فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

الثالوث وحياة الصلاة:

إننا عندما نتوجه إلى الله فيجب أن نضع في ذهننا أن الله الذي نتكلم إليه هو الآب والإبن والروح القدس. فإذا صلينا “يا أبانا” فنحن هنا نصلي إلى الآب بكلمته وروحه. أن الآب الذي نصلي إليه هو الله الذي له تاريخ معنا، الله الذي تعامل معنا وتعاملنا معه. الله الذي خلقنا ووهبنا نعمته وعرّفنا الخير من الشر، وأوصانا لنسير ونسلك في طريق الكمال، ولكن نحن عصينا الله وخالفنا وصاياه، وكان لابد أن نُعاقب ولكن في رحمته وفي حبه لنا بذل إبنه الحبيب من أجل غفران خطايانا وتجسد السيد المسيح وصلب وتألم ومات وقام لكي يعود بنا إلى حالتنا الأولى التي كُنا عليها قبل السقوط. (عندما نصلي) يجب أن نضع أمامنا تاريخ الخلاص الذي دبره الله. أي أننا يجب أن نصلي في الثالوث. ولو رجعنا إلى الصلاة الربانية التي علمها لنا السيد المسيح لرأينا أنها صلاة خلاصية وتشير إلى فاعلية الأقانيم الثلاثة في حياتنا.

فعندما نقول “أبانا الذي في السموات” فنحن هنا لا نخاطب الله كمجرد خالق ولكننا نخاطبه كأب ونحن في وضع الأبناء. إن لفظ “خالق” لا يتضمن البنوة. فنحن نقول الله “خالق العالم”، لكننا لا نقول الله أبو العالم وإذن فهنا وضع متميز لنا يضعنا فوق المخلوقات. ولفظ الآب أيضًا يذكرنا، بأننا حصلنا على امتياز لم يكن لدينا في حالة الخطية، فقد كنا في وضع العبيد، وأما الآن فنحن في وضع الأبناء. إذن نتذكر كيف حرَّرنا الآب من العبودية ووهبنا مرتبة البنوة. وهذا ما شهد به الرسول بولس في قوله: ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله إبنه مولودًا من إمرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب. إذن لستَ بعدُ عبدًا بل إبنًا، وان كنت إبنًا فوارثٌ لله بالمسيح” (غلا4:4ـ7).

ونحن نلاحظ في هذه الآية (أن الرسول بولس يشير إلى الثلاثة أقانيم). ومن أجل هذا فإننا نقول أن الرسول بولس يصلي في الثالوث.

فالرسول بولس يشير إلى إرسالية الله الآب للإبن وللروح القدس في زمن الخلاص. وما ترتب على هذه الإرسالية من آثار ونتائج. فإرسالية الإبن تشير إلى التجسد. ويقول الرسول بولس أيضًا إن الله أرسل روحه ويسميه “روح الإبن”. وروح الإبن يصرخ في قلوب المؤمنين “يا أبا الآب”، وهذا دليل على ظهور الله في حياة البشر ودليل أيضًا على أننا نلنا أحقية البنوة لله. والبرهان على أننا أبناء الله هو حلول روح الله في قلوبنا.

 

الثالوث وعطية التبني:

عطية التبني أكدها أيضًا الرسول بولس في (رو14:8ـ17) حيث قال ” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله. الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح“. والبنوة التي يُشار إليها هنا ليست البنوة الجسدية ـ بل البنوة الروحية ـ والميراث الذي يرتبط بهذه البنوة ليس الميراث الأرضي، بل الميراث الروحي السماوي.

هذه البنوة لا يحظى بها إلا الذين قبلوا المسيح وآمنوا به. هي بنوة لا ترجع إلى تناسل طبيعي. هي بنوة لم نكن نحن فيها أولاً ولكننا صرنا إليها، إكتسبناها.

