تابع مدخل عام للكتاب المقدس (2) كيفيه شرح الكتاب المقدس شرحاً سليماً، الوحي.

تابع سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الثاني
تابع المقدمة – الوحي الإلهي والإعلان
للعودة للجزء الاول أضغط هنا.

الوحي الإلهي الذي منه الإعلان، ليس فكرة ونظرية نطرحها لنكتب معلومة جديدة أو كمجرد عظة، أو فكرة عظيمة نلفقها لكي نؤكد على أن الكتاب المقدس موحى به من الله، بل هي خبرة نجتاز فيها عملياً وعلى مستوى واقعنا اليومي المُعاش، حينما ندخل في علاقة حية مع الله الحي ونمتلئ بالروح، لأن الوحي والإلهام بالروح القدس، روح الله، وليس حسب أفكار الناس، حتى لو كانت أفكارهم حسنة جداً ورائعة للغاية، بل وفي منتهى الدقة البحثية والفكرية، لذلك حينما ينطق الأنبياء بالإلهام الإلهي، إلهام موحى به من الله، فينطقون بقوة كلمة الله من فمه وباسمه، بصورة كلمات بشرية في واقع إنساني يومي مُعاش، يفهمها الإنسان حسب لغة عصره ليستوعب مقاصد الله وماذا يُريد منه على وجه التحديد والدقة، إذ أنهم يتعلمون من الله بالروح القدس، وينطقون بنفس ذات الروح عينه حسب إلهامه… 

