الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) د. نصحى عبد الشهيد

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد

الآبائيات – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) د. نصحى عبد الشهيد

أولاً: من هم الآباء:

جرت العادة منذ وقت قديم جدًا على تسمية معلّمى الكنيسة ومؤلفى الكتابات المسيحية الأولى باسم ” آباء الكنيسة ”. وفى الأزمنة القديمة كانت تطلق كلمة أب على “المعلم”. ففى الاستعمال الكتابى وفى العصر المسيحى الأول يعتبر المعلّمون هم آباء لتلاميذهم. فمثلاً يقول الرسول بولس: ” لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس لكم آباء كثيرون. لأنى أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل ” (1كو15:4).

والقديس إيرينيئوس Ireneus أسقف ليون في القرن الثانى يعلن [حينما يتعلم شخص من فم شخص آخر فإنه يسمى ابنًا للذى علّمه والذى علّمه يدعى أباه] [1]. ويقول كليمندس الأسكندرى (150ـ210م): [ الكلمات هى ذرية النفس. ولذلك فإننا ندعو الذين علمونا، آباء لنا … وكل من يتعلم هو من جهة الخضوع ابن لمعلمه ][2].

وفى العصر المسيحى الأول كانت وظيفة التعليم خاصة بالأسقف. لذلك فهو أطلق عليه لقب “أب” في البداية. ولكن الصراعات العقائدية في القرن الرابع أحدثت تطورًا في استعمال لقب “أب”، فصار استعمال لقب “أب ” أكثر شمولاً واتساعًا، إذ امتد ليشمل كل الكُتّاب الكنسيين مهما كانت درجتهم الكنسية. ماداموا يمثلون تقليد الكنيسة الحى ويعبّرون عنه. فأغسطينوس مثلاً يعتبر جيروم شاهدًا للتقليد رغم أن الأخير لم يكن أسقفا[3].

فالآباء هم المعلّمون الذين ساهموا في تحديد مضمون الإيمان أو في صياغته أو شرحه، حيث المقصود بالإيمان ليس هو العقيدة فقط ولكن التقليد الذي استلمته الكنيسة من الرسل وما يعبر عنه القديس يهوذا في رسالته بعبارة ” الإيمان المُسلّم مرة للقديسين ” (يهو3). وهو يشمل:

الإيمان بالمسيح ابن الله وكل العقائد المتصلة به وبالخلاص الذي تممه بالصليب والقيامة، كما يشمل عبادة الكنيسة في الليتورجيات وخاصة ليتورجيا الإفخارستيا كما يشمل الحياة المسيحية الروحية الشخصية والجماعية والسلوك المسيحى.

فالحياة المسيحية هى أصلاً حياة تسلّم تسليمًا. وهذا التسليم هو التقليد بكل جوانبه العقائدية والليتورجية والروحية. فآباء الكنيسة هم معلمو الإيمان والعقيدة والحياة الروحية في القرون الخمسة الأولى سواء كانوا أساقفة أم من غير الأساقفة أو حتى من المؤمنين العاديين الذين ساهموا في تحديد مضمون وصياغة وشرح الإيمان حتى استقر في الإطار الذي أجمعت عليه الكنيسة في مجامعها المسكونية حتى المجمع المسكونى الثالث المنعقد في أفسس سنة 431م.

ويطلق فنسنت من ليرنز (Vincent of Lerins) ببلاد الغال (فرنسا) في مذكراته (Commonitory) سنة 434م، لقب ” أب ” على كل معلمى الكنيسة في القرون الأولى بدون تمييز بينهم بسبب الدرجة الكهنوتية فيقول:

” لو أثير سؤال جديد لم يكن قد اتُخذ قرار بشأنه قبل ذلك، فينبغى عندئذ الرجوع إلى أراء الآباء القديسين وعلى الأقل إلى أراء أولئك الآباء الذين ـ كل واحد منهم في زمانه ومكانه الخاص ـ كانوا مقبولين كمعلمين يحظون بالاعتراف العام من الجميع بسبب أنهم ظلوا في وحدة الشركة والإيمان.

وكل ما وُجدَ أن هؤلاء الآباء قد علّموا به، بفكر واحد واتفاق تام، فهذا ينبغى أن يُحسب أنه التعليم الحقيقى الجامع للكنيسة، بدون أى شك أو تردد ” (فصل29) ـ ” ولا ينبغى لمن يَخلِفونهم أن يؤمنوا بأى شئ سوى ما أجمع عليه القدماء من الآباء القديسين في ” المسيح ” (فصل33) [4]. وهو يرجع هذا المبدأ إلى الآباء القديسين الذين اجتمعوا في مجمع أفسس المسكونى سنة 431. هذا المبدأ يبين الأهمية التي سبق أن أُعطيت لوجود ” برهان من الآباء ” لصحة أى تعليم.

وقد جرى العرف على ضرورة توفّر أربع صفات فيمن يعتبرون ” آباء الكنيسة ” وهى:

  1. 1 ـ أرثوذكسية العقيدة.
  2. 2 ـ قداسة الحياة.
  3. 3 ـ قبول الكنيسة لهم.
  4. 4 ـ القِدَمِية أى أن يكون من آباء القرون الستة الأولى، وذلك حسب إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وشقيقاتها ـ الكنائس الشرقية الأرثوذكسية (السريانية والأرمنية والأثيوبية والهندية.. إلخ).

أما بقية الكُتاب اللاهوتيين في كل العصور فيطلق عليهم لقب ” الكُتّاب الكنسيين ” وهو تعبير نحته القديس جيروم (ايرونيموس) في أواخر القرن الرابع في كتابه مشاهير الرجال [5].

تعتبر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خمسة من الآباء أنهم آباء مسكونيين عظام وهم القديس أثناسيوس الرسولى والقديس كيرلس الأسكندرى (عمود الدين) والقديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس النزينزى (الناطق بالإلهيات) والقديس يوحنا ذهبى الفم. والكنيسة اليونانية تكرّم القديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم باعتبار أن الثلاثة هم ” المعلمون المسكونيون العظام ” وتكرم معهم أيضًا القديس أثناسيوس.

وكنيسة روما تعتبر أمبروسيوس وجيروم (إيرونيموس) وأغسطينوس وغريغوريوس الكبير أنهم “الآباء الأربعة العظام” في الغرب. وفى الشرق تعتبر أن باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم (آباء الكنيسة اليونانية) هم ” المسكونيين العظام ” وتضيف إليهم القديس أثناسيوس الرسولى.

صفة القِدَمِية:

والصفة الرابعة، صفة القدمية لا تعنى مجرد قِدَمِية زمنية بل قدمية تقوم على الشهادة للإيمان المُسلم من الرسل. وهذه الشهادة للإيمان الرسولى لا تتوفر لكل الكُتّاب الكنسيين الذين جاءوا بعد عصر تحديد وصياغة مضمون العقيدة المسيحية المستقيمة، فيما يتعلق بالإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس وتساوى الأقانيم في الجوهر، والإيمان بعمل الله الخلاصى بتجسد الابن الوحيد وفدائه لنا، والإيمان بطبيعة المسيح الابن المتجسد (اتحاد اللاهوت بالناسوت)، وكذلك الإيمان بألوهية الروح القدس.

