كتاب منارة الأقداس في شرح طقوس الكنيسة القبطية والقداس (5 أجزاء) – القس منقريوس عوض الله
كتاب منارة الأقداس في شرح طقوس الكنيسة القبطية والقداس (5 أجزاء) – القس منقريوس عوض الله
كتاب منارة الأقداس في شرح طقوس الكنيسة القبطية والقداس (5 أجزاء) – القس منقريوس عوض الله
سوف نشرح مرة أخرى معنى الأقوال التى أوردناها لكى نذكّر بها المؤمنين ونوضح لهم بواسطة كل قول من هذه الأقوال أن هؤلاء لا يعرفون المسيحية على الإطلاق. لأنهم لو كانوا يعرفونها لما أغلقوا على أنفسهم في عدم الإيمان[1] كاليهود المعاصرين[2]. بل كانوا سيسألون فيخبرونهم أنه ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله“[3]. وهكذا بمشيئة الآب صار الكلمة نفسه إنسانًا، وهذا ما قاله عنه يوحنا بحق ” أن الكلمة صار جسدًا“[4]. وما قاله بطرس: ” جعله ربًا ومسيحًا“[5].
والرب نفسه يتكلم على لسان سليمان ويقول: ” الرب أقامنى أول طرقه لأجل أعماله”[6]. وبولس يقول: ” بهذا المقدار صار أعظم من الملائكة“[7]، وأيضًا: ” أخلى نفسه آخذًا صورة عبد“[8]، ومرة أخرى: ” ومن ثم أيها الاخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية تأملوا رسول ورئيس كهنة اعترافنا، يسوع، حال كونه أمينًا للذي أقامه“[9]، لأن كل هذه الأقوال لها قوتها الذاتية ولها مضمونها الذي يقود إلى التقوى ويظهر ألوهية الكلمة، وأن ما قيل عنه بحسب بشريته قد قيل بسبب أن الكلمة صار أيضًا ابن الإنسان.
ولكن رغم أن هذه الأمور كافية من تلقاء ذاتها لدحض أى اعتراض، إلاّ أنهم نظرًا لعدم فهمهم لقول الرسول، يعتقدون أن كلمة الله هو واحد من المخلوقات وذلك بسبب ما هو مكتوب ” كونه أمينًا للذى أقامه“. لهذا رأيت أنه من الضرورى أن أواصل هذا الكلام كي أخجلهم بمثل كلامى السابق مستمدًا مادة النقاش من أقوالهم نفسها.
فلو لم يكن هو الابن، لأمكن أن يُسمّى “مخلوقًا” وكل ما يُنسب إلى المخلوقات سيُنسب إليه، ولن يُلقب وحده “ابنًا” ولا كلمة ولا “حكمة” ولن يُلقب الله أيضًا “بالآب”، بل فقط “بالخالق” و”البارى” للأشياء “الصائرة” بواسطته. وستكون الخليقة هي صورة وملامح إرادته الخلاّقة. ووفقًا لتعاليمهم فهو ذاته (الآب) لن تكون طبيعته مثمرة. وبذلك لن يكون لجوهره الذاتى أى “كلمة” ولا “حكمة” ولا “صورة” إطلاقًا. فلو لم يكن هو “ابنًا” فلن يكون “صورة”.
ولكن لو لم يكن هناك وجود للابن فكيف يمكن أن تقولوا إذن أن الله خالق؟ فالمخلوقات إنما قد خُلقت قطعًا بواسطة الكلمة و”الحكمة”. وبغير الكلمة لَما كان ممكنًا أن يوجد أى شئ. والآب كما يقولون عنده الكلمة الذي فيه وبواسطته يخلق كل شئ وإلاّ لكان الجوهر ليس خصبًا بل عقيمًا ومجدبًا حسب رأيهم ـ كالنور الذي لا يضيء وكالنبع الجاف، فكيف لا يخجلون عندما يقولون إن الله لديه طاقة خلاّقة؟ وكيف لا يحمّرون خجلاً وهم ينكرون الذي هو بحسب الطبيعة ويريدون أن يجعلوا الذي بحسب المشيئة متقدمًا عليه؟.
فإن كانت الأشياء التى معه خارج جوهر الله والتى لم تكن موجودة من قبل ـ قد خلقها عندما شاء أن يجلبها إلى الوجود، وأصبح هو خالقها وصانعها، لكان هو ـ قبل ذلك بكثير ـ أبًا لمولود من جوهره الذاتى. لأنهم إن كانوا ينسبون لله أنه بالمشيئة يُوجِد الأشياء غير الموجودة، فلِما لا يقرون بأن في الله شئ أعلى من المشيئة، ألا وهو الطبيعة الخصبة، وأن يكون أبًا لكلمته الذاتى؟ وعلى ذلك فإن كان الأول الذي هو بحسب الطبيعة لم يكن موجودًا بحسب جنون أولئك، فكيف يمكن أن يوجد الثانى، الذي هو بحسب المشيئة؟ لأن الكلمة هو الأول، والخليقة هي الثانية.
فالكلمة كائن موجود مهما تجاسر الكافرون وتمادوا في أفكارهم، وذلك لأن الخليقة قد صارت إلى الوجود بواسطته. فمن الواضح أنه إن كان الله هو الصانع، فعنده أيضًا كلمته الخلاّق الذي هو ليس من خارجه بل من ذاته هو نفسه، وهذا ما ينبغى أن نكرره كثيرًا، فإن كان الله لديه المشيئة، وكانت المشيئة مبدعة وكافية لإيجاد الأشياء المخلوقة، فإن كلمته أيضًا يكون مبدعًا وخالقًا. ومما لا شك فيه أن الكلمة ذاته هو مشيئة الآب الحيّة، وقوته الجوهرية، وهو الكلمة الحقيقي الذي به تتكون جميع الأشياء وهو يضبطها جيدًا.
ولن يتردد أحد في القول بأن ذلك الذي ينظم، هو سابق على التنظيم نفسه، وعلى الأشياء المنظَمَة. وكما سبق أن قلنا، يكون عمل الله كخالق هو تالٍ لكونه أب. لأن الابن هو خاصته وهو حقًا من ذلك الجوهر الأزلى المُطوّب. أما الأشياء المنظَمَة فقد صارت إلى الوجود من مشيئته الذاتية، من خارجه، وقد خُلقت بواسطة ابنه الذى من ذات جوهره.
إذن فبما أن الحديث يوضح السخف الشديد للقائلين بأن الرب ليس هو ابن الله بل هو مخلوق، لذلك فمن الضرورى أن نعترف نحن بأن الرب هو الابن. وإن كان هو ابن ـ كما هو هكذا بالحقيقة ـ فالابن يجب أن يُعترف به أنه ليس من خارج أبيه بل هو الذي وَلَده. لذا يلزم ـ كما سبق أن قلنا ـ أن يكفوا عن تحوير الأقوال التى يستعملها القديسون بخصوص الكلمة نفسه. لأنهم يستخدمون عبارة “الذي أقامه” بدلاً من “الذى وَلَده”، لأنه لا علاقة لهذه الأمور بالألفاظ طالما أن الابن قد اُعترف به أنه من طبيعة أبيه.
فليست الألفاظ هي التى تقلل من قدر طبيعة الأشياء، بل بالأحرى فإن طبيعة الأشياء هي التى تضفى المعنى على الألفاظ وغيرها. لأن الألفاظ ليست سابقة على جواهر الأشياء بل أن الجواهر هي الأولى والألفاظ تأتى تالية لها.
ولذلك فعندما يكون الجوهر “مصنوعًا” أو “مخلوقًا” عندئذٍ فإن الألفاظ: “صنع” و”صار” و”خلق” تُقال عنه بصفة خاصة ويقصد به أنه “مصنوع”. ولكن حينما يكون الجوهر مولودًا وابنًا، عندئذٍ فإن ألفاظ “صنع” و”صار” و”الخلق” لا تُستخدم بحسب مفهومها الحرفى، ولا تعنى أنه “مصنوع”، بل تكون كلمة “صنع” قد استُخدمت بدلاً من “وُلِدَ” بدون تحديد. وفي أحيان كثيرة يلقب الآباء أبناءهم الذين ينجبونهم عبيدًا لهم، دون أن ينكروا أصالة طبيعتهم. وأحيانًا يجاملون عبيدهم ويسمونهم أبناء دون أن يفقدوا حق امتلاكهم منذ البداية.