ولندقق فيما هو مكتوب بنفس ذات الإلهام ليُعلمنا ويشرح لنا كيف ننطق بكلمة الله ونكرز بها ونعيشها اليوم كما هي بحسب إلهام الروح ذاته وبشخصه، بنطق الله الذي منه الحياة تنسكب فينا، فنحيا به ونتحرك ونوجد لا على مستوى نظري ومعلومة بل كخبرة وحياة في واقعنا اليومي المُعاش:
  • فقال موسى للرب: أستمع أيها السيد، لستُ أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان. فقال له الرب: من صنع للإنسان فماً أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيراً أو أعمى أما هو أنا الرب. فالآن أِذهب وأنا أكون مع فمك وأُعلمك ما تتكلم به] (خروج 4: 10 – 12)
  • لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يُبطلون. بل نتكلم بحكمة الله، في سرّ الحكمة المكتومة، التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا…. كما هو مكتوب: ما لم ترى عين ولم تسمع أُذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه.فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَن مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله.ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تُعلمها حكمة إنسانية، بل بما يُعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات. ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحيا. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد. لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح ] (أنظر 1كورنثوس2: 6 – 16)
  • لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس 1: 21)
وبهذا المعنى فأن الكتاب المقدس وحدة واحدة متكاملة مستتر فيها مقاصد الله الأزلية حسب التدبير ومعلنة بالتدريج في الزمن للإنسان حسب قامته وتدرج معرفته، لذلك اختار الله أُناس وساقهم بروحه ونطق على أفواههم بإلهام خاص ليُعلن مقاصده للإنسان ليحيا بها على المستوى العملي، لكي يتم قصد الله وتدبيره في الإنسان على مر العصور ليوم إعلان مجيئه في ملء مجده ومجد أبيه والروح القدس، لذلك الكتاب المقدس لا ينبغي أن نتعامل معه على مستوى الكلمات والحرف فقط، لأنه حي ينبض بروح الحياة ذاته، أي الروح القدس روح الإلهام كما رأينا في الآيات السابقة
فالإله الحي مازال حياً، ولأنه حي أعطى حياه لكل من يأتي إليه ويقبله ويقبل إلهام الروح ويدخل في سر كلمته التي تعبر عن حياته، والرب نفسه أعلن هذا بفمه قائلاً [ بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني إني أنا حي فأنتم ستحيون ] (يوحنا 14: 19)
فحينما ألتقي بكلمة الرب، كشخص يسوع المسيح الحي وأدخل في سرّ الإنجيل، يُكشف لي بالروح الحياة التي تنبض في الكلمة، فأقبلها كقوة حياة واستعد لتنفيذ الوصية بالروح وأحيا بها لأنها روح وحياة: [ الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يُفيد شيئاً، الكلام الذي أُكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 6: 63)
فكاتبي الأسفار المقدسة هم المتعلمون من الله والملهمون بالروح، وهذا ما تؤكده رسالة كورنثوس الأولى كما رأينا، ونُعيد إعادة مركزة على بعض الآيات بشرح بسيط، لا من أجل الإعادة في حد ذاتها والتكرار، بل لكيننتبه إلى الطريقة التي ينتقل بها الحق من فكر الله إلى ذهن الإنسان بإلهام الروح، وبما يُعلمه أيضاً، فيقول القديس بولس الرسول الملهم بالروح في كورنثوس الأولى2:
أمور الله غير المنظورة لا يُمكن للإنسان الطبيعي أن يكتشفها (طبعاً مهما ما بلغ من فكر وقدرة على التحليل والنشاط العقلي المُميز وقدرة على الفهم الصحيح المتزن) (1كورنثوس 2: 9)
هذه الأمور الغير منظوره قد أُعلنت لأُناس مُختارين ومُفرزين من الله للعمل الإلهي وإلهام الروح (1كورنثوس 10 – 12)
وهذه الكلمات التي يقولها رجال الله الملهمون بالروح تنتقل للجميع عن طريق تعليم الروح القدس (1كورنثوس 2: 13)
الأقوال التي يُعلمها الروح القدس بشخصه والذي أَلهَمَ بها أُناس الله المختارين وأعلن عنها، يُحكم فيها من جهة صدقها – لأنها أقوال الله فعلاً – عن طريق المؤمنين الروحيين الذين لهم إلهام الروح ونالوا سرّ إعلان الله في قلوبهم على مستوى الخبرة والحياة، فلهم روح الإفراز من الله أيضاً بالإلهام والإعلان، لذلك كل من يمتلئ بالروح وينال سرّ الإعلان الإلهي في قلبه يستطيع أن يفرز ويُميز ما هو من الله وما هو ليس من الله، مميزاً تعليم الروح وما يقوله إذ يقارن الروحيات بالروحيات ويستوعب أسرار الله ويفهم بقلبه وعقله المستنير بنور إشراق النعمة: [ وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء… وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً، كما علمتكم تثبتون فيه ] (1يوحنا 2: 20، 27)
عموماً نعود لنتساءلما معنى الوحي بدقة، أو ما هو المقصود بالوحي الإلهي !!!
طبعاً لو انحازنا للفكر العام، سنقول على كل كاتب قصة أدبية أو غيرها من الأعمال التي تبدو أمامنا عظيمة جداً مُلهمه، قد برع كاتبها في التصوير، أنه إنسان مُلهم يستطيع من خلال الحوادث اليومية يكتب قصص بطريقة أدبية يوصل بها تعليم أو فكر للناس بشكل يا إما مباشر في صورة أحداث واقعيه مُعاشة، أو بغير مباشر بالرمز والتمثيل والتشبيه، وهذا الإلهام يختلف تماماً عن الإلهام الإلهي في الكتاب المقدس، رغم استخدام نفس ذات الأدوات مع ما يزيد عليها من نبؤات وغيرها !!!

فإلهام أي كاتب عموماً هو إلهام العقل البشري المخلوق وحسب ذكاءه وفطرته وفطنته الخاصة وحكمته الإنسانية المكتسبه بسبب خبراته في الحياة، لأن كل إنسان أخذ صورة من الله منطبعة في شخصيته منذ بداية تكوينه، لذلك يستطيع الكثيرين أن يكتبوا بفكر مُلهم قصص وأحاديث وغيرها من الصور الأدبية المختلفة والمتباينة، وقد تنفع الكثيرين وتعلمهم أمور فاضلة كثيرة وتزرع مبادئ جميلة يحتاج إلها الفرد على مستواه الشخصي أو المجتمع ككل على مستواه العام ويختلف من مكان لآخر ومن حضارة لأخرى، ومن فكر لفكر … الخ

