذي خلقه الإله الشرير، وهُنا يظهر مدى التقارّب بين الفكر السيموني وفكر الهرطقة الغنوصيّة.

[5] المقالات لطالبي العماد 6: 14.

[6] Refutation of All Heresies 7: 22.

[7] BJ Kidd, ed., Documents Illustrative of the History of the Church, vol. 1, Macmillan, New York, 1932, pp. 265, 266.

[8] يعود الفضل في معرفتنا بالغنوصيّة إلى مكتبة نجع حمادي، فقبل اكتشافها لم نكن نعرف عنها غير ما جاء في كتابات الآباء الذين واجهوها، مثل إيرنيئوس وهيبوليتوس وأبيفانيوس.. وغيرهم. وهيَ مجموعة من المخطوطات تشمل ثلاثة عشر مُجلدًا، تتضمن واحد وخمسين نصًا، بعضها مُكرّر. وهذه النصوص جميعها قد تمت ترجمتها من اليونانيّة إلى القبطية. وقد اكتُشفت في عام 1954م عند جبل الطارف، في الضفة الشرقية لوادي النيل، على يد فلاح مصري يُدعى: ”مُحمد على السمّان“ (انظر: شنودة ماهر إسحق (القس)، يوحنا نسيم(الدكتور)، تراث الأدب القبطي (القاهرة: مؤسّسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي، 2003)، ص 125).

[9] DW Bercot, ed., A Dictionary of Early Christian Beliefs, Hendrickson Publishers, Massachusetts, 1998, p. 419.

[10] المقالات لطالبي العماد 16: 7.

[11] الإيونات- αἰών: في الفكر الغنوصيّ هيَ موجودات أو آلهة ظهرت كفيض من الإله الأعلى.

[12] القديس كيرلس الأورشليمي، العظات، 6: 17، 18.

[13] حنّا جرجس الخضري (الدكتور القس)، تاريخ الفكر المسيحيّ، الجزء الأول، ص 207.

[14] ضد الهرطقات 1: 24: 1.

[15] Acta Archelai, 67: 4- 11.

[16] Stormat. 4: 12: 81: 1- 88.

[17] انظر: ضد الهرطقات 1: 24: 3، 4.

[18] Refutation of all Heresies, I, 23.

[19] وترتليان هو أول من استعمل لفظ مونارخيًّا، كاسم لهذه الهرطقة (انظر: ضد براكسياس 10: 1).

[20] Expositio Fidei,1.

 

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

تحميل الكتاب PDF

 

لتحميل الجزء الأول إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

تحميل الكتاب PDF

لتحميل الجزء الثاني إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

كتاب البدع والهرطقات خلال عشرين قرنا – القس ابراهيم عبد السيد PDF

كتاب البدع والهرطقات خلال عشرين قرنا – القس ابراهيم عبد السيد PDF

كتاب البدع والهرطقات خلال عشرين قرنا – القس ابراهيم عبد السيد PDF

كتاب البدع والهرطقات خلال عشرين قرنا – القس ابراهيم عبد السيد PDF

تحميل الكتاب PDF

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

المؤرخ “أوسابيوس القيصري” الذي أطلع على معظم مؤلفات القديس يوستينوس، يقول، في كتابه “التاريخ الكنيسي”، 4،18،1 – 6، مما يلي: “لقد ترك لنا يوستينوس عدداً كبيراً من المؤلفات المفيدة التي تبرهن عن عمق تفكيره، وسعة علمه، وحماسه للأمور الالهيه.

أولها خطابه الموجه للأمبراطور “انطونيوس بيوس” ولأولاده، ولمجلس الشيوخ، والذي يدافع فيه عن عقيدتنا.

وثانيها خطابه الموجه لخلفه “انطونيوس فيروس”، والذى يدافع فيه عن أيماننا.

وثالثها خطابه لليونانيين حول طبيعة الشيطان التي كانت مجال أُخذ ورد من قبلنا ومن قبل فلاسفة اليونان.

ورابعها كتابه الموجه ايضاً الى اليونانيين الذي أسماه “الرد”، ويتناول فيه سلطة الله، مستنداً في ذلك على الكتب المقدسة وعلى كتب فلاسفة اليونان.

وخامسها كتابه “المزامير”.

وسادسها كتابه عن “النفس”، الذي يفند فيه تعاليم فلاسفة اليونان ليصل بعدئذٍ الى التعاليم لمسيحية ورأيها في ذلك.

