تعريف الإيمان الخلقيدوني

تعريف الإيمان الخلقيدوني

تعريف الإيمان الخلقيدوني

كان مجمع خلقيدونية ـ كما رأينا ـ قد رفض مسوَّدة التعريف الذي قدَّمه الأساقفة الشرقيون في جلسة يوم 22 أكتوبر، وذلك على أساس أنه لا يتوافق مع طومس ليو. وتم تكليف لجنة من المجمع لكتابة صيغة جديدة غير تلك المسوَّدة. وسوف نرى من خلال فحصنا لهذا التعريف أنه لم يكن من الضروري على الإطلاق أن يكون البابا ديسقوروس والذين تبعوه في رفض مجمع عام 541م، من أصحاب “بدعة الطبيعة الوحيدة” حتى يتبنوا هذا الموقف.

 

(أ) ملخص مختصر لتعريف الإيمان الخلقيدوني:

بدأ تعريف الإيمان الخلقيدوني[1] بمقدمة توضح السياق الذي كُتب فيه، وبعد ذلك أورد التعريف نص قانون نيقية متبوعاً برمز (قانون) الإيمان المنسوب إلى مجمع عام 381م، ثم أشارت الوثيقة إلى “رسائل المطوَّب كيرلس المجمعية إلى نسطوريوس وإلى الشرقيين”، ولم تعلق على رسالة البابا كيرلس إلى نسطوريوس التي تحوي الحروم الإثني عشر، كما أشارت كذلك إلى “رسالة رئيس الأساقفة الأقدس ليو”، باعتبارها كلها وثائق إيمانية متفق عليها.

وبعد ذلك ذكرت الوثيقة أن: المجمع يرفض “أولئك الذين … يمزقون سر التجسد إلى ثنائية في البنوة (ينادون بابنين)”؛ “أولئك الذين يجترئون أن يقولوا إن لاهوت المولود الوحيد قابل للتألم”؛ “أولئك الذين يتخيلون (وجود) امتزاج أو اختلاط لطبيعتي المسيح”؛ و”أولئك الذين يتوهمون أن شكل العبد الذي أخذه منا هو من طبيعة مختلفة أو طبيعة سماوية”؛ كما أن المجمع يحرم “أولئك الذين يتصورون طبيعتين للرب قبل الاتحاد وطبيعة واحدة جديدة الشكل بعد الاتحاد”.

وبصورة إيجابية استمر تعريف الإيمان ليقول أن “ربنا يسوع المسيح هو بالنسبة لنا نفس الابن الواحد، هو نفس الكامل في اللاهوت، ونفس الكامل في الناسوت؛ إله حقيقي وإنسان حقيقي…؛ هو نفس المسيح الواحد، والابن الواحد، والرب الواحد، والمولود الوحيد؛ يُعترف به في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال؛ ولم يلغِ الاتحاد اختلاف الطبيعتين أبداً بل بالأحرى حُفظت خواص كل طبيعة.

و(هما) يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد؛ وليس كما لو كان قد تجزأ أو انقسم إلى بروسوبونين، ولكنه نفس الابن الواحد والمولود الوحيد، الله الكلمة الرب يسوع المسيح …”. وأكد تعريف الإيمان أن ربنا يسوع المسيح هو إله تام كامل وإنسان تام كامل، وهو كإله له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، وكإنسان أيضاً له ذات الجوهر الواحد معنا. وهو يختلف عنا فقط في كونه بدون خطية على الإطلاق.

كان تعريف الإيمان الخلقيدوني يحوي عناصراً مأخوذة من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي، ومع ذلك ذهب أبعد من حدود التقليد الأنطاكي في تأكيده أن “الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”، كما ذهب أبعد من حدود التقليد السكندري في إصراره أن المسيح ينبغي “أن يُعترف به في طبيعتين”.[2]

وكانت عناصر التقليد السكندري التي أقرها تعريف الإيمان الخلقيدوني هي في الأساس أربعة:

  • أن ’الرسائل المجمعية‘ للقديس كيرلس هي وثائق إيمانية مقبولة.
  • أن مجمع عام 431م هو مجمع رسمي له سلطته (الكنسية).
  • أن اتحاد الطبيعتين هو اتحاد أقنومي ’هيبوستاسي‘ (hypostatic).
  • أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد، وأنه واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا في آنٍ واحد.

وسوف نقوم بمناقشة هذه العناصر بتناول العنصرين الثالث والرابع قبل النظر إلى العنصرين الأول والثاني.

لم يكن تعريف الإيمان الخلقيدوني نفسه يحتوي على عبارة ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ (hypostatic union)، ولكن يمكننا أن نفترض حقيقة أن المجمع كان يقبل هذا المصطلح من خلال تأكيده أن الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد،* وكذلك من خلال تأييد المجمع لرسائل ق. كيرلس. وكما رأينا كانت كلتا الرسالتان إلى نسطوريوس تصران على أن اتحاد الطبيعتين في المسيح هو ’اتحاد هيبوستاسي‘ (أقنومي).

وكان هذا الإصرار (على الاتحاد الهيبوستاسي) هو أحد الأمور التي يشدد عليها التقليد السكندري، وهو ما كان يعارضه الأنطاكيون بقوة إلا أنهم اضطروا للإقرار به منذ وقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م حيث اعترفوا برسالة كيرلس الثانية إلى نسطوريوس بدون أي تحفظ.

ولكن إذا كان الأنطاكيون في قبولهم لعبارة ’الإتحاد الهيبوستاسي‘ في خلقيدونية قد أخذوا ’الهيبوستاسيس‘ بالمعنى المحض ’للبروسوبون‘ وحسب ـ كما فعل ثيؤدوريت[3] بالتأكيد ـ فإن هذا يعني بوضوح أنهم رأوا في الاتحاد ’الهيبوستاسي‘ مجرد مدلول الاتحاد ’البروسوبي‘ (prosopic) فقط.

وفيما يتعلق بالعنصر الرابع، لم يوضح تعريف الإيمان ما هو المقصود بعبارة “بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”. وقد أكد التعريف أن الطبيعتين تتواجدان معاً في تكوين البروسوبون الواحد والهيبوستاسيس الواحد، ومع ذلك لو أُخذت الكلمتين ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ كمترادفتين، فهذا يعني أن تعريف الإيمان لم يذهب إلى أبعد من الموقف الأنطاكي.

أما العنصر السكندري الأول (في تعريف الإيمان) فيعتبر أوضح مثال على غموض المجمع، لأن المجمع قبل “رسائل المطوَّب كيرلس المجمعية إلى نسطوريوس وإلى الشرقيين” وأكد تعريف الإيمان الخلقيدوني ذلك، فهل كانت رسالة كيرلس التي تحوي الحروم متضمنة هنا أيضاً؟.

الحقيقة أن تعريف الإيمان لم يكن واضحاً، ويمكننا مقارنة ذلك مع كلمات مندوبي الإمبراطور في مجمع خلقيدونية عن “الرسالتان القانونيتان لكيرلس”.[4] والمعروف أنه في خلقيدونية ـ وكذلك في مجمع عام 448م ـ تم تجاهل حروم البابا كيرلس، والإشارة الوحيدة التي وردت عليها في هذين المجمعين جاءت في مطلب أتيكوس أسقف نيكوبوليس (Nicopolis) في عام 451م عندما طالب بوقت ليقارن طومس ليو مع هذه الحروم.

ولكن مجمع عام 553م سار على الافتراض أن مجمع خلقيدونية قد أعلن أن تلك الحروم هي وثيقة مقبولة من المجمع، ولذلك حكم بإدانة كتابات ثيؤدوريت وإيباس ـ التي حاولت تفنيد تلك الحروم ـ واعتبرها كتابات هرطوقية.[5] وعلى الرغم من إنكار كثير من العلماء الغربيين في الوقت المعاصر لقبول مجمع خلقيدونية لتلك الحروم،[6] فإن الموقف الذي تبناه مجمع عام 553م لاحقاً كان له مؤيدون منذ مجمع عام 451م.

فكما هو واضح أن أتيكوس أسقف نيكوبوليس لم يكن يعتبر حروم كيرلس مجرد وثيقة رسمية ذات سلطة وحسب وإنما وثيقة تحوي المعيار اللاهوتي التي يمكن أن يُحكم من خلالها حتى على طومس ليو، وكان أتيكوس بالفعل أحد الرجال الذين تشكلت منهم اللجنة المجمعية التي وضعت تعريف الإيمان الخلقيدوني.

والاستنتاج الذي يصعب تجاهله من كل هذه الحقائق هو أن تلك الكلمات الخاصة برسائل كيرلس قد تُركت غامضة عن عمدٍ، لكي ترضي مختلف الأطراف ولكي تُمكِّن أناس مثل أتيكوس من أن يدافعوا عن وجهة نظرهم لاحقاً حين تتاح لهم الفرصة لذلك.

وكان الغموض المتضمن في عبارة: “الرسائل المجمعية” لكيرلس إلى نسطوريوس، ممتداً أيضاً إلى العنصر الثاني الخاص بتصديق خلقيدونية على مجمع أفسس عام 431م، حيث أقر تعريف الإيمان أن المجمع يحفظ “النظام والقوانين الخاصة بالإيمان التي أقرها المجمع المقدس” في أفسس عام 431م. والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة هنا هو:

ماذا كانت تعني تلك العبارة؟، فكما رأينا أنه بعد إعادة الوحدة عام 433م صار مجمع أفسس عام 431م مقبولاً رسمياً من كلا الجانبين السكندري والأنطاكي على الرغم من وجود معارضة في بعض الجماعات الأنطاكية. ولكن الجانبان لم يفسرا مجمع عام 431م بنفس الطريقة، وكانت هذه هي المشكلة القائمة بين الطرفين والتي تحتاج بالفعل إلى حل جذري.

ولكن مجمع خلقيدونية لم يعر هذا الأمر أدنى اهتمام، وترك المسألة الخاصة برسائل ق. كيرلس غامضة كل الغموض، وبدون أية محاولة لحل المشكلة الفعلية التي تواجه الكنيسة في الشرق.[7]

ويتبين من الحقائق السابقة أنه لا يوجد هناك تفسير واحد متفق عليه بالنسبة لأي من العناصر السكندرية الأربعة التي تضمنها تعريف الإيمان الخلقيدوني. ومن المحتمل أن يكون بعض الأساقفة الذين ينتمون للفكر اللاهوتي السكندري ـ داخل اللجنة المجمعية التي صاغت التعريف ـ هم الذين نجحوا في وضع تلك العناصر، آملين أن يكونوا بهذا قد حافظوا على موقفهم التقليدي. ولكن يبدو أن مندوبو روما والوفود المنتمية للتقليد اللاهوتي الأنطاكي قد أخذوا معاني تلك العبارات في ضوء التفسير الأنطاكي لمجمع عام 431م وصيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وعلى الجانب الآخر تبنى تعريف الإيمان الخلقيدوني عنصراً واحداً فقط من التقليد الأنطاكي وهو أن المسيح “يُعترف به في طبيعتين”. ويتفق سيلرز مع الرأي القائل أن المجمع قد تبنى هذا التعبير من باسيليوس أسقف سلوكيا الذي كان قد اقترحه في مجمع عام 448م،[8] بينما يعتقد جريلماير أن هذا التعبير كان بالفعل موجوداً في التقليد اللاهوتي الآبائي.[9]

ومع ذلك فإننا إذا نظرنا بتدقيق في السياق الذي تم فيه إقناع الوفود الشرقية باستبدال مسودة الوثيقة التي كانت معهم ـ والتي كانت تحوي تعبير “من طبيعتين” ـ بوثيقة إيمان أخرى، فسنجد أن مصدر تعبير “في طبيعتين” كان هو طومس ليو نفسه،[10] حيث أكد البابا ليو في الطومس أن وحدة شخص المسيح “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين” (unitatem personae in utraque naturam intelligendam).

وتعتبر الطريقة التي كافح بها الأساقفة الشرقيون، في سبيل إقرار مسوَّدة الوثيقة التي كانت معهم، مؤشراً واضحاً على أن تعبير “في طبيعتين” ـ أينما كان مصدره ـ لم يكن قد أصبح جزءاً من مفردات لغتهم اللاهوتية.

ولا ننسى في نفس الوقت حقيقة أن الجانب الخلقيدوني كان يتمسك بعبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، وأن تعبير “في طبيعتين” لم يكن إلا طريقة أخرى للتعبير عن نفس المعنى. ومن هنا كان العنصر الأنطاكي داخل تعريف الإيمان الخلقيدوني هو بمثابة تبني مباشر للموقف اللاهوتي الذي يؤيده التقليد الأنطاكي. وإذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ كمرادف لـ ’بروسوبون واحد‘ وتعبير ’طبيعتين‘ كمرادف لـ ’هيبوستاسيسين‘ فإن تعريف الإيمان الخلقيدوني يكون بهذا قد أكد التقليد الأنطاكي وحفظه.

ومن الصعب علينا أن نخمن الطريقة التي فسَّر بها القادة المنتمون للتقليد السكندري تعريف الإيمان الخلقيدوني، ولكن أغلب الظن أن ما حدث في خلقيدونية هو أنه استناداً فقط على مجموعة واحدة من العبارات التي قالها أوطيخا، تم تصوير تعليمه على أنه يحمل خطر مهلك على إيمان الكنيسة. ومع تغير السلطة الإمبراطورية لم يعد هناك للذين كانوا يتبنون قراءة مختلفة للحقائق (الخاصة بأوطيخا) أي قوة، لذلك استطاع مجمع خلقيدونية أن يؤكد ـ ومنذ بدايته تماماً ـ على أن أوطيخا هو بالفعل هرطوقي وأنه أنكر حقيقة ناسوت المسيح.

وفي ذلك السياق كان من السهل على قادة المجمع أن يزعموا بأن ليو بابا روما هو الرجل الذي نجح في استبعاد الأوطيخية من خلال إصراره على عبارة ’في طبيعتين‘. وهكذا أخذ القادة المنتمون للجانب السكندري هذه العبارة كأداة فعالة ضد الهرطقة المنسوبة للراهب العجوز، حيث من المحتمل أن يكونوا قد رأوا في عبارة ’في طبيعتين‘ نفس فكرة استمرار اللاهوت والناسوت بصورة ديناميكية في المسيح الواحد.

ومن هنا نستطيع أن نقول أنه إذا كان تصورنا لما حدث في خلقيدونية صحيحاً، فسنجد أنه لم يكن هناك اختلاف في الأساس اللاهوتي ـ في هذا الأمر بالذات ـ بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية على الرغم من عدم اتفاقهم في المصطلحات اللاهوتية المستخدمة، لأن الاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح بلا اختلاط ولا انقسام كان هو الموقف الذي أكده البطريرك السكندري ديسقوروس بتعبيرات واضحة في مجمع خلقيدونية نفسه.

وكانت الحسنة الكبرى في تعريف الإيمان الخلقيدوني تكمن في أنه بتبنيه لبعض عناصر التقليد السكندري استطاع أن يرضي معظم المشاركين في المجمع. فيمكن للسكندريين على سبيل المثال، أن يجيزوا ذلك التعريف ويبنوا عليه فكرهم اللاهوتي الخاص، كما فعل الخلقيدونيون الشرقيون في القرن السادس.

كما يمكن أيضاً للأنطاكيين وبنفس المقدار أن يؤيدوا التعريف وهم متمسكون تماماً بتقليدهم كما فعل رجال مثل ثيؤدوريت أسقف قورش. والغرب كذلك يمكنه أن يشعر بالرضا لأن تشديده على أن ’الشخص الواحد‘ كائن ’في طبيعتين‘ قد تم إدراجه في تعريف الإيمان الخاص بالمجمع.

وكانت تلك المرونة هي نفسها نقطة الضعف الواضحة في تعريف الإيمان الخلقيدوني. ففي الشرق، كان هناك قادة متأصلون بعمق في التقليد السكندري، وهؤلاء قد وجدوا أن التعريف الخلقيدوني غير كافٍ للحفاظ على تراث الكنيسة العقائدي الراسخ، كما رأوا كذلك نقائصاً كثيرة في مجمع خلقيدونية فقرروا أن يرفضوه ويقاوموه.

 

(ج) الدفاع عن تعريف الإيمان الخلقيدوني:

قدَّم كل من ر. ف. سيلرز[11] (R. V. Sellers) وأ. جريلماير[12] (Aloys Grillmeier) دفاعاً معاصراً شديداً عن مجمع خلقيدونية وعن تعريف الإيمان الخاص به. وحيث إنه لدينا تحفظات قوية على استنتاجاتهما حول الموضوع، فنرى أنه من المناسب أن نعرض وجهة نظرنا أثناء تقديمنا للنتائج التي توصلا إليها.

وكان الدفاع الذي قدمه كل من هذين العالمين يعتمد في الأساس على ثلاثة افتراضات مشكوك فيها.

أولاً: لقد زعما أن أوطيخا كان بالحقيقة هرطوقياً بصورة مؤكدة. وقد أوضحنا فيما قبل أنه بالرغم من أن التحالف بين روما والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية ـ بتأييد من الجانب الأنطاكي وفريق فلافيان ـ كان يؤكد في كل الأوقات أن الراهب العجوز كان بالفعل هرطوقياً وجعل كل واحد يصدق أن هذه هي الحقيقة، إلا أن مجمع خلقيدونية لم يحاول على الإطلاق مجرد تأكيد تلك الحقيقة تجاه الرجل.

وبالتالي فإن أي عرض للتعاليم التي نُسبت لأوطيخا على مدى التاريخ منذ زمن مجمع خلقيدونية، ينبغي أن يتضمن أولاً إثبات صحة نسبها له. وبدون أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، لا يكون لدينا الحق ونحن في القرن العشرين ـ حيث نطلب الدقة العلمية في تقييمنا حتى للمعلومات الكتابية ـ أن نفترض أن أوطيخا كان هرطوقياً. ومن ثم يجب علينا أن نرفض الافتراض الأول لسيلرز وجريلماير لأنه يعتبر تأكيد غير مثبت أو محقق.

ثانياً: يفترض هذان العالمان أن تعريف الإيمان الخلقيدوني قد قُبل بالإجماع من أعضاء المجمع من خلال قرار تلقائي توصلوا إليه بسبب ضرورة لاهوتية. والحقيقة الواضحة من استنتاج سيلرز وجريلماير، أنهما لم يجهدا نفسيهما في (فحص وتحليل) وقائع المجمع عند مناقشته لتعريف الإيمان، لأن الأغلبية العظمى من المشاركين في المجمع ـ كما رأينا ـ كانت تتمسك بشدة بمسودة الوثيقة التي تحوي عبارة ’من طبيعتين‘.

وقد كافحوا بكل قوتهم من أجل تبني الوثيقة بدون تغيير تلك العبارة، ولكن مندوبو الإمبراطور أجبروهم في النهاية على التخلي عن مقاومتهم، بل وأصروا على أنه ينبغي على الأساقفة أن يختاروا بين البابا ديسقوروس الذي صدَّقوا على عزله وبين ليو الذي أيَّدوا الطومس الخاص به.* ولم يكن لدى هؤلاء الأساقفة ـ الذين كان كثير منهم قد أقر أن أوطيخا هرطوقي ـ أي تحفظ على تفسير الإيمان بطريقة تحافظ على وحدة المسيح من جهة، وتميز بين اللاهوت والناسوت فيه من جهة أخرى.

والحقيقة أنه إذا أخذنا ما حدث يوم 22 أكتوبر عام 451م بجدية (وحيادية)، فإن الشيء المنطقي الوحيد الذي يمكننا قوله هو أن تعريف الإيمان الخلقيدوني كان من صنع الفريق الذي تسانده الدولة، وتحت قيادة مندوبي روما الذين أرادوا أن يكون (ذلك التعريف) متفقاً مع طومس ليو. ومن أجل إرضاء الغالبية من أعضاء المجمع ـ الذين ظلوا يؤيدون مسودة الوثيقة الأولى من الجهة اللاهوتية ـ وافق الجانب الأقوى (في المجمع) على إدراج عدد من عناصر التقليد السكندري داخل تعريف الإيمان.

وكانت هذه العناصر في الحقيقة، هي نفس العناصر التي أيدها الجانب الأنطاكي بالفعل وقت إعادة الوحدة عام 433م حسب تفسيرهم الخاص لتلك العناصر.  ولم يكن مندوبو روما وحلفاؤهم بهذا التصرف يعيرون أي انتباه لشروط الاتفاق التي رافقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وعلى أي الأحوال، فمن المحتمل أن يكون أعضاء المجمع (المنتمون للتقليد السكندري) قد أحسوا أنه يمكنهم لاحقاً أن يبنوا فكراً لاهوتياً يتفق مع تقليدهم، استناداً على الأفكار السكندرية التي تم إدخالها في اعتراف الإيمان، ولعلهم بهذا الأمل وافقوا على قبول اعتراف الإيمان مع قدر من التحفظ.

ثالثاً: تستند الجهود الحديثة في الدفاع عن تعريف الإيمان الخلقيدوني على زعم قوي مفاده أن المنتقدين لمجمع خلقيدونية يتخذون موقفهم المعارض من خلال الاعتماد على اقتباسات آبائية مزيفة هي في الحقيقة فقرات أبولينارية الأصل. وكان هذا في الواقع أحد المزاعم الدائمة لسيلرز، لذلك ينبغي علينا أمام هذا الادعاء أن ننتبه للحقائق التالية:

  • من الناحية العملية، لم يرى أي أحد في القرنين الخامس والسادس أن هذه الاقتباسات ـ محل التساؤل ـ ذات أصل هرطوقي. وكان كلا الجانبين يقتبسان نفس هذه الفقرات.

  • كان قادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي يشيرون إلى تقليدهم باعتباره تقليد راسخ ومتأصل من خلال اقتباس فقرات مأخوذة من الآباء بدءاً من إغناطيوس الأنطاكي ونهاية بكيرلس السكندري، لكي يُظهروا أن مجمع خلقيدونية ابتعد عن ذلك التقليد لمصلحة موقف هو في جوهره نسطوري.
    وحتى لو افترضنا جدلاً أنه كانت هناك فقرات أبولينارية (في تلك الاقتباسات)، فلا يمكن ولا لسيلرز نفسه أن يزعم أن كل الفقرات التي اقتبسها القادة غير الخلقيدونيين أُخذت من تلك المصادر.

  • لم يكن هناك على الإطلاق أحد من القادة، الذين يقبلهم الجانب غير الخلقيدوني، تمت إدانته بالتمسك بتعليم خريستولوجي أبوليناري. وهذه الحقيقة يقرها سيلرز نفسه مع كثيرين غيره.

وهكذا فإن الحقيقة هي أن قادة الكيان غير الخلقيدوني في رفضهم لمجمع خلقيدونية كانوا يعتمدون على تقليد لاهوتي بناه آباء الكنيسة في الشرق ـ في مواجهة الهرطقة النسطورية ـ على أساس مفاهيم: ’من طبيعتين‘ و’إتحاد هيبوستاسي‘ و’هيبوستاسيس واحد مركب‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘. وأياً كان مصدر هذه العبارات، فإن الآباء الشرقيين قد فسَّروها بمفهوم بعيد عن كل معنى هرطوقي ممكن.

ومن وجهة نظرهم، كان مجمع عام 451م ـ تحت قيادة الوفد الروماني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية ـ قد تجاهل وأهمل كل هذه العبارات (أو المفاهيم) وأنشأ تعريفاً للإيمان يمكن حتى لنسطوريوس أن يقبله كتأييد لتعليمه اللاهوتي. وكانت هذه هي النقطة التي أثارها منتقدو مجمع خلقيدونية، ولا نعتقد أن أياً من سيلرز أو جريلماير قد قام بالإجابة عليها.

وكان جريلماير يتفق مع الرأي القائل أن “مجمع خلقيدونية قد سعى لاكتشاف وتقديم الإجابة على سؤال واحد فقط متنازع عليه وهو: كيف يتم التوفيق بين الاعتراف بـ ’مسيح واحد‘ وبين الإيمان (في نفس الوقت) بأنه ’إله حقيقي، وإنسان حقيقي‘ وبأنه ’كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت‘”. ويصر جريلماير على أن خلقيدونية قد عالج تلك المشكلة:

فبالنسبة لمسألة ’المسيح الواحد‘، فقد أقرها من خلال الاعتراف بأن “ربنا يسوع المسيح هو نفس الابن الواحد”؛ وبالنسبة لمسألة أنه ’إله حقيقي، وإنسان حقيقي‘، فعالجها من خلال عبارة “في طبيعتين”. ويضيف جريلماير قائلاً: أن اعتراف الإيمان توصل إلى هذه الصياغة بالاعتماد على:

(1) رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس؛ (2) صيغة إعادة الوحدة عام 433م؛ (3) طومس ليو؛ (4) اعتراف الإيمان (Professio fidei) الخاص بفلافيان[13]؛ (5) خطاب خاص بثيؤدوريت. ويعترف جريلماير بعد ذلك أن “الصياغات السكندرية …. قد تعين تقليل أهميتها وإزاحتها إلى الوراء”، وحل محلها “طومس ليو، وقد لعب الأنطاكيون دوراً خاصاً بصيغة إعادة الوحدة عام 433م”، والسبب ـ في رأي جريلماير ـ وراء تصرف مجمع خلقيدونية بهذا الشكل كان هو الخوف من الأوطيخية.

ونحن نعتقد أن استنتاجات جريلماير تلك، ينبغي أن تكون قد قادته ليظهر تعاطفاً أكبر ، على الأقل تجاه الصعوبة التي يمكن لرجال مثل البابا ديسقوروس أن يكونوا قد شعروا بها نحو تعريف الإيمان الخلقيدوني.

ويحتاج دفاع جريلماير عن صيغة ’في طبيعتين‘ ـ التي احتواها تعريف الإيمان ـ إلى بعض التعليقات من جانبنا، فقد زعم أن السكندريين كانوا يصيحون في المجمع مطالبين بعبارة ’طبيعة واحدة‘ الخاصة بهم، وكذلك كان الأنطاكيون ينادون بعبارة ’طبيعتين‘، وهنا قدَّم المجمع صيغة ’في طبيعتين‘ لكي يعبِّر عن كلا ’التمايز‘ و’الكمال‘ اللذين للاهوت والناسوت.

وعلى الرغم من أن هدف المجمع من وراء صيغة ’في طبيعتين‘ ـ الذي ذكره جريلماير ـ ليس محل جدال، إلاّ أن شرح جريلماير لخلفيات مجمع خلقيدونية كان غير دقيق تماماً. فمن ناحية لم يكن السكندريون يصرون على مجرد عبارة ’طبيعة واحدة‘، ولكنهم كانوا يصرون على تقليدهم اللاهوتي الذي كانت عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تشكل عنصراً أساسياً فيه.

ومن ناحية أخرى ـ وبنفس القدر من الأهمية ـ لم يكن مفهوم التمايز في المسيح، المبني على تأكيد الاستمرار الديناميكي للطبيعتين في المسيح الواحد بدون اختلاط ولا انقسام، هو موضع خلاف بين البابا ليو والبابا ديسقوروس أو بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن نقطة النزاع بينهما كانت تدور حول كيفية التعبير عن هذا الاستمرار الذي للطبيعتين بطريقة تتناغم مع الاعتراف بالاتحاد الهيبوستاسي.

وكان البابا ديسقوروس يرى أن عبارة “من طبيعتين” هي الصيغة السليمة، ولكن المجمع ـ بدون أن يناقش الأمر على الإطلاق، واعتماداً فقط على سلطة طومس ليو ـ قام بتبني صيغة “في طبيعتين”. ويحتاج هذا التصرف بالفعل إلى تفسير مقنع مصحوب بالدليل، وهذا هو ما لم يقم به أحد على الإطلاق حتى الآن.

 

[1]   للاطلاع على تعريف الإيمان انظر: (ACO. II, i. p. 326: 30-34.). الأصل اليوناني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).

[2]   يذكر جريلماير في (op. cit., p. 458, n. I) أن عبارة “في طبيعتين” قد استُخدمت بواسطة بعض الآباء حتى قبل زمن مجمع خلقيدونية. وهذه الحقيقة لم يجادل فيها اللاهوتيون غير الخلقيدونيين أمثال ساويروس الأنطاكي، ولكن البطريرك ساويروس أكد أن تلك كانت عبارات عشوائية لم ينتج عنها أي تقليد راسخ (انظر المرجع رقم 18 صفحة 374).

ولكن مع نشوب الجدال النسطوري، تم ترسيخ التقليد المؤسس على عبارة “من طبيعتين” في الكنيسة. وقد انتهك مجمع خلقيدونية هذا المبدأ بدون أي داع حقيقي، لأن الهرطقة الأوطيخية كان من الممكن تجنبها في ضوء التقليد الموجود نفسه.

*   هناك فرق بين مفهوم الإتحاد الهيبوستاسي عند ق. كيرلس والبطريرك ساويروس من ناحية وعند يوحنا الدمشقي من الناحية أخرى. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[3]  كما ذكرنا قبلاً (انظر صفحة 43) كان ثيؤدوريت لا يأخذ مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخاص بخلقيدونية إلا بمعنى ’بروسوبون واحد‘. ويشير شارلز موللر إلى هذه الحقيقة باعتبارها المساهمة اللاهوتية لثيؤدوريت. انظر مقال:

(Le Chalcedonisme…, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I, p. 658f)

[4]   انظر صفحة 121.

[5]   للإشارة إلى مجمع عام 553م انظر صفحة 272. ونستطيع أن نقول في ضوء الأدلة المتاحة، أنه بعد مجمع 451م رأى القادة الشرقيون الذين كانوا يشاركون أتيكوس (Atticus) في نفس التقليد أنهم يتفقون مع المنتقدين للمجمع في تلك النقطة.

وقد عبَّر عن هذه الحقيقة مرسوم زينو ’هينوتيكون‘ عام 482م ـ الذي من المحتمل ألا يكون قد صاغه غير أكاكيوس بطريرك القسطنطينية ـ حيث يؤكد أن حروم ق. كيرلس كانت وثيقة رسمية. وبعد هذا الموقف، أعلن الجانب الخلقيدوني في الشرق قبوله للوثيقة الكيرلسية. وكانت هذه هي وجهة النظر التي أكدها مجمع عام 553م.

[6]  يتمسك شارلز موللر بأن حروم ق. كيرلس لم تكن مقبولة في مجمع خلقيدونية، وأن المجمع كان يؤيد الفكر اللاهوتي للقديس كيرلس بقدر ما قد تقنن في صيغة إعادة الوحدة عام 433م، وأن روما كانت قد تجاهلت تلك الحروم حتى عام 519م. وقد أظهر شارلز أيضاً أن كل هذه الأمور قد تغيرت مع مجمع عام 553م.

(انظر المقال في مرجع سابق صفحة 645). وتدعيماً لهذه النظرة، يمكن الرجوع إلى الموقف الذي كان يتبناه بثبات ممثلو الإمبراطور في مجمع عام 451م. ومن الجدير بالملاحظة أنه إذا كان هذه هو الموقف الذي فُرض في خلقيدونية، فإن المجمع لم يصل بالفعل إلى الإجماع الذي كان يبتغيه، لأن قسماً كبيراً من أعضاء المجمع كانوا تابعين مخلصين لتعليم ق. كيرلس.

وأولئك هم الذين تركوا (عن قصد) بعض الأمور مبهمة وغامضة في خلقيدونية، ومكنوا خلفاءهم من إعادة تأكيد موقفهم في القرن السادس.

[7] إن الموضوع الخاص بحروم ق. كيرلس، هو بالفعل موضوع خطير للغاية، والحقائق التالية حولها جديرة بالانتباه:

(1) لقد أرسل ق. كيرلس تلك الوثيقة إلى نسطوريوس في صورة إنذار، وحيث إن ق. كيرلس كان هو المنتصر فى مجمع عام 431م، لذلك فعلى الأرجح أن تلك الوثيقة لم تكن مهملة من قبل المجمع.

(2) قام المجمع المضاد الذي ترأسه يوحنا الأنطاكي بإدانة ق. كيرلس وممنون أسقف أفسس وكل الذين قبلوا حروم البابا كيرلس (مما يعني أنها كانت بالفعل مقبولة).

(3) كتب إيباس أسقف الرها بوضوح في رسالته إلى ماريس أن مجمع عام 431م قبل حروم ق. كيرلس، وأن إيباس نفسه كان كراهب مصاحباً للوفد السرياني الذي حضر المجمع.

(4) إن جهود الأنطاكيين في وقت المفاوضات التي سبقت إعادة الوحدة عام 433م لكي تجعل ق. كيرلس يتنازل عن الحروم لا يمكن تفسيرها ما لم تكن الوثيقة قد تم بالفعل تقنينها بواسطة المجمع.

(5) كان هناك رجال من الذين حضروا مجمع خلقيدونية مثل أتيكوس أسقف نيكوبوليس اعتبروا الوثيقة لها سلطة ملزمة، كما أن الذين قاموا بانتقادها لم يشككوا على الإطلاق في تلك النظرة.

(6) لم يحدث في الأزمنة القديمة أن أحداً من الذين انتقدوا الحروم، حاول أن يتجاهلها بحجة أنه ليس لها تقنين مجمعي.

(7) أقر نسطوريوس أيضاً في كتابه ’بازار‘ أن مجمع عام 431م قد صدق على تلك الحروم.

[8] The Council of Chalcedon, op. cit., p. 216.

[9] انظر المرجع رقم 6 صفحة 340.

[10] انظر صفحة 155 وما يليها.

[11] للإطلاع على مناقشة سيلرز المفصلة لهذا الموضوع انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 207f).

[12] See Christ in Christian Tradition, op. cit., pp. 480f.

*  انظر أحداث يوم 22 أكتوبر عام 451م في الفصل الثالث.

[13] انظر المرجع رقم 37 صفحة 49.

تعريف الإيمان الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

عندما نقوم بفحص الأسباب التي جعلت المسيحيين في مصر وفي أجزاء كثيرة في الشرق يعارضون مجمع خلقيدونية، ستتضح أمامنا حقيقة واحدة من خلال وثائق القرنين الخامس والسادس، ألا وهي أنهم رفضوا الاعتراف بذلك المجمع على أسس لاهوتية جوهرية.

وبالرغم من أنه ليس من المستبعد أن يكون لدى أولئك المسيحيين شكوى عنيفة ضد مجمع عام 451م بسبب الطريقة التي عُومل بها البابا ديسقوروس وبسبب القرار الخاص بالقسطنطينية، إلا أن تلك الأمور لم يأتِ ذكرها في أي من الوثائق سوى بطريقة غير مباشرة، حيث ظل السبب الرئيس المعلن لرفض المجمع هو سبب لاهوتي.

وفي محاولتنا لفهم وجهة نظر أولئك المعارضين، يتعين علينا أن نتذكر حقيقة أنهم كانوا يتمسكون بإخلاص بالتقليد اللاهوتي السكندري الذي كان بالنسبة لهم هو التقليد الأرثوذكسي الوحيد.

ولم يكن هذا التقليد يقتصر على الإسكندرية أو مصر، ولكنه في الحقيقة كان منتشراً في جميع المناطق في الشرق، ومنذ إدانة نسطوريوس ازداد التقدير لهذا التقليد بصورة كبيرة كما صار البابا كيرلس ـ أكثر من أي شخص آخر ـ هو الرجل اللاهوتي الذي يعبِّر عن الأرثوذكسية بكل إمتياز.

وهذه الشعبية التي نالتها تعاليم آباء الإسكندرية لم تكن شعبية مطلقة أو كليةً إذ كان لها معارضون في الجانب الأنطاكي. وكان المؤيدون للتقليد الأنطاكي ـ كما رأينا ـ يحاولون بشتى الطرق تقوية موقفهم، وكانوا في سعيهم هذا يحرِّفون ـ عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ ـ وجهة نظر الجانب السكندري.

وكانت هذه بالفعل هي طبيعة التوتر في الشرق التي على خلفيتها عُقدت المجامع الكنسية الثلاثة عام 448م وعام 449م وعام 451م. وبالنسبة للمنتمين للتقليد السكندري، اعتُبر مجمع عام 448م أنه دافع عن التقليد الأنطاكي وقد تم تصحيح ذلك من خلال مجمع عام 449م، ولكن مجمع خلقيدونية عام 451م قام بإلغاء قرارات مجمع عام 449م.

ولكي نستطيع تقدير وجهة النظر تلك، لابد أن نقوم ببحث الموقف اللاهوتي الذي أقره مجمع خلقيدونية. ومن أجل هذا، سنقوم بفحص الفكر اللاهوتي الذي أكده طومس ليو من جهة، والفكر اللاهوتي الذي أكده تعريف الإيمان الخلقيدوني من الجهة الأخرى. وبعد ذلك سنناقش تعليم البابا ديسقوروس لكي نرى ما هي بالتحديد الأمور التي كان يريد التشديد عليها.

 

2. الفكر اللاهوتي لطومس ليو:

كان الأمر المركزي في مجمع خلقيدونية ـ كما سبق وأوضحنا ـ هو قبول أو عدم قبول طومس ليو. ولذلك سيكون من المناسب هنا أن نعطي ملخصاً مختصراً لهذه الوثيقة، لكي نرى مدى الصعوبة التي يمكن أن يجدها (الشخص) اللاهوتي السكندري في تقبل وهضم الفكر اللاهوتي لتلك الوثيقة.

 

(أ) ملخص مختصر لطومس ليو:

كانت الوثيقة مؤلفة لغرض محدد هو تأييد إدانة أوطيخا التي أعلنها مجمع عام 448م. وقد أخذ الطومس في عرض الموضوع من بدايته الأولى،[1] حيث ذكر أنه: بدلاً من أن يتعلم أوطيخا من أولئك الأكثر منه حكمة اعتمد على فهمه الناقص للإيمان، ولو كان قد توقف فقط ليفحص بعناية العبارة الواردة في قانون الإيمان “أؤمن بالله الآب الضابط الكل، وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”،[2] لما كان قد وقع في تلك الهرطقة الحمقاء.

وعندئذ بدأت الوثيقة تقدم أدلة من الأسفار لتبين بها أن “المولود الوحيد الأزلي نفسه الذي من الآب الأزلي، هو ذاته الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”.

وبهذه الطريقة أخذ الله الابن طبيعتنا لأجل شفائنا، ولكن أوطيخا ـ على عكس هذا التعليم الواضح ـ استعمل “كلمات مضللة” وقال إنه “قد حُبل به في رحم العذراء”، وأن المسيح “أخذ شكل إنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”. والحق هو أن “الروح القدس جعل العذراء تحبل وتلد، ولكنه كان جسد حقيقي مأخوذ من جسدها” ذاك الذي ولدته.

وقد اتخذ الله الابن الأزلي ناسوتاً بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. إن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.

وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.

فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.

ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.

واستمر الطومس ليبين أنه طبقاً لشهود العهد الجديد، فإن المسيح هو إنسان وإله معاً، والرسول بطرس على سبيل المثال أوضح ذلك بصورة جلية في اعترافه التاريخي في قيصرية فيلبس، وبالتالي كان هناك سبب وجيه لكي “يعلن الرب طوباويته” وأن “يشتق (الرب) ثبات قوته واسمه من الصخرة الأصلية”.

وكانت ظهورات ربنا بعد القيامة من أجل تأكيد هذه الحقيقة العظمى للتلاميذ. وقد فشل أوطيخا في إدراك هذا، لأنه لم يميِّز “طبيعتنا في (الابن) المولود الوحيد، لا في حالة تواضع الموت ولا في حالة مجد القيامة”، وبهذه الطريقة تجاهل حقيقة الصليب وبالتالي أنكر المعنى الحقيقي لخلاصنا.

وقام البابا ليو بتوبيخ فلافيان أسقف القسطنطينية لأنه لم يُسكِت الراهب أوطيخا حين قال: “أنا أعترف أن ربنا من طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن بعد الاتحاد أنا أقر أنه بالحق طبيعة واحدة”.[3]

(ب) بعض الملاحظات على طومس ليو:

كان البابا ليو قد وضع هذا الطومس في ضوء افتراضٍ مبدئي بأن أوطيخا قد فشل في تأكيد حقيقة ناسوت المسيح وميلاده البشري، ولذلك ركز البابا ليو في الطومس على ثلاثة نقاطٍ بقصد استبعاد الخطر المتضمَّن في الموقف الذي نُسب لأوطيخا. وهذه النقاط هي:

(1) إن ناسوت المسيح كان حقيقياً ـ فقد وُلد كإنسان من الأم العذراء، وكان له كل الخواص الإنسانية الجوهرية، ومات وقام ثانية من بين الأموات.

(2) من خلال ميلاد وحياة وتدبير يسوع المسيح، دخل الله الكلمة ـ الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس ـ بنفسه في الوجود التقليدي للجنس البشري وتمم خلاصه.

(3) إن لاهوت الكلمة والناسوت الذي اتخذه، قد استمرا في شخصه الواحد بدون تغيير.

وفي الحقيقة كان التقليدان اللاهوتيان السكندري والأنطاكي يقران بكل هذه التأكيدات (الواردة في الطومس) بدون أي تحفظ. ولكن الصدام بينهما كان قد حدث نتيجة تخوف الجانب السكندري من أن الجانب الآخر لا يؤكد على وحدة شخص المسيح بالمعنى الحقيقي، وكذلك تخوف الجانب الأنطاكي من أن الجانب الآخر يتجاهل حقيقة ناسوت المسيح. وكان طومس ليو بالفعل يقدم العقيدة بالطريقة التي تحقق الرضاء التام للجانب الأنطاكي.

فماذا إذن عن اهتمامات الجانب السكندري؟. لقد تحدث طومس ليو عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا بهذا التعبير؟ ولكي نقدم السؤال بهذا الشكل ينبغي علينا أن نتذكر أولاً أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و ’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين كمرادف يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين. وكان الأنطاكيون ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يؤكدون على اتحاد الطبيعتين في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وعلى هذا الأساس كانوا يعلِّمون أن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.

ولكن السكندريون أصروا على أن اتحاد الطبيعتين كان بحسب ’الهيبوستاسيس‘ وأن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد،* لأن الطبيعتين الإلهية والإنسانية كانتا متحدتين إلى درجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ وهو كان دائماً “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م. ومن ثم يصبح السؤال عن المعنى الذي كان البابا ليو يقصده من تعبير ’شخص واحد‘، هو سؤال وثيق الصلة بالموضوع. فهل كان يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.

من الواضح من الطومس أن البابا ليو لم يتطرق إلى تلك الأمور (أو الفروق) الدقيقة الخاصة بالشرق، وفي أغلب الظن أنه لم يكن ملماً بها، ولذلك حينما كان يؤكد وحدة شخص المسيح أصر على أن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”، وأن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”.

ورأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’أن كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘، وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن أن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.