ولكن نجد مثلاً في أيوب يقول عن الوحي: [ نسمة (وحي) القدير تُعقلهم ] (أيوب 32: 8)، وهُنا تعني الكلمة “أنفاس” وتُظهر بذلك أن الله هو المُبدع لذكاء الإنسان ومُلهمه. وفي تيموثاوس الثانية 3: 16 يقول: كل الكتاب موحى به من الله، والكلمة التي استخدمها القديس بولس الرسول بالنسبة لكلمة موحى أو الوحي هي (أنفاس الله).
  • فالوحي، هو أنفاس الله، هو روح حياة الله، الروح القدس، روح الآب، الذي هو عينه روح الابن، وهو منحة شخصية من الله الحي الذي وحده من يُعبر عن ذاته ويُعلنها؛ فالوحي منحة تحمل تلك الدرجة من التأثير الإلهي القوي بمساعدة ذات طابع يحمل قوة كنار وحياة، تشتعل في أنبياء الله وتلاميذه الأخصاء فيُعبَّروا عن ما يُريد الله بصورة كلمات بشرية ممسوحة بمسحة الروح لتكون معبرة لدى كل إنسان عن مشيئة الله وتنقل له حياته وقوة نعمته، فأنفاس الله هُنا تشتعل في كيان حامل رسالة الله ليتكلم بها لذلك مكتوب: [ وقام إيليا النبي كالنار وتوقد كلامه كالمشعل ] (سيراخ 48: 1)؛ ويقول الرب في سفر إرميا: [ أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تُحطم الصخر ] (أرميا 23: 29)

فيا إخوتي الكتاب المقدس ليس هو بالكتاب العادي الذي يُقرأ منفصلاً ويتم تمزيقه عن بعضه البعض وفيه تتم كتابه آراء الناس الشخصية فيه، ويتم شرحه لإثبات أفكار خاصة حتى لو كانت صحيحة، بدون الولوج لمعرفة ماذا يُريد الله بإعلانه هو عن ذاته بروحه القدوس بالإلهام في قلب القارئ والسامع والشارح، لأن الكتاب المقدس هو صادر من أنفاس الله ليُعبِّر عن الله كشخص حي يُعطي حياة، لأن الله حينما يخرج أنفاسه تخرج حياة في التو واللحظة، فحينما نفخ الله في الجسد الذي أنشأه من الأرض صار آدم نفساً حية، والكتاب المقدس الذي بين أيدينا هو كلمة الرب التي أتت كنسمة حياة من الله على شكل لغة مكتوبة، ومن هُنا أتى تمييز الأسفار الإلهية عن سائر الكتابات البشرية، لأنها كلمة مُشخصة تحمل قوة حياة الله الكلمة ذاته، وهذا يعطينا أن نفهم قول القديس بولس الرسول الذي قاله:

  • وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مُنادياً لكم بشهادة الله…. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع، بل ببرهان الروح و القوةلكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله ] (1كورنثوس 2: 1و4 – 5)

فهل يُريد أحد ان يستوعب سرّ الكتاب المقدس، ويدخل في سرّ التدبير، ويستوعب غنى مجد أسرار الله الحي، وهل يُريد أحد ان يكون شارح للكتاب المقدس بتدقيق وحسب مقاصد الله، وهل يُريد أحد أن يخدم الله ويكرز بالإنجيل على مستوى الروح والحق، فليفهم ما كتبناه بالروح ويقرع باب كلمة الله لتنفتح له كسر وخبرة وحياة، فيحيا بأنفاس الله وتسري فيه كقوة نار تطهره وتشتعل في قلبه بالمحبة والإيمان فيصير إنجيل مقروء من الجميع، ويشهد شهادة الله مُعلناً قصده الذي صار في قلبه بإعلان وبتعليم الروح القدس، لأن بدون إلهام الروح وعمل الكلمة في القلب بحفظها، وإرسالية الله بالروح للإنسان ليخدمه ويُعلم تعاليمه، فباطلة هي كل خدمة يقدمها الإنسان لأنه سيتكلم حسب فكره ومفهومه الشخصي الذي فهمه من كلمة الله ويُفلسفها ويُشكلها ويرتبها ويربط آياتها كما يرى أنه مناسب أو حسب ما تعلم واقتنع عقلياً، ولكنه لن يُعلن مقاصد الله ويكتب حسب قصده على الإطلاق مهما ما بلغ من قدرة ودراسة وفهم وسيصير كاذباً عن دون دراية منه، إذ أنه صدق نفسه لأنه أُعجب بفكره وتأكد أنه يتكلم بالحق والصدق بتقوى، وكما هو مكتوب:

