سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

الفصل الأول: جغرافية سفر مكابيين الأول

مقدمة:

جاء في سفر مكابيين الأول أن الأسكندر المقدونى اعتزم في عام 336ق. م القضاء على الدولة الفارسية، وسرعان ما ظهرت مهارته الحربية في كافة الحروب فأخضع أولاً الولايات الأغريقية ثم تقدم نحو آسيا الصغرى ليلاقى قوة فارس وتحقق له النصر على داريوس الثالث الملك الفارسي عام 331 ق. م ثم زحف إلى سوريا واستولى على دمشق وفتح صور واستولى على عكة وأشدود وأشقلون وغزة ودخل أورشليم في موكب حافل تسوده موجة من التسامح الدينى ومن بعدها توجه نحو مصر فدخلها دون مقاومة.

وبعد موت الأسكندر تنازع على السلطة أربعة من قواده وكانت مصر من نصيب البطالسة أما سوريا فأخذها السلوقيون، إلا أنه في عام 280 ق. م إستأثر بطليموس الثاني بحكم فلسطين وأنشأ فيها مدناً يونانية ولكن لم يمض زمن طويل حتى أسترجع السلوقيون السيادة على فلسطين وجعلوا أنطاكية على نهر العاصى العاصمة الجديدة للدولة السلوقية.

وفى عام 175 ق. م أعتلى العرش أنطيوخوس الرابع الذي كان بمثابة عصا تأديب للأمة اليهودية التى تركت عهودها مع الله وكسرت وصاياه.

دخل أنطيوخوس أورشليم بجيش كثيف (1مك 22:1) دخل المقدس بتجبر وأخذ مذبح الذهب مع جميع أدواتها ومائدة التنضيد والمساكب والجامات ومجامر الذهب والحجاب والأكاليل والحلية الذهبية التى كانت على وجه الهيكل وحطمها جميعاً وأخذ الفضة والذهب والآنية النفيسة وأخذ ما وجد من الكنوز، أخذ الجميع وأنصرف إلى أرضه (1مك 24:1) وبعد سنتين من الزمان أرسل الملك رئيس الجزية إلى مدن يهوذا فضرب أورشليم ضربة عظيمة وأهلك شعباً كثيراً في إسرائيل وسلب غنائم المدينة وأحرقها بالنار وهدم بيوتها مع أسوارها.

في ظل هذه الظروف كان لابد من أن الضغط من حكام سوريا يفجر صرخات الغضب بين اليهود حتى قاد حركة المقاومة القتالية كاهن غيور من النسل المبارك والدم الكهنوتى انتهت بأن حكمت الأمة اليهودية الأسرة الحسمونية بزعامة كاهن يسمى متتيا من قرية تسمى مودين وتعرف الثورة باسم الثورة المكابية التى بدأت عام 167 ق. م.

 

أولاً: مودين

هي البلدة التى كان يقيم فيها متتيا الكاهن وهو ابن يوحنا ابن سمعان من بني يوياريب وتقع البلدة إلى الجنوب الشرقى من مدينة يافا الواقعة على ساحل البحر المتوسط وتبعد نحو 17 ميلاً شمال غربى أورشليم.

 

ثورة متتيا (متاثياس) عام 167ق. م

في تلك الأيام خرج متتيا من أورشليم وهو متتيا ابن يوحنا ابن سمعان كاهن من بني يوياريب وسكن في مودين. متتيا اسم عبري معناه ” عطية الرب ” وكان له خمسة بنين يوحنا الملقب بكديس وسمعان الملقب بالطسى (عبثى الغيور) ويهوذا الملقب بالمكابي والعازار الملقب بأوران ويوناثان الملقب بأفوس.

بدأ متتيا الجهاد بأن خرج إلى البرية هو وأبنائه ونزل معه كثيرون إلى البرية ممن يبتغون العدل والحكم فهاجمتهم قوات الملك في يوم السبت وقتلت منهم الكثيرين ممن كانوا في المختبآت ومات متتيا في هذه الظروف وقام بعده ابنه يهوذا المكابي.

يهوذا المكابي:

جمع يهوذا كل أخوته وجميع الذين كانوا قد انضموا إلى أبيه وكان يهوذا كالأسد في حركاته وكالشبل الزائر على الفريسة فلما جاء ” أبلونيوس ” بجيش عظيم من السامرة ليحارب إسرائيل أنقض عليه يهوذا وقتله وأنهزم الباقون وأخذ يهوذا سيف أبلونيوس وحارب به كل الأيام.

وسمع ” سارون ” قائد جيش سوريا فجمع جيشاً كبيراً ليقاتل يهوذا والذين معه ودنوا إلى عقبة بيت حورون فقال أتباع يهوذا كيف نطيق قتال مثل هذا الجمع القوى ونحن نفر يسير فقال يهوذا ” سواء عند إله السماء أن يخلص بالكثيرين وبالقليلين ” وهجم جيش يهوذا على جيش سارون وهزمه هزيمة منكرة فتتبعه يهوذا إلى عقبة بيت حورون وسقط منهم ثمانى مائة رجل وفر الباقون إلى ارض فلسطين.

 

ثانياً: بيت حورون

معناها بيت المغاير وفى هذه المنطقة جرت معارك وأحداث تاريخية هامة مثل انتصار يشوع على الأموريين وضربهم ضربة عظيمة في جبعون وطردهم في طريق عقبة بيت حرون، وهناك بيت حورون العليا وبيت حورون السفلى على الطريق من أورشليم إلى يافا هذا الطريق مطروقاً منذ أيام يشوع وعلى هذا الطريق انهزم القائد السورى سارون أمام يهوذا المكابي (1مك 13:3) وبعد ذلك بست سنوات انهزم أيضاً ” نكاتور ” بعد تقهقره عن أورشليم وقتل هناك (1مك 39:7).

 

أنطيوكس الرابع والثورة المكابية:

بلغت أنباء الثورة أنطيوكس ولكنه لم يستطيع الذهاب بنفسه لإخمادها لانشغاله باضطرابات أكثر خطورة في أرمينية وفارس فأمر ليسياس الحاكم على الجزء الغربى من المملكة والوصى على أبنه بإنهاء التمرد وإبادة الجيش اليهودى فأختار ليسياس بطلماوس ونكاتور وجرجياس رجالاً ذو بأس من أصحاب الملك ومعهم أربعين ألفاً من المشاه وسبعة آلاف فارس ومعهم عدد من التجار حتى يشتروا بني إسرائيل عبيداً لهم.

إلا أن يهوذا المكابي جمع جيوشه في المصفاة قبالة أورشليم وهزم جيوش جرجياس المجتمعة جنوب عمواس هزيمة ساحقة وتعقبهم إلى جازر وسهول أدوم وأشدود وكان في ذلك اليوم خلاص عظيم لإسرائيل. وتعد عمواس من أهم المدن التى تسيطر على ملتقى الطرق في الطرف الشرقى من وادى عجلون وبإنتصار يهوذا المكابي على قوات جرجياس في عمواس انفتح أمامه الطريق إلى بيت صور وحبرون.

 

ثالثاً: المصفاة

كلمة عبرية معناها ” برج مراقبة ” بالقرب من الرامة. في المصفاة جمع صموئيل النبى كل بني إسرائيل ليصلى لأجلهم لينصرهم الرب على الفلسطينيين وجمعهم مرة أخرى ليمسح شاول ملكاً وفيها جمع يهوذا المكابي جيشه لأن المصفاة كانت من قبل هي موضع الصلاة لإسرائيل (1مك 46:3).

 

رابعاً: جازر

ومعناها في العبرية ” نصيب أو مهر ” وهي مدينة كانت ذات أهمية عسكرية في العصور القديمة ويرجح أن اسم المدينة الحديث تل جازر أو تل الجزيرة ويبلغ طول قمة التل نحو 1700 قدم بعرض من 300 500 قدم وعند سطحه تقع الطرق المؤدية إلى أورشليم شرقاً وإلى بيت حورون شمالاً ويمر بالسهل المحيط بالتل الخطوط الحديدية من يافا إلى أورشليم.

خامساً: أدوم

معنى أدوم ” الأحمر ” ويحدها من الشمال حدود إسرائيل الجنوبية ومن الجنوب عصيون جابر ومن الغرب وادى العربة بينما تمتد شرقاً إلى الصحراء وفى زمن يهوذا المكابي كان يسكن المنطقة الغربية الأدوميون سكان أدومية وقد حاربهم يهوذا وقد أخذ حبرون أهم مدنهم (1مك 4:20).

 

سادساً: أشدود

ومعناها ” حصن أو قوة ” وهي أحدى المدن الفلسطينية الخمس الكبرى وتقع إلى الغرب من أورشليم وكانت تتمتع بالاستقلال في أيام صموئيل النبى عندما أخذ تابوت العهد بعد هزيمة الإسرائيليين إلى بيت داجون في أشدود ونقرأ في سفر المكابيين أن يهوذا ويوناثان قد أخذا المدينة وطهراها من الأوثان (1مك 68:5) وهي التى ذهب إليها قيلبس بعد أفتراقه عن الخصى الحبشى وفى القرن الرابع الميلادى أصبحت مقراً للأسقفية وهي الآن قربة صغيرة على بعد نحو 18 ميلاً شمال شرقى غزة.

هزيمة ليسياس في بيت صور:

بلغت أنبياء هزيمة جرجياس إلى مسامع ليسياس فجمع جيشاً من ستين ألفاً من المشاة وخمسة آلاف من الفرسان ونزلوا إلى بيت صور فلاقاهم يهوذا في عشرة آلاف وصلى يهوذا وقال ” مبارك أنت يا مخلص إسرائيل الق هذا الجيش في يد شعبك ” ودارت المعركة فهزم ليسياس هزيمة منكرة في بيت صور (1مك 34:4) وسقط من جيش ليسياس خمسة آلاف وصرعوا أمامهم.

 

سابعاً: بيت صور

أى ” بيت الصخر ” وقد يكون معناها بيت الإله صور في جبال يهوذا بناها بنو معون من نسل حبرون من بني كالب وقام رحبعام بتحصينها وقد أصبحت مدينة هامة في عصر المكابيين تقع إلى الشمال من حبرون بنحو أربعة أميال ونصف ويقول المؤرخون أنها أمنع مدينة في كل اليهودية تغير اسمها في العصر البيزنطى إلى برج صور.

 

عيد التجديد:

استعاد يهوذا كل أرض اليهودية ماعدا القلعة في أورشليم وقام بتجديد الهيكل وتدشينه وأعاد الذبائح اليومية في الخامس والعشرين من شهر كسلو (الشهر التاسع من السنة العبرية) ويوافق شهر كسلو المدة من منتصف نوفمبر إلى منتصف ديسمبر وكان هذا هو منشأ عيد التجديد أو عيد الأنوار.

غضبة الأمم من تدشين الهيكل

لما سمعت الأمم أنه قد بني المذبح ودشن المقدس استشاطوا غضباً وطفقوا يهلكون من الشعب وكان يهوذا يحارب بني عيسو في أدوم عند أقربتين (ويذكر يوسيفوس أنها جنوب شرقى شكيم) لأنهم كانوا يضيقون على إسرائيل فضربهم ضربة عظيمة، وتذكر شر ” بني بيان ” الذين كانوا شركاً ومعثرة للشعب يكمنون له على الطرق (1مك 4:5) فألجأهم إلى البروج وحاصرهم وأحرق بروجهم وكل من كان فيها بالنار.

 

بنو بيان:

اسم قبيلة كانت تقطن المنطقة بين أدوم وبنى عمون وكانوا من المتآمرين ضد بني إسرائيل وضد إعادة بناء أسوار أورشليم (نح 7:4-8).

وعبر يهوذا إلى بني عمون فصادف عسكراً قوياً وشعباً كثيراً تحت قيادة تيموثاوس فواقعهم في حروب كثيرة فأنكسروا أمامه فاوقع بهم وفتح يعزير وتوابعها ثم عاد إلى اليهودية.

 

ثامناً: يعزير

اسم عبري معناه ” يعين ” وتقع كما يقول يوسيفوس غربى ربه عمون بنحو عشرة أميال. وواجهت يهوذا عدة أخطار:

1 الخطر الأول أن الأمم الذين في جلعاد اجتمعوا على من كان من إسرائيل في تخومهم ليبيدوهم ففروا إلى حصن دياتما فأرسلوا إلى يهوذا لينقذهم.

وهو حصن في جلعاد لجأ إليه اليهود هرباً من الأمم الغزاه واستنجدوا بيهوذا المكابي فقام هو وأخوه يوناثان ورجالهما وعبروا الأردن وساروا مسيرة ثلاثة أيام في البرية واستولوا على باصر إلى الشرق من جبل نبو ثم قاموا من هناك ليلاً وساروا إلى الحصن وأنقذوا أخوتهم من يد جيش تيموثاوس.

2 الخطر الثاني يتعلق باليهود الذين في أرض طوب فقد قتلوا وسُبيت نساؤهم وأمتعتهم.

ومنطقة طوب اسم مكان بمعنى الطيب في شرقى الأردن إلى الشمال من نهر اليرموك في منطقة حوران وقد انجد يهوذا المكابي اليهود الذين في طوب وأنقذهم من يد اليونانيين.

3 الخطر الثالث يتمثل في يهود جاءوا من الجليل بثياب ممزقة وقالوا له أن الأمم قد اجتمعوا علينا في بطلمايس وصور وصيدا وكل جليل الأمم ليبيدونا فأرسل إليهم يهوذا أخاه

سمعان ومعه ثلاث آلاف وناصب الأمم حروباً كثيرة فانكسرت الأمم من وجهه فتبعهم إلى باب بطلمايس وسقط منهم ثلاث آلاف رجل وسلب غنائمهم وأخذ سمعان اليهود من الجليل وعاد بهم إلى اليهودية بسرور عظيم.

 

تاسعاً: بطلمايس (عكا)

عكا كلمة فينيقية معناها رمل ساخن وكانت في الأصل تقع على تل الفواخير وهو من أهم التلال على الساحل الفينيقى. تغير اسمها إلى بطلمايس في عصر السلوقيين الذين جعلوا منها قلعة حصينة.

وفى العصر الرومانى أصبحت مدينة لها استقلالها الذاتى. ورغم أهميتها التجارية إلا أن هذه الأهمية لم تلبث أن انتقلت بعد ذلك إلى حيفا.

 

عاشراً: صور

اسم سامي معناه ” صخر ” ميناء على الساحل الشرقى من البحر المتوسط على بعد نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب من صيدا ونحو 45 كيلومتراً إلى الشمال من عكا. وكان ملكها حيرام صديقاً لداود الملك واستمرت الصداقة في عهد سليمان الذي أرسل إليه خشب أرز وخشب سرو لبناء الهيكل.

وقد زارها بولس الرسول في طريق عودته من آسيا الصغرى إلى أورشليم ومكث بها سبعة أيام إذ وجد بها تلاميذ (أع 3:21).

 

حادى عشر: صيدا

اسم سامي معناه مكان الصيد. وجاء ذكرها في سفر يشوع باسم صيدون العظيمة وتقع شمالى صور بنحو 40 كيلومتراً، وفى أثناء سفر بولس الرسول إلى روما رست السفينة في ميناء صيدا حيث عامل يوليوس قائد المئة الرسول بولس بالرفق وإذن له أن يذهب إلى أصدقائه ليحصل على عناية منهم (أع 3:27) مما يدل على أنه كان بها كنيسة مسيحية منذ زمن مبكر وقد اشترك أسقفها في مجمع نيقية عام 325م.

أنتصارات يهوذا في جلعاد:

عبر يهوذا وأخوه يوناثان نهر الأردن وسارا مسيرة ثلاثة أيام في البرية وهناك سمعا أن أخوتهما في أرض جلعاد قد حوصروا في بصرة وباصر وعليم وكسفور ومكيد وقرنائيم فسار يهوذا جهة البرية إلى باصر فاستحوذ على المدينة وقتل كل ذكر بحد السيف وسلب جميع غنائمهم واحرق المدينة بالنار.

ثانى عشر: باصر

كلمة عبرية معناها ” حصن أو قوى” تقع في تخوم موآب شرقى جبل نبو وكانت أحدى مدن الملجأ التى أفرزها موسى في سبط رأوبين في شرقى الأردن.

ثم أنصرف يهوذا إلى المصفاة وحاربها وقتل كل ذكر بها وأفتتح كسفور ومكيد وسائر مدن جلعاد.

ثالث عشر: بصرة

اسم عبري معناه ” حظيرة ” وهي من أقوى الحصون في النصف الشمالى من أدوم على بعد نحو ثلاثين ميلاً إلى الشمال من بترا وكانت تتحكم في الطرق المؤدية إلى العريش وميناء إيلات ويرجع أنها كانت عاصمة لأدوم في بعض العهود.

رابع عشر: كسفور

مدينة في شرقى الأردن وكانت أحدى المدن التى حصر فيها السلوقيون كثيرين من اليهود حتى جاء يهوذا المكابي وأقتحم المدينة وأطلق صراح أخوته. ” يظن أن موقعها الآن هو كسفين ” شرقى بحر الجليل.

خامس عشر: مكيد

مدينة حصينة في شرقى الأردن في أرض جلعاد وقد فتحها يهوذا المكابي وأنقذ اليهود الذين كانوا محاصرين فيها ومهددين بالقتل.

سادس عشر: قرنايم

وتسمى عشتاروت قرنايم ولعلها سميت بهذا الأسم لوجود تمثال بها لعشتاروت كان له قرنان وكانت مدينة حصينة في عهد المكابين ويظن أن موقعها الآن هو ” الشيخ سعد ” على بعد نحو 32 كيلو متراً إلى الشرق من بحر الجليل وتدل الحفريات على أنها كانت مدينة كبيرة محاطة بثلاثة أسوار استحقت أن توصف بأنها مدينة منيعة

 

يهوذا يواصل انتصاراته:

 ذكرنا أن يهوذا مضى إلى المصفاة وحاربها وأفتتحها وقتل كل ذكر فيها وسلب غنائمها وأحرقها بالنار.

والمصفاة كلمة عبرية معناها مرقب أو برج مراقبة أو مكان مرتفع يستطيع الإنسان أن يرى منه إلى مدى بعيد من كل جانب. وهي موضع في أرض جلعاد كانت تسمى مصفاة جلعاد وكانت أحدى مدن الملجأ.

وبعد هذه الأمور جمع تيموثاوس جيشاً آخر ونزل قبالة رافون وهي رافانا الواقعة في أعالى اليرموك على بعد 17 ميلاً إلى الشمال من درعا فعبر يهوذا إلى رافانا ومعه كل الشعب فأنكسر تيموثاوس وفر من معه إلى المعبد الذي في قرنايم فاستولى اليهود علي المدينة واحرقوا المعبد مع كل من كان فيه وانكسر أهل قرنايم ولم يطيقوا الثبات أمام يهوذا.

 

سابع عشر: عفرون

بلغ يهوذا إلى عفرون وهي مدينة حصينة تبعد 12 ميلاً إلى الجنوب الشرقى من بحر الجليل وقد رفض سكانها السماح ليهوذا ومن معه أن يجوزوا في وسطها وأغلقوا الأبواب على أنفسهم وردموا الأبواب بالحجارة فأقتحم الإسرائيليون المدينة وقتلوا كل ذكر فيها بحد السيف وسلبوا غنائمها.

عودة يهوذا المكابي إلى أرض يهوذا:

 

عظم الرجل يهوذا وأخوته جداً في عيون كل إسرائيل وجميع الأمم التى سار إليها ذكرهم (1مك 63:5) وخرج يهوذا وأخوته وحاربوا بني عيسو في أدوم أرض الحنوب وهي المنطقة الممتدة جنوب تخم إسرائيل حتى عصيون جابر وتمتد غرباً إلى وادى العربة.

وضرب يهوذا حبرون وهي من أقدم مدن فلسطين وتدعى الآن الخليل وكان يطلق عليها قديماً قرية أربع وجاء في (تك 8:13) أن إبرآم أقام عند بلوطات ممراً التى في حبرون وأمضى اسحق ويعقوب سنين عديدة من حياتهم في حبرون ومنها أرسل يعقوب ابنه يوسف للسؤال عن أخوته ومنها أيضاً نزل يعقوب وأولاده إلى مصر (تك 1:46) وضرب يهوذا حبرون وتوابعها وهدم سورها وأحرق البروج التى حولها.

وسار قاصداً أرض الأجانب وجال في السامرة ثم توجه إلى أشدود في ارض الأجانب وهي أحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى على بعد نحو 18 ميلاً شمال شرقى غزة وقد أخذ تابوت العهد بعد هزيمة الإسرائيليين إلى بيت داجون في أشدود (1صم 1:5) وجاء في (1مك 68:5) وفى (1مك 84:10) أن يهوذا ويوناثان قد أخذا المدينة وطهراها من الأوثان.

وقد ذهب إليها فيلبس الرسول بعد افتراقه عن الخصى الحبشى وفى القرن الرابع الميلادى أصبحت مقراً للأسقفية.

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

نهاية انطيوخوس أبيفانوس:

كان انطيوخوس الملك يجول في الأقاليم العليا فسمع بذكر المايس وهي مدينة بفارس مشهورة بأمواله من الفضة والذهب وأن فيها هيكلاً فيه كثير من الأموال وفيه أسلحة الذهب والدروع التى تركها هناك الأسكندر الأكبر ولكن قاومه أهلها وقاتلوه فهرب من هناك راجعاً إلى بابل.

 

ثامن عشر: ألمايس

وهي على الأرجح عيلام في العهد القديم وقد اطلق الاسم على مقاطعة في بلاد فارس جنوبى ميديا وكانت شوشن تقع في دائرتها ولا يعلم شئ عن تاريخها وملوكها وتفيد النقود أن سكانها كانوا يتكلمون الآرامية وجاء في سفر المكابيين أن المدينة كانت غنية وأنها في بلاد الفرس (2مك 1:6).

أما انطيوخوس فجاءه وهو في فارس رسول ينبئه بأن الجيوش التى أرسلها إلى أرض يهوذا قد انكسرت وأن ليسياس قد انهزم من أمامهم فاغتم أنطيوخوس أبيفانوس وأرجع هزيمته إلى ما أرتكبه من مساوئ تجاه أورشليم واخذه أنية الذهب والفضة التى كانت فيها ومرض مرضاً شديداً وأحس بقرب نهايته.

فدعى أنطيوخوس صديقه فيلبس وأقامه على جميع مملكته وسلم إليه تاجه وخاتمه وحلته وأوصاه بإرشاد أبنه انطيوخوس وأعداده للملك ومات الملك وخالفه أبنه أنطيوخوس الذي عرف باسم أوباطور (أى المولود من أب نبيل).

 

تاسع عشر: قلعة أورشليم

المقصود بالقلعة الحصن المتمنع وهي في العبرية ” ملو ” أى ملء أو تكميل. ذلك أن داود الملك حينما استولى على أورشليم بني مستديراً من القلعة (ملو فداخلاً 2صم 9:5) وقد أعاد سليمان بنائها وتطلق القلعة على جزء من سلسلة المصاطب التى أقيمت بجانب الأسوار لتحصينها وقد أتاحت هذه المصاطب مساحة لإقامة العديد من المبانى على السفح

ولما سمع يهوذا أن أهل القلعة يصدون إسرائيل عن دخول الأقداس ويحاولون الإضرار بهم حاصر يهوذا القلعة فانحدر ليسياس والملك الصبى نحو الجنوب وحاصروا بيت صور وهزموا يهوذا في بيت زكريا ولكن من حسن حظ يهوذا أن ليسياس سمع أن فيلبس قادم من فارس وميديا إلى سوريا لينتزع الملك لنفسه فبادر ليسياس إلى عقد الصلح مع يهوذا واعداً إياه بالحرية الدينية. فدخل ليسياس إلى جبل صهيون ورأى الموضع حصيناً.

والمقصود بجبل صهيود الجبل الذي بني عليه الهيكل وقد تقدس هذا المكان منذ وجود تابوت عهد الرب في المدينة على التل الجنوبى الشرقى.

 

عشرون: بيت زكريا

مكان على بعد 10 أميال إلى الجنوب الغربى من أورشليم يعرف حالياً باسم ” خربة بيت سكاريا ” على بعد نحو أربعة أميال جنوب غربى بيت لحم وقد نزل فيه يهوذا المكابي لمحاربة أنطيوخوس الخامس (أوباطور) إذ كان جيش أنطيوخوس جيشاً كبيراً وكان معه عدد من الأفيال مما دعا اليهود إلى الفرار.

 

احدى وعشرون: بيت صور

مدينة في جبال يهوذا بناها بنو معون من نسل حبرون من بني كالب وقد قام رحبعام بتحصينها كما رمم نحميا جزءاً من السور وقد أصبحت مدينة هامة في عصر المكابيين وتغير اسمها إلى برج صور في العصر البيزنطي ويجمع العلماء على أنها اليوم ” خربة التوبيكه ” على بعد نحو 4. 5 ميلاً شمالى حبرون.

أما الملك فأنصرف مسرعاً نحو الشمال ورجع إلى أنطاكية فوجد فيلبس قد استولى على المدينة فقاتله وأخذ المدينة عنوة.

الملك ديمتريوس الأول:

وهو أبن سلوقس الرابع (فيلوباتير) ويلقب بسوتر أى المخلص. خرج من روما وصعد في نفر يسير إلى مدينة بالساحل (طرابلس) وملك هناك ولما دخل دار ملك أبائه قبضت الجيوش على انطيوخوس وليسياس وقتلهما وجلس ديمتريوس على عرش ملكه فأتاه جميع الأمم والكفر من إسرائيل وفى مقدمتهم الكيمس الكافر وسمى بالكافر لأنه كان يعاشر اليونانيين ويقاوم الحشمونيين أو المكابيين وإن كان نسبه إلى هارون يجعل له بعض الشرعية التى جذبت إليه عدداً من الحسيديين الأتقياء.

أرسل ديمتريوس صديقه بكيديس لينصب الكيمس الشرير رئيساً للكهنة فأبى اليهود بقيادة يهوذا المكابي الخضوع له وانزل يهوذا عقاباً صارماً بكل من ذهب وراء الكيمس وخاف الكيمس فأرسل يطلب العون من ديمتريوس فأرسل قائده نكاتور.

فلما وصل نكاتور إلى اليهودية حاول أن يحقق هدفه بالمكر والخداع ولكن يهوذا كشف خداعه فلجأ إلى الحرب فإنهزم مرتين في كل من كفر سلامه وأداسة حيث قتل نكاتور

 

ثانى وعشرون: اداسة

مدينة تبعد عن بيت حبرون بأقل من أربعة أميال وعلى بعد مسيرة يوم من جازر حيث هزم يهوذا المكابي نكاتور أحد أفراد ديمتريوس وقتله ففرح الشعب جداً ورسموا أن يعيد ذك اليوم الثالث عشر من آذار كل سنة. أطلال ” اداسة ” موجودة بالقرب من جبعون أما كفر سلامة فيرجح أنها حالياً خربة سلمى الواقعة قرب جبعون.

موت يهوذا المكابي:

سمع ديمتريوس بمقتل نكاتور فأرسل بكيديس والكيمس ثانية إلى اليهودية فقابلهم يهوذا بجيش من ثلاثة ألاف رجل ولكن لما رأى رجاله أنهم يحاربون عشرين ألفاً انسحب أكثرهم من وراء يهوذا الذي لم يبق معه سوى ثمانى مائة رجل ولقى يهوذا مصرعه في ميدان المعركة بعد أن استبسل في القتال فحمل يوناثان وسمعان يهوذا أخاهما ودفناه في قبر أبائه في مودين وبكاه كل شعب إسرائيل أياماً كثيرة وقالوا: كيف سقط البطل مُخلص إسرائيل.

 

يوناثان رئيس اليهود وعظيم الكهنة:

تولى يوناثان القيادة محل يهوذا أخيه فعلم بكيديس بالأمر فحاول أن يقتل يوناثان. وبلغ ذلك يوناثان وسمعان أخاه وجميع من معه فهربوا إلى برية تقوع وعسكروا عند ماء جب أسفار.

 

ثالث وعشرون: تقوع

موطن عاموس النبى كما عاش فيها ارميا النبى وتقع في يهوذا على بعد عشرة أميال جنوبى أورشليم وعلى بعد خمسة أميال جنوبى بيت لحم على مرتفع من الأرض يعلو نحو 2700 قدماً ومنها يمكن رؤية جبل الزيتون وكذلك جبل نبو عبر البحر الميت والذي من فوقه رأى موسى أرض الوعد. تأسست المدينة منذ أيام غزو بني إسرائيل لأرض كنعان أسسها أشحور أخو كالب غير الشقيق وقام بتحصينها رحبعام للدفاع عن أورشليم.

 

رابع وعشرون: أسفار

بركة في برية تقوع لعل موقعها الآن هو خرائب ” الزفرانة ” حيث يوجد حوض قديم إلى الجنوب من تقوع.

أحداث ميدابا الدامية:

علم بكيديس بهروب يوناثان وسمعان إلى تقوع فزحف هو أيضاً بجيشه إلى عبر الأردن فأرسل يوناثان أخاة يوحنا المكابي يسأل النباطيين أن يسمحوا له بإيداعهم أمتعته الوافرة لكن بنو يمرى الذين في ميدابا قبضوا على يوحنا وقتلوه فلما علم بذلك يوناثان وسمعان انتقما لأخيهم بالهجوم على موكب عرس لبنى يمرى وقتلوا كثيرين من موكب العرس وهرب الباقون على الجبل وتحول العرس إلى مناحة وصوت آلات الطرب إلى نحيب ولما انتقم المكابيون لدم أخيهم عادوا إلى غيضة الأردن.

 

خامس وعشرون: ميبا

أو ميدابا كلمة عبرية يرجح أن معناها ماء مؤدب أى هادى وهو اسم مدينة موآبية قديمة في شرقى الأردن كانت تقع في أرض سهلة على بعد نحو 16 ميلاً إلى الجنوب الشرقى من مصب نهر الأردن في البحر الميت وتسمى القرية التى تشغل موقعها الآن ” مادابا ” وقد وقعت عند تقسيم الأرض في نصيب رأوبين.

عبور الأردن:

سمع بكيديس بانتقام المكابيين لدم أخيهم يوحنا فجاء إلى ضفاف الأردن في جيش عظيم وقال يوناثان لمن معه أن الحرب أمامنا وخلفنا فلما ألتحم القتال مد يوناثان يده ليضرب بكيديس فأرتد عنه إلى الوراء وسقط من رجال بكيديس في ذلك اليوم نحو ألف رجل وعبر المكابيون الأردن إلى الشاطئ الآخر.

وفاة الكيمس:

عاد بكيديس إلى أورشليم وبنى مدناً حصينة في اليهودية وجعل فيها حراساً يضايقون إسرائيل وأخذ أبناء رؤساء البلاد رهائن وجعلهم في القلعة بأورشليم في الحبس. أما الكيمس فشرع في تدمير الفناء الداخلى للمقدس وهدم أعمال الأنبياء لكن أصيب بمرض عضال وأنعقد لسانه ثم مات في عذاب شديد فلما رأى بكيديس أن الكيمس مات رجع إلى الملك وهدأت أرض يهوذا نحو عامين.

الصراع بين الاسكندر والملك:

في السنة المئة والستين صعد الاسكندر ابيفانيوس ابن انطيوخوس وفتح بطلمايس فقبلوه ملكاً عليها فخرج ديمتريوس الملك لملاقاته ولجأ كل من الأسكندر وديمتريوس إلى استمالة اليهود فالاسكندر عرض على يوناثان أن يقيمه عظيم كهنة وسماه صديق الملك وأرسل إليه ارجوانا وتاجاً من ذهب فلبس يوناثان الحلة المقدسة في الشهر السابع من السنة المئة والستين في عيد الأكواخ وجمع الجيوش وصنع أسلحة كثيرة أما ديمتريوس فمنح اليهود إعفاءا من الضرائب والجباية والجزية والتخلى عن القلعة التى في أورشليم مع حق اليهود في الاكتتاب في جيش الملك إلى ثلاثين ألف رجل تعطى لهم رواتب. وقد وجدت إغراءات الاسكندر صدى أكثر لدى اليهود فتمكن الاسكندر بمساعدة المكابيين من منافسة ديمتريوس والسيطرة الكاملة على سوريا فقامت بينهما معركة فاصلة قتل فيها ديمتريوس (1مل 50:10) وأصبح الاسكندر ملكاً على سوريا.

 

تزوج الاسكندر من كيلوباترا:

تزوج الاسكندر من كيلوباترا ابنة بطليموس ملك مصر وأقام عرسها في بطلمايس ودعى يوناثان لحضور العرس وكرمه الملك وجعله من أصدقائه الخواص وأقامه قائداً وحاكماً وعاد يوناثان إلى أورشليم سالماً مسروراً.

 

سادس وعشرون: بطلمايس عكا

عكا كلمة فينيقية معناها رمل ساخن وكانت المدينة القديمة تقع على تل الفواخير أهم التلال على الساحل الفينيقى، وقد استولى عليها البطالمة بعد موت الاسكندر الأكبر وجعلوا منها قلعة حصينة وغيروا اسمها إلى بطلمايس وكانت لها أهمية تجارية إلا أن هذه الأهمية انتقلت اليوم إلى حيفا على الجانب الجنوبى من الخليج

 

ديمتريوس الثاني وانتصارات يوناثان:

في السنة المئة والخامسة والستين جاء ديمتريوس الثاني ليملك على أرض آبائه وثبت ابلونيوس والياً على بقاع سوريا. وبدأ ابلونيوس تهديداته ليوناثان فاختار عشرة آلاف رجل وخرج من أورشليم ولحق به سمعان أخوه لمناصرته وعسكر تجاه يافا وهاجم المدينة واستولى عليها ثم تعقب ابلونيوس إلى اشدود فهاجمها واحرقها يوناثان مع المدن التى حولها وسلب غنائمها واحرق بالنار هيكل داجون ثم سار يوناثان وعسكر تجاه اشقلون فخرج أهلها للقائه بإجلال عظيم ولما سمع الاسكندر بهذه الأنتصارات زاده مجداً ووهب له عقرون وأراضيها.

 

سابع وعشرون: يافا

ميناء صخرية على شاطئ البحر المتوسط على بعد 35 ميلاً شمال غربى أورشليم تقع على رأس صخرى ارتفاعه 116 قدماً تشرف منه على البحر وكانت من نصيب سبط دان وأن لم تخضع إلا بعد أن استولى داود على سهل شارون وهي الميناء التى استقبلت خشب الأرز لبناء هيكل سليمان قادماً من صور. ومن يافا ركب يونان سفينة إلى ترشيش، في يافا أقام بطرس طابيثا من الأموات وفيها رأى الملاءة عندما كان يصلى على سطح سمعان الدباغ قرب البحر.

ثامن وعشرون: أشدود

ومعناها حصن أو قوة وهي إحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى وتقع قرب ساحل البحر المتوسط إلى الغرب من أورشليم وهي الآن قرية صغيرة على بعد 18 ميلاً شمال شرقى غزة وجاء في 1صم 5:1 أن تابوت العهد نقل إلى بيت داجون في أشدود بعد هزيمة الإسرائيليين.

 

تاسع وعشرون: أشقلون

مدينة على ساحل البحر المتوسط بين يافا وغزه وهي أحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى وقد استولى عليها سبط يهوذا (قض 18:1) وكانت في يد الفلسطينيين في أيام شمشمون. فيها ولد هيرودس الكبير وفى القرن الرابع أصبحت مقراً لأسقفية في العصر المسيحي.

 

ثلاثون: عقرون

في أقصى شمال مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى على الحدود بين سبطى دان ويهوذا نقل إليها تابوت العهد في أشدود وجت فأعاده العقرونيون فوق عجله تجرها بقرتان مرضعتان فسارتا به إلى بيت شمس وقد منحها اسكندر بالاس ليوناثان المكابي مكافأة له على خدماته وانتصاراته (1مل 89:10) في حربه ضد ديمتريوس الثاني.

بطليموس الرابع ينصر ديمتريوس الثاني:

جمع ملك مصر جيوشاً كثيرة وسفنا كثيرة وحاول الاستيلاء على مملكة الاسكندر فقدم إلى سورية متظاهراً بالسلم ففتح له أهل المدن باعتباره صهر الاسكندر ولما وصل إلى أشدود أروه هيكل داجون المحرق وأشدود وضواحيها المهدومة والجثث المطروحة ورفات الذين كان يوناثان قد احرقهم في الحرب ولكن الملك بقى صامتاً بل بالعكس لاقى يوناثان بإجلال في يافا ثم شيع يوناثان الملك إلى النهر الذي يقال له الوتارس شمالى طرابلس ورجع إلى أورشليم فاستولى الملك على مدن الساحل إلى سلوقيات وكان مضمراً للاسكندر سواء.

 

احدى وثلاثون: سلوقية

على ساحل سوريا في الركن الشمالى الشرقى من البحر المتوسط على بعد نحو خمسة أميال إلى الشمال الشرقى من مصب نهر العاصى. أقيمت لتكون ميناء لإنطاكية وكانت واحدة من تسع مدن حملت اسم سلوقس أول ملوك الأسرة التى حكمت سوريا منذ بداية القرن الثالث قبل الميلاد وقد أبحر الرسول بولس وبرنابا من سلوقية إلى قبرص في أول رحلة تبشيرية وكذلك في الرحلة الثانية أبحر منها بولس وسيلا.

 

مصرع الاسكندر وموت بطليموس الرابع (1مك 9:11) ديمتريوس:

أرسل بطليموس رسلا إلى ديمتريوس الملك قائد: ” هلم ” فنعقد عهداً بينى وبينك وأهب لك ابنتى التى عند الاسكندر فأنى قد ندمت على أعطائها له لأنه أراد قتلى ” وبالفعل استرد ابنته وأعطاها لديمتريوس وانقلب على الاسكندر ودخل بطليموس إنطاكية ووضع على رأسه تاجين: تاج آسيه وتاج مصر وكان الاسكندر أذ ذاك في كيليكية يخمد فتنة فتقدم الاسكندر لمقاتلته ولكنه هزم فهرب الاسكندر إلى ديار العرب حيث قتله العرب وقطعوا رأسه وبعد ثلاث أيام مات بطليموس الملك وملك ديمتريوس الثاني.

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

اثنين وثلاثون: أنطاكية

اسسها سلوقس نيكاتور بعد موقعة أسوس عام 301 ق. م وسماها على اسم أبيه انطيوكس وقد اختار موقعها على الضفة اليسرى لنهر الأورنت (العاصى) وقد أسس سلوقية لتكون ميناء لعاصمته الجديدة وكانت رائعة الجمال في عهد السلوقيين ولكنها ازدادت روعة وجمالاً في عهد الرومان حتى أصبحت ” ملكة الشرق ” وثالث مدن العالم الرومانى بعد روما والإسكندرية وقد احتلت مكانا متميزاً في العصر المسيحى الأول وكانت نقطة انطلاق بولس الرسول إلى رحلته التبشيرية الثلاث وفى أنطاكية أطلق لقب ” مسيحيين ” لأول مرة على أتباع يسوع المسيح.

 

ثلاثة وثلاثون: كيليكية

في الركن الجنوبى الشرقى من آسيا الصغرى بين بمفيلية غرباً وجبال الأمانوش شرقاً وكبادوكية شمالاً والبحر المتوسط جنوباً بشاطئ يمتد نحو 430 ميلاً.

وكان لها أهميتها الجغرافية كمنطقة ذات تربة خصبة منتجة للحبوب والكتان وتغطى الغابات جبالها المجاورة كما كانت تعنى بتربية الماعز الذي يستخدم شعره في عمل المنسوجات الثمينة والخيام ومن أهم مدن المنطقة طرسوس مسقط رأس بولس الرسول.

 

ديمتريوس الثاني ويوناثان (1مك 20:11)

في تلك الأيام جمع يوناثان رجال اليهودية لفتح القلعة التى في أورشليم فغضب ديمتريوس وسار نحو بطلمايس (عكا) واستدعى يوناثان للتداول وأخذ يوناثان معه هدايا من ذهب وفضة وحلل فنال حظوة لدى ديمتريوس وأقره في الكهنوت الأعظم وعقد معه ميثاقا جديداً لصالح اليهود.

جيوش يوناثان تنجد ديمتريوس في أنطاكية:

رأى ديمتريوس أن الأرض قد استراحت أمامه فسرح جميع جيوشه ما خلا الغرباء منهم فثار عليه تيرفون وهو من أنصار الاسكندر وحاول أن يملك ابن الاسكندر في ملك أبيه وتجمع في أنطاكية نحو 120 ألفا يريدون قتل الملك الذي استنجد بيوناثان فأرسل إليه ثلاثة آلاف محارب دخلوا أنطاكية وقتلوا في ذلك اليوم مئة ألف رجل وخلصوا ديمتريوس لكنه اخلف وعوده وانقلب على يوناثان بخلاف ما صنع إليه من المعروف وضيق عليه كثيراً (1مك 53:11).

يوناثان يحارب ديمتريوس الثاني:

رجع ” تريفون ” ومعه انطيوخوس الصغير ابن الاسكندر فملك انطيوخوس ولبس التاج وتسمى انطيوخوس السادس ديونيسيوس فاجتمعت إليه جميع الجيوش التى سرحها ديمتريوس فقاتلت ديمتريوس حتى فر منهزماً وفتح تريفون أنطاكية واستمال انطيوخوس ويوناثان وأخاه سمعان فاقر يوناثان في الكهنوت الأعظم وأقام سمعان قائداً من عقبة صور إلى حدود مصر، وخرج يوناثان وطاف في شرق النهر فناصرته جميع جيوش سورية وجاء إلى اشقلون فقوبل من أهلها بحفاوة عظيمة أما غزة فقد أغلقت أبوابها في وجهه فحاصرها وأحرق ضواحيها بالنار.

 

أربعة وثلاثون: عقبة صور

يحدد يوسيفوس موقعها إلى الشمال من عكا بنحو 11 ميلاً في موقع رأس الناقوره الحالية على حدود لبنان الجنوبية وهي رأس نانتة من سلسلة الجبال الغربية الموازية لساحل البحر المتوسط.

قواد ديمتريوس في قادش الجليل:

سمع يوناثان أن قواد ديمتريوس وصلوا إلى قادش الجليل في جيش جرار يريدون عزله عن الولاية، فحاصر سمعان بيت صور وفتحها أما يوناثان فاتجه إلى حاصور إلى الشمال من مياه جناسر (بحيرة طبرية) فهزم سمعان أولاً ولكنه عاد بعد أن جثا على التراب وصلى فتعقب العدو إلى قادش وسقط من الأجانب ثلاثة آلاف رجل وعاد يوناثان إلى أورشليم.

خامس وثلاثون: حاصور

اسم عبري معناه ” حظيرة أو مكان محصور ” وهي على بعد نحو خمسة أميال إلى الجنوب الغربى من بحيرة الحولة وقد كانت نقطة التقاء واتصال بين الطرق المؤدية إلى الشمال حتى دمشق وإلى الجنوب حتى ساحل فلسطين الجنوبى وفى القرن الثالث عشر قبل الميلاد تحالف يابين ملك حاصور مع ملك مادون وملك شمرون وملك إكشاف فهزمهم يشوع عند مياه ميروم (يش 1:11).

سادس وثلاثون: قادش

ومعناها مقدس وهو اسم يطلق على عدة أماكن في فلسطين والمدينة المقصودة هنا هي قادش نفتالى في الجليل على بعد نحو أميال إلى الشمال الغربى من بحيرة الحولة وجاء في (امك 21:11) أن يوناثان هزم قوات ديمتريوس ملك السلوقيين فهربوا من أمامه.

 

العلاقات بين يوناثان وروما واسبرطة:

رأى يوناثان أن الفرصة ملائمة لكي يجدد صداقة مع كل من روما واسبرطة فأرسل رجالاً إلى روما دخلوا مجلس الشيوخ حاملين رسالة من يوناثان بشأن التحالف والمصادقة كما كان من قبل فأعطوهم كتباً لأصحاب السلطة في كل من البلدان حتى يوصلوهم إلى أرض يهوذا بسلام.

سابع وثلاثون: اسبرطة

وكذلك أرسل لهم ملك الأسبرطيين توصية مماثلة وتسمى أيضاً لكديمون كما في (2مك 9:5) وكانت دولة قوية والخصم الرئيسى لأثينا وكتب الأسبرطيون ليوناثان ومن بعده لسمعان لتجديد المصادقة بين اسبرطة واليهود، تقع اسبرطة في الركن الجنوبى الشرقى لشبه جزيرة المورة.

 

ثامن وثلاثون: روما

عاصمة الإمبراطورية الرومانية وهي اليوم عاصمة العالم اللاتينى المسيحى، تقع على نهر التيبر على بعد نحو 15 ميلاً من مصبه، تأسست عام 753 ق. م. على يد روميولس وقد بناها على أكمة واحدة من الآكام السبع هناك ومع الزمن امتدت فشملت كل الآكام من روما انتشرت العلوم والآداب والفلسفة ولا يزال القانون الرومانى يدرس في كل أرجاء العالم إلى الآن. وفى روما ” استشهد كل من القديسين بولس وبطرس حوالى عام 68م

سمعان عظيم الكهنة وقائد اليهود:

بلغ سمعان أن تريفون قد جمع جيشاً عظيماً ليذهب إلى أرض يهوذا ويدمرها. وتريفون هو لقب ” ديودوتس ” مغتصب العرش السورى الذي انتهز فرصة التذمر بين جنود ديمتريوس الثاني فأقام الابن الأصغر لبالاس (انطيوكس السادس) ملكاً على عرش سوريا ٍ. وجعل من نفسه نائباً للملك تمهيداً للاستيلاء على العرش من ديمتريوس.

وجاء اليهود بقيادة يوناثان لمعاونة ديمتريوس ضد رعاياه الثائرين عليه لكن ديمتريوس بعد أن استقر على عرشه أخلف وعده لحلفائه اليهود فانضم يوناثان وسمعان إلى تريفون وانطيوكس السادس وحققا الكثير من الامتيازات لوطنهم. وأوقع يوناثان هزيمة قاسية بقوات ديمتريوس.

إلا أن الانتصارات التى حققها القادة اليهود أثارت الغيرة والشك في قلب تريفون فصمم على إزاحة يوناثان من طريقه ليسهل له الحصول على التاج فأسر تريفون يوناثان في بطلمايس (عكا) وذبح كل أتباعه. وقتل تريفون يوناثان في بسكاما في اقصى غرب رأس الكرمل الحالى ثم قتل أنطيوكس السادس واغتصب عرش سوريا ورجع تريفون وانصرف إلى أرضه (1مك 23:13).

دفن يوناثان في ضريح مودين:

فأرسل سمعان وأخذ عظام يوناثان أخيه ودفنها في مودين مدينة آبائه وناح عليه كل إسرائيل نوحاً شديداً وندبوه أياما كثيرة، شيد سمعان على قبر أبيه وأخوته بناءاً عالياً يرى من بعيد ونصب على القبور سبعة أهرام وكانت الأنصاب الهرمية من ميزات الفن المدفنى في ذلك العصر.

إنعامات ديمتريوس الثاني على سمعان:

ذكرنا أن تريفون سلك بالغدر مع أنطيوكس الملك الصغير وقتله وملك مكانه فأنحاز سمعان إلى ديمتريوس الذي منحه امتيازات عديدة واعترف به عظيم الكهنة وقائداً ورئيساً لليهود (1مك 42:13) وخلع بذلك نير الأمم عن إسرائيل وهو نير العبودية وقوامها دفع الجزية.

سمعان يستولى على جازر:

في تلك الأيام عسكر سمعان عند جازر وحاصرها بجيوشه وصنع برجاً نقالاً قرب المدينة وضرب أحد البروج واستولى عليه وهجم الذين في البرج النقال على المدينة ودخل سمعان المدينة وطهرها من الأصنام ومن كل نجاسة وأسكن هناك رجالاً يحفظون الشريعة وحصنها وبنى فيها منزلاً لنفسه.

تاسع وثلاثون: جازر

ومعناها في العبرية نصيب أو مهر وهي مدينة كانت ذات أهمية عسكرية في العصور القديمة يرجح أن اسم المدينة الحديثة تل جازر أو تل الجزيرة. يبلغ طول قمة التل نحو 1700 قدماً بعرض من 300 – 500 قدماً. وعند سفحه تقع الطرق المؤدية إلى أورشليم شرقاً وإلى بيت حورون شمالاً ويمر بالسهل المحيط بالتل الخطوط الحديدية من يافا إلى أورشليم.

 

سمعان يستولى على قلعة أورشليم:

كان الذين في قلعة أورشليم قد منعوا من الخروج أو دخول البلد ومن البيع والشراء لمدة نحو عامين فاشتدت مجاعتهم ومات كثير منهم فصرخوا إلى سمعان فأمنهم وأخرجهم وطهر القلعة من النجاسات ودخلها اليهود في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني. وجعل هذا اليوم عيداً كل عام. وحصن جبل الهيكل. ولما رأى سمعان أن ابنه يوحنا قد أصبح رجلاً جعله قائداً عاماً على جميع الجيوش وأقام في جازر. وهدأت الأرض كل أيام سمعان وغار سمعان على الشريعة واستأصل كل شرير وأثيم وعظم الأقداس وأكثر من الآنية المقدسة.

تجديد التحالف مع اسبرطة وروما:

بلغ خبر وفاة يوناثان إلى روما واسبرطة فأسفوا أسفاً شديداً كما بلغهم أن سمعان آخاه قد تقلد الكهنوت الأعظم مكانه وأن البلاد وما بها من مدن قد صارت تحت سلطانه فكتبوا إليه يجددون معه ما كانوا قد عقدوه مع أخويه يهوذا ويوناثان (1مك 20:14-24) وبعد ذلك أرسل سمعان نومانيوس إلى روما ومعه ترس كبير من الذهب ليقر التحالف بينه وبينهم. أما الشعب اليهودى فكتب قراراً تكريمياً لسمعان وبنيه كتب في ألواح من نحاس علقت في جبل صهيون (1مك 27:14-48).

أنطيوكس السابع يحاصر دورا فيعادى سمعان:

بعث أنطيوكس ابن ديمتريوس الملك بكتاب من جزر البحر إلى سمعان الكاهن رئيس امة اليهود يقر فيه بالسلام للأمة اليهودية ويمنحه حق ضرب نقود خاصة في بلاده وبالحرية لأورشليم والأقداس ويعده في حالة استقرار الملك له أن يتلألأ مجد الأمة اليهودية في الأرض كلها.

وعلى الفور خرج انطيوكس إلى أرض أبائه فاجتمع إليه جميع الجيوش حتى لم يبق مع تريفون إلا نفر يسير فتعقبه انطيوكس فمضى هارباً إلى دورا التى على البحر.

أربعون: دورا

أو دور ومعناها دائرة أو دورة. مدينة حصينة على ساحل فلسطين جنوبى الكرمل وتبعد عن قيصرية شمالاً بنحو 8 أميال وكانت لها شهرة واسعة في إنتاج المحار الذي يستخدم في استخراج صبغة الأرجوان التى كانت تشتهر بها صور مما دعا الفينيقيين إلى احتلال المدينة تأميناً لتلك الصناعة. كانت دور عاصمة لمملكة امتدت إلى مدن المرتفعات المتأخمة للساحل وكان ملك دور أحد حلفاء يابين ملك حاصور في الحرب ضد يشوع إلا أن يشوع هزمهم جميعاً. وفى أيام المكابيين حاصر انطيوكس السابع ملك سوريا تريفون مغتصب العرش في دور فهرب تريفون إلى بين طرابلس ونهر الوطارس حيث قبض عليه وقتل.

 

أنطيوكس السابع يحاصر دورا فيعادى سمعان:

عسكر أنطيوكس السابع عند دورا فأرسل إليه سمعان ألفى رجل منتخبين نجدة له فأبى أنطيوكس أن يقبلها ونقض كل ما كان عاهده به واتهم سمعان بالاستيلاء على أجزاء من مملكته مثل يافا وجازر وطالبه بألف قنطار فضة وإلا أتيناكم محاربين (1مك 31:15)

وفوض الملك قيادة الساحل إلى قندباوس وأمره أن يعسكر أمام اليهودية وأن يعيد بناء قدرون ويحصن أبوابها.

احدى وأربعون: قدرون

مدينة حصينة بين مودين ويبنه قام بتحصينها قندباوس بناء على أوامر أنطيوكس السابع ملك سوريا وذلك استعداداً لغزو اليهودية في أيام سمعان المكابي وكانت حصناً استراتيجياً يتحكم في عدة طرق إلى اليهودية. وإليها لجأ قندباوس بعد هزيمته أمام يوحنا ويهوذا ابنى سمعان المكابي (1مك 6:10-9) والأرجح أن موقعها الآن هو قرية ” قطرة ” القريبة من يبنه وأنها هي التى يطلق عليها حديروت (يش 26:15) على بعد نحو ثلاثة أميال إلى الجنوب الغربى من عقرون.

وفاة سمعان في دوق:

هو اسم حصن صغير بالقرب من أريحا على رأس جبل الأربعين المطل على أريحا بناه بطلماوس القائد الخائن وأنزل فيه سمعان الكاهن المكابي الأعظم وابنيه متتيا ويهوذا وهو يضمر لهم الغدر وصنع لهم مأدبة عظيمة وأخفى هناك رجالاً فلما سكر سمعان وبنوه قام بطلماوس ومن معه وأخذوا سلاحهم ووثبوا على سمعان في المأدبة وقتلوه وابنيه وبعضاً من غلمانه لأنه وضع في قلبه أن يستولى على البلاد وخلف يوحنا أباه بعد أن ثأر لمقتل والده وخلفه في قيادة الأمة اليهودية.

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

الفصل الثاني: نظرة عبر التاريخ

أولاً: العصر اليوناني

بينما كان الفرس يجدون صعوبة في إخضاع إمبراطوريتهم الممتدة، كان النفوذ اليوناني في تزايد مستمر على الرغم من محاولات الفرس الدائبة للتفريق بين مدن اليونان وإثارة إحداها ضد الأخرى، غير أن فيلبس المقدونى وهو غير يونانى بالطبع، استطاع توحيد تلك المدن وأصبح الخلف اليوناني (فيما عدا (إسبرطة) هو الأداة التى قضت على إمبراطورية فارس، غير أن فيلبس هذا قتل في السنة 336 ق. م.

وذلك قبل أن يتم تنفيذ مخططاته، ومن ثم تولى ابنه الاسكندر مكانه، وكان ذا شخصية عظيمة مهيبة، يقدر وجود قائد فاتح مثله على مدار التاريخ فقد تدرب على يد أرسطوطاليس وتمتع بأخلاق عالية دمثة، وكانت أولى أمنياته هي توحيد جميع البلاد تحت لواء الإمبراطورية اليونانية بحيث تكون لها لغة واحدة وعقيدة واحدة، كذلك توزع الثروات بالتساوى بين رعاياها ويقام فيها نظام قضائى عادل.

بدأ الاسكندر بعمل تحالف ما بين المقدونيين (وهو منهم) واليونانيين والذين سيعمل لأجلهم ويسمى باسمهم، حتى أنه لما قتل أهل طيبة الحامية المقدونية، أحرق الاسكندر مدينتهم وباع أهلها كعبيد، وكان ذلك بمثابة إنذار بأن التحالف بين المقدونيين واليونانيين يجب أن يُحترم. ثم بدأ زحفه بجيش صغير من المقدونيين يصحبهم بعض المؤرخين والجغرافيين وعلماء النبات، بعبور نهر الدردنيل وذلك يقارب صغير من نفس المكان الذي عبر منه احشويرش الملك ولكن من أعلى كوبرى منصوع بإتقان، واحتل طروداة فقدّم ذبائح لآلهة اليونان وأبطالهم، وبذلك أعلن عن البدء في حرب جديدة.

غير أن داريوس الثالث ملك الفرس لم يأخذ هذه الجملة مأخذ الجدّ بل أنه أمر بأسر الاسكندر وحمله إلى شوشن مرسلاً في ذلك جيشاً مكوناً من فرسان من الفرس وبصحبتهم مرتزقة يونانيين وقوات محلية لإعتقال الاسكندر، وتلاحم الجيشان عند نهر جرانيكوس وبينما توقع الفرس نصراً سهلاً إذ بهم ينهزمون بعد قتال شديد، ولم يهتم الاسكندر بضمّهم إلى صفوفه بل أمر بقتل المرتزقه اليونانيين لخيانتهم، وبذلك صار الطريق ممهداً أمام الاسكندر إلى أسيا الصغرى ففتح مدنها، بينما ظلت هاليكارناسيوس موالية لبلاد فارس، ولكن الاسكندر أحرقها أثناء حصارها.

ثم تحرك تجاه الشرق مجتاحاً تلك النواحى حيث لم يواجه مقاومة حقيقية حتى وصل إلى بوابات كليكية في إيموس حيث تقدم داريوس بجيشه الفارسى متصدّياً للإسكندر، غير أنه انهزم وأخذت منه دمشق عُنوةً، وأسرت عائلة دريوس مع شرفاء من اسبرطة وأثينا وطيبة، إضافة إلى كمية هائلة من الغنائم، ويقال أن الاسكندر دخل خباء داريوس فوجد زوجته وابنتاه وابنه، فطمأنهم جميعاً وأوصى بهم خيراً ومنع جنوده من المساس بهم، بل وأجزل لهم العطايا، بل إن المؤرخ بلوتارك يقول أن الاسكندر قد عاقب بعض جنوده بالموت لإساءتهم إلى نساء أعدائهم.

وخلال الفترة التى أخضع فيها الاسكندر جميع مدن فينيقية (عدا صور) عرض داريوس مرتين التفاوض مع الاسكندر، عارضاً عليه الهدايا والمقاطعات والمال الوفير والزواج من ابنته في مقابل عودة عائلته، غير أن الاسكندر لم يلتفت إلى هذا العرض، إذ قد سبق فأعدّ خطة لغزو العالم كله.

أما إخضاع صور فقد احتاج إلى سبعة أشهر في ملحمة بطولية ظهر فيها بأس الاسكندر وشجاعته ومثابرته وعدم بأسه، وهي وقعة كفيلة وحدها بتحديد معالم شخصية الاسكندر وعظمته، وتقدم مثلاً هاماً في المثابرة، ولعل أهم ما يميز هذه الحملة على صور: هو إقامته طريقاً في البحر يصل بين اليابسة والجزيرة المقامة المدينة عليها، وبسقوطها سقطت أهم مدينة بحرية لها الكثير من النقود على المنافذ البحرية والتجارية.

تلا ذلك حصار غزة ولمدة شهرين جُرح فيها الاسكندر واستبسل واليها، غير أن الاسكندر قد مثَل به بعد فتح المدينة، فقد سحله في شوارع المدينة وهو مربوط بحبل من عرقوبه، في حين كان الوالى نفيه فخوراً بذلك لتشبهه في ذلك ببعض الأبطال المشاهير!

ودخل الاسكندر إلى مصر والتى رحبت بمقدمة كمخلّص، ليس فقط بسبب كراهيتهم للفرس المحتلّين البلاد، وإنما بسبب ما صرًح به الكاهن المصرى في معبد آمون في مصر، إذ أنه ما أن دخل الإسكندر كعادته إلى الهيكل لتقديم الذبائح حتى أعلن أن الاسكندر هو ابن آمون وأنه سوف يغزو العالم!! هنا سُرَ الاسكندر بهذه النسبة (النسب) واعتبر نفسه فرعوناً شرعياً له هيكله في معبد الكرنك.

وبدأ في التركيز على نسبته (نسبة) إلى مصر، أكثر من نسبه إلى الإغريق، وابتعد عن الأيديولوجية اليونانية بعد أن كان مقتنعاً بطريقة الحياة اليونانية، ومن ثم أعاد التنظيم الإدارى لمصر معطياً للمصريين النصيب الأكبر في حرية إدارة بلادهم، على أن يظل للمقدونيين النفوذ العسكرى (أى أنهم يكونون مسئولين عن الجيش) وظلت مدينة الإسكندر هي الأثر العظيم الباقى الذي يدلّ على علاقة الاسكندر بمصر، فقد حلّت المدينة التى بُنيت على اسم الاسكندر (الإسكندرية) كميناء مركزى للتجارة في حوض البحر المتوسط، بديلاً لصور التى دُمرت في فينيقية، وشجع الاسكندر اليهود على السكنى فيها، حيث أصبح لوجودهم التأثير الهام على تاريخ اليهودية المسيحية.

وفى أورشليم اتجه الاسكندر عقب فتحه أياها إلى الهيكل، وهناك رحب به رئيس الكهنة وفتح له سفر دانيال وشرح له كيف أنه هو المقصود بالكبش ذى القرنين وفسر له النبوة، قسُرَ لذلك كثيراً ولما طلب أن يقام له تمثال من الذهب في الهيكل تذكاراً له يقوم هو بنفقاته، اعتذر رئيس الكهنة بعدم جواز ذلك، ونصحه في المقابل بتوجيه المال إلى إصلاح أحوال الكهنة والخدمة في الهيكل حيث سيكون له بذلك الذكر الأفضل فوافق مسروراً، وهكذا تُظهره التقاليد اليهودية كشخص ودون، فيما يتعلق بالصراع القائم ما بين اليهودية الأرثوذكسية والحضارة اليونانية.

في سنة 331 ق. م. اتجه الاسكندر شمالاً من خلال سورية وفلسطين حيث شعر أنه بإمكانه مواجهة جيوش الفرس في أرضيهم، وهزم الاسكندر بالفعل الجيش الكبير لداريوس في معركة جوجاميلا فيما بين النهرين، وبهزيمة داريوس لم يجد الاسكندر مانعاً أمامه فأستولى عندئذ على جميع مدن فارس، وعواصمها مثل بابل وشوشن وبرسابوليس وأكبتانا، وبالمثل فقد رحب به أهل البلاد، وجاء كهنة: مردوخ ” يقدمون الهدايا ومعهم أشراف المدينة ووعدوه بإعطائه جميع ثروات بابل، وصدر الأمر بتزيين الشوارع بالزهور وأن باتوا بالأكاليل ليرحبوا ب ” الملك العظيم ” وأحرق البخور على المذابح، ورتل المجوس، ولقاء ذلك أمر الاسكندر ببناء الهيكل الذي أهمل منذ أيام احشويرش، وبنى هيكل الإله مردوخ وهو أحد أمجاد بابل مرة أخرى.

وبعد عشرين يوماً من تركه اتجه الاسكندر إلى شوشن حيث كانت كنوز قصر الملك داريوس الأول في انتظاره، وبعد حصوله عليها اتجه نحو برسابوليس حيث كانت أغنى مدن العالم قاطبة، ولكنه وعلى غير عادته سلك هناك بوحشية، حيث ذبح جميع رجالها وسبى نساءها، وتصارع أتباعه على الغنائم، وفى سنة 330 ق. م. مات داريوس وأخذ الاسكندر لقب ملك الملوك أو الملك العظيم وكان نهب برسايوليس هو علامة سيادته التامة على مملكة فارس، وقد أرتدى الاسكندر في فارس الزى الفارسى وعاش مثل حياتهم وكان يحكمهم كأمير شرقى وقامت هناك مؤامرة ضده حيث أراد ابن ” برمنيون ” (أحد قواده) قتله والاستيلاء على الملك فقتل الاثنين.

وبعد بلاد فارس أتجه إلى المشرق حيث استغرقت الحرب ثلاث سنوات مريرة ليستولى على بكتريا وسجديانا (تركستان الحالية) وكعلامة على التسوية تزوج الاسكندر من الأكيرة روكسانا من بكتريا، وقد كان أقليم بونجات هو آخر الحدود التى وصل إليها الاسكندر حيث رفض الجيش التعمق أكثر من ذلك.

وكانت السنين الأخيرة للاسكندر مأساوية، فقد عاد مصف جيشه من الهند عن طريق البحر في اسطول حديث البناء، ونجح الاسطول في الرحيل من وحتى الخليج الفارسى بينما رحل باقى الجيش عن طريق البر، فلمّا عاد هو إلى شوشن سنة 324 ق. م. وجد الفوضى تدب هناك، حيث تذمّر الحكام الذين تركهم، على حكمه، وثارت فضيحة عندما علموا أنه قتل المؤرخ كالسيتينوس ابن أخيه نبفيو كما تذمّر اليونانيون من الاسكندر وأوامره، لا سيما عندما شعروا أن الاسكندر يريدهم أن يعاملونه كإله، واختلطوا بالفرس واتخذوا لأنفسهم منهم زوجات، ولما رتب أن يقوم برحلة بحرية حول الجزيرة العربية سنة 323 ق. م. مات في الطريق أثر حمى (ويقال أنه مات مسموماً) وكان ذلك في 21 إبريل من نفس العام ولم يكن قد تجاوز عامة الثالث والثلاثين، بينما روكسانا زوجته قد ولدت له ابنه الوحيد.

في هذا الزمن القصير والى لم يتخطّى أحد عشر عاماً هي مدة ملكه، استولى الاسكندر على ما لم يستطيع أحد من قبله الاستيلاء عليه من البلاد والحصون، ولم يجد متسعاً من الوقت لتحقيق امنيته في خلق إمبراطورية متماسكة، ولكن هذه السنوات منذ عبوره الدردنيل وحتى موته، وقد غيرت مجرى التاريخ وخلفت الحضارة الإغريقية، ويقال أن فليمون وزيره أخفى خبر موته عن الناس ووضعه في تابوت من الذهب وغطاه بالعسل (حسب رواية يوسيفوس) وعند مجيئه إلى الاسكندرية كشف للناس الخبر، ووضع التابوت أمامهم ثم أشار إلى الحكماء والفلاسفة وأصدقاء الاسكندر، لكي يقول كل منهم كلمة في رثائه وتأبينه، ويقال أن وصوله إلى الإسكندرية كان بعد سنتين من موته وذلك بسبب الخلافات بين القادة وترتيب جنازته.

 

ثانياً: فلسطين تحت حكم خلفاء الاسكندر

لم يترك الاسكندر خليفة من نسله سوى الابن الذي انجبته له اروكسانا زوجته التى من بكتريا، وكان ما يزال طفلاً ويروى سفرى المكابيين الأول أن الاسكندر عندما شعر بدنو أجله قسم المملكة بين أربعة من قواده الأشرار ” فدعا أشراف ضباطه الذين تربوا معه منذ الصبا، وكان الاسكندر قد ملك اثنتى عشر سنة حين مات فتولى ضباطه المُلك كل واحد في منطقته، ولبس كل منهم التاج بعد وفاته، وكذلك بنوهم من بعدهم سنين كثيرة فأكثروا من الشرور في الأرض ” (1 مكا 6:1-9) ويفيد التاريخ المدنى بأنه بعد صراع طويل استمر لسبع سنوات ظهرر هؤلاء الأربعة البارزين وهم انتيجونوس وهو الذي اخضع الأراضى الواقعة بين البحر المتوسط وحتى وسط آسيا الصغرى، ثم كاسندر والذي كان يحكم مقدونية، ثم بطليموس لاجى والذي حكم مصر وسورية الجنوبية، ثم ليسياخوس حاكم ثراكية.

وكان سلوقس والذي لعب دوراً بارزاً في الأحداث التى جرت في فلسطين في الفترة التالية لذلك، هو أحد قواد بطليموس، وبينما مثل البطالمة البطالسة) في مصر: ” بطليموس ” فقد مثََّل سلوقس عائلة السلوقيين في سورية، وقد ظل أثناهما يتنازعان الحكم، حيث قام بطليموس بعدة هجمات ضد منطقة جنوب سورية للاستيلاء على فلسطين، بينما حاول سلوقس في المقابل غزو الجنوب للفوز بفلسطين أيضاً، وفى سفر دانيال نجد نبوة عن قيام الملوك الأربعة والصراع المستمر بينهم هكذا: ” ويقوم ملك جبار متسلط تسلطاً عظيماً ويفعل حسب إرادته، وكقيامه تنكسر مملكته وتنقسم إلى رياح السماء الأربع ولا لعقبه ولا حسب سلطانه الذي تسلط به لأن مملكته تنقرض وتكون لآخرين غير أولئك ” (دانيال 3:11 -4).

ويعود سفر دانيال ليؤكد ويشير إلى نهاية مملكة الإسكندر وقيام الرومان: ” فرفعت عينى ورأيت وإذ بكبش وقف عند النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيراً، رأيت الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقف حديوان قدامه ولا منقذ من يده وفعل كمرضاته وعظم، وبينما كنت متأملاً إذ بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض وللتيس قرن معتبر بين عينيه وجاء إلى الكيش صاحب القرنين الذي رأيته واقفاً عند النهر وركض إليه بشدة قوته ورأيته في وصل إلى جانب الكيش فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسر قرنيه فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه ولم يكن للكبش منقذ من يده ” (دا 3:8-7).