وصياغة العقيدة هذه هى التي ألهم بها الروح القدس الآباء معلمى العقيدة[6] في المجامع المسكونية الثلاث الأولى نيقية (325م) والقسطنطينية (381م) وأفسس (431م). ولذلك فإن الكنيسة في تحليل الخدام لكى تدخل إلى الله في عبادة القداس الإلهى التي تستلزم شركة الإيمان الواحد مع الرسل والآباء، تأخذ الحل من الرسل الاثنى عشر ومن فم القديس مرقس الرسول، ومن الآباء القديسين معلمى العقيدة البطريرك ساويرس، والبابا أثناسيوس الرسولى، ومعلمنا ديوسقورس، وبطرس رئيس الكهنة والشهيد، ويوحنا ذهبى الفم، وكيرلس (الأسكندرى) وباسيليوس وغريغوريوس، ومن أفواه آباء مجمع نيقية (الـ318) وآباء مجمع القسطنطينية (الـ150) وآباء مجمع أفسس (الـ200)، ومن فم بابا الأسكندرية ومن فم الكاهن الذي يصلى التحليل [7].

ولا تُذكر في هذا التحليل أية أسماء أخرى سواء من آباء البرية القديسين مثل القديسين الأنبا أنطونيوس والأنبا مقار أب برية شيهيت وغيرهم من القديسين في العصور المختلفة أو الآباء الذين لهم كتابات بعد القديس ساويرس بطريرك إنطاكية في الربع الأول من القرن السادس، وذلك رغم قداستهم المشهود لها في الكنيسة. بينما في مجمع القداس الذي يُصلى قبل الترحيم تذكر الكنيسة بالإضافة إلى هؤلاء الآباء عددًا كبيرًا من القديسين.

فالآباء الذي تأخذ الحل ـ في تحليل الخدام ـ منهم هم الآباء شهود الإيمان الذين حفظوا العقيدة سليمة ودافعوا عنها أو اشتركوا في صياغتها كما ذكرنا، وهؤلاء لهم تميزهم الخاص ويأتون بعد الرسل القديسين مباشرة في تسليم الإيمان وحفظه والشهادة له كما يقول القديس أثناسيوس: ” … الإيمان الذي هو من البداية والذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء ” [8]. والمسألة هنا ليست مسألة قداسة أو خبرة روحية فقط، فلو كان الأمر كذلك لكانت والدة الإله العذراء القديسة مريم، هى أجدر من جميع الرسل والآباء بأن تُذكر في تحليل الخدام.

 

التمييز بين الآباء معلمى العقيدة وبين الكُتّاب الكنسيين:

وهذا يجعلنا نميز بين ” آباء الكنيسة ” معلّمى الإيمان الذين حفظوا العقيدة سليمة وهم امتداد للرسل القديسين والذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس وقاموا بشرحه وبتثبيته وقاموا أحيانًا بصياغة تحديدات للعقيدة تضمن سلامة الإيمان الرسولى من التحريف وحفظ المؤمنين من الوقوع في فخاخ الهرطقات، نعم نميز بين هؤلاء الآباء الذين اعتُمدت كتاباتهم كمصدر للتعليم، وبين غيرهم من الآباء أو الكُتّاب الكنسيين، سواء كانوا من الشيوخ الروحيين آباء البرية القديسين، أنطونيوس ومقاريوس وباخوميوس وغيرهم، أو كانوا من البطاركة والأساقفة والكهنة والعلماء في مختلف العصور بعد عصر المجامع المسكونية، الذين لم تعتمد كتاباتهم كمصدر للتعليم.

ولكن ما تحويه كتابات الكُتّاب الكنسيين من تعاليم وأفكار وتفسيرات وشروحات تتفق مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية المستقرة منذ عصر المجامع المسكونية، وما يتفق مع منهجها في العبادة والحياة الروحية والتوجيه المسيحى القويم في السلوك والأخلاق، كل هذه تقبلها الكنيسة كامتداد لتعاليم آباء الكنيسة وبناءً على تعاليمهم وشرحًا لها. أما الآراء الخاصة بالكُتّاب الكنسيين في غير أمور العقيدة والعبادة والحياة الروحية فهى تبقى أراء الكُتّاب الخاصة بهم.

وفى جميع الأحوال يجب مراعاة أهمية البناء على الأساس الواحد الذي بُنيت عليه الكنيسة منذ أسسها الرب يسوع المسيح كما يقول الرسول بولس: ” مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية ” (أف20:2 وأيضًا أنظر 1كو11:3).

 

 اقتفاء أثر الآباء:

حيث إن الآباء معلمى العقيدة هم الذين استلموا وديعة الإيمان من الآباء الرسل، وسلموها بدورهم إلى الكنائس إلى أن استقرت الوديعة محفوظة بقوانين المجامع المسكونية بجهود هؤلاء الآباء، لذلك يلزم للمؤمنين اقتفاء أثر هؤلاء الآباء والسير على خطاهم في تعليم الإيمان لكى يكون للكنيسة كلها إيمان واحد في كل زمان وفى كل مكان. يقول القديس أثناسيوس الرسولى في دفاعه عن قانون إيمان مجمع نيقية: ”لقد برّهنا على أن هذا التعليم قد سُلّم إلينا من أب إلى أب ؛ أما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا فمن هم الآباء الذين تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم إليهم ؟ ” [9].

وآباء مجمع نيقيا أعلنوا أنهم في إقرارهم لقانون الإيمان أنهم ” يحفظون العادات القديمة ” ويقصدون بذلك الإيمان المُسلم مرة من الرسل بواسطة الآباء الذين سبقوا آباء نيقيا. وكذلك آباء المجامع التالية كانوا يعلنون أنهم “يتبعون الآباء القديسين “، ورفضوا أن يضيفوا شيئًا على قانون إيمان نيقيا والقسطنطينية. والقديس كيرلس عمود الدين يؤكد أنه يتبع نفس تعليم القديس أثناسيوس وآباء مجمع نيقيا [10].

ولكن رغم هذه الأهمية التي تعطيها الكنيسة للآباء في التعليم العقيدى إلاّ أنها لا تعتقد بعصمة أى أب من الآباء في آرائه الشخصية في الأمور غير العقائدية، مثل طريقته في التفسير أو في الموضوعات الروحية، فهذه الآراء تبقى آرائه الخاصة ولا تلزم المؤمنين.

 

 ثانيًا: أهمية كتابات الآباء:

أ ـ كان الأستاذ الدكتور جون ن. د. كيللى J. N. D. Kelly أستاذ الدراسات الآبائية وتاريخ العقيدة المسيحية بجامعة أكسفورد محقًا عندما كتب أن: ” السبيل الوحيد لفهم ذهن الكنيسة الأولى هو أن ينقع الإنسان نفسه في كتابات الآباء ” [11].