قال عنها الرسول يوحنا في إنجيله: ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون بأسمه” (يو12:1). عندما قال السيد المسيح عن يوحنا المعمدان: “لأني أقول لكم إنه من بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان”. فإن القديس كيرلس الأسكندري يفسر هذه الآية على النحو التالي: “إن يوحنا المعمدان وكثيرين من الذين سبقوه هم مولودون من النساء ولكن الذين نالوا الإيمان لا يعودوا يدعون مواليد النساء بل مولودون من الله”[1] “كما جاء في يو13:1 “الذين وُلدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله” فالمؤمنون ولدوا ثانية وصاروا بالتبني أبناء لله. كما يقول أيضًا الرسول بطرس      ” ليس من زرع يفنى بل بكلمة الله الحي الباقي إلى الأبد” (1بط23:1). فأولئك الذين ليسوا من زرع يفنى بل بالعكس ولدوا من الله هم أعظم من أي مولود من إمرأة. والذين ولدوا من النساء لهم فقط أباء أرضيون، أما المؤمنون الذين ولدوا الميلاد الثاني بالمعمودية، فلهم الآب السماوي. وهكذا صارت لنا بنوة جديدة وأبوة جديدة ومن خلال هذا نفهم قول السيد المسيح للمؤمنين الذين يجب أن يرتبطوا بالآب السماوي. يقول السيد المسيح ” لا تدعو لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات وأنتم جميعًا أخوة” (مت9:23). إن السيد المسيح لا يدعونا أن ننكر الأبوة الأرضية، ولكن أن نخضع هذه الأبوة السماوية وفقًا لما قاله الرسول بولس في رسالته إلى أفسس ” أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق” (أف 1:6). فطاعتنا لوالدينا في الأرض يجب أن تكون في إطار طاعتنا للآب السماوي.

وعن هذه البنوة الروحية التي وهبها لنا الثالوث القدوس قال الرسول بولس ” ثم بما إنكم أبناء أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4). أن روح الإبن هنا هو الذي أعطانا أن نخاطب الله كأب لنا ونصرخ إليه قائلين “يا أبا الآب”. فالرسول بولس هنا يؤكد أن السيد المسيح حقيقي قام من الأموات وفتح لنا الفردوس. حينئذ أعطى روح التبني لأولئك الذين آمنوا به. ونفس هذا التعليم هو ما أكده القديس يوحنا الرسول في إنجيله. فلم يكن هناك روح تبني من قبل قيامة المسيح وصعوده إلى السماوات حيث يقول ” لأن الروح لم يكن قد أعطي بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7)، أي أن يسوع لم يكن قد قام من الأموات وصعد إلى السموات. لذلك فروح التبني لم يكن موجودًا في الناس بعد. ولكن حينما صعد كلمة الله الوحيد إلى السماء أرسل المعزي الروح القدس ليمكث فينا بواسطة المسيح. والروح القدس هذا هو الذي أعطانا روح التبني. وكذلك قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت سوف أرسله إليكم” (يو7:16). روح التبني إذن الذي أخذناه بالإيمان بالمسيح، هو الذي يعطي أن يكون الأصغر في ملكوت السماوات أعظم من يوحنا المعمدان. لأننا بالإيمان بالمسيح نستطيع أن نحقق ما قاله السيد المسيح “إن لم يزد بركم عن الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت الله”. بالإيمان بالمسيح إذن، وبروح التبني التي نأخذها بالروح القدس، يفتح أمامنا الثالوث القدوس الطريق إلى الملكوت السماوي.

لكن هذه البنوة التي أخذناها بالتبني. بلا شك ترتبط بالتزامات نحو الآب السماوي. فالأبناء بلا شك يجب أن يسلكوا بما يرضي آباءهم ولا يحيدوا عن وصاياهم. ولأجل هذا يوصينا الرسول بطرس ” إن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد. فسيروا زمان غربتكم بخوف” (1بط17:1).

 

البنوة والحرية:

البنوة بالطبع ارتبطت بمعنى الحرية. إنتقالنا من العبودية إلى البنوة يعني إنتقالنا إلى الحرية. نحن إذن الآن أحرار في بيت أبينا السماوي ولا يجب أن لا نفتكر في شيء أو نقول شيئًا لا يتناسب مع هذه الحرية التي منحت لنا. يجب أن لا نتصرف كما يتصرف بعض الأبناء الأرضيين. فيعْصون أباءهم ويتمردون عليهم. لقد إتخذ الله إسرائيل شعبًا له في البداية. ولقد أعطاهم لقب البنوة. لقد حرَّرهم، ولكنهم استغلوا هذه الحرية فيما يسيء إلى الله ولذلك خاطبهم الرب قائلاً: ” ربيت بنين ونشأتهم أما هم فعصوا علىَّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. إما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم” (اش2:1، 3).