إلاّ أنهم في الحالة الأولى يسمّون أبناءهم عبيدًا من خلال سلطانهم كآباء، وفي الحالة الثانية يسمّون عبيدهم أبناء بدوافع إنسانية، فسارة كانت تدعو إبراهيم سيدًا[10] رغم أنها لم تكن عبدة له، بل كانت زوجة. وكان الرسول يصف أونسيموس العبد كأخ لفليمون الذي كان “سيدًا”[11]، أما بتشبع فرغم كونها أمًا دعت ابنها عبدًا قائلة “عبدك سليمان”[12]. وكذلك ناثان النبي أيضًا بعد أن وصل قال لداود نفس كلامها بأن “سليمان عبدك”[13].
إنهم لم يبالوا أن يقولوا عن الابن إنه “عبد”، لأن داود الذي سمع هذا القول كان يعرف طبيعة سليمان. وهم أيضًا بقولهم هذا لم يكونوا يجهلون أصالة سليمان. وكانوا يطالبون أن يكون وارثًا لأبيه، رغم أنهم كانوا يلقبونه عبدًا، إذ كان هو ابنًا لداود بالطبيعة.
لذلك حينما نقرأ هذه الأقوال ونتمعن فيها جيدًا، وعندما نسمع أن سليمان عبد، فلا يجب أن نظن أنه كان عبدًا، بل هو ابن طبيعى وأصيل. وهكذا أيضًا في حالة المخلّص المُعتَرف به حقًا أنه ابن، لكونه هو الكلمة بالطبيعة فعندما يقول القديسون عنه: ” كونه أمينًا للذى اقامه“[14] أو عندما يقول هو نفسه عن ذاته: ” الرب قنانى“[15] وأيضًا: ” أنا عبدك وابن أَمتك“[16]. ومثل هذه الأقوال كثير، فإن هذا لا يجب أن يجعل البعض ينكر أصالته من الآب، بل كما حدث في حالة داود وسليمان، هكذا فلنتأمل باستقامة فيما يخص الآب والابن.
فإن كانوا عندما يسمعون أن سليمان عبد يعترفون به ابنًا، أليس من العدل أن يلحقهم الدمار مرات كثيرة لأنهم لا يحفظون للرب نفس اللقب؟! ولكنهم حينما يسمعون الكلمات “ابن”، وكلمة، و”حكمة” يسارعون إلى تحريف وإنكار البنوة الأصلية التى بالطبيعة أعنى ولادة الابن من الآب. وعندما يسمعون كلمات أو أقوالاً تخص ما هو مخلوق ففى الحال يتعجلون الظن أن “الابن” مخلوق بالطبيعة، وينكرون الكلمة رغم أنه في استطاعتهم أن ينسبوا مثل تلك الأقوال كلها إلى بشريته ـ حيث إن الكلمة صار إنسانًا ـ فكيف لا يكون هؤلاء مكروهين لدى الرب.
طالما أنهم هم أنفسهم يقيسون الأمور بمعيارين[17]: بأحدهما يفسرون الأقوال الأولى وبالآخر يجدّفون على الرب؟ بالواحد يفهمون كلمة عبد حسب هواهم، وبالآخر يركزون على كلمة “الصانع”[18] كسند قوى لهرطقتهم. وهذا السند يكون كقصبة محطمة بالنسبة لهم. وذلك لأنهم سيدينون أنفسهم لو عرفوا أسلوب الكتاب. فقد دُعى سليمان “عبدًا” رغم كونه “ابنًا”.
كذلك أيضًا ـ ونكرر القول ـ قد يقول الآباء عن أبنائهم الذين أنجبوهم إنهم مخلوقون ومصنوعون وصائرون. فقد قال حزقيا وهو يصلى: ” لأنه من هذا اليوم سأصنع أبناء يعلنون: يا إله خلاصى“[19]. فهو يقول “سأصنع” في حين أن النبي في نفس السفر وفي سفر الملوك الرابع[20] يقول هكذا: ” وأبناؤك الذين يخرجون منك”[21]، فهو يستعمل كلمة “سأصنع” بدلاً من كلمة “سألد”، ويقول عن المولودين منه إنهم “مصنوعون”، ولكن لا يشك أحد أن هذا اللفظ إنما يخص الميلاد بالطبيعة.
——————————————————
[1] انظر رو32:11.
[2] يستعمل القديس أثناسيوس عبارة “اليهود المعاصرين” ليعبّر بها عن الآريوسيين، انظر المقالة الأولى، المرجع السابق، فقرة 8 ص38، وفقرة 10 ص 24.
[3] يو1:1.
[4] يو14:1.
[5] أع36:2.
[6] أم22:8.
[7] عب4:1.
[8] في7:2.
[9] عب2:3و2.
[10] 1بط6:3.
[11] فليمون16.
[12] 1مل16:1و19.
[13] 1مل26:1.
[14] عب2:3.
[15] انظر أم22:8.
[16] مز16:116.
[17] انظر أم23:20.
[18] يقول الآريوسيون عن المسيح إنه “مصنوع”.
[19] إش19:38و20 (سبعينية).
[20] وهو سفر الملوك الثانى في ترجمة دار الكتاب المقدس.
[21] 2مل18:20.
الأب متى المسكين ,وشرح لاهوتي حول “أبي أعظم مني”
المرجع: المدخل لشرح انجيل القديس يوحنا ,دراسة وتحليل,دير القديس أنبا مقار-صـ874-881
يوحنا 28:14 ” سَمِعتُم أني قُلْتُ لكم:أنا أذهَبُ ثم آتي إليكُم , لو كنتم تُحِبُّوننَي ,لكنتم تفرَحُون لأني قلت أمضِي إلى الآبِ ,لأن أبي أعظَمُ مِنِّي”.
كانت هذه الآية موضع اجتهاد ونقاش ومساجلة وحوار ؛بل ومقاومة ,وقد اتخذها الهراطقة أساساً لإيمانهم الخاطئ وعقائدهم المنحرفة ,إذ اعتبروها تفيد أن الابن أقل من الآب من جهة طبيعته ,أي أنه ليس مساوياً للآب من جهة اللاهوت.
إن محور الجدل والمحاورات الكثيرة التي أرهقت اللاهوت المسيحي في هذه الآية هي قول المسيح :”لأن أبي أعظَمُ منيّ” . وفي هذه المعلومة,إذ انحرف الفكر عن البساطة الإعجازية التي فيها ,يسقط في هوة تقسيم اللاهوت إلى أعظم وأقل ,وبالتالي وضع الابن في ضع متدنّي عن الآب ,ورفع الآب إلى درجة المسئول عن الابن .
وسنعرض للقارئ الشرح ونقدمه على جزئين :
الجزء الأول :”لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون “.
الجزء الثاني :”لأن أبي أعظم مني”.
وسوف نقدم الجزء الثاني على الجزء الاول لأن هذا يستلزمه الشرح ,بسبب تقديم المسيح كلمة “لأن”γάρ في الجزء الثاني من الآية ,وهذا يجعل الجزء الأول “كنتم تفرحون” تابعاً للجزء الثاني من الآية :”لأن أبي أعظم مني”.
فترتيب الشرح يكون هكذا :”لأن أبي أعظم مني ,لو علمتم ذلك ,لكنتم تفرحون لأني أنا ذاهب ثم آتي إليكم”.ولكن قوة الآية تكمن في جزئها الثاني الذي قدمناه هنا.
وبادئ الأمر نقول ,إن شرح الآية يستلزم دائماً التمسك بموضعها في الكلام.فلا يصح إطلاقاً أن نخلع الآية من مجرى الحديث ومن موضعها في الكلام ,لكي نشرحها بمفردها , ونقيسها على الأصول اللاهوتية ,بطرق اجتهادية تأملية.
فإذا أخذنا الآية التي نحن بصددها ,ومحورها هو :”لأن أبي أعظم مني” ,نجد أن الظروف التي أوْحَتْ إلى قولها هي كالآتي :
أولاً:المسيح يتكلم في هذا الإصحاح وما قبله وما بعده عن الفراق الذي سيتم بينه وبين التلاميذ ,بذهابه إلى الآب ,وهو يجتهد ليوضح لهم أهميته.
ثانياً :روح التعزية التي حاول المسيح أن يحيط بها تلاميذه ,حتى يخفف عنهم الحزن والضيق الذي ألمَّ بهم
ثالثاً :محاولة التهوين من شأن الموت الذي سيجوزه ,باعتباره فترة قصيرة ,يقوم بعدها,ويتراءى لهم ,ويكون معهم وهم معه.
رابعاً:إن الموت الذي سيجوزه هو الوسيلة الهامة جداً التي سينطلق بها إلى الآب ,مفتتحاً طريق الخلود ,حاملاً معه المختارين.