وإذا قارنوا الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة التي احتوت على الحروم، فسيجدون تناقضاً حقيقياً بين تعليم اللاهوتي السكندري وتأكيدات البابا ليو. لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس المتجسد الواحد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان،[4] فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المعقول والمنسجم مع سياق النص ـ سيكون هذا الموقف بالتحديد هو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.

 

[1]   للاطلاع على الطومس انظر: (ACO. II, i. pp. 10f.). الأصل اللاتيني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).

[2] هنا اقتبس ليو بابا روما من قانون الإيمان الروماني القديم وليس من قانون نيقية.

[3]   يذكر طومس ليو أن كلمات أوطيخا هي:

Confiteor ex duabis naturis fuisse Dominum nostrum ante adunationem post adunationem vero unam Confiteor”  

والحقيقة أن الأصل اليوناني الذى عبَّر فيه الراهب عن هذه الكلمات ليس فيه كلمة تتطابق مع كلمة (vero) التي ذُكرت باللاتينية التي كتب بها الطومس. (وهذه الكلمة تعني بالحق أو بالتأكيد أو في الواقع)

*   انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.

[4]   كان هذا هو الاختلاف بين البابا كيرلس والبابا ليو، والذي يبدو أن بول جالتييه قد تجاهله في محاولته التوفيق بين الرجلين. وكما سنرى فلم تكن صيغة إعادة الوحدة تبرر التعليم الذي قدمته روما أثناء النزاع. انظر:

(Galtier’s essay on Le Saint Cyrile d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedon, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I)

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على 

 

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

بمجرد أن انتهى الإمبراطور هراقليوس من توطيد أموره في القسطنطينية، قام بتوجيه اهتمامه إلى استعادة الأراضي المحتلة التي فقدتها الإمبراطورية نتيجة غزوات الفرس. ويسجِّل المؤرخ ميخائيل السرياني أن هراقليوس حاول في البداية أن يسترجع تلك الأراضي بطريقة ودية حيث أرسل خطاباً إلى كسرى الثاني إمبراطور فارس يخبره فيه أن الرجل الذي أهلك الإمبراطور موريس وعائلته قد قُتل، وبالتالي يمكن أن يكون هناك سلام بين الدولتين.[1]

ولم يأتِ هذا الخطاب بأية نتيجة مع كسرى الثاني، فاضطر هراقليوس أن يدخل في حرب مع الفرس، وكان الانتصار حليف الفرس في كل المعارك التي دارت بين عام 611م وعام 620م حيث أصبحت مصر وكل الشرق تحت سيطرتهم. وكتب فاسيليف عن ذلك قائلاً: “إن السهولة التي احتل بها الفرس سوريا وفلسطين يمكن تفسيرها جزئياً من خلال الظروف الدينية لتلك المناطق، فمعظم السكان ـ وبالأخص في سوريا ـ كانوا من غير المؤيدين للإيمان الأرثوذوكسي الرسمي للحكومة.

كما أن النساطرة وأصحاب الطبيعة الوحيدة (Monophysites) الذين يقطنون تلك المناطق كانوا يعانون من الاضطهاد العنيف من الدولة البيزنطية، ولهذا كان من الطبيعي أن يفضِّل أولئك السكان سيادة الفرس عبدة النار عليهم، لأن النساطرة كانوا يتمتعون في بلاد الفرس بحرية دينية نسبية”.[2] وقد أيد المؤرخون السريان وجهة نظر فاسيليف الذي أضاف مؤكداً أنه لا يمكننا أيضاً إهمال الجزء الخاص بالدور الذي لعبه الكيان الخلقيدوني في تحريض الأباطرة على الاضطهاد.

 

2. انتصارات هراقليوس:

لم يستطع هراقليوس تحقيق أي شيء يُذكر في التسع سنوات الأولى من حكمه، بل تمكن الفرس من التوسع في الأراضي التي اغتصبوها دون أية إعاقة. ففي عام 613م احتلوا (Cilicia)، كما نهبوا فلسطين في العام الذي يليه وسجنوا البطريرك زخارياس وأخذوا الصليب المقدس إلى عاصمتهم المداين (Ctesiphon). وفي عام 615م وصل الفرس إلى مدينة خلقيدونية وضاعت شبه الجزيرة اليونانية في أيدي السلافيين (Slaves). وبدأ الفرس غزوهم لمصر عام 617م وسقطت الإسكندرية على الفور في أيديهم.

وأمام هذه الكوارث أعلن هراقليوس خطته للانسحاب إلى قرطاج (Carthage) في شمال أفريقيا، ولكن الشعب لم يدعه يقوم بهذا ونجح البطريرك سرجيوس (Sergius) في أن يجعل الإمبراطور يغير رأيه وقدمت له الكنيسة كل الدعم مع الرجال والأموال. ووسط هذا التأييد قام هراقليوس ببناء جيش وأسطول جديد، وفي ليل الخميس 7 أغسطس عام 626م هُزم الأسطول السلافي شر هزيمة.

وحقق هراقليوس أيضاً في الشرق سلسلة من الانتصارات الرائعة على الفرس بلغت ذروتها في المعركة الحاسمة التي جرت قرب نينوى (Nineveh) عام 627م، وقتل هراقليوس بيده فيها ثلاثة من قواد الفرس، كما قُتل رئيس الجيش الفارسي رازاتاس (Razatas). ومات كسرى الثاني على يد ابنه، وتم التوصل إلى سلام بين الدولتين في عام 628م، كما أُعيدت خشبة الصليب المقدسة إلى أورشليم.

وهكذا نجح هراقليوس في أن يعيد للإمبراطورية الرومانية مجدها السابق، وقد صارت في الحقيقة منذ ذلك الوقت ’الإمبراطورية البيزنطية‘. واتخذت تلك الإمبراطورية سمتها المميزة التي تتكون من ملمحين أساسيين ساهما معاً في توحيدها وهما بالتحديد التمسك بالتوجه الخلقيدوني واللغة اليونانية.

ولم تأخذ الإمبراطورية في حسابها حقيقة أن المسيحيين الأقباط والسريان الذين لن يقبلوا هذين الأمرين يستحقون معاملة عادلة، ولذلك لم تلائم تلك الإمبراطورية وكنيستها التي تحت قيادة القسطنطينية إلاّ فقط الرجال والنساء الذين ولدوا ونموا في البيئة الثقافية اليونانية. وعلى هذا لم تستطع الكنيسة ـ التي حاولت الإمبراطورية توطيدها ـ أن ترى البعد الجامعي (الكاثوليكي) من منظوره الصحيح.

وبالرغم من أن هراقليوس استعاد سوريا ومصر عام 628م، إلاّ أنه اضطر للتخلي عن سوريا للعرب بعد ذلك بسنوات قليلة، كما فُقدت مصر كذلك فور موته عام 641م. ويعتقد المؤرخون السريان أن هذا كان من عمل الله رداً على “الشر الذي ارتكبه الرومانيون (أي المنتمون للإمبراطورية الرومانية)، الذين كانوا كلما أمسكوا بالسلطة، سرقوا كنائسنا وأديرتنا وحكموا علينا دون رحمة”.[3]

وكان هراقليوس قد تبنى إجراءات قاسية جداً ضد الكيان غير الخلقيدوني في الفترة التي كانت فيها مصر وسوريا وأسيا الصغرى وفلسطين تحت سلطته الإمبراطورية، ولكن هذا لم يحدث إلا بعد فشل محاولته الخاصة لتوحيد الجانبين.

 

3. جهود في سبيل إعادة الوحدة:

وكان هراقليوس بعد تلك الانتصارات في سوريا، وعندما قام بزيارة الرها رحب به رجال الكنيسة والرهبان والشعب ترحيباً حاراً وكانوا ينتمون إلى الجانب غير الخلقيدوني، فأسعد ذلك الإمبراطور جداً.[4]

وفي غضون ذلك الوقت أصدر هراقليوس خطاباً دورياً موجهاً إلى (diakrinomenoi)[5] أي ’المُفرزين‘ أو ’المُنشقين‘[6] جاء فيه: “إن الابن كلمة الله الذي مع الآب والروح القدس قبل الدهور، هو واحد من الثالوث القدوس المحيي والواحد في ذات الجوهر. ولكي يفدي الجنس البشري أراد أن يصير متجسداً من مريم ’والدة الإله‘ وأن يولد منها.

وهو إله كامل، الذي هو نفسه قد صُلب في أيام بيلاطس البنطي. وإذ هو الله الكلمة الغير قابل للتألم فإنه ظل الله وإنسان كطبيعتين اتحدتا في فعل واحد (one operation)، أي الطبيعة الواحدة لله الكلمة المتجسد كما أقر كيرلس الطوباوي. والقول بطبيعتين لا يعني الفصل بينهما”، واختُتم الخطاب بإعلان الحرم لأي واحد يتمسك “بإيمان مخالف، سواء كان ذلك مجمع نيقية أو القسطنطينية أو أفسس أو خلقيدونية”.

ويؤكد الفكر اللاهوتي لهراقليوس ـ كما يعكسه هذا الخطاب ـ أن المسيح هو إله وإنسان اتحدا في فعل واحد (one operation)، وهذا الفكر لم يكن بأي حال من الأحوال أفضل من التعليم المنسوب لنسطوريوس والذي تمت على أساسه إدانته. وثمة نقطة أخرى نلاحظها في هذا الخطاب، وهي أنه استخدم كلمة ’طبيعة‘ بمعنيين مختلفين، ففي تأكيده على الطبيعتين يشير الخطاب بأنهما الله الابن وإنسان، ولكن في الصيغة الكيرلسية (التي يذكرها) جعل الطبيعة تعني فقط ’الفعل‘.

وإذا وضعنا هذه الحقائق في الحسبان، نستطيع القول بأن هراقليوس لم يكن يريد أن يصدر صيغة وسطية يقبلها الجانبان، وإنما كان يقدم إعادة تفسير للتعليم الخريستولوجي، ولكن هذا التفسير لم يكن مع الأسف جدير بالتقدير على الإطلاق.

 

4. هراقليوس والإضطهاد:

لم يكن خطاب هراقليوس العقائدي مقبولاً لدى الكيان غير الخلقيدوني إلا عند بعض الفصائل، وقد أثار ذلك عداوة هراقليوس ضدهم فبدأ برنامجاً من الاضطهاد الوحشي جعل المسيحيين في مصر وسوريا يشعرون بالضجر الشديد.

وكان في مصر في ذلك الوقت اثنين من البطاركة واحد خلقيدوني وآخر غير خلقيدوني، وكان للبطريرك الخلقيدوني كورش (Cyrus) سلطة سياسية على البلاد بجانب سلطته الدينية، فاستخدم وضعه هذا في اضطهاد الكيان غير الخلقيدوني الذي كان تحت قيادة البطريرك أندرونيكوس (Andronicus) ـ خليفة أناستاسيوس ـ مما تسبب في كراهية الشعب الشديدة له. وهنا ينبغي علينا أن نذكر أن البابا بنيامين (Benjamin) الذي جاء بعد أندرونيكوس قد رحب بالعرب عندما قاموا بغزو مصر.

أما في سوريا فكان هراقليوس نفسه متداخلاً في الاضطهاد الدائر هناك، فبينما كان يقيم في الرها حضر إلى الكنيسة في أحد أيام الأعياد مع غير الخلقيدونيين، وتقدم ليأخذ سر الشركة، ولكن إشعياء أسقف المدينة رفض ذلك قائلاً للإمبراطور أنه ما لم يعلن تخليه عن مجمع خلقيدونية وطومس ليو فلن يستطع أن يعطيه من الأسرار. وهنا شعر هراقليوس بالإهانة وأمر في غضبه بأن يُطرد الأسقف وتؤخذ الكنيسة وتُعطى للخلقيدونيين، وبهذه الطريقة صارت كاتدرائية الرها في أيدي الجانب الخلقيدوني بتدخل من هراقليوس نفسه.

وبعد مغادرة هراقليوس لمدينة الرها ذهب إلى منبج (Mabbogh) حيث قابله هناك البطريرك أثناسيوس مع اثني عشر أسقفاً، ومكث قادة الكنيسة السريانية مع الإمبراطور اثني عشر يوماً يناقشون فيها معه موضوع الإيمان. وقدم له هؤلاء القادة ـ بناء على طلبه ـ موقفهم العقائدي مدوناً في بيان أعده البطريرك.[7]

وجاء في ذلك البيان أن قانون إيمان نيقية كما أقره مجمع القسطنطينية ومجمع أفسس هو الرمز الوحيد للإيمان، وبخصوص التجسد أكد البيان:

(1) أن كلمة الله الآب، المساوي والواحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، أخذ ـ بالحقيقة وفي الواقع ـ جسداً له روح وعقل من والدة الإله.

(2) أن الله الكلمة وحَّد مع نفسه الجسد من جهة الطبيعة والفعل.

(3) أن الجسد أخذ وجوده فقط في التقائه (واتحاده) مع الكلمة، ولذلك فهو لم يتكون قبل الاتحاد.

(4) أنه (أي الكلمة) صار إنساناً، ليس من خلال تحول أي من الطبيعتين إلى الأخرى.

(5) أن كلمة الله له ميلادان، واحد أزلي من الآب والآخر في الزمن من الأم البشرية.

(6) أن الذي كان قبل التجسد استمر كما هو في التجسد بدون إدخال أي إضافة إلى الثالوث.

(7) أنه مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما كامل بحسب أصل مبدأه وكل منهما يحتفظ بخصائصه الطبيعية، ويسوع المسيح هو واحد، طبيعة واحدة، أي شخص واحد، وهو ليس منقسم إلى طبيعتين، أو شخصين، أو ابنين، أو مسيحين من بعد الاتحاد الذي يفوق الوصف.

(8) أن الانقسام من جهة والخيالية* من الجهة الأخرى مرفوضتان تماماً، حيث إن الأولى هي خطأ نسطوريوس والثانية هي هرطقة أوطيخا.

(9) أن المسيح الواحد هو في نفس الوقت، واحد في ذات الجوهر مع الله الآب والروح القدس في اللاهوت، كما أنه واحد في ذات الجوهر معنا في الناسوت.

(10) ولذلك فإن كل الأمور الإلهية وكل الأمور البشرية، الأمور السامية والأمور المتواضعة، هي كلها لنفس الشخص الواحد، الذي احتمل بالحقيقة ـ وهو بلا أدنى لوم ـ الآلام التي تخص الطبيعة البشرية بينما ظل هو بلا ألم من جهة لاهوته؛ لأننا كنا نحتاج إلى إله متجسد يجوز الموت كما قال ق. غريغوريوس النزينزي.

وقد ذكر البيان خمسة أسباب تفسر إصرارهم على رفض مجمع خلقيدونية، واختتم بقوله: إن هذه هي الأشياء “التي تزعجنا والتي تسبب انقسام الكنيسة، وعندما يتم تصحيح هذه الأمور فلن يكون هناك شيء يمنعنا من الذهاب إلى بيت الله سوياً والتمتع بالفرح الروحي. والله الذي يعرف الخفايا شاهد بأن اهتمامنا فقط هو الحفاظ على الإيمان، وبأننا لسنا منقادين بروح النزاع أو بالغرور الشخصي كما يظن بعض الناس”.

وعندما قرأ الإمبراطور هذا البيان قام بإدانته ـ كما يقول المؤرخ السرياني ـ وطلب من البطريرك والأساقفة الذين معه أن يعطوه الشركة (الإفخارستية) وأن يؤيدوا رسالته العقائدية، فرفض قادة الكنيسة السريانية الإذعان لأي من المطلبين وانتهى الأمر عند هذا الحد.

وثار غضب الإمبراطور مرة أخرى على الكيان غير الخلقيدوني، فكتب إلى كل المناطق التي تحت سيادته يأمرهم بأنه “يتحتم على كل الذين لا يقبلون مجمع خلقيدونية، أن تُقطع أنوفهم وآذانهم، وتتم مصادرة ممتلكاتهم”.[8] واستمر هذا الاضطهاد الرسمي لفترة من الزمن اضطر أثناءها كثير من الرهبان أن يؤيدوا مجمع خلقيدونية بسبب سوء المعاملة والظلم الشديد، أما الذين رفضوا الاستسلام فقد أُجبروا على الموافقة على المجمع بأساليب شتى.

ويذكر المؤرخ السرياني أن غير الخلقيدونيين أمام هذه الآلام الشديدة قاموا بإرسال استغاثاتهم إلى الإمبراطور، ولكنه لم يظهر حتى مجرد الرغبة في سماع توسلاتهم. وفي خضم هذه الأحداث بدأ الغزو العربي، فقابله أولئك المسيحيون بكل ترحاب. ومن هنا فإن اللوم في امتناع المسيحيين في مصر وسوريا عن المقاومة وبقائهم محايدين أثناء الفتح العربي لتلك الأراضي يقع على هراقليوس نفسه الذي كان قد استطاع في الماضي أن يستعيد الإمبراطورية البيزنطية.

وحينما وصل العرب إلى السلطة فعلوا أمراً واحداً أفاد الكيان الخلقيدوني جداً، حيث سمحوا لكل جانب بالاحتفاظ بمباني الكنائس والمؤسسات التي كانت في حوزته وقت الفتح العربي، وبهذه الطريقة بقيت الكنائس التي كان هراقليوس قد أخذها من غير الخلقيدونيين في حوزة الكيان الخلقيدوني.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني ـ كما يذكر المؤرخ السرياني ـ استطاع على الأقل أن يتخلص من الاضطهاد غير الإنساني الذي مارسه ضده المسيحيون الخلقيدونيون. وهكذا أظهر عهد هراقليوس في التاريخ البيزنطي خطأ رؤية الإمبراطورة بولخريا في منتصف القرن الخامس، حيث اعتقدت أن تلك الرؤية يمكنها أن تتحقق من خلال اضطهاد المسيحيين في الشرق لأنهم وجدوا أن قوانين مجمع خلقيدونية تختلف عن فهمهم لتقليد الكنيسة العقائدي الراسخ لديهم، ولأنهم رأوا كذلك عدم ملائمة ادعاءات السيادة التي فرضها كرسي روما.

 

5. بعض الملاحظات الختامية:

ويتبادر إلى الذهن هنا سؤال هام جداً وهو: لماذا لم يقتنع المسيحيون الأقباط والسريان بقبول مجمع خلقيدونية؟. والإجابة الجاهزة لدى المؤيدين للجانب الخلقيدوني هي أن ذلك يرجع إلى أوطيخية أولئك المسيحيين والتي حاولوا تطويرها في الأزمنة اللاحقة لتبدو مشابهة للموقف الخلقيدوني. ولكن الحقيقة أن تلك الإجابة لا تجد أبداً ما يساندها في التقليد غير الخلقيدوني إلاّ في فهم جزافي وأحادي الجانب لبعض الحوادث المتفرقة.

وكانت القوى التي تسيطر على مجمع خلقيدونية قد رأت في أوطيخا بعض الأفكار (الخاطئة) وأقرت إدانته كهرطوقي، ولكن البابا ديسقوروس الذي عزلته هذه القوى ـ معتقدة أنه هو القائد الفعلي للهرطقة الأوطيخية ـ فلم تكن لديه بالفعل أية صعوبة في الإقرار بأن الموقف الذي نُسب لأوطيخا هو موقف هرطوقي واضح.

ومن هنا يتضح أن اعتراض غير الخلقيدونيين على مجمع عام 451م لم يكن من منطلق أوطيخي، وحتى لو سلمنا جدلاً بأنه قد حدث تطور في الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني يتناغم مع أحداث الأزمنة اللاحقة، فإن القول بأن موقفهم هذا قد نبع من الهرطقة الأوطيخية يعتبر قمة المجافاة للحقيقة. ولذلك فإن انقسام الكنيسة بسبب الجدال الخريستولوجي في القرن الخامس والقرون اللاحقة يحتاج بالفعل إلى تفسير أكثر قبولاً.

ولا يُعد هذا الأمر من وجهة نظرنا مهمة مستحيلة، فعندما سنأتي لشرح مدخلنا لهذا الموضوع سوف نشير إلى أن المسيحية كانت لها منذ البداية قاعدة إيمان تُظهر معيارها العقائدي المميَّز. وفي الجدال الخريستولوجي على سبيل المثال، كانت (جميع) التقاليد الإيمانية في الشرق تُرجع مواقفها اللاهوتية إلى إيمان نيقية حسبما أقره مجمع القسطنطينية عام 381م، أي قانون الإيمان النيقاوي في صيغته التي زيدت أثناء الربع الثالث من القرن الرابع والتي نسبها مجمع خلقيدونية لمجمع عام 381م.

ولكن هذا القانون صار يُفسر ويُفهم، على الأقل بطريقتين متباينتين في الشرق، وبدأ الصدام بين هذين الجانبين منذ موسم عيد الميلاد لعام 428م. وحاول ق. كيرلس السكندري ـ وهو يمثل أحد هذين التقليدين ـ أن يؤكد من خلال مجمع أفسس عام 431م أن الموقف السكندري هو فقط الموقف الأرثوذكسي، ولكنه مع ذلك لم يستطع النجاح بشكل كامل، لأنه على الأقل منذ الربع الأخير من القرن الرابع كان الأنطاكيون ـ وهم لا يزالون داخل الكنيسة الأرثوذكسية ـ قد كوَّنوا تقليداً (فكراً) لاهوتياً خاصاً لم يكن من الممكن تحطيمه في ’انقلاب‘ (coup d’etat) عام 431م.

وكان السكندريون كذلك قد بنوا تقليدهم اللاهوتي الذي لم يكن من الممكن أيضاً التخلص منه بالمناورات الدبلوماسية ليوحنا الأنطاكي أو بالاتفاق غير المرغوب فيه الذي تم التوصل إليه مع البابا كيرلس عام 433م.

وهكذا في سياق هذا التوتر الناشئ تم انعقاد مجمع خلقيدونية، وبدون مواجهة الأمور المختلف عليها (بين التقليدين) بشكل مباشر سعى هذا المجمع لتوطيد سيطرة تحالف روما مع السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، لكي تؤكد روما في النهاية سلطانها الشامل على الكنيسة ولكي تضع القسطنطينية نظاماً كنسياً للشرق تحت قيادة عاصمة الإمبراطورية.

ونظر كل جانب من الجانبين في الشرق إلى تقييم مجمع عام 451م بكونه محاولة من الجانب الآخر للتعدي على التقليد الخاص به، وقد تفاعل الجانبان مع المجمع بالاعتراض من جانب السكندريين وبالتجاهل من جانب الأنطاكيين. وكانت النتيجة الحتمية هي انقسام الكنيسة، واستطاع كل من الجانبين أن يزعم بأنه هو وحده المتواصل مع الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت قبل مجمع خلقيدونية.

[1] Michael le Syrien, op. cit., p. 403.

[2] History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 196.

[3] Michael le Syrien, op. cit., p. 410.

[4] المرجع السابق صفحة 408 وما يليها.

[5] كان هذا هو الاسم الذي يشير به الكيان الخلقيدوني إلى غير الخلقيدونيين.

[6] للإطلاع على الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 403 وما يليها).

[7] للإطلاع على البيان انظر (ميخائيل السرياني: مرجع سابق صفحة 405 وما يليها).

* يُعنى بالخيالية أن المسيح لم يكن له جسد واقعي حقيقي، بل مجرد جسد وهمي أو خيالي

[8] المرجع السابق صفحة 410.

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1

 الجزء الثاني: عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

مات الإمبراطور جوستينيان يوم 14 نوفمبر عام 565م، وخلفه على التوالي الأباطرة:

-يوستين الثاني (Justin II) (565م – 578م)

-تيبريوس (Tiberius) (578م – 582م)

-موريس (Maurice) (582م – 602م)

-فوكاس (Phocas) (602م – 610م).

وبعدئذ أصبحت الإمبراطورية على حافة الاضمحلال، فنهض هراقليوس (Heraclius) ليعيد مجدها من جديد، وأسس سلالة حاكمة ظلت قابضة على مقاليد السلطة إلى أن حلت محلها السلالة الأيسورية في عام 717م.

 

1. فترة حكم الإمبراطور يوستين الثاني:

من بين كل خلفاء جوستينيان كان يوستين الثاني هو الرجل الذي وجّه كل اهتمامه إلى قضية وحدة الكنيسة بجدية حقيقية. وكانت زوجته صوفيا (Sophia) مثل الإمبراطورة ثيؤدورا وإن كانت أقل منها قدرة، وكانت تتعاطف مع الموقف غير الخلقيدوني، وقد ساندت خطة الإمبراطور في هذا الاتجاه. وفي الحقيقة بدأ الإمبراطور فترة حكمه وهو عاقد العزم على توحيد الفريقين، وعندما فشلت جهوده في ذلك انقلب في النهاية ليكون مضطهد تقليدي للكيان غير الخلقيدوني، بتوجيه من يوحنا الثالث بطريرك القسطنطينية.

وكان التوتر الناتج عن الحروب الفارسية بالإضافة إلى الشعور بالذنب بسبب التعامل الوحشي مع الرعايا المسيحيين، قد أديا إلى جنون هذا الإمبراطور الضعيف في عام 573م. وبعد أن ظل في هذه الحالة لمدة خمس سنوات مات في عام 578م، وترك العرش لقيصره تيبريوس الثاني.

 

(أ) الجهود المبذولة لتوحيد الجانبين:

فور اعتلاء الإمبراطور الجديد (يوستين الثاني) للعرش أظهر رغبته ـ كما سبق القول ـ في توحيد الجانبين. وكان البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية يقيم في القسطنطينية في ذلك الوقت وقد طلب أن يقابل الإمبراطور، فلم يستجب يوستين إلى سؤاله فقط بل وطلب من البطريرك غير الخلقيدوني أن يراه في ملابسه الكنسية،* وعندما ذهب إليه البابا ثيؤدوسيوس استقبله الإمبراطور بمنتهى الاحترام وأخبره أنه سيتم التوصل إلى مصالحة بين الجانبين، وعندئذ سيكون البطريرك قادراً على العودة إلى كرسيه مرة أخرى.

ولكن البابا ثيؤدوسيوس تنيح في 22 يونيو عام 566م ودُفن بإكرام كبير، ومن الجدير بالذكر أن الذي قام بإلقاء العظة في الجنازة راهب يُدعى أثناسيوس استطاع حتى أن يعلن إدانته لمجمع خلقيدونية في أثناء تلك العظة.

وقد سجل المؤرخون السريان بشيء من التفصيل جهود الإمبراطور يوستين الثاني من أجل توحيد الجانبين في الكنيسة. وبدأت هذه الجهود بسلسلة من المفاوضات بين قادة الطرفين في القسطنطينية، وقد تم التوصل لعقد تلك المفاوضات بفضل وجود مندوبين عن مجموعتين متنازعتين داخل الكيان غير الخلقيدوني في العاصمة، حيث كانوا قد ذهبوا إلى هناك من أجل تسوية المشكلة التي حدثت بينهما بتوسط من الإمبراطور.

وقصة ذلك النزاع ـ والتي سيتم تناولها باختصار فيما بعد ـ ترجع إلى خمسينات القرن السادس، حينما دخل إلى الشرق شرح جديد لعقيدة الثالوث القدوس. وكان هناك رجل سرياني من منطقة ما بين النهرين يُدعى يوحنا أسكوناغس (John Asconaghes) وكان يتبع العادة النسكية في لبس الأحذية المصنوعة من الجلد المستخدم في صنع قِرَب المياه، وقد ذهب يوحنا هذا ـ الذي كان يتبع ذلك الشــرح الجديد لعقيدة الثالوث ـ إلى القسطنطينية حوالي عام 557م، ونجح في كسب تأييد أثناسيوس حفيد الإمبراطورة ثيؤدورا.[1]

وفي الإسكندرية، كان هناك أيضاً يوحنا فيلوبونوس* (John Philoponus) وهو فيلسوف أرسطوتالي انجذب هو الآخر إلى وجهة النظر الجديدة. ومن بين القادة الكنسيين الآخرين الذين تبنوا ذلك الرأي أيضاً، كونون أسقف طرسوس (Conon of Tarsus) وإفجين أسقف سلوكيا (Eugene of Seleucia) اللذين أقامهما يعقوب البرادعي. وقد قام البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية بإدانة يوحنا أسكوناغس ومؤيديه باعتبارهم ينادون بثلاثة آلهة (tritheists)، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يجذبوا للحركة تابعين آخرين.

وعندما واجهوا مقاومة عنيفة من الكيان غير الخلقيدوني، ذهب قادة هذا الفريق إلى القسطنطينية لكي يضمنوا تأييد الإمبراطور الذي أشار على الفريقين بمناقشة الاختلاف الذي بينهما في وجود يوحنا الثالث  (the scolastic) بطريرك القسطنطينية، وقد جمعت هذه الاجتماعات كلا الفريقين في مواجهة مع الجانب الخلقيدوني، وجرت مفاوضات ثلاثية الأطراف لبعض الوقت، وقد توصل الفريقان المنتميان للجانب غير الخلقيدوني إلى اتفاق مؤقت في عام 566م.

 وبعد هذه الأحداث، عُقدت محادثات الوحدة بين قادة الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، واستمرت لمدة تزيد عن السنة. وفي ذلك الوقت، كان القادة غير الخلقيدونيين حريصين على أن يقبلوا فقط تسوية مشرفة بدون إجبارهم على تأييد مجمع خلقيدونية بشكل شرعي، وكان الإمبراطور نفسه يوافق على هذا الأمر وقد أظهر ذلك بوضوح من خلال المرسوم الذي أصدره ليُتخذ كأساس للاتحاد.[2]

ويذكر هذا المرسوم: أن قانون إيمان مجمع نيقية ـ بالشكل الذي أكده به مجمع القسطنطينية ـ هو الرمز الوحيد المقبول للإيمان، وأن هذا القانون ـ بالطريقة التي فسَّره بها مجمع عام 431م دون غيره ـ هو معيار الكنيسة العقائدي. وبعد ذكر قانون الإيمان، ذهب المرسوم ليؤكد أن هناك “ميلادين لله الكلمة، واحد من الله الآب منذ الأزل، والآخر من مريم العذراء في الزمن.

ونحن نعترف أنه هو الله الكلمة الوحيد بالحقيقة، الذي ظل بدون أي تغيير في لاهوته. وأنه تألم بالجسد، وصنع العجائب بكونه إله، ليس مثل واحد (تألم) وآخر (صنع العجائب)، وليس أن واحداً هو المسيح وآخر هو الله، ولكن هو نفس الواحد ذاته، مركب من طبيعتي اللاهوت والناسوت، هو هيبوستاسيس (أقنوم) واحد وبروسوبون واحد؛ وهو ليس هيبوستاسيسين (أقنومين) أو بروسوبونين أو ابنين، ولكن هيبوستاسيس واحد لله الكلمة المتجسد”.

وقد أدان المنشور كل الهراطقة، ومن بينهم نسطوريوس وثيؤدور، بالإضافة إلى خطاب إيباس وكتابات ثيؤدوريت. كما جاء في المرسوم أيضاً: “ونحن نقبل البطريرك المبارك ساويروس، ونلغي الإدانة السيئة التي أُعلنت ضده بدون وجه حق، كما نرفع كل الحروم التي أُعلنت منذ أيام ق. كيرلس إلى وقتنا الحاضر”.

واقترح القادة غير الخلقيدونيين الذين رأوا المرسوم إجراء تعديلين عليه. التعديل الأول يخص العبارة التي حول التجسد فتتغير الكلمات التي بعد عبارة “وليس أن واحداً هو المسيح وآخر هو الله، ولكن ..”، لتصبح “ولكن الذي هو نفس الواحد ذاته، مركب من طبيعتين أي من هيبوستاسيسين (أقنومين) إلهي وإنساني،* وصار طبيعة واحدة أي هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد.

وهو ليس هيبوستاسيسين (أقنومين) أو بروسوبونين أو طبيعتين أو ابنين”. أما التعديل الثاني فيختص بطلبهم إدماج حروم ق. كيرلس الإثني عشر كوثيقة مقبولة للإيمان.

وشهد المؤرخون السريان أن الإمبراطور وافق على الأخذ بالتعديلين، وأمر بأن يتضمن نص المرسوم الذي أصدره هذه التغييرات، ولكن الرجال الذين كُلفوا بهذا العمل قاموا بإغفالها، فتضايق الإمبراطور من هذا التصرف ولكنه عاد وهدأ في آخر الأمر. وعندما وجد القادة غير الخلقيدونيين أن التعديلين اللذين اقترحوهما وأقرهما الإمبراطور لم يوضعا في نص المرسوم، رفضوا أن يوقعوا على الوثيقة، وهكذا لم يخدم ذلك المرسوم الهدف الذي كُتب من أجله.

وبالرغم من هذا الفشل، أخذ الجانب غير الخلقيدوني المبادرة وطلب من الإمبراطور أن يستمر في جهوده من أجل وحدة الكنيسة، وتوجه يعقوب البرادعي نفسه إلى القسطنطينية مع القادة الآخرين لتقديم هذا الطلب. فأعادهم يوستين الثاني كلهم إلى الشرق، مؤكداً لهم أنه سينتدب ’النبيل‘ يوحنا ـ الذي كان قد أُرسل في مهمة سياسية إلى فارس ـ (ليذهب إليهم) ليناقش الرهبان والقادة الآخرين في قضية الوحــدة.

وبالفعل ذهب ’النبيل‘ يوحنا إلى الشــــرق ـ على الأرجح في عام 568م ـ حيث قابله عدد كبير من الرجال في دير مار زكا بالرقة (Callinicus) على حدود الفرات، وعرض ’النبيل‘ على الجمع منشوراً للإمبراطور كان قد أحضره معه، وعلى الرغم من أن الأساقفة وعدد من القادة الآخرين رأوا هذا المنشور مرضياً إلاّ أن الرهبان أثاروا اضطراباً كبيراً فانتهى الاجتماع بالفشل، وأحس يعقوب البرادعي نفسه بالعجز عن فعل أي شيء.

وحين وصل الأمر إلى الإمبراطور دعا يعقوب وثيؤدور وعدد من الأساقفة غير الخلقيدونيين إلى العاصمة، ولكن يعقوب تخلف عن الذهاب بينما ذهب ثيؤدور وبولس الأسود وآخرون إلى القسطنطينية، ودخلوا في مفاوضات مع يوحنا أسقف أفسس والأسقف النوبي لونجينوس[3] (Longinus) من عام 569م إلى عام 570م. وفي عام 571م أصدر يوستين مرسوماً آخراً ليستخدمه الجانبان كأساس للاتحاد، ولم يتعرض هذا المرسوم لقضية مجمع خلقيدونية، بالضبط مثلما فعل مرسوم الإتحاد ’هينوتيكون‘ الذي صدر عام 482م.

وأكد يوحنا بطريرك القسطنطينية لأساقفة الجانب غير الخلقيدوني ـ الذين كانوا يريدون عبارة حاسمة عن (رفض أو إسقاط) مجمع عام 451م ـ أنه بمجرد أن يتم الاتحاد بين الجانبين سيكون من الممكن إسقاط مجمع خلقيدونية[4] وقال لهم: “كما أعلنا نحن وحكامنا الأباطرة مراراً، فإننا نعطيكم كلمتنا ووعدنا أمام الله، أنه بمجرد أن تدخلوا في اتحاد معنا سيتم إسقاط المجمع (خلقيدونية).

وما قد خرج من شفاهنا لن يتغير أبداً”. وبناءً على هذه الكلمات، وبعد التعبير عن رفض مجمع خلقيدونية رفضاً مطلقاً، قام الأساقفة ـ ومن بينهم المؤرخ نفسه ـ وكذلك البطريرك السرياني بولس الأسود، بالشركة مع يوحنا بطريرك القسطنطينية.

وبعد أن فعلوا ذلك مرتين ذكَّر الأساقفة البطريرك الخلقيدوني بوعده وطالبوه بالوفاء به، ولكنه رجع في كلامه قائلاً: “سوف نكتب إلى بابا روما، فإذا وافق سنقوم بإلغاء المجمع، لأننا لا يمكن أن نقطع صلتنا مع روما بسببكم”. ومع ذلك، أُعطي لهؤلاء الأساقفة ’إيبارشيات‘ ليرعوها رداً على دخولهم في الاتحاد مع الكيان الخلقيدوني، ولكنهم رفضوا أن يقبلوها وقالوا أنه لم يعد هناك شيء أكثر ليفعلوه مع يوحنا بطريرك القسطنطينية.

 

(ب) أوامر إمبراطورية بالاضطهاد:

وأثار عدم التوصل إلى الوحدة غيظ الإمبراطور جداً، فتحول إلى مضطهد قاسٍ للكيان غير الخلقيدوني بتحريض من يوحنا بطريرك القسطنطينية والجانب الخلقيدوني.

وكان قد جلس على كرسي القسطنطينية بعد رحيل أنثيموس عام 536م، البطريرك ميناس ومن بعده البطريرك أوطيخا، وفي عام 565م تم طرد الأخير بأوامر من الإمبراطور وأُعطي مكانه ليوحنا. وكان يوحنا هذا سرياني الجنسية من قرية (Sirmis) وهو الذي تمت في عصره مفاوضات الوحدة ثم اضطهاد الأساقفة غير الخلقيدونيين.

واحتفظ لنا يوحنا أسقف أفسس الذي عاش في القسطنطينية في ذلك في الوقت ـ والذي تعرض هو نفسه للتعذيب الشديد ـ بتسجيل مفصل ودقيق عن ذلك الاضطهاد الإمبراطوري[5] فيقول: وفي أول الأسبوع السابق لأحد السعف عام 571م، أصدر الإمبراطور مرسوماً يقضي بتجريد الكيان غير الخلقيدوني من حقوقه، وأمر بغلق أماكن عبادتهم، وباعتقال أساقفتهم وقسوسهم، وبتشتيت كل تجمعاتهم.

وكان البطريرك يوحنا يراقب الأحداث عن قرب ليتأكد من تنفيذ الأوامر الإمبراطورية حرفياً، وفي الحقيقة كانت هذه الأوامر بتأثير البطريرك نفسه وبتحريض منه. ومن هنا وبتوجيه من البطريرك يوحنا، تم القبض على الأساقفة غير الخلقيدونيين ورجال الكنيسة (الإكليروس) ووضعوا في الحبس وتعرضوا لمعاملة غير إنسانية تماماً.

وبعد ذلك أُرسل رجال دين خلقيدونيون ليقيموا الخدمات (الليتورجية) للجماعات الرهبانية وللشعب المنتمين للجانب غير الخلقيدوني. وعندما رفض غير الخلقيدونيين أن يقبلوا تلك الخدمات (الليتورجية) من الأساقفة والقسوس الخلقيدونيين ـ وبخاصة الشركة الإفخارستية ـ تم القبض عليهم ووضعهم في السجون، ونُهبت ممتلكاتهم، وحُكم على كثير منهم بالنفي.

وأمام هذه التصرفات الوحشية، أعلن كثير من الناس إذعانهم وانضموا للجانب الخلقيدوني. ومَن كان من هؤلاء في رتبة كنسية، تم قبوله في نفس رتبته وسُمح له بالاستمرار في ممارسة خدمته الكنسية، ولكن بعد فترة شعر البطريرك يوحنا ومشيروه أنه ينبغي عليهم أن يقووا مركزهم أكثر من خلال إرغام أولئك الرجال على قبول طقس الرسامة مرة أخرى (بعد انضمامهم للجانب الخلقيدوني).

وكان هناك واحداً من أولئك الرجال يُدعى بولس، وهو أسقف بسيط متقدم في العمر، أُحضر إلى القسطنطينية بناء على أوامر من البطريرك يوحنا، وبعد بقائه في الحجز فترة من الوقت طُلب منه أن يوقع على بيان[6] يقول فيه أنه انطلاقاً من إرادته الشخصية واختياره الحر انضم إلى كنيسة الله.

ويذكر المؤرخ (يوحنا أسقف أفسس) أنه طُلب من بولس التوقيع على الوثيقة بدون حتى أن يقرأها أو يعرف محتواها، ثم خضع بعد ذلك لعملية إعادة رسامة ضد رغبته. ولم يستطع الرجل أن يحتمل الإهانة والشعور بالذنب من كونه جعل نفسه عرضة لهذا الفعل غير الشرعي، فمات[7] من الأسى بعد أيام قليلة. وكان هناك أيضاً أسقف يُدعى إليشع (Elisha) أُحضر من دير (Dius) وتم التحفظ عليه في البطريركية.

وبالرغم من أنه قام بالشركة مع البطريرك الخلقيدوني، إلاّ إنه رفض أن تُعاد رسامته قائلاً إنه إذا كان يتعين أن تٌعاد رسامته فينبغي أن تُعاد معموديته أولاً، فأخبروه أنه سيتم وضع الطيلسان عليه فقط، لكنه تمسك برفضه فأُرسل إلى دير أبراهام وعُذب هناك بشدة.

أما الأسقف ستيفن (Stephen) فقد كان أكثر جرأة وتوفيقاً، لأنه عندما طُلب منه أن تُعاد رسامته، قدم التماساً إلى الإمبراطور يعترض فيه على الأساس الذي يُبنى عليه هذا التصرف، وقال أن القانون التاسع عشر لمجمع نيقية فرض على التابعين لهرطقة بولس السموساطي، أنه لكي يتم قبولهم مرة أخرى في الكنيسة ينبغي أن تُعاد معموديتهم ورسامتهم، ولا يُلتفت إلى المعمودية والرسامة التي قبلوها في مؤسستهم الكنسية السابقة.

وهنا تساءل ستيفن: هل الكيان غير الخلقيدوني إذن يشابه التابعين لبولس السموساطي وليس لديهم (أحقية ممارسة) أسرار شرعية صحيحة؟ فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي على من مثله أن تُعاد معموديتهم قبل أن تُعاد رسامتهم. وكان لموقف ستيفن تأثيره الفعَّال حيث أمر الإمبراطور أن تُوقف مثل هذه الإجراءات، ولم تتم إعادة رسامة ستيفن بل صار أسقفاً في قبرص.

 

(ج) الاضطهاد يفشل:

كان النهج الذي اتخذه البطريرك يوحنا، في إعادة رسامة الأساقفة ورجال الكنيسة غير الخلقيدونيين، مثار اعتراض شديد من قبل أساقفة الجانب غير الخلقيدوني في اجتماعاتهم التالية معه انطلاقاً من نفس الأساس الذي تبناه الأسقف ستيفن.

وكان غير الخلقيدونيين يطلبون في الحقيقة من البطريرك الخلقيدوني أن يوضح لهم ما هي هرطقة غير الخلقيدونيين، فلم تكن عند البطريرك إجابة سوى سؤالهم هل يكونون راضين إذا توقف عن موضوع إعادة الرسامة تماماً. ومرة أخرى أوضح الأساقفة غير الخلقيدونيين وجهة نظرهم في أن مسألة مجمع خلقيدونية وطومس ليو هي التي فصلت بينهم وبينه، وأنه قبل التفكير في إعادة الوحدة ينبغي أن تُحل هذه النقطة أولاً.