ويروى كل من المؤرخين ” أريان ” و” كينتوس كورس “: أن الاسكندر جعل الخلافة للأرشاد منهم، وروى ” ديودورس الصقلى ” و” يوسنينوس ” أنه دفع بخالفه إلى ” يرديكاس ” وأنه بعد وفاة الاسكندر وبينما كان القواد مجتمعين ليحدّدوا من يخلفه، دخل برديكاس عليهم وبيده خاتم الملك ووضعه على العرش المنصوب في ردهة الاجتماع وكانت روكسانا زوجة الاسكندر حبُلى في الشهر الثامن، في حين كانت برسين زوجته الأخرى قد ولدت ابناً أسمته ” هرقل ” ولكن الخلاف اشتد بين الجميع على النحو التالى:

قد طلب الجميع أن يختاروا ملكاً يمتثل له الجميع إلى أن تلد روكسانا، وكان برديكاس يأمل أن يفوز بالملُك، ولكن ” تبارك ” (زوج أخت برسين) اعترضه، ورأى الحضور أن يكون ” هرقل ” الطفل هو الملك الخليفة، ولكن بطليموس اعترض ورفض أن يخضع المقدونيين لأى من الابنين سواء أكان ابن برسين أو ابن روكسانا الذي لم يولد بعد، بل رأى أن يبقى العرش خالياً وأن يُعهد بالولاية إلى من كانوا مشيرى الملك، فاستحسن وجهاء الدولة الرأى، غير أن الجنود استاؤوا من ذلك ورأوا أن يًعهد بتدبير المملكة إلى برديكاس وإلى ” ليوناس ” في آسيا، وإلى ” انتيباتر وكراتر ” في أوروبا، وذلك حتى تلد روكسانا ابناً، وكان القائد، ملياكر ” عدواً ليرديكاس فأثار الجنود ضد الفرسان.

الموالين لبرديكاس، ورشح لهم ” أريداى أخ الاسكندر لأبيه لخلوّه من الدم البريرى فأختاروه رغم عدم أهليته للحكم، فلما شرعوا في توليته اعترض وجهاء الدولة، ولكن الجنود نصبوه بالقوة، فدارت حينئذ معركة بين الفريقين وكان من الضرورى حلَ النزاع، واتفق كل من الجنود والفرسان على أن يتقام كل من ” أريداى ” و” ابن روكسانا ” (إن ولدت ذكراً) المُلك، بينما يحكم انتيباتر في أوروبا، وفى حين يدير ” كراتر ” الأمور بأمر أريداى وأمّا برديكاس فليكن في منزلة الوزير الأول، وأما ” مليكار ” فيعمل كنائب له

ولدت ركسانا إبنا أسموه الاسكندر، وأقروا له بالملك مع أريداى، ولم يكن لكليهما إلا اسم ملك، إذ كان الأول طفلاً بينما كان الثاني غير كفء، وكانت الإدارة الفعلية لكبراء الدولة على النحو التالى:

  • ليسيماهوس: ثراكية وما حولها.
  • انتيباتر وكراتر: مقدونية وبلاد اليونان.
  • بطليموس: مصر وما فتحه الاسكندر في أفريقيا.
  • لاوميدون: سورية وفينيقية.

وأما بقية مدن آسيا فقد تُرك عليها الولاة الذين سبق فعينهم الاسكندر وكان سلوقس بن انطيوخس رئيساً على الفرسان المتحدين، وللاسكندر بن انتيباتر الرئاسة على فرق الجيش، وأما برديكاس فأتخذ قيادة الجيش في آسيا، إضافة إلى الوصاية على الملكين والسلطان المطلق بحجة الخاتم الذي تركه الإسكندر معه.

وقامت منازعات وحروب متواصلة بين جميع أولئك القادة والولاة، حيث رغب كل منهم في الاستقلال وتسمية نفسه ملكاً، بل أن روكسانا نفسها قامت بقتل ضرَتها ساتيرا امرأة الاسكندر وابنة داريوس ملك الفرس، كما قتلت كذلك أختها دريباتيس أرملة أفستيون.

وهنا تسلط الضوء على الوضع في تلك الأيام وما جرى فيها من الصراع الذي نشب في المنطقة قبل ظهور المكابيين، حيث كانت فلسطين بحسب موقعها هدفاً لكل من أراد أن يحمل على الآخر سواء سورية وبابل في الشمال أو مصر وأفريقيا في الجنوب.

لقد تحالف ” برديكاس ” و” أدمان ” وإلى الكبادوك لمحاربة كل من بطليموس وإلى مصر وكراتر وانتيباتر وإلى مقدونية وانتيكون وإلى بمفيلية وفريجيا، ولكن برديكاس قُتل غيلة على يد بعض جنوده بعد أن هزم بطليموس سنة 321 ق. م. فأقيم انتيباتر مكانه وقام كذلك انتيكون (انتيغونوس) قائداً للجيش في آسيا وأوصياه بملاحقة أدمان حليف برديكاس، فاتصلت لذلك الحروب بينهما، أُسر على أثرها أدمان وقام انتيفونوس بقتله سنة 315 ق. م. فاهتز من ثم وضعف ركناً من أركان الأسرة الملكية.

ثم ما لبث أن مات انتيباتر سنة 313 ق. م. وبينما كان يحتضر أوصى بالملك ل ” يوليسبركون ” والولاية كذلك على مقدونية مفضلاً أياه على ابنه لما فيه خير المملكة، كما أوصى أن يكون ابنه نائباً له، فاستعان ب أوليمبيا ابنه الاسكندر الأكبر فأصبحت من ثم مقاليد الأمور في يدها، عند ذلك قامت بقتل ” أريداى ” الملك سنة 317 ق. م. بعد ست سنوات وأربعة أشهر قضاها في ملك ” شكلى، ثم ما لبثت أن قتلت زوجته ثم أحد أبناء انتيباتر ثم مئة من رجال إسكندر بن انتيباتر!!

عند ذلك قام الاسكندر هذا متجهاً إلى مقدونية قاصداً الانتقام من أولمبيا، فتحصنت في قلعة ولكن الجنود انحازوا إلى عدوها، غير أنهم استحو من قتلها بعد خروجها كأمر الاسكندر، وعندئذ أرسل الاسكندر إليها بعض من أقارب من قتلتهم فقتلوها، وكان ذلك في سنة 316 ق. م. وأراد أيضاً قتل روكسانا وولدها واللذين كانا متحصَنين معها ولكنه لم يستطع.

ثم تزوج الاسكندر من ” تسالونيس ” أخت الاسكندر الأكبر رغبة منه في الحصول على تأييد الأكبرين طمعاً في الملك بعد ذلك. واستعجل أمره في مقدونية وبلاد اليونان، بينما اشتدت شوكة انتيغونوس في آسيا، وفرَ سلوقس والى بابل من قدامه إلى بطليموس في مصر بينما كان الاسكندر باكوس وابن روكسانا أسيرين في مقدونية.

وفى سنة 315 ق. م. تحالف بطليموس وكاسندر وإلى مقدونية وليسيماخوس والى ثراكية لمهاجمة انتيغونوس الذي اشتاق إلى أن يصبح مثل الاسكندر الأكبر، فطلب بطليموس من أنتيغونوس أن يتخلى عن جزء من البلاد الأسيوية التى أخضعها، وطلب سلوقس أن يأخذ بابل التى طُرد منها قبلاً، وعندما لم يلتفت انتيغونوس إلى مطالب بطليموس، اشتعلت الحرب بينهما واراد انتيغونوس الاستعانة باليونان وبعض القبائل واشترى كذلك أسلحة ولكنه لم ينجح وهُزم من قبل بطليموس وسلوقس، وكان ديمتريوس بن انتيغونوس هو قائد الجيش، وقد جرت هذه الواقعة في حرب بحرية في غزة سنة 312 ق. م. وتقدّم المنتصرون أكثر وأخذوا المدن السورية الهامة ومنها صيدون.

وفى المقابل ينقل يوسيفوس عن المؤرخ ” أجاثا ركيديل ” وصفه لغزو بطليموس لأورشليم فيقول: ” أن الشعب بينما كان يصلى في السبت دخل ” بطليموس لأجوس ” إلى المدينة وأخذها، وبذلك ظهر لدى اليهود ” عيباً خطيراً ” في السبت، فاتفقوا من ثم على جواز الحرب في السبت متى كانت دفاعاً عن النفس. وهو ما أكده بعد ذلك المكابيين، بعدما هاجمهم السلوقيين وقتلوا منهم ألفى نفس.

ويرد في رسالة أرستياس عن بطليموس: “… لقد غمر جوف سورية وفينيقية بكاملها ليجرب بسالتها، فقتل البعض وأُسر الآخر وأذل الكل واخضعهم، لقد نقل إلى مصر مئة ألف شخص من اليهود إلى مصر، وجند منهم ثلاثين الفا من رجال البأس وأعطاهم السلاح ووضعهم في حصون في مصر ” وتدل الحفائر والكتابات والرديات المصرية على وجود أعداد كبيرة من اليهود في مصر بالطلمية، بعض من هؤلاء قد حاربوا سابقاً ومن المحتمل أن يكون ” يطليموس لآجوس ” في أتى بالكثير منهم.

في سنة 314 ق. م. حقق انتيغونوس بعض النصر عندما فتح صور بعد حصارها خمسة عشر شهراً، وفى سنة 313 ق. م. كانت لهم حروب في بلاد اليونان ولكنها لم تكن حروباً فاصلة، غير أنه في سنة 312 ق. م. عهد انتيغونوس إلى ديمتريوس أبنه أن يمنع المصريين من دخول سورية، ولكن بطليموس ومعه سلوقس كسرا جيشه عند غزة فتقهقر إلى أشدود ومنها إلى طرابلس، ومن ثم أسرع سلوقس إلى ولايته في بابل والتى كان قد طرد منها قبلاً، فلما سمع انتيغونوس بانكسار جيش ابنه هبَ لنجدته بجيش كبير فانسحب بطليموس إلى مصر وهكذا استمرت سورية في حوذة انتيغونوس، واستمرت هذه المناوشات مدة أربعة سنوات جون حسم ومن ثم عقد الطرفان صلحاً سنة 311 ق. م. بشرط أن يبقى حكم مقدونية ل كاسندر حتى يبلغ اسكندر اكوس ابن الاسكندر الأكبر رشده، وأن يستمر انتيغونوس على مصر وما يليها مع قبرص ورودس، أما سلوقس فلم يرد ذكره لأنه كان يظن أنه منهزم مع أنه كان قد عاد إلى بابل، وقبله أهلها بأحتفال كبير وأنضم إليه كثيرون فاستفحل مرة في بابل وشرقى الفرات.

من هنا أو من سنة تولَية الحكم ثانية في بابل يبدأ تاريخ السلوقيين والذي يسميه البعض تاريخ الاسكنر وكان المسيحيين وغيرهم يؤرخون به ويسمى في سفرى المكابيين تاريخ دولة اليونان، حيث تبتدى السنة الأولى في خريف سنة 312 وانتهى في الخريف سنة 311، وأما اليهود فيحسبون السنة الأولى باعتبارها تبدأ في الربيع سنة 312 وتنتهى في ربيع سنة 311 ق. م ولكن يعوّل في التاريخ بالأكثر من الحساب الأول.

 

ثالثاً: خلفاء الاسكندر

المؤثرات والاقتتال بين خلفاء الاسكندر:

ولكن الهدنة والاتفاق لم ينه المطامع على أية حال، وكان الضحايا الأولى في ذلك هم: من بقى من أسرة الاسكندر الأكبر، فقد قتل كاسندر اسكندر أكوس وأمه روكسانا بالسيف وربمكا بالسم، وذلك بالرغم من الاتفاق المبروم بين الأطراف، ولم يبق من نسل الاسكندر الأكبر، إلا هرقل ابنه وأمه برسين زوجة الاسكندر، ولكن كاسندر قتلهما أيضاً / وذلك عن طريق ” يوليسيركاون ” نفسه سنة 309 ق. م ما قتل انتيغونوس كليوباترا أخت الاسكندر أرملة ملك ” الإبير “، فقد استدعاها بطليموس ليتزوجها ظاناً بذلك أنه يزيد من مؤديه، ولكن انتيغونوس قتلها سراً سنة 308 ق. م وهكذا لم تدم الهدنة سوى مدة قصيرة، إذ عاد الجميع إلى الاقتتال، فقد حاصر جيمتريوس ابن انتيغونوس اثينا وفتحها، وأقام فيها حكومة جمهورية، وأعد اسطوله لمحاربة بطليموس فانتصر عليه في موقعة حربية أخذ بها سلامينا، ومن ثم سمى نفسه ملكاً وكذلك سمى إبنه ديمتريوس، فقلده بقية الولاة في الجهات الأخرى، فقد سمى بطليموس نفسه ملكاً على مصر، كذلك ليسيماخوس في ثراكية وكاسندر في مقدونية وأخيراً تحالف كاسندر وبطليموس وليسيماخوس وسلوقس، ضد انتيغونوس في سنة 302 ق. م فدارات معركة فاصلة بينهم سنة 301 حيث قتل فيها ديمتريوس، واقتسم الملك المملكية:

1 وأخذ ليسيماخوس آسيا الصغرى وحتى جبال طوروس مضافة إلى ثراكية.

2 وأما سلوقس فأخذ سورية الشمالية وما بين النهرين وما في شرقيها حتى الهند.

3 وأخذ بطليموس اليهودية وفينيقية أى سورية الجنوبية حتى عكا إلى مصر وما يليها

4 وبقى كسندر في مملكته إضافة إلى ما يسترده من بلاد اليونان، ثم أخذ صقلية لأخيه.

 

وأصبحت الممالك أربعة كما تنبأ عنها دانيال النبى:

ورأى بطليموس أن ضمّ اليهودية إلى ولايته سوف يقى مصر الكثير من المخاطر فأرسل نكانور إلى سورية بجيشين برى وبحرى، فهزم ” لاوميدون ” وأخذه أسيراً وفتح المدن الساحلية، وأصبحت سورية تحت سلطانة ولم يتحرك بقية الولاة تجاه ذلك، ولما حاول اليهود مقاومة بطليموس تعاطف مع ولاميدون هاجمهم بطليموس وحاصرهم طيولاً ولكنه مع ذلك لم يفلح في فتح أورشليم ولما علم بموضوع السبت من حيث امتناع اليهود عن الحرب فيه، حاربهم وانتصر عليهم وعند ذلك هادنه اليهود واخلصوا له.

 

رابعاً: تاريخ البطالمة:

حين أراد انتيغونوس أن يهاجم مصر بعد تراجع بطليموس عن حرب قبرص، حشد مائتى ألف جندى، وأراد أن يباغته من جهة إحدى روافد النيل، ولكن العواصف أخذت بسفنه وجنوده، وأذاع بطليموس بين جنود أنتيغونوس أن الجندى الذي يلجأ إليه فسوف ينال ” مئة منا ” والضابط ” وزنة ” واحدة تساوى أربعة أضعاف ما يناله الجندى العادى، وعندئذ تبعه كثيرون حباً به، فيئس انتيغونوس لا سيما وقد تفشّى المرض بين جنوده، واحتاج إلى المؤمن فعاد يائساً كئيباً إلى بلاده، وخسر كثيراً من جنوده وسفنه، يقول بطليموس الفلكى أن بطليموس الملك جعل ذلك اليوم وهو اليوم السابع من تشرين الثاني سنة 305 بدءا للتاريخ البطلمى أو (البطلسى) وهي السنة التاسعة عشر لوفاة الإسكندر.

وكانت سورية الشمالية من نصيب سلوقس، وأما فلسطين وحتى عكا وجوف سورية فكانت تحت ولاية بطليموس، وكانت مملكة سلوقس فسيحة تشمل سورية كما سبق وبلاد ما بين النهرين ومملكة الفرس وحتى الهند، وسميت مملكة سورية، لأن سلوس بني أنطاكية وأقام بها هو وخلفاؤه السلوقيون، وسمى المدينة انطاكية نسبة إلى أبيه (وربما إلى ابنه) ” انطيوكس ” والتى تكتب كثيراً ” انطيوخس ” وكانت عاصمة الشرق في ذلك الوقت سواء بالنسبة للسلوقيين والقياصرة الرومان، وكان انتيغونوس قد بني على مقربة منها مدينة أسماها انتيكونية أو ” انتيجونية ” غير أن سلوكس هدمها ليبنى مكانها مدينة سماها باسمه: سلوقية.

 

خامساً: الحالة الدينية لليهود في تلك الفترة

عاش اليهود في سلام إبان الفترة التى سبقت حكم انطيوخس أبيفانيوس، فقد كان رؤساء الكهنة يدبرون الأمور الداخلية للبلاد، وتزايدت سلطتهم فكان رئيس الكهنة هو زعيم الأمة السياسى مثلما هو وزعيمها الدينى فقد خوله حكام مصر وسورية (بحسب انتماء فلسطين للحكم البطلمى أو السلوقس) حتى لقد صار رئيس الكهنة بالنسبة لليهود يمثل ملوكهم القدماء، وأصبح هو المرجع الرئيسى فيما يتعلق بمصالح الوطن وضماناً لسلامه ولولا انحرافهم لاستمروا طيولاً يعملون لخير بلادهم.

ومن أبرز الشخصيات الدينية البارزة في ذلك العصر هو سمعان البار والذي مدحه يشوع بن سيراخ كثيراً، حيث يرجع إليه الفضل في بناء أسوار أورشليم التى هدمها بطليموس الأول ويقال أنه رمم وأصلح الهيكل وقاد أعمال اكتشاف مستودع مياه كبير كان يمد أورشليم بالمياه، لا سيما في أيام أنقطاع المياه أو حصار المدينة. وبالإضافة إلى منصبه كرئيس للكهنة كان سمعان هو المعلم الأول للشعب، وكان القائل بأن العالم يرتكز على ثلاث دعامات وهى: ” الناموس والخدمة المقدسة والصدفة “. ولكن سمعان الكبير هذا يحيط به الكثير من اللبس، فقد كان يحيا في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد، بينما عاش آخر يدعى سمعان الثاني سنة 200 ق. م. ولا يعرف أى من هذين الاثنين هو سمعان البار، ولكن الأثنان ينتميان إلى حونيا الأول رئيس الكهنة.

وكان بيت حونيا (عائلة حونيا) في تنافس مستمر يصل إلى الصراع مع جماعة تسمى: حزب طوبيا، فقد كان الأخير موالياً لمصر وكان يمثل الطبقة الثرية بين المجتمع اليهودى، وكان للطوبيين صلة القرابة بحزب ” طوبيا العمونى ” الذي سبَب المتاعب لتحميا. ويرد في بردية من عصر بطليموس الثاني، ذكر لرجل يهودى يدعى طوبيا وكان قائد فرسان في جيش البطالمة الموجود في ” عمون ” شرق الأردن. وفى ” عرق الأمير ” بالأردن اكتشف مدفن كبير يرجع إلى القرن الثالث ق. م. مكتوباً عليه بالأرامية ” طوبيا “.

ويُظن أن أتباع طوبيا العمونيين كانوا من حباة الضرائب يقومون بنفس العمل الذي قام به العشارون بعد ذلك في زمن العهد الجديد، وظل الصراع قائماً بين الحزبين (بيت طوبيا وبيت حونيا) حتى تصاهرا، غير أن التنافس على السلطان السياسى والمدنى ظل قائماً حتى ملك انطيوخس أبيقانيوس حين أصبحت عائلة طوبيا هي المسئولة. ويروى يوسيفوس أن حونيا الثاني رفض دفع عشرون وزنة من الفضة لبطليموس الرابع، وكانت فيما يبدو عبارة عن الجزية المفروضة على رؤساء الكهنة، وكان يرفض الدفع كمن يتنكر لبطليموس، وبذلك نجح ” يوسف ” وهو من بيت طوبيا في الحصول على منصب جابى الضرائب في كل فلسطين. وكان على جابى الضرائب الحصول بشكل دورى على تصريح لمواصلة مهنته، وكان المنصب له نفوذه، هذا واستمر يوسف فيه عشرون عاماً أثناء حكم البطالسة ثم تحت الحكم السلوقي بعد غزو أنطيوخس الثالث لفلسطين.

وبذلك وبهذه الوسيلة بدأ منصب رئيس الكهنة يباع!، فحين غضب أنطيوخس أبيفانيوس من ” حونيا ” لأنه طرد حزب طوبيا من المدينة، عّين ياسون رئيساً للكهنة برشوة كبيرة ولكنه سرعان ما استطاع شخص يدعى ” منلاوس ” سلبه المنصب عن طريق رشوة أكبر أعطاها لأنطيوخس، فصار واحداً من أتباعه الأذلاء المتزلفين.

وفى السنوات التى تلت موت سلوقس وتولّى انطيوخس ابنه مكانه، وكانت هناك ثلاث قوى عظمى في مملكة الاسكندر الأكبر، وهي ” بطالمة مصر، والسلوقيين في سورية وعائلة انتيغون في مقدونية، وكان هناك صراع مستمر على السلطة بينها، وفى القرن الثالث قبل الميلاد، كان الصراع بين قوانين السلوقيين والأنتيغونييون من جهة البطالمة من جهة أخرى، ففى سنة 275 ق. م. احتل بطليموس سورية ولكنه صُدّ أولاً من قبل القوات السورية، غير أن قوته البحرية أطالت أمد المعركة، والتى انتهت دون أن تحسم وأن كانت قد انتهت بسلام بين الطرفين في سنة 272/271 ق. م. ولكن المنازعات عادت من جديد في عهد أنطيوخس الثاني ولم تحسم أيضاً، بل عقدت معاهدة سلام بين القوتين بسبب زواج برنيس ابنه بطليموس من أنطيوخس هذا.

وفى سنة 246 مات أنطيوخس وخلفه سلوقس الثاني، وفى السنة التالية مات بطليموس الثاني وخلفه بطليموس الثالث يورجيتيس، واندلعت الحرب بين السلوقيين والبطالمة عندما عُلم أن برنيس وطفلها قد قُتلا في مؤامرة دبرتها ” لاوديس ” (الأخت غير لشقيقة لأنطيوخس) حتى تضمن أن يعتلى ابنها هي عرش سورية لا ابن برنيس، مما أوغز صدر البطالمة إذ شعروا بالإهانة لقتل ابنه بطليموس، وثارت بسبب ذلك حرب لاودكية، حيث خضعت سورية تماماً للبطالمة.

وساد سلام منذ سنة 240 ق. م. إلى أن مات بطليموس الثالث سنة 221 وخلفه ابنه بطليموس الرابع المعروف ب فيلوباتير.

 

سادساً: اليهود تحت الحكم السلوقي

انطيوخس الثالث وعزو فلسطين:

كان أنطيوخس الثالث يبلغ من العمر ثمانى عشر عاماً حين أعتلى عرش سورية، وذلك في سنة 223 ق. م. كما كان يعمل كحكام لبابل تحت إرشاد أخيه سلوقس الثالث، وبعد إخماد إحدى الثورات في الأجزاء الشرقية من الإمبراطورية حاول أنطيوخس أن يغزو ” جوف سورية ” في صيف سنة 221 ق. م. فقد وصل في زحفه حتى حامية وأدى مارسياس في لبنان، غير أن ” ثيؤجوتس ” قائد القوات المصرية في سورية أجبره على الانسحاب.

ثم قام بمحاولة أخرى سنة 219 وكانت الحملة هذه المرة أكثر نجاحاً، فسقطت سلوقية التى في ” بيرية ” في يد أنطيوخس، وبذلك تحول ولاء ثيؤودتس المصرى إلى أنطيوخس بدلاً من ولائه لبطليموس فيلوباتير، وأعطى مدن بتولمايس (عكا) وصور إلى أهل سورية، ولكن ” نيقولاوس ” أخد القادة وصلت إليه أخبار وجود جيوش مصرية قوية في انتظاره عند بيلزيوم وافق أنطيوخس على الهدنة، وانسحب من ثمّ إلى سلوقية تاركاً الإقليم الذي استولى عليه ل ثيؤدوتس، وأعاد ” سوسابيوس ” تكوين جيشه لدخول معركة حاسمة.

وفى سنة 218 ق. م. قاد ” نيقولاوس ” الجيش المصرى إلى لبنان لمواجهة السوريين، وكتب ذلك المؤرخ بوليبيوس المواجهة قائلاً: ” عندما أجبر ثيؤدتس الأعداء على ارتداد إلى أسفل الجبل ليقابلهم من مكان أعلى، استدار الذين مع نيكولاس وفرّوا هاربين وقتل ما يقرب من ألفين أثناء المعركة وأسر كذلك عدد لا يقل عن ذلك، بينما انسحب الباقون حتى صيدون.

وطرد أنطيوخس الجيش المُنهزم حتى شاطئ فينيقية تاركاً نيكولاس في صيدون، بينما استولى انطيوخس على صور وعكا، ثم توغل حتى أتى إلى طبرية على بحر الجليل وعبر الأردن وأخذ مدن ” عبر الأردن ” القوية والتى تشمل: جادارا وفيلادلفيا ورباث آمون ثم عاد في الشتاء إلى عكا.

في ربيع سنة 217 ق. م. واصل أنطيوخس غزواته فاحتل فلسطين، شاملة غزوة، قبل أن يصل إلى رفح، ولعله إلى ذلك أشار جانيال النبى ” وبنوه يتهيّجون فيجمعون جمهور جيوش عظيمة ويأتى آت ويغمر ويطمو ويرجع ويحارب حتى إلى حصنه، ويغتاظ ملك الجنوب ويخرج ويحاربه أى ملك الشمال ويقيم جمهوراً فيسلم الجمهور في يده، فإذا رُفع الجمهور يرتفع قلبه ويطرح ربوات ولا يعثر ” (دانيال 11:10-12).

وتقابل الجيش المصرى بقيادة بطليموس فيلوماتير شخصياً 203 ق. م. مع الجيش السورى وذلك جنوب ” رفح ” حيث مُنيت جيوش أنطيوخس بهزيمة منكرة، ويذكر بوليبيوس أن بطليموس بقى ثلاثة أشهر في سورية وفينيقية يعدّ العدة في المدن، ويذكر سفرى المكابيين الثالث (وهو سفر غير قانونى) كيف زار بطليموس مدن سورية بعد انتصاره في رفح، واستعاد البطالمة السيطرة على كل سورية وفينيقية فلسطين.

وكان الزاماً على اليهود والحال هكذا، وأن يرسلوا كبار قومهم ليقدّموا له التهنئة بانتصاراته، أما بطليموس فقد أصرّ على الدخول إلى قدس الأقداس ولكنه أرتدّ من أمام الموضع مختاراً مرعوباً (راجع 3مكا 9:1-11، 24).

 

كيف حُفظت أورشليم خلال تلك الحروب؟

إلى المعركة السابق ذكرها أشار سفر زكريا (1:9-8 و1:11-3) حيث يشير إلى سقوط حدراخ على حدود دمشق وصور وصيدون ووقوع قلعة صور وانكسار أشقالون ولا سيما عندما يذكر انهزام غزة وعقرون وأشدود في فلسطين، ثم لبنان شمالاً ويضيف النبى تلميحاً جدير بالذكر والإعجاب وهو كيف أن الله نفسه حلَ حول بيته (أورشليم) وأنقذه من كافة المعارك وكافة الغزوات المتتالية (زكريا 8:9). كما يُفهم من هذه النبوة كيف كان الله قد بدأ يمهد السبيل ليخضع لنفسه صور وصيدا، وكافة هذه البلاد لنؤمن به حيث كان انكسارها تمهيداً لتطهيرها (4:9) ثم يزداد الأمر وضوحاً عندما يقول ” وانزع دماءها من فمها ورجسها من بين أسنانها فتصير هي أيضاً لالهنا وتكون كعشيرة في يهوذا وعقرون كيبوسى (الذين تهوّدوا سابقاً) راجع (زكريا 7:9 حسب الترجمة الإنجليزية المصححة).

كما تشير النبوة إلى إذلال هذه البلاد الفلسطينية التى على الساحل، والتى اذلت إسرائيل أكثر من ألف سنة ولم تخضع لها خضوعاً تاماً، ولكن الإذلال هنا يتم عن طريق القضاء على تعصّبها العرقى والعنصرى وذلك بإدخال أعراق وسلالات أخرى في تصميم عرقها، يتضح ذلك من ملابسات غزو المصريين ثم اليونانيين ثم السوريين لهذه البلاد وإقامتهم فيها.

أنطيوخس يمضى في طريقه لاحتلال سورية:

ولسنوات شغل أنطيوخس في الشرق لكنه لم يتخلَّ مطلقاً عن رغبته وخططه لضمّ جوف سورية ” إلى نفوذه وعند موت بطليموس الرابع فيلوباتير عام 203 ق. م. كانت مصر ممزقة بين الاضطرابات والتمرد، وفى ربيع عام 202 ق. م. قام أنطيوخس بجملة عسكرية لم تسفر عن نجاح يذكر، ولكنه أعاد الكرة في الربيع التالى ودار القتال بشدة في المدن الفلسطينية شاملة غزوة، وأستطاع ” سكوباس ” القائد المصرى أن يرد السوريين حتى عبر الأردن وذلك في شتاء 201/200 ق. م. إلى ذلك يشير دانيال النبى ” فيأتى ملك الشمال ويقيم مدرسة ويأخذ المدينة الحصينة فلا تقوم أمامه ذراعاً الجنوب ولا قومه المنتخب ولا تكون له قوة للمقاومة، والآتى عليه يفعل كإرادته وليس من يقف أمامه ويقوم في الأرض البهية وهي بالتمام، بيده ” (دا 15:11-16) فإن السوريين قد حققوا نصراً حاسماً في معركة بانيون وارتدّ سكوباس المصرى إلى صيدون حيث حوصر من البر والبحر.

وفى ربيع سنة 198 ق. م. أُجبر سكوباس هذا على الاستسلام ليترك كل سورية في يد أنطيوخس، إضافة إلى مقاطعاته الجديدة، وأتى انطيوخس إلى أورشليم، وحسب قول يوسيفوس فإن سكانها قد رحبوا به ترحيباً حاراً وربما أمدوّه ببعض ما يحتاج إليه.

 

معركة مقنيسيا وهزيمة أنطيوخس:

عندما انهزم هانيبال القرطاجى على يد الرومان في ” زاما ” سنة 202 ق. م. أنتهت بذلك الحرب القرطاجية الثانية، فقد تقهقر شرقاً ليحصل على الملاذ والمؤونة من أنطيوخس، غير أنه شجع أنطيوخس على غزو اليونان ليسبب أضطراباً في روما، وأعلنت الحرب وتحركت القوات الرومانية إلى اليونان وهزمت أنطبوخس وأجبرته على التقهقر إلى آسيا الصغرى، وهناك عند ” مغنيسيا ” بين ساردس وسميرنا: هُزم أنطيوخس على يد القائد الرومانى ” كورنيليوس سكيبيو ” في سنة 190 ق. م. وأجبر على دفع تعويض هائل مقابل الهدنة، فقد أخذ الابن الأصغر لأنطيوخس إلى روما رهينة لدفع الفدية، حيث مكث هناك أثنتى عشر سنة تعلم فيها كيف يخدم القوة الرومانية وكيف يحقق الأهداف.

في سنة 200 ق. م. قامت ثورات ليديا وفريجية بآسيا الصغرى، وقد أمر أنطيوخس الثالث القائد ” ريؤكسيس ” بنقل العديد من العلائلات اليهودية التى كانت متبقية من السبى في بلاد ما بين النهرين وبابل، إلى المنطقة المتمردة في آسيا الصغرى حيث أوصى بهم خيراً، ويذكر كل من المؤرخين يوسيفوس يوليبسوس كيف أن ذلك كان تدبيراً إلهياً لإعداد هذه الشعوب للخلاص، إذ أصبحوا بعد ذلك أول من قبل الإيمان في الشتات.

وأنشئت في فلسطين مستعمرات يونانية وشُيدت مدن كبيرة فاصطبغ كثيرون من السكان في اليهودية بصيغة يونانية، وتخلّى اليهود عن فكرة الاعتزال عن الآخرين من الأمم وفى الوقت ذاته تحولوا إلى الفنون اليونانية الجميلة، بل أن السياسيون منهم قد نظروا إلى الحاكم اليوناني باعتباره أصل كرامتهم وتشرّب العلماء اليهود الأفكار الحديثة من اليونانيين والتى بسطتها أمامهم مؤلفات اليونان، فتألف بذلك الحزب اليوناني بين اليهود واستبدلت الكثير من الأسماء اليهودية بأخرى يونانية (حيث نجد صدى لذلك في أسماء العهد الجديد، مثل شاول والذي تحوّل إلى بولس وكذلك صفا إلى بطرس… الخ).

واستمر السلوقيون حكام سورية والذين بسطوا سلطانهم في فلسطين بعد سنة 198 ق. م. على معاملة رعاياهم من اليهود باللطف، ووجدوا في الحزب اليوناني الذي عضّدواه أكبر معين لهم، وكنت أنطاكية عاصمة سورية مركز هذه الحركة اليونانية وقد عُرف هذا الحزب في أورشليم باسم أبناء طوبيا (1 مكا 11:1-15) كما سبق الإشارة. وربما كان الحزب اليوناني هذا هو أصل فرقة الصدوقيين، إذ أنه وبينما كان الفريسيون هم المحافظون، كان الصدوقيين هم الراغبين في التساهل والبحث عن مصلحة الأمة بالوسائط السياسية والحروب.

بل أن السلوقيين بالغوا في ملاطفة اليهود، ويقول يوسيفوس معتمداً في ذلك على الوثائق، أن انطيوخس الثالث أمر بأن تُدفع لليهود عطايا خاصة لتقديم الذبائح بالإضافة إلى السماح لهم بأخذ كافة الأخشاب اللازمة لهم لترميم الهيكل من لبنان دون ضرائب ويضيف يوسيفوس “… ذلك لتتمكن هذه الأمة من أن تعيش بمقتضى قوانين بلادها وليعف كافة أعضاء السنهدريم والكهنة والكتبة والمرنمين الدينيين، من الضريبة المالية العامة وضريبة التاج وكافة الضرائب العادية الأخرى وسكان أورشليم من الضرائب العادية ” وقد أرسلت هذه الأوامر إلى جميع حكام لبنان وسورية للعمل بها… “

ولعل السبب في الاهتمام بالجانب الكهنوتى من قبل الحكام، كان بسبب أن رؤساء الكهنة كانوا هم الجهة السياسية المسئولة أمام الدولة، كما كانوا مسئولون عن توريد الضرائب بأنفسهم، حيث أنابوا عنهم عائلة طوبيا (كما سبق) وإن كانوا مع ذلك يدفعون جزءاً من الضرائب بأنفسهم حتى يحافظوا على مكانهم.

في تلك الفترة ظهرت في اليهودية شيعة ” الأرثوذكسية اليهودية ” وهي تنقسم إلى قسمين: الأسينيين، ويمثلون الجزء المتطرف، والآخر الحسيديم (الأتقياء) وهم الجناح المعتدل، وقد وصف دانيال الحسيديم قائلاً ” الشعب الذين يعرفون إلههم ” (33:11) وقد قامت هذه الحركة (الأسينية / الحسيدية) بالدفاع عن الشريعة والتقاليد، بعد أن أُسئ إليها من قبل اليهود المتأغرقين (الموالين للحضارة الإغريقية) بتشجيع من رؤساء الكهنة والذين جنحوا إلى الحياة الأرستقراطية والسياسية، وقد وصف دانيال النبى الهيلينية (التأغرق) بقوله ” المتعدون على العهد ” (32:11) ويرد في سفر المكابيين الثالث أخبار عن الشقاق والعراك ما بين رؤساء الكهنة، والمؤامرات التى حاكها أحدهما للآخر بسبب الطمع في المال وخزائن الهيكل (3مكا4:3 1:4).

 

اليهود تحت حكم أنطيوخس أبيقانيوس الرابع:

كان سقوط أورشليم في يد السلوقيين عقب نصر أنطيوخس الكبير سنة 198 ق. م. علامة نصرة جديدة في التاريخ اليهودى، فقد تم احتواء دور البطالمة، وبدأ السلوقيون في أرغام اليهود على قبول الهيلينية (التأغرق).

وقد حمل اليهود في قلوبهم أشد ألوان الكراهية لأنطيوخس هذا والملقب ابيفانيوس (ومعناها اللامع) لأنه دنس هيكلهم ومارس ضدّهم أشد ألوان الاضطهاد الدينى، وقد أسموه من باب السخرية المرة أبيفانوس (ومعناها الرجل المجنون). وقد ولد أنطيوخس هذا في أثينا وعمل مسول ملكى للمدينة، وقد قضى في روما أثنى عشر عاماً كرهينة (كما سبق القول حيث أيقن من خلال تواجده هناك أن الرومان هم القوة التى سيخضع لها العالم قريباً.

وقد قرر أنطيوخس أن يمدين اليهودية ويحضَرها جاعلاً منها مقاطعة هيلينية، ولم يكن يرغب في اضطهاد اليهود، فمن جهة كان اليهود، خاضعين له، ومن جهة أخرى كان هناك فريقاً كبيراً من اليهود ممن يؤيدون حركة الأغرقة الجديدة هذه، ففى بداية حكمة كان يحطم أورشليم رئيس الكهنة ” حونيا الثالث ” وهو من نسل ” سمعان البار ” ومن اليهود المحافظين، وبالتالى لم يكن يشجّع على أغرقة اليهودية، بينما كان أخيه يايون يناصر هذه الحركة، وقد استطاع الحصول على رئاسة الكهنوت برشوة كبيرة، وكان أنطيوخس يرى أنه مادامت رتبة رئيس الكهنة هي سياسية، فإنه من حقه بالتالى كملك أن يعين من يختاره، في حين نظر إليها المحافظون باعتبارها رتبة مقدسة، ومن هنا فإن الحصول عليها بالمال يُحسب خطية.

ومن هنا نشأ الصراع الكبير بين شيعة الأتقياء (الحسيديم) والجماعة المتأغرقة بين اليهود، ويمكن أن نعتبر أن هذا هو المحرك الأول لاشتعال الثورة المكابية كما سيأتى إضافة إلى سبب آخر وهو الصرع القائم بين بيت طوبيا جباة الضرائب وبيت حونيا (أونيا) أى رؤساء الكهنة، وكذلك انقسام العائلتين إلى سلالات سلوقية وأخرى بطلمية وبالتالى رفض التقاة أن يعين رئيس الكهنة من قبل الملك، ولذلك فقد رفضوا متلاوس الذي عينه الملك بدلاً من ياسون بسبب رشوة أكبر!، كما أن منلاوس لم يكن من بيت رئيس الكهنة، بل أنه اشترك في قتل حونيا رئيس الكهنة للقانونى السابق، وإلى هذه الواقعة يشير دانيال النبى ” وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وأنتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضى بها ” (دانيال 26:9) وفى موضع آخر أيضاً: ” وأذرع الجارف تجرف من قدامه وتنكسر وكذلك رئيس العهد ” (22:11) كما اتهموا رئيس الكهنية منلاوس هذا بسرقة أوانى الهيكل (2مكا 39:4-42) وكان أنطيوخس قد انتهز فرصة الشقاق بين منلاوس وياسون فقام بتعيين منلاوس.

هنا قام الحزب اليوناني بمناصرة أنطيوخس مبتغين في ذلك تعضيد الحزب اليوناني، وبهذا التحالف اشتعلت نار العدوان بين الحزبين، فقد قام ياسون ببناء الجيمانيزيوم في أورشليم وكان اليهود يتدربون فيه عرايا بحسب العادة اليونانية كم استخدمت الأسماء اليونانية للأماكن التى تحمل أسماء يهودية وهي أماكن مقدسة، وقد نظر الحزب الهيلينى إلى التقليديين اليهود باعتبارهم رجعيين عفى على تعاليمهم الزمن.

أمّا ياسون فقد استاء من خلعه من رئاسة الكهنوت فهرب إلى عبر الأردن، وهناك انتهز فرصة أنطيوخس بالحرب مع البطالمة، فقام بالإغارة على أورشليم، غير أنه لم ينجح في حين انتهز منلاوس فرصة عودة أنطيوخس من مصر حتى رحب به وأعطاه خزائن الهيكل ليتقرب إليه، ولما تبددت أحلام أنطيوخس بالاستيلاء على مصر، بالإضافة إلى إذلال الرومان له (والذين كانت شوكتهم آخذة في القوة) عاد محبطاً مر النفس.

ومن هنا بدأت فترة من أشد فترات التاريخ فساداً وشراً بالنسبة لإسرائيل، حيث بدأت محاولات أغرقت البلاد بالقوة، فاستقدم أنطيوخس فلاسفة أثينا العظام إلى أورشليم للإشراف على هذا التغيير بالأمر، ومحاولة دمج جميع القوميات في الإمبراطورية السلوقية من لغة وثقافة وعقيدة، وتحول إله إسرائيل إلى الإله جوبيتر، وأمر أنطيوخس بممارسة الشعائر الوثنية وصنع تماثيل له حتى على المذبح، كما أقام تمثالاً للإله زيوس فوق مذبح النحاس سنة 167 ق. م.

وكان في ذلك إشارة إلى ” رجسة الخراب ” التى تكلم عنها دانيال النبى (31:11-32 قارن مع مت 15:24) حيث أن رجسة الخراب التى حدثت في عصر أنطيوخس غير تلك التى ستحدث عند خراب الهيكل سنة 70م. إلى رجسة الخراب الأولى أشار اليهود قائلين ” الشئ البغيض المثير للكآبة “.

وفى الهيكل مارس الجنود الوثنيون شعائرهم بما يصاحب هذه الشعائر من سكر وعربدة وخلاعة، مما ينسب إلى ” عبادة باخوس ” كما قاموا بذبح الخنازير على المذبح، ووصل أنطيوخس إلى الحد الأقصى في تحطيم اليهودية ومعاداة إلهها. إلى ذلك يشير دانيال قائلاً ” ويفعل الملك كإرادته ويرتفع ويتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة وينجح إلى إتمام الغضب لأن المقضى به يجرى ” (دا 36:11).

وفى المقابل حرم اليهود من الاحتفال بأعيادهم وممارسة طقوسهم مثل السبت والختان حيث كانت العقوبة في ذلك تصل إلى حد الموت (مثل ألعازر الشيخ الذي رفض أكل الخنزير والأم التى ذُبحت مع أطفالها لرفضهم تقديم العبادة للأصنام (2مكا 6، 7) وكذلك الأم التى قُتلت مع أولادها الذين ختنتهم (مكابيين الأول 60:1-61) كذلك أمر أنطيوخس بإتلاف جميع نسخ التوراة أو أية أسفار أخرى.

من هنا كانت الحاجة ماسة لتكوين حزب يهودى يتعهد بالقيام بولاية يهودية مستقلة، هذه هي خلفية المكابيين والثورة المكابية.

 

سابعاً: المكابين ومواجهة الحضارة الهيلينية

لله في كل جيل شهود وركب تأبى أن تجشو لبعل، وعلى أكتاف هؤلاء يصنع الله التغيير وبهم يعمل ليحقق مشيئته، فقد ثار جماعة الأتقياء على هذه الأوضاع المتردّية في أورشليم، وأما الذي أطلق هذه الشرارة فهو كان يدي متتيا وقد نشأ هذا الكاهن في قرية تدعى ” مودين ” الواقعة بجوار ” اللد ” وهو عميد عائلة تسمى ” عائلة حشمون ” أو هاسمون أو حشمناى.

فقد أرسل الملك أنطيوخس رسلاً إلى جميع بلاد اليهودية يؤكد على ضرورة ولاء اليهود للملك، وفى مودين هذه طلُب إلى متتيا باعتباره عميدهم وكأن طاعناً في الين أن يقدم ذبيحته لتمثال الملك حتى يقتدى به الآخرين، فرفص بشدة إلا أن أخرين ضعفوا وقدموا ذبائحاً للوثن، وعندئذ غضب متتيا وذهب إلى الهيكل الوثنى، وهناك قام رسول الملك مع الشخص اليهودى الذي كان يقدم الذبيحة.

ثم نادى في اليهود أن يتبعه كل من له غيرة مقدسة إلى الجبال والمغائر حتى يمكنهم تنظيم المقاومة (مكابيين الأول 19:2 – 22) وقد استجاب له الشعب بشكل ملفت (مكابيين الأول 23:2-28) غير أن البعض الآخر أنضم إلى أنطيوخس، بينما مات آخرون بسبب مقاومتهم للملك، إلى هذا أشار دانيال النبى (32:11-33).

في الأيام الأولى كانت المواجهة أشبه ما تكون بحرب العمليات الخاصة، حيث شن الحشمونيين هجمات على القرى والبلاد، قتلوا خلالها الضباط السلوقيين وكثير من اليهود المتأغرقين، غير أن السلوقيين هاجموهم في السبت، وذلك بإيعاذ من بعض اليهود الخونة فقد أحاط السلوقيين بالمتمردين من كل جهة وتمكنوا من ذبح ألفين منهم، وعند ذلك صرَح لهم متتيا بالحرب في السبت متى كانت دفاعاً عن النفس (وهو تأكيد لفتوى يهودية سابقة بهذا الشأن).

يهوذا المكابي:

وقبيل موته في سنة 166 ق. م. أوصى متتيا بالقيادة إلى يهوذا ابنه الثالث (1 مكا 49:2 – 70) حيث حقق يهوذا العديد من الانتصارات، ولكن السلوقيين استهانوا في البداية بهم فأرسلوا لهم قوة محدودة لتأديبهم، غير أنهم هُزموا من المكابيين المرة تلو الآخرى، ويضيف سفر المكابيين الأسباب التى أدت إلى الثورة (1 مكا 11:1 – 15 و2مكا 7:4 – 17) وفى المقابل يصف سفر مكابيين الأول العنف الذي استخدمه أنطيوخس في إخضاع الثورة (مكابيين الأول 30:1-32). وهنا وقع اليهود المتأغرقون في خطر وحرج حيث أصبحوا هدفاً للثورة، وفى جهتهم فقد استخدموا العنف في الدفاع عن أنفسهم، حيث أراقوا الدماء في الهيكل وحوله، وأما المكابيون فقد وصفوهم بأنهم غرباء وعداء (أمه خاطئة متعدية للشريعة (مكابيين الأول 34:1) فتعطلت الخدمة في الهيكل وهرب كثيرون من اليهود إلى الجبال (مكابيين الأول 25:1-40).

وكان أنطيوخس في ذلك الوقت محصوراً بين أمرين، أحدهما عدم المغامرة بجيش قوى في اليهودية بسبب قربها من مصر، وثانيهما حربة مع البرثيين، بسبب تمرد حدث هناك، ومن هنا فقد كلّف ” ليسياس ” ثم أبولونيوس ” بقيادة جيش يخضع به اليهود، ومن قواعد ليسياس هذا كل مت ” نكانور ” وجرجياس “، ولكن يهوذا المكابي استطاع إحراز الكثير من الانتصارات عن طريق الهجمات “، ولكن يهوذا المكابي استطاع إحراز الكثير من الانتصارات عن طريق الهجمات الليلية والتى حقق بها اسلاباً وغنائم كثيرة وفتح الطريق أمام المكابيين للاستيلاء على أورشليم عن طريق ” عمّاوس ” وفعل ذلك وتقهقر قدامه منلاوس (رئيس الكهنة الموالى للسلوقيين) ودخلوا أورشليم واستولوا على كل شئ فيما عدا حصن أكرا (عكره) (1 مكا 10:3، 18، 3:4-6، 22:19) وعند ذلك قام التقاة بهدم هياكل الأوثان وختنوا الأطفال بالقوة واستردُوا سلطان الناموس (مكابيين الأول 43:1 – 48) وبعد ذلك قاموا بتطهير الهيكل من المذابح الوثنية وآثارها وهو ما سُمى ب ” عيد التجديد ” وأصبح ضمن الأعياد القومية لليهود وسمى أيضاً ب ” الحانوكا ” أو ” الأنوار ” يحتفلون به ثمانية أيام بدءاً من يوم 25 ديسمبر من كل عام. وبذلك انهو ثلاث سنوات من تدنيس الهيكل. إلى ذلك يشير دانيال النبى باعتبار أن ذلك كان بداية توقف الذبيحة الدائمة وترميم الهيكل فهى ال ” 1290 يوماً ” ثلاث سنوات ونصف، ثم أعادة الذبيحة بعد 45 يوماً ” شهر ونصف ” (دانيال 12:12).

ولكن ليسياس استطاع هزيمة اليهود ومحاصرتهم ولكن أنباء عن تمرد في أنطاكية وجعلته يؤثر معاهدة صلح مع اليهود ألغى بموجبها كافة القوانين التى تتناهض الشريعة والطقوس كما تقرر إقصاء منلاوس عن رئاسة الكهنوت وتعيين ألكيمس (ألياقيم) مكانه كما وعد بالعفو عن يهوذا ورجاله، وترك ليسياس وأورشليم متجهاً إلى سورية في حين كانت أسوار أورشليم مسوّاه بالأرض.

وفى تلك السنة عينها كان أنطيوخس قد مات في بلاد الفرس بينما كان يسعى في جميع المال وكنوز البلاد لسداد الدين الضخم الذي تركه أبوه أنطيوخس الثالث، ومن ثم ملك مكانه أنطيوخس الخامس (164-162 ق. م. ) وكانت أيامه أيام هدوء، بينما كانت المرحلة السابقة مرحلة حرب للرب ومقدسات، فقد اعقبها مرحلة الطمع والاتساع، وبينما نجد أن الله قد أعانهم في المرحلة الأولى فإنه قد خذلهم في الثانية.

أما ألكيمس رئيس الكهنة فقد قبض على العديد من الحسيديين وقتلهم، ومن ثم بدأت الحرب الأهلية بين اليهود المتأغرقين وأولئك التقاة، وخاف ألكيمس فهرب إلى سورية بغية الحصول على نجدة عسكرية، وعندما عاد لمحاربة اليهود هجم الجيش أولاً بقيادة نكانور فهُزم الجيش وقُتل نكانور من قبل يهوذا المكابي وجماعته، ولكن عدداً كبيراً من اليهود انحازوا إلى الآخرين المتأغرقين، وهكذا تُرك يهوذا مع ثمانمائة من الجنود فقط، ومع أنه هزم الجيش السورى في معركة ” بئروت ” إلا أنه قُتل في تلك المعركة، وبموته أنتهت المرحلة الأولى من كفاح المكابيين، وكان يهوذا إبان حياته قد حاول عقد معاهدة سلام الرومان ولكنه لم يستفد منها شيئاً إذ أنه مات قبل عودة رسله.

هذا وقد لعب ألكيمس دوراً في هذه الحرب الأخيرة، وقد دُعى ب ” الراعى الأحمق ” والذي أشير إليه في سفر زكريا (15:11 – 17) وقد ظل في رئاسة الكهنوت لمدة ثلاث سنوات، وفى النهاية مات مشلولاً في سنة 159 ق. م. فظلت الأمة بدون رئيس كهنة ومن بعده لمدة سبع سنوات، وقد حاول أثناء حياته إزالة الحائط المتوسط بين رواق الأمم والقدس ليتسنى للأمم الدخول إلى القدس.

 يوناثان المكابي:

بعد مقتل نكانور أصبح بكيديس والياً على البلاد من قبل السلوقيين وقد ساعده ألكيمس في حكمة، وبعد سنتين من موت يهوذا أسترد الثوار قوتهم وخلف اليهود المتأغرقون فاستغاثوا ببكيديس فأتى ولكنه صنع صلحاً مع يوناثان وأخوه سمعان، واستمر ذلك خمس سنوات فقد اليهود المتأغرقون خلالها سطوتهم (مكابيين الأول 23:9 31، 57 – 73) ومال يوناثان إلى الدبلوماسية أكثر من السلاح فنجح في ذلك كثير، إذ أنه عندما ثارت الحرب بين ديمتريوس وإلى سورية والاسكندر بالاس المطالب بعرش سورية، وقف يوناثان إلى جانب الاسكندر لاسيما وأن ديمتريوس قد حاول عدة مرات سابقة تدمير قواته يوناثان وعقد الأخير أتفاقيات مع إسبرطة وروما، وقبل نهاية الحرب أصبح يوناثان رئيساً للكهنة وحاكماً لليهودية في ذات الوقت، بينما وهب سمعان شقيقه حكم شاطئ فلسطين، وكان يوناثان يحكم فلسطين دون مزاحم (1 مكا 1:10 -50).

ولما حاول ” ديمتريوس الثاني ” ابن ديمتريوس الأول، استعادة عرش سورية بعد مقتل أبيه هزمه يوناثان، فكافأة الأسكندر بالاس بأن أضاف له أراض جديدة (مكابيين الأول 88:10 – 89) فلما مات الاسكندر وآل عرش سورية إلى ديمتريوس ظن اليونانيون اليهود بأنهم قد وجدوا فرصتهم، فأرسلوا على ديمتريوس لكي يخلصهم من حكم يوناثان، ولكن الملك ثبت الصلح وأعطاه ثلاث مدن جديدة، ثم عاد وتخلى عن يوناثان وتحالف مع تريفون ابن الاسكندر طمعاً في مكاسب أكثر، وخاف تريفون من خيانات يوناثان المتكررة فشن عليه حرباً وخدعه ثم قتله سنة 143 ق. م. فتولى عندئذ سمعان قيادة الشعب (مكابيين الأول 54:11 – 62 و39:12-53). وجمع سمعان بين قيادة الجيش ورئاسة الكهنوت، وهو الأمر الذي لم يحدث في إسرائيل قبل ذلك، إذ أنه لا يليق الجمع بين إراقة الدماء والخدمة الهيكلية.

سمعان المكابي:

كان سمعان قد تقدم في السن عندما تولى قياجة اليهود سنة 143 ق. م. وبينما كانت اليهودية قد نالت حريتها الكاملة كانت سورية تتنازعها قوتان، الأولى تناصر ديمتريوس بينما الآخرى تؤيد ” أنطيوخس السادس ” والذي كان صبياً تحت وصاية ” تريفون ” ولكن الأخير عزل أنطيوخس ونزع عنه تاج آسيا (مكابيين الأول 31:13، 32) وفى أيامه صدر قانون بأن تصبح رئاسة الكهنوت وراثة في عائلة المكابيين (الحشمونيين) بدلاً من عائلة حونيا (أونيا) والتى هربت إلى مصر قبل ذلك بقليل (مكابيين الأول 25:14 – 49) وطهرَ سمعان جميع البلاد من الآثار الوثنية وأصبحت البلاد يهودية خالصة، وعاد بالكثير من العائلات اليهودية الساكنة هناك في شتى البلاد، حتى ” حصن أكرا ” نفسه أقتحمه وأخرج منه الجنود الوثنيين.

وفى أيامه حاول أنطيوخس السابع (خليفة ديمتريوس الثاني المأسور) سلب اليهود البلاد التى استولوا عليها خارج حدودهم، ولكن جيشاً يهودياً بقيادة ابنى سمعان دحره، فهدأت الأمور واستقرت. وقد انتهت حياة سمعان عندما قام زوج أبنته بقتله مع اثنين من أولاده وذلك طمعاً في أخذ مكانه، بينما استطاع يوحنا ابنه الهرب ليعود ويحل محله في الولاية والكهنوت باسم ” يوحنا هركانوس “.

 

ثامناً: الأسرة الحشمونية – ظهورها وانحلالها

بموت سمعان المكابي يبدأ نجم المكابيين في الأقوال، ولتبدأ عائلة حاكمة جديدة من سلالة الحشمونيين ولقد عاش الخلفاء عالة على نصر أجدادهم؟.

1 يوحنا خركانوس:

ومع أن سورية كانت قد صارت قوية، إلا أنها تركت اليهود وشأنهم، لا سيما وأن يوحنا هذا كان موالياً لهم وفى خدمتهم، وترك لهم السوريون يافا كميناء هام لليهود، وأما اليهود المتأغرقون فقد بدأوا في التخلى عن أحلامهم في حضارة يونانية يزيحون بها التزامات الشريعة والطقوس الهيكلية، وقد مثُل الصدوقيين الحزب الهيللينى بينما مثل الفريسيين الحزب الحسيدى (التقاة)، هذا وقد تبلور الحزبان جيداً في أيام هركانوس والذي حرص على الانتماء إلى الحزبيين، وكانت أولى اهتماماته هي استرداد المدن الساحلية، وأملاً في إنعاش الاقتصاد باعتبار تلك المدن، مدن التجارة والرخاء.

وفى بداية مناوشاته استطاع أنطيوخس سيديتيس، الاستيلاء على هذه المدن لكي يحصل على المال اللازم للاحتقال بعيد المظال حيث قدم ذبائح العيد وهدايا للهيكل، واتفق الطرفان على الاحتفاظ بتلك المدن مقابل جزية يقدّمونها عنها، ثم بادر هركانوس بعقد اتفاقية مع الرومان سنة 127 ق. م. حتى يقطع الطريق بذلك على كل من مصر وسورية.

ثم راح يحتل المدن شمالاً وشرقاً، ففى سنة 125 ق. م. أخضع السامرة مدمراً هيكل جرزيم، ثمّ صكَ عمله باسمه ولعله أول الحكام المكابيين الذي يقوم بذلك، غير أنه واجه مقاومة شديدة من الفريسيين الرافضين للعمل السياسى وسياسة التوسع، وفى أيامه أيضاً أنفصل الفريسيين عن المكابيين والذين سُموا بدورهم ” الصدوقيين ” والذين أنحصرت فيهم رئاسة الكهنوت، وقد أعلن الفريسيين ذلك ليوحنا في مؤتمر عقدوه خصيصاً لذلك حيث رفضوا أن يكون رئيس الكهنة ساقك دماء، منذ الحين بدأت تظهر العداوة التقليدية بين الفرقتين. ثم مات هركانوس سنة 104 ق. م. بعد أن قضى في الحكم والكهنوت إحدى وثلاثين سنة، وقد حقق نجاحاً كبيراً في مدة رئاسته.

أرسطوبولس الأول:

لم يستمر أرسطوبولس الذي خلف الإسكندر في الحكم أكثر من عام، واسمه الحقيقى يهوذا غير فضَل الاسم اليوناني، وقد رفض وصاية أمه عليه كرغبة أبيه، فوضعها في السجن إلى أن ماتت جوعا، كما ألقى باخوته الثلاثة في السجن حيث مات اثنان منهم جوعاً أيضاً بينما قتل الثالث، ويقال أنه وثق في الأخير أولاً ولكنه سريعاً ما انقلب عليه، وقد ناصبه الفريسيون العداء لانتمائه للحزب اليوناني.

وخلال سنة حكمه حقق بعض التوسعات، وقام بتهويد الجليليين بالقوة، فقد كان شديد الغيرة على الناموس، وقد ثقل عليه الهمَ بسبب الخوف من التمرد. وأخيراً مات غير مأسوف عليه، بل لوَث الفريسيين سمعته وطمسوا تاريخه.

الاسكندر جنايوس:

لعل الاسكندر هذا هو أكثر من أساء إلى اليهود، فقد مضى في سياسته التوسعية أيضاً حتى وصل إلى عكا فاستغاث أهلها بملكهم بطليموس الثامن في مصر وكان هارباً من كليوباترا التى خلعته من الحكم، فاستعان الاسكندر بدوره بكليوباترا، واشتعلت الحرب بين الخصوم ولم تسفر عملياً عن نتيجة. وأكمل الأسكندر توسعاته، غير أن اليهود ناصبوه العداء بسبب إهماله خدمة الكهنوت لانشغاله بالحروب، وزاد في ذلك بزواجه من امرأة أخيه سالومى، وهو ما يتنافى مع الشريعة، وفى ذات يوم اخطأ في طقوس عيد المظال (ويقال عمداً) فقذفه الشعب بالسعف وثمار الأثرج فثار حينئذ وامر بقتل اليهود في الهيكل فقُتل كثيرون منهم فكرهه الشعب ورجعوا عنه، وهكذا وصل الحال بأسرة المكابيين!!

بل واكثر من ذلك أنه دخل في حرب مع أبيداس ” عوبيداس ” ملك العرب بسبب طمعه في التوسع فهزمه وجلده، واستطاع الهرب وجاء إلى أورشليم ولكن الشعب رفضه، فغادر المكان واستعان عليهم بالمرتزقة!! واستعان الشعب في المقابل بديمتريوس الثالث (سنة 88 ق. م. ) فجاء بجيش قوى وهزمه فهرب إلى الجبال. ومن المحزن أن أبناء الحسيديين يطلبون أبناء أنطيوخس أبيفانيوس المساعدة في مواجهة أبناء المكابيين!!

فلما هدأ الحال وعاد ديمتريوس إلى دمشق، رجع الاسكندر وصنع وليمة للصدوقيين فرحاً بنصره، وقام بصلب ثمانمائة من وجهاء أورشليم الفريسيين، ثم قتل زوجاتهم وأولادهم ذبحاً قدامهم وهم ما يزالون أحياء على صلبانهم. قم دخل في حرب مع ملك العرب ثانية فُهزم واضطر إلى الصلح بشروط مهينة، وفى سنة 76 ق. م. مات بينما كان يحاصر قلعة ” راجايا ” شرق الأردن، وقبيل موته أوصى زوجته اسكندرا (سالومى) بأن تهادن الفريسيين وتستعين بهم، ويقال أن ذلك جاء في توبته على فراش الموت.

المكابيين بقيادة ألكسندرا (76-67 ق. م):

هي زوجة أرسطوبولس ثم الاسكندر بعد موت الأول تولت المُلك وعمرها سبعون عاماً ولما لم يكن من الجائز أن تصبح رئيس كهنة فقد تولى ذلك ابنها هركانوس بينما تولى أخوه أرسطوبولس قيادة الجيش، وكان يرأس شيعة الفريسيين في ذلك الوقت شقيقها ” سمعان بن شيبا ” وهكذا اتخذت وضعاً متوسطاً بين الفريقين، وقد سعى الفريسيين بقيادة سمعان إلى تعليم الشبان والأطفال، وعم السلام والهدوء في أيامهم بعد صراع طويل.

غير أن الفريسيين تمادوا في سلطانهم فمالوا إلى الاستبداد، بل أنهم اصطدموا بألكسندرا نفسها حين ألحوا عليها بالقصاص من الصدوقيين الذين تسببوا في قتل ثمانمائة منهم مع عائلاتهم، وبالفعل قامت بقتل ثلاثة منهم، غير أنها عملت على حماية الصدوقيين وهبتهم الحصون ليحتموا بها، وبينما كان أرسطوبولس ابنها يميل إلى الصدوقيين، فقد ناصر أخوه هركانوس الفريسيين، فما أن ماتت ألكسندرا حتى بدأ الصراع على أشده بين الفريقين.

أرسطوبولس الثاني:

بدأت فترة حكمه بصراع بينه وبين هركانوس، حيث، كوُن كل منهم جيشاً والتحما في أريحا، فُهزم هركانوس وتعقبه أرسطوبولس حتى أورشليم ثم أجبره على التنازل عن الملك ورئاسة الكهنوت، وبذلك اصبح هو ملكاً ورئيساً للكهنة، ولكن انتيباتر الأدومى (أبو هيرودس الكبير) كان متعاطفاً مع هركانوس، وبسبب الصداقة بين امرأة أنتيباتر وأرتاس (الحادث) ملك العرب، فقد تحالفا ضد أرسطوبولس وهزماه.

في ذلك الوقت كان ” بومباى ” القائد الرومانى يزحف بجيشه جهة سورية، وأُرسل لحسم النزاع بين الأخوين فناصر أرسطوبولس والذي قام بمطاردة أعداؤه حتى أدومية حيث ألحق بهم هزيمة منكرة، فلما وصل بومباى سنة 63 ق. م. إلى هناك احتكم إليه الأخوان فانحاز هذه المرة إلى هركانوس، وطرد أرسطوبولس ثم حاصر أورشليم ثلاثة أشهر حتى فتحها وعندئذ ذبح من أهلها أثنى عشر ألفاً، ومنذ ذلك الحين أصبحت اليهودية ولاية رومانية تدفع الجزية وأما هركانوس فقد أكتفى برئاسة الكهنوت بينما منحه بومباى لقب (مشرف) فقط على اليهودية والتى أصبحت تتبع سورية إدارياً.

أما أرسطوبولس فقد حمله بومباى من عائلته إلى روما، ولكن اسكندر ابنه هرب من السفينة وعاد إلى أورشليم، وبدأت اليهودية تدخل عصراً جديداً، بينما بقى هركانوس مشرفاً من قبل روما على اليهودية، كان انتيباتر والى أدوميا هو المدبر الفعلى لهركانوس وفيما بعد خلف ابنه هيرودس الكبير هركانوس في الحكم، ويعد (أى هيرودس) أشهر الحكام اليهود بعد ذلك.

الاسم:

عُرف سفر المكابيين أولاً بسفر الحشمونيين، فما هو أصل كل من الاسمين.

الحشمونيين / بني حشمناى:

كان ” متتيا ” عميد عائلة المكابيين كاهناً في قرية موديم الواقعة بجوار اللد، وكان لقلب عائلته هو حشمون، وكانت عشيرة بني حشمناى هذه من سلالة يهوياريب (1أخ 7:24) ولذلك فقد كان جميع نسل العائلة يُكنى ب ” الحشمونيين ” أو ” بني حشمناى ” والكلمة حشمون كلمة عبرية تعنى ” غنى ” وأم اللفظتان ” هسمان ” أو ” أسمونوس ” فهما النطق اللاتينى للكلمة، حيث لا ينطق الحرف (ح) في تلك اللغات المشتقة من اللاتينية، مثل رئيس الكهنة المدعو أونيا والذي يأتى في جميع الترجمات في حين أن اسمه الحقيقى هو ” حونيا “

مكابيون:

أنجب متتيا هذا خمسة من الأولاد (ولا يُعرف إن كان قد أنجب بنات أم لا) أما الأولاد فهم على الترتيب: يوحنا، سمعان، يهوذا، ألعازر، يوناثان. وقد تولى ثلاثة منهم مقاليد السلطة بعد موته واحداً تلو الآخر، بدءاً بيهوذا الشهير ببطولته وحسب وصية ابيه، ثم يوناثان والذي اشتهر بالميل إلى الدبلوماسية في حكمه، وأخيراً سمعان والذي يعد أول من جمع ما بين رئاسة الكهنوت وقيادة الأمة، أما ألعازر فقد قُتل في تصرف عفوى وأما يوحنا فأنه لم تتح له فرصة للقيام بأعمال تستحق الذكر.

هذا وقد نسب إلى كل من هؤلاء الخمسة ألقاب يشير كل منها إلى صفات صاحبه، ومن المرجّح أن يكون كل منهم قد اختار لنفسه هذا اللقب، دعاه الآخرون به فصار لقبه حيث لُقب: يهوذا ب المكابي، ومن قائل أن لفظة مكابي هي عبرية تعنى مكبة أى مطرقة، وهي كلمة وردة في قصة قتل ياعيل لسيسرا (ق21:4) تحت اسم ” ميتدة ” وقد دعى يهوذا نفسه أيضاً ب ” الطارق “. ويرى البعض أن الكلمة مكابي مشتقة من مكبى وتعنى المخمد، غير أن الرأى السائد يفيد بأنها تكون الحروف الأولى لعبارة عبرية تقول ” من يشبهك في الآلهة يارب ” وهي في الواقع آية وردت في (خر 11:15) وكانت هذه الحروف تكتب على أعلام المكابين حتى أصبحت لقبهم بمرور الوقت، وفى إسرائيل الآن العديد من الهيئات والفرق الرياضية التى تحمل اسم ” مكابي “.

غير أن الرأى الأول هو الأرجح، حيث طبع المكابيين على تروسهم وسيوفهم الحروف (م. ك. ب. ى) والتى هي بدايات الكلمات: (مي / كماما أو ” كموخا ” / بلوهيم أو ” باليم ” / يهوه) وتعنى كما سبق: (من مثل الرب بين الآلهة) أو (من مثلك بين الأقوياء يا الله).

وقد مُنح كل من أخوة يهوذا الأربعة لقباً، حيث لقب يوحنا ب ” بكيديس ” وسمعان ب ” الطسى “، وألعازر ب ” أواران ” وأما يوناثان فقد لقب ب ” أفوس “.

هذا وقد أصبح لقب مكابيين رمزاً لعائلة بني حشمناى، وذلك منذ الثورة التى اندلعت بين اليهود وأنطيوخس أبيفانيوس، بداية بمتتيا ونهاية ب أرسطوبولس الثاني، أى خلال الفترة (167 – 63 ق. م. )

 

تاسعاً: جدول متزامن للأحداث المكابية

 

التاريخ الميلادى

التاريخ السلوقي

الحدث

سفر مكابيين الأول

سفر المكابيين الثاني

323ق. م

 

موت الاسكندر الأكبر

7:1

 

175ق. م

137

تولى أنطيوخس أبيفانيوس

10:1

7:4

174

138

بدء الغرقة (التأثير اليوناني)

1:1 إلخ

8:4 إلخ

172

140

الحملة الأولى على مصر من قبل أنطيوخس أبيفانيوس

 

21:4 إلخ

171

141

أبيفانيوس في أورشليم منلاوس يتقلد رئاسة الكهنوت

 

21:4-24

169

143

حملة أنطيوخس أبيفانيوس الثانية على مصر.

