ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

الاتحاد الإلهي – الإنساني والكنيسة

انتصر المسيح على العالم، ونصره هو في خلق الكنيسة، لأنه وضع في فراغ التاريخ البشري وفقره وضعفه ومعاناته أسس “الكائن الجديد”. الكنيسة هي عمل المسيح على الأرض وهي صورة حضوره ومقامه في العالم. فعندما انحدر الروح القدس في يوم الخمسين على الكنيسة التي مثَّلها آنذاك الاثنا عشر والمجتمعون معهم، دخل العالم كي يسكن بيننا وكي يكون عمله فعَّالاً فينا أكثر منه فيما مضى: “ما كان الروح أُعطي حتى الآن” (يوحنا 7: 39). لقد انحدر الروح مرَّة انحداراً دائماً. وهذا سرّ عظيم لا يُسبر غوره.

وبما أن الروح يقيم دائماً في الكنيسة، فإننا نقتني فيها روح التبني (رو 8: 15)، ونصبح أخصَّاء الله عندما نبلغ الروح ونقبله. ففي الكنيسة يكتمل خلاصنا ويتقدَّس الجنس البشري ويتغيَّر وجهه ويحصل على التأله (Theosis).

“لا خلاص خارج الكنيسة” (Extra Ecclesiam salus). كل القوة القاطعة لهذا القول هو في الترداد الذي يوجد فيه. لا خلاص خارج الكنيسة، لأن الخلاص هو الكنيسة. فالخلاص إعلان عن الطريق القويم لكل من يؤمن باسم المسيح. وهذا الإعلان يوجد في الكنيسة فقط، ففيها، أي في جسد المسيح وفي الجسم (التعضّي organism) الإلهي – الإنساني، يتمّ باستمرار سرّ التجسد، سرّ اتحاد “الطبيعتين”.

في تجسد الكلمة يتمّ ملء الإعلان الإلهي والإنساني على حد سواء. يقول القديس ايريناوس: “صار ابن الله ابناً للإنسان، لكي يصير الإنسان ابناً لله” (ضد الهراطقة 3، 10، 2)، لأنه لم يُعلن في المسيح، الإله-الإنسان، معنى الوجود الإنساني وحسب، بل إنه بلغ غايته. ففيه بلغت الطبيعة الإنسانية كمالها وتجدَّدت وأُعيد بناؤها وخلقها. والمصير الإنساني وصل إلى هدفه وصارت الحياة الإنسانية “مستترة مع المسيح في الله” (كولو 3: 3) على حد تعبير بولس الرسول.

بهذا المعنى يكون المسيح ” آدم الأخير” (1كور 15: 45) والإنسان الحقيقي، الذي فيه مقياس الحياة الإنسانية وحدودها. فإنه قام من بين الأموات  “بكراً للراقدين” (1كور 15: 20-22)، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. فكان مجده مجداً للوجد البشري، لأنه دخل وهو إنسان المجد الأزلي ودعا الجميع لكي يقيموا معه وفيه. “ولكن الله بواسع رحمته وفائق محبته لنا أحيانا مع المسيح بعدما كنَّا أمواتاً بزلاتنا. فبنعمة الله نِلْتُم الخلاص، وفي المسيح يسوع أقامنا معها وأجلسنا في السماوات” (أفسس 2: 4-6). هنا يكمن سرّ الكنيسة بكونها جسد المسيح. الكنيسة هي الملء (to pleroma)، أي الإنجاز والاكتمال (أفسس 1: 23).

بهذه الطريقة يفسر الذهبي الفم كلمات الرسول، فيقول: “تكون الكنيسة ملء المسيح مثلما يكون الجسد ملء الرأس والرأس ملء الجسد. أنظر أيَّ ترتيب يستخدم بولس… لأنه يقول الملء. فمثلما يكتمل الرأس بالجسد هكذا يتألف الجسد من كل الأعضاء ويحتاج إلى كلٍّ منها. أنظر كيف جعل المسيح نفسه محتاجاً إلى جميع الأعضاء، لأننا لو لم نكن أعضاء كثيرين، أي لو لم يكن بعضنا يداً وبعضنا رجلاً وبعضنا أعضاء أخرى لما اكتمل الجسد كلُّه. إذن، الجسد يكتمل بجميع أعضائه. ونحن عندما نكون متحدين بعضاً ببعض ومتلاصقين يكتمل الرأس ويصبح الجسد كاملاً”. يكرِّر الأسقف ثيوفانس شرح الذهبي الفم فيقول: “تكون الكنيسة ملء المسيح، مثلما تكون الشجرة ملء الحبَّة.

فكل ما هو موجود في الحبَّة على نحو مكثَّف يكتمل نموه في الشجرة… الله تام في ذاته وكليّ الكمال، لكنه لم يجتذب إلى نفسه الجنس البشري اجتذاباً نهائياً. فالجنس البشري يتحد به تدريجياً، وبهذا يعطي كمالاً جديداً إلى عمله فيبلغ الإنجاز التام”.

الكنيسة هي في حدِّ ذاتها الملء، واستمرار للإتحاد الإلهي-الإنساني واكتماله. وهي الجنس البشري الذي يتجدَّد ويتغيَّر وجهه. ومعنى هذا التجدد أن الجنس البشري يصبح في الكنيسة واحداً، في “جسد واحد” (أفسس 2: 16). فحياة الكنيسة وحدة واتحاد، لأن جسدها يتماسك بالأوصال و”ينمو” (كولو 2: 19) بوحدة الروح وبوحدة المحبة. عالم الكنيسة هو عالم الوحدة الداخلية والعضوية، وحدة الجسم الحي ووحدة الكيان العضوي. الكنيسة هي اتحاد لا لأنها واحدة وفريدة، بل لأنها تعيد في كيانها اتحاد الجنس البشري المفكَّك.

هذه الوحدة تؤلِّف جماعية (Sobornost) الكنيسة وجامعيتها (Catholicity). ففي الكنيسة ترتفع الإنسانية إلى مقام آخر، وتبدأ حياتها بنمط جديد وتصبح الحياة الجديدة الحقة والكاملة والجامعة ممكنه “في وحدة الروح برباط السلام” (أفسس 4: 3). فيبدأ وجود جديد ومبدأ جديد للحياة: “ليكونوا واحداً فينا، أيها الآب مثلما أنت فيَّ وأنا فيك… ليكونوا واحداً مثلما أنت وأنا واحد”(يوحنا 17: 21-23).

هذا هو سرّ إعادة الاتحاد النهائي الذي هو على صورة اتحاد الثالوث الأقدس والذي يتحقَّق في حياة الكنيسة وبنيتها. إنه سر الجماعيّة (Sobornost) وسر الجامعية.

الميزة الداخلية في الجامعية

يغيب عن الجامعيَّة المفهوم الكمِّي أو الجغرافي، لأن الجامعيَّة لا تتوقَّف أبداً على مدى انتشار المؤمنين في العالم. فمسكونية الكنيسة نتيجة وإظهار لها، وليست سبباً أو أساساً لها. أي أن انتشار الكنيسة الواسع هو سمة خارجية وأمر غير ضروري بكل ما في هذه الكلمة من معنى. فالكنيسة كانت جامعة، حتى عندما كانت الجماعات المسيحية جزراً منعزلة في بحر الوثنية وعدم الإيمان. وستبقى جامعة حتى انتهاء الزمان، عندما يظهر سرّ “الارتداد” وعندما تتقلَّص الكنيسة لتصير مرة أخرى “قطيعاً صغيراً”: “أيجد ابن الإنسان إيماناً على الأرض يوم يجيء” (لوقا 18: 8).

يقول المتروبوليت فيلاريت في هذا الصدد: “إذا ما ارتدَّت مدينة أو منطقة عن إيمانه الكنيسة العالمية، فإن الكنيسة ستبقى من غير ريب جسداً كاملاً غير منتقص ولا فانٍ”. فجامعية الكنيسة لا تُقاس بمدى انتشارها العالمي، لأن لفظة Katholiki التي تشتق من Kath olou تعني بالدرجة الأولى الاكتمال الداخلي لحياة الكنيسة. إننا نتحدَّث عنا عن الاكتمال وليس عن المشاركة، وفي أي حال إننا لا نتكلَّم على المشاركة الاختباريَّة.

فلفظة Kath olou لا ترادف لفظة Kath pantos لأنها لا تنتمي إلى مستوى الحواس أو إلى مستوى الاختار، بل إلى المستوى الكياني والمفهوم الذاتي، لأنها لا تصف الظواهر الخارجية، بل الجوهر نفسه. نجد هذه الألفاظ مستخدمة بهذا المعنى في العصور التي تسبق ابتداء من سقراط. فإذا دلَّت الجامعيَّة على المسكونيَّة أيضاً فإنها بكلّ تأكيد لا تدلّ على مسكونية اختبارية، بل على مسكونية مثالية. أي إنها تشير إلى المشاركة في الأفكار وليس إلى المشاركة في الوقائع. عندما استعمل المسيحيون الأوَّلون عبارة “الكنيسة الجامعة” (إغناطيوس الإنطاكي، الرسالة إلى أهل إزمير، 8: 2) (Ekklesia Katholiki) ما عنوا بها كنيسة ذات انتشار عالمي. والحق، أن هذه العبارة أظهرت أرثوذكسية الكنيسة وحقيقة “الكنيسة العظمى”، لأنها تغاير روح الانشقاق الطائفي وروح التخصصية، وتوضح فكرة الكمال والطهارة.

هذه الكفرة عبّر عنها بقوة القديس إغناطيوس الإنطاكي عندما قال: “حيثما يكون الأسقف فهناك يجب أن تكون الجماعة، كما أنه حيث يسوع المسيح، فهناك الكنيسة الجامعة”. هذه العبارات تعبِّر عن الفكرة نفسها التي ترد في إنجيل متى: “فأينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم”. فلفظة “الجامعيَّة” تعبِّر عن سرّ الاجتماع (Mystirion tis sinakseos).

يفسِّر القديس كيرلّس الأورشليمي عبارة “الكنيسة الجامعة” الواردة في دستور الإيمان وفقاً لتقليد كنيسته فيقول إن عبارة “كنيسة” تعني “اجتماع الكل في شركة واحدة” ولذلك تسمَّى “اجتماع” (ekklesia)، وإنها تسمَّى “جامعة” لأنها منتشرة في العالم كلّه ولأنها تخضع الجنس البشري إلى البرّ والحق، ولأن كلّ العقائد تعلَّم فيها بصورة “شاملة، وكاملة، وجامعة” (katholikos kai anelipos)، ولأنها تعالج وتشفي “جميع أنواع الخطايا”. هنا تُفهم الجامعيَّ’ أيضاً كصفة داخلية. لكن لفظة Catholica استُعملت في الغرب لتشير إلى “الكونية” أثناء الصراع ضد الدوناتيين، حتى تقاوم الاتجاه المحلِّي والجغرافي عندهم.  وفي الشرق أيضاً أصبحت فيما بعد مرادفة لكلمة “المسكونيَّة”. لكن هذا الترادف جعل معناها في آخر الأمر محدوداً وأقل فاعليَّة، لأنه يلفت النظر إلى الشكل الخارجي دون المضمون الداخلي.