فالواقع أن كل تدريب على المعرفة اللاهوتية يظل ناقصًا جدًا بدون اختبار أو تذوق لفكر الآباء ـ فالاختبار الآبائى هو اختبار للحقيقة اللاهوتية، هو اختبار للوحدة في التنوع ـ هذه الوحدة التي تلقى ضوءً قويًا للتمييز بين ما هو أساسى ومحورى في المسيحية، وما هو ثانوى وجانبى.

ب ـ ودراسة كتابات الآباء تعطينا اختبار توحيد القلب مع الذهن في معرفة الإلهيات. فالمعرفة اللاهوتية ليست مجرد معرفة جافة نظرية ولا هى مجرد رياضة عقلية، بل هى اتحاد القلب والذهن مع الله. وهذا هو السبب الذي جعل كبار اللاهوتيين والقديسين، يدرسون ” الآباء ” بعناية واهتمام لأن ما كتبه الآباء هو عمل من أعمال القداسة. فكتابات الآباء مليئة بالمشاعر المسيحية كما يقول ” بوسيّه ” Boissuet، إلى جانب المعرفة العميقة والدقيقة. فآباء الكنيسة يجمعون في كتاباتهم وخبراتهم القداسة والمعرفة معًا بدون انفصال وبلا أى تناقض [12].

 

 ج ـ الآباء والتقليد:

ترجع أهمية كتابات الآباء إلى أهمية التقليد باعتباره مصدر الإيمان. والتقليد جعل لكتابات وآراء الآباء أهمية كبرى. فالكنيسة تعتبر “ اتفاق الآباء الإجماعى ” معصومًا حينما يخص تفسير الكتاب المقدس والعقيدة. ويصف ” نيومان ” (J. H. Newman) أهمية اتفاق الآباء واختلافه عن الآراء الخاصة للآباء حينما يقول: [إنى اتبع الآباء القدماء، ليس على أنهم في موضوع معين لهم الثقل الذي يملكونه في حالة العقائد والتعاليم (رغم أنهم كذلك). فحينما يتكلم الآباء عن العقائد، يتكلمون عنها على أن الجميع يؤمنون بها.

فالآباء هم شهود الحقيقة أن هذه التعاليم قد استُلمت استلامًا، ليس هنا أو هناك بل في كل مكان، ونحن نستلم هذه التعاليم والعقائد التي يعلّمون بها، ليس لمجرد أنهم يعلّمون بها، بل لأنهم يشهدون أن كل المسيحيين في كل مكان في عصورهم كانوا يؤمنون بها. فنحن نتخذ الآباء كمصدر أمين للمعرفة، ولكن ليس كسلطة كافية في ذواتهم، رغم أنهم هم أيضًا سلطة.

فلو أنهم قالوا بهذه التعاليم نفسها وأضافوا قائلين ” إن هذه هى آراؤنا وقد استنتجناها من الكتاب المقدس، وهى آراء صحيحة ”، فإننا في هذه الحال كنا نتشكك في استلامها على أيديهم. وكنا سنقول إن لنا الحق مثلهم أن نستنتج من الكتاب كما فعلوا هم، وأن الاستنتاج من الكتاب هو مجرد آراء، فإن اتفقت استنتاجاتنا مع استنتاجاتهم، فهذا يكون تطابقًا سعيدًا معهم ولكن إن لم تتفق فإننا سنتبع نورنا الخاص.

وبلا شك ليس هناك إنسان، له الحق أن يفرض استنتاجاته الخاصة على الآخر في أمور الإيمان. طبعًا هناك التزام واضح على الجاهل أن يخضع لأولئك الذين هم أعلم منه، وهناك تناسب ولياقة أن يخضع الصغار والشباب مؤقتًا لتعليم شيوخهم، ولكن فيما هو أبعد من ذلك فليس هناك رأى لإنسان أفضل من آخر.

ولكن الأمر ليس هكذا فيما يخص الآباء الأولين، فالآباء لا يتكلمون برأيهم الخاص، إنهم لا يقولون ” هذا الأمر حقيقى لأننا رأيناه في الكتاب المقدس″ ـ وهو أمر هناك اختلافات في الحكم بخصوصه ـ ولكنهم يقولون ” هذا الأمر حقيقى بسبب أن الكنائس كلها تؤمن به وكانت فيما سبق تؤمن به طوال الأزمنة السابقة بلا انقطاع منذ زمن الرسل “، حيث يكون الأمر هنا موضوع شهادة، أى عن وجود وسائل المعرفة لديهم بأن هذا الأمر كان يُؤمن به طوال العصور السابقة، لأنه كان إيمان كنائس كثيرة مستقلة (إداريًا) عن بعضها البعض، ولكن كان هذا إيمانها في نفس الوقت، وذلك يكون على أساس أن هذا الإيمان من الرسل، فبلا شك أنه لا يمكن أن يكون إلاّ حقيقيًا ورسوليًا][13].

ويشهد القديس أثناسيوس الرسولى (296ـ373) عن الآباء وتقليد الكنيسة وتعليمها الذي سُلّم بواسطة الرسل منذ البداية فيقول في دفاعه عن ألوهية الروح القدس: [ دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البدايةوالذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء (لاحظ أنه يعتبر التقليد والتعليم والإيمان واحدًا وأن الآباء هم الذين حفظوا الإيمان) وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة … يوجد ثالوث قدوس وكامل، يُعترف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس.. وهكذا يُكرز بإله واحد في الكنيسة كما أوصى الرب ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت19:28) ] [14].

وكما يشهد أيضًا القديس غريغوريوس (335ـ394) أسقف نيصّا (Nyssa) عن الآباء والتقليد المُسلم من الرسل فيقول إنه: [ يكفى للتدليل على صحة تعليمنا أن التقليد قد انحدر إلينا من الآباء كميراث تسلم إلينا من الرسل بواسطة القديسين الذين أتوا بعدهم ] [15].

د ـ كتابات الآباء وتفسير الكتاب المقدس:

لكتابات الآباء أهمية كبرى لأن الكنيسة الآن في عصرنا وفى كل عصر تالى للقرون الخمسة الأولى تعتمد في تفسير الكتاب المقدس على تفسيرات الآباء للكتاب المقدس وخاصة تفسير الآيات التي تُستَقى منها العقائد الإيمانية.

ولذلك يلزم للكنيسة في عصرنا أن يكون لديها كل تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس مترجمة إلى اللغة العربية، وهذا احتياج مُلح بالنسبة للكنيسة في مصر وفى كل البلاد الناطقة بالعربية. ومن هنا فإن كتابات الآباء لا غنى عنها لرعاة الكنائس والمعلمين والوعاظ وطلبة الكليات اللاهوتية ولكل من له اهتمام بالإيمان المسيحى ودراسة الكتاب المقدس.

 هـ ـ كتابات الآباء والليتورجيات:

كما أن لكتابات الآباء أهمية كبرى أيضًا لأنها المصدر الذي تأخذ منه الكنيسة منذ العصور الأولى وإلى الآن نصوص القداسات التي تصلى بها ونصوص التسابيح والتماجيد التي تستعملها الكنيسة في عبادتها الجماعية أو في عبادة المؤمنين العائلية والانفرادية. فمثلاً القداسات الثلاثة المستعملة في كنيستنا وهى الباسيلى والغريغورى والكيرلسى على التوالى هى من وضع القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى في القرن الرابع، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (أو النزينزى) أسقف القسطنطينية في القرن الرابع أيضًا، والقديس كيرلس الأسكندرى (الملقب بعمود الدين) في أوائل القرن الخامس المتنيح في سنة 444م.