21:1

1:5

168

144

نهب الهيكل

21:1

15:5 إلخ

167

145

أبلونيوس في أورشليم

29:1

24:5

 

 

تدنيس الهيكل

54:1

2:6

166

146

الانتقاضة بقيادة متنيا الكاهن

24:2

 

 

 

موت متنيا

70:2

 

 

 

يهوذا المكابي يتولى القيادة

1:3

1:8

165

147

الانتصارات على أبلونيوس

11:3

 

 

 

الانتصارات على سارون في بيت حورون

23:3

 

 

 

الانتصارات على نيكانور وجرجياس

3:4 إلخ

9:8 إلخ

 

 

أنطيوخس أبيفانيوس في بلاد فارس

37:3

 

164

148

هزيمة ليسياس

28:4 إلخ

 

 

 

تطهير الهيكل

52:4

1:10-8

163

149

انتصارات اليهود في أدوم وجلعاد

1:5 إلخ

30:8 إلخ

 

 

 

18:12-25

 

 

 

 

24:10-38

 

 

 

 

26:12-31

 

 

 

موت أنطيوخس أبيفانيوس

16:6

28:9

 

 

اعتلاء أنطيوخس الخامس العرش

17:6

22:11، 23

162

150

يهوذا يهاجم القلعة في أورشليم

20:6

 

 

(149)

أنطيوخس الخامس يهاجم اليهودية ويستولى على بيت صور.

31:6 إلخ

1:13

161

151

ديمتريوس الأول يصل إلى سوريا

1:7

1:14

 

(150)

محاولة بكيديس فرض ألكيمس رئيساً للكهنة

1:7-25

4:14

 

 

محاولة نيكانور فرض ألكيمس رئيساً للكهنة

27:7 إلخ

14:14 إلخ

 

 

هزيمة نيكانور (13 آذار)

43:7 إلخ

28:15

160

152

المحاولة الثالثة لإعادة ألكيمس بمساعدة بكيديس

1:9

 

 

 

وفاة يهوذا المكابي

18:9

 

 

 

يوناثان يتولى القيادة

31:9

 

 

 

الحملة في عبر الأردن

39:9 إلخ

 

159

153

ألكيمس يأمر بهدم الحائط الداخلى للهيكل

54:9

 

 

 

موت ألكيمس

56:9

 

158

154

سنتان من السلام

57:9

 

157

155

بكيديس يفشل في حملته في ” بيت حجلة “

68:9

 

 

 

السلام

70:9

 

152

160

الأسكندر بالاس يصل إلى عكا (بتولمايس)

1:10

 

 

 

يوناثان رئيساً للكهنة

21:10

 

151

161

الحرب بين ديمتريوس الأول والاسكندر بالاس

48:10 إلخ

 

 

 

موت ديمتريوس

5:10

 

150

162

التحالف بين بطليموس والاسكندر

57:10

 

 

 

ديمتريوس الثاني يرسو في سوريا

67:10

 

147

165

أبلونيوس في اليهودية هزيمته من يوناثان

69:10 إلخ

 

146

166

الخلاف بين بطليموس والاسكندر بالاس

1:11 إلخ

 

 

 

موت الاسكندر بالاس

18:11

 

145

167

ديمتريوس الثاني يخلف الاسكندر بالاس

19:11

 

144

168

يوناثان في عكا (بتولمايس)

24:11

 

 

 

يوناثان يتحالف مع ديمتريوس

44:11

 

 

 

تريفون ينصب أنطيوخس السادس على العرش

54:11

 

 

 

أنطيوخس يؤكد امتيازات يوناثان

57:11

 

 

 

يوناثان يهزم قادة ديمتريوس

73:11

30:12

 

 

 

تجديد التحالف مع روما

1:12 إلخ

 

142

170

أسر يوناثان

48:12

 

 

 

سمعان يتولى القيادة

8:12

 

 

 

طرد تريفون

24:13

 

 

 

” تحرير إسرائيل “

41:13

 

141

171

الاستيلاء على القلعة

51:13

 

140

172

ديمتريوس يقع في الأسر (فى فارس)

1:14، 3

 

 

 

قرار تكريمى لسمعان (نقش على ألواح النحاس)

 

 

139

173

رسائل إلى سمعان من أنطيوخس

1:15 إلخ

 

138

174

أنطيوخس السابع ينزل في سوريا

10:15

 

 

 

موت تريفون

 

 

137

175

أبناء سمعان يهزمون القائد قندباوس

10:16

 

135

177

وفاة سمعان

14:16-16

 

 

 

يوحنا هركانوس يخلف أبيه سمعان

23:16

 

 

عاشراً: خلفاء الاسكندر الأكبر

 

أولاً: السلوقيين:

وهم الذين حكموا المنطقة الشمالية في الشرق الأدنى، وقد خضعت منطقة اليهودية لهم أغلب الوقت إلى أن أستولى الرومان عليها أواخر القرن الأول قبل الميلاد، وهؤلاء الملوك هم على التوالى:

  1. سلوقس الأول نكاتور 312 281ق. م
  2. أنطيوخس الأول سوتير 281 261ق. م
  3. أنطيوخس الثاني ثيؤس 261 246ق. م
  4. سلوقس الثاني جالينيكوس 246 226ق. م
  5. سلوقس الثالث كيرانوس 226 223ق. م
  6. أنطيوخس الثالث الكبير 223 187ق. م
  7. سلوقس الرابع فيلوباتير 187 175ق. م
  8. أنطيوخس الرابع أبيفانيوس 5/176 3/164ق. م
  9. أنطيوخس الخامس أوباطور 3/164 162ق. م
  10. ديمتريوس الأول 162 150ق. م
  11. الاسكندر الأول بالاس 153 145ق. م
  12. ديمتريوس الثاني 145 140؟ق. م (فترة حكم أولى) 129125 ق. م (فترو حكم ثانية)
  13. أنطيوخس السادس 143؟ 141؟ق. م
  14. أنطيوخس السابع 8/139 129ق. م

 

ثانياً: البطالمة:

وهم الذين حكموا الجزء الجنوبى وكانت مصر هي عاصمة حكمهم، وقد خضعت منطقة اليهودية لهم لمدة أقصر من تلك التى خضعت فيها للسلوقيين، وهم على التوالى:

  1. بطليموس الأول (سوتير) 323 – 282 ق. م.
  2. بطليموس الثاني (فيلادلفوس) 284 – 246 ق. م.
  3. بطليموس الثالث (أورجيتيس) 246 – 222 ق. م.
  4. بطليموس الرابع (فيلوباتور) 222 – 205 ق. م.
  5. بطليموس الخامس (أبيفانس) 204 – 180 ق. م.
  6. بطليموس السادس (فيلوماتور) 180 – 146 ق. م.
  7. بطليموس السابع (أوباطور) 145 ؟ ق. م.
  8. بطليموس الثامن 145 116ق. م.
  9. بطليموس التاسع (سوتير الثاني) 116 9/10ق. م (فترة حكم أولى). 88 – 80ق. م (فترة حكم ثانية).
  10. بطليموس الحادى عشر (الاسكندر الثاني) (اغتيل، فلم يستمر في الحكم سوى 19 يوماً فقط).
  11. بطليموس الثاني شعر (أولتيس) 80 51ق. م.
  12. كليوباترا السابعة 50 30ق. م.

 

حادى عشر: الحكام الحشمونيين والمكابيين

بعد العائلة الحشمونية والتى تمثلت في متتيا الكاهن وأولاده الخمسة، أعقبهم الحكام المكابيين من ” يوحنا هركانوس ” إلى ” أنتيجونوس ” والذي أعقبه الهرادسة في الحكم حتى القرن الأول الميلادى، وهم على التوالى:

  1. متتيا الكاهن (أبو المكابيين) 167 ق. م
  2. يهوذا المكابي 166 160ق. م.
  3. يوناثان المكابي 160 143ق. م.
  4. سمعان المكابي 143 134 ق. م.
  5. يوحنا هركانوس 134 105ق. م.
  6. أرسطوبولس الأول (أول من سُمى ملكاً) 105 104ق. م.
  7. الاسكندر جنايوس 104 77ق. م.
  8. ألكسندرا (زوجة السابق) 77 69ق. م.
  9. هركانوس الثاني (ابن جنايوس) 69 67ق. م.
  10. ارسطوبولس الثاني (ابن جنايوس) 67 62ق. م.
  11. هركانوس الثاني (مدة حكم ثانية) 62 37ق. م.
  12. أنتيجونوس (ابن ارسطوبولس الثاني) 37 ق. م.
  13. هيرودس الكبير 40 4ق
  14. حكم الحشمونيين في إسرائيل (166 36ق. م)

 

ثانى عشر: رؤساء الكهنة في العصر المكابي

السلوقيين

رؤساء الكهنة

البطالمة

سلوقس الأول ونكانور

11/312 – 280

حونيا (أونيا) الأول

323 – 300 (أو 290)

بطليموس الأول لاجى

323 – 285

أنطيوخس الأول سوتير

280 – 261

سمعان الأول البار

ابن أونيا الأول

 

أنطيوخس الثاني ثيوس

261 – 246

منسى (عم سمعان الأول)

بطليموس الثاني

فلادلفوس 285 – 246

سلوقس الثاني

كالينيكوس 246 – 226

سلوقس الثالث كرانوس

226 – 223

حونيا الثاني ابن سمعان الأول

مات سمة 219

بطليموس الثالث

يورجيتيس 246 – 221

بطليموس الرابع

فيلوباتور 221 – 203

أنطيوخس الثالث الكبير

223 – 187

سمعان الثاني ابن حونيا الثاني 219 – 196

 

فلسطين تحت الحكم السلوقي

200 – 198

 

 

سلوقس الرابع فيلوباتور

187 – 175

حونيا الثالث ابن سمعان الثاني 196 – 174

بطليموس الخامس

أوباتور

203 – 181

أنطيوخوس الرابع أبيفانيوس

175 – 164

ياسون (يشوع / يسوع)

شقيق حونيا الثالث

174 – 171

 

 

منلاوس (مناجيم)

171 – 162

بطليموس السادس فيلوميتور

181 – 146

أنطيوخس الخامس

164 – 162

ديمتريوس الأول

162 – 150

ألكيمس (ياقيم)

162 – 159

 

الاسكندر بالاس

150 – 145

ديمتريوس الثاني

145 – 140

أنطيوخس السادس

145 – 142

ترفون 1/142 – 138

أنطيوخس السابع

138 – 129

ديمتريوس الثاني

فترة ثانية (129 – 126)

رئاسة الكهنوت تتحول

إلى المكابيين

يوناثان المكابي

152 – 142

سمعان المكابي

1/142 – 134

يوحنا هركانوس

134 – 104

بطليموس السابع يورجيتيس

(فيسكون)

146 – 117

 

الفصل الثالث: سفر مكابيين الأول

 

أولاً: عنوان سفر مكابيين الأول:

عُرف سفر المكابين أولاً بسفر الحشمونيين والسبب في ذلك هو أن عائلة يهوذا المكابي كانت تسمى عائلة بني حشمناى أما العلامة أوريجانوس فقد اطلق الاسم على سفر مكابيين الأول.

أما تسمية سفر مكابيين الأولين ب المكابيين فقد استخدم هذا الأسم في أواخر القرن الثاني عنواناً للسفرين الأول والثانى ويهوذا هو الشخصية المحوارية لأحداث سفر مكابيين الأول الثاني وتقاسم أخوته معه أحداث سفر مكابيين الأول الأول.

ويُعد أول من ذكر سفر المكابيين الثاني بهذا الاسم هو يوسابيوس المؤرخ الكنسى. وكذلك استعمل القديس جيروم عنوان الأحداث المكابية للدلالة على سفر مكابيين الأولين. والقديس كليمندس السكندرى يصف سفر مكابيين الأول الأول بسفر الأحداث المكابية. والقديس كبريانوس استخدم عنوان أمور المكابيين في أواخر القرن الثاني.

 

 

ثانياً: الكاتب

يظن البعض أن الكاتب ينتمى إلى فرقة الصدوقيين. يرى بعض العلماء أن سفر مكابيين الأول غير متحيز لاتينى أى من أفكار الفريسيين أو الصدوقيين الكاتب يهودى من فلسطين تقى غير متعصب ملماً بجغرافية المكان ويتميز بالبساطة في الكتابة. لا يشير إلى الحياة الأبدية ولكن سفر مكابيين الأول به الكثير مما يدل على وجود مسيا وأن النصر يأتى من السماء.

هدف الكاتب كان قومياً وتاريخياً مع توجهاته الدينية. أن الكاتب شخص محب لوطنه، ويرى أن شعبه هو الذي اختاره الرب. هو ناموسى مدقق، يعتقد أنه من واجب كل يهودى أن يحفظ الناموس والوصايا. يبين سفر مكابيين الأول أن كلمة الرب كانت عزيزة في تلك الأيام. لا يشار إلى الله بإله السماء أو السماء فقط.

تمر مسألة رئاسة سمعان للكهنوت دون اعتراض على الرغم أن الكهنوت وقف على سبط لاوى. لا توجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى التعليم بقيامة الأموات أو خلود النفس. كما لا توجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى الرجاء المسيانى.

 

ثالثاً: تاريخ الكتابة

يغطى سفر مكابيين الأول الفترة الزمنية ما بين (مُلك أنطيوخس سنة 175 وموت سمعان سنة 135 ق. م. ).

من المؤكد أن سفر مكابيين الأول كُتب قبل سنة 63 ق. م وأن عملية جمع المواد بدأت منذ عهد سمعان 143 – 134 ق. م. وإتمام العمل ربما الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد.

يقول العلامة تورى Torry أن سفر مكابيين الأول كتب بقلم شخص عاصر كل أحداث المكابيين منذ بدايته.

دونت التواريخ المقترحة لكتابة سفر مكابيين الأول سنة 80 ق. م.

سفر مكابيين الأول مفعم بالوثائق والرسائل المتبادلة في جو من الدبلوماسية الحارة، ما بين اليهود وجيرانهم وأصدقائهم.

 

رابعاً: التاريخ في حقبة المكابيين

تختلف التقاويم وطريقة الحساب منها التقويم السلوقي الرسمى والتقويم اليهودى. وهكذا تزيد مشكلة التواريخ في سفرى المكابيين الأول والثانى.

 

خامساً: اللغة الأصلية للسفر

يُجمع العلماء والنقاد على أن سفر مكابيين الأول كُتب بالعبرية كما يذكر جيروم ويؤكد ذلك العلامة أوريجانوس ومما يؤكد هذا العبارات العبرية الواردة في سفر مكابيين الأول وترجمت إلى اليونانية ومخطوطات الترجمة السبعينية والسريانية واللاتينية والسكندرية.

 

سادساً: أقسام سفر مكابيين الأول

اضطهاد اليهود ص 1، 2

يهوذا المكابي ص 3-9

أهم الأحداث بعد يهوذا ص10 -16

غلب الإسكندر الأكبر المقدونى داريوس ملك فارس ومادى فقامت المملكة اليونانية، وخضع لها ملوك كثيرون. وبعد موته انقسمت إلى 4 ممالك.

ظهور أنطيوخس أبيفانيوس الذي حارب مصر وعاد إلى أورشليم ليلزمهم بالوثنية، فغار متتا الكاهن على شريعة الرب وعهده.

قدم متتيا للشعب أمثلة لرجال الله، منهم: إبراهيم الأمين في تجربته حُسب له براً.

 يوسف حفظ الوصية فصار سيد مصر.

 كالب الأمين في الشهادة نال الميراث.

 إيليا الغيور صعد إلى السماء

ظهور يهوذا وانتصاراته (3، 4) أقام عيد التجديد 59:4

هجومه ضد الأمم الثائرة عليهم. 5

 سمع أنطيوخس وهو يحارب في فارس عن عزيمة ليسياس في اليهودية فمات 6

قتل ديمتريوس السلوقي الرومانى ليسياس مغتصب المملكة. حارب أورشليم فغلب يهوذا. 7

معاهدة بين المكابيين وروما 8

ديمتريوس يهاجم يهوذا 9

استعداد اسكندر بن أنطيوخس (الملك المقتول) للانتقام لأبيه من ديمتريوس محاولى كل منها استمالة يوناثان الذي قام عوض أخيه يهوذا. فقام يوناثان بتجديد أسوار أورشليم وانحاز للإسكندر الذي قتل ديمتريوس، فقام ابن الأخير يحاربه لمنه انهزم فكافأ اسكندر ويوناثان. 10

اسكندر يطالب صداقة بطليموس (مصر) ويتزوج ابنته، لكنه عاد فقتل بطليموس. تكوين صداقة بين يوناثان وديمتريوس، الأول أنقذ الثاني وأعاد إليه عرشه احتيال تريفون صديق الاسكندر واسترداد الملك لابن الاسكندر وتودد تريفون ليوناثان وشمعون أخيه 11

تجديد الصداقة بين يوناثان وروما خدعة تريفون ليوناثان. سمعون يقود الجيش بعد اغتيال أخيه يوناثان. تريفون يقتل ابن الاسكندر. تودد شمعون لديمتريوس ومصالحته 12، 13

ديمتريوس يحارب مادى فيسقط أسيراً 14

انطيوخس يحكم عوضاً عن ديمتريوس ويتودد لشمعون، بينما يهاجم تريفون ويغلبه 15

قائد أريحا يخدع شمعون وابناً لها فيقتلهما، ويقوم يوحنا بن شمعون بالقيادة وبناء الأسوار 16

 

سابعاً: قانونية سفر مكابيين الأول

 

قبلت الكنيسة سفرى المكابيين الأول والثانى لأنهما يتفقان في الوحي مع بقية أسفار الكتب المقدسة القانونية.

رفض اليهود بعض الأسفار لأنهم لم يجدوا النسخة الأصلية العبرية.

المجامع التى أقرتها:

  1. ورد هذان سفر مكابيين الأولان في القانون الخامس والخمسون من المجموعة الثانية للرسل الأطهار
  2. وردت في قوانين مجمع نيقية سنة 325م.
  3. مجمع هيبو سنة 393م والذي ترأسه القديس أغسطينوس.
  4. مجمع قرطاج الثالث سنة 397م.
  5. مجمع قرطاج سنة 419م.
  6. مجمع ترنت للكاثوليك في سنة 1545م.
  7. مجمع القسطنطينية لليونان الأرثوذكس سنة 1672 م.
  8. وقد ذُكرت في قوانين الشيخ بن العسال. أصول الدين.
  9. كتاب الشيخ الصفى ابن العسال (القوانين).
  10. ذكرها كذلك القس شمس الرياسة في كتاب (مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة).

وجاء في دائرة المعارف للبستانى أن الإسرائيليون كانوا يقرأون تلك الأسفار في اجتماعاتهم.

 

ثامناً: القديسين الذين شهدوا بقانونية سفر المكابيين

  1. القديس كليمندس السكندرى (155 – 220 م).
  2. القديس كليمندس الرومانى (ولد 90 / 100 م).
  3. العلامة ترتليان له مكانة مرموقة في تاريخ اللاهوت.
  4. القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة، سيم أسقفاً سنة 248 وتنيح سنة 258م.
  5. العلامة أوريجانوس (185 – 254 م).
  6. القديس هيبوليتس الرومانى.
  7. القديس هيلارى (إيلاريون) أسقف بواتييه تزعم مقاومة الأريوسية.
  8. القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية (329 – 379 م).
  9. القديس غريغوريوس النزينزى (ولد في سنة 329 م).
  10. القديس أثناسيوس الرسولى (296 – 373 م) بطريرك الإسكندرية.
  11. القديس كيرلس الأورشليمى (315 – 387 م).
  12. القديس أمبروسيوس أسقف ميلان (340 – 397 م).
  13. القديس أغسطينوس أشهر آباء الكنيسة اللاتينية (354 – 430 م).
  14. القديس يوحنا فم الذهب (تنيح سنة 407م) أسقف القسطنطينية.
  15. القديس مار أفرام السريانى (تنيح سنة 373م).
  16. القديس إيرونيموس (جيروم) ولد في دلماطية سنة 350م.
  17. القديس يوحنا كاسيان (350/360 440/450م).
  18. الأب أفراهات السريانى (القرن السابع) ويلقب بالحكيم الفارسى.
  19. القديس يوحنا الدمشقى (تنيح سنة 754م).
  20. الشهيد فيكتوريانوس أسقف ” بيتاو ” في النمسا (تنيح سنة 30م).

 

 

تاسعاً: السمات الآدبية للسفرين

أن الأسلوب الأدبى للسفر يثير الإعجاب، إذ كتب بطريقة مباشرة وبسيطة ودون افتعال.

قدم الكاتب الأحداث بتفاصيلها بشكل شيق جذاب وبأسلوب ينبض بالحياة مع التزام بالخضوع للوحى.

أن الكاتب كتب بأسلوبه إلا أن ذلك يتفق مع أسلوب أسفار العهد القديم.

أن الكاتب معاصر للاحداث وليس روائياً يسرد أحداثاً سابقة.

نجد رزانة الكاتب من جهة العقيدة غير ميال إلى المغالاة أو التعصب.

لم يذكر اسم الله صراحة وذلك نظراً لعظم جلاله وكان متأثراً بالاتجاهات الدينية لليهود في ذلك الوقت.

سفر مكابيين الأول غنى بالمعلومات التاريخية الحديثة والمفصلة.

 

عاشراً: سفر المكابيبن في الآداب والفنون اللاحقة:

تأثر الأدباء والفنانون والرسامون والنحاتون بسفر المكابيين وأحداثه وشخصياته ووجدوا فيه مادة غنية لفنونهم ورسومهم وتماثيلهم ولوحاتهم.

في المسرح: أستوحى الكاتب الإنجليزى الشهير (وليم شكسبير) مسرحيته الشهيرة (يوليوس قيصر).

 

حادى عشر: القيمة الليتورجية للسفر

 مكانة سفر مكابيين الأولين في العبادة:

يبرز الجانب الليتورجى لسفرى المكابيين في اتجاهين.

أولهما: التقليد ويشمل الهيكل والكهنوت والأعياد.

ثانيهما: الاستشهاد.

ويمكن اعتبار سفر مكابيين الأولين بشكل عام سفرى تاريخ وليتورجية.

 

الهيكل والطقوس

تدور أحداث سفر مكابيين الأول حول الهيكل في أورشليم والاحتفال بعيد التجديد (تطهير الهيكل) وعيد المظال. كان تدنيس الهيكل وإبطال السبت والختان والذبيحة والتعدى على الناموس هو الشرارة الأولى للثورة المكابية بقيادة متتيا أبو المكابيين، وتطلب ذلك منهم القيام بصلوات وأصوام استدراراً لمراحم الله.

هدموا حجارة المذبح الذي دسه أنطيوخس أبيفانيوس ونالوا الحرية الدينية ومارسوا الختان وتقديس السبت واستئناف الذبائح في الهيكل واستردت الشريعة مكانتها.

الكهنوت

يتضح لنا جلياً مدى تكريم وتقدير اليهود لرئيس الكهنة المعين من الله مقابل كراهيتهم ومحاربتهم لرؤساء الكهنة المفروضة عليهم.

تقلد رئيس الكهنة القيادة الدينية والعسكرية والمدنية معاً.

الأعياد

السبت:

على جانب اهتمام المكابيين بقضية السبت وضرورة الاحتفال به وتوقف سائر الأعمال فقد أضافوا إليه بعداً جديداً وهو أنه جُعل لأجل الإنسان، وبالتالى فلا مانع من الاشتراك في الحروب في السبت ما دام كان ذلك دفاعاً عن النفس.

يوم نكانور:

كما جعلوا من اليوم الذي هزموا فيه القائد السلوقي (نكاتور) عيداً قومياًَ فقد قطعوا رأسه ويده اليمنى وعلقوهما على سور المدينة وهي عادة قديمة في الحروب لأنه تطاول على الله والشعب.

عيد التجديد:

يعد أهم أعياد تلك الفترة وكان عيداً قومياً صاخباً وفى أيام السيد المسيح كان عيداً هاماً ورد ذكره في (يو22:10)

الاستشهاد وتكريم الشهداء:

تعرض اليهود إبان الحكم السلوقي لشتى ألوان الاضطهاد. وقد أضطهد كل من ختن ابنه، فلقد علقوا طفلين في عبق أسهم لأنها ختنهم ولذلك تعرض للأذى كل من أقتنى نسخة من التوراة.

وقد اعتبرت الكنيسة هؤلاء الشهداء شهداء مسيحيون قبل المسيحية وقد أشار لذلك القديس يوحنا ذهبى الفم والقديس أغسطينوس.

التقويم والتأريخ:

يشار إلى الكثير من الأحداث داخل سفر مكابيين الأول بحسب التقويم اليهودى إلا أن سفر مكابيين الأولان يؤرخان الأحداث بحسب التقويم القمرى الشمسى لدى السلوقيين بينما يؤرخ سفر مكابيين الأول الأول بحسب الحساب الخريفى الذي يطابق العصر المقدونى الأنطاكى.

الصلاة عن الراقدين:

في ليتورجيات الكنيسة الآن خصص أكثر من مكان فيها للصلاة عن الراقدين (أوشية الراقدين الترحيم وتدور هذه الصلوات حول عقيدة قيامة الأموات وفائدة هذه الصلوات لمن رقدوا في الرب من أجل الهفوات والسهوات).

وفى القداس الغريغورى نصلى من أجل المساكين في الجبال والمقابر وأخوتنا الذين في السبى إشارة إلى المكابيين والفترة التى اضطهدوا فيها.

لحن الأبيفانيا:

رتب القديس مار افرام السريانى لحناً يقال في عيد الأبيفانيا (الظهور الإلهى) وتدور كلماته حول النار المقدسة التى عثر عليها الكهنة بعد العودة من السبى وحين أرادوا استئناف الذبائح (2مكا19:1).

عمل التماجيد:

لوحظ بعد الانتصارات قيام الشعب بالصلاة والتسبيح فيما يشبه التماجيد بعد انتصارهم في معركة عماوس.

عاد اليهود وهم يسبحون السماء ويباركونها قائلين إنه صالح وأن للأبد رحمته.

وبعد الاستيلاء على قلعة أورشليم قاموا بعمل مثل هذا التمجيد بالمزامير والقيثارات والصنوج والتسابيح.

الإعفاء من الرسوم في المواسم والأعياد:

يرد في سفر مكابيين الأول أن الملك ديمتريوس الأول أصدر عفواً من الضرائب والرسوم والديون خلال أيام الاحتفالات والأيام الثلاثة التى تسبقها وكذلك تلك التى تليها وتتبعها.

التحية الحارة (العافية):

ويرد في سفر الأعمال 19:15، 30:23 تعبير العافية والمعفاة مقترنة بالتحية وهو التعبير الذي لا نجد له نظير في العهد القديم كله سوى في سفر المكابيين الثاني.

 

ثانى عشر: القيمة العقائدية للسفر

يسود الاعتقاد بأن تدبير الله يشمل جميع الناس وجميع الأحداث وأما عدم نطق اسم الله فهو من قبيل الإجلال والقدسية على الاسم المقدس.

 

وفى سفر مكابيين الأول الثاني:

قيامة الأموات والدينونة.

الصلاة عن الراقدين.

الخلق.

الله الضابط الكل.

الشفاعة.

 

ثالث عشر: سفر المكابيين والعهد الجديد

هناك بعض المتشابهات بين سفر المكابيين ورسالة أفسس والعبرانيين وأشار القديس يوحنا إلى عيد التجديد (سفر الرؤيا ولوقا ومتى ومرقس).

 

رابع عشر: سفر المكابيين ونبوات دانيال

يحوي المكابيين تحقيق بعض النبوات الواردة في سفر دانيال ص11، دانيال 8، 9.

 

خامسا عشر: سفر المكابيين وسفر زكريا

تنبأ زكريا النبى والذي عاش في أواخر ق 6 ق. م عن مملكة الأسكندر الأكبر والتى انتهت بها مملكة فارس كما تنبأ عن الصراع فيما بين خلفائه ثم الثورة المكابية.

 

سادس عشر: بعض الاعتراضات على سفر مكابيين الأول ومناقشتها

1 يشير سفر مكابيين الأول إلى أن عصر الوحي قد انتهى، وأن الأسفار المقدسة التى في أيديهم هي المصدر الوحيد للتعزية في الحزن والضيق (9:12) فكيف يمكن النظر إلى الأسفار التى ظهرت بعد ذلك ومنها سفرى المكابيين أسفاراً مقدسة موحى بها من الله؟.

الرد:

تعنى أن كلمة الرب كانت عزيزة في تلك الأيام وليس دليلاً على توقف الوحى، بل هو شعور بمفارقة دور النبوءة وذلك بسبب خطايا الأمة.

2 أعتمد المؤرخ اليهودى يوسيفوس في تاريخه على سفر مكابيين الأول، غير أن اقتباسه من سفر مكابيين الأول يتوقف عند الإصحاح الرابع عشر مما يوحى بأن باقى سفر مكابيين الأول ليس أصيلاً فكيف ذلك؟.

الرد:

يرى بعض العلماء أن الوصف الموجود في كتاب يوسيفوس ” الآثار اليهودية ” لا يخلو تأثر بسفر مكابيين الأول لاسيما فيما يختص بالجزء الأخير من حكم سمعان ولذلك فليس هناك مبرر لإنكار الجزء الأخير من سفر مكابيين الأول.

3 لماذا لم يشر إلى اسم الله مطلقا في سفر مكابيين الأول وإنما أشير إليه بعبارات مثل إله السماء أو السماء.

الرد:

جاء ذلك على سبيل التقديس، وتنزيه أسم الله عن النطق به بشفاء تشعر بدنسها.

4 كاتب سفر مكابيين الأول بدا وكأنه يتساهل في السبت؟

الرد:

إن اليهود لم يتساهلوا في السبت، ولكنهم أصبحوا أكثر تفهماً لروح الشريعة، وأن السبت وضع لأجل الإنسان.

5 لا يوجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى الرجاء المسيانى، رغم كل ما ورد عنه في الأنبياء، بل ويرد في (47:2) ما يشير إلى الاعتقاد بأنه يوماً ما ستملك أسرة داود، فكيف يفسرَ ذلك؟

الرد:

رأى اليهود في شخص يهوذا المكابي ” مخلص إسرائيل ” مثلما كان القضاة والملوك قديماً.

6 لماذا لا توجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى الخلود وقيامة الأموات رغم إيمان اليهود بهما في ذلك الوقت.

الرد:

 لا يعنى هذا أن سفر مكابيين الأول غير مستوف لجوانبه القانونية، فإن روح سفر مكابيين الأول مشبعة بهذا الفكر كما أن الكثير من الأسفار الأخرى ليس بها إشارات صريحة للقيامة والخلود.

 

سابع عشر: مصادر سفر مكابيين الأول

يعد سفر مكابيين الأول وثيقة تاريخية بالغة الأهمية وسفر مكابيين الأول غنى بالمعلومات التاريخية.

والاستفسار بمصادر مكتوبة

1 الرسائل والوثائق الرسمية.

2 تاريخ السلوقيين.

3 سجل عن مسيرة يهوذا المكابي.

4 سجلات رؤساء الكهنة.

 

ثامن عشر: الصلاة في سفر مكابيين الأول

” فاجتمعوا وساروا إلى المصفاة قبالة أورشليم لأن المصفاه كانت من قبل هي موضع الصلاة لإسرائيل. ورفعوا أصواتهم الى السماء قائلين ما نصنع بهؤلاء وإلى أين ننطلق بهم. فان أقداسك قد ديست ودُنست وكهنتك في النحيب والمذلة. وها إن الأمم قد اجتمعوا علينا ليبيدونا وأنت عليم بما يأتمرون علينا. فكيف نستطيع الثبات أمامهم إن لم تكن أنت في نصرتنا ” (مكابيين الأول 50:3-52).

” فالآن لنصرخن الى السماء لعله يرحمنا ويتذكر عهد آبائنا ويكسر هذا الجيش أمامنا اليوم فتعلم كل الأمم إن لإسرائيل فادياً ومخلصاً ” (مكابيين الأول 10:4، 11).

يهوذا: ” فرأى جيشا قويا فصلى وقال مبارك أنت يا مخلص إسرائيل الذي حطم بطش الجبار على يد عبده داود وأسلم محلة الأجانب إلى يد يوناثان بن شاول وحامل سلاحه. فألق هذا الجيش في أيدى شعبك إسرائيل وليخزوا مع جنودهم وفرسانهم. أحلل عليهم الرعدة وأذب تجبر قوتهم وليضطربوا وينسحقوا. أسقطهم بسيف محبيك وليسبحك بالأناشيد جميع الذين يعرفون اسمك ” (مكابيين الأول 30:4-33).

” وسقطوا بوجوههم على الأرض ونفخوا في أبواق الإشارة وصرخوا إلى السماء ” (مكابيين الأول 40:4).

” وخرج في ثلاث فرق من ورائهم ونفخوا في الأبواق وصرخوا في الصلاة ” (مكابيين الأول 33:5)

” فدخل الكهنة ووقفوا أمام المذبح والهيكل وبكوا وقالوا إنك يا رب قد اخترت هذا البيت ليدعى فيه باسمك ويكون بيت صلاة وتضرع لشعبك. فانزل النقمة بهذا الرجل وجيشه وليسقطوا بالسيف واذكر تجاديفهم ولا تُبق عليهم ” (مكابيين الأول 36:7-38).

” وصلى يهوذا وقال انه لما جدف الذين كانوا مع ملك أشور خرج ملاكك يا رب وضرب مئة ألف وخمسة وثمانين ألفاً منهم. هكذا فاحطم هذا الجيش أمامنا اليوم فيعلم الباقون أنهم تكلموا على أقداسك سوءا واقض عليه بحسب خبثه ” (مكابيين الأول 40:7-42).

” فمزق يوناثان ثيابه وحثا التراب على رأسه وصلى ” (مكابيين الأول 71:11).

” فرق لهم سمعان وكف عن قتالهم وأخرجهم من المدينة وطهر البيوت التي كانت فيها أصنام ثم دخلها بالتسبيح والشكر ” (مكابيين الأول 47:13).

ودخلها في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني في السنة المئة والحادية والسبعين بالجمد والسيف والكفارات والصنوج والعيدان والتسابيح والأناشيد.

رأى سمعان أن يوحنا ابنه رجل بأس نجعله قائداً لجميع الجيوش.

 

تاسع عشر: العناصر الرئيسية لكل فصل من فصول سفر مكابيين الأول.

الفصل الأول

  • العناصر الأساسية في الإصحاح الأول:
  • فتح الأسكندر بين فيلبس المكدونى حصوناً متعددة وآثار حروباً كثيرة وقتل ملوك الأرض وأستولى على البلاد والأمم والسلاطين.
  • أحس بدنو أجله فقسم المملكة في حياته على الكبراء.
  • وكان ملك الاسكندر 12 سنة ومات.
  • كثرة الشرور في الأرض بعد تملك عبيده.
  • خرجت منهم جرثومة أثيمة هي أنطيوكس الشهير ابن أنطيوكس الملك.
  • في تلك الأيام خرج من إسرائيل أبناء منافقون ساروا بأحكام الأمم وارتدوا عن العهد المقدس وباعوا أنفسهم لصنع الشر.
  • أزمع الملك أنطيوكس على امتلاك مصر وحاربها بجيش وأسطول عظيم وأستولى عليها.
  • صعدوا إلى أورشليم وحطم المواضع والأوانى المقدسة، وكانت مناحة عظيمة في إسرائيل ولبسوا الخزى.
  • وبعد سنتين أرسل الملك رئيس الجزية إلى مدن يهوذا وهجم على المدينة وضربها ضربة عظيمة وأهلك شعباً كثيراً من إسرائيل ونجسوا المقدس.
  • تبع كثير من إسرائيل الملك أنطيوكس وارتضوا دينه وذبحوا للأصنام ودنسوا السبت وأمر الملك بعبادة الأصنام ونسوا الشريعة وقتل كل من يخالف أوامر الملك.
  • ومات كثير من إسرائيل من الذين لم ينفذوا أوامر الملك.

الفصل الثاني

  • خروج متتيا بن يوحنا بن سمعان من أورشليم كاهن من بني يوياريب وسكن في مودين وكان له خمسة بنين.
  • 1 يوحنا الملقب بكيدس. 2 سمعان المسمى بطسي
  • 3 يهوذا الملقب بالمكابي 4 العازار الملقب باواران
  • 5 ويوناثان الملقب بأفوس.
  • متتيا بن يوحنا يصف حال إسرائيل المتدنى.
  • متتيا بن يوحنا يتمسك بعهد آبائه والشريعة والأحكام رغم الإغراءات وغيرته على مذبح الله.
  • أصبح لمتتيا أتباعاً كثيرين مما يبتغون العدل والحكم.
  • هجم أتباع الملك على أتباع متتيا وقتلوا منهم ألفاً.
  • حزن متتيا حزناً شديداً.
  • هدم متتيا وأتباعه المذابح وختنوا كل من وجدوه في تخوم إسرائيل وأنقذوا الشريعة.
  • متتيا يوصى أولاده قبل موته ويستشهد ب إبراهيم ويوسف وفنحاس ويشوع وكالب وداود وإيليا وحننيا وعزريا وميثائيل ودانيال. ” فأنتم أيها البنون تشددوا وكونوا رجالاً في الشريعة فإنكم بها ستمجدون “. ثم باركهم وأنضم إلى آبائه وبكاه جميع إسرائيل بكاءً شديداً.

الفصل الثالث

  • تولى يهوذا ابنه المسمى بالمكابي وكان قوياً وشجاعاً كالأسد في حركاته وكالشبل الزائر على الفريسة وحارب حرب إسرائيل يفرح.
  • هزيمة حشودا بلونيوس أمام يهوذا وقتله وسقط قتلى كثيرون.
  • انكسار سارون قائد جيش سورية أمام يهوذا وقال يهوذا (ما أسهل أن يدفع الكثيرون إلى أيدى القليلين وسواء عند إله السماء أن يخلص بالكثيرين وبالقليلين. فإنه ليس الظفر في الحرب بكثرة الجنود وإنما القوة من السماء.
  • تحالف أنطيوكس الملك مع ليسياس ضد إسرائيل.
  • اختار ليسياس بطلماوس بن دوريمانس ونكانور وجرجياس رجالاً ذوى بأس من أصحاب الملك ومعهم 40 ألف راجل و7 آلاف فارس وانضمت إليهم جيوش سورية وأرض الغرباء.
  • التجأ يهوذا وأخوته إلى الصلاة والصوم والمسوح والرماد وكتب الشريعة والعشور والباكورات والنذور والمشيئة الإلهية ونصرة الرب. وترتيب الجيش.
  • استبعد يهوذا المشغولين ببناء بيت أو خطب امرأة أو غرس كرماً والخائفين.
  • التحلى بالشجاعة والاستعداد للحرب.
  • من أقواله ” الموت بكرامة أفضل من العيش في مذلة “

الفصل الرابع

  • انتصار يهوذا على كل جيوش جُرجياس ومعه 3 آلاف رجل وسقط 3 آلاف رجل من جيش جرجياس وفروا أمام يهوذا وعادوا يسبحون الرب ويباركوه إلى السماء. لأنه صالح إلى الأبد رحمته.
  • هزيمة ليسياس أمام يهوذا وسقط خمسة آلاف من جيشه.
  • تطهير المقادس واختيار كهنة بلا عيب وبناء المذبح والمقادس وآوانى مقدسة وتقديم ذبيحة على مذبح المحرقة وتدشين المذبح وذبحوا ذبيحة السلامة والحمد.
  • سرور الشعب وابتهاجه بتدشين الهيكل وتقديم الذبائح وبناء أسوار حصينة وإقامة جيش للحراسة.

الفصل الخامس

  • الحملات على الأمم الوثنية.
  • يهوذا يحارب بني عيسو في أدوم عند أقربتين لأنهم كانوا يضيقون على إسرائيل وضربهم ضربة عظيمة.
  • انتصارات يهوذا على بني بيان.
  • هزيمة تيموثوس أمام يهوذا وفتح يعزير وتوابعها ثم عاد إلى اليهودية.
  • جمع يهوذا الشعب وعقد مجمعاً وتشاور ماذا يصنع لأخوته المحصارين.
  • تقسيم الجيش سمعان في الجليل، ويهوذا ويوناثان في جلعاد ويوسف بن زكريا وعزريا في اليهودية.
  • انكسار الأمم أمام يهوذا واخوته وسقوط 3 آلاف رجل منهم.
  • مواصلة انتصارات يهوذا على تيموثاوس وسقوط 8 آلاف رجل من جيشه وافتتح مدن جلعاد.
  • يهوذا في مقدمة جيشه وتحقيق الانتصارات واستولى اليهود على مدينة قرنائيم.
  • مواصلة انتصارات يهوذا المكابي على عقرون وعبور الأردن حتى وصلوا أرض يهوذا وصعدوا جبل صهيون بسرور وتقديم المحرقات.
  • انتصار جرجياس على يوسف وعزريا وسقط 1000 رجل من إسرائيل.
  • عظمة يهوذا وأخوته أمام عيون كل إسرائيل.
  • توجه يهوذا إلى أشدود وهدم مذابحهم وأحرق منحوتات آلهتهم بالنار.

الفصل السادس

  • موت أنطيوكس أبيفانيوس وصراع اليهود مع خليفته.
  • الحزن يورث المرض، تأنيب الضمير وما يصاحبه من مشاعر نفسية سيئة (مكابيين الأول 12:6-13).
  • تولى أوباطور ابن أنطيوكس مكان أبيه في اعتلاء العرش.
  • انتصار يهوذا على جيشه أوباطور وسقط 600 رجل.
  • ليسياس يعقد صلحاً مع اليهود بعد فشله في الحرب السابقة معهم.

الفصل السابع

يمثل هذا الإصحاح حلقة جديدة في صراع المكابيين مع الحكام السلوقيين من جهة واليهود المرتدين عن الشريعة إلى المدينة الهيلنية من جهة أخرى، ولاسيما رئيس الكهنة والذي كان يليق به أن يضطلع بدور إيجابى وسط هذه الأحداث التى حولت تاريخ الأمة فإذ به يعمل ضدها ولصالح الأعداء ولكن وكما هو معروف فإن المتاعب الداخلية أصعب بكثير من الخارجية فإن من الصعب على العدو اختراق الصفوف متى كانت الأمة متماسكة لها فكر واحد وهدف واحد.

هم عناصر الفصل:

  • جيوش ديمتريوس بن سلوقس تقتل أنطيوكس وليسياس وجلوس ديمتريوس على عرش ملكه.
  • طمع ألكيمس أن يصير كاهناً أعظم وحوله جميع النفاق والكفر من إسرائيل.
  • تواطؤ ألكيمس وبكيدس ضد بني إسرائيل.
  • قتل 60 رجلاً من إسرائيل مكراً وغدراً.
  • أرسل الملك نكانور أحد رؤسائه المشهورين وأمره بإبادة الشعب.
  • وفد نكانور إلى أورشليم وأظهرا سلاماً (خداعاً ومكراً).
  • قتال نكانور ويهوذا عند كفر سلام وسقوط خمسة آلاف رجل من جيش نكانور.
  • تهديدات نكانور في جبل صهيون على الهيكل.
  • التحام جيش نكانور ويهوذا وسقوط نكانور وانكسار جيشه وسقوطهم جميعاً بالسيف.
  • قطع رأس نكانور ويمينه وعلقوها قبالة أورشليم.
  • ساد الهدوء أرض يهوذا أياماً كثيرة.

الفصل الثامن

  • سمع يهوذا بأن الرومان ذوا اقتدار عظيم، وقهروا فيلبس وفرساوس ملك كيتم في الحرب، وكسروا أنطيوكس الكبير ملك آسيه.
  • سقوط اليونان أمام الرومان.
  • أرسل يهوذا أبولمس بن يوحنا بن أكوس وياسون بن ألعازر إلى رومية ليعقدوا عهد المولاة والمناصرة والمسالمة. (معاهدة دفاع مشترك).
  • حذر الرومان الملك ديمتريوس من سوء معاملة اليهود.

الفصل التاسع

  • أرسل ديمتريوس بكيدس وألكيمس ونزلا في طريق الجلجال ونزلا عند مشالوت باربيل وأهلك نفوساً كثيرة. ثم نزلا على أورشليم ثم على بئروت.
  • تخاذل جنود يهوذا وتراجعهم وسقوط يهوذا في الحرب. وأشار عليه رجاله بالهرب فقال ” فلنموتن بشجاعة عن أخواتنا ولا نبقين على مجدنا وصمة “.
  • حمل يوناثان وسمعان يهوذا أخاهما ودفناه في قبر آبائه في مودين وبكاه شعب إسرائيل وقالوا ” كيف سقط البطل مخلص إسرائيل؟ “.
  • حدوث مجاعة عظيمة وحل بإسرائيل ضيق عظيم.
  • انتصار يوناثان على رجال بكيدس وسقوط ألف رجل وعودته إلى أورشليم.
  • موت ألكيمس في عذاب شديد.
  • تآمر المنافقين مع بكيدس ضد يوناثان.
  • يوناثان يستأصل المنافقين من إسرائيل.
  • يوناثان يعقد مصالحة مع بكيدس ورد الأسرى.

الفصل العاشر

  • فتح الاسكندر الشهير ابن أنطيوكس بطلمايس.
  • محاولة ديمتريوس استمالة يوناثان إلى جانبه ضد الاسكندر.
  • حاول الاسكندر موالاة اليهود.
  • أرسل الملك ديمتريوس رسالة مطولة لمحاولة التقرب لليهود واعداً لهم بإغراءات كثيرة ولكن اليهود أثروا العهد مع الأسكندر.
  • احتفال اليهود بعيد المظال.
  • هزيمة ديمتريوس الملك أمام الاسكندر وسقوطه.
  • حاول الاسكندر مصاهرة بطلماوس الملك بمصر بزواج ابنه كلوبطره.
  • زواج الاسكندر من كلوبطره باحتفال عظيم.
  • مقابلة الاسكندر يوناثان وإقامة قائداً وشريكاً في الملك.
  • فرار أبلونيوس بجيشه وخيله أمام سمعان ويوناثان.

الفصل الحادى عشر

  • حاول ملك مصر الاستيلاء على مملكة الاسكندر.
  • مقابلة يوناثان الملك ببطلماوس.
  • أرسل الملك بطلماوس رسلاً إلى ديمتريوس لمصاهرته وعقد عهد معه.
  • هزيمة الاسكندر أمام بطلماوس وقطع رأسه وموت بطلماوس الملك وملك ديمتريوس.
  • تعظيم يوناثان أمام ملك ديمتريوس واقره في الكهنوت الأعظم. وكتب كتاباً بالإحسان إليهم ومناصرتهم.
  • أرسل يوناثان 3 آلاف رجل أشداء البأس إلى أنطاكية لمؤازة الملك.
  • عظم أمر اليهود عند الملك وعند جميع أهل مملكته.
  • جلوس ديمتريوس الملك على عرش ملكه.
  • هزيمة ديمتريوس واستيلاء تريفون على الفيلة وفتح أنطاكية.
  • كتاب أنطيوكس الصغير إلى يوناثان قائلاً أنى أقرك في الكهنوت الأعظم وأقام سمعان أخاه قائداً من عقبة صور إلى حدود مصر.
  • سقوط 3 آلاف من الأجانب أمام يوناثان وروع يوناثان إلى أورشليم.

الفصل الثاني عشر

  • كتاب يوناثان الكاهن الأعظم إلى أهل إسبرطة (رومية) ليجدد المولاة والمناصرة والإخاء.
  • استجاب باريوس ملك الإسبرطين إلى طلبهم.
  • فرار جيش ديمتريوس أمام يوناثان.
  • استحواز سمعان على يافا.
  • حاول ترينون أن يهلك يوناثان ولكنه خشى بأسه ورأى جيشه البالغ 40 ألف رجل فتلقاه بالإكرام والهدايا.
  • خدعة تريفون بتسرع الجيش ولم يبق مع يوناثان إلا 3 آلاف.
  • أرسل تريفون جيشاً وفرساناً إلى الجليل والصحراء الواسعة لإهلاك جميع رجال يوناثان
  • موت يوناثان ومناحته عظيمة عند جميع إسرائيل.

الفصل الثالث عشر

  • تولى سمعان القيادة مكان أخيه يوناثان.
  • شيد سمعان بناء عظيم على قبر أبير واخوته وبنى سبعة أهرامات.
  • قتل تريفون أنطيوكس الملك الصغير.
  • بنى سمعان حصوناً وبروجاً وأسواراً عظيمة.
  • أرسل ديمتريوس الملك كتاباً إلى سمعان الكاهن الأعظم يعقد سلماً.
  • استيلاء سمعان على غزة.

الفصل الرابع عشر

  • ألقى أرساكيس ملك فارس وماداى القبض على ديمتريوس وألقاه في السجن.
  • هدأت أرض يهوذا كل أيام سمعان.
  • غار على الشريعة واستأصل الشر كل أثيم وشرير، وغطَّم الأقداس وأكثر من الآنية المقدسة.
  • أرسل الإسبرطيون إليه ليجدوا العهد واستجاب سمعان لهم.
  • أحب الشعب سمعان لما فعله من العدل والوفاء والمجد وإعزاز شعبه وانتصاراته وحسن لديهم أن يكون سمعان رئيساً وكاهناً أعظم وقائداً مدى الدهر ويتولى أمر الأقداس.

الفصل الخامس عشر

  • أنفذ أنطيوكس بن ديمتريوس الملك كتاباً إلى سمعان الكاهن الأعظم رئيس أمة اليهود (معاهدة تضامنية).
  • عدالة سمعان (إنا لم نأخذ أرضاً لغريب ولم نستول على شئ لأجنبى ولكنه ميراث آبائنا.

 

الفصل السادس عشر

  • سمعان يفوض ابنيه يهوذا ويوحنا لمواصلة الدفاع عن إسرائيل (أخرجا وقاتلا عن أمتكما وليؤازركما النصر من السماء).
  • انكسار كندباوس وجيشه أمام يوحنا وجُرح يهوذا وسقط ألف منهم.
  • غدر بطلماوس بن أبوبس على سمعان وبنيه.
  • قتل بطلماوس بن أبوبس سمعان وبنيه وبعض غلمانه. وخان خيانة عظيمة.

 

المراجع:

  • مدخل إلى سفرى المكابيين إعداد راهب من دير البراموس
  • مقدمات في أسفار الكتاب المقدس كنيسة مارجرجس سبورتنج
  • سفرالمكابيين الأول القمص / بيشوى عبد المسيح
  • جغرافية الكتاب المقدس عهد قديم القمص / ميخائيل فهمي

إقرأ أيضًا:

قانونية الأسفار القانونية الثانية

المقدمة والفهرس – الأسفار القانونية الثانية Arabic Deuterocanon

ما هي الأسفار القانونية الثانية؟ – الفصل الأول

نظرة البروتستانت للاسفار القانونية – الفصل الثاني

لماذا لا يؤمن البروتستانت بالأسفار القانونية الثانية؟ – الفصل الثالث

الرد على اعتراضات البروتستانت على الأسفار القانونية الثانية – الفصل الرابع

سفر طوبيا (طوبيت) – بحث شامل عن سفر طوبيا (طوبيت) وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر يهوديت – بحث شامل عن سفر يهوديت وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر المكابيين الثاني – بحث شامل عن سفر المكابيين الثاني وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر نبوة باروخ – بحث شامل عن سفر نبوة باروخ وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

المزمور 151 – بحث شامل عن المزمور 151 وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

صلاة منسى – بحث شامل عن صلاة منسى وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

تتمة سفر دانيال – بحث شامل عن تتمة سفر دانيال وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

تتمة استير – بحث شامل عن تتمة استير   وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

تتمة سفر دانيال – بحث شامل عن تتمة سفر دانيال وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

صلاة منسى – بحث شامل عن صلاة منسى وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

المزمور 151 – بحث شامل عن المزمور 151 وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر المكابيين الثاني – بحث شامل عن سفر المكابيين الثاني وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر نبوة باروخ – بحث شامل عن سفر نبوة باروخ وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر يشوع بن سيراخ – بحث شامل عن سفر يشوع بن سيراخ وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر حكمة سليمان – بحث شامل عن سفر حكمة سليمان وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد – ترجمة: مينا مكرم

يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد – ترجمة: مينا مكرم

يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد – ترجمة: مينا مكرم

المصادر الأولية: المذاهب والحقائق

ما هي الحقائق التي ذكرها المسيحيون الأوائل عن يسوع التاريخي في السنوات الأولى بعد صلبه؟ ما الذي كان يتألف من أقدم كرستولوجيا قبل تكوين العهد الجديد؟ هل من الممكن العودة إلى شهادات شهود العيان وإلى الحقائق التاريخية المتعلقة بيسوع؟ هذه أسئلة رائعة ومهمة للغاية، وكان أحد الجهود الرئيسية للمعرفة المعاصرة هو معالجة هذه القضايا. هذا هو أيضا مصدر اهتمام كبير في هذا الكتاب.

سنسعى في هذا الفصل إلى استكشاف مجال يرى الكثيرون أنه الوسيلة الواعدة لوصف طبيعة الفكر المسيحي قبل كتابة العهد الجديد. يتعلق هذا الموضوع العام بوجود مذاهب مسيحية مبكرة تكررت شفهياً أولاً ثم كتبت في كتب العهد الجديد. وبالتالي، بمعنى ما، هذه المادة ليست خارج الكتاب المقدس لأننا نعتمد على المادة الكتابية لمعتقدات الإيمان.

في الوقت نفسه، تمت صياغة هذه البيانات قبل كتابة أسفار العهد الجديد، التي تظهر فيها قوانين الإيمان. باختصار، تم نقل هذه المذاهب شفهيًا قبل سنوات من كتابتها، وبالتالي فهي تحتفظ ببعض التقارير المبكرة عن يسوع من حوالي 30-50 م. لذلك، بالمعنى الحقيقي، تحافظ قوانين الإيمان على مادة ما قبل العهد الجديد، وهي أول مصادرنا لحياة يسوع التاريخي.

يتضمن هذا الفصل أيضًا قائمة بالحقائق المقبولة من قبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا الذين درسوا هذا الموضوع. بعبارة أخرى، فإن علماء اللاهوت والمؤرخين والفلاسفة الذين درسوا العهد الجديد قد تأكدوا من عدد من الحقائق من حياة يسوع التاريخي من خلال الفحص النقدي للمصادر الكتابية. الإجراء في هذا الفصل هو أولاً فحص بعض المذاهب الكريستولوجية فيما يتعلق بالمعلومات المتعلقة بحياة وموت وقيامة يسوع التاريخي.

سيكون هذا الموضوع الأخير هو الاهتمام الخاص في القسم الثاني من هذا الفصل، حيث سنبحث في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، والتي ربما تكون أهم قانون إيمان في العهد الجديد (على الأقل لأغراضنا). ويلي ذلك عرض الحقائق المقبولة بشكل نقدي، كما ذكر أعلاه. أخيرًا، سيتبع ذلك فحص هذه البيانات.

 

المذاهب الكريستولوجية

في الكنيسة الأولى كانت هناك صيغ عقائدية متعددة تتوافق مع ظروف مختلفة في الإيمان المسيحي. كانت أكثر هذه الاعترافات شيوعًا ذات طبيعة كريستولوجية بحتة. [1] كان العنصران الأكثر شيوعًا في هذه العقائد يتعلقان بموت وقيامة يسوع وألوهيته. [2] وهكذا نلاحظ الاهتمام الرئيسي بحياة وشخص يسوع المسيح التاريخية.

 

حياة يسوع المسيح

كان المسيحيون الأوائل واثقين من أن “يسوع المسيح جاء في الجسد”، كما أعلن في الاعتراف الموجود في يوحنا الاولى 4: 2. [3] نادرًا ما كان الإيمان بتجسد يسوع معبرًا عنه بوضوح أكبر من “ترنيمة ما قبل بولس” في فيلبي 2: 6 وما يليها، [4] والتي تتحدث عن طبيعة يسوع البشرية والإلهية. تتناقض حياته المتواضعة على الأرض بشكل واضح مع مكانته السماوية “في صورة الله” وتمجيده وعبادته اللاحقين.

هناك قانون إيمان قديم آخر يعبر عن التناقض بين جوانب حياة يسوع، وهو تيموثاوس الثانية 2: 8. [5] هنا تتناقض ولادة يسوع من نسل داود مع قيامته من بين الأموات، مما يُظهر مرة أخرى الاهتمام المسيحي المبكر بربط يسوع بالتاريخ. [6] وبالمثل، فإن رومية 1: 3-4 هي أيضًا عقيدة قديمة سابقة لبولس. [7]

إنه يقارن بين الرجل يسوع “الذي من نسل داود حسب الجسد” مع يسوع الإلهي الذي تم إثبات ادعاءاته بقيامته من الأموات [8] لأغراضنا الحالية، نحتاج فقط إلى ملاحظة الاهتمام المبكر بيسوع الأرضي، صلات جسدية، لأنه ولد من نسل عائلة داود. كما يقول مول، كان نفس الإنسان يسوع هو الذي عاش ومات وتبرر لاحقًا. [9]

عقيدة واحدة في وقت مبكر هي تيموثاوس الأولى 3: 16 [10] (يشار إليها أحيانًا باسم “ترنيمة المسيح [11])، والتي تقدم تلاوة مختصرة لكل من يسوع البشري التاريخي والإلهي:

وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ (او الذي) ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ. (١ تيموثاوس ٣: ١٦)

لا يشير مول إلى التاريخ المبكر لهذا العقيدة فحسب، بل يشير أيضًا إلى نمط القافية الخاص بها، والذي ربما تم استخدامه في العبادة والتسبيح. [12] يقدم هذا البيان أيضًا تباينًا بين ولادة يسوع البشرية “في الجسد” وألوهيته، [13] مذكرا كذلك بموافقته بالروح وشهادة الملائكة. تم التبشير به بين أمم العالم وآمن به الناس قبل أن “يُرفع في المجد”.

اعتراف مبكر آخر قد يعكس حدثًا في حياة المسيح هو رومية 10: 9 [14]. في الوقت الحاضر نحن مهتمون فقط بالاحتمال القوي أن يكون هذا في الواقع عقيدة معمودية، كما ذكرها المرشحون المسيحيون للمعمودية. على هذا النحو، سيكون إشارة غير مباشرة إلى معمودية يسوع التاريخي نفسه.

على الرغم من أن هذه المذاهب المبكرة كانت مهتمة بالعناصر اللاهوتية لطبيعة المسيح، إلا أنها بالتأكيد تقارير مبكرة عن أحداث في حياة يسوع التاريخي. قيل لنا:

  1. أن يسوع التاريخي ولد بالفعل في الجسد البشري (فيلبي 2: 6 ؛ تيموثاوس الأولى. 3: 16؛ يوحنا الأولى 4: 2)
  2. من سلالة وعائلة داود (رومية 1: 3-4 ؛ تيموثاوس الثانية 2: 8).
  3. ضمناً لمعموديته (رومية 10: 9) و
  4. أنه تم التبشير بكلمته،
  5. مما أدى إلى تصديق الأشخاص لرسالته (تيموثاوس الأولى 3: 16).

 

موت وقيامة يسوع

قبل محاكمة يسوع وصلبه مباشرة، روى كل من الأناجيل الإزائية وبولس أن يسوع قد حضر عشاء خاصًا مع تلاميذه. رواية بولس في 1 كورنثوس 11: 23 وما يليها. يقدم تقليدًا ثابتًا يعتمد على الأرجح على مادة مستقلة عن مصادر الأناجيل الإزائية.[16] يشير جيريماس إلى أن كلمات بولس “تَسَلَّمْتُ” و “سَلَّمْتُكُمْ” ليست مصطلحات بولس النموذجية، ولكنها “تمثل المصطلحات التقنية الحاخامية” لتمرير التقليد.[17]

بالإضافة إلى ذلك، هناك عبارات أخرى غير بولسية مثل “أُسْلِمَ”، “وَشَكَرَ” و “جَسَدِي” (11: 23-24)، وهي مؤشرات أخرى على الطبيعة المبكرة لهذا التقرير. في الواقع، يؤكد جيريماس أن مادته تمت صياغتها “في أقرب وقت ممكن ؛ على أي حال قبل بولس… صيغة ما قبل بولس.” يشير بولس في الواقع إلى أن “سلسلة التقاليد تعود دون انقطاع إلى يسوع نفسه”.[18] يُعتقد على نطاق واسع أن هذا التقليد القديم يقدم أحداثًا تاريخية حقيقية وقعت في مساء ما يسمى “العشاء الأخير”.[19]

هذا ما يعترف به بولتمان.[20] كما يوضح مارتن هينجل، “يشير بولس إلى حدث تاريخي بتاريخ محدد….”[21] يشير هذا التقليد إلى أن يسوع قد حضر عشاءً في نفس المساء الذي تعرض فيه للخيانة. إنه يشكر الله قبل الأكل وبعد ذلك يتقاسم الخبز والشراب، وهو ما أشار إليه على أنه تضحية بجسده ودمه للمؤمنين. هنا نجد رؤى ليس فقط لبعض أحداث المساء، ولكن أيضًا للكلمات الفعلية التي ربما تكررت في الاحتفالات المسيحية المبكرة للعشاء الأخير.[22]

حدث آخر قبل صلب يسوع مباشرة مرتبط في 1 تيموثاوس 6: 13، وهو أيضًا تقليد مبكر، [23] وربما حتى جزء من اعتراف مسيحي شفهي أكثر بالإيمان. [24] تؤكد هذه العبارة أن يسوع أتي أمام بيلاطس البنطي وألقى اعترافًا جيدًا. [25] يشير نيوفيلد إلى أن شهادة يسوع كانت على الأرجح إجابته الإيجابية على سؤال بيلاطس حول ما إذا كان هو ملك اليهود (راجع مرقس 15: 2). [26] على أي حال، “لم ينكر يسوع هويته في المحاكمات ولكنه اعترف أمام اليهود وبيلاطس”. [27]

لقد لاحظنا بالفعل كيف قدمت بعض التقاليد المسيحية المبكرة تجاورًا بين المسيح البشري والالهي. عارضت عدة تقارير مبكرة الهزيمة الظاهرة على الصليب مع انتصار قيامة يسوع. في وقت سابق، فيلبي 2: 6 وما يليها. تم ذكره للتعبير عن هذه المقارنة الأولى بين يسوع البشري التاريخي الذي سيرفعه الله. وبشكل أكثر تحديدًا، تذكر فيلبي 2: 8 أيضًا تواضع يسوع عندما مات على الصليب في تناقض مباشر مع هذا التمجيد اللاحق.

يوجد مثال آخر في رومية 4: 25، والذي يشير إليه بولتمان على أنه “تصريح كان موجودًا بوضوح قبل بولس وتم تسليمه إليه.” [28] ومضمون هذا التقليد هو أن يسوع مات من أجل خطايانا وبعد ذلك قام من بين الأموات ليضمن تبرير المؤمن. وبالمثل، فإن رسالة بطرس الأولى 3: 18 (راجع 1 تيموثاوس 2: 6) تقارن أيضًا بين موت يسوع عن خطايا البشرية (على الرغم من بره) والقيامة كوسيلة لجلب الناس إلى الله “[29] إن الروايات المبكرة عن قيامة يسوع التاريخي محفوظة أيضًا في التقاليد المسيحية.

بجانب كورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها، فإن أكثر النصوص أهمية للأغراض التاريخية هي العديد من المقاطع المبكرة في سفر أعمال الرسل (خاصة عظات بطرس). [30] إن موت وقيامة يسوع هما محور كل عظة “. [31] وقد أظهر بحث نقدي أن هذه النصوص تعكس لاهوتًا مبكرًا غير متطور إلى حد كبير، ربما من مجتمع اورشليم. يشرح درين ذلك بهذه الطريقة:

أقرب دليل لدينا على القيامة يعود بشكل شبه مؤكد إلى الوقت الذي يُزعم فيه أنه قد حدثت القيامة مباشرة. هذا هو الدليل الوارد في العظات الأولى في أعمال الرسل.. ولكن لا يمكن أن يكون هناك شك في أنه في الفصول القليلة الأولى من سفر أعمال الرسل، احتفظ مؤلفها بمواد من مصادر مبكرة جدًا.

اكتشف العلماء أن اللغة المستخدمة في الحديث عن يسوع في هذه الخطب المبكرة في سفر أعمال الرسل مختلفة تمامًا عن تلك المستخدمة في الوقت الذي تم فيه تجميع الكتاب في شكله النهائي. [32]

جادل العديد من العلماء بأن لدينا في هذه النصوص المبكرة ملخصًا واضحًا لأقدم الكرازات الرسولية.[33] يرى جيريماس أن إشارة لوقا القصيرة لظهور يسوع لبطرس من الأموات في لوقا 24: 34 هي أقدم من كورنثوس الأولى 15: 5، مما يجعلها شاهدًا مبكرًا للغاية على هذه الظهورات. [34] لاحظ دود وبولتمان أيضًا الروابط بين حقيقة ظهور بطرس في كل من لوقا 24: 34 وكورنثوس الأولى 15: 5. [35]

التقليد المذكور سابقًا، تيموثاوس الثانية 2: 8، يقدم تناقضًا آخر من خلال ربط يسوع الذي ولد من داود بنفس الشخص الذي أقيم من بين الأموات. لم يُعلن عن قيامة يسوع كحدث تاريخي فحسب، بل أكدت قوانين الإيمان المبكرة أيضًا، على أساس هذا كله، أن ادعاءات يسوع التاريخي كانت مبررة. ويقال على وجه الخصوص إن القيامة كشفت عن شخصية يسوع الفريدة.

أن رومية 1: 3-4 هي عقيدة قديمة ما قبل بولس يظهر من خلال التوازي بين الجمل، [36] والذي يظهر بشكل خاص في التناقض بين يسوع باعتباره ابن داود وابن الله. [37] نفس يسوع الذي ولد في المكان والزمان قام من الأموات. [38] يعلن قانون الإيمان هذا أن يسوع قد ظهر على أنه ابن الله، المسيح (أو المسيا) والرب وانه تم تبريره بقيامته من بين الاموات. [39] يضيف كولمان أن الفداء وتمجيد يسوع النهائي تم تضمينهما أيضًا في هذا التأكيد العقائدي المهم. “[40]

مثل هذا البيان الشامل، بما في ذلك ثلاثة ألقاب كريستولوجية رئيسية وتلمح إلى بعض أفعال يسوع، لا يكشف فقط عن واحدة من أقدم الصيغ عن طبيعة المسيح، ولكن أيضًا ينقل فكرة رسولية في ربط كل هذا اللاهوت بالتبرير الذي توفره قيامة يسوع (راجع أعمال الرسل 2: 22 وما يليها).

هناك عقيدة مبكرة أخرى تربط القيامة بشخص المسيح وادعاءاته وهي رومية 10: 9-10. [41] في هذا المقطع، يرتبط الإيمان بهذا الحدث التاريخي بالاعتراف بأن يسوع هو الرب. نتيجة لذلك يكون خلاص المرء مضموناً. في وقت سابق أشير إلى أن هذا قد يكون في الواقع عقيدة معمودية، حيث يعلن المؤمن المختار إيمانه (وولائه) بيسوع المسيح.

أخيرًا، تعترف بعض قوانين الإيمان أيضًا بصعود يسوع إلى السماء وتمجيده الناتج. تم ذكر مثالين على قوانين الإيمان المبكرة هذه في وقت سابق فيما يتعلق بحياة يسوع. في 1 تيموثاوس 3: 16، أُعلن أن يسوع بعد تجسده “رُفع في المجد”. في فيلبي 2: 6 وما يليها. إنه مرتبط بأنه بعد أن أذل يسوع التاريخي نفسه كإنسان، فقد تعالى للغاية ويجب أن يعبد من قبل جميع الأشخاص (2: 9-11) [43] هذا المقطع الأخير مأخوذ من إشعياء 45: 23 حيث يستقبل الله الآب مثل هذا التسبيح والمجد.

 

قبل الشروع في الفحص الموسع لكورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها. سيكون من المفيد أن نلخص بإيجاز الحقائق الواردة في العديد من العقائد الأخرى المتعلقة بموت وقيامة يسوع. تم ذكر بعض الأحداث السابقة من حياة يسوع، وكلها من قوانين الإيمان في أعمال الرسل:

  1. ولد يسوع من نسل داود (13: 23 ؛ رومية 1: 3 ؛ 2 تيموثاوس 2: 8)،
  2. جاء من مدينة الناصرة (2: 22 ؛ 4: 10 ؛ 5: 38).
  3. سبق يوحنا خدمة يسوع (10: 37 ؛ 13: 24-25)،
  4. التي بدأت في الجليل،
  5. ثم توسعت في جميع أنحاء اليهودية (10: 37).
  6. صنع يسوع المعجزات (2: 22 ؛ 10: 38)
  7. تمم العديد من نبوءات العهد القديم (2: 25-31 ؛ 3: 21-25 ؛ 4: 11 ؛ 10: 43 ؛ 13: 27-37).