وسابعها كتابه “الحوار مع اليهودي تريفون”، أحد مشاهير اليهود في ذلك الزمان، والذي حصل في مدينة أفسس، مؤكداً فيه على النعمة التي نالها قبل الله، والتي فتحت عينيه على الأيمان الحقيقي بعد أن فتش عن الحقيقة في المدارس الفلسفية المنتشرة في ذلك الوقت” (راجع آباء الكنيسة، مجموعة مين، م 20، عمود 373 ب – 376 أ).

ولكن هذه المؤلفات التي يذكرها “اوسابيوس” لم تكن كامله. فيوستينوس نفسه يذكر في كتابه “الدفاع الاول”، 26، 8، كتاباً بعنوان “ضد الهرطقات”. كذلك القديس “ايريناوس” يستشهد بكتاب له ضد “ماركيون” ويعود اليه، مستنداً الى ما جاء فيه، ويعتبره من أهم ما كتب في هذا الموضوع. ورغم ان هذه المؤلفات لم يصلنا منها سوى “الدفاع الأول” و “الدفاع الثاني”، و”الحوار مع اليهودي تريفون” كامله، غير أن أباء الكنيسه قد قد نقلوا إلينا بعض مقاطع من هذه المؤلفات الضائعه. وهناك مؤلفات اخرى قد نسبت إليه، وسنأتي على ذكرها في دراستنا هذه.

أ – الدفاع الأول.

يذكر يوستينوس نفسه أنه كتب “الدفاع الأول” بعد مرور مائةً وخمسسين سنه على ولادة المسيح، وهو موجه الى الإمبراطور “ماركوس أوريليوس” الذي اعتلى العرش سنة 147 مسيحية. والدافع لكتابة هذا الدفاع ما تعرض له المسيحيون في الإمبراطورية من عذاب وتنكيل وتشريد وأضطهاد وقتل، خصوصاً وإن أتهامهم بالملحدين والكافرين والمجرمين قد أحزن يوستينوس وجميع القيمين على شؤون الكنيسة في ذلك الوقت، الأمر الذي دفع به لرفع هذا الخطاب الى الإمبراطور الذي كان يعتبره رجل حكمه وعلم ورجل عدل وأنسانيه.

ففي الفصول الثلاثة الأولى، التي تعتبر كمقدمه، يتوجه يوستينوس الى الإمبراطور باسم المسيحيين جميعا، طالباً منه التدخل شخصياً لينظر في الأمر، دون الركون الى اقاويل الحساد، والأستماع الى الأصوات المغرضة والمشوشة التي تتحامل على ابناء دينه، محتجاً ضد لا شرعية مطاردة المسيحيين، وظلمهم ونعتهم بالكافرين، واعداء الدوله، والمجرمين.

اما القسم الأول، وهو الفصل الرابع ولغاية الفصل الثالث عشر، فيبدأ بالتأكيد على ألوهة المسيح وتعاليمه الحقيقية: “هذه التعاليم” التي تسلمناها من المسيح ومن الأنبياء الذين سبقوه، وهي وحدها الحقيقية، وهي أقدم من تعاليم كتابكم… فالمسيح يسوع هو حقاً ابن الله، وكلمته، وبكره، وقوته… وقبل ان يظهر بين الناس، فإن البعض، وتحت تأثير الشياطين، وبواسطة الشعراء، قد أعتبروا أساطيرهم المختلقه حقيقيه، وعلموها للناس”.

ثم يشدد يوستينوس على الموقف السلبي الذي تتخذه السلطه بالنسبه الى المسيحيين، متسائلاً: وهل كلمة “مسيحي” أو كلمة “فيلسوف”، تعني حضراً الأجرام أو البراءه؟ فالعقاب يجب ان لا يفرض إلا على الذين يذنبون أو يقترفون الجرائم. والمسيحيون ليسوا كافرين أو ملحدين، ولكنهم يرفضون عباد’ الآلهه لأنهم يعرفون أن الإله الحقيقي هو إلههم، وإيمانهم بالآخره، وخوفهم من العقاب الأبدي، يمنعانهم من ان يفعلوا الشر لأي انسان، وبالتالي يدعمون السلطة المدنية لكيلا يكون هناك خلل في المجتمع. لذلك، إنه من الظلم بمكان ان يؤخذ بافتراءات بعض الناس المشبوهين الذين لا هم لهم سوى ملاحقة المسيحيين وتقديمهم للموت.

واما القسم الثاني من الدفاع، وهو من الفصل الرابع عشر الى الفصل السابع والستين، فهو تبرير للديانه المسيحية.  إنه يؤكد، بنوع خاص، على العقيدة والطقوس الليتورجيا والأسس التاريخية والأسباب التي تفرض اعتناقها والعمل بها. فالنبؤات الالهيه تبرهن على أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية حسب أرادة الله الذي أحب ان يصلح الإنسانية ويجددها.

