نبوة دانيال وهروب سبيع الشتَّام المجهال – هل يجرؤ أحمد سبيع أن يرد؟

نبوة دانيال وهروب سبيع الشتَّام المجهال – هل يجرؤ أحمد سبيع أن يرد؟

نبوة دانيال وهروب سبيع الشتَّام المجهال – هل يجرؤ أحمد سبيع أن يرد؟

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا ونحن نطالع قارئين وسامعين ومشاهدين الأكاذيب والتدليسات والجهالات التي تتراكم بعضها فوق بعض لتكوين شبهات ساذجة لدرجة السخرية عند مطالعتها، لكن، أن تحوي شبهة واحدة كل هذه الصنوف من الغباءات والأكاذيب والتدليسات والآراء الشخصية والبتر المتعمَّد لإخفاء الحقيقة وعدم وجود منهجية في الشبهة كلها إلى آخره من نواقص ومفاسد شبهات هذا النوع مع المتعالمين… فهذا لم نره يومًا، وبالأخص عندما يصدر عن شخص يظن في نفسه أنه باحث ذا خبرة، ويسمح أن يلقبه دراويشه بالألقاب المنيفة مثل “دكتور” و”شيخ” ..إلخ.

 

فصدقًا، إننا طوال هذه السنوات لم نجد شبهة واحدة بها كل هذا الكم من النواقص! رغم أن طارحو الشبهات الآخرين لا ينقصون عنه جهلا! فتقريبًا، لا توجد ولو نقطة واحدة، ولو دعامة واحدة، ولو رأي واحد، إلا وكان إما خاطئًا بالكلية، أو متنازع عليه في تفسيره ومعناه. لدرجة أننا في هذا الرد، سنرد على كل معلومة قالها تقريبًا، وليس نحن فقط من سنرد، بل سيكون بنو جلدته معنا يردون على سخافاته أيضًا، بل أننا سنرد عليه أحيانًا، من نفس مصادره التي استدل بها في شبهته، بل أحيانًا سنرد عليه من ذات الصفحة التي استخدمها!

 

ما الموضوع؟ وماذا حدث؟

طالعنا المدعو أحمد سبيع بفيديو سفيه كمعظم فيديوهاته التي يظهر فيها، يتحدث فيه عن نبوة دانيال المذكورة في الأصحاح السابع من سفره، والتي هي عن رؤيا دانيال لأربعة حيوانات مختلفة والحيوان الرابع له عشرة قرون، وقرن صغير… إلخ. وسينتهي هذا الولد سبيع بأن هذه النبوة تنبئ بمجيء الإسلام وبفتح القدس! وأن قديسو العلي هم الأريوسيون تارة، وهم المسلمون تارة أخرى كما ذكر هذا حرفيًا في كلامه.

وسوف يفسر أن الأربعة حيوانات هم أربعة ممالك متعاقبة، والمملكة الأخيرة هي المملكة الرومانية، والعشرة قرون هم عشرة أباطرة (ملوك) اضطهدوا المسيحيين قبل قسطنطين الملك، وأن القرن الصغير هو قسطنطين نفسه، وأن قسطنطين مزج المسيحية بالوثنية، وأنه غير الأوقات، ونصر أثناسيوس الرسولي وعقيدته في الثالوث وألوهية المسيح ومجمع نيقية واضطهد الموحدين الأريوسيين (والذين سيكونون مسلمين أيضًا في خلال كلامه). وبالتالي، فقد حكم هؤلاء القدس (التي لا أعرف ما علاقتها بالموضوع كله وأدخلها سبيع عنوة في منتصف الموضوع دون دليل او حتى تقديم) حتى احتلّها المسلمون، والذين يعتبرهم سبيع هم شعب قديسي العلي الذين حاربهم قسطنطين (الأريوسيين)!!!!!!!!!! فيبدو ان سبيع قام بتسجيل هذا الفيديو بعد تعاطيه نوعٍ من مُذهِبات العقل ثم خرج علينا به، فكان ما كان.

ونحن نعلم انه بعد ردنا هذا لن يجرؤ أن يحاول -مجرد محاولة- أن يرد علينا، بل سيعيد رأسه إلى الرمال مرة أخرى للتو، فلا مكان فوقها إلا للأدلة والمنطق والعقل.

 

ما منهجنا في الرد؟ (كيف سنرد؟)

في البداية، سنعرض ما انتهى إليه سبيع، سواء عن طريق رأيه الشخصي المحض أو عن طريق ما ارتضاه من الكتب التي استخدمها. ثم بعد ذلك، نظرًا لكون شبهته مثال أمثل للرداءة التي يصلون إليها دومًا في شبهاتهم، ونظرًا لكثرة الأخطاء والتدليسات والاكاذيب في شبهته، ونظرًا ان شبهته متتابعة البناء، أي يقوم بمحاولة إثبات نقطة ثم بعدما يظن أنه أثبتها، يبني عليها ويتبعها بنقطة أخرى يحاول إثباتها هي الأخرى أيضًا، ثم يبني عليها نقطة أخرى وهكذا إلى أن يصل لنتيجته. ولأن هذا الرد سيتم تسجيله في شكل ملف صوتي وملف فيديو كما هو الترتيب، فإننا سنعتمد طريقة الاقتباس المباشر والرد على الاقتباس. وذلك كيما نستطيع أن نحلل كل كلمة قالها ونريكم كيف يستغل جهل متابعيه وقلة تحصيلهم العلمي والعقلي إلا ندر. والسبب الآخر لاتباعنا تلك الطريقة في الرد هو أن الرد في الفيديو سيكون بنظام الاقتباس بالفيديو شبهته ثم الرد عليها بشكل مباشر. فالشبهة واهية بل أن الوهن يخجل من وصفها به.

أيضًا، لكثرة الأخطاء والتدليسات التي ارتكبها، سنكتفي هنا ببيان خطأ كل ما قاله تقريبًا، حيث أن هذا هو الهدف من الرد، ولن نركز على كيفية تفسير علماء المسيحيين واليهود لهذه النبوة لأن هذا ليس مقام تفسير بل رد، ولكي لا يطول الرد أكثر.

 

سيكون ردًا عبارة عن مزيج بين اللغة العربية الفصحى ليفهمه كل متحدث باللغة العربية، مع وجود بعض المرات التي سنتعمد استخدام الفاظا باللهجة المصرية او صياغات عامية لإيضاح ما نريده لكون هذه اللهجة يفهمها أغلب العرب.

 

يقول أحمد سبيع:

“لكن قبل كل شيء لابد ان نعلم أننا لا نحتاج إلى الكتاب المقدس من أجل اثبات نبوة النبي …. فالأدلة خارج الكتاب المقدس كثيرة جدًا… لكن هو مجرد دليل إضافي وينبغي أن نعلم أننا نؤمن بتحريف الكتاب المقدس وهذا معناه إن الكتاب به حق وبه باطل فهو غير مبدل بالكلية لكن به حق وبه باطل والنبوءة التي سنتحدث عنها اليوم تتحدث عن بطلان المسيحية وعن صحة الإسلام بوضوح حتى إنها تحدثت عن زمن الإسلام وتوقيته بطريقة مدهشة جدًا فهي من أقوى النبوءات ومن أوضحها ومع الاسم مش مشهورة جدا”

الرد:

أولا: نجد ان أحمد يقول بتحريف الكتاب المقدس كغالبية المسلمين، وهذا ليس بجديد عليهم، لكن ما يلفت النظر هو المعيار الذي يعرف به الأجزاء الصحيحة من الأجزاء المحرفة، فالمعيار عنده هو المصلحة من هذه النصوص، فأحمد يقول إن الكتاب به حق وبه باطل، حسنا يا صغيري، أخبرنا كيف تعرف الحق من الباطل في الكتاب المقدس بطريقة علمية؟ هل تبحث في المخطوطات فما تؤيده تعتبره حقا وما ترفضه المخطوطات يكون باطلا؟ لا، إذن هل لك طريقة علمية واحدة تقيس عليها النصوص المحرفة عن غير المحرفة؟ لا، إلا الهوى والزيغ.

فالمعيار هو: النصوص التي يستطيع المسلم ليّ عنقها، كما يظن، هي النصوص التي هي من “بقايا الحق” والنصوص المعارضة لما يريده المسلم تكون بالطبع هي النصوص المحرفة! فهذه النبوة لأن احمد يريدها ان تكون نبوة عن دينه، فهي بالطبع من الحق الذي نجا من التحريف!!! والحقيقة إنه معيار طفولي (عيالي) لا يقول به إلا أبلة تستنكر الطفولة أن تدعى عليه لقبًا. فما هذا المعيار الجهولي يا أحمد؟

 

ثانيًا: نجد ان المجادلين المسلمين من بعد ظهور الإسلام بقرون قليلة قد انتقلوا من مرحلة القول بـ(تحريف الكتاب المقدس) الى القول بـ(عدم موثوقية الكتاب المقدس لسقوط سنده) حيث اعتبروا ان (الاسناد) هو شرط التحقق من نسبة الكتب السماوية الى الأنبياء، حتى قالوا عن الانجيل انه ” لا يمكن ان ترقى عن الحديث الموضوع “[1] فمجرد استشهاد سبيع وغيره بآيات الكتاب المقدس تعني انهم يستحلون الاستشهاد بالحديث الموضوع لنصرة دينهم! فيا لها من نصرة!

وقد قالها صراحة برفيسورهم (عبد الاحد داؤود) اذ يقول “ليس مُهمَّا ان يكون كاتب الفصل السابع من سفر دانيال نبيا او راهبا او مشعوذا، اذ المؤكد ان تنبؤاته ووصفه للحوادث قبل أربعة وعشرين قرنا ثبتت دقتها وصحتها” [2] فانظر الى هؤلاء الذين يستبيحون الاحتجاج بالكذب (من وجهة نظرهم) بل يستبيحون الاستشهاد بكلام المشعوذين من اجل نصره دينهم!

 

ثالثًا: يقول أحمد أن هذا هو دليل إضافي من الكتاب المقدس، والحقيقة انه لا توجد ولو نبوة واحدة تدل على صحة نبوة رسول احمد قالها الكتاب المقدس، ونحن أنفسنا لنا مع أحمد نفسه وقفة لا يزال احمد يتذكرها إلى اليوم، حيث كان قد إدعى نبوة مماثلة منذ سنوات عن الملك سرجون (وحي من جهة بلاد العرب) ولم نترك له شارد ولا واردة إلا وألقمناه حجرًا، حتى إننا في نهاية ردنا عليه، قلنا له أننا سنسلم لك بكل ما تقول، ولن نعارضك فيه، فما علاقة كل هذا بنبوة عن رسول الإسلام؟!! ولم يستطع ان يثبت مجرد العلاقة حتى!! (وهو ما سيحدث في هذه المرة أيضًا)، فلربما ظن سبيع أننا نسينا ما فعلناه به سابقًا.

رابعًا: يقول سبيع أن هذه من أقوى النبوات وأوضحها! والحقيقة أن لو كان كلامك صحيحا لما إحتجت لـ 30 دقيقة لتوضحها بكل هذا الكم من التدليسات والأكاذيب، والذي رغم كل ما فعلته لم تثبت ما أردته أصلا كما سنبين لاحقًا. ويقول سبيع أيضًا أن هذه النبوة مش مشهورة، ونرد عليه ونقول ان هذا من الطبيعي وغير المستغرب عند كل ذي عقل! فلا عاقل يقول ما تقول على الإطلاق، فسنحضر لك بنو جلدتك أنفسهم ليردوا عليك ويكشفون جهالاتك بأنفسهم مثلما سنفعل نحن، فكيف تريد ان تكون مشهورة؟ لن تكون مشهورة -ولله الحمد- إلا عند من لهم نفس مستوى عقلك أو أدنى (إن وُجد). وإني لأسألك، هل لم يلفت إنتباهك شيء من عدم شهرة هذه النبوة المزعومة؟ لماذا لم تظن إنك مخدوع وأنها ليست نبوة أصلا عن رسولك؟ ما هو مستوى الـ IQ عندك لكي لا تفهم ان هذه ليست نبوءة عن رسولك!؟

 

يقول أحمد سبيع:

“أرجو منك إن كنت غير مسلم أن تفكر في الموضوع بجدية. الغرض من الفيديو مش إني انا أضايقك ولا إني أنا ازعجك ولا إني أفحمك لكن الغرض إني أنا أوضح لك الحقيقة، فخد الكلام بجدية، وفكّر فيه وإدرسه كويس”

الرد:

الحقيقة يا سبيع إنك للأسف أزعجتنا بجهلك الفج وبتدليسك وكذبك، فكيف لا تريد منا ألا ننزعج وأنت قد تخطيت كل المستويات البشرية في التدليس والكذب ودمجتهم معًا بهذه الكيفية؟ وحسنًا، نحن سنفكر في الموضوع بجدية، لكن نرجو ألا تغضب من نتيجة تفكيرنا بجدية وبعلمية وبرصانة على عكس ما فعلت. وتأكد أنك لا تستطيع إفحامنا إلا بقدرتك على التدليس رغم قدرتنا على كشفه كما سنفعل، فسندرس كلامك ونعرض للمسيحي والمسلم العاقلين أكاذيبك وتدليساتك، ونرجو ألا تعود لجحرك مرة أخرى وأن ترفع رأسك من الرمال وتحاول -مجرد محاولة- ان ترد علينا مرة أخرى..

ولكي ندخل في الرد المباشر، سنعرض نص الأصحاح السابع من سفر دانيال كاملاً مع إظهار بعض الكلمات والتعبيرات المهمة والتي سيعتمد عليها سبيع وسنعتمد عليها نحن أيضًا، فنرجو التوقف عندها والتفكر بها مليًا لأننا سنعيد استخدامها فيما بعد كثيرًا…

 

الأصحاح السابع سفر دانيال

1 فِي السَّنَةِ الأُولَى لِبَيْلْشَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ، رَأَى دَانِيآلُ حُلْمًا وَرُؤَى رَأْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ. حِينَئِذٍ كَتَبَ الْحُلْمَ وَأَخْبَرَ بِرَأْسِ الْكَلاَمِ. 2 أَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ: «كُنْتُ أَرَى فِي رُؤْيَايَ لَيْلًا وَإِذَا بِأَرْبَعِ رِيَاحِ السَّمَاءِ هَجَمَتْ عَلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ. 3 وَصَعِدَ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ عَظِيمَةٍ، هذَا مُخَالِفٌ ذَاكَ. 4 الأَوَّلُ كَالأَسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ. وَكُنْتُ أَنْظُرُ حَتَّى انْتَتَفَ جَنَاحَاهُ وَانْتَصَبَ عَنِ الأَرْضِ، وَأُوقِفَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ، وَأُعْطِيَ قَلْبَ إِنْسَانٍ. 5 وَإِذَا بِحَيَوَانٍ آخَرَ ثَانٍ شَبِيهٍ بِالدُّبِّ، فَارْتَفَعَ عَلَى جَنْبٍ وَاحِدٍ وَفِي فَمِهِ ثَلاَثُ أَضْلُعٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، فَقَالُوا لَهُ هكَذَا: قُمْ كُلْ لَحْمًا كَثِيرًا. 6 وَبَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى وَإِذَا بِآخَرَ مِثْلِ النَّمِرِ وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ. وَكَانَ لِلْحَيَوَانِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا. 7 بَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابعٍ هَائِل وَقَوِيٍّ وَشَدِيدٍ جِدًّا، وَلَهُ أَسْنَانٌ مِنْ حَدِيدٍ كَبِيرَةٌ. أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ. وَكَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. 8 كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ قُدَّامِهِ، وَإِذَا بِعُيُونٍ كَعُيُونِ الإِنْسَانِ فِي هذَا الْقَرْنِ، وَفَمٍ مُتَكَلِّمٍ بِعَظَائِمَ. 9 كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ وُضِعَتْ عُرُوشٌ، وَجَلَسَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ. لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَالثَّلْجِ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَالصُّوفِ النَّقِيِّ، وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ. 10 نَهْرُ نَارٍ جَرَى وَخَرَجَ مِنْ قُدَّامِهِ. أُلُوفُ أُلُوفٍ تَخْدِمُهُ، وَرَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وُقُوفٌ قُدَّامَهُ. فَجَلَسَ الدِّينُ، وَفُتِحَتِ الأَسْفَارُ. 11 كُنْتُ أَنْظُرُ حِينَئِذٍ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْكَلِمَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الْقَرْنُ. كُنْتُ أَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ الْحَيَوَانُ وَهَلَكَ جِسْمُهُ وَدُفِعَ لِوَقِيدِ النَّارِ. 12 أَمَّا بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ فَنُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلكِنْ أُعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ. 13 «كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. 14 فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ. 15 «أَمَّا أَنَا دَانِيآلَ فَحَزِنَتْ رُوحِي فِي وَسَطِ جِسْمِي وَأَفْزَعَتْنِي رُؤَى رَأْسِي. 16 فَاقْتَرَبْتُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْوُقُوفِ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الْحَقِيقَةَ فِي كُلِّ هذَا. فَأَخْبَرَنِي وَعَرَّفَنِي تَفْسِيرَ الأُمُورِ: 17 هؤُلاَءِ الْحَيَوَانَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ أَرْبَعَةٌ هِيَ أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ يَقُومُونَ عَلَى الأَرْضِ. 18 أَمَّا قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فَيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. 19 حِينَئِذٍ رُمْتُ الْحَقِيقَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَيَوَانِ الرَّابعِ الَّذِي كَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّهَا، وَهَائِلًا جِدًّا وَأَسْنَانُهُ مِنْ حَدِيدٍ وَأَظْفَارُهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَقَدْ أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ، 20 وَعَنِ الْقُرُونِ الْعَشَرَةِ الَّتِي بِرَأْسِهِ، وَعَنِ الآخَرِ الَّذِي طَلَعَ فَسَقَطَتْ قُدَّامَهُ ثَلاَثَةٌ. وَهذَا الْقَرْنُ لَهُ عُيُونٌ وَفَمٌ مُتَكَلِّمٌ بِعَظَائِمَ وَمَنْظَرُهُ أَشَدُّ مِنْ رُفَقَائِهِ. 21 وَكُنْتُ أَنْظُرُ وَإِذَا هذَا الْقَرْنُ يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ، 22 حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ، وَبَلَغَ الْوَقْتُ، فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ. 23 «فَقَالَ هكَذَا: أَمَّا الْحَيَوَانُ الْرَّابعُ فَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ عَلَى الأَرْضِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْمَمَالِكِ، فَتَأْكُلُ الأَرْضَ كُلَّهَا وَتَدُوسُهَا وَتَسْحَقُهَا. 24 وَالْقُرُونُ الْعَشَرَةُ مِنْ هذِهِ الْمَمْلَكَةِ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ يَقُومُونَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمْ آخَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ الأَوَّلِينَ، وَيُذِلُّ ثَلاَثَةَ مُلُوكٍ. 25 وَيَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ. 26 فَيَجْلِسُ الدِّينُ وَيَنْزِعُونَ عَنْهُ سُلْطَانَهُ لِيَفْنَوْا وَيَبِيدُوا إِلَى الْمُنْتَهَى. 27 وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَى لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلاَطِينِ إِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُونَ. 28 إِلَى هُنَا نِهَايَةُ الأَمْرِ. أَمَّا أَنَا دَانِيآلَ، فَأَفْكَارِي أَفْزَعَتْنِي كَثِيرًا، وَتَغَيَّرَتْ على هَيْئَتِي، وَحَفِظْتُ الأَمْرَ فِي قَلْبِي».

 

يرى سبيع هذا الأصحاح كالتالي:

الحيوانات الأربعة هي أربعة ممالك

مملكة بابل ومملكة مادي وفارس ومملكة اليونان، ومملكة الرومان.

الحيوان الرابع

مملكة الرومان (الإمبراطورية الرومانية)

العشر قرون

عشر اباطرة (ملوك) اضطهدوا المسيحيين (الموحدين والمثلثين)

القرن الصغير

قسطنطين الملك (الامبراطور)، فهو:

·        إمبراطور روماني.

·        جاء بعد عشرة اباطرة.

·        سيغلب ثلاثة ملوك.

·        خالف الأباطرة السابقين.

·        سيتكلم بكلام عظيم ضد الله.

·        سيحارب المؤمنين

قديسو العلي

الأريوسيين (الموحدين) = المسلمين (لا أعرف كيف!)

ملكوت شعب قديسي العلي للأبد

مملكة الإسلام ستبقى للأبد

زمان وزمانين ونصف زمان

= 331 سنة ميلادية أو أكثر من 640 سنة!!!

 

النقطة الأولى: هل الحيوانات الأربعة هي الأربعة ممالك المذكورة؟

لا يوجد اجماع مسيحي على هذا التفسير، فيقول مثلا القس (مكسيموس صمويل) معلقا على الحيوان الرابع ” يمثل هذا الحيوان مملكة السلوقيين الشرسة في سفك الدماء”[3] وطالما لا يوجد اجماع مسيحي على هذا التفسير فخصمنا مطالب بدليل على كلامه ولماذا رجح تفسير دون الاخر!

بل ان خصمنا خالف الاجماع الإسلامي في تفسير الحيوان الرابع، التفسير الذي بدأ بـ(ابن ربن الطبري) المتوفى سنة 237 حيث يقول ان المملكة الرابعة هي الإسلام نفسه! وبالتالي يكون القرن الصغير هو أحد ملوك الإسلام لا شك، بل يقول ان هذا الكلام على هذه النبوءة (مفسرة منورة لا تحتاج الى افصاح او إيضاح أكثر مما فسره دانيال عليه السلام، فالحيوان الرابع الذي قال انه كان عظيما رائعا هائلا قويا عزيزا هو تمثال هذه المملكة التي قال الله انها أعظم المملكات واجلها، وأنها تغلب على الأرض كلها وتدوسها بأقدامها وتأكلها رغدا، وهي اخر الدول، وهذه أيضا تشهد بان النبي اخر الأنبياء وخاتمهم وان النبوءات كلها تمت به وتناهت عنده” [4]

  ومنذ ان قال (الطبري) هذا صار الامر اجماعا فنجد بعده ب 400 سنة الشيخ القاضي (صالح بن الحسين الجعفري الهاشمي) المتوفى سنة 668 يقول [5]:

 

[البشرى] السّابعة والسّتّون:

قال دانيال النبيّ أيضاً: “رأيت في نومي كأن الرياح الأربع قد هاجت وتموج بها البحر. واعتلج اعتلاجاً شديداً، ثم صعد منه أربع حيوانات عظام مختلفة الصور، الأوّل مثل الأسد وله أجنحة نسر، والحيوان الثاني مثل الدب وفي فمه ثلاثة أضلاع، وسمعت قائلاً يقول له: قم فكل من اللحم واستكثر منه، والحيوان الثالث مثل النمر وفي جبينه أربعة أجنحة وله أربعة رؤوس وقد أعطي قوة، والحيوان الرابع عظيم قوي جداً، وله أسنان من حديد عظام فهو يأكل ويدق برجليه ما بقي. ورأيته مخالفاً لتلك الحيوانات وكانت له عشرة قرون فلم يلبث أن نجم له قرن صغير من بين تلك القرون ثم صار لذلك القرن عيون، ثم عظم القرن الصغير جداً أكثر من سائر القرون، فسمعته يتكلم كلاماً عجيباً وكان ينازع القديسين ويقاومهم.

قال دانيال: فقال لي الرّبّ: تأويل الحيوان الرابع مملكة رابعة تكون في آخر الممالك وهي أفضلها وأجلها تستولي على جميع الممالك وتدوسها وتدقها وتأكلها رغداً“. فقد شهد دانيال النبيّ عليه السلام وأخبر عن الله أن أمتنا هي الدائمة إلى الأبد. وأن ملتنا هي التي لا يقاومها أحد. وهي التي كانت أكلت الأمم ودقتها وداستها واستولت عليها بإذن الله.

ووعده الحقّ وخبره الصدق. فهل يبقى بيان أبين من الله تعالى على ألسن أنبيائه الأطهار؟ وقد قال من فسر كتب أهل الكتاب: “إن الحيوان الأوّل هو دولة أهل بابل. والحيوان الثاني دولة أهل الماهين. والحيوان الثالث دولة الفرس، والحيوان الرابع دولة العرب. وفي ذلك تصديق قول الله في التوراة لإبراهيم عليه السلام: “إني أبارك إسماعيل ولدك وأعظمه جدّاً جِدّاً ومن تولى الله تعالى تعظيمه وتفخيمه وبركته كيف لا يكون كذلك؟ ‍‍!!.

 

فان كان هذا هو اجماع المسلمين – قبل ان يشذوا وينقضوا اجماعهم – ان المملكة الرابعة هي الدولة الاسلامية! فأين سيكون قسطنطين إذن؟ وأين كلامك أن المسلمين متفقون على أن الأربعة ممالك هي الممالك التي ذكرتها؟

 

النقطة الثانية: هل الحيوان الرابع هو الدولة الرومانية؟

بعدما عرضنا اجماع المسلمين الاوائل أن الحيوان الرابع يرمز لدولة الإسلام، نعرض شهادة أخرى من شخص مسلم آخر، وهذه المرة هو هشام كمال عبدالحميد[6]:

ظهور حلف الأطلنطي بزعامة أمريكا: (الوحش ذو القرون العشرة والقرن الصغير في رؤيا التي دانيال).

من نفس رؤيا النبي دانيال السابقة يتبقى لنا معرقة الوحش في القرون العشرة الذي أكل وسحق وداس كل الحيوانات السابقة برجليه، وأكل وسحق الأرض كلها.

فهذا الوحش هو حلف الأطلنطي الذي أنشأته دول غرب أوروبا فيما بينها وبين أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد هزيمة ألمانيا وحلفائها سيطر هذا الوحش على الكرة الأرضية، وعلى جميع القوى العظمى التي ظهرت قبله، ومعظم الدول التي تكون منها هذا الحلف تطل على المحيط الأطلنطي، وهو من بحور البحر الكبير “المحيط”.

أما القرن الصغير المذكور في هذه الرؤيا فهو كما ذكرت بكتابي “هلاك ودمار أمريكا المنتظر” رمز لأمريكا زعيمة هذا الحلف، فهي برزت إلى الوجود كقوة عظمى فضل هذا الحلف بعد الحرب العالية الثانية، والقرون الثلاثة التي أذلهم من القرون العشرة هم: بريطانيا وألمانيا وإيطاليا. فقد دخلت كل من بريطانيا وألمانيا – الأسد والنمر – في هذا الملف بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أنها كانتا تشكلان قوتين عظيمتين، وقد ألغت أمريكا بنفوذها سلطانها بالإضافة إلى سلطان إيطاليا، وفرضت على ألمانيا وإيطاليا قيودًا في التسليح والاقتصاد.

 

إذن، فها هو مسلم آخر يخرج عن الاجماع القديم ويقول إن الحيوان الرابع هو حلف الأطلنطي والقرن الصغير هو أمريكا! وسواء كان تفسير هذا المسلم أو الآخر، فكل منهما ينهي الشبهة من جذورها، لأن الشتِّام أحمد سبيع بنى شبهته كلها على أن الدولة الرابعة هي الإمبراطورية الرومانية حصرًا. ومن هنا نستطيع التوقف عن بيان بطلان ما تبقى من شبهته إذ أنها قد هُدمَت تمامًا. لكننا سنكمل بيان المهازل التي وقع فيها هذا السبيع لنريكم كيف هو المستوى العلمي للباحث سبيع!

 

النقطة الثالثة: من هم العشرة ملوك (قرون)؟

في فيديو سبيع الأول الذي طرح فيه الشبهة، كان عليه أن يتراقص ويقوم بحركات بهلوانية أراجوزية لكي يأتي بالرقم 10، تحت أي مسمى وبأي طريقة وبأي كيفية لان سفر دانيال ذكر الرقم 10. فماذا فعل؟ جاء بحركة بهلوانية فقال إنه لربما يقول قائل إن المملكة الرومانية كان فيها أكثر من 30 ملك، ثم بعدها جاء بتفسير سعاديا الفيومي اليهودي، من العصور الوسطى للرد على هذا الاشكال.

فاقترح سعاديا 3 طرق لتقليل الرقم 30 ملك (رغم انهم أكثر من 50 وليس 30 كما أخطأ سَعاديا) إلى الرقم 10 ملوك (الرقم الذي يريده سبيع)، ثم ماذا فعل سبيع بعدها؟ هل أخذ بأي رأي من الآراء الثلاثة لسعاديا؟ الإجابة: لا!!!! ترك سعاديا وكلامه كله وحلوله الثلاثة جميعها، واخترع وإفتكس و”هَبَدَ”[7] رأيه الخاص ولم يدلل عليه بدليل!!! بل هو هكذا، بلا دليل ولا شهادة!

فقد اقترح سعاديا ثلاثة حلول هم:

  1. ذكر السِفر الأجلاء منهم وأهملَ الباقي.
  2. ذكر السِفر الآباء وأهملَ الأبناء.
  3. ذكر السِفر الذين كانوا من عشائر مختلفة وأهملَ الذين من نفس العشيرة.

هذا الكلام قاله سعاديا، ولأنه من المستحيل تطبيق أي رأي من هؤلاء الثلاثة في حالتنا هذه على أباطرة الرومان، وبالأخص عندما يعرف سبيع أنهم أكثر من 50 ملك، وحتى إن تنازلنا واختار منهم 10 ملوك بحسب المعايير التي وضعها سعاديا (الأجلّاء فقط، الآباء فقط، عشائر مختلفة فقط) فلن يكن لهذا علاقة بما يريده سبيع بعدها، فهو يريد ان يأخذ هؤلاء العشرة ليجيء بعدهم مباشرة قسطنطين، وهنا الاستحالة الحقيقة، فماذا فعل سبيع ليخرج نفسه من ورطة الاستشهاد بكلام سعاديا الذي جاء هو بنفسه بكلامه؟ ترك كلامه تمامًا وكأنه يهذي، بل قال إن كلامه هو نفسه (أحمد سبيع) الشخصي هو الأقرب للصواب وأن هؤلاء العشرة ملوك هم الأباطرة الذين حكموا القدس بعد المسيح واضطهدوا المسيحيين، وإذا ما عددناهم سنجدهم 10 ملوك، بداية من نيرون وحتى دقلديانوس. وللرد على هذا الخبل الصافي، نقول:

 

أولًا: لماذا بدأت العد من بعد المسيح؟! هل ذكر سفر دانيال هذا؟!! أم أن هذه من عندياتك كعادتك؟! نص سفر دانيال لم يقل هذا مطلقًا. الأباطرة الرومان كانوا قبل تجسد المسيح واستمروا بعده، فلماذا تبدأ العد (حساب العشرة ملوك) من المسيح؟!

ثانيًا: من أين أتيت بزعمك بوجود تتابع تاريخي بين العشرة ملوك (قرون)؟! دانيال ٧: ٨ يقول: “كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ [العشرة]، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ قُدَّامِهِ…” النبوة تصرح بأن القرن الصغير (قسطنطين بحسب زعم سبيع) سيطلع بينها؛ أي بين القرون العشرة، ويقتلع ثلاثة منها؛ أي من القرون العشرة. هذا معناه أنه على الأقل معظم –إن لم يكن كل– الملوك (القرون) كانوا معاصرين لبعضهم البعض، حتى في الآخير يستطيع القرن الصغير أن يطلع من بينهم ويقتلع ثلاث منها. فلا توجد أي إشارة في النبوة تقترح وجود تتابع زمني أو تاريخي بين الملوك وبعضها. فعلى سبيل المثال، يقول فلورين في تفسيره لهذا

“In all cases, the ten horns are not described as raising one after another, but they are always described as a group, and therefore meant to be understood as contemporary.”

الترجمة:

“في جميع الحالات، لا تُوصف القرون العشرة بأنها طلعت الواحد تلو الأخر، لكنها تُوصف دائماً كمجموعة، وبالتالي، من المفترض أن تُفهم على أنها معاصرة [لبعضها البعض].”[8]

 

فإن كان يريد سبيع اثبات أن الأباطرة العشرة هم المعنيين بالقرون العشرة، ومن بعدهم قسطنطين، عليه أن يثبت لنا أولاً وجود إشارات إلى تتابع زمني أو تاريخي من نبوة دانيال نفسها.

 

ثالثًا: لماذا القدس تحديدًا؟ ما علاقة القدس بالموضوع كله؟!! لماذا هبطت علينا من السماء هكذا دون سبب أو تمهيد في الموضوع؟! هل قال نص سفر دانيال أي شيء عن القدس (أورشليم)؟ لا، لم يقل سفر دانيال هنا أي شيء عن أورشليم! فلماذا أقحمها هذا الصغير في الرد عنوة؟!!

رابعًا: حتى مع تنازلنا وبفرض الجدل: من قال لك أن هناك عشرة ملوك فقط بين المسيح وبين قسطنطين؟ من الذي خدعك وقال لك هذا؟! هناك 48 أو 49 إمبراطور بين المسيح وقسطنطين[9] ومن نيرون إلى دقلديانوس يوجد 45 امبراطور وليس 10 كما استغفلوك. وننقل الأسماء من الموسوعة البريطانية على سبيل المثال[10]:

  1. Augustus (31 BCE–14 CE)
  2. Tiberius (14–37 CE)
  3. Caligula (37–41 CE)
  4. Claudius (41–54 CE)
  5. Nero (54–68 CE)
  6. Galba (68–69 CE)
  7. Otho (January–April 69 CE)
  8. Aulus Vitellius (July–December 69 CE)
  9. Vespasian (69–79 CE)
  • Titus (79–81 CE)
  • Domitian (81–96 CE)
  • Nerva (96–98 CE)
  • Trajan (98–117 CE)
  • Hadrian (117–138 CE)
  • Antoninus Pius (138–161 CE)
  • Marcus Aurelius (161–180 CE)
  • Lucius Verus (161–169 CE)
  • Commodus (177–192 CE)
  • Publius Helvius Pertinax (January–March 193 CE)
  • Marcus Didius Severus Julianus (March–June 193 CE)
  • Septimius Severus (193–211 CE)
  • Caracalla (198–217 CE)
  • Publius Septimius Geta (209–211 CE)
  • Macrinus (217–218 CE)
  • Elagabalus (218–222 CE)
  • Severus Alexander (222–235 CE)
  • Maximinus (235–238 CE)
  • Gordian I (March–April 238 CE)
  • Gordian II (March–April 238 CE)
  • Pupienus Maximus (April 22–July 29، 238 CE)
  • Balbinus (April 22–July 29، 238 CE)
  • Gordian III (238–244 CE)
  • Philip (244–249 CE)
  • Decius (249–251 CE)
  • Hostilian (251 CE)
  • Gallus (251–253 CE)
  • Aemilian (253 CE)
  • Valerian (253–260 CE)
  • Gallienus (253–268 CE)
  • Claudius II Gothicus (268–270 CE)
  • Quintillus (270 CE)
  • Aurelian (270–275 CE)
  • Tacitus (275–276 CE)
  • Florian (June–September 276 CE)
  • Probus (276–282 CE)
  • Carus (282–283 CE)
  • Numerian (283–284 CE)
  • Carinus (283–285 CE)
  • Diocletian (east، 284–305 CE; divided the empire into east and west)

خامسًا: ربما يقول سبيع الجاهل أن هؤلاء هم الذين اضطهدوا المسيحيين! فنرد عليه ونقول: أين جاء هذا الشرط او جاءت هذه العلامة في نص سفر دانيال؟ بمعنى: أين قال سفر دانيال ان هؤلاء العشرة قرون هم فقط الملوك الذين سيضطهدون المسيحيين؟! لم يقل السفر هذا، لكنك بكل وقاحة بحثت عن أي شيء يشمل الرقم 10 في الاباطرة الرومان ولم تلاحظ ان مجرد الرقم لن يكون قد تكلم عنه السفر الذي تدعي ان النبوة فيه، فأين جاء في السفر أن هؤلاء الملوك/الأباطرة لهم هذه الخاصية؟!

سادسًا: ربما يقول هذا الصبي ان الكتب المسيحية هي من قالت ان هناك عشر اضطهادات رئيسية مرت بها الكنيسة وليس أنا… ونرد عليه ونقول: وما علاقة أننا مررنا بعشرة اضطهادات بأن هؤلاء هم العشرة اباطرة المذكورون في سفر دانيال؟ هل قالت الكتب المسيحيّة هذا؟ هل قال السفر هذا؟ أم ان المهم هو الرقم 10 فقط وكله عند العرب صابون؟!

وإمعانًا في سحقك وشبهتك الطفولية أكثر وأكثر، ننقل لك من كلام فيليب شاف الذي نقلت عنه بنفسك لأدينك من الكتب التي اخترتها بنفسك، حيث قال:

Number of Persecutions.

From the fifth century it has been customary to reckon ten great persecutions: under Nero، Domitian، Trajan، Marcus Aurelius، Septimius Severus، Maximinus، Decius، Valerian، Aurelian، and Diocletian.12 This number was suggested by the ten plagues of Egypt taken as types (which، however، befell the enemies of Israel، and present a contrast rather than a parallel)، and by the ten horns of the Roman beast making war with the Lamb، taken for so many emperors.13 But the number is too great for the general persecutions، and too small for the provincial and local. Only two imperial persecutions—those، of Decius and Diocletian—extended over the empire; but Christianity was always an illegal religion from Trajan to Constantine، and subject to annoyance and violence everywhere.14 Some persecuting emperors—Nero، Domitian، Galerius، were monstrous tyrants، but others—Trajan، Marcus Aurelius، Decius، Diocletian—were among the best and most energetic emperors، and were prompted not so much by hatred of Christianity as by zeal for the maintenance of the laws and the power of the government. On the other hand، some of the most worthless emperors—Commodus، Caracalla، and Heliogabalus—were rather favorable to the Christians from sheer caprice. All were equally ignorant of the true character of the new religion.[11]

الترجمة:

منذ القرن الخامس، كان من المُعتاد حساب عشرة اضطهادات كبيرة: في عهد نيرون، دومتيانوس، تراجان، ماركوس أوريليوس، سبتيموس ساويرس، مكسيمينوس، ديسيوس، فالريان، أوريليان، ودقلديانوس.[12] أُقترَح هذا العدد من خلال الضربات العشرة لمصر باعتبارها رمزًا لها (والتي، مع ذلك، حلَّت بأعداء إسرائيل، وتُمثِل تباينًا لا نظيرًا)، ومن خلال القرون العشرة للوحش الروماني الذي يخوض حربًا مع الخروف، باعتبارهم العديد من الأباطرة.[13] لكن العدد كبير جدًا بالنسبة للاضطهادات العامة، وصغير جدًا بالنسبة للاضطهادات الإقليمية والمحلية. امتد اضطهادان إمبراطوريان فقط—وهما ديسيوس ودقلديانوس—على أنحاء الإمبراطورية؛ لكن المسيحية كانت دائمًا ديانة غير شرعيّة من تراجان حتى قسطنطين، وبالتالي كانت عُرضَة للإزعاج والعنف في كل مكان.14 كان بعض الأباطرة المُضطهِدين؛ مثل نيرون، دومتيانوس، وجاليريوس، من الطغاة الوحشيين، لكن آخرين—تراجان، ماركوس أوريليوس، ديسيوس، ودقلديانوس—كانوا من بين أفضل الأباطرة وأكثرهم نشاطًا، ولم يكن الدافع وراء ذلك كراهية المسيحية بقدر ما هو الحماسة للحفاظ على القوانين وسلطة الحكومة. من ناحية أخرى، كان بعض الأباطرة عديمي الجدوى—كومودوس، كاراكلا، وهيليوغابالوس (إيل جبل)—مؤيدين إلى حدٍ ما للمسيحيين من مُنطلَق نزعة مجردة. كان الجميع يجهلون بنفس القدر الطابع الحقيقي للدين الجديد.

 

فها هو فيليب شاف يقول ان الرقم 10 مأخوذ كرمز (taken as types) للضربات العشر التي وقعت على شعب مصر وأيضًا كمثال للقرون العشرة للوحش الروماني الذي يصنع حربا مع الخروف الموجود في سفر الرؤيا (رؤ 17: 3 – 14)، فهو يوضح ان هذا الرقم اعتبره المؤرخون من القرن الخامس كمدلول رمزي للعذابات والاضطهادات التي وقعت على المسيحيين فرأوا فيه العشر ضربات، ورأوا فيه كأنها نهاية الأيام والوحش يحارب الكنيسة (المؤمنين).

 

فكل ما فعله أحمد سبيع هو أنه وقع في مغالطة منطقية أخرى، حيث أنه أتى لنا بعدد الاضطهادات العشرة، والتي، كما رأينا، مأخوذة عن الضربات العشرة، والأهم من ذلك، مأخوذة أصلًا عن عدد قرون الوحش (المذكور في سفر الرؤيا، والذي ورد أيضًا في دانيال)، ليقول لنا أن الأباطرة العشرة المضطهديِن هم أنفسهم القرون العشرة!!!! فوقع في مغالطة الاستدلال الدائري. فكأنه يقول: القرون العشرة تاريخيًا هي عشرة اضطهادات، والاضطهادات هي عشرة رمزًا للقرون (والضربات) العشرة. أي كأنه فسر الماء بالماء!

ويمكن شرح المغالطة بالشكل التالي:

ليس هذا فحسب، بل أن فيليب شاف يقول ان هذا الرقم (10) هو رقم كبير جدا إذا ما قصدنا الاضطهادات العامة في الإمبراطورية على المسيحيين، ويذكر فقط اثنان من الأباطرة وهما ديسيوس Decius ودقلديانوس Diocletian، وهم الذين أجروا -حسب كلامه- اضطهادا عامًا لكل عموم الإمبراطورية، اثنان وليسا عشرة. ويقول أيضًا أن الرقم 10 لهو رقم قليل جدا بالنسبة لعدد الاضطهادات المحلية التي عانى منها المسيحي في هذه الإمبراطورية، حيث كانت المسيحية دومًا تحت الاضطهاد في بعض الأقاليم والمقاطعات.

وأكثر من ذلك، فقد ذكر فيليب شاف أيضًا في الهامش أن أغسطينوس ذكر بدلا من الإمبراطور ماركوس أوريليوس، أنطونيوس بيوس، فأين ذهب الرقم 10 الآن في ظل تغيير اسم امبراطور منهم؟ وذكر أن المؤرخ لاكتنتيوس Lactantius ذكر أنهم 6 فقط! فأين ذهب الرقم 10؟ وذكر أيضًا أن سولبيتوس Sulpitius Severus ذكر 9 فقط! فأين الرقم 10 يا صغيري؟

كل هذا والسفر لم يقل على الإطلاق بوجود علاقة بين القرون العشرة للحيوان الرابع، وبين الاضطهادات، فأين ذهب الرقم 10 يا عزيزي الصغير الآن؟! ها هو الرقم الذي لم يقل عنه السفر أن له علاقة بالاضطهادات على المسيحيين أصلا، والذي أدخلت فيه الاضطهادات بالفهلوة لتخدع به مستمعيك المساكين لتشابه الرقم 10 في سفر دانيال مع بعض الكتب المسيحية. فهل تجرؤ أن ترد؟!

 

فهل اكتفى سبيع بتدليسه هنا؟ بالطبع لا! بل أتى باقتباس من موقع أسقفية الشباب، يدعي به أن المسيحيين يعترفون أن عدد الاضطهادات هم عشرة. وفي عرضه للاقتباس، بتر نصف الاقتباس بأكمله، ولم يعرضه حتى على الشاشة!! لنرى إذن، ولنقرأ ما لم يُردْ سبيع أن يقرأه مشاهديه:

 

“+ منذ القرن الخامس الميلادي تعود المؤرخون علي تقدير الاضطهادات التي خاضتها الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية بعشرة اضطهادات كبيرة تحت حكم عشرة أباطرة هم علي الترتيب: نيرون – دومتيانوس – تراجان – مرقس أوريليوس – سبتيموس ساويرس – مكسيمينوس – ديسيوس – فالريان – أوريليان – دقلديانوس.

+ ولكن هذا التقسيم اصطلح عليه ولا يعني أن الاضطهادات حدثت عشر مرات فقط، لأن أكثر الفترات هدوءًا كانت فيها شهداء.

+ ولقد حاول البعض أن يربط بين الضربات العشر في مصر وهذه الاضطهادات باعتبارها رمزًا لها، كذلك يربطون بين العشرة قرون التى للوحش الوارد ذكرها في سفر الرؤيا الذي صنع حربًا مع الخروف على أنها هذه الحلقات العشر من الاضطهاد.

 

فقد بترَ سبيع كل الجزء المظلل بالأحمر ولم يعرضه، والذي يصرح فيه الموقع بنفس ما صرح به فيليب شاف تقريبًا. فهذا العدد اصطلح عليه فقط، وليس بالضرورة يشمل العدد الصحيح للاضطهادات. فلماذا كل هذا الرعب من هذه الفقرة التي حذفها؟؟! لأنها ببساطة تنسف مجددًا كل تزويره، وتوقعه في مغالطات منطقية كما رأينا.

 

ونكرر، أننا إلى هنا نستطيع التوقف لأننا نقضنا كل الأساسات التي أقام سبيع عليها الشبهة من جذورها، ورأينا أن أقوى أساس منهم لا يقوى امام وهن بيت العنكبوت! لكن، لنكون أكثر كرمًا، وسحقًا لسبيع مع شبهته، سنستمر بافتراض صحة كل ما أثبتنا خطأه، لنكمل..

 

النقطة الرابعة: هل القرن الصغير هو قسطنطين؟ لماذا لا يمكن ان يكون هو قسطنطين؟

إذا ما وافقنا سبيع، جدلًا، أن الدولة الرابعة هي الإمبراطورية الرومانية، وأن هناك عشرة ملوك فقط من الدولة الرومانية، وأن العشرة قرون هم الملوك الذين اختارهم سبيع ببهلوانية، فلابد لسبيع أن يثبت ان المقصود هو قسطنطين الملك، وهذا ما لم يثبته سبيع. ولكي يثبته كان عليه أن يقوم بحركات بهلوانية أخرى ويخدع مستمعيه ويقوم بإسقاط الاوصاف التي جاءت في سفر دانيال عن القرن الصغير على قسطنطين الملك. فماذا فعل؟

 

أولًا: قال إن الإمبراطور لابد وأن يكون روماني، وأثبتنا وجود خلاف حول ماهية الحيوان الرابع الذي يقول انه لابد ان يكون المملكة الرومانية، وهو في الفيديو الثاني له قد كذب وقال ان أحدا من المسلمين لم يقل ان القرن الصغير مسلما، ويتناقض هنا فيقول ان القرن الصغير لابد ان يكون من نفس مذهب الحيوان الرابع، وعليه فان كان اجماع المسلمين ان الحيوان الرابع هو دولة الإسلام فلا شك ان قرنهم الصغير مسلما أيضا، ثم قال ان قسطنطين هو الملك الذي جاء بعد عشرة ملوك، وهذه الكذبة أثبتنا فُحش خطأه فيها من وجوه في النقطة السابقة، فبرجاء المراجعة.

فمن جهة لا يوجد أصلا عشرة ملوك بل أكثر من 50 ولم يخبرنا بأي دليل جعلهم 10، ولا السِفر قال بوجود علاقة بين القرون وبين الأباطرة الذين اضطهدوا المسيحيين، ولا سبيع أثبت انهم عشرة أباطرة أصلا، ولا السفر حدد الفترة بالفترة بين تجسد المسيح وبين قسطنطين ولا أن الأباطرة هؤلاء بين المسيح وبين قسطنطين هم 10 ..إلخ.

 

ثانيًا: قال ان قسطنطين هزم ثلاثة ملوك آخرين كانوا ينازعونه في حكم الإمبراطورية الرومانية، وبهذا تكون النبوة تنطبق عليه. وللرد، علينا فقط أن نقرأ نص النبوة لنعرف كيف دلَّسَ سبيع واستغل جهل المُصدقين له من مستمعيه واستغفلهم أيما استغفال. فماذا تقول النبوة:

 

7 …. وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابعٍ ….. أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ. …. وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. 8 كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ قُدَّامِهِ، ……

وبيت القصيد هنا، أن القرون الثلاثة التي قُلعت من أمام القرن الصغير هي من القرون العشرة التي كانت للحيوان الرابع، فالنص يقول [وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى]، وهذه هي القرون العشرة التي فسرها سبيع أنهم الاباطرة من نيرون إلى دقلديانوس، فهل كان هناك إمبراطور على قيد الحياة من الإمبراطور نيرون إلى الإمبراطور دقلديانوس؟ أم كانوا قد ماتوا او قتلوا؟!! فالنص يقول بوضوح وحرفية أن هذا القرن الصغير (“قسطنطين” بحسب جهل سبيع) عندما ظهر اُقتُلعت ثلاثة قرون من القرون الأولى (الملوك العشرة بحسب جهل سبيع) فهل قتل قسطنطين نيرون او دقلديانوس او أي آخر جاء بينهما؟ فإذا نظرنا مرة أخرى في قائمة الأباطرة العشرة التي اقترحها سبيع، لن نجد من بينهم الثلاث ملوك (جاليريوس، ماكسنتيوس، وليسينيوس) الذين ادعى سبيع أن قسطنطين قد انتصر عليهم.

 

فالخدعة التي انطلت على من يصدقون هذا الأفَّاق هي أنه قال لهم أن قسطنطين هزم ثلاثة ملوك ممن كانوا معاصرين له ويقاسمونه الحكم في الإمبراطورية.. وهذا لم تقله النبوة على الإطلاق، بل تكلمت حرفيًا عن اقتلاع ثلاثة قرون من هذه القرون العشرة التي ظهرت أولا، وليست عن ثلاثة قرون أخرى مختلفة عن العشرة. لكن، بالطبع، مَن كان مستواه العقلي يسمح له بأن يصدق ما يقوله سبيع، لا يلومنَّ إلا نفسه عندما يستغفله سبيع ويدوس على عقله.

 

ولكن، حتى لو تنازلنا جدلاً، وقبلنا بثلاث ملوك ليسوا من الأباطرة العشرة، لن يستطيع سبيع أن يثبت أن قسطنطين انتصر على ثلاث ملوك تحديدًا وليس أكثر أو أقل. ففي الواقع، الورطة التي وقع فيها سبيع أكبر بكثير من هذا، وهذه الورطة يمكن أن نرى نتائجها، فقط إن قرأنا ما قالته المراجع التي استشهد بها هو! عرض سبيع مرجعيّن لإثبات أن قسطنطين انتصر على ثلاث ملوك؛ الأول هو “تاريخ الكنيسة” للمؤرخ المسيحي فيليب شاف، والذي يقول فيه شاف عن قسطنطين:

“مع كل انتصار له على منافسيه الوثنيين، جالريوس، مكسنتيوس، وليسنيوس، ازداد ميله الشخصي إلى المسيحية وثقته في القوة السحرية لعلامة الصليب….”

والثاني هو كتاب بعنوان “الصراع بين المسيحية والوثنية”، حيث قرأ سبيع منه عن الصراع بين الحكام الأربعة في الإمبراطورية الرومانية، لكنه لم يجرؤ أن يقرأ لنا أسماء هؤلاء الملوك الاربعة من هذا الكتاب. ففي نفس الكتاب بل وفي نفس ذات الصفحة نقرأ التالي:

“In the East, Maximinus Daza and Licinius (who had succeeded to the position of Galerius), after arraying themselves against each other, made peace again, and divided the Orient between them. The West was ruled by Constantine and Maxentius.”