كما أن نصوص ليتورجيات أسرار المعمودية، والميرون، ومسحة المرضى، والزواج، والكهنوت، ونصوص صلوات تقديس المياه في اللقان، وصلوات تدشين الكنائس كل هذه من وضع آباء الكنيسة في القرون الأولى.

و ـ كتابات الآباء والحياة الروحية:

كما أن كتابات آباء الكنيسة هى مصدر الخبرات الروحية التي عاشها القديسون وكتبوها أو كُتبت عنهم سواء كانوا من الآباء الذين كانوا يرعون المؤمنين في الكنائس أو من الآباء النُساك في البرية الذين لهم إنتاج وفير في الحياة الروحية والنُسكية. كما أنها هى مصدر سير الشهداء والقديسين في العصور المسيحية الأولى.

 ثالثًا: مفهوم علم الآباء وتاريخه:

الباترولوجيا هى ذلك الجزء من تاريخ الكتابات المسيحية التي تتناول المؤلفين اللاهوتيين في العصور المسيحية الأولى. والباترولوجيا تضم كل من الكُتاب الأرثوذكس والهراطقة، رغم أنها تعالج باهتمام أكبر أولئك المؤلفين الذين يمثلون تعليم الكنيسة المُسلم من الرسل أى التعليم التقليدى. وهؤلاء المؤلفين هم الذين يطلق عليهم آباء الكنيسة ودكاترة أى معلّمى الكنيسة. وهكذا فعلم الباترولوجيا يمكن أن يُعرف بأنه “علم آباء الكنيسة “.

إن اسم هذا الفرع من علوم اللاهوت هو حديث العهد. وأول من استعمل اسم الباترولوجى هو جون جرهارد (Joh. Gerhard) الألمانى من لاهوتيى القرن17، وذلك عندما استخدم كلمة باترولوجيا(Patrologia) كعنوان لكتابه الذي نشره سنة 1653م. إلا أن فكرة تاريخ الأدب المسيحى الذي تظهر فيه وجهة النظر اللاهوتية بارزة هى فكرة قديمة:

1 ـ هذه الفكرة تبدأ بأوسابيوس (Eusebius) المؤرخ الكنسى. لأنه يقول في مقدمة كتابه ” تاريخ الكنيسة” (E.H) أنه يقصد أن يسجل كتابة ما يعرفه عن عدد من أولئك الذين كانوا في كل جيل هم سفراء كلمة الله سواء بالكلام أو بالكتابة، وأيضًا أسماء وعدد وأعمار أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدعاة معرفة وعلم كاذب[16]. وهكذا فهو يسجل أسماء الكُتاب وكتبهم على قدر ما يعرفهم ويسجل اقتباسات طويلة من معظم كتاباتهم.

ولهذا السبب يعتبر أوسابيوس واحدًا من أهم مصادر علم الباترولوجيا خاصة وأن عددًا كبيرًا من الكتابات التي اقتبس منها قد فُقدت. وبالنسبة لبعض المؤلفين الكنسيين يُعتبر هو المصدر الوحيد للمعلومات عنهم [17]. وجاء بعد أوسابيوس مؤرخون آخرون حاولوا أن يكملوا عمله. فهناك تاريخ سقراط، وتاريخ سوزومين، وتاريخ تيئودوريت. هؤلاء المؤرخين الثلاثة ركزوا كتاباتهم على الكنيسة الشرقية وأعمالهم متقاربة إلى حد كبير.

أما في الغرب فقام روفينوس بترجمة تاريخ أوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية. وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيئودوثيوس الكبير سنة 392م.

2 ـ ولكن يعتبر ايرونيموس (جيروم) Jerome هو أول من كتب تاريخًا للأدب المسيحى اللاهوتى. وذلك في كتابه “ مشاهير الرجال ” De VIR. ILL. ويقصد جيروم في كتابه هذا أن يرد على أولئك الكُتّاب الوثنيين الذين اعتادوا أن يتهموا المسيحيين بقلة الذكاء ـ ولهذا السبب فإن جيروم يعدد في كتابه أسماء الكُتّاب الذين يعتز بهم الأدب المسيحى في 135 فصلاً، ويقدم في كل فصل عرضًا لسيرة الكاتب وتقييمًا لكتاباته. هذا الكتاب كتبه جيروم في بيت لحم سنة 392م. بناء على طلب صديقه الوالى ” ديكستر ” ( Dexter ).

3 ـ حوالى سنة480 م ألف جيناديوس (Gennadius) كتابًا بنفس الاسم أى ” مشاهير الرجال ” وهو يعتبر تكملة لعمل جيروم. وجيناديوس كاهن من مرسيليا وهو “شبه بيلاجى” (Semipelegian)، وهذه حقيقة تترك أثرها هنا وهناك على وصفه وتعليقاته. ومع ذلك فيعتبر كتابه تكملة وإضافة نافعة لعمل جيروم. ويظهر من كتابه أنه واسع الاطلاع ودقيق في أحكامه. ويظل عمله ذو أهمية أساسية لتاريخ الكتابات المسيحية القديمة. وكتاب جيناديوس يشمل99 فصلاً ويختمه بفصل عن كتاباته هو.

4 ـ بعد جيناديوس وحتى نهاية القرن الخامس عشر قام عدة مؤلفون بعمل كتب على نسق كتاب جيروم وتكملة له بعد جيناديوس. وحوالى سنة 1494م ألف الراهب جوهانس تريثيميوس Johannes Trithemius كتابًا باسم ” الكُتّاب الكنسيون ” وهو يحوى سير حياة وكتابات 963 كاتبًا، بعضهم ليسوا لاهوتيين ويستقى تريثيميوس معلوماته عن الآباء من جيروم وجيناديوس.

5 ـ في عصر النزعة الإنسانية بأوربا حدث اهتمام متجدد بالكتابات المسيحية القديمة. فمن ناحية كان دعاة الإصلاح البروتستانتى يتهمون كنيسة روما بأنها تدهورت وابتعدت عن آباء الكنيسة. ومن الناحية الأخرى أدت قرارات مجمع ترنت إلى ازدياد هذا الاهتمام إلى درجة كبيرة بكتابات الآباء. فألف الكاردينال “بيلارمين” Bellarmine كتاب “الكُتّاب الكنسيين حتى سنة 1500” وظهر هذا الكتاب سنة 1613م.

وبعد هذا ظهر مؤلفان كبيران من تأليف مؤلفان فرنسيان هما كتاب Tillemont عن تاريخ الكنيسة في القرون الستة الأولى [18]. وصدر في 16 مجلدًا، والمؤلف الثانى هو R. Ceillier باسم “التاريخ العام للمؤلفين المقدسين والكنسيين”[19]. وصدر في 23 مجلدًا. وهو يعالج كل الكُتّاب الكنسيين من العصر المسيحى الأول حتى سنة 1250م.