ولقد حاول الشياطين ان يمثلوا بأنبياء العهد القديم في طقوسهم الوثنية السرية. من هنا نجد بعض الشبه بين الديانة المسيحية وبعض الشعائر الوثنية، وبنوع خاص عن أفلاطون الذي أخذ كثيراً عن العهد القديم حيث نجد أفكاراً مسيحية في أفلاطونية. ثم ينتقل يوستينوس الى شرح سر العماد وسر الإفخارستيا والحياة المسيحية الاجتماعية.

أما الخلاصة، وهي الفصل الثامن والستون، فهي تنبيه مباشر للإمبراطور نفيه، بحيث أنه يعود الى البراءة التي بعث بها الإمبراطور “أدريانوس”، سنة 125، الى والي آسيا “مينوسيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) يعلن فيها القواعد الأربع التي من خلالها يجب ان يحاكم المسيحيون. وهذه القواعد هي التاليه:

اولاً: لا يحاكم المسيحيون إلا امام محكمه جزائيه وحسب الأصول القانونيه المتبعه.

ثانياً: لايصدر الحكم إلا اذا تأكد ان المتهمين قد أخطأوا ضد الشرائع الرومانيه.

ثالثاً: يجب ان يكون العقاب متناسباً مع طبيعة الجرائم ودرجاتها.

رابعاً: وكل اتهام خاطئ وفيه تحامل على المسيحيين يجب ان يعاقب صاحبه بشده.

هذه القواعد، او بالاحرى هذه الوثسقه التاريخيه، قد اتخذها يوستينوس مستنداً مهماً لينذر الإمبراطور وينبهه الى خطورة ما يتعرض له المسيحيون. ويعلق المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 8، 8، على ذلك قائلاً: ان يوستينوس كان يعرف ما ينتظره، لكنه كلمة الحق في وجه الإمبراطور.

ب- الدفاع الثاني.

يبدأ يوستينوس كتابة “الدفاع الثاني” بتذكير الرومانيين بما حدث أيام ولاية “أوربيكوس” في روما، فيقول: “ايها الرومانيون، لقد وقعت اخيراً، في مدينتكم، أحداث غريبه، أيام حكم اوربيكوس، كما وقعت أحداث اخرى في أماكن عديده من الامبراطوريه تبرهن عن ظلم الحكام، وهي غير عادله” (1، 1).

وفي الواقع، فان المؤرخين يؤكدون على أن يوستينوس تأثر جداً عندما عرف بان “أوربيكوس” قطع رأس ثلاثة مسيحيين، وذلك لأنهم مسيحيون وحسب، ولم تجد الهداله شيئاً ضدهم بالنسبه الى القوانين الرومانيه.

لذلك توجه الى الرأي العام الروماني محتجاً ضد العنف غير المبرر ورافضاً جميع الانتقادات التي كانت توجه الى المسيحيين. ورداً على بعض الرومانيين الذين كانوا يطلبون بهزء من المسيحيين الانتحار للقاء ربهم بسرعه، يجيب يوستينوس: “”ان ننتحر فذلك ضد ارادة الله. اما امام الحكام فاننا لا ننكر اننا نشتهي الموت لملاقاة الله وبالشهاده لأننا لسنا مخطئين، وبالتالي فاننا نعتبر عدم قول الحقيقه نوعاً من الزندقه والكفر” (2، 4). ثم يؤكد في مقطع آخر على ان الاضهادات ليست سوى عمل الشياطين التي تكره الحقيقه.

وكذلك في العهد القديم فان الابرار كانوا عرضه للاضهاد من قبل الوثنيين. ولكن ليفهم الجميع أن أحداً من هؤلاء الحكام لم تكن له سلطه على المسيحيين إن لم تعط له من الله، وذلك لكي يصلوا الى الفضيله والمكافأه بواسطة العذابات، والى الحياه والسعاده بواسطة الموت وإبادة الحياه. وكذلك ايضاً فان الإضطهادات تسمح للمسيحيين بان يبرهنوا، بطرق واضحة ومدهشه، عن تفوق ديانتهم وتساميها بالنسبة الى الوثنية. ثم ينهي دفاعه بالتوسل الى الإمبراطور لكي يكون عادلاً وشفوقاً ورحوماً ومحباً للحقيقه وهو يحكم على المسيحيين.