 

 

كما تعلمنا من قانون الإيمان في 1 كورنثوس 11: 23 وما يليها أن:

  1. يسوع حضر مأدبة عشاء
  2. مساء يوم خيانته.
  3. شكر قبل الوجبة
  4. تقاسم الخبز والشراب،
  5. الذي أعلن أنه يمثل ذبيحته الكفارية الوشيكة عن الخطيئة.
  6. في وقت لاحق، وقف يسوع أمام بيلاطس (أعمال 3: 13؛ 13: 28)
  7. أدلى باعتراف جيد، الأمر الذي ربما كان يتعلق جدا بهويته كملك لليهود (1 تيموثاوس 6: 13).
  8. بعد ذلك، قتل يسوع (أعمال 3: 13-15؛ 13: 27-29)
  9. لخطايا البشرية “(1 بطرس. 3: 18; رومية 4: 25؛ 1 تيموثاوس. 2: 6)
  10. على الرغم من حياته الصالحة (1 بطرس. 3: 18).
  11. تم تحديد الصلب على أنه وسيلة الموت (أعمال الرسل 2: 23؛ 2: 36؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39)، التي تم تنفيذها
  12. في مدينة القدس (أعمال الرسل 13: 27؛ راجع 10: 39)،
  13. من قبل رجال أشرار (أعمال الرسل 2: 23).
  14. ثم دفن (أعمال 13: 29).
  15. بعد وفاته قام (أعمال 2: 24، 31-32؛ 3: 15، 26؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40؛ 13: 30-37؛ 2 تيموثاوس 2: 8)،
  16. في اليوم الثالث (أعمال 10: 40) و
  17. ظهر لأتباعه (أعمال الرسل 13: 31)،
  18. تناول الطعام معهم (أعمال 10: 40-41).
  19. كان تلاميذه شهودا على هذه الأحداث (أعمال الرسل 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31). بعد قيامته، صعد يسوع إلى السماء وتمجد وسُبّح (أعمال الرسل 2: 33؛ 3: 21؛ 5: 31؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ فيلبي 2: 6 ومايليها).
  20. أصدر يسوع المقام تعليماته بأن يبشر بالخلاص باسمه (أعمال الرسل 2: 38-39؛ 3: 19-23؛ 4: 11-12؛ 5: 32؛ 10: 42-43؛ 13: 26، 38-41).
  21. أظهر هذا الحدث موافقة الله على يسوع، من خلال التحقق من صحة شخصه ورسالته (أعمال الرسل 2: 22-24، 36؛ 3: 13- 15؛ 10: 42؛ 13: 32-33؛ 13: 32-33 ؛ رومية. 1: 3-4؛ 10: 9-10).

 

 

شخص يسوع المسيح

  1. وفيما يتعلق بشخصه، دُعي يسوع:
  2. ابن الله (أعمال 13: 33 رومية 1: 3-4)،
  3. الرب (لوقا 24: 34؛ أعمال 2: 36؛ 10: 36 ؛ رومية. 1: 4؛ 10 9 ؛ فيلبي 2: 11)،
  4. المسيح أو المسيا (أعمال 2: 36، 38 ؛ 3: 18،20 ؛ 4: 10 ؛ 10: 36 ؛ رومية 1: 4 ؛ فيلبي 2: 11 ؛ 2 تيموثاوس 2: 8)،
  5. المخلص (أعمال الرسل 5: 31 ؛ 13: 23)،
  6. الأمير (أعمال الرسل 5: 31)
  7. القدوس البار (أعمال الرسل 3: 14 ؛ راجع 2: 27 ؛ 13: 35)
  8. ويقال أنه فيما يتعلق بطبيعته الجوهرية، فهو الله (فيلبي 2: 6).

 

 

1 كورنثوس 15: 3 وما يليها.

في حين أن موضوع المذاهب المسيحية المبكرة هو مجال رائع للبحث، قد يتساءل البعض عن الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها حقائق قوانين الإيمان نفسها. تتمثل إحدى طرق التعامل مع هذا السؤال في التحقق من صحة وثائق العهد الجديد كمصادر موثوقة ثم مناقشة المذاهب على أنها شهادة جديرة بالثقة. على الرغم من أننا قدمنا الكثير من الأسس لمثل هذا الرد في الفصول أعلاه.

وبينما يعتقد هذا الكاتب أن مثل هذه الإجابة هي نهج لديه الكثير من الثناء عليه، فإننا نتذكر مرة أخرى أن المهمة التي وضعناها لأنفسنا هي لمتابعة أدلة مستقلة لمثل هذه الادعاءات. لذلك، وبسبب هذا الهدف الخاص، سنسعى لتقديم دليل خاص على موت وقيامة يسوع من خلال الرجوع إلى ما قد يكون أهم عقيدة واحدة في العهد الجديد.

 

في 1 كورنثوس 15: 3-4 يقول بولس:

٣ فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، ٤ وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، (١ كورنثوس ١٥: ٣، ٤)

 

مع استمرار المقطع، يسجل بولس ظهور المسيح المُقام لبطرس، للتلاميذ “الاثني عشر”، لأكثر من 500 شخص في وقت واحد، ليعقوب، لجميع الرسل ثم لبولس نفسه (الآيات 5-8).

 

أن هذا الاعتراف مسيحي مبكر، وعقيدة ما قبل بولس معترف بها تقريبًا من قبل جميع العلماء النقديين عبر طيف لاهوتي واسع جدًا. [44] هناك العديد من المؤشرات التي تكشف عن هذا الاستنتاج.

أولاً، إن كلمات بولس “سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ” و “قَبِلْتُهُ” هي مصطلحات تقنية لتمرير التقليد. على هذا النحو، لدينا تصريح بولس بأن هذه المادة لم تكن خاصة به، ولكنها وردت من مصدر آخر. [45]

ثانيًا، عدد من الكلمات في هذه العقيدة ليست كلمات خاصة ببولس، مما يشير مرة أخرى إلى أصل آخر لهذه المادة. [46] جيرمياس، وهو مرجع رئيسي في هذه القضية، يلاحظ عبارات غير بولسية مثل:

  1. “مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا” (عدد 3)
  2. “حَسَبَ الْكُتُبِ” (الاعداد 3-4)
  3. “وَأَنَّهُ قَامَ” (عدد 4)
  4. ” الْيَوْمِ الثَّالِثِ” (عدد 4)
  5. “ظَهَرَ” (اعداد 5-8)
  6. “لِلاثْنَيْ عَشَرَ” (عدد 5).[47]

ثالثًا، من المرجح أن العقيدة منظمة في شكل منمق متوازي، مما يوفر مؤشرًا إضافيًا على الطبيعة الشفوية والطائفية لهذه المادة.[48]

رابعًا، هناك دلائل على أنه قد يكون هناك مصدر سامي، مثل استخدام كلمة “صفا” الآرامية لبطرس (العدد 5)، ومن ثم الإشارة إلى مصدر سابق قبل ترجمة بولس اليونانية.[49]

خامسًا، تشمل الدلائل الأخرى للرواية العبرية القديمة الاستخدام الثلاثي لكلمة “وأنه” جنبًا إلى جنب مع الإشارتين إلى “حسب الكتب” الذي يتم تدوينه.[50]

 

ما هو وقت هذه العقيدة؟ سعى العديد من اللاهوتيين الناقدين للإجابة على هذا السؤال المهم بنتائج مذهلة للغاية. يؤكد أولريك ويلكنز أن هذه العقيدة “تعود بشكل لا محالة إلى أقدم مرحلة في تاريخ المسيحية البدائية”.[51] يواكيم جيريمياس يسميها “أقدم جميع التقاليد”.[52] كانت هذه العقيدة شائعة حتى الآن في منتصف الثلاثينيات بعد الميلاد. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن العديد من اللاهوتيين الناقدين يؤرخون لها من ثلاث إلى ثماني سنوات بعد صلب يسوع.[53]

التي تنطلق مباشرة من الأحداث المعنية، وبالتالي فإن قانون الإيمان هذا هو أمر حاسم في مناقشتنا لموت وقيامة يسوع.

لم يتم الإبلاغ عن هذه الحقائق في وقت مبكر فحسب، بل تم الإبلاغ عنها مباشرة من قبل شهود العيان أنفسهم. يقول بولس أنه راجع رسالته بالتحديد مع الرسل (غل ٢: ١-١٠) ومن المحتمل أنه تلقى قانون الإيمان مباشرة من شهود العيان هؤلاء أنفسهم (غل ١: ١٨-١٩)، كما سبق أن أشرنا.

كنتيجة مباشرة، لم يكتف بولس برؤية المسيح المقام بنفسه (1 كورنثوس 15: 8-9)، ولكن شهادته بشأن حقائق الإنجيل تتفق مع شهود العيان الرسوليين (الآيات 11، 14، 15).[54] وهكذا، كانت رواية بولس الواقعية هي نفسها رواية الرسل الآخرين، على الرغم من حقيقة أن بولس ميز نفسه عن الآخرين.[55]

نتيجة لهذه الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان، فإن التعاليم المسيحية المتعلقة بموت ودفن وقيامة يسوع مفتوحة للاختبار التاريخي. كما يشهد المؤرخ الألماني هانز فون كامبنهاوزن فيما يتعلق بكورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها، “هذا الحساب يلبي جميع متطلبات الموثوقية التاريخية التي يمكن أن تكون مصنوعة من مثل هذا النص.[56] يقول أ. م. هانتر أن “هذا المقطع يحافظ بشكل فريد على شهادة مبكرة وقابلة للتحقق. إنه يلبي كل مطلب معقول من الموثوقية التاريخية.”[57]

نبدأ الآن في إدراك الأهمية الهائلة لهذه العقيدة من حيث الحقائق والإيمان. في البداية، تكشف عن بعض الحقائق الحاسمة المتعلقة بإنجيل ألوهية وموت ودفن وقيامة يسوع. كما يُظهر أن بولس كان قريبًا جدًا من هذه الحقائق.[58] كما يؤكد دود بخصوص هذه العقيدة:

وهكذا تقدم كرازة بولس تيارًا خاصًا من الإشعاع المسيحي الذي اشتُق من التيار الرئيسي في نقطة قريبة جدًا من مصدره…. أي شخص يدعي أن الإنجيل المسيحي البدائي كان مختلفًا جوهريًا عن الإنجيل الذي وجدناه في بشارة بولس يجب أن يتحمل عبء الإثبات.[59]

هذه الشهادة الواقعية لموت وقيامة يسوع أصبحت أيضًا دفاعاً للإيمان المسيحي.[60] إن الاعتقاد بأن نفس يسوع التاريخي الذي مات ودُفن قد قام من جديد (1 كو 15: 3-4) يشير أيضًا بقوة إلى القبر الفارغ، لا سيما في سياق الفكر اليهودي.[61] من ناحية أخرى، أشار البعض إلى قانون الإيمان هذا باعتباره أهم صياغة فردية للإيمان في الكنيسة الأولى.[62]

أهمية قانون الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. لا يمكن المبالغة في تقديرها. لم يعد من الممكن اتهام أنه لا توجد شهادة شهود عيان مبكرة يمكن إثباتها عن القيامة أو لأهم مبادئ المسيحية الأخرى، لأن هذا العقيدة توفر فقط مثل هذه البيانات الإثباتية المتعلقة بحقائق الإنجيل، والتي هي مركز الإيمان المسيحي. إنها تربط الأحداث نفسها مع أولئك الذين شاركوا بالفعل في الزمان والمكان. على هذا النحو، يقدم قانون الإيمان هذا أساسًا واقعيًا قويًا للمسيحية من خلال التقارير المبكرة وشهود العيان عن موت ودفن وقيامة يسوع.

قلنا سابقًا أن النظريات الطبيعية تفشل في تفسير هذه البيانات. بالإضافة إلى ذلك، تُظهر الأدلة أن هؤلاء الشهود رأوا بالفعل يسوع المقام، كما زعموا.

 

الحقائق التاريخية المعروفة

بسبب شهادة هذه المذاهب المسيحية المبكرة، بالإضافة إلى بيانات أخرى، حتى العلماء الناقدون المعاصرون يدركون قدرًا معينًا من الحقائق التاريخية المحيطة بموت ودفن وقيامة يسوع. بعبارة أخرى، حتى في التعامل مع العهد الجديد على أنه ليس أكثر من كتاب من الأدب القديم، استنتج النقاد العديد من الحقائق التاريخية المتعلقة بحياة يسوع. على وجه الخصوص، 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. لعبت دورًا مهمًا في عملية إعادة الإعمار هذه.

 

هناك حد أدنى من الحقائق يتفق عليها عمليًا جميع العلماء الناقدين، بغض النظر عن مدرستهم الفكرية. تعتبر اثنتا عشرة حقيقة منفصلة على الأقل تاريخًا يمكن معرفته.

 

(1) مات المسيح بالصلب و (2) دفن. (3) تسبب موت المسيح في اليأس وفقدان الأمل لدى التلاميذ، معتقدين أن حياته قد انتهت. (4) على الرغم من عدم قبولها على نطاق واسع، إلا أن العديد من العلماء يرون أن القبر الذي دفن فيه المسيح اكتشف أنه فارغ بعد أيام قليلة فقط.

 

يتفق العلماء الناقدون أيضًا على أن (5)التلاميذ لديهم تجارب اعتقدوا أنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من بين الأموات. بسبب هذه التجارب (6)، تحوّل التلاميذ من مشككين يخافون من التواجد مع يسوع إلى مبشرين جريئين بموته وقيامته. (7) كانت هذه الرسالة مركز الكرازة في الكنيسة الأولى (8)وتم إعلانها بشكل خاص في أورشليم، حيث مات يسوع ودُفن قبل ذلك بوقت قصير.

 

نتيجة لهذا الوعظ، (9) ولدت الكنيسة ونمت، (10) مع الأحد باعتباره اليوم الأساسي للعبادة. (11) لقد تحول يعقوب، الذي كان متشككًا، إلى الإيمان عندما آمن أيضًا أنه رأى يسوع المُقام. (12) بعد سنوات قليلة، اهتدى بولس باختبار كان يعتقد أيضًا أنه ظهور للمسيح المقام.

 

هذه الحقائق حاسمة في تحقيقنا المعاصر عن قيامة يسوع. باستثناء القبر الفارغ، يتفق جميع العلماء الناقدين تقريبًا الذين يتعاملون مع هذه المسألة على أن هذه هي الحد الأدنى من الحقائق التاريخية المعروفة المحيطة بهذا الحدث. على هذا النحو، فإن أي استنتاج يتعلق بتاريخ القيامة يجب أن يفسر هذه الحقائق بشكل صحيح. سيتم شرح وظيفة حيوية إضافية (وكبيرة) لهذه الحقائق التاريخية المعروفة في القسم التالي أدناه.

 

هذه الحقائق التاريخية المعروفة لها جانب مزدوج في حالتنا الخاصة بالقيامة والتي تم تناولها في هذا القسم. أولاً، يجيبون على النظريات المختلفة التي تم اقتراحها من أجل تفسير قيامة يسوع على أسس طبيعية. هذه الفرضيات، التي روج لها العلماء الليبراليون في القرن التاسع عشر بشكل رئيسي، نادرًا ما يتبناها النقاد اليوم، خاصة أنهم فشلوا في تفسير الحقائق التاريخية المحيطة بهذا الحدث (مثل تلك المذكورة أعلاه). يمكن تعداد عدة أسباب لهذا الرفض.

 

كل نظرية طبيعية تعاني من العديد من الاعتراضات الرئيسية التي تبطلها باعتبارها فرضية قابلة للتطبيق. [65] مجموعات من هذه النظريات غير المحتملة تفشل بالمثل، مرة أخرى على أسس وقائعية. ثلاثة أسباب تاريخية أخرى توضح هذه النقطة الرئيسية الأولية. مقال ديفيد هيوم ضد المعجزات، وكذلك التحديثات الأخيرة، هو رفض غير صالح لاحتمال وقوع أحداث معجزة، وبالتالي القضاء على مثل هذا المنطق كخلفية تقليدية لهذه الأطروحات البديلة. [66]

دمر العلماء الليبراليون في القرن التاسع عشر أنفسهم كل نظرية بديلة على حدة، [67] بينما رفض علماء النقد في القرن العشرين من مختلف المدارس الفكرية هذه النظريات بالجملة. [68] في الختام،

الحقائق الأربع التي يجب استخدامها هنا هي (1) موت يسوع بسبب الصلب، (2) والتجارب اللاحقة التي اقتنع التلاميذ بأنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من الموت، (3) والتحول المقابل للتلاميذ، و (4) اهتداء بولس. الظهور، الذي يعتقد أيضًا أنه ظهور للمسيح المقام. هذه الحقائق الأربع “الجوهرية” مقبولة على نطاق واسع على أنها تاريخ معروف أكثر من بقية الحقائق الاثني عشر، وقد تم قبولها من قبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا. [74]

يتم تأسيس كل من هذه الحقائق الأربع عن طريق المنهجية التاريخية العادية. تم إثبات موت المسيح بالصلب ليس فقط في كورنثوس الأولى 15: 3، ولكن تم إثباته أيضًا من خلال طبيعة الصلب (بما في ذلك هيكل يوهانان، الذي نفحصه في الفصل التالي)، والشهادة الطبية المتعلقة بجرح قلب يسوع التاريخي، و نقد شتراوس الشهير لنظرية الإغماء. كما أن عقائد إيمان أخرى في العهد الجديد (مثل فيلبي 2: 8 ؛ 1 كورنثوس 11: 23-26)، بالإضافة إلى بعض المصادر المسيحية غير المسيحية والأولى من العهد الجديد (انظر الفصول أدناه) مفيدة أيضًا.

حقيقة تجارب التلاميذ التي اعتقدوا أنها ظهورات للمسيح المقام، تؤكدها الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. تعتبر عقائد الإيمان الأخرى (مثل لوقا 24: 34)، وخاصة البحث المعاصر عن الاعترافات المبكرة في سفر أعمال الرسل، [75] ذات قيمة خاصة. سيتم أيضًا مناقشة المراجع غير الكتابية أدناه.

نظرًا لأن النظريات الطبيعية قد فشلت والأدلة تؤكد بقوة هذه المذاهب المبكرة، فإن العلماء الناقدون يعتبرون عمومًا التجارب المسيحية الأولى (للجماعات والأفراد) راسخة تمامًا مثل أي حقيقة في حياة يسوع التاريخي. باختصار، يعترف الجميع تقريبًا أن التلاميذ كانت لهم تجارب حقيقية دفعتهم إلى الاعتقاد بأن يسوع التاريخي قد قام من بين الأموات. [76] بل إن فولر يقول بجرأة أن هذه “حقائق لا جدال فيها… يتفق عليها كل من المؤمن وغير المؤمن”! “[77]

إن تحوّل التلاميذ نتيجة هذه التجارب تؤكده المادة التي تلي قانون الإيمان المبكر هذا مباشرة (1 كورنثوس 15: 9-11)، التي تُخبر عن خدمة شهود العيان. مرة أخرى، يؤكد العهد الجديد بأكمله أيضًا هذا الاستنتاج، وكذلك شهادة مؤلفي الكنيسة الأوائل، بما في ذلك تقارير التلاميذ الذين ماتوا من أجل إيمانهم كشهداء. [78]

أخيرًا، تم تسجيل اهتداء بولس بسبب تجربة يعتقد أيضًا أنها ظهور للمسيح المقام، من قبله شخصيًا في كورنثوس الأولى 9: 1 و 15: 8-10، وتم الإبلاغ عنها ثلاث مرات في أعمال الرسل (9: 1-9 ؛ 22: 5-11 ؛ 26: 12-18). النظريات الطبيعية أيضًا لا تنطبق على بولس.[79]

لذلك، تم تأسيس هذه الحقائق الأساسية الأربع على أسس تاريخية قوية. يتم قبولها بشكل عام ليس فقط من قبل علماء اللاهوت النقدي ولكن أيضًا من قبل المؤرخين والفلاسفة الذين يدرسون هذا الموضوع. [80]

من بين هذه الحقائق الأربع الأساسية، فإن طبيعة تجارب التلاميذ هي الأكثر أهمية. كما يؤكد المؤرخ مايكل غرانت، فإن التحقيق التاريخي يثبت في الواقع أن شهود العيان الأوائل كانوا مقتنعين بأنهم رأوا يسوع المقام. [81] يضيف كارل براتن أن المؤرخين المتشككين الآخرين يتفقون أيضًا مع هذا الاستنتاج:

حتى المؤرخون الأكثر تشككًا يتفقون على ذلك بالنسبة إلى المسيحية البدائية… كانت قيامة المسيح من بين الأموات حدثًا حقيقيًا في التاريخ، وأساس الإيمان ذاته، ولم تكن فكرة أسطورية ناشئة عن الخيال الإبداعي للمؤمنين. [82]

تتمثل إحدى الميزات الرئيسية لهذه الحقائق الأساسية في أنها ليست مقبولة بشكل نقدي على أنها تاريخ معروف فحسب، بل إنها تتعلق بشكل مباشر بطبيعة تجارب التلاميذ. على هذا النحو، فإن هذه الحقائق التاريخية الأربع قادرة، على نطاق أقل، على دحض النظريات الطبيعية وتقديم أدلة إيجابية رئيسية تتعلق باحتمالية قيامة يسوع الحرفية. [83] ستشير بعض الأمثلة الآن إلى هذه الادعاءات.

 

أولاً، باستخدام هذه الحقائق التاريخية الأربع فقط، يمكن دحض النظريات الطبيعية. على سبيل المثال، تم استبعاد نظرية الإغماء من الحقائق المتعلقة بموت يسوع وبتحول بولس. تدحض تجارب التلاميذ الهلوسة والنظريات الذاتية الأخرى لأن هذه الظواهر ليست جماعية أو معدية، ويلاحظها شخص واحد فقط، وبسبب التنوع الكبير في عوامل الزمان والمكان المعنية. كانت الشروط النفسية المسبقة للهلوسة تفتقر أيضًا إلى هؤلاء الرجال. تستبعد خبرة بولس أيضًا هذه النظريات لأنه بالتأكيد لن يكون في الإطار اللاهوتي المناسب.

كما أن التلاميذ وغيرهم من شهود العيان الأوائل الذين مروا بهذه التجارب يستبعدون أيضًا نظريات الخرافة أو الأسطورة، نظرًا لأن التعليم الأصلي المتعلق بالقيامة يستند بالتالي إلى الشهادة المبكرة لشهود عيان حقيقيين وليس على الأساطير اللاحقة (كما هو موضح في قانون الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها). وبالمثل، لا يمكن تفسير تجربة بولس من خلال الأساطير، لأن مثل هذا لا يمكن أن يفسر ارتداده عن الشك.

أخيرًا، تم دحض نظريات الجسد المسروق والاحتيال من خلال تجارب التلاميذ وبتحولهم، لأن هذا التغيير يظهر أن التلاميذ آمنوا حقًا بأن يسوع قام من الموت وبسبب احتمال أن هؤلاء الكذابين لن يصبحوا شهداء. وبالمثل، لم يكن بولس ليقتنع بمثل هذا الاحتيال. [84]

 

ثانيًا، توفر هذه الحقائق الأساسية الأربع أيضًا الأدلة الإيجابية الرئيسية لظهور قيامة يسوع الحرفية، مثل تجارب التلاميذ المبكرة وشهود العيان التي لم يتم شرحها بطريقة طبيعية، وتحولهم إلى رجال على استعداد للموت من أجل إيمانهم وإيمان بولس. الخبرة والتحول المقابل. وهكذا، فإن هذه الحقائق التاريخية الأساسية تقدم أدلة إيجابية تؤكد بشكل أكبر ادعاءات التلاميذ بشأن قيامة يسوع الحرفية، خاصة في أن هذه الحجج لم يتم تفسيرها من الناحية الطبيعية. [85]

نظرًا لأن هذه الحقائق التاريخية الأساسية (والحقائق المقبولة سابقًا بشكل عام) قد تم تأسيسها من خلال الإجراءات النقدية والتاريخية، فلا يمكن للعلماء المعاصرين رفض الأدلة ببساطة عن طريق الإشارة إلى “التناقضات” في نصوص العهد الجديد أو إلى “عدم موثوقيتها” العامة. لم يتم دحض هذه الادعاءات النقدية فقط من خلال الأدلة التي نوقشت في فصول أخرى، ولكن تم الاستنتاج أن القيامة يمكن إثباتها تاريخيًا حتى عند استخدام الحد الأدنى من الحقائق التاريخية.

ولا يمكن استنتاج أن “شيئًا ما” قد حدث بشكل لا يمكن وصفه بسبب المقدمات الطبيعية، أو لطبيعة التاريخ أو بسبب “الغموض” أو “الطابع الأسطوري” لنصوص العهد الجديد. ولا يمكن أن يقال إن يسوع قام روحياً، لكن ليس بالمعنى الحرفي. مرة أخرى، تم دحض هذه الآراء وغيرها لأن الحقائق التي اعترف بها جميع العلماء تقريبًا على أنها تاريخ معروف كافية لإثبات قيامة يسوع الحرفية تاريخيًا وفقًا للاحتمالية.

 

باختصار، بدلاً من ذكر ما يعتقدون أنه لا يمكننا معرفته بشأن روايات الإنجيل، من الأفضل للعلماء الناقدين التركيز على ما يعترفون أنه يمكن معرفته عن النصوص في هذه المرحلة. على الرغم من أن يسوع لم يتم تصويره في جسد قيامته لفائدة التلاميذ، إلا أن الأساس الواقعي كافٍ لإثبات أن قيامة يسوع التاريخي هي إلى حد بعيد أفضل تفسير تاريخي.

بينما قد تكون هناك شكوك حرجة فيما يتعلق بقضايا أخرى في العهد الجديد، فإن الحقائق المقبولة كافية في حد ذاتها لإظهار أن يسوع التاريخي قام من بين الأموات في جسد روحي جديد. كما هو مفصل في الملحق الأول، يمكن أن يؤدي البحث التاريخي إلى اليقين.

بقيت القيامة في وجه النقد قرابة 2000 سنة. إن الأنواع المختلفة من الأدلة على هذا الحدث بارزة، متجاوزة ما حدث في الغالبية العظمى من الأحداث القديمة. إن التملص من الدليل أو رفضه غير صالح، كما رأينا. هناك بالفعل دليل تاريخي على هذا الحدث. [86] لقد قام يسوع من بين الأموات في التاريخ الحقيقي.

يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد – ترجمة: مينا مكرم

ملخص المذاهب والحقائق حول يسوع التاريخي

لقد بحثنا في هذا الفصل على الأرجح عن أقوى فئة منفردة من الأدلة على موت يسوع التاريخي وقيامته. البيانات التي قدمتها المذاهب الشفوية التي تم تداولها قبل التكوين الفعلي للعهد الجديد، والتي تتوافق غالبًا مع هذه المذاهب، الحقائق التي يعترف بها العلماء الناقدون كتاريخ يمكن معرفته، توفر معًا أساسًا هائلاً للمعرفة عن يسوع.

من هذه المصادر نجد تقارير عن بعض الحوادث التي حدثت في حياة يسوع التاريخي، ولكن بشكل خاص العديد من التفاصيل المتعلقة بموته وقيامته. كان يسوع شخصًا حقيقيًا من لحم ودم (فيلبي 2: 6 ؛ 1 تيموثاوس 3: 16 ؛ يوحنا الأولى 4: 2) الذي ولد جسديًا من نسل داود (أعمال الرسل 13: 23 ؛ رومية 1: 3-4. ؛ 2 تيموثاوس 2: 8) وجاء من مدينة الناصرة (أعمال الرسل 2: 22 ؛ 4: 10 ؛ 5: 38). لقد سبق يوحنا المسيح (أعمال الرسل 10: 37 ؛ 13: 24-25)، وهذا يعني أن المسيح قد تعمد (رومية 10: 9).

بدأت خدمة يسوع التاريخي في الجليل، وامتدت إلى جميع أنحاء اليهودية (أعمال الرسل 10: 37). صنع يسوع المعجزات (أعمال الرسل 2: 22 ؛ 10: 38) وتمم العديد من نبوءات العهد القديم (2: 25-31 ؛ 3: 21-25 ؛ 4: 11 ؛ 10: 43 ؛ 13: 27-37). تم التبشير برسالته بين الناس، مما أدى إلى تصديق الناس له(تيموثاوس الأولى 3: 16).

في ليلة خيانة يسوع، حضر أولاً مأدبة عشاء، حيث صلى وشكر قبل الوجبة. بعد ذلك، مرر يسوع التاريخي الخبز والخمر، والذي أشار إليه على أنه ذبيحة جسده ودمه من أجل الخطيئة (1 كو 11: 23 وما يليه). في وقت لاحق، ظهر يسوع أمام بيلاطس (أعمال الرسل 3: 13 ؛ 13: 28)، حيث قدم اعترافًا جيدًا، والذي من المحتمل جدًا أن يتعلق بهويته على أنه المسيح (1 تيموثاوس 6: 13).

على الرغم من حقيقة أن يسوع التاريخي كان رجلاً بارًا (بطرس الأولى 3: 18)، فقد مات من أجل خطايا الآخرين (بطرس الأولى 3: 18 ؛ رومية 4: 25 ؛ تيموثاوس الأولى 2: 6). قُتل (أعمال الرسل 3: 13-15 ؛ 13: 27-29 ؛ 1 كورنثوس 15: 3 ؛ فيلبي 2: 8) بالصلب (أعمال الرسل 2: 23 ؛ 2: 36 ؛ 4: 10 ؛ 5: 30 ؛ 10: 39)، ومات في مدينة أورشليم (أعمال الرسل 13: 27 ؛ راجع 10: 39)، بأيدي رجال أشرار (أعمال الرسل 2: 23). بعد ذلك، دُفن (أعمال الرسل 13: 39 ؛ 1 كورنثوس 15: 4). هذه الأحداث جعلت التلاميذ يشكون وييأسون.

في اليوم الثالث بعد الصلب (أعمال الرسل 10: 40، كان القبر فارغًا (1 كورنثوس 15: 4، ضمنيًا) وقام يسوع من الموت (أعمال الرسل 2: 24، 31-32 ؛ 3: 15، 26 ؛ 4: 10 ؛ 5: 30 ؛ 10: 40 ؛ 13: 30-37 ؛ 2 تيموثاوس 2: 8). ظهر يسوع للعديد من شهود العيان (لوقا 24: 34 ؛ أعمال 13: 31 ؛ 1 كورنثوس 15: 4 وما يليها)، حتى أكل معهم (أعمال الرسل 10: 40-41) اثنان من هؤلاء الأشخاص – وهما يعقوب (1 كورنثوس 15: 7) وبولس (1 كورنثوس 15: 8-9) كانا في السابق متشككين قبل أن يقابلا يسوع المقام.

كان التلاميذ شهودًا على الظهورات (أعمال الرسل 2: 32 ؛ 3: 15 ؛ 5: 32 ؛ 10: 39، 41 ؛ 13: 31)، والتي تم الإبلاغ عنها في وقت مبكر جدًا (أعمال الرسل 10: 40-41 ؛ 13: 31 ؛ 1 كورنثوس 15: 4-8) بعد قيامته، صعد يسوع التاريخي إلى السماء حيث تمجد وتعالى (أعمال الرسل 2: 33 ؛ 3: 21 ؛ 5: 31 ؛ 1 تيموثاوس 3: 16 ؛ فيلبي 2: 6 وما يليها).

غيّرت هذه الخبرات التلاميذ (راجع 1 تيموثاوس 3: 16) وجعلوا الإنجيل مركز كرازتهم المبكرة (1 كورنثوس 15: 1-4). في الواقع، كان يسوع القائم من بين الأموات هو الذي علم أن الخلاص يجب أن يُكرز باسمه للخلاص (أعمال الرسل 2: 38-39 ؛ 3: 19-23 ؛ 4: 11-12 ؛ 5:32 ؛ 10: 42-43 ؛ 13) : 26، 38-41). كانت القيامة بمثابة التحقق الرئيسي من صحة شخص يسوع ورسالته (أعمال الرسل 2: 22-24، 36 ؛ 3: 13-15 ؛ 10:42 ؛ 13: 32-33 ؛ رومية 1: 3-4 ؛ 10: 9- 10). تركزت الوعظ الرسولي في البداية في أورشليم، المكان نفسه الذي قُتل فيه يسوع التاريخي. هنا ولدت الكنيسة ونمت، وكان يوم الأحد هو يوم العبادة الرئيسي.

في الوعظ المسيحي المبكر حصل المسيح على ألقاب عديدة: ابن الله (أعمال الرسل 13: 33 ؛ رومية 1: 3-4)، الرب (لوقا 24: 34 ؛ أعمال 2: 36 ؛ 10: 36 ؛ رومية 1: 4 ؛ 10: 9 ؛ فيلبي 2: 11)، المسيح أو المسيا (أعمال الرسل 2: 36، 38 ؛ 3: 18،20 ؛ 4: 10 ؛ 10: 36 ؛ رومية 1: 4 ؛ فيلبي 2: 11 ؛ 2 تيم 2: 8 )، المخلص (أعمال الرسل 5: 31 ؛ 13: 23)، الأمير (أعمال الرسل 5: 31) والقدوس البار (أعمال الرسل 3: 14 ؛ راجع 2: 27 ؛ 13: 35). فيما يتعلق بطبيعته الأساسية، حتى أنه دُعي الله (فيلبي 2: 6).

تم الإبلاغ عن معظم هذه الحقائق في قوانين الإيمان المسيحية الأولى وهي في الواقع تسبق كتابة العهد الجديد. يتم قبول البعض الآخر بالإجماع تقريبًا من قبل العلماء الناقدين، عادة بسبب هذه المذاهب وغيرها من البيانات التاريخية المبكرة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحقائق الحاسمة الأخيرة لم يتم قبولها في هذا الفصل لمجرد أن النقاد يقبلونها أيضًا، ولكن لأنها تثبتها الحقائق، مثل المذاهب التي بحثنا عنها في هذا الفصل ومن خلال عمل منهجية تاريخية دقيقة. [87]

وبالتالي، لا ينبغي للعلماء الناقدين الاعتراض على هذه البيانات، حيث يتم تقييمها من خلال أساليبهم ومقبولة من قبل زملائهم.

 

الملخص و الاستنتاج

ربما قدم هذا الفصل أقوى دليل على موت المسيح وقيامته. من المسلم به أن كمية المواد المتعلقة بحياة يسوع التاريخي وخدمته قبل موته لم تكن هائلة. ومع ذلك، عندما ندخل “أسبوع الآلام” في حياة يسوع قبل صلبه وبعد ذلك، يتغير الوضع بشكل جذري.

تأتي قوة الشهادة عن موت يسوع وقيامته من عدة جوانب من الأدلة. أولاً، كانت المادة الواردة في هذا الفصل مبكرة جدًا. تسبق هذه التقاليد المسيحية المبكرة كتابة العهد الجديد، وبالتالي تعطينا نظرة مبكرة على البيانات التي تتناول حياة يسوع. في حالة كورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها. وقوانين الإيمان في أعمال الرسل (مع بعض الأمثلة الأخرى)، تعود هذه المواد في غضون سنوات قليلة من الأحداث الفعلية. هذا لا يجادل فيه المجتمع النقدي.

تقدم هذه المذاهب شهادات شهود عيان على الحقائق التي تنقلها. مرة أخرى، 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. وتقاليد أعمال الرسل هي المفاتيح من حيث أنها تربطنا بالرسل، فرديًا وجماعيًا، بشكل أساسي من خلال شهادات شاهدي العيان بولس وبطرس. مثال إضافي هو لوقا 24: 34، والذي قد يعود أيضًا إلى الكنيسة الأولى وبطرس.

تشمل الأدلة الإضافية على قيامة يسوع التاريخي اعتبارات قوية مثل القبر الفارغ، والتحولات الجذرية للتلاميذ واستعدادهم للموت من أجل حق الإنجيل، والتي كانت رسالتهم المركزية، جنبًا إلى جنب مع تحولات المتشككين بولس ويعقوب. يجب شرح هذه الاعتبارات وغيرها.

الحقائق المقبولة، والحد الأدنى من الحقائق على وجه الخصوص، لم يتم تأسيسها تاريخيًا فحسب، بل يتم التعرف عليها أيضًا من قِبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا. المزايا هي أن هذه الحقائق توفر أساسًا قويًا للإيمان بموت وقيامة يسوع التاريخي، وفي الوقت نفسه، لا ينبغي رفضها نظرًا لأنه يتم الاعتراف بها على أسس تاريخية بحتة. الحقائق التي يقبلها جميع العلماء تقريبًا توفر أساسًا قويًا للاعتقاد في قيامة المسيح الحرفية من بين الاموات، خاصة في غياب النظريات الطبيعية القابلة للتطبيق.

على هذا الأساس، يمكننا أن نستنتج أن المذاهب المسيحية الأولى والحقائق التاريخية المقبولة تثبت تاريخية موت وقيامة المسيح. هذه البيانات كافية لدحض النظريات البديلة، ولتقديم أدلة قوية لهذه الأحداث (مثل الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان)، كل ذلك على أساس التاريخ المعروف. لا يمكن للشكوك الحاسمة في المجالات الأخرى دحض هذه الحقائق الأساسية وتغييرها.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هذا ليس حقيقي – هل يمكن ان يكون شيء حقيقي لك و ليس حقيقي لي؟ | ترجمة: ريمون جورج

 

 

 

 

[1] انظر:

Oscar Cullimann, The Earliest Christian Confessions, transl. by J.K.S. Reid (London: Lutterworth, 1949), pp. 35,38.

هذا الكتاب هو أحد الأعمال الكلاسيكية في هذا الموضوع.

[2] Ibid., pp. 57-58, 63-64.

[3] Ibid., p. 32.

[4] Ibid., pp. 22-23, 28, 55, 57-62. Cf. Bultmann, Theology of the New Testament, vol. 1, pp. 27, 125, 131, 175, 298; Neufeld, The Earliest Christian Confessions (Grand Rapids: Eerdmans, 1964), pp. 9, 49, 57, 61; Fuller, Foundations, pp. 204-206, 221-225, 248; Pannenberg. Jesus, pp. 366-367.

[5] Bultmann, Theology of the New Testament, ibid., vol. 1, pp. 49, 81; Joachim Jeremias, Eucharistic Words, p. 102; Neufeld, ibid., p. 145, cf. p. 128.

[6] انظر:

Cullmann, Confessions, pp. 55, 58; C.F.D. Moule, The Birth of the New Testament, revised cdition (New York: Harper and Row, 1982), p. 247; Neufeld, pp. 128-129, 133.

[7] Cullmann, ibid., p. 55; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 27; II, p. 121; Pannenberg. Jesus, pp. 118, 283, 367; Neufeld, pp. 7, 50; cf. Dodd, Apostolic Preaching. p. 14.

[8] علي سبيل المثال انظر:

Bulumann, Theology, vol. 1, pp. 27, 50.

[9] Moule, Birth, pp. 33-35.

[10] Jeremias, Eucharistic Words, p. 102; Neufeld, pp. 7, 9, 128.

[11] Jeremias, ibid., p. 132; cf. Bultmann, Theology, vol. 1, p. 176; 2. pp. 153, 156; Fuller, Foundations, pp. 214, 216, 227, 239.

[12] Moule, Birth, pp. 33-35.

[13] Cullmann, Confessions, p. 41.

[14] Jeremias, Eucharistic Words, p. 112; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 81, 125; Neufeld, Confessions, pp. 43, 140.

[15] Bultmann, Theology, vol. 1, p. 312; Neufeld, Confessions, pp. 62, 68, 144.

[16] Moule, Birth, p. 38: Jeremias, Eucharistic Words, pp. 101, 104-105.

[17] Jeremias, ibid., p. 101.

[18] ibid., pp. 101, 104-105.

[19] Cullmann, Confessions, p. 64; Moule, Birth, pp. 38-39; Neufeld, Confessions, p. 52.

[20] Bultmann, Theology, vol. 1, p. 83.

[21] Martin Hengel, The Atonement, transl. by John Bowden (Philadelphia: Fortress, 1981), p. 53

[22] Moule, Birth, p. 38.

[23] Bultmann, Theology, vol. 2. p. 121; Neufeld, Confessions, pp. 20, 31.

[24] See Cullmann, Confessions, pp. 25, 27.

[25] ibid.; Bultmann, Theology of the Naw Testament, vol. 1, p. 82.

[26] Neufeld, Confessions, pp. 31, 63-64, 146.

[27] ibid.,p. 114; cf. pp. 132-133.

[28] Bultmann, Theology, vol. 1, p. 82.

[29] Cullmann, Confessions, pp. 41, 45, 53, 57-62, including the creedal nature of these two references.

[30] انظر بشكل خاص (أعمال الرسل 2: 14- 39 ؛ 3: 12-26 ؛ 4: 8-12 ؛ 5: 29-32 ؛ 10: 34-43 ؛ راجع 13: 16-41).

[31] انظر (أعمال 2: 22-23، 31 ؛ 3: 15 ؛ 4: 10 ؛ 5: 30-31 ؛ 10: 39-42 ؛ 13: 28-29).

[32] Drane, Introducing the NT, p. 99.

[33] See the influential treatment by Dodd, Apostolic Preaching, pp. 17-31; cf. Craig’s overview of the debate, pp. 36-38.

[34] Joachim Jeremias, “Easter: The Earliest Tradition and the Earliest Interpretation, p. 306.

[35] CH. Dodd, “Risen Christ,” p. 125; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 45.

[36] Cf. Neufeld, Confessions, pp. 7, 50; Pannenberg, Jesus, pp. 118, 283, 367; Dodd, Apostolic Preaching, p. 14; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 27; vol. 2, p. 121; Fuller, Foundations, pp. 187, 189.

[37] Neufeld, Confessions, p. 50.

[38] Cullmann, Confessioms, p. 55; Moule, Birth, p. 247.

[39] Cf. Moule, p. 247; Neufeld, Confessions, pp. 51-52; Pannenberg. Jesus, pp. 31, 133, 137, 147, 367; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 27, 50; Fuller, Foundations, pp. 180 (fn. 81), 187.

[40] Cullmann, Confessions, pp. 55, 57-62.

[41] Jeremias, Eucharistic Words, p. 112; Neufeld, Confessions, pp. 43, 140, 143; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 81, 125.

[42] See Dodd, Apostolic Preaching. p.11.

[43] Cullmann, Confessions, pp. 55, 57-62.

[44] See Reginald Fuller, Resurrection Namatives, p. 10; Oscar Cullmann, The Early Church: Studies in Early Christian History and Theology, ed. by A.J.B. Higgins (Philadelphia: Westminster, 1966), p. 64; Pannenberg, Jesus, p. 90;

Wilckens, Resurrection, p. 2; Hengel, The Atonement, pp. 36-38, 40; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 45, 80, 82, 293; Willi Marxsen, The

Resurrection of Jesus of Nazareth, transl. by Margaret Kohl (Philadelphia: Fortress, 1970), pp. 80, 86; Hans Conzelmann, 1 Corinthians, transl. by James W. Leitch (Philadelphia: Fortress, 1969), p. 251; Hans-Ruedi Weber, The Cross, transl. by Elke Jessett (Grand Rapids: Eerdmans, 1978), p. 58; Dodd, “Risen Christ,” pp. 124-125; A.M. Hunter, Bible and Gospel, p. 108; Raymond E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist Press, 1973), Pp. 81, 92; Norman Perrin, The Resurrection According to Matthew, Mark and Luke (Philadelphia: Fortress, 1977), p. 79; George E. Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1975), p. 104; Neufeld, Confessions, p. 47.

[45] Fuller, Resurrection Narratives, p. 10; Wilckens, Resurrection, p. 2; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 293; Dodd, Apostolic Preaching, pp. 13-14; “Risen Christ,” p. 125; Neufeld, Confessions, p. 27; Brown, Bodily Resurrection, p. 81.

[46] Cullmann, Early Church, p. 64; Fuller, Resurrection Narratives, p. 10; Marxsen, Resurrection, p. 80; Weber, The Cross, p. 59.

[47] Jeremias, Eucharistic Words, pp. 101-102.

[48] See especially Fuller, Resurrection Narratives, pp. 11-12; Weber, The Cross, p. 59; Jeremias, Eucharistic Words, pp. 102-103.

[49] Jeremias, in particular, provides a list of such Semnitisms (Eucharistic Words, pp. 102-103). See also Pannenberg, Jesus, p. 90; Fuller, Resurrection Narratives, p. 11; Foundations, p. 160; Weber, The Cross, p. 59.

[50] Lapide, Resurrection, p. 98.

[51] Wilckens, Resurrection, p. 2.

[52] Jeremias, “Easter,” p. 306.

[53] للحصول على عينة من بعض أولئك الذين يتمسكون بهذه التواريخ المحددة لهذه العقيدة، انظر:

Hans Grass, Ostergeschen und Osterberichte, Second Edition (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1962), p. 96; Leonard Goppelt, The Easter Kerygma in the New Testament,” The Easter Message Today transl. by Salvator Attanasio and Darrell Likens Guder (New York: Nelson, 1964), p. 36; Thomas Sheehan, First Coming: How the Kingdom of God Became Christianity (New York: Random House, 1986), pp. 110, 118; Cullmann,

[54] See Cullmann, The Early Church, pp. 65-66; cf. p. 73; Jeremias Eucharistic Words, p. 106; Hengel, The Atonement, p. 38; Dodd, Apostolic Preaching, pp. 16-17.

[55] Cullmann, Confessions, pp. 72-73.

[56] Hans von Campenhausen, “The Events of Easter and the Empty Tomb,” in Tradition and Life in the Church (Philadelphia: Fortress, 1968),P. 44, as quoted by Ladd, I Belirve, p. 105.

[57] Hunter, Jesus, p. 100.

[58] Cullmann, The Early Church, p. 64: Jeremias, Eucharistic Words, p. 96; Pannenberg.Jesus, p. 90; Dodd, Apostolic Preaching, p. 17.

[59] Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.

[60] Bultmann, Theology, vol. 1, p. 295; Neufeld, Confessions, pp. 66-67, 146.

[61] Cullmann, Earliest Confessions, p. 32; Wolfhart Pannenberg, “A Dialogue on Christ’s Resurrection,” in Christianity Today, 12/14, April 12, 1968, pp. 9-11.

[62] Weber, The Cross, p. 58; Hengel, The Atonement, p. 37.

[65] للحصول على التفاصيل، على وجه الخصوص انظر

Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry (Ann Arbor: University Microfilms, 1976), pp. 114 171; OrT, The Resurrection of Jesus,

الفصلين الثامن والتاسع على وجه الخصوص

[66] ظهرت العديد من الانتقادات الممتازة لهيوم والمزيد من التحديثات الأخيرة، مما كشف بطلان مثل هذه المحاولات. على سبيل المثال، انظر

S. Lewis, Miracles (New York: Macmillan, 1961); Richard Swinburne, The Concept of Miracle; Werner Schaaffs, Theology, Pnysics and Mracles, transl. by Richard L. Renfield (Washington, DC: Canon Press, 1974); Gary R. Habermas, “Skepticism: Hume” in Norman L. Geisler, ed., Biblical Errancy: An Analysis of its Philosophical Roots (Grand Rapids: Zondervan, 1981).

[67] لمزيد من التفاصيل، بما في ذلك قائمة المصادر الأولية من هذه الرفض في القرن التاسع عشر لوجهات نظر بعضهم البعض، انظر

Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, pp. 286-293.

[68] للحصول علي امثلة انظر

Karl Barth, Church Dogmatics, vol. 4, part 1, p. 340; Raymond E. Brown, “The Resurrection and Biblical Criticism,” especially

[74] للحصول على عينة من اللاهوتيين النقديين الذين يقبلون هذه الحقائق الأساسية الأربع، انظر

 

Fuller, Resurrection Narratives especially pp. 27-49; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 44-45; Tillich, Systematic Theology, vol. 2, pp. 153-158; Bornkamm, Jesus, pp. 179-186; Wilckens, Resurrection, pp. 112-113; Pannenberg, Jesus, pp. 88-106; Moltmann, Theology of Hope, especially PP. 197-202; Hunter, Jesus, pp. 98-103; Perrin, Resurrection, pp. 78-84; Brown, Bodily Resurrection, especially pp. 81-92; Paul VanBuren, The Secular Meaning of the Gospel (New York: Macmillan, 1963), pp. 126-134.

[75] انظر بشكل خاص (أعمال 1: 1-11 ؛ 2: 32 ؛ 3: 15 ؛ 5: 30-32 ؛ 10: 39-43 ؛ 13: 30-31).

[76] قارن شهادة المؤرخ مايكل جرانت

(Jesus: An Historian’s Review, p. 176)

بشهادة عالم اللاهوت رودولف بولتمان (Theology, vol. 1, p. 45)

 

الذي يتفق في هذه المرحلة مع الدراسة ككل.

[77] Fuller, Foundations, p. 142.

[78] See Eusebius, Book II: IX, XXIII; XXV.

[79] See Habermas and Moreland, Immortality, pp. 245-246,

الحاشية رقم 67.

[80] انظر الملاحظة 74 أعلاه. أنظر أيضا:

Grant, Jesus: An Historian’s Review, especially pp. 175-178; W.T. Jones, The Medieval Mind (New York: Harcourt, Brace, Jovanovich, 1969), pp. 34-35; Carl Braaten, History and Hermeneutic (Philadelphia: Westminster, 1966), p. 78.

[81] Grant, ibid., p. 176.

[82] Braaten, History, p. 78.

[83] See Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: An Apologetic, chapter 1

لهذه الحجة في شكل موسع، بما في ذلك الدعم لهذه الحقائق.

[84] لا يمكن هنا تقديم توسعات لهذه الانتقادات والعديد من التفنيدات الإضافية التي تم جمعها من القائمة الأكبر للحقائق التاريخية المعروفة أعلاه. للحصول على معالجة أكثر اكتمالاً لهذه النظريات البديلة وغيرها، انظر

Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, PP. 114-171.

[85] توفر الحقائق المعروفة الإضافية أيضًا حججًا مهمة أخرى لهذا الحدث، مثل الأدلة الأخرى المدرجة هناك.

ربما يكون التوضيح باستخدام قضية محكمة مفيدًا. سوف نفترض أن أكثر من عشرة من شهود العيان قد لاحظوا بوضوح بعض الأحداث التي تضمنت رؤية شخص يقوم بسلسلة من الأعمال في مناسبات مختلفة. جاءت هذه الشهادة مباشرة بعد الوقائع نفسها، وكان شهود العيان حازمين في ادعاءاتهم، كما ثبت في نقاط عديدة. علاوة على ذلك، لا يمكن للمحامي الخصم ومساعديه دحض الشهادة حتى بعد سنوات من البحث حرفيًا، على الرغم من اهتمامهم بذلك.

لا يمكن إثبات الكذب أو التواطؤ أو غيره من الاحتيال أو الهلوسة أو أي وسيلة أخرى للتزوير أو سوء الفهم. من المسلم به أن هناك حجة قوية للغاية مفادها أن هذا الشخص المعني قد تمت رؤيته، حقيقة، من قبل هؤلاء الأشخاص في تلك الأماكن والأوقات. لكن الأكثر دلالة، يمكن بناء قضية محدودة ولكن يمكن إثباتها فقط على أساس الحقائق التي اعترف خصومهم بصحتها. وهكذا يمكن أن تستند الحجة على الشهادة العدائية وحدها.

من الناحية النظرية، هل ستقتنع هيئة المحلفين إذا دافع المحامي الخصم أنه “ربما لم ير الشهود حقًا الشخص لسبب غير معروف على الرغم من الأدلة” أو “ليس مهمًا حقًا سواء رأوه أم لا”؟ من الواضح أن هذه ردود غير مناسبة لأن الشهادة تكشف أن شهود العيان قد رأوا الشخص حرفياً.

ومع ذلك، فإن الدليل على قيامة يسوع التاريخي هو في الواقع أفضل من هذا. من المؤكد، كما هو الحال في قضية المحكمة، أن يتخذ الأشخاص قرارًا بشأن هذا الحدث، ولكن على عكس قضية المحكمة، فإن قرارهم لا يحدد المشكلة. يتم تأسيس الحقيقة التاريخية على الدليل وحده وليس بأي قرار. وهنا تظهر أدلة القيامة أن شهود العيان الأوائل رأوا يسوع التاريخي المقام، وكذلك الطبيعة الحرفية لهذه الظهورات. محاولات حاسمة تفشل في هذه المرحلة.

[86] وتجدر الإشارة هنا إلى أن العهد الجديد يؤكد أن المؤمن قد حصل على تأكيد لهذا الحدث (بالإضافة إلى حقائق أخرى عن الله) بشهادة الروح القدس (رومية 8: 16 ؛ يوحنا الأولى 5: 9-13 ). لا يحتاج المؤمنون إلى الاعتماد على تحقيقات منهجية التأويل الحرجة، كما حدث هنا. يمكن لمثل هذه العمليات تأكيد ما تم اعتماده بالفعل، أو الإجابة على أسئلة المشككين.

[87] انظر:

Grant, Jesus: An Historian’s Review

للحصول على مثال لعمل تاريخي نقدي يكشف عن بيانات سابقة أخرى (بالإضافة إلى قوانين الإيمان) تتعلق بحياة يسوع التاريخي. مرة أخرى، يعترف غرانت أيضًا بالحقائق الأساسية الأربع (الصفحات من 175 إلى 178). انظر المجتمع الروماني لـ Sherwin-White:

<Sherwin-White’s Roman Society>

والقانون الروماني في العهد الجديد:

<Roman Law in the New Testament>

 للحصول على مثال لمؤرخ قديم آخر يستخدم أيضًا المنهجية النقدية ويطبقها على محاكمة يسوع ورحلات بولس على وجه الخصوص. ومن المثير للاهتمام، أن شيرون وايت وجد أن نصوص العهد الجديد المناسبة جديرة بالثقة للغاية في هذه النقاط (انظر الصفحات 186-193).

 

يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد

ما هي آراء المدافعين عن شخصية يسوع التاريخية (يسوع التاريخ)؟

 116- ما هي آراء المدافعين عن شخصية يسوع التاريخية (يسوع التاريخ)؟

ج: هناك عشرات من النقاد المحافظين الذين دافعوا عن حقيقة ” يسوع التاريخ ” ضد بولتمان وأتباعه الذين حذفوا معظم مادة الإنجيل معتبرين إياها إضافات وزخرفة وأساطير أضافتها الجماعة المسيحية الأولى، والآن دعنا يا صديقي نذكر باختصار بعض هؤلاء المدافعين عن ” يسوع التاريخ ” مع إلقاء الضوء على أفكارهم:

يواقيم جيرمياس – ايثلبرت شتوفر – جون درين – هوارد مارشال – بيتر ج. دونكر – دافيد كارنز – إدوارد ألوين – برتيز – شروين وايت – ف. ف. بروس – بلاكمان – جيسلر – ف. سكوت – جون دارويك مونتجومري – ج. ب. مورلاند – أ. و. موسلي – ماك نيل – جورج الدون لادد – بنويت – ألبرايت – نورمان بيتنجر – أوتو بيتس – دونالد هاجنر – هوارد كلارك كي – روبرت شتان – ر. ت. فرانس – أدوين ياموتشي – جوش مكدويل

1- يواقيم جيرمياس Joachim Jermias (1900 – 1979م):

قام جيرمياس بدراسة أمثال السيد المسيح مستخدمًا نفس طريقة بولتمان في نقد الشكل إلاَّ أنه انتهى إلى نتائج مختلفة عن نتائج بولتمان، وأبرز جيرمياس خمسة مبادئ تساعدنا على فهم الأناجيل وهي:

1- دراسة التقليد الشفاهي الذي سبق كتابة الأناجيل.

2- استخدام منهج نقد الشكل للتمييز بين الإضافات الهيلينية (بواسطة كنيسة الأمم) والتقليد الفلسطيني القديم (الكنيسة اليهودية).

3- دراسة بيئة فلسطين في القرن الأول الميلادي، والعادات التي كانت شائعة، والجو الديني اليهودي حينذاك.

4- دراسة اللغة الآرامية التي تحدث بها السيد المسيح.

5- اكتشاف الفارق بين رسالة يسوع، وبين الأفكار اليهودية الأخروية.

وأكد جيرمياس بأن الإنجيل هو أصل المسيحية، فيقول ” تخبرنا كل آية في الإنجيل أن أصل المسيحية لا يكمن في إيمان المجتمع المسيحي الأول، ولا في اختبارات التلاميذ عن القيامة، بل إن كل آية في الإنجيل تخبرنا أن أصل المسيحية يكمن في ظهور الرجل الذي صُلب في عهد بيلاطس البنطي – يسوع الناصري – ورسالة هذا الرجل”(1)(2).

ولم يوافق جيرمياس على رأي بولتمان بأن المجتمع المسيحي أثرَّ في صياغة الأناجيل، ولكنه كان ” مقتنعًا بأن هناك اختلافًا بين أقوال يسوع وأقوال الكنيسة الأولى، فالأمثال (أمثال السيد المسيح) بالنسبة له قد مرَّت بتعديلات خلال فترة النقل الشفهي، وأنه من المهم استعادة الوضع الأصلي للأمثال في أقوال يسوع”(3). وحاول جيرمياس في كتابه ” أمثال يسوع ” الوصول إلى كلمات يسوع الفعلية قائلًا ” إن هدف التحليل النقدي ليس أقل من العودة إلى نفس كلمات يسوع ذاته، فلا يمكن أن يزود رسالتنا بالسلطان الكامل إلاَّ ابن الإنسان وكلمته”(4)(5).

2- ايثلبرت شتوفر Ethelbert Stouffer:

يقول ” جوش مكدويل”.. ” كان (ايثلبرت شتوفر) طالبًا ثم أستاذًا في عدة جامعات ألمانية، كان مساعد أستاذ في جامعات هال وبون، وأستاذ دراسات العهد الجديد في جامعة ايرلانجن، وقد ألف ست كتب عن المسيح واللاهوت المسيحي”(6).

واستخدم شتوفر منهجًا دعاه ” المصادر الجديدة ” وحاول فصل العناصر التاريخية عن العناصر العقائدية في الإنجيل، وصنَّف شتوفر المصادر الجديدة إلى ثلاثة مصادر:

1- المصادر غير المباشرة التي تتحدث عن البيئة وأعياد فلسطين في القرن الأول الميلادي، فهذه المصادر تلقي الضوء على الظروف والأحداث والشخصيات التي ارتبطت بيسوع.

2- المصادر اليهودية القديمة التي تتحدث عن يسوع، وربطها بما ورد في روايات الإنجيل.

3- المصادر اليهودية الرؤوية المتأخرة التي تركز على رسالة يسوع.

وانتهى ايثلبرت شتوفر إلى تفرد يسوع وخطأ القائلين بأن يسوع هو نتاج تقاليد وأفكار عصره، وأكد على حقيقة المعجزات التي أجراها السيد المسيح، فقد تحققت هذه المعجزات من الذين يتبعوه والذين يعارضونه أيضًا، فنظر شتوفر ليسوع كمؤسس لإنسانية جديدة، وأنه هو إعلان الله للإنسان ” فلم يكن يسوع يريد أن يُنظَر إليه كمسيا أو كنبي ولا كمعلم للناموس، فلقد كان ينسب لنفسه في كلامه وأفعاله سلطان الله. لقد أعلن سلطانه دون دلائل خارقة للطبيعة أو شرح نظري (مت 11: 27) فلقد قام بغفران الخطايا.. أما كلمته فكانت كلمة مطلقة (مت 24: 35) لقد نطق نجار الناصرة بتعبير (أنا هو) لذلك أُدين فحكم عليه بالموت كمجدف على الله”(7).

3- جون درين John Drane:(**)

حدَّد ” جون درين ” ثلاثة مناهج تساعدنا على التأكد من أصالة الأناجيل، بمعنى أن الأناجيل لم تكن وليدة تصورات المجتمع المسيحي الأول. إنما هي تعبر عن أحداث حقيقية حدثت بالفعل بدون إضافات ولا زخرفة، وهذه المناهج الثلاثة هي منهج التمييز Distintiveness،  ومنهج التماسك Coherence،  ومنهج تعدد المصادر More than one source:

1- منهج التمييز Distintiveness: فكل ما سُجل في الأناجيل، وهو مختلف عن الفكر اللاهوتي اليهودي، ولاهوت الكنيسة الأولى فهو أصيل، لأنه ليس من تصوُّر المجتمع المسيحي الأول، وأحتج البعض على هذا المنهج لأن معرفتنا بالفكر اللاهوتي اليهودي، ولاهوت الكنيسة الأولى معرفة غير شاملة، وبالتالي يصعب التميّيز بين ما سُجل في الأناجيل ويتمشى مع هذين الفكرين، وبين ما سُجل في الأناجيل ولا يتمشى مع هذين الفكرين، كما قالوا أن ما سُجل في الأناجيل من أحاديث السيد المسيح عن نفسه لا يمكن إخضاعها لمقياس التميّيز هذا، فمثلًا ذكر السيد المسيح عن نفسه أمثال ” ابن الإنسان” و”المسيا ” وهذه الأمثال استخدمت في الكنيسة الأولى، فهل معنى هذا أن هذه الأمثال لا تعتبر أصيلة في الأناجيل..؟ كلاَّ.

2- منهج التماسك Coherence: فكل ما كُتب في الأناجيل ويتمشى مع تعاليم المسيح، وقد اجتاز اختبار التمييز، فهو يعتبر أصيل، بمعنى أنه ليس من تصوُّر وصنع المجتمع المسيحي الأول.

3- منهج تعدد المصادر More than one source: فيقول ” جون درين ” إن ما ذُكر في أكثر من إنجيل، فهو يعد دليلًا على أصالته، وإنه ليس من تصوُّر ووضع المجتمع المسيحي الأول، وتم الاعتراض على هذا المنهج الثالث لأن هناك أحداث كثيرة وردت في إنجيل واحد ولم تذكر في بقية الأناجيل، فهل معنى هذا أن مثل هذه الأحداث غير أصيلة..؟ قطعًا لا للأسباب الآتية:

أ – إن كتَّاب الأناجيل موثوق فيهم، وقد التزموا جميعًا بمستويات رفيعة في كتاباتهم.

ب- عبَّر كتَّاب الأناجيل بدقة عما كان سائدًا في فلسطين حينذاك.

ج- ما سجلته الأناجيل لا يُعبِر عن اهتمامات واحتياجات الكنيسة الأولى، لأن مثل هذه الاهتمامات الخاصة بالكنيسة الأولى جاء ذكرها في سفر الأعمال ولم تأتِ في الأناجيل.

د – هؤلاء النُقَّاد لم يدركوا المفهوم الصحيح للوحي، ودوره في تسجيل كلمات الكتاب المقدَّس.

4- هوارد مارشال Howard Marshall (1934 -):

يقول ” جوش مكدويل”.. ” تعلم (هاورد أ. مارشال) في جامعة أبردين وجامعة كمبريدج. مارشال كان أستاذًا لتفسيرات العهد الجديد في جامعة أبردين لسنوات عدة، وهو الأكثر استمرارية في تحرير المجلة ربع السنوية الإنجيلية، وألَّف ” لوقا مؤرخًا ولاهوتيًا” و”أصل العهد الجديد فيما يختص بالمسيح ” وكتب أخرى”(8).

وفي سنة 1977م أصدر مارشال كتابه ” أنا أؤمن بيسوع التاريخي ” I belive in the Historical Jesus ناقش فيه يسوع التاريخ، وميَّز بين تعبير ” التاريخ ” History،  و” التاريخي ” Historical،  و” تاريخي ” Historic،  فالتاريخ يشير لما حدث فعلًا في الماضي، والتاريخي يحتمل الإشارة إلى أسماء الأشخاص أو أوصافهم أو الأحداث التي حدثت فعلًا أو يحتمل أحداث فعلية سواء استطاع المؤرخ أن يصفها أو لا، وتدل على أن الرواية المذكورة دقيقة وصحيحة تمامًا في كل تفاصيلها بمقارنتها مع الروايات الخيالية، وتعبير الحدث التاريخي أي الحقيقة عارية. أما تاريخي فهي تعبر عن الحقائق التي يُنظر إليها كأحداث هامة بالمقارنة مع حقائق أخرى. وقد كان في حياة الكنيسة الأولى حدثان أساسيان 1- حياة يسوع 2- القيامة وكان للتلاميذ اختبار مزيد مع يسوع في أثناء حياته ولكن القيامة أعطتهم نظرة جديدة للأحداث(9).

5- بيتر ج. دونكر Duncker:

صوَّر ” دونكر ” فكر بولتمان وأتباعه بأنهم اعتقدوا أن يسوع مجرد نبي، تكلم وتصرف على هذا الأساس، وانتهت حياته نهاية مأساوية.. أما كل ما سجل عن لاهوته ومعجزاته وقيامته فهي أساطير نسجتها الجماعة المسيحية الأولى وهي تكرز وتبشر به، فقال أن بولتمان وأتباعه قد تصوُّروا ” يسوع الجليلي الذي يعتقد في نفسه أنه نبي، والذي بالضرورة قد تكلم وتصرف بناء على ذلك، بدون أن نكون قادرين على أن نقول بالضبط ماذا كان يقول وكيف كان يتصرف وهو في النهاية مات بطريقة مؤسفة. أما الباقي كله في حياته: أصله الإلهي، إرساليته للخلاص، البرهان الذي قدمه من خلال كلماته ومعجزاته. وأخيرًا القيامة والتي ختمت بالضمان على كل عمله، كل هذه في نظرهم مجرد خيال محض، نتج عن الإيمان والعبادة، وأحاطت به تقاليد أسطورية، والتي تكوَّنت أثناء فترة التبشير والوعظ ودفاعات وجدالات الجماعة المسيحية المبكرة”(10)(11).

6- دافيد كارنز Cairns:

قال ” كارنز ” أن بولتمان لا يملك الأدلة التي تجعله ينكر مسيح التاريخ، وهروبه من مسيح التاريخ بلا مبرر، وسخر كارنز من بولتمان الذي يشبه من قطع رأس شخص بهدف علاجه من الصداع، فقال ” وما نخلص إليه: أنه لا يوجد تبريرات قدمها بولتمان في مساندة خيرانه من التاريخ حاملًا الإيمان. فالمغامرة كلها تشبه كثيرًا قطع رأس شخص لعلاجه من الصداع.. إن خلاصتنا في هذا الفصل تقودنا إلى إدراك أن كل المبررات التي ساقها بولتمان، لدعم تحوُّله عن التاريخ غير مقنعة، إذ أن المشروع بأكمله يشبه تمامًا اللجوء إلى قطع رأس شخص كعلاج له من الصداع”(12)(13).

7- ألوين Ellwein:(*)

يرى ” ألوين ” -في إطار عرضه لأفكار هؤلاء النقاد- أن بولتمان وأتباعه بعد أن حذفوا ما شاءوا من الأناجيل بحجة أنها غير صحيحة تاريخيًا تركوا لنا نصًا مشوهًا لا يفيد أحدًا، فقال ” كل ما يتبقى بالتحديد هو الوعظ فقط، عبارة عن نقطة رياضية ليس لها أي امتداد”(14)(15) وبتعبير ” ماك جينلي ” أن بولتمان عندما استبعد الإطار التاريخي ” قد ترك وراءه نصًا مشوهًا، لا يفيد المسيحيين الأوائل ولا المحدثين”(16)(17) كما رأى ” ألوين ” أن ما فعله بولتمان عندما اعتقد أن يسوع التاريخ لغزًا يعني إنه ينكر التجسد الإلهي إعلان الله للبشرية فيقول ” أليس هذا تفسيرًا مزعجًا في تفسيره لرسالة العهد الجديد، عندما تصير الحقيقة التاريخية ليسوع الناصري التاريخي مجرد لغز نسبي؟ وهذا يعني أن ظهور إعلان الله والذي يفترض أنه اتخذ شكلًا جسديًا وتاريخيًا في يسوع يتلاشى ولا تقوم له قائمة”(18)(19).

8- برتيز Peritz:

يرى ” بيرتز ” أن قول بولتمان وأتباعه أن الجماعة الأولى كانت تنتظر نهاية الأيام ولذلك اهتمت بالتبشير دون الاهتمام بالأحداث التاريخية، قول مردود عليه لأنه لو صحت هذه الحجة فيمكن أن تصح وسط مجموعة صغيرة، ولا يمكن أن تصح وسط مجتمع مسيحي متسع، ولو صحت هذه الحجة على مستوى متسع ما كان هناك داعيًا لكتابة الأناجيل، لأنه مادام المسيحيون يتوقعون نهاية الأيام فلماذا يكتبون الأناجيل، بل أن كون كثيرون كتبوا كقول لوقا الإنجيلي لهو دليل على اعتقاد المسيحيين بأن الأيام مازالت ممتدة أمامهم وأن النهاية لن تكن بهذه السرعة، فيقول ” بريتز”.. ” إذا فعلنا مثل نُقَّاد الشكل، وأكدنا أن التلاميذ الأوائل ليسوع كانوا ينتظرون ويتوقعون سرعة نهاية الأيام، ولم يكن لديهم أي اهتمام بالتاريخ، ربما كان ذلك صحيحًا على جماعة صغيرة، ولكن ذلك لم يكن حقيقيًا بالنسبة للجميع، ولو كان ذلك هو حقيقة على الكل، فكان من المفترض ألاَّ توجد أية أناجيل مسجلة. وكلمة لوقا عن {الكثيرين} الذين أخذوا بتأليف قصة عن الأمور المتيقنة لم يكن لها وجود”(20)(21).

9- شروين وايت Sherwin White:

قارن بين أساليب الكتَّاب الرومان وكتَّاب الأناجيل، وقال حتى لو أن هؤلاء الكتَّاب أتبعوا الأسلوب الجدلي غير المرتب زمنيًا لكن ليس معنى هذا أنهم لا يتحدثون عن أمور تاريخية ” يمكن أن نؤكد بالدليل أن الأشخاص الذين كان لديهم اهتمام حماسي بقصة المسيح، حتى لو كان اهتمامهم بالأحداث كان انتقائيًا ووعظيًا أكثر منه تاريخيًا، هؤلاء الأشخاص سوف لا ينقادون نتيجة لهذه الحقيقة إلى تحريف وتدمير كامل للجوهر التاريخي لما ينادون به”(22)(23).