الترجمة:

“في الشرق، قام مكسيمينوس دايا وليسينوس (الذي تولى منصب جاليروس)، بعد أن اصطفوا ضد بعضهما البعض، بعودة السلام مرة أخرى، وقسموا الشرق بينهما. والغرب حُكم من قِبَل قسطنطين ومكسنتيوس.”[14]

 

الإشكالية التي وقع فيها سبيع هنا هي أنه أراد أن يفهم مستمعيه بأن انتصار قسطنطين على ثلاث (وليس أقل وليس أكثر) منافسين له هي حقيقة تاريخية مسلم بها عن المؤرخين. ثم بعد ذلك اقتبس من مرجعين مختلفين، عند فحص ما يقولانه جيداً، نجد أن المرجعين متضاربين من حيث أسماء هؤلاء الملوك!!! فالمرجع الأول يذكر أن الملوك هم جالريوس، مكسنتيوس، وليسنيوس، بالإضافة إلى قسطنطين الذي انتصر عليهم. لكن المرجع الثاني، يذكر مكسيمينوس دايا بدلاً من جاليريوس، ويصرح بأن ليسينيوس هو من تولى منصب جاليروس! وهنا تنكشف الورطة الحقيقة التي وقع فيها أحمد سبيع. فإن كان هناك ثلاث ملوك منافسين لقسطنطين في الحكم، فمَن هم هؤلاء الملوك؟ ما هي أسماؤهم؟ ومتى حكموا بالضبط؟ ولماذا نجد هذا التضارب بين أقوال المراجع التي أتى بها؟

السبب في هذا هو أن سبيع افترض، عن جهل وانعدام الفكر، أنه طالما كان هناك حُكْم رباعي في الإمبراطورية الرومانية، أي أربعة ملوك يحكمون أربعة مناطق من الإمبراطورية، إذن يجب أن يتواجد الأربعة دائماً جنباً إلى جنب، بدون زيادة أو نقصان أو حتى تبديل!!!

بمعنى أنه لم يضع في حسبانه احتمالية مرور قسطنطين بفترات تاريخية من حكمه يكون فيها منافسيه أكثر من ثلاث ملوك. وهو تمامًا ما حدث. ولذلك نقرأ في مراجع كثيرة أن قسطنطين مرَّ بفترات تواجد معه خمس ملوك يتنافسون فيما بينهم على العرش. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور محمود سعيد عمران، الاستاذ بكلية الأداب:

“ويلاحظ أنه في الفترة الممتدة من ٣٠٥–٣١١م وهي الفترة المضطربة التي تلت اعتزال دقلديانوس ومكسيميان، كان يحكم الإمبراطورية جاليروس بالاشتراك مع قسطنطيوس الأول وسيفريوس الثاني وليسينوس وقسطنطين الأول ومكسيميان في فترات مختلفة. ومنذ عام ٣٠٩م كان هناك ستة حكام يحملون لقب أوغسطس، ثم انفرد قسطنطين الأول وليسنيوس بالحكم من ٣١٢–٣٢٤م، وساد هذه الفترة أيضًا الفوضى والاضراب والحروب الأهلية نتيجة لمطامع كل منهما، ونشبت الحرب الأهلية من جديد وانتصر قسطنطين على منافسه عام ٣٢٤م وانفرد بالسيادة على الإمبراطورية بعد معركتي أدرنة وكريوبوليس، وانتهى الأمر بموت ليسينوس.”[15]

 

أي كان هناك ستة أباطرة يتنافسون على الحكم في نفس الوقت، ومن ضمنهم قسطنطين. ونقرأ أيضاً في مرجع آخر ما يلي:

“By 308, six emperors were vying jealously with each other, three in the East, and Maximian, his son Maxentius, and Constantine in the West.”

الترجمة:

“بحلول عام ٣٠٨م، كان ستة أباطرة يتنافسون بغيرة مع بعضهم البعض، ثلاثة في الشرق، ومكسيميانوس وابنه ماكسنتيوس، وقسطنطين في الغرب.”[16]

 

وآخيرًا، وليس آخرًا، تقول الموسوعة البريطانية:

“Eighteen years later Constantine, the sole survivor of six rival emperors, united the whole empire under his own rule.”

الترجمة:

 “بعد ثمانية عشر عامًا، وحَّد قسطنطين، الناجي الوحيد من ستة أباطرة متنافسين، الإمبراطورية بأكملها تحت حكمه.”[17]

 

كل هذه المراجع، وغيرها الكثير تثبت تواجد أكثر من ثلاث ملوك منافسين لقسطنطين، بل الصحيح هو ضعف العدد الذي اقترحه سبيع. فكوْن فيليب شاف أو غيره ذكروا ثلاث ملوك فقط، هذا لا يعني أنهم حصروا عدد منافسيه في ثلاث فقط، بل ولا يعني أيضًا أنه لم يتواجد في أي فترة أخرى أكثر من ذلك العدد!! فكما رأينا الأمر وصل إلى ستة أباطرة تواجدوا في نفس الفترة يتنافسون على عروش الإمبراطورية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا وعلى أي أساس اختار سبيع ثلاث ملوك فقط وتجاهل الثلاث الآخرين، علمًا بأن المراجع تذكر أن جميع الملوك الستة كانوا منافسين لقسطنطين، وهو الذي انتصر ونجى في الآخير؟؟!! وهذا السؤال ليس له سوى إجابة واحدة: إنه الضلال والإضلال في أغبى صوّره!

 

ثالثًا: قال سفر دانيال أن هذه الممالك الثلاثة ستكون معاصرة للمملكة الرابعة (الرومانية، بحسب سبيع)، بل وتغلبهم هذه المملكة الرابعة (أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ)، بدليل أن هذه المملكة الرابعة ستسحق بقية الممالك الأخرى، وليس مملكة أو مملكتين منهم، فكيف تكون المملكة الرابعة هي امبراطورية الرومان في حين ان الإمبراطورية الرومانية لم تنهي حكم كل الثلاثة ممالك السابقة لها (البابلية والمادية-الفارسية واليونانية) بل جاءت الإمبراطورية الرابعة بعدهم؟ فهل أنهت الإمبراطورية الرومانية حكم الإمبراطورية البابلية مثلا؟! وهل أنهت الإمبراطورية الرومانية وجود الإمبراطورية الفارسية أم كانا سويًا يعيشان ثم ضعفا سويًا؟ وهل إنتهت الإمبراطورية الرومانية بوجود الإسلام أم أن القسطنطينية (عاصمة دولة الروم القديمة) ظلت إلى القرن الخامس عشر عندما احتلّها محمد الثاني؟؟ أين أحمد سبيع من كل هذه الحقائق التاريخية؟

 

7 بَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابعٍ هَائِل وَقَوِيٍّ وَشَدِيدٍ جِدًّا، وَلَهُ أَسْنَانٌ مِنْ حَدِيدٍ كَبِيرَةٌ. أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ. وَكَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. 8 كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ قُدَّامِهِ، … 16 فَاقْتَرَبْتُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْوُقُوفِ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الْحَقِيقَةَ فِي كُلِّ هذَا. فَأَخْبَرَنِي وَعَرَّفَنِي تَفْسِيرَ الأُمُورِ: … 19 حِينَئِذٍ رُمْتُ الْحَقِيقَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَيَوَانِ الرَّابعِ الَّذِي كَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّهَا، ….، وَقَدْ أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ، 20 وَعَنِ الْقُرُونِ الْعَشَرَةِ الَّتِي بِرَأْسِهِ، وَعَنِ الآخَرِ الَّذِي طَلَعَ فَسَقَطَتْ قُدَّامَهُ ثَلاَثَةٌ … 23 «فَقَالَ هكَذَا: أَمَّا الْحَيَوَانُ الْرَّابعُ فَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ عَلَى الأَرْضِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْمَمَالِكِ، فَتَأْكُلُ الأَرْضَ كُلَّهَا وَتَدُوسُهَا وَتَسْحَقُهَا.

 

فإن كانت هذه الأوصاف لا تنطبق على الإمبراطورية الرومانية، فكيف يكون القرن الصغير هو امبراطور روماني سواء أكان قسطنطين أو غيره؟

 

رابعًا: قال إن مخالفة القرن الصغير للقرون الأخرى يُقصَد بها أن قسطنطين سيغير تعامله مع المسيحيين ولن يضطهدهم، ونحن نسأله: من أين عرفت أن هذا هو المقصود؟ وبأي دليل؟ فالسفر لم يقل إن المخالفة ستكون في تعامل هذا القرن مع القديسين مثلا، السفر قال إن هذا القرن مخالف للأولين، أي مخالف للقرون العشر الأولى، فبأي دليل أسقطت هذه المخالفة على التعامل مع المسيحيين؟

 

فيقول أحمد سبيع: “قسطنطين كانت سياسته مختلفة أو مخالفة لجميع مَن سبقوه، فلأول مرة يصدر الإمبراطور مرسومًا للتسامح مع المسيحيين؛ أصدر في سنة ٣١٣م مرسوم ميلانو، وهو مرسوم يسمح للمسيحيين بالحرية الدينية، وبعدها تدخل في الشؤن الدينية كما في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م.”

 

وللرد نقول:

 في محاولته لإثبات مخالفة قسطنطين مَن سبقوه مِن الأباطرة، ادّعى سبيع أن قسطنطين هو أول إمبراطور روماني يصدر مرسومًا للتسامح مع المسيحيين. وهذا جهل مُطبق بتاريخ الإمبراطورية الرومانية! بل إن جاليريوس أصدر مرسومًا وهو على سرير الموت حيث أوقف بهذا المرسوم الاضطهاد الواقع على المسيحيين وسمح فيه للمسيحيين بحقهم في ممارسة شعائرهم علنًا بكل حرية[18]. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يقول الدكتور محمود عمران:

“لم يكن مرسوم ميلان أول مرسوم بالتسامح مع المسيحيين بل سبقه المرسوم الذي حمل إسم جالريوس وليسينوس.”[19]

ولكن يمكن أن يكون هذا المرسوم أقل شهرة من مرسوم ميلان، والسبب في ذلك كان قصر مدة حكم جاليريوس، وما عانته الإمبراطورية البيزنطية من بعده من انقسامات وصراعات داخلية أدت في النهاية إلى عودة اضطهاد المسيحيين مرة أخرى، وهو الأمر الذي لم ينتهي كليةً حتى بعد مرسوم ميلان كما سنرى. علاوةً على أن مرسوم ميلان لم يصدره قسطنطين منفردًا، بل صدر بالاتفاق مع شريكه في الحكم ليسينوس.[20]

 

بل، لم يكن هذا هو المرسوم الوحيد الذي سبق مرسوم قسطنطين، فقبل مرسوم قسطنطين، وقبل مرسوم جاليريوس، كان هناك مرسومًا سابقًا لكليهما، وهو مرسوم جالينوس حيث أنه في عام 261 نشر جالينوس، الذي جلس على العرش بعد أن أزال عنه الفرس فليريان، أول مرسوم يقضي بالتسامح الديني اعترف فيه بأن المسيحية من الأديان المسموح بها وأمر أن يرد إلى المسيحيين ما صودر من أملاكهم، وحدثت اضطهادات خفيفة في السنين الأربعين التالية، ولكن هذه السنين كانت في معظمها سني هدوء ونماء سريع للمسيحية لم ترَ لها مثيلاً من قبل[21].

إذن، فمرسوم قسطنطين، مع أنه الأشهر عند عوام الناس، إلا أنه لم يكن المرسوم الأول، وهكذا لم يكن المرسوم الثاني، بل الثالث، إذ سبقه مرسومان من جاليريوس عام 311، وقبله مرسوم جالينوس عام 261 وهو الذي كان المرسوم الأول الذي يسمح للمسيحية بأن تكون ديانة مسموح بها قانونًا. فسقطت حجتك بان (قسطنطين) قد خالف سياسة كل من سبقوه، وهذا السقوط بسبب جهلك الظاهر.

 

فالحقيقة إنك سقطتَ في الاستدلال الدائري، افترضت أولا ان القرن الصغير هو قسطنطين ثم بدأت بتهيئة كل ما قيل عن القرن الصغير عليه بحيث يتناسب معه، لكن نسيت ان تعطينا أية أدلة تدعم بها كلامك المهترئ. فمثلاً، كما ذكر فيليب شاف، أنه كان هناك أباطرة لا يضطهدون المسيحيين بشكلٍ عامٍ قبل قسطنطين فلماذا لا يكون أي منهم هو المقصود مثلًا؟

 

بل كيف يكون المقصود في الخلاف مع الملوك العشرة الآخرين هو في عامل الاضطهاد، والسفر ذاته والأصحاح ذاته يقول إن هذا القرن الصغير سيضطهد قديسي العلي حيث يقول السفر عنه أنه “يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ“؟ فبنفس طريقة فهمك للنصوص، فطالما أن هذا القرن سيحارب القديسين وطالما ان هذا القرن سيكون مخالفًا لغيره، إذن فالأباطرة الرومان لم يكونوا يضطهدوا المسيحين سواء الموحدين او المثلثين (كما تسميهم) وأنت بنفسك شهدت بخلاف هذا. والاحتمال الثاني أن نقول إن بما أن الأباطرة السابقين كانوا يضطهدون المسيحيين، وهذا القرن الصغير مخالف لهؤلاء الأباطرة، فيجب ألا يضطهد هذا القرن الصغير المسيحيين (الموحدين والمثلثين، كما تسميهم)؟ أرأيت كيف أن تخريفك يصل بك دائمًا إلى نتائج تُظهر جهلك؟

 

وبما أننا أثبتنا أنه لا يمكن أن يكون قسطنطين هو المقصود، فلماذا تفترض ان هذه النبوة تحققت أصلا وتبحث عمن كان مخالف لمن سبقه؟ المسيحيون يفسرون النبوة بشكل آخر تماما ويفسرون هذه المخالفة للقرن الصغير بشكل آخر أيضًا.

 

نقطة أخرى، قسطنطين عاش وثنيًا إلى آخر لحظات عمره، حتى انه تعمد وهو على فراش الموت من أسقف أريوسي، وبالطبع كان الأباطرة من قبله وثنيون أيضًا مثله، فلماذا لا يعتبر سبيع أن هذه الموافقة في الوثنية بين قسطنطين وغيره من الأباطرة الذين سبقوه، طاعنة ونافية للمخالفة التي يتكلم عنها السفر عن القرن الصغير (قسطنطين بحسب جهل سبيع)؟ فكل ملك سيختلف عمن سبقه بشيء أو أكثر ويكون موافقًا له في شيء أو أكثر، وهذه هي طبيعة البشر إلى اليوم، فهل أي اختلاف بين قسطنطين وبين من سبقوه سيفسر عبارة سفر يونان؟ فعلى هذا فكل الأباطرة يختلفون مع بعضهم البعض وبالتالي، فهم يحققون هذا الشرط.

 

خامسًا: قال إن قسطنطين تكلم بعظائم ضد الله، والحقيقة ان سبيع لم يثبت ما هي هذه العظائم التي تكلم بها ضد الله! فكل ما ذكره سبيع ان الإمبراطور قتل ليسينيوس بعد ما بدر منه، وقتل ابن اخته (حسبما ذكر سبيع) وفي الأخير قتل ابنه الأكبر كريسبوس، وزوجته. لكن هل هذا هو الكلام الذي تكلم به ضد الله؟! كإمبراطور روماني، فهذا معتاد منهم كحاكم روماني يحارب الكثيرين ويقتل الكثيرين ويتعرض لمؤامرات ودسائس، وهذا ما فعله من سبقوه من الأباطرة الوثنيين كما من بعده وقبلهم وإلى اليوم، فمع أننا اليوم نعتبر هذه كلها جرائم إلا أن هذا كان معتاد في هذا العصر ومعتادة بالأكثر من إمبراطور وثني! فهل تظنه كان يبتاع السِبَح ولا يفارق صلاة الجماعة! كم قتل الخليفة الأول في حروب الردة؟ وكم قتل الخلفاء وأمراءهم؟! هل يمكنك أن ترد؟! فإن كانوا هؤلاء مؤمنين وفعلوا كل هذا، فما بالك بإمبراطور وثني!

إلا ان هناك بعض الترّاهات والأكاذيب التي خرجت من فم هذا الصبي، فسنوردها والرد عليها، رغم أنها تتناقض فيما بينها، وتتناقض مع ما قاله سابقًا، وتتناقض مع ما يريده منها، إلا أنه كحاطب ليل يقول كل شيء وإن تناقض أوله مع آخره.

 

  1. قال إن الإمبراطور قسطنطين حارب الموحدين (الأريوسيين) وانتصر للمثلثين (أتباع أثناسيوس)

وهذا كلام غريب، إذ أن قسطنطين تاريخيًا (في هذه الحقبة بالتحديد) لم يفعل إلا انه طبّقَ القرار الذي قرره مجمع نيقية المسكوني الأول بأساقفته، ولم يتدخل في القرار ذاته. فهو كسلطة تنفيذية قام بتنفيذ قرار المجمع. ولتقريب الصورة اليوم، فدور قسطنطين هنا كان كمنفذ للحكم الذي أصدره القاضي على المنصة، فلا يصح ولا يسوغ أن نقول ان منفذ الحكم حارب المحكوم عليه وانتصر للقاضي! فلا هو حارب ولا هو انتصر -في هذه الفترة-، بل نفذ ما قرره المجمع المسكوني. ثم بعدها أصدر قوانين ضد أريوس والاريوسيين لعدم تأثيرهم على سلام الإمبراطورية.

ومما يدل على هذا أنه هو نفسه لم يكن مسيحيًا لا من أتباع أريوس ولا من أتباع أثناسيوس! بل والأغرب من هذا أنه عندما تعمد وهو على فراش الموت، تعمد من أسقف أريوسي!

 

فعندما حاول أريوس بعد حرمانه عندما حاول ان يستعطف الامبراطور مرة أخرى، وطلب الامبراطور من البابا أثناسيوس حينها أن يعيد أريوس إلى الكنيسة مرة أخرى، رفض أثناسيوس لأن قرار حرمانه كان بقرار مجمع مسكوني، فنفاه قسطنطين إلى فرنسا. وهذا يوضح بجلاء ان الإمبراطور لم يكن له القوة لإعادة أريوس إلى الكنيسة مرة أخرى ولا كان له قوة التدخل في الأمور الدينية أو الإدارية في الكنيسة وإلَّا كان قد أعاده دون طلب من البابا أو بعدما نفى البابا أثناسيوس.

فكيف يقال بعد هذا أنه حارب الأريوسيين؟ وكيف يقال إنه نصر المثلثين؟ فطالما نصر المثلثين كان قد تعمد منهم (مثلما قرأ سبيع بلسانه من موقع سانت تكلا).

بل قد نُفي أثناسيوس لخمس مرات بداية من نفي قسطنطين نفسه مرورا بمن خلفه من الأباطرة، فكيف يحاول الجويهل سبيع تصوير أن الأباطرة من قسطنطين ومن جاء بعده كانوا موافقين لأثناسيوس؟

 

ولو شئنا لأغرقناه بالمراجع التي تثبت جهله بأبجديات التاريخ المسيحي! ولكن لضيق المساحة، ولضعف مستواه الأكاديمي، سنكتفي بأمثلة بسيطة من بعض المراجع. فعلى سبيل المثال، يقول أندرو مِلر:

لم يكن للإمبراطور [قسطنطين] رأي خاص مستقل في المسائل الكنسية، ولا تمييز روحي في هذه الخلافات التعليمية، ولذلك فلا يمكن التعويل على استمرار رضاه وتأييده ومعاونته. وهذا ما حدث إذ تغير فكره كلية في أقل من سنتين. […] كان لقسطنطيا أرملة ليسينيوس وأخت قسطنطين نفوذ عظيم وتأثير كبير على أخيها، وكانت تعطف على الأريوسيين، وقد وُفقت وهي على فراش الموت سنة ٣٢٧م في إقناع أخيها بأن أريوس عونل معاملة ظالمة، واقترحت عليه أن يستدعيه إلى قصره، فاستدعاه فحضر أريوس. ولما مثل بين يدي الإمبراطور عرض عليه تعاليمه، وبيّن بطريقة عامة اعتقاده في تعليم الآب والابن والروح القدس، والتمس من الامبراطور أن يضع حداً لما يزعمون أنه نظرية باطلة ومبادئ خيالية، حتى تشفى الكنيسة من هذا الداء العضال، داء الانقسام، ويعود الجميع إلى الوحدة، ويرفعوا بنفس واحدة صلوات وطلبات لأجل الامبراطور لكي يكون ملكه في هدوء وسلام، ولأجل كل أفراد عائلته. وبواسطة كلامه الجذاب وحديثه الرقيق نال غرضه وحظى بمرغوبه، فأظهر قسطنطين رضاه وسروره بما سمع، وأصبح لأريوس وأتباعه منزلة عالية لدى الامبراطور، وحازوا درجة سامية من عطفه فأمر بإرجاع المنفيين إلى أوطانهم. وهكذا غيّر هذا الأمر الامبراطوري المنظر الخارجي للكنيسة، وأصبح للحزب الأريوسي نفوذاً كبيراً لدى الامبراطور، فأسرعوا بدون إبطاء ولا توان في استخدام هذا النفوذ لمنفعتهم ومصلحتهم.[22]

 

وربما -أخي المسيحي- تكون قد تضايقت من كلمة “المثلثين” التي قالها سبيع أعلاه، وكررتها أنا ليعرف ما هو الذي أرد عليه تحديدا فاستخدمت نفس ألفاظه. لكن، هل أريوس وأتباعه من الموحدين؟! إن أريوس -كما تخبرنا المصادر التاريخية- كان يقول بأن المسيح إله، لكن ليس من ذات الآب، وكان يقول إن المسيح هو الذي خلقه الآب ليخلق به المخلوقات، فالمسيح هو الخالق وهو المخلوق أيضًا. وفي آخر حياته أراد أن يتناول من الأسرار المقدسة على يد أسقف مستقيم العقيدة إلا أن الأسقف رفض ثم بعدها مات أريوس.

 

ومن الجهالات التي قالها سبيع أيضا عن قسطنطين، أنه قال “استطاع قسطنطين وأتباعه من بعده القضاء على الأريوسية وكتاباتها تمامًا”

وللرد نقول: أن هذه الجملة وحدها كفيلة بأن تجعلك تعرف أن ما يعرفه أحمد سبيع عن مجمع نيقية يتناسب طرديًا مع ما يعرفه عن اللغة الصينية! فكل قارئ -مجرد قارئ- في أحداث مجمع نيقية سيكون عارفًا أن الأريوسية استمرت إلى بعد نياحة قسطنطين وأريوس وأثناسيوس نفسه، وهذا كان في صور متعددة، بل أنه مما لا يسع القارئ -وليس الدارس- عدم معرفته هو أن قسطنطين نفسه (الذي يقول الجاهل سبيع عنه انه أنهى على الأريوسية) تعمد في نهاية حياته على يد أسقف أريوسي! فكيف يكون قسطنطين أنهى الأريوسية وهو نفسه تعمد في نهاية حياته على يد أسقف أريوسي؟! وكيف يكون هذا، وقسطنطين نفسه أراد إرجاع أريوس إلى شركة الكنيسة مرة أخرى بعد مجمع نيقية؟!!

 

لنكمل…

  1. قال إن التاريخ يقول إن قسطنطين مزج بين المسيحية والوثنية وكان له التأثير الأكبر على المسيحية بصورتها الحالية.

هذه العبارة مُلتبسة مُبهمة، فيمكن تفسيرها بطريقة صحيحة وطريقة خاطئة، فهل يقصد سبيع، مثلا، أن قسطنطين مزج بين المسيحية والوثنية في نفسه أو في إمبراطوريته؟ بمعنى أنه كان وثنيا في نفسه ولكنه يتخذ الصليب شعارًا لينتصر في حروبه، أو بأنه يسمح للمسيحيين أن يعيشوا في الإمبراطورية بلا اضطهاد كما لم يمنع الوثنية من الإمبراطورية؟ إن كان هذا هو المقصود، فالكلام صحيح على عمومه، فهو ظل وثنيًا ومتقلبًا بين حال وآخر، لكن إن كان مقصد سبيع ان قسطنطين مزج المسيحية نفسها بالوثنية، وهذا الذي يفيد سبيع، بمعنى انه مزج عقائد المسيحية بالعقائد الوثنية، فهذا تخريف صريح، فالعقائد المسيحية الأساسية (الثالوث، التجسد، الفداء، ألوهية المسيح..إلخ) يمكن استخراجها بها من الآباء الذين عاشوا قبل مجمع نيقية بتمامها، بل أن هناك مؤلفات كاملة عن هذه الاستشهادات.

الجزء الثاني من عبارته هو أنه كان له التأثير الأكبر على المسيحية بصورتها الحالية. وهذه الجزء كسابقه، مبهم المعنى، خصوصا أن الولد سبيع لم يعطنا أية مصادر تقول ما يريد أن يقول، فالتاريخ المسيحي يحفظ لقسطنطين الأمور الجيدة التي فعلها والأمور الخاطئة أيضًا، فمن الأمور الجيدة أنه سمح للمسيحيين ان يعيشوا بلا اضطهاد بعدما مروا بأبشع العذابات لسنوات طويلة، فهذا من الأمور الجيدة. وبالطبع له أمور سيئة كالتي عرضها سبيع وأكثر. لكنه في أموره الجيدة او تلك السيئة لم يكن له التأثير على المسيحية نفسها كعقيدة مطلقًا.

 

وبعد هذا عرض هذا السبيع اقتباسا يقول:

[ومن ذلك الحين، اتخذ قسطنطين مقام رأس الكنيسة، بصورة علنية أمام العالم أجمع، وفي الوقت ذاته، احتفظ لنفسه بمقام الكاهن العظيم للأوثان، ذلك اللقب الذي لم يتخل عنه قط، حتى مات وهو حائز اللقبين- رأس الكنيسة والكاهن العظيم للأوثان]

 

وإني لأسأل هذا الصبي: ماذا في هذا الاقتباس يدل على تبديل العقيدة المسيحية أو تغييرها؟ ألم تقل المصادر التاريخية ونحن أيضًا انه كان وثنيًا إلى أن كان على فراش موته؟ وألم نقل إنه يحتفظ لنفسه وليس في تغيير المسيحية!؟ فأين استشهادك في هذا الاقتباس؟! الاقتباس يتحدث عن قسطنطين وليس عن الإيمان المسيحي.

ثم عرض اقتباس آخر يقول:

[وهكذا وقفت المسيحية على قدم المساواة مع الوثنية، وكان تعاطف قسطنطين مع المسيحية لدوافع سياسية في أكثره، فقد اردا ان يكون مع الجانب الفائز، ومع كل نجاح جديد كان يزداد ميلا إلى المسيحية رغم ان حياته في مجملها كانت وسطا، وكان يحلم بأن يمزج الوثنية والمسيحية في مجتمع واحد تحت نفس النظام القوانين والشرائع، فهو لم يحظر الوثنية بأي حال من الأحوال]

وإني لأسأل هذا الصبي مرة أخرى: أين جاء هنا تبديل العقيدة المسيحية؟ وهل تأكدت أن المزج المقصود هنا هو “في مجتمع واحد تحت نفس النظام”؟ وليس دمجًا يؤدي إلى تغيير العقيدة؟ فهذا هو اقتباسك الذي أتيت به بنفسك ينفي ما تقول، إذ أنه يقول “وكان يحلم”، أي أن هذه كانت رغبة عنده، ولم يتممها، فلو كان تممها لكان قال “وقد مزج الوثنية بالمسيحية” وليس “كان يحلم”. فأنت كمدلس، حوَّلت عبارة “كان يحلم أن يمزج” بأنه “مزج” فعلا بين الوثنية والمسيحية! يا لفعلتك الشنعاء، أتستغفل بني جلدتك لأنهم يصدقونك؟! بئس الفعل!

الغريب أنه، ويا لبجاحته، بعد هذا قال إن هذا “مثال واضح على مزجه للمسيحية بالوثنية” وكان هذا بعدما قال إن عملة قسطنطين كان على أحد وجهيها حروف اسم المسيح، وعلى الجانب المقابل Sol Invictus مع رسمة للشمس. وهذا تأكيد لكلامنا أنه كان امبراطور وثني طيلة حياته إلا في آخره، مع سماحه للمسيحيين بأن يعيشوا بلا اضطهاد، لكن أين العلاقة بين ان تكون عملته بها هذا وأنه غير في الإيمان المسيحي او أثّرَ عليه؟ هل يتغير الإيمان لدى المسيحيين بتغيير العملة لدى الامبراطور؟! هل كنت ثملًا وانت تسجل هذا الفيديو؟!

ثم بعد هذا الغثاء الفكري، ظل يكرر أن قسطنطين انتصر لرأي ألوهية المسيح وأنه غير مخلوق، ولم يقدم ولا حتى نصف شبهة دليل في كلامه! فهو يظن أن ما تكرر قد تقرر، وأنه كلما كرر كلامه مرة تلو المرة، فإن هذا سيعفيه من تقديم الأدلة! لكن، نحن على عكس ما يفعل هذا الصبي، سنقدم أقوال لآباء مختلفين كثيرين عن ألوهية المسيح قبل مجمع نيقية.

 

العلّامة أوريجانوس

لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: “وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب”، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥)[23].

أن السيّد أعلن لاهوته للذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.[24]

تأمَّل الرسل الله الكلمة لا بكونهم قد أبصروا المسيح المخلِّص المتجسّد، بل رأوا الله الكلمة (هنا لا يقصد انفصال المسيح إلى شخصين إنما يؤكِّد التزامنا إدراك حقيقة المخلِّص المتجسّد وبالطبع الرؤية هي رؤية إيمانية). لو كانت رؤيّة المسيح بالجسد (مجردًا) يعني رؤيّة الله الكلمة، لكان هذا يعني أن بيلاطس الذي أسلم يسوع قد رأى الكلمة، وكذا يهوذا الذي أسلمه وكل الذين صرخوا: “أصلبه أصلبه”. هذا الفكر بعيدًا عنه تمامًا، إذ لا يستطيع غير المؤمن أن يرى كلمة الله. رؤيّة الله الكلمة أوضحها المخلِّص بقوله: “الذي رآني فقد رأى الآب”. [25]

صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.[26]

إن كان ليس هو إله أموات بل أحياء، وكما أنه هو إله إبراهيم واسحق ويعقوب فهو إله بقية الأنبياء، والأنبياء هم أحياء، إذ حفظ هؤلاء كلمة ابن الله عندما جاءت كلمة الله إلى هوشع وإلى إرميا وإلى إشعياء. فإنه ليست كلمة الله جاءت إلى أي واحدٍ منهم سوى ذاك الذي من البدء مع الله، ابنه، الله الكلمة.[27]

بعد ان علمنا الانجيلي الثلاثة اوامر من خلال الثلاثة مقترحات التي سبق ذِكرها، فانه يجمع الثلاثة تحت راس واحد قائلا “هذا كان في البدء عند الله”. الآن لقد تعلمنا من المقترحات الثلاثة، أولاً، ماذا كان الكلمة أي “في البدء”، ومع من كان الكلمة اي “الله”، ومن كان الكلمة أي “الله”. وبالتالي، يبدو الأمر كما لو أنه يشير الى الله الكلمة باللفظ ” هو نفسه” ثم يجمع الثلاثة: “في البدء كان الكلمة”، و”الكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” في تصريح رابع ويقول: “هو نفسه كان في البداية مع الله”.[28]

 

 

القديس إكليمنضس السكندري

إذ يقول الرسول “فلتسكن فيكم كلمة الرب بغنى” يختار الله الكلمة الأوقات والمراسم المناسبة لسكناه في الأشخاص. ففي حالتنا الراهنة هو ضيف فينا، إذ يضيف الرسول ثانية: “معلميِّن ومنذرين بعضكم بعضًا بكل حكمة بمزامير وترانيم وأغاني روحية مرنمين في قلوبكم لله”.[29]

 

القدِّيس كبريانوس

إن كان قد تعب وسهر وصلى من أجلنا ومن أجل خطايانا، فكم بالحري يلزمنا نحن أن نصلي على الدوام، نصلي ونتوسل إلى الرب نفسه وخلاله لنرضي الآب. لنا الرب يسوع المسيح إلهنا محامٍ وشفيع من أجل خطايانا، إن كنا نتوب عن خطايانا الماضيّة ونعترف مدركين خطايانا التي بها عصينا الرب، وننشغل بالسلوك في طرقه ومخافة وصاياه.[30]

 

أثيناغوراس المدافع

فمن ذا الذي لا يندهش عندما يسمع أناساً يتكلمون عن الله الآب، وعن الله الإبن، وعن الروح القدس، ويجاهرون بما لهما من قوة في الإتحاد وتمايز في الترتيب، ومع ذلك يدعون ملحدين؟[31]

 

القديس إيريناؤوس

فالآب إذًا رب والابن رب، الآب إله والابن هو إله، لأن الذي يُولد من إله هو إله[32]. هكذا إذن فبحسب كيانه وقوته وجوهره هو إله واحد. ولكن بحسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد. وحيث إن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات، فمن الضروري على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن[33].

ويتحدّث داود بوضـوح عن الآب والابن فيقـول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الاثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك[34]. طالما أن الابن هو إله بالحقيقة فهو يأخذ عرش الملكوت الأبدي من الآب أي من الله ويُمسح بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه. “ودهن الابتهاج” أو زيت المسحة هو الروح الذي مُسح به، ورفقائه هم الأنبياء، والأبرار والرسل وجميع الذين ينالون شركة في ملكوته، أي تلاميذه.[35]

 

القديس إغناطيوس الأنطاكي

“لأنه لا يوجد إلا إله واحد غير مولود هو الله الآب، وابنه الوحيد أي الله الكلمة المتأنس، ومُعَزِ واحد أي روح الحق، وأيضًا تعليم واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة، وكنيسة واحدة أسسها الرسل القديسون من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها بدم المسيح، وبعرقهم وكَدّهم. فحري بكم إذًا “كجنس مختار وأمه مقدسة (1بط 2: 9)” أن تفعلوا كل شيء باتفاق في المسيح”[36]

 

“أمجد الله أبا ربنا يسوع المسيح. الذي قد نلتم بواسطته تلك الحكمة الجزيلة. إذا أراكم كاملين في إيمان لا يتزعزع كأنكم قد سُمّرتُم جسدًا وروحًا في صليب ربنا يسوع المسيح. متوطدين في المحبة بواسطة دم المسيح. ومفعمين إيمانًا بربنا يسوع المسيح ابن الله “بكر كل خليقة (كو 1: 15)”، الله الكلمة، الابن الوحيد، “من نسل داود حسب الجسد (رو 1: 3)”، ولِد من مريم العذراء، وأعتمد بيد يوحنا “ليكمل كل بِر (مت 3: 15)”، وعاش حياة طاهرة بلا خطية، وصُلب بالجسد عنا في عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع”[37]

 

لأنه يوجد طبيب واحد، الذي هو جسد وروح، مولود وغير مولود، الذي هو الله المتأنس (God in man)، الحياة الحقيقية في الموت (الطبيعة الإنسانية المائتة)، من مريم ومن الله (الآب)، متألم وغير متألم[38]، ربنا يسوع المسيح.[39]

 

لان إلهنا يسوع المسيح، قد حُبِلَ به بسماح من الله، فهو من نسل داود، كما من الروح القدس: قد وُلِدَ، واعتمد، أعتمد لكي بتقديم ذاته يطهر المياه.[40]

 

بهذا بَطُلَ كل سحِر واندحرت كل رباطات الشر إلى غير رجعة، نًزِع الجهل، والمملكة العتيقة دُمِرَت، لأن الله ظهر في الجسد (أو: ظهر كإنسان) من أجل جِدّة الحياة الأبدية. وذاك هو ما قد أعدّه الله، قد بدأ يتحقق.[41]

 

أنظروا، بعد أن أشرت إلى كل بنِيَة الإيمان الظاهرة في الأشخاص الذين ذكرتهم سابقًا وطوبتهم، أوصيكم: “كونوا غيورين أن تفعلوا كل شيء في انسجام مع الله، ومع الأسقف الذي يترأسكم كممثل لله، ومع القسوس (الشيوخ) كممثلين للرسل، ومع الشمامسة الذين هم الأعز على قلبي، المؤتَمَنين على خدمة يسوع المسيح الذي هو مع الآب منذ الأزل وظهر في ملء الزمان (غل4: 4).”[42]

 

أتركوني لأتبع مَثَل آلام إلهي، لو أن أحد منكم يملكه في داخله؛ فليفهم إذا ما أريده وليتعاطف معي كعارف بما يُقيّدَني.[43]

 

أمجد يسوع المسيح، الله الذي أعطاكم الحكمة، إذ أراكم كاملين في إيمان لا يتزعزع كأنكم قد سُمّرتُم جسدًا وروحًا في صليب ربنا يسوع المسيح. متوطدين في المحبة بواسطة دم المسيح. ومفعمين إيمانًا بربنا يسوع المسيح وبأنه بالحقيقة “من نسل داود حسب الجسد (رو 1: 3)”، وبإنه ابن الله بالإرادة والقوة، وبأنه ولِد بالحقيقة عذراء، وأعتمد بيد يوحنا “ليكمل كل بِر (مت 3: 15)”.[44]

 

الرسالة إلى ديوجينيتُس

“كما يرسل ملك ابنه الذي هو ملك أيضاً، وبالتالي أرسله، هكذا هو (الآب) أرسله (الإبن) كإله، هكذا أرسله للبشر، هكذا كمُخَلِّص أرسله إليهم، طالبًا منا أن نؤمن به عن اقتناع لا عن إجبار؛ لأنه لا مكان للعنف في شخصية الله”[45]

 

القديس يوستينوس الشهيد

وأيضًا كما ذكرنا، أن يسوع عندما كان في وسطهم قال “ليس أحد يعرف الآب إلا الابن ولا أحد يعرف الابن إلا الآب ومن أراد الابن أن يعلن له.” (مت 11: 27). ويؤكد اليهود دائمًا أن أبا الكل هو من كلم موسى بالرغم من أن من كلم موسى في الحقيقة هو ابن الله نفسه الذي دُعي أيضًا ملاكًا ورسولًا، ولهذا فقد استحقوا التوبيخ من روح النبوة ومن المسيح نفسه لأنهم لم يعرفوا الآب ولا الابن. فإن من يدَّعون أن الابن هو الآب يوبَّخون لأنهم لم يعرفوا الآب ولا أن الآب له ابن وإذ إنه [أي الابن] هو كلمة الله وبكره، فهو الله. وقد ظهر لموسى ولأنبياء آخرين في شكل نار وبهيئة غير جسدانية ولكن الآن في عهد حكمكم وُلِد من عذراء كإنسان كما ذكرنا قبلًا بتدبير من الله الآب من أجل خلاص كل من يؤمن به، وقد احتمل الهوان والآلام لكي بموته وقيامته يهزم الموت. أما الكلمات التي قيلت لموسى من العليقة: “أنا هو الكائن إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب وإله آبائك” (خر 3: 14، 15) فتعني أن الذين ماتوا، ما زالوا موجودين بل وينتسبون للمسيح ذاته، لأنهم هم أول من شغلوا أنفسهم بالبحث عن الله، وقد كان إبراهيم أبا إسحق وإسحق أبا يعقوب كما كتب موسى.[46]

 

وقال تريفو: لقد سمعنا رأيك في هذه الأمور فأكمل كلامك من حيث توقفت ومن ثمّ قم بإنهائه، لأن بعضه يبدو لي أنه لا يعقل وغير قابل للإثبات. حيث عندما تقول بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل الدهور، الذي وافق على أن يولد ويصير إنسانًا مع أنه ليس من أصل بشرى لا يبدو لي متناقضًا فقط بل مناف للطبيعة والعقل.[47]

 

وكما أن يشوع وليس موسى هو الذي قاد الشعب إلى الأرض المقدسة وقسمها بالقرعة بين من دخلوها، هكذا أيضا يسوع المسيح سوف يجمع الشعب المتفرق ويوزع عليهم الأرض الطيبة ولكن ليس بنفس الطريقة، لأن يشوع أعطاهم ميراثًا لزمن معين فقط إذا لم يكن هو المسيح الذي هو الله ولا إبن الله. أما يسوع فهو أعطانا بعد قيامته المقدسة ميراثًا أبديًا … وقد أثبتُ لكم أن يسوع هو الذي ظهر وتحدث لموسى وإبراهيم وجميع الآباء الآخرين بلا أي استثناء وتحدث معهم مُمثلاً (ministering) لإرادة الآب وأقول هو أيضا صار إنساناً مولوداً من مريم العذراء ويحيا إلى الأبد.[48]

 

وعليكم أن تصدقوا زكريا عندما يصف بمثل خفى سر المسيح حيث يعلن ذلك بغموض، فكلماته التالية: “[تَرَنَّمِي وَافْرَحِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ لأَنِّي هَئَنَذَا آتِي وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ يَقُولُ الرَّبُّ 11 فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَكُونُونَ لِي شَعْباً فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ فَتَعْلَمِينَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ 12 وَالرَّبُّ يَرِثُ يَهُوذَا نَصِيبَهُ فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَيَخْتَارُ أُورُشَلِيمَ بَعْدُ 13 اُسْكُتُوا يَا كُلَّ الْبَشَرِ قُدَّامَ الرَّبِّ لأَنَّهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِهِ] 1 وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِماً قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ 2 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: [لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ. لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ. أَفَلَيْسَ هَذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟]” (زك 10:2-13، 2،1:3)، وبينما كان تريفو على وشك أن يجيبني ويعترضني، قلت: انتظر وأسمع ما أقول أولاً، فأنا لن أعطي التفسير الذي تظنه أنت، كما لو لم يكن قط كاهن يدعى يشوع في بابل الأرض التي سُبى إليها شعبكم. كما لو لم يكن هناك كاهناً باسم يشوع (يسوع) في أرض بابل حيثما كانت أُمَّتَكُم مسبية، وحتى إن كنت سأفعل (سأفسر) فأنا قد بيّنتُ أنه حتى ولو كان هناك كاهناً يسمى يشوع (يسوع) في أُمتكُم فالنبي لم يرهُ في رؤياه كما أنه لم ير الشيطان أو ملاك الرب بعينه في صَحوِهِ بل في حالة تنبؤ (trance) عندما كانت الرؤيا له … كذلك أنا الآن أشرح لكم لأريكم أن الرؤيا التي حدثت بين شعبكم في بابل في أيام يسوع (يشوع) الكاهن كانت إعلان عما سيفعله كاهننا الذي هو الله، والمسيح إبن الله الآب لكل الأشياء.[49]

 

وفقاً لذلك فإن إسم “إسرائيل” يبين هذا، إنسان يتغلب على القوة، لأن “إسرا” تعني إنسان يتغلب، و”ئيل” تعنى قوة، وأن المسيح سيفعل هذا عندما يتجسد فهذا مُخْبَر عنه في مصارعة يعقوب معه (المسيح) فهو الذي ظهر له، مما يشير إلى أن المسيح نفّذَ إرادة الآب مع أنه هو الله، البكر (πρωτότοκον) لكل خليقة.[50]

 

قلت: ولكن يا تريفو لو كنت تعلم من هو الذي دعيّ ذات مرة حزقيال ملاك المشورة[51] وإنسانًا بواسطة حزقيال، ومثل ابن إنسان يدعوه دانيال، وولداً بواسطة أشعياء، ويدعوه داؤود الله والمسيح لكي يُعبَد، ويدعوه (أنبياء) كثيرون مسيحًا وحجرًا، ويدعوه سليمان الحكمة، ويدعوه موسى يوسف ويهوذا والنجم، ويدعوه زكريا الشرق، ويدعوه أشعياء أيضا المتألم ويعقوب وإسرائيل والعصا والزهرة وحجر الزاوية وابن الله، لو كنت تعلم ما جدفت عليه، ذاك الذي الآن قد اتى ووُلدَ وتألمَ وصعد إلى السماوات والذي سيأتي أيضاً مرة أخرى، حينئذ تبكى وتنوح عليه أسباطكم الإثني عشر.[52]حقًا لو أنكم فهمتم ما كتبه الأنبياء لما أنكرتم أنه الله وابن الإله غير الموصوف (المرئي) والمولود (الآب).[53]

 

الرسالة إلى ديوجنيتس:

لأنه ـ كما قلت ـ لم يكن اختراعا ارضياً محضاً ذلك الذي أعطي لهم، ولم تكن ايضًا مجرد فلسفة إنسانية يمكنهم أن يحكموا عليها بالصحة كي يتبعوها بالتدقيق. أو إعفاء من الاساطير التي اخترعها البشر وألزموهم بها. لكنه بالحقيقة الله نفسه، الذي هو قدوس، وخالق كل الاشياء، و[هو] الغير مرئي قد أرسل من السماء وجعل بين البشر [هذا الذي هو] الحق والقدوس [الذي هو] كلمته الذي لا تدركه الأفهام [البشرية]. وقد وطده في قلوبهم. وهو [الآب] ـ كما يمكن لأي أحد ان يتصورـ لم يرسل للبشر أحد من الخدام، او ملاك، أو حاكم، أو اي من هؤلاء الذين يملكون السيطرة على الأرضيات. أو واحد من هؤلاء الذين اوكلهم رب السماء، بل أرسل [هذا الذي هو] الخالق نفسه ومبدع كل الاشياء، الذي به صنع السماوات والذي به وضع للبحر حدوده، الذي تلتزم العناصر[54] أحكامه ـ الغير مفحوصة ـ. الذي منه تلقت الشمس الأمر بأن تحفظ مسارها اليومي. الذي يطيعه القمر حين يأمره أن يسطع ليلاً. الذي تطيعه النجوم أيضًا ـ كما القمر ـ في مساراتها. الذي به نُظّمَت كل الأشياء ووضعت في حدودها المناسبة. الذي يخضع له الجميع؛ الشمس بمحتوياتها، الأرض وما فيها، والبحر وما فيه، والنار والهواء والهاوية، ما في الأعالي وما في الأعماق وما بينهما. هذا [الرسول] الذي أرسله [الآب] لهم، أ كان ذلك [مرسلاً] ـ كما يمكن أن يتصور أحد البشرـ لأجل ممارسة الاستبداد، أو نفث الرعب والرهبة؟ حاشا. لكنه بدافع رحمته ووداعته كملك يرسل ابنه الذي هو بدوره ملك أيضًا؛ لذلك أرسله [أبوه].[55] كإله [أي يسوع] أرسله [الآب] للبشر. كمخلص أرسله، ساعيًا لإقناعنا لا لإجبارنا. [56]

 

هذا الذي هو منذ الدهر، يُبَجل اليوم كابن.[57] هذا الذي بواسطته تغتني الكنيسة، والنعمة تنتشر وتتسع، وتزداد في القديسين، وتعطي الفهم، وتكشف الاسرار، وتعلن الأزمنة، متهللة بالأمناء، وتعطي للذين يسعون [خلفها]. هذا الذي بواسطته لا يمكن أن تُختَرق حدود الإيمان. أو تُتَخطي الحدود التي وضعها الآباء[58].[59]

 

تاتيان السوري:

وان الارواح المطيعة للحكمة، تجذب اليها الروح الجوهر الواحد. لكن الغير مطيعين يرفضون خدمة الله الذي تألم، وقد أظهروا أنفسهم كمحاربين ضد الله، بدلاً من ان يكونوا عابدين. [60]

 

لأننا لا نتصرف كالحمقى، يا ايها اليونانيين، ولا نتفوه بحكايات بالية عندما نعلن بأن الله ولد في هيئة إنسان. [61]

 

ميليتو أسقف ساردس:

لسنا نحن بمن يعطي الإجلال للأحجار (الاصنام) عديمة الاحساس. لكننا من الإله الوحيد [الآب] الذي هو قبل الكل وعلى الكل. ونحن أيضًا نعبد مسيحه ـ الذي هو بالحقيقة ـ الله الكلمة الكائن قبل كل الدهور. [62]

 

العلامة ترتليان:

ثم، ايضا، عامة الشعب الان عنده بعض المعرفة عن المسيح، ويظن بانه ليس أكثر من انسان، الذي في الواقع تم إدانته من قبل اليهود، بحيث ان البعض بطبيعة الحال يظن اننا نعبد مجرد انسان. ولكننا لسنا نستحي بالمسيح (لأننا نفرح بان نحسب تلاميذه وان نتألم من اجل اسمه) ولا نختلف عن اليهود فيما يخص الله. لهذا ينبغي ان نشير لعلامة او اثنين الى لاهوت المسيح. [63]

 

لقد علمونا او أخبرونا بانه خرج من عند الله، وفي ذلك الانبثاق وُلِدَ؛ فهو ابن الله، ويدعى الله بسبب الوحدة في الجوهر مع الله. لان الله ايضا هو روح. حتى ان الشعاع الخارج من الشمس، هو جزء من الكتلة المرسلة؛ الشمس سوف تبقى في الشعاع، لأنه شعاع من الشمس (لا يوجد انقسام في الجوهر، ولكن مجرد امتداد. هكذا المسيح هو الروح من الروح، والله من الله، كما النور من النور يضئ. وان الموصوفة المادية تبقى كاملة بنفس الخاصية من دون تجزئة وان كان ينطلق منها العدد الكثير من الاطلاقات الحاملة نفس الامتيازات او الصفات؛ هكذا ايضا، الذي خرج من عند الله هو الله نفسه وابن الله، والاثنان واحد. وبهذه الطريقة ايضا كما هو الروح من الروح والله من الله، وجعل في المرتبة الثانية من جهة الوجود – الوظيفي، وليس في الطبيعة؛ ولم يتراجع او ينسحب او يترك المصدر الاصلي، ولكنه ذهب متقدما. هذا النور المنبثق من الله، هو كما كان دائما مخبر به من الازمنة القديمة، اتى الى عذراء مختارة او معينة وصار جسدا في رحمها، ففي ولادته هو الله والانسان المتحدان[64].

 

لأنه قد أعلن لنا عن مجيئين للمسيح؛ مجيء المسيح الاول قد تم بالاتضاع البشري، مجيئه الثاني سيحدث للعالم، وهو قريب حاليا، بكل عظمة لاهوته غير المعلن؛ وبسبب عدم فهمهم المجيء الاول، فلقد استنتجوا المجيء الثاني- الذي وضعوا رجاؤهم وامالهم عليه- بانه المجيء الوحيد[65].

ولكن المسيح ربنا اعطى لنفسه لقب الحق، وليس المخصص. إذا كان المسيح هو دائماً، ويسبق الكل، مساويا للحق هو شيء قديم وسرمدي[66].

 

ولكن اسم المسيح يمتد الى كل مكان، الكل يؤمن به في كل مكان، يعبد من قبل امم لا تعد ولا تحصى، يملك على كل مكان، مهوب في كل مكان، هبة متساوية للجميع في كل مكان. لا يوجد ملك اخر بجانبه له افضلية أكبر، ولا بربري اقل فرحا، لا كرامات ولا انساب تتمتع باستحقاقات مميزة؛ للجميع هو مساوي، لجميع الملوك، لجميع القضاة، للجميع هو الله والرب[67].

 

ربنا يسوع المسيح….، أي كان هو فانه، من اي إله كان فهو الابن، من اي جوهر كان فهو انسان والله، من اي ايمان كان فهو المعلم، من اي هدية او مكافأة كان فهو الوعد او المتعهد، كان بينما هو يعيش على الارض، ذاته اعلنت من هو، وماذا كان منذ الازل، وماذا كانت مشيئة الاب التي اراد ان يدبرها.[68]

لان الله وحده بلا خطية، والرجل الوحيد الذي هو بلا خطية هو المسيح، لان المسيح هو الله ايضا. [69]

والان رغم ان المسيح هو الله، مع ذلك، كونه ايضا انسان، مات حسب الكتب، وحسب الكتب ذاتها دفن[70].