غير أن الكنيسة جامعة بسبب امتدادها الخارجي أو على كل كل حال ليس فقط لهذا السبب، بل لأنها كيان يجمع الجميع تحت كنفه. الكنيسة ليست جامعة لأنها تجمع كلّ أعضائها إلى اتحاد واحد وتجمع كلّ الكنائس المحليِّة فقط، بل لأنها جامعة في أكثر أقسامها صغراً وفي كل عمل أو حدث في حياتها. فطبيعتها جامعة ونسيج جسدها جامع.

هي جامعة لأنها جسد المسيح الواجد، ولأنها الوحدة في المسيح والوحدة في الروح القدس، ووحدتها هذه هي الكمال الأسمى. ومقياس هذه الوحدة الجامعة هو “أن جماعة المؤمنين كانوا قلباً واحداً وروحاً واحدةً” (أعمال 4: 32). وحيثما يكن الأمر مخالفاً لهذا الشيء تصبح حياتها محدودة. لذلك يجب أن يحصل الائتلاف الكياني للأشخاص في جسد المسيح حتى يزول الانغلاق والتمييز بين “ما لي” و”ما لك”.

فنموّ الكنيسة يتحقَّق في نموّ الميزة الداخلية الجامعيَّة للكنيسة وفي “اكتمال الجميع”: “لتكون وحدتهم كاملة” (يو 17: 23).

تغيير وجه الشخصية:

إن لجامعيَّة الكنيسة وجهين: وجهاً موضوعياً ووجهاً ذاتياً. موضوعياً، تدل جامعيَّة الكنيسة على وحدة الروح: “نحن كلّنا قبلنا المعمودية بروح واحدة لنكون جسداً واحداً” (1كور12: 13). فالروح القدس الذي هو روح محبة وسلام لا يجعل الأفراد المنعزلين واحداً فقط، بل يكون في نفس كلّ واحد مصدر سلام داخلي وكمال. ذاتياً، تدلّ على أن الكنيسة وحدة حياة، وأخوَّة أو شركة، ووحدة حب، و”حياة مشتركة”. وما صورة الجسد الواحد سوى وصيَّة محبة: “فبولس يطلب منّا محبة كهذه، محبة تشدّ الواحد إلى الآخر إلى حدٍّ يجب فيه ألا ينفصل الواحد عن الثاني فيما بعد … أي يطلب أن يكون اتحاداً كاملاً، مثل اتحاد أعضاء الجسد الواحد”.

الجديد في وصيَّة المحبة المسيحية هو أن نحب قريبنا مثلما نحب أنفسنا. وهذا أمر أسمى من أن نضع قريبنا على مستوى مساوٍ لنا وأن نعتبره كائناً مماثلاً لنا، أي أن نرى أنفسنا في الآخر، في المحبوب، وليس في أنفسنا… هنا تقع حدود المحبة، لأن المحبوب هو “أنا آخر”، أنا عزيزة على القلب أكثر من الذات. في المحبة نندمج لنكون شخصاً واحداً: “في هذه المحبة لا يبقى المحب والمحبوب شخصين، بل يصيران شخصاً واحداً”. إن المحبة المسيحية الحقيقية ترى في كل واحد من إخوتنا “المسيح نفسه”.

وهذا يتطلَّب إنكاراً للذات واحتفاظاً بالشخصية. وهذا لا يتحقق إلاَّ في تغيير النفس وانفتاحها “الجامع”. تُعطى وصيَّة “الجامعية” لكل إنسان مسيحي، فيكون مقياس الجامعيَّة مقياساً لقامته الروحيَّة. فالكنيسة جامعة في كل فرد من أفرادها، لأن الجامعيّة الكلية لا تُبنى إلا على جامعيَّة الأعضاء، ولأن مجموعة كبيرة من الأفراد لا تكون أخوَّة واحدة، إذا انغلق كلّ فرد على ذاته. الوحدة لن تكن ممكنة إلاَّ عن طريق المحبة الأخوية المتبادلة عند جميع الأخوة.

فالرؤية التي ظهرت فيها الكنيسة برجاً قيد الإنشاء تعبِّر بقوة عن هذه الفكرة (راجع الراعي هرماس). هذا البرج يُبنى بحجارة مختلفة ترمز إلى المؤمنين الذين هم “الحجارة الحيّة” (1بطر 2: 5). عندما شُيِّد البرج انتظمت الحجارة كلّها، لأنها كانت ملساء ومنسجمة ومتناسقة، حتى أصبحت أطرافها غير مرئية. ولذلك ظهر البرج وكأنه قد شُيِّد من حجر واحد. وهذا رمز الوحدة والاكتمال. إننا نلاحظ أن الحجارة المربَّعة الملساء وحدها تصلح لهذا البناء، أمَّا الحجارة الأخرى النيِّرة لكن المستديرة فلم يفد منها البناء، لأنها كانت لا تنتظم بعضها مع بعض.

ولذلك وضعت على مقربة من الحائط لأنها غير مناسبة (mi armazintes) (هرمس الراعي، الرؤية الثالثة 2، 6، 8). “فالاستدارة” في الرمزية القديمة كانت إشارة إلى الانعزال وإلى الاكتفاء والرضا بالذات (teres atque rotundus). فروح الرضا بالذات يعيقنا عن دخول الكنيسة. أولاً، يجب أن يكون الحجر أَملس حتى يكون ملائماً لحائط الكنيسة، أي يجب أن ننكر أنفسنا حتى نتمكَّن من أن نلتحق بجامعيَّة الكنيسة. ويجب أن نسيطر على أنانيتنا ونكتسب فكراً جامعاً حتى نستطيع الدخول إلى الكنيسة. ففي اشتراكما الكامل فيها يتحقق التغيير “الجامع” لوجه الشخصية الإنسانية.

لكنَّ نكران الذات لا يعني القضاء على الشخصية وذوبانها في الجماعة، لأن الجامعيَّة لا تقوم على مبدأ جسداني أو جماعي. فنكران الذات يوسِّع مدى شخصيتنا، حتى نضمّ الجماعة إلى ذاتنا ونضعها في أنانتنا، وهكذا تشابه وحدتنا وحدة الثالوث المقدس. إن الكنيسة بكونها جامعة تصبح صورة مخلوقة عن الكمال الإلهي.

ولقد تحدَّث آباء الكنيسة بعمق كبير عن هذا الموضوع. في الشرق تحدَّث القديس كيرلّس الإسكندري وفي الغرب القديس إيلاريون. أمَّا في اللاهوت الروسي المعاصر فتحدَّث المتروبوليت أنطوني على نحو ملائم فقال: “إن وجود الكنيسة لا يقارَن بأس شيء آخر على الأرض، لأننا لا نجد على الأرض اتحاداً، بل نجد انفصاماً. في السماء وحدها هناك ما يشبهها، لأن الكنيسة وجود كامل وفريد (unicm) على الأرض. لذلك لا نقدر أن نحدِّد هذا الوجود بفكرة نستقيها من حياة هذا العالم. هي صورة عن الثالوث الأقدس، صورة يكون فيها الكثيرون.

لماذا يكون هذا الوجود جديداً وغير مفهوم عند الإنسان القديم مثلما يكون وجود الثالوث الأقدس؟ لأن الوجود الشخصي في وعيه الجسماني سجين ذاته ومختلف كلياً عن أية شخصية أخرى”. “يجب على المسيحي أن يحرِّر نفسه وفقاً لحجم التطور الروحي الذي بلغه، وأن يميِّز بين الأنا واللاأنا، وأن يبدِّل بصورة جذرية الخصائص الأساسية للوعي الذاتي الإنساني”. في هذا التغيير يكون التجديد “الجامع” للفكر.

إن للوعي الذاتي وجهين، وجهاً فردياً منعزلاً ووجهاً جامعيّاً فالجامعيّة لا تنكر الوجود الشخصي، والوعي الجامع لا علاقة له بعرق أو بقومية، وليس وعياً مشتركاً ولا وعياً جماعياً أو عاماً أو االـ “Bewusstsein uebergaupt” التي تكلَّم عليها الفلاسفة الألمان. الجامعيَّة لا تتحقَّق بالقضاء على الشخصية الحيَّة أو بالانتقال إلى عالم الكلمة المجرَّد. فهي اتحاد واقعي في الفكر والشعور، وأسلوب أو وضع من الوعي الذاتي الذي يرتفع إلى “مستوى الجامعيّة”. وهي “نهاية” (telos) الوعي الذاتي الذي يتحقَّق بالنموّ الخلاَّق، لا بمحق للشخصية.

في التحوّل الجامع تكتسب الشخصية قوة للتعبير عن وعي الجميع وعن حياتهم. وهذا لا يتمّ بطريقة غير شخصية، بل بفعل بطولي خلاَّق. يجب ألا نقول: “إن كلّ فرد في الكنيسة يبلغ مستوى الجامعيَّة”، بل: “إنه قادر على بلوغه ومن واجبه أن يبلغه، وإنه مدعو إلى ذلك”. ولكن لا يبلغ كلّ إنسان هذا المستوى. أمَّا الذين بلغوه فنسمِّيهم آباء ومعلِّمين. فمنهم لا نسمع المجاهرة الشخصية بالإيمان فقط، بل نسمع شهادة الكنيسة، لأنهم يكلِّمونا من كمالها الجامع ومن كمال الحياة الممتلئة بالنعمة.

ما هي الكنيسة وما علاقتها بالله ؟

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د./ وهيب قزمان

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د./ وهيب قزمان

 

مقدمة:

التبني عقيدة أساسية محبوبة للغاية عند القديس أثناسيوس ، وهى حصيلة وثمرة أساسية للاتحاد بالله عن طريق المعمودية ، التى بها نصير أبناء الله بالتبني:

[ لأن الله أمرنا أن نعتمد ” بأسم الآب والابن والروح القدس ” لأنه بهذا… نصير فى الحال أبناء الله ، مع كوننا من خليقته ] (ضد الأريوسيين 34:1).

وهذا التبني لله فى المعمودية هو برهان وثمرة مباشرة للاهوت المسيح ومساواته بالآب ، وأيضًا برهان لقيامته من الأموات التى أكملها فى جسم بشريته لحسابنا.

فالإيمان عند القديس أثناسيوس كلٌ واحد لايتجزأ: التجسد ، ولاهوت المسيح ، واتحاد الإنسان بالله (أى تأليه الإنسان وتبنى الله له). وهذا الإلهام فى الحقيقة لم يجارِه فيه أى أب من الآباء ولاأى لاهوتى من بدء الكنيسة حتى اليوم ، والخلاصة فإن هذا كان إيمان القديس أثناسيوس الذى يعيشه فى المسيح ، ومضمون خلاصه الذى كان يُبشر به ويدافع عنه ضد الهراطقة.