6 ـ العصر الجديد لعلم كتابات الآباء ظهر خاصة في التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة للنصوص الآبائية. وهذه التجميعات حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر. أما القرن التاسع عشر فقد أثرى حقل الكتابات المسيحية القديمة بعدد كبير من الاكتشافات الجديدة خاصة اكتشافات لنصوص شرقية. وبذلك ظهرت الحاجة إلى طبعات جديدة نقدية محققة علميًا. وقد افتتحت أكاديمية فيينا وأكاديمية برلين هذا العمل بطبع مجموعات مضبوطة لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية، بينما بدأ علماء الآباء الفرنسيون بنشر أعظم مجموعتين للكتابات المسيحية الشرقية.

7 ـ في القرن العشرين ظهر اتجاه غالب للاهتمام بدراسة تاريخ الأفكار، وتاريخ المفهومات، وتاريخ التعبيرات في الكتابات المسيحية القديمة واهتمام بدراسة تعاليم الآباء وعقائدهم وتعليم كل الكتاب الكنسيين. وكما يقول البروفسور كواستن (Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردى في مصر قد مكنت العلماء من استعادة كثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

8 ـ في الكنيسة القبطية كان النُساخ وخاصة في الأديرة يقومون بنسخ كتابات الآباء في مختلف العصور سواء باللغات اليونانية أم القبطية أو المترجمة في مخطوطات بالعربية. وهنا نذكر نوع خاص مخطوط مشهور اسمه ” اعتراف الآباء ” وهو يحوى اقتباسات للآباء منذ عصر بعد الرسل وحتى البطريرك خرستوذولوس (البطريرك66) والكُتّاب الكنسيين في القرن الـ11. والمقصود بكلمة “اعتراف” هو تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وعقيدة طبيعة المسيح خاصة. وهذا الكتاب يوجد منه نسخ خطية في مكتبة البطريركية القديمة بالأزبكية وفى مكتبة المتحف القبطى وفى بعض الأديرة القبطية.

وفى القرن السابع قام المؤرخ يوحنا النيقوسى وهو أسقف نيقيوس بالمنوفية بكتابة تاريخ ضخم منذ آدم حتى عصره في نهاية القرن السابع. هذا التاريخ كُتب أصلاً بالقبطية وتُرجم إلى الأثيوبية. ولكن النسخة القبطية الأصلية فُقِدت والباقى هو الترجمة الأثيوبية التي تُرجمت بالتالى إلى الفرنسية في العصر الحديث، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية وأخيرًا صدرت ترجمة عربية له عن الإثيوبية في يناير 2000.

أما كتاب السنكسار فهو يحوى سير مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية. ويحوى القليل من أقوال الآباء.

وكتاب تاريخ البطاركة المنسوب إلى الأنبا ساويرس بن المقفع في القرن العاشر ويحوى تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية منذ مار مرقس حتى القرن العاشر. وقد قام بعده كُتّاب آخرون لتكميل تاريخ البطاركة الذين جاءوا بعد القرن العاشر. ولكنه لا يحتوى إلاّ القليل من نصوص الآباء.

 

رابعًا: لغة الآباء:

كانت لغة المسيحية منذ نشأتها حتى القرن الثانى هى اللغة اليونانية. إذ كانت هذه اللغة هى لغة الأدب والحديث طوال القرون الأولى في الإمبراطورية الرومانية في كل بلاد البحر الأبيض المتوسط. فقد غزت الحضارة اليونانية والأدب اليونانى العالم الرومانى كله حتى أنه كان يندر أن تكون مدينة في الغرب لا تستعمل فيها اللغة اليونانية كلغة التعامل اليومى. وحتى في روما وشمال إفريقيا وبلاد الغال (فرنسا) كان استعمال اللغة اليونانية حتى القرن الثالث.

ولهذا السبب تعتبر اللغة اليونانية هى اللغة الأصلية لكتابات الآباء، وإن كان في الشرق قد حلّ محلها جزئيًا اللغات المحلية مثل السريانية في سوريا والقبطية في مصر وخاصة الوجه القبلى، والأرمنية في أرمينيا. وبعد القرن الثالث حلت اللاتينية في الغرب محل اليونانية.

إن كُتّاب أسفار العهد الجديد مثلهم مثل آباء الكنيسة لم يكتبوا باللغة اليونانية الكلاسيكية، بل بلغة يونانية تسمى ” كوينى ” (Koine) والتى يمكن أن توصف بأنها تآلف بين اللغة الأتيكية (Attic) لغة مقاطعة ” أتيك” في اليونان وبين اللغة اليونانية الشعبية. وقد صارت لغة الـ “كوينى” هى لغة كل العالم الهلليني منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى نهاية العصور المسيحية الأولى أى حتى بداية القرن السادس.

 

خامسًا: تصنيف كتابات الآباء:

توجد أكثر من طريقة لتصنيف الآباء. فعلماء علم الآباء يُقسّمون الآباء، أولاً بحسب اللغة التي كتبوا بها كتاباتهم: اليونانية، واللاتينية، والسريانية والقبطية والأرمنية. وأكبر كمية من كتابات الآباء وصلتنا باللغتين اليونانية واللاتينية. ومن هنا جاءت التسميات للمجموعتين الشهيرتين: باترولوجيا جريكا (أى الآباء باليونانية)، وباترولوجيا لاتينا (أى الآباء باللاتينية).

الأساس الثانى الذي يصنفون به الآباء هو الترتيب التاريخى، وعلى الأساس التاريخى تُقسم المراجع الآبائية، كتابات الآباء إلى عدة عصور:

  1. بدايات الكتابات الآبائية: هذا العصر يشمل كتابات القرون الثلاثة الأولى أى يمتد من حوالى سنة 100 إلى سنة 300ميلادية.
  2. العصر الذهبى للكتابات الآبائية: ويمتد من سنة 300 إلى 440م.
  3. العصر المتأخر: من 440 إلى 600م. وعند الروم يمتد العصر المتأخر حتى سنة 893م.

 

أ ـ العصر الأول: من 100 ـ 300: ( ويُسمى ما قبل نيقية)

ويشمل:

1 ـ كتابات الآباء الرسوليين:

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين سنة 96، رسائل أغناطيوس الإنطاكى السبعة إلى كنائس آسيا (حتى سنة 107)، رسالة القديس بوليكاربوس إلى الفيلبيين (حوالى 156)، ويرجع العلماء الآن كتاب الـ” ديداكى ” ” تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر ” إلى نهاية القرن الأول.

ثم كتابات الكُتّاب المعاصرين للآباء الرسوليين: بابياس سنة 130، رسالة برنابا (حوالى سنة 100)، راعى هرماس (القرن الثانى).

2 ـ كتابات الآباء المدافعين:

أـ كوادراتوس سنة 124 وتُنسب إليه الرسالة إلى ديوجينيتس (بحسب الأبحاث الحديثة). ب ـ ارستيدس من أثينا (125م). ج ـ أرستو من بيللا (140م). دـ القديس يوستينوس الشهيد (165م) هـ ـ تاتيان السورى (حوالى 172م). و ـ أبوليناروس من هيرابوليس (172م). ز ـ أثيناغوراس (177م). ح ـ ثاؤفيلوس الإنطاكى (حوالى 180م). ط ـ ميليتو أسقف ساردس (190م). ى ـ ملتيادس (192م). ك ـ مينوكيوس فيلكس (حوالى سنة 200م). ل ـ هرمياس الفيلسوف (200م).