في هذا “الدفاع الثاني”، الذي حدده المؤرخون حوالي سنة 161 مسيحية، نرى ان يوستينوس لم يتطرق الى الفلسفة الرواقية كما في ” الدفاع الاول” بل طرح فلسفه افلاطون وتحدث عنها مسهباً. ففي “الدفاع الاول” عرض فلسفة “زينون” بكل ابعادها ومعطياتها، وناقشها وفندها، مستفيداً من المبادئ التي تلتقي مع المسيحية ليدعم طلبه امام الإمبراطور الذي كان اعتنق الفلسفة الرواقيه.

ولكن في “الدفاع الثاني” فاننا نلحظ موقفاً جديداً بالنسبه لوصول “ماركوس أوريليوس” الى السلطه رغم ان يوستينوس يعود دائما الى “الدفاع الاول” مذكراً بما قاله للإمبراطور سابقاً، مستشهداً بمقاطع عديده، الأمر الذي دفع المؤرخ “أوسابيوس القيصر” لاعتبار الدفاعين دفاعاً واحداً. فيوستينوس لم يرد ان يدافع عن المسيحية ومبادئها وتعاليمها في هذا “الدفاع الثاني” كما فعل في ” الدفاع الأول” بل كان هدفه الرد على بعض الوثنيين المتهتكين الذين كانوا ينصحون المسيحيين بالأنتحار للقاء ربهم كما ذكرنا، وبالتالي الرد على الذين كانوا يقولون لهم: لماذا لا يخلصكم ربكم من الأضطهاد. والأمر الظاهر بوضوح في هذا الدفاع هو افتخار يوستينوس بمسيحيته علناً اذ يقول: “انا مسيحي، وهذه عظمتي. وكل رغبتي هي ان اظهر ذلك.

وهذا لا يعني ان فلسفة أفلاطون هى غريبه عن تعاليم المسيح وحسب، بل هي بعيده كل البعد عنها، وكذلك فلسفة الرواقيين والشعراء والكتاب. واذا كان أحدهم قد عبر عن الحقيقه بطريقه أو باخري، فان ذلك يعود الى النعمه التي اعطاها لهم الله، ولكن حقيقتهم هي جزئيه. إنهم لا يملكون العلم المعصوم ولا المعرفه المتعذر دحضها. وكل ما قيل من حقيقه من قبلهم فهو ملك لنا نحن المسيحيين” (13، 2 – 4).

إذن “الدفاع الثاني” هو تكمله “للدفاع الأول”، وموقف مسيحي جريء في وجه الإمبراطور ووجه الحكام والمتطاولين على المسيحيين. إنه شهادة جرأه من قبل يوستينوس الذي يعتبر بحق من الآباء العظام الذين دفعوا دمهم ثمن جرأتهم. ولكن الكنيسه لم تثبت ولم تتشعب جذورها ولم تنمو لو لم يكن فيها امثال هذا الرجل الذي اعطاها دفعاً كبيراً في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. فموقفه كان مثلاً جليلاً بالنسبه الى الأجيال اللاحقه، ومدرسته خرَّجت العظام الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه الوثنية والوثنيين فيما بعد.

ج- الحوار مع اليهودي تريفون.

يُعتبر كتاب “الحوار مع اليهودي تريفون” أقدم منافحه مسيحية ضد اليهود. فالمؤرخون يؤكدون، وفي مقدمتهم “أوسابيوس القيضري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 18، 6، على أن هذا الحوار قد دار بين يوستينوس ويهودي مثقف لا يبعد ان يكون الحاخام “تارفون” حسب “الميشنا”، إحدى المدارس التفسيرية اليهودية للكتاب المقدس، وذلك في مدينة إزمير.

ولقد وضعه يوستينوس كتابةً ما بين سنة 150 و160 مسيحية، في روما، بعد كتابة “الدفاع الثاني”، وهو مؤلف من مئه واثنين وأربعين فصلاً أو باباً، وقد أهداه الى صديق له يُدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus pompeius).

وفي مقدمة الكتاب (2 – 8) يروي يوستينوس بالتفصيل نسأته الفكريه، مروراً بالمدارس الفلسفيه التي اطلع عليها، حتى يصل الى لقائه مع الشيخ المجهول على شاطئ البحر، ومن ثم ارتداده الى المسيحية.