  • فقال أرميا النبي لحننيا النبي أسمع يا حننيا أن الرب لم يُرسلك وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب (أرميا 28: 15)
    وأنبياؤها قد طينوا لهم بالطُفال رائين باطلاً وعارفين لهم كذباً قائلين هكذا قال السيد الرب والرب لم يتكلم (حزقيال 22: 28)
    رأوا باطلاً وعرافة كاذبة القائلون وحي الرب والرب لم يرسلهم وانتظروا إثبات الكلمة (حزقيال 13: 6
    وكيف يكرزون أن لم يرسلوا كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات (رومية 10: 15)
_____يتبــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن: الكتب المقدسة ومحور التعليم فيها

 

 

مدخل عام للكتاب المقدس – كيفيه شرح الكتاب المقدس شرحاً سليماً.

سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الأول
مقدمة – إعلان الكتاب المقدس الشامل


في الحقيقة كثيرين بتسرع يبدءوا في شرح الكتاب المقدس الذي أتى بإلهام الروح بدون أن يكون لهم نفس ذات الإلهام ليشرحوا أسرار الله بسرّ الله المعلن في قلبهم بالروح القدس، فيخرجون عن مقاصد الله دون قصد فيشرحوا الكتاب على أساس لغوي فقط وعلى أساس المراجع حتى لو كانت صحيحة بدون الولوج لأسرار الله بروح الله لتنكشف اسرارها بالروح، لينطقوا بروح الكتاب المقدس ما أعلنه الله حسب قصدة …

وفي الحقيقة يا إخوتي، لن نستطيع أبداً أن نفهم ونستوعب سرّ الكتاب المقدس أيضاً أن لم نفهم مضمونه العام وماذا يُريد الله أن يقول من خلاله لنا، وعموماً قبل أن نخوض في أي شرح أو تفسير، لأن كثيرين من المفسرين لا ينطلقون من وحدة الكتاب المقدس ككل، بل ينطلقون من كل سفر وكأنه مستقل بذاته عن باقي الأسفار ويشرحونه حسب المعنى المستقل في كل آية وحرف ومعنى، وهذا يخرج الشرح بعيداً عن مقاصد الله المعلنة في الكتاب المقدس ككل، لذلك واجب علينا اليوم أن نفهم ما هو قصد الله من إعلان ذاته في الكتاب المقدس وما هي الوحدة التي تجمع الأسفار المقدسة، لذلك بادئ ذي بدء يلزمنا أولاً أن نتعرف على خطة الله المُعلنة في كلمته التي هي أنفاسه الخاصة كما سوف نتعرف عليها بدقة وتدقيق من خلال سلسلة المدخل العام للكتاب المقدس التي نشرحها من جهة الإعلان الإلهي وليس مجرد شرح وكلام وألفاظ… 

وصدقوني، عندما تحتضن خطة الله عقلونا وتُنيرنا ونقبلها وتنزل قلوبنا سنستنشق أنفاس الله وبها نحيا ويدخل الفرح لقلوبنا بقوة خلاص الله المتدفق من أعماقه إلينا، وكل من يدخل في عمق إعلانه يأخذ ويشبع ويفرح ويدخل من عمق لعمق ومن فرح لفرح، وتُترجم في حياته لسلوك وحياة كثمرة من ثمار عمل الله وروح الإلهام في قلبه…

+ إعلان الكتاب المقدس الشامل +

الكتاب المقدس ككل يُعلن الآتي بترتيب فائق مُذهل لغرض اتحاد الله بالإنسان، ونستطيع أن نضع المعنى العام للكتاب المقدس في هذه النقاط:

* الله مصدر كل حياة والأساس الذي يقوم عليه كل شيء
* خليقة فائقة تاجها وغايتها الإنسان، الذي يرعاها ويُقدمها لله
* إعلان فائق ووعد يظهر بتدرج مجسد في تاريخ شعب مختار
* تحقيق الوعد بتجسد إلهي فائق، تاجه وغايته يسوع المسيح 
* سكنى دائمة فائقة، تاجها وغايتها الروح القدس الرب المُحيي
* شعب خاص جسد واحد، منفصل عن عالم الموت في وحدة فائقة وشركة في النور مصدرها اتحادهم بالمسيح
* كنيسة مختارة مقدسة جامعة رسولية، مجموعة من كل الأمم وكل الشعوب (الانجماع الكلي في المسيح)
* خليقة جديدة تشع قداسة الله ويكون فيها الله بالكُل وعلى الكُل وفي الكُل.
* سماء جديدة وأرض جديدة وحياة أبدية مجيدة وتحقيق كل مقاصد الله وتميمها بالنصرة النهائية واستعلان مجده العظيم الفائق أمام كل الشعوب والأمم، وانتهاء كل أزمنة، واستعلان مجد أولاد الله في المسيح يسوع ودخولهم لملكوته العظيم بموكب نصرة فائق.