ولم يدم الاضطهاد ضد غير الخلقيدونيين، فقد اعتل عقل الإمبراطور يوستين الثاني، وتم تصعيد تيبريوس قيصراً في عام 574م. وكان الحاكم الصغير معارضاً لفكرة المعاملة السيئة للجانب غير الخلقيدوني.

وسجل يوحنا أسقف أفسس أن كلاً من البطريرك يوحنا وخليفته أوطيخا حاول أن يقنع تيبريوس بإصدار أوامره باضطهاد غير الخلقيدونيين، فسأل تيبريوس البطريرك قائلاً: “ينبغي أن تخبرني بالحق، هل تؤمن أن أولئك الذين تسألني أن اضطهدهم هم وثنيين؟”، فأجاب البطريرك “لا”، وهنا أعاد القيصر السؤال ثانية: “هم مسيحيون، أليس كذلك؟”، فأجاب يوحنا “نعم، ولكنهم لا يشتركون معنا في الكنيسة”، فقال تيبريوس: “اذهب الآن وكن في سلام، فأنا لا أريد أن اضطهد مسيحيين كما فعل ديوكلتيان (Diocletian)”.[8]

ومات البطريرك يوحنا في عام 577م، وأُعيد أوطيخا إلى الكرسي الذي كان قد أُبعد عنه في عام 565م. وكان أوطيخا هو الآخر متحمساً لخلقيدونية وحاول تحريض تيبريوس لاضطهاد غير الخلقيدونيين، فرد عليه تيبريوس قائلاً: “تكفينا الحروب التي بيننا وبين البربر المحيطين بنا من جميع الجهات،وليس من الممكن أن نثير حرباً أخرى ضد المسيحيين، فاذهب الآن وكن في سلام”.

 وكانت للبطريرك أوطيخا وجهة نظر تختص بالحياة الآخرة تسببت في فقدان شعبيته إلى حد بعيد، فقد طرح سؤالاً مفاده أنه إذا كان الإنسان في موته ينحل ويذهب الجسد إلى الأرض التي أُخذ منها، فهل من الممكن أن يكون هناك في القيامة إعادة تجميع للجزيئات المادية للجسد المنحل؟ وكانت إجابة أوطيخا عن هذا السؤال هي النفي القاطع، حيث أكد أنه في الآخرة سيخلق الله رجالاً ونساءً من جديد. ولم تلقى وجهة نظر أوطيخا هذه قبولاً لدى أي من الذين كانوا في أيامه.[9]

ومات يوستين الثاني في عام 578م، وأُعلن تيبريوس إمبراطوراً. ولكن تيبريوس لم يمكث في الحكم طويلاً حيث مات في عام 582م وجاء الإمبراطور موريس خلفاً له.

 

(د) نظرة الجانب غير الخلقيدوني لشرعية الدرجات الكهنوتية (التي يمنحها الخلقيدونيون):

حاول الجانب الخلقيدوني أن ينفذ برنامجاً لإعادة سيامة الإكليروس غير الخلقيدونيين الذين وافقوا على قبول مجمع خلقيدونية، كإشارة إلى أنهم لم يكونوا منتمين (في الماضي) إلى الكنيسة، وكانت إعادة الرسامة تتم سواء بإرادة الشخص أو بالإكراه. وكانت هذه الخطوة في الحقيقة جزءاً من الاضطهاد الذي تبناه الجانب الخلقيدوني ضد غير الخلقيدونيين.

وعلى الرغم من ذلك، واجه الجانب غير الخلقيدوني ـ في ذلك الوقت ـ مسألة شرعية السيامات التي يمنحها الخلقيدونيون بأسلوب له مغزاه اللاهوتي. ففي أثناء حكم الإمبراطور يوستين الثاني، برز تساؤل بين القادة غير الخلقيدونيين عن الطريقة التي ينبغي أن يُقبل بها الذين ينضمون إليهم من الجانب الخلقيدوني.[10]

وكان هناك رأيان في هذا الصدد، الأول يقر بأن الدرجات الكهنوتية التي يمنحها الجانب الخلقيدوني هي صحيحة وشرعية، أما الرأي الثاني فيصر على أنها غير شرعية، وبالتالي ينبغي أن تُعاد السيامة كاملة لأولئك الذين ينضمون للكيان غير الخلقيدوني.

وأمام هذه القضية، قام قادة الجانب غير الخلقيدوني مع يعقوب البرادعي وثيؤدور أسقف العرب بعقد اجتماع تقرر عنه:

(1) أن السيامة التي تمت بواسطة الكيان الخلقيدوني يمكن تعقبها (زمنياً) إلى ما قبل مجمع خلقيدونية* لأن الأساقفة الذين اشتركوا في المجمع كانوا قد رُسموا بالفعل داخل الكنيسة الجامعة، ووقوعهم في الخطأ لا يلغي صحة وشرعية الدرجات الكهنوتية التي قبلوها.

(2) إن هذه السيامة هي “هبة من فوق أُعطيت للرسل، ومنهم انتقلت (وتعاقبت) حتى النهاية”، وهي التي نقبلها ونشفي (بها) أيضاً أولئك الذين قبلوها ووقعوا في الخطأ.

(3) وبالتالي فإن أولئك الذين في درجات كهنوتية في الجانب الخلقيدوني وأرادوا أن ينضموا للكيان غير الخلقيدوني، فإنهم يحتاجون فقط إلى ’الشفاء‘ وليس إلى الرسامة مرة ثانية.

ومن هنا اقترح الاجتماع أن الإكليروس الخلقيدونيين الذين ينضمون إلى الكيان غير الخلقيدوني، يتعين عليهم أن يخضعوا للتوبة لمدة سنتين، وبعد ذلك تكون هناك صلاة يصليها عليهم الأساقفة، وهكذا يمكنهم أن يخدموا في نفس الدرجة التي كانوا عليها في الجانب الخلقيدوني بدون أي إعادة لرسامتهم.

 

(هـ) آثار الاضطهاد:

أدت السياسة الدينية لعائلة جوستينيان إلى الإضرار بالكيان غير الخلقيدوني بصورة بالغة، كما تسببت تلك السياسية أيضاً ـ والتي اعتبرت الموقف الخلقيدوني هو الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية ـ في انقسام الكنيسة الواحدة إلى كيانين كنسيين يشجب كل منهما الآخر.

وأهم ما كان على الكيان غير الخلقيدوني أن يواجهه هو النقص الحاد في الإكليروس، وعلى الرغم من أن الإمبراطورة ثيؤدورا كانت تحيط غير الخلقيدونيين برعايتها، إلاّ أن ما فعلته معهم كان محاطاً بقيود شديدة، كما أن موتها عام 548م حرمهم حتى من تلك المساعدة. وأخذ الأسقف يعقوب البرادعي يدور في كل الشرق يقوي المؤسسات الكنسية (غير الخلقيدونية)، ورغم ذلك لم ينجح في رسامة بطريرك لكرسي أنطاكيا خلفاً للبابا ساويروس ـ الذي كان قد رقد عام 538م ـ إلا بعد حوالي ستة أعوام.[11]

وبعد ثلاثة سنوات فقط، تنيح البطريرك (سرجيوس)، فلم يستطيعوا رسامة خلفاً له على كرسي أنطاكيا حتى عام 564م عندما رشح البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية سكرتيره الراهب المصري بولس الأسود لهذا المنصب. وبعد موافقة يعقوب البرادعي والأساقفة الآخرين في الشرق رُسم بولس الأسود بطريركاً لأنطاكيا، وبدلاً من أن تساهم تلك الرسامة في تقوية الكنيسة، سببت عدداً لا يُحصى من المشاكل.

ومنذ البداية كان بولس الأسود رجلاً مثيراً للجدل، فبعد رسامته أرسله البابا ثيؤدوسيوس إلى الإسكندرية نيابة عنه ليقيم أساقفة للكراسي الشاغرة في مصر، ولكن المصريون لم يوافقوا على تلك الخطوة واتهموا بولس بطموحه في الكرسي السكندري.

ومن ناحية أخرى كان لبولس أنصاراً في سوريا، ولكن بعد أن أصبح على غير وفاق مع يعقوب البرادعي، قل عددهم جداً إلا أن المنذر ابن الحارث قائد العرب الغساسنة ظل مناصراً له. وكانت الأمور في البداية تسير على ما يرام بين يعقوب وبولس، ولكن بعد أن تقدم يعقوب في العمر أصبح من الممكن أن يتأرجح في رأيه بسبب المتطرفين من أتباعه الذين انضموا إلى المصريين في معارضتهم العنيفة ضد بولس.

ونحن على أية حال نرى أن بولس يستحق تعاطفنا معه على الرغم من أنه قد لا يكون فوق الزلل، لأن المشكلة التي كان عليه أن يواجهها ـ والذي أُعتبر أنه المتسبب فيها ـ كانت بصورة ما نتيجة التأثير السيئ للوضع الكنسي في ذلك الوقت.

 وفي عام 571م، كان بولس الأسود واحداً من الأساقفة والرجال غير الخلقيدونيين الذين قُبض عليهم بأوامر من الإمبراطور. وقد قام مع يوحنا أسقف أفسس وآخرين بالشركة مع الجانب الخلقيدوني مرتين، وقام معهم أيضاً بعد ذلك بكسر تلك الشركة فتم التحفظ عليه واحتجازه بدير أبراهام بالقسطنطينية.

وحينما كان هناك بدأ بولس يكتب مذكراته عن الأمور التي تعرض لها، ووصل خبر هذه المذكرات إلى المشرفين عليه، فانتزعوها منه وتعاملوا معه بطريقة سيئة جداً، ثم تشفع له الأسقف ستيفن فتم إطلاق سراحه في النهاية. وعلم الإمبراطور بقضية بولس، فتأثر جداً بقدرة الرجل وتحمله، ووصل تقديره لموقف بولس إلى درجة أنه أصبح يلتمس مشورته، وقد أثار هذا غيرة البطريرك يوحنا فحاول بطرق ماكرة أن يجعل بولس يترك العاصمة.

وبعد بعض الوقت اختفى بولس، وأمر الإمبراطور بالبحث عنه في كل الأديرة والمنازل وحتى السفن التي في البحر، ولكنهم لم يعثروا عليه. وفي الواقع كان بولس قد سكن في مخبأ مع أحد أصدقائه لمدة تسعة أشهر، ثم هرب بعدها إلى صديقه المنذر ابن الحارث في العربية، ومن هناك أرسل التماساً (إلى الكنيسة) يطلب فيه أن يستعيد وضعه الكنسي، وكان يعقوب البرادعي والذين معه على استعداد لقبول طلب بولس ولكنهم كانوا حريصين على معرفة مشاعر المصريين تجاه الرجل، فأرسلوا أسقفين إلى مصر وتأجل القرار لحين عودتهما من هناك.

وفي نفس الوقت استطاع بولس أن يذهب إلى مصر عام 574م في زى جندي، وكانت الكنيسة في مصر تعاني من الفوضى التامة بسبب غياب القيادة الباباوية، بالإضافة إلى وجود تحزبات كثيرة فتتت من وحدة الكنيسة هناك. وحين رأى بولس أن الوضع الكنسي في مصر أصبح يُرثى له، طلب من الأسقف النوبي لونجينوس أن يأتي ويساعد في رسامة بطريرك للإسكندرية خلفاً للبابا ثيؤدوسيوس الذي كان قد رقد في عام 566م.

واستجاب لونجينوس لطلب بولس وجاء إلى الإسكندرية، وبمساعدة الأسقفين السريانيين أخذ لونجينوس المبادرة وقام برسامة راهب سرياني يُدعى ثيؤدور بطريركاً على الإسكندرية في عام 575م. ولم يكن بولس مشتركاً في طقس الرسامة غير أنه هو الذي سمح للأسقفين السريانيين بالمساعدة في إتمام الطقس كما أنه هو الذي طلب من لونجينوس إتمام الأمر. ولكن المصريون ـ الذين كانوا بالفعل لا يميلون إلى بولس ـ صدقوا أنه هو المسئول عن رسامة ثيؤدور، وأنه فعل ذلك بقصد السيطرة على كرسي الإسكندرية، فكانت النتيجة أنهم رفضوا الاعتراف بثيؤدور، وأضمروا لبولس ضغينة لا تُمحى.

وكتعبير عن عدائهم ورفضهم لثيؤدور، قام المصريون برسامة شماس عجوز يُدعى بطرس بطريركاً لكرسي الإسكندرية خلفاً لثيؤدوسيوس، وبواسطته تمت رسامة سبعين أسقفاً جديداً في مصر. ومات بطرس بعد ثلاث سنوات، ولكن المصريون رغم ذلك لم يقبلوا ثيؤدور بطريركاً لهم، وقاموا برسامة رجل سرياني آخر هو دميان (Damian) ليكون خلفاً للبابا بطرس. وتجاوز المصريون حدود حقوقهم الشرعية، وقاموا بإعلان حرمهم لبولس الأسود.

وفي الحقيقة كان الرجل الوحيد على الأرض الذي يستطيع في ذلك الوقت أن يمارس تأثيره ويحقق المصالحة بين بولس والمصريين، هو يعقوب البرادعي. ولكن يعقوب كان قد أصبح رجلاً مسناً جداً، لدرجة أنه كان من الممكن التأثير عليه ليقوم بمساندة أي من الجانبين بواسطة أصدقائه المقربين.

وتجنباً لحدوث ذلك* قام المصريون من جانبهم بأخذ موافقة يعقوب على رسامة بطرس وحرمان بولس، وهنا وجد يعقوب نفسه يقف في جانب المصريين ضد بولس الذي كان قد أيد رسامته بطريركاً على أنطاكيا بمنتهى الحماس. وكانت النتيجة هي انقسام كنيسة سوريا إلى معسكرين،[12] واحد يؤيد يعقوب البرادعي والآخر يتبع بولس الأسود، وقام كل فريق بتوجيه الاتهام للفريق الآخر بشكل يدعو للأسى.

وعقد الفريق الموالي ليعقوب اجتماعاً لينظروا في مسألة إقامة بطريرك ليحل محل بولس، ولكن الأمر لم يتحقق بسبب معارضة عدد من الأساقفة الذين طالبوا بضرورة إدانة بولس أولاً وعزله قبل القيام بهذا الأمر. ومع ذلك قام هذا الفريق بعد موت يعقوب البرادعي برسامة بطرس الذي من الرقة بطريركاً على أنطاكيا بينما كان بولس لا يزال على قيد الحياة.

وعندما رأى بولس الفتنة الخطيرة التي حدثت بسببه، اختفى عن الأنظار ولم يُسمع عنه تماماً طيلة أربعة سنوات، وأخيراً عُرف أنه اعتزل في كهف داخل جبل قرب القسطنطينية، وأنه مات هناك. أما في الإسكندرية، فحينما سمع ثيؤدور ـ الذي رفضه المصريون ـ أن صديقه بولس في القسطنطينية، شرع في الذهاب إلى هناك باحثاً عنه لكي يراه، ولكنه فشل في بحثه وعاد إلى مصر مغتماً ومات على الفور هناك.[13]

وكانت حادثة موت يعقوب البرادعي في غاية الغرابة، فبعد المشاركة في الاجتماع الذي ناقش مسألة إقامة بطريرك مكان بولس، دعا يعقوب ثمانية من أصدقائه المقربين ومن بينهم بعض الأساقفة، ورتب معهم رحلة إلى الإسكندرية بدون أن يخبرهم عن قصده من ذلك. ويقول البعض أنه شرع في هذه الرحلة من أجل محاولة المصالحة بين بولس والمصريين، ولكن آخرون قالوا أن هدفه من تلك الرحلة كان إقامة بطريرك آخر مكان بولس بمساندة المصريين.

وعلى أية حال، عندما وصل الرجال إلى دير (Cassin) في منطقة مايوما (Maiuma) بغزة على الحدود المصرية، توقفوا هناك لراحة قصيرة، وحينئذ مات أحد الرجال فجأة وكان أسقفاً، فصلى يعقوب قداساً على روحه. وفي اليوم التالي مات واحد آخر من الأساقفة، ومات يعقوب نفسه أيضاً في اليوم الثالث، وفي غضون عشرة أيام مات كل الرجال واحداً تلو الآخر.

ولا يعرف المؤرخ السبب وراء هذه الوفيات، ولكننا نستطيع فقط أن نقول أنه هكذا انتهت بمنتهى الغرابة الحياة المدهشة لرجل واجه المخاطر بكل شجاعة من أجل تحقيق هدفه الغالي على قلبه.[14]

 

(و) قضية عقائدية:

كان التفسير الجديد لعقيدة الثالوث، الذي قدمه بعض الرجال أمثال يوحنا أسكوناغس (John Asconaghes) في خمسينات القرن السادس، قد أدى إلى ازدياد الفوضى المنتشرة في ذلك الوقت. وكانت المسألة التي أثارها هؤلاء الرجال هي أن عقيدة الثالوث التي شرحها الآباء الكبادوك في النصف الثاني من القرن الرابع تحتاج إلى توضيح أكثر من أجل استبعاد خطر السابلية.

وكان هؤلاء الآباء قد علَّموا في القرن الرابع بأن الله جوهر واحد (one ousia)، وأن هذا الجوهر بتمامه متخصخص (individuated) في الآب والابن والروح القدس، ولذلك كل منهم هو أقنوم (hypostasis) أو كيان واقعي، ولهذا فالله هو جوهر واحد وطبيعة (physis) واحدة ولكن ثلاثة أقانيم.*

أما أولئك الرجال في القرن السادس فقد زعموا أنه إذا كان المسيح هو الله الكلمة المتجسد الذي له طبيعته الخاصة،[15] فإن كل من الآب والروح القدس لابد وأن يكون له طبيعته الخاصة، وبناءً على هذا أصروا أن الله ثلاثة جواهر وثلاثة طبائع وثلاثة أقانيم، ولم ينتبهوا جيداً إلى خطورة الوقوع في هرطقة القول بثلاثة آلهة (tritheism) التي يتضمنها موقفهم هذا.

وقد رفض الجانب غير الخلقيدوني هذا التفسير تماماً، وقام البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية بإدانة يوحنا أسكوناغس، وكتب تفنيداً لهذه المعتقدات على نفس النحو الذي اتبعه البطريرك ساويروس الأنطاكي ضد يوليان أسقف هاليكارنيسوس في عشرينات القرن السادس. ومثل اليوليانية حظيت هذه الحركة أيضاً بالنجاح في أول الأمر في مناطق كثيرة من الشرق، ولكن بسبب المعارضة والإدانة التي واجهتهما (من الكيان غير الخلقيدوني) سعى قادة تلك الحركة إلى تنظيم أمورها بشكل ذاتي ومستقل.

وكان هذا ـ بحسب ظروف القرن السادس ـ يقتضي وجود قيادة من الأساقفة، ولكن الحركة لم تكن تضم إلا أسقفين فقط هما كونون (Conon) وإفجين (Eugene)، فاستلزم الأمر انضمام أسقف ثالث ليكتمل النصاب القانوني لرسامة أساقفة آخرين. ومن هنا حاول قادة الحركة الاتصال بيوحنا أسقف أفسس يطلبون مشاركته، فرفض يوحنا طلبهم ونصحهم بترك هرطقتهم والانضمام إلى الكنيسة.

وفي النهاية وجدوا ضالتهم في الأسقف ثيؤناس (Theonas) الذي رسمه البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية ثم حرمه من أجل شروره، وقام الأساقفة الثلاثة معاً برسامة أساقفة آخرين وأرسلوهم لمناطق مختلفة لنشر تعليمهم.[16]

 واستطاع أصحاب هرطقة الثلاثة آلهة (tritheism) أن يكسبوا تأييد كل من أثناسيوس حفيد الإمبراطوة ثيؤدورا، ويوحنا فيلوبونوس السكندري،[17] وقاموا باستخدام مقاطع قليلة من كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي وثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية نفسه، ليؤكدوا أن وجهة نظرهم تتفق مع تعاليم الآباء.

وأمام هذا التحدي قام قادة الجانب غير الخلقيدوني بفحص تلك الفقرات التي أشاروا إليها، وأظهروا أن كل تلك الاقتباسات قد أُخذت خارج سياق الكلام الذي ذُكرت فيه.

وكان كل من ساويروس وثيؤدوسيوس قد علم بأنه بالرغم من أن اللاهوت واحد أي جوهر واحد وطبيعة واحدة، فإن الثلاثة أقانيم ليسوا مجرد ثلاثة أشكال ـ كما ادعت بذلك الهرطقة السابيلية ـ ولكنهم بالأحرى أشخاص حقيقيين منذ الأزل، وحينما نفكر في أي منهم ينبغي أن نقر بأن له جوهر وطبيعة، ولكن هذا لم يكن يعني عند كل من البطريرك ساويروس والبابا ثيؤدوسيوس أن اللاهوت هو الاسم المشترك لثلاثة جواهر أو ثلاثة طبائع.

ورغم أن تلك الحركة شكَّلت مقاومة كبيرة للكيان غير الخلقيدوني في القرن السادس، إلاّ أنها أعطت الفرصة للقادة غير الخلقيدونيين ليشرحوا الأساس اللاهوتي وراء عقيدة الثالوث القدوس.

 

* وهذا يعني اعترافاً ضمنياً من الإمبراطور يوستين الثاني برتبته الكنسية برغم كونه من الجانب غير الخلقيدوني الذي كان قد جرَّمه الإمبراطور السابق جوستينيان.

[1] جاء ذكر أثناسيوس هذا في صفحة .

* كان يُعرف أيضاً بيوحنا السكندري أو يوحنا النحوي

[2] Michael le Syrien, op. cit., pp. 335-36.

* المقصود هنا ليس أنه مركب من هيبوستاسيسين (أقنومين) مستقلين منفصلين ولكن المعنى الذي سيتضح فيما بعد هو أن غير الخلقيدونيين كانوا يصرون على أن الطبيعة الإنسانية في المسيح وجدت في الإتحاد وهي في الحالة الأقنومية (أي المخصخصة المتفردة) وليس الحالة العامة المجردة. انظر الفصل صفحة  .

[3] كان لونجينوس راهباً من النوبة، وكان يعيش في القسطنطينية في صحبة البابا ثيؤدوسيوس، وهو الذي أراد البطريرك أن يرسمه أسقفاً على بلاده، ولكنه لم يُرسم إلا بعد موت البابا ثيؤدوسيوس. وقد احتُجز في العاصمة حوالي ثلاث سنوات بسبب التدخل الإمبراطوري. وقد أقيمت اجتماعات الوحدة حينما كان لونجينوس لا يزال في القسطنطينية، وكان له دور فيها كما كان له دور أيضاً في الأمور الكنسية الأخرى التي في عصره. انظر صفحة .

[4] للرجوع لهذه الأحداث انظر (John of Ephesus, op. cit., 1: 24-25)

[5] C. S. C. O., vol. 105. op. cit.

[6] المرجع السابق 2: 43. ويحتفظ لنا يوحنا أسقف أفسس بالبيان الذي قدَّمه بولس حيث قال: “أنا، بولس الذي كنت قد ضللت وتهت، وإذ قد وجدت الإيمان الصحيح فإني أرجع إليه بإرادتي الخاصة وحريتي، وبدون إكراه أو إجبار، وانضم إلى كنيسة الله.

وبهذا البيان المكتوب، أعترف لكم يا سيدي البطريرك المسكوني يوحنا إلى النفس الأخير، أنني أتفق في الرأي مع مجمع الآباء الستمائة والثلاثين القديسين الذين اجتمعوا في مدينة خلقيدونية، واتفق مع رسالة (طومس) القديس المطوب بابا روما التي تتفق مع اعتراف بطرس الرسول رئيس الرسل. وإنني لن أرجع أو أتحول عن هذا إلى الأبد. وأنا أعترف بهذه الأمور وأؤكدها بتوقيعي هذا، أنا الأسقف بولس. وأنا أعترف، وأتفق مع، وأقبل كل ما هو مكتوب في هذا البيان.

[7] للإطلاع على قصة إعادة رسامة بولس وموته، انظر (يوحنا أسقف أفسس 1: 14؛ وميخائيل السرياني، مرجع سابق صفحة 339) وكان بولس هذا أسقفاً على أفرودوسياس المدينة الكبرى في كاريا (Aphrodosias the chief city of Caria).

[8] John of Ephesus, op. cit., I: 37.

[9] المرجع السابق 2: 36.

[10] Michael le Syrien, op. cit., pp. 319-320.

* أي أن هذه السيامات متسلسلة ومتعاقبة زمنياً بدون انقطاع منذ عصر ما قبل خلقيدونية.

[11] يذكر فرند تاريخ رسامة سرجيوس أنه عام 557م (مرجع سابق، صفحة 290). للرجوع لهذا التاريخ انظر:

(William Wright, A Short History of Syriac Literature, Amsterdam Philo Press, 1966, p. 87) 

ويرى فرند أنه من المحتمل أن البابا سرجيوس لم يُقام خلفاً للبابا ساويروس، ولكن ذلك يتعارض مع مؤرخي الكنيسة السريانية الذين يضعون اسم البابا سرجيوس ضمن قائمة البطاركة الأنطاكيين تالياً للبابا ساويروس.

* أي تجنباً لأن يستطيع أحد الأصدقاء التأثير على يعقوب البرادعي ويجعله يميل إلى جانب بولس الأسود وليس إلى جانب المصريين.

[12] للإطلاع على أحداث هذا الانقسام انظر صفحة  المرجع رقم 57.

[13] للرجوع إلى عرض مفصل عن أيام بولس الأخيرة وموته انظر:

(John of Ephesus, op. cit., IV: 53f)

[14] للإطلاع على أحداث نياحة يعقوب انظر (المرجع السابق، 4: 33).

* انظر مقارنة بين ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك في شرح المصطلحات اللاهوتية، بالملحق الذي في نهاية الكتاب.

[15] يبدو أن فرند يعتقد أن هرطقة القول بثلاثة آلهة (tritheism) لها إرتباط بعقيدة ’الطبيعة الواحدة المتجسدة‘ التي ينادي بها غير الخلقيدونيين. وهذا في رأينا استنباط بعيد من عنده كما هو الحال في تقييمه للموقف غير الخلقيدوني في كثير من الأمور الأخرى. انظر (فرند: مرجع سابق صفحة 290 وما يليها). وهذه الحادثة تدل على أنه في القرنين الخامس والسادس كان هناك في الشرق مفكرين يتسمون بالتجاسر.

[16] ناقش يوحنا أسقف أفسس قصة هرطقة القول بثلاثة آلهة في (مرجع سابق، الخامس)

[17] لقد أورد يوحنا الدمشقي اسم يوحنا فيلوبونوس كأحد قادة الكيان غير الخلقيدوني. ومما لا شك فيه أن الدمشقي كان مخطئاً في هذا الأمر. انظر:

(St. John of Damascus, The Fathers of the Church, A New Translation, vol. 37, pp. 139f)

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج2

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج2

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج2

الجزء الأول: ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

4. فترة حكم الإمبراطور جوستينيان:

كان الإمبراطور يوستين رجلاً مسناً وُلد في منتصف القرن الخامس وسط عائلة ريفية في ثراكي. ومن المحتمل أن يكون قد أتى إلى العاصمة وهو شاب صغير في أوائل العشرينات ليجرب حظه هناك،[1] وقد أهلته قوته البدنية ويقظته العقلية للدخول في سلك الجندية الذي اختاره لنفسه. وبعد استقراره في العاصمة أحضر من بلدته مجموعة من أقربائه كان من بينهم ابن أخته جوستينيان.

وعلى الرغم من أن يوستين كان أميّاً، إلاّ إنه قدم لأقربائه التسهيلات لينالوا قسطاً محترماً من التعليم، فاستفاد جوستينيان بالفعل من هذه المساعدة. وحينما كان يوستين جندياً اشترى امرأة اسمها لوبوسينا لتكون سريته، ثم تزوجها بعد ذلك ولكنهما لم يُرزقا بأولاد. ومنذ بداية تولي يوستين الحكم جعل ابن أخته جوستينيان قريباً من الإدارة وكان هو بالفعل العقل المدبر وراء سياسات خاله.

وفي ربيع عام 527م مرض يوستين فاختار ابن أخته ليعاونه في الحكم يوم 4 أبريل من نفس العام، وبعد ذلك مات يوستين في شهر أغسطس فتم تنصيب جوستينيان إمبراطوراً منفرداً في الحكم.

 

(أ) سياسة جوستينيان الدينية:

كان جوستينيان رجلاً طموحاً وواثقاً من إلمامه بالتفاصيل النظرية، ولذلك بدأ فترة حكمه متبعاً نفس السياسة الدينية التي كان ينتهجها خاله والتي كانت في الحقيقة من تدبيره هو. ولكن الإمبراطور جوستينيان سرعان ما أدرك أن الخلاف بين المؤيدين والمعارضين لمجمع خلقيدونية يحتاج إلى إيجاد تسوية، وكانت خطته في ذلك هو أن يجعل الذين ينتقدون المجمع يقبلونه من خلال تفسير قرارات المجمع بالطريقة التي قد تهدئ شكوكهم.

وكان هذا بالفعل أمراً دقيقاً للغاية، وبحسب كلمات دياكونوف (Dyakonov) ـ التي يذكرها فاسيليف (Vasiliev) ـ “كانت إدارة جوستينيان في سياسته الكنسية ذات وجهين (مثل الإله الروماني جانوس ذو الوجهين)، الوجه الأول متجه نحو الغرب يسأل الإرشاد من روما، بينما الوجه الآخر ينظر إلى الشرق يلتمس الحقيقة من الرهبان السريان والمصريين”.[2]

ويعتبر هذا التعليق نوع من المبالغة، أما حقيقة الأمر فهي أن جوستينيان ـ الذي لم يكن مقتنعاً أن المنتقدين لمجمع خلقيدونية قد ضلوا عن الحق ـ حاول أن يحقق هدفاً مستحيلاً، فقد سعى من ناحية إلى إرضاء روما من أجل أن يحظى بتأييدها في خطته لإعادة إخضاع الغرب للإمبراطورية، ومن الناحية الأخرى حاول أن يوحد الفريقين المتنازعين داخل الكنيسة بدون أن يتخلى عن مجمع خلقيدونية.

وبالطبع فشل جوستينيان في تحقيق مآربه، وقد صدق تعليق روميلي جنكينز (Romily Jenkins) بأن جوستينيان الذي استعاد إمبراطورية عالم البحر الأبيض المتوسط، والذي نظم الدستور المدني، والذي بنى كاتدرائية القديسة صوفيا، لم تكن لديه القدرة ليفرض على الناس الأفكار التي ينبغي أن يعتنقوها فيما يخص طبيعة التجسد الإلهي.[3]

 

(ب) الحو ار مع قادة الجانب غير الخلقيدوني:

ولكي ينفذ خطته في توحيد الفريقين المتنازعين في الكنيسة، أمر الإمبراطور جوستينيان أساقفة وقادة الجانب غير الخلقيدوني الذين كانوا إما منفيين أو متخفيين بأن يأتوا إلى العاصمة لمناقشة الأمر، معطياً إياهم الأمان في المرور والتحرك.

ولم تصل إلينا تفاصيل تلك المناقشات ما عدا إشارة واحدة إليها في خطاب، حيث ذُكر أن حوالي خمسمائة رجل من بينهم أساقفة وقادة من الرهبان قد ذهبوا إلى القسطنطينية. وكان جوستينيان قد أرسل دعوة خاصة إلى البطريرك ساويروس، ولكنه رفض وكتب رسالة إلى الإمبراطور يشرح له فيها أسباب عدم ذهابه إلى العاصمة.[4]

وسلم القادة غير الخلقيدونيين إلى الإمبراطور اعترافاً بالإيمان وقدَّموا فيه عرضاً عقائدياً بمصطلحات واضحة تماماً، مظهرين أسباب عدم قبولهم لمجمع خلقيدونية وطومس ليو.[5] وتم عقد سلسلة من الاجتماعات بين ممثلين عن كلا الجانبين تحت إشراف جوستينيان، ولكنها لم تصل إلى أي اتفاق بين الطرفين، واضطر القادة غير الخلقيدونيين إلى الانسحاب مرة أخرى إلى أماكن متفرقة يمكنهم فيها أن يجدوا الأمان لحياتهم.

ومن خلال تعليق فرند[6] على الاجتماع الأول من تلك الاجتماعات، يمكننا أن ندرك النقطة الحقيقية التي لم يتفق عليها الطرفان، حيث يشير فرند إلى خطاب[7] أرسله إينوسنتيوس أسقف مارونيا (Innocentius of Maronia) ـ وهو واحد من الأساقفة الخلقيدونيين المشاركين ـ إلى توماس القس الخلقيدوني في كنيسة تسالونيكي، ويقول إينوسنتيوس في هذا الخطاب: لقد أعطت الجلسة الأولى من الاجتماعات ـ والتي عُقدت في مارس عام 532م ـ كل الأفضلية للخلقيدونيين في التعامل مع جذور الخلاف.

ويعلق فرند على ما ورد في ذلك الخطاب بأنه بعد أن قبل غير الخلقيدونيين أن أوطيخا كان هرطوقياً، صاروا مضطرين للاعتراف بأن البابا ديسقوروس كان متفقاً معه (في الرأي) وأنه قد حرم فلافيان. فكيف يمكن عندئذ أن يكون البابا ديسقوروس أرثوذكسياً؟.

وأمام حجة أن أوطيخا قد ندم على ما فعل، سأل الخلقيدونيون “فلماذا إذن تعتبروه هرطوقياً؟”، ومن هنا أصبح غير الخلقيدونيين في النهاية مضطرين للإقرار بأن البابا ديسقوروس كان غير واعٍ للأمر، وأن إدانته لفلافيان كانت غير عادلة، وبالتالي يكون الاستدعاء لعقد مجمع جديد في خلقيدونية له ما يبرره. وكان ويجرام (Wigram)[8] هو الذي ذكر أمر هذا الجدال.

وكما رأينا،[9] لم يكن أساس الشقاق الذي حدث بسبب خلقيدونية هو بالأمر الهين، ومن الجدير بالذكر أن البطريرك ساويروس رفض الادعاء بأن غير الخلقيدونيين قد قاموا بمثل هذا الإقرار المزعوم (حول البابا ديسقوروس) الذي يذكره فرند، مما يدل على أن المصدر الذي اعتمد عليه فرند في تسجيل تعليقه لا يمكن أن يقبله غير الخلقيدونيين كمصدر صحيح على الإطلاق.

والحقيقة أن كل دفاع عن مجمع خلقيدونية يمكن أن يكون موضع شك بسبب الوثائق ذاتها التي يستخدمها العلماء الخلقيدونيون في إثبات دفاعهم. وفي الواقع أن مجمع أفسس الثاني عام 449م مع تبرئته لأوطيخا ـ وفي إطار السياق التاريخي لهذا المجمع ـ كان له ما يبرره بالفعل، وأي دفاع عن مجمع خلقيدونية لا يعطي اهتماماً لهذه الحقيقة لا يستحق أي نوليه أي اعتبار جاد.

 

(ج) البطريرك ساويروس في القسطنطينية:

ورغم فشل المناقشات عام 532م، استمر الإمبراطور جوستينيان في الضغط على البطريرك ساويروس ليزور العاصمة من أجل المشورة. وفي النهاية أذعن البطريرك ساويروس لرأيه، وعندما وصل إلى القسطنطينية قُوبل بمنتهى الاحترام والإجلال من الإمبراطور والإمبراطورة. ومن الجدير بالذكر أن دعوة جوستينيان للرجال غير الخلقيدونيين (للمناقشة) كانت بتأثير من زوجته ثيؤدورا (Theodora) التي كانت تساندهم.

وكانت ثيؤدورا بحق شخصية غير عادية. ويمكننا أن نعرف وصفاً لحياتها الأولى وكذلك أنشطتها الأخيرة من خلال كتابات بروكوبيوس (Procopius) أسقف قيصرية وهو كاتب معاصر لتلك الفترة كان يجد سعادة كبيرة في ذم عائلة جوستينيان.

وقد قام روبرت برونينج (Robert Browning)[10] في الآونة الأخيرة بتجميع سيرة ثيؤدورا (وجوستينيان) من كتابات بروكوبيوس. ولكن بصرف النظر عن الحقيقة وراء قصة بروكوبيوس، فإننا لدينا دليل بأن ثيؤدورا كان لها حفيد من ابنتها يُدعى أثناسيوس، وقد صار راهباً فيما بعد وحاول الوصول إلى الكرسي السكندري خلفاً لثيؤدوسيوس ولكنه فشل في ذلك.[11]

وعلى الرغم من أن التاريخ يسجل أن جوستينيان حاول مرة أن يجعل ثيؤدوسيوس يرسم حفيد ثيؤدورا قساً ولم ينجح، فإن القرابة الجسدية بينهما لم يأتِ ذكرها أبداً، وهذا يدل على أن ثيؤدورا كانت مرتبطة برجل ـ سواء بزواج أو بطريقة أخرى ـ قبل زواجها من الإمبراطور. ونجد في مصادر العصور الوسطى المصرية والسريانية مزاعم بأن ثيؤدورا قد وُلدت في مصر وترعرعت في سوريا،[12] ولكن ما يهمنا هنا هو حقيقة أن ثيؤدورا كانت تؤيد الحركة غير الخلقيدونية بشدة وكانت تشجع أهدافها دون أي تحفظ.

وكان إبيفانيوس أسقف القسطنطينية ـ الذي جاء بعد يوحنا ـ قد مات في يونيو عام 535م، وخلفه على كرسي القسطنطينية أنثيموس (Anthimus) الذي كان أسقفاً على تريبيزوند (Trebizond). وكان أنثيموس ـ كما يذكر فرند[13] ـ عضواً في الوفد الخلقيدوني الذي اشترك في اجتماعات عام 532م، وكان متعاطفاً مع الموقف غير الخلقيدوني، وقد التقى مع البطريرك ساويروس عن طريق الإمبراطورة، وأصبح الأثنان صديقين مرتبطين ببعضهما البعض في الإيمان، وكونا مع البابا ثيؤدوسيوس (بطريرك الإسكندرية) ثالوثاً معارضاً لمجمع خلقيدونية.

وكانت هذه بحق فترة انتصار (قصيرة) للجانب غير الخلقيدوني، وبحسب كلمات ماسبيرو (Maspero) التي أوردها فاسيليف “كانت عاصمة الإمبراطورية في بداية عام 535م، تتخذ بصورة ما نفس الشكل الذي كان لها في فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس”.[14]

 

(د) رد فعل الجانب الخلقيدوني:

لم يكن من الممكن أن يدوم انتصار الجانب غير الخلقيدوني طويلاً، فقد أدت إقامة البطريرك ساويروس في العاصمة لمدة ثمانية عشر شهراً متمتعاً بضيافة الزوجين الإمبراطوريين وبرفقة البطريرك القسطنطيني إلى إثارة حفيظة القادة الخلقيدونيين في الشرق، فأرسل رهبان فلسطين ومنطقة (سوريا 2) ممثلين عنهم إلى القسطنطينية، كما أن إفرايم أسقف أنطاكيا الذي جلس على الكرسي بعد إزاحة ساويروس عام 518م، استخدم هو الآخر رجلاً يُدعى سرجيوس، وهو طبيب يتمتع باللباقة والدبلوماسية، ليسافر إلى روما ويخبر البابا أجابيتوس (Agapetus) بالموقف في القسطنطينية.

وتزامنت مهمة سرجيوس مع تطور آخر في الغرب، حيث إن الملك الجرماني ثيؤداد (Theodahad) الذي كان قد اعترف ـ ولو اسمياً ـ بجوستينيان كحاكم أعلى فوقه، كان قلقاً بشأن العمليات العسكرية لبليساريوس (Belisarius) في الغرب. وحيث إن روما كانت تحت سلطته السياسية، استطاع ثيؤداد أن يرغم البابا أجابيتوس أن يذهب إلى القسطنطينية كممثل عنه ليطلب من جوستينيان أن يوقف حملات بليساريوس في صقلية ودالماتيا.

وذهب أجابيتوس إلى القسطنطينية في أوائل مارس عام 536م، واستقبله جوستينيان بموكب واحتفال عظيم، وأحدثت مجرد رؤية جوستينيان للبابا تغيير إعجازي في توجهه.

وبمجرد أن استعاد البابا أجابيتوس سيطرته على الإمبراطور ـ كما يذكر زكريا ـ حتى قام البابا باتهام البطريرك أنثيموس بأنه ’زاني‘[15] والبطريرك ساويروس بأنه ’أوطيخي‘، أما الإمبراطور جوستينيان فقد توقف من جانبه عن فعل أي شيء لغير الخلقيدونيين. وأمام هذا التغير، قام أنثيموس بإعادة الطيلسان البطريركي الخاص به إلى الإمبراطور وانسحب من الكرسي.

كما عاد البطريرك ساويروس مرة أخرى إلى مكان اعتزاله في مصر، وقبل أن يترك العاصمة كتب البطريرك ساويروس[16] إلى رجال الكنيسة والرهبان في الشرق وأبلغهم برحيله. وكتب فاسيليف عن ذلك يقول: “من المحتمل جداً أن يكون أحد أسباب التقدير الذي أعطاه الإمبراطور جوستينيان للبابا (أجابيتوس ) أن الحرب القوطية الشرقية كانت قد بدأت في إيطاليا في ذلك الوقت، وكان جوستينيان يحتاج إلى تأييد الغرب”.[17]

 

(هـ) الجانبان ينفصلان:

وقام البابا أجابيتوس بنفسه بسيامة ميناس (Menas) بطريركاً على القسطنطينية بدلاً من أنثيموس في 13 مارس عام 536م، وقبل البطريرك الجديد مجمع خلقيدونية وعادت القسطنطينية من جديد مركزاً للخلقيدونية المسيحية في الشرق، وفي وسط هذه الإنجازات المتألقة مات أجابيتوس فجأة في يوم 22 أبريل.

وفي أثناء شهري مايو ويونيو من نفس العام عقد مجمع القسطنطينية المكاني سلسلة من الاجتماعات حضرها خمسة من مندوبي روما وخمسة وأربعين أسقفاً من الشرق، وأصدر المجمع قراراً بحرم أنثيموس كهرطوقي وتجديد إدانة وحرم البطريرك ساويروس. وقام الإمبراطور جوستينيان بالتصديق على قرار المجمع وأصدر مرسوماً يوم 6 أغسطس يعلن فيه تجريم الاعتراف بالموقف غير الخلقيدوني في الإمبراطورية، كما أمر بإحراق كتابات البطريرك ساويروس.