 

المسيح لا يمكن ان يوصف كانسان من دون جسد، ولا ابن الانسان من دون اي ابويين بشريين؛ كما انه ليس إله من دون روح الله، ولا ابن لله من دون ان يكون الله اباه. هكذا الطبيعة الخاصة بالجوهريين ظهرتا فيه كانسان واله، – من ناحية واحدة مولود، وفي الاخرى غير مولود، من ناحية واحدة جسدي وفي الاخرى روحي؛ في حالة واحدة ضعيف وفي الاخرى عظيم القوة؛ في حالة يموت وفي الاخرى يحيا[71].

 

الآن، من الضروري ان نبين ما كان السبب المسبق لابن الله يولد من عذراء. إن الذي كان سيقدس ترتيباً جديداً للولادة، ينبغي انه هو بنفسه يولد على اسلوب الرواية، فيما يتعلق بنبوة اشعياء وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً. ماذا اذن هي الآية؟ “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا” 5 وفقا لذلك، حبلت عذراء وولدت عمانوئيل، الله معنا. 6 هذه هي الطبيعة الجديدة؛ انسان يولد في الله. وفي هذا الانسان الله ولِدَ، اخذاً جسداً من سبط قديم، بدون معونة بذر قديم أيا كان، لكي يقدر ان يكون نسل جديد، على نحو روحي، ويطهره بطرح كل اللطخات او البقع القديمة[72].

 

وهكذا نرى من هذا العدد القليل من المنقولات عن آباء وعلماء المسيحية، بل والمهرطقين، أنهم يؤمنون ان المسيح هو الله، وأن له نفس طبيعة الآب، وأنه هو الخالق، وأنه لا ابتداء له، بل هو سرمدي. ثم يأتيك جويهل مثل هذا ويقول إن قسطنطين انتصر لألوهية المسيح وأنه غير مخلوق! ولا يعرف هذا الجاهل أن أريوس نفسه يقول ان المسيح خلقه وخلق أحمد سبيع نفسه!! فدور الإمبراطور هو كمنفذ لما قرره المجمع المسكوني، والدليل على هذا كما قلنا سابقًا أنه عندما أراد ذات الإمبراطور أن يعيد أريوس إلى شركة الكنيسة، لم يستطع هذا، ولم يوافق أثناسيوس إذ أن القضية ليست قضية أثناسيوس بل هو قرار مجمعي لاهوتي لا شأن للإمبراطور فيه، مما أدى إلى نفي أثناسيوس إلى فرنسا، ولم يعد أريوس إلى الكنيسة رغم ذلك ورغم رغبة الإمبراطور ورغم عدم وجود أثناسيوس.

 

  1. قال سبيع أن قسطنطين اختار الدين الأقرب له، وهو دين أثناسيوس. وهذه العبارة لا تصدر إلا من مستويات ذلك الجوهيل. فإن كانت عقيدة أثناسيوس هي الأقرب بالحقيقة للامبراطور، فلماذا كان المجمع المسكوني أصلاً؟ كان يمكن للإمبراطور ان ينفي أريوس او يقتله وتنتهي القضية كلها. فنجد أن الحقيقة التاريخية تقول إن الإمبراطور إنما أصدر مرسوما بالقرار الذي اتخذه المجمع المقدس في نيقية بعد انتهاء المجمع، وهو الذي كان يمكن أن يفعله دون الرجوع للمجمع مطلقًا. بل إن كانت عقيدة أثناسيوس هي الأقرب بالحقيقة للإمبراطور، فلماذا لم يتعمد الإمبراطور لا قبل مجمع نيقية ولا بعده على يد أي أسقف يتبع لعقيدة أثناسيوس أو الكسندروس؟ أليس يقول هذا الجويهل أنها العقيدة الأقرب للإمبراطور؟ فلماذا نجد أن الإمبراطور تعمد على يد أسقف أريوسي في نهاية حياته!؟

 

ما الدليل الذي قدمه هذا الصبي ليثبت كلامه؟ لا يوجد! ثم يقول لنا أنه ذكر على كل كلمة قالها مصادر ومراجع! فيبدو انه يظن ان كلامه في حد ذاته مرجع! بلى، إنه مرجع للأقوال التي تخرج من الثمل كالصور التي توضح على السجائر للتحذير من مخاطرها، هكذا هذه الكلمات التي تصدر منه، تُعد دليلا على ما يحدث للإنسان الطبيعي عندما يكون سُبيعًا.

 

غير أن سبيع عندما ذكر أن مرسوم ميلان أعطى للمسيحيين حرية دينية، تغافل عن عمد –لحَبْك تزويره عن اضطهاد “غير المثلثين” حسب ادعاءه– عن أن مرسوم ميلان أعطى الحرية لجميع الطوائف الدينية، بمن فيهم المسيحيين المؤمنين بالثالوث وغيرهم من الطوائف الأخرى.

فإننا نقرأ في مرسوم ميلان:

“عندما تقابلنا نحن قسطنطين أوغسطس وليسينوس أوغسطس في ميلان مكللين بالرعاية والعناية، أخذنا نبحث في جميع الوسائل الخاصة بالصالح العام لرعايانا. ومن هذه المسائل التي تهم الكثيرين وتعود بالنفع عليهم مسألة حرية العقيدة. لذلك قررنا إصدار مرسوم يضمن للمسيحيين وكافة الطوائف الأخرى حرية اختيار وممارسة العقيدة التي يرتضونها، وبذلك نضمن رضاء جميع الآلهة والقوى السماوية علينا، كما نضمن رضاء جميع رعايانا ممن يعيشون في كنف سلطتنا.”[73]

 

من هذا الجزء من المرسوم يمكن استخلاص نقطتين هامتين: ١- إن مرسوم ميلان لم يصدره قسطنطين منفردًا، بل صدر بالاتفاق مع شريكه في الحكم ليسينوس؛ ٢- وقد أعطى المرسوم كل فرد في الإمبراطورية حق اختيار ديانته، سواء كان مثلثًا أم لا؛ ٣- علاوةً على أنه لم يجعل من المسيحية ديانة رسمية، كما إدعى سبيع، بل مجرد ديانة شرعيّة في الإمبراطورية. لكن بالتأكيد هذه العبارة “وكافة الطوائف الأخرى ” لم تعجب سبيع أيضًا؛ لأنها تنسف كل ما حاول أن يدعيه من اضطهاد كل من رفض الثالوث، ومنهم أتباع أريوس! فلماذا يستشهد بمرسوم ميلان على سماحة قسطنطين مع المسيحيين واختلافه بذلك عن الأباطرة السابقين، وفي نفس الوقت يرفض نفس ذات المرسوم الذي يصرح بأنه أعطى كل طائفة حقها في اختيار عقيدتها؟؟! هنا تظهر الانتقائية مجدداً.

 

وفي ادعاءه باضطهاد قسطنطين لغير المثلثين، أتي سبيع باقتباس من كتاب لچون لوريمر، يصرح فيه لوريمر بأن قسطنطين أمر بحرق كل كتابات أريوس ومعاقبة من يتبع فكره. ولكن مرة أخرى يحاول سبيع تزوير ما قرأه، فبدلاً من قراءة كل الفقرة التي عرضها، تغافل عن الجزء الأول منها، والسبب لا يخفى على أحد! فلنقرأ إذن كلام چون لوريمر بأكمله:

مع أن قسطنطين الذي لم تكن المسائل اللاهوتية واضحة أمامه مطلقاً قد اقتنع برأي يوسابيوس أسقف نيكوميديا حول إعادة النظر في أفكار أريوس. إلا أنه لم يهتم بأريوس مطلقاً حتى سنة ٣٣٢م كان يكتب هكذا ’إذا اكتشفت رسالة كاتبها أريوس فليكن مصيرها النار.. حتى لا يترك أي ذكرى له مهما كانت… وإذا قبض على أي شخص يخفي كتاباً لأريوس ولا يظهره ويحرقه على الفور، فعقابه الموت. وتنفذ فيه العقوبة فور ثبوت الجريمة.”[74]

 

فعلى الرغم أن سبيع عرض لمشاهديه كل الفقرة، إلا أنه لم يُعِرْ الجزء الأول منها (المظلل بالأحمر) أي اهتمام، وبدأ يقرأ النص من قول الكاتب “كان يكتب هكذا….” السبب لهذا هو أن لوريمر لم يقل أبداً أن كراهية قسطنطين لأريوس وأتباعه استمرت طويلا أو استمرت حتى عند من تبعوا قسطنطين من الاباطرة الرومان. بل على العكس، هنا يصرح لوريمر بأن يوسابيوس أمال قلب الإمبراطور، وجعله يعيد النظر في أريوس، حتى أنه عزل أثناسيوس وآخرين بغواية من أريوس نفسه وأتباعه. فيقول لوريمر أيضًا:

“وهكذا، فإنه بعزل يوستاثيوس، وأثناسيوس، ومرسيللوس، أخرج من ساحة المعركة ثلاثة من أبطال قانون الإيمان الرئيسيين في نيقية. ويعتبر إعادة أريوس إلى منصبه نصرًا آخر له، ولو أنه مات في القسطنطينية سنة ٣٣٦م، قبل أن يحضر الاحتفال بإعادته إلى مركزه. ومع ذلك فإن القانون النيقوي لم يقدم لمراجعته مطلقاً. فبالرغم من كل المنافسات الشخصية المحيطة بهذا العمل، فقط ظل النص كما تم التوقيع عليه في سنة ٣٢٥م كما هو بدون تغيير بل إن الإمبراطور نفسه اعتبر نيقية إنجازًا شخصيًا من الدرجة الأولى. وكما كتب جيبون Gibbon المؤرخ في الفصل ٢١ من كتابه: ’تدهور إمبراطورية روما وسقوطها The Decline and Fall of the Roman Empire‘ ’لقد قدم قسطنطين الحماية لأريوس واضطهد أثناسيوس (لكنه) مع ذلك اعتبر مجمع نيقية حصنًا للإيمان المسيحي، ومجداً وشرفًا خاصًا لحكمه شخصيًا‘.”[75]

 

فلم يكن الأمر كما صوّره المدلس سبيع، بل على العكس تماماً، اضطهاد أريوس واتباعه لم يستمر طويلاً، حتى اعاده قسطنطين إلى منصبه قبل وفاته وعزل ثم نفى أثناسيوس، فتحول الاضطهاد مرة أخرى إلى شخصيات مثلثة (حسب تعبير سبيع). أما محاولة ادعاءه أن الاضطهاد كان لكل غير المثلثين، وعلى رأسهم أريوس، هو تزوير فاضح للحقائق. في الواقع، لم يسلم أي طرف من اضطهاد قسطنطين، سواء مسيحيين مؤمنين بالثالوث أو آريوسيين أو حتى وثنيين في بعض الأحيان!

 

سادسًا: من قال أصلا أن الأريوسيين موحدين؟! أريوس كان يؤمن بألوهية المسيح لكن ليس بالمعنى المعروف قبله ولا بعده عند مستقيمي العقيدة، بل كان يؤمن أن المسيح إله لكنه إلخ مخلوق، إله ليس من نفس طبيعة الآب، إله خلقه الآب قبل كل الخلائق ليخلق به هذه الخلائق. فالمسيح في عقيدة أريوس هو الخالق لكل المخلوقات. وهذه من بدهيات المعرفة التاريخية عن أريوس، فهل الإيمان بأن المسيح إلهًا (لكن ليس من طبيعة الآب) وأنه هو الخالق الذي خلق به الآب العالمين، وهو إبن للآب لكن ليس من طبيعته، هذا تعتبره توحيد؟

 

من هم الموحدين الذين قصدهم سبيع؟ وما الدليل على وجود هكذا عقيدة في ذلك الوقت؟ فسبيع لم يقدم دليلًا أو مرجعًا واحدًا على وجود موحدين (بالمعنى الحرفي للكلمة)؟ فهل كان يقصد أريوس بهذا الكلام؟ فإن كان يقصده، فلن نرد نحن على هذه القمامة الفكرية، وسنجعل بنو جلدته يردون عليه ويصفعونه ويلقنونه درسًا ربما لا ينساه..

 

نبدأ الآن بشيخه، وشيخ الإسلام بن تيمية وهو ينقل عن ابن البطريق كلام أريوس فيقول:

 

[قال أريوس: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن ثم الله أحدث الابن، فكان كلمة له إلا أنه محدث مخلوق، ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى “كلمة” فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال في إنجيله، إذ يقول: “وهب لي سلطانا على السماء والأرض” فكان هو الخالق لهما بما أعطى من ذلك”.][76]

فهل من الإيمان، ومن التوحيد، ان تؤمن ان المسيح هو الخالق لكل الكون وأنه هو خالقك أنت شخصيًا؟ إن كان هذا هو الإيمان الحقيقي التوحيدي، فأخبرنا.

 

ثم في فيديو لسامي عامري (دكتور، كما يدعون) بعنوان “آريوس كان موحدا .. خطأ!”، وتأملوا العنوان نفسه، مجرد أن تقول ان أريوس كان موحِّد هو خطأ، يقول سامي عامري:

 

“أريوس النصراني الموحد، في الحقيقة هذا الخطأ هو من أكثر الأخطاء الإسلامية التي تحرجني شخصيا عندما أراها في كتاب إسلامي… نحن نمنح خصوم الإسلام عقديا، نمنحهم فُرص ليثبتوا اننا نقول أشياء باطلة، وأننا نحرف التاريخ، نزيف التاريخ، أو، في أحسن الأحوال، لا نفهم التاريخ… قضية أن أريوس كان موحدًا دعوة فاسدة باطلة، … ، أريوس، اللاهوتي الليبي الذي دعا إلى لاهوته في الإسكندرية .. ما كان يعتقد البتة بعقيدة التوحيد كما نفهمها في حدها الأدنى، أريوس لم يقل أبدًا، إن المسيح بشر، إنه بشر رسول… هناك إجماع بين النقاد على ان أريوس لم يقل البتة إن المسيح عبد رسول…فكان الأريوسيون يعتقدون بألوهية المسيح وأنه مع ذلك مخلوق، لكنه مخلوق قبل الزمان، وهذا التصور لا علاقة له البتّة بالقول إن أريوس كان موحدًا كما نفهمه… القول إن أريوس موحدٌ على الفهم الإسلامي، قولٌ باطلٌ فاسدٌ منكرٌ مخالف للمعلوم من التاريخ بالضرورة، على المسلمين التخلي عن هذا الزعم.”

 

وفي فيديو آخر لمحمد شاهين بعنوان “إثم الأريسيين؟! نظرة في كتب التراث الإسلامي” يقول:

 

“ما هو الدافع لكل هذا الشغف والحب والإصرار ان أريوس كان موحدا؟ الناس اللي بتدعي ان هذا هو الظاهر، هذا من أبطل الباطل. الظاهر من كل طريقة وفي كل مكان ان أريوس كان من النصارى الكفار…. لم ينقل أبدا عن أريوس في أي مرجع تاريخي معتبر أنه بيقول ان المسيح عبد الله ورسوله

 

والآن، وبعد كل هذه الشهادات، وكل هذا الانكار، وكل هذا الكذب من أحمد، لدينا سؤالًا واحدًا له، ألا وهو: أين أنت يا حمرة الخجل من أحمد؟!

 

سابعًا: هل كان أثناسيوس أوّل من أدان أريوس وحرمه (على فرض أن أثناسيوس حرمه في مجمع نيقية أصلاً)؟ لا، مطلقًا. بل قد حرمه البابا بطرس الأول، خاتم الشهداء، واستمر حرمه مع تلميذه البابا الكسندروس، وحرمه مرة أخرى البابا الكسندروس في مجمع في الإسكندرية، وأدانه المجمع وجرده من رتبته وفصله عن شركة الكنيسة. ثم بعدها جاء مجمع نيقية الذي فيه حضر أكثر من 300 أسقف من كل بقاع العالم المسيحي وقتها، وحرموا أريوس وبدعته وكل ما قال بها. إذن، فسبيع يفتري الكذب أو أنه جاهل جهلًا مدقعًا لا يعرف فيه أبسط المعلومات عن هذه الفترة تاريخيًا.

 

النقطة الخامسة: هل قالت النبوة عن القرن الصغير أنه سيغير الأعياد والشريعة؟

إذا تصفحنا النبوة نفسها التي يدعي سبيع أنها تقول هذا، سنجد النص يقول:

  • ترجمة فاندايك: وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ.
  • الترجمة العربية المشتركة: ويَظنُّ أنَّهُ يُغَيِّرُ الأزمِنَةَ والشَّريعَةَ.
  • الترجمة الكاثوليكية: وَينْوي أَن يُغَيِّرَ الأَزمِنَةَ والشَّريعَة.
  • ترجمة كتاب الحياة: وَيُحَاوِلُ أَنْ يُغَيِّرَ الأَوْقَاتَ وَالْقَوَانِينَ.

 

[يظن، ينوي، يحاول]، فهل هذه الكلمات تعني أنه غيّرَ فعلًا الأوقات/الأزمنة والشريعة؟ أم أنه فكّرَ أو حاول أو ظن في نفسه أنه يستطيع التغيير؟! فإن كان أحمد سبيع يظن أن قسطنطين غير الأزمنة والشريعة، فهذا دليل كافي لكي يفهم أن المقصود ليس قسطنطين، لأن النص في سفر دانيال لا يقول بأن القرن الصغير سيغير، بل سيحاول وينوي ويظن، وبالتالي فهو، في النهاية، لن يغير! فلو غيّر قسطنطين، فسيكون، إذًا، ليس هو القرن الصغير الذي سيحاول فقط!

 

لكن، كعادتنا، بعدما نقضنا مبدأ كلام سبيع كله الذي من أجله قال ما قال، نبدأ الآن في افتراض صحة كلامه جدلًا وتنزلًا مِنّا، رأفةً بحاله، حيث نبدأ مناقشة ما قاله وعرضه على معيار الحقيقة التاريخية، فتُرى، هل ينجح أم في الخطأ منغمسُ؟

 

عرض أحمد سبيع مثالين للتدليل على هذا التغيير الذي ابتدعه قسطنطين في الأعياد، وهما: تغير يوم السبت كيوم راحة، بيوم الأحد؛ وابتداع يوم 25 ديسمبر كعيد ميلاد للمسيح. وسوف يتم الرد على كلامه فيهما.

 

أولًا: مسألة تغيير يوم السبت بالأحد.

ماذا أراد سبيع أن يقول؟ هو يريد أن يثبت أن قسطنطين قام بابتداع يوم الأحد، وأن يكون هذا التغيير والابتداع، هو بالمخالفة مع التوراة التي تقول لليهود أن يحفظوا يوم السبت، فماذا فعل قسطنطين -حسب جهل سبيع-؟ استبدل يوم السبت بالأحد. فهل هذا صحيح، والرد على هذا من وجوه:

 

أولا: علينا أن نُثبت أن المسيحيين كانوا يجتمعون معًا في اجتماعات دورية ويقرأون الأناجيل ويستمعون للعظات ويصلون سويًا ثم يتناولون من الإفخارستيا … إلخ، وكل هذا قبل قسطنطين بسنوات طويلة، وهذا ما سنفعله الآن عبر ما قاله الشهيد يوستينوس المدافع في دفاعه الأول، حيث يقول فيه:

 

وهكذا نحن دائما نذِّكر بعضنا بعضا بهذه الأمور. والأغنياء بيننا يسارعون لمساعدة الفقراء، ونبقى معا دائمًا. كما أننا نبارك خالق الكل على كل الخيرات التي ننعم بها في ابنه يسوع المسيح والروح القدس. ولنا في اليوم الذي يدعى يوم الشمس (Day of the Sun – Sunday) لأي يوم الأحد اجتماع لكل سكان المدن والضواحي وفي هذا الاجتماع تقرأ مذكرات الرسل [يقصد بها الأناجيل أو كتابات الأنبياء] حسبما يسمح الوقت، وبعد الانتهاء من القراءات يتقدم الرئيس ويعظ الحاضرين ويشجعهم على ممارسة الفضائل. ثم نقف جميعا لنرفع الصلوات، وكما قلنا من قبل بعد أن ننتهي من الصلوات يتم تقديم الخبز والخمر والماء، ثم يصلي الرئيس ويرفع الصلوات والشكر على قدر استطاعته، أما الشعب فيرد قائلا “آمين. ثم توزع الإفخارستيا على الحاضرين ويرسل منها للغائبين عن طريق الشمامسة. ويقدم الأغنياء إذا أردوا ما يودون أن يتبرعوا به وتجمع التبرعات وتترك في عهدة الرئيس. وبهذه التبرعات) هو يساعد الأرامل والأيتام والمحتاجين بسبب مرض أو خلافه وأيضا المسجونين والمتغربين عندنا، وباختصار هو يهتم بجميع المحتاجين. ويوم الأحد هو بالحقيقة اليوم الذي نعقد فيه اجتماعنا المشترك، لأنه اليوم الأول الذي فيه حول الله الظلمة والمادة وخلق العالم، وفيه أيضا قام مخلصنا يسوع المسيح من الموت، لأنهم صلبوه في اليوم الذي يسبق السبت وفي اليوم الذي يليه، أي الأحد، ظهر لتلاميذه ورسله وعلمهم الأشياء التي نقلناها لكم للتأمل فيها.[77]

 

بالطبع، هذا الاقتباس قاسِم لظهر وفكر (جدلا) سبيع، إذ أنه سابق على عصر قسطنطين بسنوات طويلة، إذ أن هذا الدفاع مكتوب في عام 150م تقريبًا، أي قرابة 200 عام تقريبًا قبل قسطنطين، فإن كان الآباء يجتمعون منذ هذا العصر، لدرجة أن هذه الاجتماعات أصبحت عادة، فكيف يقول هذا الجاهل أن قسطنطين هو الذي غير يوم السبت بيوم الأحد؟

لكن ليست هذا هو بيت القصيد، إذ أن محتوى الاقتباس فيه ما يفحم سبيع تمامًا، إذ أن القديس يوستينوس لا يصرح فقط بأن هذه كانت اجتماعات دورية، بل أنه يعطي الأسباب، واحدًا تلو الآخر، لكونهم يجتمعون في هذا اليوم بالتحديد، يوم الاحد، إذ يقول إن هذا هو اليوم الذي قام الرب يسوع فيه من الموت (يوم الرب)، وهو اليوم الذي حول الله فيه الظلمة والمادة وخلق العالم. وهذا يعني أن هذا اليوم له تقليد في ذهن يوستينوس وليس مجرد يوم تم اختياره بلا سبب.

 

ثانيًا: نزيد سبيع من الشعر بيتًا، وننقل له ما يدحض فكرته تمامًا:

 

يقول تيني بيكر:

ليس لدينا صورة واضحة للعبادة المسيحية المبكرة حتى عام ١٥٠م، عندما وصف يوستينوس الشهيد طقوس العبادة الاعتيادية في كتاباته. نحن نعلم أن المسيحيين الأوائل أقاموا قُدّاساتهم يوم الأحد، أول أيام الأسبوع. لقد أطلقوا على هذا “يوم الرب” لأنه اليوم الذي قام فيه المسيح من بين الأموات. التقى المسيحيون الأوائل في الهيكل في أورشليم، في المجامع، أو في منازل خاصة (أعمال الرسل ٢: ٤٦؛ ١٣: ١٤-١٦؛ ٢٠: ٧-٨).

يعتقد العلماء أن المسيحيين الأوائل كانوا يصلون في أُمسيات الأحد، وأن طقسهم تركّز على العشاء الرباني. ولكن في وقت ما بدأ المسيحيون في إقامة قُدّاسيّن عبادة يوم الأحد كما يصف يوستينوس الشهيد؛ واحد في الصباح الباكر والأخر في وقت متأخر بعد الظهر. تم اختيار التوقيتات من أجل السرّية ومن أجل العُمّال الذين لا يستطيعون حضور قُدّاسات العبادة خلال النهار. [78]

 

وأيضًا يقول جُيفري بروميلي:

تتوافق شهادة اليوم الأول للعبادة في العصر ما بعد الرسولي مع هذا الرأي من جميع النواحي. بحلول وقت يوستين (منتصف القرن الثاني)، مع ذلك، تجمّع معظم المسيحيين صباح الأحد، على ما يبدو لأن مرسوم الإمبراطور تراجان ضد التجمعات المثيرة للفتنة حظر الاجتماعات المسائية. من ذلك الوقت وحتى اليوم، اعتاد المسيحيون على الصلاة في صباح و/أو مساء اليوم الأول من الأسبوع. [79]

 

ثالثًا: هل قال الاقتباس الذي جاء به سبيع بأن قسطنطين ابتدع يوم الأحد؟ الإجابة هي: لا. فسبيع لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم! الاقتباس يتحدث بوضوح عن البدء في استخدام يوم الاحد يوم عطلة في الإمبراطورية الرومانية، أي بالمصطلح الحديث، “يوم إجازة رسمي”، أي يوم ليس به عمل رسمي حكومي. ولن نفعل شيء إلا أن نحضر الاقتباس نفسه مع ترجمة سبيع نفسه أيضًا لنثبت لكم أنه قام بتسجيل هذا الفيديو وهو تحت تأثير مادة “أصفرة“.

 

يقول سبيع بنفسه:

[لم يكن الأحد يوم راحة في البداية، هذا يتوافق تمامًا مع المضمون العام للكنيسة الأولى، واحتفالها بالقيامة، سوف يمر 300 عام قبل أن تترسخ فِكرة معاملة الأحد مثل يوم الراحة أو السبت. تأسست الفِكرة بموجب مرسوم إمبراطوري للإمبراطور الروماني قسطنطين، سنة 321. وحتى في هذا المرسوم، فإنه تم استثناء المزارعون إن كانوا في حاجة إلى العمل في أراضيهم[80].

وهو يقول:

من قسطنطين إلى إلبيديوس، فليستريح جميع القضاة وسكان المُدن والحرفيين في يوم الشمس الجليل، لكن من الممكن أن يمارس الريفيون زراعتهم دون مانع، لأنه في مرات كثيرة يكون أن هذا هو أنسب يوم لبذر الحبوب أو لغرس الكروم، وهذا لكيلا تضيع الفرصة التي تتيحها العناية الإلهية، لأن الوقت المناسب مقصرٌ 7 مارس 321.] [81]

 

فهل قرأتم نص المرسوم؟ ما علاقة هذا بتغيير احتفالات المسحيين او اجتماعاتهم؟ القضية كلها في أنه قام بتحديد يوم للعطلة الرسمية للعاملين مثل القضاة والمزارعين، فما علاقة كل هذا بتغير شيء في الأعياد المسيحية فضلا عن تغيير في العقيدة؟! الغريبة ان الاقتباس الأول قرأه سبيع ولم يفهمه، فقسطنطين كان يريد ان يكون هذا اليوم عطلة تامة كعطلة اليهود التامة (فكرة معاملة الأحد مثل يوم الراحة أو السبت).

لكن المفاجئة الكُبرى، والتي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن سبيع يقصد ويريد التدليس والخداع، هو أن الاقتباس الخاص بالقديس يوستينوس الذي نقلناه أعلاه والذي يتحدث فيه عن أن يوم الأحد هو اليوم الذي يجتمع فيه المسيحيون ويُصلون ويُرنِّمون ويُعزون بعضهم البعض ويتشاركون فيه الإفخارستيا، هذا الاقتباس موجود في نفس الصفحة التي ينقل منها سبيع الاقتباس الذي عرضه في الفيديو وأراد أن يخدع به المشاهد ويقول إن هذا الاقتباس يثبت تغير قسطنطين الخاص بيوم الأحد.

فعلى الرغم ان الاقتباس الأول ينفي تماما ان يكون هناك علاقة لقسطنطين بابتداع يوم الأحد، وعلى الرغم من وجود هذا الاقتباس مع الاقتباس الذي نقله سبيع لنا وأثبتنا انه لا يفهمه وانه لا يوجد ما يفيده فيه، إلا أن سبيع جاء بالاقتباس الثاني وترك الاقتباس الأول الذي ينفي فكرته غير الموجودة لا في الاقتباس الثاني ولا الأول. فترى، هل لا يقرأ سبيع ما ينقله؟ أم أنه لا يفهم ما يقرأه؟ او أنه أراد التدليس الصريح؟

 

ثانيًا: مسألة ابتداع يوم 25 ديسمبر.

حاول أحمد سبيع أن يقول ان قسطنطين ابتدع يوم 25 ديسمبر، كيوم لميلاد المسيح، بعد ان كان يومًا لميلاد الشمس. وللرد على هذا نقول:

 

  • الاقتباسات التي عرضها سبيع نفسها لم تقل أن قسطنطين أصدر مرسومًا او قرارا بأن يكون يوم 25 ديسمبر هو يوم ميلاد المسيح، فعلى عكس ما عرضه سبيع من أن قسطنطين أصدر مرسوم لتحديد يوم الاحد كعطلة رسمية حكومية (وليس دينية) للشعب، فإن سبيع لم يقدم أي دليل أن هناك مرسومًا كهذا أو قرارا بجعل عيد ميلاد المسيح يوم 25 ديسمبر، وهذا لأن هذا التاريخ لا علاقة له بقسطنطين كمصدر للمراسيم، أي لم يكن هناك مرسوم من قسطنطين يحدد عيد ميلاد المسيح على الإطلاق.
  • الاحتمال الذي يقوله البعض في أن يوم 25 ديسمبر كان عيد وثني للشمس، ثم استغلته الكنيسة وحولته من عيد وثني للشمس إلى عيد مسيحي للمسيح شمس البر، إن كان قد حدث هذا الاحتمال، فهو احتمال محمود من الكنيسة، فلا يُعاب عليها بل تمدح بسببه إذ أبعدت الشعب المسيحي الداخل إلى الإيمان حديثًا من الممارسات الوثنية التي كان قد اعتاد عليها طوال حياته، بتذكار ميلاد الرب يسوع حسب الجسد، فإن كان هناك من يريد أن يلوم الكنيسة، فعليه أن يثبت لنا أن الكنيسة كانت تمارس طقوسًا وثنية حينها استمدتها من الوثنيين، أو أن الكنيسة مارست مع الوثنيين طقوسهم. أما تحويل يوم/تاريخ عيد وثني ليوم تذكار لميلاد الرب يسوع بحسب الجسد ليس فيه من الوثنية شيء. والمحصلة لما فعلته الكنيسة، هي اندثار العيد الوثني تمامًا.

 

يقول كيث دروري:

لماذا ٢٥ ديسمبر؟

من المحتمل أن يكون يسوع لم يوُلد فعلًا في ديسمبر. يشير [نص] “الرعاة في الحقول” إلى موسم آخر. فلماذا إذن اختار المسيحيون ٢٥ ديسمبر باعتباره اليوم الذي سيحتفلون فيه بميلاده؟ هناك نظريتان: (١) قام المسيحيون بحساب التاريخ من خلال حساب معقّد، أو (٢) قام المسيحيون ببساطة بتكييف يوم العيد الوثني وقدسوه.

جاءت نظرية الحساب في ٢٥ ديسمبر بافتراض أن يسوع مات في ٢٥ مارس. ثم من خلال مجموعة معقدة من الحسابات، توصلت النظرية إلى أن يسوع حُبِلَ به أيضًا في ٢٥ مارس ووُلِد بعد تسعة أشهر في ٢٥ ديسمبر. كان اليهود معروفين لمثل هذه النظريات الخيالية، وكذلك بعض المسيحيين الأوائل، لذا فهذه على الأقل نظرية محتملة لتاريخ ٢٥ ديسمبر.

النظرية الثانية والأكثر منطقية بكثير هي أن المسيحيين الرومان أقاموا عيدهم ببساطة لتذكر ميلاد المسيح في يوم ينافس عن قصد (وفي النهاية يهزم) عيد وثني. في عام ٢٧٢م، أقام الإمبراطور أوريليان عيد “إحياء ذكرى إميسا”، ومكرس لإله الشمس السوري.  في هذا اليوم –الانقلاب الشتوي– كانت الشمس في أدنى نقطة لها في الأفق، والتي من خلالها “تولد من جديد” للعودة طوال الربيع. (كان التقويم اليولياني بحلول هذا الوقت يفرق عن الانقلاب الشتوي الفعلي بأربعة أيام، مما يفسر تاريخ ٢٥ ديسمبر.) ربما قرر المسيحيون ببساطة إحلال محل (overprint) العيد الوثني لعودة الشمس. ربما حتى أنهم استخدموا هذا العيد المنافس لأغراض كرازية، مدعين أن الرب يسوع هو الشمس الحقيقية التي أُقيمت حقًا وستعود يومًا ما حقًا. مهما حصل بالفعل، فقد فاز عيد الميلاد في المنافسة. حيث اختفى العيد الوثني بينما نستمر في الاحتفال بميلاد يسوع في ٢٥ ديسمبر. [82]

 

ويقول رونالد هُجنز:

من الكلمة الإنجليزية القديمة Cristes Mæsse (عيد الميلاد – الكريسماس). لم تكن الكنيسة الأولى تعرف تاريخ ميلاد المسيح، فقد سعت إلى ذلك من خلال الجمع بين التخمينات التقويمية مع تفسير الأرقام الكتابية. تم اقتراح عدة تواريخ، بما في ذلك ٢٥ مارس، ٢ أبريل، ٢٠ مايو، ٨ نوفمبر، ٢٥ ديسمبر، ٦ يناير. أقدم دليل، [تأريخ] Depositio martyrum، والذي يذكر أن عيد الميلاد كان يُحتفل به في ٢٥ ديسمبر بحلول عام ٣٣٦ في روما. في غضون قرن من الزمان، كان هذا التاريخ مقبولًا عالميًا تقريبًا.

 

ميَّز يوم ٢٥ ديسمبر، في التقويم اليولياني، الانقلاب الشتوي (بداية انتصار الضوء على الظلام بعد أطول ليلة في العام)، وبعد ٢٧٤م، عيد ميلاد Sol Invictus (“الشمس التي لا تقهر”) الإله الراعي للإمبراطور. العلاقة بين يسوع والشمس حدثت في وقت مبكر وبشكل طبيعي؛ حيث قام يسوع في يوم الأحد (Sunday) (“يوم الرب”). في وقت مبكر كوقت كليمنضس السكندري (تنيح عام ٢١٦م) كان يتم الإشارة إلى يسوع بـ “شمس البر” (في الفولجاتا Sol Iustitiae) في ملاخي ٤: ٢.  حدد تقليد مبكر ذو صلة ٢٥ مارس، “الأحد” لأسبوع الخليقة، كتاريخ للحبل بالمسيح (تسعة أشهر قبل ٢٥ ديسمبر!). كان من الطبيعي أنه بعد أن تخلى قسطنطين عن رعاية Sol Invictus عام ٣٢٤م، كان يجب أن يحل محله Sol Iustitiae، نور العالم. [83]

 

النقطة السادسة: “سيحارب المؤمنين، قديسي العلي”، من هم المؤمنين الذين يقصدهم سبيع هنا؟

لنراجع، أولًا، النص لنعرف ما هي صفات قديسي العلي، الذين يسميهم سبيع “المؤمنين”، فيقول النص الكتابي:

18 أَمَّا قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فَيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ … 21 وَكُنْتُ أَنْظُرُ وَإِذَا هذَا الْقَرْنُ يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ، 22 حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ، وَبَلَغَ الْوَقْتُ، فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ. 23 … 24 وَالْقُرُونُ الْعَشَرَةُ مِنْ هذِهِ الْمَمْلَكَةِ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ يَقُومُونَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمْ آخَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ الأَوَّلِينَ، وَيُذِلُّ ثَلاَثَةَ مُلُوكٍ. 25 وَيَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ. 26 فَيَجْلِسُ الدِّينُ وَيَنْزِعُونَ عَنْهُ سُلْطَانَهُ لِيَفْنَوْا وَيَبِيدُوا إِلَى الْمُنْتَهَى. 27 وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَى لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلاَطِينِ إِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُونَ.

 

والآن علينا أن نحصر الأوصاف التي جاءت عن قديسي العلي، ثم نعود لهذا الجويهل سبيع سريعًا..

القرن الصغير سيحارب القديسين ويغلبهم ويبليهم، ثم بعد مرور زمان وزمانين ونصف زمان، يأتي القديم الأيام، ويعيد الملك للقديسين فيمتلكون المملكة إلى الأبد…

 

والآن: من هم هؤلاء: قديسو العلي؟! أمامنا ثلاث خيارات بحسب فِهم سبيع، وهم: إمّا المسلمون، وإمّا الأريوسيون، وإمّا المسيحيون الحقيقيون. فماذا اختار سبيع؟ قال إن قديسو العلي هم المسلمون، وأن حُكم قديسو العلي هو الحكم الإسلامي للقدس (التي لا أعلم لماذا وكيف حشرها سبيع حشرًا في الموضوع).

 

حسنًا، لنسأله: بحسب النص، فإن القرن الصغير، الذي تقول عنه انت انه قسطنطين يجب أن يحارب قديسي العلي، الذين تقول عنهم انت انهم المسلمين ويغلبهم، فمتى حدث ذلك أيها السبعبع الجهبذ؟ قسطنطين مات قبل ميلاد رسول الإسلام بمئاتٍ من السنواتِ، فكيف حاربكم قسطنطين؟ أبُعث من جديد؟ لاحظ أن النص واضح وحرفي، ولا يتكلم عن أتباع قسطنطين (رغم أنهم ليسوا أتباعه) بل عن القرن الصغير نفسه، ويتكلم عن القديسين أنفسهم، فعليك ان تجد لنا حادثة حاربكم فيها قسطنطين.

 

ثمَّ، حتى إن تنزّلنا وتفضلّنا عليك وسلمنا لك بأن قسطنطين حارب المسلمين، وأن المقصود هي مملكة المسلمين، فهل بقيت مملكة المسلمين إلى الأبد؟ سواء في القدس أو في أي بقعة من بقاع الأرض؟ فالنصوص تشير إلى مُلك القديسين للمملكة إلى الأبد، فأين تملكتُم القدس إلى الأبد؟

 

فالواقع الحالي اليوم يقول ان القدس (إسرائيلية) بعد ان كانت (بريطانية)، بل ان مملكة الإسلام نفسها قد انحطت و زالت، فيكتب عبد الحميد احمد سليمان كتابا بعنوان “انهيار الحضارة الإسلامية و إعادة بناءها” و يتكلم عن الدولة العثمانية باعتبارها “اخر كبريات الدولة الإسلامية” اهها في عصر “الانحطاط” صـ 27، و نفس مصطلحه “الانحطاط” سيكون هو عنوان احد اشهر الكتب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” الذي يصف “تحول القيادة من الأمم الإسلامية الي الأمم الأوروبية” صـ 225، بل يصف المسلمين في “كثير من نواحي الأرض بل في مراكز الإسلام و عواصمه حلفاء للجاهلية الأوروبية و جنودا متطوعين لها” 229، و هذا المعلوم بالضرورة ينسف مرةً أخرى شبهات سبيع كلها بأن مملكة الإسلام قد زالت فلا هي ابدية ولا يحزنون.

 

ثمَّ، كيف يكون المقصود بـ”المملكة” أنها القدس، في حين أن النبوة مكتوب فيها أن مُلك قديسو العلي سيكون أبديًا، ونجد اليوم أن اليهود يحكمون القدس وليس المسيحيين ولا المسلمين؟ وقبلها حكم القدس الصليبيون، فأين حكم المسلمون للقدس الآن وقديمًا؟ فهذه وحدها كفيلة بأن يعرف سبيع مدى سخف كلامه كله، فإنه خرج علينا بهذا الفيديو في الفترة التي يحكم فيها اليهود القدس ويسيطرون عليها تمامًا، ويقول إن المملكة المقصودة هي مملكة القدس التي مكتوب عنها (بحسب سبيع) أن القديسون سيملكون المملكة! أو لربما يقول ان القديسين هم اليهود أنفسهم، فسبيع زئبقي، ولا تتوقعه أبدًا (ابتسامة).

 

فمن هذا كله نعرف، أنه لا يمكن أن يكون المقصود هو مملكة المسلمين (لأنهم لم يمتلكوا أي شيء إلى الأبد)، ولا يمكن أن تكون القدس هي المذكورة (لأنها ليست مملكة ولأن المسلمون لم يملكوها).

 

لماذا أدخل سبيع القدس في الموضوع فجأة وعنوة دون دليل أو مقدمات؟ اختار سبيع القدس لأنها كانت من أوائل المدن التي احتلها المسلمون عام 16هـ/637م، فلأجل ان يجعل “زمان وزمانين ونصف زمان” تعني “قرن وقرنين ونصف قرن” أي 350 عام تقريبا، قام باختيار القدس تحديدًا ليقيس عليها، لتكون العملية الحسابية عبارة عن 636م – 306 (بداية حكم قسطنطين) فتكون المحُصلة هي 330 عام ميلاديًا، ليقوم بقسمتها على 3.5 فيكون الناتج هو: 94 عام تقريبا، ليقوم بعد ذلك بتقريبها إلى 100 عام وهو عدد سنوات القرن من الزمان. فتكون لها وجاهة ولو قليلاً لأنه لم يعط لنا ولا شبهة دليل على هذا الحساب.

 

بينما كان الأجدر به أن يستخدم القسطنطينية بدلًا من القدس، وذلك لعدة أسباب، منها انها كانت عاصمة العالم المسيحي حينها، ومنها انها كانت عاصمة الإمبراطورية الشرقية، ومنها أنها المدينة التي أسسها قسطنطين ودعاها على اسمه وجعلها العاصمة ومركز الحكم، فكان من باب أولى أن يبدأ الحساب وينهيه بناءًا على القسطنطينية وليس القدس التي لا ناقة لها ولا جمل في القضية. لكن لأن القسطنطينية تأخر احتلالها للقرن الخامس عشر، فلو بدأ الحساب بناء عليها، ستكون المعادلة كالتالي: 1453 – 636 = 817 والرقم 817 إن قام بقسمته على 3.5 قرن، سيكون الناتج هو: 233 تقريبًا، والتي لا تعني أي شيء في التاريخ البشري، فسيظهر حتى عند ضعاف التفكير ممن يصدقونه أنه يهذي فضلا عن من لا يصدقونه من العقلاء المدققين الباحثين. فلهاذا اختار القدس التي لا علاقة لها بالموضوع.

 

حسنًا، لربما يقول سبيع أن الاريوسيين هم قديسو العلي وأن قسطنطين حاربهم، فنقول: بحسب حَرفية النص، فإن قسطنطين (كما تريده أنت) قد حارب الأريوسيين (وانتصر لأثناسيوس)، فهل تم تسليم الأريوسيين لقسطنطين 350 عام كما تفسرها انت؟ وهل عاش قسطنطين 350 عام؟

 

لنكمل: هؤلاء الأريوسيون (حسب سبيع) سُلِموا إليه لزمان وزمانين ونصف زمان، ثم بعدها جاء القديم الأيام وأعاد المُلك والمملكة لهؤلاء القديسين، أي الأريوسيين، وامتلكوها للأبد، وأنت تقول إن المملكة المقصودة هي القدس.

 

والآن السؤال لك: هل امتلك الأريوسيون القدس؟ أو هل امتلكوا أية مملكة على الإطلاق حتى وإن كانت في كوالالمبوور؟! بل: هل كانت القدس مملكة أصلاً؟ أما لجهلك حدود؟!

 

ثمَّ: قد مات قسطنطين نفسه واستمر الأريوسيون بعده لسنوات وسنوات ثم اندثروا، فكيف يكون كلامك صحيحًا في حين النص نفسه يقول إن قديم الأيام سينزع سلطان قسطنطين (بحسب رأيك)، وقسطنطين هذا مات وهو الإمبراطور بكامل سلطانه! بل أنك بنفسك تقول انه حارب ثلاث أباطرة كانوا يقاسمونه الحكم وأصبح هو الحاكم الوحيد للإمبراطورية، فأين نزع قديم الأيام سلطان قسطنطين؟ خصوصًا إنك فسرت الزمان والزمانين والنصف زمان بأنهم 350 عام تقريبًا، فهل كان الأريوسيين يملكون القدس بعد 350 عامًا؟ أو هل ملكوها بعدها؟ بل هل كان قسطنطين على قيد الحياة حتى يتم نزع المملكة منه واعطاؤها للقديسين؟!

عيب عليك يا سبيع أن تقول هذا الكلام وانت في محضر المسيحيين، هذا الكلام لا تقوله إلّا وأنت في الترعة تسبح.

 

بالطبع، لا يمكن ان يفترض سبيع أن قديسو العلي هم المسيحيون الحقيقيون، أو كما يسميهم أتباع أثناسيوس والذين يؤمنون بالثالوث وبألوهية المسيح، لأن هذا سيعني صحة المسيحية من كلامه هو نفسه، وعندها، لن تكون هناك علاقة للإسلام بهذا الفيديو كله، فهو قد سجَّلَ هذا الفيديو كله ليصل لهذه النتيجة: ان سفر دانيال أنبأ عن أمة الإسلام انها ستحكم القدس وأنهم هم قديسو العلي.

 

بالطبع، يمكن لسبيع ان يفتكس افتكاسة جديدة كعادته، ويقول ان المسلمون هم ورثة الأريوسيين. وفي هذه الحالة، سيتناوب أصدقاء سبيع قبل أعداءه عليه ضربًا وردًا وسخريةً. فعقائد الأريوسية معروفة تمامًا في أنهم يقولون إن المسيح هو إله لكنه إله مخلوق، وهو الخالق للعالم بعد ان خلقه الآب، وإن المسيح هو إبن لله لكن ليس من نفس طبيعته، وكانوا يؤمنون بنفس العهد الجديد الذي يقول عنه سبيع وغيره أنه محرف وأن به عقائد كفرية بالنسبة لمعتقده ..إلخ، وبعد هذا كله لن يكون هناك علاقة بينهم وبين الأريوسيين وفقًا للنبوة نفسها.

 

النقطة السابعة: زمان وزمانين ونصف زمان، كم تبلُغ هذه المدة؟

إن أقصر الطرق لمعرفة قصد الكاتب، أي كاتب، من مصطلح ما هو البحث في استخدام الكاتب لذات المصطلح في ذات العمل، ثم البحث عنه في كتاباته الأخرى لنعرف كيف يستخدم الألفاظ وماذا يقصد بها، وهذا يتم عبر ربطها بعضها ببعض. ثم، في المستوى التالي، يكون ربط هذا المصطلح مع الكتابات المتوفرة القريبة من الكاتب ومن ثقافته وبيئته واللغة المحيطة به.

ولكي نعرف معنى مصطلح “زمن” الذي جاء في سفر دانيال (زمان وزمانين ونصف زمان) علينا أن نبحث في سفر دانيال نفسه لنعرف ما المقصود بهذا المصطلح، فسنجد أنه في الأصحاح الرابع، يفسر دانيال للملك نبوخذنصّر الحلم الذي رآه، حيث قال له دانيال:

24 فَهذَا هُوَ التَّعْبِيرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَهذَا هُوَ قَضَاءُ الْعَلِيِّ الَّذِي يَأْتِي عَلَى سَيِّدِي الْمَلِكِ: 25 يَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَيَبُلُّونَكَ بِنَدَى السَّمَاءِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَيُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ. (دانيال 4: 24-25)

 

ومن هنا نستطيع ان نعرف ان المعنى المقصود بـ”سبعة أزمنة” هي “سبعة سنوات” كما فهمها اليهود قديمًا، وعلى رأسهم المؤرخ الشهير يوسيفوس[84]، لأنه لا يمكن ان تكون 700 عام، فنبوخذنصر لم يعش كل هذه السنوات. فلماذا يكذب سبيع ويقول أن تعبير “زمان وزمانين ونصف زمان” يعني قرن وقرنين ونصف قرن؟ ومن أين أتى بهذا الكلام من الكتاب المقدس؟! وإمعانًا في إفحام هذا الصبي، نورد له نصًا آخرًا من ذات السفر:

7 فَسَمِعْتُ الرَّجُلَ اللاَّبِسَ الْكَتَّانِ الَّذِي مِنْ فَوْقِ مِيَاهِ النَّهْرِ، إِذْ رَفَعَ يُمْنَاهُ وَيُسْرَاهُ نَحْوَ السَّمَاوَاتِ وَحَلَفَ بِالْحَيِّ إِلَى الأَبَدِ: «إِنَّهُ إِلَى زَمَانٍ وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفٍ. فَإِذَا تَمَّ تَفْرِيقُ أَيْدِي الشَّعْبِ الْمُقَدَّسِ تَتِمُّ كُلُّ هذِهِ». 8 وَأَنَا سَمِعْتُ وَمَا فَهِمْتُ. فَقُلْتُ: «يَا سَيِّدِي، مَا هِيَ آخِرُ هذِهِ؟» 9 فَقَالَ: «اذْهَبْ يَا دَانِيآلُ لأَنَّ الْكَلِمَاتِ مَخْفِيَّةٌ وَمَخْتُومَةٌ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَةِ. 10 كَثِيرُونَ يَتَطَهَّرُونَ وَيُبَيَّضُونَ وَيُمَحَّصُونَ، أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَفْعَلُونَ شَرًّا. وَلاَ يَفْهَمُ أَحَدُ الأَشْرَارِ، لكِنِ الْفَاهِمُونَ يَفْهَمُونَ. 11 وَمِنْ وَقْتِ إِزَالَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَإِقَامَةِ رِجْسِ الْمُخَرَّبِ أَلْفٌ وَمِئَتَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا. (دانيال 12: 7 – 11).

 

ومن هنا نستطيع التأكد من معنى كلمة “زمان” هنا، حيث أنها مفَسرة بعدد الأيام، فالسفر يقول “زمان وزمانين ونصف” ويقول 1290 يومًا، وبعملية قسمة بسيطة سنعرف أن المقصود هو ثلاث سنوات ونصف تقريبًا. وهو نفس التعبير المستخدم في نفس السفر في الأصحاح السابع، فلماذا لم يحضره سبيع؟ لأنه يريد أن يختلق نبوة عنوة لدينه، يريد أن يحقق الهدف ولو كان بالكذب وبلا دليل وبالتفسير الشخصي! فالمسيحي عندما يتكلم عن القرآن، فيأتي بالتفاسير المعتمدة لدى كل مذهب ويحاج محاوره بها، لكن يتهرب من الأدلة في كل مرة ثم يتبجح ويقول إنه يستخدم الأدلة.

 

وحيث أن سبيع مُغرم بمعجم جيزينيوس، فنجعل هذا المعجم يرد عليه لعله يخرسه إن كان لديه ولو القليل من الخجل، فيقول المعجم:

עִדָּן m. Chald.—

(1) time; Syriac ܥܶܕܳܢ, Arabic عَدَّانُ id.; from the root עָדַד Dan. 2:8, seq.; 3:5, 15; 7:12.