وهذا الترتيب كله هو مقاصد الله وغايته المعلنة في الكتاب المقدس من أول سفر لآخر سفر فيه، لكي يُستعلن الجسد الكامل للمسيح الرب وتتحقق الغاية النهائية حسب التدبير الأزلي الذي لله القدوس الواحد المثلث الأقانيم:

[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كمااختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسرمشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الازمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات و ما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيبا معينين سابقا حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح. الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً اذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)

ومن جهة الترتيب التاريخي الظاهر الذي يحقق كل ما قلنا ويعلنه هو كالآتي:

* الخليقة
* الوعد
* الشعب المختار
* الإعلان
* التجسد
* سكنى الروح القدس
* الكنيسة شعب الله المختار في المسيح
* الخليقة الجديدة واستمرار اكتمالها عصر بعد عصر
* انتظار حياة الدهر الآتي واستعلان ملكوت الله 

فهذا كله هو منهج الكتاب المقدس ومنه ينطلق كل شرح وتفسير، إذ يشتمل على الإعلان الكامل لحقائق الكتاب المقدس، وهو يحتضن كل الجوانب العظمى للفداء (كما هو واضح على الأخص في رسالة أفسس كما ذكرناها)، ويُظهر تاريخ الإنسان الروحي ومعاملات الله مع جنس البشر ككل، ويُظهر الغرض الحقيقي من الخليقة وما هو واجب الإنسان تجاهها، وما الغرض من حياة الإنسان وهدف دعوة الله النهائية له، لأن الله لا يُريد أن يُقدم دعوة للإنسان لعبادته، كما يقول البعض، أو أن غرض خلقة الإنسان أن يتمتع بالوجود وأن يعبد الله، فالله ليس محتاج لعبادة أحد لأنها لا تزيده ولا تنقصه في شيء ما قط، ولم يخلق الإنسان لأجل متعة الوجود في حد ذاته، لأن حياته ستكون بلا معنى لو كان وجوده لأجل وجوده، ولكن بنُاءً على ما سبق وقلنا نستوعب ما هو الغرض من خلقة الإنسان ووجوده، وسأترك لكل واحد أن يتأمل فيما كتبنا ويطلب إلهام الروح القدس حتى يستوعب بإعلان قصد الله من خلقه، فصلوا يا أحبائي وأطلبوا إلهام من الله حتى يعطيكم أن تستوعبوا سر خلقكم ….

+ الإعلان المتدرج +

أن كل من يأتي للكتاب المقدس بتوبة حقيقية طالباً انفتاح الذهن بالروح: [ حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب ] (لوقا24: 45)، معتمدين على الروح القدس طالبين الاستنارة، ستنفتح بصيرتهم الداخلية فيروا ما لا يُرى في صفحات الكتاب المقدس ويقودهم الروح القدس عبر السطور معلناً لهم أسرار الله، لأن كلمة الله كُتبت بالروح القدس ولم تكتب بآخر [ لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس1: 21)، لذلك هو وحده الذي يعلن ويكشف الأسرار في كل قلب مفتوح بالحب باستنارة الذهن: [ فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعاً لأن فم الرب تكلم ] (أشعياء 40: 5)، [ كل شيء قد دفع إلي من أبي وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ] (متى 11: 27)، [ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يُعلمكم كل شيء ويُذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)، [ فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله ] (1كورنثوس 2: 10)، فمن يقرأ الكتاب المقدس ينبغي أن تكون آذانه رادار تلقط صوت الروح، وقلبه كبير متسع بالحب ليستقبل الله وإعلانه عن ذاته بالروح.