وفي القسم الاول (9 – 47) يعرض الأفكار الرئيسيه وهى: بطلان العهد القديم وتعاليمه، والتأكيد على ألوهية المسيح الذي تكلم عنه الأنبياء ومن ثم تجسده في أحشاء مريم العذراء، وأخيراً دعوة الأمم ليصبحوا شعب الله المختار بعد ان بطلت الشريعه القديمه وابتدأت الشريعه الجديده مع المسيح. اما في القسم الثاني (48 – 108) فيبين، بواسطة تعاليم الأنبياء، ان عبادة المسيح لا تعاكس الايمان بالأله الواحد الحقيقي، ومن عبادة إله أبراهيم واسحق ويعقوب.

واما في القسم الثالث (109 – 142) فيبرهن على ان المسيحيين هم اسرائيل الحقيقي الذي ورث مواعيد العهد القديم. وفي النهايه يقول يقول يوستينوس: “إنني لا أهتم بعرض حجج وبراهن تستند الى المنطق وحسب، ولكن نعمه سماويه كانت لي من الله كي أفهم الكتب المقدسة” (الحوار، 58، 1).

الكتاب له قيمه تاريخيه مهمه. فاليهود، في منتصف القرن الثاني المسيحي، كانوا قوه لا يستهان بها، ولقد سعوا، بجميع الوسائل، للوقوف في وجه المسيحية والمسيحيين على السواء. ورغم ان يوستينوس يعرض عن ذكر ذلك، فانهم كانوا المحرضين الاساسيين على اضطهاد المسيحيين، نظراً للحقد الذي كانوا يضمرونه لهم. ولم يكن “تريفون” سوى صورة اليهودي التقليدي الذي كان يشدد على عودة اليهود، الذين اعتنقوا المسيحية، الى احضان اليهودية، وبالتالي يشدد على تعاليم التلمود والمدارس الربانيه التي كانت متبعه في ذلك الزمن.

إن يهوديته كانت يهوديه متزمته، بعكس يهودية “فيلون الأسكندري” التي كانت يهوديه منفتحه ومتسامحه، نظراً لانفتاح “فيلون” على الفلسفه اليونانيه التي أثرت عليه وأعطته بعداً فكرياً متحرراً. و”تريفون” هو تلميذ “موسى” بكل معنى الكلمه. إنه كان يقبل بان الوثنيين بامكانهم الوصول الى الخلاص، ولكن من خلال التزامهم بشريعة “موسى”، وهذا ما يذكره يوستينوس على لسانه: “أختن نفسك اولاً، ومن ثم التزم بالسبت وبالاعياد التي نحتفل بها، وبكلام آخر، اعمل بشريعة موسى، هكذا يكون لك الخلاص” (8، 4).

كما يقول عنه يوستينوس ايضاً: إنه كان يتقن العهد القديم بدقه، وبنوع خاص تعاليم التلمود. ولكن موقف يوستينوس من “تريفون” كان موقفاً صارماً، مؤكداً فيه على سمو المسيحية وتخطيها العهد القديم في كل شئ. وبينما نرى “ماركيون” يعيد المسيحية والكنيسة الى الاله الرحوم التي بشرت به اليهودية المتأخرة من خلال العهد الجديد، رافضاً الاله العادل التي بشرت به التوراة، إذا بيوستينوس لا يقبل إلا بتعاليم المسيح والرسل كما هى حرفياً.

إنه يؤكد على ان العهد القديم لم يكن سوى تهيئه للعهد الجديد، ويشدد على ان اليهود لا خلاص لهم إلا إذا تبعوا المسيح وتركوا شريعة “موسى” وكما في كتابيه “الدفاع الاول” و”الدفاع الثاني” حيث أكد على أن الفلاسفه بأمكانهم أن يوصلوا الوثنيين الى الأيمان، كذلك في الحوار مع اليهودي “تريفون” يبرهن على أن الأنبياء الذين نالوا الوحي من الله كانوا مقدمه وتهيئه للعقيدة المسيحية. ورغم أن جهوده لم تكلل بالنجاح، و”تريفون” لم يعتنق المسيحية، فان كتابه قد أثر بكثيرين من بعده، وربما كان سببا لأرتداد عددٍ كبير من اليهود.

كذلك، فان كتاب يوستينوس هو وثيقة تاريخيه مهمه ايضاً بالنسبة الى اليهود الذين اعتنقوا المسيحية وبقوا يمارسون الشعائر الدينية اليهودية. هؤلاء اليهود كانوا يعبدون المسيح ويؤمنون به الهاً، ومع ذلك كانوا يراعون شريعة موسى. من هنا نرى يوستينوس يعلن: “انا لست من رأيهم، وكثيرون من الذين يفكرون مثلي لا يوافقون على موقفهم. فالمسيح لم يأمرنا بان نخضع لتعاليم بشرية.

