الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2
الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2
ما هيَ الهرطقات والبدع
كلمة هرطقة هيَ كلمة يونانيّة ”αίρεσις– Hairesis“ ومعناها اختيار، وقد استخدمت للتعبير عن المدارس الفكرية إلهيّلينية، اليونانيّة، كما استخدمت في العهد الجديد بمعنى ”شيعه، مذهب، بدعة“، وذلك للتعبير عن الجماعات اليهوديّة مثل ”شيعة αίρεσις الصدوقيين’ (أع17:5)، و‘مذهب αίρέσεως الفريسيين’ (أع5:15؛ أع5:26).
قد استخدمها المؤرخ والكاهن اليهوديّ يوسيفوس المُعاصر لتلاميذ المسيح (35-100م) بهذا المعنى، وطبقها على المذاهب اليهوديّة التي كانت سائدة في عصره، وهيَ الفريسيين والصدوقيين والآسينيّين.[1]
كما استخدمت من وجهة نظر اليهود لوصف الجماعة المسيحيّة في أيامها الأولى والتي نظروا إليها كجماعة خارجة من اليهوديّة ومن ثُمَّ دُعيت بـ”الطريق الذي يقال له شيعة αίρεσιν“ (أع14:24)، و”مذهب αίρέσεως يقاوم في كلّ مكان“ (أع22:28)، كما وُصِف القديس بولس بـ”مُقدّام شيعة αίρέσεως الناصريين“ (أع5:24).
واستخدمت في الكنيسة الأولى بمعنى ”بدعة αίρεσεις“ (غل20:5)، لوصف الجماعات التي خرجت عن التسليم الرسوليّ وتعاليم الكنيسة، والذين وُصفوا بأصحاب ”البدع αίρεσεις“ (1كو19:11)، والذين يقول عنهم القديس بطرس أنهم معلمون كذبة ”الذين يدسّون بدع αίρεσεις هلاك وإذ هم ينكرون الرّبّ الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سرّيّعا“ (2بط1:2).
شاع بعد ذلك تعبير هراطقة للتعبير عن أصحاب البدع والهرطقات التي خرجت عن المسيحيّة وصار لهم فكرهم الخاص. يقول العلَّامة ترتليان:
”لأنهم هرطقة فلا يمكن أن يكونوا مسيحيّين حقّيقيّين لأنهم حصلوا على ما أتّبعوه ليس من المسيح بل باختيارهم الخاص، ومن هذا السعي جلبوا على أنفسهم وقبلوا اسم هراطقة. وهكذا فلكونهم غير مسيحيّين لم ينالوا أي حقّ في الأسفار المسيحيّة المُقدّسة؟ ومن العدل أن نقول لهم “ من أنتم؟ من أين ومتى جئتم؟ ولأنكم لستم منا ماذا تفعلون بما هو لنا؟ حقًّا، بأي حقّ يا مركيون تقطع خشبي؟ ومن الذي سمح لك يا فالنتينوس أن تحوِّل مجاري نبعي؟“[2]
السيمونيّة
نسبة إلى سيمون الساحر، الذي كان مُعاصرًا للرسل (أع8: 10)، وقد نسب إليه آباء الكنيسة كلّ هرطقة وبدعة دخلت إلى المسيحيّة، يقول عنه القديس يوستينوس: ”إنه ولد في قرية جيتون، ووصل إلى روما في عهد الإمبراطور كلوديوس، حيث عُبِد كإله“.[3]
يكتب عنه القديس كيرلس الأورشليمي: ”هذا الرجل بعد أن طرده الرسل جاء إلى روما، واستمال إليه زانية تُدعى هيلانة، وقد تجاسرّ بفمه المملوء تجديفًا أن يدّعي أنه هو الذي ظهر على جبل سيناء كالآب، وظهر كيسوع المسيح بين اليهود، وليس في جسد حقّيقيّ،[4] وبعد ذلك كالروح القدس الذي وعد المسيح أن يُرسله كمُعزٍ“.[5]
الأبيونيّة Ebionites، المتهودون أو اليهود المُتنصرين
ظلوا مُتمسكين بتقاليدهم اليهوديّة، ورفضوا الإيمان بالثالوث. وقالوا بأن الروح القدس قوة مؤنثة وأنها أم المسيح. وقد تزعمهم كيرنثوس، وقد أرَّقت هذه البدعة الكنيسة حتّى القرن السابع. كانوا يحفظون السبت على الرغم من احتفالهم بيوم الأحد مع المسيحيّين، ورفضوا الميلاد العذراوي، كما علَّموا أيضًا بالتبني، أي أن يسوع كان مُجرّد إنسان ارتفع في المجد واتحد بالله من أجل فضائله، وبهذا فليس هو الله الظاهر في الجسد.
دعاهم رجال الكنيسة بـ”الأبيونيين“، وهيَ من الكلمة العبريّة (אֶבְירֹן)، وجمعها أبيونيم، والتي تعني ”الفقراء“، نسبة إلى فقر تعاليمهم وضحالتها.
وقد تحدث عنهم العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ قائلًا:
”يعترف الأبيونيون، على آية حال، أن العالم خُلِق بواسطة الذي هو الله بالحقّيقة، لكنّهم يزعمون عن المسيح أساطير مثيلة بما زعمه كيرنثوس وكربوكريتس. ويعيشون بحسب عادات اليهود زاعمين أنهم يتبرّرون بإتمام الناموس.
لذلك فقد كان -بحسب الأبيونيين- أن المخلّص دُعيَّ مسيح الله ويسوع، لأنّه ولا واحد من بقية البشر حفظ الناموس تمامًا. لأنّه حتّى لو حفظ أي أحد أخر، وتمّم الوصايا المحتواة في الناموس سيكون هذا مسيحًا. ويزعم الأبيونيين، أنهم هم أيضًا عندما يتممون الناموس، بنفس الطريقة سيصبحون مسحاء؛ لأنهم يؤكدون أن رّبّنا نفسه كان إنسانًا مثل كلّ البشر“.[6]
لقد كان أغلب الأبيونيين مسيحيّين، لكنّهم رفضوا الاعتراف بجديد الإنجيل، العهد الذي أسّسه الرّبّ جديدًا مع الكنيسة، وظلوا مُتمسكين بالشريعة اليهوديّة. ويرفض هؤلاء الأبيونيون أن يكون المسيح قد ولِد من عذراء، هو مخلوق مثل رؤساء الملائكة، وهو يملك على الملائكة، وعلى جميع الخلائق.
وعليه، فقد اسقطت الأبيونيّة من حسبانها الإيمان الثالوثيّ، ورفضت كلّ ما يُهدّد فكرة التوحيد بالشكل الحسابيّ البشريّ، لذا، اعتبرت المسيح مُجرّد مخلوق، اصطفاه الله لحسن سلوكه، وإيمانه، وجعله ابنًا فوق كلّ خليقته، وهذا ما عُرِف فيما بعد بـ”التبنويّة“.
ذكرهم القديس جيروم، في إحدى رسائله إلى القديس أغسطينوس، يقول فيها:
”إنّ المسألة التي هيَ موضوع المناقشة… يمكن أن تُلخص في الآتي:
أنه منذ الكرازة بانجيل المسيح، يحفظ اليهود الذين آمنوا وصايا الناموس بحرص… فإنّ كان هذا صحيحًا، فإننا نسقط في هرطقة كيرينثوس وإبيون اللذين، رغم إيمانهما بالمسيح، حُرما بواسطة الآباء من أجل هذا الخطأ الواحد أنهما خلطا بين شعائر وطقوس الناموس من جهة، وإنجيل المسيح من الجهة الأخرى، وأعلنا إيمانهما في ما هو جديد بينما لم يتخليا عن ما هو قديم.
ولماذا أتحدث عن الإبيونيين، الذين يدَّعون انهم مسيحيّون؟ فإنّه في أيامنا هذه توجد طائفة بين اليهود والتي تتخلل كلّ مجامع الشرق، وتدعى طائفة Minei وهيَ الآن أيضًا قد حُرمت بواسطة الفريسيين. وأتباع هذه البدعة يُعرفون ”بالناصريين“.
يؤمنون بالمسيح أنه ابن الله وقد وُلد من العذراء مريم، ويقولون إن الذي تألم تحت حُكم بيلاطس البنطي وقام ثانيةً هو نفسه الذي نؤمن به. لكنّ بينما هم يرغبون أن يكونوا يهودًا وفي نفس الوقت مسيحيّين صاروا ليسوا يهودًا ولا مسيحيّين…
لذلك إن كان لايوجد بديل لنا سوى أن نقبل يهودًا في الكنيسة، هم والممارسات التي يفرضها ناموسهم، وإن كان باختصار، سوف يُعلن شرعيًا بالنسبة لهم أن يستمروا في كنائس المسيح وأن يمارسوا ما اعتادوا ممارسته في مجامع الشيطان، سأقول لك رأيي في هذا الأمر، إنهم لن يصبحوا مسيحيّين، لكنّهم سيحولوننا إلى يهود“.[7]
الغنوصيّة Gnosticism
أو ”العرفان- γνωσις“، أي الذين يبتغون المعرفة. تيار خلط بين الدين والفلسفة، يرتكز على المعرفة ليشرح كلّ شئ، ولاسيَّما اللاهوتيًّات. والهدف النهائي من المعرفة بحسب الغنوصيّة، هو خلاص الجنس البشريّ، الذي هو كائنات مُنبثقة من الإله، وقد تَمَّ حبسها داخل أجساد في عالم الشر.
وقد تاثرت الغنوصيّة بعدّد من الفلسفات اليونانيّة، وأخذت منها عناصر مُختلفة تكونت من خلالها تعاليمها الدينية؛ فقد أخذت عن الأفلاطونيّة الحديثة فكرة الوسطاء بين الله والعالم، وعن الفيثاغورية النظرة النسكيّة الزهديّة والمتصوفة، وعن الرواقيّة الواجب الأخلاقيّ للفرد.
وقد انتشرت الغنوصيّة في أوائل القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، في الإسكندريّة، وأنطاكيّة، وروما. ولقائها مع المسيحيّة قد أكسبها أهمّيّة بالغة، إذ تسلّلت بين المؤمنين، وخاصة المُثقفين، الذين أرادوا وضع ماهية عقلية للمسيحيّة. وقد كان أزهر عصورها هو القرن الثاني، الذي فيه ظهر أهمّ قادتها، واُنتِجت خلاله الكثير من الأعمال والأناجيل الغنوصيّة، التي اكتُشِفت حديثًا من خلال ”مكتبة نجع حمادي“ في مصر.[8]
فقد أخذوا شيئًا ما بما تقوله الكنيسة، وإنما بصورة مشوَّهة وعلى اتساع تحليلي، وكان زعيمها الأوّل ”سيمون“ وهو ساحر سفر الأعمال، وكان قبل عماده يُدعى من جميع الشعب ”قوة الله العظيمة“ (أع 10:8)، لِمّا كان يأتيه من معجزات.
وكان قد تلقَّى بعض تعاليم الرسل في ما يختص بأن القوة الإلهيّة إنما تتصل مباشرة باسم الروح القدس كما هو مدوَّن بوضوح في سفر الأعمال (أع 9:8-19)، لكنّه إرتد من بعد عماده (من أيدي الرسل) وتمّ عزله عن الكنيسة، فادَّعى أن شريكته هيلانة هيَ ”الباراكليت“ وأن القوة التي تنبثق من الله هيَ قوَّة مؤنَّثة.
وتقول الغنوصيّة بالثنائية، أي أنها تؤمن بإلهين، إله شرير قد خلق العالم، وإله خيّر يسعى لإنقاذ البشر. كما تؤمن أن بأن أرواح البشر من بين هذه الكائنات الإلهيّة، وهيَ سجينة أجساد نُفخت بداخلها، وتسعى للخلاص من خلال النسك مع المعرفة، وبهذا تطهر الروح وتعود بعد الموت إلى الإلهيّ.
ويُمكن تلخيص الخطوط العامة للعقائد الغنوصيّة كالتالي:
1- يوجد تعارض تام بين النظام الكوني لهذا العالم، وبين الله الفائق السمو بغير حدود، ولا يُمكن التوفيق بينهما بحال من الأحوال. فالعالم في الغنوصيّة هو عالم من الصراعات المُستمرة، والانقسام والتضاد بين النور والظلمة، وداخل الإنسان ذاته بين الروحاني والماديّ، وتؤدي هذه الثنائية إلى رفض مبدأ وحدة الخالق، الذي هو أساس تقليد الفكر اليهوديّ والمسيحيّ.
فهي تؤمن بخلق العالم من خلال إلهين:
الديمورج، خالق هذا العالم، وبهذا فهو خالق الشر، وهو إله العهد القديم، بحسب الفكر الغنوصيّ.
وهُناك كائن وسيط بين النور والظُلمة يُدعى ”الروح، أو اللوغوس“.
والإله الأسمى، الذي يدعونه بصفات سلبية، أي: الغير موصوف، غير المعروف، بداية كلّ شئ… وغير ذلك.
3- الروح الذي هو من الإله الأسمى، اختلط بعنصرين أدنى منه، وهم من نتاج الديميورج الشرير، هما النفس والجسد. ويظل الإنسان على غير درآية أو لا يعرف بوجود الروح.
4- وهذا الروح يحتاج إلى فادٍ، كيما يُخلّصه من قيود الجسد، الذي هو بمثابة سجن للمخلوق الإلهيّ.
فدراسة مُدقّقة لها تجعلنا نُجزم أنّها خليط ما بين إلهيّلينيّة والعبرانيّة. ومن أشهر قادتها: ماركيون، باسيليدس، فالنتينوس.
أشهر أعضائها
1- ماركيون Marcion
أحد هراطقة القرن الثاني، يُحسب كواحد من الغنوصيّين، وُلِد في بنطس، وكان يعمل في صناعة السفن، انتمى إلى كنيسة روما، وقد حرمته عام 144م بسبب أفكاره المُنحرفة، فقد كان مُعاديًا لليهوديّة، ويرفض العهد القديم.
ألّف كتاب للعهد الجديد خاص به، جمعه من بعض رسائل بولس، ومن أجزاء من إنجيل لوقا. وقد أدّعى أن للعالم إلهين، أحدهما ظالم وشرير ومُنتقم وهو إله العبرانيّين، وآخر بار ومُحب وهو من كشفه لنا المسيح، الذي تجسد ظاهريًا فقط، ولم يكن له جسد من لحم ودم مثلنا. لذا، نجد القديس إيرينيئوس يقول عنه: ”عندما يقسم ماركيون الله إلى اثنين، معلنًا أن واحدًا صالحٌ والآخر عادلٌ، فهو في الحقّيقة يضع نهاية للألوهة كلها“.[9]
وقد واجهه كلّ من يوستينوس، وترتليان، وأوريجانوس، وإيرينيئوس، وحاربوا هذه البدعة التي لم تنته إلَّا مع مطلع القرن العاشر.
يقول عنه ق. كيرلس الأورشليمي:
”لتمقتوا أيضًا أتباع ماركيون الذين يفصلون بين أقوال العهد القديم والعهد الجديد لأنّ ماركيون أعظم المُنافقين، زعم بوجود ثلاثة آلهة، وإذ عرّف أن في العهد الجديد شهادات الأنبياء عن المسيح، ترك الشهادات المأخوذة من العهد القديم حتّى ترك الملك بغير شهادة“.[10]
2- فالنتينوس Valentinus
كان مُعلمًا مصريًا بدأ نشاطه في الإسكندريّة، ثُمَّ ذهب إلى روما حيث أسّس هُناك مدرسة، ولما حُرِم من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مُستقلة، وهو أحد الهراطقة الغنوصيّين المشهورين. وكان يؤكد على أن الإلوهيّة تتكون من ثلاثيّن إيونًا[11] منهم الروح القدس. وقال إنّ إنبثاق الروح القدس ليس بصورة مباشرة من الله.
وقال إنّ الإله فيتوس (أي العمق) ولد ثمانية أيونات، ومنهم وُلد عشرة، ومن العشرة وُلد أثنا عشر ذكرا وأنثى، وولد سيغا (أي الصمت)، من هذا الإله فيتوس، ومن سيغا ولد الكلمة، كما قال إنّ كمال الآلهة هو كائن يُدعى الحكمة، وهو المسيح!![12]
وقال إنّ المسيح لم يتخذ جسدًا إنسانيًّا حقّيقيًّا، بل اتخّذ هيئة الجسد، مظهر الجسد وهيئة الإنسان لأنّه لا يمكن أن يأخذ جسد من المادة التي هيَ شر بحسب اعتقاده! اتخّذ جسدًا سمائيًّا أو أثيريًا، وهو، حسب قوله لم يُولد من العذراء لكنّ جسده الهوائي مرَّ من خلال جسدها العذراوي!![13]
3- باسيليدس Basilides
بحسب إيرينيئوس، فإنّ باسيليدس كان مُعلّمًا في الإسكندريّة، وعاش في عهد الإمبراطور هدريان، وأنطونيوس بيوس (120- 145م).[14] كتب إنجيلًا ليس في حوزتنا منه سوى شذرة واحدة، وكتاب آخر باسم ”التفسير- Exegetica“، بقيَّ لنا منه بعض الشذرات التي اقتبسها هيجيمونيوس،[15] وإكليمندس السكندريّ.[16] كما ألّف مزامير وأناشيد لم يبقى منها شئ.
يتلَّخص فكره العقائديّ في أنه يؤمن بإنبثاقات الفيض في الإلوهة، بحسب الفكر الغنوصيّ، والتي تُدعى ”إيونات“. تسكن في ثلاثمائة خمس وستين من السماوات التي خلقتها لنفسها، وهيَ تتساوى مع عدّد أيام السنة.
وإن المسيح، وهو الابن البكر لله، وهو ”النوس“ أو العقل، قد جاء لينجي الذين يؤمنون به من سلطان العالم. وعند الصلب جاء سمعان القيرواني ليحمل معه الصليب، فأُلقيَّ شبهه عليه، وصلب مكانه بالجهل والخطأ، بينما ظلّ يسوع واقفًا بهيئة سمعان يسخر منهم، ثُمَّ غيّر هيئته بإرادته، وصعد إلى الذي أرسله.[17]
الغنوصيّون المسيحيّون بالاجمال يفسرون العقائد المسيحيّة تبعًا لتعاليمهم ويصوغون تعاليمهم بألفاظ وعبارات مسيحيّة. فهم يُقيَّمون الثنائية على ما يزعمون من تعارض بين التوراة والإنجيل، إذ يقولون إن التوراة تصور إلهًا قاسيًا جبارًا، بينما الإنجيل يكشف لنا عن إله وديع حليم خَيَّر للغاية.