10- ف. ف. بروس F. F. Bruce:

كان رئيسًا للدراسات الكتابية في جامعة شيفيلد، وأستاذ النقد الكتابي والتفسيري بجامعة مانشستر، وقال أن لوقا الإنجيلي مشهودًا له بدقة التسجيل، فقد ذكر بعض الأحداث التي أمكن التأكد من صحتها، وبالتالي فإن ما ذكره من أحداث تاريخية لا بُد أن يكون صحيحًا ” إن الرجل الذي يمكن إثبات دقة وصحة كلامه في أمور يمكننا أن نختبرها، يكون غالبًا دقيقًا حتى عندما لا تتاح الوسائل التي تمكننا من اختباره، فالدقة هي عادة أو سلوك عقلي، ونحن نعلم.. أن بعض الناس من عادتهم الدقة تمامًا، كما أن آخرين يمكن أن تكون عدم الدقة من عاداتهم، وسجل لوقا يؤهله أن يُعتبر كاتبًا دقيقًا”(24)(25).

كما يقول ف. ف. بروس أن ” تاريخية المسيح هي أمر بديهي كتاريخية يوليوس قيصر، فليس المؤرخون الأمناء هم من يبثون نظريات {أسطورة المسيح}”(26)(27) وأيضًا يقول ” ربما يعبث الكتَّاب بالأفكار الخيالية التي تتحدث عن {أسطورة المسيح} ولكنهم لا يفعلون ذلك على أساس البراهين التاريخية. إن حقيقة المسيح التاريخية تُعدُّ أمرًا محوريًا بالنسبة للمؤرخ المنصف كحقيقة يوليوس قيصر التاريخية، فليس المؤرخون هم الذين يروجون لنظريات {أسطورة المسيح}”(28)(29).

11- بلاكمان Blackman:

يرى أن الإنجيليين كانوا يدركون تمامًا أنهم يكتبون عن الخلاص الذي صنعه يسوع التاريخ كجزء من التاريخ ككل، ولم يكن لهم حرية التأليف والإضافة، فيقول ” إن وعي لوقا بأن تاريخ الخلاص المتعلق بيسوع الناصري هو جزء من التاريخ ككل، وفي هذا لا يختلف لوقا تمامًا عن رفاقه الإنجيليين، فجميعهم كانوا على وعي بأنهم يسجلون أحداثًا حقيقية قامت بها شخصية تاريخية حقيقية. ومن أجل كل جهودهم لخلق إيمان بهذا الشخص. وللشهادة للقوة الإلهية التي تحركت من خلاله، من أجل هذا السبب أساسًا قاموا بكتابة الأناجيل، ولم يكن لهم الحرية في تلفيق أو تزيّيف المعلومات التي قدمتها تقاليد كنائسهم كما حدث في الجليل واليهودية قبل جيل مضى”(30)(31).

12- جيسلر Geisler:

يقول أن العلماء الذين يشكوُّن في يسوع التاريخ ” يزعمون بلا أي برهان أن الأناجيل ليست تاريخية، وإنها لا تقدم الشخصية التاريخية”(32)(33).

كما أشار جيسلر لخطورة الفصل بين ” يسوع التاريخ” و”مسيح الإيمان”، فإن لم يكن يسوع التاريخ حقيقة فباطل هو إيماننا وقضية خلاصنا تصبح بلا معنى ” أخيرًا، مثل هذا الفصل ليسوع التاريخي عن المسيح الإيماني يقوم على انقسام خاطئ بين الحقيقة والإيمان. إذ أن الدلالة التاريخية للمسيح لا يمكن أن تنفصل عن أصالته التاريخية. فإذا لم يكن يسوع قد عاش وعلَّم ومات وقام من الأموات كما يقول العهد الجديد، عندها لن يكن له أهمية أو معنى لخلاص اليوم”(34)(35).

13- ف. سكوت F. Scott:

يرى أنه لو أن هؤلاء النقاد أثاروا الريبة والشك حول بطل من العصور القديمة لجاز لهم هذا، ولكن كونهم يتناولون شخصية يسوع التاريخية الذي أثر في التاريخ كله، وينظرون إليه بعين الريبة والشك، فهو أمر غير مقبول، فيقول عن هؤلاء النُقَّاد ” كان من الصعب تحدي حججهم لو كانوا قد ركزوا على بطل آخر في العصور القديمة. ولكن فقط لأنهم يتناولون بنقدهم حياة يسوع فلذلك يتم النظر إليهم بإرتياب”(36)(37) وقول سكوت هذا يذكرنا بقول معلمنا بولس الرسول للوالي فستوس ” من جهة هذه الأمور عالم الملك الذي أكلمه جهارًا إذ أنا لست أصدق أن يخفى عليه شيء من ذلك. لأن هذا لم يُفعل في زاوية” (أع 26: 26).

14- جون دارويك مونتجومري Montgomery:

كان أستاذًا ورئيسًا لقسم تاريخ الكنيسة وتاريخ الفكر المسيحي، ومديرًا لكلية ترينتي اللاهوتية، حصل على شهادات متعددة في جامعات كورنيل، وكاليفورنيا، ووتنبرج، وجامعة سوسكس بإنجلترا. ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو بأمريكا، وألَّف أكثر من 140 كتابًا، ويرى مونتجومري أن ما كُتب عن يسوع يطابق تمامًا ما كُتب عن الشخصيات البارزة مثل الإسكندر الأكبر، وأغسطس قيصر، وشارلمان. وإن كتَّاب العهد الجديد كانوا شهود عيان لحياة يسوع التاريخ، ولذلك يجب الثقة في الصورة التي قدمها هؤلاء الكتَّاب”(38)(39).

15- ج. ب. مورلاند G. Barreit:

يرى ” مورلاند ” أن المؤرخين القدماء كانوا قادرين على تمييز الحقيقة من الخيال، فيقول ” هل كان المؤرخون القدماء قادرين على تمييز الحقيقة من الخيال؟ وهل هناك أي دليل على أنهم كانوا يرغبون في هذا التمييز؟ إن كل أعمال المؤرخين اليونانيين والرومان واليهود ربما أثَّرت في كتَّاب العهد الجديد”(40)(41).

ورد ” مورلاند ” على قول البعض بأن مؤلفي الأناجيل مثل مؤلفي الوثائق القديمة الذين لم يهتموا بدقة تسجيل الأحداث، فقال ” بين الكتَّاب اليونانيين هناك الكثيرون ناقشوا أهمية السرد الدقيق لما حدث فعلًا. فها هو هيرودتس يؤكد على دور شهود العيان في التوثيق التاريخي.. كما حاول ثيوسيدس أن يقدّر مدى دقة التقارير التي وصلت إليه، وفي كتابه {تاريخ الحروب} اعترف أنه من حين لآخر كان يلفق ويخترع أحاديث.. وفي جميع الأحوال لم يكن من السهل عليه تلفيق رواية. بينما على الجانب الآخر نجد أن يوليبيوس كان لديه معيارًا دقيقًا للغاية.. كما دافع أيضًا عن الفحص والتدقيق في شهادة شهود العيان الموثوقين”(42)(43).

16- أ. و. موسلي Mosely:

يرى أن الكاتب في القرن الأول الميلادي كان يمكنه أن يتساهل من جهة الدقة في الأحداث البعيدة زمنيًا، ولكنه عندما يتحدث عن أحداث قريبة فإنه كان يتحرى الدقة، فيقول ” بشكل عام كان من الأسهل أن يكون الكاتب غير دقيق عندما يتعامل مع أحداث وقعت قبله بفترة طويلة. لكن الكتَّاب الذين كانوا يتعاملون مع الأحداث التي وقعت في وقت قريب منهم، أو شهود العيان الذين مازالوا على قيد الحياة، يبدو أنهم عمومًا حاولوا إتيان الدقة بقدر المستطاع والحصول على المعلومات من شهودها. وهم علموا أنهم لن يستطيعوا أن يفلتوا بفعلتهم لو إخترعوا قصصًا وهمية عن أحداث، وأشخاص في الماضي القريب. ونحن نلاحظ أن يوسيفوس المؤرخ الشهير اتهم يوستوس بأنه امتنع عن نشر تاريخه إلى أن اختفى كل شهود العيان، وهذا أمر مُدَان بشدة. ولقد رأينا أن هؤلاء المؤرخين (مثل لوسيان، ديونيسيوس، يوليوس، أفوريوس، كسيسروا، يوسيفوس، وتاسيتوس) كانوا يسرعون في نقد زملائهم المؤرخين إذا قدموا روايات غير دقيقة، والشخص الذي يُقدم سردًا غير دقيق لشيء ما حدث كان يعتبر فاشلًا بشكل ما، ونحن نتوقع أن نجد أن مثل هذه الاتهامات كان ستوجَّه ضد كتَّاب العهد الجديد لو كانوا قد فشلوا في هذا الأمر”(44)(45).

حقًا أن الناس يملكون القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف، فيقول أحد المدافعين ” أننا ينبغي ألاَّ نعترض من البداية أنهم لم يكن لديهم اهتمام بمسألة الأصالة والمصداقية. ومن الممكن تمامًا أن الناس كانوا مهتمين بتميّيز أي التقارير كانت صحيحة فعليًا وأيها يكون تلك التي تأثرت بتطور ونمو التقليد الكنسي”(46)(47).

17 – ماك نيل Mc Neile:

أعتقد ” ماك نيل”.. ” أن نُقَّاد الشكل شطحوا كثيرًا في إلقاء الأحكام على محتويات الأناجيل، لأن منهجهم هو منهج أدبي – وليس تاريخي”(48)(49).

18- جورج الدون لادد Ladd:

تخرج من كلية جوردون للاهوت، وأكمل دراسة الدكتوراة في جامعة هارفارد، وعمل أستاذًا في معهد فولر اللاهوتي، وصار من علماء النقد الكتابي ولكنه في نفس الوقت كان محافظًا، وكتب ” لاهوتيات العهد الجديد ” ردًا على كتابات بولتمان، ويقول لادد ” يجب أن يتم إدراك أن النقد الكتابي الحديث لم يكن ثمرة لمدرسة مؤمنة مهمومة بفهم أفضل للكتاب المقدَّس ككلمة الله في وصفها التاريخي، ولكنها مدرسة رفضت دعاوي الكتاب المقدَّس بأنه كلمة الله الموحاة بطريقة تفوق الطبيعة”(50)(51).

19- بنويت Benoit:

يرى ” بنويت ” أنه حتى لو كان المسيحيون الأوائل لم يهتموا بالتاريخ، إلاَّ أنهم بالتأكيد لم ينسبوا شيئًا ليسوع التاريخ لم يفعله أو لم يتحدث عنه، فيقول ” ربما لم يبد المسيحيون اهتمامًا بالتاريخ، لكنهم بكل تأكيد كانوا مهتمين بما هو تاريخي. ربما لم يرغب الوعاظ أن يسردوا كل شيء عن يسوع، ولكنهم بالتأكيد لم يرغبوا أن ينسبوا إليه أي شيء غير حقيقي”(52)(53).

وقال ” بنويت ” أنه ليس من المعقول أن الذين آمنوا بالمسيحية آمنوا بناء على تلفيقات الرسل ” هل من المعقول أن المهتدين الجدد قبلوا إيمانًا جديدًا، تطلب الكثير من الجهد منهم، فقط على أساس مجرد جلسات لنشر الشائعات، والذي على أساسه قام وعَّاظ بولتمان وديبليوس بتلفيق واختراع أقوال وأفعال لم يقم بها يسوع على الإطلاق”(54)(55).

20- ألبرايت Albright:

يرى ” البرايت ” مثل ” ماك نيل ” أن نُقَّاد الشكل اعتمدوا على الأسلوب الأدبي لتحديد مدى تاريخية النص، وهذا الأمر لا يكفي، فلابد من دليل خارجي لتحديد مدى تاريخية النص، فيقول أن ” أصالة وتاريخية أية بيانات لا يمكن قيامها بشكل قاطع، أو رفضها ودحضها تمامًا من خلال الإطار الأدبي الذي تم صياغتها به، حيث يجب أن يتواجد دائمًا دليل خارجي”(56)(57).

ويؤكد ” البرايت ” أنه لا بُد من توافر أسباب قوية بعيدة عن الإطار الأدبي للحكم على تاريخية النص، فيقول ” من وجهة نظر المؤرخ المحايد لا يمكن دحض بيانات من خلال الإطار الأدبي العرضي الذي تم صياغته فيه إلاَّ إذا تواجدت أسباب قوية مستقلة لرفض تاريخية عدد من البيانات الأخرى الموجودة في نفس الإطار”(58)(59).

21- نورمان بيتنجر Pittenger:

قال ” دعنا نتأكد تمامًا أن كل المحاولات لإنكار تاريخية يسوع قد باءت بالفشل”(60)(61).

22- أوتو بيتس Betz:

قال ” لم يجازف أي عالم جاء بافتراض عدم تاريخية شخصية يسوع”(62)(63).

23- دونالد هاجنر Hagner:

يرى أن جوهر الإيمان المسيحي يعتمد على يسوع التاريخ، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فيقول ” تعتمد المسيحية الحقيقية، مسيحية نصوص العهد الجديد، على التاريخ اعتمادا كليًّا، فجوهر إيمان العهد الجديد التأكيد على أن {الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه} (2كو 5: 19) وتعد أحداث تجسد المسيح وموته وقيامته كأحداث حقيقية زمانيًا ومكانيًا، أي كحقائق تاريخية، أُسسًا لا غنى عنها للإيمان المسيحي. ومن ثم فإن أفضل تعريف للمسيحية في رأيي هو ذكر أعمال الله التاريخية والاحتفال بها والمشاركة فيها، وهذه الأعمال، كما يؤكد على ذلك العهد الجديد، تكمُل في يسوع المسيح”(64)(65).

24- هوارد كلارك كي:

أستاذ متقاعد في جامعة بوسطن بعد أن درس المصادر الأخرى غير العهد الجديد إنتهى إلى ” أن نتيجة فحص المصادر الأخرى غير العهد الجديد التي تؤيد بشكل مباشر أو غير مباشر ما نعرفه عن يسوع هي تأكيد وجوده التاريخي، وقوته الفائقة، وإخلاص أتباعه، واستمرار الحركة المسيحية بعد موته على يد الحاكم الروماني في أورشليم، وتغلغل المسيحية في طبقات المجتمع العليا في روما نفسها بنهاية القرن الأول”(66)(67).

25- روبرت شتان Stein:

وهو أستاذ للعهد الجديد، ويقول ” تؤيد المصادر غير المسيحية بما لا يدع مجالًا للشك الأمور التالية على الأقل:

1- أن يسوع كان شخصية تاريخية حقيقية.

2- أن يسوع عاش في فلسطين في القرن الأول.

3- أن قادة اليهود تورطوا في قتل يسوع.

4- أن يسوع صُلب على أيدي الرومان أثناء حكم بيلاطس.

5- أن خدمة يسوع ارتبطت بالعجائب، والسحر”(68)(69).

26- ر. ت. فرانس France:

يقول ” لذلك فإن القرائن غير المسيحية تبرهن على حقيقة وجود يسوع، وعلى إتباع الكثيرين له، وعلى إعدامه، والتاريخ التقريبي لذلك”(70)(71).

27- أدوين ياموتشي Yamauchi:

وشغل منصب أستاذ التاريخ بجامعة ميامي، وأكد أن لدينا وثائق تاريخية لشخصية يسوع تفوق الوثائق التي تشير إلى أي مؤسس ديني آخر (مثل زرادشت أو بوذا) فيقول ” ولو لم يكن لدينا كتابات العهد الجديد للمسيحية، لاستطعنا أن نستنبط الحقائق التالية من الكتابات غير المسيحية مثل كتابات يوسيفوس والتلمود وتاسيتوس وبليني الصغير:

1- أن يسوع كان معلمًا يهوديًا.

2- آمن الكثيرون من الناس أنه قام بأعمال الشفاء والسحر.

3- أن رؤساء اليهود قد رفضوه.

4- أنه صُلب في ظل ولاية بيلاطس البنطي وحكم طيباريوس.

5- رغم موت العار الذي اجتازه إلاَّ أن أتباعه الذين كانوا يؤمنون أنه لا يزال حيًّا انتشروا إلى ما وراء فلسطين حتى أصبح هناك الكثير منهم في روما بحلول عام 64 م.

6- إن مختلف ألوان البشر والمدن والقرى -رجالًا ونساءًا، عبيدًا وأحرارًا- قد عبدوه كإله بحلول القرن الثاني الميلادي”(72)(73).

28- جوش مكدويل:

يرى ” مكدويل ” أن الإنجيليين رأوا في يسوع التاريخ هو هو مسيح الإيمان. أما الذين فصلوا بينهما فكأنهم ينكرون التجسد الإلهي، فيقول ” أن مؤلفي العهد الجديد يجعلون أساسًا لهم وهو الإيمان الذي يتضمن إتحاد مسيح الإيمان مع يسوع التاريخ.. لأن كل المساعي العملية (للمشككين) لوضع تصميم {مسيح الإيمان} والتي تتجاهل حياة يسوع التاريخية على الأرض تقترب بشكل خطير من إنكار أن يسوع جاء في الجسد على الإطلاق. يحذَر الرسول يوحنا {وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي والآن هو في العالم} (1يو 4: 3)”(74).

ويرى جوش مكدويل بأن هؤلاء النُقَّاد الذين فصلوا بين يسوع التاريخ ومسيح الإيمان كان هدفهم أن يُظهِروا يسوع التاريخ كشخص عادي بلا معجزات ولا قدرة على التعبير، بينما الشهداء الذين ضحوا بحياتهم في القرون الأولى يشهدون لحقيقة يسوع التاريخ، فيقول ” أن العلماء واسعي المعرفة الذين يجلسون في أبراجهم العاجية قد ينشئون ” مسيح الإيمان ” على حسب رغباتهم. وهذا المسيح من السهل أكثر كثير قبوله، فهو لا يقوم بأي أعمال خارقة للطبيعة. كما أنه ليس مختلفًا كثيرًا عن القادة المتنوعين للأنظمة الفكرية أو الفلسفية المختلفة.. هذا هو ما حدث في الأبحاث الخاصة بيسوع التاريخي. حيث أن أساسهم المعادي للخوارق (أي إنكارهم للمعجزات) قد حوَّل البحث عن يسوع التاريخي إلى تقديم لشخصية يسوع العاجز والزائف الخيالي.

والآن يجب أن يتم النطق بالحكم، وعلى كل شخص أن يقرر من سيتبع ومن سيؤمن به:

الفيلسوف واسع المعرفة الذي عاش بعد قرون من يسوع، هذا الذي يجول في الأرض. أم هؤلاء الأشخاص الذين ساروا مع يسوع وماتوا من أجله. إن حكم الملايين عبر العصور سواء كانوا فلاحين بسطاء أو علماء عادلين عباقرة هو أن يسوع عاش ومات وقام من الأموات لكي يغير حياة كل من يقبله كما هو فعلًا”(75).

29- جاء في دائرة المعارف البريطانية طبعة سنة 1974 م. نحو 20 ألف كلمة عن يسوع المسيح، فهو أكثر مما جاء عن أي شخصية أخرى مثل أرسطو أو شيشرون أو الإسكندر الأكبر أو يوليوس قيصر أو بوذا أو كنفوشيوس أو نابليون بونابرت.

_____

(*)(**) لاحظ أن إدوارد ألوين وجون درين لم يكونا من هؤلاء النُقَّاد، إنما كانوا يعرضون أفكارهم.

(1) Joachim Jermias , The Problem of the Historical Jesus 1964 P. 12.

(2) القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 28.

(3) القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 28.

(4) Joachim Jeremias , The Problem of the Historical Jesus 1964 , P. 9.

(5) القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 28.

(6) برهان يتطلب قرارًا ص 607.

(7) أورده القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 33.

(8) برهان يتطلب قرارًا ص 609.

(9) راجع القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 54 – 56.

(10) Duncker BC , 28.

(11) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 485.

(12) Cairns , CWM , 149.

(13) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486، 487.

(14) Ellwein, RBIK , 42.

(15) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(16) Mc Ginley , FCSHN , 70.

(17) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(18) Ellwein , RBIK , 42.

(19) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(20) Peritz , FCE , 205.

(21) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(22) Sherwin White , RSRLNT , 191.

(23) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 498.

(24) Bruse , NTDATR , 90.

(25) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(26) Bruce, NTDATR , 119.

(27) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(28) Bruce, ATDATR, 72 , 119.

(29) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 151.

(30) Blackman , JCY , 27.

(31) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(32) Geisler , BECA , 386.

(33) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 498.

(34) Geisler , BECA , 142.

(35) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 498.

(36) Scott , VGR , 1.

(37) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 486.

(38) Montgomery , HC , 48.

(39) راجع جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 487.

(40) Barreit , MNT , 87.

(41) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 487.

(42) Barrett , MNT , 88.

(43) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 487.

(44) Mosely , HRAW , 26.

(45) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 487.

(46) Dowman , FSAB , 26.

(47) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(48) MC Neile , ISNT , 54.

(49) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(50) Ladd , NTC , 38.

(51) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(52) Benoit , JG , 32.

(53) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(54) Benoit , JG , 32.

(55) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(56) Albright , TCCLA , 12.

(57) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(58) Albright , FSAC , 293 – 294.

(59) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 488.

(60) Pittenger , PHJ , 89 – 90.

(61) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 489.

(62) Betz , WDWKAJ, 9.

(63) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 152.

(64) Hagner , NTCI , 73 , 74.

(65) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 152.

(66) Kee , WCKAJ , 19.

(67) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 163.

(68) Stein , JM , 49.

(69) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 164.

(70) France, NBD, 564.

(71) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 164.

(72) Yamauchi , JUF , 221 , 222.

(73) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 164.

(74) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 498.

(75) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 499.

ما هي آراء المدافعين عن شخصية يسوع التاريخية (يسوع التاريخ)؟

مقدمة عن المخ والعقل – د. ALL IN ONE

مقدمة عن المخ والعقل – د. ALL IN ONE

مقدمة عن المخ والعقل – ALL IN ONE

مقدمة عن المخ والعقل – ALL IN ONE

حتى الان لم يستطيع العلماء فهم كيفية عمل العقل فهما دقيقا – وكثيرا من العمليات العقلية غير مفسرة

ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت (مز 104: 24)

               

المخ

يتكون الجهاز العصبي فى الانسان من:

(1) الجهاز العصبي الذاتي…يتكون من …الجهاز الودي (السيمباثاوى) – الجهاز نظير الودي (جار سيمباثاوى)

 (2) الجهاز العصبي المُحيطي( الطرفى)..يتكون من…الأعصاب المُحيطية الحركية \ الأعصاب المُحيطية الحسية \ الأعصاب القحفية = 12 زوج من الاعصاب المخية

 (3) الجهاز العصبي المركزي..يتكون من… الدماغ \ النخاع الشوكي

الدماغ..يتكون من…  ..المخ  \ المُخيخ (مسئول عن التوازن) \  جذع المخ

المخ ..يتكون من…  نصفى كرة (نصف ايمن & ايسر)

كل منهما يقسم الى(4) فصوص… الفص الجبهي \  الفص الجداري \ الفص الصدغي \ الفص القذّالي(القفوى) 

اذن المخ هو جزء تشريحي من ضمن مكونات الجهاز العصبي المركزي

               

العقل

انواع العمليات العقلية  الإدراك و الوعى  \ عملية التفكير (وتضمن الذكاء و الابداع) \ تخزين وإسترجاع وإستدعاء المعلومات (الذاكرة)

مثال واحد : وسائل الادراك الخمس

وسائل الادراك الخمس…..ندرك بها ما حولنا(اى شئ)

(1) الإدراك الحسي (الحواس الخمس) = التنظيم الحسي  \ عملية التأويل

(2) الإدراك الشعوري (العاطفى) (استخدام العواطف و المشاعر) 

(3) الإدراك التخيلي ( التصوري) صورة ذهنية سابقة موجودة في الدماغ \ صورة ذهنية جديدة

(4) الإدراك العقلي والفكري (المنهج الديكارتى) ( العقلانية)  (مبدأ الكوجيتو)

(5) الادراك فوق الحسى (البصيرة الروحية)(فعل الروح القدس الساكن فينا)           

               

العقل الواعي والعقل اللا واعي (العقل الباطن)

(1) العقل الواعي…هو العقل المحلل – العقل المنطقى – العقل المدرك (اى يعى ما يحدث الآن) – يتعرف على المعلومات – يحلل هذه المعلومات – يدرك معنى المعلومات  – ثم يتخذ القرار

العقل اللا واعي (العقل الباطن ) هو مخزن الذاكرة – هو مستودع الذكريات – يقوم بتخزين المعلومات من قبل الولادة و حتى اخر لحظة فى الحياة – عقل لا يعى الأشياء (لا واعي)        

               

(2) العقل الواعي يتعامل مع شىء واحد (يعي ما يحدث الان فقط ) – يفكر بطريقة متابعة خطوة بخطوة – لا يستوعب اكثر من 7 معلومات فى الثانية الواحدة – ذاكرته قصيرة المدى

مثلا…عندما تتحدث إلى شخص آخر – العقل الواعي يركز فى مضمون الكلام وقد يركز فى اشياء اخرى قليلة

العقل اللا واعي ( العقل الباطن ) يتعامل مع كل شىء فى نفس الوقت (لا حدود لقدراته – قدراته أكبر كثير جدا جدا من العقل الواعي) يستطيع ان يستوعب حوالى 2 مليار معلومة فى الثانية الواحدة – يفكر بطريقة تلقائية – يربط المعلومات ببعضها بسهولة

عندما تتحدث إلى شخص آخر -العقل الباطن يسجل كل شئ من حولك (مثل كاميرا فيديو)

و تختزن يلك المعلومات ويتم استدعاءها عند الحاجة

               

(3) العقل الواعي يقوم ببرمجة العقل اللا واعى … مثل الفلاح الذي يبذر البذور في التربة (الفلاح هو من يختار البذور وكيفية البذر….الخ

 العقل الواعي هو من يغرس الافكار \ المبادىء \ القيم  \ الاعتقادات (مثل مبرمج الكمبيوتر)

من الممكن ان يتغير العقل الواعي إلى الأحسن (تعديل طرق التفكير الى طرق تفكير ايجابية)

 العقل اللا واعي ( العقل الباطن ) فقط يقوم بتنفيذ اوامر العقل الواعى (مثل التربة التي تساعد على نمو و نضج البذور ليصبح ثمارا)

حسب نوع البذور المغروسة – اذا كانت بذور جيدة (افكار جيدة – تنمو و تكبر) و اذا كانت بذور سيئة (افكار سيئة – تنمو و تكبر)

العقل اللا واعي هو بمثابة الخادم المطيع  – ينفذ الاوامر فقط (مثل الهارد ديسك يحتفظ فقط بالمعلومات التى سجلها مبرمج الكمبيوتر)

العقل الواعي يكلف بعض المهام الى اللاوعي \العقل اللا واعي يرسل ملاحظات على المهمة في شكل العواطف الى العقل الواعي

مثال…. اذا كانت افكار العقل الواعي سلبية (مثلا – فكر سلبي عن الفشل) – سيقوم العقل الباطن بالاحتفاظ بها – و قد تنمو بذرة الفكرة السلبية و تكبر وتصير شجرة افكار سلبية – ولا تزول هذه الفكرة السلبية  من العقل الباطن الا اذا تم اعادة برمجتة  بواسطة فكرة جديدة ايجابية تصدر من العقل الواعى               

               

               

(4) العقل الواعي مسئول عن العمليات العقلية العليا (  الإدراك والوعى  \ عملية التفكير (وتضمن الذكاء و الابداع) \ الذاكرة

العقل اللا واعي ( العقل الباطن ) يتحكم في جميع الوظائف التلقائية في الجسد ( الوظائف اللاإرادية) مثلا النبض والتنفس و…الخ من خلال نظام الجهار العصبي اللاإرادي (الجهاز الودي(السيمباثاوى) – الجهاز نظير الودي (جار سيمباثاوى)

العقل الباطن مسئول عن لغة الجسد ولغة العيون

العقل الباطن يحفظ كل المعلومات القديمة منذ كان الإنسان جنين (ذكريات من الرحم)…مثلا وضع القرفصاء= وضعية الجنين

يخزن العقل الباطن كل حياتك ، ومعتقداتك ، وذكرياتك ، ومهاراتك ، وجميع المواقف التي مررت بها ، وجميع الصور التي شاهدتها

تخزين واسترجاع البيانات…بنفس الطريقة التي تمت برمجتها

العقل الباطن هو مركز السلوك والطباع العادات

العقل الباطن يحرك العواطف والمشاعر و الحالة النفسية للشخص

العقل الباطن يعطى الاحلام رموزا 

العقل الباطن مسئول عن الذاكرة طويلة المدى و هو المسئول عن تثبيت  الذاكرة قصيرة المدى اثناء النوم

العقل الباطن فيه القوة التي تحرك العالم( وليم جيمس)

(ذكريات من الرحم)…مثلا وضع القرفصاء( وضعية الجنين)

مثال….في بعض الأحيان، عندما يتعرض الشخص لصدمة جسدية أو صدمة نفسية (بما في ذلك الإجهاد)، فإنه سيتخذ وضعية الجنين أو وضعية مماثلة (القرفصاء)

وضعية الجنين لدى مدمني المخدرات، الذين يتخذون هذه الوضعية عندما يعانون من أعراض الانسحاب

الذين يعانون من القلق يتخذون وضعية الجنين أثناء تعرضهم لنوبات الذعر

عندما يصبح الجسم باردًا

الذين ينامون في وضعية الجنين باستمرار يميلون إلى أن تصبح لديهم شخصية خجولة وحساسة

الكثير من صغار الثدييات، خاصة القوارض، تظل في وضعية الجنين بعد ولادتها بفترة

ربما تكون هذه الوضعية هى ذكريات من الرحم عن الفترة التى كان فيها الجنين (اى الفترة الخالية من التوترات – فترة الراحة و الاسترخاء الذهنى)               

               

(5) العقل الواعي يعمل فترة الاستيقاظ فقط (الشخص فى حالة وعى)

العقل اللا واعي ( العقل الباطن ) يعمل 24 ساعة.. أي أنه نشاطه مستمر ليلاً ونهارًا(العقل اكثر نشاطا اثناء النوم)

اثناء النوم العقل الباطن فى عمليات عقلية كثيرة ومعقدة (اكثر مرات كثيرة من اثناء الاستيقاظ)

               

ملاحظات

(1) حينما يكون عمل العقل الواعى  فى تنسيق وتناغم مع العقل اللاوعي، كلما كان هناك اتزان فكرى و نفسي و عاطفى و سلوكى

(2) مثال على تناسق العمل بين العقل الواعي والعقل الباطن:

 حينما تبدأ فى بداية تعلم قياده الدراجة ( او تعلم اى شىء)… فانك تستخدم عقلك الواعى (لتكون منتبه) ولن تستطيع عمل اى شئ آخر أثناء القيادة

يتم تختزين المعلومات عن القيادة فى العقل الباطن

بعد ذلك – بعد التعود على القيادة – يتم استدعاء المعلومة من الذاكرة (من العقل الباطن) – تتم القيادة بسهولة و تلقائية – مع اقل تركيز من العقل الواعى (الأشياء التي تعلمناها – نقوم بها دون تفكير – و قد تصبح عادة )

(3) استقاء المعلومات من الحواس الخمس (السمع – البصر – الشم – التذوق – اللمس)…يدركها العقل الظاهر(الادراك الحسي)…ثم تختزن فى العقل الباطن  و تخرج تلقائىا عند تكرار نفس المؤثر الحسي (خبرة سابقة) = ( الاناء ينضح بما فيه)

(4) برمجة العقل الواعي ….هى اختيارية و ارادية…. انا ملك مملكة نفسي –  انا رئيس جمهورية نفسي – انا صاحب القرار – انا الوحيد المسئول عن برمجة عقلي و نوعية المعلومات (البذور) التى ازرعها فى تربة عقلى الباطن

(5) وسائل تلقي المعرفة…..من خلال…. الدراسة أو الخبرات \ التعلم الذاتي \ التعلم الشرطي الوسيلي \ التعلم بالمحاولة والخطأ \ نظرية الجشطلت: فهم وتبصير واستبصار قبل كل شيء \ التعلم بالتقليد \ التعلم عن بعد

 هي طريقة غير فعالة في التعلم

(6) طرق برمجة العقل اللاواعي ….تلقائيا

(7) قوة العقل اللاوعي …… أبعد بكثير جدا مما قد نظن…….أدمغتنا معقدة للغاية

# وجود عمليات عقلية كثيرة جدا تحت سطح الوعي ، إلا أنها تؤثر على السلوك

# الظواهر اللاواعية تشمل المشاعر المكبوتة ، والمهارات التلقائية ، والتصورات ، والأفكار ، والعادات ، والتفاعلات التلقائية ، وربما الرهاب والرغبات المخفية المعقدة

# ذكر طبيب الأعصاب النمساوي- سيجموند فرويد – في نظرية التحليل النفسي ، العمليات اللاواعية يتم تمثيلها في الأحلام ، وكذلك في زلات اللسان والنكات … مثل ايس بيرج = ما ظهر هو القليل و ما خفى كان اعظم

# يختزن فى العقل اللاوعي كل شيء نقوله اونفعلة……ويصبح  نمطًا ثابتًا مع مفهومنا الذاتي

# العقل الباطن يمارس التوازن في عالمنا الذهني …..مثلا طريقة التفكير التصرف تكون بطريقة تتفق مع ما قمنا به في الماضي (مخزونة فى العقل الباطن)

# عقلك الباطن يجعلك تشعر بعدم الارتياح عاطفيًا وجسديًا – و يجعلك تشعر بالارتباك …عندما تحاول أن تفعل أي شيء جديد أو مختلف عن أنماط سلوكك الراسخة

لابد من تسخير  افكار اخرى جديدة من العقل الواعى…. سيتكيف اللاوعي عليها لتحل محل القديمة  و تصبح مريحة عند القيام بها (إعادة برمجة العقل الباطن عن طريق العقل الواعي)

(8) العقل الباطن له دفاعات (غير واعية) ضد الصدمات العاطفية

(9) العقل الباطن يساعد على نسيان شخص ما او موقف ما (خاصة المواقف السلبية)

(10) التأكيدات الإيجابية (تكرار العبارات الايجابية التى تشجع الشخص – التفكير الايجابى – عدم ذكر العبارات السلبية لفترة زمنية لا تقل عن 4 أسابيع)- بالطبع تصدر من العقل الواعي – تسبب اعادة إعادة برمجة العقل اللاشعوري

(11) التحكم في العقلي الباطن …..يتم ذلك بواسطة تقنيات و تمارين الاسترخاء (الاسترخاء النفسي و العقلى و الفكرى)

ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت (مز 104: 24)

اراكم قريبا ان اعطانى الله عمرا فى استكمال الموضوع (فلسفة العقل- شرح العمليات العقلية…الخ)

مقدمة عن المخ والعقل – د. ALL IN ONE

مقارنة الحواس الخمس عند الحيوانات مع الحواس الخمس عند الإنسان – وجود الله والضبط الدقيق – د. ALL IN ONE

مقارنة الحواس الخمس عند الحيوانات مع الحواس الخمس عند الإنسان – وجود الله والضبط الدقيق

مقارنة الحواس الخمس عند الحيوانات مع الحواس الخمس عند الإنسان – وجود الله والضبط الدقيق

مقارنة الحواس الخمس عند الحيوانات مع الحواس الخمس عند الإنسان – وجود الله والضبط الدقيق

اولا: الرؤية واستشعار الضوء (الإحساس البصري) (العيون) عند الحيوانات

# عدد العيون…. نجم البحر لديه ثمانية عيون \ قنديل البحر (جيللى فيش) لديه ثمانية عيون \ العقرب لديه 12 عين \ يوجد نوع من الاسماك لديه اربعة عيون (اوعينان فقط، لكن كل واحدة منهما منقسمة) تستطيع ان ترى ما فوق سطح الماء وما تحت سطح الماء في وقت واحد

# حجم العيون…. أكبر العيون هي عين الحبار العملاق (قطرها 38 سنتيمتر) أي حجم كرة السلة او حجم رأس الإنسان \ أكبر العيون في الثدييات هي عين الخيول \ عين النعامة أكبر من دماغها

# حدة الابصار…. أقوى حدة الابصار في جميع المخلوقات هي عيون الصقر والنسر … تستطيع رؤية فريستها من مسافة 3 كيلومترات

# مجال الابصار…. مكان العينين في رأس بعض الحيوانات تسمح لها برؤية مجال ابصار اوسع من الانسان قد تصل الى 300 درجة في وقت واحد (أي رؤية ما خلفهم دون تحريك راسا).. مثلا الحصان – الحمار – الاغنام – الحوت – الأرانب – الببغاوات

الرؤية بكل عين مستقلة (أي يمكنها النظر في اتجاهين مختلفين في نفس الوقت) … مثلا الحرباء (شاميليون)

يدير دورة الرأس دورة كاملة دون أن تحرك جسمها…. البومة

# بصر فائق التطور (عيون معقدة جداً)… الحشرات (مثلا الذباب) لديها عيون سداسية تتكون من آلاف العدسات الصغيرة بحيث تلتقط كل عدسة جزء من الصورة … ثم تتجمع الصور مع بعضها لتكون الرؤية الكاملة

# حركة العيون والاشياء…. الذباب قادرعلى إدراك شيء متحرك بسرعة كبيرة … تستطيع التقاط 200 لقطة في الثانية … مما يسمح لهم بالهروب السريع (لذا لا تستطيع قتلها بسهولة)

# عيون مثل التيليسكوب…. = تستطيع ان تعمل فوكاس (زووم) على جزء ما من شيء تراه (تشبه كاميرا السينما) … مثلا النسور وهي في الجو تستطيع تركيز نظرها (تعمل زووم) على كائن يسير على الأرض … لكي ترى تفاصيله بوضوح

# الجفن الثالث…. لحماىة العين من وهج الشمس ومن الغبار والتراب والرمال… مثلا عيون الطيور والحيوانات

# أهداب العين (الرموش) الطويلة…. وقد تكون ثلاث مجموعات لحماية العين من الغبار والتراب والرمال.. مثلا الجمل

# حدقة العين (الننى) (البؤبؤ) … عند الانسان هي مستديرة… لنها مستطيلة عند الماعز والأخطبوط (غير معروف السبب، قد تكون وقائية للعين)

# البقعة الصفراء في شبكية العين (الماكيولا – الفوفيا) …. عند الانسان هي دائرة قطرها 0. 5 مم … بعض الحيوانات مثلا الفهد (شيتا) هي عبارة عن شريط ضيق طويل أفقي= يمكنها اكتشاف الفريسة في أي مكان داخل شريط الرؤية 

               

ملاحظات

 (1) الحواس الخمس عند بعض الحيوانات أفضل (أكثر تطورا) من حواس الانسان (في التركيب الفسيولوجي والكفاءة) لتلاءم طريقة معيشتها وظروفها البيئية … هذا يعنى ان الحواس الخمس عند الإنسان قاصرة وقد تكون خادعة وقد تخطئ (أخطاء في الإدراك الحسي) … مثلا عدم رؤية الشيء (حاسة البصر) بالعين المُجردة لا يعنى عدم وجود الشيء

 (2) استقاء المعلومات عن طريق الحواس الخمس (75 % من البصر & 13 % من السمع & 6 %من اللمس & 3 % من الشم & 3 % من التذوق)               

حواس خاصة (بصرية) لدى بعض الحيوانات وليست لدى البشر

# رؤية الأشعة فوق البنفسجية (الترا فايلوت)، تسبب رؤية الاشياء أزهى (أكثر تألقا) مما يراها الانسان…. مثلا الطيور والحشرات والأيائل

 الطيور مثل الصقور وطيور العوسق تستطيع تحديد موقع الفئران بسهولة … ذلك لان بول وبراز الفار يحتويان على مواد كيميائية تمتص الاشعة فوق البنفسجية

الحشرات (النحل مثلا يرى الزهور أزهى مما نراها)

الرنة (ايائل) في جبال ألاسكا الثلجية.. في موسم الثلوج فرائسها تتوهج بلون أرجواني على ارضية من الثلج الابيض بينما ترى الذئاب تبدو سوداء على ارضية من الثلج الابيض (شيء مدهش جدا).

# استشعار الأشعة تحت الحمراء (انفرا ريد) = (حساسية كشف درجة حرارة فرائسها)

= إدراك عندما يكون كائن حي آخر في مكان قريب

مثلا بعض الثعابين (الأفاعي) خاصة السامة لديها حفر في الجزء العلوي (مثلا بين العينين)

 هذه الحفر تحتوي على مستقبلات … يمكنها اكتشاف الحرارة المنبعثة من شخص حولها … إنشاء صورة متعددة الأبعاد. تراها باللونين الأحمر والأزرق …. تتيح لها تحديد مكان الفريسة في جميع مستويات الإضاءة

درجة من الدقة بحيث تتمكن الأفعى استهداف أجزاء الجسم الضعيفة من الفريسة (شيء مدهش جدا)

ملحوظة … الخنافس لديها أجهزة استشعار تكشف عن الأشعة تحت الحمراء الناتجة عن حرائق الغابات على بعد 50 ميل

# الرؤية بالحركة البطيئة…. = رؤية العالم كأنه يتحرك حركة بطيئة = يرى أسرع الحركات فوراً وكأنها حركة بطيئة (كأنه يراها بالتصوير البطيء) … مثلا اليعسوب (فرس النبي) – الذباب

اليعسوب (فرس النبي) …. يرى 500 صورة في الثانية يمكنه تحديد وتتبع أي شيء في 1 \ 500 من الثانية (الانسان يرى 60 صورة في الثانية)

ملحوظة … هذه الحشرة المفترسة تصطاد 95٪ من فرائسها، بينما يصطاد الأسد 40٪ فقط

الذباب يستطيع رؤية الاشياء المتحركة وكأنها بطيئة (مثل التصوير البطيء في الأفلام)

# اكتشاف الضوء المستقطب …. = أي ان الضوء فقط يتأرجح في اتجاه واحد= تستطيع ان تكشف عن الأنماط الدقيقة خاصة في الأيام الملبدة بالغيوم …. مثلا النحل – الحبار – بعض الخنافس – روبيان (جمبري) السرعوف

الأخطبوطات … تحتوي بشرتها على أنماط (غير مرئية للعيون البشرية) تعمل على استقطاب الضوء = مثل النظارات الشمسية المستقطبة

روبيان (جمبري) السرعوف … يمكنه استقطاب الضوء استقطاب دائري = (في اتجاه أو عكس عقارب الساعة)

ملحوظة … روبيان السرعوف هو الحيوان الوحيد على وجه الأرض … يمكنه استقطاب الضوء استقطاب دائري (شيء مدهش جدا)

# التلؤلؤ الذاتى…. = يمكن أن تنتج ضوءها من خلال التفاعلات الكيميائية التي تخلق توهج … مثلا بعض الحشرات – بعض القشريات – الأسماك الكاردينالية

ربما لهذا السبب تخشى الحيوانات التي تفترسها من اكلها حتى لا تتلألأ – وبالتالي تصبح هي مرئية للحيوانات المفترسة الاخرى

# الرؤية الليلية…. = تستطيع الرؤية في درجة اضاءة منخفضة … مثلا الحيوانات الليلية التي تصطاد في الليل

البومة تستطيع الرؤية في درجة اضاءة منخفضة مائة مرة عما يحتاج إليه الإنسان للرؤية ورؤيتها ثلاثية الابعاد

الضفادع تتمتع بقدرة رائعة على الرؤية الليلية، لتتفوق على جميع الحيوانات الأخرى وقادرة على رؤية الالوان في الظلام

الأسماك في اعماق البحار المظلمة مزودة بمصابيح تعكس الضوء الذي يسقط لرؤية الأشياء

ملحوظة …. النمل.. حاسة الرؤية عنده ضعيفة جدا (لا يرى الأشياء) ولكنه يفرق فقط بين الضوء والظلام

# عيون تلمع في الظلام…. مثلا عيون النمر – الشيتا – الأسد – القطط – الكلاب

تحتوي شبكية العين عندها على طبقة تسمى (تابيدم ليوسيدم)…. تعمل كالمرآه وهي مسؤولة عن حدوث بريق عيون (هذه الطبقة لا توجد في الإنسان)               

               

ملاحظات

(1) الطيف الكهرمغناطيسي… المرئي للإنسان (الاشعة المرئية)

(2) الطيف الكهرمغناطيسي… غير المرئي للإنسان (الاشعة غير المرئية) …. الاشعة فوق بنفسجية \ الأشعة تحت الحمراء \ إشعاع ميكروويف \ موجات الراديو

(3) الحيوانات العمياء (التي تعيش تحت الارض او في اعماق البحار المظلمة) لا تحتاج لحاسة البصر على الأطلاق …. تستخدم مجموعة أخرى من الحواس حتى تتمكن من الحياة

مثلا … حيوان الخلد ذو الأنف النجمي – أسماك اعماق البحار – أسماك الكهف العمياء – سمكة الكهف المكسيكية العمياء (التترا المكسيكية)            

               

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

               

ثانيا : حاسة السمع (الإحساس السمعي) (الاذان) عند الحيوانات

# سماع الموجات تحت الصوتية (‏انفرا سونيك)…. مثلا الفيل – الزرافة – التمساح تستخدمها للتواصل عندما يكونون بعيدين عن بعضهم

الفيل الأفريقي… تتصل بعضها ببعض من مسافة تتعدى 4 كيلومترات \ يمكنهم سماع عواصف رعدية على بعد 500 كم

# سماع الموجات فوق الصوتية (الترا سونيك)…. مثلا الكلب (يدرك اقتراب العاصفة او الزلزال قبل الانسان) – الحصان – الحمار – تارسيوس (قرد صغير) – البومة

# استخدام خاصية الصدى (السونار) لتحديد الموقع…. مثلا الحوت – الدولفين- الخفاش (الوطواط)

تنبعث من حنجرة الخفافيش موجات فوق الصوتية (لا يسمعها البشر)، تبعث من خلال فمهم أو أنفهم … تنتشر موجاتها أمام الخفاش الطائر …. إذا ارتطمت بأي عائق في طريقه … ترتد بعد ذلك … تستقبلها الخفافيش بأذنيها الفائقة التطور … يترجمها بسرعة ويقدر المسافة بينه وبين هذا العائق وسرعته- … تحديد (تحديد مسافة، وسرعة) الأشياء الموجودة حولها … تشبه جهاز سونار اكثر تعقيدا من كل الاجهزة الموجودة في الغواصات الاكثر تطورا

الدلافين: تصدر الموجات فوق الصوتية (سونار) من جهاز في الانف… تستطيع الدلافين تعديل قوة انبعاث السونار منه

يمكنها تفقد الأطفال الجنين داخل رحم النساء الحوامل (سونار)

               

ملاحظات

(1) تستطيع اذن الانسان ان تسمع تردد ذبذبات الصوت بين 20 و20،000 هيرتز (‏دورة في الثانية)

(2) اقصى مسافة يسمع منها الانسان (اعلى شدة صوت… انفجار مثلا) حوالى10 كيلومترات

(3) كثير من الحيوانات قادرة على سماع ترددات صوتية اعلى من 20،000 هيرتز موجات فوق الصوتية (‏الترا سونيك)

(4) كثير من الحيوانات قادرة على سماع ترددات صوتية اقل من 20 هيرتز موجات تحت الصوتية (‏انفرا سونيك)

اى آذان أكثر تعقيدًا وحساسية من آذان الانسان

(5) بعض الحيوانات لديها قدرات سمعية اخرى ليست عند الانسان مثلا اصدار السونار الحيوى – تحديد الموقع بالصدى       

               

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

               

ثالثا حاسة الشم (الانف) الرائحة عند الحيوانات

# الدببة…. قدرة الدببة على الشم (خاصة الدب الأسود) أكثر حساسية 7 مرات من الكلاب (= 70،000 مرة أكثر حساسية من البشر)

# الكلاب البوليسية…. قادرة على شم أي شيء من العقاقير إلى السرطان

# الكلاب…. قدرة الكلاب على الشم أكثر حساسية 10،000 مرة من الانسان … أي انها تستطيع شم ما يشمه الانسان اذا خفف 10،000 مرة

# سمك القرش…. لديه حاسة شم قوية وحوالي 40 في المئة من دماغ القرش مكرس للإحساس بالرائحة والشم

# الخلد ذو الانف النجمية (حيوان اعمى) …. لديه حاسة شم قوية جدا جدا تستخدمها لإيجاد الطعام

# الفئران…. لديها حاسة شم قوية جدا تستخدمها لإيجاد الطعام، قدرتها على عزل المعلومات من كل منخر على حده (=كل انف تعمل بشكل مستقل) … يمكن استخدامها للمساعدة في الكشف عن السل والسرطان والألغام الأرضية

# الشامات (موول) (الخلد)…. ذات الأنف النجمي تعيش تحت الأرض، هي عمياء – كل انف تعمل بشكل مستقل … يمكن استخدامها للمساعدة في الكشف عن الألغام الأرضية والمتفجرات الأخرى

# الخفاش مصاص الدماء…. هذه الثدييات تتغذى على دم فرائسها – أنوفها تحتوي على أعصاب حساسة تكتشف للحرارة تسمح لهم بإيجاد فرائسهم في الظلام – تشم الأوردة

# الحشرات…. لديها مستقبلات حاسة الشم على هوائياتها (الانتينا)

ملحوظة …. انثى البعوض انوفيليس تتبع مسار اوردة الانسان لامتصاص الدماء (ترى الاوردة سوداء داكنة واضحة) لأنها تحتاج الكالسيوم لتكوين البيض.. وهنا من الممكن ان يصاب الانسان ب الملاريا

ملحوظة …. ذكر البعوض انوفيليس نباتي لذا لا يقرص الانسان ولا يحتاج الدم

# النحلة القاتلة…. عندما تتعرض للتهديد، فإنها تطلق فرمون … يصل الى المستعمرة بأكملها… يأتي باقي النحل للمساعدة

# الديدان الطفيلية…. تستخدم حاسة الشم للعثور على المضيف الذي ستتطفل عليه (لها روائح جذابة)      

               

ملاحظات

(1) حاسة الشم عند الانسان هي أضعف حواسنا الخمس

(2) لدى الانسان 6 مليون جهاز استشعار للرائحة   

               

حواس خاصة (شمية) لدى بعض الحيوانات وليست لدى البشر

عضو جاكوبسون …. العديد من الحيوانات (الثدييات – الزواحف – الثعابين – السحالي – عث دودة القز) لديها عضو جاكوبسون (عضو مجهري) في الانف او تجويف الفم….. يستخدمه الذكر للكشف عن الفرميونات التي يفرزها الجهاز التناسلي للأنثى لجذب الذكور للتكاثر    

               

ملحوظة …. الثعابين والسحالي… لسانها المشقوق يلتقط جزيئات الرائحة … ويوصلها إلى عضو جاكوبسون          

               

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

               

رابعا حاسة اللمس = الحسية الجسدية عند الحيوانات

(1) تحتوي بشرتنا على العديد من مستقبلات عصبية تكشف عن الضغط – الحرارة – البرودة – الملمس – الألم

(2) اكثر المناطق التي تحتوي على مستقبلات اللمس هي الشفاه وأطراف الاصابع (= اكثر حساسية)

(3) تشوش الحس…. هو إحساس بالوخز أو وخز أو التنميل في الجلد قد يكون ناتج عن تلف الأعصاب الطرفية

(4) فقدان أو ضعف القدرة الاحساس بشيء نلمسه يسمي التخدير اللمسي قد يكون ناتج عن تلف الأعصاب الطرفية

               

حواس خاصة (لمسية) لدى بعض الحيوانات وليست لدى البشر

# الشامات (الخلد) ذات الأنف النجمي… تعيش تحت الأرض، هي عمياء… لديها 22 زوائد صغيرة – تحتوي على ما يقرب من 100،000 من الألياف العصبية – (أي ستة أضعاف عدد مستقبلات اللمس التي توجد على يد الانسان)

تتحرك المخالب مثل المكنسة السريعة جدا (أسرع من ان تستوعبها العين البشرية) … تساعدها في العثور على الطعام

# التمساح… المطبات التي تغطي جسام التمساح تساعده على إدراك التغيرات الطفيفة في الضغط والاهتزاز من حوله            

               

من نظم هذا الابداع الدقيق؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

               

خامسا حاسة التذوق عند الحيوانات

  • الفئران …. لسان الفأر به مستقبلات تذوق أكثر من الإنسان
  • الأفاعي … لسانها (مشقوق – متشعب) يستخدم للتذوق والشم … تلتقط جزيئات الرائحة وتنقلها عبر قنوات متخصصة في الفم، إلى عضو جاكوبسون
  • سمك السلور… يعيش في المياه الموحلة (= صعوبة الرؤية) …. لديه ما يقرب من 100،000 براعم تذوق في جميع أنحاء الجسم … تساعده على اكتشاف نكهة الفريسة
  • الذباب والفراشات …. لديها أعضاء تذوق على أقدامها (= تستطيع الفراشة ان تتوق بأرجلها)
  • دودة الأرض… المستقبلات الكيميائية تغطي جسمها كاملا … للتذوق ولتكتشف التغيرات الكيميائية
  • الدجاج….. اقل حيوان لديه براعم التذوق             

               

ملاحظات

 (1) براعم التذوق في اللسان تستطيع ان تميز خمسة حواس تذوق أساسية … حلو \ مر \ مالح \ حامض \ لذيذ

 (2) حاسة النكهة، وهي مزيج من إدراك الذوق والشم             

حواس اخرى خلاف الحواس الخمس موجودة لدى الحيوانات وليست موجودة عند البشر

(1) الاستقبال الكهربائي \ الاستقطاب الكهربائي \ التدفق الكهربائي

الاستقبال الكهربائي: اكتشاف الحقول الكهربائية في الماء باستخدام المستقبلات الكهربائية…. مثلا أسماك القرش – الدلافين – العناكب – خلد الماء (منقار البط) – النحل

  • أسماك القرش …. تمتلك أسماك القرش أفضل موصل بيولوجي للكهرباء في العالم يطلق عليه (لورين زيني جيللى)، ويملأ شبكة من المسام حول وجه القرش
  • النحل …. تتكون شحنة صغيرة موجبة أثناء طيران النحل، والزهور لها شحنة سالبة – يحدث انجذاب بين هذه الشحنات المعاكسة – وتتغير شحنة الزهرة – لذا لا تذهب النحلات الاخرى الى نفس الزهرة وتبحث عن زهرة اخرى سالبة الشحنة

الاستقطاب الكهربائي

  • الدلافين …. الثدييات المائية الوحيدة المعروفة بإثبات الاستقطاب الكهربائي
  • خلد الماء (منقار البط) (بلاتي بوس)… : …. لا يشابهه أي حيوان ثديي آخر في العالم في حدة الإحساس بالانحراف الكهربائي

التدفق الكهربائي

  • ثعبان البحر (الأنقليس الكهربائي)…….. ينطلق منه شحنات كهربائية
  • بعض الاسماك (السمك الكهربائي) …. ينطلق منه شحنات كهربائية تصل الى (300 فولت) يمكن ان يقتل حصانا – تتدفق الكهرباء إما دفاعا عن النفس او لالتقاط الفريسة   

               

(2) حاسة التوجه المغناطيسي – الشعور المغناطيسي. (تشبه بوصلة داخلية)

مثل … النحل – السلاحف البحرية – الحمام الزاجل – الطيور المهاجرة -سمك التونة –السلمون – أسماك القرش

كيفية شعور هذه الحيوانات بالحقل المغناطيسي للأرض غير معروفة

  • إذا اخذنا بيضة مخصبة من أوربا الى مصر وفقست البيضة … يستطيع الفرخ ان يرجع وحده الى أوربا (ربما يعتمد على المجال المغناطيسي او حركة النجوم او ؟؟؟)
  • ربما يمتلك النحل (الشغالات) معادن مغناطيسية في بطنه … تخلق شيئا يشبه البوصلة (تخبرهم عن اتجاه الشمال)
  • ربما يمتلك الحمام تراكيب معدنية ضمن مناقيرهم … يسمح لهم بتحديد موقعهم الجغرافي
  • ربما تمتلك الدودة الدائرية (طولها 1 ملليمتر) عصب واحد … يكتشف المجال المغناطيسي للأرض
  • ربما تمتلك البكتيريا المغنطيسية بناء مغناطيسي داخلها… لتحديد اتجاهها بالنسبة للحقل المغناطيسي للأرض        

               

 (3) إدراك الرطوبة….. القدرة على اكتشاف التغيرات في محتوى الرطوبة في البيئة              

 (4) ادراك الاهتزازات # أقدام وجذع الفيل حساسة لالتقاط الاهتزازات على مسافة تصل الى 10 أميال تستخدم الفيلة هذه الخاصية للتواصل مع بعضهم البعض    

 (5)حاسة الكشف عن التيارات المائية والدوامات .. خط جانبي للأسماك وبعض البرمائيات حساس أيضًا للاهتزازات منخفضة التردد    

 (6) حاسة اكتشاف التغييرات في الضغط وتوقع وضع الطقس… سمك الشبوط        

 (7) حاسة استقبال ميكانيكية … تستخدم العناكب هذه الخاصية في تقدير حجم – وزن – حركة الأشياء   

               

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من ابدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

               

اعضاء فريدة موجودة لدى الحيوانات وليست موجودة عند البشر

               

(1) الهُلب الحساسة قشرة كيتينية عند معظم الحشرات واللافقاريات لها حساسية عالية وتستجيب لأي تذبذبات أو تيارات هوائية خارجية   

(2) قرون الاستشعار (الانتينا) (الزبانيات) على رأس الحشرات والقشريات تستخدم في تحسس الاشياء والشم وكشف التغيرات في التيارات الهوائية               

               

سلوكيات فريدة لدى الحيوانات

(1) ألوان التخفي (كيموفلاج) …. لتشابه ألوان البيئة المحيطة بها           

(2) التظاهر (ميميك) …. تتظاهر بعض الحيوانات لتشبه الحيوانات السامة لكي تخدع الحيوانات المفترسة             

(3) تغيير لونها …. الحرباء تستطيع تغيير لونها بسرعة في دقائق معدودة

الرأس قدميات القدرة على تغيير لونها باستخدام كروماتوفورس في بشرتها

(4) افراز مادة حبرية زرقاء … الحبار  

(5) البحث عن الزوج كثير من الحيوانات تتزاوج فقط في أوقات معينة من السنة   

(6) التغيرات الموسمية

(7) الغرائز والأفعال المنعكسة … مثلا العث والفراشات تطير بعد خروجها من شرنقتها مباشرة دون احتياج وقت لتتعلم الطيران

(8) مغازلة او صراع التزاوج

  • الطاووس الذكر يفتح ذيله بشكل مروحة جذابة ليلفت نظر الأنثى
  • العصافير تغرد والضفادع
  • إطلاق روائح خاصة (من الذكور او من الإناث) لاجتذاب الأزواج
  • طريقة مشي أو رقصة خاصة لاجتذاب الأزواج
  • مبارزة بين ذكرين والفائز هو من يفوز بالزوجة      

(9) لغات التواصل بين الحيوانات … التواصل بين المفترس والفريسة \ التواصل بين الفريسة والمفترس \ التواصل بين افراد النوع الواحد

وسائط. التواصل…. سمعية (الغناء او الاصوات) \ بصرية (طريقة المشي او الرقص) \ شم (افرازات كيميائية) \ كهربائية \ لمسية \ حرارية \ لغة الجسد (التعبير بالوجه وبالجسم)         

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

ظواهر فريدة لدى الحيوانات

(1) تجديد أجزاء من أجسادهم

  • السحالي (تجديد الذيل إذا قطع)
  • الحبار والأخطبوط (تبتر زوائدها عندما تتعرض للتهديد)
  • خيار البحر يتخلص من أعضائه الداخلية، ويطردها من فتحة الشرج (كوسيلة للهروب من الحيوانات المفترسة)      

(2) النمل المتفجر في ماليزيا تخفي السم في أجسامها… عندما يهدد حيوان مفترس مجتمعهم … تخرج السم … تنفجر …. للحفاظ على المستعمرة 

(3) سحلية تكساس ذات القرون في حالات الخطر القصوى…. تخرج الدم من عينيها، من أجل إحباط واخافة عدوها              

(4) تطفل الحضانة بعض الطيور تخدع الطيور الأخرى وتضع بيضها او فراخها في عش طيور اخرى لرعاية فراخها مع فراخ الام الاصلية       

(5) شعور الملعب … كثير من الطيور والحيوانات تشعر إذا كان نظامهم الغذائي يفتقر إلى عناصر غذائية.. تتوحم على هذا الطعام وتبحث عنه    

ملحوظة … ربما يكون توحم الحمل هو (شعور الملعب) وربما يكون قيء الحمل للتخلص من غذاء غير مفيد او ضار على الام الحامل  

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

رؤية الألوان عند الحيوانات

(1) لدى الانسان 3 انواع من المخاريط (كوون) في شبكية العين تستطيع رؤيه الالوان الثلاثة، الاحمر والاخضر والازرق (رؤية ثلاثية الألوان)

(2) رؤية ثنائية اللون رؤيه لونين فقط (غياب المخاريط الخاصة بأحد الالوان)

حوالي 1 من كل 12 من الذكور و1 من كل 200 من الاناث لديهم عيوب في رؤية الالوان (يرون اللون لكن بصعوبة) وغالباً ما يجدون صعوبة في تحديد الفرق بين الألوان

(3) عمى الالوان الكلي أمر نادر الحدوث في الانسان (يرى العالم كما ترى في فيلم أبيض وأسود) (رؤية أحادية اللون) نوع مخروطي واحد

(4) رؤية ثلاثية الألوان موجودة عند البشر والقرود (قرده النسناس والقردة العليا)

ملحوظة….. فقط رؤية الألوان البني والازرق والاصفر.. الكلاب – القطط

(5) رؤية ثنائية اللون موجودة لدى العديد من الثدييات غير الرئيسيات مثلا الكلاب والقطط ومعظم حيوانات الحقل المستانسه

البقرة لا ترى مراعيها خضراء بل تراها حمراء وبرتقالي وتضخم الأشياء بنسبة بسيطة عن حقيقتها

(6) رؤية أحادية اللون نوع مخروطي واحد

يري العالم بدرجات من اللون الرمادي، إلى جانب بعض درجات الأبيض والأسود … – الحصان – الحمار

ترى العالم باللونين الأبيض والأسود فقط …. اسماك القرش

يري العالم وكل شيء اما باللون الأزرق أو الأخضر… الغزلان – الفئران

 (7) هناك العديد من الحيوانات المصابة بعمى الألوان وفقا لما ذكرته صحيفة “الديلى ميل” البريطانية على موقعها الرسمي

الذئاب \ القيوط \ الثعالب \ الثيران \ الكلاب \ القطط \ الغزلان \ أسماك القرش \ الماشية

# الحيوانات الليلية بشكل عام ليست في حاجة إلى التمييز بين الألوان لأنها تصطاد في الليل … لديها قوة شم كبيرة

# في رياضة مصارعة الثيران، تثار الثيران من الحركة وليس من اللون الأحمر (عمى ألوان)

(8) رؤية لونية رباعية الألوان… اربع اقماع (مخاريط) … القمع الرابع لرؤية الأشعة فوق البنفسجية… العديد من فروع مملكة الحيوان، وخاصة الحشرات والطيور

(9) رؤية لونية خماسية الألوان… الحمام (أفضل المخلوقات على وجه الأرض في رؤية الألوان) … يرى الملايين من ظلال الالوان المختلفة

(10) روبيان السرعوف (جمبرى) لديه 12 نوعًا مختلفًا من مستقبلات الألوان       

               

من نظم هذا الابداع الدقيق؟؟ من أبدع هذا النظام الدقيق؟؟……. ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت         

               

الاستنتاج

حواس الانسان الخمسة قاصرة وخادعة وقد تخطئ

إذا المعلومات الواصلة الى المخ عن طريق الحواس الخمس هي قاصرة ايضا

عدم رؤية (حاسة البصر) الشيء بالعين المُجردة لا يعنى عدم وجود الشيء …. مثلا عدم رؤية الكهرباء او المغناطيسية او البكتريا او االفيروسات …. الخ لا يعنى عدم وجودها – عدم رؤية النفس او الروح او الافكار بالعين لا يعنى عدم وجوده

يختلف فهمنا وتأويلنا لما نستقبله بالحواس (أخطاء في الإدراك الحسي)

حواس الحيوانات تفوق الانسان احيانا \ وجود حواس في الحيوانات غير موجودة في الانسان  

               

لماذا لا يمكننا رؤية في الاشعة فوق البنفسجية؟

لان الاشعة فوق البنفسجية ضارة على شبكية العين

لان العين البشرية تقوم بتصفية الضوء فوق البنفسجي لتحسين حدة البصر (لهذا يرتدي المتزلجين نظارات صفراء التي تمنع الاشعة فوق البنفسجية اثناء التزلج لتحسين الرؤية)            

               

ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت — عجيبة هي أعمالك، ونفسي تعرف ذلك يقينا    

               

اشكر حضراتكم واتمنى ان اكون قد وفقت في تقديم هذا الموضوع اليكم

اراكم قريبا ان أعطاني الله عمرا في موضوع اخر

ALL IN ONE

مقارنة الحواس الخمس عند الحيوانات مع الحواس الخمس عند الإنسان – وجود الله والضبط الدقيق

العلامة أوريجانوس (185م -203م) – دكتور سامح فاروق حنين

العلامة أوريجانوس (185-203م) – دكتور سامح فاروق حنين

العلامة أوريجانوس (185م -203م) – دكتور سامح فاروق حنين

العلامة أوريجانوس (185م -203م) [1] – دكتور سامح فاروق حنين

حياة العلامة أوريجانوس

يعتبر العلامة أوريجانوس مجد الأدب الكنسي القديم وواحداً من أعظم الكتاب على مر العصور. ونستطيع أن نجمع معلومات عن حياة أوريجانوس من الكتاب السادس من «التاريخ الكنسي» ليوسيبيوس القيصري، الذي خصصه كله له والذي يعد بمثابة سيرة ذاتية” للعلامة السكندري. ويبدو أن يوسيبيوس القيصري قد استقى معلوماته عن أوريجانوس من معلمه بامفيلوس الذي ضمنها في “الدفاع” الذي كتبه عن أوريجانوس بمساعدة يوسيبيوس وذلك على أساس كتابات أوريجانوس ورسائله التي كانت محفوظة في مكتبة قيصرية فلسطين.

ويعتبر الكثيرون أوريجانوس هو ابن مصر الأصيل رغم أن اسمه يوناني وليس قبطيا (ابن الإله أور)، أما اسم أدامانتيوس ومعناه الماسي فقد أطلق عليه بسب سمو أخلاقه وندرتها وصلابة طاقاته الفكرية كالماس. وقد ولد أوريجانوس في الإسكندرية نحو عام 185م[2]، واستشهد أبوه ليونيديس الذي كان يعمل معلما للخطابة، في أيام الإمبراطور سبتميوس سيفيروس عام ۲۰۲م في حين كان أوريجانوس لا يزال في سن السابعة عشرة. وكان أبوه ليونيديس قد هذبه في بادئ الأمر بمعرفة الكتاب المقدس والدراسات الدينية قبل تعليمه العلوم اليونانية[3]. ويشهد بورفيريوس الأفلاطوني المحدث أن أوريجانوس “إذ درس الآداب اليونانية كيوناني انحرف إلى الطياشة البربرية.[4]

ثم بعد ذلك اتجه إلى دراسة المسيحية. وقد أظهر الابن شغفاً عجيباً في هذا الأمر. ويقال إن والده كثيراً ما كان يقف بجوار الصبي وهو نائم، ويكشف صدره كأن روح الله قد استقر في داخله[5]، ويقبله بوقار معتبراً نفسه أنه قد تبارك بذريته الصالحة. ولما عهد إلى كليمندس تعليم الإيمان في الإسكندرية خلفا لبنتينوس صار أوريجانوس أيضا أحد تلاميذه وكان لا يزال صبياً[6]. وبالإشارة إلى بنتينوس وكليمندس كمعلمي أوريجانوس فإن هذا يعني أن الأخير كان يدرس في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية وأنه قد تلقى تعليماً يونانياً ومسيحياً عالياً، وأنه قد سمع دروسهما وحضرها سواء أثناء فترة صباه أو بعد ذلك.

وقد عاصر ليونيديس، أبو أوريجينيس، الاضطهاد الذي أثاره سبتيموس ساويرس عام ۲۰۲م، والذي كان أكثر عنفاً على الكنيسة المصرية، حتى ظن كثيرون أن هذا الاضطهاد هو علامة على مجيء “المسيح الدجال”. فألقي القبض على ليونيديس ووضع في السجن، أما أوريجانوس الذي لم يكن بعد قد بلغ السابعة عشر من عمره، فلم يكن فقط يشجع أباه على الاستشهاد وأرسل له رسالة حثه فيها على ذلك، بل كان يتوق بشغف إلى إكليل الاستشهاد مع والده.