بل لتعاليم الانبياء الطوباويين الذين أعلنوا عن مجيئه” (الحوار، 48، 4). وفى الفصل الثمانين، العدد الخامس من الحوار، يقول: “أما بالنسبه لى والى المسيحيين الحقيقيين فان قيامة الجسد ستكون في اورشليم الحقيقيه كما أكد ذلك الأنبياء، وفي مقدمتهم “حزقيال واشعياء”. واذا تصفحنا الكتاب كله بدقه نرى ان الأستشهادات التي يوردها فيه هي استشهادات المقصود منها التذكير بان الله رفض أسرائيل واختار شعباً جديداً من الأمم.

فهاجس كنيسة المسيح كان يلاحقه في كل كلمه قالها او كتبها، والتأكيد على ان الشريعه الجديده هي شريعة المسيح الاله المخلص الذي يجب ان يؤمن به اليهود والوثنيون على حد سواء لكي يحصلوا على الخلاص. هذا باختصار موضوع الحوار.

د – القيامه (البعث)

القديس “يوحنا الدمشقي” يذكر في كتابه “المقارنة المقدسة” ان القديس يوستينوس قد كتب كتاباً عن القيامه، ويستشهد ببعض مقاطع منه. كذلك “بروكوبيوس القيصري” يذكر ايضاً ان يوستينوس الفيلسوف والشهيد له كتاب عن القيامه، وقد شرح فيه ما ورد في الانجيل، معلقاً على قيامة المسيح وقيامة الموتى والمجد الذي ينتظرهم. وفي القرن الثالث المسيحي كتب “ميتوديوس الأولمبي” كتاباً بعنوان “الأصوات الشجية” ذكر فيه كتاب يوستينوس عن القيامه حيث يعلق هذا الأخير على الفصل العاشر من رسالة القديس بولس الأولى الى القورنثيين.

ورغم ان المؤرخ “اوسابيوس القيصري” لم يذكر هذا الكتاب بين الكتب التي تحدث عنها عند يوستينوس، فان جميع المؤرخين الآخرين يؤكدون على ذلك. اما الآن فانه لا يوجد بين ايدينا مقطع واحد من هذا الكتاب.

هـ – ضد الهرطقات والبدع

هذا الكتاب يذكره يوستينوس في كتابه “الدفاع الأول” وكان قد ألفه سابقاً. ولكنه لم يصل إلينا. لكن “ترتوليانوس القرطاجي” يستشهد ببعض مقاطع منه، معتبراً يوستينوس أقدم مدافع عن العقيدة المسيحية ضد الهرطقات والبدع. ويذكر المؤرخون ان هذا الكتاب كان أداه مهمه في يد الذين وقفوا في وجه هذه الهرطقات والبدع في القرنين الثاني والثالث المسيحيين.

و ــ ضد ماركيون

القديس “ايريناوس”، أسقف مدينة ليون، يستشهد مرتين بهذا الكتاب في كتابه “ضد الهرطقات”، 4، 6، 2. ويؤكد ايضاً على ان كتاب يوستينوس “ضد ماركيون” هو أهم ما كُتب ضد هذه البدعه التي ضربت الكنيسه وأثرت عليها في القرنين الاول والثاني. كذلك المؤرخ “اوسابيوس القيصري” يذكر ما ذكره القديس “ايريناوس” لا أكثر ولا أقل. لذلك تساءل الباحثون أنه فصل من كتاب وليس كتاباً منفرداً على كل حال الكتاب لم يصلنا ولا نعرف عنه الآن سوى ما ذكره القديس “ايريناوس” وحسب.

زــ الخطاب إلى اليونانيين.

هذا “الخطاب الى اليونانيين” الذي يذكره المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس نسب خطأ إليه، ولقد وصلنا بترجمه سريانيه مع بعض الحواشي والتعليقات والشروحات. والمترجم السرياني الذي يدعى “أمبروسيوس” نقله عن اليونانيه، ولكن ليس عن نصٍ كامل كما يذكر ذلك في المقدمة، ولكن عن بعض مقاطع تحمل اسم يوستينوس الروماني كما كان معروفاً في ذلك الزمان.