فذهب باسيليدس للقول بإن إله العهد القديم ما هو إلَّا رئيس الملائكة الأشرار، ولا صلة بين المسيح المخلّص وبين المسيح الحربى الذي وعد به أنبياء العهد القديم الناطقون عن وحى إلههم، لكنّ المسيح جاء لتحقيق رسالة مساندة للمسيحيّة. لذلك كان الغنوصيّون ينبذون التوراة نبذًا تامًا، ويقبلون من بين الأناجيل والرسائل ما يروق لهم، ويحذفون ما لا يقبلونه من الفصول والآيات المناقضة لآرائهم.
باسيليدس يضع بعد (الآب) ثمانى مُجرّدًات مشخصة صدر بعضها عن بعض، الواحد تلو الآخر، منها الحكمة والعدالة والسلام، ويقول إنّ الملائكة الأوّل الصادرين عن الحكمة صنعوا السماء الأولى، والملائكة الصادرين عنهم صنعوا السماء الثانية.
أراد الآب أن يقضى على العمل المشئوم الذي عمله الصانع، وأن يخلّص الإنسانيّة التعيسة التي لم يخلقها، والتي لم تكن تعرفه فنزل المسيح من السماء لم يولد من العذراء مريم، بل ظهر تام التكوين، وأخذ يعلّم ويعرف الناس بالآب، ولم يتخذ له جسدًا ماديًّا، بل ظهر في شبه جسد، لأنّ المادة رديئة، ولأنها ملك الصانع.
افترق الغنوصيّون فيما يترتب على رداءة المادة واحتقار الجسم، فذهب فريق إلى منع الزواج، وذهب فريق آخر إلى إباحة جميع الأفعال، وإعفاء النفس من تبعية ضعف الجسم، أمّا ما ذهب إليه باسيليدس، فهو: إن الشهوة الجنسية ولو أنّها طبيعيّة، إلَّا إنّها ليست ضرورية.
كان المسيحيّين ينكرون ذلك أشد الانكار، كما كانوا ينكرون التعاليم الغنوصيّة، في أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضيّة، وأن الخطية الأصلية ارتكبت في العالم المعقول، وأن المادة شريرة بالذات، وأن الأجسام لا تقوم. ولما كانت هذه القضايا أفلاطونيّة، وكان الغنوصيّون يستشهدون بأفلاطون في صدّدها، فقد دعا البعض من المسيحيّين أفلاطون بأنه أب البدع، في الوقت الذي كان فيه غيرهم يعتبره مهمًا بالنسبة للفلسفات المسيحيّة.
لقد عاشت الكنيسة في صراع داخليّ لمواجهة هذه الأخطار الغنوصيّة وصارعت أكثر من قرنين لتوضح بالأقوال اللاهوتيّة خطورة التعاليم الغنوصيّة المسيحيّة.
المونارخيّون Monarchianism، أو الموحدين، أو مؤلمي الآب
وهي قريبة الشبه من الأبيونية، وقد سُميَّت بـ”صالبيّ الآب، أو مؤلميّ الآب“، لأنهم يقولون أن الله واحد صمد، بالمفهوم الصنمي العدّدي، وهم بذلك يجعلون من الآب مصلوبًا على الصليب، إذ تلاشى مفهوم الأقانيم، وصار الآب والابن والروح القدس مُجرّد صور تعبيرية عن الله الواحد عدّديًا.
وأشهر ممثليها هم براكسياس الذي كتب ضده العلَّامة ترتليان، ونوئيتوس الذي كتب ضده العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ، وقال:
”نوئيتوس الذي من سميرنا، طلَّ علينا بهرطقته التي جلبها عن إبيجونوس، ووصل بها إلى روما، وقد أيّدها كاليستوس (رئيس أساقفة روما في ذلك الحين)، ويقول إنّ الله الآب خالق الكون، هو الذي دُعيَّ أيضًا بالابن، وهذا شخص واحد، إنما مُقسم من جهة الاسم فقط“.[18]
ينادون بأن الروح القدس هو أصل وجود الآب والابن. وهيَ تعني أن الابن متطابق مع الآب (يُعرف على أنه الآب، أو أنهما واحد). ومنهم من يعتقدون بأن الآب نفسه نزل إلى بطن العذراء، وهو نفسه وُلد منها، وهو نفسه قد تألم على الصليب، وفي الحقّيقة هو نفسه يسوع المسيح.
لقد كان براكسيوس هو أوّل من جلب هذا النوع من الضلال من آسيا إلى روما، حين رحل إليها في عهد الإمبراطور مرقس أوريليوس، وقد هاجمه العلَّامة ترتليان بمهارة،[19] ودعاه: ”حامل رسالة الشيطان المزدوجة“، فمن جهة هو ينكر الروح القدس، ومن جهة أُخرى فهو يصلب الآب.
وكلمة ”مونارخيًّا- μοναρχια“ كانت في الأصل كلمة أرثوذكسيّة، تُستخدم في التعبير عن وحدة الرأسة التي للآب، أي أن الآب هو الأصل والينبوع الذي ولد منه الابن، وانبثق عنه الروح القدس.
وتنقسم المونارخيّة بحسب منحاها اللاهوتيّ إلى قسمين كبيرين:
1- التبني Adoptianosme: تُعلم هذه النظرية، بأن المسيح، كسائر البشر، ولد كإنسان فقط، ونما مثل سائر الناس، وأن الله الآب قد جعل منه ابنًا خاصًا له، نظرًا لتقواه، وحدث هذا تحديدًا وقت عماده في نهر الأردن، وبعضهم يقولون أن هذا التبني حدث بعد القيامة. وقد قال بهذه النظرية: ثيودوتُس، بولس الساوساطي.
2- الشكليّة، أو الدوسيتيّة: إحدى شيع المونارخيّة، أسّسها سابليّوس أحد أساقفة المُدن الخمس الغربية، وقد نادى بأن الله أقنوم واحد، لكنّ له أسماء مُتعدّدة، فعندما خلقنا دُعيَّ الآب، وعندما خلّصنا دُعيَّ الابن، وعندما قدّسنا دُعيَّ الروح القدس.
بمُجرّد أن ارتقى كاليستوس كرسي بطريركية روما (217م) قام بعزل سابليّوس من شركة الكنيسة.
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ ضد المونارخيّين في كتابه ”شرح الإيمان“، يقول:
ونحن نؤمن بالمثل بالروح القدس (1كو10:2). ولا نعتقد بـ ”ابن-آب“ كما يفعل السابيليون… هادمين بنوة الابن. ولا نحن نعزو إلى الآب الجسد القابل للألم الذي حمله الابن من أجل خلاص العالم كله، ولا نعتقد بثلاثة أقانيم متفرقة عن بعضها البعض، مثل ثلاثة أشخاص منفصلين بدنيًا (أو شخصيًّا)، فذلك سوف يفضي إلى تعدّد الآلهة الذي للوثنيّين، لكنّ على العكس، كنهر مولود من منبع وهو غير منفصل عن منبعه، مع أن هناك شكلان واسمان…
لكنّ الينبوع (أو المنبع) ليس هو النهر ولا النهر هو المنبع لكنّ كلّ منهما هو الماء نفسه… وهكذا تتدفق الألوهة من الآب إلى الابن بغير تغير الانفصال… ونحن لا نعتقد في ابن الله الذي هو الله الخالق كلّ الأشياء، أنه ”مخلوق“ أو ”مصنوع“ أو ”آتٍ من عدم الوجود“، لكنّه هو الكائن من الكائن.[20]
[7] BJ Kidd, ed., Documents Illustrative of the History of the Church, vol. 1, Macmillan, New York, 1932, pp. 265, 266.
[8] يعود الفضل في معرفتنا بالغنوصيّة إلى مكتبة نجع حمادي، فقبل اكتشافها لم نكن نعرف عنها غير ما جاء في كتابات الآباء الذين واجهوها، مثل إيرنيئوس وهيبوليتوس وأبيفانيوس.. وغيرهم. وهيَ مجموعة من المخطوطات تشمل ثلاثة عشر مُجلدًا، تتضمن واحد وخمسين نصًا، بعضها مُكرّر. وهذه النصوص جميعها قد تمت ترجمتها من اليونانيّة إلى القبطية. وقد اكتُشفت في عام 1954م عند جبل الطارف، في الضفة الشرقية لوادي النيل، على يد فلاح مصري يُدعى: ”مُحمد على السمّان“ (انظر: شنودة ماهر إسحق (القس)، يوحنا نسيم(الدكتور)، تراث الأدب القبطي (القاهرة: مؤسّسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي، 2003)، ص 125).
[9] DW Bercot, ed., A Dictionary of Early Christian Beliefs, Hendrickson Publishers, Massachusetts, 1998, p. 419.
– هو أول شخص معروف لنا نشر مجموعة ثابتة من الكتب، والتي تُسمي بالعهد الجديد.
– ولد ماركيون عام 100 م، في سينوب وهو ميناء بحري علي ساحل البحر الاسود في اسيا الصغري.
– كان والده قائدا في تلك الكنيسة، لذلك نشأ ماركيون علي الايمان الرسولي
– من بين كل كُتاب العهد الجديد، احب ماركيون بولس الرسول بشدة [1]، لدرجة انه كان يظن انه الرسول الوحيد الذي حافظ علي تعاليم يسوع في نقائها، بغض النظر عن أنه كان احياناً يضيف واحياناً اخري يحذف من كتابات القديس بولس.
– من بين تلك الاضافات، كان يعتقد أن الإنجيل كان تعليمًا جديدًا تمامًا قدمه المسيح علي الارض، ولم يقم الناموس والانبياء بأي نوع من التحضير له. وأن تلك الإقتباسات التي يتكلم فيها بولس عن أهمية العهد القديم اُضيفت من قبل اليهود الذين جادل ضدهم بولس في غلاطية والرسائل الأُخري. [2]
– عاش ماركيون في أسيا الصغري لفترة، حيث حاول نشر افكاره لكنه لم يجد استجابة. [3]
فذهب إلي روما وقتها وتبرع للكنيسة بمبلغ من المال. [4]
– لم يكتفي ماركيون برفض العهد القديم فقط، بل ميز بين إله العهد القديم والجديد، وهذا يُعتبر أنه قد تأثر بالغنوصية التي كانت منتشرة في تلك الفترة، فإن اله العهد القديم كان كائنًا مختلفًا تمامًا عن الآب الذي تكلم عنه يسوع. فقد كان الله الذي خلق العالم المادي إلهًا أقل درجة من الإله الأعلى الذي كان روحًا نقية. فيجد التقليل المعرفي للنظام المادي صدى في رفض ماركيون للإعتقاد بأن يسوع دخل الحياة البشرية بكونه “مولودًا من امرأة” (غلاطية 4: 4).
– بعدما ذهب لروما حاول اقناعهم بأفكاره، بالرغم من ان قادة الكنيسة في روما كانوا منفتحيين لكنهم لم يقبلوا تعليمه، فانسحب من الكنيسة وانشأ كنيسة خاصة به، نجت كنيسته لفترة بشكل مدهش، لكنها لم تنج بالشكل الكافي، لأن من أحد عقائدها كان إلزام العزوبية، في الوقت نفسه، كان مرقيون مؤمنًا بما يكفي بأفكار بولس لذلك لم يسمح حتي بأي تمييز ضد عضوات كنيسته في الأمور المتعلقة بالامتيازات أو الوظائف: بالنسبة له، كما هو الحال بالنسبة لبولس، لم يكن هناك “ذكر ولا أنثى” (غلاطية 3: 28).
– كان كتاب ماركيون يتألف من جزئين الانجيل والرسائل.[5]
ومصدرنا الرئيسي للمعلومات عنها هي اطروحة ترتليان ضد ماركيون، والتي كتبها بعد اكثر من نصف قرن، بعدما مات ماركيون بفترة.
– كان الجزء الاول من انجيل ماركيون هو نسخة من انجيل لوقا [6]، وحذف منه بعد النصوص التي كانت تختلف مع معتقداته، والتي كان يظن انه قد تم إضافتها من قبل الكتبة المتهوديين، وحذف أيضًا ولادة يوحنا المعمدان لعدم ربط يسوع بأي شئ حدث من قبل، وحذف ولادة يسوع وقد اعتبارها معجزة خارقة للطبيعة كما كان صعوده في وقت لاحق.
– وكان الجزء الثاني الخاص بالرسائل في إنجيل ماركيون عبارة عن عشر من رسائل بولس، ولم يتم تتضمن الرسائل الرعوية الثلاث (تيموثاوس الأول والثاني وتيتوس).
-علي رأس رسائل بولس وضع رسالة غلاطية، ففي هذه الرسالة كان هناك اختلاف بين بولس ورسل اورشليم، فقد كان يحاول ماركيون كسب المتحولين غير اليهود لبولس في غلاطية الي الانجراف اليهودي للمسيحية. كان الترتيب الماركيوني لرسائل بولس وفقًا لذلك: غلاطية، كورنثوس (1 و 2)، رومية، تسالونيكي (1 و 2)، “اللاودكيون” (وهو الاسم الذي أطلقه مرقيون على أفسس)، كولوسي، فيلبي، فليمون.
– تعامل ماركيون مع رسائل بولس بنفس الطريقة التي تعامل بها مع إنجيل لوقا: أي شيء يبدو غريب علي قناعاته، كان يعتبره فسادًا ناشئًا عن يد غريبة ولابد من إزالته. وجد أنه حتى أهل غلاطية تعرضوا لمثل هذا الفساد هنا وهناك. ذكر إبراهيم كنموذج أولي لكل من تبررهم الإيمان (غلاطية 3: 6-9) لا يمكن أن يُترك قائماً وتتبع أي نوع من العلاقة بين الكانون والإنجيل (كما في غلاطية 3: 15-25) غير مقبول بنفس القدر.
– لقد عبر هانز فون كامبنهاوزن عن الرأي السائد بأن مرقيون جعل الكنيسة تفكر في إنشاء قانون لأسفار العهد الجديد [7]، وكان يري أيضًا أن “قام ماركيون بتشكيل الكتاب المقدس الخاص به لمعارضة الكتب المقدسة للكنيسة التي انفصل عنها؛ فقد كان للكنيسة أن تنقض رده فأصبحت تُدرك بشكل صحيح تراثها من الكتابات الرسولية “.[8]
[1] In Greek: Euangelion and Apostolikon, pp. 161, 174
[2] On Marcion and teaching see above all A. von Harnack, Marcion: Das Evangelium vom fremden Gott (Leipzig, 1921, 21924), with its supplement Neue Studien zu Marcion (Leipzig, 1923); also R. S. Wilson, Marcion: A Study of a Second-Century Heretic (London, 1932); J. Knox, Marcion and the New Testament (Chicago, 1942); E. C. Blackman, Marcion and his Influence (London, 1948).
[3] Some contact with Polycarp may be implied in the story of Marcion’s seeking an interview with him (perhaps in Rome, when Polycarp visited the city in AD 154) and asking him if he recognized him, only to receive the discouraging reply: ‘I recognize—the firstborn of Satan!’ (Irenaeus, Against Heresies 3.3.4). For a contact with Papias see p. 157
[4] Tertullian, Against Marcion, 4.4, 9; Prescription, 30.
[5] In Greek: Euangelion and Apostolikon.
[6] See I. H. Marshall, The Gospel of Luke, NIGTC (Exeter/Grand Rapids, 1978), p. 458.
[7] The Formation of the Christian Bible, p. 148. The same view had already been expressed by Harnack, Die Briefsammlung des Apostels Paulus (Leipzig, 1926), p. 21
[8] T. von Zahn, Geschichte des neutestamentlichen Kanons, I (Erlangen/Leipzig, 1888), p. 586.
كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي
كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي
كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي
تعرف على الكتاب
“ذاك هو الشعور المسيحي الواجب؛ أنّنا مسؤولون أمام ضمائرنا أنْ نَبْحَث عن إجاباتٍ من الله للعالم، لنَشْهَد له ضدَّ كلّ شكايةٍ تَرْتَفِعُ ضدّ معرفته الحقيقيّة. أنْ نُعَرِّف أنفسنا للآخرين، تلك هي أولى مراحل الشهادة للمسيح …”
— الراهب سارافيم البرموسي
“إن الله يتدخل ولكن ليس كما يترجى البعض؛ فبينما يريد البعض النقمة الإلهية وإظهار بأس شعب الله من خلال إذلال المقاومين، نجد أن الله يعمل في اتجاه آخر؛ يعمل على جذب الجميع إلى حضنه؛ المٌضطهِد (إن آمن) والمضُطهَد. لكلِّ مكانه في بيت الآب…”
— الراهب سارافيم البرموسي
“إنّ الله هو أب البشريّة كلّها، والبشريّة تتطاحن فيما بينها بسبب تَشَوُّه الطبيعة الذي حَدَثَ بالسقوط الأوّل. لذا فإنّ أي تدخُّل إلهي مهما كان متوازنًا فلن يُلاشي الألم والمعاناة من الواقع الإنساني الزمكاني لأنّه يتعامل مع عناصر متعدِّدة تعمل فيها قوى السقوط. إنّ تدخُّل الله / تأنّي الله دائمًا ما يكون مزدوج الفاعليّة، وهذا لا ينتقص من كونه القدير والصالح على الرغم من نِتاج التدخُّل / التأنّي. لقد عبَّر عن تلك الحقيقة سفر أيوب بشكلٍ مجازيٍّ، وإن كان على لسان أليفاز التيماني حينما قال: ”لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ، يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ“ (أي5: 18).”
— الراهب سارافيم البرموسي
“علينا أنْ نُفَرِّقَ تمامًا بين السماح من جهة، وبين الرغبة / المشيئة الإلهيّة من جهة أخرى. السماح ينطلق من واقع الحريّة الإنسانيّة، ونتاجها الذي شَوَّه العلاقات الإنسانيّة في الوجود، وهو ما يُعَبِّر عن موقفه التدبيري. فهو يسمحُ لأنّ الحريّات واقعٌ، ولها أثرٌ حقيقيٌّ، ولكن هذا لا يُعَبِّر عمّا في قلب الله الذي لا يريد أنْ يرى خليقته مُتَألِّمه بأي حال من الأحوال. في المقابل، المشيئة الإلهيّة / الإرادة الإلهيّة هي التعبير عن طبيعة الله التي هي دائمًا خير. والعالم الذي نحياه، في واقعيّة سقوطه، يحتاج إلى سماحٌ إلهيٌّ تدبيريٌّ تفاعليٌّ ما بين حرياتنا ورغبة الله، من أجل تحقيق المشيئة الإلهيّة الخيِّرة دائمًا.”