وحينما ندخل للكتاب المقدس بهذا المستوى سنصل للقناعة الداخلية بأن الكتاب المقدس ليس خليطاً غير متجانس، كما يدَّعي بعض النقاد من أطياف وأفكار وفلسفات وآراء مختلفة، ويقولون بأنه عبارة عن تاريخ قديم يحتوي البعض منه على حقائق تاريخيه حقيقية وبعضها ممزوج بأساطير مختلفة مأخوذ عن حضارات وشعوب متنوعة، وبه تصورات دينية عقائدية بعيدة عن أرض الواقع، أو أفكار دينية مستقيه من شعوب أخرى وتم دمجها، وبعضه يحتوي على خرافات لا تُصدق، بل سوف يرونه بعيون الذهن المنفتح والقلب المتسع بإلهام الروح أنه كشف متدرج لخطة وغرض الله الأزلي، وأنه ارتقى بالإنسان من جيل لجيل وعصر لعصر في الإعلان والتعليم.

وبكون الكتاب المقدس إعلان متدرج يظهر من بداية الخلق إلى ظهور واستعلان الله في الجسد إلى آخر سفر في الكتاب المقدس وإعلان مجيئه وظهور مجده، فيجب أن نقرأه ككل، مقارنين أجزاءه ببعضها البعض [ التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدسقارنين الروحيات بالروحيات ] (1كورنثوس 2: 13)، نربطه بروحه الواحد كوحده واحدة لا تنفك حتى نستطيع أن نكتسب الرؤية الصحيحة والسليمة ونستوعب أسرار الله ونستطيع أن نعلنها في شرح سليم واعٍ مُلهم بالروح للكتاب المقدس، لأن بسبب فصل الكتاب المقدس عن بعضه البعضوفهم نصوصه بانحياز لأفكار معينه يجعلنا نُخطأ في الشرح ونتحير في بعض النقاط إذ نفصل الآيات بعضها عن بعض وننطلق في الشرح من أساس مفهومنا الخاص عن الكتاب المقدس، ونؤيد نظريتنا من بعض الآباء أو بعض الخدام الذين شرحوا بعض النقاط حسب رأيهم الشخصي لظروف معينه لكي يثبتوا شيئاً ما كرد على فيلسوف أو غيره، بعيداً عن المعنى المقصود في وحدة الكتاب المقدس والقصد الإلهي من وراء الأحداث أو المواقف:

فمثلاً لو أخذنا مثل تقدمة هابيل وقايين، وأنه نظر (الله) إلى هابيل وقربانه لأنه قدم من أبكار غنمه ومن سمانها، أما إلى قايين وقربانه الذي قدمه من ثمار الأرض فلم ينظر. فاغتاظ قايين وحمى غضبه وامتلأ حقداً وكراهية وقام وهم بقتل أخيه انتقاماً منه، وهنا يأتي السؤال: لماذا نظر الله إلى هابيل وقربانه وإلى قايين لم ينظر؟ هل لأنه – كما يقول كثير من الشُراح – لأنه قدم من ثمار الأرض ولم يُقدم ذبيحة دموية كما يعتقد البعض؟ ومن أين له الذبيحة إن لم يكن راعياً؟ وهل كان الرب في حاجة إلى أن يروي ظمأه بقطرات دم ذبيحة من هابيل؟ 
أم أنه – كما يقول البعض – ينتظر ذبيحة كفارية عن قايين كما قبلها من هابيل، رغم من أن النص لم يتكلم عن تقدمة عن خطايا ولا كفارة، بل تكلم عن تقدمة شكر وتمجيد لله وهي موجوده في سفر اللاويين بعد ذلك مقننه بتقديم البكور، وهنا نفس ذات الموقف كل واحد فيهما قدم من بكر كل ما صنع، فالراعي قدم من أبكار غنمه وأفضلها، والزارع قدم من أبكار أرضه، بمعنى ان كل واحد قدم من بكر عمل يديه وتعبه ليعلن شكره وتمجيده لله…