(2). specially a year, Dan. 4:13, 20, 22, 29; 7:25, עַד־עִדָּן וְעִדָּנִין וּפְּלַג עִדָּןduring a year, (two) years, and the half of a year;” i.e. during three years and a half; comp. Josephus, Bellum Jud. i. 1. Seeמוֹעֵד  No. 2, and יָמִים  No. 4.[85]

 

وبالطبع يمكن أن نؤكد الحساب الصحيح للمدة الزمنية وأنها ثلاثة سنوات ونصف عبر ثلاث أدلة صريحة من سفر الرؤيا، حيث جاء فيه:

  • “وَالْمَرْأَةُ هَرَبَتْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ لَهَا مَوْضِعٌ مُعَدٌّ مِنَ اللهِ لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا.” (رؤ 12: 6)
  • 10 وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلًا فِي السَّمَاءِ: «الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلًا. 11 وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ. 12 مِنْ أَجْلِ هذَا، افْرَحِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَالسَّاكِنُونَ فِيهَا. وَيْلٌ لِسَاكِنِي الأَرْضِ وَالْبَحْرِ، لأَنَّ إِبْلِيسَ نَزَلَ إِلَيْكُمْ وَبِهِ غَضَبٌ عَظِيمٌ! عَالِمًا أَنَّ لَهُ زَمَانًا قَلِيلًا». 13 وَلَمَّا رَأَى التِّنِّينُ أَنَّهُ طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، اضْطَهَدَ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَلَدَتْ الابْنَ الذَّكَرَ، 14 فَأُعْطِيَتِ الْمَرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ لِكَيْ تَطِيرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَوْضِعِهَا، حَيْثُ تُعَالُ زَمَانًا وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفَ زَمَانٍ، مِنْ وَجْهِ الْحَيَّةِ. (رؤ 12: 10-14)
  • 2 وَأَمَّا الدَّارُ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْهَيْكَلِ، فَاطْرَحْهَا خَارِجًا وَلاَ تَقِسْهَا، لأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ لِلأُمَمِ، وَسَيَدُوسُونَ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. 3 وَسَأُعْطِي لِشَاهِدَيَّ، فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لاَبِسَيْنِ مُسُوحًا». (رؤ 11: 2-3)

 

وسنجد هنا الفترات الزمنية الواردة هي: زمانا وزمانين ونصف زمان، 42 شهرًا، 1260 يوما. وكل هذه الفترات تساوي تقريبًا ثلاثة سنوات ونصف، ولهذا لم يأت سبيع بهذه الشواهد لكي لا ينفضح أمره.

 

في نهاية الفيديو الأول، وجّه سبيع إلينا سؤالًا وقال: هل يستطيع المسيحيون أن يخبرونا من هو الملك الروماني الذي تنطبق عليه الصفات المذكورة في النص؟ ومع ردنا على كل نقطة ذكرها سبيع، وبيان كيف أنه دلّس ولبّس على مستمعيه واستغل جهلهم، ومع أنه لا يلزم أن تكون النبوة قد تمت في الماضي بل يمكن ان تكون نبوة مستقبلية عن أحداث نهاية العالم وعودة إلهنا الحبيب، الرب يسوع المسيح على السحاب حيث ستنظره كل عين، إلا أنّا سنجيبه من القصص الديني لبولس الفغالي، وعلى الرغم من عدم اعترافنا أو تأيدنا لكلامه، إلا أننا سنورده هنا لبيان أن هناك تفاسير أخرى حققت شروطا معينة من الصفات المذكورة عن هذا القرن الصغير، وعلى الرغم من أن كل شروط سبيع تقريبا أثبتنا بطلانها، إلا أننا سنرد على اشكاله من حيث المبدأ، فهناك آخرين فعلوا ما حاول أن يفعله سبيع، يقول الفغالي:

 

آ 24-25 الملوك العشرة هم الملوك السلوقيون الذين منهم سلوقس نيکاتور (أي المنتصر) وأنطيوخس الأول سوتر (أي المخلص) وأنطيوخس الثاني تيوس (أي الإله) وبعدها نصل إلى الملك الحادي عشر، أنطيوخس الرابع الذي أطاح بديمتريوس وأنطيوخس وبطلیمس فيلوميتور قبل أن يستلم الحكم.

يلوم الكاتب الملهم أنطيوخس هذا الثلاثة أمور بالغة الأهمية.

الأول، لأنه نطق بأقوال ضد الله العلى. تشامخ ملك أنطاكية وألَّه نفسه (11: 36) فتصور أنه يلامس كواكب السماء (۲ مك 9: 10). ضرب نقودا جعل فيها صورته، وفوقها نجمة. كان اسمه من سنة 175 إلى سنة 169 الملك أنطيوخس، ثم صار من سنة 169 إلى 166 الملك أنطيوخس تيوس أبيفانيوس (أي الإله المنظور). تحدّى الرب الإله فدخل هيكله بكبرياء وحطم محتوياته وسلب كنوزه (1 مك 1: 23 – 24)، لذلك سيعاقبه الله.

الثاني: غير أنطيوخس الأزمنة والشرائع، أي أدخل تقويما طقسًا جديدا يتوافق وادخال عبادة «بعل شميم» إلى هيكل أورشليم. كان اليهود يعتبرون التقويم (حساب الازمنة) نقطة رئيسية في الشريعة الدينية (1مك 1: 41 – 42) فمن مسّه مسّ مبدأ الحرية الدينية. ثم أن أنطيوخس بدل الشرائع ليطبع الجماعة اليهودية بالطابع الهلينستي، فأصدر حكما يأمر جميع القاطنين في مملكته أن يتخلوا عن شرائعهم الخاصة ليكونوا شعبا واحدا بعاداتهم الواحدة (1 مك 1: 41 – 42). أجل، تميزت سياسة أنطيوخس الرابع الدينية عن سیاسة سلفه أنطيوخس الثالث: فأنطيوخس الثالث رضي على اليهود لأنهم عاونوه خلال حملته على مصر (۱۹۸ ق. م.) فمنحهم الامتيازات العديدة، ومنها: إعادة بناء المدينة المهدمة، أي أورشليم، إعادة بناء الهيكل بل مشاركة في نفقات الهيكل، إعفاء من بعض الضرائب، اعتراف بالشريعة الموسوية اعترافا رسميا. ولكن أنطيوخس الرابع سيعود عن هذه الامتيازات.

الثالث: اضطهد أنطيوخس الرابع قديسي الله، أي أبناء شعبه. ما أكتفى بإلغاء امتيازات، بل اضطهد ودام اضطهاده ثلاث سنوات ونصف السنة (عدن الآرامية تعني أيضا السنة رج 4: 13مثل “موعد” العبرية رج 12: 7). بدأ الاضطهاد مع حملة ابولونيوس على أورشليم (حزيران 168) الذي أراد أن ينفذ حالا قرار أنطيوخس (۱ مك 1: 41 – 53) وانتهى يوم تقديس الهيكل وموت أنطيوخس الرابع سنة 164 ق. م. ثلاث سنوات ونصف السنة (رج 9: 27) هو زمن رمزي (آ 2). هو نصف «سبعة» العدد الكامل. هذا يعني أن الاضطهاد الكافر نهاية قريبة أو بعيدة (رج رؤ 12: 14؛ 11: 2 يتحدث عن 42 شهرا) [86].

 

فكما نرى، قام الخوري بولس الفغالي باقتراح شخصية أخرى تمامًا، في زمن آخر، وطبّقَ عليها تقريبا كل ما جاء في السفر عن القرن الصغير.

 

الغريب والمضحك للثكالى، أن أحمد سبيع كان يقول في بداية الفيديو الأول أن هذه “النبوة” من أقوى النبوات ومن أوضحها لكنها مع الأسف غير مشهورة! فالآن عرفنا لماذا أنها غير مشهورة، لأنها غير صحيحة لا في هدفها العام، ولا فيما تقوم عليه، فكل نقطة ذكرها سبيع تقريبا هي نقطة خاطئة جدا. ثم يأتي سبيع ليقول إن هذه النبوة هي نبوة صريحة. نعم هي دليل صريح أن هناك من البشر من لديهم هذا المستوى من التفكير الضئيل وهذا المستوى من الجهل.

 

في النهاية، هل يستطيع ويجرؤ سبيع أن يرد على ما جاء في هذا البحث ردًا عليه؟ نحن على يقين انه حتى لا يستطيع قراءة المكتوب لأننا رددنا على كل نقطة ذكرها تقريبا بالعديد من المعارضات التي لا تقبل الشك فضلا عن الرد. وهكذا رأينا لماذا يتهرب سبيع من الردود على فريق اللاهوت الدفاعي، إذ أن الفريق سيرد عليه نصيا ويفضح جهله أمام الجميع. ندعوه أن يتجرأ وأن يرفع رأسه من الرمال وأن يحاول الرد.

 

[1] عزية علي طه، منهجية جمع السنة وجمع الاناجيل ص 554

[2] عبد الاحد داؤد، محمد كما ورد في كتاب اليهود و النصارى ص 74

[3] تفسير سفر دانيال و تتمته ص 18

[4] الدين و الدولة في اثبات نبؤة محمد، طبعة دار الافاق الجديدة ص 182

[5] تخجيل من حرف التوراة والإنجيل، صالح بن الحسين الجعفري أبو البقاء الهاشمي (المتوفى: 668هـ)، تحقيق: محمود عبد الرحمن قدح. الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، صـ699-700.

[6] الحرب العالمية القادمة في الشرق الأوسط – هشام كمال عبد الحميد – الناشر: دار الفكر العربي – الطبعة: الثالثة (طبعة مزيدة ومنقحة) – تاريخ النشر:2011 م، صـ 272 (136).

[7] لا نحب استخدام هذه الكلمة لكن ليعلم المصريون ما فعله سبيع في حقيقته، فسبيع يجلس على كرسيه ثم يطلق لكلماته العنان ويقول ما يريد بلا ضابط.

[8]  Florin Gh Laiu, An Exegetical Study of Daniel 7-9 (University of South Africa; Master Dissertation, 1999), 56.

[9] يختلف العدد بحسب ما إذا أدخلنا أغسطس في الحسبان ام لا وهو الذي عاصر المسيح.

[10] https://www.britannica.com/topic/list-of-Roman-emperors-2043294

12 So Augustin, De Civit. Dei, xviii. 52, but he mentions Antoninus for Marcus Aurelius. Lactantius counts six, Sulpitius Severus nine persecutions.

13 Ex. chs. 5-10; Rev. 17:12 sqq. Augustin felt the impropriety of referring to the Egyptian plagues, and calls this a mere conjecture of the human mind which “sometimes hits the truth and sometimes is deceived.” He also rectifies the number by referring to the persecutions before Nero, mentioned in the N. T., and to the persecutions after Diocletian, as that of Julian, and the Arian emperors. “When I think of these and the like things,” he says, “it does not seem to me that the number of persecutions with which the church is to be tried can be definitely stated.”

14 On the relation of Christianity to the laws of the Roman empire, see Aubé, De la legatité du Christianisme dans l’empire Romain au Ier siècle. Paris 1866.

[11]Schaff, P., & Schaff, D. S. (1997). History of the Christian church. Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc.

[12] كما يَحسِبُها أوغسطينوس (De Civit. Dei, xviii. 52)، لكنه يَذْكُر أنطونيوس بدلًا من ماركوس أوريليوس. لكن يَحسِب لاكتانتيوس ستة اضطهادات، سولبيسيوس سيفيروس تسعة.

[13] الخروج الإصحاحات ٥–١٠؛ الرؤيا ١٧: ١٢. شعَر أوغسطينوس بالخطأ في الإشارة إلى الضربات المصرية، ووصَف ذلك بأنه مجرد تخمين من عقل بشري” أحيانًا يُصيب الحقيقة وأحيانًا يُخدَع. “ كما أنه صحَّح العدد بالإشارة إلى الاضطهادات ما قبل نيرون، والمذكورة في العهد الجديد، وإلى الاضطهادات بعد دقلديانوس، مثل تلك التي في عهد يوليان والأباطرة الآريوسيين. فهو يقول:” عندما أفكر في هذه الأشياء وما شابهها، لا يبدو لي أنه يمكن تحديد عدد الاضطهادات والتي ستُحاكَم بها الكنيسة. “

[14] Gerhard Uhlhorn, The Conflict of Christianity with Heathenism, ed. and trans., Egbert Coffin Smyth‏ and Charles Joseph Hardy Ropes, 3rd ed. (New York: Charles Scribner’s sons, 1908), 423.

[15] محمود سعيد عمران، حضارة الإمبراطورية البيزنطية (الاسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ٢٠١١م)، صـ ٢٣.

[16] Brian Moynahan, The Faith: A History of Christianity, 91.

[17] The Encyclopaedia Britannica: A Dictionary of Arts, Sciences, and Literature, Vol. XX, 9th ed., 778.

[18] مختصر تاريخ الكنيسة، أندرو مِلر، ط4، صـ151.

[19] محمود سعيد عمران، حضارة الإمبراطورية البيزنطية (الاسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ٢٠١١م)، صـ ٢٧.

[20] المرجع السابق.

[21] قصة الحضارة، ول ديورنت، ت: زكي نجيب محمُود وآخرين، ط: (1988) دار الجيل، بيروت – لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، جـ11، صـ378.

[22] مِلر، مختصر تاريخ الكنيسة، صـ ١٦٠.

[23] Commentary on John, Book 19:7, 10.

[24] In Matt. 17.

[25] In Luc. hom 1: 5.

[26] In Luc. hom 5: 1

[27] Commentary on John, Book 20: 398.

[28]Elowsky, J. C. (2006). John 1-10. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4a (18). Downers Grove, IL: InterVarsity Press. After the Evangelist has taught us the three orders through the three propositions that were previously mentioned, he sums up the three under one head, saying, “The same was in the beginning with God.” Now we have learned from the three propositions first, in what the Word was, namely, “in the beginning,” and with whom he was, namely, “God,” and who the Word was, namely, “God.” It is as if, therefore, he indicates the previously mentioned God the Word by the expression “the same” and gathers the three, “in the beginning was the Word” and “The Word was with God, and the Word was God,” into a fourth proposition and says, “The same was in the beginning with God.”

[29] Padagogus, 2:4.

[30] Ep. 7: 6.

[31] Athenagoras. (1997). A Plea for the Christians B. P. Pratten, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (133). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[32] راجع أيضًا القديس إيرينيوس AH1:1:18. وعن كون أن الابن هو الله، يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [نقول إن الله حقيقى لا يلد إلهًا باطلاً، ولا هو تمعن وبعد ذلك وَلدَ، بل وَلدَ أزليًا بأكثر سرعة من ولادة كلماتنا وأفكارنا، إذ نحن نتكلّم فى زمان ونستهلك زمانًا، لكن بالنسبة للقوة الإلهية، فالميلاد هو بلا زمن…] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة الحادية عشر: 14، ص218.

[33] انظر أف18:2 و12:3.

[34] انظر مز6:45ـ7، عب8:1و9.

[35] القديس إيريناؤوس، الكرازة الرسولية مع دراسة عن حياته وتعليمه – ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، صـ115-116.

[36] Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (81).

[37] Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Roberts, A., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (86).

[38] يتكلم القديس هنا عن طبيعتي اللاهوت والناسوت ناسبًا لكل واحدة منهما خصائصها لذلك نلحظ في كلامه ثنائيات مثل “متألم وغير متألم، مولود وغير مولود ….. إلخ)

[39] The Apostolic fathers (P. Clement I, S. Ignatius, Bishop of Antioch, S. Polycarp, Bishop of Smyrna & K. Lake, Ed.). The Loeb classical library. (1:181).: There is one Physician, who is both flesh and spirit, born and yet not born, who is God in man, true life in death, both of Mary and of God, first passible and then impassible, Jesus Christ our Lord.

[40]  Ibid. (1:191-193).: For our God, Jesus the Christ, was conceived by Mary by the dispensation of God, “as well of the seed of David” as of the Holy Spirit: he was born, and was baptized, that by himself submitting1 he might purify the water.

[41]Ibid.(1:193).: By this all magic was dissolved and every bond of wickedness vanished away, ignorance was removed, and the old kingdom was destroyed, for God was manifest as man for the “newness” of eternal life, and that which had been prepared by God received its beginning.

[42]  Ibid. (1:201-203).: Seeing then that I have looked on the whole congregation in faith in the persons mentioned above, and have embraced them, I exhort you:—Be zealous to do all things in harmony with God, with the bishop presiding in the place of God and the presbyters in the place of the Council of the Apostles, and the deacons,1 who are most dear to me, entrusted with the service of Jesus Christ, who was from eternity with the Father and was made manifest at the end of time.

[43] Ibid. (1:235).: Suffer me to follow the example of the Passion of my God. If any man have him within himself, let him understand what I wish, and let him sympathise with me, knowing the things which constrain me.

[44] Ibid. (1:253).: I give glory to Jesus Christ, the God who has thus given you wisdom; for I have observed that you are established in immoveable faith, as if nailed to the cross of the Lord Jesus Christ, both in flesh and spirit, and confirmed in love by the blood of Christ, being fully persuaded as touching our Lord, that he is in truth of the family of David according to the flesh, God’s son by the will and power of God, truly born of a Virgin, baptised by John that “all righteousness might be fulfilled by him,”

[45] ECF 1.1.2.1.0.7: οὐ μὲν οὖν· ἀλλ ̓ἐν ἐπιεικείᾳ καὶ πραΰτητι ὡς βασιλεὺς πέμπων υἱὸν βασιλέα ἔπεμψεν, ὡς θεὸν ἔπεμψεν,ὡς ἄνθρωπον πρὸς ἀνθρώπους ἔπεμψεν, ὡς σώζων ἔπεμψεν, ὡς πείθων, οὐ βιαζόμενος· βία γὰρ οὐ πρόσεστι τῷ· θεῷ·

[46] القديس يوستينوس الشهيد، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى، سلسلة النصوص المسيحية في العصور الأولى، دار بناريون للنشر والتوزيع، صـ91-92.

[47] Ibid. (219).: And Trypho said, “We have heard what you think of these matters. Resume the discourse where you left off, and bring it to an end. For some of it appears to me to be paradoxical, and wholly incapable of proof. For when you say that this Christ existed as God before the ages, then that He submitted to be born and become man, yet that He is not man of man, this [assertion] appears to me to be not merely paradoxical, but also foolish.”

[48]  Ibid. (255).: And as he, not Moses, led the people into the Holy Land, and as he distributed it by lot to those who entered along with him, so also Jesus the Christ will turn again the dispersion of the people, and will distribute the good land to each one, though not in the same manner. For the former gave them a temporary inheritance, seeing he was neither Christ who is God, nor the Son of God; but the latter, after the holy resurrection, 4 shall give us the eternal possession … For I have proved that it was Jesus who appeared to and conversed with Moses, and Abraham, and all the other patriarchs without exception, ministering to the will of the Father; who also, I say, came to be born man by the Virgin Mary, and lives for ever.

[49] Ibid. (256).: “But you ought to believe Zechariah when he shows in parable the mystery of Christ, and announces it obscurely. The following are his words: ‘Rejoice, and be glad, O daughter of Zion: for, lo, I come, and I shall dwell in the midst of thee, saith the Lord. And many nations shall be added to the Lord in that day. And they shall be my people, and I will dwell in the midst of thee; and they shall know that the Lord of hosts hath sent me unto thee. And the Lord shall inherit Judah his portion in the holy land, and He shall choose Jerusalem again. Let all flesh fear before the Lord, for He is raised up out of His holy clouds. And He showed me Jesus (Joshua) the high priest standing before the angel [of the Lord7]; and the devil stood at his right hand to resist him. And the Lord said to the devil, The Lord who hath chosen Jerusalem rebuke thee. Behold, is not this a brand plucked out of the fire?’ ”8

[50] Ibid. (262).: Accordingly the name Israel signifies this, A man who overcomes power; for isra is a man overcoming, and el is power.5 And that Christ would act so when He became man was foretold by the mystery of Jacob’s wrestling with Him who appeared to him, in that He ministered to the will of the Father, yet nevertheless is God, in that He is the first-begotten of all creatures.

[51] النص اليوناني لكلام يوستينوس في هذا اللقب هو ” ἄγγελος μεγάλης βουλῆς” وهو مأخوذ من النص اليوناني السبعيني لسفر أشعياء حيث جاء فيه اللقب “Μεγάλης βουλη̂ςἄγγελος “.

[52] زكريا 12: 10: وافيض على بيت داود وعلى سكان اورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.

[53] Ibid. (262).: “But if you knew, Trypho,” continued I, “who He is that is called at one time the Angel of great counsel,7 and a Man by Ezekiel, and like the Son of man by Daniel, and a Child by Isaiah, and Christ and God to be worshipped by David, and Christ and a Stone by many, and Wisdom by Solomon, and Joseph and Judah and a Star by Moses, and the East by Zechariah, and the Suffering One and Jacob and Israel by Isaiah again, and a Rod, and Flower, and Corner-Stone, and Son of God, you would not have blasphemed Him who has now come, and been born, and suffered, and ascended to heaven; who shall also come again, and then your twelve tribes shall mourn. For if you had understood what has been written by the prophets, you would not have denied that He was God, Son of the only, unbegotten, unutterable God.

[54] أي العناصر التي يتكون منها الكون.

[55] راجع مثل الكرم والكرامين (مت21: 33- 40).

[56]Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Epistle of Mathetes to Diognetus [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (27). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[57] أنظر (مز2: 7، 2: 12).

[58] أنظر (أم22: 8).

[59]Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Roberts, A., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Epistle of Mathetes to Diognetus [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (29). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[60]Tatian. (1997). Address of Tatian to the Greeks [Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire)] J. E. Ryland, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. II : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire) (71). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[61]Tatian. (1997). Address of Tatian to the Greeks [Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire)] J. E. Ryland, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. II : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire) (74). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[62]http://www.earlychristianwritings.com/text/melito.html  : From the apology addressed to Marcus Aurelius Antoninus.

[63]Tertullian. (1997). The Apology S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (34). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[64]Tertullian. (1997). The Apology S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (34). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[65]Tertullian. (1997). The Apology S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (35). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[66]Tertullian. (1997). On the Veiling of Virgins S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. IV : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (27). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[67]Tertullian. (1997). An Answer to the Jews S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (158). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[68]Tertullian. (1997). The Prescription against Heretics P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (252). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[69]Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (221). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[70]Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (231). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[71]Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (525). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[72]Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (536). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[73] الترجمة العربية مأخوذة عن عمران، حضارة الإمبراطورية البيزنطية، صـ ٢٦.

[74] چون لوريمر، تاريخ الكنيسة: عصر الآباء: من القرن الأول وحتى السادس (القاهرة: دار الثقافة، ٢٠١٣)، صـ ٢٥٣.

[75] لوريمر، تاريخ الكنيسة، صـ ٢٦٠.

[76] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار العاصمة – الرياض، ط1، جـ4، صـ219.

[77] القديس يوستينوس الشهيد، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى، سلسلة النصوص المسيحية في العصور الأولى، دار بناريون للنشر والتوزيع، صـ94-95.

[78]Packer, J., Tenney, M. C., & White, W. (1997, c1995). Nelson’s illustrated manners and customs of the Bible (544). Nashville: Thomas Nelson.

[79]Bromiley, G. W. (1988; 2002). The International Standard Bible Encyclopedia, Revised (3:159). Wm. B. Eerdmans.

[80] الكلمات المائلة لم يترجمها سبيع، ولكنها ترجمتنا الشخصية.

[81]Drury, K. (2005). The Wonder of Worship: Why We Worship the Way We Do (138). Indianapolis, IN: Wesleyan Publishing House.

[82]Drury, K. (2005). The Wonder of Worship: Why We Worship the Way We Do (155). Indianapolis, IN: Wesleyan Publishing House.

[83]Huggins, R. V. (2000). Christmas. In D. N. Freedman (Ed.), Eerdmans dictionary of the Bible (D. N. Freedman, Ed.) (240). Grand Rapids, MI: W.B. Eerdmans.

[84] Antiquities of the Jews, X:X:6.

[85]Gesenius, W., & Tregelles, S. P. (2003). Gesenius’ Hebrew and Chaldee lexicon to the Old Testament Scriptures. Translation of the author’s Lexicon manuale Hebraicum et Chaldaicum in Veteris Testamenti libros, a Latin version of the work first published in 1810-1812 under title: Hebräisch-deutsches Handwörterbuch des Alten Testaments.; Includes index. (609). Bellingham, WA: Logos Research Systems, Inc.

[86] القصص الديني، بولس الفغالي، طبعة أولى (1997) – البولسية، صـ243-244.

نبوة دانيال وهروب سبيع الشتَّام المجهال – هل يجرؤ أحمد سبيع أن يرد؟

مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح

مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح

مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح

مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح

بين يدينا اليوم فيديو جديد للشاب المسلم أحمد سبيع، وفي هذا الفيديو سيعرض أحمد جهله أمام الجميع. وكي لا نطيل، فسنعرض النقاط الرئيسية لأحمد سبيع ثم نرد عليها ردا سريعًا وغير مُخل.

وبدايةً، شبهة أحمد سبيع اليوم تتعلق بالنصوص الواردة في بشارة القديس لوقا، في الأصحاح 22، والأعداد 43 و44 التي تقول حسب ترجمة فان دايك [43 وظهر له ملاك من السماء يقويه. 44 واذ كان في جهاد كان يصلّي باشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الارض.]. ولدى هذا المسكين عدة اعتراضات وهي:

  1. هل يحتاج الإله إلى ملاك ليقويه؟ أم أن هذا الملاك لم يكن يعرف أن المسيح هو الله؟
  2. كيف يحتاج الناسوت إلى ملاك يقويه وهو (أي الناسوت) متحدًا باللاهوت؟!
  3. هل هذه النصوص أصيلة فعلا؟ وما سبب اختلاف المخطوطات فيها؟

وسريعًا، نبدأ الرد على نقاطه..

أولًا: هل يحتاج الإله إلى ملاك ليقويه؟ أم أن هذا الملاك لم يكن يعرف أن المسيح هو الله؟

دائمًا نجد عدد كبير من المتصدرين لإصدار الشبهات ضد العقيدة المسيحية، لديهم حَوَل فكري عندما يتكلمون عن المسيح له كل المجد. فتجدهم يتناسون أن للمسيح ناسوت وأن له لاهوت أيضًا. ثم، ينظرون للجانب اللاهوتي منه، ويسألونا، كيف لله أن يأكل؟ كيف لله أن يموت؟ كيف لله أن يشرب وكيف له أن ينام ويتعب ويبكي!!؟ فتجد أن المسيحي يقوم بإلباسهم النظارة، ليشير لهم إلى الجانب الناسوتي في المسيح، ونقول لهم أن كل هذه الصفات وكل تلك الأسئلة التي سألتها تتعلق بالناسوت، فلما نسيت ان للمسيح ناسوت؟ ولما تنسب هذه الصفات للاهوت متسائلا عنها وتتناسى الناسوت؟ فكل هذه الأسئلة لا يكن لها وجود فقط إن كان صاحبها يوجهها إلى ناسوت المسيح، لأنه من الطبيعي أن الناسوت يأكل ويشرب وينام ويتعب ويحزن ويفرح وينتقل ويصعد إلخ. فتكون الأسئلة قد أُجيب عليها بمجرد أن يكون نظر صاحبها 6/6.

وبالعكس، تجدهم يتناسون الجانب اللاهوتي للمسيح، ثم ينظرون للجانب الناسوتي منه، ويسألونا، كيف لهذا الإنسان الذي يأكل ويشرب وينام….إلخ، أن يكون هو الله؟ فتجد المسيحي -مرة أخرى- يأخذ نفس النظارة ويقوم بوضعها على أعين هؤلاء ليروا أن للمسيح لاهوتًا كاملا كما ان له ناسوتًا، وأن هذا اللاهوت قد شهد له الكتاب المقدس في عديد المرات. وهكذا تنتهي هذه الأسئلة التي لا تخرج إلا ممن لا يعرف أي شيء عن (وليس في) العقيدة المسيحية.

فإجابة هذا السؤال الساذج هو أن الملاك نزل لكي يقوي المسيح الذي له ناسوت، فبحسب الناسوت، كما أن المسيح يتعب وينام ويستريح، فهو أيضًا يضطرب كأي إنسان، فقد شابهنا وماثلنا في كل شيء ما عدا الخطية، فهذا الملاك لم ينزل لكي يقوي اللاهوت، بل الناسوت. وهذه إجابة عامة على كل هذه الأسئلة التي تندرج تحت هذا الخطأ الفاحش من هؤلاء الجهلة.

فالرب يسوع وهو الله، بعدما أخلى نفسه وأخذ صورة العبد (فيلبي 2: 6- 11)، أعطاه الله الآب -حتى وهو متجسدًا- أن يكون أفضل من الملائكة (عبرانيين 1: 3- 11؛ أفسس 1: 21؛)، فالملاك الذي خلقه المسيح خالق كل شيء، عندما نزل لأمه العذراء دعاه بالقدوس.

ثانيًا: كيف يحتاج الناسوت إلى ملاك يقويه وهو (أي الناسوت) متحدًا باللاهوت؟!

هذا السؤال يمكن أن يصاغ بنفس الطريقة التي تكلمنا عنها في النقطة السابقة، فمثلا يمكن ان نجد شخصًا آخرًا يقول: كيف يجوع الناسوت وهو معه اللاهوت الذي يشبع الكون كله بما فيهم البشر والحيوانات والحشرات إلخ؟ وكيف يتعب الناسوت وهو معه اللاهوت القادر أن يريحه؟! وذلك لأن هذا السؤال نابع عن عقل لا يعرف ما يعرفه الطفل المسيحي اليوم في مدارس الآحاد. إن اتحاد اللاهوت بالناسوت لم يغير من صفات اللاهوت كلاهوت، ولم يغير من صفات الناسوت كناسوت طبيعي. فبقيّ اللاهوت لاهوتًا ولم يتحول ولم ينقص باتحاده بالناسوت، وبقيّ الناسوت ناسوتًا ولم تزُل عنه صفاته البشرية الطبيعية مثل الجوع والألم والتعب والنوم إلخ، فاللاهوت لم يمنع عن الناسوت صفاته، كما أن الناسوت لم يمنع عن اللاهوت صفاته ولم يُعطِّلها.

فكان من الأولى على هذا المعترض أن يسأل: كيف يجوع المسيح وهو معه اللاهوت؟ ليضحك عليه بالأكثر المسلم قبل المسيحي. فالقوة عمومًا هي من الله، لا من ملاك أو غيره. والله هو من أرسل هذا الملاك ليقوي المسيح جسديًا.

ثالثًا: هل هذه النصوص أصيلة فعلا؟ وما سبب اختلاف المخطوطات فيها؟

لا أعرف حقيقةً، لماذا يقحم أحمد سبيع نفسه فيما لا يفهم فضلا عن أن يتقن؟! تعرّضَ أحمد سبيع لهذا النص من حيث الأصالة من عدمها، وأنا هنا لن أتعرض لبحث أصالة النص من عدمها لأن سبيع لم يكن احتجاجه بأن النص أصيل أو غير أصيل، وسأعرض رد علمي تحليلي مبسط لهذا النص في المخطوطات والترجمات القديمة، لأنفي زعمه سبيع من أن هذا النص إنمّا حُذف لأجل أنه يشير إلى ضعف المسيح.

الجزء التالي هو جزء متخصص جدًا، وهو غير أساسي في هذا الرد، فمن لا يريد قراءته فلينتقل مباشرة إلى:

تفسير الحذف والإضافة في المخطوطات من وجهة نظر العلماء!

الشق النصي:

  • قراءة الحذف (أي الشواهد النصية التي تحذف النصوص):

المخطوطات: البردية 75 (القرن الثالث)، البردية 69 (القرن الثالث) (البردية مشوهة بحيث أننا لا نستطيع الجزم بقراءة الحذف فيها videtur)، التصحيح الأول للسينائية (أواخر القرن الرابع)، السكندرية (القرن الخامس)، الفاتيكانية (القرن الرابع)، واشنطن (القرن الخامس)، بورجيانوس (القرن الخامس)، 579 (القرن الثامن)، 1071* (القرن السابع)، N (القرن السادس)، قراءات كنسية لأسبوع الآلام (القرن التاسع)، R (القرن السادس)، مخطوطات يونانية اخبر عنها القديس انسطاسي ومخطوطات يونانية ولاتينية اخبر عنها القديس هيلاري أسقف بواتيه.

الترجمات القديمة: القبطية البُحيرية (جزء منها) والقبطية الصعيدية (القرن الثالث/الرابع)، مخطوطات من الأرمينية (القرن الخامس)، الجورجينية (القرن الخامس)، itf (القرن السادس)، syrs (القرن الرابع)

إقتباسات الأباء: القديس أثناسيوس الرسولي (تينح 373م)، القديس كيرلس الكبير (تينح 444م)، أكليمنضس الروماني (القرن الثالث)، أمبروسيوس (القرن الرابع)، جيروم (القرن الخامس)، ماركيون (القرن الثاني)

  • قراءة الإثبات (أي الشواهد النصية التي تذكر النصوص):

المخطوطات: السينائية (القرن الرابع)، المصحح الثاني للسينائية (القرن السابع)، بيزا (القرن الخامس) ، L (القرن الثامن)، Δ* (القرن الرابع)، Ψ (القرن الثامن/ التاسع)، 157 (1125م)، 1006 (القرن السادس)، 1241 (القرن السابع)، 1243 (القرن الحادي عشر)، 1342 (القرن الثالث/الرابع عشر)، X (القرن العاشر)، 892* (القرن التاسع)، f1، 13c (القرن الثامن)،13* (القرن الثالث عشر) (موجودة بعد، متى،26 : 39)، f13 (موجودة بعد، متى،26 : 39))، 205 (القرن الخامس عشر)، 565 (القرن التاسع)، 828 2/1(القرن الثاني عشر)، 1071c (القرن الثاني عشر)، 1424 (القرن التاسع/ العاشر)، 700 (الحادي عشر)، 0171 (300م)، 1292 (القرن الثالث عشر)،1505 (القرن الثاني عشر)، 1646 (1172)، E (القرن الثامن)، F (القرن التاسع)، G (القرن التاسع)، H (القرن التاسع)، K (القرن التاسع)، Q (القرن الخامس)، Θ (القرن التاسع)، Π* (القرن التاسع)، Πc  (القرن التاسع)،، Δc ، 0233 (القرن الثامن)، 180 (القرن السابع)، 597 (القرن الثامن)، 1009 (القرن الثامن)، 1010 (القرن السابع)، 1230 (1124م)، 1242 (القرن الثامن)، 1253 (القرن الخامس عشر)، 1344 (القرن السابع)، 1365 (القرن الثاني عشر)، 1546 (1263م)، 2148 (1337م)، 2174 (القرن الرابع عشر)، 892 c (القرن التاسع)، 0171vid (300م)، 1079 (القر التاسع)، 1195 (1123م)، 1216 (القرن الحادي عشر)، قراءات كنسية 184، 211، كل مخطوطات النص البيزنطي،  مخطوطات يونانية ولاتينية أخبر عنها القديس جيروم، معظم المخطوطات اليونانية كما أخبر عنها القديس أنسطاسي، العائلة 13 (بعد متى 26 : 39)

الترجمات القديمة: السريانية القديمة ” خابوريوس (165م، نظريًا)، القبطية البُحيرية (بعض مخطوطاتها) (القرن الثالث/الرابع) وفي بعض المخطوطات الأخرى تضعها بين اقواس، الفولجاتا اللاتينية (القرن الرابع)، ita (القرن الرابع)، itaur (القرن السابع)، itb (القرن الخامس)، itc  (القرن السابع/الثامن)، itd (القرن الخامس)، ite (القرن الخامس)، itff2 (القرن الخامس)، iti (القرن الخامس)، itl (القرن الثامن)، itq (القرن السادس/السابع)، itr1 (القرن السابع)، syrc (القرن الخامس)، syrp (القرن الخامس)، syrpal (القرن السادس)، syrh (616م)، Diatessaronarm (القرن الثاني)،  Diatessarone-arm  (373م)، Diatessaroni (القرن الثاني)، Diatessaronn (القرن الثاني)، معظم التراجم القديمة كما اخبر عنها القديس أنسطاسي، الإثيوبية (القرن السادس)، السلافينية (القرن التاسع).

إقتباسات الأباء: رسالة الراعي لهرماس (الأول، الثاني ؟)، عهد ابراهيم[1]، القديس ديديموس الضرير (القرن الرابع)، العلامة أوريجانوس (القرن الثالث)، القديس أُغسطينوس (القرن الخامس)، القديس يوستينوس الشهيد (القرن الثاني)، القديس هيلاري أسقف بواتيه (القرن الرابع)، العلامة هيبوليستوسوفقاً لثيؤدوريت (القرن الخامس) (تنيح 235م )، إيريناؤس (202م)، المهرطق أريوس وفقاً للقديس أبيفانيوس (تنيح 403م) (القرن الرابع)، يوسابيوس القيصري (القرن الرابع)، Canons (القرن الرابع)، Caesarius-Nazianzus (القرن الرابع)،  قزمان Cosmas (القرن السادس)، القديس يوحنا ذهبي الفم (القرن الرابع)، القديس أبيفانيوس (القرن الرابع)، Facundus (القرن السادس)، القديس يوحنا الدمشقي (القرن الثامن)، القديس أغريغوريوس النزينزي (القرن الرابع)، Leontius (القرن السادس)، المهرطق نسطور (القرن الخامس)، القديس ديونسيوس (القرن الخامس)، Quodvultdeus (القرن الخامس)، ثيؤدور (القرن الخامس)، ثيؤدوريت (القرن الخامس)، ديونسيوس السكندري (تينح 265م)، القديس أثناثيوس الرسولي (تينح 373م)، القديس إفرام السرياني (تينح 373م)، واباء أخرين.

التعليق على الأدلة النصية:

من جهة الأقدمية، نجد ان الأدلة تؤيد وبقوة جدا ثبوت النص حيث ان الآباء والترجمات القديمة يوجد بها النص كاملاً، ومن جهة التوزيع الجغرافي نجد ان التوزيع الجغرافي للنص أثبت من الصخر فهو موجود في القوائم جميعاً بكل انواع نصوصها، فمثلا نجد ممثل النص السكندري في السينائية ونجد ممثل النص البيزنطي في مخطوطاته، وفي النص القيصري نجد الممثل في المخطوطة 700 وفي العلامة أوريجانوس وفي النص الغربي نجد المخطوطة البيزية والمخطوطة رقم 0171

فالنص جغرافيا ثابت تماماً، وجدير بالذكر أيضاً، ان معظم (إن لم يكن كل) الآباء الذين يستشهد بهم العلماء كشهادة للحذف، إنما كان استشهادهم هذا نتيجة عدم تفسير الأب الكنسي لهذه النصوص، فيعتبرون ان عدم تفسير الأب لهما شهادة لصالح الحذف وهذا غير منطقي إن تأملنا فيه فليس من الشرط ان يعلق الأب على كل شيء بل من المعقول جدا ان يعلق على ما يريد ويترك ما لا يريد التعليق عليه، فالفرضية هذه قائمة على ان الأب يعلق على نسبة 100 % من النصوص المقدسة التي امامه بالإجبار والحتمية !، وهذا غير صحيح عقلاً! [2]، وأيضاً البردية 69 لا يمكن الجزم بأن النص غائب منها لسبب أصولي أي انه ليس أصلي ولذلك هو محذوف منها، هذا لا يمكن الجزم به حيث ان النصوص من 42 الى 45 محذوفة شبة تماماً وبالتالي لا يمكن الجزم بأن النصوص محل البحث (43، 44) محذوفة لأنها غير اصيلة بسبب ان النصوص الاخرى المفقودة فيها هي أصيلة بنسبة 100 % وخلا خلاف عليها مطلقاً وها هي صورة البردية 69 ولكنها بجودة قليلة.

هذا كله للتعليق على الجانب النصي، وهذا ما لا يهمنا كثيرا في هذا البحث، واما الآن فسندخل في الجزء الثاني من البحث وهو الخاص بالرد على بعض اقوال العلماء بشأن سببية إضافة او حذف بعض المخطوطات لهذا النص، واستثمارا للوقت لن اضع اقوال العلماء بل سأضع تلخيص لها شامل ونرد عليه فيما بعد..

تفسير الحذف والإضافة في المخطوطات من وجهة نظر العلماء!

الغالبية العظمى من العلماء رشحوا سببين، واحداً للحذف، والآخر للإضافة، وأما عن الحذف، أي انهم افترضوا ان النصوص أصلية ولكن تم حذفها من بعض المخطوطات، فاقترحوا أن ناسخاً ما رأى ان هذه النصوص تُنـزِل من قيمة المسيح لاهوتياً حيث انها تظهره في مظهر الضعف التام، فقام هذا الناسخ بحذفها لأنها وفقا له (بحسب وجهة نظر العلماء) تسبب صعوبة في فهم ان المسيح ليس مساوي للآب في القوة وانه احتاج لدعم من الملاك! أو كي لا يستخدمها أعداء الإيمان والهراطقة كدليل يؤيد نظرتهم للمسيح انه ليس مساوي للآب، واما عن الإضافة، أي أنهم افترضوا أن النصوص غير أصلية ولكنها تم إضافتها فيما بعد، ويقولون عن هذه الإضافة أنها حدثت من تقليد قانوني، سواء كان شفهياً او مكتوباً، أي تقليد رسولي في الكنيسة الأولى، وأول من نادى بهذه النظرية كان الدكتور هورت. والقائلون بهذه الإضافة يقولون إنه تم إضافة هذه النصوص لمواجهة الهرطقات التي كانت تقول إن جيد المسيح ليس جسد حقيقي ذا لحم ودم حقيقيان وانه مجرد ظهور شكلي للمسيح وليس تجسد كامل كما نحن لنا اجساد، فيقولون إنه تم إضافة هذه الآيات لمواجهة هذا الفكر وليثبتوا ان المسيح له جسد حقيقي ودم حقيقي او أنه إنسان حقيقي كامل بشكل عام!

وسوف نوضح كل هذه الآراء والنظريات، ونبدأ بالبردية 69، هذه البردية كما قلنا محذوف منها الآيات من 42 – 45، ويرجع العلماء هذا الحذف لسبب من إثنين، الأول هو أن الناسخ أراد أن يحذف هذه الآيات لأنها تسبب صعوبة تفسيرية في أن المسيح كان ضعيفاً جسدياً لهذه الدرجة التي يحتاج فيها ملاك ليقويه وبالتالي لم يكتفِ فقط بحذف الآيات 43 و44 والتي تقول ” وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ.44 وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ ” بل حذف أيضاً الآية 45 والتي تقول ” ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ “، لأن الآية 45 تتكلم عن فعل حدث أساساً في الآية 44، فلن يكون هناك معنى لو انه قال ان المسيح قام من الصلاة وهو لم يقل أن المسيح قد صلى!، وبالتالي لأنه يريد ان يحذف الآيات التي تسبب له مشكلة (بحسب رأي العلماء) فحذف الآيات من 42 إلى 45 لكي يكون هناك معنى لحذفه، وأما عن السبب الثاني المقترح لحذف، فهو ما يعرف  بأخطاء النقل البصري parablepsis حيث قام الناسخ بنسخ الآية 41 إلى ان وصل إلى كلمة προσηύχετο ثم حدث خطأ بصري معه فانتقل مباشرة الى προσευχῆς والتي هي في الآية 45 وبدأ من بعدها استكمال النسخ وأهمل ما في الوسط، ولتوضيح ما أقول:

Luk 22:41 καὶ αὐτὸς ἀπεσπάσθη ἀπ᾿ αὐτῶν ὡσεὶ λίθου βολήν καὶ θεὶς τὰ γόνατα προσηύχετο

Luk 22:42 λέγων· πάτερ, εἰ βούλει παρενεγκεῖν τοῦτο τὸ ποτήριον ἀπ᾿ ἐμοῦ· πλὴν μὴ τὸ θέλημά μου, ἀλλὰ τὸ σὸν γινέσθω.

Luk 22:43 ὤφθη δὲ αὐτῷ ἄγγελος ἀπ᾿ οὐρανοῦ ἐνισχύων αὐτόν.

Luk 22:44 καὶ γενόμενος ἐν ἀγωνίᾳ ἐκτενέστερον προσηύχετο. ἐγένετο δὲ ὁ ἱδρὼς αὐτοῦ ὡσεὶ θρόμβοι αἵματος καταβαίνοντες ἐπὶ τὴν γῆν.

Luk 22:45 καὶ ἀναστὰς ἀπὸ τῆς προσευχῆς, ἐλθὼν πρὸς τοὺς μαθητὰς εὗρεν αὐτοὺς κοιμωμένους ἀπὸ τῆς λύπης,

ولهذا السبب أسقط العلماء شهادة البردية 69 هنا كشهادة لحذف الآيات، أي أنهم أسقطوا شهادتها بأنها تقول ان الآيات ليست أصلية لأنها لم تكتف فقط بحذف الآيات 43 و44 بل من 42 إلى 45 وعليه فلا يمكن التعويل عليها لإثبات أن النصوص محل البحث أصلية أم غير أصلية، بالإضافة الى عامل هام آخر وهو البردية 75 حيث ان هذه البردية مقاربة جدا لنفس زمن البردية 69، وقد قامت بحذف الآيات 43 و44 فقط ولم تحذف الآيات من 42 الى 45 كاملة، لذا فهي لها سلطة أعلى حتى على البردية 69 وأبطلت شهادتها تماماً، ونبدأ الآن في مناقشة أراء العلماء بشأن الحذف أو الإضافة بشكل عام للآيات.

كما قلنا سابقاً أن العامل الأول الذي يعزوا إليه العلماء الحذف (أي أن النصوص أصيلة) هو صعوبة تقبّل الناسخ لهذه الآيات فقام بحذفها، وهذا سبب ضعيف، حيث أن الناسخ الذي سيفكر بهذه الطريقة سيجد قبل هذه الآيات ” 41 وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى 42 قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». ” فهذا الكلمات أقوى بكثير من الآيات التالية لها حيث أنها بها ” جثا على ركبتيه ” و” إن شئت ” و” لا إرادتي ” فلو كان الناسخ بهذه العقلية لكان حذف هذه النصوص جميعها بالإضافة الى انه لو أراد فقط أن يحذف الآيات التالية لها لكان حذف فقط الآية 43 حيث ان هي التي بها كل المشكلة الفكرية لديه حيث انها فيها تقوية الملاك ليسوع المسيح ” وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ ” لأن الآية 44 بها نفس الفعل الذي قام به في الآيات 41 و42 حيث انها تقول ” وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” فهو نفس الفعل الذي فعله بينه وبين الآب.

ولهذا لو كانت هذه النظرة صحيحة لسبب الحذف لكان حذف كل هذه النصوص وليس فقط النصوص 43 و44، هذا بالإضافة إلى أن هناك شهادات كثيرة قبل هذا الزمن تشهد لأصالة النص تماماً لذا فيجب مراعاة الترتيب في الأدلة من حيث متى الحذف ومتى الإضافة، ولو أكمل هذا الناسخ النسخ سيجد قصة الصلب كاملة بكل ما فيها من ضعف ظاهري، فهل حذفها أيضاً؟!

وأما عن السبب المتعلق بالإضافة، فكما قلنا أن من يقولون به يقولون ان النصوص ليست أصلية وتم إضافتها من مصدر تقليد قانوني الى بشارة القديس مرقس، ومع أن معتنقي هذه الفكرة لم يقدموا عليها دليلاً واحداً أو لم يخبرونا ما هو هذا المصدر القانوني سواء كان شفهي او مكتوب ولم يخبرونا كيف دخلت في كل هذه المخطوطات عبر كل الأزمنة وعبر كل هذا التوزيع الجغرافي وعبر الأقدمية للشهادات الآبائية، إلا أن السبب الذي يقدمونه للاستدلال بهذا القول هو أن كانت هناك بدع وهرطقات قديمة تجعل من المسيح إلها فقط أو انه الله ولكنه لم يتخذ جسداً حقيقياً، ذا لحم ودم تماماً مثلنا، ولان الكنيسة المستقيمة حاربت البدع التي تقلل من ناسوتية المسيح كما حاربت البدع التي تقلل من لاهوتية المسيح (وهذا صحيح) فيقول هؤلاء العلماء ان النُساخ او غيرهم اضطروا إلى إضافة هذه النصوص لصد هذه البدع وإيقافها والرد عليها!، بسبب وجود كلمات مثل ” يُقَوِّيهِ ” و” جِهَادٍ ” و” عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ “، وصراحة هذا كلام ساذج إلى أبعد الحدود، لماذا؟،

ببساطة، لأن الأصحاحات التالية لهذا الأصحاح بل الآيات تبين بشكل صريح أن يسوع المسيح له جسد حقيقي تماماً مثلنا، والأصحاحات التالية له تحكي بدقة ان المسيح قد صُلب، فهل الذي يصلب بالمسامير والذي قبلها جُلد لا ينزل منه دم؟!!، عجبي! هذا إن تكلمنا عن الأصحاحات التالية لهاذا الأصحاح في إنجيل لوقا فقط!!، ودعونا نأخذ جولة سريعة في الآيات التالية لهذه الآية للتأكيد أن للمسيح جسد حقيقي تماماً مثلنا:

  • وَالرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا ضَابِطِينَ يَسُوعَ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَهُمْ يَجْلِدُونَهُ،
  • هذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ، (يتكلم عن يوسف الرامي)
  • وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ
  • فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ
  • اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي».
  • وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِين مِنَ الْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ:«أَعِنْدَكُمْ ههُنَا طَعَامٌ؟»، فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَل، فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ

هذا فقط في الأصحاح 23 و24! فكم وكم لو أحصيت ما في هذه البشارة فقط؟ وكم وكم لو احصيت ما في العهد الجديد؟، هل عرفتم لماذا قلت انه سبب ساذج؟! ببساطة لأن النصوص الموجودة فعلاً تعلن هذا المعنى بوضوح أكبر من النصوص التي يقولون عليها إنها تم إضافتها لصد الهرطقة!، فلماذا لم يستخدموا هذه؟ وما هو الشيء الموجود في هذه الآيات والذي لا يوجد له أثر في الأناجيل مثلاً!؟ هذا من جهة وأما من جهة اخرى يقول العلماء أن هذه النصوص تم استخدامها من قِبَل الهراطقة لإظهار أن المسيح ضعيف لدرجة أنه احتاج تقوية من الملاك، وتم استخدامها أيضاً (ويا للعجب) من قِبَل الآباء للرد على المبتدعين الذي كانوا يقولون بأن المسيح له جسد خيالي وليس حقيقي واستخدمها الآباء للرد عليهم في أن المسيح له جسد ودم حقيقي وهنا يجب ان نقف وقفة بسيطة ونسأل، بخصوص الفريق الأول من المبتدعين الذين يقولون ان المسيح ضعيف هنا، كيف يقبل الآباء ان يحاجوهم بما هو ليس من الكتاب المقدس؟! وكيف يحاج هؤلاء الهراطقة أصلا بنص ليس من الكتاب المقدس أصلاً ضد الآباء الذين معهم النص؟!!

فلو كان النص غير موجود مع الآباء وجاء له أحد الهراطقة واستشهد به ما كان لكلامه قيمة لأنه لا يستند لدليل كتابي هنا، واما بالنسبة للفريق الثاني من المبتدعين الذين يقولوا ان المسيح له جسد خيالي، فنوجه نفس السؤال، كيف يستشهد الهراطقة بهذا النص ويحاجون به إن لم يكن من الكتاب المقدس؟ وكيف يقبل الآباء احتجاجهم به وهو ليس من الكتاب المقدس؟!، جدير بالذكر هنا إني قرأت في أحد التعليقات أن عالم قال بأن بعض الآباء عندما استهدوا بالنص استشهدوا به مباشرة دون أن يقول أن هذا النص من الكتاب المقدس!، وصراحة هذه تعليق غريب مثير للضحك والشفقة!، فأولاً، ما الداعي لكي كُلما يقتبس اب نص من الكتاب المقدس ان يقول ” هذا النص من الكتاب المقدس “؟، أو ” هذا النص من انجيل كذا “!؟، وثانياً: ألا يعلم هذا العالم أن هناك أنواع عديدة من الاقتباسات؟ فمثلا يوجد اقتباس ضمني واقتباس حرفي واقتباس من الذاكرة وخصوصاً كلما اقتربنا من القرون الأولى!