خامساً:إن ذهابه إلى الآب هو مرتبط ارتباطاً أساسياً بإرسال الروح القدس ,الذي سيقوم بتعزيتهم وتعليمهم وتذكيرهم بكل ما قاله لهم وعمله لهم ,وأنه سيكون معهم وفيهم عِوَضاً عنه ,بل ويكشف لهم حضوره الدائم.
سادساً:تأكيده لهم أن ذهابه إلى الآب ,ولو انه سيُفقدهم رؤيته ,إلا أنه “خيرٌ لهم أن انطلق “(راجع يو7:16)من أن يبقى معهم .فهنا ذهاب المسيح إلى الآب هو حالة قيّمها المسيح ,أنها أعظم وأكثر خيراً بالنسبة لهم هم.
واضح,إذن , أن قول المسيح :”لأن أبي أعظم مني” هو مقولة خاصة بالظروف المحيطة بها وهي ذهاب المسيح إلى الآب ,الذي هو حالة أفضل للتلاميذ وأكثر خيراً بالنسبة لهم .وهذا يجب أن يجعلهم يفرحون .لأن النتائج المتحصلة من ذهابه إلى الآب قد أجْمَلَها لهم بقوله أنه إذا انطلق ,سيطلب من الآب أن يرسل لهم باسمه معزياً آخر هو الروح القدس. والروح القدس سيتولى شرح وتذكير التلاميذ بكل ما قاله المسيح ,بالإضافة إلى أنه سيستعلن لهم كلّ الحق ,ويعرّفهم بكل شيء,ويكشف لهم حقيقة المسيح وكل ما يختص به ,لأنه سيكون واسطة حلول المسيح فيهم ,بالإضافة إلى أنه سيمجّد المسيح فيهم وبهم ,أي يجعلهم شهوداً و الآتٍ لتمجيد المسيح .
هذا كله سيكون ثمرة ذهابه إلى الآب ,فكيف لا يفرحون ,إن كانوا قد أحبّوا المسيح حقاً؟
الجزء الثاني :”لأن أبي أعظم مني”:
حينما يقول الابن إن أبي أعظم مني ,فهو يتعرض لقانون الابوّة والبنوّة ,في وضعه الإلهي الأمثل ,الذي منه خرجت كل أبوّة وبُنوّة في العالم ,فالآب أعظم من الإبن ليس لأنه أعظم جنساً ,فاللاهوت في هذا واحدٌ لا ينقسم ولا يتعالى ,أو يتعاظم في نفسه على نفسه ,فالجوهر ,أي الطبيعة ,في الله واحد وبسيط غير متجزِّئ.
ولكن لما يقال أن جنس بني آدم هو بُنوّة وأبوّة ,أو بالاختصار أن جنس الانسان كجنس هو وِحْدة أو “واحد” يقوم على الذات الإنسانية التي فيها الأبوّة والبُنوّة ,فالإنسان ذكراً كان أم أنثى فهو إنسان ,أي جنس واحد ,وأصلاً خلق الله الجنس الإنساني ليكون واحداً وأتت المرأة كجزء منه وضِلْعاً من ضلوعه ,لذلك يقال أن الرجل والمرأة حينما يتزاوجان يصيران مرة أخرى جسداً واحداً .
فلو ارتفعنا إلى جنس الألوهة ,وهو واحداً حتماً ,فهو حتماً يقوم على الذات الواحدة التي تمثِّله أو تكوّنه ,وهذا الجنس يقوم بالتالي على الأبوّة الواحدة الوحيدة والبنوّة الواحدة الوحيدة في الذات الكاملة الواحدة .وكون الآب أعظم من الابن في ذات الله الواحدة لا يفرق ولا يثني في الذات ولكن هذا قانون الأبوّة و البُنوّة في الله ,الذي انبثقت منه كل أبوّة و بُنوّة في العالم بقانونها الأدبي ,أن الآب يكون دائماً أعظم من الابن ,أدبياً ,وليس طبيعةً,ولا جنساً ,و لا موهبة, و لا قوة ,لأن الأعظم في الأبوة الإنسانية لا يفيد أي صفة كانت سوى صفة الأبوة ,أو اسم الأب في الذاتية البشرية وحسب .
فكون الآب أعظم من الابن ,فهذا هو قانون قيام الذات الذي يضمن وحدتها وكمالها ,فالله الآب يعطي الله الابن ليس لأنه أغنى ولا أقوى ,ولكن منطق الذات المتكاملة يحتم بالحب عطاءً وأخذاً لتصير الذات مكتفية بذاتها وفي ذاتها .والحب يمثل العطاء الاعظم والاقوى في الذات الالهية :”فالآب يحب الابن “,لأن هذا هو قانون الابوّة الحتمي ,والابن يحب الاب ,إنما كرد فعل مساوٍ تماماً ,فهذا أيضاً قانون وفعل البنوّة الحتمي .وهذا الحب المتبادل يعطي للذات اكتفائها .لذلك حينما يقول المسيح باعتباره الابن :”أبي أعظم مني “,فهو يشير إلى علاقة ,فالحب في الله هو طبيعة العلاقة القائمة في الذات المتكاملة .لذلك فالذات الإلهية هي “الاكتفاء” المطلق الوحيد (الكائن بذاته).
لذلك يقول المسيح في الاصحاح الخامس :”لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته” (يوح 26:5),فهو لم يعطه حياه بل “أعطاه” أن يكون له حياة في ذاته .هذا أيضاً هو قانون الابوّة والبنوّة العام. وفي الإنسان يكون نفس الوضع ,لو أخذناه ليس على مستوى الفرد الواحد كأب إنما لو أخذناه على مستوى الذات الانسانية الواحدة كجنسٍ,فإن الابوّة في الذات الانسانية أعطت بكيانها أن يكون للبُنوّة حياة في ذاتها .وهذه الحقيقة لا تظهر على مستوى الفرد الواحد في الجنس البشري إلاّ على مستوى النسل .حيث يعطي الأب حياة لإبنه بالنسل ,فتظهر الحياة ,وهي تنتقل من الاب إلى الابن .وهذا حتّمه حكم الموت ,لأنه بدون أن ينسل الانسان تتوقف حياته على الارض وتتلاشى الذات الانسانية من العالم المادي .فلكي تظل الذات الانسانية كائنة ,وقائمة على الارض ,تحتّم عليها أن تسلم شعلة الروح التي فيها,بالنسل , إلى خَلَفٍ لها ,لتبقى وتدوم على الارض .
أما الله فهو الكائن بذاته ,والحيّ بجوهره الذي لا يعرف الموت ولا التغيير , وهو قائمٌ دائمٌ بذاته ليس فيه ظل دوران (الحركة ويتبعها الزمن ) ,فهو فوق الزمان والاكوان ,وكل كيان يستمدُّ منه كيانه ,وهو هو, لا يتغير,ولا يتبدّل ,وسنوه لا تفنى!!
لذلك, فالذات الإلهية منزّهة عن النسل لذاتها .لأن الابوّة فيها دائمة بحياتها الازليّة فيها,والبنوة دائمة بحياتها الازلية فيها أيضاً .فلا الابوة تحتاج إلى من يقيمها ,فهي قائمة دائمة, ولا البُنوّة تحتاج إلى من يُكمِّلها ,فهي كاملة مع الآب في ذات واحدة.
والأبوّة في الله غير منحصرة في ذاتها ,بل تُعطي عطاءً أزلياً وأبدياً, كل ما لها للابن .والابن غير منحصر في هذا الميراث الابوي, بل يعمل به لحساب الآب ,فكل غنى ميراثه في الآب يردّه للآب ,عملاً ,سواء كان الحب أو المجد أو الكرامة ,حتى أن الابن –كما عرفناه في المسيح –سُميّ بل تعيّن لنا رباً –لمجد الآب!!
“ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب “(في 11:2)
والمجد الذي أعطاه الآب للابن :”المجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم”( يو 5:17),ردّه الابن للآب أعمالاً:”أنا مجدتك على الأرض” (يو4:17)؛والحب الذي أعطاه الآب للابن :”الحب الذي أحببتني به”(يو26:17),ردّه المسيح للآب بصورة منظورة لنا ,في ذبيحة محبته على الصليب ,صُلحاً للعالم كلّه مع للآب :”أي إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه “(2كو 19:5),وتطهيراً لكل خُطاةِ الأرض :”الله,بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديماً,بأنواع وطرقٍ كثيرة ؛كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه,الذي جعله وارثاً لكل شيء, الذي به أيضاً عَمِلَ العالمين ؛الذي ,وهو بهاء مجده ,ورسم جوهره ,وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعد ما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا ,جلس في يمين العظمة في الأعالي”(عب1:1-3)
وبالاختصار وبشمول يفوق العقل فإن كل ميراث الابن في الآب ,أو بمعنى آخر كل غنى الروح والمعرفة والمجد كميراث للابن ,منحه الابن للذين آمنوا بالآب وبه .فورث الانسان مع الابن في الله ,الأمر المذهل للعقل ,فقد صرنا بالمسيح وفيه “ورثة الله,ووارثون مع المسيح”(رو 17:8).وأهم ما في هذا الميراث هو “البنوّة” الدائمة ,فهذا هو الملكوت الممنوح للإنسان ,ميراث خيرات الله الرّوحية كبنين.وهكذا,بقدر ما ورث الابنُ الآبَ,ردّه للآب مشمولاً بدخول الإنسان هذا الميراث عينه ,ليستوعب هذا الغنى الابدي اللانهائي .