وعقد إفرايم أسقف أنطاكيا أيضاً مجمعاً من مئة واثنين وثلاثين أسقفاً، وأكد هذا المجمع على قبوله لخلقيدونية وإدانة البطريرك ساويروس وأتباعه.[18]

ولم يحل مرسوم جوستينيان المشكلة الدينية في الإمبراطورية، وإنما كل ما فعله هو الإعلان أن الخلقيدونية وحدها هي التي تمثل ديانة الدولة، بالضبط على نفس النحو الذي فعله’مرسوم الاتساق‘ (Act of Uniformity) عام 1662م مع المسيحية في إنجلترا.

وكان مرسوم جوستينيان بالفعل مؤذياً للكيان غير الخلقيدوني من ثلاثة أوجه على الأقل؛ أولاً: صارت الكنائس والمؤسسات الدينية الأخرى في الإمبراطورية بحكم القانون ملكاً للكيان الخلقيدوني، ثانياً: كان على الأساقفة وقادة الكنيسة من المعارضين لخلقيدونية أن يقضوا حياتهم في النفي أو في التخفي، كما مُنعت كذلك الرسامات الجديدة، ثالثاُ: حُرم العلمانيون (غير الخلقيدونيين) من فرص الحصول على المناصب الرفيعة في الدولة.

وبالرغم من كل هذه الصعوبات تمسك الناس بموقفهم الديني غير الخلقيدوني بثبات في كل من مصر وسوريا وبقية الشرق. وحيث إن الكنائس والمؤسسات الأخرى في المدن صارت متاحة لكنيسة الدولة (الخلقيدونية)،أصبح لزاماً على غير الخلقيدونيين أن يبنوا الكنائس والأديرة خارج المدن. وعلى سبيل المثال أصبح على كنيسة مصر أن تتخلى عن الإسكندرية وتنقل مركزها الكنسي إلى الدخيلة (Enaton) حيث بنت هناك تجمعات رهبانية،[19] بلغت ستمائة تجمع.

وكذلك الحال مع البطاركة السريان الذين أتوا بعد البطريرك ساويروس، فقد اتخذوا مكان إقامتهم في مناطق مثل حاران (Haran) والرقة (Callinicus) والرها (Edessa) وماردين (Mardin) في شمال سوريا.[20] وفي الحقيقة يذكر ميخائيل السرياني أن المرة الأولى التي تطأ فيها قدم بطريرك أنطاكي غير خلقيدوني مدينة أنطاكيا، بعد أن تركها البطريرك ساويروس عام 518م، كانت في عام 721م عندما زارها البطريرك إلياس ليكرس كنيسة تم بناؤها في المدينة.[21]

 

(و) تنظيم الكيان غير الخلقيدوني:

ولم يتخلى الأساقفة المعارضون لمجمع خلقيدونية ـ والذين أُجبروا على ترك كراسيهم منذ عصر يوستين الأول ـ عن وضعهم الكنسي القيادي، بل على العكس تبنوا أسلوباً مختلفاً كان من وجهة نظرهم هو الأكثر تواصلاً (مع رعيتهم) من أجل وفائهم بمسئولياتهم الروحية. وفي نفس الوقت كان الناس في سوريا وفي مختلف الأنحاء يحاولون الضغط على الحكام من أجل رجال الكنيسة، وتمت تلبية هذه الطلبات بصورة جزئية، وقد لعب يوحنا أسقف تللا (Tella) في شمال سوريا دوراً مؤثراً في هذا الأمر، ولكنه قُبض عليه ومات في سجنه عام 538م.

وكما ذكرنا سابقاً، ظل البطريرك ساويروس الأنطاكي على اتصال مع الشعب والتجمعات التي تحت مسئوليته الروحية حتى بعد ابتعاده عام 518م، وقد قبل من حيث المبدأ أن يكون هناك تسلسل رئاسي (hierarchy) منفصل للكيان غير الخلقيدوني، رغم إنه حاول أن يسير بحذر في هذه الخطة لكي يتجنب الصدام المباشر مع القسطنطينية.

وقد يكون هذا هو أحد الأسباب التي كانت وراء عدم رغبة البطريرك ساويروس في تلبية دعوة جوستينيان لمفاوضات الوحدة عام 532م، وفي النهاية عندما قبل الذهاب قيل أنه خضع للضغوط من رفقائه، وأنه قال لهم أنه لا يتوقع أي شيء طيب من هذه الرحلة.[22]

وعلى أية حال، لم يترك البطريرك ساويروس شعبه يعيش بدون اهتمام رعوي وعناية مسيحية. وفي عام 536م عندما رحل هو وأنثيموس عن العاصمة، تبادلا الرسائل[23] التي اتفقا فيها على تبني موقف واحد ضد خلقيدونية، وكانا كلاهما على اتصال مع ثيؤدوسيوس بابا الإسكندرية الذي كان في القسطنطينية منذ عام 537م، وفي الحقيقة أنه أقام في العاصمة لمدة ثلاثة عقود بعد ذلك كقائد للحركة غير الخلقيدونية.

وفي مواجهة محاولة الإمبراطور جوستينيان لفرض منشوره، كان على البطريرك ساويروس والبابا ثيؤدوسيوس على وجه الخصوص أن يفكرا ملياً في طرق ووسائل لتثبيت تسلسل رئاسي (غير خلقيدوني) موازٍ للتسلسل الخلقيدوني الرسمي للدولة.

ورقد البطريرك ساويروس الأنطاكي في 8 فبراير عام 538م،[24] وتمت رسامة سرجيوس خلفاً له في عام 544م، وكان من بين الأساقفة الذين اشتركوا في الرسامة يعقوب الملقب بالبرادعي (أي الذي يلبس ثوب من برادع الخيل). وكان سرجيوس راهباً من مدينة تللا (Tella) وهو صديق ليعقوب البرادعي الذي كان هو الآخر من نفس المدينة، ومثل الكثيرين في تلك الأيام نقلا محل إقامتهما إلى القسطنطينية.

وكان يعقوب البرادعي (Baradaeus) بالفعل شخصاً في غاية الأهمية، ففي الوقت الذي كان فيه الكيان غير الخلقيدوني على وشك أن يصير محروماً تماماً من الرتبة الأسقفية بسبب موت أو نفي أساقفته، تمت رسامة يعقوب أسقفاً في عام 542م. ومنذ ذلك الحين أخذ يعقوب دور الرجل الكنسي الجوال، وواجه بشجاعة كل المخاطر وتحمل الكثير على الدوام في سبيل خدمة الجزء الذي ينتمي إليه من الكنيسة في مواجهة الإمبراطورية الرومانية العتية.

ويعقوب البرادعي هو ابنٌ لقس سرياني يُدعى ثيؤفيلس بار مانو، وقد وُلد حوالي عام 500م في مدينة تللا التي تبعد خمسة وخمسين ميلاً إلى الشرق من الرها، وفي فترة مبكرة من حياته دخل حياة الرهبنة حيث تعلم اللغة السريانية واللغة اليونانية ودرس الأعمال المتوفرة لديه بهذه اللغات، وشيئاً فشيئاً صار يعقوب مستغرقاً في حياة الزهد، حتى أنه عندما ورث أملاك والديه قام بتحرير عبيده ووزع عليهم ممتلكاته.

وفي عام 528م انتقل إلى القسطنطينية على أمل أن يعرض قضية الكيان غير الخلقيدوني على الإمبراطورة ثيؤدورا، وعاش هناك سنوات عدة. وعندما رأى يعقوب الحالة الرثة التي صار عليها الجزء الذي ينتمي إليه من الكنيسة، قدم نفسه للرسامة كأسقف للرها في نفس الوقت مع ثيؤدور الذي رُسم على المسيحيين الذين من سلالات عربية.

وتمت رسامة يعقوب وثيؤدو بواسطة البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية تحت رعاية الإمبراطورة ثيؤدورا، وبطلب من الحارث بن جبدة حاكم المسيحيين العرب. وكانت المنطقة التي تقع على الحدود بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية تقطنها القبائل العربية، وكانت كلتا الإمبراطوريتين تسعيان لنوال مساعدة هذه القبائل القوية في منازعتها مع الأخرى.

وفي القرن السادس اتحدت هذه القبائل فيما بينها وكونت تجمعين: اللخميين في الشمال والشرق واتخذوا الحيرة مركزاً لهم، والغساسنة في الجنوب والغرب. وكان الحارث بن جبدة هو قائد الغساسنة في ذلك الوقت، وهو مسيحي يتبع الجانب غير الخلقيدوني، وقد حاول إفرايم أسقف أنطاكيا أن يغير توجهه الديني إلى الجانب الخلقيدوني ولكن دون جدوى.

ومع ذلك تم التخلص من ابن الحارث وخليفته ’المنذر‘ مع كل عائلته ودُمرت مملكتهم المسيحية تماماً بواسطة الأعمال الغادرة لخلفاء جوستينيان. ولكن في عام 541م، كان الحارث لا يزال في السلطة وقد طلب من الإمبراطورة ثيؤدورا إقامة أساقفة من أجل تنظيم الكنيسة في الشرق، وكان هذا هو السبب وراء رسامة كل من يعقوب وثيؤدور، وقد أُعطي للأول بالتحديد سلطة شاملة.

وبدأ يعقوب نشاطه في طريق وعر للغاية، وكان يتنقل على الدوام من مكان إلى مكان في أنحاء سوريا، وما بين النهرين (Mesopotamia) ومصر وفلسطين ومختلف الأماكن في الشرق. وحيثما ذهب كان يعقوب يثبت المؤمنين ويرسم رجالاً للكنيسة ويساعد في إقامة أساقفة وفي بعض الأوقات بدون حتى اختبار دقيق لملاءمة الشخص المتقدم لتلك الخدمة الكنسية، وكان يعقوب في تجواله يحاول أن يظل متخفياً عن الأعين من خلال ارتدائه ثوب مصنوع من برادع الخيل، ومن هنا سُمي بالبرادعي.

وقد دامت أسقفيته لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، كرس نفسه خلالها ـ وبدون أدنى انحراف عن الهدف ـ لخدمة الكيان غير الخلقيدوني المضطهَد. وفي وسط المخاطر العظمى وإحساس الحرمان المر، استطاع يعقوب أن يرتب خلفاً للبابا ساويروس على كرسي أنطاكيا القديم،[25] كما قام برسامة أساقفة ورجالاً كنسيين وصل عددهم لحوالي مئة ألف شخص،[26] وأسس كنائس في أجزاء عديدة من الشرق.

وهكذا وبرغم الاضطهاد والمعوقات المختلفة، استطاع الكيان غير الخلقيدوني أن يصمد في المجتمعات الكنسية القوية في مصر وسوريا وما بين النهرين ومختلف المناطق في الشرق. ولم يكن من السهل على الجانب الخلقيدوني أن يتغاضى عن مثل هذا النمو، وكتعبير عن عدم الرضا أطلق الخلقيدونيون أسم ’اليعاقبة‘ (Jacobite) للإشارة إلى غير الخلقيدونيين.[27]

 

(ز) جهود جوستينيان الأخيرة:

أصبحت الكنيسة في القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية منذ عام 536م منقسمة إلى كيانين متمايزين، كل منهما يعتبر نفسه أنه هو فقط الكنيسة وينظر للآخر كهرطوقي.

ومع ذلك كان الكيان الخلقيدوني بالتحديد يتمتع بموقع أفضل بسبب ما يحظى به من مساندة الدولة، وقد استغل قادته ذلك ليستمروا في حملتهم القوية ضد معارضيهم[28] حتى أن جوستينيان استطاع أن يكتب إلى مجمع القسطنطينية عام 553م ويقول:[29] “والآن عندما رفعتنا نعمة الله إلى العرش، اعتبرنا أن عملنا الرئيس هو أن نوحد الكنائس مرة أخرى، وأن نجعل مجمع خلقيدونية مع الثلاثة مجامع السابقة تحظى بالقبول العام.

وبالفعل كسبنا الكثيرين ممن كانوا يعارضون ذلك المجمع سابقاً؛ أما الذين أصروا على موقفهم فقد قمنا بنفيهم، وهكذا استعدنا وحدة الكنيسة ثانية”. وكانت هذه العبارة تمثل أحلام جوستينيان أكثر من كونها تعبر عن حقيقة تاريخية.

وفي يونيو عام 548م ماتت الإمبراطورة ثيؤدورا من سرطان في الحلق. ويذكر هارولد لامب (Harold Lamb) أنه عندما كان جسدها موضوعاً بين الشموع في صحن كنيسة الرسل، ظهر هناك البطريرك العجوز أنثيموس الذي كان يعتقد الكثيرون أنه مات منذ أكثر من اثنتي عشر سنة.[30]

وبالرغم من أن أنثيموس انسحب من الكرسي في مارس 536م، كما أن جوستينيان كان قد أمر بطرده من المدينة، إلاّ إنه عاش في أحد الأماكن بالعاصمة تحت حماية الإمبراطورة مع ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين.[31]

ويسجل ميخائيل السرياني[32] أنه بعد موت الإمبراطورة أقنع القادة الخلقيدونيين جوستينيان أن يعقد اجتماعاً آخراً من أجل الوحدة، على أمل أنه من الممكن بدون رعاية الإمبراطورة أن يعلن غير الخلقيدونيين إذعانهم. واستجاب جوستينيان لطلبهم، وأحضر بالفعل إلى العاصمة أربعمائة رجل مكثوا هناك ما يقرب من العام يناقشون الأمر مع المعينين من قبل الإمبراطور.

ولم تؤتِ تلك الجهود بأي ثمار وعاد الرجال إلى بلادهم، لكن الجدير بالذكر أن ذلك الموقف قد أثبت أن اعتراض غير الخلقيدونيين على مجمع خلقيدونية لم يكن معتمداً على مساعدة أي سلطة أرضية.

واستخدم الإمبراطور جوستينيان، في دعوة القادة غير الخلقيدونيين لمناقشات الوحدة، أشخاصاً يكونون محل ثقته ومحل ثقة الرجال المدعوين. وكان يوحنا أسقف أفسس من بين هؤلاء الأشخاص، وهو رجل سرياني من أنودا (Anuda) وُلد في أوائل القرن السادس ونال تعليمه في الشرق، وبعد أن عاش في فلسطين فترة من الزمن أستقر في القسطنطينية، وقام يعقوب البرادعي برسامته أسقفاً على أفسس في عام 558م.

وكان يوحنا غير خلقيدوني بحسب المعتقد وبحسب المنطقة التي ينتمي إليها، وقد خدم قضية كنيسته بطرق مختلفة في العاصمة أثناء فترة حكم جوستينيان واثنين من خلفائه حتى مات في حوالي عام 586م.

وهناك اثنان من أعمال يوحنا التاريخية يعتبران من المصادر النفيسة لدراسة الكنيسة الشرقية في القرن السادس، أولهما كتاب عن تاريخ الكنيسة في ثلاثة أجزاء، لم يصل إلينا منها إلاّ الجزء الثالث فقط وبعض بقايا من الجزء الثاني،[33] أما العمل الثاني فهو ’حياة القديسين الشرقيين‘ وهذا الكتاب متاح لدينا.[34]

وكان يوحنا يحظى بقدر كبير من التقدير لدى جوستينيان، وقد أشركه في إنجاز عدد من المهام الدقيقة من بينها التبشير بالإنجيل بين الوثنيين في آسيا الصغرى، واستطاع يوحنا أن يجذب سبعين ألف نفس للإيمان المسيحي من خلال برنامج للخدمة بدأه عام 542م. ومن المسجل أن يوحنا قام بهذا المشروع بناءً على طلب من جوستينيان الذي تحمل كل النفقات المطلوبة له، وأنه كان من سعة الأفق والمرونة حتى أنه سمح للداخلين في الإيمان أن ينضموا للكيان الخلقيدوني.[35]

 

(ح) مجمع القسطنطينية عام 553م:

على الرغم من خطة جوستينيان لمساندة مجمع خلقيدونية، إلاّ أن كثرة مناقشاته مع القادة غير الخلقيدونيين أقنعته بأن اعتراضهم على مجمع عام 451م لا يمكن أن يكون كله بدون أساس، ولا يمكن أن يتم تجاهل هذا الاعتراض تماماً. ومن هنا سعى جوستينيان أن يجعل مجمع خلقيدونية وصيغته العقائدية متسقاً مع الفكر اللاهوتي للتقليد السكندري. وكان هذا هو هدفه من وراء الدعوة لعقد مجمع القسطنطينية عام 553م. ويعتبر هذا المجمع هو المجمع المسكوني الخامس عند الخلقيدونيين.

وحيث إن تاريخ مجمع عام 553م يقع خارج مجال دراستنا الحالية، فسنكتفي هنا بالنظر باختصار للموقف اللاهوتي الذي تبناه المجمع ونرى كيف كانت المشكلة التي نتجت عن خلقيدونية معقدة للغاية. وكانت هناك ثلاثة قرارات لمجمع عام 553م تستدعي الملاحظة: (1) إعلان مجمع خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع؛ (2) إدانة ’الفصول الثلاثة‘؛ (3) قبول الحروم الأربعة عشر.

وبالنسبة للقرار الأول، ذكر جوستينيان في خطابه الموجه إلى المجمع: “نحن نتمسك بشدة بقوانين المجامع الأربعة”،[36] كما أن المجمع في عبارته ضد ’الفصول الثلاثة‘ عبَّر عن “قبوله للأمور … التي حددها الستمائة والثلاثون المجتمعون في خلقيدونية، للإيمان الواحد ذاته”،[37] وبهذه الطريقة تم التصديق على مجمع خلقيدونية بواسطة مجمع عام 553م.

ويستحق القرار الثاني انتباهاً خاصاً، حيث كانت ’الفصول الثلاثة‘ تشير إلى إدانة ثيؤدور أسقف موبسوستا[38] كهرطوقي، وكتابات معينة لثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها باعتبارها تخالف إيمان الكنيسة. وهذا يعني أنه من هؤلاء الرجال الثلاثة تم وصف ثيؤدور بأنه هرطوقي خطر، على الرغم من أنه في خلقيدونية لم يُذكر حتى اسم ثيؤدور بصورة جادة، مثلما حدث مع كل من ثيؤدوريت وإيباس.

ووجد مجمع عام 553م عيباً في ثيؤدوريت بسبب ما “كتبه بدون تقوى ضد الإيمان القويم، وضد حروم ق. كيرلس الإثني عشر، وضد مجمع أفسس الأول” وأيضاً بسبب “بعض الأشياء التي كتبها في الدفاع عن ثيؤدور ونسطور عديمي التقوى “.[39] ومن الواجب أن نتذكر أن كل كتابات ثيؤدوريت، كانت قد نُشرت قبل أن ينعقد مجمع خلقيدونية عام 451م، وأنه على أساس هذه الكتابات نفسها تمت إدانته في مجمع أفسس الثاني عام 449م.

ومع ذلك فبالرغم من تلك الإدانة وبالرغم من تلك الكتابات، قام ليو بابا روما ـ كما رأينا ـ بإعادته إلى الأسقفية،[40] كما سعت السلطة الإمبراطورية لتجعله يشترك في مجمع عام 451م[41] ـ وذلك بدون ذكر لأي كلمة عن هذه الكتابات أو عن دفاعه عن الرجل الذي وصفه مجمع عام 553م بـ ’ثيؤدور أكثر الجميع في عدم التقوى‘ ـ وكان ذلك على أساس مجرد حرمان فاتر وغير مرغوب فيه نطق به ثيؤدوريت ضد نسطور.

فإذا كان ثيؤدوريت يستحق بالحقيقة ذلك الوصف الذي وصفه به مجمع عام 553م، فيكون من الغريب فعلاً أن يتجرأ ذلك المجمع (أي مجمع القسطنطينية عام 553م) ليدافع في نفس اللحظة عن مجمع خلقيدونية الذي بعد فحص كل هذه التهم ضد ثيؤدوريت حكم بتبرئته.

وهذه النقطة تبدو أكثر قوة عند الرجوع إلى معالجة المجمع لموضوع إيباس، فقد حكم مجمع عام 553م بأن “الخطاب الذي قيل أن إيباس قد أرسله إلى ماريس الفارسي” يحتوي بالفعل على “تجاديف الهرطوقيين ثيؤدور ونسطور” الذي يدافع عنهما إيباس ويدعوهما من علماء اللاهوت، بينما يشير إلى الآباء القديسين بأنهم هراطقة.[42]

وخطاب إيباس هذا كان قد كُتب هو الآخر قبل انعقاد مجمع خلقيدونية بفترة طويلة، كما أن إيباس كان قد أُدين بسبب هذا الخطاب وبسبب تهم أخرى في مجمع عام 449م. وحينما قُدمت كل هذه الأدلة إلى مجمع خلقيدونية وتم فحصها، أعطى مندوبو روما حكمهم بأن تلك الأدلة لا تبرر إدانة الرجل وحرمه، وأن إيباس ـ برغم ذلك الخطاب ـ كان أرثوذكسياً.[43] وزعم مجمع عام 553م بأن خطاب إيباس لم يُقبل من مجمع خلقيدونية بحجة أن تلك الوثيقة تتسم بمنتهى عدم التقوى بحيث أنه من غير الممكن أن يكون ’المجمع المقدس‘ قد قبلها.

وتعتبر هذه الحجة غريبة بالفعل، كما أن دفاع مجمع عام 553م عن مجمع خلقيدونية من خلال إدانته ’للثلاثة فصول‘ هو بمثابة محاولة لتصحيح خلل خطير رآه جوستينيان ومن معه في المجمع السابق.

وتعزز الحروم التي أصدرها مجمع عام 553م حكمنا هذا بصورة أكبر، فقد استبعدت (هذه الحروم) هرطقات معينة من جهة، وتمسكت بموقف لاهوتي محدد من الجهة الأخرى. والحقيقة التي تكمن وراء تلك الحروم بجهتيها هي أنها تثبت وتؤيد وجهة النظر التي تمسك بها غير الخلقيدونيين على الدوام. فلو كان الإمبراطور والكيان الخلقيدوني قد اعترف بهذه الحقيقة، لكان من الممكن تجنب قدر عظيم من المصادمات التي أدت إلى تباعد الفريقين.

ويروي ميخائيل السرياني[44] أن جوستينيان الذي فعل الكثير جداً من أجل توطيد مجمع خلقيدونية، انجذب في نهاية حياته إلى الفكر اليولياني. ويذكر ذلك المؤرخ السرياني أن الإمبراطور، الذي اعتاد أن يمتدح مجمع خلقيدونية بأنه لم يقبل خطاب إيباس، صُدم حين سمع من فيجيليوس (Vigilius) بابا روما أن المجمع في الحقيقة كان قد قبل الوثيقة، وهنا وفي غيظه أطلق جوستينيان حرماً ثلاثياً على خلقيدونية، وتبنى الفكر اليولياني.[45]

 

[1] See Robert Browning: Justinian and Theodora, op. cit., pp. 38f

[2] History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 149.

[3] Romily Jenkins: Byzantium: The Imperial Centuries – A. D. 610 – 1071, Wiedenfeld and Nicolson, 1966, pp. 12-3.

[4] للإطلاع على رسالة البطريرك ساويروس انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 123-31). وكان ويجرام (Wigram) قد ذكر أن البطريرك ساويروس ’قد تعلل بالمرض‘ (مرجع سابق صفحة 114)، ولكن الرسالة في الواقع لا تؤيد هذا الرأي.

[5] للإطلاع على ملخص لهذا الاعتراف انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 115-123).

[6] Frend, op. cit., pp. 265f.

[7] هذه هي المعلومات الوحيدة التي لدينا عن هذه الاجتماعات.

[8] Wigram, op. cit., p. 114. 

[9] لقد تمت مناقشة كيفية نشوء النزاع في الفصل الأول. وبناء عليه لا يمكن الأخذ بتعليق فرند مأخذ الجد.

[10] Robert Browning: Justinian and Theodora, op. cit.

[11] Michael le Syrien, op. cit., p. 314.

[12] Michael le Syrien, ibid., p. 277; Gregorii Barhebreii, Chronicon Syriacum (Syriac) Paris, 1890, p. 78; C. S. C. O., vol. 81, p. 192; History of the Patriarchs of the Coptic Church of Alexandria, II, P.O., Tome 1, Fascicule 4, p. 459.

[13] Frend, op. cit., p. 271. 

[14] Vasiliev: History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 151.

[15] كان هذا الإتهام يشير إلى إنتقاله من تريبيزوند (Trebizond) إلى كرسي القسطنطينية. وكان القانون الخامس عشر من قوانين مجمع نيقية يمنع إنتقال أسقف أو قس أو شماس من مدينة (أي المدينة التي رُسم عليها) إلى أخرى.

[16] معظم هذا الخطاب محفوظ في (Zacharia, op. cit., II, pp. 139-140).

[17] History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 151.

[18] Zacharia, op. cit., II, p. 190.

[19] See P.O., Tome 1, Fascicule 4, op. cit., p. 472.

يقول المؤلف أن جميع الأديرة كانت كاملة العدد، وأنه كان يوجد إثنتان وثلاثون مزرعة مزدهرة يقتاتون عليها.

[20] Michael le Syrien, op. cit., p. 556.

[21] المرجع السابق صفحة 456.

[22] هذا القول نقلاً عن يوحنا الأسيوي. انظر (C.S.C.O. vol. 104, p. 405)

[23] هذه الخطابات محفوظة في: (Zacharia, II, op. cit.).

[24] لقد إتفقت المصادر على أن يوم الثامن من فبراير كان هو يوم نياحة البطريرك ساويروس، ولكنها اختلفت في تحديد العام، فالبعض ذكر أنه عام 537م والبعض عام 538م والآخر عام 539م.

[25] لقد اشترك يعقوب في سيامة بطريركين لأنطاكيا وهما بالتحديد سرجيوس وبولس الأسود.

[26] حول هذا العدد انظر: (Michael le Syrien, op. cit., p. 365)، ويذكر المؤلف أن هذا العدد قد وُجد في أوراق يعقوب.

[27] لم تكن كلمة ’اليعاقبة‘ (Jacobite) في الأصل، وصف معيب استخدمه الخلقيدونيون ضد غير الخلقيدونيين، ولكنها كانت اسم استخدمه الفريق المعارض ليعقوب في الكنيسة السريانية للحط من قدر الجماعة المؤيدة له. فكما سنرى فيما بعد (صفحة  ) نشأ في سبعينات القرن السادس صراع بين يعقوب والبطريرك بولس الأسود، نتج عنه إنقسام الشعب إلى معسكرين. وفي هذا السياق تم صياغة اسم ’اليعاقبة‘ واستخدامه. (Michael le Syrien, p. 357).

[28] لقد أُطلق العنان للإضطهاد غير الآدمي على الأساقفة ورجال الإكليروس والرهبان والراهبات غير الخلقيدونيين وعلى الشعب عموماً من قبل القيادات الكنسية الخلقيدونية أمثال إفرايم الأنطاكي، وبولس الرهاوي، وأبراهام بار كيلي أسقف أميدا. وقد قام المؤرخون السريان بوصف هذه الإضطهادات بكلمات مؤثرة للغاية.

[29] N. & P. N. F., sec ser., vol. XIV, p. 302.

[30] Harold Lamb: Constantinople: Birth of an Empire, Robert Hale, 1957, p. 275.

[31] C. S. C. O., vol. 104, op. cit., pp. 409f.

[32] Michael le Syrien, op. cit., pp. 312-13.

[33] لقد كتب يوحنا بالسرياني، والجزء الثالث من كتابه عن تارخ الكنيسة يمثل المجلد رقم 105  في (C. S. C. O., 1935)، أما بقايا (أو شذرات) الجزء الثاني فهي ملحق المجلد رقم 104 صفحة 403 – 415.

[34] للإطلاع على كتاب ’حياة القديسين الشرقيين‘ انظر: (P. O. vol. 17-19)

[35] Michael le Syrien, op. cit., pp. 287-88.

[36] للإطلاع على ملخص للخطاب انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., op. cit., pp. 302-3)

[37] للإطلاع على العبارة انظر: (المرجع السابق صفحة 306-11).

[38] كان ثيئودور بحق واحداً من أبرز مفسري الكتاب المقدس ولاهوتيي المدرسة الأنطاكية. انظر صفحة وما يليها.

[39] See N. & P.N.F., sec. ser., op. cit., pp. 306.

[40] انظر صفحة .

[41] انظر صفحة .

[42] المرجع السابق صفحة 310-311.

[43] لمراجعة طرح قضية إيباس في مجمع خلقيدونية، انظر صفحة وما يليها.

[44] Michael le Syrien, op. cit., p. 325.

[45] سوف نرى فيما بعد أن المفهوم اليولياني له تواجد في التعليم الخريستولوجي الذي تبناه الجانب الخلقيدوني.

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

الجزء الأول: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

4. المعارضة تنتظم:

لقد فشل مرسوم الاتحاد في تحقيق هدفه في مصر، حيث كان هناك إصرار على أنه لكي تتم إعادة الوحدة داخل الكنيسة فلابد للجانب الخلقيدوني أن يدين مجمع عام 451م، وطومس ليو بتعبيرات قاطعة. وكما سنرى فيما بعد أثناء حكم الإمبراطور أناستاسيوس (Anastasius)، فإن مرسوم الاتحاد نفسه لم يكن كافياً ليحمي مكدونيوس (Macedonius) بطريرك القسطنطينية ولا فلافيان بطريرك أنطاكيا من العزل، لأن مرسوم الاتحاد كان يُفسر في ذلك الوقت على أنه يحوي ضمنياً إدانة لمجمع خلقيدونية، فعندما لم يفطن هذان القائدان إلى ذلك الاستنتاج، كان لابد أن يُطردا من كرسييهما.

وعلاوة على ذلك لم تكن روما تريد أن تواجه الموقف الفعلي، بل مضت في طريقها تعلن أن مجمع خلقيدونية حدث تمّ ولا يمكن تغييره (fait accompli)، بل وكانت تتبرأ من كل المعارضين للمجمع معتبرة إياهم هراطقة.

وانقسم المجتمع المسيحي الواحد إلى كيانين قويين، ولم يقر أي منهما بأن الكنيسة الواحدة أصبحت توجد في معسكرين متباعدين، بل كان كل منهما يعتبر نفسه هو الكنيسة الواحدة وينظر إلى الآخر كهرطوقي. وفي هذه اللحظة كان الكيان غير الخلقيدوني بالتحديد يعاني من معوقـــات خطيرة، لأنه في الزمن الذي كانت تسود فيه فكرة كنيسة الدولة أو الكنيسة الرسمية (state Church) باعتبارها النموذج المقبول للمجتمع، كان الكيان غير الخلقيدوني يفتقر إلى السند الإمبراطوري.

وكان مجمع خلقيدونية ـ كما رأينا ـ هو الوسيلة التي استخدمتها السلطة الإمبراطورية في ذلك الوقت لكي تحقق فكرة الكنيسة الرسمية للإمبراطورية، ولهذا كان على المنتقدين للمجمع أن يسيروا في الأمر بدون الاعتراف بهذا النظام الكنسي الذي توطد. وفي الحقيقة كان على الفريق غير الخلقيدوني في الكنيسة أن يعيش فقط حالة الكيان الديني المحظور على غرار ما كانت تعيشه المسيحية كلها قبل إيمان قسطنطين في الربع الأول من القرن الرابع، وحتى حينما كانوا ينجحون في رسامة مرشحهم على الكرسي البطريركي كانت السلطة تتدخل وتقوم بعزله.

ورغم أن منشور باسيليسكوس كان قد غيَّر تلك الحالة إلاّ إنه لم يدم لفترة طويلة، كما أن مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘ لم يقدم حقوقاً قانونية للكيان غير الخلقيدوني المضطهد، ولكنه وفر لهم سنداً ليعيشوا داخل الإمبراطورية بعيداً عن قبول مجمع عام 451م، ولعل الذين رحبوا بهذه الوثيقة كانوا يفكرون في هذا الأمر (المدني) أيضاً بجانب الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنته، وعلى أية حال فإن تلك الوثيقة قد أعطتهم مساحة للتنفس كانوا في أمس الحاجة إليها، وقد تلا ذلك فترة كانت في صالحهم بدأت عام 491م بعد حكم الإمبراطور زينو.

 

(أ) فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس:

مات الإمبراطور زينو في أبريل عام 491م، وكان خلفه الإمبراطور أناستاسيوس من أهل (Dyrrhachium) في مقاطعة (New Epirus)، وكان يخدم كحارس باب (Silentiary)[1] في فترة حكم الإمبراطور زينو.

وكان أناستاسيوس عمره ستون سنة وقد تزوج من أريادن أرملة الإمبراطور زينو. وكان يتمتع بشخصية تقية وقد اتبع نفس السياسة الدينية لسلفه وحاول أن يوحد الجانبين في الكنيسة على أساس ’مرسوم الاتحاد‘. ويذكر إفاجريوس أن إفميوس بطريرك القسطنطينية لم يوافق على الاشتراك في مراسم تتويج أناستاسيوس إلاّ عندما أخذ منه وعداً يقضي بأنه لن يقوم بإدخال إي “ابتكار في كنيسة الله المقدسة”.[2]

وقد أظهرت فترة حكم أناستاسيوس مواطن القوة والضعف لدى كل جانب من الجانبين. وعلى الرغم من أن الإمبراطور جعل أساس سياسته الدينية هو مرسوم الاتحاد، إلاّ أنه كان من الممكن التحرك يميناً أو يساراً بالنسبة لمجمع خلقيدونية، وتسبب الصدام المحتدم بين الجانبين في إحالة مرسوم الاتحاد إلى الأرشيف ولم يتمكن من رؤية النور إلى أن فارق الإمبراطور أناستاسيوس الحياة في عام 518م.

وفي الحقيقة لم يحنث أناستاسيوس ـ كما يظن فاسيليف (Vasiliev) ـ بالوعد الذي أعطاه لبطريرك القسطنطينية إفميوس، لأنه حين تمسك بمرسوم الاتحاد ـ الذي اعتبره الأساس الشرعي للوحدة بين الجانبين ـ كان يرى أنه وثيقة ذات صفة قانونية داخل الإمبراطورية، وكان الإمبراطور زينو وليس أناستاسيوس ـ كما رأينا ـ هو الذي أصدر ذلك المرسوم باتفاق كامل مع بطريرك القسطنطينية.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه مع مرور الوقت تحرك الإمبراطور تجاه اليسار واقترب إلى الموقف غير الخلقيدوني أكثر من أي حاكم آخر في الإمبراطورية البيزنطية مما أثار حفيظة الجانب الخلقيدوني المتشدد بصورة كبيرة. وهكذا مهدت فترة حكم أناستاسيوس الطريق نحو الانفصال الكامل والدائم بين الجانبين المتنازعين في الكنيسة.

وكانت المجتمعات الرهبانية وقادتها في الشرق في ذلك الوقت لها تأثير كبير على الشئون الكنسية على كافة المستويات. وقد لاحظنا بالفعل الدور الذي لعبوه في فلسطين في الفترة الأولى من الخلاف. كما أن ساباس (Sabas) ـ الذي عينه البطريرك الأورشليمي سالوستيوس (486م – 494م) رئيساً لرهبان فلسطين عام 494م ـ قد نجح بالتعاون مع البطريرك إيلياس (494م – 516م) في قيادة الغالبية العظمى في فلسطين نحو تأييد الجانب الخلقيدوني.

ولكن كان هناك في جنوب غرب فلسطين مجتمعات رهبانية في غزة (Gaza) تعارض مجمع خلقيدونية، وكان يقود هؤلاء الرهبان في وقت حكم أناستاسيوس رجل يدعى رومانوس (Romanus). وكذلك في القسطنطينية التي كانت تتمتع بكل المجد الإمبراطوري وبوجود مقر البطريرك ـ الذي يعتبر مجازاً هو القائد الروحي للشرق المسيحي ـ كانت هناك أيضاً مؤسسات رهبانية ذات ثقل كبير، ومن أشهر قادة هؤلاء الرهبان دانيال العمودي[3] تلميذ سمعان العمودي[4] الذي جاء ذكره عند الحديث عن مقاومة باسيليسكوس عام 476م.

وكان دانيال هذا قد نقل مقر إقامته من سوريا إلى العاصمة، وبسبب شهرته البارزة كان له أتباع كثيرون. وبجانب هذا كان يوجد أيضاً في القسطنطينية جماعة رهبانية أكثر أهمية من جهة السياسة الكنسية وهم جماعة عديمي النوم (Sleepless) الذين انضموا إلى أتباع ستوديوس (Studius)، وكان ستوديوس هذا راهباً أرستقراطياً جاء من روما إلى القسطنطينية عام 463م، وأسس في العاصمة ديراً له توجه خلقيدوني شديد، وكان يحتفظ بعلاقات قوية جداً مع روما.

 

(ب) المواقف تزداد تشدداً:

ويذكر زكريا المؤرخ أنه عندما أصبح إفميوس بطريركاً على القسطنطينية في عام 490م، رأى الخطاب الذي كان البابا بطرس مُنجوس قد أرسله إلى فرافيتا[5] يدين فيه مجمع خلقيدونية. وخطط إفميوس لحرم البابا بطرس بسبب ’عدم أرثوذكسيته‘، ولكن موت البابا السريع أفقده الفرصة.

وحينما جاء البابا أثناسيوس خلفاً للبابا بطرس، كتب إلى إفميوس نفسه يعلن رفضه لمجمع خلقيدونية، وقد أعطى هذا الفرصة لإفميوس ليرتب لإدانة الرجل. وحين علم البابا أثناسيوس من نائبه في العاصمة بهذه النية، انضم إلى سالوستيوس بطريرك أورشليم وفاتحا الإمبراطور أناستاسيوس بغرض إقصاء إفميوس عن كرسيه.[6]

وبالفعل تم عزل إفميوس بتهمة الخيانة وجاء بعده مكدونيوس ابن أخي جناديوس البطريرك السابق لأكاكيوس. ومع أن مكدونيوس كان خلقيدوني المعتقد، غير أنه لم يجد صعوبة في التوقيع على مرسوم الاتحاد، واستمر على كرسيه حتى عام 511م.

وعلى الرغم من أن الأمور كانت تسير في البداية على ما يُرام بين الإمبراطور وبطريرك القسطنطينية، إلاّ أنهما اختلفا معاً بعد ذلك. ويخبرنا زكريا عن مكدونيوس أنه كان يحتفل بذكرى نسطوريوس سنوياً، وأنه كوَّن فريقاً معارضاً للإمبراطور بالتعاون مع أحد السادة وبعض الرهبان وسعى لاتهام الإمبراطور بالهرطقة، كما أنه جمع كتاباً يتكون من فقرات مقتبسة من كتابات كل من ديودور، وثيؤدور ونسطوريوس، وثيؤدوريت وآخرين.[7]

وقد قابل الإمبراطور أناستاسيوس هذا التحرك برباطة جأش ودعا إلى اجتماع ضم مجلس الشيوخ والنبلاء ورجال الكنيسة والرهبان، وأعلن أمامهم إيمانه وطلب منهم أن يحرقوه حياً إذا وجدوا أنه غير أرثوذكسي، ولكن المجمع أقر بأرثوذكسيته وأعلن أن مكدونيوس مذنب ولذلك تم عزله في عام 511م.

ومن المؤكد أن الشقاق الذي حدث بين الإمبراطور أناستاسيوس والبطريرك مكدونيوس كان قد بدأ في أواخر العقد الأول من القرن السادس، ففي عام 508م وصل إلى القسطنطينية فريق من ثلاثمائة راهب من الجماعات الرهبانية في غزة يقودهم الراهب ساويروس وكانوا من المعارضين لمجمع خلقيدونية، وكانت هذه الجماعة قد حضرت إلى العاصمة لكي تطلب حماية الإمبراطور للرهبان الذين ينتمون إلى نفس موقفهم الديني في فلسطين من الضغط المستمر الذي يمارسه ضدهم الرهبان الخلقيدونيون من أجل القضاء عليهم.

واستطاع ساويروس الرجل العالم، لا أن يدافع عن هذه القضية فقط، وإنما أن يحل محل مكدونيوس كمستشار للإمبراطور في الشئون الكنسية. وكان ساويروس مقاوماً عنيداً لمجمع خلقيدونية، وكان هدفه بالطبع هو أن يبذل قصارى جهده لأن يجعل الموقف غير الخلقيدوني هو الإيمان الرسمي للكنيسة.

وقد حاول ساويروس خلال الثلاث سنوات التي قضاها في العاصمة أن يُدخل تسبحة الثلاثة تقديسات بصورتها المطولة ـ التي كان يعارضها مكدونيوس ـ في كنائس المدينة، ولكن لا الإمبراطور ولا ساويروس كان لديه الصبر الكافي ليدرك المفهوم المختلف الذي أُخذت به هذه التسبحة منذ البداية في كل من أنطاكيا والقسطنطينية.

وحدث موقف آخر كان من شأنه أن يزيد من شهرة ساويروس ويضعف الثقة في مكدونيوس، ففي ذلك الوقت كان الجانب الخلقيدوني قد بدأ نشاطه الأدبي للدفاع عن المجمع، وكان أول أعمالهم في هذا الاتجاه هو كتاب يحتوي على 244 اقتباساً من كتابات البابا كيرلس السكندري، لكي يثبتوا به أن مجمع خلقيدونية لم يقدِّم في مواجهته لخطر الأوطيخية إلا شرحاً لتعاليم البابا كيرلس، وبالتالي لا يكون هناك أي سند للذين يعارضون المجمع بحجة أنه غير متواصل مع مجمع أفسس عام 431م أو مع تعاليم البابا كيرلس.

وقد لقي هذا الكتاب ترحيباً كبيراً من الجانب الخلقيدوني في العاصمة، بينما وقع المعارضون لهم ـ بما فيهم الإمبراطور نفسه ـ في حالة من الارتباك. وهنا وضع ساويروس مؤلفه الشهير “محب الحق” (philalathes) ليدحض دعاوى ذلك الكتاب.

ولم يكن من الممكن أن يظل مكدونيوس محتفظاً بموقعه وهو مبتعد عن الإمبراطور بهذا الشكل. ويذكر يوحنا[8] كاتب سيرة حياة ساويروس أن الإمبراطور سأل مكدونيوس بإيعاز من ساويروس عن إن كان يؤمن أن الذي تجسد وصار إنساناً بلا تغيير قد وُلد من مريم، وأن تلك التي ولدته هي ثيؤطوكس أي ’والدة الإله‘.[9]

والسؤال هنا يدور حول مناقضة مكدونيوس للإيمان الذي حافظ عليه مجمع أفسس عام 431م والذي تبنى مصطلح ثيؤطوكس في الإشارة إلى العذراء مريم، وقيل أن مكدونيوس قد رفض الاعتراف بهذا الأمر. وعلى أية حال فكما يذكر فرند[10] تم عزل مكدونيوس بواسطة مجمع في 7 أغسطس عام 511م، وخلفه البطريرك تيموثاؤس الذي جلس على الكرسي حتى أبريل عام 518م.