بعد هذا بالطبع سيكون السؤال الدائر في الأذهان هو ” إذن، كيف دخلت هذه القراءة (قراءة الحذف) إلى المخطوطات؟ ” وهذا السؤال هو ما جعل أغلب العلماء يعتقدون بان هذه المشكلة النصية من أصعب المشاكل النصية في العهد الجديد التي لا يقدرون على حسمها بشكل تام، الحل يبدأ في الظهور انطلاقا من العائلة 13 للمخطوطات، حيث تم ترحيل النصوص من إنجيل لوقا إلى انجيل متى بعد الآية (متى 26: 39)، وقد لا يلتفت البعض لهذا النقل، ولا يعيروه اهتماما ولكنه منه يبدأ الحل، فنجد الدكتور براون ريموند يقول:

Luke 22:43–45a was read on Holy Thursday (between Matt 26:21–39 and Matt 26:40–27:2); when it became customary to read 22:39–23:1 as a pericope on Tuesday of the last week before Lent, 22:43–44 was omitted from it to avoid duplication. The placing of Luke 22:43–44 after Matt 26:39 in family 13 of the minuscules (most of which are lectionaries) reflects the Holy Thursday arrangement and is not real evidence of the “floating” character of the Lucan passage.[3]

أي أن النصوص (لوقا 22:43،44) كان يتم قراءتها في يوم الخميس المقدس (خميس العهد) بين (متى 26: 21 – 39) و(متى 26: 40 – 27: 2) وعندما أصبح من المعتاد قراءة (لوقا 22: 39 – 23: 1) كجزء من يوم الثلاثاء في الأسبوع الأخير قبل الصوم الكبير، فتم حذف الآيات 43 و44 من هذه القراءات لتفادي تكرار قراءتها مرتين، وتبدأ الصورة في الوضوح عندما نعلم أن في باكر العصور المسيحية كانت الكتب المقدسة (الأسفار) يتم استخدامها داخل الكنيسة للقراءة منها مباشرة أي للعبادات داخل الكنيسة نظراً لضخامة ثمن شراء معدات الكتابة والبردي، فكان يتم قراءة هذه الأجزاء مباشرة من الكتب الأصلية أو بالأحرى النُسخ عنها[4].

وعبر هذا الاستعمال الليتورجي يمكن ان يحدث هذا الحذف بلا سبب لاهوتي بغرض عدم التكرار في النسخ[5]ويوضح لنا فيلاند فيلكر نقلا عن هوسيكر أن هذه الآيات تم تمييزها عن طريق وضع علامات معينة إما بهدف الإشارة إلى أن هذه الآيات في متى منقولة عن لوقا في الأصل أي أن هذا ليس مكانها الأصلي أو بهدف الإشارة الى هذه الآيات وتحديدها لاستخدامها في القراءات الكنسية، وهذه العلامات قد ضللت بعض النساخ فلم يفهموا معناها ولم يفهموا ما سبب وجودها فاعتقدوا أن الناسخ السابق يريد ان يخبرهم أن هذه الآيات ليست أصلية فقاموا هم بحذفها وبالتالي تم نسخ البشارة وانتشرت في النسخ التي لا يوجد فيها هذه الآيات بدون هذه الآيات وهذا حدث في المصحح الأول للسينائية حيث قام هذه المصحح بوضع نقاط على هذه الآيات ظناً منه أنها غير أصيلة وهى تشير إلى معرفة الناسخ بأن هناك مخطوطات لا تحتوي على هذه الآيات، ومن هنا نعرف كيف تم حذف هذه الآيات من البشارة في بعض المخطوطات.[6]

التحليل الداخلي:

بعدما تكلمنا في الشق النصي الخاص بالأدلة الخارجية وتحليلها ووصلنا معاً لحل لتلك المشكلة المزعومة نأتي الآن إلى التحليل الداخلي وفيه يكون اهتمامنا على الخواص او السمات المميزة لكتابات القديس لوقا (البشارة وسفر الاعمال) وتحليل النص محل البحث لغوياً لنرى هل يتفق هذا الأسلوب مع اسلوب القديس لوقا في الكتابة ومع ما نعرفه عنه أنه كان طبيباً أم لا، فهذا التحليل يتبعه العلماء ليوضح لهم هل هذه النصوص لها علاقة بالشخصية التي نعرفها عن الكاتب أم لا، ونبدأ أولاً في استعراض الألفاظ التي استخدمها القديس مار لوقا الإنجيلي البشير وهل هي موجودة في بشارته وفي سفر أعمال الرسل (حيث انه هو الكاتب له) أم لا، وللتسهيل سوف أوضح التحليل في نقاط محددة لكي يسهل على الكل فهم هذا التحليل ببساطة:

  • جملة ” ὤφθη δὲ αὐτῷ ἄγγελος ” أي ” ظهر له ملاك ” جاء في لوقا 22: 43 ولوقا 1:11، وفي سفر اعمال الرسل 7:30.
  • كلمة ” ὤφθη ” أي ” ظهر ” تكررت في كتابات القديس لوقا عشر مرات بينما ظهرت في بشارة القديس متى مرة وحيدة هى الموازية لهذا النص في لوقا وظهرت في بشارة القديس مرقس مرة واحدة.
  • كلمة ” ἐνισχύων ” أي ” قوّاه ” لم تأتِ في كل العهد الجديد سوى مرة واحدة أخرى وهى في سفر أعمال الرسل 9: 19 حيث جاءت ” ἐνίσχυσεν “، ليس هذا فقط بل أن هذا المصطلح هو مصطلح طبي إستخدمه هيبوقراط Hippocrates، المعروف بأبو الطب! وهذا ما يؤكد ان النص أصيل تماماً بسبب ان القديس مار لوقا البشير هو طبيب.
  • الكلمة ” γενόμενος ” جاءت في لوقا 22: 43 وجاءت في سفر أعمال الرسل 10: 4، 12: 11، 16: 27، 16: 29، 15: 25، 28: 8، بالإضافة الى القراءة المستلمة في إنجيل لوقا 10: 32.
  • كلمة “ἀγωνίᾳ ” هذه الكلمة قد استخدمها الطبيب الإغريقي أريتايوس Aretaeus، في وصف الصراع.
  • كلمة “ἱδρὼς ” أي ” عرقه ” تم إستخدامها كثيرا في اللغة الطبية وقد ذكرها الطبيب هيبوقراط كثيراً جداً وأريتايوس.
  • كلمة “θρόμβοι αἵματος ” ذكرها أيضاً هيبوقراط وأريتايوس[7].
  • القديس لوقا هو أكثر بشير ذكر أن المسيح كان يصلي، حيث جاء هذا في 3: 21، 5: 16، 6: 12، 9: 18، 9: 28 – 29، 11: 1، 22: 32.

من هنا نتأكد ان هذه الكلمات تخص القديس لوقا، حيث انها من الكلمات المعروفة في مفرداته أو من الكلمات المعروفة عن شخصيته ومعرفته العلمية الطبيّة، وعليه فوفقاً للتحليل الداخلي لكلمات هذه النصوص نتأكد أكثر وأكثر من انها من يد القديس لوقا البشير، كما أثبتنا صحتها من التحليل الخارجي أيضاً.

في النهاية، نمتنى أن يستجمع أحمد سبيع مقدارًا من القدرة والشجاعة ليتمكن من محاولة الرد علينا ولو لمرة واحدة بدلا من إصدار الفيديوهات المضحكة وعند دحضها والرد عليه، يتهرب من الرد علينا..

[1] Wieland Willker, A Textual Commentaryon theGreek Gospels, Luke, Page 420.

[2]Brown, R. E. (1994). The death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the grave, a commentary on the Passion narratives in the four Gospels (180). New York; London: Yale University Press.

[3]Brown, R. E. (1994). The death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the grave, a commentary on the Passion narratives in the four Gospels. New York; London: Yale University Press.

[4]Freedman, D. N. (1996, c1992). The Anchor Yale Bible Dictionary (6:415). New York: Doubleday.

[5]Wegner, P. D. (2006). A student’s guide to textual criticism of the Bible: Its history, methods & results (41,206). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.

Comfort, P. (2005). Encountering the manuscripts: An introduction to New Testament paleography & textual criticism (51,259). Nashville, TN: Broadman & Holman.

[6] راجع التعليق النصي لفيلاند فيلكر قبل تعليقه على البردية 69 مباشرة.

[7] تجدون تحليل مُفضل عن استخدام القديس لوقا للُغة طبية في حديثه في بشارته باللغة اليونانية في كتاب “The medical language of St. Luke by ” لويليام هوبرت، من الصفحة 80، حيث يقوم المؤلف باقتباس كلمات القديس لوقا ومطابقتها مع الوسط الطبي المحيط به في هذا الزمن، ويرجى قراءة تعليق فيلاند فيلكر أيضاً.

قراءة موجزة في نبوه عمانوئيل – اشعياء 7:14

قراءة موجزة في نبوة عمانوئيل – اشعياء 7:14

قراءة موجزة في نبوه عمانوئيل – اشعياء 7:14

قراءة موجزة في نبوه عمانوئيل – اشعياء 7:14

عقيدة الميلاد العذراوي

عقيدة الميلاد العذراوي اُعتبرت مُنذ البداية انها اساساً كريستولوجياً عالياً، وقد أشار الكثيرين من اباء الكنيسة الأوائل مُشددين على هذا الحدث أكثر من أي حدث اخر باعتباره دليلاً على لاهوت وناسوت المسيح فذات الوقت، وقد دافع يوستينوس الشهيد واغناطيوس الأنطاكي عن الميلاد العذراوي ضد المُعارضين لهذه العقيدة مُنذ بداية القرن الثاني الميلادي، وفي هذا التاريخ المُبكر للمسيحية قد بدا ان عقيدة الميلاد العذراوي للمسيح عقيدة ثابتة مُنذ اهم عصور انتشار المسيحية، وقد تم نقاشات حادة للغاية في القرون الأربعة عموماً فمثلاً الفكر الغنوسي (ماركيون على سبيل المثال) أدعى ان المسيح ليس له ولادة بشرية بل أتى مباشرة من السماء وبالتالي لم يكن إنساناً، ومن الجهة الأخرى انكر الفكر الأريوسي لاهوت المسيح باعتباره إله اقل من الأب، ولكن في نهاية المطاف انعقدت المجامع وتختفي تلك الجماعات تدريجياً وتظل العقيدة المُعلنة في العهد الجديد والمُنتشرة بصلابة في القرون الأولى للمسيحية.

وعلى الرغم ان الميلاد العذراوي أكثر بروزاً في انجيل متى ولوقا إلى ان من المشكوك فيه للغاية ان يكون كتاب العهد الجديد الأخرون لا يعرفون شيئاً عن هذه العقيدة، حتى العلماء الليبراليون يعترفون بأن هذه العقيدة كانت معروفة خلال خدمة بولس (وخصوصاً يوحنا)، وان هذا الحدث لم يُناقش ببساطة لأنهم اهتموا بالمعنى اللاهوتي والإنجيل (أي البشارة)، أكثر من البيانات التاريخية.[1]

 

السياق العام لنبوة أشعياء

النبؤة الشهيرة التي وردت في اشعياء اصحاح 7 عدد 14 تقول ” وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ». ” هذه النبوة تم تطبيقها على يسوع في انجيل متى 1 عدد 23 ” «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» (الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا). “، هذه النبوة ليست مركزية في كتابات العهد الجديد البعض يراها مركزية كما لو ان كل كتاب العهد الجديد اقتبسوها عشرات المرات.

في الحقيقة نص أشعياء ليس له أي صدى إلا في إنجيل متى وهذا هو الطبيعي من بدء انجيل متى الذي يفتتحه بعبارة يهودية كتابية وهي ” كتاب ميلاد ” βιβλος γενεσεως المُعادلة للتعبير العبري תולדת التي تم ترجمتها في السبعينية بنفس التعبير المُستخدم في انجيل متى، والحقيقة هذا التعبير هو تعبير عبري بحت يعرفه اليهود بل ويُدركه المُتعلمين جيداً من اليهود، فمتى يكتب بصوره تخص اليهود بشكل ملحوظ ومن هنا تأتي النقطة المركزية في تعزيز إستخدام متى للنبوات ونصوص العهد القديم لأن ببساطة اليهود يُدركوا استخدامات متى وتعبيراته بشكل جيد جداً ومن هنا فمن من الصعب ان نضع متى ككاتب في حال المُلفق.

ولكن نص اشعياء له سياقه التاريخي وهذ السياق هو كالأتي: شعب يهوذا كان لديه أزمة، فقد تعرضوا للهجوم من قبل إخوانهم في الشمال، الإسرائيليون الذي انضم إليهم أيضاً الأراميون، وكانت هذه الجيوش المُعادية مُتجهة نحو القدس، وكان هدفهم هو أخذ المدينة، إزالة المَلك الحاكم ويستولوا على العرش

كيف كان الخطر الحقيقي؟ حقيقةً ان ” بيت داوود ” الذي تم ذكره مرتين فقط في اشعياء 7 (عدد 2،13)، وهو أمر يأخذ اهمية حقيقية عندما نُدرك انه خارج هذا الفصل من سفر اشعياء، فإن هذا التعبير قد وَرد فقط ثلاث مرات في الـــ 165 فصل المُتبقي من كتب الأنبياء الكبار (مرتين أخرين في اشعياء 16:5، 22:22) مرة واحدة في أرميا (ارميا 21:12) لم يرد مُطلقاً في سفر حزقيال، لم يكن هذا الهجوم أقل من هجوم أمامي على سلالة الله الحاكمة، السلالة التي سيأتي منها المسيح، ولسوء الحظ كان الملك الحالي من نسل داوود هو أحاز، رجل غير مؤمن كان الأكثر استعداداً لتوظيف جيش أجنبي لمساندته في القتال بدلاً من الإعتماد على الله، وهكذا أرسل الرب النبي أشعياء لكي يتحدث إلى هذا الملك، وحثه ان يضع ثقته في يهوه وحده، وليؤكد له على هزيمة أعداء يهوذا.

هَكَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ: لاَ تَقُومُ! لاَ تَكُونُ!، لأَنَّ رَأْسَ أَرَامَ دِمَشْقَ وَرَأْسَ دِمَشْقَ رَصِينُ. وَفِي مُدَّةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً يَنْكَسِرُ أَفْرَايِمُ حَتَّى لاَ يَكُونَ شَعْباً، وَرَأْسُ أَفْرَايِمَ السَّامِرَةُ وَرَأْسُ السَّامِرَةِ ابْنُ رَمَلْيَا. إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلاَ تَأْمَنُوا». (اشعياء 7-9: 7)

لكن احاز رفض التمسك بقوه في إيمانه حتى عندما طلب الرب ان يعطي له علامة خارقة للطبيعة ” «اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلَهِكَ. عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْقٍ». ” (اش 7:11) ولكن قد رفض أحاز فأنتهره الرب بهذه الكلمات ” فَقَالَ: «اسْمَعُوا يَا بَيْتَ دَاوُدَ. هَلْ هُوَ قَلِيلٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُضْجِرُوا النَّاسَ حَتَّى تُضْجِرُوا إِلَهِي أَيْضاً؟ ” (اش 7:13) لاحظ هنا ان احاز لم يتم مخاطبته ببساطة بإعتباره ملك، بل كممثل بيت داوود، اللغة العبرية هنا وفي النص اللاحق بصيغة الجمع، لذلك لا يُخاطب احاز بمفرده، ” وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ». ” (اش 7:14).

ترجمة كلمة علماه

السؤال الأكثر شيوعاً كيف نُترجم هذا اللفظة العبرية עַלְמָה (علماه)؟ هذه الكلمة إذا قومت بفتح قاموس عبري سيُخبرك بأنها تعني فتاه في سن الزواج ربما تكون او لا تكون عذراء، والسياق نفسه يُحدد هذا إن كانت تُعبر عن فتاه عذراء او ليست عذراء[2] اتت كلمة علماه سبع مرات في العهد القديم:

تكوين 24 عدد 43 ” فَهَا انَا وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ وَلْيَكُنْ انَّ الْفَتَاةَ الَّتِي تَخْرُجُ لِتَسْتَقِيَ وَاقُولُ لَهَا: اسْقِينِي قَلِيلَ مَاءٍ مِنْ جَرَّتِكِ “، ” הִנֵּ֛ה אָנֹכִ֥י נִצָּ֖ב עַל־עֵ֣ין הַמָּ֑יִם וְהָיָ֤ה הָֽעַלְמָה֙ הַיֹּצֵ֣את לִשְׁאֹ֔ב וְאָמַרְתִּ֣י אֵלֶ֔יהָ הַשְׁקִֽינִי־נָ֥א מְעַט־מַ֖יִם מִכַּדֵּֽךְ׃”،

خروج 2 عدد 8 ” فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: «اذْهَبِي». فَذَهَبَتِ الْفَتَاةُ وَدَعَتْ امَّ الْوَلَدِ. “، ” וַתֹּֽאמֶר־לָ֥הּ בַּת־פַּרְעֹ֖ה לֵ֑כִי וַתֵּ֙לֶךְ֙ הָֽעַלְמָ֔ה וַתִּקְרָ֖א אֶת־אֵ֥ם הַיָּֽלֶד׃”،

مزمور 68 عدد 25 ” مِنْ قُدَّامٍ الْمُغَنُّونَ. مِنْ وَرَاءٍ ضَارِبُو الأَوْتَارِ. فِي الْوَسَطِ فَتَيَاتٌ ضَارِبَاتُ الدُّفُوفِ. “، ” קִדְּמ֣וּ שָׁ֭רִים אַחַ֣ר נֹגְנִ֑ים בְּת֥וֹךְ עֲ֝לָמ֗וֹת תּוֹפֵפֽוֹת׃ “،

امثال 30 عدد19 ” طَرِيقَ نَسْرٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَطَرِيقَ حَيَّةٍ عَلَى صَخْرٍ وَطَرِيقَ سَفِينَةٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ وَطَرِيقَ رَجُلٍ بِفَتَاةٍ. “، ” דֶּ֤רֶךְ הַנֶּ֨שֶׁר׀ בַּשָּׁמַיִם֮ דֶּ֥רֶךְ נָחָ֗שׁ עֲלֵ֫י צ֥וּר דֶּֽרֶךְ־אֳנִיָּ֥ה בְלֶב־יָ֑ם וְדֶ֖רֶךְ גֶּ֣בֶר בְּעַלְמָֽה׃”

النشيد 1 عدد 3 ” لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ. اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ لِذَلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى. “، ” לְרֵ֙יחַ֙ שְׁמָנֶ֣יךָ טוֹבִ֔ים שֶׁ֖מֶן תּוּרַ֣ק שְׁמֶ֑ךָ עַל־כֵּ֖ן עֲלָמ֥וֹת אֲהֵבֽוּךָ׃”،

نشيد 6 عدد 8 ” هُنَّ سِتُّونَ مَلِكَةً وَثَمَانُونَ سُرِّيَّةً وَعَذَارَى بِلاَ عَدَدٍ. “، ” שִׁשִּׁ֥ים הֵ֙מָּה֙ מְּלָכ֔וֹת וּשְׁמֹנִ֖ים פִּֽילַגְשִׁ֑ים וַעֲלָמ֖וֹת אֵ֥ין מִסְפָּֽר׃”، اشعياء 7 عدد 14 وهو محل الدراسة بالطبع، هذه هي المواضع التي جاءت فيها الكلمة العبري علماه في العهد القديم، ومن الواضح انه ليس ولا واحد من مواضع الكلمة تُشير إلى أمرأة مُتزوجة !، وكما يقول ماكراي ألان أستاذ العهد القديم ” لا يوجد مثال حيث يُمكن اثبات ان علماه تُشير إلى امرأة ليست عذراء [3]

ولكي نضع ترجمة صحيحة لكلمة علماه فيجب ان نضعها في سياقها اللغوي التاريخي. فقد نقل روبرت براون الدراسات التي قام بها كل من روبرت ويلسون وإدوارد يونج على أساس السياق والخلفية التاريخية والنصوص القديمة مثل النصوص الإوغارتية من راس شمرا وتوصلوا إلى نتيجة واحدة وهي ان الكلمة لم تُستخدم لوصف امرأة مُتزوجة، فقد قال روبرت ويلسون ” من نتاج الأدلة يتضح شيئين،

1. ان كلمة ” علماه ” المعروفة حتى الأن لا تُعني أبداً امرأة متزوجة،

2. بما ان استخدام كلمة ” علماه ” القانوني والإستخدام الشائع لكلمة علماه كان بكل تأكيد انها تعني عذراء عفيفة،

إلى ان يتم إثبات عكس ذلك، يحق لنا ان نقول ان رابكا وعلماه المُستخدمة في أشعياء 7:14 وجميع الأستخدام الأخر يُعني عذراء، وجميع الفتيات الأخريات كانوا عذارى حتى يتم إثبات عكس ذلك ” وقد قال إدوارد يونج ” نحن بعيدون عن التأكيد على ان كلمة علماه هي الكلمة المُعادلة الدقيقة للتعبير الإنجليزي virgin، لكننا بالأحرى اقرب الكلمات الإنجليزية مثل damsel او maiden وهي بالطبع كلمات تتحدث بصورة طبيعية عن فتاه غير متزوجة، وفي الواقع يبدو ان التعبير العبري ” علماه ” أقوى من الكلمات الإنجليزية maiden او damsel، حيث لا يوجد دليل انها اُستخدمت من قبل للإشارة إلى امرأة مُتزوجة، وبالتالي اتمنى من اولئك الذين يُكررون التأكيد القديم الذي يقول ان كلمة علماه يُمكن ان يتم استخدمها للتحدث عن امرأة سواء كانت مُتزوجة أو لا، ان يُقدموا لنا بعض الأدلة على ادعائهم، وعلى ضوء هذه الحقيقة، فإن الكلمة لا تُستخدم مُطلقاً للإشارة إلى امرأة مُتزوجة، وعلى ضوء نصوص راس شمرا، حيث وُجد كمرادف عملي لكلمة ” باتولاه ” (عذراء)، وكلتا الكلمتين يُشيران إلى ألهه غير مُتزوجة، فنحن نعتقد بأن مترجمي الترجمة السبعينية قد أظهروا القوة الحقيقية للكلمة حينما ترجموها إلى ” بارثينوس “[4]

لكن إن كان قد قصد اشعياء التحدث عن فتاة تكون ” عذراء ” فهل كان يَصعب عليه ان يستخدم كلمة بتولاه بدلاً من علماه؟ في الواقع لا يوجد كلمة عبرية تعني دائماً عذراء، والحقيقة ان الكلمة العبري بتولاه رغم اها غالباً ما تُشير إلى عذراء إلى انها في المواضع الكتابية العبرية في أكثر الأحيان ليس لها أي إشارة إلى العذرية ولكنها تُعني ببساطة شابة بكر، ومابين خمسين مرة في التناخ ترد كلمة بتولاه إلا ان NJPSV ترجمتها maiden بدل virgin في 31 موضع ! [5]

فلا علاقة مُباشرة بين استخدام كلمة بتولاه بعذراوية الفتاه، فبإختصار ان كلمة علماه لم تُستخدم أبداً للإشارة إلى فتاه مُتزوجة وكلمة بتولاه لا تُترجم حتماً عذراء كي ما يتم الإستدلال بقوتها في حين عدم استخدمها في نص اشعياء 7:14. صحيح انه للوهله الأولى قد تبدو كلمة بتولاه كلمة جيدة للتعبير عن العذراوية لكن عند الفحص الدقيق يتضح انها ليست مُرضية، ربما تكون عذراء ولكن قد تُشير إلى عذراء مخطوبة، في التثنية توضح الشريعة ان خيانة حالة الخطوبة كانت شنيعة مثل الزنا ويُعاقب عليها بالرجم، في يوئيل 1:8 من الواضح ان بتولاه امرأة متزوجة، وفي نصوص تعويذة أرامية في وقت لاحق، تُشير الكلمة المُعادلة لبتولاه في الأرامي إلى امرأة متزوجة، فإذا كان استخدم اشعياء كلمة بتولاه لكان تركنا في حيرة، لا يُمكننا ان نعرف بالضبط هل كان يتحدث عن عذراء ام عذراء مخطوبة ام امرأة متزوجة، لا توجد كلمة أخرى متاحة للغة العبرية تُشير بوضوح إلى ان ما يقصده امرأة غير متزوجة، وبالتالي لم تكن أي كلمة مناسبة لتوفي شروط العلامة التي يُعطيها الله، فقط كلمة علماه تُشير إنها غير متزوجة [6]

يقول تشارلز بيفيفر ” قد تم اختيار كلمة العذراء هنا بعناية، لا تدل كلمة علماه بالضرورة إلى وجود عذراء (لم تُمارس العلاقة الحميمية من قبل) ومع ذلك فإنه يُشير فقط إلى عذراء عفيفة وغير متزوجة (بقدر ما يُظهر السياق) ” [7] ويرى إليك موتير. ان كلمة علماه ليست مُصطلحاً عاماً يُعني ” امرأة شابة “، ولكنها كلمة مُحددة تُعني عذراء، وتجدر الإشارة إلى انه خارج الكتاب المُقدس بقدر ما يُمكن التأكد منه، لم تُستخدم كلمة علماه ” مُطلقاً ” للتعبير عن امرأة متزوجة [8] وهنا أريد ان أعلق على ذلك الكلام، فمعنى انها كلمة ” مُحددة ” تُعنى عذراء لا تعنى بالطبع نفياً لمعنى انها تتحدث عن امرأة شابة لكن كلمة علماه ليست بتلك العشوائية انها تعني في اشعياء 7:14 مجرد امرأة شابة، لكن بحسب سياقها التاريخي يجب ان تكون عذراء هذا ليس كسراً للغة ولكن تبحر في اللغة.

ويعتمد توم كونستابل على دراسة Richard Niessen الشهيرة. فيقول. ان الكلمة العبرية لكلمة عذراء هي علماه، والتي تُعني شابة في سن الزواج، لكن الكلمة لا تصف أبداً أمرأة مُتزوجة في العهد القديم، وهي الكلمة الوحيدة في اللغة العبرية التي تُشير بشكل قاطع إلى امرأة غير متزوجة[9]

 

ماهية نبوه أشعياء

تتطاحن الأفكار للوصول إلى قوة الإعلان الإلهي للنبوه وعلاقتها بيسوع وفي نفس الوقت بإرتباطها التاريخي بالأحداث الجارية في وقت اشعياء. الصورة التي أرغب في توضيحها ان أشعياء هو ” نبي ” وليس مُجرد واعظ استخدمه الله ليُلقي ما هو مُناسب من قول لأحاز وبسبب ورود أخبار بإتفاق دمشق واسرائيل لمحاربة ملك يهوذا (أحاز)، يتقدم اشعياء بإعتباره ” نبي “، ليُسلم احاز رسالة، ولكن وأسفاه لم يؤمن أحاز بوعد الله، فماذا يكون رد الله على لسان نبيه اشعياء؟ رد الله هو ان وعوده تبقى وان لم يُصدق احد، وعد الله ببقاء يهوذا وأورشليم وسلامة الملك هو وعد أبدي، وسأبقى أميناً على وعدي وأتممه بنفسي على مستوى المُعجزة، ويُكمل الله خطة الخلاص بواسطة هذا الإبن الذي يملك على كرسي داوود (اش 6-7:9) [10]

فألله أراد إعطاء ” أيه ” אוֹת فهي أسم مُذكر تعني علامة ومُعجزة تُستخدم في الغالب لوصف الأحداث المُذهله من اعمال الله ووصف المُعجزات [11] فليس من المُمكن بعد ان يتحدث النبي عن وعد إلهي خارق وغريب غير مألوف ويكون في نهاية المطاف الأمر المُعجزي ان امرأة تلد فهذا حدث يحدث كل يوم ! وكيف ينظر سامعي النبي إليه ! فمن الواضح ان النص يُشير إلى حدث خارق وهو حبل ولادة عذراء بقوة روح الله [12] ومن الملحوظ ان النص يقول ” ها العذراء ” העלמה فحرف الــــ ה مع أسم الفاعل في اللغة العبرية، فأنه عادة يدل على حدث يقع في المُستقبل، وبالتالي يكون المعنى في اش 7:14، ليس فقط الميلاد الذي يحدث في المُستقبل، بل أيضاً الحمل الذي يحدث في المُستقبل، لذا فالنص لا يُشير النص إلى امرأة حامل وستلد، بل امرأة ستحبل في زمن المُستقبل [13]

ولكن في ضوء ذلك الحال الكتابي فقد تتنوع التفسيرات والأراء كي ما يتم وضع خط مُستقيم واضح لفهم نص أشعياء. فقد كان من يؤكد ان كلمة ” علماه ” بالضرورة تعني عذراء وهناك من يتمسك بالرأي القائل يجب على اشعياء إن كان يقصد العذراء ان يستخدم كلمة بتولاه، وقد كان شائعاً مثلاً تتبع جزر كلمة علماه الذي يُعني to conceal, وبالتالي دعم ترجمة عذراء، فقد جادل Pusey بقوة في هذا الإشتقاق، في حين أشار Cheyne إلى انه لم يكن يعطي الوزن الواجب للأشكال العربية المُشابهه، التي يبدو انه تدعم معنى ” الشخص الذي ينضج جنسياً “، بغض النظر إذا كان حدث زواج أو لا، وبالتالي هذا سيأخذنا إلى ترجمتها إلى ” امرأة شابة “[14]

وعلى ضوء الإكتشافات كشفت النصوص الأوجارتية الجديد من الجدل حيث ان الكلمة الأوجارتية glmt لا تُستخدم أبداً لأمرأة متزوجة، فالدليل الأوجارتي ليس ضد ترجمة ” عذراء ” [15]

فالأستخدام الأوجارتي مع الإشارة إلى الألهه كان تُشير إلى العذراوية بصفة دائمة [16]وبالتالي لا يوجد إشتقاقات واضحة حاسمة لكلمة بتولاه او علماه، لكن في نظر الكثيرين قد تخلوا عن الجدل الإشتقاقي ومناقشة الأدلة المتاحة التي بالكاد تنصب في صالح كلمة علماه بإعتبرها عذراء غير متزوجة.

لكن يجب ان نتبع منطق ثيؤفلاكت وهو رئيس اساقفة Achrida أو ما يُرف حالياً ببلغاريا، الذي قد كتب تفاسير على العديد من أسفار العهد القديم والعهد الجديد بأكملة بإستثناء سفر الرؤيا [17] فهو يتعامل مع القول اليهودي الدائم ان الترجمة خاطئة ويجب ان تكون ” امرأة شابة ” في حين ان كلا التعبيرين سواء عذراء او امرأة شابة في النهاية هذا لا يخل بما يُعلنه الله من خلال إشعياء لحادث مُعجزي فحتى ان تُرجمت امرأة شابة فيجب ان تكون هذه المرأة الشابة عذراء أيضاً [18]

الإعتراض اليهودي حول ترجمة كلمة علماه هو حقاً اعتراض سخيف من كل اتجاه، ولكن اليهود أيضاً يروا ان النبوه تخص وقتها وتحققها في زمن مُستقبلي قريب وبالفعل تحققت في ولادة ابن اشعياء وهذا الرأي الذي يتبناه ابن عزرا ويتبعه المُفسر اليهودي راشي [19] هذا الرأي أو حتى غيره فيوجد من يُشير إلى نبوه مزدوجة من العلماء المسيحين مثل والتر كايزر [20] لكن في الحقيقة كون ان يكون النص إشارة إلى ابن اشعياء أو حتى حزقيا ويسوع معاً هذا يواجه بشكل صارخ كون وجود حادث غير عادي سيحدث أو على الأقل وجود هذا الحدث بشكل جزئي، فما معنى ان يكون ولادة أمرأة ليست عذراء وتلد طفلاً عادياً ان يكون وعد ليس طبيعي!!

والسياق الأوسع لأشعياء 9:6 – 7:16 وهو ولادة ولد يكون انسان وإله وليس مُجرد إنسان ويسوع هو الوحيد الذي ينطبق عليه هذا، بالإضافة إلى ان صيغ الجمع في اش 13-14:7 يعني ان وعد الله ليس لشخص بعينه ولكن لبيت داوود وهذا لا يتوافق مع فكرة التحقيق القريب بل ان التحقيق يكون على المدى البعيد فالعلامة التي يُريد ان يعطيها الله لأحاز هو عدم انتهاء يهوذا والملك الداوودي.

وميلاد يسوع من نفس مملكة أحاز بعد قرون هو علامة الله لأحاز لعدم انتهاء مملكته في عهده، ومن الملحوظ هو استخدام تعبير ” ايل ” في كل من اشعياء 9:6،7:14، واستخدامه في أوقات الأزمات ” ئيل ” كان مع ابراهيم واسحاق (تكوين 3:26) ويعقوب (تكوين 15:28) ويوسف (تكوين 39:2،3،21،23) ويشوع (يشوع 6:27)، وداوود (1صموئيل 18:14) وسليمان (1 ملوك 1:37)، وعمانوئيل يُعني ” الله معنا “، فكل هذا يُشير إلى العناية الإلهية، هناك نقطة يتم تجاهلها وهي إنه لم يتم الخلاص من سوريا واسرائيل لبعض الوقت بعد ولادة الطفل !

لا يُمكن لأي طفل ان يكون هو العلامة الإلهية !، ولكل هذا فأشعياء لا يعلن عن ولادة معاصرة لا ولادة حزقيا ولا أي طفل أخر، ولكن يتحدث عن ولادة الشخص الذي يجعل وجوده ذاته، فالتحقيق اشعياء 7:14 يجب ان يكون: 1. ميلاد الطفل أمر معجزي، 2. ان تكون من تلده عذراء،3. وجود الطفل ذاته يُحقق وجود الله مع شعبه [21] في النهاية أريد اكرر مقولة لفيرنون ماكجي يوجهها إلى اللاهوتي الليبرالي قائلاً ” تستطيع ان تنكر الميلاد العذراوي لكن لا تستطيع ان تنكر ان اشعياء ومتى يتحدثان عن ميلاد يسوع من عذراء ” [22]

[1] Elwell, W. A., & Beitzel, B. J. (1988). Baker encyclopedia of the Bible. Map on lining papers. , Page, 2124
[2] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Hebrew (Old Testament) (electronic ed.) (DBLH 6625).
[3] Macrae, A. A. (1999). 1630 על�. In R. L. Harris, G. L. Archer, Jr. & B. K. Waltke (Eds.), Theological Wordbook of the Old Testament (R. L. Harris, G. L. Archer, Jr. & B. K. Waltke, Ed.) (electronic ed.) , Page, 672
[4] Reymond, R. L. (2003). Jesus, Divine Messiah: The New and Old Testament Witness , Page, 92
[5] Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections , Page,21
[6] Young, E.. The Book of Isaiah: Volume 1, Chapters 1-18 , Page, 288
[7] Pfeiffer, C. F. The Wycliffe Bible commentary: Old Testament (Is 7:14). Chicago: Moody Press
[8] Motyer, J. A. (1993). The prophecy of Isaiah: An introduction & commentary (Is 7:13). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.
[9] Tom Constable. (2003; 2003). Tom Constable’s Expository Notes on the Bible. Galaxie Software.
[10] الأب متى المسكين , تاريخ إسرائيل. صـــ 174
[11] Baker, W. (2003, c2002). The complete word study dictionary: Old Testament , Page, 29
[12] Calvin, J. (1998). Calvin’s Commentaries: Isaiah (Is 7:14).
[13] القمص روفائيل البرموسي، أما اسرائيل فلا يعرف , صـــ82
[14] Jones, K. E. The Book of Isaiah. In. Vol. 3: Isaiah-Malachi. The Wesleyan Bible Commentary,Page, 162
[15] Gordon, C. H. Ugaritic textbook grammar, texts in transliteration, cuneiform selections, glossary, indices. Analecta orientalia, 38 ,Page, 23,144
[16] Oswalt, J. N. The Book of Isaiah. Chapters 1-39. The New International Commentary on the Old Testament,Page, 210
[17] Introduction and Biographical Information. 2005. Ancient Christian Commentary on Scripture. , Page, 505
[18] EBT 21.Explanation of Matthew 23
[19] Blenkinsopp, J. (2008). Isaiah 1-39: A new translation with introduction and commentary , Page, 233
[20] Kaiser, W. C., Jr., Davids, P. H., Bruce, F. F., Brauch, M. T., & Kaiser, W. C. (1997). Hard sayings of the Bible , Page, 301
[21] Young, E.. The Book of Isaiah: Volume 1, Chapters 1-18 ,Page, 291
[22] McGee, J. V.. Thru the Bible commentary. Based on the Thru the Bible radio program. 3: , Page, 215

قراءة موجزة في نبوة عمانوئيل – اشعياء 7:14

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

يوستينوس الشهيد هو أهم مدافع يوناني في القرن الثاني الميلادي[1]، وواحد من أنبل شخصيات الأدب المسيحي المبكر. ولد يوستينوس في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis)، والتي كانت تعرف قبلاً باسم “شكيم” (Sichem)، بفلسطين. وكان والداه وثنيين، وهو نفسه يخبرنا، في (Dialog 2 -8)، أنه قد جرب أولاً أن يلتحق بمدرسة فيلسوف رواقي (Stoic)، ثم بمدرسة فيلسوف مشائي[2] (Peripatetic)، لكن، ولا واحد من هؤلاء الفلاسفة قد أقنعه أو أشبع نهمه.

لقد فشل الرواقي لأنه لم يشرح له أي شيء يتعلق بشخص الله، وأكثر ما كان يهتم به المشائي هو أن يدفع له يوستينوس أجرة الدرس فوراً، الأمر الذي قابله يوستينوس بأن تجنب حضور محاضراته؛ والفيثاغوري طلب منه أن يدرس أولاً الموسيقا، والفلك، والهندسة كضرورة، ولم يكن لدى يوستينوس الرغبة في ذلك.

ومن ناحية أخرى، راقت له الفلسفة الأفلاطونية لفترة من الوقت، وقد كان ذلك إلى أن أقنعه رجل، عندما كان يتمشى على شاطئ البحر، بأن الفلسفة الأفلاطونية لا يمكنها أن تُشبع قلب الإنسان، ولفت نظره إلى “الأنبياء الذين وحدهم قد أعلنوا الحق”. ثم يحكي يوستينوس قائلاً: “وعندما تكلم بهذا وأشياء أخرى كثيرة لا وقت لذكرها الآن، ذهب طالباً مني أن أفكر فيما تكلم به إليّ؛ ولم أره من حينها.

لكن للفور اشتعل في روحي لهيب، وتملكني محبة للأنبياء ولهؤلاء الرجال الذين هم أصدقاء للمسيح. وبينما كنت أقلب كلماته في رأسي، وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الآمنة والمفيدة. هكذا، ولهذا السبب، أصبحت فيلسوفاً، وأتمنى أن يكون كل البشر لهم نفس فكري، ولا يتحولوا عن تعاليم المخلص”. (Dial. 8)

لقد قاده طلبه للحق إلى اعتناق المسيحية. كما يخبرنا يوستينوس أيضاً أن هذه الاستهانة البطولية التي كان المسيحيون يقابلون بها الموت قد لعبت دوراً ليس بصغير في تحوله للمسيحية: “أنا نفسي كنت أستمتع بتعاليم أفلاطون وأستمع إلى كلام شرير عن المسيحيين، لكن لما رأيت أنهم لا يظهرون أي خوف في مواجهة الموت وكل الأمور الأخرى التي تبعث على الخوف، فكرت في أنه لا يمكنهم أن يكونوا متوحشين وشهوانيين”. (Apol. 2: 12).

وقد أدى به البحث الأمين عن الحق والصلاة المتضعة إلى اعتناق المسيحية في آخر الأمر: “عندما اكتشف الخداع الشرير الذي ألقته الأرواح الشريرة حول عقائد المسيحيين الإلهية لتصرف الآخرين عن الانضمام إليهم، وأعترف إني صليت وجاهدت بكل قوتي لأصبح مسيحياً”.

وبعد اهتدائه، الذي حدث على الأرجح في مدينة أفسس، كرس يوستينوس حياته كلها ليدافع عن الإيمان المسيحي. لقد سافر متنقلاً وهو يرتدي “الباليم” (Pallium) – وهي عباءة كان يرتديها الفلاسفة اليونانيون – باعتبار مُعلماً متجولاً. ووصل يوستينوس إلى روما في عهد الإمبراطور “أنطونينوس بيوس” (138-161م)، وأسس مدرسة هناك، وكان من تلاميذه “تاتيان” الذي قدر له لاحقاً أن يصبح مدافعاً.

وهناك أيضاً لقي مقاومة شديدة تمثلت في شخص الفيلسوف الكلبي[3] “كريسكنس” (Crescens)، الذي اتهمه يوستينوس بالجهل. ولدينا رواية موثقة عن استشهاد يوستينوس مذكورة في (Martyrium S. Justini et Sociorum)، وهي معتمدة على محضر المحاكمة الرسمي. ووفقاً لهذه الوثيقة، قطعت رأس القديس يوستينوس ومعه ستة آخرون عام 165م على أرجح الأقوال، ذلك في حين كان الحاكم “يونيوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163-167م) لا يزال في منصبه.

كتابات القديس يوستينوس

كان يوستينوس كاتباً غزير الإنتاج، ولم تصلنا من كتاباته التي كان يعرفها يوسابيوس (Hist. 4: 18) إلا ثلاثة أعمال فقط موجودة في مخطوطة وحيدة حالتها متدهورة نسخت عام 1364م (Paris. No. 450). وهذه الأعمال الثلاثة هي دفاعاه ضد الوثنيين وحواره مع تريفيون اليهودي.

أما أسلوب هذه الأعمال فهو أبعد ما يكون عن الجاذبية، لأنه يتبع ما تمليه عليه اللحظة كونه غير معتاد على اتباع خطة محددة. إنه ينحرف عن الموضوع، وأفكاره غير مترابطة، كما أنه ضعيف في صياغة الجمل الطويلة. يفتقد أسلوب يوستينوس التعبيري برمته إلى القوة، كما أنه نادراً ما يصل إلى البلاغة أو دفء المشاعر.

لكن، بالرغم من كل ما تنطوي عليه كتابات يوستينوس من عيوب، إلا أنها بالنسبة لنا ذات جاذبية لا تحد، فهي تكشف لنا عن شخصية متفتحة وأمينة تحاول أن تصل إلى مساحة مشتركة مع الخص.  كان يوستينوس مقتنعاً بأن “كل شخص يستطيع أن يتكلم بالحق ولا يفعل سوف يدينه الله” (Dial. 82)، وهو أول كاتب كنسي يحاول أن يقيم جسراً بين المسيحية والفلسفة الوثنية.

أولاً: دفاعا القديس يوستينوس

إن أهم كتابات يوستينوس الباقية هما دفاعاه، ويعلق يوسابيوس عليهما في (Hist. Eccles. 4: 18) قائلاً: “ترك لنا يوستينوس مقالات ذات فكر مُثقف متمرس لاهوتياً، ومليئة بكل ما هو نافع. وسنحيل الدارسين إليها، مشيرين إلى ما قد وصلنا منها بشكل نافع. هناك مقالة كتبها دفاعاً عن عقيدتنا موجهاً إياها إلى أنطونينوس الملقب بـ “بيوس” وأولاده، ومقالة أخرى كتبها إلى مجلس الشيوخ الروماني تحوي دفاعاً ثانياً عنا، وجهه إلى خليفة الإمبراطور السابق الذكر وسميه المدعو أنطونينوس فيروس”.

ونحن بالتأكيد لدينا دفاعان بقلم القديس يوستينوس، أطولهما الدفاع المكون من ثمانية وستين فصلاً، موجه إلى أنطونينوس بيوس، وأقصرهما، المكون من خمسة عشر فصلاً، موجه إلى مجلس الشيوخ الروماني. لكن (E. Schwartz) يعتبر الأخير مجرد خاتمة للأول، ففي الغالب، كان كلام يوسابيوس عن دفاعين هو السبب الذي لأجله قسم العمل الكامل في المخطوطة إلى قسمين، ثم وضعت الخاتمة في المقدمة كما لو كانت عملاً مستقلاً بذاته.

أما اليوم فيوافق معظم الدارسين على أن العمل المعروف بالدفاع الثاني كان يشكل في الأصل ملحقاً للأول أو إضافة لاحقة عليه. وعلى أرجح الأقوال، كانت الأحداث التي وقعت في عهد الحاكم أوربيكوس (Urbicus) هي الدافع الذي يقف وراء كتابة هذا العمل، وهو يبدأ بوصف لأحداثها.

والدفاعان موجهان إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس (138-161م). ويبدو أن القديس يوستينوس قد كتبهما في الفترة ما بين عامي 148م و161م، لأنه يقول في (Apology I: 46): “لقد ولد المسيح من مائة وخمسين عاماً في عهد كيرينيوس (Quirinius)”، وقد كُتبا هذا الدفاعان في مدينة روما.

الدفاع الأول ليوستينوس

  1. في المقدمة (الفصول 1-3)، يطلب يوستينوس من الإمبراطور باسم المسيحيين، أن يتناول قضيتهم باهتمام، وأن يكوّن قراره بدون أن تُضلله تحيزات الجماهير أو كراهيتهم.
  2. يتكون الجزء الرئيسي في الدفاع من قسمين:

1) القسم الأول (الفصول من 4-12) هو نقد لموقف الدولة الرسمي من المسيحيين. وهنا ينتقد الكاتب الإجراءات القضائية التي تتبعها الدولة بشكل منظم ضد شركائه في الإيمان، والاتهامات الباطلة الموجهة إليهم. إنه يحتج على تصرفات السلطات الحمقاء في إنزال العقاب لمجرد اعتراف الشخص باعتناق المسيحية؛ فاسم “مسيحي” مثله مثل اسم “فيلسوف” لا يثبت إدانة شخص ما أو براءته. يمكن إنزال العقوبات على جرائم أدين بها متهم، لكن الجرائم التي اتُّهم المسيحيون بها ما هي إلا محض افتراءات. إنهم ليسوا بملحدين، فإذا رفضوا أن يعبدوا الآلهة، فهم يفعلون ذلك لأن تقديم العبادة لهذه الآلهة حماقة. إن معتقداتهم الأخروية وخوفهم من العقاب الأبدي تحفظهم من السلوك الخاطئ، وتجعل منهم أفضل أعوان للدولة.

2) يتحول القسم الثاني (الفصول من 13-67) إلى شرح الديانة المسيحية، معطياُ وصفاً تفصيلياً بوجه خاص لتعاليمها وعباداتها وأساسها في التاريخ، وأسبابها لاعتناقها.

أولاً: تعاليم المسيحيين العقائدية والأخلاقية:

 من النبواءت الإلهية يمكن إثبات أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية، ولقد أسسها بحسب إرادة الله حتى يحول الجنس البشري ويصلحه. ولقد حاكت الشياطين نبوات العهد القديم وقلدتها في الأديان الوثنية السرية، وذلك يفسر سبب الكثير من التشابهات والتماثلات بين الديانة المسيحية وأشكال العبادة الوثنية. وبالمثل، اقتبس الفلاسفة، مثل أفلاطون، من العهد القديم، ولهذا السبب، لا يمكننا أن نتعجب من وجود بعض الأفكار المسيحية في الفلسفة الأفلاطونية.

ثانياً: العبادة المسيحية:

يعطي الكاتب هنا وصفاً لسر المعمودية، وخدمة الإفخارستيا وحياة المسيحيين الاجتماعية.

  1. الخاتمة (فصل 68) عبارة عن تحذير جاد للإمبراطور. ثم أضاف يوستينوس في نهاية الدفاع الأول المرسوم الذي أرسله الإمبراطور هادريان، حوالي عام 125م، إلى “مينوكيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) حاكم آسيا. وهذه الوثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ الكنيسة، فهي تنص على أربعة قوانين وضعت من أجل إجراءات قضائية أعدل وأصح في المحاكمات المقامة ضد المسيحيين، وهذه القوانين هي:

1) الحكم على المسيحيين يجب أن يتم من خلال إجراء قانوني أمام محكمة جنائية.

2) يمكن أن يدان المتهمون فقط إذا كان هناك دليل على أنهم قد ارتكبوا جريمة ضد القانون الروماني.

3) يجب أن تتناسب العقوبات مع طبيعة الجرائم ودرجتها.

4) يجب أن يعاقب كل اتهام كاذب بشدة.

وبحسب يوسابيوس في (Hist. Eccles. 4: 8: 8) ضم يوستينوس هذه الوثيقة في نصها اللاتيني الأصلي إلى دفاعه، ولقد ترجمها يوسابيوس إلى اليونانية، ثم أدرجها في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 9).

الدفاع الثاني للقديس يوستينوس

يبدأ هذا العمل بذكر الأحداث التي كانت قد وقعت مؤخراً، فأوربيكوس، حاكم مدينة روما، كان قد قطع رأس ثلاثة من المسيحين لأنهم اعترفوا بكونهم مسيحيين. ويلجأ يوستينوس مباشرة إلى الرأي العام الروماني محتجاً مرة أخرى ضد المعاملة الخشنة غير العادلة التي يتعرض لها المسيحيون ومجيباً على انتقادات عدة. فهو، على سبيل المثال، يجيب عن السؤال الساخر الذي كان يسأله الوثنيون، وهو: لماذا لا ينتحر المسيحيون حتى يصلوا إلى إلههم بأقصى سرعة؟

فيجيب يوستينوس قائلاً: “لأننا، إن فعلنا هذا، سوف نسلك نحن أنفسنا ضد إرادة الله. لكن عند استجوابنا لا ننكر، لأننا لم نقصد أي شر، بل أننا نعد عدم قولنا الحق في كل الأشياء أمراً شريراً” (Apol. 2: 4). لقد أثارت كراهية الشياطين للحق والفضيلة الاضطهادات ضد المسيحيين، وتلك القوى الشيطانية نفسها هي التي أتعبت “أتقياء العهد القديم والعالم الوثني.

لكن، لن يكون لهذه القوى سلطان على المسيحيين إذا لم يكن الله يريد أن يقود أتباعه عبر التجارب والقلاقل إلى الفضيلة والمكافأة، وعبر الموت والخراب إلى الحياة الأبدية والسعادة. وفي الوقت نفسه، يعطي الاضطهاد المسيحيين فرصة ليظهروا سمو ديانتهم على الوثنية بطريقة مؤثرة. وختاماً، يطلب يوستينوس من الإمبراطور أن يتبع، في محاكمته للمسيحيين، العدل والصلاح ومحبة الحق.

ثانياً: الحوار مع تريفون

هو أقدم دفاع مسيحي ضد اليهود لا يزال في حوزتنا. لكننا، للأسف، لا نملك نصه الكامل، فلقد فُقدت منه المقدمة وجزء كبير من الفصل (74). ولا بد من أن الحوار قد كُتب بعد كتابة الدفاعين، لأن هناك إشارة إلى الدفاع الأول في الفصل 120. ويحتوي الحوار على نقاش دار على يومين مع شخص يهودي متعلم، وهو على الأرجح الرابي “تارفون” المذكور في المشناه[4].

ويعتقد يوسابيوس (Hist, Eccles. 4: 18: 6) أن مدينة أفسس هي المكان الذي أقيم فيه هذا الحوار. وقد أهدى القديس يوستينوس عمله هذا لشخص يدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus Pompeius)، وهو عمل طويل، يبلغ طوله مئة واثنين وأربعين فصلاً. وتحتوي المقدمة (الفصول من 2-8) على قصة مفصلة يرويها يوستينوس عن نموه الفكري واعتناقه المسيحية.