ولكن ميراث الابن للآب لا يشمل عطايا خارج الكيان الجوهري في الذات الإلهية, لأن كلّ ما للآب هو للابن, وكل ما هو للابن هو للآب:”وكل ماهو لي ,فهو لك .وماهو لك ,فهو لي” (يو10:17).لهذا يقول المسيح :”أنا والآب واحد”(يو 30:10).ولكن يتضمن العطاء والأخذ في الله بين الآب والابن تواجدُ الآب في الابن والابن في الآب .فكل واحد يعطي ذاته للآخر بصورة فائقة ,بحسب الطبيعة الفائقة لله .لكن حتى هذا التواجد المطلق بين الآب والابن ,استثمره الابن في الانسان ,لحساب غنى اللاهوت .فكما تواجَدَ “الابن” في الجسد البشري,فتجسد ,وصار “ابناً للانسان”,وهو حامل البنوة الإلهية وكل غناها وميراثها ؛هكذا أعطى الانسان ,بصورة ما,كلّ من يؤمن ويقبل الابن المتجسد ,أي المسيح ,أن يتواجد الابن فيه ,على قدر ما يطيق الانسان ويحتمل :”اثبتوا فيّ وأنا فيكم” (يو4:15).وعاد يُخاطِب الآب بهذا القول العجيب :”ولستُ أسألُ من أجلِ هؤلاء فقط(التلاميذ ),بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم ,ليكون الجميع واحداً,كما أنك أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك ,ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا.”(يو 21:17-22) .
والمسيح,لكي يمهد لهذا التواجد العالي القدر ويجعله مناسباً وممكناً ,يقول:”وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ,ليكونوا واحداً, كما أننا نحن واحد.”(يو22:17)
ثم يعود المسيح ليُطبّق التوازي في الوجود –مع حفظ الفارق بين ما للاهوت وما للإنسان-هكذا :”أنا فيهم ,وأنت فيّ ,ليكونوا مُكملين إلى واحد”(يو23:17)
وهنا ,وفي كل مرّة يشدد المسيح أن هذا الوجود الجديد للإنسان في عمق الصلة الأبوية والبنوية في الله ,هو آية ,دائماً تكون لحساب الآب ليراها العالم:”ليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني .”(يو23:17)
وهكذا تبدو رسالة الابن المتجسد في العالم كلها لحساب الآب.
وهكذا,أيّها القارئ العزيز,ينكشف سر الإيمان المسيحي الأعظم,الذي كان مخفياً مدى كل الدّهور السالفة, الذي أعلنه الله بإرساله الابن إلى العالم مُتجسداً ,”ليستعلن لنا سر الآب والابن”,الذي به صار تجديد الخليقة البشرية ورفعها إلى مستوى البنوّة لله ,ومنحها كل مميزاتها ,لحياة أبدية مجيدة ,لسعادة الإنسان وفرحه ,عِوَضَ كآبة عبودية الدهور السالفة والحزن والتنهّد والبكاء تحت سُخرة الشيطان والجسد,الذي كتب به الانسان تاريخه السالف .
نستخلص من هذا ,أن الآب أعظم من الابن لأن هذا هو قانون الأبوّة والبُنوّة ,وهذا يرتدُ على الذات ليعطيها الاكتفاء والكمال والوحدانية الخصبة .
وبالنهاية,نكون قد بلغنا العمق والغِنى في قول المسيح:”أبي أعظم مني” ,والذي ينتهي إلى الاكتفاء والتكامل في الذات الإلهية ,على أساس هذه الصفة التي تُميّز الأبوة تمييزاً أدبياً مُطلقاً,وهذا التمييز يجعلُ الذّات الإلهية مُحبّة ومحبوبة,عاملة غير ساكنة,متكلمة غير صامتة,بل مُتكلمة سامعة ,مُريدة فاعِلة ,ناظرة ومنظورة ,راسِلة ومُرسَلة ,عالمة ومُتعلّمة,مجيدة وممجِّدة.
وباختصار ,هي ذات كاملة كمالاً مُطلقاً,مكتفية في كيانها اكتغء مُطلقاً.فال1ات الإلهية ,كآب وابن ,واحدة,ووحدتها غير واقعة تحت العجز والعَوَز .فوحدانية الله خصبة ,ومن خصوبتها يغتني العالم .هذا,وعلى أساس ذلك, نسمع من فم المسيح أسرار هذا التكامل بين الآب والابن :
+”لان الاب يحب الابن و يريه جميع ما هو يعمله “(يو20:5)
+”قال لهم يسوع طعامي ان اعمل مشيئة الذي ارسلني و اتمم عمله”(يو34:4)
+”لا يقدر الابن ان يعمل من نفسه شيئا الا ما ينظر الاب…”(يو19:5)
+”انا لا اقدر ان افعل من نفسي شيئا كما اسمع ادين و دينونتي عادلة”(يو30:5)
+ “لاني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الاب الذي ارسلني”(يو30:5)
+ “تعليمي ليس لي بل للذي ارسلني”(يو16:7)
+” انا هو و لست افعل شيئا من نفسي بل اتكلم بهذا كما علمني ابي”(يو28:8)
+”الذي ارسلني هو معي و لم يتركني الاب وحدي لاني في كل حين افعل ما يرضيه”(يو29:8)
+” انا انسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله “(يو40:8)
+”لاني لم ات من نفسي بل ذاك ارسلني”(يو42:8)
+ “لكني اكرم ابي و انتم تهينونني”(يو49:8)
+”لاني لم اتكلم من نفسي لكن الاب الذي ارسلني هو اعطاني وصية ماذا اقول و بماذا اتكلم”(يو49:12)
+”الكلام الذي اكلمكم به لست اتكلم به من نفسي لكن الاب الحال في هو يعمل الاعمال”(يو10:14)
هذه هي الابوّة في الله , وهذه هي البنوّة في الله ,ليس بينهما أيُّ تنافرٍ أو شقاقٍ أو تعالٍ.
يستحيل لأي انسان يتمعن هذه الآيات أن يعثر على أيّ انقسام أو ثنائية ,فالوحدة المطلقة بين الآب والابن والتكامل المطلق في الذات ,يضمنها الحبُّ المطلق من الآب نحو الابن ,والطاعة المُطلقة من الابن للآب ,فالآب يشاء ووالابن يُكمل المشيئة بنفس القوة ,والآب يتكلّم والابن يُعلم بنفس الكلام وبنفس الحكمة ,والآب يعمل والابن يعمل بنفس القوة والاقتدار .
فإذا قال الابن أن “الآب أعظم مني”,فلأنه “آب” فقط والابن يُكرّم الآب لأنه”ابن”:”لكني أكرم أبي وأنتم تهيونني”(يو49:8).ولكن إذا خرجنا خارج هذه الدائرة الخاصة جداً والنورانية الفائقة بين الآب والابن ,أي ندخل إلى ما يخصنا نحن من هذه الابوّة والبُنوّة الإلهية ,نسمع من المسيح التساوي المطلق في الكرامة والمجد.
“لكي يُكرم الجميع الابن ,كما يكرمون = كرامة واحدة للآب والابن =إله واحد.
الآب ,من لا يكرم الابن ,لا يكرم الاب الذي
أرسلهُ”(يو23:5)
“أنتم تؤمنون بالله ,فآمنوا بي”(يو1:14) = الايمان بالآب يُحتّم الايمان بالابن
“أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل”(يو17:5) = العمل الواحد بين الآب والابن
“أنا والآب واحد”(يو30:10) = واحد في الجوهر والذات =إله واحد
“كل ماهو لي فهو لك,وما هو لك فهو لي” = كل صفات ومميزات الآب هي في الابن وكل صفات وميراث
(يو10:17) الابن هي في الآب =وحدة الصفات والمميزات
“الذي رآني فقد رأى الآب”(يو9:14) = الله الآب غير منظور .الله الابن هو منظور الآب
الآب والابن منظورٌ واحد.
“أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك “(يو21:17) =الكيان الواحد
“وهذه هي الحياة الابدية ,أن يعرفوك أنت = معرفة الآب والابن فيها الحياة الأبدية
الإله الحقيقي وحدك,ويسوع المسيح الذي
أرسلته” (يو3:17)
هذه الآيات ,تشير بتأكيد ,أن عملَ الآب غير الظاهر يعمله الابن في الظاهر ,كذلك المشيئة وكل شيء ,فالآب والابن لهما عمل واحد ومشيئة واحدة.
وفي الختام نقول ,إن المسيح إذا قال:”أبي أعظم مني”,فذلك لأنه هكذا ينبغي أن يرى الابن أباه ,فالآب يتحتم أن يكون عظيماً في عين الابن ,لتكون الذات الإلهية كآب وابن عظيمة في تكامُلها ووحدتها,أما من جهة العمل ,فالتساوي في المشيئة والقدرة والحكمة هو مُطلق بين الآب والابن ,وأما من جهة الكرامة والمجد والعبادة والسجود فهو واحد بلا تفريق.
[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/08/يوحنا-28-2.pdf”]
تابع سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الثاني
تابع المقدمة – الوحي الإلهي والإعلان
للعودة للجزء الاول أضغط هنا.
فحينما ألتقي بكلمة الرب، كشخص يسوع المسيح الحي وأدخل في سرّ الإنجيل، يُكشف لي بالروح الحياة التي تنبض في الكلمة، فأقبلها كقوة حياة واستعد لتنفيذ الوصية بالروح وأحيا بها لأنها روح وحياة: [ الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يُفيد شيئاً، الكلام الذي أُكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 6: 63)
+ أمور الله غير المنظورة لا يُمكن للإنسان الطبيعي أن يكتشفها (طبعاً مهما ما بلغ من فكر وقدرة على التحليل والنشاط العقلي المُميز وقدرة على الفهم الصحيح المتزن) (1كورنثوس 2: 9)
+ هذه الأمور الغير منظوره قد أُعلنت لأُناس مُختارين ومُفرزين من الله للعمل الإلهي وإلهام الروح (1كورنثوس 10 – 12)
+ وهذه الكلمات التي يقولها رجال الله الملهمون بالروح تنتقل للجميع عن طريق تعليم الروح القدس (1كورنثوس 2: 13)
+ الأقوال التي يُعلمها الروح القدس بشخصه والذي أَلهَمَ بها أُناس الله المختارين وأعلن عنها، يُحكم فيها من جهة صدقها – لأنها أقوال الله فعلاً – عن طريق المؤمنين الروحيين الذين لهم إلهام الروح ونالوا سرّ إعلان الله في قلوبهم على مستوى الخبرة والحياة، فلهم روح الإفراز من الله أيضاً بالإلهام والإعلان، لذلك كل من يمتلئ بالروح وينال سرّ الإعلان الإلهي في قلبه يستطيع أن يفرز ويُميز ما هو من الله وما هو ليس من الله، مميزاً تعليم الروح وما يقوله إذ يقارن الروحيات بالروحيات ويستوعب أسرار الله ويفهم بقلبه وعقله المستنير بنور إشراق النعمة: [ وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء… وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً، كما علمتكم تثبتون فيه ] (1يوحنا 2: 20، 27)
فيا إخوتي الكتاب المقدس ليس هو بالكتاب العادي الذي يُقرأ منفصلاً ويتم تمزيقه عن بعضه البعض وفيه تتم كتابه آراء الناس الشخصية فيه، ويتم شرحه لإثبات أفكار خاصة حتى لو كانت صحيحة، بدون الولوج لمعرفة ماذا يُريد الله بإعلانه هو عن ذاته بروحه القدوس بالإلهام في قلب القارئ والسامع والشارح، لأن الكتاب المقدس هو صادر من أنفاس الله ليُعبِّر عن الله كشخص حي يُعطي حياة، لأن الله حينما يخرج أنفاسه تخرج حياة في التو واللحظة، فحينما نفخ الله في الجسد الذي أنشأه من الأرض صار آدم نفساً حية، والكتاب المقدس الذي بين أيدينا هو كلمة الرب التي أتت كنسمة حياة من الله على شكل لغة مكتوبة، ومن هُنا أتى تمييز الأسفار الإلهية عن سائر الكتابات البشرية، لأنها كلمة مُشخصة تحمل قوة حياة الله الكلمة ذاته، وهذا يعطينا أن نفهم قول القديس بولس الرسول الذي قاله:
فهل يُريد أحد ان يستوعب سرّ الكتاب المقدس، ويدخل في سرّ التدبير، ويستوعب غنى مجد أسرار الله الحي، وهل يُريد أحد ان يكون شارح للكتاب المقدس بتدقيق وحسب مقاصد الله، وهل يُريد أحد أن يخدم الله ويكرز بالإنجيل على مستوى الروح والحق، فليفهم ما كتبناه بالروح ويقرع باب كلمة الله لتنفتح له كسر وخبرة وحياة، فيحيا بأنفاس الله وتسري فيه كقوة نار تطهره وتشتعل في قلبه بالمحبة والإيمان فيصير إنجيل مقروء من الجميع، ويشهد شهادة الله مُعلناً قصده الذي صار في قلبه بإعلان وبتعليم الروح القدس، لأن بدون إلهام الروح وعمل الكلمة في القلب بحفظها، وإرسالية الله بالروح للإنسان ليخدمه ويُعلم تعاليمه، فباطلة هي كل خدمة يقدمها الإنسان لأنه سيتكلم حسب فكره ومفهومه الشخصي الذي فهمه من كلمة الله ويُفلسفها ويُشكلها ويرتبها ويربط آياتها كما يرى أنه مناسب أو حسب ما تعلم واقتنع عقلياً، ولكنه لن يُعلن مقاصد الله ويكتب حسب قصده على الإطلاق مهما ما بلغ من قدرة ودراسة وفهم وسيصير كاذباً عن دون دراية منه، إذ أنه صدق نفسه لأنه أُعجب بفكره وتأكد أنه يتكلم بالحق والصدق بتقوى، وكما هو مكتوب:
في الحقيقة كثيرين بتسرع يبدءوا في شرح الكتاب المقدس الذي أتى بإلهام الروح بدون أن يكون لهم نفس ذات الإلهام ليشرحوا أسرار الله بسرّ الله المعلن في قلبهم بالروح القدس، فيخرجون عن مقاصد الله دون قصد فيشرحوا الكتاب على أساس لغوي فقط وعلى أساس المراجع حتى لو كانت صحيحة بدون الولوج لأسرار الله بروح الله لتنكشف اسرارها بالروح، لينطقوا بروح الكتاب المقدس ما أعلنه الله حسب قصدة …
وفي الحقيقة يا إخوتي، لن نستطيع أبداً أن نفهم ونستوعب سرّ الكتاب المقدس أيضاً أن لم نفهم مضمونه العام وماذا يُريد الله أن يقول من خلاله لنا، وعموماً قبل أن نخوض في أي شرح أو تفسير، لأن كثيرين من المفسرين لا ينطلقون من وحدة الكتاب المقدس ككل، بل ينطلقون من كل سفر وكأنه مستقل بذاته عن باقي الأسفار ويشرحونه حسب المعنى المستقل في كل آية وحرف ومعنى، وهذا يخرج الشرح بعيداً عن مقاصد الله المعلنة في الكتاب المقدس ككل، لذلك واجب علينا اليوم أن نفهم ما هو قصد الله من إعلان ذاته في الكتاب المقدس وما هي الوحدة التي تجمع الأسفار المقدسة، لذلك بادئ ذي بدء يلزمنا أولاً أن نتعرف على خطة الله المُعلنة في كلمته التي هي أنفاسه الخاصة كما سوف نتعرف عليها بدقة وتدقيق من خلال سلسلة المدخل العام للكتاب المقدس التي نشرحها من جهة الإعلان الإلهي وليس مجرد شرح وكلام وألفاظ…
وصدقوني، عندما تحتضن خطة الله عقلونا وتُنيرنا ونقبلها وتنزل قلوبنا سنستنشق أنفاس الله وبها نحيا ويدخل الفرح لقلوبنا بقوة خلاص الله المتدفق من أعماقه إلينا، وكل من يدخل في عمق إعلانه يأخذ ويشبع ويفرح ويدخل من عمق لعمق ومن فرح لفرح، وتُترجم في حياته لسلوك وحياة كثمرة من ثمار عمل الله وروح الإلهام في قلبه…
+ إعلان الكتاب المقدس الشامل +
الكتاب المقدس ككل يُعلن الآتي بترتيب فائق مُذهل لغرض اتحاد الله بالإنسان، ونستطيع أن نضع المعنى العام للكتاب المقدس في هذه النقاط:
* الله مصدر كل حياة والأساس الذي يقوم عليه كل شيء
* خليقة فائقة تاجها وغايتها الإنسان، الذي يرعاها ويُقدمها لله
* إعلان فائق ووعد يظهر بتدرج مجسد في تاريخ شعب مختار
* تحقيق الوعد بتجسد إلهي فائق، تاجه وغايته يسوع المسيح
* سكنى دائمة فائقة، تاجها وغايتها الروح القدس الرب المُحيي
* شعب خاص جسد واحد، منفصل عن عالم الموت في وحدة فائقة وشركة في النور مصدرها اتحادهم بالمسيح
* كنيسة مختارة مقدسة جامعة رسولية، مجموعة من كل الأمم وكل الشعوب (الانجماع الكلي في المسيح)
* خليقة جديدة تشع قداسة الله ويكون فيها الله بالكُل وعلى الكُل وفي الكُل.