1- أزلية محبة الله وتبنيه للبشرية بالنعمة:

تبدأ العقيدة عند القديس أثناسيوس بلاهوت المسيح ، وتنتهى عند التبني ـ أى صيرورة الناس أبناء الله الحى ـ وارثين لأبوة الله فى المسيح ابن الله!!! ولكن إرادة الله من نحو تبنى الإنسان كانت منذ البدء وقبل إنشاء العالم:

[ إن هذه النعمة كانت قد أُعدت قبل أن يخلقنا (الله) بل حتى من قبل أن يخلق العالم ] (ضد الأريوسيين 75:2).

وعقيدة التبني عند القديس أثناسيوس ليست أمرًا يكتسبه الإنسان من الخارج ، بل هى وجود وسكنى واتحاد دائم للروح القدس و” الكلمة”. سكنى الروح القدس الذى يتكلم فينا ويخبرنا بأمور المسيح ويُمجّد المسيح فينا وبنا ، وكذلك سكنى الابن “الكلمة ” فينا واتحاده بنا فبهذه السكنى وهذا الاتحاد ننال نعمة وحق البنوة ، ونخاطب الله قائلين ” ياآبانا “:

[ لأن هذا هو حب الله لبنى البشر ، أنه أراد أن يكون لهم أبًا بالنعمة، هؤلاء الذين سبق أن خلقهم ، وهذا (التبني) إنما يحدث عندما يتّقبل الناس ، وهم مجرد خليقة ، روح الابن فى قلوبهم صارخين ” ياأبا الآب ” (غلا 6:4). نعم هؤلاء عندما يقبلون ” الكلمة ” ينالون به القوة التى يصيرون بها أولاد الله. ولأنهم أصلاً مجرد خلائق ، فإنهم لايمكن أن يصيروا أبناء إلا إذا قبلوا روحه ، أى روح الابن الذى هو من جوهره… ولهذا فإن كان الكلمة قد صار جسدًا ، فذلك لكى يجعل الإنسان مؤهلاً لقبول اللاهوت ] (ضد الأريوسيين 59:2).

2- الإنسان الأول كان غير مؤهل للتبنى بسبب طبيعته:

يؤكد القديس أثناسيوس إنه كان يستحيل على الإنسان الحصول على التبني ، ليس بسبب الخطيئة فى الأساس ، ولكن بسبب أن طبيعته المخلوقة غير مؤهلة للتبنى من تلقاء ذاتها ، لأنها من تراب أو من عدم على حد قوله:

 

[ الله فى خلقه للإنسان من العدم كسائر الكائنات الأخرى بواسطة اللوغوس ، قد تراءف على الجنس البشرى بصفة خاصة. إذ وهبه نعمة أخرى أضافية ، إذ رأى ضعفه ـ بطبيعة تكوينه ـ عن أن يبقى فى حالة واحدة ].

 

صحيح أنه يتحتم أولاً أن تُرفع الخطية ـ التى أقتحمت طبيعة الإنسان ـ ويُبطل فعلها القاتل للنفس ، قبل أن يحصل الإنسان على التبني ، وترفع الخليقة من حالة العبودية والموت إلى حالة الشركة فى الطبيعة الإلهية وبلوغ حرية البنين ، وذلك فىالابن الحقيقى الوحيد الجنس:

 

[ لايوجد تبنى بدون ” الابن الحقيقى “. لأنه هو نفسه يقول ” لاأحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ” (لو22:10) ، وعلى ذلك فإن كل الذين يُدعون أبناء الله وآلهة (أى نالوا الاتحاد بالله) ـ بالنعمة ـ سواء فى الأرض أو فى السماء قد نالوا التبني والتأله فى ” الكلمة ” ولأن الكلمة هو الابن الحقيقى فواضح أنه مصدر كل بنوة ، لأنه ابن قبل الكل ، وأنه حقًا الابن الوحيد الجنس (مونوجنيس) وأنه إله حق من إله حق ] (ضد الأريوسيين 39:1).

 

3- التبني ثمرة التجسد الإلهى:

المسيح هو الكرمة الحقيقية الذى وُلد لكى يحول أصلنا إلى نفسه ـ أى يصبح هو أصلنا الجديد بدلاً من آدم ـ لنصير أعضاء فيه وهكذا يحملنا إلى السماء. أى أن التبني ثمرة التجسد الإلهى ، تلك الثمرة التى تتجلى فى ثلاث مراحل رئيسية: ميلاد المسيح ، وموته وقيامته ، وميلادنا من الماء والروح. فالتجسد هو الذى كشف لنا عن ذات الله الواحد الآب والابن والروح القدس ، فالأبوة هى صفة ذات الله الجوهرية بالنسبة لأبنه ، وهذه الأبوة ، فى ذات الله هى التى انتقلت إلينا بالتبني فى المسيح بواسطة التجسد الإلهى ، وما ترتب عليه من موتنا وقيامتنا مع المسيح وميلادنا فى المعمودية بأسم الآب والابن والروح القدس. أى أننا بها ارتفعنا من مستوى المخلوقات العامة إلى مستوى البنين باتحادنا بالابن ـ وخاصة فى موته وقيامته ـ تأهلنا أن نرتفع من ادراك الله كخالق بالمستوى الفكرى ، إلى ادراك الله كأب بالمستوى السرى كشركة حياة:

[ وحين وُلِدَ (الكلمة) بالجسد من مريم والدة الإله (الثيؤطوكوس) قيل عنه أنه وُلِدَ مع أنه هو (الكلمة) الذى خلق كل الأشياء ، أى الذى يمنح الآخرين أصل وجودهم. ففى الحقيقة هذا هو ميلادنا نحن الذى أخذه لنفسه ، لكى يحول أصلنا إلى نفسه ، ولهذا لم نعد بعد مجرد تراب تعيّن لنا أن نعود إلى التراب ، ولكننا صرنا متحدين ” باللوغوس ” الكلمة من السماء كالأغصان بالكرمة ، الذى سوف يأخذنا إلى السماء…

أما الموت الذى كان ميراثنا بسبب ميلادنا الأول فقد بَطُل. فميلادنا وكل ضعفات الجسد قد تحولت عنا وصارت وحُسبت على ” الكلمة”. أما نحن فقد ارتفعنا عن التراب وأُزيلت عنا لعنة الخطية بواسطته وهو الكائن فينا ومن أجلنا.

وكما كنا بالحق مخلوقين من تراب ، وفى آدم قبلنا الموت جميعًا، هكذا نحن إذ نُولد من فوق من الماء والروح فإننا فى المسيح نحيا جميعًا. فلا يعود جسدنا فيما بعد أرضيًا بل يصير إلهيًا كالكلمة (has been made Word) وذلك بسبب الكلمة الذى صار جسدًا لأجلنا ] (ضد الأريوسيين 33:3).

 

 

4- التبني بالطبيعة والتبني بالكلمة:

يتحدث القديس أثناسيوس عن نوعين من البنوة لله:

(1) بنوة بالطبيعة: تخص الكلمة ـ ابن الله الوحيد الجنس وحده.

(2) بنوة بالنـعمة: تقبلها المخلوقات من الله.

ويوضح القديس أثناسيوس أن أولئك الذين يدعون أبناء الله بالنعمة ليسوا أبناء بالطبيعة مثل اللوغوس الابن الحقيقى ـ فالأبناء بالنعمة قد نالوا نعمة كونهم أبناء بالإكتساب وهم يختلفون عمن أعطى لهم:

ونحن لسنا أبناء لله بالطبيعة ، ولكن ابن الله الذى فينا هو ابن الله بالطبيعة، وكذلك فإن الله ليس آبانا بالطبيعة ، ولكنه أبو ” الكلمة ” الذى فينا ، الذى فيه وبه نصرخ: يا أبا الآب ” (رو15:8) ، حتى إن الآب حينما ينظر أولئك الذين يرى فيهم ابنه يقول ” لقد ولدتكم ” (مز7:2) ويدعوهم أولاده…

لهذا فإننا خُلقنا أولاً كما هو مكتوب (لنصنع الإنسان…) ثم بعد ذلك ” وُلدنا “ بواسطة قبولنا نعمة الروح وقيل أننا نُولد. لهذا فإن موسى العظيم قال هذا المعنى بوضوح فى أنشودته: إذ قال (عن الله) أنه أولاً أوجدنا (أى خلقنا) وبعد ذلك ولدنا. لئلا عند سماع (الناس) لفظ (وَلد) ينسون طبيعتهم من البداية وبهذا يعرفوا أنهم مخلوقات منذ البدء ، ثم عندما يُقال أن الناس يُولدون كأبناء بالنعمة ، فإنهم مع ذلك يجب أن يدركوا أنهم مصنوعات بالطبيعة ” (ضد الأريوسيين 59:2).

 

5- الإيمان الصحيح شرط لنوال نعمة التبني فى المعمودية:

وهناك نقطة شيقة يعرضها القديس أثناسيوس فى رده على الأريوسيين، وهى الارتباط الضرورى بين الإيمان الصحيح ونعمة البنوة التى تنتقل من خلال حميم المعمودية المقدس فى المسيح.

وحيث ينكر الأريوسيون الإيمان الصحيح بخصوص لاهوت الابن ، فإن هذا الانكار يحرمهم تمامًا من نعمة المعمودية التى هى نعمة التبني لله ، إذ أنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس فيهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة ، بل يظلوا مُقفرين وعراة من اللاهوت:

[ فليس من يقول ببساطة يارب هو الذى يُعطى المعمودية ، بل هو ذلك الذى مع الأسم الذى يدعوه ، عنده أيضًا إيمان مستقيم. لهذا السبب فإن المُخلص لم يأمر فقط بالعماد ، بل قال أولاً ” تلمذوا ” ثم بعد ذلك قال ” عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت 19:28) ، لكى يأتى الإيمان المستقيم من التعليم ومع الإيمان يأتى اتمام المعمودية.

إن المعمودية التى يعطيها الهراطقة عديمة الجدوى ، وتعوزها التقوى حتى أن من يعمدونه يتلوث بإلحادهم بدل من أن يُفتدى… فإنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس لهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة… وحيث أن هؤلاء (المُعَمدين) التعساء خُدِعوا من هؤلاء الهراطقة فقد ظلوا عراة مُقفرين من اللاهوت] (ضد الأريوسيين 43:2).