— الراهب سارافيم البرموسي
هل فعلاً ربنا ضابط الكل؟ وهل في نظام وسط الفوضى؟ ولو في، ليه مازلت شايف “شر” حواليا؟ هل ربنا عايز يمنع الشر، ولكن مش قادر يمنعه؟ مش ربنا يقدر يعمل أي حاجة؟ هل يقدر يمنعه، ولكن هو مش عايز؟ هل عايزني أتعب؟ طيب لو هو عايز ويقدر يمنعه… ليه فيه شر حواليا؟ وهل من الممكن يبقى فعلاً في صلاح في ظل الشر اللي بأوجهه؟ أو أي معني للألم اللي بأشعر بيه؟!
أسئلة كلها بتخطر على بالنا في كل مرة بنتعرض لوجع، بنواجه أزمة، أو بنصطدم مع حدث فيه شر مش قادرين نفهم سببه في ضوء الأفكار والمفاهيم اللي عارفينها عن الله والعالم من حوالنا… بالمعطيات اللي معانا في معرفتنا لربنا…
من خلال كتاب “إن كان الله ضابط الكل فلماذا الألم؟” بتبدأ رحلة “بحث” مع نفسك، بداية من دوامات الحيرة في كل الأسئلة الشائكة عن وجود الله في ظل الألم والشر اللي بتصطدم بيه، من خلال الكتاب هتبدأ تتحرك لاكتشاف مفاهيم جديدة عن الله وطبيعته ومعاملاته معنا وحبه لينا وتدبيره في الخليقة وفي تبعيتها ليه وفي علاقة البشر ببعضهم البعض، عندها تنهي رحلتك مع الكتاب ويبدأ سؤال: ماذا يفعل الله في ظل الألم والشر؟ ينعكس ببطء جواك لسؤال أعمق وأقوي: ماذا أفعل في مكاني ودائرتي لمواجهة الألم والشر؟
إزاي أفهم إن ربنا عنده كل القدرة ومش بيستعملها علشان يوقف الألم والبؤس في العالم؟ ولو عنده القدرة والإرادة ان العالم يخلص من كل الشر والبؤس؛ ليه ده مش بيحصل؟ ايه السبب اللي بيعطل إرادة الله دي؟ واشمعنى بيبان إنه بيتدخل في حالات وحالات تانية لأ؟
كتاب “إن كان الله ضابط الكل، فلماذا؟” دعوة للتحرك الإيجابي والخروج خارج دائرة التساؤل السلبي لرؤية أعمق تساعدنا على التفاعل مع المشكلة في محاولة فعّالة للشهادة لله وصلاحه وتدبيره ووجوده في العالم…
ماركيون – من هو؟ وما هي قائمة للأسفار القانونية؟ – أمير جرجس
ماركيون – من هو؟ وما هي قائمة للأسفار القانونية؟ – أمير جرجس
ماركيون – من هو؟ وما هي قائمة للأسفار القانونية؟ – أمير جرجس
– هو أول شخص معروف لنا نشر مجموعة ثابتة من الكتب/الأسفار، والتي تُسمي بالعهد الجديد.
– ولد ماركيون عام 100م، في سينوب وهو ميناء بحري على ساحل البحر الأسود في أسيا الصغرى.
– كان والده قائدا في تلك الكنيسة، لذلك نشأ ماركيون على الإيمان الرسولي.
– من بين كل كُتاب العهد الجديد، أحب ماركيون بولس الرسول بشدة [1]، لدرجة انه كان يظن انه الرسول الوحيد الذي حافظ على تعاليم يسوع في نقائها، بغض النظر عن أنه كان أحيانًا يضيف واحياناً أخرى يحذف من كتابات القديس بولس.
– من بين تلك الإضافات، كان يعتقد أن الإنجيل كان تعليمًا جديدًا تمامًا قدمه المسيح على الأرض، ولم يقم الناموس والأنبياء بأي نوع من التحضير له. وأن تلك الاقتباسات التي يتكلم فيها بولس عن أهمية العهد القديم أُضيفت من قبل اليهود الذين جادل ضدهم بولس في غلاطية والرسائل الأخرى [2].
– عاش ماركيون في أسيا الصغرى لفترة، حيث حاول نشر أفكاره لكنه لم يجد استجابة.[3] فذهب إلى روما وقتها وتبرع للكنيسة بمبلغ من المال.[4]
– لم يكتفي ماركيون برفض العهد القديم فقط، بل ميز بين إله العهد القديم والجديد، وهذا يُعتبر أنه قد تأثر بالغنوصية التي كانت منتشرة في تلك الفترة، فإن إله العهد القديم كان كائنًا مختلفًا تمامًا عن الآب الذي تكلم عنه يسوع. فقد كان الله الذي خلق العالم المادي إلهًا أقل درجة من الإله الأعلى الذي كان روحًا نقية. فيجد التقليل المعرفي للنظام المادي صدى في رفض ماركيون للاعتقاد بأن يسوع دخل الحياة البشرية بكونه “مولودًا من امرأة” (غلاطية 4: 4).
– بعدما ذهب لروما حاول إقناعهم بأفكاره، بالرغم من أن قادة الكنيسة في روما كانوا منفتحين لكنهم لم يقبلوا تعليمه، فانسحب من الكنيسة وأنشأ كنيسة خاصة به، نجت كنيسته لفترة بشكل مدهش، لكنها لم تنج بالشكل الكافي، لأن من أحد عقائدها كان إلزام العزوبية، في الوقت نفسه، كان مرقيون مؤمنًا بما يكفي بأفكار بولس لذلك لم يسمح حتى بأي تمييز ضد عضوات كنيسته في الأمور المتعلقة بالامتيازات أو الوظائف: بالنسبة له، كما هو الحال بالنسبة لبولس، لم يكن هناك “ذكر ولا أنثى” (غلاطية 3: 28).
– كان كتاب ماركيون يتألف من جزئين الإنجيل والرسائل.[5] ومصدرنا الرئيسي للمعلومات عنها هي أطروحة ترتليان ضد ماركيون، والتي كتبها بعد أكثر من نصف قرن، بعدما مات ماركيون بفترة.
– كان الجزء الأول من إنجيل ماركيون هو نسخة من إنجيل لوقا،[6] وحذف منه بعد النصوص التي كانت تختلف مع معتقداته، والتي كان يظن انه قد تم إضافتها من قبل الكتبة المتهوديين، وحذف أيضًا ولادة يوحنا المعمدان لعدم ربط يسوع بأي شيء حدث من قبل، وحذف ولادة يسوع وقد اعتبارها معجزة خارقة للطبيعة كما كان صعوده في وقت لاحق.
ماركيون – من هو؟ وما هي قائمة للأسفار القانونية؟ – أمير جرجس
– وكان الجزء الثاني الخاص بالرسائل في إنجيل ماركيون عبارة عن عشر من رسائل بولس، ولم يتم تتضمن الرسائل الرعوية الثلاث (تيموثاوس الأول والثاني وتيتوس).
– على رأس رسائل بولس وضع رسالة غلاطية، ففي هذه الرسالة كان هناك اختلاف بين بولس ورسل اورشليم، فقد كان يحاول ماركيون كسب المتحولين غير اليهود لبولس في غلاطية الي الانجراف اليهودي للمسيحية. كان الترتيب الماركيوني لرسائل بولس وفقًا لذلك: غلاطية، كورنثوس (1 و2)، رومية، تسالونيكي (1 و2)، “اللاودكيون” (وهو الاسم الذي أطلقه مرقيون على أفسس)، كولوسي، فيلبي، فليمون.
– تعامل ماركيون مع رسائل بولس بنفس الطريقة التي تعامل بها مع إنجيل لوقا: أي شيء يبدو غريب على قناعاته، كان يعتبره فسادًا ناشئًا عن يد غريبة ولابد من إزالته. وجد أنه حتى أهل غلاطية تعرضوا لمثل هذا الفساد هنا وهناك. ذكر إبراهيم كنموذج أولي لكل من تبررهم الإيمان (غلاطية 3: 6-9) لا يمكن أن يُترك قائماً وتتبع أي نوع من العلاقة بين الكانون والإنجيل (كما في غلاطية 3: 15-25) غير مقبول بنفس القدر.
– لقد عبر هانز فون كامبنهاوزن عن الرأي السائد بأن مرقيون جعل الكنيسة تفكر في إنشاء قانون لأسفار العهد الجديد.[7] وكان يري أيضًا أن “قام ماركيون بتشكيل الكتاب المقدس الخاص به لمعارضة الكتب المقدسة للكنيسة التي انفصل عنها؛ فقد كان للكنيسة أن تنقض رده فأصبحت تُدرك بشكل صحيح تراثها من الكتابات الرسولية “.[8]
[1] In Greek: Euangelion and Apostolikon, pp . 161, 174
[2] On Marcion and teaching see above all A. von Harnack, Marcion: Das Evangelium vom fremden Gott (Leipzig, 1921, 21924)، with its supplement Neue Studien zu Marcion (Leipzig, 1923); also R. S. Wilson, Marcion: A Study of a Second-Century Heretic (London, 1932) ; J. Knox, Marcion and the New Testament (Chicago, 1942); E. C. Blackman, Marcion and his Influence (London, 1948).
[3] Some contact with Polycarp may be implied in the story of Marcion’s seeking an interview with him (perhaps in Rome, when Polycarp visited the city in AD 154) and asking him if he recognized him, only to receive the discouraging reply: ‘I recognize—the firstborn of Satan!’ (Irenaeus, Against Heresies 3.3.4). For a contact with Papias see p. 157
[4] Tertullian, Against Marcion, 4.4, 9; Prescription, 30.
[5] In Greek: Euangelion and Apostolikon.
[6] See I. H. Marshall, The Gospel of Luke, NIGTC (Exeter/Grand Rapids, 1978), p. 458.
[7] The Formation of the Christian Bible, p. 148. The same view had already been expressed by Harnack, Die Briefsammlung des Apostels Paulus (Leipzig, 1926), p. 21
[8] T. von Zahn, Geschichte des neutestamentlichen Kanons, I (Erlangen/Leipzig, 1888), p. 586.
ماركيون – من هو؟ وما هي قائمة للأسفار القانونية؟ – أمير جرجس
المؤرخ “أوسابيوس القيصري” الذي أطلع على معظم مؤلفات القديس يوستينوس، يقول، في كتابه “التاريخ الكنيسي”، 4،18،1 – 6، مما يلي: “لقد ترك لنا يوستينوس عدداً كبيراً من المؤلفات المفيدة التي تبرهن عن عمق تفكيره، وسعة علمه، وحماسه للأمور الالهيه.
أولها خطابه الموجه للأمبراطور “انطونيوس بيوس” ولأولاده، ولمجلس الشيوخ، والذي يدافع فيه عن عقيدتنا.
وثانيها خطابه الموجه لخلفه “انطونيوس فيروس”، والذى يدافع فيه عن أيماننا.
وثالثها خطابه لليونانيين حول طبيعة الشيطان التي كانت مجال أُخذ ورد من قبلنا ومن قبل فلاسفة اليونان.
ورابعها كتابه الموجه ايضاً الى اليونانيين الذي أسماه “الرد”، ويتناول فيه سلطة الله، مستنداً في ذلك على الكتب المقدسة وعلى كتب فلاسفة اليونان.
وخامسها كتابه “المزامير”.
وسادسها كتابه عن “النفس”، الذي يفند فيه تعاليم فلاسفة اليونان ليصل بعدئذٍ الى التعاليم لمسيحية ورأيها في ذلك.
وسابعها كتابه “الحوار مع اليهودي تريفون”، أحد مشاهير اليهود في ذلك الزمان، والذي حصل في مدينة أفسس، مؤكداً فيه على النعمة التي نالها قبل الله، والتي فتحت عينيه على الأيمان الحقيقي بعد أن فتش عن الحقيقة في المدارس الفلسفية المنتشرة في ذلك الوقت” (راجع آباء الكنيسة، مجموعة مين، م 20، عمود 373 ب – 376 أ).
ولكن هذه المؤلفات التي يذكرها “اوسابيوس” لم تكن كامله. فيوستينوس نفسه يذكر في كتابه “الدفاع الاول”، 26، 8، كتاباً بعنوان “ضد الهرطقات”. كذلك القديس “ايريناوس” يستشهد بكتاب له ضد “ماركيون” ويعود اليه، مستنداً الى ما جاء فيه، ويعتبره من أهم ما كتب في هذا الموضوع. ورغم ان هذه المؤلفات لم يصلنا منها سوى “الدفاع الأول” و “الدفاع الثاني”، و”الحوار مع اليهودي تريفون” كامله، غير أن أباء الكنيسه قد قد نقلوا إلينا بعض مقاطع من هذه المؤلفات الضائعه. وهناك مؤلفات اخرى قد نسبت إليه، وسنأتي على ذكرها في دراستنا هذه.
أ – الدفاع الأول.
يذكر يوستينوس نفسه أنه كتب “الدفاع الأول” بعد مرور مائةً وخمسسين سنه على ولادة المسيح، وهو موجه الى الإمبراطور “ماركوس أوريليوس” الذي اعتلى العرش سنة 147 مسيحية. والدافع لكتابة هذا الدفاع ما تعرض له المسيحيون في الإمبراطورية من عذاب وتنكيل وتشريد وأضطهاد وقتل، خصوصاً وإن أتهامهم بالملحدين والكافرين والمجرمين قد أحزن يوستينوس وجميع القيمين على شؤون الكنيسة في ذلك الوقت، الأمر الذي دفع به لرفع هذا الخطاب الى الإمبراطور الذي كان يعتبره رجل حكمه وعلم ورجل عدل وأنسانيه.
ففي الفصول الثلاثة الأولى، التي تعتبر كمقدمه، يتوجه يوستينوس الى الإمبراطور باسم المسيحيين جميعا، طالباً منه التدخل شخصياً لينظر في الأمر، دون الركون الى اقاويل الحساد، والأستماع الى الأصوات المغرضة والمشوشة التي تتحامل على ابناء دينه، محتجاً ضد لا شرعية مطاردة المسيحيين، وظلمهم ونعتهم بالكافرين، واعداء الدوله، والمجرمين.
اما القسم الأول، وهو الفصل الرابع ولغاية الفصل الثالث عشر، فيبدأ بالتأكيد على ألوهة المسيح وتعاليمه الحقيقية: “هذه التعاليم” التي تسلمناها من المسيح ومن الأنبياء الذين سبقوه، وهي وحدها الحقيقية، وهي أقدم من تعاليم كتابكم… فالمسيح يسوع هو حقاً ابن الله، وكلمته، وبكره، وقوته… وقبل ان يظهر بين الناس، فإن البعض، وتحت تأثير الشياطين، وبواسطة الشعراء، قد أعتبروا أساطيرهم المختلقه حقيقيه، وعلموها للناس”.
ثم يشدد يوستينوس على الموقف السلبي الذي تتخذه السلطه بالنسبه الى المسيحيين، متسائلاً: وهل كلمة “مسيحي” أو كلمة “فيلسوف”، تعني حضراً الأجرام أو البراءه؟ فالعقاب يجب ان لا يفرض إلا على الذين يذنبون أو يقترفون الجرائم. والمسيحيون ليسوا كافرين أو ملحدين، ولكنهم يرفضون عباد’ الآلهه لأنهم يعرفون أن الإله الحقيقي هو إلههم، وإيمانهم بالآخره، وخوفهم من العقاب الأبدي، يمنعانهم من ان يفعلوا الشر لأي انسان، وبالتالي يدعمون السلطة المدنية لكيلا يكون هناك خلل في المجتمع. لذلك، إنه من الظلم بمكان ان يؤخذ بافتراءات بعض الناس المشبوهين الذين لا هم لهم سوى ملاحقة المسيحيين وتقديمهم للموت.
واما القسم الثاني من الدفاع، وهو من الفصل الرابع عشر الى الفصل السابع والستين، فهو تبرير للديانه المسيحية. إنه يؤكد، بنوع خاص، على العقيدة والطقوس الليتورجيا والأسس التاريخية والأسباب التي تفرض اعتناقها والعمل بها. فالنبؤات الالهيه تبرهن على أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية حسب أرادة الله الذي أحب ان يصلح الإنسانية ويجددها.
ولقد حاول الشياطين ان يمثلوا بأنبياء العهد القديم في طقوسهم الوثنية السرية. من هنا نجد بعض الشبه بين الديانة المسيحية وبعض الشعائر الوثنية، وبنوع خاص عن أفلاطون الذي أخذ كثيراً عن العهد القديم حيث نجد أفكاراً مسيحية في أفلاطونية. ثم ينتقل يوستينوس الى شرح سر العماد وسر الإفخارستيا والحياة المسيحية الاجتماعية.
أما الخلاصة، وهي الفصل الثامن والستون، فهي تنبيه مباشر للإمبراطور نفيه، بحيث أنه يعود الى البراءة التي بعث بها الإمبراطور “أدريانوس”، سنة 125، الى والي آسيا “مينوسيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) يعلن فيها القواعد الأربع التي من خلالها يجب ان يحاكم المسيحيون. وهذه القواعد هي التاليه:
اولاً: لا يحاكم المسيحيون إلا امام محكمه جزائيه وحسب الأصول القانونيه المتبعه.
ثانياً: لايصدر الحكم إلا اذا تأكد ان المتهمين قد أخطأوا ضد الشرائع الرومانيه.
ثالثاً: يجب ان يكون العقاب متناسباً مع طبيعة الجرائم ودرجاتها.
رابعاً: وكل اتهام خاطئ وفيه تحامل على المسيحيين يجب ان يعاقب صاحبه بشده.
هذه القواعد، او بالاحرى هذه الوثسقه التاريخيه، قد اتخذها يوستينوس مستنداً مهماً لينذر الإمبراطور وينبهه الى خطورة ما يتعرض له المسيحيون. ويعلق المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 8، 8، على ذلك قائلاً: ان يوستينوس كان يعرف ما ينتظره، لكنه كلمة الحق في وجه الإمبراطور.
ب- الدفاع الثاني.
يبدأ يوستينوس كتابة “الدفاع الثاني” بتذكير الرومانيين بما حدث أيام ولاية “أوربيكوس” في روما، فيقول: “ايها الرومانيون، لقد وقعت اخيراً، في مدينتكم، أحداث غريبه، أيام حكم اوربيكوس، كما وقعت أحداث اخرى في أماكن عديده من الامبراطوريه تبرهن عن ظلم الحكام، وهي غير عادله” (1، 1).
وفي الواقع، فان المؤرخين يؤكدون على أن يوستينوس تأثر جداً عندما عرف بان “أوربيكوس” قطع رأس ثلاثة مسيحيين، وذلك لأنهم مسيحيون وحسب، ولم تجد الهداله شيئاً ضدهم بالنسبه الى القوانين الرومانيه.