لقب أبناء الله يطلق على الساعين نحو تحقيق السلام كما قال السيد المسيح في عظته على الجبل ” طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَوْن” (مت9:5). ويطلق على الذين يتعاملون مع الآخرين وعلى الأخص مع الأعداء بمحبة كما يقول السيد المسيح أيضًا ” بل أحبوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجو شيئًا فيكون أجركم عظيمًا وتكونوا بني العلى فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار” (لو35:6)، ويمارس أبناء الله حياة روحية حقيقية غيرهم عن أبناء العالم. يقول الرسول يوحنا ” كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطيء لأنه مولود من الله. بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البر فليس من الله. وكذا من لا يحب أخاه” (1يو9:3، 10).

إن إبن الله يشارك الله في حياة البر والقداسة من الآن كما يقول الرسول بطرس   ” لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط1).

على أن انتقالنا من العبودية إلى البنوة الروحية، لا تعني أننا صِرنا بلا قيود وبلا التزامات عندما كنا في الخطية كنا عبيدًا للخطية وإذ انتقلنا إلى حياة البر فنحن قد صرنا عبدًا للبر. كيف أفهم حرية أبناء الله؟

يقول الرسول بولس: ” وإذ أعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبر” (رو18:6). الخطية كانت تفقدنا بنوتنا لله وكانت تجعلنا نتصرف كأبناء للشيطان، أما الآن فقد صِرنا بالتبني أبناء الله. وأبناء الله الذين تقدسوا بفاعلية الروح القدس في حياتهم يجب أن يسلكوا في بر وقداسة. يجب أن ننتقل من عبودية الخطية إلى عبودية البر. عندما كنا أبناء الخطية كنا نحرر أنفسنا من مطالب البر والتزاماته. أما الآن وقد صِرنا أبناء البر فعلينا أن نحرر أنفسنا من أهواء الخطية ونزواتها ونسلك في حياة القداسة.

 

حياة القداسة:

السلوك في حياة القداسة هو السلوك الذي يرضي الله ويتفق مع مشيئته لأنه ـ كما يقول الرسول بولس ” هذه هي إرادة الله قداستكم” (1تس3:4). وفي نفس الرسالة يقول   ” لأن الله لم يَدْعنا للنجاسة بل في القداسة” (1تس7:4). ويوصي الرسول بولس بحياة القداسة في رسالة إلى العبرانيين فيقول ” أتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب” (عب14:12).

كأبناء لله نحن مدعوون لأن نشترك في قداسة الله، كما يقول الرسول بولس في عب10:12، أن الله يؤدبنا لأجل المنفعة ” لكي نشترك في قداسته” (عب10:12)، ويقول أيضًا ” فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله” (2كو1:7).

وفي (1تس13:3) يقول الرسول ” لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة أمام الله أبينا في مجيء ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه“.

 

يتبع هنا: فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

1 القديس كيرلس الأسكندري، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية 2007م، ص172.

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

كتبنا في الجزء السابق عن نعمة التبني التي وهبها لنا الثالوث القدوس. وقلنا إن نعمة التبني تلزمنا بواجبات نحو أبينا السماوي.

          وفي هذا العدد نتتبع ما هى واجباتنا كأبناء نحو أبينا السماوي في ضوء ما علّم السيد المسيح في الصلاة الربانية.

          نحن في الصلاة نقول ” ليتقدس اسمك “. ولكن فيما يشرح القديس كيرلس الأسكندري: هل نحن نصلي من أجل أن نضيف إلى الله مزيد من القداسة. هل قداسة الله ناقصة وتحتاج إلى تكميل؟ إن الله كامل بالطبيعة وهو ممتلئ بالقداسة ولا يحتاج إلى مزيد. وهل نحن نصلي من أجل الله ونيابة عن الله. بلا شك هذا أمر غير معقول.