والعالم “بويش” (Puech) يعتقد ان هذا الخطاب كُتب ما بين سنة 180 و210 مسيحية، وهو مقاله نقديه أكثر منها مقاله دفاعيه (راجع بويش: المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي، باريس، 1912، ص 299). اما العالم “هارناك” (Harnack) فينفي كلياً ان يكون هذا الخطاب من يوستينوس نظراً الى أن لغته الأدبيه هي بعيده كل البعد عن لغة يوستينوس، وبالتالي فان الموضوع الذي يطرحه الخطاب لا يتوافق مع نفسية القديس الشهيد. على كل حال كان من الضروري ذكر ذلك لأن هذا الخطاب لم يزل يعرف باسم يوستينوس لغاية الآن رغم تأكيدات العلماء ونفيهم انتسابه إليه.

ح ــ الأرشاد الى الوثنيين

” الارشاد الى الوثنيين” او “الارشاد الى اليونانيين”، الذي ذكره المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس، هو عباره عن دراسته مقارنه بين الديانة الوثنية والديانة المسيحية يحاول من خلالها المؤلف ان يدحض تعاليم الوثنية، مبرهناً على ان الديانة المسيحية هي الديانة الحقيقية، وإن تعاليم المسيح هي بحق تعاليم ابن الله الذي نزل الى الأرض ليخلص البشرية ويعيدها الى الفردوس بعد خطيئة آدم.

ورغم ان المؤرخين يتكلمون عن هذا الكتاب من خلال كلامهم عن مؤلفات يوستينوس، غير أن الدراسات العلمية الأخيرة التي قام بها العالمان “بويش” و”هارناك” تنفي ان تاريخ تأليفه يعود الى مابين سنة 260 وسنة 300 مسيحية، والمؤلف هو، حسب تقديرهما، “أبوليناريوس اللاذقي” الذي عاش في تلك الفتره والفه ونسبه ليوستينوس الروماني. وبذلك يكون اعتقاد “أوسابيوس القيصري” اعتقاداً خاطئاً. وبانتظار ان تتم اكتشافات جديده حول هذا الكتاب، فانه يبقي من ضمن مجموعة مؤلفات يوستينوس، ونحن مضطرون لذكره في سياق دراستنا هذه.

ط ــ السلطة

هناك كتاب آخر حول سلطة الله ووحدانيته يذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته عن يوستينوس. وهذا الكتاب يؤكد على وحدانية الله بواسطة إستشهادات من الآداب الوثنية نفسها التي تتكلم عن وحدة الله، والتي عرضها يوستينوس ليعيد الوثنيين الى المسيحية. ولكن الدراسات الحديثة التي قام بها بعض اللاهوتيين أمثال “شورر” (Schurer) و”بويش” (Puech) قد اثبتت ان النصوص نفسها منحوله، وان الكتاب قد نسب عمداً الى يوستينوس.

ولقد كتبه مؤلف مغمور في نهاية القرن الثاني المسيحي ليدعم فكرة يوستينوس نفسه، وليؤكد على وحدانية الله في وجه تعدد الآلهه في العالم الوثني. اما تأكيد المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحته فلم يكن له اساس، رغم ان البعض من العلماء يدرجون هذا الكتاب تحت اسم يوستينوس لغاية الآن. لذلك نحن ندرجه ايضاً هنا عملاً بالتقليد حتي تتوضح نهائياً حقيقة مؤلفه والغايه التي توخاها من استعارة اسم يوستينوس لهذا الأمر.

ى ــ كتاب المزامير

هذا الكتاب الذي هو تفسير للمزامير قد ذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته، ولكن الأجيال اللاحقة لم تطلع عليه، وبقي مفقوداً لغاية الآن.

ك ــ كتاب النفس

هذا الكتاب قد ذكره ايضاً “اوسابيوس القيصري” في لائحته، واعطى خلاصه عن فحواه. ولكنه فقد في ما بعد، ولم يتوصل اللاهوتيون لغاية  الآن الى معرفة شئ عنه.

ل ــ تفسير رؤيا يوحنا

القديس “إيرونيموس” يذكر في الفصل التاسع من كتابه “الرجال العظام” ان يوستينوس قد ترك لنا كتاباً مفصلاً هو كنايه عن شرح وتعليق على رؤيا القديس يوحنا الرسول. ولكن هذا الكتاب لم يصلنا ايضاً.

هذه الكتب، وغيرها من الكتب المنحوله التي يذكرها التاريخ تحت اسم يوستينوس، والتي لا مجال لذكرها هنا لأن الدراسات العلميه لم تجزم بعد في مدى نسبتها اليه، كانت مرجعا مهماً في القرون الأولى للكنيسة، استعملها المدافعون عن العقيدة للرد على المتحاملين على المسيحية والطاعنين بتعاليمها. وان دلت على شئ، فانها تؤكد لنا على قيمة هذا الرجل العظيم الذي نفذَ بعقله الى جوهر الكنيسه التي أقام بانيها في اعماقه، وأحاط كفيلسوف بكل ما يدور حولها وما يحاك لها.