لذلك توجه الى الرأي العام الروماني محتجاً ضد العنف غير المبرر ورافضاً جميع الانتقادات التي كانت توجه الى المسيحيين. ورداً على بعض الرومانيين الذين كانوا يطلبون بهزء من المسيحيين الانتحار للقاء ربهم بسرعه، يجيب يوستينوس: “”ان ننتحر فذلك ضد ارادة الله. اما امام الحكام فاننا لا ننكر اننا نشتهي الموت لملاقاة الله وبالشهاده لأننا لسنا مخطئين، وبالتالي فاننا نعتبر عدم قول الحقيقه نوعاً من الزندقه والكفر” (2، 4). ثم يؤكد في مقطع آخر على ان الاضهادات ليست سوى عمل الشياطين التي تكره الحقيقه.
وكذلك في العهد القديم فان الابرار كانوا عرضه للاضهاد من قبل الوثنيين. ولكن ليفهم الجميع أن أحداً من هؤلاء الحكام لم تكن له سلطه على المسيحيين إن لم تعط له من الله، وذلك لكي يصلوا الى الفضيله والمكافأه بواسطة العذابات، والى الحياه والسعاده بواسطة الموت وإبادة الحياه. وكذلك ايضاً فان الإضطهادات تسمح للمسيحيين بان يبرهنوا، بطرق واضحة ومدهشه، عن تفوق ديانتهم وتساميها بالنسبة الى الوثنية. ثم ينهي دفاعه بالتوسل الى الإمبراطور لكي يكون عادلاً وشفوقاً ورحوماً ومحباً للحقيقه وهو يحكم على المسيحيين.
في هذا “الدفاع الثاني”، الذي حدده المؤرخون حوالي سنة 161 مسيحية، نرى ان يوستينوس لم يتطرق الى الفلسفة الرواقية كما في ” الدفاع الاول” بل طرح فلسفه افلاطون وتحدث عنها مسهباً. ففي “الدفاع الاول” عرض فلسفة “زينون” بكل ابعادها ومعطياتها، وناقشها وفندها، مستفيداً من المبادئ التي تلتقي مع المسيحية ليدعم طلبه امام الإمبراطور الذي كان اعتنق الفلسفة الرواقيه.
ولكن في “الدفاع الثاني” فاننا نلحظ موقفاً جديداً بالنسبه لوصول “ماركوس أوريليوس” الى السلطه رغم ان يوستينوس يعود دائما الى “الدفاع الاول” مذكراً بما قاله للإمبراطور سابقاً، مستشهداً بمقاطع عديده، الأمر الذي دفع المؤرخ “أوسابيوس القيصر” لاعتبار الدفاعين دفاعاً واحداً. فيوستينوس لم يرد ان يدافع عن المسيحية ومبادئها وتعاليمها في هذا “الدفاع الثاني” كما فعل في ” الدفاع الأول” بل كان هدفه الرد على بعض الوثنيين المتهتكين الذين كانوا ينصحون المسيحيين بالأنتحار للقاء ربهم كما ذكرنا، وبالتالي الرد على الذين كانوا يقولون لهم: لماذا لا يخلصكم ربكم من الأضطهاد. والأمر الظاهر بوضوح في هذا الدفاع هو افتخار يوستينوس بمسيحيته علناً اذ يقول: “انا مسيحي، وهذه عظمتي. وكل رغبتي هي ان اظهر ذلك.
وهذا لا يعني ان فلسفة أفلاطون هى غريبه عن تعاليم المسيح وحسب، بل هي بعيده كل البعد عنها، وكذلك فلسفة الرواقيين والشعراء والكتاب. واذا كان أحدهم قد عبر عن الحقيقه بطريقه أو باخري، فان ذلك يعود الى النعمه التي اعطاها لهم الله، ولكن حقيقتهم هي جزئيه. إنهم لا يملكون العلم المعصوم ولا المعرفه المتعذر دحضها. وكل ما قيل من حقيقه من قبلهم فهو ملك لنا نحن المسيحيين” (13، 2 – 4).
إذن “الدفاع الثاني” هو تكمله “للدفاع الأول”، وموقف مسيحي جريء في وجه الإمبراطور ووجه الحكام والمتطاولين على المسيحيين. إنه شهادة جرأه من قبل يوستينوس الذي يعتبر بحق من الآباء العظام الذين دفعوا دمهم ثمن جرأتهم. ولكن الكنيسه لم تثبت ولم تتشعب جذورها ولم تنمو لو لم يكن فيها امثال هذا الرجل الذي اعطاها دفعاً كبيراً في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. فموقفه كان مثلاً جليلاً بالنسبه الى الأجيال اللاحقه، ومدرسته خرَّجت العظام الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه الوثنية والوثنيين فيما بعد.
ج- الحوار مع اليهودي تريفون.
يُعتبر كتاب “الحوار مع اليهودي تريفون” أقدم منافحه مسيحية ضد اليهود. فالمؤرخون يؤكدون، وفي مقدمتهم “أوسابيوس القيضري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 18، 6، على أن هذا الحوار قد دار بين يوستينوس ويهودي مثقف لا يبعد ان يكون الحاخام “تارفون” حسب “الميشنا”، إحدى المدارس التفسيرية اليهودية للكتاب المقدس، وذلك في مدينة إزمير.
ولقد وضعه يوستينوس كتابةً ما بين سنة 150 و160 مسيحية، في روما، بعد كتابة “الدفاع الثاني”، وهو مؤلف من مئه واثنين وأربعين فصلاً أو باباً، وقد أهداه الى صديق له يُدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus pompeius).
وفي مقدمة الكتاب (2 – 8) يروي يوستينوس بالتفصيل نسأته الفكريه، مروراً بالمدارس الفلسفيه التي اطلع عليها، حتى يصل الى لقائه مع الشيخ المجهول على شاطئ البحر، ومن ثم ارتداده الى المسيحية.
وفي القسم الاول (9 – 47) يعرض الأفكار الرئيسيه وهى: بطلان العهد القديم وتعاليمه، والتأكيد على ألوهية المسيح الذي تكلم عنه الأنبياء ومن ثم تجسده في أحشاء مريم العذراء، وأخيراً دعوة الأمم ليصبحوا شعب الله المختار بعد ان بطلت الشريعه القديمه وابتدأت الشريعه الجديده مع المسيح. اما في القسم الثاني (48 – 108) فيبين، بواسطة تعاليم الأنبياء، ان عبادة المسيح لا تعاكس الايمان بالأله الواحد الحقيقي، ومن عبادة إله أبراهيم واسحق ويعقوب.
واما في القسم الثالث (109 – 142) فيبرهن على ان المسيحيين هم اسرائيل الحقيقي الذي ورث مواعيد العهد القديم. وفي النهايه يقول يقول يوستينوس: “إنني لا أهتم بعرض حجج وبراهن تستند الى المنطق وحسب، ولكن نعمه سماويه كانت لي من الله كي أفهم الكتب المقدسة” (الحوار، 58، 1).
الكتاب له قيمه تاريخيه مهمه. فاليهود، في منتصف القرن الثاني المسيحي، كانوا قوه لا يستهان بها، ولقد سعوا، بجميع الوسائل، للوقوف في وجه المسيحية والمسيحيين على السواء. ورغم ان يوستينوس يعرض عن ذكر ذلك، فانهم كانوا المحرضين الاساسيين على اضطهاد المسيحيين، نظراً للحقد الذي كانوا يضمرونه لهم. ولم يكن “تريفون” سوى صورة اليهودي التقليدي الذي كان يشدد على عودة اليهود، الذين اعتنقوا المسيحية، الى احضان اليهودية، وبالتالي يشدد على تعاليم التلمود والمدارس الربانيه التي كانت متبعه في ذلك الزمن.
إن يهوديته كانت يهوديه متزمته، بعكس يهودية “فيلون الأسكندري” التي كانت يهوديه منفتحه ومتسامحه، نظراً لانفتاح “فيلون” على الفلسفه اليونانيه التي أثرت عليه وأعطته بعداً فكرياً متحرراً. و”تريفون” هو تلميذ “موسى” بكل معنى الكلمه. إنه كان يقبل بان الوثنيين بامكانهم الوصول الى الخلاص، ولكن من خلال التزامهم بشريعة “موسى”، وهذا ما يذكره يوستينوس على لسانه: “أختن نفسك اولاً، ومن ثم التزم بالسبت وبالاعياد التي نحتفل بها، وبكلام آخر، اعمل بشريعة موسى، هكذا يكون لك الخلاص” (8، 4).
كما يقول عنه يوستينوس ايضاً: إنه كان يتقن العهد القديم بدقه، وبنوع خاص تعاليم التلمود. ولكن موقف يوستينوس من “تريفون” كان موقفاً صارماً، مؤكداً فيه على سمو المسيحية وتخطيها العهد القديم في كل شئ. وبينما نرى “ماركيون” يعيد المسيحية والكنيسة الى الاله الرحوم التي بشرت به اليهودية المتأخرة من خلال العهد الجديد، رافضاً الاله العادل التي بشرت به التوراة، إذا بيوستينوس لا يقبل إلا بتعاليم المسيح والرسل كما هى حرفياً.
إنه يؤكد على ان العهد القديم لم يكن سوى تهيئه للعهد الجديد، ويشدد على ان اليهود لا خلاص لهم إلا إذا تبعوا المسيح وتركوا شريعة “موسى” وكما في كتابيه “الدفاع الاول” و”الدفاع الثاني” حيث أكد على أن الفلاسفه بأمكانهم أن يوصلوا الوثنيين الى الأيمان، كذلك في الحوار مع اليهودي “تريفون” يبرهن على أن الأنبياء الذين نالوا الوحي من الله كانوا مقدمه وتهيئه للعقيدة المسيحية. ورغم أن جهوده لم تكلل بالنجاح، و”تريفون” لم يعتنق المسيحية، فان كتابه قد أثر بكثيرين من بعده، وربما كان سببا لأرتداد عددٍ كبير من اليهود.
كذلك، فان كتاب يوستينوس هو وثيقة تاريخيه مهمه ايضاً بالنسبة الى اليهود الذين اعتنقوا المسيحية وبقوا يمارسون الشعائر الدينية اليهودية. هؤلاء اليهود كانوا يعبدون المسيح ويؤمنون به الهاً، ومع ذلك كانوا يراعون شريعة موسى. من هنا نرى يوستينوس يعلن: “انا لست من رأيهم، وكثيرون من الذين يفكرون مثلي لا يوافقون على موقفهم. فالمسيح لم يأمرنا بان نخضع لتعاليم بشرية.
بل لتعاليم الانبياء الطوباويين الذين أعلنوا عن مجيئه” (الحوار، 48، 4). وفى الفصل الثمانين، العدد الخامس من الحوار، يقول: “أما بالنسبه لى والى المسيحيين الحقيقيين فان قيامة الجسد ستكون في اورشليم الحقيقيه كما أكد ذلك الأنبياء، وفي مقدمتهم “حزقيال واشعياء”. واذا تصفحنا الكتاب كله بدقه نرى ان الأستشهادات التي يوردها فيه هي استشهادات المقصود منها التذكير بان الله رفض أسرائيل واختار شعباً جديداً من الأمم.
فهاجس كنيسة المسيح كان يلاحقه في كل كلمه قالها او كتبها، والتأكيد على ان الشريعه الجديده هي شريعة المسيح الاله المخلص الذي يجب ان يؤمن به اليهود والوثنيون على حد سواء لكي يحصلوا على الخلاص. هذا باختصار موضوع الحوار.
د – القيامه (البعث)
القديس “يوحنا الدمشقي” يذكر في كتابه “المقارنة المقدسة” ان القديس يوستينوس قد كتب كتاباً عن القيامه، ويستشهد ببعض مقاطع منه. كذلك “بروكوبيوس القيصري” يذكر ايضاً ان يوستينوس الفيلسوف والشهيد له كتاب عن القيامه، وقد شرح فيه ما ورد في الانجيل، معلقاً على قيامة المسيح وقيامة الموتى والمجد الذي ينتظرهم. وفي القرن الثالث المسيحي كتب “ميتوديوس الأولمبي” كتاباً بعنوان “الأصوات الشجية” ذكر فيه كتاب يوستينوس عن القيامه حيث يعلق هذا الأخير على الفصل العاشر من رسالة القديس بولس الأولى الى القورنثيين.
ورغم ان المؤرخ “اوسابيوس القيصري” لم يذكر هذا الكتاب بين الكتب التي تحدث عنها عند يوستينوس، فان جميع المؤرخين الآخرين يؤكدون على ذلك. اما الآن فانه لا يوجد بين ايدينا مقطع واحد من هذا الكتاب.
هـ – ضد الهرطقات والبدع
هذا الكتاب يذكره يوستينوس في كتابه “الدفاع الأول” وكان قد ألفه سابقاً. ولكنه لم يصل إلينا. لكن “ترتوليانوس القرطاجي” يستشهد ببعض مقاطع منه، معتبراً يوستينوس أقدم مدافع عن العقيدة المسيحية ضد الهرطقات والبدع. ويذكر المؤرخون ان هذا الكتاب كان أداه مهمه في يد الذين وقفوا في وجه هذه الهرطقات والبدع في القرنين الثاني والثالث المسيحيين.
و ــ ضد ماركيون
القديس “ايريناوس”، أسقف مدينة ليون، يستشهد مرتين بهذا الكتاب في كتابه “ضد الهرطقات”، 4، 6، 2. ويؤكد ايضاً على ان كتاب يوستينوس “ضد ماركيون” هو أهم ما كُتب ضد هذه البدعه التي ضربت الكنيسه وأثرت عليها في القرنين الاول والثاني. كذلك المؤرخ “اوسابيوس القيصري” يذكر ما ذكره القديس “ايريناوس” لا أكثر ولا أقل. لذلك تساءل الباحثون أنه فصل من كتاب وليس كتاباً منفرداً على كل حال الكتاب لم يصلنا ولا نعرف عنه الآن سوى ما ذكره القديس “ايريناوس” وحسب.
زــ الخطاب إلى اليونانيين.
هذا “الخطاب الى اليونانيين” الذي يذكره المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس نسب خطأ إليه، ولقد وصلنا بترجمه سريانيه مع بعض الحواشي والتعليقات والشروحات. والمترجم السرياني الذي يدعى “أمبروسيوس” نقله عن اليونانيه، ولكن ليس عن نصٍ كامل كما يذكر ذلك في المقدمة، ولكن عن بعض مقاطع تحمل اسم يوستينوس الروماني كما كان معروفاً في ذلك الزمان.
والعالم “بويش” (Puech) يعتقد ان هذا الخطاب كُتب ما بين سنة 180 و210 مسيحية، وهو مقاله نقديه أكثر منها مقاله دفاعيه (راجع بويش: المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي، باريس، 1912، ص 299). اما العالم “هارناك” (Harnack) فينفي كلياً ان يكون هذا الخطاب من يوستينوس نظراً الى أن لغته الأدبيه هي بعيده كل البعد عن لغة يوستينوس، وبالتالي فان الموضوع الذي يطرحه الخطاب لا يتوافق مع نفسية القديس الشهيد. على كل حال كان من الضروري ذكر ذلك لأن هذا الخطاب لم يزل يعرف باسم يوستينوس لغاية الآن رغم تأكيدات العلماء ونفيهم انتسابه إليه.
ح ــ الأرشاد الى الوثنيين
” الارشاد الى الوثنيين” او “الارشاد الى اليونانيين”، الذي ذكره المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس، هو عباره عن دراسته مقارنه بين الديانة الوثنية والديانة المسيحية يحاول من خلالها المؤلف ان يدحض تعاليم الوثنية، مبرهناً على ان الديانة المسيحية هي الديانة الحقيقية، وإن تعاليم المسيح هي بحق تعاليم ابن الله الذي نزل الى الأرض ليخلص البشرية ويعيدها الى الفردوس بعد خطيئة آدم.
ورغم ان المؤرخين يتكلمون عن هذا الكتاب من خلال كلامهم عن مؤلفات يوستينوس، غير أن الدراسات العلمية الأخيرة التي قام بها العالمان “بويش” و”هارناك” تنفي ان تاريخ تأليفه يعود الى مابين سنة 260 وسنة 300 مسيحية، والمؤلف هو، حسب تقديرهما، “أبوليناريوس اللاذقي” الذي عاش في تلك الفتره والفه ونسبه ليوستينوس الروماني. وبذلك يكون اعتقاد “أوسابيوس القيصري” اعتقاداً خاطئاً. وبانتظار ان تتم اكتشافات جديده حول هذا الكتاب، فانه يبقي من ضمن مجموعة مؤلفات يوستينوس، ونحن مضطرون لذكره في سياق دراستنا هذه.
ط ــ السلطة
هناك كتاب آخر حول سلطة الله ووحدانيته يذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته عن يوستينوس. وهذا الكتاب يؤكد على وحدانية الله بواسطة إستشهادات من الآداب الوثنية نفسها التي تتكلم عن وحدة الله، والتي عرضها يوستينوس ليعيد الوثنيين الى المسيحية. ولكن الدراسات الحديثة التي قام بها بعض اللاهوتيين أمثال “شورر” (Schurer) و”بويش” (Puech) قد اثبتت ان النصوص نفسها منحوله، وان الكتاب قد نسب عمداً الى يوستينوس.
ولقد كتبه مؤلف مغمور في نهاية القرن الثاني المسيحي ليدعم فكرة يوستينوس نفسه، وليؤكد على وحدانية الله في وجه تعدد الآلهه في العالم الوثني. اما تأكيد المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحته فلم يكن له اساس، رغم ان البعض من العلماء يدرجون هذا الكتاب تحت اسم يوستينوس لغاية الآن. لذلك نحن ندرجه ايضاً هنا عملاً بالتقليد حتي تتوضح نهائياً حقيقة مؤلفه والغايه التي توخاها من استعارة اسم يوستينوس لهذا الأمر.
ى ــ كتاب المزامير
هذا الكتاب الذي هو تفسير للمزامير قد ذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته، ولكن الأجيال اللاحقة لم تطلع عليه، وبقي مفقوداً لغاية الآن.
ك ــ كتاب النفس
هذا الكتاب قد ذكره ايضاً “اوسابيوس القيصري” في لائحته، واعطى خلاصه عن فحواه. ولكنه فقد في ما بعد، ولم يتوصل اللاهوتيون لغاية الآن الى معرفة شئ عنه.
ل ــ تفسير رؤيا يوحنا
القديس “إيرونيموس” يذكر في الفصل التاسع من كتابه “الرجال العظام” ان يوستينوس قد ترك لنا كتاباً مفصلاً هو كنايه عن شرح وتعليق على رؤيا القديس يوحنا الرسول. ولكن هذا الكتاب لم يصلنا ايضاً.