6- التبني لله يعنى التمثل به فى فعل الخير Eupia ونقله إلى الآخرين Diakonia:

يوضح القديس أثناسيوس أن البنوة لله ، هى نعمة تُمنح من الله للبشر ، وهذه البنوة بالنعمة لاتتضمن أى تطابق فى الطبيعة مع الله ، بل تمثلاً أو (محاكاة) لله الآب وابنه اللوغوس فى فعل الخير (Eupia) ، ونقل ما وهبنا الله من خير للآخرين (Diakonia). وهذان العملان أى التشبه أو التمثل بالله فى فعل الخير (Eupia) وصنعه للآخرين (Diakonia) مرتبطان ارتباطًا وثيقًا أحدهما بالآخر ، فهما عبارة عن قبول البشر لفعل الله الخيِّر من جهة ، وتقديم ذلك العمل الإلهى الخيِّر من جهة أخرى:

[ إذ أن ابن الله الواحد الوحيد بالطبيعة والحق هو كائن بذاته ، فنحن أيضًا نصير أبناء لمن دعانا ، ليس كما هو بالحق والطبيعة بل بالنعمة… هكذا أيضًا فإننا وإن كنا عطوفين مثل الله ولكننا لانبلغ المساواة بالله. ولانصبح فاعلى خير بالحق ، لأن كوننا فاعلى خير ليس من صُنعنا نحن بل من صُنع الله ، حتى أنه يمكن لنا نحن أيضًا أن ننقل كل ما يعطيه لنا الله ذاته من نعمة الحب للآخرين (Diakonia) دون أن نميز بينهم، بل ببساطة نمتد بأعمال الخير (Eupia) إلى الجميع. لأننا بهذه الوسيلة نصير إلى حد ما متمثلين بالله ، أى نقوم بتوصيل ما يأتى إلينا من عطايا إلى الآخرين.] (ضد الأريوسيين 19:3).

 

7- نعمة التبني لله هى سلطان مُعطى للإنسان به نبلغ الكمال:

يوضح القديس أثناسيوس أنه لايكفى الحصول على نعمة التبني لله بالمعمودية فقط ، بل يجب أن نمارس الإيمان ونستثمر هذه النعمة فى حياتنا اليومية ، حتى بالممارسة العملية نصير أولاد الله بالنعمة وبالفعل معًا. إن نعمة التبني هى عطية الله المجانية للبشرية ” أما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” (يو12:1) ولهذا فإنها لاتفرض بالقوة على البشر بل تتضمن استجابتهم الحرة.

إن نعمة الله هنا هى فى الحقيقة الابن المتجسد ذاته ، الذى به يصير البشر أبناء لله بالتبني بالنعمة بواسطة شركة الروح القدس الذى هو روح الابن. كما أن استجابة البشر فى هذه الحالة تتضمن قبول الابن المتجسد كما هو وعلى ما صار عليه. أى إن الابن المتجسد هو القياس والنموذج الذى يُقتَدى به فى الحياة.

والقديس أثناسيوس يتجاسر ويستنطق ” الكلمة المتجسد ” موضحًا الكمال الذى حصلنا عليه بالتجسد والتبني ، ذلك الكمال الذى أسسه ابن الله فى جسده أولاً لحسابنا:

[ أنا حكمتك (أيها الآب) وأنت فىَّ ، ولكنى أنا فيهم بالجسد ، وبك قد أُكمِل خلاص البشرية فىَّ ، لذلك أسأل أن يكونوا واحدًا بحسب الجسد الذى فىَّ ، وبحسب الكمال الذى لهذا الجسد ، حتى إذ يتحدون بهذا الجسد ويصيرون واحدًا فيه ، يصيرون كاملين ، حتى يكونوا جميعًا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا ، وإنسانًا كاملاً ، كإنما احملهم جميعًا فى ذاتى ، لأنه من حيث إننا نشترك فى المسيح الواحد، ونملك فى داخلنا الرب الواحد ، نصير جميعًا جسدًا واحدًا ] (ضد الأريوسيين 22:3).

ويلاحظ أن ” الكمال ” الذى يبلغه الإنسان فى المسيح هو نتيجة اتحاد المؤمنين بجسد المسيح ، الأمر الذى يعتبر احدى خصائص اللاهوت عند القديس أثناسيوس.

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

موضوع البنوية فى العهد الجديد :

لكي ندخل إلى البنوية فى العهد الجديد نتذكر البنوية فى العهد القديم. الله خلق الإنسان ابنًا له ومعلمنا لوقا فى سلسلة الأنساب حين وصل إلى آدم يقول ” ابن آدم ابن الله “، الله خلق الإنسان ابنًا له.

 ولما أراد الله أن يؤسس خطًا يحدده للتربية وللإعداد للتجسد اعتبر إسرائيل ابنًا له. ” إسرائيل ابنى البكر ” يعنى أنه لايمنع أبدًا أن هناك أبناء آخرون وإنما اعتبر أن هذا الفرع من البشرية هو الفرع البكر وأن العلاقة البنوية الأولى انقطعت وضمرت عروقها فصار الخط الجديد هو اختيار فرع لكى يكون بكرًا إلى أن تُطعم باقى الفروع المقطوعة فى الشجرة الأصلية. إذن الإنسان مخلوق أساسًا لكى يكون ابنًا لله. والابن يحمل صفات أبيه والله خالق أى يُوجد الأشياء من العدم فلابد أن يكون الإنسان خلاقًا أى فى حدوده يتصور أمورًا ويُوجدها شكلاً دون أن تكون أشكالها موجودة قبل ذلك.

الله يحوى الكون والإنسان يحوى فى داخله وفى تكوينه مكونات الكون لأننا نجد أن الكون مكون من أجسام كونية من مواد مرتبة بقوانين وتتعامل أو تتجاذب مع بعضها طبقًا لقوانين، فكل شئ فى هذا الكون يمكن أن ننظر إليه من جانبين : جانب التكوين وجانب الفعل أو الدور الذى عليه.

إذا نظرنا إلى هذا المبنى له جانب أساسى وهو التكوين وإذا نظرنا إلى هذه المنضدة لها جانب تكوينى وإذا نظرنا إلى المجتمع الإنسانى له جانب تكوينى الـ Structure أى التكوين، التكوين الخاص بجسمى، التكوين الخاص بالكون، التكوين الخاص بالشمس، التكوين الخاص بالذرة، فهناك تكوين وبعد ذلك هناك Function  أى الوظيفة، كل شئ فى هذا الكون له تكوين وله عمل أو وظيفة.

وقبل المسيحية لم يكن للناس أن يتكلموا عن شئ مهما كان قليلاً من جهة التكوين الإلهى وإن كانت المسيحية قد أدخلتهم إلى قليل جدًا جدًا من التكوين الإلهى حين أفهمتهم أن هناك آب وابن وروح قدس. هذا هو التكوين الإلهى، وهذا التكوين لم يكن يشغل الناس فى العهد القديم وإنما كانوا يتكلمون عن الله وماذا يفعل أو ماهو عمله الذى يعمله مع البشر Function وماهى علاقته بنا. وإذا تكلمنا عن الثالوث القدوس نتكلم بحرص شديد لأنه من يعرف أعماق الله. إنما نحن نتكلم عن الكون. الكون تكوين ووظائف. الذرة تكوين ووظائف. الشجرة تكوين ووظائف. الكون تكوينات ووظائف. الله يحوى كل هذا. والإنسان ابن الله. إذًا الإنسان يحوى فى ذاته صورة مصغرة لهذا التكوين ولهذه الوظائف أعنى يمكننا أن نقول أن الإنسان هو كونٌ مُصغر وهذا التعبير قاله معلمنا أوريجينوس قال ” أن الإنسان كونٌ مُصغر. وأنا إن كان أبى يحوى الكون ويصدر عنه الكون فأنا على شبهه كون مُصغر وإن كان لايصدر عنى أكوان. “.

هذا الكون أو هذه المكونات بما فيها من المكونات هى مواد وقوانين وعلاقات. فالإنسان حوى فى ذاته من هذه المواد وكذلك قد ينظر إنسان أو عالم إلى الإنسان من هذه الزاوية أنه مواد تتفاعل وينظر إليها من الناحية الفيزيقية والكيميائية متجاهلاً ما هو غير ذلك.

ولكن فى الكون كائنات أخرى وهى العاقلات أىالملائكة الصانع ملائكته أرواحًا “، ” ونفخ فيه فصار آدم نفسًا حية “. إذن هناك الماديات بتكوينها وقوانينها وهناك الروحيات بتكوينها وقوانينها وإمكانياتها. وهناك من ينظر للإنسان من هذه الزاوية فيتكلم عن النفس والعقل والمشاعر والاحساس واللاشعور والعقل الباطن والسلوك، والسلوك الجماعى والقوانين الإجتماعية ونظم الحكم وغير ذلك فهو يتكلم فى الإنسان وفى المجتمع الإنسانى من الزوايا الحيوية أو الحياتية. ولكن هناك ماهو أعلى من ذلك هناك القوة الروحية القدسية التى هى فوق الخطأ. وما الخطأ إلا انحراف عن الطريق، فليس عند الله تعالى انحراف. وكل المخلوقات مُعرضة للانحراف أو الخطأ. ولأنها تتكون من عقول ومشاعر وأحاسيس فإن الخطأ يختلط فيصير خطية وبذلك تصير المخلوقات خاطئة. والأصل أن يكون الإنسان متصل بمصدر اللا خطية لكى تسير طبيعته وعقليته ممزوجة بالفعل الروحى القدسى. وهذا هو مايمكن أن نتصوره صورة الله فى الإنسان. خلق الإنسان على صورته أعنى أنه أعطاه من صفاته. لما أخطأ الإنسان ضعفت الصلة الروحية وضمرت فبقى الإنسان عاقلاً لكنه غير مقدس يحوى قوانين عقلية وإمكانات ابتكارية ويمكنه أن يبتكر ويفكر فى الكون ويسبح فى هذا الكون ويتحكم فى النبات والأرض ولكن كلها تحكمات غير منضبطة قدسيًا.

لما حدث هذا ورتب الله أن يعيد هذه العلاقة البنوية السليمة بدأ يختار فرعًا معينًا على أن يكون هذا الفرع رمزًا للبنوية القادمة وبكرًا بين باقى الأخوة هذه هى البنوية.

ولما جاء العهد الجديد أعاد إلينا هذه البنوية وإن لم تكن فى صورة كاملة لأن البنوية الأولى كانت خالية من الخطيئة أما البنوية فى العهد الجديد فهى إمكانية النصرة على الخطية، قوة النصرة على الخطية. كسر شوكة الخطية، إعادة التوصيلة بينى وبين الله. لكن لم أعد مُعقمًا فالخلاص لايُعقم وإنما الخلاص يُمكّن. وأول مانجد فى العهد الجديد كلام واضح صريح عن هذا نجده فى إنجيل معلمنا يوحنا إذ يقول إنه جاء إلى هذا الابن البكر ” إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله “ لايقصد أنه ولاواحد يهودى قبله لكن يقصد أن الابن البكر لم يقبله وأما الذين قبلوه من هذا الخاصة أو من غيرها ـ ” فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله “. تقدس الكيان ولكنه لايزال فى مرحلة الصراع ” والذى يصبر إلى المنتهى هذا يخلص “. نال هذا الكيان السلطان على الخطية ولكن الجسد لازال عائشًا “ويحى أنا الإنسان الشقى من ينقذنى من جسد هذا الموت كلما أريد أن أفعل الحسنى أجد الشر حاضرًا عندى “ الصراع قائم لأن الجسد لازال موجودًا ولأن سلطان الظلمة، السلطان المُسلط فى هذا الدهر مازال قائمًا.

فالبنوية فى العهد الجديد هى العودة إلى الصلة بالله والعودة إلى التيار الإلهى. عودة الاتصال بالتيار الإلهى. ” وإن قلنا إننا بلا خطية نكذب ” هو موجود يطهر ” إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا “ لأن القوة المُطهرة قوة قائمة.