* سماء جديدة وأرض جديدة وحياة أبدية مجيدة وتحقيق كل مقاصد الله وتميمها بالنصرة النهائية واستعلان مجده العظيم الفائق أمام كل الشعوب والأمم، وانتهاء كل أزمنة، واستعلان مجد أولاد الله في المسيح يسوع ودخولهم لملكوته العظيم بموكب نصرة فائق.
وهذا الترتيب كله هو مقاصد الله وغايته المعلنة في الكتاب المقدس من أول سفر لآخر سفر فيه، لكي يُستعلن الجسد الكامل للمسيح الرب وتتحقق الغاية النهائية حسب التدبير الأزلي الذي لله القدوس الواحد المثلث الأقانيم:
[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كمااختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسرمشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الازمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات و ما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيبا معينين سابقا حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح. الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً اذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)…
ومن جهة الترتيب التاريخي الظاهر الذي يحقق كل ما قلنا ويعلنه هو كالآتي:
* الخليقة
* الوعد
* الشعب المختار
* الإعلان
* التجسد
* سكنى الروح القدس
* الكنيسة شعب الله المختار في المسيح
* الخليقة الجديدة واستمرار اكتمالها عصر بعد عصر
* انتظار حياة الدهر الآتي واستعلان ملكوت الله
فهذا كله هو منهج الكتاب المقدس ومنه ينطلق كل شرح وتفسير، إذ يشتمل على الإعلان الكامل لحقائق الكتاب المقدس، وهو يحتضن كل الجوانب العظمى للفداء (كما هو واضح على الأخص في رسالة أفسس كما ذكرناها)، ويُظهر تاريخ الإنسان الروحي ومعاملات الله مع جنس البشر ككل، ويُظهر الغرض الحقيقي من الخليقة وما هو واجب الإنسان تجاهها، وما الغرض من حياة الإنسان وهدف دعوة الله النهائية له، لأن الله لا يُريد أن يُقدم دعوة للإنسان لعبادته، كما يقول البعض، أو أن غرض خلقة الإنسان أن يتمتع بالوجود وأن يعبد الله، فالله ليس محتاج لعبادة أحد لأنها لا تزيده ولا تنقصه في شيء ما قط، ولم يخلق الإنسان لأجل متعة الوجود في حد ذاته، لأن حياته ستكون بلا معنى لو كان وجوده لأجل وجوده، ولكن بنُاءً على ما سبق وقلنا نستوعب ما هو الغرض من خلقة الإنسان ووجوده، وسأترك لكل واحد أن يتأمل فيما كتبنا ويطلب إلهام الروح القدس حتى يستوعب بإعلان قصد الله من خلقه، فصلوا يا أحبائي وأطلبوا إلهام من الله حتى يعطيكم أن تستوعبوا سر خلقكم ….
+ الإعلان المتدرج +
أن كل من يأتي للكتاب المقدس بتوبة حقيقية طالباً انفتاح الذهن بالروح: [ حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب ] (لوقا24: 45)، معتمدين على الروح القدس طالبين الاستنارة، ستنفتح بصيرتهم الداخلية فيروا ما لا يُرى في صفحات الكتاب المقدس ويقودهم الروح القدس عبر السطور معلناً لهم أسرار الله، لأن كلمة الله كُتبت بالروح القدس ولم تكتب بآخر [ لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس1: 21)، لذلك هو وحده الذي يعلن ويكشف الأسرار في كل قلب مفتوح بالحب باستنارة الذهن: [ فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعاً لأن فم الرب تكلم ] (أشعياء 40: 5)، [ كل شيء قد دفع إلي من أبي وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ] (متى 11: 27)، [ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يُعلمكم كل شيء ويُذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)، [ فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله ] (1كورنثوس 2: 10)، فمن يقرأ الكتاب المقدس ينبغي أن تكون آذانه رادار تلقط صوت الروح، وقلبه كبير متسع بالحب ليستقبل الله وإعلانه عن ذاته بالروح.
وحينما ندخل للكتاب المقدس بهذا المستوى سنصل للقناعة الداخلية بأن الكتاب المقدس ليس خليطاً غير متجانس، كما يدَّعي بعض النقاد من أطياف وأفكار وفلسفات وآراء مختلفة، ويقولون بأنه عبارة عن تاريخ قديم يحتوي البعض منه على حقائق تاريخيه حقيقية وبعضها ممزوج بأساطير مختلفة مأخوذ عن حضارات وشعوب متنوعة، وبه تصورات دينية عقائدية بعيدة عن أرض الواقع، أو أفكار دينية مستقيه من شعوب أخرى وتم دمجها، وبعضه يحتوي على خرافات لا تُصدق، بل سوف يرونه بعيون الذهن المنفتح والقلب المتسع بإلهام الروح أنه كشف متدرج لخطة وغرض الله الأزلي، وأنه ارتقى بالإنسان من جيل لجيل وعصر لعصر في الإعلان والتعليم.
وبكون الكتاب المقدس إعلان متدرج يظهر من بداية الخلق إلى ظهور واستعلان الله في الجسد إلى آخر سفر في الكتاب المقدس وإعلان مجيئه وظهور مجده، فيجب أن نقرأه ككل، مقارنين أجزاءه ببعضها البعض [ التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدسقارنين الروحيات بالروحيات ] (1كورنثوس 2: 13)، نربطه بروحه الواحد كوحده واحدة لا تنفك حتى نستطيع أن نكتسب الرؤية الصحيحة والسليمة ونستوعب أسرار الله ونستطيع أن نعلنها في شرح سليم واعٍ مُلهم بالروح للكتاب المقدس، لأن بسبب فصل الكتاب المقدس عن بعضه البعضوفهم نصوصه بانحياز لأفكار معينه يجعلنا نُخطأ في الشرح ونتحير في بعض النقاط إذ نفصل الآيات بعضها عن بعض وننطلق في الشرح من أساس مفهومنا الخاص عن الكتاب المقدس، ونؤيد نظريتنا من بعض الآباء أو بعض الخدام الذين شرحوا بعض النقاط حسب رأيهم الشخصي لظروف معينه لكي يثبتوا شيئاً ما كرد على فيلسوف أو غيره، بعيداً عن المعنى المقصود في وحدة الكتاب المقدس والقصد الإلهي من وراء الأحداث أو المواقف:
فمثلاً لو أخذنا مثل تقدمة هابيل وقايين، وأنه نظر (الله) إلى هابيل وقربانه لأنه قدم من أبكار غنمه ومن سمانها، أما إلى قايين وقربانه الذي قدمه من ثمار الأرض فلم ينظر. فاغتاظ قايين وحمى غضبه وامتلأ حقداً وكراهية وقام وهم بقتل أخيه انتقاماً منه، وهنا يأتي السؤال: لماذا نظر الله إلى هابيل وقربانه وإلى قايين لم ينظر؟ هل لأنه – كما يقول كثير من الشُراح – لأنه قدم من ثمار الأرض ولم يُقدم ذبيحة دموية كما يعتقد البعض؟ ومن أين له الذبيحة إن لم يكن راعياً؟ وهل كان الرب في حاجة إلى أن يروي ظمأه بقطرات دم ذبيحة من هابيل؟