هذه الكتب، وغيرها من الكتب المنحوله التي يذكرها التاريخ تحت اسم يوستينوس، والتي لا مجال لذكرها هنا لأن الدراسات العلميه لم تجزم بعد في مدى نسبتها اليه، كانت مرجعا مهماً في القرون الأولى للكنيسة، استعملها المدافعون عن العقيدة للرد على المتحاملين على المسيحية والطاعنين بتعاليمها. وان دلت على شئ، فانها تؤكد لنا على قيمة هذا الرجل العظيم الذي نفذَ بعقله الى جوهر الكنيسه التي أقام بانيها في اعماقه، وأحاط كفيلسوف بكل ما يدور حولها وما يحاك لها.
والحقيقه ان ما من أحدٍ كان معداً مثله لتلك المجابهه الكبرى. فلقد توغل في افكار الفلاسفة، وزاول الفلسفة وأحبها الى أبعد الحدود، وعرفها من الداخل، ولم يبحث عن الحقيقة إلا لكي يعيشها. عانى الكثير في سبيلها، فقام برحلات بعيده واحتمل المشاق في سعيه الى المعرفة المثلى.
ولكونه تعذب في الطريق، نكتشف عنده زهداً مذهلاً، زهداً هو بعينه الشهاده التي لا تخدع ولا تكذب. سما باخلاقه، ومال الى الدقه التاريخيه، وتأثر بلين الجدليه عند الهلينيين، وبالتدقيق في فن الحوار الذي يرتفع بالعقل من المحسوس الى المعقول، حتي وصلت به الحكمه الى الحقيقه التي تنتهي عند قدمي الله. لم يرفض فكر افلاطون، بل أدخله الكنيسه، ولطالما أعلن ان الفلاسفه مسيحيون دون علم منهم. فكلمة الله هي التي تنير العقول، مما يفسر وجود اجزاء من الحقيقه عن كلٍ من هؤلاء الباحثين والمفكرين، فيما يمتلك المسيحيون كلمة الله كامله غير منقوصه.
وهنا يجدر التوقف عن حقيقة نوه بها المؤرخون، وهي ان تعليم الفيلسوف المسيحي أرغم السلطات والمفكرين على ان يقيموا للمسيحية وزناً كبيراً، فاكتسب الفكر الانجيلي بفضله حق الحضور الفاعل في عاصمة الامبراطورية روما.
ولقد جاء استشهاده ليثبت بالدليل القاطع ان نشاطه أرهب حكام روما فتخوفوا من امتداد نفوذه وانتشار تعاليم المسيح في ارجاء الأمبراطوريه، اذ حصر جهوده كلها في اثبات صحة الايمان المسيحي، متسلحاً بالمجادله خلال محاربته الهراطقه إذ كانت دائرة الهراطقه قد اتسعت وبدأت تشكل خطراً أكيداً على العقيدة الصحيحة. ألم يعبر القديس “ايريناوس” أسقف مدينة ليون، بعد خمسين سنه على أستشهاد يوستينوس، عن اعجابه واجلاله لمن هو حقاً رائداً في هذا المجال؟ ويهمنا التأكيد هنا على ان يوستينوس لم يُعن يوماً بالاسلوب الأدبي، بل كان همه شرح العقيدة وايصالها الى سامعيه. خطته في الكتابة فضفاضة، ومسيرته في شرح أفكاره تعيقها الاستطرادات الكثيره والرجوع الدائم الى الوراء.
ورغم هذه الشوائب فان كتاباته لها علينا سحر عجيب تصعب مقاومته عندما نكتشف نفسه المنفتحه، المستقيمه، الساميه باستمرار الى تفهم الخصم. فلقد آمن دائماً بأن “كل انسان يمكنه قول الحقيقه، واذا لم يفعل ذلك فان الله سيحاسبه يوم الدينونه” (الحوار مع اليهودي تريفون، 82). ولا يفوتنا هنا أنه اول كاتب مسيحي مد الجسور بين المسيحية والفلسفة والوثنية.
فاستقامة نفسه وشفافيتها حركت شعور الكثيرين من حوله، وطرافته ارتكزت على التجديد في المجهود اللاهوتي مما جعله يقنع محاوريه بان الدين الجديد هو دين الحق الذي بشر به الانبياء، قد وحد العهدين القديم والجديد.
وهكذا بقي يوستينوس، من خلال مؤلفاته، المرجع المهم لمرحله من أهم مراحل المسيحية، كان فيها الرائد لكثيرين أتوا بعده وتمنطقوا بالحكمه والعلم والشجاعه والجرأه والخلقيه والرؤيا التي كانت جميعها مناره لكل من وقف سداً منيعاً في وجه المسيحية، والتي وضع اسسها هو في منتصف القرن الثاني المسيحي.
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
برغم خروج هراطقة نهاية القرن الأول وبداية ومنتصف القرن الثاني، ككل، عن المسيحية، وخلطهم للإيمان المسيحى إما بالفكر اليهودى الذي كان رمزاً للمسيحية وتم في شخص الرب يسوع المسيح والعهد الجديد، مثل الختان ويوم السبت والأعياد اليهودية وغيرها من العادات اليهودية التي تمت رمزيا في المسيح[1]،
أو وبالفكر الوثني غير الموحى به، إلا أن شهادتهم لوحى الإنجيل بأوجهه الأربعة وقانونيته لها قيمة عالية لأن هذه الجماعات خرجت، أصلاً، عن المسيحية وكان الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد هي قانونهم الأول[2] وقد بنوا أفكارهم فى أحيان كثيرة على فهم خاطئ لنصوصه وآياته.
ويؤكد القديس إيريناؤس على حقيقة أنهم آمنوا بالأناجيل الأربعة وسعى كل هرطوقي لتأييد فكره الهرطوقي وعقائده الهرطوقية منها قائلاً: ” الأرض التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق، ويسعى كل منهم لتأييد عقيدته الخاصة منها.
فالأبيونيون الذين يستخدمون الإنجيل بحسب متى، يستخرجون منها عقائدهم بنفس الأسلوب، مفترضين افتراضات كاذبة بخصوص الرب[3]. ولكن ماركيون يشوه الإنجيل بحسب لوقا، مبرهنا أنه جدف على الله الواحد الموجود من هذه الفقرات التي لا يزال يحتفظ بها. وأولئك الذين يفصلون يسوع عن المسيح[4] مدعين أن المسيح بقي غير متألم، وأن الذي تألم هو يسوع، يفضلون الإنجيل بحسب مرقس، والذي لو قرءوه بمحبة الحق لكانوا قد صححوا أخطاءهم.
وأيضاً هؤلاء الذين يتبعون فالنتينوس يستخدمون الإنجيل بحسب يوحنا كثيراً موضحين بأمثلة ارتباطهم مبرهنين كل أخطائهم من الإنجيل نفسه، كما بينت في كتابي الأول. ونظراً لأن خصومنا يشهدون لنا ويستخدمون هذه الوثائق، فبراهيننا المأخوذة منها قوية وحق “[5].
وقد اكتشف لهم مؤخراً في نجع حمادي (1945م) أكثر من أربعين كتاباً تضم عددا كبيرا مما أسموه بالأناجيل وأعمال الرسل وأسفار رؤى بل وزيفوا رسائل نسبوها للقديس بولس، تمتلئ بنصوص وآيات من معظم أسفار العهد الجديد، خاصة من الإنجيل للقديس يوحنا، وكان على رأس الهراطقة الغنوسيين باسيليدس الذي كتب، كما يؤكد أكليمندس الإسكندري في فترة حكم الإمبراطور الروماني هادريان (117 -139م)
وقد اقتبس، كما يشير هيبوليتوس[6] من الأناجيل للقديسين متى ولوقا ويوحنا ومن رسائل القديس بولس الرسول؛ 1كورنثوس وأفسس وكولوسي و1تيموثاوس ومن رسالة بطرس الأولى، ثم جماعة الأوفايتس Ophites[7]، والذي يعنى اسمهم ” عابدو الحية “، وكانوا أول من استخدموا كلمة ” غنوسيين – Gnostics”، وزعموا، كما يقول هيبوليتوس، أن عقيدتهم جاءت من يعقوب أخو الرب، واستخدموا، كما يشير هيبوليتوس أيضاً، الإنجيل بحسب متى ولوقا ويوحنا، ورسائل بولس الرسول؛ رومية و1و2 كورنثوس وأفسس وغلاطية وعبرانيين، وكذلك سفر الرؤيا، وذلك إلى جانب كتبهم الأخرى[8].
وكذلك إنجيل العبرانيين الذي يتكون بنسبة 90% من الإنجيل للقديس متى، وإنجيل توما الذي يتكون أكثر من 60% منه من الإنجيل للقديس متى أيضاً، وإنجيل بطرس الذي يتكون بنسبة 90% من الأناجيل الأربعة.
بل وقد بنيت جميع الكتب التي اسموها بالأناجيل، مثل إنجيل فيليب وإنجيل مريم المجدلية، والأعمال، مثل أعمال يوحنا وأعمال بطرس وأعمال بولس، والرؤى رؤى بطرس ويعقوب ويوحنا، بل والرسائل، مثل الرسالة إلى لاودكية[9]، الأبوكريفية، بفكر ومضمون وجوهر نصوص رسائل القديس بولس القانونية.
وهناك ملاحظة يجب أن نضعها في الاعتبار وهى وجود تمازج واختلاط واندماج، في عقل الهراطقة، بين فكر أسفار العهد الجديد وفكرهم الوثني، فقد اختلط داخلهم الفكر المسيحي بالفكر الوثني وصار مزيجاً واحداً، ولذا فعندموا كتبوا كتبهم خرج هذا المزيج منهم تلقائياً فامتلأت كتبهم بجوهر ومضمون الفكر المسيحي الممتزج بالفكر الوثني، لذا نرى مضمون العهد الجديد، خاصة الأناجيل الأربعة، واضحاً بشكل لا يمكن أن تخطئه العين ويسهل على الدارس والباحث قراءته واستخراجه.
وهذا يجيب لنا على السؤال؛ لماذا لا نجد، في أغلب الاحيان، اقتباساً أو استشهاداً مباشراً بنصوص العهد الجديد؟ وهناك أيضاً بعض من هذه الكتب التي اقتبست واستشهدت بنصوص العهد الجديد بشكل مباشر وغير مباشر وإن كنا نجد بها اختلافات طفيفة عن النص المقتبس منه بسبب الاعتماد على الذاكرة للأسفار القانونية.
1 – ماركيون هرطقته وأفكاره:
ظهر ماركيون (Μαρκίων – حوالي 85 – 160م)، والذي ترجع أهم مصادرنا عنه للقديس إيريناؤس أسقف ليون (حوالي 120 – 202م)، والعلامة ترتليان (145 – 220م) من شمال أفريقيا والعلامة هيبوليتوس (حوالي170 – 236م) أسقف روما، وكلسس اليهودي (القرن الثاني الميلادي)، الذي جادل المسيحيين من كتابات ماركيون، وكذلك الآباء التاليين لهم خاصة أبيفانيوس (حوالي 315 – 403م) أسقف سلاميس بقبرص.
وذلك إلى جانب ما تم اكتشافه من مخطوطات لأغلب الكتب الابوكريفية، خاصة ما تم اكتشافه في نجع حمادي سنة 1945م. وقد ولد ماركيون في مدينة سينوب[10] والتي كانت الميناء الرئيسي لمدينة بونتوس[11] على الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود، سنة 110م.
وكان ابناً لأسقف[12]، وكان تاجرا ثرياَ وصاحب سفينة في آسيا الصغرى[13] ثم ذهب إلى روما حوالي سنة 142- 143م، وطرد منها سنة 144م وردوا عليه مبلغ 200،000 من عملة روما الفضية والتي كان قد تبرع بها للكنيسة[14]. وعاد إلى آسيا الصغرى وبدأ ينشر تعليمه وهرطقته وأسس نظام موازي للكنيسة في روما وأقام نفسه أسقفاً. ويقول أبيفانيوس (315 – 403م) أسقف سلاميس أن والده طرده من الكنيسة بعد أن أغوى عذراء مكرسة[15]، وأن كان الكثيرون من العلماء لا يقبلون هذا القول، خاصة المؤرخ الكنسي فيليب شاف وغيره من الذين
يرون أن هذا القول لا يتفق مع فكره عن الزهد، ولم يقل به لا إيريناؤس ولا ترتليان[16]. ويرى بارت إيرمان أشهر ناقد نصي للعهد الجديد في الوقت الحالي أن هذه القصة رمزية ترمز لتدنيسه لعقيدة الكنيسة التي اعتبرها عذراء. ويقول ترتليان أنه كان قبل تحوله مستقيم الرأي (أرثوذكسياً)[17].
وقد وصفه جميع آباء الكنيسة في الشرق بالهرطوقي بل وأشر الهراطقة وقال عنه بوليكاربوس تلميذ القديس يوحنا الإنجيلي والرسول كما ينقل عنه العلامة إيريناؤس أنه: ” بكر الشيطان “[18].
وقد نادي ماركيون بعقيدة غريبة وشاذة ومضادة لما تسلمته الكنيسة عن الرسل وتلاميذ المسيح ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه1:3)، وهي قوله بوجود إلهين[19]؛ لكل منهما شخصيته المتميزة، الإله السامي والصالح وغير المعروف وغير المدرك، إله الحب الذي أُعلن في يسوع المسيح، أو ظهر بالتجسد في يسوع المسيح، وإله العهد القديم واليهود (يهوه – Yahweh)، خالق الكون والذي الصق به كل ما قالته الغنوسية الوثنية عن الديميورج (Demiurge)[20]، والذي تقول الأسطورة الغنوسية أنه وُلد من صوفيا (الحكمة) المنبثقة، الخارجة، من ذات الإله السامي والصالح غير المرئي وغير المدرك
وأن هذا الديميورج لم يكن يعرف شيئاً عن الإله السامي، غير المدرك وغير المرئي وغير المعروف، لذا تصور أنه هو نفسه، الديميورج، إله الكون فقام بخلق الكون المادي ولما أراد أن يخلق الإنسان صنع الأجساد لكن لم يستطع أن يخلق لها الروح، لأنه كان صانعاً وليس خالقاً، فوضع الايونات، أو الشرارات الإلهية المنبثقة من الإله السامي وسجنها في هذه الأجساد!! ومن ثم فقد وصف ماركيون الله في العهد القديم، بإله العهد القديم واليهود وقال عنه أنه كان جاهلا بوجود الإله السامي ولم يعرف عنه شيئاً إلا بعد أن أُعلن في يسوع المسيح.
ووصفه بالإله الأقل أو الأصغر من الإله السامي، وقال أنه الذي خلق الأرض وأعطى موسى العهد والناموس الذي يمثل العدالة الطبيعية العارية ووصفه بالإله الثانوي والأقل والقاسي والغيور، بل وبالإله القبلي الذي يهتم فقط برفاهية اليهود، على عكس الإله السامي الذي يهتم بالكون كله ويحب البشرية ككل وينظر لأولاده بكل حب ورحمة. وقال أن يهوه إله اليهود بعد أن خلق البشر كرههم بسبب خطاياهم وعاقبهم على ذلك وجعلهم يتألمون حتى الموت بالمعنى القانوني المحدد.
على عكس الإله السامي والآب السماوي الذي ظهر كمحب لأقصى درجة عندما تجسد في ابنه يسوع المسيح وشفى المرضى وصنع معجزات وأخيرا قدم ابنه ليضحي بنفسه على الصليب، فقد صار يسوع، كالآب البشري، جسدا، وسدد دين خطية البشرية المدانة بها لإله العهد القديم، وبتضحيته هذه مسح خطية البشرية وجعلها ترث الحياة الأبدية.
أي أنه نادى بأن المسيح جاء من قبل الإله السامي، وليس من قبل الله، يهوه، الذي وصفه بإله اليهود، بل وأنه ليس هو المسيح الذي تنبأ عنه العهد القديم والذي ينتظره اليهود، والذي لم يأت بعد، والذي سيكون ضداً للمسيح.
بل ويؤمن بمسيحين؛ مسيح إله اليهود والذي تنبأ عنه العهد القديم، والمسيح ابن الله الذي أعلن الإله السامي، مسيح المسيحية والذي هو إله من إله. وقال أن العهد القديم والعهد الجديد لا يمكن أن يتفقا معاً، فالعهد القديم شريعة مضادة لشريعة العهد الجديد.
ويقول عنه يوستينوس الشهيد (100 – 165م)، والذي كتب سنة 150م: أنه كان ” يحض الناس على إنكار أن الله هو خالق كل الأشياء، ما في السماء وعلى الأرض وأن المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء هو ابن الله، كما أدعى ماركيون بأنه يوجد إله أخر غير الخالق، ابن آخر “[21].
وبعد دراسة مقارنة مستفيضة للعهد القديم وتعاليم المسيح، من وجهة نظره، وضع ماركيون ما خرج به من أفكار هرطوقية في كتاب اسماه ” المتناقضات – ἀντίθέσeις – Antithesis “[22]. قابل فيه بين ما ووصف به يهوه في العهد القديم وبين تعاليم المسيح، بمفهومه الخاص دون أن يحاول أن يعرف أسباب الفروق بين العهدين[23].
وعارض الطريقة التي تفسر بها الكنيسة العهد القديم واتفاقه مع العهد الجديد، ورفض التفسير المجازي للعهد القديم وأكد على تفسيره الحرفي، وقال أن إله العهد القديم ليس هو الإله السامي الذي بشر به يسوع بل هو الديميورج (Demiurge) الذي خلق العالم المادي والناقص!! لذا رفض العهد القديم وقبل جزءًا من العهد الجديد، وهو الإنجيل للقديس لوقا مع عشر رسائل للقديس بولس، ولكن بعد تعديل بعض أجزائها الخاصة بوجود نصوص للعهد القديم وإعادة تحريرها!!
وزعم أن تلاميذ المسيح الانثى عشر أساءوا فهم رسالة المسيح وتعليمه ونادى به كمسيح إله اليهود، والذي يرى أنه، إله اليهود، إله الشر، وليس مسيح الإله السامي والصالح، إله الحب. وفهم كلام المسيح خطأ، وحذف كل ما تصور أنه يؤيد هذه الوجهة من وجهة نظره!! وقال أنه لم يفهم رسالة المسيح أحد غير القديس بولس الرسول، ومن ثم فقد قبل الإنجيل للقديس لوقا فقط باعتباره شريك القديس بولس ورفيقه في الكرازة، وأسماه إنجيل الرب كما دعي أيضا بإنجيل ماركيون.