فالبنوية فى العهد الجديد تبدأ هنا فى أن الإنسان بكيانه الطبيعى أُعيد اتصاله بالله على حساب الله. وحينئذ صار هذا الاتصال مصدر قوة دائمة لنصرة الإنسان قوة دائمة، لذلك سميت الحياة الأبدية. يبقى الإنسان وهو على الأرض فيه تيار الحياة الأبدية والمقصود بالحياة الأبدية حياة اللاصراع حياة النصرة الكاملة حياة كمال النصرة. هنا بدأت البنوية وهنا المتعة وهنا النصرة ولكن الحرب مازالت مُشتعلة. خَلُصنا بالإيمان، خلاصنا كمن خرج من الغرق، لكن البنوية لازالت تعنى الصراع وتحوى الصراع، والصراع يستمر إلى أن ننتهى من هذا الجسد، ” لأن الخليقة نفسها ( التى تصارع ) ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله “.

أنتم اعتقتم من سلطانها ولكنكم لم تخلصوا بعد من معاكساتها ( رو21:8 ).

بل يقول الرسول ” وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح “، نحن أنفسنا اللى أخذنا الروح، نحن أنفسنا أيضًا غريبة تأكيدها لأنه يقول ” نحن الذين لنا باكورة الروح نئن فى أنفسنا “ ولكنه بين كلمة الذين لنا باكورة الروح وكلمة نئن يؤكدها ثلاث مرات نحن أنفسنا أيضًا نحن أنفسنا وبعدها نحن أيضًا.

لاتفكروا أنكم أنتم صرتم معقمين ولا الكنيسة معقمة ولا المجتمع المسيحى معقم كما يتعقم الجسد أو الحجرة من الميكروب ” نحن الذين لنا باكورة الروح نئن فى أنفسنا “. أريد أن أؤكد بين كلمة نحن ونتوقع أريد أن أؤكد نحن أنفسنا أيضًا نئن فى أنفسنا متوقعين التبني.

قال : ” الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء “

نحن أخذنا التبني إلا أن الخلاص الكامل يتم حين نخلص من هذا الجسد بتغييره فى النهاية. التبني هو عملية. بداية وعملية وهناك ختام وكمال ” متوقعين التبني فداء أجسادنا “. أخذنا التبني أعاد اتصالنا به. ماذا يريد منا ؟ هل علينا أى شئ بعد ذلك ؟.

ولأجل قراءة الموضوع نأخذ يوحنا (1) وممكن من رسالة بطرس الثانية الأصحاح الأول فيه منهج، ماهو هذا المنهج ؟ أنت أخذت كل شئ. يقول : ” كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ماهو للحياة والتقوى بمعرفة الذى دعانا بالمجد والفضيلة الذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة “.

هذه هبة ووعد وليس هذا فقط بل ” تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية” هذه عطايا الله : عطية التبرير، عطية إمكانية التقوى، عطية المواعيد، وعطية الشركة. إلى هنا دور الله. ودورى أنا ” هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة “. فالله أعطى هذا هو دور الله، إنما أنا علىّ أيضًا دور لأن الشهوة موجودة ” هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة “.

” ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا فى إيمانكم فضيلة وفى الفضيلة معرفة وفى المعرفة تعففًا وفى التعفف صبرًا وفى الصبر تقوى وفى التقوى مودة أخوية وفى المودة الأخوية محبة لأن هذه إذا كانت فيكم”. هذا هو البرنامج أو المنهج هو عمل عملاً عظيمًا جدًا ويجب أن اجتهد معه دائمًا. إذن أمامك طريقين كما هو مكتوب ” كلما تجتهد كلما يتسع باب الملكوت قدامك وإنما أن تتكاسل فيضيق باب الملكوت أمامك. اسمع ماذا يقول : ” لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت تصيركم لامتكاسلين ولاغير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح “. يعنى هو أنا سأعمل أكثر مما عمله هو، لأن الذى ليس عنده هذه اليقظة وهذه التقوى وهذا الإجتهاد هو أعمى ( مش شايف حاجة أبدًا ) أى قصير البصر ” قد نسى تطهير خطاياه السالفة “، ” لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلوا أبدًا. لأنه هكذا يُقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدى “.

هذه هى البنوية فى العهد الجديد أنا ابن الله ردنى إلى مركزى، ابن كنت تائهًا فاستردنى من التيه إلا أننى لازلت فى العالم فهو يقودنى ويرشدنى ويساعدنى، والروح القدس معى يبكت على خطيئة وبر ودينونة. الروح القدس الذى فى داخلى يبكتنى على الخطيئة وعلى فقدان البر ويلفت نظرى إلى الدينونة. هذه هى البنوية فى العهد الجديد.

ها نحن ندرس ونقول لنا شركة مع القديسين وبيننا أشخاص يعملون معجزات. على كل حال الشركة ندرس من أجلها عبرانين ( 12 ) وقد جاء بعد عبرانين ( 11 )، وعبرانين ( 11 ) عبارة عن فيلم يستعرض رجال الإيمان وأبطال الإيمان. عبرانين ( 11 ) هو فيلم سريع يستعرض به بعض أبطال الإيمان.

عبرانين ( 12 ) إنه شئ جميل جدًا هؤلاء جميعًا يتفرجون عليك وأنت فى ميدان الجهاد، والمشاهدون حول حلبة السباق ينقسمون أقسامًا طبقًا للاعبين يشجعون ويصفقون فليس غريب أن ينقسم القديسين لأجلك هذا يشجعك ويشجع فلان حسب المحبة القائمة بينه وبينك. ” لذلك نحن أيضًا إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهوله ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا “.

نحاضر بالصبر الذى يجرى فى السباق ينظر إلى الخط النهائى والراية المُعدة وإكليل المجد المُعد. ” ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزى فجلس فى يمين عرش الله. فتفكروا فى الذى احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا وتخوروا فى نفوسكم “. ( عب 12 ).

كما قلت إن الأصحاح كله يتكلم عن الشركة واعتبر أن العقيدة لها ثلاثة أركان أو ثلاثة أقسام هى :

القسم الأول : ماعمله الرب من أجلى.

القسم الثانى : ما أعمله من اجل نفسى.

القسم الثالث : ثمار ومقومات هذه الشركة.

الإيمان والخلاص والفداء والكفارة والتبرير والروح القدس والمجيئ الثانى والصعود إلى أخره كل هذا هو عمله أما عملى أنا فهو الأصوام والصلوات والدراسات والتحفظ والإجتهاد كل هذا خاص بى انا لكن لست أنا وهو فقط بل أنا وهو والعائلة. عائلة الملائكة والقديسين. وعقائد الشفاعة : شفاعة توسلية وشفاعة كفارية، هذا الكلام كله شركة، هذا باب الشركة.

آية ( 18 ) : ” لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه أن تزاد لهم كلمة. لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو تُرمى بسهم. وكان المنظر هكذا مُخيفًا حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد “.

ذلك كان الإقتراب من جبل الله حين نزل عليه الله لم يكن الخلاص قد تم فذلك لم يكن مجرد إقتراب بل كان إنذارًا بعدم الإقتراب، تحفظًا بعدم الإقتراب، لفت نظر لأن طريق الإقتراب من الله لم يكن قد مُنح بعد. أما أنتم فى العهد الجديد أنتم أبناء الله. ” بل قد أتيتم إلى جبل صهيون “. آية (18) ” لم تأتوا “ لكن آية (22) ” بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية “.

هل نحن الآن فى أورشليم السماوية ؟ ” وإلى ربوات هم محفل ملائكة “.

الملاك وقف قديمًا بسيف نار متقلب يمنع الإقتراب من شجرة الحياة وأما الآن فنحن والملائكة فى محضر واحد ” وإلى ربوات هم محفل الملائكة “. وقد يقال ” الملائكة والأرواح وصلوا إلى هناك وخلاص ولاتُوجد علاقة بيننا وبينهم ” ” وإلى كنيسة أبكار مكتوبين فى السموات “. هذا ليس كلام نظرى ” وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مُكملين “. لئلا يفتكروا أن كنيسة أبكار مكتوبين فى السموات هم نحن الموجودون على الأرض ممكن كنيسة أبكار مكتوبين لكن أكدها بقوله ” وإلى أرواح أبرار مكملين.” ” وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل “. هذه هى الشركة. البنوية أيها الأحباء عودة إلى المركز.

والبنوية واجب اجتهادى حتى لانفقد المركز.

والبنوية متعة بشركتنا مع السماء. العهد الجديد ملئ بالكلام عن البنوية وكل هذا لكى يردنا إلى البنوية. طبعًا الكلام كثير عند الآباء وتسمعوه من الإخوة الذين لهم تخصص لكن هذا كان تقديم كتابى عن الموضوع، يقول معلمنا يوحنا “أيها الأبناء نحن الآن أولاد الله ولايظهر بعد ماذا سنكون ” أنتم الآن أولاد الله علىّ عمل أعمله ومستمر فيه، وعلينا واجب اجتهادى نستمر فيه ونحن فى شركة مباركة.

 

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (1) د. موريس تاوضروس

الثالوث وحياة الصلاة:

إننا عندما نتوجه إلى الله فيجب أن نضع في ذهننا أن الله الذي نتكلم إليه هو الآب والإبن والروح القدس. فإذا صلينا “يا أبانا” فنحن هنا نصلي إلى الآب بكلمته وروحه. أن الآب الذي نصلي إليه هو الله الذي له تاريخ معنا، الله الذي تعامل معنا وتعاملنا معه. الله الذي خلقنا ووهبنا نعمته وعرّفنا الخير من الشر، وأوصانا لنسير ونسلك في طريق الكمال، ولكن نحن عصينا الله وخالفنا وصاياه، وكان لابد أن نُعاقب ولكن في رحمته وفي حبه لنا بذل إبنه الحبيب من أجل غفران خطايانا وتجسد السيد المسيح وصلب وتألم ومات وقام لكي يعود بنا إلى حالتنا الأولى التي كُنا عليها قبل السقوط. (عندما نصلي) يجب أن نضع أمامنا تاريخ الخلاص الذي دبره الله. أي أننا يجب أن نصلي في الثالوث. ولو رجعنا إلى الصلاة الربانية التي علمها لنا السيد المسيح لرأينا أنها صلاة خلاصية وتشير إلى فاعلية الأقانيم الثلاثة في حياتنا.