أم أنه – كما يقول البعض – ينتظر ذبيحة كفارية عن قايين كما قبلها من هابيل، رغم من أن النص لم يتكلم عن تقدمة عن خطايا ولا كفارة، بل تكلم عن تقدمة شكر وتمجيد لله وهي موجوده في سفر اللاويين بعد ذلك مقننه بتقديم البكور، وهنا نفس ذات الموقف كل واحد فيهما قدم من بكر كل ما صنع، فالراعي قدم من أبكار غنمه وأفضلها، والزارع قدم من أبكار أرضه، بمعنى ان كل واحد قدم من بكر عمل يديه وتعبه ليعلن شكره وتمجيده لله…
وواقع الشرح الأصيل في ضوء وحدة الكتاب المقدس يقول: أن الله لا ينظر للعينين بل ينظر إلى القلب (1صموئيل 16: 7) ولا يُفرق بين إنسان وإنسان بحسب تقدماته له. بل نجد الإجابة واضحة – كما سبق وشرحناها أكثر من مرة وبخاصة في موضوع الذبائح التي شرحته في أكثر من منتدى ولن وضع أجواء كثيرة منه هنا – وهي أن الله قبِلَ ذبيحة هابيل ولم ينظر إلى قايين وقربانه، لأن هابيل قدمها بإيمان وشهد له أنه بار لأن بدون إيمان قلبي واعي لا يُمكن إرضاء الله بأي حال، حتى لو الإنسان قدم ذبائح الدنيا كلها وما فيها متمماً كل الناموس والوصايا حسب الشكل القانوني لها، [ أن جعت فلا أقول لك، لأن لي المسكونة وملأها. هل آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس … أذبح لله حمداً وأوفِ العلي نذورك (عهودك) … وادعني في يوم الضيق أنقذك فتُمجدني ] (أنظر مزمور 50)، وهنا كان تعليم قوي للغاية ليبدأ الله به مع كل إنسان على وجه الأرض للتعليم الصحيح الذي انطلق منه وبدأ يعلم به الإنسان وهو أن كل شيء يُقدم لله يكون من أفضل ما عند الإنسان ومقدم من قلب طاهر ونفس مستنيره بالإيمان الحي العامل بالمحبة، وهذا ما يكشفه هذا الحدث الذي منه أنطلق التعليم في الكتاب المقدس والذي شُرح على مدى أسفاره ليثبت هذه الحقيقية، وممكن الرجوع لهذه الآيات المترابطة معه أشد الارتباط [ 1صموئيل 16: 7 + 1صموئيل 15 + مزمور 5: 12 – 15 + مزمور 51: 16 – 19 + عبرانيين 11: 4، 6 ]
+ عموماً يُخطأ الكثيرين في تناول الكتاب المقدس بالشرح والتفسير انطلاقاً من قبول أو تخصيص إعلان مميز لحقيقة معينة يريدون إثباتها بأية طريقة ممكنة، وهي نية سليمة وليس المقصود بها الابتعاد عن النص، ولكن إثبات فكرة معينة أو إظهار حقيقة معينة، تجعل الشارح يربط آيات لا تتناسب مع بعضها البعض لكي يقنع سامعه أو القارئ له بالفكرة التي يُريد أن يطرحها ويُرسخها في الأذهان، وهذا لكي تكون بذلك مقنعة جداً، وهنا يخرج عن قصد الله في الحدث ويُعطي الحدث بُعداً آخر غير مقصود به تماماً، مع أنه يُريد أن يثبت فكرة صحيحة وليس خاطئة على الإطلاق.
فلا يصح عموماً لأي بحث في الكتاب المقدس في أجزاءه المختلفة ونصوصه المنفصلة، مهما ما كان هاماً بل وغرضه أن يُعلن أمور حقيقية لا غش فيها، أن يلحق الضرر بمعنى القيمة السامية لشهادة الكتاب الموحدة. أو يخرج عن القصد من الآية ويضفي عليها معنى آخر بعيد تماماً عن القصد منها، ففحص الكتاب المقدس بتحيز لأي فكرة أو تأكيد على معنى من وجهة نظر متحيزة تكون بالضرورة غير كاملة ولا تُظهر فكر الله الكامل والغرض من الحدث أو الموقف أو الآية، كما رأينا مثالاً في أول موقف وحدث في الكتاب المقدس وهو تقدمة هابيل وقايين، ومن هُنا نفهم لماذا الكنيسة قسَّمت الآباء لآباء معتبرين وألحقت باسمهم كلمة (الكبير) وآباء غير معتبرين واطلقت عليهم القديس فقط بدون كلمة الكبير، لأن بعضهم لم يلتزم بوحدة الكتاب المقدس بل كان لهم تأملات شخصية مثبته بوحدة الآيات خارج معناها العام مع أن تأملهم ليس فيه خروج عن الإيمان بل يعلن حقائق ولكنها لا تتناسب مع الشرح السليم في وحدة الكتاب المقدس ككل، وهذا يختلف عن الآباء الملتزمين بوحدة النص كما سبق وشرحنا المعنى العام في الكتاب المقدس في وحدته التي تعلن مقاصد الله …
1- الكائن الالهي المطلق والأول هو ليس شخص. الذين ينادوا بهذا الفكر هم أتباع الديانات الشرقية . في هذة الديانات نستطيع ان نُدخِل على سبيل المثال تعليم الهندوسية ، البوذية وديانتي الصين المعروفة : الكونفوشيوسية والتاواسموس. كل هذة الديانات تزعم بأنه بسبب أن مفهوم الشخص يمثل واحدة من صفات الوجود البشري ، وله ،بحسب النتيجة المنطقية ، ملمح نسبي ، لذا غير مناسب أن يُعطى هذا المفهوم للكائن الالهي المطلق.
هكذا نُزع مفهوم الشخص عن وجود الله ويقدمون الله في تعاليمهم على أنه اله عالمي غير مشخصن وقاسي بلا شفقة ” ناموس للعالم ” والذي ينظم حياة البشر وتاريخ العالم . هذا الناموس الكوني غير المشخصن يعتبر بداية وغاية كل شييء ، تصف الهندوسية بتعليمهم عن ” البراهما وآتمان ” . البوذية بتعليمها عن ” كارما سامسارا ” ، وديانة الصينيين ( الصيني المسكوني ) بتعليمهم عن ” تاين (السماء) وتاو (الطريق) . من الواضح ان هذة التعاليم تُجد في تضاد تام مع تعليم الكنيسة عن الله والشخص .
2- الله هو شخص مطلق بمفهوم للشخص مفاده هو مجرد وعي ذاتي لكائن . المعضدين لهذة الفكرة هم على سبيل المثال اتباع اليهودية . ايضا، من الأعترافات المسيحية ممكن ان ينضم فرق بروستانتية متطرفة مثل شهود يهوة ، بالرغم من ان هذة الديانات والفِرق – يقبلون وحدانية الله وفرادته ووجود الله الشخصي – يدركون المفهوم اللاهوتي للشخص كمجرد وعي ذاتي لكائن إلهي مطلق .
على النقيض مع الديانات الشرقية ، إله الديانات اليهودية والاسلام وإعترافات شهود يهوة لديه وعي بوجوده ، والصفات الشخصية في علاقته بالانسان والعالم ( على سبيل المثال ، يسمع ، يرى ، ينظر ، يحب ، يدين بالعدل ، يصبر …الخ ).
النقص الأساسي لهذا الفكر اللاهوتي ، هو ان الله لا يستطيع ان يعلن صفاته الشخصية في وجوده الأزلي ( أي في وجوده قبل خلق العالم والانسان ) ، بل مخلوقاته في حاجة لكي يعلنها.
هكذا ، إذن ، على سبيل المثال ، لو أن الله يوجد كشخص يحب ( ” الله محبة ” 1يو16:4 ) ، عندئذٍ مَنْ أحبه الله قبل خلق العالم والانسان ؟ ولو أن الله في وجوده الازلي أحب ذاته أو نفسه ، عندئذٍ لماذا أعطانا المسيح وصية أن نحب ليس أنفسنا ( مثل الله ذاته للتشبه به ) بل قريبنا مثل ذواتنا ( لو27:10-28 ، لاو18:19)؟
لو أيضا الله يسمع وينظر ، عندئذٍ لمَنْ يسمع ، مَنْ كان يراه قبل خلق العالم والانسان؟ بالتالي ، تعليم هذة الديانات والفرق عن الله كشخص مقارنةً بما يماثلها في تعليم الكنيسة نحكم عليه انه صحيح جزئياً لكنه تعليم ناقص لأنه يستقي مفهوم الشخص في حدود ضيقة لوعي الله الكائن ، ولأن هذا المفهوم لا يستطيع ان يفسر كمال مفهوم الشخص في أبدية وجود الله ( أزلياً ، بلا بداية ، بلا زمن ) .