وقد وصفه الآباء خاصة إيريناؤس أسقف ليون وترتليان وهيبوليتوس بأنه غنوسي ويتكلم بلسان الشيطان، أو أن الشيطان يتكلم بلسانه. ونظرا لصعوبة تحديد تعبير غنوسي، فقد كان هو أقرب الغنوسيين إلى قلب وفكر الكنيسة الأولى. لذا وصفه البعض بأنه كان في تضاد مع الغنوسية وأيضاً اليهودية[24].
وكان ماركيون كما يقول الآباء، إيريناؤس[25] وكذلك ترتليان[26] وهيبوليتوس[27]، قد تبع معلمه الغنوسي السرياني سردوا (Cerdo)، وطور تعليمه. وكان سردوا يعتقد أن إله العهد القديم هو غير إله العهد الجديد الذي هو أبو يسوع المسيح والذي جاء المسيح ليكشفه، ومختلفاً عنه. أو كما يقول يوسابيوس القيصري نقلا عن إيريناؤس ” أما ماركيون البنطي فقد خلف سردوا ووسع تعاليمه “[28].
2– ماركيون والإنجيل للقديس لوقا:
أعتقد ماركيون بأن هناك إنجيلاً واحداً حقيقياً، هذا الإنجيل تحول إلى نسخ عديدة، وقد أوضح ذلك بما جاء في غلاطية (1:6 – 9)؛ ” إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ! لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! “.
وقال أن الأخوة الكذبة يحاولون تحويل المؤمنين عن هذا الإنجيل الذي أعتقد، ماركيون، أنه الإنجيل للقديس لوقا. فقد أعترف فقط بالإنجيل للقديس لوقا لأن مدونه كان رفيقاً للقديس بولس، وقال أنه يحمل تقليداً أمينا عن الآخرين. وصار هذا الإنجيل هو إنجيل ماركيون بدون تحديد كاتبه بالروح القدس[29].
ولكنه حذف منه كل ما تصور أنه آثار يهودية أو له صلة بالعهد القديم لأن يسوع من وجهة نظره ظهر في مظهر البشر ولكنه لم يكن بشراً على الإطلاق[30]، بل إله من الإله السامي أو الأعلى، ولا يمكن أن يكون قد ولد من امرأة لذا حذف منه الإصحاحات الأولى والتي تحتوي على ميلاد المسيح ويوحنا المعمدان لأنها تضم نبوات للعهد القديم ذات صلة بالأحداث التاريخية. وسلسلة نسب المسيح.
وبدأ ب (لو3:1) فقط مسجلاً بداية خدمة المسيح في أيام الإمبراطور الروماني طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطي الذي كان والياً على اليهودية. ويبدأ بخدمة المسيح في كفر ناحوم (لو4:31)، معطيا الإيحاء بأنه نزل من السماء إليها مباشرة[31]. وكذلك الإصحاحات الأخيرة وركز على قيامة المسيح الذي قال أنها تمت في صمت.
ويقول إيريناؤس: ” فقد بتر الإنجيل الذي بحسب لوقا حاذفا منه كل ما هو مكتوب بخصوص ميلاد الرب، وحذف الكثير من تعاليم الرب التي سجلت بكل وضوح أن خالق الكون هو أباه “. كما أشار إلى حذفه لكل ما جاء في رسائل بولس من اقتباسات وإشارات تقول أن الله الذي خلق الكون هو أبو يسوع المسيح[32].
3 – ماركيون والقديس بولس وقانون العهد الجديد:
كان ماركيون مقتنعا أن القديس بولس وحده من بين قادة الكنيسة الرسولية الأولى هو الذي فهم مغزى أن يسوع المسيح جاء من الإله السامي ومن ثم قبل عشر رسائل فقط من رسائله هي؛ 1و2 كورنثوس وغلاطية ورومية و1و2 تسالونيكي وأفسس وكولوسي وفيلبي وفليمون، ودعاها رسولية، وحذف الرسالتين 1و2 تيموثاؤس، والرسالة إلى تيطس والرسالة إلى العبرانيين. وأبقى على ثماني رسائل من الرسائل العشر كما هي بين أيدينا الآن، ودون أن يحذف منها شيئاً، وحذف من الرسالتين إلى رومية وغلاطية كل ما له صلة باليهودية!! فقد حذف من رومية (1: 17؛1: 19-21؛3:31 – 4:25؛8: 19؛10: 5 – 11: 32). وكل الإصحاحين 15 و16: 26.
وحذف من غلاطية الحوار بين القديس بولس والقديسين بطرس ويعقوب في أورشليم (1:18 -24)، ورواية إيمان إبراهيم (3: 6-9)، وفقرات أخرى[33]. فقد حذف كل ما تصور أنه لا يوافق فكر القديس بولس وما له صلة باليهودية[34]. وذلك إلى جانب الإنجيل للقديس لوقا والذي دعاه بالإنجيل، ووصف الإنجيل (Euangelion) والرسائل (Apostolikon) ب (Euangelion and Apostolikon)، وذلك بالإضافة إلى العمل الذي أسماه المتضادات (Antitheses)، والمذكور أعلاه.
وما فعله ماركيون هذا دفع آباء الكنيسة لوضع قانون العهد الجديد ووضع أسماء الإنجيليين الذين دونوا الإنجيل بأوجهه الأربعة على ما دونه كل واحد منهم، فقد وضعوا على الإنجيل الذي دونه القديس متى ” بحسب متى – κατα Μαθθαιον – Acording to Matheon “[35]، ومثله الأناجيل الثلاثة الأخرى (بحسب مرقس – Κατά [36]Μάρκον – Markon Acording to – بحسب لوقا – Acording to Lokan – Κατά Λουκάν[37] – بحسب يوحنا – [38]Acording to Iwannin – Κατά Ιωάννην)، للتفريق بينها وبين ما نسب لماركيون، وبين ما كتبه الهراطقة الغنوسيين الآخرين، الذين كتبوا الأناجيل الأبوكريفية المنحولة ونسبوها للرسل.
فقد كانت الأسفار القانونية، الموحى بها، منتشرة في الكنائس التي كتبت بها أو لها والتي نسخت عنها نسخ كثيرة في بلاد كثيرة، ومعترف بها دون أن يسأل أحد من الناس عن مدى صحتها وقانونيتها لأنهم استلموها مباشرة من الرسل وقد كتبت أصلاً بناء على طلب منهم، فقد طلبوها من الرسل وكتبها الرسل بناء على طلبهم واستلموها منهم.
يقول أف أف بروس (F.F. Bruce): ” ترجع الأهمية الرئيسية لماركيون في القرن الثاني في رد الفعل الذي أحدثه بين قادة الكنائس الرسولية، فقد حفز قانون ماركيون الكنيسة الجامعة لتحديد قانون العهد الجديد بأكثر قوة ليس ليسود على قانون العهد القديم بل ليكمله. وهكذا بصفة عامة، فقد قاد تعليم ماركيون الكنيسة الجامعة لتحديد إيمانها بحرص أكثر بنصوص محسوبة لتقصي التفاسير الماركيونية “[39].
ويضيف: ” وقد حفز انتشار أفكار ماركيون بصورة واسعة الكنيسة لكي تعبر عن اسبقيتها في وضع قانون أسفار العهد الجديد للآخرين “[40].
كان ماركيون هو أول من جمع مجموعة من الأسفار المسيحية في قانون واحد، كما حفز الكنيسة على وضع قانون للإيمان، وهو ما يعرف الآن بقانون إيمان الرسل والذي ترجع أصوله للقرن الثاني. هذا القانون أوضح أن الله الآب وليس الديميورج، إله اليهود، هو الذي خلق السماء والأرض والكون وكل ما فيه وأنه لا يوجد إلا إله واحد والذي تحدد أكثر في نيقية[41].
كما رفض ماركيون التفسير المجازي للعهد القديم بل ورفض العهد القديم كله، الذي كان بالنسبة له مجرد تاريخ لليهود والمتحدث عن الديميورج[42]. وكان يميل إلى التقشف والزهد، ويقول ترتليان أنه منع الزواج لأن التناسل كان من اختراع الديميورج[43]. ومع ذلك فقد أكتسب تعليمه شعبية وانتشارا. بل ويقول يوستينوس أن تعليمه أنتشر بين كل سلالات البشر[44]. واستمرت هرطقته إلى القرن الخامس.
4 – فالنتينوس [45] وقانون العهد الجديد:
ولد فالنتينوس (Valentinus – حوالي 100- 175م) بمنطقة الدلتا بمصر (حوالي 100م) وتوفى سنة (175م) وتعلم التعليم اليوناني في متروبوليس بالقرب من الإسكندرية التي كانت في ذلك الوقت عاصمة العالم للثقافة الهيلينستية اليونانية ومن المحتمل أنه قابل فيها الفيلسوف الغنوسي باسيليدس الذي كان يعلم هناك ومن المحتمل أيضاً أنه تأثر بأفكاره.
وفي الإسكندرية أيضاً تعرف على الفلسفة اليونانية، كما تعرف على الفكر الأفلاطوني والذي ربما يكون قد تأثر به عن طريق التفسير اليهودي الهيلينستي لأسفار العهد القديم وقد كان واضحا في إحدى فقرات عظة من عظاته أنه كان يعرف كتابات الفيلسوف اليهودي العظيم فيلو اليهودي (Philo Judaeus) (30 ق م – 45م)، الذي كان يفسر العهد القديم بصورة مجازية.
وكان فالنتينوس يدرس في الإسكندرية (117 – 138م)، وقد أدعى أنه تلقى تعليمه المسيحي عن طريق ثيوداس الذي قال أنه كان تلميذا للقديس بولس الرسول، وفي حوالي سنة 136 إلى 140م سافر إلى روما وحاول أن يكون له دور كنسي هناك. ويقول لنا القديس إيريناؤس أسقف ليون (180م) أنه بني فكره ونظامه اللاهوتي على الأسطورة الغنوسية[46].
ويضيف[47]: ” جاء فالنتينوس إلى روما في وقت هيجينيوس (Hyginus حوالي 136 – 140م)، وأزدهر تحت بيوس (حوالي 150 – 155م)، وظل حتى أنيسيتوس (حوالي 155 -160م)[48]، وكان أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص هو أول من قال أنه ولد في مصر وتعلم في الإسكندرية وقد نشر فكره في مصر قبل أن يذهب إلى روما، ويضيف ابيفانيوس أنه غادر روما فيما بعد إلى قبرص[49].
ويوجد في كتاب المتفرقات لأكليمندس الإسكندري ست فقرات من كتابات فالنتينوس مدمجة في كتابه؛ اثنتان منها من خطاباته واثنتان من عظاته واثنتان لا يعطي لنا أي توضيح عن أي كتاباته أخذهم[50]. ويضيف كواستن: ” وجد فالنتينوس أتباع كثيرين في الشرق والغرب، ويحدثنا هيبوليتوس عن مدرستين واحدة شرقية وواحدة في إيطاليا “[51].
ويقول عنه ترتليان: توقع فالنتينوس أن يكون أسقفاً، لأنه كان رجل ذكياً وفصيحاً مقتدراً، ولما حصل غيره على هذه الكرامة، بسبب ما قيل أنه أب للاعتراف، فقد أنتقم وفقد إيمان الكنيسة الحقيقي. ومثل الذين تكون روحهم غير مستقرة فقد أثاره الطموح، ودبت فيه رغبة الانتقام، ومن ثم فقد دفع نفسه بكل ما يمكن أن يؤدي لإفساد الحق؛ ووجد مفتاح ذلك في تحقيق الرأي القديم وحدد لنفسه طريق رقة الحية “[52].
ويعبر ترتليان عن فكر فالنتينوس من جهة الكتاب المقدس فيقول: ” توجد طريقتان لتشويه تفسير الأسفار المقدسة، واحدة هي طريقة ماركيون فقد استخدم السكين ليستأصل من الأسفار المقدسة كل ما لا يتفق مع رأيه، ويبدو فالنتينوس من جهة أخرى أنه يستخدم كل العهد الجديد (Instrumentum)، ويفسد معناه بسوء تفسيره “[53].
ويقول بروس (F.F. Brauce)، نقلاً عن (W. C. Van Unnik)؛ أن هذا يبين لنا وجود مجموعة من كتابات العهد الجديد التي كانت معروفة ومقبولة في روما وموحى بها. ويؤكد بروس أن فالنتينوس ألمح في مقالته، عن القيامة، لاستخدام الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وسفر أعمال الرسل ورسالة يوحنا الأولى ورسائل القديس بولس، فيما عدا الرسائل الرعوية[54]، والرسالة إلى العبرانيين وسفر الرؤيا. ولم يلمح إليها فقط بل استشهد بنصوص تفترض أنها ذو سلطان، وموحى بها[55].
ومن أهم كتابات فالنتينوس التي استشهد بها وأقتبس فيها من أسفار العهد الجديد هو كتاب ” إنجيل الحق[56] “[57]، والذي تم أكشافة في نجع حمادي سنة 1945م. فقد استشهد بالأناجيل الأربعة وسفر الأعمال وسفر الرؤيا ورسالة يوحنا الأولى ورسائل بولس الأربع عشرة، مثل الرسالة إلى رومية وإلى كورنثوس الأولى وإلى العبرانيين، واقتبس من الرسالة إلى أفسس باعتبارها كلمة الله وسفر مقدس.
وهذا يبرهن فى نظر العلماء على وجود أسفار العهد الجديد، جميعاً في روما فى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. وفيما يلي بعض الفقرات التي استشهد بها أو بنى فكره على مضمونها وجوهرها دون نصها:
في النص التالي يقول: ” هذا هو الذي يدعى المخلص، لكونه اسم لمهمته التي يجب أن يقوم بها لعتق أولئك الذين لم يتعرفوا على اسم الآب “. يأخذ مضمون وجوهر وفكر الآيات التالية: ” لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ ” (مت1:21)، ” أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ ” (يو17:6)، ” وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ ” (أع4: 12).
وفي الفقرة التالية: ” فجعله بلا قوة. وقد سُمر على الصليب… الآب غير المحدود, غير المتخيل, ذلك الآب الكامل الذي صنع الكل, وفيه الكل, وله الكل “. يأخذ روح ومضمون الآيات التالية: ” فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ 00 الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ ” (كو1:17)، ” حَيْثُ صَلَبُوهُ ” (يو19: 18)، ” الَّذِي أَيْضًا قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ ” (أع 10: 39).
ويقول أكليمندس الإسكندري[58]: ” يقال أن الابن هو وجه الآب لكونه يعلن شخص الآب للحواس الخمس بارتدائه لنفسه الجسد “. ويقول نص إنجيل الحقيقة المكتشف في نجع حمادي: ” بعد كل هذا جاء أيضاً الأطفال الصغار, هؤلاء الذين يملكون معرفة الآب. وحين أصبحوا أقوياء تعلموا سمة وجه الآب “. وهذا جوهر ومضمون قوله: ” لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ” (مت18:10).
وفي هذا النص: ” هذا الكتاب الذي لم يقدر احد أن يأخذه, لأنه حفظ للذي سيأخذه ويذبح. ولم يستطع أحد من هؤلاء الذين آمنوا بالخلاص التجسد مادام الكتاب لم يظهر. لهذا السبب, كانت عاطفة وولاء يسوع صبرا في معاناته حتى أخذ ذلك الكتاب, حيث أنه علم أن موته يعني الحياة للعديدين “. هو وفكر وصدى ما جاء في رؤيا (5:1-5): ” وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ سِفْرًا مَكْتُوبًا مِنْ دَاخِل وَمِنْ وَرَاءٍ… فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ… أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ… هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ “.
والنص التالي: ” بل بالأحرى هي حروف الألف باء حيث الذين يدركونها يعبرون عن أنفسهم. كل حرف هو فكر كامل، كل حرف هو كتاب حقيقي كامل مكتوب بالألف باء لوحدة الآب “. هو صدى لجوهر ومضمون قوله: ” أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي ” (رؤ1:8).
5 – المونتانية وقانون العهد الجديد:
ترجع المونتانية إلى مونتانوس (Montanus) من أردابو قرية في فريجية بآسيا الصغرى، لذا دُعيت هذه الهرطقته، أولاً، بالهرطقة الفريجية، وقد ظهر حوالي سنة 170م. وسبب ظهوره انشقاقًا في الكنيسة انتشر بصورة شاسعة، وبقيت أثاره إلي القرن الرابع[59]. كان مونتانوس وثني الأصل ويري العلامة ديديموس الضرير أنه كان كاهن وثن[60]. وعلم بأن الإعلانات الإلهية الفائقة لم تنتهِ بانتقال الرُسل من العالم، بل كان من المتوقع وجود إعلانات أكثر عجباً من عصر الرسل وذلك بتدبير الباراقليط.
ودعيت هذه الهرطقة باسم مؤسسها ” المونتانية (Montanism) “، إلى جانب الفريجية. وأدعى مونتانوس أنه هو نفسه الباراقليط الذي وعد الرب يسوع المسيح أن يرسله ليحل على تلاميذه، كما أدعى أنه يتكلم بوحي الروح القدس ويرى رؤى إلهية وأنه نبي ومن ثم فقد كان أتباعه يعتبرون كلماته هي كلمات الله نفسه. كما تطرف للقول بأنه هو نفسه الروح القدس الذي قال عنه ووعد به المسيح[61]. وأشار أكليمندس الإسكندري إليهم كأنبياء كذبة[62]. أما ترتليان الذي أنضم إليهم فدافع عنهم في عمله المفقود في 6 كتب عن الدهش.
وقال المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن مونتانس: ” كان هناك شخص اسمه مونتانوس متنصر حديثاً، وبسبب تعطشه الذي لا يحد للقيادة أعطى للخصم فرصة ضده. وأصبح خارج عقله، وإذ صار في حالة خبل وذهول صار يهذي وينطق بأمورٍ غريبةٍ، ويتنبأ بحالة مُغايرة لعادة الكنيسة السليمة المُسلمة إليها من التقليد منذ البداية. اشتد غضب بعض من سمعوا أقواله الزائفة وقتئذٍ ووبخوه كشخص قد مسه خبل، وساقط تحت سلطان إبليس، ومدفوع بروح مضل ومضلل للشعب، فمنعوه من الكلام، متذكرين نصيحة الرب نحو ضرورة التمييز، الحذر من مجيء الأنبياء الكذبة “[63].
ويقول ابيفانيوس، عن مونتانوس، أنه قال: ” يا للأسف الإنسان كاذب، وأنا أطير فوقه كالذي يجني، الإنسان ينام وأنا أراقب “[64]. ويضيف قوله: ” لم آت كملاك ولا رسول، ولكن الرب، الله الآب قد أتى “[65]. وكان من تلاميذه سيدتان هما بريسكلا (Priscilla) وماكسيّملا (Maximilla)[66]، اللتان سقطتا في حالة انفعال شديد، وكان مونتانوس وأتباعه ينظرون إليهما كنبيتان مكرمتان جدًا.