وكان سقوط مكدونيوس وبعده بعام فلافيان أسقف أنطاكيا قد أظهر أنه لا يمكن للقادة الخلقيدونيين أن يبقوا في مأمن بمجرد التوقيع على مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘، ويمكن مقارنة ذلك الوضع بالعلاقة التي كانت بين أكاكيوس وبطرس مُنجوس. وهكذا لم يبقى أمام الجانبين (الخلقيدوني وغير الخلقيدوني) إلا طريقاً واحداً فقط ألا وهو الانفصال في هدوء إلى أن يوحدهم الله مرة ثانية، ولكن حتى هذا الأمر لم يكن مقبولاً لأي منهما وقررا أن يظلا متحاربين بمشاعر البغض بدلاً من إظهار الحب.

وتم إدخال تسبحة الثلاثة تقديسات بصورتها المعدلة إلى القسطنطينية في يوم 7 نوفمبر عام 512م بواسطة البطريرك تيموثاؤس الذي خلف مكدونيوس، فقامت جماعة الرهبان عديمي النوم (Sleepless) بتهييج الشعب وصارت المدينة في اضطراب عظيم.[11]

وحيث إن العامة كانوا يرون أن الوزير ماريانوس (Marianus) هو المحرض للإمبراطور أناستاسيوس لإجازة هذا التصرف غير الأرثوذكسي (أي الإضافة التي تمت على التسبحة)، فقد ظلوا يبحثون عنه، ولما لم يجدوه في المنزل قاموا بنهب المنزل وإحراقه. وكان هناك راهب سرياني يقيم في ذلك المكان فأمسكوه وأعدموه بدون محاكمة.

وسار الجمع إلى مضمار سباق الخيول (Hippodrome) وهم يصيحون نريد ’إمبراطوراً آخراً‘، وعندما وجد أناستاسيوس أن هذه الفوضى لن تخمد خرج إليهم في المدرج بلا تاج على رأسه وسأل الناس أن يختاروا إمبراطوراً آخراً، وبالفعل نجحت هذه الوسيلة وتوسل إليه الجميع أن يضع ثانية الشارة الإمبراطورية. واستمر استخدام تلك الإضافة في تسبحة الثلاثة تقديسات لبعض الوقت في القسطنطينية فقط، ثم تم التخلي عنها بعد ذلك، رغم أن الفكر اللاهوتي الذي ورائها قد تم قبوله فيما بعد كتأكيد أساسي على الأرثوذكسية.[12]

ولاقت السياسة الدينية لأناستاسيوس الترحيب في مصر وسوريا وفي كل مكان آخر في الشرق كان الجانب غير الخلقيدوني يسعى فيه لمقاومة مجمع عام 451م. ولكن هذه السياسة أدت أيضاً إلى حدوث صراع وعنف وبالأخص في أنطاكيا وسوريا. وكانت الأجزاء الشمالية والشرقية من سوريا (سوريا 1) تنتمي بشدة للجانب غير الخلقيدوني، بينما تعتبر المناطق الساحلية والأجزاء الغربية (سوريا 2) بصورة أو بأخرى ذات ميول خلقيدونية.

أما أنطاكيا المدينة الثالثة في الأهمية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية ـ بعد القسطنطينية والإسكندرية ـ فقد كانت منقسمة في انتمائها بين الجانبين. وحينما مات بطرس القصَّار في عام 488م جلس مكانه بالاديوس (Palladius)، ومن بعده جاء فلافيان[13] الذي كان مثل مكدونيوس بطريرك القسطنطينية متعصباً للجانب الخلقيدوني ولكنه قام بالتوقيع على مرسوم الاتحاد. ورغم أن فلافيان كان يحظى بتأييد قوي في مناطق ’سوريا 2‘ وكذلك في فلسطين من خلال إيلياس بطريرك أورشليم (494م – 516م)، إلاّ أنه كان يواجه مقاومة عنيفة من مناطق ’سوريا 1‘.

وكان الرجل الذي يقود المقاومة ضد مجمع خلقيدونية في مناطق ’سوريا 1‘ هو مار فيلوكسينوس (Philoxenos) أسقف منبج (Mabbogh or Hierapolis) عاصمة افراتسيا (Euphratesia) في الشمال الشرقي من سوريا. وكان مار فيلوكسينوس لاهوتي سرياني يتمتع بشيء من المقدرة والقيادة، وقد تمت رسامته بواسطة بطرس القصَّار في عام 485م، وكان ذو موقف متشدد ضد النسطورية وضد الخلقيدونية، ولذلك كان معارضاً لفلافيان (أسقف أنطاكيا) لنفس السبب عينه. وكان لمار فيلوكسينوس بعض الاتصالات مع الإمبراطور زينو ومن المرجح أنه زار القسطنطينية في عام 484م.[14]

وفي فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس تواجد مار فيلوكسينوس أيضاً في العاصمة عام 507م، وصارت له معرفة شخصية بالإمبراطور. وفي الوقت الذي كان فيه ساويروس في القسطنطينية (508م – 511م) يعمل من أجل إزاحة مكدونيوس عن كرسيه، كان فيلوكسينوس في سوريا يمارس نشاطه ضد مجمع خلقيدونية.

وبعد عزل مكدونيوس عن كرسي القسطنطينية، عاد ساويروس عام 511م إلى فلسطين، وفي عام 512م تم عقد مجمع[15] في صيدا (Sidon) ـ وهي مدينة ساحلية في فينيقيا (Phoenicia) جنوبي بيروت ـ بأمر من الإمبراطور أناستاسيوس الذي كان قد تبنى بالفعل ـ بناءً على مشورة ساويروس ـ موقفاً مؤداه أن إيمان الكنيسة يجب أن يكون على أساس مرسوم الاتحاد من جهة، وعلى أساس رفض صيغة “في طبيعتين”، ورفض طومس ليو وكل كتابات لاهوتيي أنطاكيا ـ أمثال ديودور الطرسوسي ـ من الجهة الأخرى.

ومن هنا استطاع مار فيلوكسينوس أن يعتمد على التأييد الإمبراطوري في خطته للتشكيك في مجمع خلقيدونية، ولذا رتب مار فيلوكسينوس في مجمع صيدا ـ الذي ترأسه فلافيان بحكم كونه بطريرك أنطاكيا ـ مع جموع الرهبان في مناطق ’سوريا 1‘ أن يقدم الراهب كوزماس (Cosmas) الذي من دير قنشرين (Kennesrin) التماساً  يطالب فيه[16] بإسقاط (أو إلغاء) مجمع خلقيدونية اعتماداً على مجموعة من الحجج المؤيدة باقتباسات من كتابات الآباء.

وكان يساند فلافيان في هذا المجمع إيلياس بطريرك أورشليم وعديد من الأساقفة من مناطق ’سوريا 2‘ ومن فلسطين، ولذلك كان رد المجمع على الالتماس هو الإقرار بضرورة إدانة كتابات اللاهوتيين الأنطاكيين أمثال ديودور وكتابات الذين اعترضوا على حروم البابا كيرلس الإثني عشر، ولكن بدون التخلي عن مجمع خلقيدونية. ومن هنا كان مجمع صيدا يعتبر بالفعل نكسة لفيلوكسينوس، ولكنه مع ذلك استطاع أن يجعل الرهبان مستعدين للمضي قدماً معه في خطته، ولذلك ذهب مار فيلوكسينوس لمقابلة الإمبراطور وأعطاه تقريراً عن مجمع صيدا مبيناً فيه أن فلافيان بطريرك أنطاكيا هو بالفعل هرطوقي.

وهنا وبناءً على أوامر من الإمبراطور تم عقد مجمع في لاودكية (Laodicea) في منطقة (Isauria) التي كانت تنتمي بشدة للجانب غير الخلقيدوني،[17] وتقرر فيه عزل فلافيان. وعاد مار فيلوكسينوس مع الرهبان إلى أنطاكيا وهو أكثر قوة، وتولى طرد فلافيان من كرسيه وسط مظاهر العنف، وتم نفي فلافيان إلى بترا (Petra) في الصحراء العربية.

واُختير ساويروس ليجلس على الكرسي الأنطاكي، ونال هذه الكرامة يوم 6 نوفمبر عام 512م، وقام برسامته اثنا عشر أسقفاً سريانياً.[18] وهنا أصبح من الممكن للرجلين اللذين يجلسان على كرسي القسطنطينية وكرسي الإسكندرية أن يتفقا في الإيمان مع البطريرك ساويروس الأنطاكي.

 

(ج) ملخص أعمال البطريرك ساويروس الأنطاكي:

كان البطريرك ساويروس شخصية بارزة وشديدة الأهمية، ولد في عائلة مسيحية في مدينة سوزوبوليس (Sozopolis in Pisidia) في أسيا الصغرى حوالي عام 465م، وكان حفيداً للأسقف ساويروس الذي شارك في مجمع أفسس عام 431م.[19] وقد صار البطريرك ساويروس الأنطاكي نفسه واحداً من قادة الكنيسة العظام أمثال أثناسيوس بطريرك الإسكندرية وباسيليوس أسقف قيصرية.

وكان البطريرك ساويروس مثل ق. باسيليوس أو ق. غريغوريوس النزينزي، قد نشأ في عائلة ثرية ونال أفضل تعليم مدني موجود في عصره قبل التحاقه بخدمة الكنيسة، وبدلاً من سلك القانون الذي كان قد خطط أن يمتهنه، اجتذبته الحياة الرهبانية في فلسطين، وقاده التأثر ببطرس الأيبيري إلى الاندماج في المعسكر غير الخلقيدوني.

والتحق ساويروس بدير بطرس في مايوما (Maiuma) قبل أن يُنشئ تجمعاً رهبانياً خاصاً به، حيث صار ضليعاً في الأسفار المسيحية المقدسة وكتابات الآباء.

          وبينما كان ساويروس يعيش بين الجماعات الرهبانية الفلسطينية، تولى مواجهة المعارضة مع راهب نوبي[20] يُدعى نيفاليوس (Nephalius). وهذا الراهب كان في الأصل مؤيداً للحركة غير الخلقيدونية إلى درجة أنه تنازع مع البابا بطرس مُنجوس بسبب محاولة الأخير الإتحاد مع أكاكيوس، ولكن نيفاليوس ترك الجانب غير الخلقيدوني وانضم إلى الكيان الخلقيدوني في فلسطين، وكتب كتاباً للدفاع عن مجمع خلقيدونية.

فأخذ ساويروس على عاتقه مهمة تفنيد[21] ما جاء في هذا الكتاب، إلا أن نيفاليوس مضى في إثارة المجتمع الرهباني والموظفين المدنيين في فلسطين ضد الجانب غير الخلقيدوني، حتى أن ذهاب ساويروس إلى القسطنطينية مع ثلاثمائة راهب عام 508م كان من أجل كسب التأييد الإمبراطوري في مواجهة هذا الموقف الذي سببه نيفاليوس. وكان ساويروس في ذلك الوقت قد أصبح ذائع الصيت، حتى أنه منذ عام 507م أو 508م كان الإمبراطور أناستاسيوس يحاول إقناعه بقبول رتبة البطريركية.[22]

وكبطريرك أنطاكيا كرَّس ساويروس نفسه لرعاية قطيعه بحماسة لافتة للنظر وبتفانٍ واضح. وتُظهر العظات التي ألقاها،[23] والرسائل العقائدية التي كتبها إلى عدد كبير من الناس،[24] بجانب التسابيح التي وضعها،[25] أنه كان رجلاً يتمتع بتقوى إنجيلية وإيمان صادق أصيل. وكتب البطريرك ساويروس الأنطاكي بالإضافة إلى كتاب “محب الحق” (philalathes[26] مؤلفاً ضخماً في ثلاثة كتب (Contra Impium Grammaticum)[27] يدحض فيه ما جاء في كتاب يوحنا النحوي (John the grammarian) أسقف قيصرية الذي كان قد ألفه للدفاع عن مجمع خلقيدونية وللرد على المعارضين له.

وقدَّم هذا البحث الذي وضعه البطريرك ساويروس تعليماً خريستولوجياً عن المسيح على أساس كتابات آباء الكنيسة، ومن المحتمل أن يكون البطريرك ساويروس قد أكمل هذا العمل في أوائل العشرينات من القرن السادس. وبعد ذلك بعدة سنوات كتب ساويروس كتاباً آخراً للرد على يوليان أسقف هاليكارنيسوس (Julian of Halicarnassus).[28] ومن المسلم به أن البطريرك ساويروس كان ثابتاً في انتقاده للنسطورية ومجمع خلقيدونية من ناحية، وللأوطيخية وبقية الهرطقات من الناحية الأخرى، ولذلك كان يحتفظ بموقف لاهوتي يستحق الانتباه من أي دارس للتاريخ أو العقيدة في الكنيسة الشرقية.

وقد عاش البطريرك ساويروس في وقت كانت فيه الكنيسة منقسمة، وبالتالي كان لابد لكل رجال الكنيسة أن ينتموا لأحد الفريقين، واختار البطريرك ساويروس أن يكون ضمن الفريق الذي تنصل من مجمع خلقيدونية، وقدَّم لهذا الفريق فكراً لاهوتياً يرتكز على أساس مجمع نيقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م، وعلى أساس آباء الكنيسة الذين كانوا يتمسكون بهذا التقليد.

وكان على البطريرك ساويروس أن يواجه معارضة شديدة بسبب الموقف الذي يتبناه، فعلى الرغم من أن الإمبراطور أناستاسيوس كان يؤيده، إلاّ أن روما استنكرته واعتبرته موقفاً هرطوقياً، هذا بالإضافة إلى أنه كان هناك أيضاً رجال في الشرق يتخذون روما مرشداً لهم (وبالتالي كان لهم نفس توجه روما). وأدى ذلك إلى توتر العلاقة بين الإمبراطور وبابا روما، وتأزم الموقف بصورة أكبر بسبب ثورة فيتاليان (Vitalian) التي اندلعت بعد شهور قليلة من رسامة البطريرك ساويروس.

ويذكر فرند[29] أن هذه الحادثة (الثورة) كانت متصلة بعزل فلافيان بطريرك أنطاكيا، فقد كان فيتاليان ضابط جرماني وقائد للقوات في (Thrace) وكان ابناً روحياً لفلافيان. ونظم فيتاليان جيشاً من البربر وحدد مطالبه في إعادة تسبحة الثلاثة تقديسات إلى وضعها الأصلي القديم وإرجاع كل من مكدونيوس وفلافيان إلى كرسييهما.

وحينما رأى الإمبراطور أناستاسيوس أن فيتاليان استطاع أن يحقق نصراً في (Acra) على البحر الأسود في صيف عام 514م، وأن روما تحاول أن تتشدد في معارضته، كتب رسالتين إلى هورميسداس (Hormisdas) بابا روما بهدف إنهاء الشقاق بينهما، ولكن الشروط التي وضعتها روما لم تكن مقبولة لدى الإمبراطور مما جعله يتوقف عن هذه المحاولات.

وفي نفس الوقت استطاع الإمبراطور أناستاسيوس أن يصد محاولة فيتاليان للاستيلاء على القسطنطينية في عام 516م،[30] ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور أناستاسيوس ظل متمسكاً بموقفه الخاص حتى وفاته عام 518م.

وفي هذه الأثناء كان البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس يحاولان توحيد القوى ضد خلقيدونية، فبأوامر من الإمبراطور قاما بعقد مجمع كبير في صور (Tyre)[31] عاصمة فينيقيا عام 514م حضره ممثلون عن الإسكندرية وأورشليم بالإضافة إلى أساقفة مقاطعات أنطاكيا (Antioch) وأباميا (Apamea) وإفراتسيا (Euphratesia) وأوسرون (Osroene) وميسوبوتاميا (Mesopotamia) والعربية (Arabia) وفينيقيا (Phoenicia).

واستطاع المجمع أن يعكس الموقف الذي حدث في مجمع صيدا، فقد أعلن أن مرسوم الاتحاد هو معياره اللاهوتي الذي يعترف به، ولكن مع ذلك لم يفهم المجمع هذه الوثيقة في ضوء قصدها الأصلي في تجميع الجانبين المتنازعين، وإنما بكونها صيغة تلغي مجمع خلقيدونية وطومس ليو.

وأمام هذا الموقف المعارض اضطر إيلياس بطريرك أورشليم أن يوقِّع بالموافقة، رغم أنه عارض الأمر بعد ذلك فتم عزله وتعيين البطريرك يوحنا مكانه. وأرسل مجمع صور رسائل تعبر عن الوحدة مع بطريرك القسطنطينية وبطريرك الإسكندرية، وهكذا تحققت الوحدة بين الكراسي الرئيسية الأربعة في الشرق* لفترة من الزمن. وتقريباً في غضون ذلك الوقت ماتت الإمبراطورة أريادن.[32]

 

[1] Vasiliev: History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 109.

وكلمة (Silentiary) تعني الحاجب الذى يظل حارساً عند الأبواب أثناء إنعقاد إجتماعات المجلس الإمبراطوري أو إجتماعات الإمبراطور الأخرى.

[2] Evagrius III, 32, noted by Vasiliev: Justin the First, Dumbarton Oak Studies I, Harvard University Press. 1950, p. 79.

[3] لقب ’العمودي‘ يشير إلى ظاهرة رهبانية معروفة حين يعيش الراهب متوحداً في قلاية على رأس عمود يرتفع في بعض الأحيان بنحو أربعين قدم عن الأرض.

[4] هناك أيضاً سمعان ’العمودي‘ في التاريخ السرياني غير الخلقيدوني.

[5] خطاب البابا بطرس إلى فرافيتا موجود في (Zacharia, op. cit., II, pp. 11-14). وكان فرافيتا أيضاً قد أرسل خطاب إلى البابا بطرس (انظر نفس المرجع السابق صفحة 9-11).

[6] Zacharia, op. cit., II, pp. 19-20.

يقول زكريا أن البابا أثناسيوس وسالوستيوس كانا قد تبادلا خطابات تعبر عن الوحدة، ولذا لا يمكن اعتبارهما مشتركين في ’سلام غير طبيعي‘ كما يقول فرند. (مرجع سابق صفحة 200)

[7] للإطلاع على هذه القصة انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 39-48).

[8] للإطلاع على هذا العمل في نسخته السريانية مع ترجمة فرنسية انظر

(Patrologia Orientalis, Tome II, Fascicule 3, No. 8, ed. R. Graffin and F. Nau.)

[9] للإطلاع على هذه الفقرة انظر (المرجع السابق – النسخة السريانية – صفحة 236).

[10] Frend, op. cit., p. 218.

[11] Zacharia, op. cit., II, pp. 48-49.

[12] كان الرهبان (Scythian monks) في الجانب الخلقيدوني يؤكدون أن “واحداً من الثالوث القدوس قد تألم بالجسد”.

[13] يحدد فرند عهد فلافيان الثاني بأنه من عام 498م إلى عام 512م (مرجع سابق، صفحة 214) وهذا لا يتفق مع عرض زكريا المؤرخ الذي يقول أنه عندما نُصِّب أناستاسيوس إمبراطوراً يوم الأربعاء من أسبوع الآلام عام 491م، كان أساقفة الكراسي العظمى هم: إفميوس أسقف القسطنطينية، وفلافيان أسقف أنطاكية، وأثناسيوس أسقف الإسكندرية، وسالوستيوس أسقف أورشليم وفليكس أسقف روما الذي خلف سيمبليكيوس. (انظر زكريا مرجع سابق 2، صفحة 15).

[14] Zacharia, op. cit., II, pp. 50. 

[15] للإطلاع على وقائع مجمع صيدا انظر (المرجع السابق صفحة 50-51).

[16] للإطلاع على الالتماس انظر (المرجع السابق صفحة 52-54).

[17] Frend, op. cit., p. 219.

[18] للرجوع إلى أسماء هؤلاء الأساقفة انظر:

(Patrologia Orientalis, Tome II, op. cit., pp. 319, 320 and 321)

[19] هناك ثلاثة سير حياة لساويروس يمكن أن تجدها في: (P.O., vol. II and vol. IV)

[20] النوبة هي مملكة تقع في جنوب مصر، وقد قبلت المسيحية منذ حوالي القرن الرابع. للرجوع إلى إشارة عن نيفاليوس انظر صفحة .

[21] نُشر كتاب البطريرك ساويروس ضد نيفاليوس في:

Scriptores Syri: Series quarta – Tomus VII, by C. S. C. O., Louvain, 1949.

[22] للإطلاع على خطاب الإمبراطور أناستاسيوس انظر الوثيقة رقم 543 في

(Coleman-Norton, op. cit.)

[23] للإطلاع على عظات البطريرك ساويروس في الكاتدرائية انظر:

(P. O., vols. IV, VIII, XVI, XX, XXII, XXIII, XXV, XXVI, XXIX, XXXV & XXXVI)

[24] للإطلاع على رسائل البطريرك ساويروس انظر:

(P. O., vols. XII, and The Sixth Select Letters of Severus, ed. E. W. Brooks, London, 1902-4)

[25] للإطلاع على التسابيح التي كتبها البطريرك ساويروس انظر:

(P. O., Tome VI, Fas. 1, No. 26, and Tome VII, Fas. 5, No. 35)

[26] Séveré d’Antioche, Le Philaléthe, ed. Robert Hespel, C.S.C.O., vol. 133. Scriptores Syri 68, Louvain, 1952.

[27] Liber contra impium grammaticum, ed. J. Lebon, C.S.C.O., books 1 & 2. Syri 58, Louvain, 1952; book 3, pt. 1, Syri 45, Louvain, 1952; and pt. 2, Syri 50, Louvain, 1933.

[28] Séveré d’Antioche, Le Polémique Antijulianiste, C.S.C.O., vols. 244, 295 & 318. ed. Robert Hespel, Louvain, 1964.

[29] Frend, op. cit., p. 220; Zacharia, op. cit., II, pp. 62-63.

[30] Frend, op. cit., p. 231-33.

[31] Zacharia, op. cit., II, pp. 54-56.

* كانت هذه هي المرة الثانية التي تتحقق فيها الوحدة بين الكراسي الرئيسة الأربعة في الشرق (عام 512م)، حيث كانت المرة الأولى عندما وقَّع كل من أكاكيوس بطريرك القسطنطينية وبطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية وبطرس القصَّار بطريرك أنطاكيا ومارتيريوس بطريرك أورشليم على مرسوم الاتحاد وتبادلوا رسائل الوحدة والشركة بينهم (عام 484م).

[32] يذكر فرند في (Frend, op. cit., p. 233) أن أريادن ماتت في عام 515م، بينما يذكر زكريا أنها ماتت في عام 513م.

انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 57).

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثالث: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

3. المعارضة تكتسب قوة:

عندما مات الإمبراطور ليو الأول يوم 18 يناير عام 474م، كان لديه ابنتان هما أريادن (Ariadne) وليونتيا (Leontia). وكانت الابنة الكبرى أريادن قد تزوجت عام 468م من زينو الذي من (Isauria) والذي كان قائداً للجيش في الشرق منذ عام 466م أو 467م. وحينما أنجبا طفلاً أسمياه ليو (مثل جده)، وقد تم تنصيب هذا الطفل إمبراطوراً مساعداً أو شريكاً (co-emperor) لجده ليو الكبير. وعند وفاة الأخير، تم تعيين زينو إمبراطوراً مساعداً أو شريكاً (co-emperor) مع ابنه الصغير، ومات هذا الابن يوم 17 نوفمبر (عام 474م) وحينئذ صار زينو إمبراطوراً منفرداً بالسلطة.

وبعد قليل أدرك زينو أن له معارضين بين أقربائه وأهل بلدته، وكان من بين هؤلاء المعارضين باسيليسكوس أخو زوجة الإمبراطور المتوفي فيرينا (Verina)، الذي كان في وقت ما ضابطاً زميلاً لزينو. واستطاع باسيليسكوس بمساعدة أكاكيوس (Acacius) أسقف القسطنطينية والملكة الأم نفسها أن يستولي على رئاسة الإمبراطورية. وبعد أقل من عامين عاد زينو ليتغلب عليه ويستعيد وضعه الإمبراطوري مرة أخرى في نهاية أغسطس عام 476م.

 

(أ) باسيليسكوس ومنشوره العام:

كان يوم 9 يناير عام 475م، هو اليوم الذي تم فيه إعلان باسيليسكوس إمبراطوراً. وكان من أول الأعمال التي قام بها باسيليسكوس حين وصل إلى السلطة، أنه أرجع القادة غير الخلقيدونيين من النفي أمثال البابا تيموثاؤس إيلوروس، وبطرس القصَّار، وبولس أسقف أفسس وآخرين.

وكان السبب الذي دعا باسيليسكوس لتبني تلك الخطوة هو بالفعل محل تساؤل شغل تفكير المؤرخين، ولكننا في الحقيقة لدينا تفسير لذلك من خلال ما رواه زكريا[1] عن الواقعة، فقد ذكر أنه عند سماع خبر موت الإمبراطور ليو وتنصيب زينو مكانه، حضر وفد من الرهبان من مصر إلى العاصمة لكسب تعاطف الإمبراطور الجديد تجاه قضية غير الخلقيدونيين.

وعندما وصلوا إلى القسطنطينية وجدوا أن السلطة قد أصبحت في يد باسيليسكوس بدلاً من زينو، وأن ثيؤكتيتوس (Theoctitus) صار هو القائد العام، وكان أحد أولئك الرهبان هو ثيؤبامبيس (Theopampis) أخو ثيؤكتيتوس، فاستطاع هؤلاء الرجال بمشورة أكاكيوس (أسقف القسطنطينية) وتحت تأثير زينونيس[2] (Zenonis) زوجة باسيليسكوس أن يجعلوا الأخير يُقدِم على هذه الخطوة.

وبسبب صلة ثيؤكتيتوس بثيؤبامبيس خشي أكاكيوس أن يحاول الضابط الكبير أن يجعل أخيه يحل محله، ولذا ابتدأ يفتر حماسه في تأييده لباسيليكوس، وقد حاول أكاكيوس حتى أن يلغي زيارة البابا تيموثاؤس إيلوروس للعاصمة ولكنه لم ينجح في ذلك.

وأتى البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى القسطنطينية واستقبله مالكو السفن السكندريون وشعب المدينة، وأثناء إقامته في العاصمة كضيف للإمبراطور وزوجته شجع البابا تيموثاؤس الإمبراطور باسيليسكوس ليصدر منشوراً عاماً يلغي فيه الابتكار والابتداع (في الإيمان) الذي حدث في خلقيدونية، ويدين طومس ليو.

ولكن جهود البابا تيموثاؤس لضم البطريرك أكاكيوس في جانب هذا المنشور، من خلال ضمان توقيعه على تلك الوثيقة باءت بالفشل. وهكذا ومنذ البداية حُكم على منشور باسيليسكوس بالإخفاق وذلك على الرغم من أن البابا تيموثاؤس وأتباعه لم يروا هذه الحقيقة الواقعة في ذلك الوقت.

وكان الراهب العالم بولس[3] هو الذي كتب المنشور[4] لباسيليسكوس، وقد صدر ذلك المنشور في يوم 9 أبريل عام 475م موجهاً إلى “كل المدن والناس في أنحاء الإمبراطورية”، وكان صريحاً في رفضه لمجمع خلقيدونية. وأكد المنشور على أن قانون إيمان نيقية هو الذي ينبغي أن “يسود على الشعب الأرثوذكسي” في كل الكنائس بكونه الرمز الوحيد للإيمان، وهذا القانون تم التصديق عليه بواسطة مجمع القسطنطينية ومجمع أفسس.

كما ينبغي أن تُضم كذلك ـ إلى قانون نيقية ـ قرارات هذين المجمعين المتصلة بالروح القدس والمتصلة بشخص المسيح في مواجهة تعاليم نسطوريوس. وحيث إن طومس ليو ومجمع خلقيدونية قد أدخلا شيئاً مبتدعاً ومستحدثاً في الإيمان، فإن كليهما يجب أن يُحرم في كل مكان. كما يجب أن تُدان أيضاً وعلى نفس النحو، “هرطقة أولئك الذين لا يعترفون بأن الابن المولود الوحيد من الله، هو بالحقيقة صار جسداً واتخذ الطبيعة البشرية من الروح القدس ومن القديسة مريم والدة الإله الدائمة البتولية، بل يتكلمون بالأعاجيب ـ إما بكونه (أي جسد الكلمة) من السماء، أو بكونه فقط حسب الخيال والظاهر (أي غير حقيقي)”.

كما دعت الوثيقة كل الأساقفة ليوقعوا عليها كدليل على قبولهم لقانون نيقية حسب تفسير وتأكيد مجمعي عام 381م وعام 431م، وبذلك يجحدون ويرفضون مجمع خلقيدونية. وإذا تمسك أحد رغم ذلك بمجمع خلقيدونية سواء كان أسقفاً أو رجل كنسي فإنه يُعزل؛ وإذا كان راهباً أو رجلاً عامياً فإنه سيتعرض للنفي ومصادرة ممتلكاته. وبهذه الطريقة صار من الواجب الالتزام بالقانون الذي كان قد أعلنه ثيؤدوسيوس الثاني.

وفور إعلان هذا المنشور، كان على البابا تيموثاؤس إيلوروس أن يواجه معارضة الأوطيخيين في المدينة، لأنه كان هناك بالقسطنطينية كياناً قوياً من الرهبان والشعب يوقرون الراهب العجوز (أوطيخا) ويعتبرونه شخصية عامة. وقد أربك أولئك الكلمات الواردة في المنشور والتي تدين الرؤية الخيالية للمسيح، وحاولوا الوصول للبابا تيموثاؤس على أمل أن يشرح لهم وجهة نظره في مقابل دفاعهم.

ولأنهم لم يتوقعوا أن يكون البابا تيموثاؤس في جانبهم، أشاروا على الإمبراطورة زينونيس (Zenonis) بعزله مرة ثانية. وأشار ثيؤكتيتوس على البابا تيموثاؤس أن يترك العاصمة، فرحل عنها متوجهاً إلى الإسكندرية ولكنه عرج في طريقة إلى أفسس[5] ليشارك في مجمع هناك للأساقفة الشرقيين.

 وأيد مجمع الأساقفة المنعقد في أفسس تحت رئاسة البابا تيموثاؤس منشور باسيليسكوس، وأصدر بتحمس قراراً ضد حكم مجمع خلقيدونية الخاص بكرسي القسطنطينية. وعلى الرغم من أن هذا القرار الأخير قد أسعد البعض في الشرق في ذلك الوقت، إلاّ إنه لم يكن من الممكن قبوله في القسطنطينية، لأن قرارات مجمع خلقيدونية كانت قد أعطت لبطريرك العاصمة الحق في رسامة أساقفة لمقاطعات بُنطُس وأسيا و(Thrace) التي كانت تحت سلطة أفسس[6] فيما سبق.

وشعر المجمع المنعقد في أفسس بالرضا لما أنجزه، وقد وقَّع على المنشور كل من البابا تيموثاؤس إيلوروس، وبطرس القصَّار، وأناستاسيوس أسقف أورشليم، وبولس أسقف أفسس، بالإضافة إلى ـ كما يقول زكريا ـ سبعمائة من الرجال.[7] وأرسل الأساقفة رداً إلى باسيليسكوس يؤكدون فيه إيمان نيقية حسبما أيدته المجامع اللاحقة أعوام 381م و431م وعام 449م، ويحرمون فيه الهرطقة المقدونية والهرطقة النسطورية وهرطقة الذين يؤمنون بأن ربنا يسوع المسيح كان له جسداً ظاهرياً فقط وأنه (أي الجسد) قد أتى من السماء.[8]

وكان عمر هذا النجاح قصيراً، حيث إن أكاكيوس أسقف القسطنطينية الذي لم يوَّقع على المنشور ابتدأ في التغير من ناحية الإمبراطور باسيليسكوس على الرغم من تأييده له في بداية الأمر. وكان من الطبيعي أيضاً ألاَّ يستحسن أكاكيوس ما سعي البابا تيموثاؤس إليه من حرمان كرسي القسطنطينية من التميز الذي منحه له مجمع خلقيدونية، هذا بالإضافة إلى استيائه كذلك من إشاعة انعقاد مجمع في أورشليم لإقامة الراهب المصري ثيؤبامبيس بطريركاً على القسطنطينية بدلاً منه.[9]

وأمام هذه التهديدات أظهر أكاكيوس مقاومة عنيفة اعتمد فيها على مساندة الكيان الرهباني في القسطنطينية، حيث كانت هناك ـ كما سنرى فيما بعد ـ جماعة الرهبان عديمي النوم (Sleepless) الذين كانوا على استعداد للدفاع عن مجمع خلقيدونية بأي ثمن، كما كان يمكن لأكاكيوس أيضاً أن يعتمد على دانيال العمودي الذي لم يترك عموده أبداً ولا حتى من أجل رسامته كاهناً،[10] ولكن بسبب أن الكنيسة كانت تواجه خطر حقيقي، استجاب دانيال لدعوة البطريرك ونزل بالفعل عن عموده.[11]

وأُجبر باسيليسكوس على ترك منصبه وعاد زينو مرة أخرى، ولم تفِد باسيليسكوس محاولته الأخيرة لإنقاذ نفسه بإصدار منشور مضاد يلغي به المنشور الأول.

وجاء في ذلك المنشور:[12] إن الإيمان الرسولي والأرثوذوكسي الذي كان سائداً منذ البداية والذي استمر التمسك به حتى وقت حكمنا ينبغي أن يكون هو الأساس، ولذلك فإن المنشور الذي قد صدر قبل ذلك وكذلك الأفعال التي تمت تُعتبر كلها لاغية؛ ومن ثم فإننا نحرم نسطوريوس وأوطيخا وكل هرطقة أخرى، ولا ينبغي أن يكون هناك أي مجمع (آخر) حول هذا الموضوع؛ كما تعود المقاطعات التي مارست عليها القسطنطينية حق الرسامة إلى أكاكيوس.

وقام أساقفة أسيا بتقديم اعتذار إلى أكاكيوس ووقَّعوا على المنشور المضاد، كما كتب أساقفة الشرق إلى كالنديون (Calendion) أسقف أنطاكيا وانسحبوا من تأييد المنشور (الأول).

 

(ب) الإمبراطور زينو ومرسوم الإتحاد (Henotikon):

وبمجرد أن وصل الإمبراطور زينو إلى السلطة حتى أصدر أوامره بإبطال منشور باسيليسكوس، وقد كتب في ذلك:[13] أنه يتم إلغاء الأشياء التي صُنعت قبلنا ـ وبالتحديد أثناء الحكم الاستبدادي ـ ضد الكنائس، التي تحت رئاسة أكاكيوس وغيره، وضد حقوقهم وامتيازاتهم. وبالنسبة للقسطنطينية، “فإنه ينبغي أن يكون لها بصورة ثابتة وإلى الأبد المقام والامتياز فيما يخص اختيار الأساقفة، وكذلك الحق في الجلوس قبل الآخرين (في الترتيب)، وكافة الأشياء الأخرى التي من المسلم أنها كانت لها قبل تولينا السلطة أو أثناء حكمنا”.

وهكذا أعاد الإمبراطور زينو لمجمع خلقيدونية موقعه السيادي في الإمبراطورية في مواجهة الإجراءات التي تبناها باسيليسكوس في منشوره. والأمر الهام هنا ليس كون مجمع خلقيدونية يحفظ الأرثوذكسية أو يستبعد الهرطقة، ولكن كونه يضمن حقوقاً وامتيازات معينة للقسطنطينية.

وأمر الإمبراطور زينو كذلك أن يتم إرسال القادة غير الخلقيدونيين الذين أرجعهم باسيليسكوس إلى النفي مرة ثانية، ولكنه استثنى البابا تيموثاؤس إيلوروس من هذا القرار (بسبب تقدمه في العمر)، وبالفعل تنيح البابا بعد وقت قليل.

وكان البطريرك الخلقيدوني في الإسكندرية والذي يُسمى أيضاً باسم تيموثاؤس (سالوفاكيولاس) هو الآخر رجلاً عجوزاً جداً، وكان زينو يأمل أنه بموت أحد الرجلين يلتئم الشقاق الذي في كنيسة مصر من خلال الاعتراف بالشخص الذي سيبقى منهما بأنه البطريرك الأوحد للإسكندرية، ولكن الرسول الذي أبلغ الإمبراطور بنبأ موت البابا تيموثاؤس إيلوروس أبلغه أيضاً بتعيين خلفاً له وهو البابا بطرس مُنجوس.

وعندئذ أعلن زينو ـ مدفوعاً من غيظه بسبب فشل خطته ـ عن تهديده بعقوبة الموت للبابا بطرس، ولكن تيموثاؤس سالوفاكيولاس تدخل لدى الإمبراطور وجعله يتراجع ويكتفي فقط بنفي البابا بطرس. ولم يتم تنفيذ أي من الأمرين لأن البابا بطرس اعتزل في الأديرة المصرية وقضى أيامه متخفياً حتى تغيرت الأوضاع. وفي نفس الوقت تم الاعتراف بالرجل المسن  تيموثاؤس (الخلقيدوني) كبطريرك الإسكندرية من قبل السلطات، واستمر في منصبه هذا حتى وفاته في فبراير عام 482م، وقد شهد في أيامه الأخيرة سلسلة من “الاضطرابات والمذابح”.

ولم يكن الموقف مشجعاً في الأجزاء الأخرى من الشرق، ففي أورشليم مثلاً تولى البطريرك أناستاسيوس خلفاً لجوفينال عام 458م، وقد وقَّع على منشور باسيليسكوس وبقي مخلصاً له ـ على خلاف الكثيرين في الشرق ـ حتى وفاته في يوليو عام 478م. واستمر مارتيريوس (478م ـ 486م) الذي جاء بعد ذلك على نفس سياسة سلفه، وحاول أن يوحِّد الشعب في كل فلسطين من خلال بيان عن الإيمان قدَّمه في رسالته الدورية.

وقد أكد[14] في تلك الرسالة أن المسيح قدم لنا الوحدة ونحن ينبغي أن نحافظ عليها من خلال تمسكنا بقانون إيمان نيقية باعتباره الرمز الوحيد للإيمان؛ وهذا القانون تم التصديق عليه في مجمع القسطنطينية عام 381م، ومجمع أفسس عام 431م؛ ولا يجب الاعتراف بأية إضافة تمت عليه سواء في سرديكا (Sardica) أو أرمينوم (Ariminum) أو خلقيدونية.

وفي أنطاكيا وسوريا سارت الأمور في طريق شاق مسدود، فالبطريرك الأنطاكي بطرس القصَّار كان قد أُرسل إلى المنفى بأوامر من الإمبراطور زينو، ولهذا كان الجانب غير الخلقيدوني المسيطر على الكرسي يكتفي بخدمات يوحنا أسقف أباميا (Apamea). ولكن بعد سنتين تدخَّلت السلطات ونصَّبت ستيفن (Stephen) على كرسي أنطاكيا، وعُيِّن بعده أسقف آخر يُسمى ستيفن أيضاً وهو الذي قُتل عام 479م بإدخال مسامير في جسده.

وهنا تدخل أكاكيوس بطريرك القسطنطينية حيث صار واضحاً أنه من غير الممكن أن تتم رسامة بطريرك يقبل مجمع خلقيدونية في أنطاكيا، وقام أكاكيوس برسامة كالنديون (Calendion) على الكرسي السرياني. ولم يستطع كالنديون أن يحكم قبضته على الكرسي، ولكنه بحكم كونه قائداً للأقلية الخلقيدونية اشتُبه في تورطه في ثورة إيلّوس،[15] وعُزل في سبتمبر عام 484م.

وصارت المشكلة الدينية التي خلقها مجمع خلقيدونية في الشرق تحتاج إلى حل حاسم. وكانت الكراسي الرئيسة في الإسكندرية وأنطاكيا وأورشليم قد أصبحت متقاربة بدرجة أكبر، كما أن أكاكيوس أسقف القسطنطينية كذلك كان مستعداً للتعاون بشرط احترام الجميع للسلطة التي منحها مجمع خلقيدونية لكرسيه على الشرق، وبدون النظر إلى الاختلافات الدقيقة في تعريف الإيمان الخلقيدوني أو الصلة القوية للقسطنطينية مع روما. وجاءت الفرصة للسعي في هذا الاتجاه في عام 481م.

كان تيموثاؤس سالوفاكيولاس ـ كما ذكرنا ـ رجلاً مسناً، كما كان البابا بطرس مُنجوس مستمراً في الاختفاء، ولذلك قدَّم بعض الرهبان والنبلاء بالإسكندرية اقتراحاً إلى السلطات مفاده أنه يقوم الجانبان (الخلقيدوني وغير الخلقيدوني) بعد موت تيموثاؤس الخلقيدوني بالاعتراف بالبابا بطرس بطريركاً لكي تتحقق الوحدة في الكنيسة، وبالتالي لا تكون هناك حاجة لإقامة خلف لتيموثاؤس الخلقيدوني.

ولكن لم تلقى هذه الخطة قبولاً من الجانب الخلقيدوني، وقاموا بتقديم التماس إلى الإمبراطور ضد هذا التحرك،[16] وحمل هذا الالتماس إلى العاصمة راهب قس يُدعى يوحنا التلاوي (John Talaia) من دير ق. يوحنا المعمدان الذي ببيت الشهداء بالمدينة.

وكان يوحنا هذا يطمح في الكرسي السكندري، ولذلك حينما كان في العاصمة اتصل بالقائد الأيسوري (Isaurian) القوي إيلوس (Illus) صديق ثيؤغنوستُس (Theognostus) والي الإسكندرية الذي كان يمكنه التحكم في عملية اختيار البطريرك.

وكان إيلوس ـ كما رأينا ـ يخطط بالاتفاق مع ليونتيوس (Leontius) وإفبريبيوس (Euprepius) للثورة ضد زينو وقد تم اعتقاله مع كالنديون أسقف أنطاكيا في عام 484م، ثم انتهى الأمر بإعدامه. ولكن في عام 481م حين كان يوحنا التلاوي في القسطنطينية كان إيلوس مازال في السلطة، ولذلك حاول يوحنا أن ينال مؤازرته.

ومع ذلك عندما حضر يوحنا أمام الإمبراطور أنكر تماماً أن لديه أية نية لترشيح نفسه لكرسي البطريركية، وقام زينو بالموافقة على طلب السكندريين (الخلقيدونيين) وعاد يوحنا إلى ديره، وأخذ في عودته خطاباً من إيلوس إلى والي الإسكندرية. ومات تيموثاؤس سالوفاكيولاس بعد وقت قليل وقام الفريق الذي ينتمي إليه بتنصيب يوحنا التلاوي خلفاً له، ولكن الإمبراطور زينو رفض الاعتراف به وطرده بسبب حنثه باليمين وهكذا خلا الكرسي السكندري واحتاج إلى من يشغله.