فعندما نقول “أبانا الذي في السموات” فنحن هنا لا نخاطب الله كمجرد خالق ولكننا نخاطبه كأب ونحن في وضع الأبناء. إن لفظ “خالق” لا يتضمن البنوة. فنحن نقول الله “خالق العالم”، لكننا لا نقول الله أبو العالم وإذن فهنا وضع متميز لنا يضعنا فوق المخلوقات. ولفظ الآب أيضًا يذكرنا، بأننا حصلنا على امتياز لم يكن لدينا في حالة الخطية، فقد كنا في وضع العبيد، وأما الآن فنحن في وضع الأبناء. إذن نتذكر كيف حرَّرنا الآب من العبودية ووهبنا مرتبة البنوة. وهذا ما شهد به الرسول بولس في قوله: ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله إبنه مولودًا من إمرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب. إذن لستَ بعدُ عبدًا بل إبنًا، وان كنت إبنًا فوارثٌ لله بالمسيح” (غلا4:4ـ7).

ونحن نلاحظ في هذه الآية (أن الرسول بولس يشير إلى الثلاثة أقانيم). ومن أجل هذا فإننا نقول أن الرسول بولس يصلي في الثالوث.

فالرسول بولس يشير إلى إرسالية الله الآب للإبن وللروح القدس في زمن الخلاص. وما ترتب على هذه الإرسالية من آثار ونتائج. فإرسالية الإبن تشير إلى التجسد. ويقول الرسول بولس أيضًا إن الله أرسل روحه ويسميه “روح الإبن”. وروح الإبن يصرخ في قلوب المؤمنين “يا أبا الآب”، وهذا دليل على ظهور الله في حياة البشر ودليل أيضًا على أننا نلنا أحقية البنوة لله. والبرهان على أننا أبناء الله هو حلول روح الله في قلوبنا.

 

الثالوث وعطية التبني:

عطية التبني أكدها أيضًا الرسول بولس في (رو14:8ـ17) حيث قال ” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله. الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح“. والبنوة التي يُشار إليها هنا ليست البنوة الجسدية ـ بل البنوة الروحية ـ والميراث الذي يرتبط بهذه البنوة ليس الميراث الأرضي، بل الميراث الروحي السماوي.

هذه البنوة لا يحظى بها إلا الذين قبلوا المسيح وآمنوا به. هي بنوة لا ترجع إلى تناسل طبيعي. هي بنوة لم نكن نحن فيها أولاً ولكننا صرنا إليها، إكتسبناها.

قال عنها الرسول يوحنا في إنجيله: ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون بأسمه” (يو12:1). عندما قال السيد المسيح عن يوحنا المعمدان: “لأني أقول لكم إنه من بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان”. فإن القديس كيرلس الأسكندري يفسر هذه الآية على النحو التالي: “إن يوحنا المعمدان وكثيرين من الذين سبقوه هم مولودون من النساء ولكن الذين نالوا الإيمان لا يعودوا يدعون مواليد النساء بل مولودون من الله”[1] “كما جاء في يو13:1 “الذين وُلدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله” فالمؤمنون ولدوا ثانية وصاروا بالتبني أبناء لله. كما يقول أيضًا الرسول بطرس      ” ليس من زرع يفنى بل بكلمة الله الحي الباقي إلى الأبد” (1بط23:1). فأولئك الذين ليسوا من زرع يفنى بل بالعكس ولدوا من الله هم أعظم من أي مولود من إمرأة. والذين ولدوا من النساء لهم فقط أباء أرضيون، أما المؤمنون الذين ولدوا الميلاد الثاني بالمعمودية، فلهم الآب السماوي. وهكذا صارت لنا بنوة جديدة وأبوة جديدة ومن خلال هذا نفهم قول السيد المسيح للمؤمنين الذين يجب أن يرتبطوا بالآب السماوي. يقول السيد المسيح ” لا تدعو لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات وأنتم جميعًا أخوة” (مت9:23). إن السيد المسيح لا يدعونا أن ننكر الأبوة الأرضية، ولكن أن نخضع هذه الأبوة السماوية وفقًا لما قاله الرسول بولس في رسالته إلى أفسس ” أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق” (أف 1:6). فطاعتنا لوالدينا في الأرض يجب أن تكون في إطار طاعتنا للآب السماوي.

وعن هذه البنوة الروحية التي وهبها لنا الثالوث القدوس قال الرسول بولس ” ثم بما إنكم أبناء أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4). أن روح الإبن هنا هو الذي أعطانا أن نخاطب الله كأب لنا ونصرخ إليه قائلين “يا أبا الآب”. فالرسول بولس هنا يؤكد أن السيد المسيح حقيقي قام من الأموات وفتح لنا الفردوس. حينئذ أعطى روح التبني لأولئك الذين آمنوا به. ونفس هذا التعليم هو ما أكده القديس يوحنا الرسول في إنجيله. فلم يكن هناك روح تبني من قبل قيامة المسيح وصعوده إلى السماوات حيث يقول ” لأن الروح لم يكن قد أعطي بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7)، أي أن يسوع لم يكن قد قام من الأموات وصعد إلى السموات. لذلك فروح التبني لم يكن موجودًا في الناس بعد. ولكن حينما صعد كلمة الله الوحيد إلى السماء أرسل المعزي الروح القدس ليمكث فينا بواسطة المسيح. والروح القدس هذا هو الذي أعطانا روح التبني. وكذلك قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت سوف أرسله إليكم” (يو7:16). روح التبني إذن الذي أخذناه بالإيمان بالمسيح، هو الذي يعطي أن يكون الأصغر في ملكوت السماوات أعظم من يوحنا المعمدان. لأننا بالإيمان بالمسيح نستطيع أن نحقق ما قاله السيد المسيح “إن لم يزد بركم عن الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت الله”. بالإيمان بالمسيح إذن، وبروح التبني التي نأخذها بالروح القدس، يفتح أمامنا الثالوث القدوس الطريق إلى الملكوت السماوي.

لكن هذه البنوة التي أخذناها بالتبني. بلا شك ترتبط بالتزامات نحو الآب السماوي. فالأبناء بلا شك يجب أن يسلكوا بما يرضي آباءهم ولا يحيدوا عن وصاياهم. ولأجل هذا يوصينا الرسول بطرس ” إن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد. فسيروا زمان غربتكم بخوف” (1بط17:1).

 

البنوة والحرية:

البنوة بالطبع ارتبطت بمعنى الحرية. إنتقالنا من العبودية إلى البنوة يعني إنتقالنا إلى الحرية. نحن إذن الآن أحرار في بيت أبينا السماوي ولا يجب أن لا نفتكر في شيء أو نقول شيئًا لا يتناسب مع هذه الحرية التي منحت لنا. يجب أن لا نتصرف كما يتصرف بعض الأبناء الأرضيين. فيعْصون أباءهم ويتمردون عليهم. لقد إتخذ الله إسرائيل شعبًا له في البداية. ولقد أعطاهم لقب البنوة. لقد حرَّرهم، ولكنهم استغلوا هذه الحرية فيما يسيء إلى الله ولذلك خاطبهم الرب قائلاً: ” ربيت بنين ونشأتهم أما هم فعصوا علىَّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. إما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم” (اش2:1، 3).

لقب أبناء الله يطلق على الساعين نحو تحقيق السلام كما قال السيد المسيح في عظته على الجبل ” طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَوْن” (مت9:5). ويطلق على الذين يتعاملون مع الآخرين وعلى الأخص مع الأعداء بمحبة كما يقول السيد المسيح أيضًا ” بل أحبوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجو شيئًا فيكون أجركم عظيمًا وتكونوا بني العلى فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار” (لو35:6)، ويمارس أبناء الله حياة روحية حقيقية غيرهم عن أبناء العالم. يقول الرسول يوحنا ” كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطيء لأنه مولود من الله. بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البر فليس من الله. وكذا من لا يحب أخاه” (1يو9:3، 10).

إن إبن الله يشارك الله في حياة البر والقداسة من الآن كما يقول الرسول بطرس   ” لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط1).

على أن انتقالنا من العبودية إلى البنوة الروحية، لا تعني أننا صِرنا بلا قيود وبلا التزامات عندما كنا في الخطية كنا عبيدًا للخطية وإذ انتقلنا إلى حياة البر فنحن قد صرنا عبدًا للبر. كيف أفهم حرية أبناء الله؟

يقول الرسول بولس: ” وإذ أعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبر” (رو18:6). الخطية كانت تفقدنا بنوتنا لله وكانت تجعلنا نتصرف كأبناء للشيطان، أما الآن فقد صِرنا بالتبني أبناء الله. وأبناء الله الذين تقدسوا بفاعلية الروح القدس في حياتهم يجب أن يسلكوا في بر وقداسة. يجب أن ننتقل من عبودية الخطية إلى عبودية البر. عندما كنا أبناء الخطية كنا نحرر أنفسنا من مطالب البر والتزاماته. أما الآن وقد صِرنا أبناء البر فعلينا أن نحرر أنفسنا من أهواء الخطية ونزواتها ونسلك في حياة القداسة.

 

حياة القداسة:

السلوك في حياة القداسة هو السلوك الذي يرضي الله ويتفق مع مشيئته لأنه ـ كما يقول الرسول بولس ” هذه هي إرادة الله قداستكم” (1تس3:4). وفي نفس الرسالة يقول   ” لأن الله لم يَدْعنا للنجاسة بل في القداسة” (1تس7:4). ويوصي الرسول بولس بحياة القداسة في رسالة إلى العبرانيين فيقول ” أتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب” (عب14:12).

كأبناء لله نحن مدعوون لأن نشترك في قداسة الله، كما يقول الرسول بولس في عب10:12، أن الله يؤدبنا لأجل المنفعة ” لكي نشترك في قداسته” (عب10:12)، ويقول أيضًا ” فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله” (2كو1:7).

وفي (1تس13:3) يقول الرسول ” لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة أمام الله أبينا في مجيء ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه“.

 

يتبع هنا: فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

1 القديس كيرلس الأسكندري، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية 2007م، ص172.

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

كتبنا في الجزء السابق عن نعمة التبني التي وهبها لنا الثالوث القدوس. وقلنا إن نعمة التبني تلزمنا بواجبات نحو أبينا السماوي.

          وفي هذا العدد نتتبع ما هى واجباتنا كأبناء نحو أبينا السماوي في ضوء ما علّم السيد المسيح في الصلاة الربانية.

          نحن في الصلاة نقول ” ليتقدس اسمك “. ولكن فيما يشرح القديس كيرلس الأسكندري: هل نحن نصلي من أجل أن نضيف إلى الله مزيد من القداسة. هل قداسة الله ناقصة وتحتاج إلى تكميل؟ إن الله كامل بالطبيعة وهو ممتلئ بالقداسة ولا يحتاج إلى مزيد. وهل نحن نصلي من أجل الله ونيابة عن الله. بلا شك هذا أمر غير معقول.