وأدعى مونتانوس وبريسكلا ومكسميلا أنهم يقعون في غيبوبات رؤوية ويتكلمون بالروح القدس، ويحثون أتباعهم على الصوم والصلاة، حتى يشتركوا في الرؤى التي يرونها، كما أدعى أتباعهم أنهم نالوا موهبة النبوة من الأنبياء كوادراتوس وأميّا اللذان من فيلادلفيا، واعتقدا أن لديهما جزءًا من خط النبوة الذي يعود إلى أجابوس وبنات فيلبس المبشر[67].
ويقول ابيفانيوس أن مونتانوس قال عن نفسه: ” أنا الرب، الله كلي القدرة الذي أسكن في الإنسان “[68]. ويقول ديديموس الضرير أنه قال: ” أنا هو الآب والابن والباراقليط “[69]. وينقل عنه ابيفانيوس أيضاً: ” لماذا تقولون أن الإنسان السوبر الذي خلص؟ لأن الرجل البار يشرق أكثر لمعاناً من الشمس مئة مرة، وحتى الصغار بينكم قد صاروا بخلاصهم أكثر لمعاناً من القمر مئة مرة “[70]. ويقول مونتانوس عن دفنه: ” عندما أموت يجب أن أدفن تحت الأرض بخمسين ذراعاً، لأن النار التي ستأتي على كل الأرض ستلتهمني إذا لم أدفن في هذا العمق “[71].
وتقول مكسيّملا عن نفسها: ” بعدي لن تكون هناك نبوّة “[72]. ” أنا مُقادة بعيدا مثل الذئب، وأنا لست ذئباً. أنا كلمة وروح وقوة “[73]. ” الرب أرسلني كنصيرة لهذا الواجب، مجبرة على فعل ذلك، وسواء كنت أريد أو لا أريد، لأكون معطية الوحي لهذا العهد، ومترجمة للوعد، ولنقل المعرفة من الله “[74].
وتقول بريسكلا عن المونتانيين: ” يرون رؤى، ويحولوا وجوههم لأسفل، فهم يسمعون أصوات ظاهرة صحية فوق الأسرار “[75]. وتقول عن نفسها: ” جاء المسيح إلي [ وأنا نائمة ] يظهر لي كامرأة لابسة روب مشع. ووضع الحكمة فيّ وكشف لي المكان المقدس وأن أورشليم ستنزل من السماء في هذا الموقع “[76].
يقول يوسابيوس القيصري: ” وهكذا بالمكر والحيل الشريرة دبر إبليس هلاكاً للعصاة فأكرموه, وهو لا يستحق أي إكرام, في الوقت الذي ألهب هو أذهانهم التي كانت قد انحرفت فعلاً عن الإيمان السليم, علاوة على هذا فقد حرك امرأتين وملأهما روح الضلال حتى صارتا تتكلمان بشكل غريب وبلا روية ولا منطق, كالشخص السابق ذكره (مونتانوس), أما الروح (الشرير) فقد أعلن أنهم مباركون إذ سروا وافتخروا به ونفخهم بوعوده الخلابة, غير أنه في بعض الأحيان كان يوبخهم علانية بطريقة حكيمة أمينه لكي يظهر كناصح ومؤدب, ولكن الذين انخدعوا من أهل فريجية كانوا قليلي العدد. وقد علمهم الروح المتغطرس احتقار الكنيسة بأكملها، الجامعة تحت السماء, لأن روح النبوة الكاذبة لم ينل منها أي إكرام ولا سمح بدخولها “[77].
كان الموضوع الجوهري للمونتانية هو الباراقليط، روح الحق، الذي وعد به المسيح في الإنجيل للقديس يوحنا، وقد أظهر نفسه للعالم في مونتانوس والأنبياء والنبيتان المساعدتين له.
وادعوا أن النبوة المونتانية جديدة، بل ولم يفعل الأنبياء مثلما فعل مونتانوس، وأن لديهم نوعاً من قوة الدهش، الغيبوبة الروحية، وفي حالة من الانفعالية يحصلون على الكلمات التي يتكلمون بها ويزعمون أنها كلمات الروح القدس، وقد زعم مونتانوس أنه هو الإعلان النهائي للروح القدس وأنه إضافة لتعاليم المسيح والرسل، ويجب أن تقبل الكنيسة هذا الإعلان الكامل.
ولم يكن المجيء الثاني للمسيح يشغل اهتمامهم وآمنوا بأورشليم السمائية (رؤيا 12) التي زعموا أنها ستنزل حالاً على الأرض في المدينة الفريجية الصغيرة بيبوزا (Pepuza)[78]، فتخلى عنهم كثيرون من أتباعهم وكثير من الجماعات المسيحية.
ولقناعته بنهاية العالم الوشيكة وضع، مونتانوس، مبادئ أخلاقية صارمة زاعماً تطهير المسيحيين وفصلهم عن رغباتهم المادية. وقد عُرف المونتانيون بالنسك الشديد والزهد في الحياة، وكثرة أيام الصوم والأمتناع عن اللحوم والخمر والاستحمام والمشروبات كعصير الفواكه (فيما عدا أيام السبت والأحد)، وتعظيم العذرية، البتولية، والرغبة في الاستشهاد ورفض الزواج، الذي عادوا فقبلوه وحرموا الزواج الثاني للأرامل! كما كانوا يتسمون بالعنف في قبول الذين سقطوا في خطايا خطيرة.
وادعوا أنهم يقومون بعملية إحياء روحي من خلال النبوة الجديدة داخل الأرثوذكسية، وكرموا التقليد واعترفوا بالقواعد الكتابية للإيمان المسيحي وقبلوا المواضيع الرؤوية (نهاية العالم)، ورفضوا نظام الرتب والكهنوت المسيحي.
ووقفت الكنيسة في آسيا الصغرى ضد هذه الهرطقة وحاربتها بشدة منذ أيام ديوناسيوس أسقف كورنثوس (فيما بين 160 و170م)، واستمرت حتّى القرن الثالث، حين فندها زفيرينوس أسقف روما (198 – 217م)[79] حوالي السنة 200م، وحذا أساقفة قرطاج وبقية أساقفة أفريقيا حذو أساقفة آسيا الصغرى ودعوها بالهرطقة الفريجية[80].
وكان يعتقد أن هؤلاء الأنبياء الفريجيين تمتلكهم أرواح شريرة وكانت كل من مكسيملا وبرسيكلا أهداف للتعاويذ الفاشلة[81]. وأعلنت كنائس آسيا الصغرى أن نبواتهم تجديف وحرموا أتباعهم[82].
وحوالي سنة 177م قام أبوليناريوس (Apollinarius) أسقف هيرابوليس وترأس مجمع أدان فيه هذه الهرطقة ونبوتها المزعومة[83]، كما يقول يوسابيوس، أنه (أبوليناريوس) ومعه أشخاص آخرون مقتدرون قد تركوا لنا مادة غزيرة جداً استقينا منها الكثير من المعلومات عند كتابة تاريخنا هذا “[84]. وتحاور معهم كابوس[85]، أحد المفندين لهرطقتهم، والذي يقول عنه يويسابيوس أنه: ” من جهابذة العلماء “، في روما في عهد زفيرينوس، وكذلك بروكلوس الذي كان خصماً عنيداً للفريجية، وهاجم جراءتهم على إبراز أسفار جديدة. ويذكر فقط ثلاث عشرة رسالة للرسول المبارك، غير حاسب رسالة العبرانيين مع الرسائل الأخرى “.
ويضيف يوسابيوس: ” فالمؤمنون في آسيا كانوا يجتمعون في أماكن مختلفة في جميع أرجاء آسيا للتفكير في هذا الأمر, وفحصوا الأقوال الغريبة, وأعلنوا فسادها ورفضوا البدعة, وأستقر رأيهم على إبعاد هؤلاء الأشخاص من الكنيسة, ومنعوهم من الشركة “[86]. كما واجه مجمع القسطنطينية قبل سنة 381م، خطورة فكرهم وأدانها بالرغم من دفاع ترتليان، الذي اقتنع ببعض أفكارها، وصار رئيساً لجماعه فيها[87].
أما عن موقفهم من قانونية أسفار العهد الجديد فيقول ابيفانيوس أسقف سلاميس: ” هؤلاء الفريحيين، كما نسميهم، يقبلون كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد ويؤمنون بقيامة الموتى أيضاً. ولكنهم… ويتفقون مع الكنيسة الجامعة المقدسة عن الآب والابن والروح القدس “[88].
وقد أنتشر تأثير هذه الهرطقة في الأوساط المسيحية وكان تأثيرها ذو شقين؛ الأول هو أنهم كتبوا كتب جديدة دعوها بالأسفار المقدسة زاعمين ومدعين أنهم رأوا مضمونها في رؤى! وهذا دفع الكنيسة لعدم الثقة في الأدب الرؤى عموماً، بما في ذلك رؤيا يوحنا، لدرجة أن أحد أتباع الكنيسة الجامعة رفض رؤيا يوحنا لهذا السبب.
وكانوا يستخدمون أسفار العهد الجديد ويستشهدون بها ويقتبسون منها كثيراً كأسفار مقدسة. وقد وضع هؤلاء ثلاثة تقسيمات للأسفار المقدسة، هي؛ (1) العهد القديم، (2) العهد الجديد، (3) كتابات المونتانيين الذين كتبوها هم وادعوا أن الروح القدس هو الذي أوحى لهم بها! ولذلك حرمتهم الكنيسة الجامعة[89].
كما دفعت المونتانية بعض المدافعين المسيحيين، الذين هاجموها بضراوة، لرفض بعض أسفار العهد الجديد التي اعتمدت عليها هذه الهرطقة كثيراً! فقد قام أحد هؤلاء المدافعين بتفنيد أفكارها الهرطوقية وأندفع في هجومه عليها وفي ذروة اندفاعه رفض سفر الرؤيا!! بسبب حديث، هذه الهرطقة، عن الملك الألفي واستخدامها الكثير فيما أسمته بالنبوة الجديدة، ورفض الإنجيل للقديس يوحنا بسبب ما جاء فيه عن البارقليط، المعزي، وإدعاء مونتانوس بأنه هو نفسه الباراقليط، بل واستخدامهم الكثيف له.
والخلاصة هي أن مونتانوس وأتباعه، المونتانيين، أو الفريجيين، آمنوا بكل أسفار العهد الجديد، ولكن وبسبب استخدامهم الكثير للإنجيل للقديس يوحنا، وخاصة في حديثه عن الباراقليط، فقد رفض أحد الذين هاجمهم وفند هرطقتهم الإنجيل نفسه، ورفض آخر سفر الرؤيا بسبب آياتها التي تتحدث عن الملك الألفي، ورفض آخر نسبة الرسالة إلى العبرانيين للقديس بولس.
وعلى أية حال ما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو أن المونتانيين، برغم كل هرطقتهم فقد قبلوا، في القرن الثاني الميلادي، كل أسفار العهد الجديد السبعة وعشرين كأسفار قانونية وموحى بها، متفقين في ذلك مع الكنيسة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.
مما سبق يتضح ويتأكد لنا أن الإنجيل بأوجهه الأربعة بصفة خاصة، ورسائل بولس الرسول وبقية أسفار العهد الجديد بصفة عامة، كانت منتشرة ومعروفة فى كل البلاد التى انتشرت فيها المسيحية وكان جميع المؤمنين يؤمنون بأنها كلمة الله الموحى بها والتى استلموها من الرسل شهود العيان ورجال الروح القدس، وأنها أسفار مقدسة ومكتوبة بواسطة الرسل أنفسهم والذين كتبوا مسوقين ومحمولين بالروح القدس، وكانت تقرأ في جميع الكنائس.
كما كانت منتشرة بأعداد كبيرة فى كل البلاد التي انتشرت فيها المسيحية وفى وسط أناس حفظوها شفوياً قبل أن يستلموها مكتوبة، وكان الرسل، في حياتهم، خير ضمان لوحيها والحفاظ عليها ثم صار تلاميذهم، الآباء الرسوليون، والذين صاروا قادة للكنيسة من بعدهم، خير ضامن أيضاً لوحي هذه الأسفار، الإنجيل، وللحفاظ عليها، باعتبارهم هم أيضاً شهود عيان وأول من استلم منهم الإنجيل شفاهة ومكتوباً.
وكان القديس يوحنا الرسول والذى عاش إلى نهاية القرن الأول الميلادى خير شاهد وضامن لوحى الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد. كما كانت جميع النسخ الأصلية أو النسخ المنقولة عنها مباشرة موجودة في جميع الكنائس الرسولية الرئيسية في بداية القرن الثالث الميلادي ولا نعرف إلى متى ظلت موجودة بعد ذلك، فربما تكون قد بقيت موجودة بعد ذلك بمئات السنين.
[2] أنظر كتابنا ” إنجيل برنابا هل هو الإنجيل الصحيح ” ف 6.
[3] خرجت الابيونية بعد خراب الهيكل ودمار أورشليم سنة 70م من جماعة تدعى اليهود المتنصرين، ودعاهم العلامة هيبوليتوس بالمسيحيين اليهود، لتمسكهم بالعادات والتقاليد اليهودية والناموس وحفظهم للسبت. وقد دعاهم رجال الكنيسة
بالابيونيين من كلمة ابيون العبرية وجمعها ابيونيم والتي تعني الفقراء لفقر تعاليمهم وحقارتها. يقول عنهم المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ” وقد كان الأقدمون محقين إذ دعوهم ” ابيونيين ” لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة ” (يوسابيوس ك 3 ف 27). وبرغم قلة عددهم فقد كان كل فريق منهم يرى في شخص المسيح غير ما يراه الآخرون؛ ” وقال بعضهم؛ أن يسوع لم يولد من عذراء وإنما ولد ولادة طبيعية من يوسف ومريم، وقد تبرر فقط بسبب فضيلته السامية “.
وقال بعض آخر بولادته من عذراء ” وبخلافهم كان هناك قوم آخرون بنفس الاسم، ولكنهم تجنبوا الآراء السخيفة التي أعتقدها السابقون، ولم ينكروا أن الرب وُلد من عذراء ومن الروح القدس.
ولكنهم مع ذلك رفضوا الاعتراف أنه كان كائنا من قبل لأنه هو الله، الكلمة ” (يوسابيوس ك3 ف 27). ويقول القديس إيريناؤس ” ولكن رأيهم فيما يختص بالرب مثيل بما قاله كيرنثوس وكربوكريتس؛ ” اللذان قالا أن المسيح الإله حل على يسوع في شكل حمامة ودخل فيه ” (Iren. Ag. Her.1:26). كما يزعمون أنه لم يولد من الآب إنما خلق كواحد من رؤساء الملائكة… وهو يحكم على الملائكة وكل مخلوقات القدير (N.T Apoc. Vol. 1 p, 158). فهو بالنسبة لهم إله ولكن بدرجة أقل من الآب!! فقد صار، من وجهة نظرهم، أعظم من الأنبياء والملائكة والكائن الثاني في الكون بعد الله!!
[4] مثل كيرنثوس وكربوكريتس (Cerinthus and Carpocrates) اللذان قالا أن المسيح الإله حل على يسوع في شكل حمامة ودخل فيه في المعمودية وتركه عند الصليب (أنظر Iren. Ag. Her.1:26).
[5] Irenaeus, Against Heresies, 3:11,8.
[6] Hippolytus, Refutation of Heresies,7:14.
[7] See Ire. Ag. Haer. 1:30
[8] See Refut. Haer.6:1 and Ire. Ag. Haer. 7:8, 14 and ANF vol. 5 pp. 106, 107
[9] كتب الهراطقة بعض الرسائل الابوكريفية ونسبوها للرسل، منها ثلاث رسائل نسبوها للقديس بولس إحداها ما اسموه بالرسالة إلى لاودكية. والتي تتكون من عشرين عدداً، وهي مجموعة متناثرة من عبارات مأخوذة من رسائل القديس بولس القانونية وقد نسجت في خيط واحد. ذكرت في المخطوطة الموراتورية (170م) ونصها لا يزال موجوداً.
[10] W.H.C. Frend, The Rise of Christianity, P. 213.
[16] Philip Schaff, History of the Christian Church, Vol. 2, 1910.
Bart D. Ehrman, in Lost Christianities, suggests that his seduction of a virgin was a metaphor for his corruption of the Christian Church, the Church being the virgin.
[19] يؤمن هذا الفكر المأخوذ عن افلاطون بأنه كان يوجد في الكون الإله السامي، غير المرئي وغير المدرك، والمادة الموجودة في الكون ولكن في حالة فوضى ولا تكوّن، وهما أبديان، لا بداية لهما ولا نهاية، وأن الله قدوس وطاهر بشكل مطلق والمادة تمثل الشر والدنس، ونظراً لأن الإله السامي طاهر ولا يمكن أن يلمس المادة الدنسة لذا بثق (أخرج) من ذاته 365 أيون، أي كائن روحاني، بعدد أيام السنة الشمسية، وكل أيون بثق من ذاته 365 أيون.. وهلم جرا. وكان أقرب الايونات إلى الإله السامي أربعة هم؛ أوتوجينيس، أي ذاتي الجنس، ومونوجينيس، أي وحيد الجنس، وباربيلو، أي عقل الآب، وصوفيا، أي الحكمة.
واعتقدوا أن هذه الايونات مكتملة الجنس بمعنى أنها مكتملة الذكورة والأنوثة في ذاتها، ومن ثم فقد حبلت صوفيا ذاتيا وولدت كائن اسموه بالديميورج أو يلدابوس ومعناه الصانع أو الحرفي وليس الخالق، والذي كان يجهل وجود الإله السامي ولا يعرف عنه أي شيء من ثم تصور أنه هو نفسه إله الكون! فصنع الكون ونظم المادة ولما أراد أن يخلق الإنسان صنع الاجساد وعجز عن خلق الأرواح لأنه ليس خالق، فاخذ الايونات المنبثقة من بعضها البعض والمنبثقة أصلا من الإله السامي ووضعها في الأجساد لتحيا، فجعلها سجينة الأجساد المخلوقة من المادة الشريرة بعد أن كانت حرة طليقة!
ومن هنا احتاج الإنسان للخلاص، خلاص روحه من جسده، وآمنوا أن الخلاص لابد أن يكون بالمعرفة، أي يعرف البشر أنهم أرواح أو شرارات من الإله السامي ويجب أن تعود كما كانت وإن الإله الحقيقي هو الإله السامي، غير المرئي وغير المدرك، وأن الديميورج هو إله شرير لأنه أدعى أنه إله الكون ولأنه سجن الايونات المنبثقة من الإله السامي في الاجساد المخلوقة من المادة الشريرة.