وفي اللحظة الحاسمة منعته أمه من تحقيق رغبته بإخفاء كل ملابسه حتى يلتزم البقاء في المنزل ليرعى شئون إخوته الستة. فأرسل إلى أبيه رسالة قائلاً له: “احذر من أن تغير موقفك بسببنا” هذا ما يمكن تدوينه كأول دليل على حكمة أوريجانوس في شبابه وعلى محبته الصادقة للتقوى[7].

وإذ صودرت ممتلكات ليونيديس بعد استشهاده صار أوريجانوس وعائلته، المكونة من أم وستة إخوة كان هو أكبرهم، في عوز، لهذا التجأ إلى سيدة غنية رحبت به في منزلها، لكنه لم يحتمل البقاء كثيراً هناك، لأنه كان لهذه السيدة ابن بالتبني اسمه بولس وكان أحد رؤساء الهراطقة بمدينة الإسكندرية، فلم يرد أوريجانوس أن يختلط به ولا أن يشترك معه في صلاة حسب قانون الكنيسة. فترك أوريجانوس بيت السيدة الغنية وعمل في تدريس الأدب الدنيوي والنحو لينفق على نفسه وعلى عائلته[8].

ولما اشتد الاضطهاد على معلمي الإيمان المسيحي في مدينة الإسكندرية وأغلقت مدرستها اللاهوتية التي كان يقوم القديس كليمندس بالتدريس فيها ورغب بعض الأميين في التعليم وتعلم الإيمان المسيحي، رجوا أوريجانوس أن يتولى هو هذا العمل، فقبل الأخير إذ وجد في تدريسه للأميين الأدب والنحو فرصته للشهادة للإيمان المسيحي قدر ما تسمح الظروف، فكان يسلط الضوء على ما تحتله الكتابات اللاهوتية من مكانة في الكتابات اليونانية.

وبهذا اجتذب أوريجانوس بعض الوثنيين الذين جاءوا يطلبون أن يسمعوا منه عن التعاليم المسيحية وكان من بينهم بلوتارخوس الذي نال إكليل الاستشهاد وأخوه هيراقليس (یاروكلاس) الذي صار بطريركاً على الإسكندرية. ولأنه كان يقوم بالتدريس في المنازل وبسبب حضور نسوة كي يستمعن إلى محاضراته، ولكي لا تحدث عثرة، رأى أن ينفذ حرفياً ما ورد في الإنجيل أن أناسا خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (مت ۱۲:۱۹)، ويبدو أنه قدم توبة على هذا الفعل بعد ذلك، ولكن البابا ديمتريوس بطريرك الإسكندرية كان له تحفظ على هذه الفعلة وقد استخدمها ضده.

وإذ تركت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بلا معلم بسبب الاضطهاد ونياحة القديس كليمندس، قام البابا ديمتريوس بتعيين أوريجانوس رئيسا للمدرسة عام ۲۰۲م، إذ لم يجد لهذه المهمة من هو أفضل منه، فقد كان يمتاز بعبقرية نادرة وثقافة دينية ولاهوتية موسوعية. فأوقف أوريجانوس كل نشاط له خاصاً بتعليم الأدب الدنيوي والنحو حتى إنه باع كل كتبه الثمينة الأثيرة لديه، ليكرس حياته بالكامل للعمل الجديد الذي أوكل إليه كمعلم للموعوظين وذلك لمدة ثلاثين عاماً تقريباً جاذباً إليه جمعاً كثيراً من مسيحيين وأمم. وتتلمذ على يديه كثيرون نذكر على سبيل المثال القديس أليكسندروس أسقف أورشليم الذي كان يتطلع إلى أوريجانوس كمعلمه وصديقه.

ونوجز فيما يلي دور العلامة أوريجانوس في تطور مدرسة الإسكندرية:

  1. ألقى العلامة أوريجانوس بكل طاقاته لا لدراسة الكتاب المقدس والتعليم به فحسب، بل لتقديم حياته مثلاً للحياة الإنجيلية. وفي هذا يقول ق. غريغوريوس العجائبي: “لقد جذبنا بأعماله التي فعلها أكثر من تعاليمه التي علمنا إياها” واتسم أيضاً أوريجانوس بالحياة النسكية مع ممارسة الصلاة بكونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة النسكية، تسنده في تحرير النفس ودخوله إلى الاتحاد بالله بطريقة أعمق. وكان يرى في الصلوات أمراً ضرورياً لنوال نعمة خاصة من قبل الله لفهم كلمة الله. كما رأى أن الإنسان ينمو في الاتحاد مع الله من خلال حفظ البتولية؛ إذ ينسحب عن العالم وهو بعد يعيش فيه، مقدما تضحية في أمور الترف قدر ما يستطيع، محتقرا المجد البشري.

۲. في البداية ركز أوريجانوس على إعداد الموعوظين وتهيئتهم للعماد، لا بتعليمهم الإيمان المسيحي فحسب، وإنما بتقديم التعاليم الخاصة بالحياة المسيحية العملية أيضاً.

٣. لم يقف عمل العلامة أوريجانوس عند تهيئة الأعداد الضخمة المتزايدة لنوال سر العماد، وإنما كان عليه بالحري أن يهيئهم لقبول إكليل الاستشهاد، فكان كل من يقترب إليه إنما كان بالحري يجري نحو الاستشهاد.

٤. يعد أعظم أثر لأوريجينيس على مدرسة الإسكندرية هو تركيزه على تفسير الكتاب المقدس بطريقة رمزية (مجازية). وقد كرس حياته كلها لهذا العمل، حتى نسب هذا المنهج التفسيري لمدرسة الإسكندرية ولأوريجينيس.

وحوالي عام ۲۱۱م زار أوريجانوس روما، حيث وجد فرصة مواتية لمتابعة عظة للقديس هيبوليتس عن “كرامة المخلص”، وبعد إقامة قصيرة هناك عاد إلى الإسكندرية. وإذ كان جمهور تلاميذه يلتفون حوله من الصباح حتى المساء، رأي أوريجانوس أن يقوم بتعميق الفكر الدراسي وتقسيم الدارسين إلى فصلين، واختار تلميذه هيراقليس ليدرس المبتدئين المبادئ الأولى للتعاليم المسيحية، أما هو فكرس وقته لتعليم المتقدمين العلوم اللاهوتية والفلسفة معطياً اهتماماً خاصاً للكتاب المقدس[9]. ومن خلال هذا التكامل العلمي الغني أخذت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية شكلاً جديداً متألقاً.

وقد قام أوريجانوس بعدة رحلات إلى بلاد العرب، أولها حوالي عام 214م، حيث ذهب إليها بناء على دعوة من حاكم تلك البلاد الذي كان يرغب في التعرف على التعاليم المسيحية منه. وكذلك حوالي عام 216م، حين نهب الإمبراطور كاراكلا (Caracalla) مدينة الإسكندرية وأغلق مدارسها واضطهد معلميها وذبحهم، قرر أوريجانوس أن يذهب إلى فلسطين، وهناك رحب به صديقه القديم أليكسندروس أسقف أورشليم، كما رحب به ثيؤكتستوس أسقف قيصرية، اللذان دعياه ليشرح الكتاب المقدس للشعب في حضرتهما. وقد أدى ذلك إلى غضب البابا ديمتريوس السكندري جداً، لأنه حسب عادة الكنيسة المصرية لا يستطيع غير الكاهن أن يعظ في حضرة الأسقف، فأمره بالعودة إلى الإسكندرية سريعاً، فأطاع وعاد[10]، وبدت الأمور تسير كما كانت عليه قبلاً.

ومع بداية حكم إسكندر سيفيروس (۲۲۲م. 225م) أرسلت يوليا مامايا (Julia Mammaea) والدة الإمبراطور حامية عسكرية تستدعي أوريجانوس إلى أنطاكيا ليشرح لها بعض الأسئلة، وقد استجاب للدعوة ثم عاد إلى مدرسته[11]. كما أرسل العلامة أوريجانوس إلى اليونان لضرورة ملحة تتعلق ببعض الشئون الكنسية. وذهب إلى آخائية ليعمل صلحاً، وكان يحمل تفويضاً كتابياً من بطريركه، وفي طريقه عبر بفلسطين، وفي قيصرية سامه أسقفها قساً، حيث بدا للأساقفة أنه لا يليق بمرشد روحي مثل أوريجانوس بلغ أعلى المستويات الروحية والدراسية أن يبقى غير كاهن.

وقد أرادوا أيضا أن يتجنبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديمتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو “علماني” في حضرتهم. وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطأ من التصرف السابق، حاسباً إياها سيامة باطلة لسببين: الأول، أن أوريجانوس قد قبل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له، والسبب الثاني أن أوريجانوس كان قد خصى نفسه، وهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتية. ولم يحتمل البابا ديمتريوس هذا الموقف فدعا لانعقاد مجمع من الأساقفة والكهنة بالإسكندرية عام ۲۳۱م حيث رفض المجمع القرار السابق وهو بطلان السيامة) مكتفين باستبعاده من التعليم في مصر.

ولم يرض البابا بهذا القرار فدعا مجمعاً من الأساقفة وحدهم عام ۲۳۲م، وقام بإعلان بطلان كهنوته واستبعده من الإسكندرية. وأرسل البابا السكندري القرار إلى كل الإيبارشيات، فدعا بونتياس Pontias أسقف روما مجمعاً أيد فيه القرار، وهكذا فعل كثير من الأساقفة، فيما عدا أساقفة فلسطين والعربية وآخائية وفينيقية وكبادوكيا الذين رفضوا القرار وهكذا اضطر المعلم العظيم أن يهجر المدينة التي ولد وعمل ودرس بها واستقر به المقام في قيصرية فلسطين محتملاً بشجاعة ورباطة جأش رياح التجارب. والجدير بالذكر أنه لا يتوفر لدينا.

حتى الآن -أي سند تاريخي يؤكد الرأي القائل بأن أوريجانوس قد تمت محاكمته أمام أي مجمع في تلك الفترة أو أنه قد صدر أي قرار ينص على كونه هرطوقيا. ولكن ما حدث هو أن البابا ديمتريوس قد قام بعمل مجمع مكاني أقر بكون أوريجانوس لم يعد يخدم في كنيسة الإسكندرية حيث أنه خالف النظام المتبع وقبل كهنوتاً بغير إذن أسقفه، أي أنه كان قراراً إدارياً يخص النظام الكنسي المتبع، ولم يحكم عليه بكونه هرطوقياً آنذاك.

وقد اضطر أوريجانوس أن يدافع عن نفسه ضد الاتهامات الخطيرة التي وجهت ضده. فقد أورد روفينوس في كتابه “عن الغش” (De Adulteratione) نبذة طويلة من خطاب كان قد وجهه أوريجانوس إلى أصدقاء له في الإسكندرية يشكو فيه من الملفقين الذين غيروا بعض فقرات من كتبه وشوهوها، ومن الذين نشروا في العالم المسيحي كتباً مزورة ليس من العسير أن نجد فيها ما يستحق السخط. كذلك يعرفنا القديس جيروم بوجود خطاب آخر كتبه أوريجانوس إلى فابيانوس أسقف روما يتهم فيه صديقه أمبروسيوس بأنه قد تسرع ونشر أحد كتبه في وقت غير مناسب وقبل أن يكمله أوريجينيس. كما جاء في مقاله الخامس والعشرين على إنجيل لوقا: “إنه من دواعي سرور أعدائي أن ينسبوا لي آراء لم أكن أتصورها ولا خطرت ببالي”.

وبتشجيع من أسقف قيصرية فلسطين ثيؤكتيستوس، أسس أوريجانوس هناك مدرسة لاهوتية استمرت حتى نياحته وقد رأسها قرابة سبعة عشر عاما من عام ۲۳۲م إلى عام 249م. وقد جذب أوريجانوس تلاميذ عديدين منهم القديس غريغوريوس صانع العجائب وأخوه أثينادوروس، وقد درس التلاميذ في هذه المدرسة فقه اللغة اليونانية والهندسة والفلك ثم الأخلاق والفلسفة ثم أخيراً علم اللاهوت.

وخلال حكم الإمبراطور جورديانوس (حوالي عام 24۰م) دعي أوريجانوس إلى العربية عدة مرات ليتناقش مع الأساقفة وقد أشار المؤرخ يوسيبيوس إلى اثنتين من هذه المناقشات، نذكر منهما أنه في عام 244م انعقد مجمع عربي لمناقشة وجهة نظر الأسقف بيريللوس في شخص الرب يسوع المسيح وقد انعقد هذا المجمع على مستوى واسع وأدين فيه الأسقف بسبب قوله إن الله أقنوم واحد، وقد حاولوا باطلاً إقناعه أن يعود إلى الإيمان المستقيم. وقد أسرع أوريجانوس إلى العربية ونجح في إقناع الأسقف الذي يبدو أنه بعث إليه برسالة شكر، وصار من أكبر المدافعين عنه.

وفي أيام الإمبراطور ديكيوس (249م -251م)، ثار الاضطهاد مرة أخرى، فألقي القبض على أوريجانوس حيث تعرض للتعذيب ووضع في طوق حديدي ثقيل وألقي في السجن الداخلي، وربطت قدماه في المقطرة أياماً كثيرة، وهدد بأن يعدم حرقاً. ولكنه احتمل هذه العذابات بشجاعة، وإن كان لم يمت أثناءها، لكنه مات بعد فترة قصيرة، ربما متأثراً بالآلام التي لحقت به.

وقبل أن يموت أرسل إليه البابا السكندري ديونسيوس الذي خلف هيراقليس، رسالة “عن الاستشهاد”، لعله بذلك أراد أن يجدد العلاقة بين العلامة السكندري أوريجانوس وكنيسة الإسكندرية. وفي عام 254م رقد أوريجانوس في مدينة صور في لبنان تقريباً وكان عمره 69 عاماً، تاركاً تراثاً ضخماً من تفاسير الكتاب المقدس، ومقدماً منهجه الرمزي في التفسير، وإن كان قد ترك أيضاً بلبلة شديدة في الكنيسة حول تعاليمه وقد تسببت في انقسامات ومتاعب لا حصر لها حتى بين الرهبان. وقد اهتم مسيحيو صور بجسده اهتماماً عظيماً فدفنوه إزاء المذبح وغطوا قبره بباب من الرخام نقشوا عليه: “هنا يرقد أوريجانوس العظيم”

وينتمي أوريجانوس إلى جماعة القادة الروحيين الذين أسسوا مدارس ولهم أثر واضح على التطورات الفكرية. وقد حاول جاهدا أن يعلي من شأن الإيمان المسيحي بمعرفة منظمة، أي بطريقة علمية على أسس فلسفية. ولكي يكتسب البنية الفلسفية الضرورية لهذا العمل تتلمذ على يد المعلم السكندري الشهير أمونيوس ساكاس. وقد قام بتطبيق المبادئ النظامية للفلسفة اليونانية على التفسير الروحي للكتب المقدسة. ورغم أنه في بعض الأمور كان قد مال عن تعاليم الكنيسة، إلا أنه أثرى الفكر اللاهوتي وأثر كثيراً في مسيرته. ويعزى إلى أوريجينس إدخال التعبيرات اللاهوتية الأساسية مثل: “طبيعة”، “أقنوم”، واحد في ذات الجوهر”، والتي أصبحت بعد ذلك أساس المناقشات اللاهوتية.

وقد امتد تأثير العلامة أوريجانوس إلى آباء القرن الرابع مثل القديس باسيليوس الكبير والقديسين غريغوريوس والقديس ديديموس الضرير وإيفاجريوس البنطي وكثيرين آخرين الذين استقوا من تعاليمه واستخدموا مصطلحاته وأفكاره. ومن شدة تأثير العلامة أوريجانوس وإعجاب الكثيرين به قام القديسان باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي بتجميع “أنثولوجيا” من أعمال أوريجانوس التفسيرية والتي سمياها “فيلوكاليا” أي مقتطفات.

ومن المفارقات الغريبة أن العلامة أوريجانوس قد حرم من بعض المجامع، في حين اعترف بأصدقائه وتلاميذه قديسين مثل القديس غريغوريوس صانع العجائب. وبالمثل سبب العلامة أوريجانوس اعتراضات شديدة واتهم بأنه أذكى نار الهرطقات حتى إن مقالاً مختصراً ينسب للإمبراطور جوستيان (542م -543م) في شكل أمر ملكي يتضمن عشرة حرومات ضد أوريجينيس. وقد قبل هذا الأمر الملكي مجمع القسطنطينية المحلي والبابا فيجيليوس بابا روما، كما حرم مجمع القسطنطينية الخامس (553 م) الأوريجينية تماماً.

كتابات العلامة أوريجانوس

يعد أوريجانوس أحد أكثر معلمي الكنيسة وآبائها كتابة وأغزرهم تأليفاً عبر كل العصور. وقد تساءل القديس جيروم في رسالته إلى باولا بخصوص هذا الشأن قائلاً: “هل يستطيع أحد أن يقرأ كل ما كتبه أوريجينيس؟!” (الرسالة رقم ۳۳).

وقد اختلف الكتاب القدامى بخصوص عدد ما كتبه أوريجينيس، فها هو إبيفانيوس يقول إن أوريجانوس كتب حوالي 600 كتاب (باناريون 13، 14)، في حين يؤكد يوسيبيوس القيصري أنه قام في “سيرة بامفيلوس” بعمل حصر شامل لأعمال أوريجانوس التي كانت موجودة ومحفوظة في مكتبة قيصرية فلسطين. وقد قام القديس جيروم بنسخ هذا الحصر الشامل المفقود حالياً والذي يخبرنا بأنه كان يحوي حوالي ۲۰۰۰ كتاب.

وهذه الأعداد الكبيرة من الكتب إنما تنم عن جلده واحتماله الشاق في الكتابة الروحية المستمرة والتي بسببها دعي “أدامانتيوس” أي “الماسي” وخالكينتروس” أي “الفولاذي.” ويبدو أن أوريجانوس قد ولد لكي يعظ ولكي يكتب. ومن الواضح أنه كانت لديه الأدوات اللازمة لهذا؛ إذ إنه كان يعرف اللغة اليونانية تمام المعرفة وكذلك كان مطلعاً على الأدب اليوناني الكلاسيكي والنظم الفلسفية القديمة والكتب المقدسة وتاريخ الفكر المسيحي.

وكثيراً ما كان أوريجانوس يدون أفكاره بنفسه عندما كان يتوفر له الوقت لهذا، أو كان يقوم هو بإملاء عظاته ومحاضراته على كتبة يقومون هم بتدوين ما يلقيه عليهم. ولذا غالباً ما نجد أن أعماله تشهد بهذا الأسلوب؛ إذ إنها تتكون من مجموعة من الموضوعات المتفرقة التي كان يلقيها على سامعيه. وبعض الأعمال كانت تعيبها هنات لأنها كانت تحتوي على الكثير من الإطناب والإعادات ونقص الأسلوب المنمق. ونادراً ما كان يجد أوريجانوس الفرصة ليعيد النظر فيما كتبه وأعده الكتبة من ملاحظاتهم المدونة.

وفي عام ۲۲۰م ارتبط بأوريجينيس أمبروسيوس الذي كان قبلا ينتمي إلى بدعة فالنتيانوس ثم انضم إلى العقيدة الأرثوذكسية وصار صديقاً لأوريجينيس وتابعاً له حتى إنه أصبح ناشر أعمال أوريجانوس متكفلاً بكل ما تتطلبه عملية التحرير والنسخ. ومن كثرة إلحاح أمبروسيوس على أوريجانوس لتدوين أعماله ونشرها كان الأخير يشكو من أن أمبروسيوس لا يدعه يستريح ولو قليلا لا أثناء الليل ولا حتى وقت الأكل. ويعتبر أمبروسيوس أقدم ناشر كتب معروف حيث كان يهدف إلى تزويد طلبة كلية اللاهوت السكندرية بالملازم اللازمة ونشر أعمال أوريجانوس على مستوى واسع. ويبدو أن أمبروسيوس كان يتعجل الغرض الثاني حتى إنه كان ينشر خفية أعمال أوريجانوس قبل أن يقوم أوريجانوس نفسه بمراجعتها ليطمئن من جهة خلوها من أية أخطاء واردة.

وقد دون أوريجانوس معظم كتاباته بعد سن الثالثة والعشرين عندما انتقل للعيش في قيصرية فلسطين حوالي عام ۲۱۸م، وبعضها دونه في الإسكندرية، والبعض الثالث أثناء إقامته القصيرة في أثينا تيروس ونيقوميديا. وقد فقد معظم كتابات أوريجانوس وربما يرجع السبب في ذلك إلى فترات. الاضطهاد التي كانت تزداد فيها ملاحقة الكتاب المسيحيين وحرق كتبهم، ولكن الأمر زاد بالنسبة الأوريجينيس نتيجة اتهامه بعد ذلك بالهرطقة.

يعتبر “الهيكسابلا” أهم أعمال أوريجانوس على الإطلاق، فهو عمل نقدي لغوي رائع لنص العهد القديم، أتمه أوريجانوس في قيصرية فلسطين بين عامي 232م و254م، ففي ستة أعمدة متوازية (ومن هنا جاء عنوانه “الهيكسابلا” أي “الكتب الستة” باليونانية) وضع أوريجانوس النصوص التالية:

العمود الأول: النص العبري.

العمود الثاني: النص العبري بأحرف يونانية.

العمود الثالث: ترجمة أكويلا[12].

العمود الرابع: ترجمة سيماخوس[13].

العمود الخامس: الترجمة السبعينية.

العمود السادس: ترجمة ثيودوتيون[14].

وكان أوريجانوس يرى أن التفسير الصحيح للنص المقدس يتطلب نصاً موثوقاً محققاً ناتجاً عن مقارنة بين كل النصوص الأساسية الموجودة. وبهذا العمل يعد العلامة أوريجينيس، حسب ما هو معروف، أول عالم مسيحي يجري دراسة على النص الكتابي. ونجد أن اقتباسات العهد القديم عند أوريجانوس هي من السبعينية. وكان إسهامه الرئيس في علم الكتاب المقدس هو محاولة تأسيس نص مدقق للترجمة السبعينية، وتحديد العلاقات التفسيرية بين اليهود والمسيحيين لأن التلاميذ اليهود كانوا يتناحرون مع زملائهم المسيحيين بخصوص أن النصوص العبرية التي يستخدمها المسيحيون لتأييد آرائهم بشأن شخصية ربنا يسوع المسيح ليست متضمنة في نصوصهم العبرية.

ومن أجل هذا الهدف العظيم، الذي يعد أساس علم التدقيق النصي للكتاب المقدس، قرر أوريجانوس أن يدرس هذه النصوص؛ إذ كان قد درس اللغة العبرية قبل ذلك الوقت وكرس ثمانية وعشرين عاما ليجمع مادته من جميع أنحاء العالم المسيحي من حيث المخطوطات المختلفة وكذلك ترجمات السبعينية. وقد بدأ أوريجانوس هذا العمل في مدينة الإسكندرية ولكنه أكمله في قيصرية وأودع في مكتبة هناك، ولم يتم نسخه أبداً؛ إذ فقد ربما في القرن السابع الميلادي ولم يتبق منه سوى شذرات قليلة.

أما عمله “ضد كيلسوس” فيعد من أهم أعمال أوريجانوس الدفاعية وقد حفظ هذا العمل كاملاً في ثمانية كتب. وقد قام أوريجانوس في هذا العمل، بطريقة تستحق الإعجاب وبأدلة كتابية وأسانيد فلسفية، بتفنيد آراء الفيلسوف الأممي كيلسوس التي كان قد نشرها في أول كتاب عدائي وثني منظم ضد المسيحية بعنوان “القول الحقيقي” عام ۱۷۸م. ورغم أن عمل كيلسوس هذا قد فقد إلا أنه بفضل عمل أوريجانوس ضده يمكن جمع حتى ثلاثة أرباعه.

ويعتبر كتاب “عن المبادئ” (أربعة كتب) أكبر عمل نظري شاهد على تربية أوريجانوس اليونانية-المسيحية. وقد سعى أوريجانوس في هذا العمل لتأسيس علم اللاهوت المسيحي على أسس فلسفية، مستخدما البنية النظرية للفلاسفة اليونانيين القدماء. هذا هو العمل الذي اعتبر بعد ذلك خطراً على التعليم المسيحي وأدی إلى إدانة أوريجينيس.

وقد تميز أوريجانوس كمفسر للنصوص الكتابية ولم يأل جهداً في سبيل إتمام هذا العمل؛ ولهذا يعد من أوائل المفسرين وأكثرهم تميزاً في هذا المجال، إذ لم يترك أي جزء من نصوص الكتب المقدسة بدون تفسير بداية من سفر التكوين حتى سفر الرؤيا. وقد استخدم أوريجانوس طريقة التفسير المجازي السكندرية الشهيرة والتي طورها إلى حد المغالاة وكتب بها العديد من التفاسير والعظات. وقد حفظ القليل من هذه التفاسير في الأصل اليوناني ولكن الأغلبية منها قد فقدت أو حفظت على شكل شذرات أو ترجمات باللغة اللاتينية التي قام بها روفينوس.

وتختلف “التعليقات” عن “التفاسير؛ إذ إن التعليقات تعتبر مجرد ملاحظات تفسيرية مختصرة لنصوص من الكتب المقدسة صعبة الفهم. ولم يتبق من مثل هذه التعليقات إلا النزر اليسير.

أما “العظات” فقد ظهرت في مرحلة لاحقة في حياة أوريجينيس؛ إذ سمح لكتبة أن يقوموا بتدوين عظاته منذ عام 245م تقريباً. وكانت عظات أوريجانوس تلقى على القراءات اليومية في الكنيسة أو على أجزاء أخرى منتخبة من الكتب المقدسة ومنتقاة بقصد زرع مبادئ الأخلاق وتقوية إيمان الشباب المسيحي، ولهذا جاءت في شكل أخلاقي وتفسير روحي أكثر منها مناقشة الموضوعات اللاهوتية.

ويبقى أوريجانوس بشخصيته المحيرة؛ ولكنه رغم كل شيء هو شخصية مسيحية فذة، عالية الأخلاق، ومتعددة المواهب ويعتبر بحق رائداً وعالماً وفيلسوفاً ومعلماً جريئاً ظهر في زمن لم يكن فيه التعبير عن الإيمان قد وصل إلى كمال نضجه.

ونعيد هنا ما ذكرناه في مقدمة كتابنا “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد. الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى” وهو أننا حين نحلل الفكر اللاهوتي لآباء القرون الثلاثة الأولى ونخص هنا أوريجانوس بالتحديد ينبغي أن نتذكر أنه ليس لدينا تصور كامل وشامل لتعليمه عن الإيمان المسيحي لأن نسخ كتاباته الأصلية قد فقدت تماماً، بل وقد اشتكي هو نفسه من تحريف بعض أفكاره والذي تم في حياته، ولا يمكن للنصوص المتوفرة لدينا أن تعطي صورة جدية أو كاملة عن الفكر اللاهوتي له.

والنقطة الأخرى التي يجب أيضا أخذها في الاعتبار عند التعامل مع كتاباته أن الشرح اللاهوتي للإيمان في القرن الثالث كان لا يزال في مهده، كما أن التعبيرات اللاهوتية لم تكن قد صيغت بشكل محدد بعد، ولم يكن هو-فيما ذكره من أمور لاهوتية-يعارض فكراً لاهوتياً مستقراً من قبل في الكنيسة بل كان يقدم محاولة جادة. وإن جانبها الصواب في بعض نقاط. لشرح الإيمان، وفي هذا تكمن ريادته كما سبق القول.

لذا فنحن عندما نقرأ لأوريجينيس يجب أن نتعامل مع أفكاره بطريقة تتناسب مع الظروف والملابسات الخاصة بزمنه والتي تختلف عن الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع تعاليم الآباء الذين جاءوا بعده، مثل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس. وفي الحقيقة يكون من الخطأ بل والظلم أن نقوم بتقييم الفكر اللاهوتي لأوريجينيس على خلفية الفكر اللاهوتي الذي اكتمل نضوجه في الكنيسة في القرن الرابع.

ومن هذا المنطلق قام مركز باناريون للتراث الآبائي بترجمة ونشر الكتاب الأول للعلامة أوريجانوس “عظات على سفر التكوين” ضمن سلسلة:

“النصوص المسيحية في العصور الأولى”

وهذا الكتاب هو ترجمة عربية عن اللغة الفرنسية من سلسلة “المصادر المسيحية” (Sources Chrétiennes) المجلد ۷م، التي تصدر بمدينة ليون بفرنسا. ومن الجدير بالذكر أنه بعد المراجعة من اللغة الفرنسية تمت مراجعة الترجمة العربية مرة أخرى وضبطها على الترجمة اللاتينية التي تمت عنها الترجمة الفرنسية.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل.

وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

الناشر

۳۰ بابه ۱۷۳۲ش. 10 نوفمبر 2015م

 تذكار ظهور رأس القديس مارمرقس الإنجيلي

[1] قام دكتور سامح فاروق حنين بإعداد هذه المقدمة لمركز باناريون للتراث الآبائي.

[2] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، 6: ۲: ۱۲

[3] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة 8).

[4] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۱۹، الفقرة 7).

[5] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة ۱۰).

[6] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل 6).

[7] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة 6).

[8] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة ۱۰).

[9] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۱۰).

[10] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۱۹، الفقرة ۱۷).

[11] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲۱، الفقرة 3-4).

[12] ترجمة أكويلا (Aquila) الذي يقال إنه كان يهوديا دخيلا بنطي الجنس، وقام بهذه الترجمة في حوالي عام ۱۳۰م. ويقال إن الدافع له للقيام بهذه الترجمة هو مقاومة ما كان للسبعينية من نفوذ، وبخاصة في استخدام المسيحيين لها في حوارهم مع اليهود، وكذلك إعادة ترجمة الفصول التي كان يستشهد بها المسيحيون من العهد القديم، ويطبقونها على الرب يسوع المسيح. وكان يغلب على ترجمته طابع الدقة الذي قد يصل إلى حد الترجمة الحرفية. ولا شك في أن تمشك أكويلا بالترجمة الحرفية جعل ترجمته مرجعا هاما في تحقيق النصوص، ولكن لم يصلنا منها سوى شذرات متفرقة في الهيكسابلا.

[13] ترجمة سيماخوس (Symmachus) قد ظهرت نحو نهاية القرن الثاني الميلادي بعد ترجمة أكويلا، ويقال إنه كان هرطوقيا من الأبيونيين، ويبدو أن ترجمته كانت يونانية فصيحة ولكن متحررة، ولكن لم يصلنا منها سوى شذرات متفرقة في الهيكسابلا أيضاً.

[14] ترجمة ثيودوتیون (Theodotion) الذي كان يهوديا نخيط من أفسس وهرطوقيا من الأبيونيين، وقد ظهرت ترجمته أيضا نحو منتصف القرن الثاني الميلادي. وكانت تلك الترجمة مبنية، في أغلب أجزائها، على الترجمة السبعينية، حيث يبدو أنه قد أجرى عليها بعض التنقيح على أساس النص العبري. ولم تكن ترجمته حرفية مثل ترجمة أكويلا، وفي نفس الوقت لم تكن متحررة مثل ترجمة سيماخوس، وكانت معرفته بالعبرية محدودة، ولم يكن في مقدوره القيام بالترجمة بدون وجود السبعينية.

لماذا سمى شهود يهوه أنفسهم بهذا الاسم؟ ولماذا لم يظهر إسم يهوه في العهد الجديد؟

لماذا سمى شهود يهوه أنفسهم بهذا الاسم؟ ولماذا لم يظهر إسم يهوه في العهد الجديد؟

لماذا سمى شهود يهوه أنفسهم بهذا الاسم؟ ولماذا لم يظهر إسم يهوه في العهد الجديد؟

لماذا سمى شهود يهوه أنفسهم بهذا الاسم؟ ولماذا لم يظهر إسم يهوه في العهد الجديد؟

ج 103 – أطلق أصحاب بدعة شهود يهوه هذا الاسم على أنفسهم سنة 1931، في أواخر عهد مؤسسهم الثاني جوزف راذرفورد (1869-1942)، أي بعد مرور حواي ستين سنة على تأسيسها. وقد كان الدافع لتغيير اسمهم – كنوع من تغيير للأقنعة – التنصل من فضيحة الفشل الذريع للنبوءة التي سبق وأعلن عنها زعيمهم رذرفورد: «إننا نتوقع بتأكيد أن تكون سنة 1925 وقت رجوع إبراهيم واسحق ويعقوب وقدماء الأنبياء المؤمنين… بحيث يعادون إلى الحياة ويمنحون شخصية بشرية كاملة، ويكونون ممثلين شرعيين لنظام الأشياء الجديد على الأرض»[1].

لأجل هذا، عقدوا محفلاً عاماً سنة 1931، وفيه حاولوا التغطية على كذب نبوءاتهم بكذبة أكثر خطورة، إذ ادعوا أنهم الشهود المعنيون بقول الرب في سفر إشعياء: «أنتم شهودي يقول الرب وعبدي الذي اخترته لكي تعرفوا وتؤمنوا أني أنا هو» (إش 43: 10). وبهذا، وصل ضلالهم وانتفاخهم الشيطاني إلى حد أن ينصبوا أنفسهم شهوداً للرب بدلاً من تلاميذ يسوع ورسله.

فرسل الرب والذين قالت فيهم مزامير داود: «في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم» (مز 19: 4)، هم الشهود الذين اختارهم عندما كان على الأرض، «ليكونوا معه منذ الابتداء ويشهدون له» (يو 15: 27؛ لو 24: 48). ولهذا أرسلهم بعد قيامته وقال لهم: «وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أع 1: 8).

أما الذين سموا أنفسهم، باطلاً، شهوداً ليهوه، فمن هم حتى يتنبأ عنهم إشعياء النبي العظيم، قبل حوالي ألفين وستمائة سنة، كي يكرسهم شهوداً للرب؟!! لا تتحقق، في أمثال هؤلاء، إلا نبوءات الرب يسوع ورسله عن الأنبياء الكذبة، وعن «المعلمين الكذبة الذين يدسون بدع هلاك» (2بطر 2: 1-، انظر متى 7: 15، 24: 11، 2تيمو 4: 3-، 2تيمو 3: 10، 2يو 7-، الخ….). فيما يوافق بالكلية أن يكون الشهود – في نبوءة إشعياء المذكورة أعلاه – رسل الرب.

لأن العبد الذي اختاره الرب، واختار هو رسله لكس يشهدوا معه، هو ذاته ابن الله والمعادل لله، «الذي أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس» (في 2: 7). وهو ذاته المسيح محور نبوءات إشعياء، لا بل العهد القديم بأسره. من هذه النبوءات أنه العبد المتألم الذي «وضع الرب عليه إثم جميعنا» (إش 52: 13-، 53: 1-)، وأنه الرب نفسه الفادي والمخلص (إش 43: 14، 44: 6، 24، 43: 11، 59: 16-).

وبالتالي، فهو ذاته ابن العذراء عمانوئيل (إش 7: 14)، وابن الله الذي «يدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام» (إش 9: 6). من هنا، فليس غريباً أن الذي أعلن عن نفسه لموسى أنه أهيه [بالعبرية هو، أو أكون] (خر 3: 14)، والذي قال عبر نبوءة إشعياء أعلاه: «لكي تعرفوا وتفهموا أني أنا هو» [أهيه]، هو نفسه من سيقول لليهود معاصريه: «لأنكم، إن لم تؤمنوا أني أنا هو [باليونانية eimi أكون] تموتون في خطاياكم… متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو» (يو 8: 24-).

إلى هذا، ادعوا أنهم شهود ليهوه، وليس لأي اسم آخر، لأن «يهوه هو اسم الله الخاص والأوحد، ولهذا، يجب الاحتفاظ بهذا الاسم العبراني وحده كما هو، وعدم ترجمته لأية لغة لأنه اسم علم»، على الرغم من إقرارهم الصريح بالحقائق التالية:

لا يعرف أحد كيف كانت تلفظ الحروف الأربعة الساكنة التي يتألف منها الاسم يهوه. ومع هذا، «يجب الاعتراف به، ولو خفيت علينا طريقة التلفظ به بحسب الأصول»[2].

شرع اليهود، منذ أكثر من ثلاثة قرون، قبل مجيء المسيح، «يهملون التلفظ بالاسم “يهوه” ويتحاشون النطق به مخافة أن ينطقوا به خطأ»[3].

«لم يظهر هذا الاسم في النسخة اليونانية المعروفة بالسبعينية التي عوضت عنه بالكلمتين أدوناي (رب) وألوهيم (الله)»[4].

أغفلت «الأسفار المسيحية اليونانية، أي الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل والرسائل والرؤيا»”، الاسم يهوه، «لأن اليهود كانوا يومئذ يستعملون النسخة اليونانية المعروفة بالسبعينية»[5].

وفي الواقع امتنع اليهود، على ما يظهر، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، عن استعمال لفظة يهوه؛ وما زالوا كذلك حتى اليوم. فكانوا، في كتبهم المقدسة، إما يكتبونها ولا يلفظونها، بل يلفظون عوضاً عنها كلمة أدون (رب)؛ وإما يستبدلونها بكلمة أدون، وإما ترد، في حالات نادرة، مرادفة لكلمة أدون أو لكلمة الله.

ولما ترجموا العهد القديم إلى اليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد، بما عرف بنسخة السبعينية[6] – وبخلاف القاعدة التي اخترتها شهود يهوه – لم يحتفظوا بكلمة يهوه كاسم علم، بل ترجموا مرادفها، أي أدون (رب) إلى Kyrios (رب). ومنذ ذلك الحين، لم تظهر قط لفظة يهوه، لا في ترجماتهم القديمة ولا الحديثة إلى كل اللغات التي يعرفها الشعب اليهودي، إذ يترجمونها بكلمة رب أو سرمدي[7].

كما لم تظهر لفظة يهوه لا في أسفار العهد الجديد، ولا في كتابات الآباء المسيحيين، لأن الرسل والإنجيليين وآباء الكنيسة، الذين كتبوا في اللغة اليونانية، استشهدوا، غالباًن بالترجمة المعروفة بالسبعينية.

فإن كانت لفظة يهوه لم تظهر، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، في الكتب المقدسة، لا عند اليهود ولا عند المسيحيين، فكيف يريدوننا شهود يهوه أن نصدق ما ابتدعوه هم في كتبهم التي طبعوها بعد سنة 1931، ولا نصدق الكتب المقدسة الخاصة باليهود والمسيحيين، والخالية بالكلية من هذه اللفظة؟!

فضلاً عن هذا، نريد أن نسأل كيف يكون لله المطلق وغير المدرك وغير المحدود اسم علم خاص به يحدده أبدياً، ومن حروف عبرية ابتكرها بشر مخلوقون مائتون، فلا يترجم ولا يتغير؟! وهنا، لا بد أن نتذكر أن أسماء العلم تطلق على الأفراد تمييزاً لهم عن بعضهم. فإن كان هناك إله واحد، فما حاجة هذا الإله للتمييز عن غيره؟ ألا يعني إيماننا بأن هناك اسم علم خاصاً بالله قبولنا، في الوقت ذاته، بوجود آلهة أخرى؟!

أما سماح الله أن تطلق عليه أسماء أو صفات مأخوذة من لغة البشر المخلوقة والقاصرة، فهو تنازل، محبة منه، إلى مستوى ضعفنا. والغاية منه مساعدتنا على الإيمان به وتمجيده، وذلك من أجل خيرنا وخلاصنا نحن، وليس دفاعاً عن كرامته الشخصية، كما يضل شهود يهوه، فيقولون مجدفين: «وتبرئة اسمه، في نظره تعالي، أهم بمراحل من أمر خلاص الإنسان»[8].

من هذه الأسماء أو الصفات الوهيم (الله بصفة الجمع)، وإيل (إله بصيغة المفرد)، وأدون (رب)، وعلون (العلي)، والقدير، والرحيم… الخ. وبصورة خاصة، الاسمان اللذان أعطاهما الله لموسى، بناء على طلبه، وهما “أهيه” (أكون أو هو) و”يهوه” (يكون)، واللذان هما صيغتا المضارع لفعل “هيه” (كان) العبراني.

ولكي تتوضح الصورة أكثر بالنسبة لاسم “يهوه“، والذي اعتبره شهود يهوه أنه الاسم العلم لله، الخاص والأوحد، نحيل القارئ إلى الأصحاح الثالث من سفر الخروج، حيث أعلن الله فيه لأول مرة كلمة “يهوه”، فنلاحظ:

1 – تنازل الله أن يسمي نفسه، بناء على طلب موسى. وقد طلب موسى ذلك لأنه قدر أن الشعب العبراني، وهو العائش بين شعوب وثنية تعودت أن تطلق على آلهتها أسماء مختلفة، سوف يسأله عن ذلك: «فقال موسى لله ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم» (ع 13).

2 – جواب الله الأول على طلب موسى يؤكد أن ليس لله، كطبيعة إلهية، اسم علم ولا يمكن أن يكون: «فقال الله لموسى: “أهيه الذي أهيه” وقال هكذا تقول لبني إسرائيل “أهيه” أرسلني إليكم» (ع 14). “أهيه” تعني “أكون أو هو” لأنها صيغة المتكلم لمضارع فعل “هيه” (كان). وهكذا يمكننا أن نترجم ما قاله الله لموسى: “أكون الذي أكون”، أو “أنا هو الذي أنا هو”، أو “أنا الذي أنا”. وكأنه، تعالى، يجيب موسى: «الذي لا يمكن أن يحصر بتحديد أو وصف أو أسماء» أرسلني إليكم.

3 – جواب الله الثاني يتضمن الموافقة على اتخاذ الله لاسم وهو “يهوه” من أجل بني إسرائيل: «وقال الله أيضاً لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل “يهوه” إله آبائكم إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور» (ع 15).

“يهوه” تعني “يكون” أي صيغة المضارع الغائب للفعل ذاته “أهيه”. وبالطبع، فهذه الكلمة بحد ذاتها تذكر بالفكرة الأولى التي تضمنتها صيغة المضارع المتكلم للفعل ذاته “أهيه”، وهي عدم إمكانية حصر الله باسم ما، كما أنها تظهر أن الله يعبر عن نفسه بمرونة من خلال فعل تتغير صيغه، وليس من خلال اسم جامد لا يمكن أن يتغير أو يترجم. وهذا ما فهمه السبعينيون، بالضبط، حين ترجموا كلمة “يهوه” في هذا الأصحاح بكلمة “الكائن”، أي الذي كان ويكون وسيكون، وهو ما يشير، بخاصة، إلى سرمديته.

إلى ذلك، فهذه الترجمة تنسجم مع معنى أساسي آخر كان الله يريد أن ينقله للعبرانيين لكي يؤمنوا به، وهو أنه هو الذي كان مع آبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب، وهو الذي يكون معهم الآن، وسيكون من خلال أفعاله التي سيتعرفون بها عليه: «ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى» (خر 14: 31).

4 – لم يتوقف – بعد إعلان الله عن اسم يهوه، وعلى العكس مما يدعيه شهود يهوه – استعمال الأسماء الأخرى، مثل رب والعلي والقدير…. الخ، لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد. إلى جانب اسم “يهوه”، والذي هو فعل “يكون”، استعملت أيضاً أسفار العهد القديم العبرانية الصيغة الأخرى لهذا الفعل، والتي هي “أهيه”، وتعني “أكون” أو “هو”. على سبيل المثال: «انظروا الآن. أنا أنا هو [أهيه] وليس إله معي» (تث 32: 39). من النماذج التي تجمع بين الصيغتين معاً: «أنا الرب [يهوه] الأول ومع الآخرين أنا هو [أهيه]» (إش 41: 4).

5 – إن ملاك (رسول) الرب غير المخلوق المرسل من الثالوث القدوس للشعب العبراني، والذي ظهر لموسى “بلهيب نار من وسط العليقة”، وعرف عن نفسه أنه “إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب“، وأن اسمه يهوه، هو نفسه ملاك الرب غير المخلوق، المرسل من الثالوث القدوس للجنس البشري بأسره، كي يتجسد ويرتفع على الصليب من أجل خلاص الجميع. لهذا صار اسم يسوع، كونه اختصار لفظة يهوشاع العبرية، وترجمتها يهوه المخلص. ولهذا، كل الأسماء والصفات التي نسبت إلى يهوه في أسفار العهد القديم نسبت، دون استثناء، إلى يسوع، إن كان في أسفار العهد الجديد، وإن كان في النبوءات التي تضمنتها أسفار العهد القديم عن المسيح.

6 – هكذا، ولأن يسوع هو يهوه بالذات، لم يعد ثمة داع يذكر اسم يهوه في أسفار العهد الجديد. فاسم يسوع يتضمن اسم يهوه، ويظهر هوية يسوع ورسالته في آن. فهو يهوه الآتي ليخلص العالم أجمع، وبالتالي، فهو يهوه العهد الجديد. وهذا ما ينكره بشدة شهود يهوه، ويؤكده بوضوح الكتاب المقدس. فالعهد القديم يشدد على أن المخلص الأوحد هو يهوه وليس غيره مخلص: «أنا أنا الرب [يهوه] وليس غيري مخلص» (إش 43: 11؛ 45: 21؛ 59: 16؛ 62: 11؛ هو 13: 4؛ صفنيا 3: 17…. الخ).

أما العهد الجديد فلا يعرف مخلصاً إلا يسوع: «آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك» (أع 16: 31)؛ «وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نَخْلُصَ» (أع 4: 12). ولكي نتيقن أكثر من هذه الحقيقة، فلنتذكر بأن الإنجيلي متى، عندما نقل لنا قول الملاك ليوسف في الحلم عن اسم يسوع الذي سيولد من مريم: «فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع» [يهوه يخلص]، وأضاف: «لأنه يخلص شعبه من خطاياهم».

ولكي يثبت أكثر أن المخلص الآتي هو يهوه أو الله نفسه، أورد من نبوءة إشعياء التفسير الحقيقي لاسمه: «وهذا كله لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (مت 1: 21-).

في الختام، وبخلاف ما يروج له شهود يهوه، فاسم يهوه لا يحمله الآب وحده، بل الثالوث القدوس الإله الواحد ككل. لكن الابن يحمله بصورة خاصة، لأنه ملاك (مرسل) الله غير المخلوق (خر 3: 2، تك 22: 11-،…. الخ) وكلمته (يو 1: 1-) وصورته (2كو 4: 4؛ كو 1: 15)، وعلى الأخص لأنه «إذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (في 2: 8) (الأرب د. جورج عطية)

 

[1] “ملايين من الذين هم أحياء اليوم لن يموتوا أبداً” ص 96، 94، 95، 104.

[2] “ليكن الله صادقاً” ص 27، 29.

[3] المرجع ص 27.

[4] المرجع ذاته ص 28.

[5] المرجع ذاته.

[6] بوشر بهذه الترجمة – والتي يقال أن سبعين عالماً يهودياً شارك فيها – من أجل يهود الشتات الذين تعلموا اللغة اليونانية ونسوا لغتهم العبرية.

[7] انظر اسبيرو جبور، يهوه أم المسيح، ص 29.

[8] “ليكن الله صادقاً” ص 38.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

لماذا سمى شهود يهوه أنفسهم بهذا الاسم؟ ولماذا لم يظهر إسم يهوه في العهد الجديد؟

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

 

«كل ما يمكن التوصل إليه من معرفة

لا بد أن نتوصل إليه بطرق علمية،

وما لا يمكن للعلم اكتشافه

لا يمكن للبشرية أن تعرفه.»

“برتراند رسل” Bertrand Russell

 

«إلا أن محدودية العلم تتضح في عجزه عن إجابة الأسئلة

البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الأولى والأخيرة،

مثل: “كيف بدأ كل شيء؟”

“ما غرض وجودنا؟”

ما مغزى الحياة؟”.»

السير “بيتر مداوار” Peter Medawar

 

إقرأ أيضًا:

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

 

الصبغة العالمية للعلم:

أياً كان ما يميز العلم، فالمؤكد أنه عالمي. وما يميز الكثير من العلماء، بمن فيهم مؤلف هذا الكتاب، أننا ننتمي لمجتمع عالمي بحق يتجاوز الحدود بكافة أنواعها: الجنس، والمنظومة الفكرية، والدين، والقناعات السياسية، والعديد من العوامل الأخرى التي تفرق الناس عن بعضهم. فكل هذه الاعتبارات تنسى عندما نحاول معاً أن ندرك أسرار الرياضيات، أو نفهم ميكانيكا الكم، أو نحارب مرضاً فتاكاً، أو نستكشف خواص المواد الغريبة، أو نصيغ نظريات عن تركيب النجوم الداخلي، أو نتوصل لأساليب جديدة لتوليد الطاقة، أو ندرس علم البروتينات Proteomics المعقد.

ونظراً لحرص العلماء على الاحتفاظ بعالمية مجتمعهم الذي يتمتع بحرية العمل العلمي دون تدخلات خارجية قد تفرق بين أعضائه، فهم يشعرون بالقلق عندما تطل الميتافيزيقا[1] برأسها مهددة بالتدخل في عملهم، وهو قلق مفهوم. بل إن الأسوأ عندما تظهر قضية الله. ولا شك أنه إن كان هناك مجال يمكن (ويجب) أن يظل محايداً من الناحية الدينية واللاهوتية، فهذا المجال هو العلم. وهو كذلك في الأغلب.

والواقع أن مساحات شاسعة في العلوم الطبيعية، بل ربما العناصر الرئيسية فيها تتمتع بهذا الحياد. ففي كل الأحوال، طبيعة العناصر، والجدول الدوري، وقيم الثوابت الأساسية في الطبيعة، وبنية الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين المعروف باسم DNA، ودورة كريز Kerbs Cycle وقوانين نيوتن، ومعادلة أينشتين، وغير ذلك لا علاقة له بالميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة. ألا ينطبق ذلك على العلم كله؟

تعريف العلم:

وهذا يأتي بنا ثانية إلى سؤالنا: ما هو العلم؟ على عكس الانطباع الشائع، ليس هناك منهج علمي واحد متفق عليه، إلا أن بعض العناصر دائماً ما تظهر فجأة في محاولة لوصف ما يشتمل عليه النشاط “العلمي”: فرضية، تجربة، بيانات، أدلة، فرضية معدلة، نظرية، تنبؤ، تفسير، وهكذا. ولكن وضع تعريف دقيق هو عملية بعيدة المنال. ويمكن أن نأخذ محاولة “مايكل روس” Michael Ruse مثالاً على ذلك. يرى “روس” أن العلم «بطبيعته لا يتعامل إلا مع الطبيعي، القابل للتكرار، المحكوم بقانون.»

ومن الناحية الإيجابية يتيح لنا هذا التعريف بكل تأكيد أن نميز بين علم الفلك والتنجيم. إلا أن نقطة الضعف الأكثر وضوحاً في هذا التعريف أنه يستبعد معظم علم الكونيات المعاصر من نطاق العلم. فالنموذج المعروف لنشأة الكون يصف أحداثاً فريدة من نوعها لأن نشأة الكون لا يمكن تكرارها (بسهولة) ويحق لعلماء الكونيات أن يتضايقوا عندما يسمعون أن عملهم لا يرقى إلى مستوى العلم.

علاوة على ذلك هناك طريقة أخرى لفحص الأشياء وتمثل جزءًا أساسياً في منهجية العلم المعاصر، ألا وهو طريقة «الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات» Inference to the best explanation (أو الاستدلال الاحتمالي abduction كما يطلق عليه أحياناً). ففي حالة الأحداث المتكررة نحن نثق أن تفسيراتنا لها هي أفضل التفسيرات لأنها تحمل قدرة تنبؤية، ولكن في حالة الأحداث غير المتكررة، ما زال يمكننا أن نسأل: ما أفضل تفسير لهذا الحدث أو هذه الظاهرة؟ والفكرة من ورائها هي: إن وجدت (س)، إذن يحتمل أن توجد (ص). فنلاحظ (ص)، فتصبح (س) تفسيراً محتملاً للظاهرة (ص). أما تعريف “روس” يغفل عن هذه النقطة.

ومع ذلك، فهذا التعريف القاصر يؤدي غرضاً مفيداً من حيث إنه يذكرنا أن فروع العلم لا تتساوى في قوة مرجعيتها. فالنظرية العلمية التي تقوم على الملاحظة المتكررة والتجريب غالباً، بل يجب أن، تتمتع بمصداقية أكبر مما تتمتع به النظرية التي لا تنطبق عليها هذه المواصفات. وعدم إدراكنا لهذا الفارق يجعلنا نمنح الأخيرة نفس ما نمنحه للأولى من مصداقية مرجعية، وهو ما سوف نعود إليه لاحقاً.

ولكن علينا أن نلاحظ أن نموذج العالم كما يرسمه عصر التنوير[2] Enlightenment هو ذلك الرجل العقلاني الذي يلاحظ الظواهر بهدوء وسكينة، في استقلال تام، وتحرر من كل النظريات المسبقة، متجاوزاً الاعتبارات الفلسفية والأخلاقية والدينية، ويقوم باستكشافاته ثم يخرج بخلاصات موضوعية لا يشوبها أي تحيز تعبر عن الحق المطلق. ولكن ما يزيد الأمور تعقيداً، أن هذا النموذج يعتبره فلاسفة العلم الجادون (ومعظم العلماء حالياً) خرافة ساذجة. فالعلماء، مثل باقي البشر لديهم أفكار مسبقة، وفلسفات حياتية تؤثر في كل ما يواجهونه من مواقف. وهو ما يتضح في بعض العبارات التي ناقشناها فيما سبق. بل إن الملاحظات نفسها لا تملك إلا أن تكون «متأثرة بالنظريات»، فلا يمكننا مثلاً أن نقيس درجة الحرارة إلا إذا كانت هناك نظرية عن الحرارة.

وإن دخلنا إلى مستوى أعمق في مجال سلوك الجسيم الأولي Elementary particle، نجد أن علماء الفيزياء اكتشفوا أن عملية الملاحظة عينها تثير إشكاليات لا يمكن تجاهلها. فمثلاً “فرنر هايزنبوج” Werner Heisenberg الحائز على جائزة نوبل يستنتج أن «القوانين الطبيعية التي صيغت رياضياً في نظرية الكم لم تعد تتعامل مع الجسيمات الأولية نفسها بل مع معرفتنا عنها.»

هذا بالإضافة إلى المناقشات العنيفة التي تدور حالياً حول ما إذا كان العلم يقوم على الملاحظة والتنبؤ أم يقوم على تحديد المشكلة والتفسير. وعندما ننتهي إلى صياغة نظرياتنا، تأتي البيانات لتثير حولها تساؤلات جديدة: فمثلاً يمكن رسم عدد لا نهائي من الأقواس باستخدام عدد محدد من النقاط. لذلك فالعلم بطبيعته مبدئي ومتغير بنسبة ما.

إلا أننا هنا لا بد أن ننوه سريعاً أن هذا لا يعني مطلقاً أن العلم هو بنية اجتماعية اعتباطية ذاتية تتأثر بميول أصحابها، كما يرى بعض مفكري ما بعد الحداثة[3] Postmodern. ولكن من الإنصاف أن نقول إن الكثير من العلماء، إن لم يكن معظمهم، «واقعيون نقديون» يؤمنون بوجود عالم موضوعي يمكن دراسته ويؤمنون أنه حتى إن كانت نظرياتهم لا ترقى إلى مرتبة “الحق” بالمعنى النهائي أو المطلق، إلا أنها تزيد من قدرتهم على إدراك الواقع كما يتضح مثلاً في تطور فهمنا للكون من جاليليو إلى نيوتن إلى أينشتين.

ولكن لنرجع إلى “روس” وتعريفه للعلم لأن هناك المزيد مما يمكن أن يقال في هذا الصدد. ماذا يعني قوله إن العلم لا يتعامل إلى مع “الطبيعي”؟ لا بد أنه يعني على أقل تقدير أن الأشياء التي يدرسها العلم هي الأشياء التي توجد في الطبيعة. ولكنه قد يعنى أيضاً أن التفسيرات التي تعطى لهذه الأشياء لا يمكن اعتبارها علمية إلا إذا صيغت بمصطلحات الفيزياء والكيماء والعمليات الطبيعية. ولا شك أن هذه نظرة متفق عليها.

فمثلاً “ماسيمو بيجلوتشي” Massimo Pigliucci أستاذ علم البيئة والتطور يقول إن «فرضية العلم الأساسية هي أن العالم يمكن تفسيره كاملاً بمصطلحات فيزيائية دون اللجوء إلى أي كيانات فائقة.» ويكتب “كريستيان دو دوف» Christian de Duve الحائز على جائزة نوبل رأياً مشابهاً إذ يقول: «البحث العلمي يرتكز على فكرة مفادها أن كل ما نراه في الكون يمكن تفسيره بمصطلحات طبيعية، دون أي تدخل خارق للطبيعة. وهذه الفكرة ليست موقفاً فلسفياً بديهياً ولا اعتراف بعقيدة.

ولكنها افتراض Postulate، أي فرضية مبدئية ليست نهائية أن تامة Working Hypothesis يجب أن نكون مستعدين للتخلي عنها لو واجهتها حقائق تتحدى كل محاولات التفسير المنطقي. إلا أن الكثير من العلماء لا يشغلون أنفسهم بهذا الفارق، فيتعاملون ضمناً مع الفرضية على أنها حقيقة مؤكدة. وهم سعداء جداً بما يقدمه العلم من تفسيرات. وهم في ذلك مثل “لابلاس” Laplace لا يحتاجون إلى “فرضية الله” ويعتبرون الموقف العلمي موقفاً لا أدرياً، إن لم يكن موقفاً إلحادياً صريحاً.»

وهذا اعتراف صريح أن العلم عند الكثيرين لا ينفصل فعلياً عن موقف ميتافيزيقي لا أدري أو إلحادي يصر أصحابه على التمسك به. وقد لاحظنا أن ينطوي على فكرة خفية مفادها أن «أي تدخل فائق للطبيعة» يعني «تحدي كل محاولات التفسير المنطقي.» أي أن “فوق طبيعي” مرادف لما هو “غير منطقي”.

ومن تعمق منا في دراسة الفكر اللاهوتي الجاد يرى أن هذه الفكرة خاطئة وأن الاعتقاد بوجود إله خالق فكرة منطقية. أما اعتبار “التفسير المنطقي” مرادف “التفسير الطبيعي” فهو موقف يعبر في أحسن حالاته عن تحيز مسبق، وفي أسوأ الحالات يعكس خطأ تصنيفياً[4] Category Mistake.

والكثير من العلماء يتفقون مع “دو دوف” في رأيه. وهو ما عبر عنه القاضي “جونز” Jones في الدعوى التي رفعها “كيتسميلر” وآخرون على منطقة “دوفر” التعليمية Kitzmiller et al. vs. Dover Area School District سنة 2005 عندما قرر أن «التصميم الذكي» موقف ديني وليس موقاً علمياً، وقد قال صراحة: «شهادة الخبراء تكشف أنه منذ الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أصبح العلم مقتصراً على البحث عن الأسباب الطبيعية لشرح الظواهر الطبيعية…

ورغم أن التفسيرات الفائقة للطبيعة لها أهميتها وقيمتها، فهي لا تمثل جزءًا من العلم… وهذا العرف الذي يفرضه العلم على نفسه الذي يحصر البحث في التفسيرات الطبيعية للعالم الطبيعي التي يمكن إخضاعها للاختبار يشير إليه الفلاسفة باسم «المذهب الطبيعي المنهجي» “Methodological naturalism” ويعرف أحياناً باسم المنهج العملي Scientific method… والمذهب الطبيعي المنهجي هو “قاعدة أساسية” في العلم اليوم تتطلب من العلماء أن يبحثوا عن تفسيرات في العالم المحيط بنا تقوم على ما يمكننا ملاحظته، واختباره، وتكراراه، والتحقق منه.»

والفيلسوف “بول كرتس” Paul Kurtz يعبر عن رأي مشابه إذ يقول إن «العنصر المشترك بين كافة أشكال الفلسفة الطبيعية هو التزامها بالعلم. وبذلك، يمكن تعريف الفلسفة الطبيعية بمعناها الأشمل على أنها التعميمات الفلسفية لما تستخدمه العلوم من منهجيات وتتوصل إليه من استنتاجات.»

والآن يمكننا أن ندرك سر جاذبية هذا الأسلوب. فهو أولاً يميز تمييزاً واضحاً بين العلم الأصيل والخرافة، أي بين علم الفلك والتنجيم مثلاً، أو علم الكيمياء والسيمياء. وهو يمنعنا أيضاً من الارتكان إلى فكرة «إله الفجوات» «God of the gaps» التي تقول «إن كنت لا أفهم هذا الشيء، إذن هو من صنع الله أو الآلهة.»

إلا أن هذا الرأي يشوبه على الأقل عيب واحد خطير، ألا وهو أن هذا الارتباط الوثيق بين العلم والفلسفة الطبيعية من شأنه أن يؤدي إلى الاستخفاف بأي بيانات أو ظواهر أو تفسيرات لا تلائم قالب الفلسفة الطبيعية، بل قد يؤدي إلى مقاومتها مقاومة مستميتة. وبالطبع يعتبر هذا عيباً إن اعتبرنا الفلسفة الطبيعية خاطئة. ولكنها إن كانت صحيحة، فلن يكون لهذه المشكلة وجود أبداً حتى لو كان التفسير الطبيعي لظاهرة ما يستغرق سنين طويلة حتى يتم اكتشافه.

أيهما أسبق، العلم أم الفلسفة؟

يعرف “كرتس” المذهب الطبيعي بأنه فلسفة تنشأ من العلوم الطبيعية. أي أن العالم يدرس الكون أولاً، ويضع نظرياته، وبعدئذ يرى أنها تتطلب فلسفة طبيعية أو مادية.

إلا أنه كما أشرنا آنفاً، صورة «الصفحة البيضاء» العلمية التي تعكس عقلاً منفتحاً عن آخره ومجرداً من أي معتقدات فلسفية مسبقة في دراسته للعالم الطبيعي هي صورة مضللة جداً. لأن ما يحدث فعلياً قد يكون على النقيض مما يراه “كرتس”؛ فمثلاً عالم المناعة “جورج كلاين” George Klein يصرح بوضوح أن إلحاده لا يقوم على العلم، ولكنه التزام إيماني يقوم على فرضية بديهية.

وقد كتب في تعليق على خطاب من صديق له وصفه فيه بأنه لاأدري: «أنا لست لاأدرياً. أنا ملحد. وموقفي لا يقوم على العلم، بل على الإيمان…. فغياب الخالق وعدم وجود الله هو إيمان طفولتي وعقيدة رشدي، وهو موقف راسخ مقدس.»

ونلمح هنا إلى أن الفكرة التي يؤمن بها “كلاين”، ويشاركه فيها “دوكينز”، تتلخص في أن الإيمان والعلم متضادان، وهي فكرة نعترض عليها بشدة.

ويتبنى هذه الفكرة أيضاً “ريتشارد ليونتن” Richard Lewontin عالم الوراثة في “جامعة هارفارد” Harvard University إذ يقول صراحة في تعليقه على آخر كتب “كارل ساجان” إن قناعاته المادية تقوم على فرضية بديهية. وهو يعترف أن فلسفته المادية لا تنبثق من العلم، بل على العكس، فماديته هي التي تحدد طبيعة فهمه للعلم، وهو واع بهذه العملية: «استعدادنا لقبول المزاعم العلمية التي تخالف الحس السليم هو مفتاح فهم الصراع الحقيقي بين العلم وما هو فائق للطبيعي.

إننا نأخذ صف العلم رغم ما يشوب بعض أفكاره من عبث بيّن… رغم تسامح المجتمع العلمي مع القصص التي تقبل كما هي دون دليل لأننا ملتزمون مسبقاً… بالفلسفة المادية. فمناهج العلم ومؤسساته لا تجبرنا على قبول تفسير مادي للعالم الظاهر، بل بالعكس، التزامنا البديهي بالقضايا المادية يجبرنا على خلق أداة للبحث ومجموعة من المفاهيم تنتج تفسيرات مادية، مهما كانت مناقضة للحدس، ومهما بدت غامضة لضعيف المعرفة.»

ورغم ما تثيره هذه العبارة من دهشة، فهي في منتهى الصدق. وهي عكس موقف “كرتس.”

فبهذا التصريح يقول “ليونتن” بوجود صراع بين «العلم وما هو فوق طبيعي»، ولكنه يناقض نفسه فيعترف أن العلم لا يحمل أي إجبار في ذاته يفرض علينا الفلسفة المادية. وهو ما يؤيد قناعتنا بأن المعركة الحقيقية ليس فعلياً بين العلم والإيمان بالله، بل بين منظور فلسفي مادي (أو بشكل أشمل منظور فلسفي طبيعي) ومنظور فلسفي فائق للطبيعي يرتكز على الإيمان بالله الخالق.

فعلى أي حال إيمان “ليونتن” بالمادية لا يتأسس على العلم الذي يشتغل به، كما اعترف هو شخصياً، بل على شيء مختلف تماماً، كما يتضح فيما يقوله بعدئذ: «أضف إلى ما سبق قولنا بأن تلك المادية التي أومن بها لها صفة “المطلق”، ومن ثم لا نستطيع السماح بمطلق آخر – كالإله مثلاً – أن يدخل من الباب ليزاحمها أو يتجاور معها.»

ولست أدري إن كان “دوكينز” متحمساً لهدم هذا النوع من «الإيمان الأعمى» بالمادية قدر حماسه لهدم الإيمان بالله، رغم أن مبدأ الاتساق يحتم عليه ذلك. وما الذي يجعلنا «لا نستطيع أن نسمح بدخول السماح بمطلق آخر – كالإله مثلاً – أن يدخل من الباب»؟ فإن كان العلم كما يقول “ليونتن” لا يجبرنا على الإيمان بالمادية، فتعبير «لا نستطيع» لا يشير طبعاً إلى العلم باعتباره عاجزاً عن التدليل على أي تدخل إلهي.

ولكنه لا بد أن يعنى «أننا نحن الماديين لا نستطيع أن نسمح لأي عنصر إلهي بالدخول من الباب.» ولكننا لسنا في حاجة إلى أن نقول إن «الماديين لا يستطيعون أن يسمحوا لأي عنصر إلهي بالدخول من الباب.» وذلك، لأن المادية ترفض التدخل الإلهي، وترفض الباب نفسه. فالمادي لا يؤمن بأي شيء خارج الكون أصلاً، أي أنه «لا يوحد ولم يوجد ولن يوجد أي شيء سوى الكون.»

ولكن ذلك الموقف الرافض لا ينطوي في ذاته على أي أبعاد تشرح لنا وجود أو عدم وجود مثل هذا التدخل أو هذا الباب أكثر مما صرح به “ليونتن” بأنه لا يؤمن شخصياً بأي منهما، وهو تصريح بلا دليل. فلو صمم طبيب عن عمد جهازاً يكشف الإشعاع في المدى المنظور فقط، فمهما كانت فائدة هذا الجهاز، فمن العبث أن يستخدمه ليُنْكر وجود الأشعة السينية مثلاً التي لا يمكن لهذا الجهاز أن يكتشفها بسبب طبيعة تركيبه.

وهكذا من الخطأ أن ننكر أن العلماء الماديين أو الطبيعيين يمكنهم أن ينتجوا علماً جيداً، ومن الخطأ أيضاً أن ننكر أن المؤمنين بالله يمكنهم أن ينتجوا علماً جيداً. والأكثر من ذلك، حتى لا نفقد قدرتنا على رؤية الأشياء في حجمها الطبيعي، علينا أن نأخذ في اعتبارنا عموماً أن العلم الذي يتم بناء على افتراضات مسبقة إلحادية يسفر عن نفس النتائج التي يسفر عنها العلم الذي يتم بناء على افتراضات مسبقة تقوم على الإيمان بالله.

فمثلاً عندما يحاول أحد العلماء عملياً اكتشاف كيفية قيام كائن ما بوظائفه، لا يهم ما إذا كان العالم يفترض أن هذا الكائن يقوم بوظائفه وفقاً لتصميم حقيقي، أم أنه مجرد مظهر لتصميم، دون تصميم فعلي. ففي هذه الحالة، سواء استندنا إلى فرضية «المذهب الطبيعي المنهجي» (يطلق عليها أحياناً «الإلحاد المنهجي») أو إلى ما قد نطلق عليه اصطلاح «الإيمان المنهجي بالله الخالق» «Methodological theism»، كلاهما سيؤدي إلى النتائج نفسها. وذلك لأن الكائن يعامل منهجياً في الحالتين باعتباره يخضع لتصميم.

وخطورة بعض المصطلحات مثل «الإلحاد المنهجي» أو «المذهب الطبيعي المنهجي» تكمن في كونها تبدو وكأنها تؤيد المنظور الإلحادي، وتنقل انطباعاً بأن الألحاد له علاقة بنجاح العلم، وهو ما قد يخالف الواقع تماماً. وحتى تتضح هذه الفكرة في ذهنك، تخيل ما قد يحدث لو استخدم مصطلح «الإيمان المنهجي بالله الخالق» في المؤلفات بدلاً من مصطلح «الإلحاد المنهجي.» ستتعالى الأصوات ضده على الفور من كل حدب وصوب بحجة أنه يترك انطباعاً بأن الإيمان بالله هو ما ساهم في نجاح العلم.