إذًا ما معنى ليتقدس اسمك؟ معنى هذا أن الله كلّي القداسة وأنت لا تستطيع أن تقترب إليه إلاّ إذا كنت تحيا حياة القداسة وكما يقول الكتاب ” كونوا قديسين لأني أنا قدوس ” (لا44:11). ومعنى هذه العبارة أيضًا أن الله يتقدس في أولئك الذين يقتربون منه، كما يقول أيضًا في سفر اللاويين ” هذا ما تكلم به الرب قائلاً في القريبين مني أتقدس، وأمام جميع الشعب أتمجد ” (لا3:10). فإن عبارة ” ليتقدس اسمك ” تعني: ليت اسمك يُحفظ مقدسًا فينا، في أذهاننا وإرادتنا. نحن نصلي إذًا من أجل أنفسنا، من أجل أن تتقدس حياتنا. ونصلي أيضًا

من أجل هؤلاء الذين لم يدركوا قداسة الله وقداسة المسيح، نصلي من أجل هؤلاء الذين لم يحصلوا بعد على نور الحق والذين لم يقبلوا الإيمان بعد. نصلي من أجل هؤلاء الذين لم يعرفوا المسيح بعد، حتى يعرفوه، وحتى يؤمنوا به أنه هو الله القدوس. 

          وعندما نصلي أيضًا ونقول: ” ليأت ملكوتك ” فنحن لا نصلي من أجل أن يضاف شئ إلى مجده الملوكي، لأن ملكوت الله قائم معه بلا بداية كما قيل في المزامير       ” بمجد ملكك ينطقون وبجبروتك يتكلمون، ليعّرفوا بني آدم قدرتك ومجد جلال ملكك. ملكك مُلك كل الدهور وسلطانك في كل دور فدور ” (مز5:145ـ7). فنحن إذًا لن نضيف على الله شيئًا، ولكننا نصلي ” ليأتِ ملكوتك ” بمعنى أننا يا رب نريد أن يمتد الإيمان بالمسيح إلى كل العالم.

نريد للعالم كله أن يقبل المسيح مخلّصًا له. كذلك نحن نعرف أن السيد المسيح سوف يأتي في المجيء الثاني ولكن المجيء الثاني لا لكي يرينا طريق الخلاص، فهذه كانت رسالة المجيء الأول، ولكن المجيء الثاني يرتبط بالدينونة: المسيح سوف يأتي ثانية ليدين العالم. ويذكر الرسول بولس هذا في حديثه عن المجيء الثاني فيقول: ” لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي السيد لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا ” (2كو10:5). فكيف نحن نطلب من أجل مجيء يوم الدينونة، ومنبر الدينونة مرعب، والقاضي لا يأخذ بالوجوه.

ويوم الدينونة هو يوم المسائلة؟ بل هو يوم المحاكمة والمجازاة، فكيف نطلب من أجل أن يجيء يوم الدينونة. والنار معدة للأشرار. كيف يمكن للناس أن يطلبوا أن يعاينوا ذلك الوقت؟ يجيب القديس كيرلس على ذلك فيقول ” لاحظوا مهارة المخلّص وحكمته العجيبة.

إنه يطلب منهم أن يصلوا من أجل أن يأتي هذا اليوم المرعب، لكي يجعلهم يعرفون أنه يجب عليهم أن يحيوا ليس بإهمال ولا بانحلال، بل على العكس أن يعيشوا كما يليق بالقديسين وبحسب مشيئة الله. لكي تكون تلك الساعة بالنسبة لهم هى واهبة الإكليل وليس النار الأبدية، نار الدينونة. القديسون إذًا يطلبون سرعة مجيء المُلك الكامل للمخلّص لأنهم جاهدوا كما ينبغي وهم يتوقع

ون المجازاة عما سبق أن فعلوه. إن يوم الدينونة بالنسبة للقديسين هو يوم عيد لأنهم سوف يسمعون صوت الديان السماوي يقول لهم ” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم ” (مت34:25). إن السيد المسيح ضرب أمثلة كثيرة لهذه الفئة من الناس التي تنتظر يوم الدينونة بفرح.

          هناك مثل الوكيل الأمين الحكيم (لو41:12ـ48) قال الرب يسوع ” فمَنْ هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم وجبتهم من الطعام في حينها؟ الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله “. يعني لو افترضنا أن رب بيت كان مزمعًا أن يسافر في رحلة وأوكل لواحد من عبيده الأمناء مهمة تدبير كل بيته، لكي يعطي خدمه الطعام المستحق لهم في حينه.