ويشرح القسم الأول من الجزء الرئيس (الفصول من 9-47) وجهة النظر المسيحية بخصوص العهد القديم. لقد كان الناموس الموسوي ذا سلطة قانونية مؤقتة، فالمسيحية هي الناموس الجديد والأبدي لكل جنس البشر. ثم يُفسر القسم الثاني من الجزء الرئيس (الفصول من 48-108) سبب عبادة المسيح كإله، أما القسم الثالث من الجزء الرئيس (الفصول 109-142) فيبرهن على أن الأمم التي آمنت بالمسيح وتبعت ناموسه هي إسرائيل الجديد وشعب الله المختار الحقيقي.

ويختلف النهج الدفاعي المتبع في الحوار عن ذاك المتبع في الدفاعين لأنه موجه إلى نوع مختلف تماماً من القراء، فالقديس يوستينوس، في حواره مع تريفون، يركز على العهد القديم، ويقتبس من أقوال الأنبياء كبرهان على أن الحق المسيحي كان موجوداً حتى من قبل المسيح. وبالفحص الدقيق لاقتباسه من العهد القديم، يكشف المرء أن يوستينوس يفضل الفقرات التي تتكلم عن رفض الله لإسرائيل واختياره الأمم الوثنية.

ومن الواضح أن هذا الحوار ليس بأي حال من الأحوال إعادة إنتاج لتقرير اختزالي خاص بمناظرة حقيقية. لكن من ناحية أخرى، نجد أن صيغة الحوار ليست بكاملها مجرد أسلوب أدبي؛ إذ يبدو أن كتابة هذا العمل قد سبقته حوارات ونقاشات حقيقية. ومن الممكن أن تكون هذه المناقشات قد حدثت في أفسس في زمن حرب “باركوخبا” المذكورة في الفصل الأول والتاسع.

ثالثاً: أعمال يوستينوس المفقودة

بالإضافة إلى الدفاعين والحوار مع تريفون، كتب يوستينوس عدداً من الكتابات الأخرى التي فقدت، ولم تبق من هذه الأخيرة سوى عناوين أو بعض الشذرات الصغيرة. أحد هذه الأعمال ذكرها يوستينوس بنفسه، وآخر اقتبس منه إيرينيوس، وكثير منها جاء ذكره في قائمة يوسابيوس. كما لا تزال هناك أعمال أخر اقتبس منها الكتاب الكنسيون اللاحقون، وفيما يلي قائمة كتابات يوستينوس المعروفة لنا اليوم:

  1. مقال ضد كل الهرطقات: ذلك العمل الذي يشير إليه يوستينوس بنفسه في الدفاع الأول: فصل 26.
  2. ضد ماركيون: وهو العمل الذي استخدمه إيرينيوس في (ضد الهرطقات 4: 6: 2)، ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 11: 8ff).
  3. مقالة ضد اليونانيين: وهو الذي يقول يوسابيوس بشأنه: “بعد مناقشة طويلة وموسعة تدور حول الكثير من الأشياء التي يتباحث فيها كل من المسيحيين والفلاسفة، يتحدث القديس يوستينوس عن طبيعة الشياطين”.
  4. النُصح: وهو مقالة أخرى كانت بحسب يوسابيوس في (4: 18: 4)، موجهة إلى اليونانيين.
  5. عن سلطان الله: ذلك العمل الذي بناه يوستينوس ليس فقط على كتبنا المقدسة، بل على كتب اليونانيين أيضاً.
  6. عن النفس: ويصف يوسابيوس محتوى هذا العمل في (4: 18: 5) هكذا: “يعرض يوستينوس فيه عدة أسئلة حول المشكلة محل النقاش، ويورد آراء الفلاسفة اليونانيين التي يعد بتفنيدها والإدلاء برأيه الخاص في كتاب آخر.
  7. كتاب بعنوان “المُرتل”.
  8. في كتاب يوحنا الدمشقي “Sacra Parallela” ثلاث شذرات كبيرة من مقالة يوستينوس “عن قيامة الأموات”، ولكن أصالتها محل شك.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الكتابات كلها قد فُقدت، احتوت المخطوطات على عدد من الكتابات المنحولة تحت اسم يوستينوس. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن ثلاثة من هذه الأعمال المنحولة لها عناوين تشبه عناوين أعمال يوستينوس الأصلية المفقودة:

  1. يحاول كتاب “نصح اليونانيين” (Cohortatio ad Graecos) أن يقنع اليونانيين بالدين الحق في صورة خطبة، فالأفكار التي كانت لدى الشعراء اليونانيين بخصوص الآلهة مستهجنة، كما أن تعاليم الفلاسفة فيما يتعلق بالقضايا الدينية مليئة بالتناقضات. ويجد المرء الحق مع موسى والأنبياء، هؤلاء الذين عاشوا قبل الفلاسفة اليونانيين. لكن، يمكن للمرء أن يجد آثاراً من معرفة الله الحقيقية حتى في أعمال الشعراء والفلاسفة اليونانيين، إلا أن القدر القليل من الصلاح الذي تحتويه تلك الأعمال مأخوذ من كُتب اليهود. ويختلف موقف كاتب “نصح اليونانيين” من الفلسفة اليونانية عن موقف القديس يوستينوس بشكل لافت للنظر، حتى إنه لهذا السبب وحده لا يمكن أن تنسب كتابة هذا العمل إليه. لكن إلى جانب هذا، فإن أسلوبه الأدبي يفوق أسلوب يوستينوس، كما أنه يستخدم مفردات لغوية مميزة. كل هذه الأسباب معاً كافية لتثبت أن العمل ليس أصيلاً. وقد كتب “نصح اليونانيين” على الأرجح في القرن الثالث الميلادي، ويتكون من 38 فصلاً، وهو أطول الكتابات المنسوبة إلى يوستينوس.
  2. أما العمل الأقصر كثيراً فهو المعروف باسم “خطاب إلى اليونانيين” (Oratio ad Graecos)، والذي يبلغ عدد فصوله خمسة فقط. والعمل زاه ومفعم بالحياة من حيث الأسلوب الأدبي، ومكثف وجذاب من حيث الترتيب. ومثلما هو واضح من محتواه، هو عبارة عن دفاع مهتد يوناني عن نفسه، إنه “دفاع عن حياته” (Apologia pro vita sua). يهاجم الكاتب استباحة الآلهة الوثنية كما يصورها هوميروس (Homer) وهيزيود (Hesiod)، ثم يختم خطابه بدعوة حماسية لاعتناق المسيحية. ويدل كل من الأسلوب البلاغي الرفيع والمعرفة الممتازة بالأساطير اليونانية على أن القديس يوستينوس ليس بكاتب هذا العمل. ويرجع كتابة “الخطاب” على الأرجح إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ونحن نملك نصين له: النص الأقصر موجود باللغة اليونانية، أما الأطول، والذي حرره شخص اسمه أمبروسيوس (Ambrosius)، فموجود فقط في ترجمة سريانية.
  3. أما العمل المعروف باسم “عن الرئاسة الواحدة” (De Monarchia) (6 فصول) هو مقال يسعى لإثبات وحدانية الله من خلال الاستشهاد بأشهر شعراء اليونان. ويشهد اختلاف الأسلوب الأدبي لهذا العمل عن أسلوب يوستينوس بأن يوستينوس ليس بكاتبه، علاوة على ذلك، يعطي يوسابيوس وصفاً لمحتوى عمل يوستينوس الأصيل (De Monarchia)، وهو لا يتطابق مع محتوى هذا المقال.

وإلى جانب هذه الأعمال الثلاثة، هناك عدد من الأعمال الأخرى التي تنسبها المخطوطة إلى يوستينوس. وتتشابه أربعة من هذه الأعمال بشدة من حيث اللغة والتعاليم اللاهوتية حتى إنه لا بد من أن يكون كاتبها شخصاً واحداً، ويبدو أن هذا الأخير قد عاش حوالي عام 400م وكان له علاقة ما بسوريا. وهذه المقالات هي:

  1. أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس: عمل يحتوي على مائة وواحد وستين سؤالاً وإجابة تتعلق بمسائل تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، وتفسيرية.
  2. أسئلة المسيحيين للأمم: تشتمل هذه المقالة على خمسة أسئلة عقائدية يوجهها المسيحيون إلى الوثنيين ثم يجيب الوثنيون عليها، لكن يتم تفنيد هذه الإجابات لكونها تعج بالتناقضات.
  3. أسئلة اليونانيين للمسيحيين: تشتمل هذه المقالة على خمسة عشر سؤالاً يسألها الوثنيون، والعدد نفسه من أجوبة المسيحيين، وذلك فيما يتعلق بجوهر الله، وقيامة الأموات، وعقائد مسيحية أخرى.
  4. تفنيد بعض العقائد الأرسطوطالية: ويفند هذا العمل، في خمس وستين فقرة، تعاليم أرسطو فيما يتعلق بالله والعالم.

ولقد تعذرت معرفة هوية الكاتب الحقيقية لهذه المقالات حتى اليوم، فينسبها (A. Harnack) إلى “ديودوروس الطرسوسي” (Diodorus of Tarsus)، في حين فكر آخرون في ثيودوريت الكورشي” (Theodoret of Cyrus) الذي تنسب إليه مخطوطة القسطنطينية كتابة “أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس”، لكن لا يمكننا أن نضمن بأي حال من الأحوال أن أياً منها هو الكاتب.

وإلى جانب هذه المقالات الأربع، تنسب المخطوطات المقالات التالية ليوستينوس:

  1. شرح الإيمان أو عن الثالوث (Expostitio Fedei seu de Trinitte)، وهو شرح لعقيدة الثالوث، وكاتب هذا العمل غير معروف، لكن يبدو أنه لا يعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي.
  2. رسالة إلى زينا وسيرينوس (Epistola ad Zenam et Serenum)، وهي دليل مفصل للسلوك النسكي المسيحي، مع وصايا تتعلق بفضيلتي التواضع والهدوء وهي تذكرنا بالتعاليم الأخلاقية التي للفلسفة الرواقية. ويعتقد (P. Batiffol) أن “سيسينيوس القسطنطيني” هو كاتب الرسالة، وأنها قد كتبت حوالي عام 400م.

فكر القديس يوستينوس اللاهوتي

ينبغي أن نتذكر عند تحليل الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس، أننا لا نملك وصفاً كاملاً ومفصلاً للإيمان المسيحي بقلمه، كذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعماله اللاهوتية الأصلية، مثل “عن سلطان الله” و”عن النفس” و”عن قيامة الأموات” و”تفنيد جميع الهرطقات” و”ضد ماركيون”، قد فُقدت. ولا يمدنا “الدفاعان” و”الحوار مع تريفون” بصورة شاملة عن يوستينوس الشهيد كمعلم لاهوتي.

لقد كانت لدي يوستينوس، في الأعمال المضادة للهرطقات، فرصة أكبر بكثير ليبحث ويتعمق في المسائل الخاصة بالعقيدة، في حين أنه، عند دفاعه عن الإيمان ضد غير المؤمنين، يركز بالأكثر على احتكام الإيمان إلى العقل. ويسعى يوستينوس ليشير إلى التشابهات الحاصلة بين تعاليم الكنيسة وتعاليم المفكرين والشعراء اليونانيين، وذلك لكي يبين أن المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.

ولهذا السبب، ليس من المفاجئ أن يكشف التعليم اللاهوتي للقديس يوستينوس عن تأثير أفلاطوني؛ فمن بين كل النسق الفلسفية الوثنية، كان يوستينوس يُجل النسق الأفلاطوني بالأكثر.

1 – مفهوم الله

هناك بالفعل، في مفهوم يوستينوس عن الله، ميل واضح للفلسفة الأفلاطونية. الله لا بداية له، ومن هذه الحقيقة يجب علينا أن نستنتج أنه لا اسم له: “لا ينبغي أن نطلق اسماً على أبي الكل، غير المولود. لأن كل من يُدعى باسم يكون من سماه أكبر منه. أما الكلمات مثل “الآب” و”الله” و”الخالق” و”السيد” فليست أسماء، لكنها ألقاب مشتقة من أعماله ووظائفه الصالحة. إن لقب “الله” ليس اسماً، لكنه فكرة مزروعة في طبيعة البشر بخصوص الشيء الذي لا يمكن تفسيره”. (2: 6).

وأفضل اسم له هو “الآب”، لأنه بما أنه هو الخالق، فهو حقاً أبو كل الأشياء. وينكر يوستينوس الحضور الجوهري لله في كل مكان، فبحسبه، يسكن الله الآب في المناطق التي تعلو السماء، ولا يمكنه أن يغادر مكانه، ولهذا السبب لا يمكنه أن يظهر في العالم:

“إن من يملك أقل قدر من الذكاء لن يجرؤ أن يقول إن الخالق وأبا كل الأشياء قد ظهر في بقعة صغيرة من الأرض تاركاً كل الأمور فوق السمائية” (Dial. 60) “لأن الآب الذي لا ينطق به، ورب كل الأشياء، لا يأتي إلى أي مكان، ولا يسير، ولا ينام، ولا يقوم، بل يبقى في مكانه أيا كان هذا المكان، ينظر بسرعة ويسمع بسرعة، بلا عيون له ولا آذان، إلا أنه ذو قوة لا توصف؛ يعرف كل الأشياء، ولا يفلت واحد من ناظريه.

إنه لا يتحرك لأي بقعة من العالم كله ولا يتقيد بها، لأنه كان موجوداً قبل أن يخلق العالم. كيف إذن يمكنه أن يتكلم لأي شخص، أو أن يراه أي شخص، أو أن يظهر على أصغر بقعة من الأرض في حين كان الشعب في سيناء غير قادرين حتى على النظر إلى مجده الذي أرسله؟” (Dial. 127)

ولكن بما أن الله مُتعال وسام فوق كل البشر، من اللازم إذن أن يُقام جسر فوق الهوة التي تفصل بين الله والإنسان، وهذا ما فعله اللوغوس “الكلمة”، فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم. فالله يتواصل مع العالم من خلال اللوغوس فقط، ويظهر نفسه من خلاله بشكل حصري. إذاً، يكون اللوغوس هو الدليل إلى الله ومعلم الإنسان، وهو في الأصل كان يسكن كقوة بداخل الله، لكن قبل خلق العالم بوقت قصير، خرج وصدر منه ثم خلق العالم بنفسه.

ويوستينوس في حواره مع تريفون يشرح ولادة اللوغوس بصورتين مختلفتين: “إنها تشبه بالضبط ما نراه يحدث في حالة النار، تلك التي لا ينقص منها شيء عندما تُشعل منها نار أخرى لكن تبقى على حالها كما هي، كذلك تظهر النار التي أشعلت كما لو كانت موجودة من تلقاء نفسها بدون أن تنقص من وهج تلك التي أُشعلت منها”. (Dial. 61). أو بالضبط مثل العمل الذي يخرج من الإنسان بدون أن ينقص من جوهره. هكذا لا بد أن تفهم ولادة اللوغوس، الكلمة الإلهي، باعتبار عملية تحدث داخل الله.

أما عند الحديث عن العلاقة بين الآب والابن، فيبدو أن يوستينوس يميل إلى “الخضوعية” أو “التبعية التراتبية” (Subordinationism)، وهذا يتضح من كلامه في (Apology 2: 6): “ابنه الوحيد الذي يليق به وحده أن يسمى “الابن” و”الكلمة”، الوحيد الذي كان معه وولد منه قبل المخلوقات.

وعندما خلق الآب به في البدء كل شيء ودبره، سماه “المسيح” في إشارة إلى أنه قد مسح، وأن الله به دبر كل شيء”. ومن ثم، يبدو أن يوستينوس يفترض أن اللوغوس قد استقل خارجياً بغرض خلق العالم وتدبيره فقط[5]. لقد منحه الوظيف الشخصية وجوداً شخصياًن فأصبح شخصاً إلهياً، لكنه خاضع للآب[6]. (Cf. Dial. 61)

وتعاليم يوستينوس عن اللوغوس هي أهم تعاليمه، لأنها تشكل جسراً بين الفلسفة اليونانية والمسيحية، ذلك لأن يوستينوس يعلم أنه بالرغم من أن اللوغوس الإلهي قد ظهر بملئه في المسيح، إلا أن “بذرة اللوغوس” كانت قد انتشرت بين الجنس البشري برمته قبل المسيح بوقت طويل، لأن كل إنسان يمتلك بذرة من اللوغوس. ومن ثم، ليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة اليونانيون، قد حملوا بذرة خصبة من اللوغوس في نفوسهم، فعلى سبيل المثال، كان “هيراقليطس” (Heraclitus).

و”سقراط”، والفيلسوف الرواقي “ميسونيوس” (Musonius) هؤلاء الذين عاشوا بحسب توجيهات اللوغوس الكلمة الإلهي – مسيحيين حقاً: “لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وقد أوضحنا أنه هو اللوغوس الذي يشترك فيه كل البشر، وأن هؤلاء الذين عاشوا بحسب اللوغوس هم مسيحيون، حتى لو اُعتبروا ملحدين، مثل هؤلاء الذين كانوا بين اليونانيين، سقراط، وهيراقليطس، وأناس مثلهم” (Apology 1: 46).

هكذا، لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين المسيحية والفلسفة، لأن: “كل حق نطق به البشر مهما كان هو ملك لنا نحن المسيحيين. لأننا، إلى جانب الله، نعبد ونحب اللوغوس الذي هو من الله غير المولود وغير الموصوف. لأنه من أجلنا صار إنساناً، حتى يشترك في آلامنا ويجلب لنا الشفاء. فكل الكُتاب، من خلال بذرة اللوغوس التي طعمت فيهم، كان لهم قبس من الحقيقة، لأن بذرة الشيء وتقليده الذي يعطى بحسب قدرة ذاك الذي يناله هو أمر، والشيء نفسه الذي يشترك فيه بحسب نعمة الله هو أمر مختلف تماماً” (Apology 2: 13)

ويقول أيضاً: “لأنه مهما كان الشيء الحسن الذي نطق به المشرعون أو الفلاسفة، فقد توصلوا إليه بعثورهم على جزء من اللوغوس والتأمل فيه. لكن بما أنهم لم يكن لديهم معرفة باللوغوس كاملاً، الذي هو المسيح، كانوا كثيراً ما يناقضون أنفسهم. كذلك هؤلاء الذين كانوا من جهة الولادة أقدم من المسيح، عندما كانوا يحاولون أن يفكروا في الأشياء ويثبتونها بالمنطق، كانوا يمثلون أمام المحاكم باعتبارهم أشراراً وفضوليين.

ولقد أُتُهم سقراط، الذي كان في هذا الاتجاه أكثر اجتهاداً من جميعهم، بنفس الجرائم التي نُتهم بها نحن. لأنهم قالوا إنه قدم آلهة جديدة، ولم يعتقد بهذه الآلهة التي اعترفت بها الدولة… لكن مسيحنا قد فعل هذه الأشياء بقوته الخاصة، لأنه لم يحدث أن أحداً آمن بسقراط إلى درجة أن يموت في سبيل هذه التعاليم، لكن المسيح، ذاك الذي كان معروفاً لسقراط جزئياً، لأنه كان ولا يزال اللوغوس الذي يسكن في كل إنسان.” (Apology 2: 10).

هكذا يعطي يوستينوس إثباتاً ميتافيزيقياً لوجود عناصر الحق في الفلسفة الوثنية، لكنه بالإضافة إلى هذا، لديه أيضاً إثبات تاريخي. فالفلاسفة الوثنيون قد نطقوا بالكثير من الأقوال الصحيحة لأنهم كانوا قد استعاروها من أدب اليهود، من العهد القديم:

“إن موسى أقدم من جميع الكُتاب اليونانيين، كما أنه مهما كانت أقوال كل من الفلاسفة والشعراء عن خلود النفس او العقاب ما بعد الموت، أو التأمل في الأمور السماوية، أو ما يشبه هذا من تعاليم، فقد حصلوا على مثل هذه التلميحات من الأنبياء، لأنها قد مكنتهم من أن يفهموا هذه الأمور ويفسروها. ومن ثم، يبدو أن هناك بذاراً للحق منتشرة بين جميع الناس”. (Apology 1: 44).

لكن المسيحيين وحدهم هم الذين يمتلكون الحق الكامل، لأنه في المسيح يتجلى الحق بذاته.

2 – مريم وحواء

كان يوستينوس هو أول كاتب مسيحي يضيف نظيراً للمقارنة التي كتبها القديس بولس الرسول بين آدم والمسيح، وذلك بمقارنة مريم بحواء، فهو يقول التالي في حواره مع تريفون (فصل 100) “لكن المسيح صار إنساناً بواسطة العذراء حتى يدمر العصيان الذي خرج من الحية نفس الطريقة التي بدأ بها.

لأن حواء التي كانت عذراء لم تدنس، بعدما حبلت بكلمة الحية، ولدت عصياناً وموتاً. لكن العذراء مريم نالت إيماناً وفرحاً عندما بشرها الملاك جبرائيل بالأخبار السارة، وهي أن روح الرب سيحل عليها، وقوة العلي ستظللها؛ لأن القدوس المولود منها هو ابن الله. وأجابته قائلة: “ليكن لي كقولك”. ومنها قد ولد ذاك الذي قد ثبت أن الكثير من نبوات الكتب المقدس تشير إليه، والذي به يدمر الله كلا من الحية وهؤلاء الملائكة، ومن مثلهم من البشر”.

3 – الملائكة والشياطين

يوستينوس هو أحد الكُتاب الأوائل الذين يشهدون لإكرام الملائكة: “الطغمات الأخرى من الملائكة الصالحين الذين يتبعونه ويتشبهون به، والروح النبوي الذي نعبده ونكرمه”. (Apology 1: 6).

والملائكة يعتنون بالبشر جميعاً من السماء: “إنه قد أسند مهمة العناية ببني البشر وكل الأشياء التي تحت السماء إلى ملائكة عينها عليهم” (Apology 2: 5).

ويوستينوس ينسب إلى الملائكة أجساماً تشبه الأجسام البشرية بالرغم من طبيعتها الروحانية: “مما هو واضح بالنسبة لنا هو أنهم يأكلون في السماء، هذا بالرغم من أنهم لا يتغذون على طعام يشبه طعام البشر؛ لأنه بالنسبة للمن الذي اغتذى عليه آباؤكم في الصحراء تقول الكتب المقدسة إنهم أكلوا “طعام الملائكة” (Dial. 57)

أما حقيقة كون القديس يوستينوس ينسب الجسد للملائكة فتظهر في رأيه بشأن سقوط الملائكة، فلقد كانت خطيئة الملائكة الساقطين تتمثل في اتصالهم الجنسي بنسوة بشريات: “لقد تعدت الملائكة هذه الوظيفة، وفتنت بحب النساء، وولدت أولاداً هم هؤلاء الذين نسميهم بالشياطين”. (Apol 2: 5).

والشياطين عقابهم في النار الأبدية بعد عودة المسيح (Apol. 1: 28). ولهذا، ما زالت لديهم القدرة حتى الآن ليضلوا البشر ويغووهم، فبعد مجيء المسيح أصبح كل مسعاهم هو أن يمنعوا الإنسان من الاهتداء إلى الله واللوغوس (Apol. 1: 26, 54, 57, 62). وهذا قد أثبته الهراطقة الذين هم أدوات الشياطين، لأنهم يبشرون بإله غير الآب وابنه.

لقد أعمت الشياطين اليهود وأثارتهم ليسببوا كل تلك الآلام للوغوس الذي ظهر في يسوع، لكن ولأنهم يعرفون أن المسح سوف يضم أغلب أتباعه من بين الأمم، لذلك كانوا متلهفين على نحو خاص ليفسدوا فرصته بينهم. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص ما يقوله يوستينوس عن تأثير اسم يسوع على الشياطين: “نحن نسميه المعين والمخلص، والقوة التي باسمها ترتعد الشياطين.

واليوم، عندما تُطرد الشياطين باسم يسوع المسيح، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي حاكم اليهودية، تتم هزيمتهم. وهكذا يظهر للجميع أن أباه قد منحه قوة عظيمة جداً بها تخضع الشياطين لاسمه” (Dial. 30).

4 – الخطية الأصلية[7] والتأله

كان يوستينوس مقتنعاً بأن كل إنسان له إمكانية التأله وكان هذا على الأقل هو الحال في بداية الخليقة، لكن الأبوين الأولين قد وقعها في الخطية وجلبا الموت على نفسيهما. ولكن الآن، استعاد كل إنسان القدرة على أن يصبح إلهاً: “لقد خلقوا على مثال الله، متحررين من الآلام والموت، بشرط أن يحفظوا وصاياه، وحسبوا مستحقين أن يحملوا اسم أبنائه.

لكنهم – مثل آدم وحواء – جلبوا الموت على أنفسهم: ليكن تفسير المزمور (81) كما تريدونه أن يكون، لكن هكذا يظهر أن كل البشر قد حسبوا مستحقين أن يصبحوا آلهة وأن يكون لهم القدرة على أن يصبحوا أبناء للعلي. إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كآدم وحواء”. (Dial. 124).

5 – المعمودية والإفخارستيا

إن وصف ليتورجية المعمودية وليتورجية الإفخارستيا الذي يعطيه يوستينوس في نهاية الدفاع الأول هو ذو قيمة استثنائية، فهو يقول بشأن المعمودية: “ولسوف أحكي أيضاً عن الطريقة التي بها نكرس أنفسنا لله حينما نُجدد من خلال المسيح، مخافة من أن نبدو غير منفصلين في الشرح الذي نقوم به إذا لم نذكرها. بما أن هناك كثيرين مقتنعون ومؤمنون بأن ما نعلم به ونقوله حقيقي آخذين على عاتقهم أن يعيشوا بحسبه، يتم إرشادهم ليصلوا ويتضرعوا إلى الله بالصوم من أجل غفران خطاياهم السابقة، ونصلي ونصوم معهم.

ثم نحضرهم إلى حيث يوجد ماء، فيجددون بنفس الطريقة التي تجددنا بها. لأنهم حينئذ ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس… وقد تعلمنا من الرسل السبب في هذا – الطقس – لأننا في ميلادنا الأول قد ولدنا من اجتماع أبوينا بدون معرفتنا وبلا اختيار منا ثم كبرنا في عادات سيئة وتدريب شرير، وحتى لا نظل أولاداً للجبر والجهل بل نصبح أولاداً للاختيار والمعرفة، وحتى نحصل على غفران الخطايا التي ارتكبناها في السابق.

وهناك، يدعى ذاك الذي اختار أن يولد من جديد وتاب عن خطاياه باسم الله الآب سيد الكون، فذاك الذي يقود الشخص المزمع أن يغتسل إلى حيث الجرن يدعوه بذلك الاسم وحده. ويسمى هذا الغسل بـ “الاستنارة”، لأن هؤلاء الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون روحياً. لكنه يدعوه أيضاً باسم يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي بواسطة الأنبياء سبق وأخبر بكل الأمور المتعلقة بيسوع المسيح”. (Apol. 1, 61).

وهناك وصفان لخدمة الإفخارستيا في دفاعي يوستينوس. يصف يوستينوس في الأول (فصل 65) الليتورجية الإفخارستية الخاصة بالمعمدين حديثاً، ويعطي في الثاني (فصل 67) تفاصيل خدمة الأحد المعتادة. وتبدأ خدمة الآحاد بقراءة من الأناجيل القانونية التي يسميها يوستينوس صراحة بـ “مذكرات الرسل”، أو قد جاء في القراءات. بعد هذا تصلي الجماعة من أجل المسيحيين وجميع البشر في العالم كله، وفي ختام الصلاة يتبادل الأعضاء جميعهم قُبلة السلام.

حينئذ، يقدم إلى الرئيس الخبز والخمر والماء، فيتلو صلاة التقديس عليها. ويوزع الشمامسة التقدمات التي تم تقديسها على الحاضرين ويوصلونها إلى الغائبين. غير أن يوستينوس يضيف صراحة أن هذا الخبز ليس خبزاً عادياً، وأن هذا الخمر ليس خمراً عادياً، لكنهما جسد ودم يسوع المتجسد، وهو يستشهد بكلمات التأسيس كدليل على هذا.

وقد تُرك أمر صياغة كلمات الصلاة الإفخارستيا للرئيس المحتفل، لكن يوستينوس يذكر أن الإفخارستيا تُقدس بصلاة تحتوي على كلمات المسيح نفسه. إذاً، يبدو أنه ليس فقط كلمات التأسيس هي التي كانت جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً ثابتاً من صلاة التقديس. لهذا السبب، يمكن للمرء هنا أن يتكلم عن ليتورجية نصف ثابتة (semirigid)، لأن بها عناصر ثابتة ولكن مع ذلك يبقى فيها مكان أيضاً للارتجال الشخصي الذي يقوم به الكاهن المُقدِس.

ومن الملفت للنظر أن يوستينوس، في وصفه لخدمة الإفخارستيا التي تتبع نوال سر المعمودية، لا يذكر القراءات التي تتلى من الكتب المقدسة ولا العظة التي يلقيها الرئيس، ويبدو أنهما قد حذفتا بسبب مراسم المعمودية التي سبقتهما.

أما وصفه للقداس الخاص بالمعمدين حديثاً فهو كالتالي: “لكننا، بعد أن نغسل ذاك الذي قد آمن ورضي، نحضره إلى هؤلاء المدعوين إخوة في مكان اجتماعهم، حتى نرفع معاً بكل قلوبنا صلاة لأجل أنفسنا، ولأجل الشخص الذي نال الاستنارة، ولأجل الآخرين الذين في كل مكان، حتى نُحسب مستحقين. والآن بعد أن عرفنا الحق، يجب أن نكون مواطنين صالحين وحافظين للوصية، وذلك حتى ننال الخلاص الأبدي. وبعد أن نفرغ من الصلاة، نسلم على بعضنا بعضاً بقبلة.

حينئذ يُقدم إلى رئيس الإخوة خبزاً وكأساً من الماء والخمر، فيستلمهما، ثم يأخذهما معطياً التسبيح والمجد لأبي كل شيء باسم ابنه والروح القدس؛ ثم يقدم شكراً طويلاً لكوننا قد حُسبنا مستحقين أن ننال هذه الأمور على يديه. وبعد أن يختم الصلوات والتشكرات، يبدي جميع الحاضرين موافقتهم بقولهم “آمين”، وهذه الكلمة “آمين” باللغة الآرامية تعني “ليكن كذلك”.

وبعد أن يحتفل الرئيس بالإفخارستيا، ويبدي الجميع موافقتهم، يقوم هؤلاء الذين ندعوهم شمامسة بإعطاء كل واحد من الحضور جزءً من خبز الإفخارستيا والخمر والماء، ثم يبقون على جزء للغائبين. ونحن نسمي هذا الطعام “الإفخارستيا”، ولا يسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن الأمور التي نُعلم بها صحيحة واغتسل في الحوض من أجل غفران الخطايا والولادة الجديدة، ومن ثم يعيش وفقاً لما أمر به المسيح.

نحن لا نتناول الخبز والخمر كأنهما خبز وخمر عاديان، لكن كما أن كلمة الله يسوع المسيح مخلصنا قد صار جسداً وصار له لحم ودم من أجل خلاصنا، هكذا أيضاً الطعام الذي يبارك بكلمة الصلاة التي خرجت منه والذي تغتذي عليه أجسادنا ودماؤنا بالاستحالة، هو أيضاً – كما تعلمنا – جسد ودم يسوع المسيح نفسه الذي صار جسداً؛ لأن الرسل في المذكرات التي كتبوها والمدعوة أناجيل قد أوضحوا أنهم قد أُمروا أن يفعلوا كالتالي: أن يسوع قد أخذ خبزاً وشكر وقال: “اصنعوا هذا لذكري، هذا هو جسدي”، وبطريقة مماثلة، شكر وقال: “هذا هو دمي”، ثم ناولهما لهم وحدهم”. (Apology 1: 62).

ويعطي القديس يوستينوس وصفاً لقداس الأحد العادي في الفصل رقم (67). وهو يفسر حقيقة كون هذا اليوم قد أُختير ليصبح يوم الاجتماع الليتورجي للجماعة المسيحية بقوله إنه فيه خلق الله العالم وقام المسيح من بين الأموات: “وفي ذلك اليوم الذي يُدعى الأحد، يجتمع كل من يعيش في القرى أو المدينة في مكان واحد، ثم تُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت. ثم يختم القارئ، فيرشدنا الرئيس ويعظنا لنتمثل بهذه الأمور الرائعة، ثم ننهض جميعاً ونقدم صلواتنا.

وكما قلت قبلاً، بعد أن نختم صلواتنا يؤتى بخبز وخمر وماء، ثم يقوم الرئيس على نحو مماثل برفع صلوات وتشكرات بقدر ما يستطيع، فيوافق الناس قائلين: “آمين”، وتوزع الإفخارسيتا ويشترك الجميع فيها، وترسل أجزاء للغائبين بواسطة الشمامسة. ثم يتبرع الأغنياء إذا ما أرادوا، بالذي يريدون أن يتبرعوا به، كل بحسب ما يقدمه.

وتترك التبرعات في عهدة الرئيس الذي يساعد بها الأيتام، والأرامل، والمحتاجين بسبب المرض أو أي سبب آخر، وهؤلاء الذين في السجون والغرباء الذين في سفر، وباختصار، كل من في حاجة. لكن يوم الأحد هو اليوم الذي نقيم فيه اجتماعنا العام لأنه هو اليوم الأول الذي خلق فيه العالم عندما حول الظلام والمادة. وقد قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات في اليوم نفسه”. (Apology 1: 67).

وقد ثار نقاش حاد لا يزال مستمراً حول ما إذا كان يوستينوس قد اعتبر الإفخارستيا ذبيحة أم لا. لكن، يمكننا أن نجد الفقرة الحاسمة بخصوص هذا الأمر في حواره مع تريفون اليهودي (الفصل 41): “لا مسرة لي بكم يقول الرب؛ ولا أقبل ذبائحكم من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغاربها قد تعظم اسمي بين الأمم، وفي كل مكان يقدم لاسمي بخور وذبيحة طاهرة.

لأن اسمي عظيم بين الأمم يقول الرب، أما أنتم فنجستموه”. ثم يتكلم عن هؤلاء الأمم، يقصدنا نحن، الذين في كل مكان يقدمون له الذبائح. أي خبز الإفخارستيا وأيضاً كأس الإفخارستيا، مؤكداً على أننا نعظم اسمه وأنتم تنجسونه”. ولا شك أن يوستينوس هنا يساوي بوضوح بين الإفخارستيا والذبيحة التي تنبأ عنها ملاخي.

غير أنه ثمة فقرات أخرى يرفض فيها يوستينوس الذبائح بشكل واضح، وهكذا يقول في حواره (فصل 117): “اعترف أنه الآن عندما تُقدم هذه الصلوات والتشكرات – ذبيحة الشكر (الإفخارستيا) بواسطة رجال يستحقون، تكون هي الذبائح الوحيدة المرضية عند الله”.

كما أن لديه فكرة مشابهة تظهر في الفصل (13) من دفاعه الأول: “إن الإكرام الوحيد اللائق به هو ألا نحرف بالنار ما قد خلقه لإعالتنا، لكن أن نستخدمه لفائدتنا ولفائدة المحتاجين، وأن نقدم له الشكر بامتنان بالتسابيح والتراتيل، لأنه قد خلقنا”.

وقد استنتج البعض من هذه التعليقات أن يوستينونس يرفض الذبائح كلها ويقبل الصلاة فقط، خاصة الصلاة الإفخارستيا. لكن هذا التفسير لا يفي فكره حقه، فلا يمكن لأحد أن يدرك مفهوم يوستينوس عن الذبيحة إن لم يأخذ في حسبانه تعاليمه فيما يخص اللوغوس. إن ما يرفضه يوستينوس حقاً عن الذبائح المادية الحيوانية كما مارسها كل من اليهود والوثنين.

وهو يحاول بمفهومه عن الذبيحة أن يصنع جسراً يعبر الفجوة التي تفصل بين الفلسفة الوثنية والمسيحية بالضبط كما يستخدم مفهومه عن اللوغوس لنفس الغرض. إن مفهومه المثالي عن الذبيحة هو أو الذبيحة العقلية التي أعلن الفلاسفة اليونانيين أنها هي العبادة الوحيدة اللائقة بالله. في هذه الحالة، كما في حالة اللوغوس تعتبر المسيحية بمثابة التحقيق الكامل للمُثُل الفلسفية لأن بها مثل هذه الذبيحة.

لهذا السبب، يتفق يوستينوس مع كل من الفلاسفة اليونانيين وأنبياء العهد القديم في أن الذبائح الخارجية لا بد أن تبطل، فلم يعد هناك مكان للذبائح الدموية المادية. إن الإفخارستيا هي الذبيحة العقلية التي طال انتظارها، إنها هي الـ، وذلك لأن اللوغوس نفسه يسوع المسيح هو الذبيحة. وتعريف يوستينوس لـ باعتبار هي نفسها الإفخارستيا قد ثبت أنه صحيح.

كما أنه بإدخال يوستينوس هذه الفكرة الى التعليم المسيحي، استأثر للمسيحية بأرفع إنجازات الفلسفة اليونانية، وشدد في الوقت نفسه على الطابع الجديد والمميز للعبادة المسيحية. لقد أبقى يوستينوس على الذبيحة المدركة بالحواس، لكنه من ناحية أخرى شدد على الطابع الروحاني للعبادة المسيحية، الذي بسببه تفوقت على الذبائح الوثنية واليهودية جميعها. وهكذا يُعبر مصطلح “الذبيحة العقلية” (Oblatio rationabilis) الوارد في ليتورجية القداس الروماني، عن مفهوم يوستينوس للذبيحة أفضل من أي كلمة أخرى.

6 – الأفكار الأخروية

أما فيما يتعلق بأفكار يوستينوس الأخروية، فهو يشارك المؤمنين بالملك الألفي اعتقادهم بهذا الملك: “لكن أنا وغيري من المسيحيين ذوي الآراء السليمة في كل شيء متأكدون من أنه سيكون هناك قيامة للموتى ثم ألف سنة في أورشليم التي سوف تُبنى وتُزين وتوسع”. لكنه يشعر أنه ملزم بأن يعترف بأنه ليس كل المسيحيين لهم نفس وجهة النظر الألفية تلك: “إني أقول لك إن كثيراً من هؤلاء الذين ينتمون إلى الإيمان النقي والصالح هم مسيحيون حقيقيون لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة”. (Dialogye 80).

وبحسب يوستينوس، تدخل أرواح المنتقلين إلى الهاوية أولاً ثم تبقى هناك إلى أن ينتهي العالم. والاستثناء الوحيد هم الشهداء، فأرواحهم تذهب مباشرة إلى السماء. لكن حتى في الهاوية، تنفصل أرواح الصالحين عن أرواح الأشرار، فأرواح الصالحين تبتهج متوقعة خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تعسة بسبب عقوبتها وشيكة الوقوع. (Dialouge 5; 80).

 

[1] لمزيد من المعلومات عن حياة وكتابات فكر القديس يوستينوس، انظر “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، 2012.

[2] هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدوا أفكارهم من مؤسس تلك المدرسة الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي سماه تلاميذه المشّاء. (المراجع)

[3] الفلسفة الكلبية (Cynicism) مذهب فلسفي أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد الفيلسوف أنتيسثينيز، أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط. وكانت نقطة البداية لهذا الفيلسوف هي مذهب معلمه، الذي يرى الفضيلة وليس المتعة – الهدف الأساسي للحياة، وأنها تمثل السعادة الحقيقية. (المراجع)

[4] هو كتاب يحوي الشريعة الشفوية، ويشمل التشريعات والشروحات اليهودية، وقد جمعه يهوذا هاتاسي حوالي عام (200-220م) (المراجع).

[5] إن تعبير “ولد منه قبل المخلوقات” لا يعني أن الولادة قد حدثت قبل خلق المخلوقات بفترة وجيزة أو قد حدثت فقط من أجل خلق المخلوقات، ولكن هذا التعبير قد يعني التفريق بين ولادة الابن الأزلي والتي بالتأكيد هي قبل خلق المخلوقات في الزمن. (المراجع)

[6] يقول ق. يوستينوس في حوار: 61 عن الابن “يصنع إرادة الآب وولد بإرادة الآب” ومن الواضح أنه لم يكن يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحاً من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا أنه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب. (المراجع)

[7] المقصود هنا هو الخطية الأولى التي دخل بها الموت إلى العالم.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

مختارات من مؤلفات يوستينوس – الأب جورج رحمة

مختارات من مؤلفات يوستينوس – الأب جورج رحمة

مختارات من مؤلفات يوستينوس – الأب جورج رحمة

مختارات مِن مؤلفات يوستينوس – الأب جورج رحمة

1- المسيح بكر الله وكلمته.

“المسيح هو بكر الله، هو كلمته،  الذي جعل جميع البشر ابناء الله بواسطته:  هذا ما تعلمناه، وهذا ما نعلنه… وكل الذين عاشوا بوحي الكلمة هم مسيحيون، حتى ولو اعتبرهم كثيرون ملحدين، مثل سقراط وهيراقليطس وامثالهم عند اليونان”.

 

(الدفاع الأول، 1، 64)

2- المسيح بكر الخليقة ومخلصها.

“المسيح، الذي هو بكر الخليقة، أصبح، بمعنى جديد، رأس الجنس البشري الذي تجدد بواسطته في العماد بالماء، وفي الايمان بالله، وفي الموت على الصليب. وكما ان نوحاً قد خلص بواسطتة خشبة الفلك الذي حمله على المياه، كذلك البشرية جمعاء قد خلصت بواسطة خشبة الصليب الذي مات عليه المسيح”.

 

(الحوار مع اليهودي تريفون، 138)

3- المسيح، بكر الخليقة، هو الله.

“هذا هو معني اسم اسرائيل: انسان منتصر بقوة. “إسراً” تعني الانسان المنتصر، و”ايل” تعني القوة. والصراع الذي قام بين يعقوب والملاك كان اشاره الى أن المسيح، بكر الخليقة، هو الله، كما تنبأ عنه الأنبياء. إنه الكلمة الذي ظهر بمظهر الملاك. وعندما أصبح أنساناً، حاول الشيطان أن يقترب منه ليجربه… ولكنه أخضعه وأبعده… زياده على ذلك، فإن مسيحنا كان عليه أن يتالم ويتعذب ساعة صلبه ليخلصنا. ولقد أعطي أسم “أسرائيل” لأن كل الذين أتكلوا عليه اصبحوا اقوياء وغلبوا الشر. اما أنتم، أيها اليهود، فلم تفهموا شيئاً من ذلك لأنكم أبناء أسرائيل بالجسد، وليس بالروح”.

 

(الحوار مع اليهودي تريفون،  125)

4- حمل الفصح يمثل المسيح الذبيحة.

إن حمل الفصح الذي أمركم الله بتقديمه ضحيه هو صورة عن المسيح الضحية والذبيحه. ولقد كنتم ترشون دمه عليكم وعلى بيوتكم لتطهروا. كذلك فإن جسد آدم قد اصبح هيكل الروح لأن الله مسحه بدم الكلمة.

وكذلك فإن فريضة طهي الحمل بلحمه وبعظمه كانت ترمز الى آلام المسيح، الحمل الألهي، على الصليب. فالحمل، عندما كان يطهى كان يوضع بشكل يشابه الصليب: فأحد السفود كان يخرقه من اعضائه السفلى الى رأسه، والآخر من ظهره الى الأمام، رابطين رجليه ويديه”.

 

(الحوار مع اليهودي تريفون ، 40)

 

5– شجرة الحياة في الفردوس رمز خشبة صليب المسيح.

“تعلمنا الكتب المقدسة ان المسيح، بعد صلبه، سيعود بمجده، أسمعوا كيف أن يسوع رمزت اليه شجرة الحياة فى الفردوس، وكذلك جميع الأحداث التى حصلت مع الصديقين. فموسى أرسله الله مع عصاه لخلاص شعب اسرائيل: لقد سار على رأس الشعب، والعصا فى يديه، وضرب مياة البحر فأنشق ومر بنو أسرائيل، وكذلك بواسطة العصا ضرب الصخر فتفجرت المياه. وأيضاً عندما عطش الشعب رمى بعصا فى مياه “مارا” المرة فأصبحت حلوه وشرب الشعب.  وهكذا فأن خشبة الصليب أصبحت رمز الخلاص لجميع الشعوب”.

 

(الحوار مع اليهودي تريفون، 86)

6- الصليب رمز الخلاص والانتصار

“عندما كان شعب أسرائيل يحارب عماليق، كان موسى يصلي ويداه مفتوحتان من كل جهة. والذى كان ينصر بني أسرائيل هو الصليب. وليس ذلك لأن موسى كان يصلي كان الشعب ينتصر، ولكن لأن يسوع (يشوع) كان على رأس المقاتلين، ولأن موسى كان يصنع اشارة الصليب بفتحه ذراعيه”.

 

(الحوار مع اليهودي تريفون، 90)

 

7- خلاص البشر تم بواسطة فداء المسيح.

“الذين خلصوا في مصر، بينما كان كل بكر من أبناء المصريين يموت، لم يخلصوا إلآ بدم الفصح الذي حفظهم لأنه وضع على ساكف الأبواب وعتباتها. وذلك لأن الفصح كان المسيح الذي أصبح الضحية، كما يقول اشعيا: “وكالخروف سيق الى الذبح”. وهكذا فأنكم قدمتموه للصلب يوم الفصح، كما كتب، ولكن دمه سيخلص الذين آمنوا به من الموت. وهل كان الله سيخطئ في مصر لو لم تضعوا دم الحمل الفصحي على الأبواب؟ كلا. ولكنه بذلك كان يعلن مسبقاً عن خلاص الجنس البشري بواسطة دم المسيح الذي سيهرق عن جميعنا”.

 

(الحوار مع اليهودي تريفون، 111)

8- قيامة المسيح بعد ثلاثة ايام

“كان يجب ان يقوم من الموت بعد ثلاثة أيام… وكلمه بعض الكتبة والفريسيين فقالوا: يامعلم، نريد أن نرى منك آيه. فأجبهم: “جيل فاسد فاسق يطالب بآية، ولن يُعطى سوى آية النبى يونان. فكما بقى يونان فى بطن الحوت ثلاثة ايام وثلاث ليال، فكذلك يبقى ابن الانسان فى جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال”…  هذه الآية اثبتت للسامعين أن المسيح، بعد صلبه، سيقوم من الموت، بعد ثلاثة ايام وثلاث ليال”.

(الحوار مع اليهودي تريفون، 107)

 

9- الكنيسة شعب الله المقدس

“يعد موت هذا الرجل الصديق أثمرنا شعباً جديداً ونبتنا سنابل وافرة الغلة. وكما يقول النبي زكريا: “فتنضم أمم كثيرة الى الرب في ذلك اليوم، وتكون لي شعباً، فأسكن في وسطك، فتعلمين أن رب القوات أرسلني إليك. ولسنا شعباً وحسب، بل نحن شعب مقدس…” وهذا الشعب المقدس هو الأمة التي وعد الله ابراهيم بها عندما قال له: سأجعلك أباً لأمم كثيرة.

وماذا أعطى المسيح لابراهيم زيادة على ذلك؟ إنه دعاه ليخرج من عشيرته كى يسكن أرضاً جديده. وهذه الدعوة كانت لنا جميعاً لنخرج من حياتنا الماضية، ونترك الشرور التي كنا نشارك فيها جميع سكان الارض. ومع ابراهيم نرث الارض المقدسه والحياة الأبديه لأننا أبناءه بالأيمان”.

(الحوار مع اليهودي تريفون، 119)

 

10- الاضطهاد يزيد في عدد المؤمنين بالمسيح

“بقدر ما نحن مضطهدون، بقدر ذلك يزيد عدد المؤمنين بالمسيح. فعندما تشحَل اغصان الكرمة التي تثمر، تزيد تفرعاً، وتزهر، وتثمر أكثر. وهكذا نحن، شعب المسيح، الكرمة التي زرعها ألهنا ومخلصنا يسوع”.

(الحوار مع اليهودي تريفون، 110)

 

11-  يوستينوس يفتخر بانه مسيحي

“عندما رأيت الشياطين تبعد البشر عن العقيدة الالهية المسيحية، تأثرت كثيراً، وسخرت منهم ومن نميمتهم، ومن آراء الكثيرين الذين كانوا يميلون الى تعاليمهم. وانني اعترف هنا، واصلي في الوقت نفسه، وأسعى جاهدا لأبقى مسيحياً، وبكل معنى الكلمة، لأننى فخور بان اكون تلميذ المسيح”

(الدفاع الثاني، 113)

 

12- شهادة المسيحيين برهان على حقيقة ايمانهم

“عندما كنت تلميذاً لأفلاطون، وكنت أسمع الشكاوى والاتهامات العديدة التى توجه للمسيحيين، وأنظر كم كان هؤلاء يتحملون العذابات والموت بكبر وايمان، كنت أقول في نفسي إنه من المستحيل أن يكونوا قد عاشوا في الشر، بل هم على صواب في ايمانهم. وهذا ما جعلني اقتنع بعقيدتهم وبتعاليمهم”.

(الدفاع الثاني، 12، 1)

 

13- الفلاسفة الالهيون هم مسيحيون دون علمٍ منهم

“إن كل ما علموه من حقائق يخصنا نحن المسيحيين، وذلك لأن “اللوغس” الذي نعبده ونحبه بعد الله، والمولود من الآب، والمتجسد لأجلنا ولأجل شفائنا من آثامنا بتحمله العذابات والآلام، هو ذاته الذي أوحى لهم بتلك الحقائق. ولقد عرفوا الحقيقة لأن “اللوغس” نفسه وضع فيهم زرعه. ولكن هناك فرق كبير بين الحصول على الزرع، وبين المشاركة في هذا الزرع. لذلك فإن جميع المبادئ الصحيحة التي اكتشفها وعبر عنها الفلاسفه والمتشرعون تعود الى كونهم وجدوها وتأملوها جزئياً فى “اللوغس” وعندما كانوا يخطئون.

فذلك يعود الى أنهم لم يعرفوا “اللوغس” كلياً، الذي هو المسيح، والذي عرفناه نحن وأخذنا عنه الحقيقة كاملة. والذين عاشوا قبل المسيح، محاولين معرفة الحقيقة على نور العقل، سجنوا واعتبروا ملحدين وكافرين من قبل شعبهم. فسقراط، الذي حاول اكثر من غيره معرفة الحقيقة، إتُهم بالالحاد، ومات بالسم. وكانوا يقولون عنه إنه أدخل آلهة جديدة، ولم يعد يؤمن أحد بأن سقراط مات من اجل عقيدتة، بينما الجميع آمن بالمسيح، الذي عرفه سقراط بواسطة “اللوغس”، والذي حمل الخلاص للانسانية”.

(الدفاع الاول، 2، 10، 13)

 

14- العذراء ولدت المسيح بقبولها كلمة الله

“لقد اصبح انساناً بواسطة العذراء مريم.  حواء، برفضها لكلمة الله حملت الى البشرية الهلاك، والعذراء بقبولها كلمة الله، حملت الخلاص. وحواء كانت عذراء، عندما حبلت بكلمة الحية (الشيطان) ولدت العصيان والموت. اما العذراء مريم، التى قبلت بفرح وايمان كلام الملاك جبرائيل، فقد حبلت من الروح القدس الذي نزل فيها، وقوة العلي ظلتها، والمولود منها هو قدوس، وابن الله دعي. إذن لقد ولد منها ذلك الذي هدم مملكة الحية ومملكة الملائكة والبشر الذين خضعوا للشيطان”.