ومع ذلك نجد بعض العلماء المؤمنين بالله يصرون على تعريف العلم بمصطلحات طبيعية صريحة، وهو موقف متناقض. فمثلاً “إرنن ماكمولين” Ernan McMullin يكتب قائلاً: «… المذهب الطبيعي المنهجي لا يقيد دراستنا للطبيعة، ولكنه يحدد نوعية الدراسة التي ترقى إلى مرتبة العلم.

إلا أنه إن أراد أحد أن يتبع منهجاً آخر في دراسة الطبيعة، والمناهج كثيرة، لا يحق لمن يتبع المنهج الطبيعي أن يعترض عليه. ولكن على العلماء أن يسيروا في هذا الاتجاه، فمنهجية العلم لا علاقة لها بالادعاء القائل بأن حدثاً بعينه أو نوعاً معيناً من الأحداث يجب تفسيره مباشرة بناء على فعل الله الخلقي.»

إلا أنه هناك فارقاً بين كلام “ليونتن” وكلام “ماكمولين.” وهو أن “ليونتن” لن يسمح بأي تدخل إلهي، وانتهى الأمر. أما “ماكمولين” يقبل التدخل الإلهي ولكن العلم ليس لديه ما يقوله عنه. فهو يرى أن هناك طرائق أخرى لدراسة الطيبعة، ولكن لا يمكن اعتبارها مناهج علمية، وهكذا يمكن التعامل معها على أنها أقل من حيث قوتها المرجعية. وهنا نقترح أنه لا تعبير “المذهب الطبيعي المنهجي” ولا تعبير “الإيمان المنهجي بالله الخالق” له أي فائدة خاصة، ويفضل تجنب كليها.

إلا أن الامتناع عن استخدام مصطلحات معينة عديمة النفع قصة أخرى تختلف عن القناعات الفلسفية. فما لا يستطيع أي عالم أن يتجنبه هو ما يؤمن به شخصياً من قناعات فلسفية. وتلك القناعات، كما ذكرنا تواً، لا تلعب دوراً كبيراً، أو لا تلعب أي دور يذكر، عندما ندرس الكيفية التي تعمل بها الأشياء، ولكنها قد تلعب دوراً أساسياً عندما ندرس كيف أتت الأشياء إلى الوجود أصلاً، أو عندما ندرس الأشياء التي لها علاقة بفهمنا لأنفسنا باعتبارنا بشراً.

هل دائماً ما نقبل ما يشر إليه الدليل؟

حتى لا نصادر على المطلوب[5] ونعرف العلم بأنه أساساً فلسفة طبيعية تطبيقية، ومن ثم فرضية بديهية من الناحية الميتافيزيقية، فلنفترض أننا نفهمه باعتباره عملية استكشاف للنظام الطبيعي ووضع نظريات تشرحه بحيث نميز روح العلم الحقيقي ونقدرها. وروح العلم هي الرغبة في اتباع الدليل التجريبي حيثما يؤدي. والسؤال المحوري هنا: ماذا يحدث لو أن العمليات الاستكشافية في هذه المجالات بدأت تنتج أدلة تتعارض مع منظورنا الفلسفية، إن كان هذا الأمر وارد الحدوث أصلاً؟

وقد أجرى “كون” Kuhn دراسة شهيرة في هذا الصدد خلص منها إلى أن الصراعات تنشأ عندما يتعارض الدليل التجريبي مع الإطار العلمي المقبول، أو “النموذج” “Paradigm” العلمي المقبول كما أطلق عليه “كون” الذي يعمل وفقاً له معظم العلماء في مجال بعينه. ويعتبر رفض بعض رجال الكنيسة النظر في تلسكوب جاليليو مثالاً كلاسيكياً على ذلك النوع من الصراع.

فلم تكن لديهم الشجاعة الكافية لمواجهة ما ينطوي عليه الدليل المادي من أبعاد، لأنهم لم يحتملوا أن يكون النموذج الأرسطي المفضل لديهم نموذجاً خاطئاً. ولكن لا يمكن اتهام رجال الكنيسة وحدهم بمعاداة العلم. ففي بداية القرن العشرين مثلاً، تعرض علماء الوراثة أتباع نظرية “مندل” Mendel لاضطهاد الماركسيين الذي اعتبروا الأفكار المندلية بخصوص الوراثة لا تتماشى مع الفلسفة الماركسية، مما جعلهم يرفضون السماح لأتباع النظرية المندلية أن يسيروا حيثما يقودهم الدليل.

وهو ما حدث في الإطاحة بالنموذج الأرسطي، فالمعتقدات المترسخة قد تستلزم وقتاُ طويلاً حتى تتراكم الأدلة التي تؤيد نموذجاً جديداً يحل محل النموذج القائم. وذلك لأن أي نموذج علمي لا ينهار بالضرورة لحظة اكتشاف دليل مضاد له، وإن كان لا بد أن نشير هنا إلى أن تاريخ العلم يكشف النقاب عن بعض الأمثلة الجديرة بالذكر. فعندما اكتشف “رذرفورد” Rutherford نواة الذرة، رفض على الفور أحد مبادئ الفيزياء الكلاسيكية، مما خلق فوراً تحولاً في النموذج المعرفي Paradigm Shift. وفي مثال آخر، حل الـ DNA محل البروتين باعتباره المادة الجينية الأولية بين ليلة وضحاها، إن جاز التعبير.

إلا أنه في هذه الحالات لم تنطو هذه الاكتشافات على قضايا فلسفية عميقة غير مريحة. وفي هذا الصدد يقول “توماس ناجل” تعليقاً في محله: «لا شك أن الإرادة تسيطر على العقيدة، بل أحياناً ما تقهرها. وأوضح الأمثلة على ذلك نراها في مجالي السياسة والدين. ولكن العقل المقيد يبقى متخفياً تحت أقنعة فكرية بحتة، ومن أقوى دوافعه نحو قبول هذا القيد الخفي هو تعطشه للعقيدة في ذاتها.

ومن يعانون من هذه الحالة لا يحتملون أن يرجئوا تكوين رأي في موضوع يهمهم. وهم لا يغيرون آراءهم بسهولة إلا إذا وجودا بديلاً يمكنهم تبنيه بارتياح دون أن يسبب لهم توتراً، ولكنهم يكرهون أن يضطروا لتعليق رأيهم فترة من الزمن.»

إلا أنه لا يمكن دائماً تبني البدائل دون شعور بشيء من التوتر وخاصة في المسائل التي تتعرض فيها الفلسفات الحياتية للتهديد من جانب الأدلة المغايرة، حيث تحدث مقاومة شديدة قد تصل إلى حد العداء لأي شخص يريد أن يتبع الدليل حيثما يؤدي ويتطلب الأمر شخصاً قوياً يسبح ضد التيار ويتحمل ما قد يتعرض له من نقد لاذع من أقرانه. ومع ذلك، فبعض القامات الفكرية الشامخة تفعل ذلك بالضبط.

فقد كتب “أنتوني فلو” Anthony Flew: «لقد سارت حياتي كلها وفقاً لمبدأ سقراط معلم أفلاطون» عقب تحوله من الإلحاد إلى الإيمان بالله الخالق. وهو يقول أيضاً: «اتبع الدليل حيثما يقودك.» ولكن ماذا لو كان الناس لا يحبون ذلك؟ وهو يجيب عن ذلك قائلاً: «يا له من أمر محزن.»

 

ملخص ما نوقش حتى الآن:

يبدو إذن أن هناك طرفي نقيض علينا تجنبهما. الأول هو النظر إلى العلاقة بين العلم والدين باعتبارها مجرد صراع. والثاني هو النظر إلى العلم كله باعتباره محايداً من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية. وكلمة “كله” مهمة في هذا السياق لأنه من السهل ألا نضع الأشياء في حجمها الطبيعي ونرى العلم كله تحت رحمة الفلسفة. ولكن أؤكد أن مساحات شاسعة من العلم ما زالت كما هي دون أن تتأثر بالاعتبارات الفلسفية. ولكن ليس كل المجالات العلمية هكذا، وهنا تكمن المشكلة.

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

حدود التفسير العلمي:

العلم يفسر. يرى الكثيرون أن هذه الجملة تلخص قدرة العلم وإبهاره. إن العلم يمكننا من فهم ما لم نفهمه من قبل، وهو يساعدنا في السيطرة على الطبيعة بفضل ما يزودنا به من فهم لها. ولكن ما مقدار ما يفسره العلم؟ هل هناك حدود لقدرة العلم على التفسير؟

البعض لا يظن ذلك، ومن الماديين من يظنون أن العلم هو الطريق الوحيد للحق، وهو قادر على تفسير كل شيء. وذلك من حيث المبدأ على الأقل. ويطلق على هذا الموقف “المذهب العلمي” “Scientism[6]. ويعبر “بيتر أتكينز” عن هذا الموقف تعبيراً كلاسيكياً بالقول: «ليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود.» وهذا هو جوهر المذهب العلمي بإيجاز.

وأمثال “أتكينز” الذين يتبنون هذا الموقف يعتبرون أن كل الحديث عن الله والدين والخبرة الدينية يقع خارج نطاق العلم، مما يجعله غير صحيح موضوعياً. ولكنهم يعترفون طبعاً أن الكثيرين يفكرون في الله، ويدركون أن التفكير في الله يمكن أن يأتي بآثار نفسية، أو حتى جسدية قد يكون بعضها مفيداً. ولكنهم يرون أن التفكير في الله يشبه التفكير في بابا نويل، أو التنانين، أو الغيلان، أو الجن والجنيات الموجودة في آخر الحديقة.

ويشير “ريتشارد دوكينز” إلى هذه النقطة في إهدائه لكتابه “وهم الإله” لذكرة “دوجلاس آدامز” Douglas Adams باقتباسه لأحد أقواله: «ألا يكفينا أن نرى جمال الحديقة دون أن نعتقد أن هناك جنيات في نهايتها؟»

إن التفكير في الجنيات والافتتان بها أو الخوف منها لا يعني أنها موجودة بالفعل. ولذلك، فالعلماء الذي نتحدث عنهم (غالباً ولكن ليس دائماً كما رأينا) يسعدون بأن يتركوا الناس يستمرون في التفكير في الله والدين إن أرادوا، طالما أنهم لا يزعمون أن الله له أي وجود موضوعي، أو أن الاعتقاد الديني يمثل نوعاً من المعرفة. أي أن العلم والدين يمكن أن يتعايشا سلمياً طالما أن الدين لا يغزو مملكة العلم. وذلك لأن العلم فقط هو ما يمكنه أن يخبرنا بما هو صحيح موضوعياً، أي أن العلم وحده هو الذي يزودنا بالمعرفة. فالعلم يتعامل مع الواقع والدين لا يفعل ذلك.

إلا أن بعض عناصر هذه الفرضيات والمزاعم في منتهى الغرابة حتى أنها تتطلب التعليق عليها فوراً. ولنأخذ قول “دوجلاس آدامز” الذي يقتبسه “دوكينز” أعلاه، فهو يكشف السر عن غير قصد لأنه يبين أن “دوكينز” متهم بارتكاب خطأ طرح بدائل خاطئة إذ يرجح أنه إما توجد جنيات أو لا يوجد شيء. فالجنيات في نهاية الحديقة قد تكون وهماً بالفعل، ولكن ماذا عن البستاني، ناهيك عن المالك؟ لا يمكن رفض احتمالية وجودهما بهذه البساطة، فالواقع أن كليهما موجود في معظم الحدائق.

خذ أيضاً الادعاء بأن العلم وحده هو القادر على توصيل الحق، لو كان هذا الادعاء صحيحاً، لقضى دفعة واحدة على الكثير من المواد التي تدرس في المدارس والجامعات. وذلك لأن تقييم الفلسفة والأدب والفن والموسيقا يقع خارج نطاق العلم بهذا المفهوم الضيق. فكيف يمكن للعلم أن يخبرنا ما إذا كانت قصيدة ما سيئة أو رائعة؟ لا أظن أنه يمكنه ذلك بقياس أطوال الكلمات أو ترددات الحروف المكونة لها.

وكيف يمكن للعلم أن يخبرنا بما إذا كانت إحدى اللوحات تمثل تحفة فنية أم أنها مجرد خليط ألوان بلا معنى؟ بالتأكيد لا يستطيع أن يفعل ذلك بتحليل الرسم واللوحة كيميائياً. وهكذا، يقع تعليم الأخلاق خارق نطاق العلم. فالعلم يمكنه أن يخبرك بأنك لو وضعت سماً في مشروب شخص، سيموت. ولكنه لا يقدر أن يخبرك عن مدى صحة ما تفعله من الناحية الأخلاقية عندما تضع سماً في شاي جدتك حتى تستولي على ممتلكاتها.

وفي كل الأحوال، الادعاء القائل بأن العلم وحده هو الذي يزودنا بالمعرفة يعتبر واحداً من الادعاءات التي تدحض نفسها بنفسها التي يحلو لبعض المناطقة أمثال “برتراند رسل” Bertrand Russel الإشارة إليها. ولكن المدهش أن «رسل” نفسه انضم لهذا الموقف عندما كتب يقول: “كل ما يمكن التوصل إليه من معرفة، لا بد أن نتوصل إليه بطرق علمية، وما يمكن لا للعلم اكتشافه، لا يمكن للبشرية أن تعرفه.»

ولكي نكتشف التناقض في هذه العبارة، ليس علينا سوى أن نسأل: كيف عرف “رسل” ذلك؟ وذلك لأن عبارته نفسها ليس عبارة علمية، فإن كانت صحيحة (بناء على العبارة نفسها)، إذن لا سبيل إلى معرفتها، ومع ذلك فهو يؤمن أنها صحيحة.

 

كعكعة الخالة ماتيلدا:

لعل مثالاً بسيطاً يساعدنا أن نقتنع بمحدودية العلم. فلنتخيل أن خالتي ماتيلدا خبزت كعكة جميلة وأننا أخذناها لمجموعة من أعظم علماء العالم لتحليلها. وباعتباري مغرماً باتباع الإجراءات والقواعد، طلب منهم شرحاً للكعكة، فانصرفوا جميعاً إلى العمل. علماء التغذية سيخبروننا بعدد السعرات الحرارية التي تحتويها الكعكة وأثرها الغذائي. وعلماء الكيمياء الحيوية سيخبروننا بتركيب البروتينات، والدهون، وغيرهما من العناصر التي تحتوي عليها الكعكة.

والكيميائيون سيتحدثون عن العناصر المكونة للكعكة وروابطها الكيميائية، والفيزيائيون سيتمكنون من تحليل الجسيمات الأولية للكعكة، وعلماء الرياضيات سيقدمون لنا طبعاً مجموعة من المعادلات العبقرية التي تصف سلوك تلك الجسيمات.

والآن بعد أن قدم لنا هؤلاء الخبراء وصفاً شاملاً للكعكة، كل حسب تخصصه العلمي، هل يمكننا أن نقول إنه أصبح لدينا شرح كامل للكعكة؟ المؤكد أننا حصلنا على وصف كيفية صمع الكعكة وكيفية اتصال عناصرها المتنوعة بعضها ببعض، ولكن هب أني سألت هذه المجموعة من الخبراء سؤالاً أخيراً: لماذا صنعت الكعكة؟ ستكشف الابتسامة العريضة على وجه الخالة ماتيلدا أنها تعرف الإجابة لأنها هي من صنعت الكعكة، وقد صنعتها لغرض.

ولكن كل علماء العالم في التغذية، والكيماء الحيوية، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات لن يتمكنوا من إجابة السؤال، والاعتراف بعجزهم عن الإجابة لا يقلل من شأن علومهم. فتخصصاتهم التي يمكنها التعامل مع الأسئلة المتعلقة بطبيعة الكعكة وتركيبها، أي التي تجيب عن أسئلة “كيف”، لا يمكننا أن تجيب عن أسئلة “لماذا” التي تتناول غرض صنع الكعكة. والحقيقة أن السبيل الوحيد للحصول على إجابة هو الخالة ماتيلدا نفسها. ولكنها إن لم تفصح عن الإجابة، فالحقيقة الأكيدة أنه لا يمكن لأي قدر من التحليل العلمي أن ينير لنا هذه المساحة.

ولكن أن نقول مثل “برتراند رسل” إنه ما دام العلم لا يستطيع أن يخبرنا بالسبب الذي دعا الخالة ماتيلدا إلى صنع الكعكة، فلا يمكننا أن نعرف لماذا صنعتها هن خطأ بين؟ لأن كل ما علينا أن نسألها. فالزعم القائل بأن العلم هو الطريق الوحيد للحق زعم ليس جديراً بالعلم نفسه.

ويشير السير “بيتر مداوار” Peter Medawar الحائز على جائزة نوبل إلى هذه الفكرة في كتابه الرائع “نصائح لعالم شاب” Advice to a Young Scientist: «أسرع وسيلة يسيء بها العالم إلى سمعته ومهنته أن يصرح بكل جرأة، وخاصة عندما لا يكون هناك ما يتطلب هذا التصريح، أن العلم يعرف أو سيعرف قريباً إجابات كل الأسئلة التي تستحق أن تسأل، وأن الأسئلة التي لا تعترف بالإجابة العلمية إما ليست أسئلة أو “أسئلة زائفة” لا يطرحها سوى السذج ولا يحاول الإجابة عنها سوى البلهاء.»

ويستطرد “مداوار” قائلاً: «إلا أن محدودية العلم تتضح في عجزه عن إجابة الأسئلة البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الأولى والأخيرة، مثل «كيف بدأ كل شيء؟»، «ما غرض وجودنا؟»، «ما مغزى الحياة؟» ويضيف قائلاً إننا إذا أردنا إجابات عن مثل هذه الأسئلة، علينا أن نلجأ للأدب الخيالي وللدين. ويؤكد هذه الفكرة “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم بقوله: «العلم عاجز عن إجابة بعض الأسئلة مثل: “لماذا أتى الكون إلى الوجود؟” “ما معنى الوجود البشري؟” “ماذا يحدث بعد الموت؟”»

ومن هنا يتضح أنه لا تناقض في أن يكون المرء عالماً على أعلى مستوى، ملتزماً بعلمه وشغوفاً به ويدرك في الوقت نفسه أن العلم لا يستطيع الإجابة عن كل أنواع الأسئلة، بما فيها بعض من أعمق الأسئلة التي يمكن للبشر أن يسألوها.

ولكن من الإنصاف أن نقول أيضاً إن “رسل” رغم أنه كتب تلك العبارة المذكورة آنفاً التي تبدو علمية للغاية، أشار في موضع آخر أنه لم ينضم لمعسكر المذهب العلمي بكامل خصائصه. إلا أنه يعتقد أن كل المعرفة المؤكدة تنتمي للعلم، وهو موقف يبدو طبعاً أنه يعكس بوادر المذهب العلمي، ولكنه سرعان ما يستطرد قائلاً إن معظم الأسئلة المهمة تقع خارج اختصاص العلم: «هل العالم ينقسم إلى عقل ومادة، وإن كان كذلك، فما هو العقل، وما هي المادة؟

وهل العقل خاضع للمادة، أم أنه يتمتع بقوى مستقلة؟ هل في الكون أي وحدة أو غرض؟ هل يتجه نحو غاية ما؟ هل هناك بالفعل قوانين للطبيعة، أم أننا نؤمن بوجود قوانين نظراً لميلنا الفطري للنظام؟ هل الإنسان هو ما يبدو لعالم الفلك، كتلة صغيرة من الكربون غير النقي والماء يزحف ضعيفاً على كوكب صغير ضئيل القيمة؟ أم أنه كما يراه هاملت؟ هل هناك أسلوب حياة نبيل وآخر دنيء أم أن كل أساليب الحياة باطلة؟ …. هذه الأسئلة ليس لها إجابات في المعمل.»

إن ما نقوله الآن معروف منذ زمن أرسطو الذي اشتهر بتمييزه بين ما أطلق عليه العلل الأربع: العلة المادية Material Cause (المادة التي صنعت منها الكعكة)، والعلة الصورية Formal Cause (الصورة التي تتخذها المواد)، والعلة الفاعلة Efficient Cause (عمل الخالة ماتيلدا للكعكة)، والعلة الغائية Final Cause (غرض صنع الكعكة، وليكن عيد ميلاد شخص ما). والعلة الرابعة في علل أرسطو، ألا وهي الغائية هي التي تتجاوز نطاق العلم.

ويكتب “أوستن فارر” Austin Farrar قائلاً: «كل علم يتخير جانباً واحداً في العالم ويشرحه. وكل ما يقع خارج هذا المجال يقع خارج نطاق العلم. وبما أن الله ليس جزءًا من العالم، وبالتالي ليس أحد جوانبه، فكل ما يقال عنه، مهما كانت صحته، يستحيل أن ينتمي لأي علم.»

وفي ضوء ذلك يتضح أن عبارة “بتير أتكينز”: «ليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود» (مقتبسة عاليه) وعبارته «ليس هناك ما لا يمكننا فهمه» لا أساس لهما من الصحة على الإطلاق.

ولذلك لا عجب أنه يدفع ثمناً غالياً لما ينسبه للعلم من كفاءة مطلقة: «العلم لا يحتاج لغرض… فكل ما في العالم من ثراء أخاذ رائع يمكن تفسيره بأنه نما من وسط كومة روث من الفساد المترابط الذي لا غرض له.» وهو ما يدعوني للتساؤل عما يفيد الخالة ماتيلدا في هذا الكلام بوصفه التفسير النهائي لصنع الكعكة التي أعدتها لعيد ميلاد ابن أختها جيمي، بل باعتبارها التفسير النهائي لوجودها ووجود كل من جيمي وكعكة عيد الميلاد. ولو أتيحت لها فرصة الاختيار، أظن أنها ستفضل «الحساء الأساسي»[7] Primeval Soup»» على «كومة روث من الفساد.»

إلا أن القول بعجز العلم عن إجابة الأسئلة التي تتناول الغرض النهائي يختلف عن رفض الغرض نفسه باعتباره وهماً لأن العلم لا يستطيع التعامل معه. ولكن “آتكينز” يصل بماديته إلى خلاصتها المنطقية، أو ربما ليس كذلك بالضبط. ففي كل الأحوال، وجود كومة روث يفترض مسبقاً وجود كائنات قادرة على إنتاج الروث! وإلا فمن الغريب أن نتخيل روثاً يخلق المخلوقات. وإن كانت “كومة روث من الفساد” (تمشياً مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية)، فلنا أن نتساءل كيف يمكن أن يسير الفساد في اتجاه عكسي؟ يا لها من مسألة محيرة!

ولكن ما يدمر المذهب العلمي تماماً هو ما يعيبه من تناقض مميت. فلسنا بحاجة لحجة خارجية تفند المذهب العلمي لأنه يدمر نفسه بنفسه، ويلاقي المصير الذي لقيه فيما سبق مبدأ التحقق Verification Principle الذي شكل صميم فلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism. وذلك لأن عبارة أن العلم وحده هو الذي يقود للحق لم تستنتج من العلم. فهذه العبارة نفسها ليس تصريحاً علمياً ولكنها تصريح «عن العلم» Metascientific.

ومن ثم، إن كان المبدأ الأساسي في المذهب العلمي صحيحاً، فلا بد أن يكون التصريح الذي يعبر عن المذهب العلمي خاطئاً. فالمذهب العلمي يفند نفسه، مما يجعله متناقضاً مع نفسه. ولذلك، فما يراه “مداوار” من محدودية العلم ليس إهانة للعلم. بل على العكس تماماً، لأن أولئك العلماء الذين يطلقون ادعاءات مبالغة دفاعاً عن العلم هم الذين يظهرونه في مظهر مخجل. فقد ابتعدوا دون قصد، وربما دون وعي، عن الاشتغال بالعلم إلى الاشتغال بالأساطير، والأساطير المتناقضة.

ولكن قبل أن نترك الخالة ماتيلدا لا بد أن نلاحظ أن قصتها البسيطة تساعدنا في استجلاء شيء آخر يسبب نوعاً من التشوش. لقد رأينا أن التفكير العلمي وحده لا يمكنه اكتشاف سبب صنعها للكعكة، وأنها لا بد أن تكشف لنا السبب بنفسها. ولكن ذلك لا يعني أنه من هذ النقطة فصاعداً يصبح العقل غير ذي صلة بالموضوع ولا يعني أنه يتعطل عن العلم. بل العكس هو الصحيح، لأن فهم ما تقوله عندما تخبرنا عمن صنعت له الكعكة يتطلب منا استخدام العقل.

هذا بالإضافة إلى أننا نحتاج للعقل لتقيم مصداقية تفسيرها. فإن قالت إنها صنعت الكعكة لابن شقيقتها جيمي ونحن نعلم أن شقيقتها ليس لها ابن بهذا الاسم، سنشك في شرحها. ولكن إن كنا نعلم أن ابن شقيقتها اسمه جيمي، عندئذ يكون تفسيرها معقولاً. أي أن العقل ليس ضد الإعلان، ولكن إعلانها لغرض صنع الكعكة يزود العقل بمعلومات لا يمكن للعقل وحده التوصل إليها. ولكن لا غنى عن العقل لمعالجة تلك المعلومات. فالفكرة أنه حيثما لا يكون العلم هو المصدر الذي نستقي منه معلوماتنا، لا يمكننا أن نفترض تلقائياً أن العقل توقف عن العمل وأن الدليل لم يعد له مكان.

ومن ثم، عندما يزعم المؤمنون بالله أنه يوجد شخص علاقته بالكون مثل علاقة الخالة ماتيلدا بالكعكة، وأن ذلك الشخص أعلن سبب خلق الكون، فهم لا يهجرون العقل والمنطق والدليل على الإطلاق. ولكنهم يقولون إن بعض الأسئلة لا يمكن للعلم وحده أن يجيب عنها وإن الإجابة عنها تتطلب مصدراً آخر للمعلومات، وهو في هذه الحالة إعلان من الله الذي يستلزم العقل لفهمه وتقييمه. وهذه هي الروح التي تحدث بها “فرانسيس بيكون” عن الكتابين اللذين أعطانا الله إياهما: كتاب الطبيعة، والكتاب المقدس. والعقل والمنطق والدليل تنطبق جميعاً على كليهما.

 

الله: هل هو فرضية لا لزوم لها؟

لقد حقق العلم نجاحاً مذهلاً في سبر أغوار طبيعة الكون المادي وتفسير الآليات التي يعمل الكون وفقاً لها. وقد أسفر البحث العلمي أيضاً عن القضاء على الكثير من الأمراض الفتاكة، وبعث الأمل في القضاء على المزيد منها. وكان للبحث العلمي أثر آخر في اتجاه مختلف تماماً، فقد حرر الكثيرين من البشر من المخاوف الخرافية. فلم يعد الناس مثلاً مضطرين للاعتقاد بأن خسوف القمر يسببه روح شرير مرعب عليهم استرضاؤه. ولا بد أن نكون في غاية الامتنان على كل هذه الإسهامات وغيرها الكثير.

ولكن في بعض المجالات أدى نجاح العلم عينه أيضاً إلى فكرة مفادها أننا ما دمنا نفهم آليات الكون دون إدخال الله، يمكننا أن نستنتج بثقة أنه لم يكن هناك أصلاً إله صمم الكون وخلقه. إلا أن هذا التفكير ينطوي على مغالطة منطقية شائعة يمكننا توضيحها بالمثل التالي.

تخيل مثلاً سيارة ماركة فورد. مفهوم أن شخصاً من بقعة نائية في العالم يراها لأول مرة ولا يعلم شيئاً عن الهندسة الحديثة قد يتخيل أن إلهاً ما (مستر “فورد”) داخل هذه الآلة هو الذي يسيرها. وقد يتخيل أيضاً أنه عندما تسير العربة بهدوء فهذا يعني أن مستر “فورد” راض عنه، ولكنها عندما ترفض السير فهذا يعني أن مستر “فورد” غير راض عنه. ولكنه طبعاً إذا درس الهندسة بعد ذلك وفكك المحرك سيكتشف أن مستر “فورد” لا يقبع داخله.

ولن يحتاج ذكاءً خارقاً حتى يفهم أنه لم يكن بحاجة لإقحام مستر “فورد” لفهم كيفية عمل السيارة. فإدراكه للقوانين اللاشخصانية التي لا علاقة لها بشخص وتحكم عملية الاحتراق الداخلي كاف تماماً لتفسير عمل السيارة. حتى الآن كل شيء على ما يرام. ولكنه إذا قرر بعدئذ أن فهمه للقوانين التي تشرح كيفية عمل المحرك تلغي اعتقاده في وجود مستر “فورد” الذي صمم المحرك أصلاً. يكون قد ارتكب خطأ بيناً، يطلق عليه بلغة الفلسفة خطأ تصنيفي Category Mistake فلو لم يوجد مطلقاً مستر “فورد” ولم يصمم آليات المحرك، لما وجد صاحبنا هذا أي آليات ليفهمها.

وهكذا فإن الافتراض القائل بأن فهمنا للقوانين اللاشخصانية التي يعمل الكون وفقاً لها تجعل الإيمان بوجود خالق شخصاني صمم الكون وصنعه ويحفظه لا لزوم له أو مستحيلاً، هو افتراض يمثل خطأ تصنيفياً. أي أننا يجب ألا نخلص بين الآليات التي يعمل الكون وفقاً لها مع مسببه وحافظه.

والقضية الأساسية هنا أن من يظهرون وكأنهم يفكرون تفكيراً علمياً مثل “آتكينز” أو “دوكينز” يعجزون عن التمييز بين الآلية التي تعمل من خلالها الطبيعية والفاعلية وراء هذه الآلية Agency التي تحكم عمل الطبيعة. فهم بلغة الفلسفة يرتكبون خطأ تصنيفياً بدائياً جداً عندما يقولون إننا ما دمنا نفهم الآلية التي تفسر ظاهرة بعينها، فليس من فاعل Agent صمم الآلية.

وعندما اكتشف السير إسحق نيوتن قانون الجاذبية الكوني، لم يقل: «لقد اكتشفت آلية تشرح حركة الكواكب. لذا، فليس هناك إله فاعل صممها.» بل على العكس، فهمه لكيفية عملها زاده إعجاباً بالله الذي صممها على هذا النحو.

ويعبر “مايكل بول” Michael Poole عن هذه الفكرة في مناظرته المنشورة مع “ريتشارد دوكينز” بقوله: «…. لا تضارب منطقي بين التفسيرات التي تقدم أسباباً فيما يتعلق بالآليات، والتفسيرات التي تقدم أسباباً فيما يتعلق بخطط فاعل ومقاصده، سواء أكان بشرياً أم إلهياً. وهي نقطة منطقية لا علاقة لها بالإيمان بالله أو عدم الإيمان به.»

ولكن عالم الرياضيات الفرنسي “لابلاس” يتجاهل هذه الفكرة المنطقية كلية في تصريح شهير له دائماً ما يساء استخدامه لدعم الإلحاد. فعندما سأله نابليون عن موضع الله في عمله الرياضي، أجاب “لابلاس”: «سيدي، لست بحاجة لهذه الفرضية.» وقد كان محقاً. فالله طبعاً لم يظهر فيما قدمه “لابلاس” من وصف رياضي للكيفية التي تعمل بها الأشياء، تماماً كما لم يظهر مستر “فورد” في الوصف العلمي لقوانين الاحتراق الداخلي.

ولكن علام يبرهن ذلك؟ أنه لا يوجد شخص اسمه “هنري فورد”؟ بالطبع لا. وهكذا هذه العبارة لا تثبت عدم وجود الله. ويعلق “أوستن فارر” على واقعة “لابلاس” قائلاً: «بما أن الله ليس قاعدة في حركة القوى، ولا هو إحدى القوى، فأي جملة عن الله لا يمكن أن تلعب أي دور في الفيزياء أو الفلك… ويمكننا أن نسامح “لابلاس”، فقد كان يجيب شخصاً عديم الخبرة حسب جهله، ولا أريد أن أقول جاهلاً حسب حماقته.

إلا أنه عندما أخذ البعض إجابته باعتبارها ملاحظة ذات ثقل، فقد سببت لهم قدراً كبيراً من التضليل. ولكن “لابلاس” وزملاؤه لم يستغنوا عن اللاهوت، بل تعلموا ألا يتدخلوا فيه ويلتزموا بحدود علمهم.» ولكن هب أن نابليون طرح سؤالاً مختلفاً على “لابلاس”: «لماذا يوجد كون أصلاً وتوجد فيه مادة وجاذبية، وأجسام تتكون من المادة وتتحرك وفقاً للجاذبية وتصف المدارات التي تعبر عنها في معادلاتك الرياضية؟» سيكون من الصعب أن يقول إن وجد الله لا علاقة له بذلك السؤال. ولكن “لابلاس” لم يُسأل ذلك السؤال، ومن ثم، لم يجب عنه.

 

[1] يعرف “قاموس أكسفورد” “الميتافيزيقا” Metaphysics بأنها المبحث الفلسفي الذي يتناول المبادئ الأولى للأشياء، بما فيها المفاهيم المجردة كالكينونة، والمعرفة، والجوهر، والعلة، والهوية، والمكان، والزمان. أي أنه يتناول ما هو خارج المادة، مقابل العلم الذي يتناول ما هو مادي. (المترجم)

[2] حركة فكرية نشأت في أوربا في أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تؤكد قيمة العقل والفردية في مقابل التقليد. (المترجم)

[3] اتجاه فكري معاصر يرفض الاعتراف بالمطلقات. (المترجم)

[4] خطأ فلسفي يعني تقديم أشياء تنتمي لفئة معينة وكأنها تنتمي لفئة أخرى مغايرة. وقد يعني أيضاً نسب صفة أو فعل لشيء معين لا تنطبق عليه هذه الصفة ولكنها تنطبق على فئة أخرى من الأشياء، مثل التعامل مع المفاهيم المجردة وكأن لها موقعاً مادياً. (المترجم).

[5] المصادرة على المطلوب begging the question إحدى المغالطات المنطقية التي فيها تفترض صحة المسألة المطلوب البرهنة عليها من البداية بهدف البرهنة عليها. (المترجم)

[6] المقطع ism في اللغة الإنجليزية يستخدم في نهايات العديد من الكلمات ويشير ضمن معانيه إلى منظومة أو مذهب أو قناعة أو حركة فكرية، أي أنه لا يمت بصلة لمبدأ علمي ثبتت صحته بالدليل أو بالتجريب. وعادة ما يترجم في العربية إلى كلمة “مذهب” (المترجم).

[7] نظرية ترجح أن الحياة بدأت في بركة أو محيط نتيجة لخليط من المواد الكيميائية من الغلاف الجوي وشكل من أشكال الطاقة لتكوين الحماض الأمينية (http://leiwenwu-tripod.com/primordials.htm) تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/12/2015 (المترجم)

نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟

لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟

لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟

ما معنى كل هذا؟ ريتشارد فاينمن

لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟ من أين أتى، وإن كان يسير نحو وجهة معينة، فإلى أين؟ وهل الكون في ذاته يمثل الحقيقة النهائية التي لا يوجد أي شيء بعدها أم أن هناك شيئاً ما “أبعد” من الكون؟ أيمكننا أن نسأل “ريتشارد فاينمن” Richard Feynman: «ما معنى كل هذا؟» أم أن “برتراند رسل” Bertrand Russell كان محقاً عندما قال إن «الكون موجود، وهذا هو كل ما في الأمر»؟

إن هذه الأسئلة لم تفقد شيئاً من قدرتها على استنفار الخيال البشري. ونظراً لما يدفع العلماء من رغبة محمومة في تسلق أعلى قمم المعرفة، فقد كشفوا لنا أسرارً مدهشة تسبر أغوار الكون الذي نسكنه؛ فعلى مستوى الأجسام شديدة الضخامة، لدنا تلسكوب “هبل” Hubble telescope الذي ينقل صوراً مذهلة للسماء من مداره الذي يعلو عن الغلاف الجوي.

وعلى مستوى الأجسام متناهية الصغر، نحد الميكروسكوب النفقي الماسح Scanning tunneling microscope يظهر حقائق بالغة التعقيد في عالم الأحياء الجزيئية Molecular biology وما يعج به من الجزيئات الكبيرة Macromolecules الغنية بالمعلومات وما تحويه من مصانع بروتين شديدة الصغر تتميز بقدر من التعقيد والدقة يجعل أرقى التقنيات البشرية تبدو أمامها كل شيء.

هل نحن والكون، وما يزخر به من جمال مجراته وتعقيده البيولوجي الدقيق، لسنا سوى نتاج قوى اعتباطية تؤثر عشوائياً في مادة وطاقة لا عقل لهما، كما يزعم أولئك المعروفون باسم “الملحدين الجدد” New Atheists بقيادة “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins؟ وهل الحياة البشرية هي في النهاية مجرد تجمع لعدد من الذرات ضمن العديد من التجمعات المشابهة التي حدثت بالصدفة، وإن كان ذلك أمراً مستحيلاً؟ وعلى أي حال، ما الذي يميزنا بعد أن عرفنا أننا نسكن كوكباً صغيراً يدور في فلك واحدة من مليارات الشموس التي تقع في مكان ما في ذراع مجرة حلزونية، ضمن مليارات المجرات المنتشرة في الفضاء الفسيح؟

بل إن البعض يقولون إنه ما دامت بعض الخصائص الأساسية للكون، مثل قدرة القوى الأساسية للطبيعة، وعدد ما يمكن ملاحظته من أبعاد المكان والزمان، هي نتاج مؤثرات عشوائية عملت على نشأة الكون، فمن المؤكد وجود أكوان أخرى ذات بنى مختلفة تماماً. أليس من المحتمل أن هذا الكون ليس إلا واحداً ضمن مجموعة ضخمة من الأكوان المتوازية التي تنفصل بعضها عن بعض إلى ما لا نهاية؟ أليس من العبث أن ندعي أن البشر يتميزون بأي قيمة عليا؟ إن حجمهم وسط الأكوان المتعددة Multiverse يمكن أن يكون صفراً.

ومن ثم، فإنه عبث فكري أن نعود للعصور الغابرة عندما كان العلم الحديث يخطو خطواته الأولى حينما كان العلماء أمثال بيكون Bacon، وجاليليو Galileo، كبلر Kepler، ونيوتن Newton، وكلرك ماكسويل Clerk Maxwell يؤمنون بوجود إله خالق ذكي تمخض عقله عن الكون. وأصحاب هذا الفكر يحاولون إقناعنا بأن العلم تجاوز هذه التفكير البدائي، ووضع الله في مزنق، وقتله ودفنه بما قدمه من تفسيرات شاملة. وأصبحت أهمية الله للكون لا تتجاوز أهمية قصص الأطفال الخيالية المسلية.

بل إن الله لا يصل إلى مستوى شيخ خرافي ميت وحي في الوقت نفسه، مثل قط “شرودينجر” Schrodinger’s cat[1]، ولكنه ميت دون شك. وعملية تلاشيه برمتها تبين أن أي محاولة لإعادة تقديمه للعالم غالباً ما ستعيق تقدم العلم. وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح لم يسبق له مثيل أن الفلسفة الطبيعية Naturalism (الاتجاه القائل بأنه ليس هناك شيء سوى الطبيعة، ولا يوجد أي شيء أبعد منها أو متجاوز لها Transcendence) هي المتربعة على العرش حالياً.

حتى إن “بيتر أتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامعة أكسفورد (رغم أنه يتعرف بوجود عنصر ديني في تاريخ تكوين العلم) يدافع عن هذه النظرة باستماتة منقطعة النظير: «إن العلم، أي النظام العقائدي القائم على المعرفة المتفق عليها من الجميع والتي يمكن إعادة إنتاجها، قد نشأ من الدين. ولكن العلم بعد أن تخلص من شرنقته ليتحول إلى فراشة كما نراه اليوم، أتى على العشب كله.

فليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود. إن المتدينين فقط هم من يتمنون وجود ركن مظلم في الكون المادي أو في عالم الخبرة لا يمكن للعلم إنارته ولا يمكنه حتى أن يحلم بذلك، وإني أضع مع هؤلاء المتدينين كل من يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة وكذلك أصحاب المعلومات الضحلة. ولكن الحقيقة أن العلم لم تعرقله يوما أي حواجز، والمبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية[2] Reductionism هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين».

وقد نوقش موضوع بعنوان “أعمق من الاعتقاد: العلم والدين العقل والبقاء” “Beyond Belief: science, religion, reason and survival” في أحد المؤتمرات المنعقدة في “معهد سولك للدارسات البيولوجية” Salk Institute for Biological Studies بمدينة “لاهويا” في ولاية كاليفورنيا سنة 2006 حيث قال “ستيفن واينبرج” Steven Weinberg الحائز على جائزة نوبل إنه: «على العلم أن يستفيق من كابوس الدين الطويل… وعلينا نحن العلماء ألا ندخر وسعاً في أن نفعل كل ما من شأنه أن يضعف قبضة الدين، وربما يكون ذلك أعظم ما نسهم به في الحضارة.» ولا عجب أن “ريتشارد دوكينز” مضى خطوة أبعد قائلاً: «لقد سئمت كل السأم من الاحترام الذي أسبغناه على الدين بسبب ما تعرضنا له من غسيل مخ».

ولكن هل هذا صحيح؟ هل يجب وصم كل المتدينين بأنهم يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة ومعلوماتهم ضحلة؟ على أي حال، البعض منهم علماء حائزون على جائزة نوبل. هل صحيح أنه يعلقون آمالهم على العثور على ركن مظلم في الكون يستحيل على العلم أن يأمل في أن ينيره؟ من المؤكد أن هذا الوصف ليس دقيقاً ومجحف لمعظم العلماء الأوائل مثل كبلر الذين قالوا إن قناعتهم بوجود خالق كانت مصدر الإلهام الذي دفع علومهم لقمم أعلى. وكانت أركان الكون المظلمة التي نجح العلم في إنارتها هي ما وفر العديد من الأدلة على حقيقة وجود إله خالق ذكي.

وماذا عن الغلاف الحيوي؟ هل تعقيده الدقيق يبدو ظاهرياً كما لو كان قد صنع وفقاً لتصميم معين، ولكنه ليس كذلك، كما يؤمن “ريتشارد دوكينز” حليف “بيتر أتكينز” العنيد؟ هل يمكن حقاً أن ينشأ المعقول من عمليات طبيعية غير موجهة تؤثر على مواد الكون الأساسية وفقاً لقيود قوانين الطبيعة بشكل عشوائي؟ هل حل إشكالية العلاقة بين العقل والمادة Mind-body Problem هو أن عقلاً منطقياً “نشأ” من جسم مادي بلا عقل بفعل عمليات غير عاقلة وغير موجهة؟

إن الأسئلة المتعلقة بهذه الفلسفة الطبيعية لا تتلاشى بسهولة، كما يتضح من مستوى الاهتمام الجماهيري. فهل العلم يحتاج فعلاً للمذهب الطبيعي؟ أم أنه مفهوم أن الفلسفة الطبيعية أُقحمت على العلم وأنها ليست شيئاً يحتويه العلم أصلاً؟ بل هل يمكننا حتى أن نقول إن هذه الفلسفة قد تكون صورة من صور الإيمان، يشبه الإيمان الديني؟ وأرجو أن يغفروا لنا جرأتنا في الاعتقاد بذلك بسبب ما نراه من كيفية التعامل أحياناً مع من يجرؤون على طرح هذه الأسئلة. فقد يواجهون نوعاً من الاستشهاد بتجريدهم من كافة الامتيازات كما يحدث مع هراطقة الدين في العصور الغابرة.

فالمعروف عن أرسطو قوله إننا إن أردنا النجاح لا بد أن نسأل الأسئلة الصحيحة. إلا أن بعض الأسئلة خطيرة، ومحاولة الإجابة عنها أخطر. ولكن قبول هذا النوع من المخاطرة يمثل جزءًا أصيلاً من روح العلم واهتماماته. وإن نظرنا لهذه النقطة من زاوية تاريخية لن نجد عليها اختلافاً؛ ففي العصور الوسطى مثلاً، كان على العلم أن يحرر نفسه من بعض جوانب الفلسفة الأرسطية حتى ينطلق للأمام.

فقد علم أرسطو أنه بدءًا من القمر وما بعده لا يوجد سوى الكمال، ولما كانت الحركة الكاملة عنده هي الحركة الدائرية، فقد رأى أن الكواكب والنجوم تتحرك في دوائر تامة. ولكن الحركة تحت القمر خطية حيث تسود حالة من عدم الكمال. وقد سادت هذه النظرة على الفكرة لمدة قرون حتى نظر جاليليو في تلسكوبه ورأى حواف بارزة من الفوهات القمرية. لقد تحدث الكون وتبدد استنتاج أرسطو الذي بناه على ما اعتبر مفهوماً بديهياً للكمال.

ومع ذلك ظلت دوائر أرسطو مستحوذة على جاليليو: «حفاظاً على النظام التام فيما بين أجزاء الكون، لا بد أن نسلم بأن الأجسام المتحركة لا يمكنها إلا أن تتحرك في حركة دائرية.» ولكن فكرة الدوائر لم يحالفها الحظ عندما أخذ كبلر على عاتقه أن يخطو خطوته الجريئة ويقول إن الملاحظات الفلكية تعتبر دليلاً أقوى من الحسابات التي تقوم على نظرية مبنية على مجرد مفهوم بديهي يقول بدائرية حركة الكواكب.

وقد اقترح كبلر ذلك على أساس تحليله للملاحظات المباشرة والدقيقة لمدار المريخ التي قام بها سلفه تيكو براهي Tycho Brahe عالم الرياضيات التجريبي في مدينة براخ. أما الباقي فهو تاريخ كما يقولون. فقد قدم اقتراحه المذهل بأن الكواكب تتحرك في مدارات على شكل قطع ناقص “تام” الاستواء حول الشمس التي تقع في إحدى بؤرتيه، وهو استنتاج كشف غوامضه فيما بعد نيوتن عندما وضع نظريته في الجاذبية المبنية على قانون التربيع العكسي Inverse-square التي لخصت كل هذه التطورات في صيغة واحدة بسيطة مختصرة جداً. لقد غير كبلر العلم للأبد بتحريره إياه من فلسفة قاصرة قيدته على مدى قرون. لذا، قد يكون ضرباً من الغرور أن نفترض أن هذه الخطوة المحررة لن تتكرر أبداً.

وهنا يعترض العلماء أمثال “آتكينز” وكذلك “دوكينز” أنه منذ عصر جاليليو وكبلر ونيوتن قفز العلم قفزات واسعة وليس هناك ما يدل على أن الفلسفة الطبيعية التي يرتبط بها العلم حالياً ارتباطاً وثيقاً (على الأقل في أذهان الكثيرين) هي فلسفة قاصرة. وهم يرون طبعاً أن الفلسفة الطبيعية تعلم على تقدم العلم الذي أصبح الآن قادراً على المضي قدماً بعد أن تحرر من حمل حقيبة الأساطير الثقيلة التي كثيراً ما أعاقت سيره في الماضي. وهم يزعمون أيضاً أن أفضل ما يميز الفلسفة الطبيعية هو استحالة إعاقتها للعلم لأنها تؤمن بتفوق المنهج العلمي، فهي الفلسفة الوحيدة التي تتميز بالتوافق التام مع العلم انطلاقاً من صميم طبيعتها.

ولكن هل الأمر كذلك حقاً؟ فلا شك أن جاليليو وجد أن الفلسفة الأرسطية تعيق العلم بافتراضها البديهي عما يجب أن يكون عليه الكون. ولكن لا جاليليو ولا نيوتن ولا حتى معظم العلماء العظماء الذين ساهموا فيما أحرزه العلم من تقدم مبهر آنذاك رأى أن الاعتقاد بإله خالق يعيق العلم كما هو الحال مع الفلسفة الأرسطية. بل على العكس، فقد رأوا أن هذا الاعتقاد يزودهم بحافز قوي، وكان يمثل للكثيرين منهم الدافع الأساسي نحو البحث العلمي

وإن كان الأمر كذلك، فإن الألحاد العنيد الذي يميز بعض الكتاب المعاصرين يدفع المرء لطرح هذا السؤال: ما الذي يجعلهم مقتنعين تماماً أن الإلحاد هو الموقف الوحيد الصلب والمتماسك فكرياً؟ هل صحيح أن كل ما في العلم يشير إلى الإلحاد؟ هل العلم والإلحاد بطبعتهما صنوان لا يفترقان؟ إن الفيلسوف البريطاني “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان أحد رواد الإلحاد على مدى سنوات طويلة لا يتفق مع هذه النظرة. فقد أعلن في حوار على قناة BBC أن التفسير الوحيد الوجيه لنشأة الحياة والتعقيد الذي تتميز به الطبيعة هو وجود ذكاء فائق وراء كل ذلك.

مناقشة التصميم الذكي

لقد أضاف مثل هذا التصريح لمفكر بحجم “فلو” بعداً جديداً للمناقشات الحادة، بل الغاضبة أحياناً، حول “التصميم الذكي”. ومما يزيد هذه المناقشات اشتعالاً أن مصطلح “التصميم الذكي” يبدو للكثيرين أنه توجه حديث نسبياً يخفي وراءه نزعة مؤيدة لنظرية الخلق ومناهضة للعلم هدفها الأساسي مهاجمة نظرية التطور. وهذا يعني أن مصطلح “التصميم الذكي” غير معناه على نحو خفي مما ينذر بخطورة مناقشة قضية بهذه الأهمية دون أن نتفق على ما نعنيه بها.

والآن يرى البعض مصطلح “التصميم الذكي” تعبيراً غريباً لأننا عادة ما نعتبر أن أي تصميم ينتج عن ذكاء، وهو ما يجعل الصفة “ذكي” زائدة ويمكن الاستغناء عنها. فإن اكتفينا بمصطلح “تصميم” أو استخدمنا تعبير “مسبب ذكي” “Intelligent causation“، فنحن نتحدث عن فكرة تحظى باحترام كبير في تاريخ الفكر، لأن فكرة وجود مسبب ذكي وراء الكون ليست حديثة على الإطلاق بل قديمة قدم الفلسفة والدين.

ثم إننا قبل أن نتناول السؤال ما إذا كان التصميم الذكي يخفي وراءه عقيدة الخلق أم لا، علينا أن نفحص معنى مصطلح “عقيدة الخلق” Creationism نفسه حتى لا نقع في سوء فهم آخر.

لأن هذا المصطلح أيضاً معناه تغير. فقد استخدم مصطلح “عقيدة الخلق” للإشارة إلى الاعتقاد بوجود خالق. ولكنه لم يعد يقتصر على مجرد الاعتقاد في وجود خالق ولكنه صار يشتمل كذلك على العديد من المعتقدات الأخرى، وأهمها تفسير معين لسفر التكوين يعتبر أن عمر الأرض لا تجاوز بضعة آلاف من السنين. وهذا التغيير الذي طرأ على معنى “عقيدة الخلق” أو “المؤمن بعقيدة الخلق” نتج عنه ثلاثة آثار سلبية:

أولها أنه يستقطب المناقشة ويقدم هدفاً سهلاً لمن يصرون على رفض أي فكرة تتعلق بوجود مسبب ذكي في الكون. والثاني أنه يتجاهل الاختلاف الكبير في تفسير رواية التكوين في هذا الأمر. أما الأثر الثالث، إن هذا التغيير يضعف الغرض (الأصلي) من استخدام مصطلح “التصميم الذكي”، ألا وهو التمييز بين الاعتراف بوجود تصميم، وتحديد المصمم؛ وهما أمران لا بد من التفريق بينهما.

هذه الآثار الثلاثة هي ثلاث قضايا مختلفة. والقضية الثانية لاهوتية في جوهرها وقد اتفق الأغلبية على أن تظل خارج نطاق العلم. والهدف من رسم الخط الفاصل بين القضايا هو تمهيد الطريق لاستكشاف وسيلة يمكن للعلم استخدامها للإجابة عن القضية الأولى. ولذلك، فمن المؤسف أن هذا التمييز بين قضيتين بينهما اختلاف جذري، دائماً ما يتلاشى بسبب الاتهام الموجه لفكرة “التصميم الذكي” باعتباره ملخصاً لفكر “عقيدة الخلق متخفية”.

وإن كنا نفهم مصطلح “التصميم الذكي” بمعناه الأصلي، يصبح السؤال الشائع عما إذا كان التصميم الذكي علماً سؤالاً مضللاً. فهب أننا نريد أن نسأل هذين السؤالين المتوازيين: هل الإيمان بالله الخالق الحافظ Theism علم؟ هل الإلحاد علم؟ معظم الناس سيجيبون بالنفي. ولكن إن قلنا إن ما نقصده هو ما إذا كان هناك أدلة علمية تؤيد الإيمان بالله الخالق الحافظ (أو الإلحاد)، فغالباً ما سيكون رد الطرف الآخر: فلماذا لم تقل هذا صراحة من البداية؟

وحتى نفهم معنى هذا السؤال يمكننا أن نصيغه هكذا: هل من أدلة علمية تشير إلى وجود تصميم؟ فإن كان هذا هو المعنى الذي يجب أن نفهمه من السؤال، فيجب التعبير عنه طبقاً لهذا المعنى حتى نتجنب سوء الفهم الذي ظهر في العبارة التي قيلت في “محاكمة دوفر”[3] Dover trial وهي أن «التصميم الذكي قضية لاهوتية مهمة، ولكنه ليس علماً.» وفي فيلم ” مطرود” Expelled (أبريل 2008) يبدو أن “ريتشارد دوكينز” نفسه يعترف أنه يمكن استخدام البحث العلمي لتحديد ما إذا كان أصل الحياة يعكس عمليات طبيعية أم أنه نتيجة لتدخل مصدر خارجي ذكي.

وكذلك “توماس ناجل” Thomas Nagel، وهو من أساتذة الفلسفة الملحدين البارزين في نيويورك، كتب في مقال مذهل بعنوان “التعليم الحكومي والتصميم الذكي” Public Education and Intelligent Design: «إن مقاصد الله ونياته، وطبيعة إرادته، إن كان يوجد إله، يستحيل أن تكون موضوعاً لنظرية علمية أو تفسير علمي. ولكن هذا لا يعني استحالة وجود أدلة علمية تؤيد أو تدحض تدخل مسبب غير محكوم بقانون في النظام الطبيعي.»

وهو يقول إن التصميم الذكي «لا يعتمد على تشويهات ضخمة للأدلة ولا على تنافرات جسيمة في تفسيره» وذلك بناء على قراءته لبعض الأعمال مثل كتاب “حدود التطور” Edge of Evolution لمؤلفه “مايكل بيهي” Michael Behe (كان “بيهي” أحد الشهود في “محاكمة دوفر”) أي أنه يرى أن التصميم الذكي لا يقوم على أساس الافتراض بأنه “يتمتع بحصانة ضد الأدلة التجريبية” كما يؤمن من يعتقدون بحرفية الكتاب المقدس بأنه محصن بحيث يستحيل تفنيده بأي أدلة كانت، وهو ينتهي إلى هذه الخلاصة: «التصميم الذكي مختلف تماماً عن علم الخلق.»

ويقول البروفسور “ناجل” أيضاً إنه «ظل فترة طويلة يشك أن مزاعم نظرية التطور التقليدية هي القصة الكاملة لتاريخ الحياة.» ويقول أيضاً إنه «يصعب أن نجد سنداً في المؤلفات المتاحة» يؤيد هذه المزاعم. وهو يرى أن «الأدلة المتاحة حالياً» تعجز عن تأكيد «كفاية الآليات المعيارية التي تتضمنها نظرية التطور لتقديم تفسير لنشأة الحياة بكاملها.»

والمعروف الآن أن بعض الكتاب أمثال “بيتر آتكينز”، و”ريتشارد دوكينز” و”دانيل دني” Daniel Dennett يزعمون وجود أدلة علمية قوية على الإلحاد. مما يتيح لهم الفرصة ليقدموا دفاعاً علمياً عن موقف ميتافيزيقي. ولذلك، فهم من دون الناس جميعاً، لا يحق لهم أن يعترضوا على الآخرين إن استخدموا الدليل العلمي لتأييد الموقف الميتافيزيقي المضاد، ألا وهو التصميم الذي يؤكد فكرة الخلق. وأنا طبعاً واع تماماً أن الرد الذي سيأتي به البعض على الفور أنه ليس هناك قضية بديلة يمكن طرحها. إلا أن هذا الحكم قد يكون سابقاً لأوانه.

ويمكن صياغة السؤال ما إذا التصميم الذكي علماً صياغة أخرى. وذلك بأن نسأل ما إذا كانت فرضية التصميم يمكنها أن تؤدي إلى فرضيات يمكن إخضاعها للاختبار العلمي. وسوف نرى لاحقاً قضيتين رئيسيتين أسفرت فيهما فرضية التصميم الذكي عن النتائج. وهاتان القضيتان هما: إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility، بداية الكون.

إلا أن مصطلح “التصميم الذكي” يشكل صعوبة أخرى تتمثل في استخدام كلمة “تصميم” التي ترتبط في أذهان البعض ارتباطاً وثيقاً بالفكرة التي طرحها نيوتن عن الكون، إذ شبهه بالساعة التي تسير بانتظام دقيق معروف تحكمه القوانين الفيزيائية، ولكن أينشتاين سار بالعلم خطوات أبعد من هذه الفكرة.

بل إن الكلمة أيضاً تعيد إلى الذهن ذكريات الفيلسوف المسيحي “بيلي” Paley وما قدمه في القرن التاسع عشر من حجج مؤيدة لفكرة التصميم التي يعتقد الكثيرون أن “دافيد هيوم” David Hume قضى عليها. وحتى لا نصدر حكماً متعجلاً بخصوص هذه القضية الأخيرة، قد يكون من الحكمة أن نتحدث عن مسبب ذلك أو عن أصل ذكي، بدلاً من الحديث عن تصميم ذكي.

والحجج المعروضة في هذا الكتاب قدمتها في محاضرات وحلقات نقاشية وحوارات في العديد من بلدان العالم. ورغم شعوري أن الكثير لم ينجز بعد، ولكن استجابة لإلحاح الكثيرين ممن حضروا هذه الفعاليات، فقد قمت بهذه المحاولة من صياغة الحجج في شكل مدون في كتاب قصدت أن يكون قصيراً بناء على ما رآه البعض من أن المطلوب هو مقدمة موجزة ومركزة للقضايا الأساسية التي من شأنها أن تشكل أساساً لمزيد من المناقشة والاستكشاف لتفاصيل أكثر.

وأود أن أعبر عن امتناني لما تلقيته من الكثير من الأسئلة والتعليقات والنقد، مما ساعدني في مهمتي. أما أوجه القصور، فأنا فقط المسؤول عنها. أما عن الأسلوب المتبع في الكتاب، فسوف أحاول أن أتناول الموضوع في إطار الجدل الحالي حسب فهمي له. وسأقتبس كثيراً من أقوال العلماء والمفكرين البارزين لتقديم صورة واضحة لما يقوله من يتصدرون الحوار الدائر حول القضية. إلا أنني أدرك أن نزع الاقتباس من السياق الذي ورد فيه قد لا يكون منصفاً لقائل هذا الاقتباس، وقد يشوه الحق. ولذا، أتمنى أن أكون قد نجحت في تفادي هذه الخطوة بالذات.

ولكني إذا استخدمت كلمة الحق أخشى أن بعض المؤمنين بفكر ما بعد الحداثة Postmodernist قد يتوقفون عن القراءة، إلا أذا كان فضولهم يدفعهم لقراءة (وربما لهدم) نص كتبه شخص يؤمن فعلياً بالحق. وأنا أراه أمراً في غاية الغرابة أن من لا يعترفون بوجود شيء يسمى الحق يحاولون إقناعي بأن ما يقولونه حق! ربما أنا أسيء فهمهم، ولكن يبدو لي أنهم عندما يتحدثون إليّ أو يكتبون كتبهم، يستثنون أنفسهم من هذا المعيار العام الذي يقضى بعدم وجود حق. أي أنهم في نهاية الأمر يؤمنون بالحق.

وعلى أي حال، فالعلماء يهتمون بالحق، وإلا لماذا يتكبدون عناء العمل بالعلم؟ وبما أني أومن بالحق فقد حاولت أن أقتصر في اقتباساتي على ما يعبر نوعاً ما عن الموقف العام لكاتبها، وابتعدت عن اقتباس عبارات صدرت عن قائلها حينما لم يكن في أفضل حالاته، لأننا جميعاً معرضون للوقوع في ذلك.

ولكن ماذا عن التحيز؟ ليس هناك من يمكنه الهروب، لا الكاتب ولا القارئ. فكلنا منحازون من حيث إن كلاً منا له رؤية للعالم Worldview أو منظور خاص يرى به العالم من حوله، وهو يتكون من إجاباته الكاملة أو الجزئية عن الأسئلة التي يطرحها عليه الكون والحياة. وغالباً ما لا نكون هذه الفلسفة الحياتية أو المنظور بشكل دقيق قاطع، بل ربما تتكون حتى دون وعي منا، إلا أنها موجودة. وهذا المنظور يتشكل طبعاً بالخبرات وبالتفكير المتعمق فيها. وهو قابل للتغيير، بل إنه يتغير، بل إنه يتغير بالفعل إن وجد أدلة مقنعة، وهذا ما نرجوه.

والسؤال المحوري في هذا الكتاب هو سؤال يتعلق في جوهره بالفلسفة الحياتية أو المنظور: ما المنظور الأكثر توافقاً مع العلم: الإيمان بالله الخالق الحافظ أم الإلحاد؟ هل دفن العلم الله؟ فلنر إلى أي سيقودنا الدليل.

 

[1] تجربة يوضع فيها قط وسط ظروف تجعله حياً وميتاً في آن، مما يتطلب مزيداً من الملاحظة الدقيقة لتحديد حالته. (المترجم).

[2] يعرف “قاموس أكسفورد” Oxford Dictionary “الاختزالية” Reductionism بأنها تحليل ظاهرة معقدة ووصفها وفقاً لمكوناتها البسيطة أو الأساسية، وخاصة إذا كان الغرض تقديم تفسير واف. (المترجم).

[3] محاكمة جرت في مدينة دوفر الأمريكية حيث رفع بعض أولياء الأمور دعوى ضد منطقة دوفر التعليمية لأنها أقرت تدريس التصميم الذكي في المدارس التابعة لها. (المترجم)

لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

“إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة”.

إعلان الاستقلال الأمريكي

هل من مقياس للأخلاق؟

بينما كنت أنا وصديقي ديف Dave ننتهي من تناول العشاء في مطعم يطل على المحيط في مدينة بورتلاند بولاية مين، تحول الحديث إلى موضوع الدين. فقد قال ديف: “لا أظن أنه من الممكن أن يكون دين واحد صحيحاً والباقي كله خطأ. ولكن يبدو أنك يا فرانك وجدت مركزاً لحياتك. وجدت شيئاً صحيحاً بالنسبة لك، وأظن أن هذا عظيم”.

فبدأت أساير فرضيته من أن شيئاً قد يكون صحيحاً لشخص وليس صحيحاً لشخص آخر، وسألته: «ديف ما الصحيح بالنسبة لك؟ ما الذي يعطي حياتك معنى؟»

فأجاب: «كسب المال ومساعدة الناس». ديف رجل أعمال ناجح جداً، فحاولت أن أستثيره لأعرف منه المزيد.

وقلت: «ديف، أعرف رؤساء تنفيذيين بلغوا قمة النجاح المهني، خططوا لأمور عظمية في حياتهم المهنية وحققوها، ولكنهم لم يخططوا لحياتهم الشخصية ولم يحققوا فيها إلا القليل. وهم الآن على وشك التقاعد، ويسألون أنفسهم: “ثم ماذا؟»

فوافق ديف وأضاف: «نعم، وأعرف أن معظم أولئك الرؤساء التنفيذيين مروا بخبرات طلاق بشعة، غالباٌ لأنهم أهملوا أسرهم سعياً وراء الدولار. ولكن لست كذلك. لن أضحي بأسرتي من أجل المال، وفي عملي أريد أن أساعد الناس أيضاً».

مدحته على التزامه بأسرته ورغبته في مساعدة الناس، ولكن الأسئلة لم تنته. فلماذا يجب أن نخلص لعائلاتنا؟ من قال إنه ينبغي أن “نساعد الناس”؟ هل “مساعدة الناس” واجب أخلاقي عام، أم أنه صحيح لك وليس صحيحاً لي؟ وما نوعية مساعدتك لهم: مالية؟ نفسية؟ مادية؟ روحية؟

فقلت: «ديف، إن لم يكن هناك مقياس موضوعي، فالحياة ليست إلا لعبة “بنك الحظ” Monopoly. يمكنك أن تحصل على الكثير من الأموال والكثير من الممتلكات، ولكن عندما تنتهي اللعبة، يرجع كل شيء إلى العلبة. هل هذه هي الحياة؟»

وإذ شعر ديف بعدم ارتياح لاتجاه الحوار، غير الموضوع بسرعة. ولكن إحساسه بأنه يجب أن “يساعد الناس” كان صحيحاً، ولكنه لم يجد له مبررات. لماذا يعتقد أنه يجب أن “يساعد الناس”؟ من أين أتى بهذه الفكرة؟ ولماذا أنا وأنت نتفق معه في أعماقنا؟

توقف وتعمق برهة في هذه الفكرة؟ ألست مثل ديف؟ ألا تشعر بهذا الإحساس العميق بواجبنا جميعاً نحو “مساعدة الناس”؟ كلنا نشعر بذلك لماذا؟ ولماذا يبدو أن معظم البشر لديهم ذلك الحس الحدسي بأنه ينبغي أن يفعلوا الخير وينبذوا الشر؟

ووراء إجابات تلك الأسئلة يكمن المزيد من الأدلة على وجود الله الخالق الحافظ. ولكن هذه الأدلة ليس علمية، فقد تناولنا الأدلة العلمية في الفصول السابقة، ولكنها أدلة ذات طبيعة أخلاقية، وهي مثل قوانين المنطق والرياضيات: غير مادية ولكن حقيقية. إن ما يجعلنا نعتقد أنه علينا أن نفعل الخير لا الشر، ما يجعلنا نعتقد مثل ديف أنه علينا أن “نساعد الناس” هو وجود قانون أخلاقي كُتب على قلوبنا. أي أن هناك “تشريعاً لعلم الخير أعطي للبشرية جمعاء.

والبعض يسمون هذا التشريع الأخلاقي “الضمير”، والبعض الآخر يسمونه “القانون الطبيعي”، ولكن آخرون (مثل الآباء المؤسسين للولايات المتحدة) يطلقون عليه “قانون الطبيعة”. ونحن نطلق عليه “القانون الأخلاقي”. ولكن أياً كان الاسم الذي تطلقه عليه، وجود مقياس أخلاقي منقوش في عقول البشر أجمعين يشير إلى مشرع لهذ القانون الأخلاقي. فكل قانون له مشرع. والقانون الأخلاقي كذلك. لا بد أن شخصاً كلفنا بهذه الواجبات الأخلاقية.

هذا القانون الأخلاقي هو حجتنا الثالثة لوجود إله خالق حافظ (بعد الحجة الكونية والحجة الغائية). وهي كالتالي:

  1. لكل قانون مشرع.
  2. هناك قانون أخلاقي.
  3. إذن هناك مشرع للقانون الأخلاقي.

إن كانت المقدمتان الأولى والثانية صحيحتين، فالنتيجة تترتب عليهما بالضرورة. وطبعاً كل قانون له مشرع. لا يمكن أن يوجد تشريع إلا إذا وجدت سلطة تشريعية. بالإضافة إلى أنه إذا كان هناك التزامات أخلاقية، لا بد من وجود شخص نكون ملتزمين تجاهه.

ولكن هل حقاً يوجد قانون أخلاقي؟ هذا ما اعتقده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة. فكما كتب توماس جفرسون Thomas Jefferson في إعلان الاستقلال «”قانون الطبيعة” واضح في ذاته». فأنت لا تستخدم العقل حتى تكتشفه، ولكنك تعرفه هكذا. وربما هذا ما جعل صديقي ديف يصطدم بحائط سد في تفكيره. فهو يعرف أن “مساعدة الناس” فعل صائب، ولكنه لم يستطع تعليل هذا الصواب دون الاحتكام إلى مقياس خارج نفسه. فبلا مقياس موضوعي من المعنى والأخلاق، تخلو الحياة من المعنى وينتفي الصواب المطلق والخطأ المطلق. ويصبح كل شيء مجرد رأي.

فعندما نقول إن القانون الأخلاقي موجود، نعني أن كل الناس مطبوعون بحس جوهري للصواب والخطأ. فالكل مثلاً يعلم أن الحب أسمى من الكره وأن الشجاعة أفضل من الجبن. ويكتب ج. بودجيشفسكي الأستاذ بجامعة تكساس في أوستن University of Texas at Austin: “الجميع يعرفون مبادئ معينة.

فما من بلد يعتبر القتل فضية والعرفان رذيلة”. وسي. إس. لويس الذي تناول هذا الموضوع بعمق في كتابه الكلاسيكي “المسيحية المجردة” Mere Christianity عبر عن الفكرة قائلاً: “تخيل بلداً حيث يحظى الناس بالإعجاب عندما يفرون من المعركة، أو حيث يشعر الرجل بالفخر عندما يخون كل من أحسن إليه. إن استطعت أن تتخيل ذلك يمكنك أن تتخيل أن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة”.

وهو ما يعني أن الجميع يعرفون بوجود واجبات أخلاقية مطلقة. والواجب الأخلاقي المطلق هو شيء ملزم للجميع، في كل زمان، وفي كل مكان، والقانون الأخلاقي المطلق يتضمن مشرعاً مطلقاً للقانون الأخلاقي.