ولما جاء المسيح اعتقدوا أنه جاء من عقل الآب، الإله السامي، في شبه جسد وظهر في هيئة وشكل وشبه الإنسان لكن لم يتخذ جسدا من العذراء بل نزل من السماء إلى الأرض مباشرة ودون أن يولد من العذراء.
[20] والذي يعني اسمه الحرفي (craftsman)، أي الصانع لأنه لم يكن إلهاً خالقاً.
[21] Justin Martyr, Apology 1: 58.
[22] Antithesis من اليونانية “ ἀντί ” وتعني ضد و ” θέσις ” أي ترتيب أو موضع، وتعني الكلمة كاملة مضاد أو متضاد.
[23] وعلى سبيل المثال فقد قال: كانت شريعة موسى هي شريعة ” العين بالعين ” (تث19:21)، والتي تركها المسيح (مت5:39)، وجعل، إله العهد القديم، الدببة تأكل الأطفال الذين دعا عليهم أليشع النبي (2مل2:23و24)، وعلى العكس فقد قال المسيح: ” دعوا الأولاد يأتون إلى ” (لو18:16)، وأوقف إله العهد القديم الشمس ليشوع ليواصل ذبح أعدائه (يش10:13)، وعلى العكس اقتبس بولس الرسول وصية المسيح القائلة: ” لا تغرب الشمس على غيظكم ” (أف4:26)، وسمح العهد القديم بتعدد الزوجات والطلاق وهذا غير مسموح به في تعاليم المسيح (مت5:31).
[24] K.S. Latourette, A History Of Christianity, P. 125.
[25] Ag.. Haer. I.27.1; III.4.3
[26] Ag. Marc. I.2, 22; III.21; IV.17.
[27] Refut. 10,15.
[28] يوسابيوس ك 4: 11.
[29] Tertullian, Ag. Marc. 4,2.
[30] أنظر كتابنا ” أبوكريفا العهد الجديد كيف كتبت؟ ولماذا رفضتها الكنيسة؟ ” الجز الثاني تحت الطبع.
[31] Bruce, Canon135, 138.
[32] Ag. Haer. I.27.2.
[33] (2:6-9أ؛ 3: 1-12، 14أ، 15-25؛4: 27-30).
[34] F.F. Bruce, The Canon Of Scripture. PP. 138-139.
[35] أو الإنجيل بحسب متى ” Euangelion Kata Matheon – Ευαγγέλιον κατα Μαθθαιον “.
[36] أو الإنجيل بحسب مرقس “Euangelion Kata Markon – Ευαγγέλιον Κατά Μάρκον “.
[37] أو الإنجيل بحسب لوقا ” Euangelion Kata Lokan – ΕυαγγέλιοvΚατά Λουκάν “.
[38] أو الإنجيل بحسب يوحنا ” Euangelion Kata Iwannin – ΕυαγγέλιοvΚατά Λουκάν “.
[39] F.F. Bruce, The Spreading Flame. P. 252.
[40] F.F. Bruce, The Canon Of Scriptures, P. 144.
[41] Latourette, PP. 135-136.
” بالحقيقة نؤمن بإله واحد الله الأب ضابط الكل خالق السماوات والأرض ما يرى وما لا يرى “. وأن الرب يسوع المسيح قد تجسد وولد بصورة طبيعية، بدون زرع بشر؛ من العذراء القديسة مريم ومن الروح القدس، أتخذ جسداً حقيقياً، وأنه سيعود ثانية ليدين الأحياء والأموات. وليس كما قال ماركيون أن الله كلي الحب لا يدين، بل الديميورج، إله اليهود، هو الذي يدين.
[42] Latourette, 126: Frend, Rise 214.
[43] Johnson, 47. Walker, 126.
[44] دفاع 1:26.
[45] See Ire. Ag. Haer. 1:1 أعتقد بوجود سلسلة من الآلهة.
[46] Bentley Laytonm, The Gnostic Scriptures, p. 217.
[47] Ire. Ag. Haer. 3,4,3.
[48] وهذا ما يؤكد أيضاً المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (ك 4 ف 11.1,3).
[49] The Panarion of Epiphanius of Salamis, 31,7 to 12.
[50] J. Quasten, Patrology, v. 1, p. 260.
[51] J. Quasten Patrology, v. 1, p. 261.
[52] Tertullian, Adversus Valentinianos, iv.
[53] Tertullian, Adversus Valentinianos, iv.
[54] 1و2 تيموثاوس وتيطس.
[55] F.F. Brauce, P. 147.
[56] Ire.Ag Haer. 3.11.9.
[57] F. F. Brauce, The Canon Of Scriptures, pp. 146-148.
[58] Stromata, V.6.
[59] وقد انتشرت بدعة مونتانوس في الغرب فوصلت إلى ليون (فرنسا) وروما وقرطاجة في شمال أفريقيا، وحوالي سنة 206م أنضم إليهم ترتليان سنة وصار مدافعاً متحمساً عنها، وقد أسّس جماعة منشقّة.
[60] الثالوث 3 – 41.
[61] لوبرت بايكر، موجز التاريخ الكنسي21.
[62] متفرقات 4: 13
[63] يوسابيوس ك 5 ف 16: 7 و 8 و13.
[64] Panarion, IV. 4,2.
[65] Panarion, IV. 3,11.
[66] Tabbernee, William, Prophets and Gravestones: An Imaginative History of Montanists and Other Early Christians, P. 89.
[67] Tabbernee, pp. 37, 40–41 notes 6–8.
[68] In Epiphanius of Salamis’ Medicine-Chest (Panarion), 48:11.
[69] In Didymus The Blind’s On The Trinity, 3:41.
[70] Panarion, 48:10.
[71] In Michael the Syrian’s Chronicle, 9:33.
[72] Panarion, 48:2.
[73] يوسابيوس ك 5 ف 18:
[74] Panarion, 48:13.
[75] Tertullian’s Exhortation To Chastity, 10.
[76] Panarion, 49:1.
[77] يوسابيوس ك 5 ف 16:9و10.
[78] Encyclopedia Britannica and Metzger.
[79] يوسابيوس ك 5 ف 28؛ ك 6 ف 20:3.
[80] B. M. Metzger, P. 102.
[81] Tabbernee, PP. 31–32.
[82] Tabbernee, P. 25.
[83] Tabbernee, PP. 21–23.
[84] يوسابيوس ك 5 ف 18:5.
[85] يوسابيوس ك 2 ف 20:6؛ حيث يقول: ” يؤيدها كابوس، أحد أعضاء الكنيسة الذي قام في عهد زفيرينوس أسقف روما. فأنه في مساجلة مع بروكلوس، مبتدع الهرطقة الفريجية، يذكر ما يأتي عن المواضه المقدسة التي أودعت فيها جثتا الرسولين السابق ذكرهما (بطرس وبولس).
[86] يوسابيوس ك 6 ف 16:10-13.
[87] القس حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي ص517.
[88] Panarion, IV. 1,1- 4.
[89] B. M. Metzger, P. 105.
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
في وقتٍ ما حوالي عام 175 للميلاد، وبعد فترةٍ قصيرة من كتاب “لوقيان” “بيريغرينوس” كتب “كلسس” وهو مفكّر من أتباع الأفلاطونية المحدثة، هجوماً على المسيحيّة تحت عنوان “العقيدة الحقّة- True Doctrine”، وهذا العمل هو أقدم هجوم شامل معروف على المسيحيين. فقد تبنّى “كلسس” هجوماً شاملاً: ضدّ الأصل اليهوديّ للمسيحيّة، وقادتها الأوائل، وتعاليمها وممارستها.
مع أنّ كتاب العقيدة الحقّة فّقِد إلاً أن جزءاً كبيراً منه، يُقدّر من 60 إلى 90% موجود ضمن ردّ “أورجين” الشديد والمطوّل، على “كلسس”، الذي كتب حوالي 250 للميلاد. وبالنظر إلى الفاصل الزمني الطويل بين عمل “كلسس” وردّ “أورجين”، أي حوالي 70 عاماً، نجد أنّ كتاب العقيدة الحقّة تمتّع بأثر طويل. ولا يجب علينا التركيز على الصياغة والكلمات بشكلٍ كبير لأننا لا نملك كلمات “كلسس” الدقيقة، بل لدينا ما ينقله عنه خصمه الأدبيّ “أورجين”.
ومع أنّ “أورجين” ينقل معظم المقتطفات من “كلسس” بشكلٍ اقتباسات مباشرة إلاّ أنّ الحذر مطلوبٌ هنا. برغم ذلك، فإن معظم الباحثين يعتقدون أن “أورجين” نقل ملاحظات “كلسس” عن المسيحيّة بدرجةً كبيرةٍ من الدقّة.
يقدّم لنا كتاب “كلسس” منظوراً قّيماً عن المسيحيّة من قبل واحدٍ من أكثر مبغضيها المثقفين وضوحاً. كما أننا نحصل على معلومات عن ردود الفعل اليهوديّة تجاه المسيحيّة في القرن الثاني، وذلك لأن “كلسس” استفاد بشكلٍ كبير من الجدلية اليهوديّة المعاصرة ضد المسيحيين. وستكون هذه الجدلية ذات أهميّة عندما ندرس الروايات اليهودية الأولى عن يسوع في الفصل القادم.
يستهلً “كلسس” عمله بمقدًمة. أمّا الجزء الأساسيّ الأول من عمله، والذي أعيد سرده في الكتاب الأول من عمل “أورجين” المسمى “ضدّ كلسس”، فهو بحث في عدم أصالة العقيدة المسيحيّة. وهنا لا يظهر إلاً عدد قليل من الإشارات إلى يسوع التاريخيّ، والتي ستُكرر وتفصّل بشكلٍ أوسع لاحقاً، ( الجزء الأساسيّ الثاني- 1.28-1.79)، فهو يتضمن جدليّة ضدّ اليهود الذين أصبحوا مسيحيين، على لسان أحد اليهود.
يحتوي هذا الجزء الإشارة الأشمل ليسوع. بينما الجزء الثالث هو مقارنة بين المسيحيّة والفلسفة والدين الروماني اليوناني. والجزء الرابع هو نقد للعقيدة المسيحيّة وخاصةً النبواءات المسيحية، مع إشارةٍ بسيطة إلى يسوع. والجزء الخامس هو مقارنة غير إطرائية للمسيحية واليهودية، أما الجزء السادس فيمثّل هجوماً آخر على العقيدة المسيحية، مع إشارةٍ ضئيلة إلى يسوع. ويلي ذلك مناقشة للتعاليم المسيحيّة حول الله، ومن ثمّ جزء حول تعاليم إعادة البعث، وأخيراً هجوم على الحصريّة المسيحيّة.
ويشنّ “كلسس” هجوماً واسعاً ضدّ يسوع بوصفه موجد هذه العقيدة. ويقوم بانتقاص وذمّ نسب يسوع وحبل أمّه به وولادته وطفولته، ودعوته، وموته، وإعادة بعثه وتأثيره المستمرّ. وفقاً لـ”كلسس” فإن نسب يسوع يعود إلى قريةٍ يهوديّة (ضد كلسس-1.28)، وكانت أمّه امرأةً قرويّةً اكتسبت عيشها عن طريق غزل الملابس (1.28). وقام بمعجزاته عن طريق الشعوذة (1.28، 2.32، 2.49، 8.41). كان يبدو قبيحاً وصغيراً (6.75).
وقد أبقى يسوع على جميع التقاليد اليهودية، بما فيها التضحية في المعبد (2.6). وجمع حوله عشرة أتباعٍ فقط، وعلّمهم أسوأ عاداته، بما فيها التسوّل والسرقة (1.62، 2.44). كان هؤلاء الأتباع، العشرة من البحارة وجامعي الضرائب، الوحيدين الذين استطاع إقناعهم بإلوهيته، لكن الآن يقوم أتباعه بإقناع العديد من الناس (2.46). أتت أنباء إعادة بعثه من امرأة مخبولة، وكان التصديق بإعادة البعث نتيجة شعوذات يسوع، وتفكير أتباعه التوّاق، أو الهلوسات المنتشرة بينهم على نطاق واسع، كلّ ذلك كان من أجل إبهار الآخرين وزيادة احتمال أن يصبحوا متسوّلين (2.55).
تأتي إشارة “كلسس” الأشمل إلى يسوع في: (1.28)، حيث يلخّص “أورجين” هجوم “سيلسس” على يسوع، والكلمات التي يُرجّح أنها مقتبسة من “كلسس” وضعنا تحتها خطاً:
يقوم بتصوير اليهود يتحدّثون مع يسوع نفسه، ويواجهونه بعدّة تهم: أولاُ، أنه لفّق قصّة ولادته من عذراء. وقام “كلسس” بتعييره لأنه أتى من قريةٍ يهوديةٍ، ومن امرأةٍ ريفيّةٍ فقيرة كانت تكسب عيشها من الغزل. ويقول: إن زوجها، الذي كان يحترف النجارة، طردها عندما أُدينت بالزنا. ومن ثمّ يقول: إنه بعد أن طردها زوجها، وبينما كانت تجول بخزي، ولدت يسوع سراً. ثم يقول: إن “يسوع” عمل أجيراً في مصر لأنه كان فقيراً، وهناك تعلّم بعض الحيل السحريةً التي افتخر المصريون بامتلاكها. ومن ثمّ عاد مفتخراً بهذه القوى، وأعطى نفسه لقب إله. (ضد كلسس- 1.28).
وبعد ذلك يتوسّع “سيلسس” في تهمة عدم الشرعية، فيقول: على أية حال، دعنا نعد إلى الكلمات على لسان اليهوديّ التي وصفت والدة يسوع على أنها طُردت من قبل النجّار الذي كان مخطوباً لها، لأنها أدينت بالزنا، وكان لها طفلٌ من جنديّ يُدعى “بانتيرا”. (ضدّ كلسس- 1.32).
وأخيراً يقول “كلسس”:
هل كانت والدة يسوع جميلة؟ هل أقام الله علاقة معها لأنها كانت جميلة، على الرغم من أنه لا يستطيع أن يُحبّ جسداً فانياً بطبيعته؟ من غير المحتمل أن يكون الله قد وقع في حبها، حيث أنها لم تكن غنيّةً ولا من أصلٍ ملكيّ. بالفعل، لم تكن معروفةً حتّى لجيرانها. ويهزأ عندما يقول: عندما كرهها النجّار وطردها لم تستطع القوّة الإلهية ولا موهبة الأقناع بتخليصها. ويعلل ذلك بقوله: إنّ هذه الأشياء ليس لها علاقة بمملكة الله. (ضدّ سيلسس- 1.39).
تُعدّ هذه التهمة “بغير الشرعية” أقدم عبارات مؤرخّة من التهم اليهودية بأنّ ولادة يسوع كانت نتيجة زنا، وأنّ والده الحقيقيّ كان جندياً رومانياً يُدعى “بانتيرا”. كان اسم “بانتيرا” شائعاً بين الجنود الرومان في تلك الفترة، لكنّ معظم المحللين يعتقدون أنّ بعض اليهود استخدموا هذا الاسم بسبب تشابهه مع الأصل اليوناني لكلمة “عذراء”.
في هذه الحالة، سيعني هذا أنّ الأمر مجرّد ردّ فعل يهوديّ لعقيدة الحبل بلا دنس المسيحيّة، والتي لم تُصبح موضوعاً مسيحياً رئيسياً حتّى قرابة نهاية القرن الأول. كما نجد أن “سيلسس” يقدم يسوع الذي يعلن ولادته من عذراء وهو ما لم يظهر في الكتابات المسيحيّة بالتأكيد، لكنه أثبت في مناقشات يهوديّة لاحقة.
تتنوع المصادر التي استخدمها “كلسس” لأنه ثقف نفسه حول المسيحيّة إلى حدً كبير، وذلك من خلال الكتابات المسيحيّة، والتواصل الشخصيّ مع مسيحيين. فقد قرأ في إنجيل متّى كثيراً، وفي إنجيل لوقا وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس، كما كان مطلّعاً على كتبٍ مسيحيّةٍ أخرى. وقد علم برواية متّى عن موت يسوع وإعادة بعثه ببعض تفاصيلها.
وبيدو أنه قرأ كتابات بعض الاعتذاريين المسيحيين الأوائل غير المعروفين لنا الآن. كما عرف “سيلسس” عن المسيحيّة المارسونيّة[1] والطوائف الغنوصيّة، ولا نستطيع الجزم إن كانت معرفته هذه من خلال كتاباتهم أو من طرقٍ أخرى. يقدّم كتاب “كلسس” للجدلية اليهوديّة عن يسوع على أنها جدلية معاصرة. لكن “أورجين” يشكك بهذا، ويرى الباحثون أنها أداةً أدبيّةً وظّفها “سيلسس” ليعطي وحدةً لمعلومات متفرقة انتقاها من عدّة أدبيات يهوديّة.
إن قيمة تعليقات “كلسس” حول يسوع التاريخيّ محدّدة، لكن يجب أن لا تكون استنتاجاتنا نهائيّة لأننا لا نملك الكلمات الدقيقة من العقيدة الحقيقية، ولا يمكن التأكد من أنّ “أورجين” قدّم هذا الترتيب الدقيق لكتاب “سيلسس”. على أية حال، فإن هجوم “كلسس” على المسيحيّة كان هجوماً فلسفياً وليس تاريخياً. إن معلوماته الأكثر تفصيلاُ عن يسوع قد شُوهت بجدليّته الجادّة، التي يشكّل الهجاء جزءاً منها.
على أية حال، من الواضح أنّ “سيلسس” مصدر غنيّ للجدليّة اليهوديّة والوثنيّة ضدّ المسيحيّة، وبدرجةٍ أقلّ، ضدّ مسيحها. وبالفعل يتفرّد “كلسس” بين الكتّاب الوثنيين في نسب الاعتراضات اليهوديّة والرومانية اليونانية إلى المسيحيّة. ويُعدّ شاهده على العرف اليهوديّ قيماً جداً وسنتطرق له لاحقاً في الفصل الثالث. لكنّ تناوله للمسيح لا يحمل قيمةً كبيرةً في بحثنا عن يسوع التاريخيّ وذلك بسبب جدليته وتحيّزه.
[1] المارسونيّة (الماركونية): تعدها الكنيسة المسيحيّة من الهرطقات الكبرى التي واجهتها، والمارسونيون هم أتباع مارسيون القائل بالإلهين: إله اليهود القاسي، والإله الحقيقي المحتجب، ويرى أن المسيح اختفى فجأة ثم رجع. انتشرت هذه الدعوة في روما في القرن الثاني الميلادي.