وهنا قدَّم غالبية الشعب السكندري شكواهم إلى الإمبراطور طالبين منه أن يعيد البابا بطرس مُنجوس. وكان زينو مؤيداً للفكرة وعرض عليهم الهينوتيكون (Henotikon) أو مرسوم الإتحاد كأساس (أو شرط) لتبني وجهة نظرهم.

وقد أعد زينو تلك الوثيقة بالاتفاق مع أكاكيوس بطريرك القسطنطينية الذي كان قد نجح في مقاومة البابا تيموثاؤس أيلوروس وأحبط خطته غير الواقعية، وهو الآن يملي شروطه على خليفة البابا تيموثاؤس لكي ما يعترف به. وأصدر الإمبراطور زينو هذا المرسوم في 28 يوليو عام 482م موجهاً[17] إلى “أساقفة وشعب الإسكندرية، ومصر، وليبيا، والخمس مدن”.

وشرح المنشور الحالة الدينية في الشرق بهذه الكلمات المثيرة للمشاعر:

لأن ما حدث، أثناء كل سنين الحياة هذه، أن الزمن قد ترك جيلاً لا يُحصى يرحل عنا، ولذلك رحل البعض من الذين حُرموا من تجديد المعمودية، وآخرون بدون اشتراك في (سر) الشركة الإلهية، كما أن عشرات الألوف من الموتى قد أصيبوا بصورة طائشة لدرجة أن الأرض لم تكن وحدها هي التي تلوثت من كثرتهم ولكن الهواء نفسه أيضاً. فمن يستطيع ألا يصلي لكي تتبدل هذه الأشياء بأشياء أخرى صالحة؟

وقد أقرت هذه الوثيقة أن قانون إيمان نيقية هو الرمز الوحيد للإيمان الذي صدَّق عليه “الآباء المئة والخمسون، كما أقره الآباء القديسون الذين اجتمعوا في أفسس وعزلوا نسطوريوس عديم التقوى وكل خلفائه في المعتقد”.

“وبالنسبة لنسطوريوس هذا وكذلك أوطيخا، فنظراً لأنهما قد اعترفا بآراء مخالفة لما سبق وأُعلن، فإننا نحرمهما. ونقبل بالإضافة إلى ذلك الحروم الإثني عشر التي وضعها كيرلس”.

وواصل مرسوم الإتحاد كلامه بشكل إيجابي إذ يقول:

“ونعترف بأن ابن الله الوحيد، الذي وهو نفسه إله، صار متجسداً بالحقيقة (الذي هو) ربنا يسوع المسيح؛ وهو واحد في ذات الجوهر معنا فيما يخص الناسوت؛ وهو الذي نزل وصار متجسداً بالروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله (ثيؤطوكس)؛ هو ابن واحد وليس إثنين، لأننا نؤكد أن كلاً من العجائب، والآلام التي احتملها في جسده بإرادته، هي لابن الله الوحيد.

ونحن لا نقبل على الإطلاق أولئك الذين يجعلون (فيه) انقساماً أو اختلاطاً أو (يظنونه) خيالاً. لأن التجسد الحقيقي وغير الدنس لم يدخل أية إضافة على الابن، فالثالوث استمر في كونه ثالوثاً حتى بعد ما صار الله الكلمة الواحد من الثالوث متجسداً”.

وبعد مناشدة المرسوم لاستعادة وحدة الكنيسة على أساس ما جاء به من تأكيدات، أعلن الهينوتيكون حرماً على:

“كل من آمن أو يؤمن، الآن أو في أي وقت، سواء في خلقيدونية أو في أي مجمع، بأي إيمان آخر، وبالأخص (ما قدمه) نسطوريوس وأوطيخا ـ المذكورين سابقاً ـ وكذلك أولئك الذين يعتقدون مثلهم”.

ومن الجدير بالذكر أن مرسوم الإتحاد لم يدن مجمع خلقيدونية ولا طومس ليو، ولكنه قام بتوضيح الإيمان أولاً للذين ينتمون للجانب الخلقيدوني حيث ذكر لهم ما الذي لا يتضمنه المجمع، وثانياً للذين في الجانب الآخر (غير الخلقيدوني) حيث أدان الأفكار التي رأوها في الصيغة الإيمانية للمجمع. ومن هنا نستطيع القول أنه لو كان الدافع الوحيد للرجال في كلا الجانبين هو الحرص على استبعاد الهرطقة والحفاظ على الإيمان ـ وبدون الاهتمام بالمكانة الشخصية لكل منهما ـ لكانوا قد قبلوا مرسوم الاتحاد.

وقد كتب دوشيسين (Duchesne) عن الهينوتيكون هذه الكلمات: “لو تركنا جانباً الظروف التي وُضع فيها (هذا المرسوم)، فإن جوهر محتواه لا يمكن أن يثير أي اعتراض من جهة الأرثوذكسية”.[18]

وأُرسل مرسوم الإتحاد إلى الإسكندرية مع فراجميوس (Fragmius) الوالي الجديد على المدينة الذي حل محل ثيؤغنوستُس. وعندما وصل إلى الإسكندرية وجد أن يوحنا التلاوي قد رحل فأخذ يبحث عن البابا بطرس مُنجوس ليريه الهينوتيكون، وقيل للبابا أنه إذا قبل تلك الوثيقة ووافق على الشركة مع أساقفة الجانب الخلقيدوني الذين سيؤيدونها أيضاً، فسيُسمح له بالعودة للكرسي السكندري. ووافق البابا بطرس عليها، فتمت إعادته وطُرد يوحنا التلاوي بدون أي إبطاء.

 

(ج) اتحاد مؤقت بين الكراسي الكبرى:

وكان أول من وقع على مرسوم الاتحاد أكاكيوس بطريرك القسطنطينية وبطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية، وتبادلا بعد ذلك رسائل الشركة والوحدة فيما بينهما.[19] أما في أنطاكيا فكان هناك بطريرك لكل جانب من الإثنين، بطرس القصَّار وكالنديون، ورغم أن بطرس كان في المنفى إلاّ أن غير الخلقيدونيين كانوا هم المسيطرون على الكرسي الأنطاكي.

وكان كالنديون بطريركاً فقط على الأقلية الخلقيدونية التي في المدينة، ولأنه كان يعتبر نفسه وريث التقليد اللاهوتي لإفستاثيوس الذي نُفي عام 328 فقد قام بإعادة رفات الرجل إلى المدينة. وحاول كالنديون أن يرضي الأنطاكيين من خلال السماح باستخدام الثلاثة تقديسات (Trisagion) في صورتها المطوَّلة ولكن مع إضافة عبارة “أيها المسيح الملك”.

وكانت تسبحة الثلاثة تقديسات “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي يموت، ارحمنا” قد أُدخلت إلى منطقة أنطاكيا منذ منتصف القرن الرابع تقريباً في مواجهة الجانب الأريوسي الذي كان مسيطراً على الكرسي الأنطاكي في ذلك الوقت، وفي أول أسقفية بطرس القصَّار قام بإضافة عبارة “يا من صلبت عنا” لهذه التسبحة، باعتبار أن ذلك هو اختبار الأرثوذكسية عند غير الخلقيدونيين في مواجهة النسطورية.*

وكانت هذه التسبحة تُستخدم في القسطنطينية في صورتها الأصلية (بدون الإضافة) وكانت تُفهم أنها تمجيد مُقدم للثالوث القدوس، وذلك بخلاف الوضع في منطقة أنطاكيا حيث كانت تُفهم بأنها تشير إلى الله الابن.[20]

لذلك فمن وجهة النظر الأولى (التي كانت سائدة في القسطنطينية)  يمكن الاعتراض على الإضافة التي قام بها بطرس القصَّار “يا من صلبت عنا” لأنها قد تعني أن الثالوث تألم على الصليب، ومن هنا كانت إضافة كالنديون لعبارة “أيها المسيح الملك” هي لتوضيح المعنى المقصود على الرغم من أنها قد لا تخدم هدف استبعاد النسطورية.

والمهم أن كالنديون نفسه رفض التوقيع على مرسوم الاتحاد، وبعد اتهامه بالضلوع في ثورة إيلوس تم استبعاده وأُعطي الكرسي إلى بطرس القصَّار في عام 484م، حيث قام بالتوقيع على الهينوتيكون وعقد مجمعاً تم فيه التصديق على مرسوم الاتحاد. وأرسل بطرس القصَّار رسالة الوحدة إلى البابا بطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية،[21] كما كتب مارتيريوس أسقف أورشليم أيضاً إلى بطرس مُنجوس معبراً عن الوحدة.[22]

وهنا صارت البطريركيات الشرقية الأربعة (الإسكندرية والقسطنطينية وأنطاكيا وأورشليم) في اتحاد، وانضم إليهم كثير من الأساقفة وقادة الشعب، ولكن روما لم تكن مشتركة في هذا التطور حيث كان موقف الكرسي الغربي في الحقيقة هو ما عبَّر عنه الوفد الروماني يوم 22 أكتوبر عام 451م وهو: إما أن يقبل الشرق وجهة نظر روما أو أن يدع روما تهتم بأمورها.[23]

واستمر الشقاق الذي حدث في ذلك الوقت بين روما والقسطنطينية لفترة امتدت حوالي خمسة وثلاثين عاماً، هذا بالإضافة إلى أن فيليكس الثالث (Felix III) بابا روما قام بعقد مجمع يوم 28 يوليو عام 484م حضره سبعة وعشرون أسقفاً وقام بحرم أكاكيوس[24] بطريرك القسطنطينية، فتحدى البطريرك هذه الإهانة واستمر في ما خطط له.

ولم يكن ممكناً لهذا الاتحاد أن يستمر طويلاً وذلك لسبب واحد هو أن كلاً من طرفي الخلاف لم يكن منفتحاً في مواجهة المسألة التي سببت الانشقاق، فمجمع خلقيدونية كان في الواقع قد خلق مشكلة خطيرة أثرت على وحدة الكنيسة وكانت هذه المشكلة تحتاج إلى حل. ويذكر زكريا أنه عندما أُرسل مرسوم الاتحاد إلى الإسكندرية اعترض عليه بعض المتحمسين لأنه لم يتعرض لمشكلة مجمع عام 451م، وعلى الرغم من أن البابا بطرس مُنجوس أستطاع أن يهدئهم في البداية إلاّ إنه لم يتمكن من الصمود طويلاً.

وكان هناك رجال في الإسكندرية من الجانب الخلقيدوني يؤيدون يوحنا التلاوي ضد البابا بطرس، وأولئك قد تحركوا في خطة لتدمير الوحدة من خلال الدفع بقس يدعى سيرس (Cyrus) كان في القديم مسانداً للبابا ديسقوروس ولكنه انضم إلى الجانب الخلقيدوني، حيث رأوا أن وجود الرجل بين الذين يتفاوضون في مسألة الوحدة (من الجانب الخلقيدوني) سيزعج غير الخلقيدونيين.[25] هذا بالإضافة إلى أن يوحنا التلاوي نفسه ذهب إلى روما لكسب تعاطف البابا سيمبليكيوس (Simplicius).

ومن هنا نرى أنه كان هناك انتقاد لمرسوم الاتحاد في الجانب غير الخلقيدوني منذ البداية، وكانت جماعة ’الذين بلا رأس‘* (Acephalists) هي التي تقوم بالتشجيع على ذلك. أما على الجانب الخلقيدوني، فكان هناك رجال في الشرق غير مستعدين للاعتراف بأن مجمع خلقيدونية كان يشوبه أي نقصان، ولا مستعدين كذلك للمجازفة بأن تتأثر علاقتهم مع روما.

وإذا رجعنا إلى الرؤية الكنسية التي حاول ممثلو الحكومة البيزنطية تثبيتها في مجمع خلقيدونية، فسنجد أنه كانت تتكون من ثلاثة أجزاء: أولاً اعتراف الإيمان، ثانياً سيادة كرسي القسطنطينية، وثالثاً الاتحاد مع روما بدون الاعتراف بمزاعم بابا روما (في السيادة العامة على الكنيسة كلها). ومن هنا كان أكاكيوس بطريرك القسطنطينية بموافقته على الهينوتيكون قد أظهر رغبته في تجاهل الجزء الثالث من الرؤية السابقة، وكذلك الأخذ بالجزء الأول بدون ضرورة الإصرار على نص ولغة المجمع.

ولم تجد هذه التداعيات استحساناً أو تأييداً من عدد كبير من الجانب الخلقيدوني في الشرق، وبالضبط كما أنه في أيام مجمع خلقيدونية ألتمس المعارضون للإسكندرية تأييد قادة روما، هكذا أيضاً هنا لجأ الرجال إلى روما لطلب المساعدة. ومات أكاكيوس عام 489م، وجاء بعده فرافيتا (Fravitta) الذي مات هو الآخر أيضاً بعد بضعة أشهر، وأُقيم بعد ذلك إفميوس (Euphemius) الخلقيدوني الصميم بطريركاً على القسطنطينية.

وكان إفميوس هذا يؤلمه الانفصال عن روما أكثر من الافتراق المحتمل عن جيرانه الشرقيين، ولذا تبادل المراسلات مع فيليكس الثالث (بابا روما) من أجل إعادة الوحدة بينهما، ولكن البابا طلب منه أن يحرم أكاكيوس كشرط لإزالة الخلاف بينهما، فتوقف الأمر وقتئذ عند ذلك الحد.

 

 

(د) اضطرابات في مصر:

عندما قام البابا بطرس مُنجوس بالتوقيع على مرسوم الاتحاد ودخل رسمياً في الشركة مع أكاكيوس بطريرك القسطنطينية عام 482م، عبَّر ثيؤدور أسقف أسنا[26] (Antinoe) وأسقفين آخرين من صعيد مصر وبعض رجال الكنيسة وكثير من الرهبان عن عدم موافقتهم لما فعله وخرجوا عن الشركة معه.

وفي الحقيقة كان البابا بطرس في رسائله إلى أكاكيوس، قد أقر بما أكده الأخير بأن مجمع خلقيدونية عام 451م لم يبتدع في الواقع أي شيء جديد على الإيمان،[27] ومن هنا رأى معارضوه أن قبوله لهذا الكلام بالإضافة إلى الوحدة التي دخل فيها مع بطريرك القسطنطينية إنما تمثل خيانة للإيمان من قبل البابا بطرس مُنجوس.

وجرت محاولات عديدة لتسوية الخلاف بين البابا بطرس ومعارضيه، منها أن بطرس الأيبيري (أسقف مايوما بفلسطين) جعل بطريرك الإسكندرية يدين مجمع خلقيدونية علانية ويوقِّع على أربعة من كتاباته الخاصة التي تحتوي على حرمان واضح للمجمع ولطومس ليو، ولكن ذلك لم يرضِ المعارضين للبابا بطرس مُنجوس. واتخذ البابا إجراءً يقضي بطرد الأسقف ثيؤدور من ديره، وأمام هذا قام الرهبان بانتداب نيفاليوس (Nephalius) ليعرض شكواهم أمام الإمبراطور.

واستجاب زينو وأرسل حارسه الخاص كوزماس (Cosmas) إلى الإسكندرية لإيجاد حل للمشكلة، وكان هناك جمهور يقدر بثلاثين ألفاً ومعهم عشرة أساقفة ـ كما يذكر زكريا المؤرخ ـ في استقبال مبعوث الإمبراطور، فقام كوزماس بمقابلة مائتين منهم مع البطريرك. وعندئذ أدان البابا بطرس مجمع خلقيدونية وطومس ليو علانية،[28] ولكن هذا أيضاً لم يرضِ معارضيه وتشاوروا فيما بينهم لإقامة بطريرك آخر بدلاً منه، ولكن الأسقف ثيؤدور أثناهم عن القيام بهذه الخطوة.

وعاد زينو وأرسل مبعوثاً آخر يسمى أرسانيوس (Arsanius) فأمر هذا بطرد الرهبان من أديرتهم، إلاّ أن الرهبان أرسلوا ممثلين عنهم إلى الإمبراطور واستطاعوا أن يقنعوه بعدم اتخاذ مواقف عنيفة من هذا النوع. وأُطلق على أولئك المعارضين للبابا بطرس اسم ’الذين بلا رأس‘* (Acephalists)، وقد استمروا في شكل جماعة تشبه إلى حد بعيد أتباع نوفاتيان في القرن السابع.

وعندما مات أكاكيوس في عام 489م، تراجعت جماعة ’الذين بلا رأس‘ بسبب انفصال الشركة التي كانت بين القسطنطينية والإسكندرية. وحينما مات البابا بطرس مُنجوس عام 490م، رفع خليفته البابا أثناسيوس# اسم البابا بطرس من الدبتيخا بهدف توحيد الجميع، ولكنه اضطر إلى إعادته في الليتورجيا استجابة لطلب الشعب.

 

(هـ) بعض التعليقات على الأحداث:

لقد أظهر الخلاف الذي نشأ في مصر طبيعة خطة البطريرك أكاكيوس بخصوص اتحاد الطرفين المتنازعين على أساس مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘، فلم تكن لدى بطريرك القسطنطينية أية نية للتخلي عن مجمع خلقيدونية كما ظنت روما في ذلك الوقت، بل على العكس كان هدفه هو أن يوحد الجانبين بأن يجعل الجانب غير الخلقيدوني يقبل المجمع بطريقة ماكرة.

وقد اتضح هذا الأمر من خلال تعامله مع البابا بطرس مُنجوس، فكما رأينا أن الأساس الذي بُنيت عليه إعادة الاتحاد لم يتضمن ضرورة تأييد الجانب غير الخلقيدوني للمجمع، ولكن فقط التوقيع على مرسوم الاتحاد وحسب، أما أكاكيوس فقد ذهب إلى أبعد من هذا الاتفاق من خلال تبادله للخطابات مع البابا بطرس التي تعبِّر عن قبوله للمجمع.

ولذلك فالحقيقة هي أنه كما فعل أناتوليوس بالضبط حينما حاول أن يرسِّخ مجمع خلقيدونية في فترة حكم الإمبراطور ليو الأول، هكذا أيضاً سعى أكاكيوس ليحصل على تأييد ضمني للمجمع من البابا بطرس مُنجوس، وعلى الرغم من أن الأخير لم ينتبه إلى هذه الخطة، إلا أن الآخرون كانوا يرونها ويحاولون مقاومة هذا التحرك.

 

[1] Zacharia, op. cit., I, p. 209.

[2] زينونيس كانت مناصرة للفريق الذي ظل مخلصاً لذكرى أوطيخا.

[3] Zacharia, op. cit., I, p. 211. 

[4] للإطلاع على منشور باسيليسكوس انظر:

(Evagrius, III, 4 in PG. LXXXVI, 2600-A – 2604-B)

وقد أورد زكريا جزءاً منه فقط (Zacharia, op. cit., I, pp. 211-213) وهذا المنشور هو الوثيقة رقم 542 في (Coleman-Norton, op. cit.).

 

[5] Zacharia, op. cit., I, pp. 215f.

[6] كانت المزاعم المتنافسة التي ذكرها في خلقيدونية كل من ستيفن وباسانيوس من أجل كرسي أفسس قد رُفضت لصالح يوحنا الذي لم يكن الشعب يقبله. وأقاموا بولس، ولكن السلطة الحكومية طردته، ثم أعاده باسيليسكوس مرة أخرى. وقد ساند هذا المجمع بولس الذي كان قد وقع على المنشور.

[7] Zacharia, op. cit., I, p. 213.

[8] للإطلاع على رد الأساقفة انظر: (المرجع السابق صفحة 213 – 215).

[9] المرجع السابق صفحة 219.

[10] Frend, op. cit., p. 172.

[11] Zacharia, op. cit., I, p. 219. 

[12] للإطلاع على المنشور المضاد انظر: (Coleman-Norton, op. cit., p. 918).

[13] المرجع السابق: الوثيقة رقم 526.

[14] للإطلاع على الرسالة الدورية انظر: (Zacharia, op. cit., I, pp. 221-223)

 

[15] انظر صفحة ، وصفحة .

[16] Zacharia, op. cit., I, pp. 222-23.

يذكر فرند أن الالتماس طلب أن يكون البطريرك سكندرياً وليس مرشحاً من طرف أكاكيوس (بطريرك القسطنطينية) مثلما حدث مع كالنديون أسقف أنطاكيا. (مرجع سابق صفحة 177) ولكن ملاحظة فرند لا تتفق مع التقرير الذي أورده زكريا.

[17] للإطلاع على مرسوم الهينوتيكون انظر:

(Zacharia, op. cit., I, pp. 227-231 and Evagrius, III, 14 in PG. LXXXVI, 2620-C – 2625-A)

كما أنه هو الوثيقة رقم 527 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[18] Duchesne, op. cit., III, p. 349.

[19] للإطلاع على رسالة أكاكيوس إلى بطرس انظر: (Zach, op. cit., I, pp. 235-37). وللإطلاع رسالة بطرس إلى أكاكيوس انظر:

 (Evagrius, III, 17 in PG. LXXXVI, 2629-B – 2633-A)

* لأن وضع عبارة “يا من صُلبت عنا” مع الثلاثة تقديسات الموجهة للابن إنما تعني أن الابن الذي له التقديس هو نفسه الذي صُلب وتحمل الآلام. فالذي صنع المعجزات والذي تحمل الآلام هو نفس الابن الواحد والمسيح الواحد. وهذا التعليم الأرثوذكسي لا يقبله النساطرة.

[20] وقد ذكر البطريرك ساويروس هذه النقطة في عظته رقم 125.

(P.O. Tome XXIX Fasc. 1, ed. F. Graffin, Paris, 1960)

ومع إضافة بطرس القصَّار كانت الترنيمة تقول: “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت، أنت يا من صُلبت عنا، ارحمنا”. وقد وضع كالنديون عبارة ’أيها المسيح الملك‘ بين ’الذي لا يموت‘ و’أنت يا من‘.

[21] Zacharia, op. cit., I, pp. 233-35.

[22] المرجع السابق صفحة 237-238.

[23] انظر صفحة .

[24] Frend, op. cit., p. 182.

[25] Zacharia, op. cit., I, pp. 231f.

* انظر صفحة

[26] Zacharia, op. cit., II, pp. 2-3.

يذكر فرند أنه طبقاً لميخائيل السرياني (المؤرخ)، تضم قائمة معارضي البابا بطرس كل من ثيؤدوروس أسقف أسنا وإثنين من القساوسة وإثنين من الشمامسة وإثنين من كبار رؤساء الرهبان. (مرجع سابق صفحة 180 رقم 4).

والواقع أن هذه النقطة لم يذكرها فقط ميخائيل السرياني الذي كتب في القرن الثاني عشر، ولكن ذكرها أيضاً زكريا في القرن السادس. هذا وقد أوضح الأخير أن قائمة معارضي البابا بطرس كانت تتضمن القسيسين يوليان ويوحنا السكندري، والشماسين إيلاد وسيرابيون، والأساقفة ثيؤدور أسقف أسنا ويوحنا وواحد آخر من مصر، ورئيس الرهبان أندراوس، وبولس الصوفي ورهبان آخرين معروفين.

[27] انظر خطاب البابا بطرس صفحة .

[28] Zacharia, op. cit., II, pp. 5.

* جاءت هذه التسمية بسبب عدم إعترافهم برئاسة البابا بطرس عليهم

# البابا الثامن والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الثالث: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

انفض مجمع خلقيدونية بعد جلسته الختامية في 1 نوفمبر عام 451م، وكان الإمبراطور والإمبراطورة راضيين بالفعل لأنه أخيراً وفي أيامهما توحدت الكنيسة بحق، كما أن قادة المجمع كذلك كانوا مسرورين بأنه قد تم قبول قرارات المجمع بالإجماع من قبل المشاركين فيه.

وفي الحقيقة بالرغم من وجود شكوى من أنه قد تم استخدام القوة لجمع التوقيعات في المجمع،[1] إلاّ أن البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين الثلاثة عشر كانوا هم وحدهم الذين لم يوقِّعوا على طومس ليو ولا على تعريف الإيمان الخلقيدوني. وحيث إن البطريرك (ديسقوروس) قد تم عزله، بل وأدى إصراره على عدم التوقيع حتى النهاية إلى نفيه إلى غنغرا (Gangra[2] فإن توقيعه لم تكن له أية أهمية حقيقية.[3]

ولا نعرف بالضبط ماذا حدث للأساقفة المصريين، غير أن أربعة منهم قد أظهروا إذعانهم في النهاية، وعادوا إلى الإسكندرية لكي يرسموا خلفاً للبابا ديسقوروس. وهكذا انتهى مجمع خلقيدونية ـ وبخلاف أي مجمع كنسي في الماضي ـ بصورة تشير إلى الوحدة.

وصدَّق الإمبراطور على قوانين المجمع بمجموعة من المراسيم الملائمة، كما منح تلك القوانين الصبغة الشرعية القانونية في الإمبراطورية. وكان مركيان قد شرح بالفعل خطته في ذلك الاتجاه في يوم 25 أكتوبر بعد خطابه الموجه إلى المجمع.[4]

وبعد انتهاء المجمع قام بإصدار عدد من الأوامر التي تؤيد نفس المعنى،[5] بل إن نظرة سريعة إلى صيغة تلك المكاتبات تبين مدى تصميم الإمبراطور على ترسيخ (إقرار) مجمع خلقيدونية. وقد ذكر مركيان في خطابه إلى المجمع أن أي أحد سيعارض أو يخالف تعريف الإيمان الخاص بالمجمع سوف يُعاقب بصورة تتناسب مع وضعه ورتبته؛ فلو كان موظفاً في الحكومة سيفقد وظيفته، وإذا كان مواطناً عادياً سيتم طرده من المدينة؛ أما إذا كان من رجال الدين (الإكليروس) فسوف يفقد رتبته ويعرِّض نفسه لعقوبات أخرى إضافية.[6]

وتقريباً في كل الكتابات الأخرى التي تتعلق بالموضوع، زعم الإمبراطور أن مجمع خلقيدونية لم يفعل غير التصديق على إيمان الكنيسة طبقاً لقانون إيمان نيقية حسب تفسير مجمعي عام 381م وعام 431م، كما زعم كذلك بأن المعارضين لمجمع خلقيدونية لابد وأن يكونوا بالفعل هراطقة.

كما أكد مركيان أن المجمع “لم يبتكر على الإطلاق شيئاً جديداً عن الإيمان الرسولي، ولكنه في جميع النواحي … اتبع تعاليم أثناسيوس وثيؤفيلس، وكيرلس”، ولم يميِّز مركيان هنا بين تعاليم ’كيرلس الرسمية‘ وتعاليم ’كيرلس غير الرسمية‘ التي تضمنها كلام ممثلو الإمبراطور في مجمع عام 451م.[7]

وأصر مركيان على أن المجمع قد أدان أوطيخا لأنه اتبع أبوليناريوس: وقد سار ديسقوروس وراء أوطيخا؛ وكلاهما كان يُعلِّم بأفكار أبوليناريوس،[8] و”حيث إن أوطيخا وديسقوروس اتبعا فكر أبوليناريوس الدنس”،[9] لذلك أصدر الإمبراطور مرسوماً ـ مثلما فعل الأباطرة السابقون ـ بأن الأبوليناريين، وبالتحديد الأوطيخيين، لا يحق لهم أينما وجدوا أن ينفذوا وصية (ميت) أو أن يرثوا طبقاً لشروط وصية، كما أن أي شيء قد تُرك لهم من الآخرين سيتم مصادرته.

وكذلك عليهم ألاّ يقوموا برسامة أساقفة أو كهنة أو أي نوع من رجال الدين، فأساقفتهم ورجال دينهم سيكونون عرضة للطرد وممتلكاتهم ستكون عرضة للمصادرة.

ولن يُسمح لهم ببناء الكنائس أو الأديرة؛ ولا يحق لهم عقد مجامع أو اجتماعات بالنهار أو بالليل؛ كما لا يُسمح لهم بالاجتماع في أي منزل خاص “ليقيموا شعائرهم المهلكة”؛ وإذا فعلوا ذلك بموافقة صاحب البيت، فإن هذا المنزل أو المكان المملوك سيتم مصادرته. ويمتنع عليهم أن يكتبوا أي شيء ضد المجمع (خلقيدونية)؛ وإذا قاموا بذلك، فسيتعرضون للنفي المؤبد، كما أن كتبهم سيتم تدميرها.[10]

وسرعان ما بدأ عدم الاتفاق بين روما والقسطنطينية فور انتهاء المجمع، وعلى سبيل المثال رفض ليو بابا روما الاعتراف بالمجمع لبعض الوقت،[11] حيث لم يكن مقبولاً لديه القرار الخاص بكرسي القسطنطينية[12] والذي أقره المجمع في جلسته الختامية، وقد اعترض على القرار بتعبيرات واضحة.

وفي نفس الوقت، كانت مصر كلها بالإضافة إلى قطاع كبير في الشرق قد بدأوا في تنظيم صفوفهم ضد مجمع خلقيدونية بالرغم من الإجراءات الصارمة التي اتخذها الإمبراطور مركيان. وكما أن روما لم تكن تتوقع قبل انعقاد المجمع أن يكون هناك مثل هذا القرار المتعلق بالقسطنطينية، فهكذا أيضاً لم تتوقع السلطة الإمبراطورية نمو الحركة المعارضة للمجمع بهذا الشكل.

وعندما أصبحت هناك ضرورة لمواجهة التهديد الذي تتعرض له قوانين المجمع، أرسل مركيان نفسه رسائل إلى ليو يناشده فيها قبول المجمع (حتي تتجمع القوى في مواجهة ذلك التهديد).[13]

وهنا أدت الحاجة لإقرار سلطة المجمع ضد معارضيه إلى اقتراب روما والقسطنطينية معاً على الرغم من الخلافات القائمة بينهما،[14] وانتهى الأمر باتحاد القوتين اللتين سيطرتا على المجمع في وقت كانتا فيه على حافة الانفصال. واستمر الأمر على هذا الحال لأكثر من عقدين من الزمان، وكان على الحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية أن توجِّه أعمالها ضد اتحاد القوتين معاً والذي كان بالفعل من العسير التغلب عليه في ذلك الوقت.

وينقسم تاريخ الحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية إلى أربعة مراحل. المرحلة الأولى تشمل الفترة بين عام 451م وعام 475م والتي بدأت في خلالها المعارضات الأولية للمجمع تعبِّر عن نفسها في عدد من المناطق في الشرق، ولأنها لم تكن تحظى بالسند الإمبراطوري فقد تم إخمادها وتقليصها بالقوة في خلال أجيال قليلة لتصبح مجرد فرق لا يُعتد بها تقطن مناطق محددة يصعب الوصول إليها. والمرحلة الثانية تغطي الفترة بين عام 475م وعام 518م وهي المرحلة التي أعطت الحركة غير الخلقيدونية الوقت لكي تقوي نفسها.

وتلت تلك الفترة المرحلة الثالثة من عام 518م إلى عام 536م، وخلال هذه المرحلة أعاد الإمبراطور يوستين الأول في عام 518م عصر الاضطهاد ضد معارضي مجمع خلقيدونية. ولكن خلفه وابن أخيه جوستينيان ـ الذي نفَّذ في الحقيقة السياسة الدينية لعمه ـ رأى أنه يتعين أن تتم تسوية المسألة من خلال التفاوض.

وباءت خطته بالفشل وأصبحت الكنيسة في الإمبراطورية البيزنطية منقسمة إلى معسكرين منفصلين، وتواصلت الجهود لأجل توحيد الاثنين إلى أن تم الفتح العربي للشرق. وتمثل الفترة ما بين حكم جوستينيان والفتح العربي المرحلة الرابعة في تاريخ الحركة غير الخلقيدونية.

 

2. فترة المعارضة الأولية:

كتب أ. أ. فاسيليف (A. A. Vasiliev)[15] يقول: “إن الاضطرابات الدينية في أورشليم والإسكندرية وأنطاكيا والتي سببها الفرض القسري لقرارات المجمع (خلقيدونية)، اتخذت شكل الثورة الشعبية العنيفة، ولم تخمدها السلطة المدنية والعسكرية إلاّ بعد الكثير من إراقة الدماء”. وكان هناك بالفعل قطاع كبير في الشرق المسيحي يعارض مجمع خلقيدونية.

 

(أ) أورشليم وفلسطين:

كانت أورشليم هي المكان الذي ظهرت فيه أولى موجات ردود الفعل ضد مجمع خلقيدونية. وكان جوفينال أسقف أورشليم ـ وهو واحد من رؤساء مجمع أفسس الثاني عام 449م مع البابا ديسقوروس ـ من أشد المؤيديين للتقليد اللاهوتي السكندري. ولكنه كما رأينا أعلن إذعانه للجانب المنتصر في مجمع خلقيدونية أثناء الجلسة الأولى من المجمع، وعلى الرغم من ذلك عندما عاد جوفينال من خلقيدونية رفضت رعيته أن تقبله.

وكان جوفينال بالفعل شخص جدير بالانتباه، فقد تمت رسامته أسقفاً لأورشليم حوالي عام 422م خلفاً للأسقف برايليوس (Praylius)، وجلس على الكرسي حتى وفاته عام 458م. وإذ كان في أغلب الظن من أصل لاتيني كما ذكر هونيجمان (Honigman[16] فقد كان هدفه الأعظم في حياته أن يرفع كرسي أورشليم إلى رتبة البطريركية بل وأن تكون له السلطة على كرسي أنطاكيا الذي كان يُعتبر واحداً من الكراسي العظمى من خلال مجمع نيقية عام 325م.

وفي الحقيقة أغضبت ادعاءات جوفينال المتطرفة في ذلك الاتجاه كلاً من أسقف روما وكيرلس السكندري، ولكن كما رأينا في مجمعي أفسس الأول والثاني ـ وبسبب الظروف الخاصة التي أحاطت بهما ـ استطاع جوفينال أن يحتل الموقع الثاني بين وفود الحاضرين، كما أنه في مجمع خلقيدونية كان يجلس بعد البطريرك ديسقوروس السكندري.

وبعد أن غيَّر جوفينال موقفه استطاع أن يتبوأ مكانة عظيمة في مجمع خلقيدونية، وصار واحداً من الرجال الذين شكلوا اللجنة المجمعية التي كتبت اعتراف الإيمان. وفي النهاية، حقق جوفينال هدفه وحصل على لقب بطريرك لكرسي أورشليم، وقد أرضاه ذلك جداً لكن رعيته لم تكن على استعداد لأن تتبعه فيما قام به (في خلقيدونية).

ومن المؤكد أنه في شهر مايو أو أوائل يونيو، تلقى جوفينال الدعوة لحضور المجمع الذي كان ينوي الإمبراطور مركيان عقده. وقبل هذه المناسبة كان طومس ليو قد وصل تقريباً إلى كل مكان في الشرق، لذلك فلابد أن يكون جوفينال نفسه قد رأى هذه الوثيقة.

ولهذا فقبل أن يبدأ رحلته إلى المجمع، “وحيث إنه كان مقتنعاً بأن الطومس يحتوي على تعاليم هرطوقية تؤيد أفكار نسطوريوس، فقد دعا رجال الكنيسة وجمَع الرهبان والشعب وفضح أمامهم فساد هذا المعتقد (الذي في الطومس) وحرمه. كما أكد كثيراً على الإيمان الصحيح، وفرض عليهم جميعاً ألاّ يقبلوه في شركتهم إذا تغير عن موقفه في المجمع”.[17]

وبكون جوفينال واحداً من رؤساء مجمع عام 449م، والذي مارس فيه السلطة على نفس مستوى البطريرك ديسقوروس، فقد كانت تقع عليه مسئولية أدبية كرجل ـ إن لم يكن كمسيحي أو حتى كأسقف ـ في الضغط من أجل طرح القضية الحقيقية، لكي يقوم مجمع خلقيدونية بدراستها بتروٍ.

ولكن بدون أية محاولة في ذلك الاتجاه، وبمجرد أن وجد أن التحالف بين السلطة الإمبراطورية وأسقف روما قوياً بالفعل، وأنه من الممكن أن ينال هدفه (في لقب البطريركية) إذا وقف فقط في جانب القوى التي تسيطر على المجمع، حتى أعلن بهدوء إذعانه قبل نهاية الجلسة الأولى للمجمع.

وكان هناك رهبان من رعية جوفينال يراقبون ما حدث، لأنه حسب العرف المتبع في تلك الأيام كان يوجد رهبان من مناطق عديدة في الشرق قد وصلوا إلى خلقيدونية لمتابعة المجمع بصورة مباشرة. ومن بين هؤلاء الرهبان كان هناك رجال أتوا من فلسطين يترأسهم راهب يدعى ثيؤدوسيوس (Theodosius).

وفور معرفة هؤلاء الرجال بأن جوفينال قد غيَّر من مواقفه، حتى عادوا إلى بلدهم ونشروا الخبر إلى زملائهم الرهبان ورجال الكنيسة والشعب، وأعدوا الساحة لصدام عنيف. وعندما عاد جوفينال من خلقيدونية بعد ذلك بعدة أسابيع، قابله رهط من الرهبان ورجال الكنيسة وعامة الشعب، وذكَّروه بوعده قبل الرحيل إلى المجمع، وعرضوا عليه الاختيار ما بين شجب ورفض المجمع أو الانسحاب من الكرسي.

وقبل أن يعطيهم جوفينال جواباً أو يحاول حتى أن يدخل المدينة، اتخذ طريقه إلى القسطنطينية، وفي نفس الوقت عاد الرهبان ورجال الكنيسة إلى أورشليم ودعوا الشعب وأساقفتهم،[18] وقرروا أن يعينوا ثيؤدوسيوس رئيس أساقفة محل جوفينال.

وكان ثيؤدوسيوس راهباً ملتهباً ومناصراً للتقليد السكندري عن قناعة شديدة، وكان قد قاوم محاولات الأنطاكيين للتشكيك في مفهوم إيمان الآباء ـ بنفس الأسلوب الذي كان جوفينال نفسه يقوم به ـ وكان ثيؤدوسيوس قد ذهب إلى الإسكندرية في عام 447م،[19] ليثير الرأي العام ضد ثيؤدوريت أسقف قورش ودومنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا.

وبعد رسامته (بدلاً من جوفينال) بدأ ثيؤدوسيوس في برنامج لتنظيم الحركة ضد مجمع خلقيدونية، وأقام أساقفة في جميع إيبارشيات فلسطين من الذين رشحهم الشعب، وكان يساند ثيؤدوسيوس في كل ذلك الإمبراطورة العجوز إفدوكيا (Eudocia) أرملة الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، والتي كانت قد استقرت في فلسطين منذ عام 443م.

وفي هذا الوقت من ظهور الحركة ضد مجمع خلقيدونية، ارتكب المعارضــــون للمجمع ـ بسبب حماسهم الشديد ـ بعض الجرائم، ولذلك ذكر مركيان عنهم أنهم قــــاموا بقـــــتل سِفـــريان أسقف سكيثوبوليس (Severian of Scythopolis) والذين كانوا معه.[20]

وكان بطرس الأيبيري (Peter the Iberian) واحداً من الذين قام ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) بسيامتهم، وهو رجل مقدر في البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية، وكان قائداً هاماً للحركة غير الخلقيدونية حتى وفاته حوالي عام 488م. وكان بطرس هذا هو نفسه الأمير نابارنوجينز (Nabarnugins) أمير أيبريا ـ وهي مملكة صغيرة على الجانب الشرقي للبحر الأسود[21] ـ الذي أعطاه حاكم أيبيريا للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني كرهينة وهو طفل صغير بعد.

وقد نشأ هذا الأمير في القصر الإمبراطوري حيث مكَّنته أخلاقه الودودة من أن ينال حب الإمبراطور والإمبراطورة حتى أنه بمرور الوقت عُيّن في سلاح الفرسان الإمبراطوري، ولكنه بعد فترة ترك منصبه واعتزل هو وأبيه الروحي يوحنا في حياة ناسكة في قفار فلسطين، ثم قام ببناء مؤسسة رهبانية في مرفأ مايوما (Maiuma) في غزة بجنوب غرب فلسطين.

وكان بطرس ضمن مجمع الرهبان والشعب الذين ذهبوا لمقابلة جوفينال لدى عودته من خلقيدونية، ومنذ ذلك الحين بذل بطرس كل ما في وسعه من أجل مساندة الحركة المعارضة لخلقيدونية، وقام ثيؤدوسيوس برسامته أسقفاً على مايوما في 7 أغسطس عام 452م، وقد استمر ديره وكذلك مقره مركزاً لتلك الحركة المعارضة في فلسطين.

وبُذلت جهود كبيرة لإعاقة تلك الثورة في فلسطين لتكون قصيرة العمر. ولم يشغل ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) الكرسي سوى قرابة العشرين شهراً حتى منتصف عام 453م حيث عاد جوفينال إلى فلسطين ترافقه حامية عسكرية.

وكان الإمبراطور والإمبراطورة بالإضافة إلى البابا ليو قد كرَّسوا كل جهودهم ونفوذهم لقمع المعارضين لخلقيدونية، فكتب ماركيان من جانبه إلى مكاريوس ورهبان سيناء، وإلى رهبان فلسطين، كما كتب أيضاً خطاباً عاماً ضد الأوطيخيين والأبوليناريين،[22] كما أرسلت بولخريا أيضاً إلى رئيسة دير للراهبات في أورشليم،[23] أما البابا ليو فلم يكتب فقط إلى رهبان فلسطين وإلى إفدوكيا نفسها، بل استحث أيضاً الإمبراطور الغربي فالنتينيان الثالث ليقنع حماته لتتوقف عن مساندة الحركة غير الخلقيدونية.[24]

وفي كل تلك المراسلات كان يتم الدفاع عن مجمع خلقيدونية من جهةٍ بأنه امتداد للثلاثة مجامع الأولى، ومن الجهة الأخرى بشرح وجهة نظر غير الخلقيدونيين بطريقة لا تعبِّر عن موقفهم الفعلي. وعلى سبيل المثال أكد ماركيان بأن ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) كان يحارب ضد الله مثل أبوليناريوس وفالنتينوس ونسطوريوس، وبأنه كان تابعاً لأوطيخا، وأنه ينبغي على الرهبان الذين يزعمون بأنهم لا يعترفون بأوطيخا أن يفصلوا أنفسهم عنه. وكانت بولخريا وبابا روما نفسه يكرران نفس هذه القصة ضد المعارضين لمجمع خلقيدونية.

ولم يكتفِ ماركيان بكتابة الخطابات وإصدار المراسيم، بل أعطى أوامره باعتقال ثيؤدوسيوس والأساقفة الذين قام برسامتهم، فقام جوفينال بعزل هؤلاء الرجال على الفور ولم يترك منهم غير بطرس الأيبيري بسبب مكانته لدى البلاط الإمبراطوري، ولكن بطرس لم يبقى متمتعاً بهذا الامتياز لمدة طويلة في فلسطين ، فقد رحل في الحقيقة إلى الإسكندرية وعاش في مصر.