إذًا ما معنى ليتقدس اسمك؟ معنى هذا أن الله كلّي القداسة وأنت لا تستطيع أن تقترب إليه إلاّ إذا كنت تحيا حياة القداسة وكما يقول الكتاب ” كونوا قديسين لأني أنا قدوس ” (لا44:11). ومعنى هذه العبارة أيضًا أن الله يتقدس في أولئك الذين يقتربون منه، كما يقول أيضًا في سفر اللاويين ” هذا ما تكلم به الرب قائلاً في القريبين مني أتقدس، وأمام جميع الشعب أتمجد ” (لا3:10). فإن عبارة ” ليتقدس اسمك ” تعني: ليت اسمك يُحفظ مقدسًا فينا، في أذهاننا وإرادتنا. نحن نصلي إذًا من أجل أنفسنا، من أجل أن تتقدس حياتنا. ونصلي أيضًا

من أجل هؤلاء الذين لم يدركوا قداسة الله وقداسة المسيح، نصلي من أجل هؤلاء الذين لم يحصلوا بعد على نور الحق والذين لم يقبلوا الإيمان بعد. نصلي من أجل هؤلاء الذين لم يعرفوا المسيح بعد، حتى يعرفوه، وحتى يؤمنوا به أنه هو الله القدوس. 

          وعندما نصلي أيضًا ونقول: ” ليأت ملكوتك ” فنحن لا نصلي من أجل أن يضاف شئ إلى مجده الملوكي، لأن ملكوت الله قائم معه بلا بداية كما قيل في المزامير       ” بمجد ملكك ينطقون وبجبروتك يتكلمون، ليعّرفوا بني آدم قدرتك ومجد جلال ملكك. ملكك مُلك كل الدهور وسلطانك في كل دور فدور ” (مز5:145ـ7). فنحن إذًا لن نضيف على الله شيئًا، ولكننا نصلي ” ليأتِ ملكوتك ” بمعنى أننا يا رب نريد أن يمتد الإيمان بالمسيح إلى كل العالم.

نريد للعالم كله أن يقبل المسيح مخلّصًا له. كذلك نحن نعرف أن السيد المسيح سوف يأتي في المجيء الثاني ولكن المجيء الثاني لا لكي يرينا طريق الخلاص، فهذه كانت رسالة المجيء الأول، ولكن المجيء الثاني يرتبط بالدينونة: المسيح سوف يأتي ثانية ليدين العالم. ويذكر الرسول بولس هذا في حديثه عن المجيء الثاني فيقول: ” لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي السيد لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا ” (2كو10:5). فكيف نحن نطلب من أجل مجيء يوم الدينونة، ومنبر الدينونة مرعب، والقاضي لا يأخذ بالوجوه.

ويوم الدينونة هو يوم المسائلة؟ بل هو يوم المحاكمة والمجازاة، فكيف نطلب من أجل أن يجيء يوم الدينونة. والنار معدة للأشرار. كيف يمكن للناس أن يطلبوا أن يعاينوا ذلك الوقت؟ يجيب القديس كيرلس على ذلك فيقول ” لاحظوا مهارة المخلّص وحكمته العجيبة.

إنه يطلب منهم أن يصلوا من أجل أن يأتي هذا اليوم المرعب، لكي يجعلهم يعرفون أنه يجب عليهم أن يحيوا ليس بإهمال ولا بانحلال، بل على العكس أن يعيشوا كما يليق بالقديسين وبحسب مشيئة الله. لكي تكون تلك الساعة بالنسبة لهم هى واهبة الإكليل وليس النار الأبدية، نار الدينونة. القديسون إذًا يطلبون سرعة مجيء المُلك الكامل للمخلّص لأنهم جاهدوا كما ينبغي وهم يتوقع

ون المجازاة عما سبق أن فعلوه. إن يوم الدينونة بالنسبة للقديسين هو يوم عيد لأنهم سوف يسمعون صوت الديان السماوي يقول لهم ” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم ” (مت34:25). إن السيد المسيح ضرب أمثلة كثيرة لهذه الفئة من الناس التي تنتظر يوم الدينونة بفرح.

          هناك مثل الوكيل الأمين الحكيم (لو41:12ـ48) قال الرب يسوع ” فمَنْ هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم وجبتهم من الطعام في حينها؟ الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله “. يعني لو افترضنا أن رب بيت كان مزمعًا أن يسافر في رحلة وأوكل لواحد من عبيده الأمناء مهمة تدبير كل بيته، لكي يعطي خدمه الطعام المستحق لهم في حينه.

فعندما يعود رب البيت إلى بيته ووجد هذا الوكيل يفعل كما أمره رب البيت، فإن رب البيت سوف يسر من هذا الوكيل، وسوف يقيمه على جميع أمواله. بلا شك: مثل هذا الوكيل الأمين الذي نفذ كل ما طلبه منه سيده، وقام بواجبه على أحسن ما يرام. أى إنسان يسلك في حياته بأمانة وإخلاص ويؤدي واجبه على أحسن ما تكون صورة الأداة، بلا شك مثل هذا الإنسان يصلي من أجل أن يأتي ملكوت الله، ومن أجل يوم الدينونة لأنه سينتظر المكافأة لأنه بالنسبة له هو يوم المكافأة، اليوم الذي يكلل فيه.

          ونفس الأمر أيضًا في مثل الوزنات الذي ذكره السيد المسيح (مت21:5ـ30) إنسان مسافر دعا عبيده وسلمه أمواله. أعطى واحدًا خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة. كل واحد على قدر طاقته فمضى الذي أخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أخر وهكذا الذي أخذ الوزنتين، ربح أيضًا وزنتين أخريين، وأما الذي أخذ الوزنة الواحدة، فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده.

سوف يقول السيد للأول والثاني أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك. هذان الشخصان بلا شك ينتظران يوم الدينونة ويرفعان صلواتهما ليأت ملكوتك.

          أما الوكيل الذي لا يكون أمينًا في عمله، ويتوقع أن سيده يبطئ فلا يفكر في يوم الدينونة وبدل أن يقوم بواجبه نحو الآخرين، فإنه يعاملهم بكل قسوة وعنف. ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها لأن يوم الدينونة يأتي كلص فلا يعرف أحد متى يأتي.

          تُرى هل الإنسان غير الأمين في حياته وفي وكالته، هل ينتظر يوم الدينونة وهل يمكن أن يصلي قائلاً: ” ليأتِ ملكوتك ” فيوم الدينونة بالنسبة له هو يوم العقاب. وكما يقول مثل الوكيل الأمين بالنسبة لهذا الإنسان الذي لم يسلك بأمانة في وكالته، يقول المثل ” يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها فيقطعه إربًا ويجعل نصيبه مع الخائنين ” (لو46:12).

          وكذلك إذا رجعنا إلى مثل الوزنات. هل ينتظر صاحب الوزنة الواحدة الذي لم يتاجر بها بل طمرها في الأرض، هل ينتظر يوم الدينونة، وهل تتوقع منه أن يصلي قائلاً “ليأت ملكوتك ” بلا شك لا. لأن يوم الدينونة بالنسبة له سيكون يوم عقاب وسوف يسمع صوت الديان: ” خذوا منه الوزنة واعطوها للذي له العشر وزنات. والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ” (مت30:25).

وكأبناء نخاطب الآب فنقول ” لتكن مشيئتك، كما في السماء. كذلك على الأرض ” (لو2:11). في السماء يصنع الملائكة مشيئة الله. وأما الذين فعلوا غير ذلك، فقد سقطوا من رتبهم. أما بالنسبة للملائكة الذين يصنعون مشيئة الله، يقول داود النبي في مزاميره ” الرب في السموات ثبَّت كرسيه ومملكته على الكل تسود. باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه.

باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته (أى مشيئته) ” (مز19:103ـ21). فنحن نصلي حتى يتمثل البشر سكان الأرض بسلوك الملائكة في السماء وبالطبع فإن الملائكة في السماء لا يخدمون خدمة مادية، بل خدمة روحية مقدمين دائمًا التماجيد والتسابيح لله الخالق. وبالطبع فإن هؤلاء الذين يصلّون من أجل أن تسود مشيئة الله على الأرض كما في السماء، بل أنهم يسلكون بحسب هذه المشيئة، ويكونون في مقدمة الذين يعملون مرضاة الله ويسلكون حسب مشيئته.

          إن السيد المسيح باعتباره يمثل البنوة على أكمل صورة لها، لأنه هو ابن بالطبيعة وليس بالتبني، لنسمع المسيح وهو يخضع المشيئة الإنسانية للمشيئة الإلهية فلا تكون هناك بعد مشيئتان، بل مشيئة واحدة وإرادة واحدة وفعل واحد للثالوث.

          التلاميذ مرة أرادوا أن يقوموا بواجبهم نحو معلّمهم، فجاءوا بطعام للسيد المسيح وقالوا له يا معلّم كُل. ولكن السيد المسيح وجه أنظارهم إلى الطعام الروحي الذي هو أيضًا أساس لحياتنا. البعض يعتقد أن سلامة الإنسان وصحته هى في الاهتمام بالأكل المادي، ويتبعون في ذلك نظامًا دقيقًا ولكنهم يتركون الروح ولا يهتمون بالصحة الروحية وينسون أن عدم الاهتمام بالصحة الروحية يصيب الجسد نفسه بالمرض فلا ينفع معه مجرد الأكل، وكم من مرضى تقدموا إلى المسيح ولم يكن سبب المرض نقص في الغذاء لكن كانت أمراضهم بسبب الخطايا.

ولذلك قال السيد المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (مت4:4). والعجيب أن السيد المسيح جعل الطعام الروحي يقوم أساسًا على العمل حسب مشيئة الله فقال لهم يسوع ” طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله ” (يو34:4)، ويذكر السيد المسيح في أكثر من موضع خضوع المشيئة الإنسانية للمشيئة الإلهية فيقول أيضًا     ” لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني ” (يو30:5). ويقول أيضًا      ” لأني نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ” (يو38:6).

          وبولس الرسول في رسالته إلى كولوسي، يصلي إلى الله لكي نعرف مشيئته ونسلك حسب هذه المشيئة فيقول: ” من أجل ذلك نحن أيضًا منذ يوم سمعنا لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم أن تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي، لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى مثمرين في كل عمل صالح ونامين في معرفة الله ” (كو9:1ـ10).

          فنعمة التبني التي نحن قد أخذناها تظهر فينا وتتعمق في حياتنا، بقدر ما نحن نعرف مشيئة الرب ونعمل حسب هذه المشيئة. مقياس حياة التبني عندنا هو العمل حسب مشيئة الله بمعنى أنت ابن لله بقدر ما تعمل حسب مشيئة الله.

          بل في الرسالة إلى العبرانيين يوضح الرسول بولس أن كمال العمل الصالح يتم في العمل بمشيئة الله فيقول: ” ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته ” (عب21:10).

          لذلك لا نستغرب إذا كان الرسول بولس يضع حياته بين يدي الله ولا يفعل شيئًا إلاّ حسب مشيئة الله. يقدم مشيئة الله في كل شئ. في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس أظهر رغبته في السفر إلى كورنثوس، ولكن جعل الأمر متوقفًا على مشيئة الله يقول لهم ” ولكن نأتي إليكم سريعًا إن شاء الرب ” (1كو19:4). وبولس الرسول يوضّح أنه إن كان يخدم كرسول فهو لم يدع نفسه لهذه الخدمة بل دعى لهذه الخدمة بمشيئة الله.