إلا أن هذا لا يعني أن كل قضية أخلاقية لها إجابات يسهل التعرف عليها. أو أنه لا أحد ينكر وجود أخلاق مطلقة. ولكن الأخلاق تضم مشكلات عسيرة، والناس ينكرون القانون الأخلاقي كل يوم. ولكنه يعني أن هناك مبادئ أساسية للصواب والخطأ يعرفها الجميع، سواء اعترفوا بها أم لا. ويطلق بودجيشفسكي على هذه المعرفة الأساسية بالصواب والخطأ “ما لا نستطيع أن نجهله” What We Can’t Not Know في كتاب له تحت ذلك العنوان.

فنحن مثلاً لا نستطيع ألا نعرف أن قتل الأبرياء بلا سبب خطأ. البعض قد ينكرون ذلك ويرتكبون جرائم قتل، ولكنهم في أعماق قلوبهم يعرفون أن القتل خطأ. وحتى السفاحون يعرفون أن القتل خطأ، ولكنهم قد لا يشعرون بالندم. والقتل خطأ عن الجميع، وفي كل مكان: في أمريكا، والهند، وزيمبابوي، وسائر البلدان جميعاً، الآن وكل أوان، مثل غيره من سائر القوانين الأخلاقية المطلقة. هذا هو ما يقوله القانون الأخلاقي لكل قلب بشري.

كيف نعرف أنه يوجد قانون أخلاقي؟

تتعدد أسباب معرفتنا بوجود قانون أخلاقي، وسنستعرض ونناقش ثمانية منها. وبعض هذه الأسباب متداخل، ولكننا سنناقشها بهذا الترتيب:

  1. القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره.
  2. نعرفه من ردود أفعالنا.
  3. إنه أساس حقوق الإنسان.
  4. إنه مقياس العدالة الثابت.
  5. يفصل فصلاً حقيقياً بين المواقف الأخلاقية (مثل الأم تريزا مقابل هتلر).
  6. بما أننا نعرف الخطأ المطلق، لا بد أن هناك مقياساً مطلقاً للصواب.
  7. القانون الأخلاقي هو أساس الخلافات السياسية والاجتماعية.
  8. لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه.

1 – القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره:

 النسبيون عادة ما يزعمون زعمين بخصوص الحق: 

  • ليس هناك حق مطلق.
  • ليس هناك قيم أخلاقية مطلقة.

وخطة “رودرنر” تساعدك على تفنيد زعمهم الأول: إن لم يكن هناك حق مطلق، إذن زعمهم المطلق بأنه “ليس هناك حق مطلق” لا يمكن أن يكون صحيحاً. وهكذا ترى أن عبارة النسبيين غير منطقية لأنها تؤكد ما يحاولون إنكاره.

حتى جوزيف فلتشر Joseph Fletcher أبو أخلاق الموقف الحديثة وقع في هذا الفخ. فقد أصر في كتابه “أخلاق الموقف” Situation Ethics أن «من يؤمن بأخلاق الموقف يتجنب كلمات من قبيل “أبداً”، “تام”، “دائماً”… كمن يتجنب شيئاً ضاراً، كما يتجنب كلمة “مطلقاً”». وهو ما يعني طبعاً أن «المرء يجب ألا يقول أبداً كلمة “أبداً”» أو «يجب أن نتجنب دائماً استخدام كلمة “دائماً”». إلا أن تلك العبارات عينها لا تتجنب ما تطلب منا تجنبه. فالنسبيون متأكدون بصفة مطلقة أنه ليس هناك مطلقات.

والقيم المطلقة كالحق المطلق، لا يمكن إنكارها. ففي حين أن الزعم الذي مفاده أنه “لا يوجد قيم مطلقة” لا يفند نفسه، لا يمكننا عملياً أن ننكر وجود قيم مطلقة. وذلك لأن من ينكر كل القيم، يعطي قيمة لحقه في إنكارها. وهو علاوة على ذلك يريد من الجميع أن يعطوه قيمة بصفته شخصاً، بينما ينكر أن هناك قيمة لجميع الأشخاص. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح منذ عدة سنوات عندما كنت (أنا نورم) أتحدث إلى مجموعة من سكان ضواحي شيكاغو من ذوي الثروة والتعليم الراقي.

وبعد أن قلت إن هناك قيماً أخلاقية موضوعية ملزمة لجميعنا، وقفت سيدة واعترضت بصوت مرتفع قائلة: «ليس هناك قيم حقيقية. المسألة كلها أذواق أو آراء!» فقاومت إغراء الرغبة في توصيل فكرتي بأن أصرخ فيها قائلاً: «اجلسي واخرسي، يا متعلمة يا صاحبة الشهادات، لا أحد يريد أن يسمع رأيك!» وطبعاً لو كنت بهذه الوقاحة والفظاظة، لكان من حقها أن تشكو من أني انتهكت حقها في أن يكون لها رأي وحقها في التعبير عنه. وهو ما كان يمكنني أن أرد عليه بالقول «ليس لك هذا الحق، فقد أخبرتني تواً أن هذه الحقوق لا وجد لها!»

فشكواها كانت ستثبت أنها تؤمن فعلياً بقيمة حقيقية مطلقة، فهي تعطي قيمة لحقها في أن تقول إنه ليس هناك قيم مطلقة. أي أن حتى من ينكرون كل القيم، يعطون قيمة لحقهم في ذلك الإنكار. وهنا يكمن التناقض. فمن المستحيل عملياً إنكار القيم الأخلاقية.

2 – رود أفعالنا تساعدنا على اكتشاف القانون الأخلاقي (الصواب من الخطأ):

 في السيناريو المذكور أعلاه، كان رد فعل السيدة سيذكرها بوجود قيم أخلاقية موضوعية. وأحد الأساتذة في واحدة من كبرى الجامعات في ولاية إنديانا عرض أحد طلابه ممن يؤمنون بالنسبية للخبرة نفسها من وقت ليس ببعيد. وكان الأستاذ يُدَرِّس مادة في الأخلاق، وكلف طلابه بكتابة بحث للفصل الدراسي. وطلب من كل دارس أن يكتب في أي موضوع أخلاقي من اختياره، بشرط أن يدعم أطروحته جيداً بالأسباب والمراجع الموثقة.

وكتب طالب ملحد بحثاً بليغاً في موضوع النسبية الأخلاقية. وكانت حجته تقول إن «كل الأخلاق نسبية؛ ليس هناك مقياس مطلق للعدالة أو الصواب الأخلاقي؛ إنها مسألة رأي؛ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا”، وهكذا». وقد دعم بحثه بالأسباب والمراجع. وكان مستوفياً للشروط من حيث الحجم، وموعد التسليم، وقدمه في غلاف أزرق أنيق.

وبعد أن قرأ الأستاذ البحث كله كتب على الغلاف الأمامي «راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء». وعندما استلم الطالب بحثه استشاط غضباً واندفع على مكتب الأستاذ محتجاً: «”راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء” هذا ليس إنصافاً. ليس صواباً. ليس عدلاً. لم تقيم البحث بناء على ما يستحق».

فأجاب الأستاذ بهدوء وهو يرفع يده ليهدئ الطالب الفصيح: «تمهل لحظة. لقد قرأت أبحاثاً كثيرة. انتظر… أليس بحثك هو الذي يقول إنه ليس هناك شيء اسمه الإنصاف، والصواب الأخلاقي، والعدالة؟».

فأجاب الطالب: «نعم».

فسأله الأستاذ: «إذن ما هذا الذي تقوله عني إني لست منصفاً، لا صائباً، ولا عادلاً؟ ألم تكن حجة بحثل أن الأمر كله مسألة ذوق؟ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا؟”»

فأجاب الطالب: «نعم هذا رأيي».

فأجاب الأستاذ: «عظيم. إذن أنا لا أحب الأزرق. وأنت تحصل على تقدير راسب».

وفجأة أضاء المصباح في دماغ الطالب. لقد أدرك أنه يؤمن فعلياً بالمطلقات الأخلاقية. فهو على الأٌقل يؤمن بالعدالة. ومهما كان من أمر، فهو يتهم أستاذه بالظلم لأنه أعطاه تقدير راسب بسبب لون الغلاف. وهذه الحقيقة البسيطة دحضت كل القضية التي قدمها دفاعاً عن النسبية.

والدرس الذي يكمن في القصة هو أن هناك أخلاقيات مطلقة. وإن أردت حقاً أن تدفع النسبيين للاعتراف بها. كل ما يجب أن تفعله أن تعاملهم معاملة ظالمة. وردود أفعالهم ستكشف القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبهم وعقولهم. ففي هذه القصة أدرك الطالب وجود مقياس موضوعي للصواب الأخلاقي من رد فعله لمعاملة الأستاذ له. وهكذا قد لا أظن أن السرقة خطأ عندما أسرق منك. ولكن لاحظ الغضب الذي سيشتعل بداخلي عندما تسرق مني.

وردود أفعالنا تبين أيضاً أن النسبية في النهاية لا تصلح للعيش. فقد يزعم الناس أنهم نسبيون، ولكنهم مثلاً لا يريدون زوجاتهم أن تخلصن لهم نسبياً. فكل الرجال النسبيين تقريباً يتوقعون من زوجاتهم أن تعشن على أساس أن الزنا خاطئ على نحو مطلق. وسيكون رد فعلهم سلبياً إن مارسن النسبية عملياً بارتكاب الزنا. وحتى إن كان هناك القليل من النسبيين لا يعترضون على الزنا، هل تظن أنهم لن كانوا مهددين بالقتل أو الاغتصاب سيعتبرون القتل أو الاغتصاب عملاً أخلاقياً؟ طبعاً لا. إن النسبية تتناقص مع ردود أفعالنا وحسنا العام.

وردود الأفعال تساعدنا كأمة في تحديد الصواب والخطأ. فعندما اخترق الإرهابيون مبانينا بطائراتنا التي كانت تحمل أحباءنا الأبرياء، كان رد فعلنا العاطفي مناسباً لبشاعة الجريمة. فرد فعلنا أكد أن الفعل خاطئ على نحو مطلق. وقد يقول البعض: «ولكن ابن لادن ورفاقه المجرمين رأوا أن الفعل صحيح أخلاقياً». إن هذا يرجع جزئياً إلى أن الجريمة لم تكن موجهة ضدهم. في رأيك ماذا يكون رد فعل ابن لادن لو اخترقنا مبانيه بطائراته التي تحمل أحباءه الأبرياء؟ كان سيعرف فوراً أن هذا الفعل خاطئ على نحو لا يمكن إنكاره.

لذا فالقانون الأخلاقي لا يظهر دائماً من أفعالنا، كما يتضح من الفظائع التي يرتكبها البشر تجاه بعضهم البعض. ولكنه ينكشف بجلاء في ردود أفعالنا، أي ما نفعله عندما نتعرض شخصياً للظلم. وهو ما يعني أن القانون الأخلاقي ليس هو دائماً المقياس الذي نعامل به الآخرين، ولكنه في كل الحالات تقريباً المقياس الذي نتوقع من الآخرين أن يعاملونا به. فهو لا يصف سلوكنا الفعلي، بل ينص على السلوك الواجب.

3 – دون القانون الأخلاقي تنتفي حقوق الإنسان:

تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتقاد في القانون الأخلاقي وحقوق الإنسان الممنوحة من الله. فقد كتب توماس جفرسون في إعلان الاستقلال:

إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة. ولضمان هذه الحقوق، تتأسس الحكومات بين الناس، وتكتسب صلاحياتها العادة من موافقة المحكومية.

لاحظ عبارة «منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف». أي أن الآباء المؤسسين آمنوا أن حقوق الإنسان ممنوحة من الله، ومن ثم فهي عامة ومطلقة، أي أنها حقوق تشمل كل البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، بصرف النظر عن جنسيتهم أو دينهم.

لقد أدرك جفرسون وسائر الآباء المؤسسين أن هناك سلطة أعلى أي “الخالق” يمكنهم الاحتكام إليها لإرساء أسس أخلاقية موضوعية لاستقلالهم. فلو بدأوا إعلان الاستقلال بعبارة «إننا نعتبر أن هذه الآراء أراؤنا…» (بدلاً من «حقائق واضحة في ذاتها»)، ما قدم ذلك مبرراً أخلاقياً موضوعياً لإعلان استقلالهم. ولكنه كان فقط سيعبر عن رأيهم المضاد لرأي الملك جورج.

لذا احتكم المؤسسون إلى “الخالق” لأنهم آمنوا أن قانونه الأخلاقي هو المقياس المطلق للصواب والخطأ الذي يبرر قضيتهم. وكانت قضيتهم إنهاء حكم الملك جورج في المستعمرات الأمريكية. لقد اقتنعوا بضرورة إنهاء حكم جورج لأنه كان ينتهك حقوق الإنسان الأساسية لمستوطني المستعمرات.

ومن جهة ما، كان موقف الآباء المؤسسين مثل موقف دول الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية. فعندما مثل مجرمو الحرب النازيون أمام محكمة في نورمبرج Nuremburg، أدينوا بتهمة انتهاك حقوق الإنسان الأساسية كما يعرّفها القانون الأخلاقي (الذي ينعكس في القانون الدولي). إنه القانون الذي يفهمه كافة البشر بالفطرة والذي تخضع له كل الأمم.

ولو لم تكن هناك هذه الأخلاق الدولية التي تتجاوز حدود قوانين الحكومة الألمانية العلمانية، لما وجد الحلفاء أساساً لإدانة النازيين. وهو ما يعني أنه لما أمكننا أن نقول إن النازيين كانوا مخطئين على نحو مطلق ما لم نعرف الصواب المطلق. ولكننا موقنون أنهم مخطئون على نحو مطلق، إذن مؤكد أن القانون الأخلاقي موجود.

4 – دون القانون الأخلاقي لا نميز بين العدل والظلم:

ربما تعد أشهر حجة ضد وجود الله هي وجود الشر واستمراره في العالم. فإن كان هناك إله صالح وعادل، لماذا إذن يسمح بالسوء للأخيار؟ لطالما أكد الملحدون أن الإيمان بعدم وجود هذا الإله أكثر منطقية من محاولة تفسير وجود الشر والله معاً.

وكان سي. إس. لويس أحد هؤلاء الملحدين. فقد رأى أن كل ما في العالم من ظلم يؤكد إلحاده، حتى بدأ يفكر في الوسيلة التي مكنته من معرفة الظلم أصلاً، فقد كتب: «”بصفتي ملحداً” كانت حجتي ضد الله هي أن الكون يبدو في منتهى القسوة والظلم. ولكن من أين أتيت بفكرة العدل والظلم؟ فالمرء لا يسمي الخط منكسراً إلا إذا كان يعرف الخط المستقيم. فبم كنت أقارن هذا الكون عندما سميته ظالماً؟» وهذا الإدراك أخرج لويس من الإلحاد وأتى به أخيراً إلى المسيحية.

إن لويس مثلك مثلي، لا يمكنه أن يحدد الظلم إلا عن طريق وجود مقياس ثابت للعدل مكتوب على قلوبنا. فحقيقة، لا يمكنك أن تعرف الشر ما لم تعرف الخير. ولا يمكنك أن تعرف الخير لولا وجود مقياس ثابت للخير خارجك. ودون ذلك المقياس الموضوعي يعد أي اعتراض على الشر المحض رأي شخصي لك.

أنا (نورم) أحب مناظرة الملحدين اليهود. لماذا؟ لأني لم ألتق أبداً بيهودي يعتقد أن الهولوكوست كان مجرد مسألة رأي. ولكن جميعهم يؤمنون أنه كان خطأً حقيقياً، بصرف النظر عن رأي أي شخص آخر. وفي إحدى هذه المناظرات مع ملحد يهودي، سألته: «على أي أساس تقول إن الهولوكوست كان خطأ؟» فأجاب: «بإحساسي الأخلاقي الطيب».

وماذا عساه يقول غير ذلك؟ فدون أن يعترف بقانون أخلاقي موضوعي، وهو ما يعني الاعتراف بالله، يستحيل أن يجد أساساً موضوعياً للاعتراض على الهولوكوست. وبذلك اعتراضه لا يزيد عن كونه رأياً شخصياً.

ولكن جميعنا نعرف أن الوضع الأخلاقي للهولوكوست ليس مجرد مسألة رأي. ورد فعلك على أي تعليق يختص بالهولوكوست يجب أن يزودك بمؤشر على وجود شيء خطأ حقاً في قتل الأبرياء. فمهما كان رد فعلك على شخص يقول: «كانت الوجبة رائعة» سيختلف عن رد فعلك عندما يقول الشخص: «كان الهولوكوست رائعاً». فأنت تعرف حدسياً أن ذوق الشخص في الطعام شيء وذوقه في الشر شيء آخر. فهناك اختلاف أخلاقي حقيقي بين الوجبة والقتل، فأحدهما مجرد استحسان والآخر ظلم حقيقي. وردود أفعالك على تلك التعليقات تساعدك على إدراك ذلك.

وسنناقش المزيد عن وجود الشر والله معاً في الملحق الأول. ولكن الآن نقطتنا الأساسية هي: لو لم يوجد قانون أخلاقي، لما أمكننا التعرف على أي نوع من الشر أو الظلم. فبلا عدل، يصبح الظلم بلا معنى. وكذلك ما لم يكن هناك مقياس ثابت للخير، لما كان هناك شر موضوعي. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن الشر موجود، إذن القانون الأخلاقي موجود أيضاَ.

5 – دون القانون الأخلاقي، لما كان هناك طريقة لقياس الاختلافات الأخلاقية:

فكر في خريطتي اسكتلندا في الشكل. أيهما أفضل؟ كيف يمكنك أن تعرف الخريطة الأفضل؟ السبيل الوحيد لتحديد الأفضل أن ترى شكل اسكتلندا الحقيقية. أي أنك لا بد أن تقارن الخريطتين بمكان حقيقي ثابت اسمه اسكتلندا. فلو لم توجد اسكتلندا، تصبح الخريطتان بلا معنى. ولكن بما أن اسكتلندا موجودة، يمكننا أن نرى أن الخريطة (أ) هي الأفضل لأنها أقرب للمقياس الثابت، أي اسكتلندا الحقيقية.

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

وهذا ما نفعله بالضبط عندما نقيم سلوك الأم تريزا مقابل سلوك هتلر. إننا نحتكم إلى مقياس ثابت مطلق أعلى من كليهما. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي. وهو ما عبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:

في اللحظة التي تقول فيها إن مجموعة معينة من الأفكار الأخلاقية أفضل من غيرها، فإنك في الواقع تقيس الاثنتين بمقياس وتقول إن إحداهما تتفق مع ذلك المقياس أكثر من الأخرى. إلا أن المقياس الذي يقيس شيئين يختلف عن أي منهما. فأنت في الواقع تقارنهما بأخلاق حقيقية، معترفاً بوجود صواب حقيقي بصرف النظر عن آراء الناس، وبأن أفكار بعض الناس تقترب من ذلك الصواب الحقيقي أكثر من غيرها.

أو يمكنك أن تعبر عن ذلك بطريقة أخرى: إن كانت أفكارك الأخلاقية أصح، وأفكار النازيين أقل صحة، فلا بد من وجود شيء، أي نوع من الأخلاق الحقيقية تحدد صحة هاتين المجموعتين من الأفكار.

لو لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك اختلافات أخلاقية بين سلوك الأمر تريزا وسلوك هتلر. وكذلك عبارات من قبيل “القتل شر”، أو “العنصرية خطأ”، أو “يجب ألا تسيء إلى الأطفال” تصبح بلا معنى موضوعي. ولكنها تعبر فقط عن آراء شخص، مثل “الشوكولاتة ألذ من الفانيليا”. فالواقع أنه ليس القانون الأخلاقي لأصبحت التعبيرات القيمية البسيطة مثل “جيد”، “سيء”، “أفضل”، “أسوأ” بلا معنى موضوعي عندما تستخدم في سياق أخلاقي.

ولكننا نعلم بالتأكيد أن لها معنى. فمثلاً عندما نقول إن “المجتمع يتحسن” أو “المجتمع يسوء” فنحن نقارن المجتمع بمقياس أخلاقي أعلى منا. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبنا.

وباختصار، الاعتقاد في النسبية الأخلاقية يعنى القول بعدم وجود اختلافات أخلاقية حقيقية بين الأم تريزا وهتلر، أو الحرية والعبودية، أو المساواة والعنصري، أو العناية والإساءة، أو الحب والكراهية، أو الحياة والقتل. ونحن جميعاً نعلم أن مثل هذه الاستنتاجات عبثية. إذن لا بد أن تكون النسبية الأخلاقية خاطئة. وإن كانت النسبية الأخلاقية خاطئة، إذن يوجد قانون أخلاقي موضوعي.

6 – دون القانون الأخلاقي لا يمكنك أن تعرف الصواب والخطأ:

عندما أجريت مناظرة في موضوع الدين في المجال العام بين آلن درشويتس Alan Dershowit الذي يصف نفسه بأنه ملحد وآلن كيز Alan Keyes الكاثوليكي في أيلول/سبتمبر 2000 سأل أحد الحضور درشويتس قائلاً: «ما الذي يجعل الشيء صواباً؟»

أثنى درشويتس على السؤال ثم قال: «نحن نعرف الشر. فقد رأيناه». واستشهد بأمثلة واضحة على الشر مثل الهولوكوست والحروب الصليبية. ثم رمق درشويتس الحضور، ورفع صوته، وأعلن بنبرة واثقة: «الصواب ما هو الصواب! ولكني أعرف ما هو الخطأ!»

ثم بدأ يتحدث إلى الجمهور وكأنه يوبخهم قائلاً: «ولكن عندي شيء آخر أخبركم به يا جماعة. أنتم لا تعرفون ما هو الصواب! ففي اللحظة التي تظنون فيها أنكم تعرفون الصواب، لحظة ما تظنون أن عندكم إجابة لسؤال ما هو الصواب، تفقدون بعداً ثميناً جداً للنمو والتطور. فأنا لا أتوقع أبداً أن أعرف على وجه الدقة ما هو الصواب، ولكني أتوقع أن أكرس بقية حياتي لمحاولة اكتشافه». وهنا صفق بعض الحاضرين.

ولكن لم تتح الفرصة لكيز ليرد على إجابة دوشويتس. ولو أتيحت له الفرصة، لأطلق خطة “رودرنر” ليفضح حجة درشويتس التي تفند نفسها، فكان سيسأل درشويتس: «كيف تعرف الخطأ إلا إذا عرفت الصواب؟» فبالفعل لا يمكنك أن تعرف أن 5 هي الإجابة الخاطئة لمسألة 2+2 إلا إذا كنت تعرف الإجابة الصحيحة! وهكذا لا يستطيع درشويتس أن يعرف الخطأ الأخلاقي إلا إذا كانت عنده فكرة عن الصواب الأخلاقي.

وأثناء المناظرة لم يجد درشويتس مشكلة في التعبير عن غضبه الشديد تجاه أشياء يرى أنها خطأ أخلاقياً (أي القوانين المضادة للمثلية الجنسية، والقوانين المضادة للإجهاض، والعنصرية، والعبودية، والميثاق الأخلاقي للكشافة، والخلط بين الكنيسة والدولة…. إلخ). ولكنه عندما يزعم أن أشياء معينة خاطئة، يثبت بطبيعة الحال أن أشياء معينة صحيحة. فكل نفي يتضمن إثباتاً. فعندما يقول درشويتس بأن حظر الإجهاض خطأ (نفي)، لا بد أنه يعرف أن النساء لهن حق أخلاقي في الإجهاض (إثبات). ولكن دون القانون الأخلاقي، لا يستطيع درشويتس أن يبرر ذلك الموقف الأخلاقي ولا أي موقف أخلاقي آخر. فهو لا يزيد عن كونه رأيه الشخصي.

وإنه لخطأ فادح وغرور سافر أن يزعم بأنه ما من أحد في الحاضرين يعرف الصواب. فالمسيحيون غالباً ما ينتقدون لأنهم يقولون إن “عندهم الحق” ولكن ها هو درشويتس يقول إن عنده الحق الذي يقول إن لا أحد عنده الحق. ولكن حتى يعرف درشويتس أنه لا أحد عنده الحق، لا بد أن يعرف هو نفسه الحق.

وبعض النسبيين مشهورون بهذا النوع من الغرور الذي يفند نفسه. فهم يزعمون أنه ليس هناك حق، ولكنهم بعدئذ يطلقون مزاعمهم الخاصة بشأن الحق. فهم يزعمون أنهم لا يعرفون الصواب، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن قضاياهم السياسية صائبة. وهم ينكرون القانون الأخلاقي في جملة ثم يفترضونه في الجملة التالية.

7 – دون القانون الأخلاقي، تنتفي الأساسات الأخلاقية للاختلافات السياسية أو الاجتماعية:

إن الليبراليين السياسيين مثل آلن درشويتس والكثيرين في هوليوود مشهورون بمعارضتهم الأخلاقية للحرب، والقوانين المناهضة للإجهاض، والقوانين المناهضة للمثلية الجنسية، وخفض الضرائب، وتقريباً كل القضايا التي يؤيدها “اليمين الديني المحافظ”. ومشكلتهم أن الكثير منهم ملحدون، ومن ثم ليس عندهم أسس أخلاقية موضوعية للمواقف التي يؤيدونها بقوة. وذلك لأنه إن لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك موقف صائب أو خاطئ موضوعياً بخصوص أي قضية أخلاقية، بما في ذلك المواقف التي يتخذها الملحدون.

وبلا قانون أخلاقي، ليس هناك خطأ موضوعي في فرض أحدهم دينه بالقوة على الملحدين. ولا يكون هناك خطأ في اعتبار الإلحاد خروجاً على القانون، ومصادرة أملاك الملحدين وإعطائها لكل من بات روبرتسون[1] Pat Robertson وجري فولول[2] Jerry Falwell ولن يكون هناك خطأ في كراهية المثليين والاعتداء عليهم، أو العنصرية، أو الحروب الاستعمارية.

ولن يكون هناك خطأ في منع الإجهاض، وتنظيم النسل، والجنس بين الراشدين! أي أنه دون القانون الأخلاقي لا يكون عند الملحدين أسس أخلاقية يبنون عليها حججهم المؤيدة لقضاياهم السياسية المفضلة. فليس هناك حق في الإجهاض، ولا المثلية الجنسية.

ولا أي من مقدساتهم السياسية الأخرى لأنه في عالم لا يؤمن بالله ليس هناك حقوق. فما لم يعترف الملحدون بوجود الله وبأن قانونه الأخلاقي يبيح هذه الأنشطة أو يأمر بها. فمواقفهم لا تزيد عن استحسانات ذاتية. وليس هناك التزام أخلاقي على أي شخص ليتفق مع محض استحسانات، أو ليسمح للملحدين أن يفرضوها علينا تشريعياً[3].

فمما يثير السخرية أن الملحدين بتمردهم على القانون الأخلاقي يقوضون الأساس اللازم للتمرد على أي شيء. فالحقيقة أنه دون القانون الأخلاقي، لا يجد أي شخص أساساً موضوعياً لتأييد شيء أو مناهضته. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن القضايا التي تتضمن الحياة والحرية ليست مجرد استحسانات، أي أنها تتضمن حقوقاً أخلاقية فعلية، إذن القانون الأخلاقي موجود.

8 – لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه:

هل لاحظت أبداً أن الناس يوجدون أعذاراً للسلوك غير الأخلاقي؟ إن تقديم الأعذار هو اعتراف غير مباشر بوجود القانون الأخلاقي. فما الداعي لتقديم الأعذار إن لم يكن هناك سلوك غير أخلاقي؟

حتى قمة الفضائل في ثقافتنا اللاأخلاقية، ألا وهي قبول الآخر، تكشف عن القانون الأخلاقي لأن قبول الآخر نفسه مبدأ أخلاقي. فإن لم يكن هناك قانون أخلاقي، لماذا يجب على أي شخص أن يقبل الآخر؟ والحقيقة أن القانون الأخلاقي يدعونا أن نتجاوز قبول الآخر وصولاً إلى المحبة. فقبول الآخر ضعيف جداً، وذلك لأن قبول الآخر يقول سد مناخيرك واحتمله. ولكن المحبة تقول اذهب وساعده. فقبول الشر ليس من المحبة، إلا أن هذا ما يريدنا الكثير من أبناء ثقافتنا أن نفعله.

فضلاً عن ذلك، الدعوة للتقبل والاحتمال تمثل اعترافاً غير مباشر بأن السلوك الذي نحتمله هو سلوك خاطئ. لماذا؟ لأنك لا تحتاج أن تدعو الناس لتحمل السلوك الجيد، بل السيء فقط[4]. فأنت لا تحتاج أن تقنع أحداً بأن يتقبل سلوك الأم تريزا، ولكنك تحتاج أن تقنعه بتقبل سلوك بعض النسبيين. وكذلك، لا أحد يقدم أعذاراً عندما يتصرف مثل الأم تريزا، ولكننا لا نقدم الأعذار إلى عندما نتصرف عكس القانون الأخلاقي. ولو لم يوجد لما فعلنا ذلك.

المطلق مقابل النسبي: لماذا الخلط؟

إن كان هناك فعلاً قانون أخلاقي مطلق كما بينا بالحجة، فلماذا يؤمن العديد من الناس بنسبية الأخلاق؟ ولماذا يبدو أن العديد من الناس يتبنون قيماً مختلفة؟ منطقياً، يكمن السبب في العجز عن التمييز بين بعض الأمور المختلفة. فلنلق نظرة على تلك الاختلافات لإزالة الخلط:

الخلط 1: الأخلاق المطلقة مقابل السلوك المتغير

من الأخطاء الشائعة عن النسبيين أنهم يخلطون بين السلوك والقيمة. أي أنهم يخلطون بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. فما يفعله الناس عرضة للتغير، ولكن ما يجب أن يفعلون لا يتغير. وهذا هو الفرق بين علم الاجتماع والأخلاق. فعلم الاجتماع وصفي descriptive، في حين أن الأخلاق توجيهية Prescriptive.

وهو ما يعني أن النسبيين غالباً ما يخلطون بين الموقف السلوكي المتغير والواجب الأخلاقي الثابت. فمثلاً، عند مناقشة موضوع أخلاقي مثل الجنس قبل الزواج أو عيش رجل وامرأة معاً دون زواج، غالباً ما تسمع الناس المؤيدين له يقولون شيئاً من قبيل «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين»، وكأن السلوكيات الحالية تحدد الصواب والخطأ.

وحتى تبين عبثية التفكير النسبي، ليس عليك إلا أن تحول المناقشة إلى قضية أخلاقية أخطر مثل القتل، الذي ازدادت معدلاته أيضاً في أمريكا اليوم عنها منذ خمسين سنة. فكم عدد النسبيين الذين سيؤيدون القتل بأن يقولوا لنا «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين». إن هذا ما يوصلهم إليه تفكيرهم عندما يخلطون بين ما يفعله الناس وما يحب أن يفعلون.

ويتضح جانب آخر من مغالطة ما هو كائن وما يجب أن يكون عندما يقول الناس إنه ليس هناك قانون أخلاقي لأن الناس لا يطيعونه. طبعاً الجميع يعصون القانون الأخلاقي بنسبة ما، بدءًا من الكذب الأبيض وانتهاءً بالقتل. إلا أن هذا لا ينفي وجود قانون أخلاقي ثابت. ولكنه يعني ببساطة أننا جميعاً ننتهكه. فالجميع يرتكبون أخطاء في الرياضيات، إلا أن هذا لا ينفي وجود قواعد رياضية ثابتة.

الخلط 2: الأخلاق المطلقة مقابل الفهم المتغير للحقائق

هناك خطى آخر بين وجود قيمة أخلاقية مطلقة وفهم الحقائق المستخدمة في تطبيق تلك القيمة. فمثلاً أشار سي. إس. لويس إلى أنه في أواخر القرن الثامن عشر كان يحكم على الساحرات كالقتلة. ولكن هذا لا يحدث الآن. والنسبي ستكون حجته: «أرأيت؟ قيمنا الأخلاقية تغيرت لأننا لم نعد نقتل الساحرات. الأخلاق النسبية حسب الزمن والثقافة».

إلا أنه زعم خاطئ. فما تغير ليس المبدأ الأخلاقي الذي مفاده أن القتل خطأ بل إدراك أو فهم الحقائق بخصوص ما إذا كانت “الساحرات” تستطعن فعلاً أن تقتلن الناس بلعناتهن أم لا. فالناس لم يعودوا يعتقدون أن الساحرات قادرات على ذلك. ومن ثم فالناس لم يعودوا يتعبرونهن قتلة. أي أن إدراك الموقف الأخلاق نسبي (ما إذا كانت الساحرات قاتلات فعلاً أم لا)، ولكن القيم الأخلاقية المتضمنة في الموقف ليست نسبية (القتل كان دائماً خطأ وسيظل دائماً خطأ).

والعجز عن التفريق بين الإثنين يؤدي بالناس أيضاً إلى الاعتقاد بأن الاختلافات الثقافية تعكس اختلافات جوهرية في القيم الأخلاقية. فمثلاً، يعتقد البعض أنه بما أن الهندوس يقدسون البقر والأمريكيين يأكلونه. إذن هناك اختلاف جوهري بين القيم الأخلاقية عند الأمريكيين والهندوس. ولكن سبب تقديس الهندوس للبقرة لا يمت بصلة لقيمة أخلاقية جوهرية، ولكنه مرتبط باعتقادهم الديني المختص بتناسخ الأرواح. فالهنود يعتقدون أن البقر قد يحمل أرواح بشر موتى، لذلك لا يأكلونه.

ولكننا في الولايات المتحدة لا نؤمن أن أرواح موتانا قد تسكن في البقر. لذلك نأكل البقر بحرية. وفي التحليل النهائي، ما يظهر أنه اختلاف أخلاقي هو في الواقع اتفاق، فكلانا يؤمن أن أكل الجدة خطأ! فالقيمة الأخلاقية الجوهرية التي تقول إنه من الخطأ أن تأكل جدتك يعتبرها أبناء الثقافتين قيمة مطلقة. ولكنهم يختلفون فقط فيما إذا كانت روح الجدة في البقرة أم لا! فأهل الثقافتين يختلفون في إدراكهم للحقائق المتصلة بالقيمة الأخلاقية، ولكنهم يتفقون جوهرياً على ضرورة احترام القيمة الأخلاقية.

الخلط 3: الأخلاقيات المطلقة مقابل تطبيقها على مواقف بعينها

كما رأينا ردود أفعال الناس تعرفهم الصواب من الخطأ أكثر من أفعالهم. فعندما يقع الناس ضحايا سلوك سيء، لا يجدون صعوبة في فهم أن السلوك خاطئ على نحو مطلق. ولكن حتى إن انتهت ضحيتان إلى الاختلاف على أخلاقية فعل بعينه. هذا ما يعنى أن الأخلاق نسبية. لأنه يمكن أن يوجد قانون أخلاقي مطلق حتى إن عجز الناس عن معرفة الفعل الصائب الذي يجب عمله في موقف بعينه.

فكر في المعضلة الأخلاقية التي غالباً ما يستخدمها أساتذة الجامعات ليجعلوا طلابهم يؤمنون بالنسبية: هناك خمسة أشخاص على قارب نجاة لا يكفي إلا لأربعة. فإن لم يلق أحدهم في الماء، سيموت الجميع. ويبذل الطلاب قصارى جهدهم لحل المعضلة ويتوصلون لقرارات مختلفة، وأخيراً يستخلصون أن اختلافهم يثبت أن الأخلاق لا بد أن تكون نسبية.

إلا أن المعضلة في الواقع تثبت العكس، ألا وهو أن الأخلاق مطلقة. كيف؟ لأنه لو كانت الأخلاق نسبية لما كانت هناك معضلة أصلاً! لو كانت الأخلاق نسبية ولو لم يكن هناك حق مطلق في الحياة، لقلت: «ليكن ما يكون! ارموا الجميع من القارب! لا يهم». إن سبب صعوبة المعضلة هو أننا نعلم قيمة الحياة.

ورغم أن الناس يخطئون فهم المواقف المعقدة، فهم لا يخطئون في الأساسيات. فمثلاً، الجميع يعرفون أن القتل خطأ. هتلر كان يعرف ذلك. لذلك كان عليه أن ينزع صفة الإنسانية عن اليهود حتى يبرر قتله لهم. وحتى آكلو لحوم البشر يبدو أنهم يعرفون أن قتل البشر الأبرياء خطأ.

صحيح أنهم قد يعتقدون أن أفراد القبائل الأخرى ليسوا بشراً. ولكن الاحتمال الأكبر أنهم يعتبرونهم بشراً. وإلا، كما يشير ج. بودجنشفسكي. لماذا يؤدي “آكلو لحوم البشر” طقوساً تكفيرية معقدة قبل قتل الناس؟ فما كانوا ليؤدوا هذه الطقوس إلا إذا كانوا يعتقدون أن هناك خطأ ما فيما سيفعلون.

إذن الأساسيات واضحة، حتى وإن كانت بعض المشكلات الصعبة ليست بهذا الوضوح. علاوة على ذلك، وجود مشكلات صعبة في الأخلاق لا ينفي وجود قوانين أخلاقية موضوعية، تماماً كما أن المشكلات الصعبة في العلم لا تنفي وجود قوانين طبيعية موضوعية. فعندما يواجه العلماء مشكلة صعبة في العالم الطبيعي (أي عندما يصعب عليهم معرفة الإجابة) لا ينكرون وجود عالم موضوعي. ويجب ألا ننكر وجود الأخلاق لمجرد أننا نجد صعوبة في معرفة الحل في بضعة مواقف صعبة.

فكما أن العلم يحوي مشكلات سهلة وأخرى صعبة، كذلك الأخلاق. والإجابة عن سؤال علمي بسيط مثل “لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟” تثبت وجود قانون طبيعي واحد أو قوة طبيعية واحدة على الأقل (أي الجاذبية).

وكذلك الإجابة الصادقة على سؤال أخلاقي بسيط مثل “هل القتل مبرر؟” تثبت وجود قانون أخلاقي واحد على الأقل (أي: لا تقتل). فإن وجد واجب أخلاقي واحد فقط (مثل لا تقتل، أو لا تغتصب، أو لا تعذب الرضع)، إذن القانون الأخلاقي موجود. وإن كان القانون الأخلاقي موجوداً، إذن مشرع القانون الأخلاقي موجود.

الخلط 4: أمر مطلق (ما) مقابل ثقافة نسبية (كيف)

هناك فارق آخر مهم، غالباً ما يتجاهله دعاة النسبية الأخلاقية بين الطبيعة المطلقة للأمر الأخلاقي والطريقة النسبية التي يتكشف بها ذلك الأمر في الثقافات المختلفة. فمثلاً، كل الثقافات عندها نوع من التحية، وهو تعبير عن المحبة والاحترام. إلا أن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها في شكل تلك التحية. ففي الثقافات تكون قبلة، وفي ثقافات أخرى حضن، وفي ثقافات أخرى مصافحة أو انحناءة. فما يجب فعله مشترك بين كل الثقافات، ولكن كيف يجب فعله يختلف بين الثقافات. والعجز عن إدراك هذا الفرق يضلل الكثيرين فيعتقدون أن اختلاف ممارسات الناس يعني اختلاف قيمهم. إلا أن القيمة الأخلاقية مطلقة، ولكن كيفية ممارستها نسبية.

الخلط 5: الأخلاق المطلقة مقابل الاختلافات الأخلاقية

غالباً ما يشير النسبيون إلى قضية الإجهاض، وهي قضية خلافية ليبينوا أن الأخلاق نسبية. فالبعض يرى أن الإجهاض مقبول، في حين أن البعض الآخر يعتبره قتلاً. إلا أن اختلاف الآراء حول الإجهاض لا يعني نسبية الأخلاق.

وفي الحقيقة أن الخلاف حول قضية الإجهاض برمته، لا يعتبر مثالاً على نسبية القيم الأخلاقية، بل إن الخلاف يرجع أساساً إلى أن كل جانب يدافع عما يرى أنه قيمة أخلاقية مطلقة: ألا وهو حماية الحياة والسماح بالحرية (أي السماح للمرأة أن “تتحكم في جسدها”). ولكن الجدل يدور حول أي القيمتين تمس (أو لها الأولوية في) قضية الإجهاض. فلو لم يكن الجنين كائناً بشرياً، إذن يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحرية.

ولكن بما أن الجنين هو فعلاً كائن بشري، يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحياة؛ لأن حق الشخص في الحياة يَجُبّ حق شخص آخر في الحرية الشخصية. (فالجنين ليس مجرد جزء من جسد المرأة، ولكن هو أيضاً له جسده بشفرته الوراثية الفريدة، وفصيلة دمه، ونوعه). حتى إن كنا في شك بشأن الوقت الذي فيه تبدأ الحياة، يجب أن هذا الشك يرجح كفة حماية الحياة، فالعقلاء لا يطلقون النيران إلا إذا كانوا متأكدين على نحو مطلق أنهم لا يقتلوا إنساناً بريئاً.

تذكر أن رد فعلنا لممارسة بعينها يكشف معتقداتنا الحقيقية عن أخلاقية الممارسة. قد ذكر رونالد ريجان Ronald Reagan ملاحظة ذكية قائلاً: «لقد لاحظت أن كل من يؤيدون الإجهاض هم من المولودين». فعلاً، كل مناصري الإجهاض سيتحولون فوراً إلى مناصرين للحياة لو عادوا إلى الرحم. فرد فعلهم لاحتمالية تعرضهم للقتل سيذكرهم أن الإجهاض خاطئ تماماً.

وبالطبع معظم الناس يعرفون في أعماق قلوبهم أن الطفل الذي لم يولد بعد هو إنسان، ومن ثم يعرفون أن الإجهاض خطأ. وحتى بعض النشطاء المؤيدين للإجهاض يعترفون أخيراً بذلك[5]. ولذا، في النهاية هذا الخلاف الأخلاقي لا يرجع إلى نسبية الأخلاق ولا إلى غموض القانون الأخلاقي.

ولكن هذا الخلاف الأخلاقي موجود لأن البعض يخمدون القانون الأخلاقي ليبرروا ما يريدون فعله. وهو ما يعني أن تأييد الإجهاض مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية (للاطلاع على تناول أكثر تفصيلاً لهذا الموضوع وغيره من الموضوعات الأخلاقية، رادع كتابنا بعنوان “تشريع الأخلاق”).

الخلط 6: غايات مطلقة (قيم) مقابل وسائل نسبية

غالباً ما يخلط النسبيون الأخلاقيون بين الغاية (القيمة نفسها) ووسيلة بلوغ تلك الغاية والكثير من النزاعات السياسية تقع في هذه الفئة. ففي بعض القضايا (لا كلها طبعاً) الليبراليون والمحافظون يريدون أشياء واحدة، أي غايات واحدة، ولكنهم يختلفون في أفضا الوسائل لإدراك تلك الغايات.

فمثلاً، بخصوص الفقراء، يعتقد الليبراليون أن المعونات الحكومية أفضل وسيلة لمساعدتهم. ولكن بما أن المحافظين يعتقدون أن هذه المعونات تخلق نوعاً من الاعتمادية، فهم يفضلون خلق فرص اقتصادية حتى يساعد الفقراء أنفسهم. لاحظ أن الغاية واحدة (مساعدة الفقراء)، ولكن الوسيلة مختلفة.

وكذلك كل من مؤيدي الحرب ومؤيدي السلم يرغبون في السلام (الغاية)؛ ولكنهم ببساطة يختلفون حول ما إذا كان الجيش القوي هو أفضل وسيلة لتحقيق هذا السلام أم لا. فكلاهما يتفقان على الغاية المطلقة، ولكنهما يختلفان في الوسيلة النسبية لتحقيقها.

القانون الأخلاقي: ماذا يقول عنه الداروينيون؟

إذن الدليل على القانون الأخلاقي معقول، والاعتراضات عليه تخطئ الهدف. فكيف يتعامل الداروينيون إذن مع مسألة الأخلاق؟ في الواقع معظم الداروينيين يتجنبون الموضوع نهائياً. لماذا؟ لأنه ليس من السهل أن يفسروا وجود صواب وخطأ موضوعيين (وهو ما يعرفه حتى الداروينيين في قلوبهم) إلا إذا كان هناك مشرع للقانون الأخلاقي.

إلا أن الدارويني إدوارد أو. ويلسون Edward O. Wilson يعد استثناء لافتاً للنظر. فهو يزعم أن حسنا الأخلاقي تطور كما تطورنا نحن، أي بالانتخاب الطبيعي. وبينما يعترف ويلسون أن «التقدم الذي تحقق لاستكشاف الحس الأخلاقي بطرق بيولوجية ضعيف جداً»، يؤكد أن العملية البيولوجية لانتقال الجينات من الآباء إلى الأبناء «عبر آلاف الأجيال أنشأت حتماً الأحكام الأخلاقية». أي أن الأخلاق تتحدد مادياً ووراثياً. وهي تقوم على مشاعر أو نزعات فطرية موروثة، لا على مقياس موضوعي للصواب والخطأ. ولكننا رأينا عجز الانتخاب الطبيعي عن تفسير الأشكال الجديدة من الحياة (الفصل السادس). وسنرى بعد قليل أن الانتخاب الطبيعية عاجز كذلك عن تفسير “الأحكام الأخلاقية” الكامنة في تلك الأشكال الجديدة من الحياة.

أولاً، الداروينية تؤكد أنه ليس هناك إلا المادة، ولكن المادة لا تحوي أخلاقاً. فما وزن الكراهية؟ وهل الحب له ذرة؟ وما التركيب الكيميائي لجزيء القتل؟ إنها أسئلة بلا معنى لأن الجسيمات الفيزيائية ليست مسؤولة عن الأخلاق. فإن كانت المواد هي المسؤول الوحيد عن الأخلاق، إذن هتلر لم تكن عليه أي مسؤولة أخلاقية عما فعل، كل المشكلة أن جزيئاته كانت رديئة. هذا كلام فارغ، والجميع يعلم ذلك.

فالأفكار البشرية والقوانين الأخلاقية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان ليس أشياء مادية، مثلها مثل قوانين المنطق والرياضيات. فهي كيانات غير مادية لا يمكن أن توزن ولا أن تقاس فيزيائياً. ونتيجة لذلك، لا يمكن تفسيرها بلغة مادية عن طريق الانتخاب الطبيعي أو غيره من الوسائل الإلحادية.

ثانياً، لا يمكن أن تكون الأخلاق مجرد فطرة كما يرجح ويلسون لأن: 1) لدينا نزعات فطرية متصارعة، 2) غالباً ما يكون هناك شيء آخر يقول لنا أن نتجاهل الفطرة الأقوى حتى نفعل شيئاً أنبل. فمثلً، إن تعرض شخص لسرقة بالإكراه وسمعته يستغيث طالباً النجدة، قد تكون فطرتك الأقوى أن تظل في الأمان ولا “تورط نفسك”، وفطرتك الأضعف (إن جاز أن نسميها هكذا) تميل إلى المساعدة. وهو ما يعبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:

ولكنك ستجد بداخلك، إضافة إلى هاتين النزعتين، شيئاً ثالثاً يخبرك بأنه ينبغي عليك أن تتبع النزعة إلى المساعدة، وأن تقمع النزعة إلى الهروب. هذا الشيء الذي يحكم بين النزعتين، الذي يقرر أي النزعتين يجب تعزيزها، لا يمكن أن يكون هو نفسه أياَ منهما. وإلا نقول أيضاً أن النوتة الموسيقية التي تخبرك في لحظة معينة أن تعزف نغمة معينة على البيانو دون غيرها، هي نفسها إحدى النغمات الموجودة على أصابع البيانو. إن القانون الأخلاقي يخبرنا بالنغمة التي يجب أن نعزفها، ونزعاتنا الفطرية هي مجرد أصابع البيانو.

ثالثاً، يقول ويلسون إن الأخلاق الاجتماعية تطورت لأن تلك الأخلاق “المتعاونة” ساعدت البشر على أن يبقوا على قيد الحياة معاً. إلا أن هذا يفترض غاية للتطور، ألا وهي البقاء، في حين أن الداروينية بطبيعتها لا غاية لها لأنها عملة غير ذكية.

وحتى إن قبلنا أن البقاء هو الغاية، لا يمكن للداروينيين أن يفسروا ما يقوم به الناس من سلوكيات تدمرهم رغم معرفتهم بذلك (مثل التدخين، وإدمان الخمور والمخدرات، والانتحار…. إلخ) ولا يمكن للداروينيين أيضاً أن يفسروا قمع الناس غالباً لنزعتهم الفطرية نحو البقاء في سبيل مساعدة الآخرين، حتى إن تطلب الأمر التضحية بحياتهم في بعض الأحيان[6]، وكلنا نعرف أن هناك أنبل من مجرد البقاء على قيد الحياة: الجنود يضحون بأنفسهم من أجل بلادهم، والآباء والأمهات من أجل أبنائهم، وإن كانت المسيحية صحيحة، فالله ضحى بابنه من أجلنا.

رابعاً، ويلسون وغيره من الداروينيين يفترضون أن البقاء شيء “خير”، ولكن ليس هناك خير حقيقي دون القانون الأخلاقي الموضوعي. وفي الواقع هذه هي مشكلة الأنظمة الأخلاقية البراجماتية والنفعية التي تقول “افعل ما ينفع” أو “افعل ما يجلب الخير الأعظم” افعل ما ينفع في تحقيق غاية مَنْ، غاية الأم تريزا أم غاية هتلر؟ افعل ما يجلب الخير الأعظم بناء على تعريف من للخير، الأم تريزا أم هتلر؟ إن هذه الأنظمة الأخلاقية لا بد أن تختلس لنفسها خفية القانون الأخلاقي لتعريف الغايات التي يجب أن نعمل على تحقيقها ولتعريف “الخير” الأعظم.

خامساً، الداروينيون يخلطون بين كيفية معرفة المرء للقانون الأخلاقي ووجود القانون الأخلاقي. حتى إن كنا نعرف بعض “أحكامنا الأخلاقية” نتيجة للعوامل الوراثية أو البيئية، هذا لا يعني عدم وجود قانون أخلاقي موضوعي خارجنا.

برز هذا الموضوع في المناظرة بين بيتر آتكينز ووليم لين كريج. فقد زعم آتكينز أن الأخلاق تطورت من الوراثة ومن “أمخاخنا الضخمة”. ولكن كريج أصاب في إجابته قائلاً: «إن هذا الكلام يبين، في أفضل الأحوال، كيف تكتشف القيم الأخلاقية، ولكنه لا يبين أن تلك القيم مخترعة». مؤكد أنه من الممكن أن أرث قدرات رياضية من أمي وأتعلم منها جدول الضرب، ولكن قوانين الرياضيات موجودة بغض النظر عن كيفية معرفتي بها. وكذلك، الأخلاق موجودة بصرف النظر عن الكيفية التي نعرفها بها.

وأخيراً، الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا لماذا يجب على أي شخص أن يطيع أي “حكم أخلاقي” يقوم على البيولوجيا. لماذا يجب على الناس ألا يقتلوا، أو يغتصبوا، أو يسرقوا ليحصلوا على ما يريدون إن لم يكن هناك أي شيء أبعد من هذا العالم؟ لماذا يجب على القوي أن “يتعاون” مع الضعيف رغم أن القوي يستطيع أن يبقى على قيد الحياة مدة أطول باستغلال الضعيف؟ وعلى أي حال، التاريخ زاخر بمجرمين ودكتاتوريين أطالوا حياتهم لأنهم تحديداً عصوا كل “الأحكام الأخلاقية” بقمع خصومهم القضاء عليهم.

الأفكار لها عواقب

إن كان الداروينيون على حق في أن الأخلاق تنبع من مصدر طبيعي، إذن الأخلاق ليست موضوعية ولا مطلقة، لأنه إن لم يكن هناك إله وإن كان البشر قد تطوروا من مادة لزجة، إذن وضعنا الأخلاقي لا يرقى عن المادة اللزجة؛ لأنه ليس هناك شيء أبعد منا يغرس فينا أخلاقاً موضوعية أو كرامة.

وقد أدرك الداروينيون وأتباعهم مضامين هذه الفكرة. وفي الواقع استخدم أدولف هتلر Adolf Hitler نظرية داورين كتبرير فلسفي للهولوكوست. وقد سطر في كتابه المنشور سنة 1924 بعنوان Mein Kampf “كفاحي” هذه الكلمات:

إن كانت الطبيعة لا ترغب في أن الضعفاء يخالطون الأقوياء، فهي ترفض أن جنساً أرقى يختلط بجنس أدنى. وذلك لأنه في هذه الحالة كان ما بذلته من جهود على مدى مئات الآلاف من السنين لتأسيس مرحلة تطورية أعلى في الكينونة سيذهب أدراج الرياح.

إلا أن هذه الحماية تسير جنباً إلى جنب مع القانون الجارف الذي يقضى بانتصار الأقوى والأفضل وبحقه في البقاء. فمن أراد العيش عليه أن يحارب. ومن لا يرغب في أن يحارب في هذا العالم، حيث الكفاح المستمر هو قانون الحياة، لا حق له في الوجود.

هتلر، مثل غيره من الداروينيين، يشخصن الطبيعة دون وجه حق بأنه ينسب لها الإرادة (أي “الطبيعة لا ترغب”). وفكرته الرئيسية هي أن هناك أجناساً أرقى وأجناساً أدنى. واليهود بما أنهم جنس أدنى، لا حق لهم في الوجود إن كانوا لا يرغبون في الحرب. أي أن العنصرية ثم الإبادة الجماعية هي التداعيات المنطقية للداروينية. ومن ناحية أخرى، المحبة ثم التضحية بالذات هي التداعيات المنطقية للمسيحية. الأفكار لها عواقب.

لقد انكشفت العنصرية المرتبطة بالتطور أثناء “محاكمة سكوبس في قضية القرد” الشهيرة سنة 1925. فكتاب الأحياء المقرر على المدرسة الثانوية الذي تسبب في المحاكمة كان يتكلم عن خمسة أجناس من البشر، وخَلُص إلى أن الجنس “القوقازي” هو “أرقى الأنواع جميعاً[7]”. وهو يتناقض طبعاً بشكل مباشر مع تعليم الكتاب المقدس (تك 1: 27؛ أع 17: 26، 29؛ غل 3: 28). وهو يتناقض أيضاً مع ما يؤكده إعلان الاستقلال (“كافة البشر مخلوقون سواسية”).

وفي زمن أقرب، استخدم بيتر سينجر Peter Singer الدارويني والأستاذ في جامعة برينستون Princeton الداروينية ليؤكد أن «حياة المولود الجديد أقل قيمة من حياة الخنزير، أو الكلب، أو الشمبانزي». نعم ما قرأته قيل بالفعل.

ما عواقب أفكار سينجر الداروينية الصادمة؟ إنه يعتقد أن الآباء والأمهات يجب أن يمكنهم قتل أطفالهم حديثي الولادة حتى سن 28 يوماً! وهذه المعتقدات تتفق اتفاقاً تاماً مع الداروينية. فإن كنا جميعاً نشأنا من مادة لزجة، فلا أساس للقول بأن البشر أفضل أخلاقياً من أي سلالة أخرى. ولكن السؤال الوحيد هو لماذا نُحد قتل الأطفال بسن 28 يوماً، أو 28 شهراً، أو 28 سنة؟ إن لم يكن هناك مشرع للقانون الأخلاقي، فليس هناك خطأ في القتل في أي عمر.

وطبعاً الداروينيون أمثال سينجر قد يرفضون هذه النتيجة، ولكنهم لا يملكون أساساً موضوعياً للرفض إلا إذا تمكنوا من الاحتكام إلى مقياس أعلى منهم، ألا وهو مشرع القانون الأخلاقي.

وجيمز ريتشلز James Rachels مؤلف كتاب “مخلوقون من الحيوانات: المضامين الأخلاقية للداروينية” Created from Animals: The Moral Implication of Darwinism يدافع عن الموقت الدارويني الذي مفاده أن النوع البشري ليس له قيمة في ذاته تفوق أي نوع آخر. وقد كتب ريتشلز عن ذوي الإعاقة الذهنية قائلاً:

ماذا نقول عنهم؟ الاستنتاج الطبيعي وفقاً للتعليم الذي نحن بصدده [الداروينية] يقول إن مركزهم يتساوى مع الحيوانات. وريما يجب أن نستخلص أيضاً أنه يمكن استخدامهم كما نستخدم الحيوانات غير البشرية. ربما كفئران تجارب، أو كغذاء؟

على قدر بشاعة هذا الكلام، أي استخدام ذوي الإعاقة الذهنية كفئران تجارب أو غذاء، إلا أن الداروينيين لا يستطيعون أن يقدموا سبباً أخلاقياً لعدم جواز استخدام أي كائن بشري على هذا النحو. فالداوينيون لا يستطيعون أن يدينوا التجارب التي تشبه التجارب النازية لأن العالم الدارويني لا يحوي مقياساً أخلاقياً موضوعياً.

ومؤخراً كتب داروينيان آخران، هما راندي ثورنهيل Randy Thornhill وكريج بالمر Craig Palmer كتاباً يؤكد أن الاغتصاب عاقبة طبيعية للتطور. فهما يعتقدان أن الاغتصاب “ظاهرة طبيعية بيولوجية ناتجة عن الإرث التطوري البشري” بالضبط مثل “رقط النمر وعنق الزرافة الطويل”.

ورغم أن هذه الاستنتاجات الداروينية عن القتل والاغتصاب صادمة بحق، يجب ألا تكون مفاجئة لأي شخص يفهم التداعيات الأخلاقية للداروينية، لماذا؟ لأنه طبقاً للداروينيين كل السلوكيات تحدد وراثياً. ورغم أن بعض الدارونيين قد يختلفون مع فكرة أن القتل والاغتصاب ليسا خطأ (تحديداً لأن القانون الأخلاقي يخاطبهم في ضمائرهم). فتلك الاستنتاجات هي النتيجة الحتمية لمنظورهم الفلسفي للحياة.

لأنه إن كان كل ما هنالك هو الأشياء المادية، إذن القتل والاغتصاب ليسا إلا نتائج التفاعلات الكيميائية في مخ الجاني التي تنشأ عن الانتخاب الطبيعي. علاوة على ذلك، القتل والاغتصاب لا يمكن أن يكونا خطأ موضوعياً (أي ضد القانون الأخلاقي) لأنه إن لم يكن هناك إلا المواد الكيميائية. فليس هناك قوانين. فالقوانين الأخلاقية الموضوعية تتطلب مشرعاً للقانون متجاوزاً لحدود الزمان والمكان، ولكن المنظور الدارويني للحياة استبعده مقدماً.

لذا، الداروينيون المتسقون مع هذا المنظور لا يمكنهم إلا أن يعتبروا أن استهجان القتل والاغتصاب مجرد رأي شخصي، وأنها لا يمثلان أخطاء أخلاقية حقيقية.

ولفهم ما يكمن وراء التفسير الدارويني للأخلاق، علينا أن نميز بين التأكيد assertion والحجة argument. التأكيد يقرر استنتاجاً، أما الحجة تقرر الاستنتاج ثم تؤيده بالدليل. والداروينيون يقدمون تأكيدات، لا حججاً. فليس هناك أدلة تجريبية ولا جنائية على أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يفسر الأشكال الجديدة للحياة، فكم بالحري الأخلاق. والداروينيون يؤكدون ببساطة أن الأخلاق تطورت طبيعياً لأنهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً.

وهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً، لا لأن عندهم أدلة على هذا الاعتقاد. ولكن لأنهم استبعدوا المسببات الذكية مقدماً. لذلك، التفسير الدارويني للأخلاق يضاف إلى سلسلة القصص التي “بلا دليل” التي تقوم على القياس الدائري والافتراضات الفلسفية المسبقة الخاطئة.

الملخص والخلاصة

عندما نقدم حلقتنا النقاشية بعنوان “الاثنتا عشرة نقطة التي تثبت صحة المسيحية”، نجد أن العبارتين التاليتين عن الأخلاق تجذب انتباه الحاضرين فوراً:

إن لم يكن هناك إله، فما فعله هتلر كان مجرد مسألة رأي!

إن كان شيء واحد على الأٌقل خطأ حقيقياً من الناحية الأخلاقية، كأن نقول إن تعذيب الرضع خطأ، أو إن اختراق المباني عمداً بالطائرات التي تقل أبرياء خطأ، إذن الله موجود.

هاتان الجملتان تساعدان الناس على إدراك أنه بدون مصدر موضوعي للأخلاق، كل ما ندعوه قضايا أخلاقية ليس إلا استحسان شخصي. هتلر كان يحب أن يقتل الناس، والأم تريزا كانت تحب أن تساعدهم. فإن لم يكن هناك مقياس أعلى من هتلر والأم تريزا، إذن ليس هناك مصيب ولا مخطئ بحق، ولكنها آراء شخصية عكس بعضها البعض.

ولحسن الحظ أنه، كما رأينا، هناك مقياس أخلاقي حقيقي أعلى من البشر. وقد كتب سي. إس. لويس «البشر في جميع أنحاء البسيطة يعرفون هذه الفكرة الغريبة التي مفادها أنه يجب عليهم أن يسلكوا وفقاً لهذه الطريقة. فهم يعرفون قانون الطبيعة ولكنهم يكسرونه. هاتان الحقيقتان هما أساس كل تفكيرنا الواضح عن أنفسنا وعن الكون الذي نعيش فيه».

ونتمنى أن نكون قد قمنا بشيء من التفكير الواضح في هذا الفصل. وإليك ملخص ما تناولناه:

  1. هناك مقياس مطلق للصواب والخطأ مكتوب على قلوب كافة البشر. الناس قد ينكرونه وقد يخمدونه، وأفعالهم قد تناقضه، ولكن ردود أفعالهم تكشف أنهم يعرفونه.
  2. النسبية خاطئة. فالبشر لا يحددون الصواب والخطأ، ولكننا نكتشف الصواب والخطأ. فلو كان البشر يحددون الصواب والخطأ، لكان “على صواب” أي شخص يؤكد أن الاغتصاب والقتل والهولوكوست أو أي شر آخر ليس خطأ. ولكننا نعرف حدسياً أن تلك الأفعال خاطئة من خلال ضمائرنا التي تعكس القانون الأخلاقي.
  3. هذا القانون الأخلاقي لا بد أن يكون له مصدر أعلى منا لأنه أمر توجيهي منقوش على قلوب جميع البشر. وبما أن الأوامر دائماً ما يكون لها آمر يصدرها، أي أنها لا تنشأ من الفراغ، فالآمر الذي أصدر القانون الأخلاقي (الله) لا بد أن يكون موجوداً.
  4. هذا القانون الأخلاقي هو مقياس الله للصواب، وهو يساعدنا أن نحكم في الآراء الأخلاقية المختلفة التي يتبناها الناس. ودون مقياس الله، لا يبقى لنا إلا هذه الآراء البشرية. ولكن القانون الأخلاقي هو المقياس النهائي الذي يقاس به كل شيء. (في اللاهوت المسيحي القانون الأخلاقي هو طبيعة الله نفسها. وهو ما يعنى أن الأخلاق ليست اعتباطية، إنها ليست “افعل هذا ولا تفعل ذاك لأني أنا الله وأنا أقول ذلك”. لا، الله لا يخترع قواعد بقرارات فجائية. ولكن مقياس الصواب هو ذات طبيعة الله نفسه: عدالة بلا حدود ومحبة بلا حدود.
  5. رغم أن الاعتقاد الشائع هو أن كل الأخلاق نسبية، فالقيم الأخلاقية الجوهرية مطلقة. وهي تتجاوز الثقافات. والتشوش حول هذا الأمر غالباً ما يقوم على سوء فهم أو سوء تطبيق المطلقات الأخلاقية، لا على رفض حقيقي لها. وهو ما يعني أن القيم الأخلاقية مطلقة حتى إن كان فهمنا لها أو للظروف التي يجب تطبيقها فيها ليس مطلقاً.
  6. الملحدون لا يملكون أساساً حقيقياً للصواب والخطأ الموضوعيين. وهو ما لا يعني أن الملحدين ليس أخلاقيين أن أنهم لا يعرفون الصواب من الخطأ. بل على العكس، الملحدون يستطيعون أن يعرفوا الصواب من الخطأ، وهم يعرفونه بالفعل لأن القانون الأخلاقي منقوش على قلوبهم كما على قلوب سائر البشر أجمعين. ولكنهم بينما يعتقدون في الصواب والخطأ الموضوعيين، لا يجدون وسيلة لتبرير هذا المعتقد (إلا إذا اعترفوا بمشرع للقانون الأخلاقي، وعندئذ لا يكونون ملحدين).

وفي النهاية لا يمكن للإلحاد أن يبرر صواب أو خطأ أي شيء من الناحية الأخلاقية. فهو لا يستطيع أن يضمن حقوق الإنسان ولا العدالة النهائية في الكون. فلكي تكون ملحداً، ملحداً متسقاٌ مع مبادئه، عليك أن تؤمن أنه لا خطأ حقيقي في القتل، ولا الاغتصاب، ولا الإبادة الجماعية، ولا التعذيب، ولا غير ذلك من سائر الأفعال الوحشية. ولكنك بالإيمان عليك أن تصدق أنه لا فرق أخلاقي بين القاتل والمرسل.

ولا بين المدرس والإرهابي، ولا بين الأم تريزا وهتلر. أو بالإيمان عليك أن تصدق أن المبادئ الأخلاقية الحقيقية نشأت من لا شيء. وبما أنه واضح أن هذه المعتقدات غير منطقية، فلسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.

 

[1] مؤسس إذاعة مسيحية باسم “الشبكة الإذاعية المسيحية” Christian Broadcasting Network وهو رجل أعمال وسياسي وكاتب وناشط في العمل الإنساني (http://www.patribertson.com/index.asp)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).

[2] مؤسس منظمة سياسية باسم “الأغلبية الأخلاقية” Moral Majority لدعم القيم الأخلاقية المحافظة، ومبشر تلفزيوني توفي 2007 (http://www.britannica.com/biography/Jerry-Falwell)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).

[3] خلافاً للفكرة الشائعة، فإن الملحدين كغيرهم من العاملين بالسياسة يحاولون تشريع الأخلاق. وكتابنا “تشريع الأخلاق” يتناول هذا الموضوع بالتفصيل Frank Turek and Norman Geisler, Legislating Morality [Eugene. Ore.: Wipf & Stock, 2003. صدر سابقاً عن دار نشر Bethany, 1998.

[4] الكلمة الإنجليزية التي ترجمناها في هذا الكتاب إلى “قبول الآخر” (وهي ترجمة شائعة لها) هي tolerance ومن معانيها اللغوية: القدرة على احتمال شيء غير مسر دون التضرر منه. لذلك فضلنا ترجمتها هنا إلى “تقبل واحتمال” لتناسب المعنى المقصود في هذا السياق. (المترجمة).

[5] تعد نعمي وولف Naomi Wolf الناشطة النسائية مثالاً بارزاً على هذه الحالة. فهي تعترف أن الجميع يعلمون أن الطفل قبل ولادته إنسان. وأن الإجهاض خطية حقيقية تستلزم كفارة. ولكن نعمي بداً من أن تقترح القضاء على الإجهاض، تقترح أن النساء اللاتي تجهضن تنظمن سهرة بالشموع في مراكز الإجهاض الطبية تعبيراً عن حزنهن! هو ما يشبه طقساً تكفيرياً مثل طقوس أكلي لحوم البشر – معذرة لهذا التشبيه.

[6] يقول جفري شلوس Jeffrey Schloss الحاصل على دكتوراه في علم البيئة وعلم أحياء التطور بأنه رغم من أن بعض السلوكيات التي تتسم بالغيرية والتضحية بالذات قد يمكن تفسيرها تفسيراً داروينياً، هناك سلوكيات أخرى لا يمكن تفسيرها بهذه الطريقة؛ ويركز شلوس بوجه خاص على السلوكيات التي ساعدت من كان يمكن أن يقعوا ضحية للهولوكوست وخبأتهم. انظر فصلاً بقلم جفري شلوس بعنوان Evolutionary Account of Altruism and the Problem of Goodness by Design, in William Dembski, ed,. Mere Creation Downers Grove, I11.: InterVarsity Press, 1998, 236-261.

[7] إليك النص كاملاً: «أجناس البشر – يوجد في الوقت الحالي خمسة أجناس أو تنوعات من البشر على وجه الأرض. وكل منها يختلف عن الآخر اختلافاً كبيراً في النزعات الفطرية. والعادات الاجتماعية، وإلى حد ما في البنية. فهناك النوع الإثيوبي أو الزنجي الذي نشأ في أفريقيا، وجنس الملايو أو البني وهو من جزر الهادي، والهنود الحمر. والجنس المنغولي أو الأصفر ومنهم السكان الأصليون للصين واليابان والأسكيمو، وأخيراً الجنس القوقازي أرقى الأنواع جميعاً الذي يمثله سكان أوروبا وأمريكا البيض المتحضرون» (جورج وليم هنتر George William Hunter، “أسس علم الأحياء: مقدمة في صورة مشكلات” Essentials of Biology: Presented in Problems [New York, Cincinnati, Chicago: American Book, 1911], 230.

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

Exit mobile version