3 ـ الآباء الآخرون في القرنين الثانى والثالث:

أ ـ الآباء الشرقيون: القديس إيريناؤس أسقف ليون (140ـ202م)، القديس اكليمندس الأسكندرى (150ـ210م)، أوريجينوس (185ـ254)، ديونيسيوس الأسكندرى (264م)، الدسقولية (تعاليم الرسل) (القرن الثالث)، غريغوريوس العجائبى (213ـ 270). ميثوديوس الأوليمبى (نهاية القرن الثالث).

ب ـ الآباء الغربيون: ترتليان (160ـ220)، القديس كبريانوس (200 ـ 258)، أرنوبيوس (280ـ310)، لاكتنتيوس (توفى حوالى 317)، هيبوليتوس الرومانى (160ـ235)، سير الشهداء (Acta Martyria).

ب ـ العصر الذهبى للآباء: (300ـ 440): (ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية)

1 ـ الآباء الشرقيون: القديس أثناسيوس الرسولى (296ـ373) القديس كيرلس الأسكندرى (376ـ444). القديس باسيليوس أسقف قيصرية (329ـ379)، القديس غريغوريوس النزيانزى(الناطق بالإلهيات) (329ـ390)، القديس غريغوريوس النيسى (335ـ394)، ديديموس الضرير (310ـ398)، القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس (315ـ403)، القديس أنطونيوس الكبير (250ـ356)، القديسي باخوميوس (تنيح 346)، القديس مقاريوس (300ـ390)، القديس مقاريوس الأسكندرى (تنيح394) القديس كيرلس الأورشليمى (313ـ386)، القديس يوحنا ذهبى الفم (354ـ407)، مار افرام السريانى (306ـ373)، أفراهات (تنيح367).

2 ـ الآباء الغربيون: القديس هيلارى أسقف بواتيه (أثناسيوس الغرب) (315ـ366)، القديس أمبروسيوس أسقف ميلان (339ـ397)، القديس جيروم (349ـ420)، القديس أغسطينوس (354ـ430).

ج ـ العصر المتأخر: (440 ـ حوالى 600)

1 ـ الآباء الشرقيون: القديس فليكسنوس أسقف منبج (440ـ523)، القديس ساويروس الإنطاكى (تنيح538)، مار اسحق السريانى (تنيح692)، القديس يوحنا الدرجى (579ـ650)، البطريرك فوتيوس (عند الروم) (810ـ893).

2 ـ الآباء الغربيون: البابا غريغوريوس الكبير (540ـ604).

سادسًا: طبعات الكتابات المسيحية الأولى:

أ ـ الطبعات الأولى للكتابات المسيحية القديمة لا يمكن أن تعتبر طبعات نقدية حيث إن القواعد العلمية لاختيار المخطوطات لم تكن قد وُجدت بعد، ومع ذلك فإن كثير من هذه الطبعات الأولى هى الآن ذات قيمة عظيمة جدًا بسبب أن المخطوطات التي أخذت عنها هذه المطبوعات قد فُقدت.

ب ـ من بين الطبعات الأولى لكتابات الآباء التي ظهرت منذ القرن السادس عشر توجد مجموعة واحدة لا تزال لها قيمتها العلمية وهى المجموعة التي طبعها الرهبان الفرنسيون البندكت في “سانت مورا ” والتى نُشرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبعض طبعاتهم لكتابات الآباء لم يُعلَ عليها حتى الآن. وفى مجموعتهم هذه يوجد النص اليونانى مع ترجمة لاتينية مع فهارس دقيقة مًضافة إلى كل مجلد.

ج ـ أكمل مجموعة للنصوص الآبائية هى المجموعة التي نشرها الراهب ” مينى ” ( J.P. Migne) (المتوفى سنة 1875م). إنها تحوى إعادة طبع لكل النصوص التي سبق طبعها حتى وقته وذلك لكى تكون في متناول يد اللاهوتيين ولكى يكون الوصول إلى نصوص الآباء سهلاً. وللأسف فإن طبعة ” مينى ” للآباء بها أخطاء مطبعية كثيرة. ولهذا السبب فمن الأفضل دائمًا الرجوع إلى الطبعات التي أخذ منها ” مينى ” إن لم تكن هناك طبعة علمية حديثة للنصوص. ومع ذلك تظل باترولوجيا ” مينى ” هى بالنسبة لكثير من الكتابات الآبائية، المصدر الوحيد الذي يمكن الرجوع إليه.

وتقع مجموعة باترولوجيا ” مينى ” في قسمين:

1 ـ ” مينى باترولوجيا جريكا ” (P.G.): وهو القسم الذي يشمل كتابات الآباء والكُتّاب الكنسيون باللغة اليونانية الأصلية وأمام النص اليونانى ترجمة لاتينية. وهذه المجموعة اليونانية تصل إلى مجمع فلورنسا في القرن الخامس عشر. وكل آباء كنيسة الأسكندرية والكتابات الرهبانية المصرية باللغة اليونانية موجودة في هذه المجموعة. وعدد مجلداتها 161 مجلد كبير.

2 ـ “مينى باترولوجيا لاتينا” (P.L.): أى الكتابات التي كُتبت أصلاً باللاتينية. وهذه المجموعة اللاتينية تقع في 221 مجلدً كبير منها 4 مجلدات فهارس وتصل الكتابات اللاتينية في هذه المجموعة حتى البابا اينوسنت الثالث المتوفى سنة 1216م. وقد نُشرت مجموعتى باترولوجيا مينى اليونانية واللاتينية في السنوات ما بين 1844 و 1866 في باريس.

د ـ وقد بدأت أكاديمية فيينا وأكاديمية برلين كل منها بنشر مجموعة من كتابات الآباء التي تجمع بين الدقة اللغوية والاكتمال وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن. وكل منهما تنشر الكتابات بأصلها اللغوى أى باليونانية واللاتينية مع مقدمات وفهارس بالألمانية.

هـ ـ نُشرت مجموعة ” باترولوجيا أورينتالس ” (Patrologia Orientalis) أى مجموعة الآباء الشرقيين. وهى كتابات كنسية باللغات القبطية والعربية والأثيوبية وقد صدرت في باريس منذ سنة 1907م في 25 مجلد حتى الآن. كما صدرت من باريس مجموعة ” باترولوجيا سيرياكا ” (Patrologia Syriaca) وهى كتابات الكنيسة السريانية. وقد صدرت في ثلاث مجلدات.