كما قام الجيش أيضاً بمذبحة دموية فحاول ثيؤدوسيوس الهرب إلى مصر، ولكنه حين سمع بحدوث اضطرابات بين الرجال المعارضين للمجمع في أنطاكيا تحرك إلى هناك،[25] وعندما وصل إلى بوابة المدينة تعرف عليه أحد معارفه السابقين ووشى به لدى السلطات فتم القبض عليه وترحيله إلى القسطنطينية، وهناك وُضع في الحبس في غرفة بدير ديوس (Dius) كان يُخزن بها جير غير مطفأ. وبعد موت مركيان قام الإمبراطور ليو الأول بإطلاق سراحه، ولكنه مات بعد ذلك بأيام قليلة في (Sycae).*

وعلى الرغم من أن جوفينال كان في أمان بسبب وجود الحامية العسكرية، إلاّ إنه صار مكروهاً من غالبية الرهبان والشعب في فلسطين. ومع ذلك حاول جوفينال أن يهدئهم ويقنعهم بأن يقبلوا مجمع خلقيدونية، ولهذا عقد مجمعاً وأرسل رسائل إلى “القسوس ورؤساء الأديرة والرهبان في مقاطعة فلسطين”[26] يزعم فيها بأن مجمع خلقيدونية لم يقدم شيئاً خلاف التأكيد على إيمان نيقية، وأنه لا يوجد أساس واقعي لدى أي أحد ليقوم بمعارضة المجمع.

ولم تفلح كل هذه الجهود في أن تجعل رهبان أورشليم يقبلون جوفينال في شركتهم. وقد اجترأ واحد من هؤلاء الرهبان يُدعى سليمان أن يدخل إلي جوفينال بحجة أنه يطلب بركته، غير أنه كان يخفي حقيبة مملؤة بالرماد في داخل معطفه وقام بتفريغها على رأس البطريرك.[27]

كما أن جيرونتيوس (Gerontius) رئيس أديرة مِلانيا لم يرغب حتى في التحدث إلى جوفينال قائلاً “لا يسمح الله أن أكون مضطراً لأن أرى وجه الخائن يهوذا”. أما ستيفن رئيس شمامسة أورشليم فقد ترك الأكليروس في المدينة المقدسة وأنهى حياته كسائح جوال حتى لا يضطر لأن يشترك في شيء مع جوفينال.[28] ولكن مع كل هذا كان للبطريرك أيضاً مؤيدين في وسط المجتمع الرهباني تحت قيادة إفثيميوس (Euthymius).

ولم تستمر الإمبراطورة إفدوكيا في مساندتها للحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية طويلاً، حيث أجبرتها ظروف خارجة عن إرادتها لأن تكون على وفاق مع البلاط البيزنطي، فقبلت شركة جوفينال في عام 456م، لأن الملك جيسِريك (Gaiseric) كان قد استولى على روما في عام 455م، مما أثر على سلامة ابنة إفدوكيا زوجة فالنتينيان الثالث وعلى سلامة أحفادها.

وفي الحقيقة كان فالنتينيان قد قُتل في ذلك الوقت، لذلك استغاثت إفدوكيا بالبلاط في القسطنطينية لمساعدتها، فأُخبرت أن ذلك مشروط بتحالفها مع جوفينال، واستجابت إفدوكيا بالفعل ولكن على الرغم من ذلك لم يتحقق أملها الذي كانت تسعى إليه بالكامل.[29]

وهكذا افتتحت فلسطين حركة المعارضة ضد مجمع خلقيدونية، ولكن حقيقة أن المجمع اعترف بأورشليم ككرسي بطريركي كان من الطبيعي أن يجعل الجالسين على الكرسي يميلون إلى تأييد ذلك المجمع.

كما كانت توجد أيضاً في تلك المنطقة مجتمعات رهبانية تضم رجالاً من أماكن مختلفة من العالم المسيحي، من بينهم راهباً يدعى إفثيميوس استطاع أن يجمع حوله بعض المؤيديين لخلقيدونية، ولكن بالرغم من هذا كان على فلسطين أن تنتظر حتى العقد الأخير من القرن الخامس لكي تصبح غالبية المجتمعات الرهبانية في المنطقة موافقة على مجمع عام 451م.

وبعد وفاة جوفينال عام 458م، جلس مكانه على التوالي البطاركة أناستاسيوس (Anastasius) ومارتيريوس (Martyrius) وسالوستيوس (Sallustius)، وهؤلاء الرجال كانوا يريدون أن يستمر السلام في المنطقة رغم عدم قبول مجمع خلقيدونية. ولكن في عام 494م قام سالوستيوس (486م – 494م) بتعيين ساباس (Sabas) رئيساً لأديرة فلسطين كلها، فصار الرجل ـ الذي له نفس توجه إفثيميوس ـ قائداً رهبانياً شهيراً. وفي نفس العام أيضاً تولى البطريرك إيلياس (Elias) (494م – 516م)[30] خلفاً لسالوستيوس وكان يتبنى موقفاً خلقيدونياً متشدداً.

وهنا بدأ الرجلان (ساباس وإيلياس) يعملان معاً من أجل إقرار مجمع خلقيدونية في فلسطين، وقد نجحا في ذلك جداً إلى درجة أنه ـ كما ذكر ميخائيل السرياني[31] ـ لم يوجد أي زعيم في أورشليم ساند التقليد غير الخلقيدوني منذ وقت إيلياس وإلى ما بعد الفتح العربي لفلسطين.

 

(ب) الإسكندرية ومصر:

كان هناك، كما ذكرنا، أربعة أساقفة ـ من بين مجموع الثلاثة عشر أسقفاً المصرين الذين حضروا مجمع خلقيدونية ـ قد أعلنوا إذعانهم للمجمع، وهؤلاء عندما رجعوا إلى مصر سلموا إلى والي الإسكندرية رسالة من الإمبراطور تأمر بتعيين خلفاً للبابا ديسقوروس. ووقع اختيار رجال الدولة ونبلاء المدينة على بروتيريوس (Proterius) كبير كهنة البابا ديسقوروس الذي كان قد كلفه بتدبير شئون المدينة أثناء تغيبه في مجمع خلقيدونية.

وقام الأربعة أساقفة برسامة بروتيريوس بطريركاً مكان البابا ديسقوروس، وقد تمت هذه السيامة وسط اضطراب عظيم،[32] بل وعلى الرغم من صلة بروتيريوس السابقة بالبابا ديسقوروس استلزم الأمر أن يكون باستمرار في حراسة الحامية العسكرية التي عينتها له الحكومة. وظل الرهبان وجموع الشعب مبتعدين تماماً عن الشركة مع بروتيريوس، واستمروا كلهم ينظرون إلى البابا ديسقوروس باعتباره وحده البطريرك الرسمي للكنيسة حتى مماته.

وقد كتب أ. هـ . هور[33] (A . H . Hore) عن ذلك: “عندما وصلت إلى أهل مصر أخبار عزل أسقفهم، لم يكن لغضبهم حدود، واجتمعوا على أمر واحد هو رفض الاعتراف بقرار المجمع، أو إذا كان قد حُرم أسقفهم فكلهم محرومون معه أيضاً؛ ولم يعترف الشعب طوال حياة ديسقوروس بأي أسقف آخر غيره”. وذكر فرند (Frend) أن بروتيريوس “كان معيناً من قبل الحكومة والنبلاء، وقد فصلت الغالبية العظمى من الكنيسة في مصر نفسها عنه باشمئزاز”.[34]

وعلى الرغم من ذلك حاول الإمبراطور مركيان أن يوحد الكنيسة في مصر مع بروتيريوس، فأرسل يوحنا عضو مجلس الشيوخ مندوباً إلى الإسكندرية ومعه رسالة تحوي دفاعاً قوياً عن مجمع خلقيدونية،[35] وتضمن هذا الدفاع الإشارة إلى إدانة المجمع لكل من أوطيخا وديسقوروس حيث اتُهم كلاهما بالأبولينارية، وأصر الإمبراطور في هذا الدفاع على أن مجمع عام 451م قد أكد على إيمان الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر، هذا الإيمان الذي تعمَّد عليه الإمبراطور ويتمسك به بشدة.

ومضت الرسالة لتؤكد أن “ربنا ومخلصنا المسيح، الابن المولود الوحيد من الله، والواحد مع الآب في ذات الجوهر والأزلية، صار إنساناً من أجلنا ومن أجل خلاصنا، وولد من الروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله، وأنه في نفس الوقت إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو ليس واحد وآخر ولكن واحد ذاته غير منقسم ولا منفصل ولا متحول”، كما أوضح الإمبراطور أيضاً أن المجمع قد استبعد تماماً عقيدة ’الابنين‘ و ’الشخصين‘.

ولم تؤتِ هذه الرسالة بالنتيجة المرجوة، بل على العكس فقد تأثر مبعوث الإمبراطور بإخلاص المصريين للبابا ديسقوروس، وبدلاً من أن يحاول أن يقنعهم بالانضمام إلى بروتيريوس أخذ منهم التماساً يوضح وجهة نظرهم ليقدمها إلى الإمبراطور، الأمر الذي لم يسر به مركيان أبداً.

ورقد البابا ديسقوروس في منفاه يوم 4 سبتمبر عام 454م، بعد ما يزيد عن العام بقليل من موت بولخريا في يوليو سنة 453م. ورغم ذلك أرادت الرعية في مصر أن تقيم خلفاً له (مع أن بروتيريوس كان لا يزال موجوداً)، ولكن الإجراءات القوية التي تبناها مركيان ضد الحركة المعارضة لخلقيدونية في فلسطين وكذلك أوامره ومراسيمه التي كانت تحوي تهديدات شديدة جداً ضد أي واحد ينتقد مجمع خلقيدونية، كل ذلك أرجأ مسألة تعيين خليفة للبابا ديسقوروس، ولكن الشعب مع ذلك استمر في موقفه الرافض لبروتيريوس.

ومات مركيان في 26 يناير عام 457م، وانتهز الناس فرصة وجود الجنرال ديونيسيوس (Dionysius) في صعيد مصر، واجتمعوا في الكنيسة واختاروا تيموثاؤس الملقب أيلوروس[36] (Aelurus) بطريركاً خليفة لديسقوروس وكيرلس. ولما كانت الرسامة ينبغي أن تتم قبل عودة الجنرال، لذلك فقد أُجريت على عجل بواسطة اثنين من الأساقفة المصرين ومعهم بطرس الأيبيري يوم 16 مارس عام 457م.

وقام بروتيريوس ـ الذي كان قد أبعد تيموثاؤس عن الإسكندرية حين كان قساً[37] ـ بإصدار خطابات يحرم فيها البابا تيموثاؤس وكل الذين يرفضون الشركة معه، ولكن لم تكن لهذه الخطابات أية قيمة لدى الشعب في مصر لأنه كان قد تجاهل الرجل وكل أعماله. وحين سمع الجنرال ديونيسيوس بما حدث، عاد على الفور وقبض على البابا تيموثاؤس وسط أحداث قتل كثيرة، وأثار هذا الموقف ضغينة الشعب وتسبب ذلك في موت الكثيرين مما اضطر الجنرال في آخر الأمر لأن يطلق سراح البابا تيموثاؤس.[38]

ويخبرنا زكريا (المؤرخ) أن الكنيسة الكبرى في الإسكندرية قد أُخذت من يد البابا تيموثاؤس وأُعطيت إلى بروتيريوس بواسطة السلطات، ولكن أثناء فترة الفصح “كان هناك أطفال بلا عدد قد أُحضروا إلى البابا تيموثاؤس لتعميدهم، حتى أن الرجال الذين كانوا يدوِّنون ويقرأون الأسماء قد أرهقوا تماماً من جراء تلك الحشود؛ ولم يكن هناك غير خمسة أطفال فقط هم الذين أُحضروا إلى بروتيريوس”.[39]

وقُتل بروتيريوس وجروا جسده في شوارع المدينة ثم أُحرق بالنار في مضمار السباق. ويقول زكريا[40] أن القتل قد تم بواسطة الجنود الذين سخطوا من مطالبة بروتيريوس النهمة لهم بدم معارضيه، فقاموا بارتكاب فعلتهم، أما الشعب (الذي لم يقم بهذا الأمر) فكان يعبِّر فقط عن حنقه على ذلك الرجل.

وذكر إفاجريوس[41] (Evagrius) مؤرخ القرن السادس الخلقيدوني، أن القتل كان بواسطة رجل من جانب البابا تيموثاؤس وبتحريض منه. وبالنسبة للبابا تيموثاؤس فقد زادت شعبيته جداً بين الناس بفضل خدمته للفقراء، ويذكر زكريا أن البابا تيموثاؤس استغل المال الذي كان يستخدمه بروتيريوس في الإنفاق على الجنود، لمساعدة الفقراء والأيتام والأرامل.

وكان البابا تيموثاؤس محبوباً جداً من الجميع حتى أن الخلقيدونيين في الإسكندرية تقدموا إليه طالبين أن يقبلهم ويوحد الكنيسة، ولكن هذا التحرك لم يؤتِ بثماره حيث نشأت معارضة داخل الكيان الخلقيدوني نفسه حول هذا الأمر.

 وخلف مركيان على العرش الإمبراطور ليو الأول، وكان ضابطاً في جيش ثراكيا[42] (Thracian army) تحت إمرة أسبار (Aspar) الذي كان قائداً للجيش في الإمبراطورية منذ عام 440م. وبموت بولخِريا في صيف عام 453م، ابتدأ نجم أسرة ثيؤدوسيوس في الأفول عملياً، وأصبح نصفا الإمبراطورية كلاهما في أيدي ضابطين من الأصل الجرماني: ريسيمر (Ricimer) في الغرب وأسبار في الشرق.

وعند قتل الإمبراطور فالنتينيان الثالث عام 455م، أصبح ريسيمر من القوة حتى يقيم ويعزل الملوك إلى أن اختفت المؤسسة الإمبراطورية في الغرب منذ عام 476م. ورغم أن أسبار كان أقل قدرة إلاّ إنه كانت لديه القوة الكافية حتى يجعل ليو أحد أعوانه يعتلي العرش في 7 فبراير عام 457م، وفي الحقيقة كان لأسبار أيضاً دور في جلوس مركيان نفسه على العرش عام 450م.

وكان الإمبراطور الجديد ليو الأول ـ كما يصفه زكريا ـ شخص مباشر له روح عفوية وقد أزعجته الاضطرابات الحادثة في مصر وفلسطين وغيرهما بسبب مجمع خلقيدونية.

وفور تولي ليو العرش، أرسل إليه كلا الجانبان في الإسكندرية خطابات، حيث طالب الأساقفة ورجال الدين الذين في جانب بروتيريوس من الإمبراطور إقصاء البابا تيموثاؤس،[43] كما كانت هناك أيضاً خطابات مضادة من الرجال المؤيدين للبابا تيموثاؤس في الإسكندرية، وحتى البطريرك نفسه كتب خطاباً إلى الإمبراطور يشرح فيه وجهة نظره في ضرورة عقد مجمع جديد يُعاد فيه مناقشة موضوع مجمع خلقيدونية ثانية.[44]

وكان الإمبراطور يؤيد فكرة عقد المجمع، ولكنه امتنع عن تبني تلك الخطوة بسبب ليو بابا روما الذي كتب ستة خطابات في يوم 1 سبتمبر عام 457م، وكذلك بسبب أناتوليوس بطريرك القسطنطينية الذي اقترح عليه أن يستطلع الرأي في ذلك. وهنا أصدر الإمبراطور نشرة إلى كل المطارنة والأساقفة في الإمبراطورية يسألهم من ناحية عن رأيهم فيما يخص مجمع خلقيدونية، ومن الناحية الأخرى في مسألة رسامة تيموثاؤس بابا الإسكندرية.[45]

وقد أشار الإمبراطور ليو في خطابه إلى “الأشياء التي قد تمت أخيراً بالفعل في الإسكندرية”، وأرفق أيضاً نسخاً من الالتماسات التي وصلت إليه من ’الأساقفة ورجال الدين في الإسكندرية‘ ضد تيموثاؤس وكذلك من الأشخاص الذين يؤيدونه. وقد أرسل شعب الإسكندرية وذوو النفوذ والموظفون وأصحاب السفن إلى الإمبراطور يطالبون بتيموثاؤس بطريركاً لهم، ويعلنون عدم موافقتهم على مجمع خلقيدونية، ولذلك طلب منهم الإمبراطور أن يعقدوا اجتماعاً للأساقفة في بلادهم وأن يرسلوا إليه رأيهم فيما يخص تيموثاؤس ومجمع عام 451م.

ورداً على رسالة الإمبراطور كتب ليو بابا روما خطابين، ناقش في أحدهما مسألة تيموثاؤس وأيد في الآخر الجماعة الذين ظلوا موالين لذكرى بروتيريوس في الإسكندرية. واتهم بابا روما، البابا تيموثاؤس بأنه ’عدو المسيح‘ (Antichrist) ـ كما ذكر زكريا[46] ـ وأبلغ سميه الإمبراطوري بأن رجال الدين في القسطنطينية يقفون في صف تيموثاؤس، ووبخ أناتوليوس على تقاعسه، كما أنه دافع عن الطومس الخاص به. ورد أناتوليوس أيضاً على خطاب الإمبراطور، بإدانة البابا تيموثاؤس بسبب عدم اعترافه بمجمع خلقيدونية.

وكان استطلاع الرأي ضربة قاسية للبابا تيموثاؤس، لأن كل الأساقفة الذين ردوا على خطاب الإمبراطور أعطوا حكمهم ضده، كما أنهم جميعاً ماعدا أمفيلوكيوس أسقف سيدا[47] (Amphilocius of Side) أيدوا مجمع خلقيدونية. وقد انتقد أمفيلوكيوس المجمع وطومس ليو من جهة الفكر اللاهوتي وكذلك من جهة القسر والتحيز اللذين مارسهما المجمع، وتوسل إلى الإمبراطور ليتخذ الإجراءات اللازمة لإبطال ذلك المجمع.

ولكي نقوم بتقييم ما حدث، ينبغي علينا أن نلاحظ النقاط التالية:

  • كانت خطة الإمبراطور ليو هي عقد مجمع (جديد) لمناقشة موضوع مجمع خلقيدونية من أجل التوصل إلى حل للمشكلة، ولكن أناتوليوس أسقف القسطنطينية وليو بابا روما هما اللذان غيرا رأي الإمبراطور في هذا الأمر. وحقيقة أن هذين الرجلين كانا أكثر من استفاد في الكنيسة من مجمع خلقيدونية تعتبر دليلاً كافياً للقول بأنهما كانا يحاولان أن يحتفظا بما كسباه من خلال مجمع عام 451م.

  • أرسل الإمبراطور خطابه في عام 458م، أي بعد سبع سنوات فقط من انتهاء مجمع خلقيدونية، وبالتالي كان معظم الرجال الذين أُرسل إليهم الخطاب من الذين كانوا مشاركين بالفعل في المجمع. لذلك كان من الطبيعي لكي يحفظوا ماء وجوههم أن يقوموا بالدفاع عن الموقف الذي تبنوه والذي يمكنهم أن يظلوا متمسكين به بدون خوف.

  • حين قام الإمبراطور باسيليسكوس (Basiliscus) ـ كما سنرى ـ بإرسال منشوره عام 475م ليبطل مجمع خلقيدونية، قام حوالي سبعمائة أسقف شرقي بالتوقيع على هذه الوثيقة.

  • كان أساقفة الإسكندرية يُرسَمون داخل الإسكندرية، لذلك فمسألة إقحام موضوع رسامة البابا تيموثاؤس في خطاب الإمبراطور ليو إنما كانت تتضمن التشكيك في أمر استقلالية الإسكندرية

ومن هنا ينبغي النظر إلى استطلاع الرأي الذي قام به الإمبراطور ليو، ليس بكونه دلالة على حقيقة قبول مجمع خلقيدونية في الشرق، ولكن بكونه يعبِّر عن عدم رغبة الجانب الخلقيدوني في مناقشة الأمور العقائدية باسلوب عادل مع المعارضين للمجمع.[48]

ولم يتم انعقاد أي مجمع جديد، ولكن تم نفي البابا تيموثاؤس إلى غنغرا، وبعد أربعة سنوات تم ترحيله من هناك إلى كرسون[49] (Cherson in the Crimea). ولم يكن من الممكن القبض على البابا تيموثاؤس بدون حدوث فوضى عارمة وشغب في الشعب الذي أراد أن ينقذ بطريركه، وقد انتهى هذا الاضطراب ـ كما يروي زكريا ـ بمقتل أكثر من عشرة آلاف نفس،[50] وفي النهاية تم الإمساك بالبابا تيموثاؤس في مأواه بمعمودية الكنيسة، وتم ترحيله من المدينة.

وكان طريقه إلى غنغرا يمر على طول ساحل فلسطين، وفي كل مكان توقف فيه كان يُقابَل بإكرام عظيم من الشعب، وعندما مر من بريتوس[51] تم ترتيب استقبال شعبي له بمبادرة من إفستاثيوس (Eustathius).[52]

وعند رحيل البابا تيموثاؤس إيلوروس من مصر، قام الجانب الخلقيدوني بمساعدة الدولة بتعيين بطريرك خلفاً لبروتيريوس بنفس اسم تيموثاؤس أيضاً وكان يُلقب بصاحب القلنصوة (Salophaciolus or Ra’ulphakilo).[53] وكان تيموثاؤس الخلقيدوني هذا رجلاً عاقلاً له روح متصالحة، وقد حاول أن يوحد حزبي الكنيسة بصورة جدية.

ويروي زكريا أنه كان بمجرد أن يرى امرأة تحمل صبي تم تعميده بواسطة كاهن من الجانب غير الخلقيدوني، كان يأخذ الصبي ويقبله قائلاً: “هم ونحن كلنا مسيحيون، ليؤمن كل واحد كما يريد ويكرم الرب”.[54] وقد وصل في رغبته الشديدة لتهدئة الشعب، أن يضم اسم البابا ديسقوروس إلى الدبتيخا متمنياً أن يؤدي ذلك إلى علاج الانشقاق، ولكن هذا الأمر لم يؤتِ بثماره المرجوة ولم يمكن للكنيسة في مصر أن تصل إلى الوحدة. وقد قام ليو بابا روما في الجانب الخلقيدوني بتوبيخ تيموثاؤس الخلقيدوني على تصرفه هذا (نحو البابا ديسقوروس).

وظل البابا تيموثاؤس إيلوروس في منفاه إلى أن أعاده الإمبراطور باسيليسكوس في عام 475م، وطوال فترة النفي هذه ـ والتي امتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً ـ استمر البابا تيموثاؤس إيلوروس في كتاباته يعارض كلاً من النسطورية ومجمع خلقيدونية من ناحية، والأفكار التي نُسبت إلى أوطيخا من الناحية الأخرى. أي أنه أظهر أن اعتراضه على مجمع عام 451م، لم يكن نتيجة لأي تعاطف مع الهرطقة التي سعى مجمع خلقيدونية لمحاربتها.

وعاد البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى الإسكندرية في أواخر عام 475م وكان حينذاك رجلاً متقدماً في العمر، وقد استقبلته رعيته باحتفاء عظيم. وجلب البابا تيموثاؤس معه من منفاه رفات البابا ديسقوروس وقام بدفنها مع رفات بطاركة الكرسي السكندري السابقين له. ولم يمر عام على عودة البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى الإسكندرية إلاّ وكان الإمبراطور زينو قد حل محل باسيليسكوس، وأمر بإلغاء كل الأمور التي تمت في عهد النظام السابق له.

وقد أثر ذلك على الحركة غير الخلقيدونية بصورة شديدة، حيث تم نفي قادتهم مرة ثانية. ومع ذلك لم ينفذ الإمبراطور زينو هذا الأمر مع البابا تيموثاؤس إيلوروس، ومن المحتمل أن يكون هذا بسبب تقدمه في العمر أو بسبب إدراكه أن عملية ترحيل البابا سوف تؤدي إلى آلاف من القتلى. وعلى أية حال فقد تنيح البابا تيموثاؤس إيلوروس في يوم 13 يوليو عام 477م، وخلفه على الكرسي السكندري البابا بطرس مُنجوس* (Peter Mongus).

 

(ج) أنطاكيا وسوريا:

كانت أنطاكيا واحدة من أقوى المراكز لعقيدة “طبيعتين بعد الاتحاد”، ومع ذلك كان يقطن بها أيضاً بعض ممن يتمسكون بعقيدة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ولكن بالنسبة لأولئك لم توجد أية معلومات مسجلة عن نشاطهم خلال العقد الأول الذي تلا مجمع خلقيدونية. وكان مجمع أفسس الثاني عام 449م قد أدان دُمنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا وحل محله مكسيموس (Maximus)، ورغم أن مجمع خلقيدونية قد عكس قرارات مجمع عام 449م، إلاّ إن دُمنوس قدم استقالته من الأسقفية وترك مكسيموس على الكرسي الأنطاكي.

ومات مكسيموس في عام 455م، وجلس بعده ثلاثة أساقفة خلقيدونيين هم على الترتيب: باسيليوس (Basil) (456م – 459م)، وأكاكيوس (Acacius) (459م – 461م)، ومارتيريوس (Martyrius) (461م – 471م). وبينما كان مارتيريوس بعيداً في القسطنطينية في عام 468م، انتهز الفريق المعارض لمجمع خلقيدونية الفرصة ورسم بطرس القصَّار (Peter the Fuller) بطريركاً مكانه.

وعندما عاد مارتيريوس بعد حوالي سنة استطاع أن يحشد القوة ليستعيد الكرسي ويطرد بطرس، ولكن الفريق غير الخلقيدوني نجح في إبعاد مارتيريوس وإعادة بطرس. وهنا تدخلت الدولة وقامت بنفي البطريرك بطرس حتى أعاده الإمبراطور باسيليسكوس مرة أخرى مع البابا تيموثاؤس السكندري عام 475م.

 

[1] يذكر زكريا الخطيب (المؤرخ السرياني) عن إفستاثيوس أسقف بريتوس أنه حينما وقَّع أضاف عبارة: “هذه الأشياء أنا أكتبها لأنني مجبر أن أفعل ذلك”. ويضيف المؤرخ أيضاً أنه كان هناك آخرون كثيرون قد اشتكوا من أنهم قد أعطوا توقيعاتهم بالإجبار. (مرجع سابق 1، صفحة 153)

[2] كانت غنغرا عاصمة إقليم بافلاجونيا على الجانب الجنوبي للبحر الأسود.

[3] من الجدير بالذكر أن البابا ديسقوروس لم يكتب أي شيء على سبيل الدفاع عن نفسه مثل نسطوريوس. وهناك خطاب كتبه من منفاه إلى سكوندينوس (Secundinus) وهو محفوظ في كتاب زكريا الخطيب (مرجع سابق 1، صفحة 151-152)، وهذا الخطاب هو بحق قطعة أدبية رائعة يناقش فيها الإيمان. (للرجوع إلى محتوى الخطاب انظر صفحة ).

[4] للإطلاع على ترجمة إنجليزية للخطاب انظر:

(P. R. Coleman-Norton: Roman State and Christian Church. op. cit., document 472).

[5] المرجع السابق الوثائق أرقام: 475، 476، 477، 479، 480، 481، 483، 484، 487، 489.

[6] انظر المرجع رقم 4.

[7] انظر صفحة  وصفحة . وأمام التحديات التي قدمها منتقدي المجمع، اضطر الإمبراطور لتغيير وسائله، وهذا هو ما نستطيع أن نتتبعه من خلال المراسيم التي صدرت بعد المجمع.

[8] انظر الوثيقة رقم 481 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[9] المرجع السابق الوثيقة رقم: 489

[10] كل هذه الأمور مذكورة في الوثيقة رقم 489 في (Coleman-Norton, op. cit.)

[11] بدون الخوض في التفاصيل، يمكننا أن نذكر أنه قبل فض المجمع نهائياً، أرسل المجتمعون خطاباً إلى ليو بابا روما يعرضون فيه تقريراً عن المجمع ويذكرون فيه القرار الخاص بكرسي القسطنطينية (للإشارة لهذا الخطاب انظر صفحة ). وكان خطاباً دبلوماسياً به نبرة تذلل. وكان أناتوليوس أسقف القسطنطينية قد كتب خطاباً مشابهاً أيضاً.

ولكن ليو رفض قبول المجمع وكتب خطابات تنم عن اعتراضه الشديد ضد القرارات الخاصة بالقسطنطينية وأرسلها إلى مركيان وبولخريا وأناتوليوس نفسه. انظر الترجمة الإنجليزية لهذه الخطابات في:

(N. & P.N.F., sec. ser., vol. III)   

[12] هذا القرار هو الذي يُشار إليه بالقانون الثامن والعشرين لمجمع خلقيدونية، وقد لاقى معارضة شديدة من مندوبي روما. وقد حاول ليو من جانبه أن يقنع الإمبراطور والبطريرك أن يصرفوا النظر عن تلك الخطة تماماً، لكنهم مضوا بدون تساهل في تنفيذ خطتهم، وسعوا لتحقيق هدفهم باستعمال الدبلوماسية. ورغم أن ذلك لم يجدي (مع بابا روما) إلا أن التهديد الذي سببه الجانب غير الخلقيدوني في الشرق جعل ليو يقبل فقط القرار العقائدي للمجمع. وبالنسبة لذلك القرار (الخاص بكرسي القسطنطينية)، فالنص الأصلي لقوانين مجمع خلقيدونية يحتوي فقط على سبعة وعشرين قانوناً، لذلك فالإشارة إليه بكونه القانون الثامن والعشرين هي ذاتها محل شك. والحقيقة أن هذا الموضوع ليس له أهمية من وجهة نظر هذه الدراسة. انظر:

(E. Schwartz: Sitz. Ber. Berlin Akad., 1930, p. 612; and Byz. Ztschr. 34, 1934, p. 13)

 

[13] أحد هذه الرسائل أرسله مركيان إلى ليو يوم 15 فبراير عام 453م، وهو الوثيقة رقم 482 الموجودة في (Coleman-Norton, op. cit.)

[14] طلب ماركيان من البابا أن يصدِّق على قرارات المجمع بواسطة خطاب لكي يبين لمعارضي المجمع أن حركتهم هي بلا أي مبرر. وهنا، كما فى كل موقف آخر، يُظهر ماركيان قصوراً فعلياً في فهم الأمور المختلفة.

[15] Vasiliev: History of the Byzantine Empire (324- 1453), The University of Wisconsin Press, 1952, pp. 105-106.

[16] Juvenal of Jerusalem, op. cit., p. 211.

[17] Zacharia Rhetor: Ecclesiastical History, op. cit. (Syriac), I, p. 156.

[18] المرجع السابق صفحة 157.

[19] Honigman, op. cit., p. 249.

[20] يذكر ماركيان هذه الحادثة في إثنين من خطاباته: الأول إلى رهبان فلسطين والثاني إلى مجمع فلسطين. هذان الخطابان هما الوثيقتان 484، 487 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[21] أيبريا هى نفسها جورجيا فى الأزمنة المتأخرة. وهذه المملكة الصغيرة قد إنفصلت عن الإمبراطورية الرومانية في عام 363م على يد جوفيان، وبقيت تحت حماية القسطنطينية.

[22] انظر صفحة المرجع رقم 5.

[23] انظر الوثيقة رقم 485 والوثيقة رقم 486 في (Coleman-Norton, op. cit.)

[24] للإطلاع على خطابات البابا ليو انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., vol. XII)

[25] Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium. Vitae Virorum apud Monophysitas Celeberrimorum (Syriac), pp. 21-27.

* هي حالياً جالطا في تركيا

[26] Honigman, op. cit., p. 258.

[27] Zacharia, op. cit., I, p. 161.

[28] Honigman, op. cit., p. 257. 

[29] Honigman, op. cit., p. 258; W. H. C. Frend: The Rise of the Monophysite Movement, Cambridge, 1972, p. 153, n. 4.   

[30] نحن مدينون في تحديد هذه التواريخ ـ كما هو الحال في العديد من الأحداث الأخرى ـ لفرند (Frend).

[31] Michael le Syrien, op. cit., (Syriac), p. 769.

[32] Evagrius II, 5 in PG. LXXXVI, 2509 C.

[33] A. H. Hore: Eighteen Centuries of Orthodox Greek Church, James Parker, 1899, p. 288.

[34] Frend, op. cit., p. 155.

[35] Zacharia, op. cit., I, p. 155.

وقد اتصل هذا الموظف بالبابا ديسقوروس محاولاً أن ينتزع توقيعه على تعريف الإيمان الخلقيدوني، كشرط لإعادته إلى كرسيه (انظر صفحة ). للإطلاع على رسالة مركيان انظر الوثيقة رقم 481 في (Coleman-Norton, op. cit.)

 

[36] كان تيموثاؤس قد رُسم قساً بيد البابا كيرلس، وكان يجل البابا ديسقوروس. وقد أطلقت عليه جماعة بروتيريوس لقب ’إيلوروس‘ الذي يعني ’قطة‘ للسخرية منه وذلك بسبب قصر قامته. انظر: (Zacharia, op. cit., I, pp. 169-170).

[37] لأن تيموثاؤس كان بالفعل معارضاً لبروتيريوس قبل ذلك.

[38] Zacharia, op. cit., I, p. 170.

[39] المرجع السابق صفحة 171.

[40] المرجع السابق صفحة 171.

[41] Evagrius, op. cit., bk. II, 8 in PG. LXXXVI, 2524-A.

ويذكر فرند أن يوم 28 مارس عام 457م الذي يوافق يوم خميس العهد كان هو يوم موت بروتيريوس، ولكن هذا لا يتفق مع عرض زكريا المؤرخ إذ بالنسبة لما ذكره لابد أن يكون تاريخ الوفاة بعد عيد القيامة. انظر (Frend, op. cit., and Zacharia, II, p. 170).

 

[42] تقع ثراكيا على الشاطئ الجنوبي الغربي للبحر الأسود، وكانت تعتبر منطقة حدودية للإمبراطورية، لذا كان يجب حمايتها على الدوام من غزو البربر. وكان ليو رئيس ربع في الجيش الذي يتمركز هناك.

[43] Evagrius, II, 8 in PG. LXXXVI, 2524-B – 2525-C.

[44] للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس انظر (Zacharia, op. cit., I, pp. 175-78)

[45] للإطلاع على نشرة الإمبراطور ليو انظر:

(Evagrius, in PG. LXXXVI, 2528-A – 2529-B)

وهذه النشرة هي الوثيقة رقم 495 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[46] Zacharia, op. cit., I, p. 178.

[47] سيدا هي المدينة الرئيسة في بامفيليا.

[48] إتخذ التقليد الخلقيدونى من استطلاع الرأي الذي قام به الإمبراطور ليو دليلاً على قبول الشرق المسيحي لمجمع خلقيدونية وتصديقه عليه، وهذا هو ما أشار إليه الإمبراطور جوستينيان فى خطابه إلى مجمع عام 553م. وفى أيامنا هذه، يتمسك كل من شارلز موللر (Charles Moeller) وكونيداريس (G. Konidaris) بنفس هذا الرأي. انظر:

(essay on Le Chalcedonisme et le neochalcedonisme … in Das Konzil von Chalkedon, and The Greek Orthodox Theological Review, vol. X, no. 2)

[49] عندما رأوا أن البابا تيموثاؤس يمكنه أن يواصل معارضته لخلقيدونية من غنغرا، تم نقله إلى مكان أكثر بعداً، حيث يقول زكريا أنه كان مكاناً يسكنه البربر. انظر (op. cit., I, 184)

[50] Zacharia, op. cit., I, p. 181.

[51] بريتوس (Berytus) هي نفسها بيروت (Beirut) في الأزمنة المعاصرة.

[52] Zacharia, op. cit.

[53] الكلمة تعني حرفياً غطاء الرأس المتأرجح (Wobble cap).

[54] Zacharia, op. cit., I, p. 183.

* البابا السابع والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

الجزء الأول: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

الجزء الثاني: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

6. تبرئة ثيؤدوريت وإيباس:

إن عدم الاتفاق الحقيقي على مجمع خلقيدونية بالنسبة للأمور التي يشدد عليها السكندريون، يرتبط بتعامل المجمع مع ثيؤدوريت وإيباس. وكانت القوتان المسيطرتان على المجمع (روما والقسطنطينية) وكذلك الفريق الأنطاكي يريدون فقط أن يثبتوا أن الحكم الذي أعلنه مجمع عام 449م ضد كل من ثيؤدوريت وإيباس كان ببساطة حكماً غير مسئولاً.

ولكن لم يشاركهم في هذه النظرة قسم كبير من الحاضرين في مجمع خلقيدونية، حيث كان هؤلاء المعارضون مقتنعين بأن هذين الرجلين هما في الحقيقة نسطوريين، وأنهما أُدينا بإنصاف، وأنه لا ينبغي أن يُسمح للفريق القوي في المجمع أن يصدر قراره بخصوصهما ما لم يقم الرجلين بإدانة نسطوريوس وتعليمه بوضوح.

 

(أ) قضية ثيؤدوريت أسقف قورش:

لقد تمت معالجة مسألة ثيؤدوريت في مجمع خلقيدونية على مرحلتين،[1] ففي يوم 8 أكتوبر وفور قراءة تفويض الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني في محاضر مجمع عام 449م، والذي يمنع فيه مشاركة ثيؤدوريت في ذلك المجمع، أدخل ممثلو الإمبراطور أسقف قورش إلى مجمع خلقيدونية،[2] متجاهلين إدانته بواسطة المجمع السابق ومتذرعين بأن ليو بابا روما كان قد أعاده إلى رتبة الأسقفية.[3]

وبمجرد دخول ثيؤدوريت إلى المجمع أعلن أساقفة مصر وإيليريكم وفلسطين عن اعتراضهم الشديد وصاحوا قائلين: “ارحمونا، إن الإيمان يتحطم! إن القوانين تطرده! اطردوا معلم نسطوريوس!”، وهنا رد الأساقفة في الجانب الآخر بأن الرجل الذي كان يجب أن يُطرد هو ديسقوروس. وفي وسط هذه الجلبة، تحرك أسقف قورش إلى وسط المجمع وقال أنه قد قدَّم التماسات إلى ’سادة العالم‘ وأنه يناشد تعطف المجمع لكي تتم قراءتها، ولم يؤتِ هذا الكلام بأية نتيجة واستمر الجانبان في صياحهما كل ضد الآخر.

وهتف المعارضون له قائلين: “إنه ليس أسقفاً، اطردوا محارب الله؛ اطردوا اليهودي”! وكان السكندريون يقاومون ثيؤدوريت على نفس المستوى الذي قاوم به الأنطاكيون البابا ديسقوروس. وبعد هذا المشهد الصاخب، حكم ممثلو الإمبراطور بأن يبقى ثيؤدوريت في المجمع بصفته مقدم التماساً.

وتعرض المجمع للمرة الثانية لمسألة ثيؤدوريت يوم 26 أكتوبر،[4] وبمجرد أن ذُكرت القضية، تجاهل الأساقفة تصرف البابا ليو معه وصاحوا: “إن ثيؤدوريت مازال محروماً”، فرد عليهم أسقف قورش بأنه كان قد قدَّم دعاوى (التماسات) إلى الإمبراطور وإلى مندوبي روما ويمكن أن تتم قراءتها إذا أراد الأساقفة، ولكن من الواجب أن نتذكر أن تلك الدعاوى لم تكن مُرسلة إلى المجمع.

وكان رد الأساقفة أنهم لا يريدون أن يقرأوا أي شيء، ولكن ما يريدونه منه هو أن يدين نسطوريوس، فأجابهم ثيؤدوريت: “لقد تربيت على أيدي الأرثوذكس، وتعلمت بواسطة الأرثوذكس،[5] وأنا أعظ وأبشر بالأرثوذوكسية؛ وأتجنب وأحسبه مخالفاً ليس فقط نسطوريوس وأوطيخا ولكن كل واحد ليس لديه الفكر الصحيح”، وهنا طالبه الأساقفة قائلين: “تكلم بصراحة ووضوح، وقل ليُحرم نسطوريوس وعقيدته، ليُحرم نسطوريوس وهؤلاء الذين يدافعون عنه”.

وعندئذ حاول ثيؤدوريت أن يقدِّم شرحاً لموقفه فقال: “الحق إني لا أقول إلاّ ما أعرف أنه يرضي الله. وفي البداية أريد أن أوضح أنني ما جئت إلى هنا لأنني أهتم بمدينتي أو أبحث عن رتبتي، ولكن بما إنني قد اتُهمت باطلاً لذلك أتيت لكي أوضح أنني أرثوذوكسي، وأنني أدين نسطوريوس وأوطيخا، وكل من يعترف بابنين”، وهنا تدخل الأساقفة وطالبوه ثانية بأن يحرم نسطوريوس وحسب، ومرة أخرى حاول أسقف قورش أن يدافع عن موقفه، فصاح الأساقفة: “إنه هرطوقي! إنه نسطوري! اخرجوا الهرطوقي”، وأمام هذا قال ثيؤدوريت مدفوعاً: “ليُحرم نسطوريوس، ليُحرم من لم يعترف أن القديسة مريم هي ’والدة الإله‘ (ثيؤتوكس)، ليُحرم من يقسم الابن الواحد الوحيد إلى ابنين.

لقد قمت بالفعل بالتوقيع على تعريف الإيمان وكذلك على طومس ليو، وفكري يتفق معهما”. وتُظهر عبارات ثيؤدوريت السابقة كيف كان حريصاً في موافقته على حرم نسطوريوس. ووجدت هذه الكلمات قبولاً لدى ممثلي الإمبراطور، وعلقوا عليها قائلين إن ثيؤدوريت قد حرم نسطوريوس وقبل طومس ليو ووقع على اعتراف الإيمان الخاص بالمجمع، فما هو حكم الأساقفة بخصوص الرجل، فأجاب الأساقفة “إن ثيؤدوريت يستحق الكرسي، لتدم الأرثوذكسية للكنيسة”. وبهذه الطريقة تمت إعادة ثيؤدوريت لشركة الكنيسة وكذلك إلى أسقفيته.[6]

وتدعونا قصة تبرئة ثيؤدوريت إلى التعليق بأن أسقف قورش لم يكن مقتنعاً بأنه أو بأن أي أحد من قادة التقليد الأنطاكي بما فيهم نسطوريوس كان لديه فكراً هرطوقياً. وكان ليو ومندوبو روما ـ الذين يزعمون أنهم قد حرموا نسطوريوس ـ يساندون ثيؤدوريت، بدون أن يوضحوا الأساس الذي بنوا عليه هذا التصرف.