(الحوار مع اليهودي تريفون، 100)

 

15- رتبة العماد هي رتبة التنوير

“سنعرض لكم الآن كيف نُكرس لله ونتجدد في المسيح، وذلك لأنه من الضروري ان تعرفوا هذا. فالذين يؤمنون بالحقيقة التي تعلمها عقيدتنا مفروض عليهم أن يعيشوا حسب تعاليم هذه العقيدة. ثم نعلمهم ان يصلوا لله، ويطلبوا منه، بواسطة الصيام، غفران الخطايا، ونحن نصلي ايضاً ونصوم علي نواياهم. ومن ثم. نأخذهم الى المكان الذي فيه الماء المقدس ليتطهروا ويتجددوا كما نحن تطهرنا وتجددنا بدورنا. فباسم الله، أب وسيد كل شئ، وباسم يسوع المسيح مخلصنا، وباسم الروح القدس، نعمدهم بالماء ونغسلهم…

اما المعنى الجوهري لهذه الرتبة، فانني أنقله إليكم كما علمنا أياه الرسل القديسون. فيوم تكويننا كونا بالمعرفة وبالشريعة الضرورية من زرع رطب بواسطة الاتحاد بين والدينا وأتينا الى العالم بعادات سيئة وبميول شاذة.

وحتى لا نبقى أبناء الضرورة والجهل، بل أبناء الاصطفاء والمعرفة، ولكي تغفر خطايانا الماضية، ندعو على المعمد في قلب الماء المقدس، اسم الله، أب وسيد الكون، ليتجدد بالروح، ولتغفر خطاياه جميعها. وهذا ما يعلنه خادم السر ساعة يقود طالب العماد الى حوض الماء لغسله بها. وهذا الغسل نسميه “التنوير” لأن الذين يحصلون عليه يحصلون على الروح القدس حسب عقيدتنا. وكذلك باسم يسوع المسيح الذي صلب على عهد بيلاطوس البنطي، وباسم الروح القدس الذي أوحى للانبياء عن تاريخ يسوع، يغسل طالب العمادالذي يدعى “المنور”.

(الدفاع الاول، 1، 61)

 

16- قداس المعمدين الجدد

“اما بالنسبه لنا، فبعد غسل الذي آمن وانضم إلينا نحن اخوته، نسير به الى المكان الذي تجتمع فيه الجماعة. ثم نرفع الصلاة معاً من اجلنا، ومن أجل الذي تنور، ومن اجل جميع اخواتنا أينما وجدوا في العالم، طالبين من الله ان يزيدنا معرفة للحقيقة، وان يعطينا النعمة لنمارس الفضيلة، ونحافظ على تعاليمه وفرائضه، وننال بعدئذٍ الخلاص الابدي.

وعندما ننتهي من الصلاة يعطي واحدنا الآخر قبلة السلام. ثم يقدم للرئيس المحتفل الخبز والكأس المملؤة بالخمر، فيأخذها ويرفع التمجيد والمديح لأب الكون باسم ابنه وباسم الروح القدس، ويحتفل بالافخارستيا وقتاً طويلاً. وعندما ينهي الصلوات والافخارستيا يهتف الشعب الحاضر: “أمين” وكلمة “أمين” هي عبرية وتعني: هو حق كذلك. وبعد الانتهاء من الأحتفال الافخارستي يوزع الشمامسة الخبز والخمر والماء المقدس على الشعب الحاضر، ثم يأخذوا جسد الرب الى الغائبين.

“هذا الغذاء نسميه افخارستيا، ولا أحد بأمكانه ان يشترك فيه اذا لم يؤمن بعقيدتنا، واذا لم يغتسل بالعماد لمغفرة الخطايا والتجدد، واذا لم يعمل بوصايا المسيح، لأننا لا نتناول هذا الغذاء كأنه خبر عادي ومشرب عادي.

وكما ان يسوع المسيح مخلصنا قد اتخذ له جسداً ودماً بقوة كلمة الله، كذلك فان الغذاء الذي اصبح افخارستيا بواسطة الكلام المقدس الذي أعلنه المسيح يغذينا من جراء تناول جسده ودمه الذي هو جسد ودم يسوع المتجسد. هذه هي عقيدتنا. والرسل القديسون قد علمونا فى الاناجيل ان يسوع أمرهم بالاحتفال بالافخارستيا عندما أخذ خبزاً وشكر أباه السماوي وقال: اصنعوا هذا لذكري، إنه جسدي. وكذلك على الكأس: هذا هو دمي. ثم ناولهم منه”.

(الدفاع الاول، 1، 65، 66)

 

17- قداس يوم الأحد

“في اليوم الذي يُدعى يوم الشمس، يجتمع المؤمنون في مكان واحد، آتين من المدن والقرى، ويبدأ الاحتفال بقراءات من اعمال الرسل، ومن الانبياء، ومن الانجيل، قدر ما يسمح الوقت بذلك. وعندما ينتهي القارئ، يتقدم الرئيس المحتفل ويلقي عظة ينبه فيها الجميع ويحثهم على العمل بالتعاليم التي سمعوها.

ثم نقف جميعاً ونصلي بصوت مرتفع. وكما قلنا سابقاً، عندما ننتهي من الصلاة، نقدم للرئيس المحتفل الخبز والخمر والماء. ثم يرفع المحتفل الافخارستيا عالياً، والشعب يهتف: آمين. وبعد ذلك توزع الافخارستيا على جميع الحضور لتناول جسد الرب، ثم يرسل ماتبقى للغائبين بواسطة الشمامسه.

“وبعد الذبيحة يقدم الميسرون المساعدات، فيقبلها الرئيس المحتفل، ويوزعها على اليتامى والأرامل، وعلى كل الذين هم فى عوز، اما لسبب مرض، او لسبب آخر. وكذلك يوزعها على المساجين، وعلى الغرباء، وبكلمة مختصرة، يوزعها على جميع الذين هم بحاجه الى ذلك.

“واننا نجتمع يوم الشمس لأنه تذكار اليوم الاول الذي أوجد فيه الله المادة من لاشئ، وخلق العالم، وتذكار قيامة مخلصنا يسوع المسيح”.

(الدفاع الاول، 1 ،67)

 

18- الذبيحة الحقيقية هي الافخارستيا

“الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فان كنت أنا أباً فأين كرامتي؟ وإن كنت سيداً فأين مهابتي، قال لكم رب القوات، ايها الكهنة المذدرون اسمي؟ وتقولون: “بم ازدرينا اسمك”؟ “بأنكم تقربون علي مذبحي طعاماً نجساً، وتقولون: بم نجسناك؟ بقولكم إن مائدة الرب حقيرة.

إذا قربتم بهيمه عمياء ذبيحة، أفليس ذلك شراً؟ قربها لحاكمك، أفيرضى عنك أو يكرم وجهك، قال رب القوات؟ فالآن استرضوا وجه الله ليرأف بنا (فان هذا قد كان من ايديكم) ألعله يكرم وجوهكم؟، قال رب القوات. من منكم يُغلق الأبواب لئلا توقدوا نار مذبحي عبثاً؟

ليس هواي فيكم، قال رب القوات، ولا أرضى تقدمة من أيديكم، لأنه من مشرق الشمس الى مغربها اسمي عظيم في الأمم، وفي كل مكان تحرق وتقرب لاسمي تقدمه طاهرة، لأن اسمي عظيم فى الأمم، قال رب القوات. اما أنتم فقد دنستموه بقولكم إن مائدة الرب منجسة وطعامها مُزدرى.

وقلتم: “أنظروا! ما أثقل ذلك!”، واحتقرتموه، قال رب القوات، وأتيتم بالبهيمة المسروقة، والعرجاء والسقيمة، وقربتموها تقدمة أفأرضى بهذا من أيديكم؟ قال الرب. ملعون الماكر الذي عنده في قطيعه ذكر، وهو ينذر ويذبح للسيد ما هو معيب، فاني ملك عظيم، قال رب القوات، واسمي مهيب في الأمم (ملاخي، 1:1 – 14).

“هذه ذبائحكم التي لم يرض عنها الله. اما نحن فان ذبيحتنا الحقيقية هي خبز الافخارستيا وكأسها التي تقدمها الأمم التي تكلم عنها الانبياء مسبقاً قائلين: نحن نمجد اسمه، اما أنتم فتدنسونه”.

(الحوار مع اليهودي تريفون، 41)

مختارات من مؤلفات يوستينوس – الأب جورج رحمة

القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)

القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)

القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)

القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)

  كان القديس يوستينوس واحداً من أهم الفلاسفة المدافعين عن المسيحية في تاريخها المبكر، فهو من نابلس بفلسطين، ودرس الفلسفة اليونانية في أفسس، وكان فيلسوفاً أثينياً، ثم تحول إلى المسيحية حوالي سنة 130م، وقد كرس حياته للدفاع عن المسيحية وكان من أول المدافعين عنها. وقد بقى لنا مما كتبه دفاعان عن المسيحية كان قد وجههما إلى الإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس (138 – 161م) والسانتوس الروماني(12)، وحوار مع شخص يهودي يدعى تريفون، واستشهد في روما سنة 165م.

  قال عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري: ” وفي نفس الوقت (عصر هادريان) أيضاً كان القديس يوستينوس، محباً للفلسفة الحقيقية، منغمساً في الآداب اليونانية “[1]. ” وفي تلك الأيام أشتهر القديس يوستينوس بصفة خاصة وظهر في هيئة الفيلسوف وبشر بالكلمة الإلهية، وناضل عن الإيمان بكتاباته. وقد كتب أيضاً مؤلفاً ضد ماركيون ذكر فيه أن هذا الأخير (ماركيون) كان حياً وقت كتابته … وقد نجح جداً القديس يوستينوس هذا في نضاله ضد اليونانيين، ووجه أحاديث متضمنة احتجاجاً ودفاعاً إلى الإمبراطور أنطونيوس الملقب بيوس، وإلى مجلس الأعيان الروماني، لأنه كان يعيش في روما “[2].

وقال عنه القديس جيروم: ” القديس يوستينوس الفيلسوف، والمتوشح بزي الفلاسفة، مواطن من نبيابوليس[3] وهو ابن برسكيوس باخوس. أجتهد بحماس للحفاظ على الإيمان المسيحي وإلى حد أنه أعطى انطونيوس بيوس وأولاده، ومجلس الأعيان المقدس كتاباً كتبه ” ضد اليونانيين الوثنيين ” مظهراً فيه أن الصليب ليس عاراً .. “. ويتكلم عن بقية مؤلفاته[4]. ويقول إيريناؤس أنه اقتبس من كتاب القديس يوستينوس ضد ماركيون: ” في كتابه ضد ماركيون يقول القديس يوستينوس ..”[5].

  وقد اقتبس القديس يوستينوس من 13 سفراً من العهد الجديد على رأسها الإنجيل بأوجهه الأربعة ومنها الرسالة إلى العبرانيين ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا.

وهي كالآتي: ” الإنجيل للقديس متى حوالي 41 مرة، والإنجيل للقديس مرقس ثلاث مرات (2 :17؛ 12 :25؛ 12 :30)، والإنجيل للقديس لوقا حوالي 22مرة[6]، والإنجيل للقديس يوحنا ست مرات[7]، وأعمال الرسل مرتين (1 :9؛ 17 :11)، والرسالة إلى رومية ست مرات[8]، والرسالة الأولى إلى كورنثوس ثلاث مرات (10 :4؛ 10 :20؛ 11 :19)، والرسالة إلى غلاطية مرتين (3 :13؛ 4 :12)، والرسالة الثانية إلى تسالونيكي مرتين (2 :3؛ 2 :6و7)، والرسالة إلى العبرانيين الإصحاح الرابع، والرسالتين الأولى (2 :9)، والثانية (3 :8) إلى بطرس، وسفر الرؤيا (20 :4 و 5).

  وقد شهد فيها للأناجيل الأربعة وأشار إليها أكثر من سبع عشرة مره بعبارات ” مذكرات الرسل (Memoirs of the Apostles) والتي ذكرها ثماني مرات بـ ” مذكرات الرسل “، وأربع مرات بـ ” المذكرات – Memoirs ” فقط، مثل قوله: ” لأن الرسل سلموا لنا في المذكرات التي دونوها والتي تسمى أناجيل “[9]. ومرة واحدة فقط ” مذكرات “: ” ففي كتابات الرسل، (مذكرات الرسل “[10]. ويؤكد لنا إيمان الآباء بوحي هذه الأناجيل، مذكرات الرسل، التي سجلها رسل المسيح ككلمة الله: ” وقد تم هذا كما علمنا الذين

سجلوا كل ما يخص مخلصنا يسوع المسيح، ونحن نؤمن بما قالوه “[11].

  وقد سمى الأناجيل بمذكرات الرسل لأنه خاطب في دفاعيه الأول والثاني الرومان (الإمبراطور ومجلس الشيوخ)، كما يقول بروس متزجر، مذكرا إياهم بما كتبه زينوفون تحت اسم: ” مذكرات سقراط “[12].

  وقد أعلن القديس يوستينوس لمن يقرؤون له من غير المسيحيين بأن هذه المذكرات يسميها المسيحيين بـ ” الأناجيل “؛ فيقول في دفاعه الأول: ” وقد سلمنا الرسل في مذكراتهم التي تدعى الأناجيل ما قد أمرهم يسوع أن يصنعوا “[13].

  ويؤكد لنا أن هذه المذكرات هي الأناجيل الأربعة التي للإنجيليين متى ومرقس ولوقا ويوحنا. فيقول مقتبسا ما جاء في الإنجيل للقديس لوقا والإنجيل للقديس متى: ” ففي كتابات الرسل ومن جاء بعدهم مكتوب: أن عرقه كان يتصبب منه كقطرات الدم وهو يصلي قائلاً: أن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ” (لو22 :44)[14]. وهنا يعتبر القديس لوقا من الرسل.

كما اقتبس من الإنجيل للقديس يوحنا والإنجيل للقديس مرقس قوله: ” ونحن نعلم من كتابات الرسل أن المسيح غير اسم واحد إلى بطرس “[15]، وهذا الحدث مذكور في (يو1 :42): ” فنظر إليه يسوع وقال أنت سمعان بن يونا. أنت تدعى صفا الذي تفسيره بطرس “، و (مر3 :16): ” وجعل لسمعان اسم بطرس “. ويضيف القديس يوستينوس: ” كما غير اسم الأخوين ابني زبدي إلى بوانرجس أي ابني الرعد “[16]. وهذا النص مذكور في مرقس (3 :17). ويستمر في الاستشهاد بنصوص الأناجيل:

  ” وقد جاء في كتابات الرسل أنه بمجرد خروج يسوع من

نهر الأردن، وسماعه صوتاً يقول له: أنت ابني أنا اليوم ولدتك “[17]. وهو يقصد هنا ” أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ ” (مر1 :11)، بالمقابلة مع مزمور (2 :7).

  ” أن الذين ذهبوا ليصطادوه اتحدوا معاً ليستخدموا كل طريقة ممكنة لكي يدينوه. وهذا الحدث أيضاً مكتوب في كتابات الرسل. وقد ذكرت لك أنه بعد صلبه اقتسم صالبوه ثيابه بينهم “[18] (يو19 :24).

  كما يستخدم تعبير ” مكتوب = ge,graptai “[19] والذي يعني ” موحى به من الله ” أو ” كلمة الله “، والذي استخدم في العهد الجديد للتعبير عن النصوص المقتبسة أو المستشهد بها من العهد القديم ككلمة الله الموحى بها، وذلك للتعبير عن أن المكتوب في الإنجيل هو أيضاً كلمة الله؛ فينقل عن الإنجيل للقديس متى ويقول: ” مكتوب (مكتوب = ge,graptai) أيضا في الإنجيل أنه قال: كل شيء قد دفع إليّ من أبي. وليس احد يعرف الابن إلا الآب. ولا احد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له (مت11 :27).

هكذا كشف لنا جميعاً أننا قد تعلمنا بنعمته من الكتب المقدسة أن نعرفه كابن الله الوحيد المولود منه قبل كل الخليقة، وكابن الآباء البطاركة لأنه تجسد من عذراء من جنسهم وتنازل ليصير إنساناً لا جمال له ولا منظر وعُرضة للألم. فهو قد اشار إلى آلامه الوشيكة بقوله: إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الكتبة والفريسيين ويُصلب وبعد ثلاثة أيام يقوم[20] … وبما أنه مكتوب في مذكرات الرسل أنه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه بهذا الاسم ذاته فإننا نفهم أنه هو بالحقيقة الذي خرج من عند الآب “[21].

  وهو هنا يتكلم عن الإنجيل للقديس متى بقوله ” الإنجيل ” ويسبقه بقوله ” مكتوب “؛ ” مكتوب (مكتوب = ge,graptai) في الإنجيل “. وكلمة ” مكتوب = ge,graptai “، كما بينا أعلاه، هي نفس الصيغة التي يستخدمها العهد الجديد عندما يقتبس من العهد القديم بمعنى الوحي المكتوب بالروح القدس. ويضم الإنجيل للقديس متى مع بعض أسفار العهد القديم ويسميها ب، ” الكتب المقدسة “، كما يستخدم تعبير آخر يعطي نفس المعنى وهو ” قال يسوع “.

  ويقول في فقرات أخرى: ” وبما أنه مكتوب (مكتوب = ge,graptai) في مذكرات الرسل (Memoirs of the Apostles) أنه هو ابن الله “[22].

  ” تقول لنا كتابات الرسل (Memoirs of the Apostles) إن المسيح وهو يسلم الروح على الصليب قال : يا أبتاه في يديك استودع روحي ” (لو23 :46)[23].

  وتشهد كتابات الرسل (Memoirs of the Apostles) أيضاً أن المسيح قام من الأموات في اليوم الثالث بعد صلبه “[24].  

  وكما اقتبس واستشهد بكثير من آيات الأناجيل المتماثلة استشهد بالكثير مما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا، مما يدل على وجود هذا الإنجيل في الكنيسة وانتشاره في وقت مبكر، فيقول: ” ثم ينالون الاغتسال بالماء لأن المسيح قد قال: أن لم تولدوا مرة ثانية فلن تدخلوا ملكوت السموات ” (يو3 :5)[25]. مشيراً إلى حوار الرب مع نيقوديموس (يو3 :3 – 5).

  كما تكلم عن الرب يسوع المسيح باعتباره الابن الوحيد من الآب وقال:  ” وقد اثبت لكم أنه هو الابن الوحيد لأبي الكون كله، ولد منه؛ إذ هو كلمته وقوته. ثم صار إنساناً وولد من عذراء كما نعلم من كتابات الرسل “[26]. والكلام عن أنه الابن الوحيد ورد في الإنجيل للقديس يوحنا ورسالة يوحنا الأولى فقط[27].

  وتكلم عن الرب يسوع باعتباره الكلمة (Logos – λογος)، هذا التعبير الذي لم يستخدم إلا في الإنجيل للقديس يوحنا. وفيما يلي بعض الأمثلة: ” يسوع المسيح هو بالحقيقة ابن الله، لأنه كلمته (Logos – λογος) وبكره وقوته، وعندما صار إنساناً بإرادته علمنا هذه المباديء “[28]. ” لأننا نعبد ونحب الكلمة (Logos – λογος) الذي هو من الله غير المولود الآب غير المولود وغير الموصوف، فالكلمة صار إنساناً لأجلنا “[29]. ” لأن المسيح كان وما زال هو الكلمة (Logos – λογος) الذي يعمل في الإنسان، وهو الذي تنبأ عن أشياء من خلال الأنبياء “[30].

  ” أن يسوع المسيح هو ابن الله الذي أرسله لخلاصنا وأنه منذ القديم وهو الكلمة (Logos – λογος)الذي ظهر في وقت ما في شكل نار وفي وقت آخر في هيئة غير جسدانية [مثل ملاك] والآن بعد أن صار إنساناً بإرادة الله لأجل خلاص جنس البشر … وأيضاً كما ذكرنا، أن يسوع عندما كان في وسطهم قال: وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا الآب إلا الابن، ومن أراد الابن يعلن له[31] … ويؤكد اليهود دائماً أن أبا الكل هو من كلم موسى بالرغم من أن من كلم موسى في الحقيقة هو ابن الله نفسه الذي دُعي أيضاً ملاكاً ورسولاً، ولهذا فقد استحقوا التوبيخ من روج النبوّة ومن المسيح نفسه لأنهم لم يعرفوا الآب ولا الابن  “[32]. وهذه التعبيرات في أغلبها مأخوذة من الإنجيل للقديس يوحنا.

  وقال عن كتابة القديس يوحنا لسفر الرؤيا: ” وقد كان بيننا رجل يُدعى يوحنا وهو أحد رسل المسيح وقد رأى رؤيا بأن اتباع المسيح سيعيشون في أورشليم لمدة ألف سنة ثم بعد ذلك قيامة الأموات والأبدية والدينونة “[33]. ويأخذ من سفر الرؤيا وصف ابليس بالحية: ” وكما يمكنكم أن تعرفوا من قراءة كتاباتنا أن رئيس الأرواح الشريرة نسميه الحية والشيطان وإبليس “[34].

  بل ويؤكد لنا أن الكنيسة كانت تساوي بين أسفار أنبياء العهد القديم والإنجيل بأوجهه الأربعة ككلمة الله الموحي بها. بل ويضع الأناجيل قبل أسفار الأنبياء مما يعني أن لها المكانة الأعلى[35]. ويقتبس من سفر العدد وما جاء في الإنجيل للقديس متى باعتبارهما أسفار موحى بها بقوله: ” وفي سفر آخر يقول … عندما ظهر نجم في السماء وقت مولده، كما يؤكد الرسل، علم المجوس بالحدث من هذه العلامة وجاءو ليسجدوا له ” (عد24 :17؛ مت2 :11)[36]. وهنا يساوي بين ما جاء في توراة موسى والإنجيل للقديس متى.

  ويبين لنا انتشار الأسفار المقدسة، العهد الجديد والعهد القديم، في كل مكان في العالم حيث يوجد به مسيحيون، وكيفية قراءتها في اجتماعات العبادة في الكنائس يوم الأحد، في كل مكان، ويشرح لنا كيفية العبادة المسيحية التي تسلمها عن الرسل فيقول: ” ولنا في اليوم الذي يدعى الأحد اجتماع لكل سكان المدن والضواحي وفي الاجتماع تقرأ مذكرات الرسل (Memoirs of the Apostles) أو كتابات الأنبياء حسبما يسمح الوقت، وبعد الانتهاء من القراءات يتقدم الرئيس ويعظ الحاضرين ويشجعهم على ممارسة الفضائل.

ثم نقف جميعا لنرفع الصلوات، وكما قلنا من قبل بعد أن ننتهي من الصلوات يتم تقديم الخبز والخمر والماء، ثم يصلي الرئيس ويرفع الصلوات والشكر على قدر استطاعته، أما الشعب فيرد قائلاً آمين. ثم توزع الأفخارستيا على الحاضرين ويُرسل منه للغائبين عن طريق الشمامسة. ويُقدّم الأغنياء إذا ارادوا ما يودون أن يتبرعوا به وتُجمع التبرعات وتترك في عهدة الرئيس. هو يساعد الأرامل والأيتام والمحتاجين بسبب مرض أو خلافه وأيضاً المسجونين والمتغربين عندنا، وباختصار هو يهتم بجميع المحتاجين. ويوم الأحد هو بالحقيقة اليوم الذي نعقد فيه اجتماعنا المشترك “[37].

وهذا إعلان واضح وصريح على وجود الإنجيل بأوجهه الأربعة عند جميع المسيحيين في كل كنائسهم على الأقل.

(12) يوسابيوس ك4 ف 18 ؛ وجيروم ” مشاهير الرجال ف 23 .

[1] يوسابيوس ك 4 ف 8 :3 و11.

[2] يوسابيوس ك4 ف 11 :8.

[3] نيوبوليس هي شكيم السامرة في نابلس بفلسطين.

[4] مشاهير الرجال ص 46.

[5] Irenaeus Ag. Heresies B 4,6. 2.  

[6] (1 :32؛ 1 :35و38؛ 1 :78؛ 6 :28 و30و34؛ 6 :29 و36؛ 6 :35؛ 9 :22؛ 10 :16؛ 11؛ 12 :48؛ 13 :26؛ 18 :18؛ 20 :34و 35؛ 20 :35؛ 22 :19؛ 22 :42 و44؛ 23 :46؛ 24 :32).

[7] (3 :5؛ 3 :14؛ 10 : 33-35؛ 12 :40؛ 12 :47 و48).

[8] (1 :28؛ 3 :10؛ 10 :21؛ 15 : 15و16 و17).

[9]  الدفاع الأول 66.

[10] حوار 103 :8.

[11] 1 دفاع 33.

[12]Bruce M. Metzger The Canon Of The New Testament Its Origin, Development, and Significance pp.145.

[13] 1 دفاع 66.

[14] الحوار مع تريفون 103.

[15] حوار 106.

[16] حوار 106.

[17] حوار 103.

[18] حوار 100.

[19] أنظر النماذج التالية: ” إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ ” (مت26 :24)، ” كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ ” (مر1 :2)، ” كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ ” (لو3 :4)، ” لكِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلاَ سَبَبٍ ” (يو15 :25)، ” كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ ”  (أع 1 : 16)، ” لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ ” (أع1 :20)، ” مَكْتُوبٌ أَيْضًا فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي ” (أع13 :33)، ” لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَا حَيٌّ، يَقُولُ الرَّبُّ، إِنَّهُ لِي سَتَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، وَكُلُّ لِسَانٍ سَيَحْمَدُ اللهَ ” (رو14 :11)، ” هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا ” (1كو15 :45)، ” كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: الَّذِي جَمَعَ كَثِيرًا لَمْ يُفْضِلْ ” (2كو8 :15)، ” اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:  مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ ” (غل3 :13)، ” فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ ” (عب10 :7)، ” لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ ”  (1بط1 :16).

[20] مت16 :21؛ مر8 :31؛ لو9 :22 -27.

[21] الحوار مع تريفون 100.

[22] حوار 100.

[23] حوار 105.

[24] حوار 107.

[25] 1 دفاع 61.

[26] حوار 105. أنظر يوحنا 1 :1و3و14 و18.

[27] ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ ” (يو1 : 18)، ” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ ” (يو3 :16)، ” اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ ” (يو3 :18)، ” بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ ” (1يو4 :9).

[28] 1 دفاع 63.

[29] 2 دفاع 133.

[30] 2 دفاع 10.

[31] مت 11 :27؛ 10 :22.

[32] 1 دفاع 63.

[33] حوار 81 مع رؤيا 1 :1. أنظر: ” وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى. مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً للهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ ” (رؤ20 :4 – 6).

[34] 1 دفاع 27 :28 ؛ مع ” فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ ” (رؤ12 :9).

[35] Bruce M. Metzger p.127.

[36] حوار 106.

[37] 1 دفاع ف 67.

القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

المؤرخ “أوسابيوس القيصري” الذي أطلع على معظم مؤلفات القديس يوستينوس، يقول، في كتابه “التاريخ الكنيسي”، 4،18،1 – 6، مما يلي: “لقد ترك لنا يوستينوس عدداً كبيراً من المؤلفات المفيدة التي تبرهن عن عمق تفكيره، وسعة علمه، وحماسه للأمور الالهيه.

أولها خطابه الموجه للأمبراطور “انطونيوس بيوس” ولأولاده، ولمجلس الشيوخ، والذي يدافع فيه عن عقيدتنا.

وثانيها خطابه الموجه لخلفه “انطونيوس فيروس”، والذى يدافع فيه عن أيماننا.

وثالثها خطابه لليونانيين حول طبيعة الشيطان التي كانت مجال أُخذ ورد من قبلنا ومن قبل فلاسفة اليونان.

ورابعها كتابه الموجه ايضاً الى اليونانيين الذي أسماه “الرد”، ويتناول فيه سلطة الله، مستنداً في ذلك على الكتب المقدسة وعلى كتب فلاسفة اليونان.

وخامسها كتابه “المزامير”.

وسادسها كتابه عن “النفس”، الذي يفند فيه تعاليم فلاسفة اليونان ليصل بعدئذٍ الى التعاليم لمسيحية ورأيها في ذلك.

وسابعها كتابه “الحوار مع اليهودي تريفون”، أحد مشاهير اليهود في ذلك الزمان، والذي حصل في مدينة أفسس، مؤكداً فيه على النعمة التي نالها قبل الله، والتي فتحت عينيه على الأيمان الحقيقي بعد أن فتش عن الحقيقة في المدارس الفلسفية المنتشرة في ذلك الوقت” (راجع آباء الكنيسة، مجموعة مين، م 20، عمود 373 ب – 376 أ).

ولكن هذه المؤلفات التي يذكرها “اوسابيوس” لم تكن كامله. فيوستينوس نفسه يذكر في كتابه “الدفاع الاول”، 26، 8، كتاباً بعنوان “ضد الهرطقات”. كذلك القديس “ايريناوس” يستشهد بكتاب له ضد “ماركيون” ويعود اليه، مستنداً الى ما جاء فيه، ويعتبره من أهم ما كتب في هذا الموضوع. ورغم ان هذه المؤلفات لم يصلنا منها سوى “الدفاع الأول” و “الدفاع الثاني”، و”الحوار مع اليهودي تريفون” كامله، غير أن أباء الكنيسه قد قد نقلوا إلينا بعض مقاطع من هذه المؤلفات الضائعه. وهناك مؤلفات اخرى قد نسبت إليه، وسنأتي على ذكرها في دراستنا هذه.

أ – الدفاع الأول.

يذكر يوستينوس نفسه أنه كتب “الدفاع الأول” بعد مرور مائةً وخمسسين سنه على ولادة المسيح، وهو موجه الى الإمبراطور “ماركوس أوريليوس” الذي اعتلى العرش سنة 147 مسيحية. والدافع لكتابة هذا الدفاع ما تعرض له المسيحيون في الإمبراطورية من عذاب وتنكيل وتشريد وأضطهاد وقتل، خصوصاً وإن أتهامهم بالملحدين والكافرين والمجرمين قد أحزن يوستينوس وجميع القيمين على شؤون الكنيسة في ذلك الوقت، الأمر الذي دفع به لرفع هذا الخطاب الى الإمبراطور الذي كان يعتبره رجل حكمه وعلم ورجل عدل وأنسانيه.

ففي الفصول الثلاثة الأولى، التي تعتبر كمقدمه، يتوجه يوستينوس الى الإمبراطور باسم المسيحيين جميعا، طالباً منه التدخل شخصياً لينظر في الأمر، دون الركون الى اقاويل الحساد، والأستماع الى الأصوات المغرضة والمشوشة التي تتحامل على ابناء دينه، محتجاً ضد لا شرعية مطاردة المسيحيين، وظلمهم ونعتهم بالكافرين، واعداء الدوله، والمجرمين.

اما القسم الأول، وهو الفصل الرابع ولغاية الفصل الثالث عشر، فيبدأ بالتأكيد على ألوهة المسيح وتعاليمه الحقيقية: “هذه التعاليم” التي تسلمناها من المسيح ومن الأنبياء الذين سبقوه، وهي وحدها الحقيقية، وهي أقدم من تعاليم كتابكم… فالمسيح يسوع هو حقاً ابن الله، وكلمته، وبكره، وقوته… وقبل ان يظهر بين الناس، فإن البعض، وتحت تأثير الشياطين، وبواسطة الشعراء، قد أعتبروا أساطيرهم المختلقه حقيقيه، وعلموها للناس”.

ثم يشدد يوستينوس على الموقف السلبي الذي تتخذه السلطه بالنسبه الى المسيحيين، متسائلاً: وهل كلمة “مسيحي” أو كلمة “فيلسوف”، تعني حضراً الأجرام أو البراءه؟ فالعقاب يجب ان لا يفرض إلا على الذين يذنبون أو يقترفون الجرائم. والمسيحيون ليسوا كافرين أو ملحدين، ولكنهم يرفضون عباد’ الآلهه لأنهم يعرفون أن الإله الحقيقي هو إلههم، وإيمانهم بالآخره، وخوفهم من العقاب الأبدي، يمنعانهم من ان يفعلوا الشر لأي انسان، وبالتالي يدعمون السلطة المدنية لكيلا يكون هناك خلل في المجتمع. لذلك، إنه من الظلم بمكان ان يؤخذ بافتراءات بعض الناس المشبوهين الذين لا هم لهم سوى ملاحقة المسيحيين وتقديمهم للموت.

واما القسم الثاني من الدفاع، وهو من الفصل الرابع عشر الى الفصل السابع والستين، فهو تبرير للديانه المسيحية.  إنه يؤكد، بنوع خاص، على العقيدة والطقوس الليتورجيا والأسس التاريخية والأسباب التي تفرض اعتناقها والعمل بها. فالنبؤات الالهيه تبرهن على أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية حسب أرادة الله الذي أحب ان يصلح الإنسانية ويجددها.

ولقد حاول الشياطين ان يمثلوا بأنبياء العهد القديم في طقوسهم الوثنية السرية. من هنا نجد بعض الشبه بين الديانة المسيحية وبعض الشعائر الوثنية، وبنوع خاص عن أفلاطون الذي أخذ كثيراً عن العهد القديم حيث نجد أفكاراً مسيحية في أفلاطونية. ثم ينتقل يوستينوس الى شرح سر العماد وسر الإفخارستيا والحياة المسيحية الاجتماعية.

أما الخلاصة، وهي الفصل الثامن والستون، فهي تنبيه مباشر للإمبراطور نفيه، بحيث أنه يعود الى البراءة التي بعث بها الإمبراطور “أدريانوس”، سنة 125، الى والي آسيا “مينوسيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) يعلن فيها القواعد الأربع التي من خلالها يجب ان يحاكم المسيحيون. وهذه القواعد هي التاليه:

اولاً: لا يحاكم المسيحيون إلا امام محكمه جزائيه وحسب الأصول القانونيه المتبعه.

ثانياً: لايصدر الحكم إلا اذا تأكد ان المتهمين قد أخطأوا ضد الشرائع الرومانيه.

ثالثاً: يجب ان يكون العقاب متناسباً مع طبيعة الجرائم ودرجاتها.

رابعاً: وكل اتهام خاطئ وفيه تحامل على المسيحيين يجب ان يعاقب صاحبه بشده.

هذه القواعد، او بالاحرى هذه الوثسقه التاريخيه، قد اتخذها يوستينوس مستنداً مهماً لينذر الإمبراطور وينبهه الى خطورة ما يتعرض له المسيحيون. ويعلق المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 8، 8، على ذلك قائلاً: ان يوستينوس كان يعرف ما ينتظره، لكنه كلمة الحق في وجه الإمبراطور.

ب- الدفاع الثاني.

يبدأ يوستينوس كتابة “الدفاع الثاني” بتذكير الرومانيين بما حدث أيام ولاية “أوربيكوس” في روما، فيقول: “ايها الرومانيون، لقد وقعت اخيراً، في مدينتكم، أحداث غريبه، أيام حكم اوربيكوس، كما وقعت أحداث اخرى في أماكن عديده من الامبراطوريه تبرهن عن ظلم الحكام، وهي غير عادله” (1، 1).

وفي الواقع، فان المؤرخين يؤكدون على أن يوستينوس تأثر جداً عندما عرف بان “أوربيكوس” قطع رأس ثلاثة مسيحيين، وذلك لأنهم مسيحيون وحسب، ولم تجد الهداله شيئاً ضدهم بالنسبه الى القوانين الرومانيه.

لذلك توجه الى الرأي العام الروماني محتجاً ضد العنف غير المبرر ورافضاً جميع الانتقادات التي كانت توجه الى المسيحيين. ورداً على بعض الرومانيين الذين كانوا يطلبون بهزء من المسيحيين الانتحار للقاء ربهم بسرعه، يجيب يوستينوس: “”ان ننتحر فذلك ضد ارادة الله. اما امام الحكام فاننا لا ننكر اننا نشتهي الموت لملاقاة الله وبالشهاده لأننا لسنا مخطئين، وبالتالي فاننا نعتبر عدم قول الحقيقه نوعاً من الزندقه والكفر” (2، 4). ثم يؤكد في مقطع آخر على ان الاضهادات ليست سوى عمل الشياطين التي تكره الحقيقه.

وكذلك في العهد القديم فان الابرار كانوا عرضه للاضهاد من قبل الوثنيين. ولكن ليفهم الجميع أن أحداً من هؤلاء الحكام لم تكن له سلطه على المسيحيين إن لم تعط له من الله، وذلك لكي يصلوا الى الفضيله والمكافأه بواسطة العذابات، والى الحياه والسعاده بواسطة الموت وإبادة الحياه. وكذلك ايضاً فان الإضطهادات تسمح للمسيحيين بان يبرهنوا، بطرق واضحة ومدهشه، عن تفوق ديانتهم وتساميها بالنسبة الى الوثنية. ثم ينهي دفاعه بالتوسل الى الإمبراطور لكي يكون عادلاً وشفوقاً ورحوماً ومحباً للحقيقه وهو يحكم على المسيحيين.

في هذا “الدفاع الثاني”، الذي حدده المؤرخون حوالي سنة 161 مسيحية، نرى ان يوستينوس لم يتطرق الى الفلسفة الرواقية كما في ” الدفاع الاول” بل طرح فلسفه افلاطون وتحدث عنها مسهباً. ففي “الدفاع الاول” عرض فلسفة “زينون” بكل ابعادها ومعطياتها، وناقشها وفندها، مستفيداً من المبادئ التي تلتقي مع المسيحية ليدعم طلبه امام الإمبراطور الذي كان اعتنق الفلسفة الرواقيه.

ولكن في “الدفاع الثاني” فاننا نلحظ موقفاً جديداً بالنسبه لوصول “ماركوس أوريليوس” الى السلطه رغم ان يوستينوس يعود دائما الى “الدفاع الاول” مذكراً بما قاله للإمبراطور سابقاً، مستشهداً بمقاطع عديده، الأمر الذي دفع المؤرخ “أوسابيوس القيصر” لاعتبار الدفاعين دفاعاً واحداً. فيوستينوس لم يرد ان يدافع عن المسيحية ومبادئها وتعاليمها في هذا “الدفاع الثاني” كما فعل في ” الدفاع الأول” بل كان هدفه الرد على بعض الوثنيين المتهتكين الذين كانوا ينصحون المسيحيين بالأنتحار للقاء ربهم كما ذكرنا، وبالتالي الرد على الذين كانوا يقولون لهم: لماذا لا يخلصكم ربكم من الأضطهاد. والأمر الظاهر بوضوح في هذا الدفاع هو افتخار يوستينوس بمسيحيته علناً اذ يقول: “انا مسيحي، وهذه عظمتي. وكل رغبتي هي ان اظهر ذلك.

وهذا لا يعني ان فلسفة أفلاطون هى غريبه عن تعاليم المسيح وحسب، بل هي بعيده كل البعد عنها، وكذلك فلسفة الرواقيين والشعراء والكتاب. واذا كان أحدهم قد عبر عن الحقيقه بطريقه أو باخري، فان ذلك يعود الى النعمه التي اعطاها لهم الله، ولكن حقيقتهم هي جزئيه. إنهم لا يملكون العلم المعصوم ولا المعرفه المتعذر دحضها. وكل ما قيل من حقيقه من قبلهم فهو ملك لنا نحن المسيحيين” (13، 2 – 4).

إذن “الدفاع الثاني” هو تكمله “للدفاع الأول”، وموقف مسيحي جريء في وجه الإمبراطور ووجه الحكام والمتطاولين على المسيحيين. إنه شهادة جرأه من قبل يوستينوس الذي يعتبر بحق من الآباء العظام الذين دفعوا دمهم ثمن جرأتهم. ولكن الكنيسه لم تثبت ولم تتشعب جذورها ولم تنمو لو لم يكن فيها امثال هذا الرجل الذي اعطاها دفعاً كبيراً في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. فموقفه كان مثلاً جليلاً بالنسبه الى الأجيال اللاحقه، ومدرسته خرَّجت العظام الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه الوثنية والوثنيين فيما بعد.

ج- الحوار مع اليهودي تريفون.

يُعتبر كتاب “الحوار مع اليهودي تريفون” أقدم منافحه مسيحية ضد اليهود. فالمؤرخون يؤكدون، وفي مقدمتهم “أوسابيوس القيضري” في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 18، 6، على أن هذا الحوار قد دار بين يوستينوس ويهودي مثقف لا يبعد ان يكون الحاخام “تارفون” حسب “الميشنا”، إحدى المدارس التفسيرية اليهودية للكتاب المقدس، وذلك في مدينة إزمير.

ولقد وضعه يوستينوس كتابةً ما بين سنة 150 و160 مسيحية، في روما، بعد كتابة “الدفاع الثاني”، وهو مؤلف من مئه واثنين وأربعين فصلاً أو باباً، وقد أهداه الى صديق له يُدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus pompeius).

وفي مقدمة الكتاب (2 – 8) يروي يوستينوس بالتفصيل نسأته الفكريه، مروراً بالمدارس الفلسفيه التي اطلع عليها، حتى يصل الى لقائه مع الشيخ المجهول على شاطئ البحر، ومن ثم ارتداده الى المسيحية.

وفي القسم الاول (9 – 47) يعرض الأفكار الرئيسيه وهى: بطلان العهد القديم وتعاليمه، والتأكيد على ألوهية المسيح الذي تكلم عنه الأنبياء ومن ثم تجسده في أحشاء مريم العذراء، وأخيراً دعوة الأمم ليصبحوا شعب الله المختار بعد ان بطلت الشريعه القديمه وابتدأت الشريعه الجديده مع المسيح. اما في القسم الثاني (48 – 108) فيبين، بواسطة تعاليم الأنبياء، ان عبادة المسيح لا تعاكس الايمان بالأله الواحد الحقيقي، ومن عبادة إله أبراهيم واسحق ويعقوب.

واما في القسم الثالث (109 – 142) فيبرهن على ان المسيحيين هم اسرائيل الحقيقي الذي ورث مواعيد العهد القديم. وفي النهايه يقول يقول يوستينوس: “إنني لا أهتم بعرض حجج وبراهن تستند الى المنطق وحسب، ولكن نعمه سماويه كانت لي من الله كي أفهم الكتب المقدسة” (الحوار، 58، 1).

الكتاب له قيمه تاريخيه مهمه. فاليهود، في منتصف القرن الثاني المسيحي، كانوا قوه لا يستهان بها، ولقد سعوا، بجميع الوسائل، للوقوف في وجه المسيحية والمسيحيين على السواء. ورغم ان يوستينوس يعرض عن ذكر ذلك، فانهم كانوا المحرضين الاساسيين على اضطهاد المسيحيين، نظراً للحقد الذي كانوا يضمرونه لهم. ولم يكن “تريفون” سوى صورة اليهودي التقليدي الذي كان يشدد على عودة اليهود، الذين اعتنقوا المسيحية، الى احضان اليهودية، وبالتالي يشدد على تعاليم التلمود والمدارس الربانيه التي كانت متبعه في ذلك الزمن.

إن يهوديته كانت يهوديه متزمته، بعكس يهودية “فيلون الأسكندري” التي كانت يهوديه منفتحه ومتسامحه، نظراً لانفتاح “فيلون” على الفلسفه اليونانيه التي أثرت عليه وأعطته بعداً فكرياً متحرراً. و”تريفون” هو تلميذ “موسى” بكل معنى الكلمه. إنه كان يقبل بان الوثنيين بامكانهم الوصول الى الخلاص، ولكن من خلال التزامهم بشريعة “موسى”، وهذا ما يذكره يوستينوس على لسانه: “أختن نفسك اولاً، ومن ثم التزم بالسبت وبالاعياد التي نحتفل بها، وبكلام آخر، اعمل بشريعة موسى، هكذا يكون لك الخلاص” (8، 4).

كما يقول عنه يوستينوس ايضاً: إنه كان يتقن العهد القديم بدقه، وبنوع خاص تعاليم التلمود. ولكن موقف يوستينوس من “تريفون” كان موقفاً صارماً، مؤكداً فيه على سمو المسيحية وتخطيها العهد القديم في كل شئ. وبينما نرى “ماركيون” يعيد المسيحية والكنيسة الى الاله الرحوم التي بشرت به اليهودية المتأخرة من خلال العهد الجديد، رافضاً الاله العادل التي بشرت به التوراة، إذا بيوستينوس لا يقبل إلا بتعاليم المسيح والرسل كما هى حرفياً.

إنه يؤكد على ان العهد القديم لم يكن سوى تهيئه للعهد الجديد، ويشدد على ان اليهود لا خلاص لهم إلا إذا تبعوا المسيح وتركوا شريعة “موسى” وكما في كتابيه “الدفاع الاول” و”الدفاع الثاني” حيث أكد على أن الفلاسفه بأمكانهم أن يوصلوا الوثنيين الى الأيمان، كذلك في الحوار مع اليهودي “تريفون” يبرهن على أن الأنبياء الذين نالوا الوحي من الله كانوا مقدمه وتهيئه للعقيدة المسيحية. ورغم أن جهوده لم تكلل بالنجاح، و”تريفون” لم يعتنق المسيحية، فان كتابه قد أثر بكثيرين من بعده، وربما كان سببا لأرتداد عددٍ كبير من اليهود.

كذلك، فان كتاب يوستينوس هو وثيقة تاريخيه مهمه ايضاً بالنسبة الى اليهود الذين اعتنقوا المسيحية وبقوا يمارسون الشعائر الدينية اليهودية. هؤلاء اليهود كانوا يعبدون المسيح ويؤمنون به الهاً، ومع ذلك كانوا يراعون شريعة موسى. من هنا نرى يوستينوس يعلن: “انا لست من رأيهم، وكثيرون من الذين يفكرون مثلي لا يوافقون على موقفهم. فالمسيح لم يأمرنا بان نخضع لتعاليم بشرية.

بل لتعاليم الانبياء الطوباويين الذين أعلنوا عن مجيئه” (الحوار، 48، 4). وفى الفصل الثمانين، العدد الخامس من الحوار، يقول: “أما بالنسبه لى والى المسيحيين الحقيقيين فان قيامة الجسد ستكون في اورشليم الحقيقيه كما أكد ذلك الأنبياء، وفي مقدمتهم “حزقيال واشعياء”. واذا تصفحنا الكتاب كله بدقه نرى ان الأستشهادات التي يوردها فيه هي استشهادات المقصود منها التذكير بان الله رفض أسرائيل واختار شعباً جديداً من الأمم.

فهاجس كنيسة المسيح كان يلاحقه في كل كلمه قالها او كتبها، والتأكيد على ان الشريعه الجديده هي شريعة المسيح الاله المخلص الذي يجب ان يؤمن به اليهود والوثنيون على حد سواء لكي يحصلوا على الخلاص. هذا باختصار موضوع الحوار.

د – القيامه (البعث)

القديس “يوحنا الدمشقي” يذكر في كتابه “المقارنة المقدسة” ان القديس يوستينوس قد كتب كتاباً عن القيامه، ويستشهد ببعض مقاطع منه. كذلك “بروكوبيوس القيصري” يذكر ايضاً ان يوستينوس الفيلسوف والشهيد له كتاب عن القيامه، وقد شرح فيه ما ورد في الانجيل، معلقاً على قيامة المسيح وقيامة الموتى والمجد الذي ينتظرهم. وفي القرن الثالث المسيحي كتب “ميتوديوس الأولمبي” كتاباً بعنوان “الأصوات الشجية” ذكر فيه كتاب يوستينوس عن القيامه حيث يعلق هذا الأخير على الفصل العاشر من رسالة القديس بولس الأولى الى القورنثيين.

ورغم ان المؤرخ “اوسابيوس القيصري” لم يذكر هذا الكتاب بين الكتب التي تحدث عنها عند يوستينوس، فان جميع المؤرخين الآخرين يؤكدون على ذلك. اما الآن فانه لا يوجد بين ايدينا مقطع واحد من هذا الكتاب.

هـ – ضد الهرطقات والبدع

هذا الكتاب يذكره يوستينوس في كتابه “الدفاع الأول” وكان قد ألفه سابقاً. ولكنه لم يصل إلينا. لكن “ترتوليانوس القرطاجي” يستشهد ببعض مقاطع منه، معتبراً يوستينوس أقدم مدافع عن العقيدة المسيحية ضد الهرطقات والبدع. ويذكر المؤرخون ان هذا الكتاب كان أداه مهمه في يد الذين وقفوا في وجه هذه الهرطقات والبدع في القرنين الثاني والثالث المسيحيين.

و ــ ضد ماركيون

القديس “ايريناوس”، أسقف مدينة ليون، يستشهد مرتين بهذا الكتاب في كتابه “ضد الهرطقات”، 4، 6، 2. ويؤكد ايضاً على ان كتاب يوستينوس “ضد ماركيون” هو أهم ما كُتب ضد هذه البدعه التي ضربت الكنيسه وأثرت عليها في القرنين الاول والثاني. كذلك المؤرخ “اوسابيوس القيصري” يذكر ما ذكره القديس “ايريناوس” لا أكثر ولا أقل. لذلك تساءل الباحثون أنه فصل من كتاب وليس كتاباً منفرداً على كل حال الكتاب لم يصلنا ولا نعرف عنه الآن سوى ما ذكره القديس “ايريناوس” وحسب.

زــ الخطاب إلى اليونانيين.

هذا “الخطاب الى اليونانيين” الذي يذكره المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس نسب خطأ إليه، ولقد وصلنا بترجمه سريانيه مع بعض الحواشي والتعليقات والشروحات. والمترجم السرياني الذي يدعى “أمبروسيوس” نقله عن اليونانيه، ولكن ليس عن نصٍ كامل كما يذكر ذلك في المقدمة، ولكن عن بعض مقاطع تحمل اسم يوستينوس الروماني كما كان معروفاً في ذلك الزمان.

والعالم “بويش” (Puech) يعتقد ان هذا الخطاب كُتب ما بين سنة 180 و210 مسيحية، وهو مقاله نقديه أكثر منها مقاله دفاعيه (راجع بويش: المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي، باريس، 1912، ص 299). اما العالم “هارناك” (Harnack) فينفي كلياً ان يكون هذا الخطاب من يوستينوس نظراً الى أن لغته الأدبيه هي بعيده كل البعد عن لغة يوستينوس، وبالتالي فان الموضوع الذي يطرحه الخطاب لا يتوافق مع نفسية القديس الشهيد. على كل حال كان من الضروري ذكر ذلك لأن هذا الخطاب لم يزل يعرف باسم يوستينوس لغاية الآن رغم تأكيدات العلماء ونفيهم انتسابه إليه.

ح ــ الأرشاد الى الوثنيين

” الارشاد الى الوثنيين” او “الارشاد الى اليونانيين”، الذي ذكره المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحة مؤلفات يوستينوس، هو عباره عن دراسته مقارنه بين الديانة الوثنية والديانة المسيحية يحاول من خلالها المؤلف ان يدحض تعاليم الوثنية، مبرهناً على ان الديانة المسيحية هي الديانة الحقيقية، وإن تعاليم المسيح هي بحق تعاليم ابن الله الذي نزل الى الأرض ليخلص البشرية ويعيدها الى الفردوس بعد خطيئة آدم.