سابعًا: ترجمات كتابات الآباء إلى اللغات الحديثة:

ترجمات إلى الإنجليزية: أشهر الترجمات إلى الإنجليزية لكتابات الآباء هى: أ ـ The Anti Nicene Fathers (ANF) ” آباء ما قبل نيقية ”، وهى ترجمة لكتابات الآباء بالفترة التي تلى عصر الرسل مباشرة وإلى ما قبل مجمع نيقية (325). وتقع في عشر مجلدات وبدأ صدورها في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1885م. وهذه الطبعة الأمريكية هى إعادة طبع للترجمة الإنجليزية التي صدرت قبلها في أدنبرة بأسكتلندا تحت عنوان The Anti – Nicene Christian Library (بين 1866،1872) وكانت في 24 مجلد من حجم أصغر من الطبعة الأمريكية التي تلتها.

وتحوى مجموعة آباء ما قبل نيقية كتابات: الآباء الرسوليين، اكليمندس الرومانى وأغناطيوس وبوليكاربوس، وكذلك كتابات الشهيد يوستينوس والقديس إيريناؤس أسقف ليون واكليمندس الأسكندرى، وترتليانوس وأوريجينوس، والقديس كبريانوس والقديس غريغوريوس العجائبى، إضافة إلى كتابات أخرى. وقد أُعيد طبع هذه المجموعة بالولايات المتحدة سنة 1951 ولا يزال تصدر منها طبعات جديدة كما هى.

ب ـ Library of The Nicene and Post Nicene Fathers (أى “مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية “. وهى مجموعة مختارة من كتابات الآباء غالبيتها من كتابات القرنين الرابع والخامس وتقع في 28 مجلد. وقد صدرت في الولايات المتحدة أواخر القرن 19 وأُعيد طبعها هناك سنة 1957، ولا تزال تصدر منها طبعات جديدة كما هى. وهذه المجموعة مُقسمة إلى قسمين: القسم الأول (1st Series) يحوى 14 مجلد منها 8 مجلدات لأغسطينوس، و6 مجلدات ليوحنا ذهبى الفم. والقسم الثانى (2ndSeries) يحوى 14 مجلد أيضًا ويضم بعض كتابات القديسين: أثناسيوس الرسولى (مجلد1) وباسيليوس الكبير (مجلد1) وغريغوريوس النزيانزى (فى مجلد مشترك مع كيرلس الأورشليمى)، وأمبروسيوس ومار افرام السريانى وغريغوريوس النيسى وهيلارى أسقف بواتيه ويوحنا كاسيان. كما يضم هذا القسم بعض كتابات غريغوريوس الكبير (أسقف روما في القرن السادس) ويوحنا الدمشقى (من القرن الثامن) إضافة إلى كتابات أخرى) وتحوى مجلدًا لأعمال المجامع المسكونية.

ويلاحظ أن هذه المجموعة لا تحوى أى كتاب من كتب القديس كيرلس الأسكندرى (عمود الدين) ولا عظات القديس مقاريوس الشهيرة.

ج ـ The Fathers of The Church ” آباء الكنيسة ”: بدأت جامعة واشنطون الكاثوليكية بنشرها منذ 1947 ولا يزال النشر مستمرًا. بلغ عدد كتب هذه المجموعة حتى الآن (أغسطس 2007م) 114 كتاب. وبها بعض كتابات قليلة للقديس كيرلس الأسكندرى بالإنجليزية.

د ـ صدرت ترجمات إنجليزية منفردة لكتابات بعض الآباء وليست ضمن مجموعات كالمجموعات السابق ذكرها. فمثلاً صدرت أول ترجمة إنجليزية لعظات القديس مقاريوس بإنجلترا سنة 1749م، ثم ترجمة إنجليزية أخر لنفس العظات سنة 1921م وهى الترجمة التي عرب عنها بيت التكريس ترجمته العربية الجديدة التي نُشرت سنة 1979 (الطبعة الأولى).

وكذلك صدرت ترجمة إنجليزية لتفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندرى سنة 1859 بأكسفورد بإنجلترا (وهى الترجمة التي ترجم عنها كاتب هذه السطور منذ سنة 1990 في 5 أجزاء، وتُجرى حاليًا طباعة هذا التفسير كله في مجلد واحد يصدر قبل نهاية سنة 2007).

هـ ـ صدرت ترجمة إنجليزية عن اليونانية لـ ” شرح إنجيل يوحنا ” للقديس كيرلس الأسكندرى في جزئين، الجزء الأول صدر 1874 والثانى 1885، وذلك ضمن سلسلة Library of The Fathers of The Church (L.F.C) (وهى الترجمة التي يترجم عنها مركز دراسات الآباء منذ 1989 ولا يزال).

ترجمات إلى الفرنسية:

أهم سلسلة لنصوص الآباء بالفرنسية هى مجموعة المصادر المسيحية (Sources Chretiennes) التي بدأ بنشرها J. Danielou بباريس 1941 ولا تزال تصدر حتى الآن وتشمل النصوص الآبائية باليونانية أو اللاتينية مع ترجمة فرنسية في الصفحة المقابلة مع مقدمة وافية عن أصل كل نص ودراسة عنه. وصل عدد الكتب التي صدرت من هذه المجموعة إلى أكثر من 480 مجلد.

ثامنًا: الدراسات الآبائية في القرن العشرين:

حدثت طفرة في الاهتمام بالنصوص الآبائية القديمة في الغرب في القرن العشرين، ومن مظاهر الاهتمام هو إنشاء أقسام للدراسات الآبائية بعدد كبير من جامعات العالم غربًا وشرقًا. كما بدأت في القرن العشرين ظاهرة المؤتمرات العالمية لدراسة كتابات الآباء وتعاليمهم، وأشهر هذه المؤتمرات هو ” المؤتمر الدولى للدراسات الآبائية ” الذي ينعقد بجامعة أكسفورد كل أربعة سنوات وكان أول انعقاد له سنة 1951م. ويشترك بعض الباحثين بالمركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية في هذا المؤتمر منذ 1983. والمركز عضو في الجمعية الدولية للدراسات الآبائية التي تشرف على أعمال المؤتمرات الآبائية وتنسق لها.

كما بدأت أيضًا مؤتمرات دولية متخصصة في دراسة كتابات أحد الآباء: مثل مؤتمر لدراسة كتابات أغسطينوس ومؤتمر لدراسة كتابات أوريجينوس، وهى تعقد أيضًا كل أربع سنوات في أحد جامعات أوربا.

كما بدأ في القارة الأمريكية مؤتمرات لدراسات الآباء تعقد كل سنتين في نطاق القارة الأمريكية.

كما بدأت في السنوات الثلاثين الأخيرة مؤتمرات دولية متخصصة في الكتابات المسيحية السريانية وفى دراسة القبطيات وأيضًا في دراسة التراث المسيحى العربى، وهذه المؤتمرات المتخصصة تنعقد أيضًا كل أربع سنوات في إحدى جامعات العالم.

(ينعقد المؤتمر الدولي للقبطيات بالقاهرة سنة 2008م).

تاسعًا: ترجمة كتابات الآباء بالعربية في مصر في القرن العشرين:

بدأت تظهر ترجمات عربية لبعض كتابات الآباء في نهاية القرن 19. ففى سنة 1899 صدرت “عظات القديس مقاريوس المصرى” ليوسف بك منقريوس مدير المدرسة الإكليريكية. وفى نفس السنة نشر دير الأنبا أنطونيوس رسائل القديس أنطونيوس عن مخطوطة عربية موجودة بمكتبة الدير.