ونحن في تعليقنا هذا، لا نعني أن ثيؤدوريت كان يجب عليه أن يحرم نسطوريوس أو اللاهوتيين الأنطاكيين أمثال ثيؤدور أسقف موبسويستا، وسوف نعرض وجهة نظرنا في هذه المسألة لاحقاً في هذه الدراسة، ولكن ما نريد أن نلاحظه هنا هو أن ليو بابا روما في إعلانه أن نسطوريوس هرطوقياً من ناحية، وفي تأييده لثيؤدوريت الذي كان حليفاً لنسطوريوس والذي لم يحرم نسطوريوس من الناحية الأخرى، كان يتمسك بمعيارين في الجدل الخريستولوجي الدائر. ويستطيع الناقدون لليو أن يروا وراء تصرفه هذا خطة مدبرة لإضعاف الثقة في مجمع أفسس عام 431م وكذلك في التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية.

ولم يشارك الأساقفة الشرقيون ليو في وجهة نظره، حيث طلبوا من ثيؤدوريت أن يعلن رفضه لنسطوريوس في تعبيرات واضحة، وذلك رغم أن التحالف بين روما والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية في ذلك الوقت قد جعلهم عاجزين عن التعبير عن وجهة نظرهم بصورة مؤثرة في المجمع. ووجهة نظر هؤلاء الأساقفة الشرقيين ـ وليست التي لبابا روما ـ هي التي سادت في الشرق في القرن السادس، وقد تم التصديق عليها واعتمادها بواسطة مجمع عام 553م،* حيث أعلن ذلك المجمع ـ الذي اعتُبر رسمياً أنه مجمع مسكوني حتى من قبل روما ـ أن كتابات ثيؤدوريت الهجومية ضد مجمع أفسس عام 431م وضد موقف ق. كيرلس اللاهوتي هي كتابات هرطوقية.

وبتبنيه لهذا القرار يكون مجمع عام 553م ـ ولو لم يقر بذلك ـ قد تتبع تاريخه العقائدي* من خلال هؤلاء الأساقفة الشرقيين وصولاً إلى مجمع أفسس الثاني عام 449م الذي كان قد حرم ثيؤدوريت على أساس أن كتاباته تلك تضمَّنت مخالفة للإيمان الذي ترسخ في مجمع عام 431م ثم صُدِّق عليه في صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

 

(ب) تبرئة إيباس أسقف الرها:

ويمكننا أيضاً من تسوية قضية إيباس، أن نتبين أن الفريق الأقوى في المجمع حاول بصورة واضحة أن يضعف الثقة في مجمع أفسس عام 431م. وقد تناول مجمع خلقيدونية قضية إيباس يوم 26 أكتوبر وتم اتخاذ القرار في اليوم التالي.

كان إيباس بالفعل شخصاً مثيراً للجدل، وهو رجل كنسي أنطاكي صاحب الوفد السرياني إلى مجمع أفسس عام 431م كراهب. ولكنه وعلى خلاف ثيؤدوريت قبل في ذلك الوقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م، وكتب رسالته إلى ماريس (Maris) أسقف أرداشير (Ardaschir) في بلاد فارس مقدماً تعليقه على مجمع أفسس وصيغة إعادة الوحدة من وجهة النظر الأنطاكية.

وكتب إيباس في رسالته هذه:[7] أنه كان هناك خلاف بين نسطوريوس وكيرلس، وقد تمسك نسطوريوس بأن العذراء الطوباوية لم تكن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ وبالتالي أعطى الانطباع بأنه يتبع بولس السموساطي.

ولكن كيرلس في محاولته أن يفند آراء نسطوريوس، وقع في هرطقة أبوليناريوس، فقد أكد على سبيل المثال أن الله الكلمة صار إنساناً بحيث لا يوجد فرق بين الهيكل والذي يسكن فيه، وقد بدا أنه يحاول أن يبرهن من خلال حرومه الإثني عشر أن طبيعة لاهوت ربنا وطبيعة ناسوته كانتا واحدة، وأنه بالنسبة للأقوال والأفعال ـ سواء التي قالها أو التي نسبها إليه الإنجيليون ـ فلا ينبغي أن يكون هناك أي تمييز بينها،* “وأنا متأكد إنك ستعرف مدى الشر في كل هذا”.

ويكمل إيباس كلامه قائلاً: وتعليم الكنيسة هو على العكس من ذلك، فالابن الواحد الرب يسوع المسيح، هو طبيعتين، وقدرة واحدة، وبروسوبون واحد. وقد اجتمع مجمع أفسس ليحكم بين موقفي نسطوريوس وكيرلس، ولكن الأخير اغتصب الرئاسة وقام بحرم الأول بوازع من العداوة الشخصية، وحتى قبل أن يصل يوحنا الأنطاكي وأساقفته إلى المجمع.

وبعد ذلك بيومين دخل الوفد القادم من الشرق إلى أفسس، وعلم أنه قد تم الاعتراف بأرثوذكسية حروم كيرلس الإثني عشر، فأدى ذلك إلى جدل كبير تم حله في النهاية بالتوصل إلى اتفاقية، فرب الكنيسة قد ألان قلب المصري (ق. كيرلس)، ولهذا وبدون مجهود كبير وافق أن يقبل الإيمان ويتخلى عن أولئك الذين ليس لهم نفس إيماننا.

وختم إيباس رسالته بإرشاد ماريس بأن يُعرِّف الذين يعتبرهم محبين للسلام بأن النزاع قد انتهى، وبأنه ينبغي على أولئك الذين رفعوا أنفسهم بتطرف فوق الأحياء والأموات[8] أن يخجلوا الآن من موقفهم السابق ويعتذروا عن حماقتهم؛ لأنه لا أحد الآن يتجرأ أن يقر بأن لاهوت وناسوت المسيح هما واحد، ولكنهم يعترفون بأن الهيكل والذي يسكن داخله هما ابن واحد يسوع المسيح.

ويُظهر لنا الملخص السابق أن إيباس كان رجلاً يشجب مجمع أفسس عام 431م، والموقف اللاهوتي لآباء الإسكندرية، وتعليم ق. كيرلس. وكان رجلاً مؤيداً لنسطوريوس، وبحسب كلمات تيكسورنت (Tixorent) كان إيباس أيضاً عدواً أكيداً لكيرلس وقد اتهم فكره اللاهوتي بالأبولينارية.[9] وتمثل رسالة إيباس نموذجاً لوجهة النظر الأنطاكية في صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وقد رأى الجانب الأنطاكي أن كاتب تلك الرسالة يعتبر سنداً قيماً للقضية، ولذلك تم تنصيبه على كرسي الرها عام 435م خلفاً للأسقف رابولا (Rabbula) الذي سبب لهم إخلاصه للفكر اللاهوتي الكيرلسي مشاكل كثيرة. وقد لاقى الموقف العقائدي للأسقف الجديد وكذلك سلوكه الشخصي في الأمور الكنسية، معارضة كبيرة على المستوى الكنسي الرسمي والشعبي في المنطقة.[10] وعلى الرغم من أن شكواهم ضده لم يُحكم فيها في بريتُس وصور،[11] فإن مجمع عام 449م قام بفحصها وحكم بعزل إيباس بتهمة الهرطقة وسوء الإدارة للممتلكات الكنسية.[12]

ونعود إلى خلقيدونية، فعندما شرع المجمع في تناول قضية إيباس،[13] تقدم الرجل وقال إنه قد حُرم بواسطة مجموعة من الأوطيخيين، ولكنه بالحقيقة أورثوذوكسي. وهنا سأل ممثلو الإمبراطور الأساقفة عن رأيهم، وفي هذا السياق ذُكرت الدعاوى التي كانت ضده في بريتُس وفي صور وكذلك رسالته إلى ماريس، ولكن محاكمته التي كانت في مجمع عام 449م لم تُؤخذ في الاعتبار.

وعندما انتهت القراءة أعطى مندوبو روما حكمهم قائلين أن الأدلة التي ضد إيباس لا تبرر مسألة حرمه ومن ثم يجب تبرئته، وهنا تكلم أناتوليوس وجوفينال وثالاسيوس معلنين موافقتهم على حكم مندوبي روما. وتستحق العبارة التي نطق بها جوفينال في تلك المناسبة أن نذكرها هنا كما أوردها هونيجمان (Honigman) حيث قال: “إن الكتب المقدسة تعلمنا أن نقبل المهتدون، ومن هنا نحن نقبل حتى الهراطقة السابقين. ولهذا السبب فأنا أيضاً أوافق معكم على تلك الرحمة (“محبة البشر”) التي قد مُنحت لهذا الأسقف الجليل إيباس، حيث سيأخذ كرامة الأسقفية مادام هو الآن أرثوذوكسياً”.[14]

وقبل أن يتم التوصل إلى القرار النهائي قال مندوبو روما: “نحن بقراءة الأوراق ندرك أن قرار الأساقفة[15] (السابق) بخصوص إيباس لم يكن قراراً مسئولاً. وبعد قراءة رسالته،[16] نعرف أنه أرثوذوكسي”.[17] وبعد ذلك عبَّر ستة عشر أسقفاً عن موافقتهم كل بصورة شخصية، كما هتف المجمع: “كلنا نوافق.

فقد حرم (إيباس) بالفعل نسطوريوس وأوطيخا”[18]، وهنا رد إيباس بأنه قد حرم نسطوريوس وتعليمه كتابةً، وبأنه كان يحرمه مليون مرة،[19] ثم أضاف إيباس قائلاً: ليُحرم نسطوريوس وأوطيخا، وكل من يعترف بطبيعة واحدة، وكذلك كل من لا يقبل تعليم (هذا) المجمع. وهنا تمت إعادة قبول إيباس من المجمع.

ونجد في مسألة تبرئة إيباس أيضاً، أنه كان هناك رأيين بين الحاضرين، فبينما رأى مندوبو روما ومؤيدوهم الشرقيون تبرئته على أساس أن الحكم الذي صدر ضده من مجمع عام 449م لم يكن حكماً مسئولاً، فإن بقية المجمع وافقوا على تبرئته لأنه أدان بالفعل نسطوريوس وأوطيخا. وكان هذا الرأي الأخير هو ما ساد في الجانب الخلقيدوني في الشرق  في القرن السادس، وهو أيضاً ما أكده مجمع عام 553م.

ويتضح من ذلك أنه بالنسبة لثيؤدوريت وإيباس فإن التقليد الخلقيدوني قد أزاح جانباً ـ وبطريقة لطيفة ـ الموقف الذي كان يسعى الطرف الأقوى في خلقيدونية لأن يثبته، كما أن القرار الذي أصدره مجمع عام 553م باعتبار خطاب إيباس إلى ماريس هرطوقياً، قد أكد حكم مجمع عام 449م وليس حكم مندوبي روما.[20]

 

7. بعض الملاحظات الختامية:

كانت أهم القرارات التي اتُخذت في خلقيدونية ـ من وجهة نظر دراستنا هذه ـ هي: (1) القرارات المتعلقة بالأشخاص، أي عزل البابا ديسقوروس من جهة وتبـــــرئة ثيـؤدوريت وإيبــــاس من جــهة أخرى؛ (2) الموافقة على طومس ليو كوثيقة للإيمان؛ (3) تبني تعريف (صيغة) للإيمان. ولكن لم يكن هناك بالفعل اتفاق حقيقي بين أعضاء المجمع بالنسبة لأي من تلك القرارات.

فعلى سبيل المثال، تم عزل البابا ديسقوروس بواسطة فريق من الحاضرين، ثم اضطُر بقية المجمع لقبول القرار بشيء من الصعوبة. وبالنسبة إلى كل من ثيؤدوريت وإيباس، فبالرغم من أن الفريق الأقوى في المجمع سعى لإثبات أنهما لم يكونا مستحقين لأية عقوبة، فإن الأساقفة الآخرون أصروا على أنهما كانا في الحقيقة هرطوقيين، وأنه يمكن قبولهما فقط إذا قاما بحرم نسطوريوس بعبارات واضحة لا تُخطَئ.

أما طومس ليو، فقد حاولت القوى المسيطرة على المجمع أن تعلنه المقياس العقائدي للكنيسة، ولكن كثير من الأساقفة الشرقيين قبلوه فقط كتنازل من أجل الوفاق. وأيضاً بالنسبة لتعريف الإيمان الذي تبناه المجمع، فقد تمت كتابته بحيث يمكن للرجال الذين ينتمون للتقاليد المختلفة في الكنيسة أن يفسروه كل بحسب طريقته الخاصة.

وحتى بالنسبة لتأييد المجمع للتقليد المبكر للكنيسة، لم يكن هناك أيضاً اتفاق حقيقي بين الأعضاء. فبينما أقرت القوى المسيطرة على المجمع، بسلطة مجمع أفسس عام 431م بحسب مفهوم الجانب الأنطاكي فقط، فإن بقية المجمع أصرت على القبول المطلق غير المشروط لمجمع عام 431م ولقراراته بكاملها.

ومن وجهة النظر السكندرية، كان الموقف الذي اتخذه الجانب المنتصر في المجمع يشكل تعدياً على التقليد الثابت للكنيسة، حيث إنه يخالف بنود الاتفاق الذي تم بين ق. كيرلس السكندري والبابا يوحنا الأنطاكي قبل صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وعلى الرغم من أن الموالين للجانب السكندري لم يتمكنوا من توضيح وجهة نظرهم بصورة فعالة، بل واضطُروا حتى إلى الاستسلام إلى الجانب القوي ـ الذي استطاع أن يستخدم أوطيخا كورقة رابحة ـ إلاّ أن موقفهم كان له تأثير كبير في الشرق، وهذا ما تأكد بعد انتهاء المجمع.

وينبغي على أي تقييم لمجمع خلقيدونية أن ينتبه بشكل كافٍ لحقيقة أن الأمر الفعلي الذي تسبب في انقسام الشرق عملياً إلى معسكرين منذ صيغة إعادة الوحدة عام 433م، لم يكن هو أوطيخا أو فلافيان، ولكنه كان التفسير المختلف تماماً لمجمع عام 431م نفسه، فالرجلان لم يكونا سوى كبشي فداء، وضع المعارضون لكل واحد منهما الاتهامات على الشخص الذي يخالفهم، وحاولوا أن يجهزوا عليه كتعبير عن رفضهم للفريق الذي ينتمي إليه ذلك الشخص.

وكانت القوى المسيطرة على المجمع ـ وهي بالتحديد روما من جهة والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية من جهة أخرى ـ قد استخدمت مجمع خلقيدونية لتحقيق خططها الخاصة، فروما كانت تريد أن تؤكد زعمها في السيادة الشاملة على الكنيسة، أما السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية فكانت تحاول أن تجمع الكنيسة كلها في الشرق تحت سلطة كرسي القسطنطينية.

ولم يكن لدى أي من هاتين القوتين الصبر من أجل فحص المشكلة التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت بصورة موضوعية و تقديم الحل الذي يرضي جميع الأطراف، ولعل ذلك الأمر كان مستحيلاً من الوجهة البشرية. وعلى أية حال، فإن الجماعات الكثيرة التي كانت تتبع التقليد السكندري في الشرق، استمرت متمسكة بموقفها بصورة شديدة، وتحدت سلطة المجمع متخذة موقفها بثبات على أساس الفهم السكندري لمجمع أفسس عام 431م.

 

[1] للاطلاع على تقييم إيجابي لثيؤدوريت انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., vol. III). وكان ثيؤدوريت لاهوتي مشبع بالفكر الأنطاكي، وكان يؤمن أن نسطوريوس لم يكن يستحق الإدانة، وكان قد رفض التوقيع على الحكم الصادر ضد الرجل إلى أن أُجبر على ذلك يوم 26 أكتوبر. وقد أبعد نفسه حتى عن قبول إعادة الوحدة عام 433م، ولكنه قبلها بعد ذلك في عام 435م، واستمر في صحبة يوحنا الأنطاكي صانعاً سلاماً غير مستقر مع ق. كيرلس.

وفي وقت التوتر الذي حدث بين الجانبين السكندري والأنطاكي بعد إعادة الوحدة، لعب دوراً فعالاً في جانب الأخير. وبعد موت يوحنا عام 441م، صار هو القائد الفعلي للفريق الأنطاكي، ومن ثم جعل نفسه مبغضاً في عيون السكندريين بسبب أفعاله وبسبب كتاباته. ولهذا تزايدت الشكاوى ضده، وأمره الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني أن يبقى ملتزماً بكرسيه. وبعد ذلك بوقت قصير تمت إدانته من قبل مجمع عام 449م. للاطلاع على الإجراءات التي اتُخذت ضده في ذلك المجمع، انظر:

Akten der Ephesenischen Synode Jahre 449, ed. Johannes Fleming, Berlin, 1917 (Syriac), pp. 84 – 112.

وعلى الفور تقدم بدعوى لليو بابا روما ورتب قضية مشتركة معه، وبعد موت الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني تقدم بالتماس للأباطرة الجدد.

[2] ACO. II, i, pp. 69-70: 25-46.

[3] المرجع السابق صفحة 69: 26.

[4] للاطلاع على وقائع تبرئة ثيؤدوريت انظر ACO. II, i, pp. 368f: 4-25.

[5] من الواضح أن ثيؤدوريت كان يشير إلى رجال مثل ثيؤدور المبسويستي الذين كانوا قد شرحوا الإيمان في التقليد الأنطاكي، ولكن السكندريون كانوا يعتبرونهم هراطقة.

[6] وبعد إعادة (تبرئة) ثيؤدوريت، صوَّت المجمع من أجل تبرئة ثلاثة رجال هم صفرونيوس أسقف قنسطنطينا ويوحنا أسقف جرمانيكيا وأمفيلوخيوس أسقف سيدا. وآخر هؤلاء الرجال مشار إليه في صفحة . وقد طلب المجمع من يوحنا أسقف جرمانيكيا أن يدين نسطوريوس بالتحديد لكي يتم تبرئته. ومع ذلك كان يوحنا هذا رجلاً له دور قيادي بارز في المجمع خلال جلساته الأولى وبالأخص في اجتماع يوم 13 أكتوبر.

وكان واحداً من الرجال الذين أرسلهم المجمع لاستدعاء البابا ديسقوروس في ذلك اليوم. (انظر صفحة ) وفي يوم 22 أكتوبر، عارض يوحنا تبني مسودة التعريف الذي وضعه الأساقفة. (انظر صفحة ) وقد أعطى المشورة لممثلي الإمبراطور (انظر صفحة ).

* هذا المجمع هو الملقب بالمجمع المسكوني الخامس عند الخلقيدونيين، وقد انعقد في القسطنطينية عام 553م.

* أي تتبع الجذور التاريخية العقائدية لهذا القرار

[7] الرسالة في أصلها السرياني موجودة في (Johannes Fleming, op. cit., pp. 48-50). للاطلاع على النسخة اليونانية التي تم تقديمها في مجمع عام 451م انظر:

ACO. II, i, pp. 391-93: 138.

* كان ق. كيرلس يطالب بألا يكون بين هذه الأقوال والأفعال أي تمييز في كون بعضها إلهي وبعضها بشري لأن الذي قال أو فعل هو المسيح الواحد.

[8] من الواضح أن إيباس كان يشير هنا إلى قادة التقليد اللاهوتي الأنطاكي أمثال ثيؤدور أسقف مبسويستا.

[9] History of Dogma, op. cit., p. 52.

[10] بالرغم من أن الرها كانت جزءاً من سوريا، إلا إنها كانت تعارض بشدة التقليد اللاهوتي الأنطاكي، وكانت تؤيد التقليد السكندري.

[11] للإطلاع على مناقشة حول الإجراءات التي تمت ضد إيباس انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 49f).

[12] يحتوي كتاب (Johannes Fleming, op. cit., pp. 12-68) على محاضر مجمع عام 449م مع إشارة إلى بحث قضية إيباس. وقد قرأ هذا المجمع تقريراً عن التحقيقات السابقة كما قرأ خطاب إيباس إلى ماريس. وقد وقَّع واحد وعشرون أسقفاً بما فيهم ديسقورس وجوفينال وثالاسيوس وستيفن أسقف أفسس، مقرين بأن إيباس يستحق الحرم. وهنا قال الأساقفة: “نحن جميعاً نوافق على القرار. نحن جميعاً نستبعد مقاوم الله بالإجماع”. (المرجع السابق، صفحة 68).

[13] للإطلاع على الإجراءات في مجمع خلقيدونية انظر (ACO. II, i, pp. 372-401)

[14] Honigman, Juvenal of Jerusalem, op. cit., pp. 246-247.

[15] الإشارة هنا إلى مجمع أفسس الثاني عام 449م.

[16] ذكر هنا خطاب إيباس إلى ماريس.

[17] ACO. II, i, pp. 69-70: 25-46.

وكانت وجهة نظر مندوبي روما أنه بالرغم من الخطاب، فإن كاتبه كان أرثوذكسياً ولا يمكن أن يكون قد كُتب ـ في السياق العام للقرن الخامس ـ بعيداً عن التوجه الإيجابي تجاه مجمع عام 431م والفكر اللاهوتي لكيرلس السكندري.

[18] المرجع السابق صفحة 399: 179.

[19] المرجع السابق صفحة 399: 180.

[20] عندما انتهت قراءة الخطاب في مجمع أفسس عام 449م، هتف المجمع: “هذه الأشياء تلوث السمع. وهى تلائم الوثنيين،…”. انظر (J. Fleming, op. cit., p. 52). أما في خلقيدونية، فقد عبر مندوبو روما عن وجهة نظرهم بأنه بالرغم من كتابة الخطاب محل التساؤل، فإن إيباس كان أرثوذكسياً. وقد أعلن مجمع عام 553م بطريقة لا لبس فيها بأن الخطاب كان هرطوقياً، وأن أى شخص يدافع عنه سواء جزئياً أو كلياً فيجب إدانته. (انظر حروم المجمع: 14).

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

الجزء الأول: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

الجزء الثالث: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

5. المجمع يتبنى صيغة للإيمان:

وبعد نجاح السياسة الإمبراطورية في انتزاع موافقة المجمع على طومس ليو، كانت هناك خطة أخرى أيضاً لدى الإمبراطورين (ماركيان وبولخريا) لكي يجعلا المجمع يقر صيغة عقائدية يتم بواسطتها توحيد الكنيسة في الشرق تحت القيادة العليا لكرسي القسطنطينية. ورغم أنه في 10 أكتوبر كان الأساقفة مجمعين عملياً على معارضة فكرة صياغة تعريف (جديد) للإيمان، لكن ممثلو الإمبراطور أصروا على ذلك، ولهذا حضر الأساقفة الشرقيون في جلسة يوم 22 أكتوبر ومعهم مسودة صياغة لإقرارها من المجمع.

(أ) توتر الموقف:

وبمجرد أن بدأ الاجتماع (22 أكتوبر)، حتى شرع الشماس أسكلبيادس (Asclepiades) في قراءة مسودة تعريف الإيمان (التي أحضرها الأساقفة الشرقيون)، وحيث إن هذه الوثيقة غير موجودة الآن فلا نستطيع أن نتحقق من محتوياتها على وجه الدقة، ولكن على الرغم من ذلك يمكننا من خلال الجدال الذي دار بعد قراءتها أن نستنتج:

أنها لم تكن تحتوي على عبارة الأنطاكيين “طبيعتين بعد الإتحاد” ولا على عبارة “في طبيعتين” التي في طومس ليو، ولكنها كانت تحتوي فقط على عبارة البابا ديسقوروس “من طبيعتين”؛ كما إنها لم تستخدم كذلك مصطلح ’ثيؤطوكس‘ في الإشارة إلى العذراء مريم؛ ومن الواضح أيضاً أن الأساقفة الذين أقروا تعريف الإيمان الثاني أوضحوا أنهم كانوا يريدون أن يستقروا على الأول.

وعندما انتهت قراءة المسودة، اعترض يوحنا أسقف جرمانيكيا (Germanicia) على إقرارها،[1] وهنا تقدم أناتوليوس محاولاً أن يدفع الموضوع وسأل المجمع قائلاً: “هل هذا التعريف يرضيكم؟”، وفي الحال رد الأساقفة باستثناء مندوبي روما وبعض الشرقيين بأنه تعريف مقبول، وأنهم يريدون إقراره،[2] وسأل أناتوليوس ثانية: “هل هذا التعريف أرضاكم جميعاً بالأمس؟”، فرد عليه الأساقفة بالإيجاب الشديد، وأضافوا أنه ينبغي إقرار مسودة الصيغة بدون أي حذف، ولكن مع إدخال مصطلح ’ثيؤطوكس‘ في الإشارة إلى العذراء مريم.[3]

وأحس مندوبو روما بخيبة أمل شديدة، فوجهوا كلامهم إلى ممثلو الإمبراطور قائلين: “إذا كانوا لا يتفقون مع الرجل الرسولي، كلي الطوبى رئيس الأساقفة ليو، فاسمح لنا أن نقدِّم استقالتنا رسمياً لكي نعود (إلى بلادنا) ويكتمل المجمع”.[4]

وكان هذا بالفعل تهديداً لم يكن ممثلو الإمبراطور يسمحون بحدوثه دون تدخل، فاقترحوا تعيين لجنة تقوم بوضع صياغةٍ ثانيةٍ، ولكن المجمع لم يذعن لهذا الاقتراح وهتف قائلاً: “إن تعريف الإيمان هذا قد أرضى كل واحد، وهذه الكلمات هي إلى الإمبراطور، هذا هو تعريف الأرثوذكس”.[5] وعندئذ صعد يوحنا أسقف جرمانيكيا إلى ممثلي الإمبراطور ليحدثهم حديثاً خاصاً، وهنا فقد المجمع طول أناته وهو يرى هذا المشهد وعبَّر الأساقفة بحرية عن معارضتهم الشديدة لنسطوريوس، الذي يعتقدون أن يوحنا كان يؤيده.[6]

وبدأ ممثلو الإمبراطور يجادلون الأساقفة قائلين: “لقد قال ديسقوروس أنه تم عزل فلافيان لأنه كان قد أقر بطبيعتين؛ وتعريف الإيمان هذا يتضمن عبارة ’من طبيعتين‘ (التي قالها ديسقوروس)”،[7] وهنا كانت لدى أناتوليوس إجابة سريعة حيث قال لهم إن ديسقوروس لم يُحرم بسبب أمر يتعلق بالإيمان، ولذلك فليس من الخطأ في شيء أن نحتفظ بالموقف الذي أكده هو![8]

وجادل ممثلو الإمبراطور ثانية قائلين: “ألم تقبلوا رسالة رئيس الأساقفة ليو؟”، فأجابهم الأساقفة: “نعم، لقد قبلناها وصدَّقنا عليها”، فاستمر ممثلو الإمبراطور: “ولكن ما كانت تحتويه ليس موجوداً في هذا التعريف الحالي”. ورغم أن هذه النقطة كانت منطقية تماماً، إلاّ إن الأساقفة لم يكونوا يريدون أن يستسلموا (ويقوموا بصياغة تعريف ثانٍ)، فصاحوا قائلين: “لا ينبغي صياغة تعريف آخر، لن يتخلى أحد عن هذا التعريف”، وأضاف الأساقفة بعنف بما فيهم يوسابيوس أسقف دوريليم ألد أعداء البابا ديسقوروس: “لن يتم عمل تعريف آخر”.

وقام الأساقفة بالإجابة على النقطة التي أثارها ممثلو الإمبراطور فقالوا” لقد أكد التعريف على الرسالة (التي لبابا روما). إن رئيس الأساقفة ليو  يؤمن كما نؤمن نحن. لنوقع على تعريف الإيمان؛ هذا التعريف هو للجميع. لقد أقر ليو  بتعليم كيرلس؛ إن كولستين (Coelestine) وكيرلس قد أكدا الإيمان؛ زيستوس (Xystus) وكيرلس قد أكدا الإيمان.

معمودية واحدة، رب واحد، إيمان واحد. أزيلوا ما يشوب هذا التعريف”.[9] وكانت النقطة التي أكدها الأساقفة هنا في غاية الوضوح، فقد كانت مسودة تعريف الإيمان تتضمن أن طومس ليو  هو وثيقة مقبولة، ولذلك كانوا يتوقعون من ليو  نفس التصرف بإقراره أرثوذوكسية وثيقتهم، وكان هذا يعني بالتأكيد أن الأساقفة الشرقيين لم يقبلوا الطومس كمقياسهم العقائدي.

وهنا وبالاعتماد على قوة التفويض الإمبراطوري، حاول ممثلو الإمبراطور إقناع الأساقفة بالموافقة على تعيين لجنة لإعداد صيغة تعريف جديد للإيمان غير التعريف الأول، ولكن لم تأتِ هذه المحاولة بنتائجها المرجوة، حيث صاح الأساقفة: “ليعش الإمبراطور لسنين عديدة، فإما أن يُقبل هذا التعريف، أو أننا سنرحل”.

وقد وجَّه سِسروبيوس (Cecropius) أسقف سيباستوبوليس ـ وهو أحد الرجال الذين ذهبوا في المرة الثانية لاستدعاء البابا ديسقوروس يوم 13 أكتوبر ـ هذا التهديد بحدة شديدة قائلاً: “نحن نعتقد أنه تعريف مناسب، ونحن قد قرأنا التعريف، فأولئك الذين يعارضونه ولا يستطيعون أن يوقِّعوا عليه يمكنهم الرحيل. نحن نتفق أنه قد كُتب بدقة، ولا يوجد أحد بيننا لديه أي شكوك من جهته”.[10] وعبَّر أساقفة إيليريكم أيضاً عن وجهة نظرهم بحرية وصاحوا: “إن أولئك المعارضين هم مكشوفون؛ إنهم نساطرة. فلندعهم يمضون في طريقهم إلى روما”.[11]

ومن المحيِّر أن نجد ممثلو الإمبراطور ـ الرجال العلمانيين الذين بحسب رأي الأساقفة يوم 13 أكتوبر، لم يكن من المطلوب وجودهم أثناء سماع قضية البطريرك ديسقوروس[12] ـ يبذلون هنا قصارى جهدهم، فقد أشاروا إلى أن البابا ديسقوروس قال أنه يقبل ’من طبيعتين‘ ولكنه لم يعترف بـ ’طبيعتين‘، وقد أكد ليو أن طبيعتين قد اتحدتا بغير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال في المسيح ربنا الابن الوحيد، فأي منهما تتبعونه: القديس ليو أم ديسقوروس؟.

وكان هذا السؤال غير متوقع بالمرة، ولم يكن الأساقفة مستعدين له تماماً. وهنا لم يصبح الأمر أمام الأساقفة هو الاختيار بين ’من طبيعتين‘ أو ’في طبيعتين‘، ولكن بين البابا ديسقوروس الذي تم التصديق بالفعل على إدانته وليو  بابا روما الذي أعلنوا رسالته كوثيقة للإيمان. وعندما وُضع السؤال على هذا النحو، كانت الإجابة المباشرة التي أقروها هي: “نحن نؤمن كما يؤمن ليو، وأولئك المعارضون هم أوطيخيون. إن ليو قد حفظ الأرثوذوكسية”.[13]

 

(ب) الأساقفة يصلون إلى اتفاق:

كان خضوع الأساقفة بالفعل أمراً مفاجئاً وغير متوقع، وهذا ما دعا هيفلي (Hefele) لأن يتخيل أن هناك جزء مبتور في محاضر الجلسات.[14] ورغم أن هذه الحادثة يمكن تفسيرها ـ في رأينا ـ بدون الالتجاء لمثل هذا التخمين، إلاّ إنها تدعو في وجهة نظرنا إلى تعليق أهم من ذلك بكثير.

فالعبارة التي نطق بها ممثلو الإمبراطور والتي انتزعت تنازل الأساقفة، كانت تتضمن مفهوم أن البابا ديسقوروس قد عارض تأكيد اتحاد الطبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال، وهذا في الحقيقة يعد تحريف وتشويه غير مبرر، لأنه في يوم 8 أكتوبر ـ وبالتحديد قبل خمسة عشر يوماً من كلامهم هذا ـ قال البابا ديسقوروس بوضوح لا لبس فيه أنه هناك اتحاد للطبيعتين، وأن هذا الاتحاد لم يُحدث اختلاطاً، ولا تغييراً، ولا انفصالاً، ولا امتزاجاً.[15]

وقد كان البابا ديسقوروس هو أول من أقر بهذا في خلقيدونية، وبالتالي كان أسبق في تأكيده لهذه الكلمات الأربعة من تعريف الإيمان الخلقيدوني نفسه.

وبعد أن أعطى الأساقفة موافقتهم، طلب ممثلو الإمبراطور منهم أن يصيغوا تعريفاً جديداً، على أن يحافظوا فيه على “تأكيد الأب الأقدس ليو  بأن هناك اتحاداً للطبيعتين في المسيح بدون تغيير أو انفصال أو اختلاط”.[16] وهنا ذهب ممثلو الإمبراطور مع أناتوليوس وخمسة عشر رجلاً آخرين إلى المصلى الخاص لكنيسة ق. أوفيمية ووضعوا صيغة جديدة، وقُرئت تلك الصيغة على المجمع وتمت الموافقة عليها، وكان هذا هو تعريف الإيمان الخلقيدوني.

(ج) بعض التعليقات:

إن هناك شيء ما جعل تعريف الإيمان الخلقيدوني يتبنى عبارة ’في طبيعتين‘ بدلاً من عبارة ’من طبيعتين‘ التي كانت في مسودة الأساقفة، وحيث إنه لم تكن هناك مناقشات في المجمع ـ من خلال المحاضر ـ حول عبارة ’في طبيعتين‘، فلا سبيل لدينا لمعرفة السبب وراء موافقة الأساقفة على هذه العبارة بدلاً من عبارة ’من طبيعتين‘.

ويرى النقاد الشرقيون للمجمع أن في ذلك خيانة لمعيار (أو تقليد) الإيمان الراسخ،[17] وأمام هذا الاعتراض يحاول المؤيدون للمجمع أن يزعموا أن العبارتين تعنيان نفس الفكرة.[18] ولو كان هذا الكلام صحيحاً، أي أنه لو لم يكن هناك فرق حقيقي بين عبارة البابا ديسقوروس ’من طبيعتين‘ وعبارة المجمع ’في طبيعتين‘، ومع قليل من الصبر من جانب الفريق المنتصر، كان من الممكن تجنب حدوث الانقسام.

ومن المثير حقاً أن الأساس الذي تمت عليه إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أنه رفض إقرار عبارة ’في طبيعتين‘ أو أنه أصر على عبارة ’من طبيعتين‘. كما أن ممثلي الإمبراطور لم يعتبروا الموقف الذي يتمسك به البابا ديسقوروس موقفاً هرطوقياً، ولكن ما فعلوه هو أنهم أخبروا الأساقفة أن ما يشددون عليه (في مسودتهم) هو نفس ما كان البابا ديسقوروس ـ الذي تخلوا عنه ـ يتمسك به على الدوام.

وهكذا وبدون أن ينسبوا هرطقة للبابا ديسقوروس، نجح ممثلو الإمبراطور بطريقة بارعة في أن يفوزوا بالنقطة التي كانت السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية في ذلك الوقت ترغب في أن تحفظها دفاعاً عن بابا روما.

وسوف نولي تعريف الإيمان الخلقيدوني الاهتمام المناسب فيما بعد، لكن ما يهمنا أن نلاحظه في السياق الحالي هو أن الإمبراطورين (ماركيان وبولخريا) كانا يريدان بالفعل أن تكون هناك صيغة للإيمان تخرج من المجمع وكان هدفهما أن تكون الكنيسة كلها في الشرق تحت قيادة القسطنطينية.

ومن هذا المنطلق كانا حريصين أن تكون هناك لجنة تضم أعضاءً من مختلف التقاليد الموجودة في الكنيسة لكي تقوم بإعداد الوثيقة التي يتبناها المجمع. وقد تبدو هذه الفكرة العاطفية جديرة بالإطراء، ولكن الإمبراطوران كانا في الحقيقة ضد الإسكندرية وضد ق. كيرلس، وكانا بلا شك حريصين على أن يُسقطا الإسكندرية من السيادة التي تتمتع بها في الشرق وأن يضعا القسطنطينية مكانها، أضف إلى هذا حقيقة أن المجمع كانت تسيطر عليه قوى لم تكن على وفاق مع تعاليم آباء الإسكندرية.

ولكن في نفس الوقت، كان للتقليد السكندري وبخاصة ق. كيرلس تأييد كبير في الشرق، وكان هناك رجال ضمن اللجنة المجمعية التي صاغت تعريف الإيمان متمسكين بهذا التقليد، وقد نجح هؤلاء الرجال في أن يدخلوا بعض التأكيدات القليلة النابعة من تقليدهم داخل تعريف الإيمان الخلقيدوني، وقد سمح هذا الأمر للاهوتيين الخلقيدونيين في القرن السادس في الشرق أن يتبنوا موقفاً عقائدياً معارضاً للنسطورية على نفس مستوى موقف غير الخلقيدونيين المعارضين للمجمع.

وقد زعم تعريف الإيمان الخلقيدوني تواصله مع التقليد الثابت المبكر للكنيسة، وبالأخص مع مجمع أفسس عام 431م. وكان كل من المجمع المكاني عام 448م ومجمع أفسس الثاني عام 449م قد زعم نفس التواصل أيضاً ولكن كل منهما بمفهومه الخاص، ولذلك فالسؤال الهام يتعلق بالمفهوم الذي على أساسه يُقال عن خلقيدونية أنه متواصل مع مجمع عام 431م.

ومن الواضح أن مندوبي روما، وممثلي الإمبراطور، والرجال المنتمين للتقليد الأنطاكي، كانوا كلهم متمسكين فقط بالفهم الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م، وكان تحالفهم قوياً لدرجة أن السكندريين لم يتمكنوا من عرض وجهة نظرهم بأي طريقة مؤثرة. ولهذا تم وضع تعريف الإيمان ليكون غامضاً مبهماً عن عمدٍ، لكي يمكن للرجال ذوي التقاليد المختلفة أن يؤيدوه، كما لم يشيروا فيه كذلك لأي مدلول متفق عليه.

وهذه المرونة التي أظهرها تعريف الإيمان الخلقيدوني، كانت أيضاً في نفس الوقت نقطة ضعفه الواضحة. فقد كان هناك رجال في الشرق متأصلين في تعليم آباء الإسكندرية، وهؤلاء وجدوا هذا التعريف غير كافٍ ليصون تراث الكنيسة العقائدي، كما رأوا أيضاً أن تعامل المجمع مع الأشخاص ـ أي إدانة البابا ديسقوروس من ناحية، وتبرئة ثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها من الناحية الأخرى ـ من المتعذر تبريره، ولهذا عارض هؤلاء الرجال مجمع خلقيدونية بتصميم وثبات لا تثنيه أي قوة على الأرض.

 

[1] المرجع السابق صفحة 319: 4. قال يوحنا أسقف جرمانيكيا: “لم يوضع التعريف بشكل جيد ويحتاج أن يكون صحيحاً”. لمراجعة تعليقنا على يوحنا انظر صفحة  المرجع رقم .

[2] المرجع السابق صفحة 319: 6. صاح الأساقفة: ” التعريف يستوفي كل شيء؛ هذا هو إيمان الآباء. ومن لديه فكر آخر فهو هرطوقي، وإذا فكر أي شخص على نحو مختلف فليكن محروماً (أناثيما). ليُطرد النساطرة. هذا التعريف يستوفي كل شيء. ومن لا يدين نسطوريوس فليطرد من هذا المجمع.”

[3] المرجع السابق صفحة 319: 7-8. يبدو أن الأساقفة الذين وقعوا على الطومس كانوا قد اجتمعوا في اليوم السابق على هذه الجلسة، حيث قاموا بإعداد المسودة عازمين على الضغط على المجمع للتصديق عليها في اليوم التالي.

[4] لقد وضحت هنا وجهة نظر روما في النزاع الدائر، فالأمر ليس أن المجمع ينبغي عليه أن يقوم بصياغة الإيمان في ضوء التقليد الراسخ، ولكنه يتعين عليه أن يتبنى وجهة النظر اللاهوتية التي قالها البابا سواء كانت تتفق مع التقليد أو لا.

[5] المرجع السابق صفحة 319: 11. كان موضوع تعيين لجنة (تقوم بصياغة ثانية) هي من اقتراح الأباطرة.

[6] المرجع السابق صفحة 319: 12. صرخ الأساقفة: “فليُطرد النساطرة، فليُطرد المحاربون ضد الله. التعريف الذي وضع بالأمس يرضي كل واحد. الإمبراطور أرثوذكسي والإمبراطورة أرثوذكسية وقد قامت الإمبراطورة بإبعاد نسطوريوس. وممثلو الإمبراطور هم أيضاً أرثوذكس. فلتحيا الإمبراطورة، وليحيا الإمبراطور وليحيا ممثلو الإمبراطور. نحن نريد أن نوقع على التعريف وهو فوق البشائر (الإنجيل). هذا التعريف يرضي كل واحد. فلتأمروا بتوقيع هذا التعريف. ويجب ألا يُسمح بأي حذف في هذا التعريف.

ومن لا يوقع على هذا التعريف فهو هرطوقي. والقديسة مريم هي والدة الإله (ثيؤطوكس)، ومن لا يفكر على هذا النحو فهو هرطوقي… الروح القدس هو الذي أملى هذا التعريف، ومن لا يوقع عليه فهو هرطوقي. مريم هي والدة الإله (ثيؤطوكس)؛ فليوضع هذا فى التعريف. وليُطرد النساطرة. المسيح هو الله.”

[7] كانت حجة ممثلي الإمبراطور هي، أنه بينما كان ديسقوروس يعارض عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد”، كان يصر على “من طبيعتين “. وكانت مسودة الأساقفة تحتوي فقط على “من طبيعتين”، ولذلك فإن عزل ديسقوروس كان غير مبرر.

[8] انظر صفحة . للإطلاع على العبارة الكاملة انظر صفحة المرجع رقم .

[9] ACO. II, i, p. 320: 20.

[10] المرجع السابق صفحة 321: 24.

[11] المرجع السابق صفحة 321: 25.

[12] انظر صفحة المرجع رقم .

[13] ACO. II, i, p. 321: 26.

[14] A History of the Councils…, op. cit., p. 345.

الواضح من العرض المذكور في المحاضر أن أساقفة الشرق كانوا يعرفون فقط فن الصياح، ولكن ليس فن التفكير الواضح، أو الدفاع عن الفكرة بحجج سليمة.

[15] انظر صفحة .

[16] ACO. II, i, p. 321: 28.

يجب أن نتذكر أنه بالنسبة للبابا ديسقوروس، فإن إتحاد الطبيعتين لم يكن فقط بدون تغير أو انقسام أو اختلاط ولكنه أيضاً بدون امتزاج .

[17] كان هذا هو الأساس الذي بنى عليه البابا ديسقوروس رفضه لعبارة “طبيعتين بعد الإتحاد”. انظر صفحة .

[18] كانت هذه الحجة قد وُضعت في الأزمنة القديمة بواسطة إفاجريوس (Evagrius)، وفي الوقت المعاصر يذكرها بول جاتييه (Paul Galtier) في مقاله المنشور في:

(Des Konzil von Chalkedon)

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

Exit mobile version