وواقع الشرح الأصيل في ضوء وحدة الكتاب المقدس يقول: أن الله لا ينظر للعينين بل ينظر إلى القلب (1صموئيل 16: 7) ولا يُفرق بين إنسان وإنسان بحسب تقدماته له. بل نجد الإجابة واضحة – كما سبق وشرحناها أكثر من مرة وبخاصة في موضوع الذبائح التي شرحته في أكثر من منتدى ولن وضع أجواء كثيرة منه هنا – وهي أن الله قبِلَ ذبيحة هابيل ولم ينظر إلى قايين وقربانه، لأن هابيل قدمها بإيمان وشهد له أنه بار لأن بدون إيمان قلبي واعي لا يُمكن إرضاء الله بأي حال، حتى لو الإنسان قدم ذبائح الدنيا كلها وما فيها متمماً كل الناموس والوصايا حسب الشكل القانوني لها، [ أن جعت فلا أقول لك، لأن لي المسكونة وملأها. هل آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس … أذبح لله حمداً وأوفِ العلي نذورك (عهودك) … وادعني في يوم الضيق أنقذك فتُمجدني ] (أنظر مزمور 50)، وهنا كان تعليم قوي للغاية ليبدأ الله به مع كل إنسان على وجه الأرض للتعليم الصحيح الذي انطلق منه وبدأ يعلم به الإنسان وهو أن كل شيء يُقدم لله يكون من أفضل ما عند الإنسان ومقدم من قلب طاهر ونفس مستنيره بالإيمان الحي العامل بالمحبة، وهذا ما يكشفه هذا الحدث الذي منه أنطلق التعليم في الكتاب المقدس والذي شُرح على مدى أسفاره ليثبت هذه الحقيقية، وممكن الرجوع لهذه الآيات المترابطة معه أشد الارتباط [ 1صموئيل 16: 7 + 1صموئيل 15 + مزمور 5: 12 – 15 + مزمور 51: 16 – 19 + عبرانيين 11: 4، 6 ]


+ عموماً يُخطأ الكثيرين في تناول الكتاب المقدس بالشرح والتفسير انطلاقاً من قبول أو تخصيص إعلان مميز لحقيقة معينة يريدون إثباتها بأية طريقة ممكنة، وهي نية سليمة وليس المقصود بها الابتعاد عن النص، ولكن إثبات فكرة معينة أو إظهار حقيقة معينة، تجعل الشارح يربط آيات لا تتناسب مع بعضها البعض لكي يقنع سامعه أو القارئ له بالفكرة التي يُريد أن يطرحها ويُرسخها في الأذهان، وهذا لكي تكون بذلك مقنعة جداً، وهنا يخرج عن قصد الله في الحدث ويُعطي الحدث بُعداً آخر غير مقصود به تماماً، مع أنه يُريد أن يثبت فكرة صحيحة وليس خاطئة على الإطلاق.

فلا يصح عموماً لأي بحث في الكتاب المقدس في أجزاءه المختلفة ونصوصه المنفصلة، مهما ما كان هاماً بل وغرضه أن يُعلن أمور حقيقية لا غش فيها، أن يلحق الضرر بمعنى القيمة السامية لشهادة الكتاب الموحدة. أو يخرج عن القصد من الآية ويضفي عليها معنى آخر بعيد تماماً عن القصد منها، ففحص الكتاب المقدس بتحيز لأي فكرة أو تأكيد على معنى من وجهة نظر متحيزة تكون بالضرورة غير كاملة ولا تُظهر فكر الله الكامل والغرض من الحدث أو الموقف أو الآية، كما رأينا مثالاً في أول موقف وحدث في الكتاب المقدس وهو تقدمة هابيل وقايين، ومن هُنا نفهم لماذا الكنيسة قسَّمت الآباء لآباء معتبرين وألحقت باسمهم كلمة (الكبير) وآباء غير معتبرين واطلقت عليهم القديس فقط بدون كلمة الكبير، لأن بعضهم لم يلتزم بوحدة الكتاب المقدس بل كان لهم تأملات شخصية مثبته بوحدة الآيات خارج معناها العام مع أن تأملهم ليس فيه خروج عن الإيمان بل يعلن حقائق ولكنها لا تتناسب مع الشرح السليم في وحدة الكتاب المقدس ككل، وهذا يختلف عن الآباء الملتزمين بوحدة النص كما سبق وشرحنا المعنى العام في الكتاب المقدس في وحدته التي تعلن مقاصد الله …

 

وفي الجزء القادم سنتحدث عن الوحي الإلهي والإلهام….
Exit mobile version