ورغم ان المؤرخين يتكلمون عن هذا الكتاب من خلال كلامهم عن مؤلفات يوستينوس، غير أن الدراسات العلمية الأخيرة التي قام بها العالمان “بويش” و”هارناك” تنفي ان تاريخ تأليفه يعود الى مابين سنة 260 وسنة 300 مسيحية، والمؤلف هو، حسب تقديرهما، “أبوليناريوس اللاذقي” الذي عاش في تلك الفتره والفه ونسبه ليوستينوس الروماني. وبذلك يكون اعتقاد “أوسابيوس القيصري” اعتقاداً خاطئاً. وبانتظار ان تتم اكتشافات جديده حول هذا الكتاب، فانه يبقي من ضمن مجموعة مؤلفات يوستينوس، ونحن مضطرون لذكره في سياق دراستنا هذه.

ط ــ السلطة

هناك كتاب آخر حول سلطة الله ووحدانيته يذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته عن يوستينوس. وهذا الكتاب يؤكد على وحدانية الله بواسطة إستشهادات من الآداب الوثنية نفسها التي تتكلم عن وحدة الله، والتي عرضها يوستينوس ليعيد الوثنيين الى المسيحية. ولكن الدراسات الحديثة التي قام بها بعض اللاهوتيين أمثال “شورر” (Schurer) و”بويش” (Puech) قد اثبتت ان النصوص نفسها منحوله، وان الكتاب قد نسب عمداً الى يوستينوس.

ولقد كتبه مؤلف مغمور في نهاية القرن الثاني المسيحي ليدعم فكرة يوستينوس نفسه، وليؤكد على وحدانية الله في وجه تعدد الآلهه في العالم الوثني. اما تأكيد المؤرخ “اوسابيوس القيصري” في لائحته فلم يكن له اساس، رغم ان البعض من العلماء يدرجون هذا الكتاب تحت اسم يوستينوس لغاية الآن. لذلك نحن ندرجه ايضاً هنا عملاً بالتقليد حتي تتوضح نهائياً حقيقة مؤلفه والغايه التي توخاها من استعارة اسم يوستينوس لهذا الأمر.

ى ــ كتاب المزامير

هذا الكتاب الذي هو تفسير للمزامير قد ذكره ايضاً المؤرخ “أوسابيوس القيصري” في لائحته، ولكن الأجيال اللاحقة لم تطلع عليه، وبقي مفقوداً لغاية الآن.

ك ــ كتاب النفس

هذا الكتاب قد ذكره ايضاً “اوسابيوس القيصري” في لائحته، واعطى خلاصه عن فحواه. ولكنه فقد في ما بعد، ولم يتوصل اللاهوتيون لغاية  الآن الى معرفة شئ عنه.

ل ــ تفسير رؤيا يوحنا

القديس “إيرونيموس” يذكر في الفصل التاسع من كتابه “الرجال العظام” ان يوستينوس قد ترك لنا كتاباً مفصلاً هو كنايه عن شرح وتعليق على رؤيا القديس يوحنا الرسول. ولكن هذا الكتاب لم يصلنا ايضاً.

هذه الكتب، وغيرها من الكتب المنحوله التي يذكرها التاريخ تحت اسم يوستينوس، والتي لا مجال لذكرها هنا لأن الدراسات العلميه لم تجزم بعد في مدى نسبتها اليه، كانت مرجعا مهماً في القرون الأولى للكنيسة، استعملها المدافعون عن العقيدة للرد على المتحاملين على المسيحية والطاعنين بتعاليمها. وان دلت على شئ، فانها تؤكد لنا على قيمة هذا الرجل العظيم الذي نفذَ بعقله الى جوهر الكنيسه التي أقام بانيها في اعماقه، وأحاط كفيلسوف بكل ما يدور حولها وما يحاك لها.

والحقيقه ان ما من أحدٍ كان معداً مثله لتلك المجابهه الكبرى. فلقد توغل في افكار الفلاسفة، وزاول الفلسفة وأحبها الى أبعد الحدود، وعرفها من الداخل، ولم يبحث عن الحقيقة إلا لكي يعيشها. عانى الكثير في سبيلها، فقام برحلات بعيده واحتمل المشاق في سعيه الى المعرفة المثلى.

ولكونه تعذب في الطريق، نكتشف عنده زهداً مذهلاً، زهداً هو بعينه الشهاده التي لا تخدع ولا تكذب. سما باخلاقه، ومال الى الدقه التاريخيه، وتأثر بلين الجدليه عند الهلينيين، وبالتدقيق في فن الحوار الذي يرتفع بالعقل من المحسوس الى المعقول، حتي وصلت به الحكمه الى الحقيقه التي تنتهي عند قدمي الله. لم يرفض فكر افلاطون، بل أدخله الكنيسه، ولطالما أعلن ان الفلاسفه مسيحيون دون علم منهم. فكلمة الله هي التي تنير العقول، مما يفسر وجود اجزاء من الحقيقه عن كلٍ من هؤلاء الباحثين والمفكرين، فيما يمتلك المسيحيون كلمة الله كامله غير منقوصه.

وهنا يجدر التوقف عن حقيقة نوه بها المؤرخون، وهي ان تعليم الفيلسوف المسيحي أرغم السلطات والمفكرين على ان يقيموا للمسيحية وزناً كبيراً، فاكتسب الفكر الانجيلي بفضله حق الحضور الفاعل في عاصمة الامبراطورية روما.

ولقد جاء استشهاده ليثبت بالدليل القاطع ان نشاطه أرهب حكام روما فتخوفوا من امتداد نفوذه وانتشار تعاليم المسيح في ارجاء الأمبراطوريه، اذ حصر جهوده كلها في اثبات صحة الايمان المسيحي، متسلحاً بالمجادله خلال محاربته الهراطقه إذ كانت دائرة الهراطقه قد اتسعت وبدأت تشكل خطراً أكيداً على العقيدة الصحيحة. ألم يعبر القديس “ايريناوس” أسقف مدينة ليون، بعد خمسين سنه على أستشهاد يوستينوس، عن اعجابه واجلاله لمن هو حقاً رائداً في هذا المجال؟ ويهمنا التأكيد هنا على ان يوستينوس لم يُعن يوماً بالاسلوب الأدبي، بل كان همه شرح العقيدة وايصالها الى سامعيه. خطته في الكتابة فضفاضة، ومسيرته في شرح أفكاره تعيقها الاستطرادات الكثيره والرجوع الدائم الى الوراء.

ورغم هذه الشوائب فان كتاباته لها علينا سحر عجيب تصعب مقاومته عندما نكتشف نفسه المنفتحه، المستقيمه، الساميه باستمرار الى تفهم الخصم. فلقد آمن دائماً بأن “كل انسان يمكنه قول الحقيقه، واذا لم يفعل ذلك فان الله سيحاسبه يوم الدينونه” (الحوار مع اليهودي تريفون، 82). ولا يفوتنا هنا أنه اول كاتب مسيحي مد الجسور بين المسيحية والفلسفة والوثنية.

فاستقامة نفسه وشفافيتها حركت شعور الكثيرين من حوله، وطرافته ارتكزت على التجديد في المجهود اللاهوتي مما جعله يقنع محاوريه بان الدين الجديد هو دين الحق الذي بشر به الانبياء، قد وحد العهدين القديم والجديد.

وهكذا بقي يوستينوس، من خلال مؤلفاته، المرجع المهم لمرحله من أهم مراحل المسيحية، كان فيها الرائد لكثيرين أتوا بعده وتمنطقوا بالحكمه والعلم والشجاعه والجرأه والخلقيه والرؤيا التي كانت جميعها مناره لكل من وقف سداً منيعاً في وجه المسيحية، والتي وضع اسسها هو في منتصف القرن الثاني المسيحي.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

مؤلفات يوستينوس الشهيد – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

بين الذين وقفوا حياتهم للدفاع عن المسيحية وتعاليمها، يعتبر القديس يوستينوس الشهيد في الطليعة، نظراً الى أنه كرس القسم الأكبر من حياته التعليمية والتبشيرية لهذا الأمر. فهو ذلك الأنسان الذي تميز بسعة الاطلاع على جميع التيارات الفلسفية التي كانت منتشرة في ذلك الزمان، وقارن بينها وبين تعاليم المسيح، وفندها، وبين قصورها في الجواب على الطروحات العقلية التي يتوقف عندها كل باحث عن الحقيقه الماورائية. لذلك أعتبره المؤرخون والفلاسفة واللاهوتيون مرجعاً مهما لمرحلة كانت من أهم المراحل التي مرت بها المسيحية في القرن الثاني الميلادي، وبالتالي الشاهد التاريخي على تطور الكنيسة في قلب الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطرف.

يعرف يوستينوس عن نفسه في كتابه “الدفاع الأول”، الفصل الأول، أنه ولد في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis) في فلسطين، المعروفة اليوم بمدينة “نابلس” الواقعة على الضفة الغربية لنهر الأردن، وكان والدهُ “بريسكوس” (Priscus)، ابن “باكيوس” (Bacchius)، من أحدى المدن الإيطالية التي كانت خاضعه للسيطرة اليونانية، كما يذكر ذلك “لاغرنج” في كتابه “القديس يوستينوس”، لكنهُ أصبح رومانياً بعد انتقاله إلى فلسطين، الأمر الذي أكدهُ هو في كتابه “الحوار مع اليهودي تريفون”، 1،3 أنهُ كان شابا خلال حرب اليهود وثورة “باركوشيبا” (Bar-Kocheba)، أيام حكم الإمبراطور “أدريانوس” (Publius Aelius Hadrianus)، ما بين سنة 132 و 135 مسيحية، وكان قد أطلع على بعض التيارات الفلسفية التي كانت تدرس في مدارس الشرق والغرب.

أما سبيله الى المسيحية فلقد جاء متشعباً: عبر محطات كثيره، أولُها مدرسة أحد الفلاسفه الرواقيين، وثانيها مدرسة أحد الفلاسفه الأرسطاطاليسيين، وثالثها مدرسة أحد الفلاسفه الفيثاغوريين. لكن أحداً من هؤلاء الثلاثه لم يستطع أقناعه بمبادئ فلسفته وبصحة نظرياتها. فالرواقى فشل أذ عجز عن تقديم أي تفسير لكينونة الله، وألح الأرسطاطاليسي (المشائي) إلحاحاً سمجاً، وبسوء مصادفه على أن يتقاضى أجر دروسه مسبقا، فرد عليه يوستينوس بتخيله عن الدرس والمدرس.

وأما الفيثاغوري ففرض عليه، قبل البدء بالدراسه، أن يتقن علم الموسيقي وعلم الفلك وعلم الهندسة، علوم لم تلق هوى في نفسه، الأمر الذي دفعه للانتقال الى مدرسة أحد الفلاسفه الأفلاطونيين الذي أستوقفهُ زمناً طويلاً وتأثر به الى حد بعيد (الحوار مع اليهودي تريفون، الفصل الثاني). لكن العناية الألهية أرادتهُ لرسالة أخرى ولفلسفة هى أسمى وأشمل من جميع الفلسفات البشرية، فإلتقى على شاطيء البحر، وهو في فترة تأمل، شيخاً جليلاً أقنعه بعجز تلك الفلسفات التي لا ترضي العقل والقلب، ولفته إلى قراءة كتب “أنبياء بشروا وحدهم بالحقيقه”.

ويضيف يوستينوس قائلاً: “إن الرجل أسمعني هذه الأقوال والكثير غيرها مما لم يحن وقت الأفصاح عنها، ثم تركني ومضى بعد أن نصحني بالتأمل بكل ما سمعتُه منه. ولم تشاهدهُ عيناي بعد ذلك اليوم. غير أن ناراً أشتعلت فجأة في داخلي، فأحببت أولئك الأنبياء حملة الحقيقة، كما أحببت جميع أصدقاء المسيح. وعندما أمتلأ تفكيري بهم، وحللت محتوى اقوالهم وفحواها، أدركت أن فلسفتهم هي الحقيقه والمفيده. تلك هي الأسباب التي قادتني الى الفلسفه وجعلتني فيلسوفاً. ولكم أتنمى أن ينعم الجميع بهذه المشاعر ولا يبتعدوا عن تعاليم المخلص الألهي”.

(الحوار….الفصل الثامن). وفي كتابه “الدفاع الثاني” الفصل الثاني، العدد 12،13، يقول: “عندما كنت من تلامذة أفلاطون أستوقفتني التهم الموجهه الي المسيحيين، ثم شاهدتهم يواجهون الموت ويجابهون كل ما يخشاه الآخرون بتلك الشجاعه العجيبه، فأقتنعت بأنهم على حق، إذ يستحيل أن يكون أمثالهم على ضلال أو أن ينغمسوا في الملذات …. وعندما رأيت بعدئذٍ أن الشياطين الشريره كانت تسعى لإفساد الآخرين، وابعادهم عن تعاليم المسيح الألهيه، سخرت من الأكاذيب والوشايات المغرضة وموقف الجماهير ضد المسيحيين، معترفا هنا أنني كنت أصلي وأحاول جاهداً، وبكل ما أوتيت من قوة، ان يعلم الجميع أنني مسيحي”.

المؤرخ (أوسابيوس القيصري) يؤكد في كتابه “التاريخ الكنسي”، 4، 18، إن القديس يوستينوس كان أعتنق المسيحية قبل حرب اليهود ما بين سنة 132 و135، وربما كان ذلك في مدينة “إزمير” وبعد اعتناقه المسيحية أرتدى المعطف الخاص بفلاسفة الأغريق، وبدأ رحلته كأستاذ متجول، حاصراً كل اهتمامه في الدفاع عن تعاليم المسيح. ورغم أنه لم يصبح كاهناً، فلقد كان يجاهر دائماً بان كل أنسان عليه ان يبشر بالحقيقه ويدافع عنها لأن الله سيدين من يتقاعس عن ذلك (الحوار، 82، 3).

وهكذا، فلقد كرَّس حياته للتبشير وللتعليم، متبعاً طريقة “سقراط” الفيلسوف، خصوصاً في مدرسته التي أسسها في روما، عاصمة الإمبراطورية، حوالي سنة 138 م، بالقرب من حمامات “تيموثاوس” على تلة الـ”فيمينال” (Viminal)، حيث كان يُدرس العقيدة المسيحية لكلاً من رغب بذلك ولقد اشتهرت مدرسته، بنوع خاص، خلال السنوات الأخيرة من حكم الإمبراطور “ادريانوس”، وطوال حكم الإمبراطور “انطونيوس بيوس” (Antoninus Pius)، لأنها كانت سنوات سلام للكنيسه في الإمبراطورية.

وكان في عداد تلامذته (تاتيانوس السرياني) الذي دخل بعدئذٍ صفوف المدافعين عن العقيدة المسيحية، كما التقي هناك عدوه الألد الفيلسوف “كريشينس” (Crescens) الذي سبق ليوستينوس ان كشف جهله ونعته بالأمي الجاهل. ولم يكتفِ بالتعليم، بل كانت تلك المرحله مرحلة أنتاج فكري إذ كتب دفاعه الأول الذي وجهه الى الإمبراطور، والى مجلس الشيوخ، والى الشعب الروماني، سنة 150 مسيحية. ولقد صدر دفاعه بما يلي: “الى أصدقاء العلم، الإمبراطور تيتوس إيليوس أدريانوس انطونيوس بيوس أوغسطس القيصر، والى ابنه الفيلسوف فيريسموس، والى الفيلسوف لوسيوس ابن القيصر بالطبيعة وابن بيوس بالتبني، والى مجلس الشيوخ، والى كل الشعب الروماني، لصالح جميع البشر المكروهين والمضطهدين ظلماَ، من يوستينوس ابن بريسكوس، ابن باكيوس، المولود في فلافيا نيابوليس في سوريا – فلسطين، موجَه هذا الالتماس وهذا الخطاب” (الدفاع الاول، 1،1).

فالإمبراطور الذي وجه إليه هذا الخطاب هو “انطونيوس بيوس”، والقيصر هو “ماركوس أوريليوس” الذي جعله الإمبراطور شريكاً له في الحكم سنة 138 مسيحية، وابن “انطونيوس بيوس” بالتبني هو “لوسيوس فيروس” (Lucius Verus). ولم تكن المرة الأولى التي يتوجه فيها المسيحيون الى الأباطرة للدفاع عن عقيدتهم، بل سبق يوستينوس الى ذلك “كوادراتوس” (Quadratus) في دفاعه الموجه للأمبراطور “أدريانوس”، و”أريستيدوس الأثيني” (Aristide d Athenes) في دفاعه الموجه للأمبراطور “انطونيوس بيوس”. ورغم اخفاق هاتين المحاولتين، فلقد أصر يوستينوس في محاولته على التأكيد بأنه من واجب المسيحي اعلان عقيدته امام الجميع.

وبهذا المعني يقول: “علينا أن نعلن امام الجميع عن حياتنا وعن تعاليمنا، مخافة ان نكون مسؤولين امام ضميرنا عن الخطايا التي تقترفونها بجهل. فعليكم أن تسمعوا لنا، كما يفرض ذلك العقل فأذا لم تحققوا العدل وأنتم قد أستنرتم بما نعلن، فأنكم تصبحون مسؤولين أمام الله، (الدفاع الأول، 3،4-5). والى السنوات اللاحقه وضع كتابه فحوى حواره الذي كان قد حصل قبل عشرين سنه بينه وبين اليهودي “تريفون” الذي قال عنه “أوسابيوس القيصرى” إنه كان “المع يهوديي عصره” (التاريخ الكنسي، 6، 18). وهذا الحوار يبرهن لنا كم كان يوستينوس متحمساً لاعلان تعاليم الكنيسه وموقفها من تعاليم اليهود.

ولكن هذه التعاليم التي كانت موجهة بجرأة كبيرة للوثنيين ولليهود على السواء لم تترك الحساد والمناهضين ليوستينوس غير مبالين، لذلك تصدى له الفيلسوف الوثني “كريشينس” بعنف، الأمر الذي دفع بيوستينوس للقول: “وانا ايضاً معرض، وهذا ما أعرفه حق المعرفه، الى دسائس ومؤامرات البعض من الذين قلت عنهم إنهم شياطين ويسعون لادخالنا السجن، وعلى رأسهم “كريشينس”، الفيلسوف المتبجح وصديق الضوضاء.

فكلمة فيلسوف لا توافق هذا الرجل الذي يشكونا علناً، بينما هو لا يعرفنا حق المعرفه، وبالتالي يتهم المسيحيين بأنهم ملحدون كافرون لكي يرضي عدداً كبيراً من الذين هم على ضلال…ولقد طرحت عليه بعض الأسئله، وحاورته، ولكننى اقتنعت اخيراً انه لا يعرف من الفلسفة سوى الإسم” (الدفاع الثانى، 3،1 – 2، 4). هذا الهجوم الصاعق على “كريشينس” دفع بالأخير لأن يشكو يوستينوس أمام الحكام، الأمر الذي اضطره للابتعاد عن روما لفترة زمنيه وجيزه. وعندما تسلم “ماركوس أوريليوس” الحكم سنة 161 مسيحية، بعد موت “انطونيوس بيوس”، رجع الى روما، أملاَ منه بأن الإمبراطور الجديد سيكون متفهماَ وضع المسيحيين نظراَ لحكمتة ولعمقه الفلسفي. وفي تلك السنة كتب دفاعه الثاني الذي بين فيه ان الفلسفه الرواقيه، التي كان اعتنقها “ماركوس أوريليوس” تلتقي مع المسيحية في بعض تعاليمها الأساسية.

وهذا الدفاع كان آخر ما كتبه يوستينوس قبل إستشهاده هو ورفاقه. ويذكر “اوسابيوس القيصري” في كتابه “التاريخ الكنسي، 4، 16، 8،” عن لسان “تاتيانوس السورى” ما يلي: “إن كريشينس، الذي كان يسكن في المدينه الكبيره (هكذا كانوا يسمون روما في الماضي)، تفوق على الجميع بشروره الكثيره، وببخله، وبنزعته لاقتراف كل ما هو ضد الطبيعه. وهو، الذي كان يدعو الى أحتقار الموت، كان يخاف جداً من الموت، حتى أنه سعى جاهداً، امام الحكام، لحملهم على قتل يوستينوس ورفاقه”. وفي الواقع، ففي سنة 165 مسيحية، أوقف “يوستينوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163 – 167) الذي قدمهم للمحاكمة على أنهم مسيحيون ولا يقدمون الضحايا للآلهه.

اما يوستينوس فقد اعترف علناً مع رفاقه أنه لا يؤمن إلا بالمسيح، رافضاً تقديم الضحايا لآلهه روما. وامام هذا الاعتراف الصريح أعلن الوالي الحكم التالي: “إن الذين رفضوا تقديم الضحايا للآلهه، وطاعة اوامر الأمبراطور، فليجلدوا اولاً، ثم تقطع رؤوسهم حسب شريعة الامبراطوريه” وهكذا كان. والذي كتب سيرة يوستينوس ورفاقه يزيد قائلاً: “إن الشهداء القديسين، الذين مجدوا الله، سيقوا الى المكان الذي كان الرومان أعدوه لذلك.

وبعد جلدهم طويلاً قطعوا رؤوسهم، مستشهدين في سبيل ايمانهم بالمسيح” (راجع كتاب استشهاد يوستينوس ورفاقه في مجموعة، الآباء اليونان، م 6، عمود 1572 ب). والكنيسه اللآتينيه تُعيد لهُ في الرابع والعشرين من نيسان، كما أعلنهُ بعدئذٍ البابا لاوون الثالث عشر قديس الكنيسه الجامعه سنه 1882.

وبالاستناد الى ما تقدم يمكننا القول: إن يوستينوس هو في طليعة آباء القرن الثاني لأنه أوفر هؤلاء عظمةً وأوسعهم شهرةً. فيلسوف يوحي بالاعجاب والتقدير، ومفكر علماني تدين له الكنيسه بالتمهيد للحوار مع كلٍ من جماعتي الوثنيين واليهود. وقف حياته كلها على البحث عن الحقيقه ففي اعماله المدونه بخشونه وصلابه. دون أية محاوله للزخرفه الانشائيه، تتجسد شهادة ضاعفت الأجيال المتعاقبه عظمتها. فالمسيحية ليست، في رأيه، مذهباً، بل هي إنسان هو “الكلمه” المتجسد يسوع المصلوب. فيلسوف مسيحي يعود بنا القهقرى الى ثمانية عشر جيلاً، نجد عنده صدى أبحاثنا، ورجع اعتراضاتنا، وكذلك يقيننا وكل ما في نفوسنا من ايمان.

فنحن اذ نكتشف نفسه الرحبه، نلمس بالأنامل الدقيقة ارادته الصادقة في تقبل أفكار سواه وميله الى الحوار. صفات حببته الى الآخرين وجذبتهم إليه. ولئن كان معظم أعماله الحميمه كافٍ للكشف عن ظروفه الحياتيه، من نشاته حتى اليوم الذي استشهد فيه على أسم المسيح. ولقد استفاد يوستينوس من حق المواطنيه التي اكتسبها الفلاسفه في روما التي ظلت، رغم انتصارات جيوشها، تابعه للحضاره الشرقيه ولاختمار الدين في بلاد الشرق. فاساتذة الفكر كانوا يأتون من آسيا بغية التدريس في عاصمة القياصرة. اما الرومان فلقد شغفوا يومئذٍ بفلسفة اليونان، وبتعاليم الديانات القائمه على الأسرار.

وكانت روما قد سيطرت على امبراطوريات بأسرها، فاضطرت بالتالي الى استيعاب آلهة تلك الامبراطوريات وإدخالها “البانتيون” المعبد الذي دشنه قدماء الرومان لإكرام جميع الآلهه. وعندما تملك الرومان الملل من ديانتهم الوثنية التي كانت تفتقر الى الروح الشاعريه، أقبلوا على الفلسفه يجعلونها مدريه روحيه تزهو بالسلم وبصفاء الروح، واتجهوا الى الفلاسفه يعتمدونهم مرشدين وآباء روحيين ولقد حذا الإمبراطور “ماركوس أوريليوس” حذو رعيته فتدثر بأخلاقية “الرواقيه” (stoicism)، الفلسفه القائلة بأن كل شيء في الطبيعة إنما يقع بالعقل الكلي، ويقبل مفاعيل القدر طوعاً. وقد صادف اعتناق يوستينوس الدين المسيحي اجتياز الكنيسة.

مرحلة قلقٍ وغليان، ولم يكن الغريب عنها، مثل الوثني القادم من روما أو من إزمير، فإستطاع الاهتداء بسهوله الى “كنيسة بطرس” في خضم تلك المدارس، او البدع التي تكاثرت من حولها وتشعبت بسرعه تفوق التطور. وكان الوثني، في تلك الأيام، شأنه شأن غير المسيحيين في يومنا هذا، ضائعاً وسط شيع متعدده، متباينة الاتجاهات، تدعي جميعها الالتزام بتعاليم المسيح.

اما داخل الكنيسه فلم تكن القرارات الحاسمه قد اتخدت بعد، نظراً الى أن العرف ما زال حديث الولاده ومن المرجح أن يوستينوس أستطاع لقاء رجال عايشوا الرسولين بطرس وبولس، وربما التقى، في مدينة إزمير، مسيحيين سمعوا يوحنا الرسول صاحب “الرؤيا” ويومها كانت المسيحية في مطلع شبابها، حاره الأيمان تحتضن أبناءها بدفء الأم وحنوها فيما تحاول صيغة عقيدتها والتعبير عن إيمانها.

ولقد أعرب يوستينوس عن فكره خلال ما رواه في سيرته الذاتيه إذ أقام الحُجه وجادل في الوقت عينه، وشهد في كتاباته للأيمان الذي أختاره، الأمر الذي دفع ببعض الفلاسفه وأبناء الطبقه الحاكمه، مثل الأشراف والنبلاء، لتقبل سر المعمودية، ولاعتناق المسيحية على يديه.

وهذا ما أثار نقمة الكتاب الوثنيين عليه، فتوالت أنتقاداتهم لهُ، وكثرت أتهاماتهم الكاذبه الموجهه الى المسيحيين من خلاله، فجابه الصعاب بأيمانه الفتي، ورفع شعاره الشهير: “الأعمال لا أقوال”، ترديداً لصدا كلام (منيسيوس فليكس): “لا نبتغي كلاماً مرصوفاً، بل نحن نريد الحياه” وعندما وقف أسياد المجتمع الروماني للحؤول دون بلوغ كلمة المسيح الى الناس، وأدعى الأقاقون ان أتباع المخلص هم عبدة اله مشوه، وهم فجار وفاسقون يقيمون ولائم تشابه ولائم آكلة لحوم البشر، وسعى الفلاسفه والكتاب متصنعون الى أنتزاع النفوذ ممن أعتبروهم منافسين خطرين لهم، أنبرى يوستينوس رجل حوار من اجل توضيح الحقيقه وتوطيد العلاقه بين الايمان والفكر.

ولعل كلمة الكاتب “بويش” (puech) في كتابه “المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي) تختصر شخصية يوستينوس العظيمه، إذ يقول: “إن الذي يجذبنا في شخصية يوستينوس هو اسميه بشفافية نفسه الصادقة والصريحة والمضطرمة في كل شيء…والذي يشدنا إليه هو أنه طرح، وللمره الأولى، ما ستطرحه، فيما بعد، مدرسة الأسكندريه عن العلاقه القائمه بين الفلسفه والأيمان. فحياة يوستينوس المسلكية والعقلية في نبع فياض من الأيمان والفكر لأنه عاش الأثنان معاً، دون أن يضحي بواحده في سبيل الأخرى. لقد كان مثالاً للأجيال اللاحقة” (المدافعون اليونان في القرن الثاني المسيحي، 52 – 53)

يوستينوس الشهيد والفيلسوف – الأب جورج رحمة

نفي بدعة التبعية عن القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد

نفي بدعة التبعية عن القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد

نفي بدعة التبعية عن القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد

نفي بدعة التبعية عن القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد
القديس فلافيوس يوستينوس اهم المدافعين في القرن الثاني و احد انبل شخصيات الادب المسيحي المبكر و هو اول مفكر مسيحي يحاول ان يصالح مطالب الايمان مع العقل (1) , بعد اعتناقه المسيحية كرس حياته كلها للدفاع عن الايمان المسيحي (2) ارتحل من مكان الي مكان مرتدياً رداء الفلاسفة (3) و كارزاً بالرب يسوع المسيح

اما شخصية يوستينوس فتظهر من خلال اعماله : بسيط , لا يبوق , مستقيم , صادق و بعيد النظر , متسامح و ايمانه حار و سليم(4)

و قد نال اكليل الشهادة لاجل ايمانه المسيحي المستقيم مع خمسة رجال و إمرأة مسيحية في عهد حاكم روما روستيكوس الذي امره ان يذبح للأوثان فأجابه القديس : ليس من انسان صحيح العقل يُضحي بالحق في سبيل الباطل , افعل بنا كما تشاء فنحن مسيحيون , و لا يمكننا ان نذبح للأوثان . فأمر الحاكم بقطع رؤوسهم جميعاً و كان ذلك في ابريل عام 165 م (5)

يقول عنه المؤرخ يوسابيوس القيصري : ( كان مثقفاً جداً في الحق ) (6)

و يكمل قائلاً : (7)

و المعتقد ان ابحاثه كانت خليقة بالدرس عند الاقدمين حتي ان ايريناؤس يقتبس الكثير من كلماته , فمثلاً في مؤلفه الرابع ضد الهرطقات كتب ما يلي :
( و حسناً قال يوستينوس في مؤلفه ضد ماركيون انه لا يصدق الرب نفسه ان نادي بإله اخر غير الخالق )
و يقول ايضاً في الكتاب الخامس من نفس المؤلف :
( حسناً قال يوستينوس انه قبل مجئ الرب لم يجرؤ الشيطان علي التجديف علي الله , لانه لم يكن يعرف الي ذلك الوقت دينونته )

الغريب ان هذا القديس يُدعيَّ عليه كثيراً انه تبع فكر التبعية (8) و هذا يتناقله الكثيرون دون ان يبحثوا في كتاباته الرائعة التي تركها لنا و رغم ضياع الكثير من كتاباته الاخري الا ان فكره اللاهوتي يمكن استخلاصه قدر الامكان من ما بقي لنا من كتاباته . واضِعِينَ في الاعتبار انه اول من تحدث في اللاهوت و بصيغ لاهوتيه ملائمة لعصره و لكي تلقي قبولاً مِن مَن كان يتحاور معهم فجميعهم من غير المؤمنين .

و سنظهر بنعمة الرب عدم ايمان القديس يوستينوس بهذه البدعة بإظهار تعاليمه عن :

1– اله واحد
2– لاهوت الروح القدس
3– لاهوت الابن
4 – حديثه عن الثالوث القدوس
5 – نظرة سريعة في تعاليم الاباء عن الثالوث
6– السبب وراء الاعتقاد بانه أمن ببدعة التبعية

1 – الايمان بوحدانية الله :

– [ لم يكن ابداً منذ الازل , و لن يكون أي إله اخر غير الله الذي خلقَ و شَكَلَّ هذا الكون …. و نحن لا نتكل علي إله اخر سواه لانه بالحقيقة لا يوجد اخر سواه . و هو الذي كان اتكالكم عليه , إله ابراهيم و اسحق و يعقوب ] (9)
– [ يوجد إله واحد وحيد غير مخلوق كلي القدرة ] (10)
– [ يوجد إله واحد , بالحقيقة لا يوجد إلا إله واحد خالق السماء و الارض ] (11)
– [ لان سوفوكليس ايضاً قال الآتي عن الله الواحد الوحيد خالق الكل ….] (12)

2 – لاهوت الروح القدس :

هو روح النبوة الناطق في الانبياء :
– [ كان بعض الناس من اليهود انبياء لله و من خلالهم تنبأ روح النبوة عن احداث سوف تحدث قبل ان تحدث بالفعل ] (13)
– [ فما يعتبره الناس غير قابل للتصديق و غير ممكن سبق الله و اخبرنا من خلال روح النبوة انه سوف يحدث حتي متي صار بالفعل لا يقدر احد ان ينكره ] (14)
– [ و ايضاً في نبوة اخري يعلن روح النبوة من خلال داود النبي ان المسيح سيملك بعد صلبه ] (15)

هو الروح الالهي القدوس :
– [ و قال روح النبوة الالهي القدوس من خلال موسي ….. ] (16)
– [ و قد علمنا روح النبوة القدوس هذا الامر …..] (17)

هو روح الله :
– [ لان ما دعاه روح الله من خلال النبي ….] (18)

هو الله الذي نعبده :
– [ كما اننا نعبد روح النبوة و نحن نعبده بالذهن و الحق و ننقل تعاليمه كما هي لكل من يريد ان يتعلمها ] (19)

3 – لاهوت الابن :

هو واضع الناموس :
– [ لقد جاء واضع الناموس و انتم لم تبصروه ] (20)

رب الجنود :
– [ ان الروح القدس بالمثل دعا المسيح : الله و رب الجنود , و إله يعقوب ] (21)
– [ كما اشارت نبؤة داود , بأن ترفع الابواب ليدخل يسوع المسيح رب الجنود ] (22)
– [ كما جاء في المزمور و في نصوص كتابية اخري معلنة انه هو رب الجنود ](23)

هو الخالق :
– [ هو كلمة الله الذي به صنع السماء و الارض و جميع المخلوقات كما تعلمنا من النبؤات الالهية التي تنبأ بها القديسون ] (24)

نعبده كما نعبد الآب :
– [ نحن نبجله و نتعبد له مع الابن الذي ولد منه ] (25)

لانه هو الله :
– [ و إذ انه كلمة الله و بكره , فهو الله .] (26)
– [ بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل كل الدهور الذي ارتضي ان يولد و يصير انساناً مع انه ليس من اصل بشري ] (27)
– [ ان المسيح خدم ارادة الله مع انه هو الله بكونه بكر كل خليقة ] (28)
– [ لو انكم فهمتم كلمات الانبياء لما انكرتم انه الله و الابن الوحيد لله ] (29)
– [ لقد حرصت ان اثبت لكم بإسهاب ان المسيح هو الرب و هو الله إذ انه ابن الله ] (30)

4 – حديث القديس يوستينوس عن الثالوث :

نعبد الله الآب مع الإبن و الروح القدس :

– [و في الواقع نحن نعلن اننا ملحدون من جهة من تسمونهم الهة و ليس من جهة الاله الحق البعيد عن كل شر الذي هو ابو العدالة و العفة و الفضائل الاخري . نحن نبجله و نتعبد له مع الابن الذي ولد منه , و هو الذي علمنا عن هذه الاشياء و علم طغمات الملائكة الصالحين الذين يخدمونه و تظهر فيهم فضائله , كما اننا نعبد روح النبوة و نحن نععبده بالذهن و الحق و ننقل تعاليمه كما هي لكل من يريد ان يتعلمها ] (31)

الخيرات تأتي لنا من الآب بالإبن في الروح القدس :

– [كما اننا نبارك الخالق الكل علي كل الخيرات التي ننعم بها في ابنه يسوع المسيح و الروح القدس . ] (32)

الله الآب ولد الآبن من ذاته كميلاد الكلمه من العقل و النور من النار قبل كل الدهور و دعاه الروح القدس بالقاب عديدة في الكتاب المقدس :

– [ قلت: الآن يا أصدقائى، سأبين لكم من الكتاب المقدس أن الله ولد من ذاته قوة عاقلة كبداءة(Archen) لكل الخليقة. ويشير الروح القدس إلى هذه القوة بصفات كثيرة مثل: مجد الرب أو الابن أو حكمة أو ملاك أو إله أو رب أو كلمة. وفي مرة دعا نفسه القائد الأعلى عندما ظهر كإنسان ليشوع ابن نون. وهو بالحقيقة يستحق كل هذه الصفات لأنه يصنع إرادة الآب ولأنه ولد بفعل إرادة الآب. ولكن ألاّ يحدث شيء مشابه معنا نحن البشر؟ فعندما ننطق بكلمة نستطيع أن نقول أننا نلد الكلمة لكن ليس بقطعها أى أن قدرتنا على نطق الكلام لا تزول. ونحن نلاحظ مثلاً مشابهًا في الطبيعة عندما تشعل نار نارًا أخرى دون أن تفقد شيئًا بل تظل كما هي. وتظل النار التي أُشعلت قائمة بذاتها ومضيئة دون أن تنقص من وهج النار الأولى. وسأكد كلامى من كلمة الحكمة الذي هو هذا الإله المولود من الآب وهو كلمة من ولده وحكمته وقدرته ومجده. ] (33)

التمايز في طبيعة الله هو من جهة العدد ( ثلاثة اقانيم ) و ليس من جهة الارادة ( اي الجوهر ) :

– [ هو ( اي الابن ) يتمايز عن الله خالق الكل , و ذلك من جهة العدد و ليس من جهة الارادة ](34)
– [القوة مولودة من الآب، بقدرته وإرادته، وليس عن طريق الإنفصال كأن جوهر الآب خضع للإنقسام لأنه بمجرد أن يحدث إنقسام أو انفصال فلن يكون الجوهر مثلما كان قبل الإنقسام. ولشرح هذه النقطة، ذكرت مثال النار الذي يشعل من نار أخرى علمًا بأن النيران المشتعلة تتميز عن النار الأصلية التي مع أنه تشغل نيران أخرى إلاّ أنها تظل نفس النار بلا نقصان. ] (35)
– [وهنا قلت: أيها السادة، إذا كنتم قد تابعتم كلامى بدقة فسترون أن الكتاب يعلن أن الابن مولود من الآب قبل كل الخليقة وسيعترف الجميع أن الابن يتميز عدديًا عن الآب. ] (36)

5 – نظرة سريعة في تعاليم الاباء عن الثالوث :

من الافضل قبل ان ننتهي من هذه الجزئية ان نلقي نظره سريعة عن التعليم الابائي القويم في عقيدة الثالوث القدوس

يقول القديس يوحنا الدمشقي :

– [و عليه اننا نقول بان الاقانيم كاملون لئلا نفكر بتركيب في الطبيعة الالهية . فالتركيب بدء التقسيم . و نقول ايضا ان كلا من الاقانيم الثلاثة هو في الاخر , لئلا نصير الي كثرة و جمهرة من الالهة . لذلك نقر بعدم تركيب الاقانيم الثلاثة و بعدم اختلاطهم , و لذلك ايضا نعترف بتساوي الاقانيم في الجوهر و بأن كل واحد منهم هو في الاخر و بأنها هي هي مشيئتهم و فعلهم و قوتهم و سلطتهم و حركتهم – اذا صح التعبير , و بأنهم اله واحد غير منقسم . فأن الله واحد حقا و هو الله و كلمته و روحه . ] (37)

و يقول القديس اغسطينوس :

– [كثيرًا ما أقول أن عمل الثالوث القدوس لا ينفصل، لكن كل أقنوم يقوم بدوره، ليس فقط بغير انفصالهم، بل وأيضًا دون خلط بينهم. فمن حقنا أن ندرك كلًا من وحدتهم وثالوثهم (تمايزهم) ] (38)

و يقول القديس اثناسيوس الرسولي :

[ لأنه كما أن الإيمان بالثالوث ـ المُسلم إلينا ـ يجعلنا متحدين بالله، وكما أن ذلك الذى يستبعد أى واحد من الثالوث ويعتمد باسم الآب وحده، أو باسم الابن وحده، أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس، لا ينال شيئًا، بل يظل غير فعّال وغير مكتمل… هكذا ذلك الذى يفصل فليس له الاب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن، ويمكن أن يكون أى شئ إلاّ أن يكون مسيحيًا] (39)

و نختم بقول القديس امبرسيوس :

لذلك نحن نقول إنه يوجد إله واحد وليس إلهان أو ثلاثة. لأنه من الخطأ القول بوجود ثلاثة آلهة لأن هذا ما وقعت فيه هرطقة الآريوسيين الكفرة، عديمة التقوى، بما فيها من تجاديف، وبهذا فإنها تقسّم ألوهية الثالوث، بينما فى قول الرب: ” اذهبوا عمّدوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” يُوضِّح أن الثالوث هو قوة واحدة. نحن نعترف بالآب والابن والروح، وبذلك نفهم كمال ملء الألوهية وكمال وحدة القوة، فى ثالوث كامل. (40)

6 – السبب وراء الاعتقاد بانه أمن ببدعة التبعية :

جائت هذه الفكرة لاجل نص واحد في كل كتاباته و قد جاء هذا النص في دفاعه الاول كالاتي :

– [اننا نتعبد له بحكمة إذ قد تعلمنا انه ابن الله الحي نفسه و نؤمن انه الثاني في الترتيب و روح النبوة هو الثالث في الترتيب و لهذا السبب يتهموننا بالجنون قائلين اننا ننسب الي رجل مصلوب المرتبة الثانية بعد الله الابدي غير المتغير خالق الكل ] (41)

و رغم ان هذا المصطلح للوهلة الاولي يثير في الذهن بدعة التبعية , إلا ان هذا لم يكن قصد القديس يوستينوس علي الاطلاق

و ذلك للاسباب الاتية :

1 – قد رأينا ايمانه المستقيم الواضح تمام الوضوح و ذلك من جزء بسيط من كتاباته .

2 – انه عندما اراد ان يقول الترتيب من حيث القيمة اظهر ذلك جهاراً بكلمة ( من حيث القيمة ) قائلاً : [كما ان كل المساعي الاخري ما لم تكن مرتبطة بالفلسفة فإنها تأتي في المرتبة الثانية او الثالثة من حيث القيمة ] (42)

3 –يقصد القديس يوستينوس مما قاله امرين :أ – انه يقصد الترتيب في صيغة التعميد كما جائت في انجيل القديس متي ( بأسم الآب و الابن و الروح القدس )
ب – و ايضاً انه يقصد شرح عمل الثالوث حيث نأخذ كل نعمة و بركة و عطية من الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي و الستة قرون الاولي . القمص تادرس يعقوب مالطي . ص 26
2 – المرجع السابق ص 27
3 – كان الفلاسفة يلبسون عباءة تدعي ( pallium ) و تختلف عن ملابس الرجال العاديين .
4 – تاريخ الفكر المسيحي عند اباء الكنيسة ص 233
5 – دراسات في اباء الكنيسة . احد رهبان دير الانبا مقار . ص 111
6 – تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري . ترجمة القمص مرقص داود . ص 210
7 – المرجع السابق ص 216
8 – التبعية هي التدرج في الثالوث من حيث الرتبة , بمعني ان الاقانيم ليسوا في رتبة واحدة , و بحسب هذا الفكر المغلوط يكون الآب اعلي في الترتيب و الرتبة من الابن و الروح القدس و يكون اقنوما الابن و الروح القدس تابعين للآب
9 – النصوص المسيحية في العصور الاولي . القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد . دار بناريون للنشر و التوزيع . الحوار مع تريفون الفصل الحادي عشر ص 148
10 – المرجع السابق . نصح لليونانيين الفصل السادس عشر . ص 350
11 – المرجع السابق . الفصل الثامن عشر . ص 352
12 – المرجع السابق . عن حكم الله . الفصل الثاني . ص 394
13 – الدفاع الاول . الفصل الحادي و الثلاثون . ص 58
14 – الدفاع الاول . الفصل الثالث و الثلاثون . ص 62
15 – الدفاع الاول 3 الفصل الحادي و الاربعون . ص 69
16 – الدفاع الاول . الفصل الثاني و الثلاثون . ص 60
17 – الدفاع الاول . الفصل الرابع و الاربعون . ص 71
18 – الدفاع الاول . الفصل الثاني و الثلاثون . ص 61
19 – الدفاع الاول . الفصل السادس . ص 33
20 – الحوار مع تريفون . الفصل الثاني عشر . ص 150
21 – الحوار مع تريفون . الفصل السادس و الثلاثون . ص 180
22 – الحوار مع تريفون . الفصل الخامس و الثمانون . ص 249
23 – المرجع السابق ص 248
24 – نصح لليونانيين . الفصل الخامس عشر . ص 349
25 – الدفاع الاول . الفصل السادس . ص 33
26 – الدفاع الاول . الفصل الثالث و الستون . ص 91
27 – جاء علي لسان تريفون مستشهداً بما فهمه من كلام القديس يوستينوس . الحوار مع تريفون . الفصل الثامن و الاربعون . ص 195
28 – الحوار مع تريفون . الفصل المائة و الخامس و العشرون . ص 300
29 – الحوار مع تريفون . الفصل المائة و السادس و العشرون . ص 301
30 – الحوار مع تريفون . الفصل المائة و الثامن و العشرون . ص 304
31 – الدفاع الاول . الفصل السادس . ص 33
32 – الدفاع الاول . الفصل السابع و الستون . ص 94
33 – الحوار مع تريفون . الفصل الواحد و الستون . ص 216
34 – الحوار . الفصل السادس و الخمسون . ص 207
35 – الحوار . الفصل المائة و الثامن و العشرون . ص 305
36 – الحوار . الفصل المائة و التاسع و العشرون . ص 306
37 – المائة مقالة في الايمان الارثوذكسي . ص 70
38 – St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 95:1.
39 – الرسائل عن الروح القدس . الرسالة الاولي . 30 . ص 15 , 16
40 – شرح الايمان المسيحي . الكتاب الاول . فقرة 10
41 – الدفاع الاول . الفصل الثالث عشر . ص 40
42 – الحوار . الفصل الثالث . ص 138

لا نقدم شيئاً مختلفاً عما تؤمن به …. يوستينوس يرد على المسلمين

احد المسلمين اللى بيدعى على نفسه باحث كاتب الاتى

 

اقتباس:
كلام يوستينوس الشَّهيد, أحد آباء النِّصف الأول من القرن الثاني:
في كتابه الدفاع الأول :
The Early Church Fathers: Ante-Nicene Fathers, Volume 1, Justin Martyr, The First Apology of Justin, C
hap. XXI, Analogies to the History of Christ

[And when we say also that the Word, who is the first-birth of God, was produced without sexual union, and that He, Jesus Christ, our Teacher, was crucified and died, and rose again, and ascended into heaven, we propound nothing different from what you believe regarding those whom you esteem sons of Jupiter.]

الترجمة:

[وعندما نقول أيضاً أن الكلمة, والذي هو بِكرُ اللهِ, أُحْدِثَ من غير علاقة جنسيَّة,

وأنه, يسوع المسيح, مُعلمّنا, صُلِب ومات, وقام مرَّة أخرى, وصعد إلى السماء,

لا نُقدِّم شيئاً مُختلفاً عمّا تؤمن به بخصوص أولئك الذين تُقدِّرهم: أبناء جوبيتير.

]

وكما هو معلوم فى النقد الادبى ان نصف الحقيقة اشر الكذب
وامامنا خيارين لا ثالث لهما
1- نقل الكلام منغيره

2- قرا باقى الكلام ومرضاش يكتبه

وفى كل حاجة مصيبة شكل

لكن لعدم الاطالة نكتب نص كلام يوستينوس كامل الفصل الحادة عشر الدفاع الاول من كتاب ” النصوص المسيحية فى العصور الاولى القديس يوستنيوس الفيلسوف والشهيد الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص اخرى صفحات 49 و50 و51

عندما نؤكد ان الكلمة معلمنا يسوع المسيح الذى هو المولود الاول لله ولم تكن هذة الولادة نتيجة لعلاقة جنسية وانه صلب ومات وقام من الاموات وصعد الى السماء فاننا فى ذلك لا نعدى شيئا جديدا او مختلفا عما تقولونه عن المودعوين ابناء زيوس وانتم تعلمون بالتحديد عدد الابناء الذى ينسبه ادبائكم الموقرون لزيوس وهم هرمس مفسر الكلمات ومعلم الجميع واسكلبيوس الذى بالرغم من انه كان شافى الامراض اصابته صاعقة وصعد الى السماء وديونسيوس الذى قطع اربا اربا وهرقل الذى دفع نفسه وسط لهيب نار معدة لحرق حثث الموتى لكى يهرب من الامه والديسقوريات ابنا ليدا وبرسيوس ابن داناى وبلليروفون الذى صعد الى السماء على حصانه بيجاسوس على الرغم من اصله البشرى وماذا تقول عن اريادن وامثالها اللواتى قيل انهم يقيمن بين النجوم ماذا ايضا عن الاباطرة الذين ماتوا والذين تعتبرونهم جديرين بالتاليه ولماذا تدفعون شاهد زور ليقسم انه رائ قيصر وهو يحترق ويصعد من نار المحرقة الجنائزية الى السماء ولا داعى ان نروى لكم قصصا انت تعرقونها بالفعل عن الافعال المنسوبة لابناء زيوس ويكفينا القول بان هذة القصص سجلت من اجل منفعة الدارسين من الشباب وتعليمهم لان الكل يرى ان محاكاة الالهه تعتبر شيئا حسنا ولكن ليت مثل هذة الافكار تبتعد عن كل انسان عاقل لان زيوس الذى تعتبرونه خالق كل الاشياء وحاكمها كان قاتلا لابيه كما ان ابيه كان ايضا قاتلا لابيه وبعد ان تسطلت عليه شهوة الشر والشهوات المخجلة انقض على جانيميد والنساء العديدات اللاتى اغواهن كما اخطأ ابناؤه ايضا باتكاب الاعمال ذاتها ولكن كما سبق وان ذكرنا فان الشياطين الاشرار تقوم بمثل هذة الافعال واما نحن فقد تعلمنا ان الذين سينعمون بابدية سعيدة هم فقط الذين عاشوا حياة فاضلة مقدسة قريبة من الله كما اننا نؤمن ان الذين يعيشون فى الشر بلا توبة سوف يعذبون فى نار ابدية ” انتهى الفصل

ياترى يا هل ترى يا صديقنا العزيز اين ذهب كلللللللل هذا الفصل …. كلته القطة ؟؟؟؟؟؟

السؤال الان هل يوستنيوس بقوله ” فاننا فى ذلك لا ندعى شيئا جديدا او مختلفا عما تقولونه عن المدوعين ابناء زيوس “

يعنى انه يقصد ان ما نعتقد فيه بيسوع المسيح ليس جديدا او مختلفا عن ايمان الوثنين بزيوس ؟؟؟

بعد كتابة الفصل كله واضح انه بيتكلم عن شئ تانى اخر بيتكلم عن الابدية والشر بلا توبة انه اعمال الشيطان

فماذا هو الذى لا جديد فيه عما قالوه

ارجع للفصل العشرين واقرا معى عزيزى الفاضل

“ولهذا فاذا كنا نتفق مع الشعراء والفلاسفة المكرمين عندكم فى بض النقاط ونقدم تعليما اكثر كمالا ولياقة بالله فى نقاط اخرى وان كان الوحيدين الذين نقدم اثباتات لما نقوله فلماذا اذن تكرهونا ظلما اكثر من الجميع وعندما نقول ان الله خلق ودبر كل الاشياء فى هذا العالم فنحن نبدو كما لو كنا نكرر تعليم افلاطون وعندما نعلم ان كل الاشياء ستحترق فى نهاية العالم فنحن نقول بالتعاليم نفسها التى دعا اليها الرواقيون كذلك عندما نؤكد ان ارواح الاشرار ستكون موجودة بعد الموت وتلقى عقوبة بعد الموت بوعى ادراك فى حين تنجو ارواح الابرار من العقاب وتحيا فى سعادة فاننا نؤمن بنفس الاشياء التى يؤمن بها شعراؤكم وفلاسفتكم وعندما ننادى باننا لا ينغى ان نعبد صنعة الايادى فنحن نتفق فى ذلك مع الشار الساخر ميناندر وابداء اخرين الذين يؤكدون ان الخالق اعظم من صنعة يديه “

انتهى وياريت زى ما كل مرة بنقول نقرا فقط مش اكتر

Exit mobile version