ويفتتح أكثر رسائله بتأكيد هذه الحقيقة. في الرسالة الأولى إلى كورنثوس يقول  ” بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيح بمشيئة الله ” (1كو1:1). وفي الرسالة الثانية إلى كورنثوس يؤكد أيضًا هذه الحقيقة فيقول في عبارات مماثلة ” بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيح بمشيئة الله ” (2كو1:1)، وفي الرسالة إلى غلاطية يفتتحها على هذا النحو ” بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب ” (غلا1:1) وهكذا الأمر بالنسبة لافتتاحيات أكثر رسائله.

          لذلك يجب أن نصلي إلى الله ” لتكن مشيئتك ” قل له يارب: لا تسمح لي أن أتصرف بمشيئة مستقلة عن مشيئتك. لا تدعني أن أختار حياتي بحسب ما تستحسنه مشيئتي بل بحسب ما تراه مشيئتك. قل له يا رب: لست أنا الذي أشاء، بل أنت الذي تشاء فيَّ، لست أنا الذي أرسم حياتي وأخطط لمستقبلي. أنت يا رب هو كل شئ بالنسبة لي.

(يتبع)

فاعلية الثالوث في حياتنا في رسائل القديس بولس الرسول (2) د. موريس تاوضروس

الخلاص والتبني – الجزء الثاني مقدمة، التبني عند القديس بولس الرسول

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا
للعودة للجزء الأول (تمهيد)أضغط هنا.

 

2 – مقدمـــــــــــــــــــــة

 

[sonship – full rights of sons ]
بنوَّه – الحقوق الكاملة للأبناء

كلمة التبني مُترجمة من العبرية בַּתללָקח – batllaqah، وعن اليونانية ύίοθεσία – huiothesia، أي وضعه في موضع الأبناء، أي اتخاذ شخص [ ليس ابناً طبيعياً له صلة الرحم ] أبناً، وعموماً الكلمة تُشير إلى الإجراء القانوني الذي يستطيع به أي إنسان أن يلحق أبناً بعائلته، ويخلع عليه قانونياً كل حقوق وامتيازات الابن، بالرغم أنه ليس ابناً طبيعياً له، بل وليس من عشيرته أو قومه الأقربين، إذ جرت العادة عند الناس قديماً وحديثاً على أن يتبنوا أولاد لأنفسهم، فيتمتع هؤلاء المتبنين بجميع حقوق البنوية من وراثة وغيرها كأنهم أبناء حقيقيون، وذلك مثلما حدث في تبني ابنة فرعون لموسى النبي (خروج 2). 
وكانت من عادة المرأة قديماً، إذ لم يكن لها ولد تُعطي جاريتها زوجه لرجلها، فإذا ولد منها بنون تبنتهم سيدة الجارية وحسبتهم بنين لها (أنظر تكوين 16). وإذا حدث أن رجلاً ليس له سوى ابنه وحيدة، يُمكنه أن يعطيها زوجة لعبد معتوق، ويتبنى أولادها ليرثوه ويحيوا اسمه من بعد موته. وكان التبني أمراً مشهوراً أيضاً عند الرومان واليونانيين، وقد وضعت قوانين مُخصصه توضح كيفية احتلال مركز الابن في وضع شرعي.

وعموماً هذه الكلمة (التبني)، لا تُذكر في العهد القديم إلا نادراً وفي مواضع محددة، فلا يوجد في العهد القديم أية قواعد (قوانين) خاصة بالتبني، رغم وجود تعبيرات مثل: [ أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً ] (2صموئيل 7: 14)، أو [ واتخذكم لي شعباً ] (خروج 6: 7) 
بل هذه الكلمة لا تظهر بوضوح إلا في العهد الجديد، وعلى الأخص في رسائل القديس بولس الرسول، وتُذكر في: [ رومية 8: 15 و23؛ رومية 9: 4؛ غلاطية 4: 5؛ أفسس 1: 5 ]

+ إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب (رومية 8: 15)
+ وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا (رومية 8: 23)
+ الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد (رومية 9: 4)
+ ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني (غلاطية 4: 5)
+ إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته (أفسس 1: 5)

  • أولاً : الفكرة القانونية العامة
[ سوف نذكر التبني – باختصار شديد – من خلال العهد القديم وعادات الشعوب لنميز ما بين المفهوم القانوني وعادات الشعوب، وبين العهد الجديد وما شرحه القديس بولس الرسول على وجه التحديد لنفهم ما هو وضعنا الصحيح بالنسبة لعلاقتنا مع الله في المسيح، لأننا لن نفهم ما كتبه القديس بولس الرسول وفي ذهننا لبس ما بين التبني على مستوى الجسد وعادات الشعوب وما بين بنوتنا الحقيقية في المسيح يسوع !!! ]
عموماً كانت هذه العادة [ التبني ] شائعة بين اليونانيين والرومانيين، وغيرهم من الشعوب قديماً، ولكنها لا تُذكر إطلاقاً في الشريعة اليهودية:
  • 1 – في العهد القديم:نقرأ في العهد القديم عن ثلاثة حالات من التبني:
الحالة الأولى موسى: وقد تبنته ابنة فرعون [ ولما كبر الولد جاءت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً [ تبنته ] .. ] (خروج 2: 10)
الحالة الثانية جنوبث، وقد تبنته خالته تحفنيس زوجة فرعون مصر [ فولدت لهُ أخت تحفنيس جنوبث ابنهُ وفطمته تحفنيس في وسط بيت فرعون. وكان جنوبث في بيت فرعون بين بني فرعون ] (1ملوك 11: 20)
والحالة الثالثة أستير: وقد تبناها مردخاي [ وكان مربياً لهدسه أي أستير بنت عمه، لأنه لم يكن لها أب ولا أم (مات أبوها وأمها فتبناها مردخاي)… أستير ابنة أبيحايل عم مردخاي الذي اتخذها لنفسه ابنة ] (أستير 2: 7 و15)

ونُلاحظ بالنسبة لهذه الحالات الثلاث، أنها لم تحدث في فلسطين، بل في خارجها، وبالتحديد في مصر وفارس، حيث كان التبني أمراً شائعاً في تلك المناطق. والتبني يصدر عادةً عن الأب المتبني (الذي يريد التبني)، فهو من يتخذ المبادرة على الدوام. وقد يكون الدافع لهذا هو الاحتياج العاطفي، أي ملء الفراغ العاطفي لعدم وجود ذرية تُشبع العواطف الأبوية والمفاهيم الدينية، وايضاً لحفظ اسم العائلة واستمرارها، أو للرغبة في ممارسة السلطة الأبوية.

وكانت إجراءات وشروط التبني تختلف من شعب لآخر حسب عاداته وتقاليده وديانته، فقد كان التبني عند الأمم الشرقية يمكن أن يمتد إلى العبيد أو الأسرى [ كما في حالة موسى ]، وبالتبني ينالون حريتهم ويحصلون على الحقوق الكاملة التي للأبناء والأحرار.
أما عند اليونان والرومان، فكان التبني قاصراً على المواطنين الأحرار، إلا في بعض الحالات الاستثنائية فقط.
  • 2 – عند اليونان: 

كان ممكناً للإنسان في أثناء حياته أو في وصية تُنفَذ بعد وفاته، أن يتبنى أي مواطن يوناني ذكر، فيصبح في مكانة الابن له كل حقوقه الكاملة في كل شيء، ولكن بشرط أن يقبل الابن المتبني القيام بكل الالتزامات القانونية والواجبات الدينية التي يلتزم بها الابن الحقيقي.

  • 3 – عند الرومان:

نلاحظ أن سلطة الأب عند الرومان سلطة عاتية، فكان الأب يُمارس على ابنه سلطة شبيهة بالسلطة التي يُمارسها السيد على عبده، وقد أضفى هذا صورة غريبة على عملية التبني !!!

وكانت إجراءات التبني شبيهة بما كان يُجرى عند اليونانيين، وعلى وجه التحديد: كان التبني إجراء به ينتقل الابن من سلطة أبيه الحقيقي، إلى سلطة أبيه بالتبني، وكأنها عملية بيع افتراضية للابن، يُصبح بها خاضعاً تماماً لسلطة الأب الجديد الذي تبناه.
وكانت الإجراءات تتم بأن يقوم الوالد ببيع ولده للأب الجديد ثلاثة مرات، بعدها يَمْثُل الوالد الجديد أمام القاضي ويُعلن أن هذا الولد صار أبناً له، وهكذا يصبح هذا الابن هو الوريث الشرعي لأبيه بالتبني.

 

ثانياً: التبني في رسائل القديس بولس الرسول


بالطبع وبلا شك كان القديس بولس الرسول عارفاً بالعادات الرومانية كشخص كان يتمتع بالجنسية الرومانية، كما أنه سواء في موطنه في طرسوس المدينة الكبيرة، أو في رحلاته العديدة، قد عرف عادات الشعوب والمناطق الأخرى.

وطبعاً بولس الرسول يستخدم الفكرة ليس في حرفيتها القانونية كما هي عند الرومان أو عند باقي الشعوب ولا حتى على مستوى العهد القديم مثل الحالات التي رأيناها، فمن الخطر الذهاب بكلمات القديس بولس عن التبني إلى حدود بعيدة من التفاصيل لتشتمل على فكر الشعوب أو حتى فكر اليوم عن التبني سواء بقبوله أو رفضه قانونياً، ولا يصح أن نطبقه من الجهة الحرفية القانونية على كلمات الرسول، لأن هناك اختلاف بارز وجوهري بين التبني عند الشعوب، والتبني عند الله في المسيح يسوع، لأن القديس بولس يستخدم كلمة التبني ليُبين أن الله – بإعلان نعمته في المحبوب يسوع ابنه بالطبيعة والحق – أتى بالناس إلى علاقة الأبناء الحقيقيين ومنحهم اختبار وتذوق علاقة التبني في الابن الوحيد له بالطبيعة، فكلمة البنيين أضفى عليها الرسول معاني متسعة ليوضح علاقتنا الجديدة بالله في يسوع المسيح ابنه الحقيقي والوحيد، لأن بالتجسد الإلهي الفائق قُدمت لنا الطبيعة الجديدة الداخلية، ليكون كل إنسان مؤمن بالمسيح على شبه المسيح الرب نفسه، متمثلاً بالله، لأن العلامة المُميزة للمسيحي الحقيقي ليست في الأساليب والأشكال الخارجية الظاهرة للناس، إنما في تجديد القلب وسلام الأفكار الداخلية والمحبة لله التي تظهر في محبة القريب وكل إنسان، وبذلك يتحقق فينا عملياً التجسد الإلهي، لأن ابن الله بالطبيعة صار ابناً للإنسان، وذلك لكي يصير أبناء الإنسان أبناء الله في الابن الوحيد، لأننا من شخص ربنا يسوع المسيح نستمد التبني.

__________يتبـــــع__________
العنوان القادم؛ تابع ثانياً: التبني في رسائل القديس بولس الرسول
1 – التبني في الرسالة إلى أهل غلاطية

 

Exit mobile version