فعندما يعود رب البيت إلى بيته ووجد هذا الوكيل يفعل كما أمره رب البيت، فإن رب البيت سوف يسر من هذا الوكيل، وسوف يقيمه على جميع أمواله. بلا شك: مثل هذا الوكيل الأمين الذي نفذ كل ما طلبه منه سيده، وقام بواجبه على أحسن ما يرام. أى إنسان يسلك في حياته بأمانة وإخلاص ويؤدي واجبه على أحسن ما تكون صورة الأداة، بلا شك مثل هذا الإنسان يصلي من أجل أن يأتي ملكوت الله، ومن أجل يوم الدينونة لأنه سينتظر المكافأة لأنه بالنسبة له هو يوم المكافأة، اليوم الذي يكلل فيه.

          ونفس الأمر أيضًا في مثل الوزنات الذي ذكره السيد المسيح (مت21:5ـ30) إنسان مسافر دعا عبيده وسلمه أمواله. أعطى واحدًا خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة. كل واحد على قدر طاقته فمضى الذي أخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أخر وهكذا الذي أخذ الوزنتين، ربح أيضًا وزنتين أخريين، وأما الذي أخذ الوزنة الواحدة، فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده.

سوف يقول السيد للأول والثاني أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك. هذان الشخصان بلا شك ينتظران يوم الدينونة ويرفعان صلواتهما ليأت ملكوتك.

          أما الوكيل الذي لا يكون أمينًا في عمله، ويتوقع أن سيده يبطئ فلا يفكر في يوم الدينونة وبدل أن يقوم بواجبه نحو الآخرين، فإنه يعاملهم بكل قسوة وعنف. ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها لأن يوم الدينونة يأتي كلص فلا يعرف أحد متى يأتي.

          تُرى هل الإنسان غير الأمين في حياته وفي وكالته، هل ينتظر يوم الدينونة وهل يمكن أن يصلي قائلاً: ” ليأتِ ملكوتك ” فيوم الدينونة بالنسبة له هو يوم العقاب. وكما يقول مثل الوكيل الأمين بالنسبة لهذا الإنسان الذي لم يسلك بأمانة في وكالته، يقول المثل ” يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها فيقطعه إربًا ويجعل نصيبه مع الخائنين ” (لو46:12).

          وكذلك إذا رجعنا إلى مثل الوزنات. هل ينتظر صاحب الوزنة الواحدة الذي لم يتاجر بها بل طمرها في الأرض، هل ينتظر يوم الدينونة، وهل تتوقع منه أن يصلي قائلاً “ليأت ملكوتك ” بلا شك لا. لأن يوم الدينونة بالنسبة له سيكون يوم عقاب وسوف يسمع صوت الديان: ” خذوا منه الوزنة واعطوها للذي له العشر وزنات. والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ” (مت30:25).

وكأبناء نخاطب الآب فنقول ” لتكن مشيئتك، كما في السماء. كذلك على الأرض ” (لو2:11). في السماء يصنع الملائكة مشيئة الله. وأما الذين فعلوا غير ذلك، فقد سقطوا من رتبهم. أما بالنسبة للملائكة الذين يصنعون مشيئة الله، يقول داود النبي في مزاميره ” الرب في السموات ثبَّت كرسيه ومملكته على الكل تسود. باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه.

باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته (أى مشيئته) ” (مز19:103ـ21). فنحن نصلي حتى يتمثل البشر سكان الأرض بسلوك الملائكة في السماء وبالطبع فإن الملائكة في السماء لا يخدمون خدمة مادية، بل خدمة روحية مقدمين دائمًا التماجيد والتسابيح لله الخالق. وبالطبع فإن هؤلاء الذين يصلّون من أجل أن تسود مشيئة الله على الأرض كما في السماء، بل أنهم يسلكون بحسب هذه المشيئة، ويكونون في مقدمة الذين يعملون مرضاة الله ويسلكون حسب مشيئته.

          إن السيد المسيح باعتباره يمثل البنوة على أكمل صورة لها، لأنه هو ابن بالطبيعة وليس بالتبني، لنسمع المسيح وهو يخضع المشيئة الإنسانية للمشيئة الإلهية فلا تكون هناك بعد مشيئتان، بل مشيئة واحدة وإرادة واحدة وفعل واحد للثالوث.