والحقيقه ان ما من أحدٍ كان معداً مثله لتلك المجابهه الكبرى. فلقد توغل في افكار الفلاسفة، وزاول الفلسفة وأحبها الى أبعد الحدود، وعرفها من الداخل، ولم يبحث عن الحقيقة إلا لكي يعيشها. عانى الكثير في سبيلها، فقام برحلات بعيده واحتمل المشاق في سعيه الى المعرفة المثلى.

ولكونه تعذب في الطريق، نكتشف عنده زهداً مذهلاً، زهداً هو بعينه الشهاده التي لا تخدع ولا تكذب. سما باخلاقه، ومال الى الدقه التاريخيه، وتأثر بلين الجدليه عند الهلينيين، وبالتدقيق في فن الحوار الذي يرتفع بالعقل من المحسوس الى المعقول، حتي وصلت به الحكمه الى الحقيقه التي تنتهي عند قدمي الله. لم يرفض فكر افلاطون، بل أدخله الكنيسه، ولطالما أعلن ان الفلاسفه مسيحيون دون علم منهم. فكلمة الله هي التي تنير العقول، مما يفسر وجود اجزاء من الحقيقه عن كلٍ من هؤلاء الباحثين والمفكرين، فيما يمتلك المسيحيون كلمة الله كامله غير منقوصه.

وهنا يجدر التوقف عن حقيقة نوه بها المؤرخون، وهي ان تعليم الفيلسوف المسيحي أرغم السلطات والمفكرين على ان يقيموا للمسيحية وزناً كبيراً، فاكتسب الفكر الانجيلي بفضله حق الحضور الفاعل في عاصمة الامبراطورية روما.

ولقد جاء استشهاده ليثبت بالدليل القاطع ان نشاطه أرهب حكام روما فتخوفوا من امتداد نفوذه وانتشار تعاليم المسيح في ارجاء الأمبراطوريه، اذ حصر جهوده كلها في اثبات صحة الايمان المسيحي، متسلحاً بالمجادله خلال محاربته الهراطقه إذ كانت دائرة الهراطقه قد اتسعت وبدأت تشكل خطراً أكيداً على العقيدة الصحيحة. ألم يعبر القديس “ايريناوس” أسقف مدينة ليون، بعد خمسين سنه على أستشهاد يوستينوس، عن اعجابه واجلاله لمن هو حقاً رائداً في هذا المجال؟ ويهمنا التأكيد هنا على ان يوستينوس لم يُعن يوماً بالاسلوب الأدبي، بل كان همه شرح العقيدة وايصالها الى سامعيه. خطته في الكتابة فضفاضة، ومسيرته في شرح أفكاره تعيقها الاستطرادات الكثيره والرجوع الدائم الى الوراء.

ورغم هذه الشوائب فان كتاباته لها علينا سحر عجيب تصعب مقاومته عندما نكتشف نفسه المنفتحه، المستقيمه، الساميه باستمرار الى تفهم الخصم. فلقد آمن دائماً بأن “كل انسان يمكنه قول الحقيقه، واذا لم يفعل ذلك فان الله سيحاسبه يوم الدينونه” (الحوار مع اليهودي تريفون، 82). ولا يفوتنا هنا أنه اول كاتب مسيحي مد الجسور بين المسيحية والفلسفة والوثنية.

فاستقامة نفسه وشفافيتها حركت شعور الكثيرين من حوله، وطرافته ارتكزت على التجديد في المجهود اللاهوتي مما جعله يقنع محاوريه بان الدين الجديد هو دين الحق الذي بشر به الانبياء، قد وحد العهدين القديم والجديد.

وهكذا بقي يوستينوس، من خلال مؤلفاته، المرجع المهم لمرحله من أهم مراحل المسيحية، كان فيها الرائد لكثيرين أتوا بعده وتمنطقوا بالحكمه والعلم والشجاعه والجرأه والخلقيه والرؤيا التي كانت جميعها مناره لكل من وقف سداً منيعاً في وجه المسيحية، والتي وضع اسسها هو في منتصف القرن الثاني المسيحي.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

القديس ابيفانيوس صائد الهرطقات

القديس ابيفانيوس صائد الهرطقات

القديس ابيفانيوس صائد الهرطقات

كتاب القديس ابيفانيوس صائد الهرطقات للقمص اثناسيوس فهمي جورج

 

للتحميل اضغط هنا
Exit mobile version