3- الله هو شخص مطلق ، بمفهوم الشخص ، ان يُحَدد كعلاقة. أتباع هذا الفكر اللاهوتي بحسب المفهوم العام ، هم أتباع التعليم اللاهوتي للكنيسة (اللاهوت الارثوذكسي) ، كذلك التعاليم المماثلة للأعترافات المسيحية الذين يقبلون ،على الأقل كأساس في تعليمهم عن الله الشخص ، التعليم عن العقيدة الثالوثية . الله يوجد كثلاثة أشخاص في جوهر واحد ، أي الثالوث القدوس .
عقيدة الكنيسة عن الثالوث يمكن ان نلخصها في الآتي :
أ- كل شخص في الثالوث لدية أسماءة الخاصة . يُدرّك بأن هذة الأسماء تُعطّى من جانبنا في محاولتنا ان نصف بكلمات مخلوقة وجود الله الأزلي. أي ليست هذة الأسماء هي غير مخلوقة أو أزلية . أسماء أشخاص الثالوث القدوس هي الآتي :
الشخص الأول : الآب
الشخص الثاني : الإبن ، الكلمة ، الحكمة ، القوة
الشخص الثالث : الروح القدس ، المعزي
ب- كل شخص من الثالوث القدوس لديه أقنومه الخاص أو خاصيته الأقنومية والتي لا يشاركه فيها أي من الشخصين الآخرين وتميزه عنهما. أشخاص الثالوث لديهم كل شييء مشترك بينهم فيما عدا الخاصية الاقنومية لكل شخص على حده لأن هذه الخاصية هي التي تميز الواحد عن الآخر وتسمح لهم بأن يوجدوا كأشخاص حقيقيين ( أي كأقانيم مختلفة تؤقنم بطريقة فريدة مطلقة الجوهر أو الطبيعة الإلهية. الخواص الأقنومية للثالوث القدوس هي الآتي :
الشخص الأول : غير المولود ( لأن الآب ليس مولوداً من أي كائن آخر)
الشخص الثاني : مولود ( لأن الابن – الكلمة وُلِدَ من الآب )
الشخص الثالث : منبثق ( لأن الروح القدس هو منبثق فقط من الآب )
ت- من جهة علاقتهم مع الطبيعة الالهية ، كل أقنوم من الثالوث هو حامل كل الجوهر الالهي وفي نفس الوقت هو بمفرده الله. أي الجوهر الالهي ينتمي بالكامل ” في نفس الوقت ” لأقانيم الثالوث القدوس .بالتالي الأقانيم الثلاثة ليسوا هم ثلاثة آلهة مختلفين ( أي ثلاثة جواهر منفصلة كما يزعم أتباع المونارخية و أتباع آريوس بل ولا ثلاثة طرق لظهور أقنوم الآب في التاريخ وفي حياة الكنيسة أي ثلاثة ” أقنعة ” بواسطتها الله الواحد يلعب أدوار مختلفة كما زعم سابليوس .
ث- أقانيم الثالوث تُوجد كإله واحد لأن بينهم لا يتوسط المكان والزمان . تحليلياً ، المكان والزمان هما أبعاد مخلوقة خُلقت من الله في بداية خلق العالم. بالتالي في الوجود الأزلي للثالوث ( قبل بداية العالم والانسان ) لم يكن يوجد لا مكان ولا زمان . كان يوجد فقط الثالوث غير المخلوق وغير الزمني والذي لا بداية له ، حيث غاب أي مفهوم للمكان والزمان ، والزمان والمكان كأبعاد مخلوقة تُحتّوي بين المخلوقات وتخلق “مسافات” بينهم.
هكذا ثلاثة أشخاص من البشر يمكن ان يوجدوا داخل أبعاد المكان والزمان كثلاثة من البشر مختلفين عن بعضهم . على سبيل المثال ، بركليس واسكندر الكبير والامبراطور الروماني نيرون هم ثلاثة أشخاص واحد فى الجوهر او لهم نفس الجوهر ولأن بُعد الزمن يتوسط بينهم يُمكن ان يُدركوا كثلاثة أشخاص مختلفين . بنفس الطريقة ،” يني” الذي يعيش في أمريكا ، و”كوستا” الذي يعيش في اليونان ، و”نيكوس” الذي يعيش في إستراليا هم ثلاثة أشخاص من البشر لهم نفس الجوهر الواحد ، ولأن بُعد المكان يتوسط بينهم يمكن ان يُدركوا كثلاثة أشخاص من البشر مختلفين . ما الذي كان سيحدث لو ان المكان والزمان لم يتوسطا بين بيركليس وأسكندر الأكبر والامبراطور نيرون ، وكوستا ويني ونيكوس ؟ عندئذِ الستة أشخاص هؤلاء المختلفين عن بعض سوف يوجدوا كأنسان واحد بستة أشخاص . هذا يحدث في الثالوث القدوس غير المخلوق والأزلي . لأن في وجود الله الأزلي لا يوجد زمان ومكان ، أي ” مسافة ” لا تُفرض بين الآب والابن والروح القدس وهكذا الثلاثة أشخاص يوجدوا بكونهم إله واحد .
ج- من جهة العلاقة بينهم ، أقانيم الثالوث لها وحدة مطلقة للجوهر ، للأفعال وللإرادة. هذة الوحدة تُعبر لاهوتياً بمصطلح ” الأحتواء المتبادل ” . وحدة الارادة هي التعبير الوجودي ” الأنطولوجي” للمحبة المطلقة التي تربط أقانيم الثالوث القدوس . الثالوث القدوس هو في الأساس شركة محبة ، شركة محبة لأقانيم الطبيعة الالهية المساوية في الجوهر. ببساطة ، المحبة التي توحد الثالوث القدوس هي محبة كاملة ومطلقة ، لدرجة أنه من المستحيل ان لا يتفقوا معاً .
وحدة إرادة الثلاثة أقانيم للثالوث القدوس كتعبير للمحبة المطلقة التي تربط فيما بينهم وكذلك كتعبير وجودي لطريقة حياة المحبة التي بها أقانيم الثالوث أختاروا بحرية ان يوجدوا مؤقنمين الطبيعة الالهية ( المحبة هي الطريقة التي بها يوجد الشخص ) تمثل بحسب رأييّ النقطة الأساسية لتعليم الكنيسة عن الله والشخص ، الشخص حُدِدَ – للمرة الأولى في التاريخ – كعلاقة.
بالتالي مفهوم الشخص حُدِدَ كعلاقة ( أي كشركة محبة لأقانيم الثالوث المساوي في الجوهر ) إنه نتاج وحصاد التعليم اللاهوتي الأرثوذوكسي ، لأن هذا التعليم هو الذي يميز تعليم الكنيسة عن الله والشخص عن التعاليم المماثلة لكل الديانات الأخرى والمجموعات المسيحية التي لا تقبل عقيدة الثالوث القدوس.
بالتالي تعاليم اعترافات الايمان المسيحية التي تقبل عقيدة الثالوث القدوس كذلك تعاليم الآباء والكُتاب الكنسيين هي صحيحة بقدر ما ترتبط بتعليم الكنيسة عن الله والشخص وتصيغها بأصالة ودقة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
للمطران يوحنا زيزيولاس . ترجمة د / جورج عوض ابراهيم .. مدونة كينونيا
الايمان بوحدانية الله من شرح قانون الايمان – الرسالة 55 للقديس كيرلس السكندري!
قال الاّباء أنهم يؤمنون بإله واحد، لأنهم كما لو كانوا يهدمون اّراء اليونانيين ( يقصد الوثنيين والأمميين) من أساساتها:
“وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى، والطيور، والدواب، والزحافات.”
(رو 22،23:1) ، وعبدوا المخلوق دون الخالق (رو25:1) ،وصاروا عبيدا لأركان العالم ظانين أنها اّلهة كثيرة بلا عدد. لذلك فلكي يهدموا ضلالة تعدد الاّلهة قال الاّباء بإله واحد تابعين الكتب المقدسة من كل جهة ومظهرين جمال الحق لكل انسان يسمي تحت الشمس . وهذا ما فعله موسي الحكيم جدا ايضا قائلا بكل وضوح ” اسمع يا اسرائيل الرب الهك رب واحد” ( تث4:6) ، وأيضا خالق الكل وربهم يقول في موضع اّخر ” لا يكون لك اّلهة اخري أمامي ” (خروج3:20) ،وأيضا يتكلم بصوت الانبياء القديسين:
” انا الاول وانا الاّخر ولا اله غيري ” ( اش 6:44)، لذلك فالاّباء الممجدون جدا فعلوا أمرا ممتازا اذ وضعوا قاعدة للايمان بضرورة أن نفكر ونقول ان الله واحد متفرد بالطبيعة والحق ، ومن ثم أنهم يؤمنون بإله واحد.