          التلاميذ مرة أرادوا أن يقوموا بواجبهم نحو معلّمهم، فجاءوا بطعام للسيد المسيح وقالوا له يا معلّم كُل. ولكن السيد المسيح وجه أنظارهم إلى الطعام الروحي الذي هو أيضًا أساس لحياتنا. البعض يعتقد أن سلامة الإنسان وصحته هى في الاهتمام بالأكل المادي، ويتبعون في ذلك نظامًا دقيقًا ولكنهم يتركون الروح ولا يهتمون بالصحة الروحية وينسون أن عدم الاهتمام بالصحة الروحية يصيب الجسد نفسه بالمرض فلا ينفع معه مجرد الأكل، وكم من مرضى تقدموا إلى المسيح ولم يكن سبب المرض نقص في الغذاء لكن كانت أمراضهم بسبب الخطايا.

ولذلك قال السيد المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (مت4:4). والعجيب أن السيد المسيح جعل الطعام الروحي يقوم أساسًا على العمل حسب مشيئة الله فقال لهم يسوع ” طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله ” (يو34:4)، ويذكر السيد المسيح في أكثر من موضع خضوع المشيئة الإنسانية للمشيئة الإلهية فيقول أيضًا     ” لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني ” (يو30:5). ويقول أيضًا      ” لأني نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ” (يو38:6).

          وبولس الرسول في رسالته إلى كولوسي، يصلي إلى الله لكي نعرف مشيئته ونسلك حسب هذه المشيئة فيقول: ” من أجل ذلك نحن أيضًا منذ يوم سمعنا لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم أن تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي، لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى مثمرين في كل عمل صالح ونامين في معرفة الله ” (كو9:1ـ10).

          فنعمة التبني التي نحن قد أخذناها تظهر فينا وتتعمق في حياتنا، بقدر ما نحن نعرف مشيئة الرب ونعمل حسب هذه المشيئة. مقياس حياة التبني عندنا هو العمل حسب مشيئة الله بمعنى أنت ابن لله بقدر ما تعمل حسب مشيئة الله.

          بل في الرسالة إلى العبرانيين يوضح الرسول بولس أن كمال العمل الصالح يتم في العمل بمشيئة الله فيقول: ” ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته ” (عب21:10).

          لذلك لا نستغرب إذا كان الرسول بولس يضع حياته بين يدي الله ولا يفعل شيئًا إلاّ حسب مشيئة الله. يقدم مشيئة الله في كل شئ. في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس أظهر رغبته في السفر إلى كورنثوس، ولكن جعل الأمر متوقفًا على مشيئة الله يقول لهم ” ولكن نأتي إليكم سريعًا إن شاء الرب ” (1كو19:4). وبولس الرسول يوضّح أنه إن كان يخدم كرسول فهو لم يدع نفسه لهذه الخدمة بل دعى لهذه الخدمة بمشيئة الله.

ويفتتح أكثر رسائله بتأكيد هذه الحقيقة. في الرسالة الأولى إلى كورنثوس يقول  ” بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيح بمشيئة الله ” (1كو1:1). وفي الرسالة الثانية إلى كورنثوس يؤكد أيضًا هذه الحقيقة فيقول في عبارات مماثلة ” بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيح بمشيئة الله ” (2كو1:1)، وفي الرسالة إلى غلاطية يفتتحها على هذا النحو ” بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب ” (غلا1:1) وهكذا الأمر بالنسبة لافتتاحيات أكثر رسائله.

          لذلك يجب أن نصلي إلى الله ” لتكن مشيئتك ” قل له يارب: لا تسمح لي أن أتصرف بمشيئة مستقلة عن مشيئتك. لا تدعني أن أختار حياتي بحسب ما تستحسنه مشيئتي بل بحسب ما تراه مشيئتك. قل له يا رب: لست أنا الذي أشاء، بل أنت الذي تشاء فيَّ، لست أنا الذي أرسم حياتي وأخطط لمستقبلي. أنت يا رب هو كل شئ بالنسبة لي.

(يتبع)

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

Exit mobile version