حبيب جرجس وكتابات الآباء:

يذكر المتنيح الأرشيدياكون حبيب في افتتاحية مجلة الكرمة سنة 1923 تحت عنوان “مؤلفات الآباء القديسين”: “وقد حصلنا من أوروبا على جميع مؤلفات الآباء القديسين الذين عاشوا منذ العصر الرسولى وحتى مجمع نيقية. وهى مترجمة إلى الإنجليزية عن اللغتين اليونانية واللاتينية وغيرها، وعهدنا إلى بعض أصدقائنا من أفاضل الكتاب الأدباء بتعريبها بكل دقة وضبط كأصلها. وسندركها تباعاً في أعداد الكرمة. ولا حاجة بنا إلى ذكر أهمية هذه المؤلفات، إذ لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية لقرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولى. وأقوالهم حجج قوية على تعليم الكنيسة في أعصرها الأولى” (مجلة الكرمة عدد يناير 1923 ص 6)

وبدأ فعلاً ابتداء من نفس العدد الأول (يناير 1923) ينشر أول جزء من “رسالة كليمنضس الأولى إلى أهل كورنثوس”. واستمر هكذا في الأعداد التالية للمجلة حتى سنة 1931 من هذه الرسالة ومن كثير من غيرها من كتابات آباء ما قبل نيقية. ونرجح أن المجموعة التي يذكر أنه حصل عليها من أوروبا للترجمة منها هى مجموعة The Ante-Nicene Christian Library التي كانت قد صدرت في 24 مجلد بادنبره باسكتلنده بين سنين 1866 ـ 1872.

حافظ داود (القس مرقس داود) وترجمة الآباء:

قام الأستاذ حافظ داود بترجمة كتاب ” تجسد الكلمة ” للقديس أثناسيوس من الإنجليزية إلى العربية سنة 1946 ونشرته جمعية نشر المعارف المسيحية وأُعيد طبعه عدة مرات. كما ترجم القس مرقس داود رسالة أثناسيوس إلى الوثنيين، ورسائل أثناسيوس إلى سرابيون عن الروح القدس. وحياة أنطونيوس بقلم أثناسيوس، وتاريخ الكنيسة لأوسابيوس، ورسائل أثناسيوس الفصحية وتفسير رسالة أفسس لذهبى الفم ونشرتها له عدة جهات في حينها.

ثم ظهر كتاب بستان الرهبان في ثلاثة أجزاء. كما نشر دير السريان 1952 كتاب ” حياة الصلاة الأرثوذكسية ” للأب متى المسكين مشتملاً على اقتباسات كثيرة لأقوال الآباء عن مختلف نواحى الصلاة.

كما نشر دير السريان ابتداءً من سنة 1952 عدة ميامر لآباء الكنيسة عن الميلاد والغطاس والقيامة مترجمة عن الإنجليزية، وذلك عن السلسلة الإنجليزية (آباء ما قبل نيقية وآباء نيقية وما بعد نيقية) (38 مجلد) التي كان الأستاذ عزيز سوريال عطية قد أهداها للرهبان الجامعيين بدير السريان في ذلك الوقت).

القمص تادرس يعقوب وكتابات الآباء:

ويعمل أيضًا في مجال ترجمة كتابات الآباء بمصر منذ الستينيات، قدس الأب تادرس يعقوب ملطى بالأسكندرية عن طريق اقتباس نصوص للآباء ووضعها تحت عناوين موضوعات روحية أو في تفاسيره لأسفار الكتاب المقدس بعهديه التي يقوم بنشرها مزودة بأقوال الآباء.

بيت التكريس لخدمة الكرازة وكتابات الآباء:

بتوجيه الأب القمص متى المسكين قام كاتب هذه السطور في سنة 1958م بشراء مجموعة الآباء بالإنجليزية المذكورة سابقًا من أمريكا (وعددها 38مجلدًا) سنة 1958م. وبدأ بيت التكريس في ترجمة ونشر بعض كتابات الآباء عن هذه المجموعة ومن غيرها. فقام بنشر ” تفسير المزامير لأغسطينوس″ سنة 1961 (ترجمها القس مرقس داود)، و”الأسرار” للقديس أمبروسيوس، ورسائل القديس أنطونيوس وعظات القديس مقاريوس وعدة كتابات أخرى للقديسين أثناسيوس وكيرلس.

وبهذا يكون الأب المتنيح القمص متى المسكين[20] هو الذي وجه الأنظار في الكنيسة القبطية في العصر الحديث لأهمية كتابات آباء الكنيسة.

 مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر الآباء:

قام كاتب هذه السطور مع مجموعة من الأصدقاء بتأسيس مؤسسة القديس أنطونيوس وأُشهرت بالشئون الاجتماعية سنة 1979م، وذلك بهدف ترجمة ونشر كتابات الآباء وعمل دراسات على نصوص الآباء. فقامت المؤسسة منذ تأسيسها بنشر عدد كبير من كتابات الآباء. وكان للمرحوم صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في بداية عمل المؤسسة. إذ قام بترجمة ثلاثة كتب عن اليونانية هى ” المسيح في رسائل أثناسيوس ”، ” المقالة الأولى ضد الآريوسيين ” و ” المقالة الثانية ضد الآريوسيين ”، وذلك قبل نياحته سنة 1986م. وقامت المؤسسة منذ سنة 1980 بإرسال عدد من المبعوثين إلى اليونان لدراسة اللغة اليونانية والتخصص في دراسات الآباء، عاد البعض منهم بعد أن أنهوا دراساتهم ولا يزال البعض يواصل دراساته لنفس الهدف.

وفى سنة 1991م نشأ ” مركز دراسات الآباء ” تحت مظلة مؤسسة القديس أنطونيوس، وفى نفس مقرها (8 ب شارع إسماعيل الفلكى بمصر الجديدة). وهو يواصل تحقيق هدف المؤسسة. وبلغت نصوص الآباء التي نشرتها المؤسسة حتى الآن 117 نصًا عن اللغات اليونانية والإنجليزية والفرنسية. كما قامت المؤسسة بنشر عدد من الدراسات حول النصوص الآبائية بلغ عددها حتى الآن 31 كتابًا. وبدا المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية منذ يناير 1998 بنشر دورية أبحاث تصدر كل ستة شهور: ” دراسات آبائية ولاهوتية ” صدر منها حتى الآن 20 عددًا.

ويقوم الباحثون بالمركز الأرثوذكسى بتقديم محاضرة شهرية و3 لقاءات (كل منها يومين) كل سنة بمقر المركز ومؤتمر سنوى لمدة 3 أيام (إقامة كاملة) حول الموضوعات الآبائية في احد بيوت المؤتمرات.

كما بدأ عمل مؤتمر للآبائيات للشباب منذ سنة 2005 في أجازة نصف العام من كل عام.

كما يقوم الباحثون العاملون بالمركز بتقديم المحاضرات والدراسات في عدد من المؤتمرات واللقاءات والكنائس بالقاهرة والأقاليم.

ــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1- Quasten, Patrology vol. IUtrecht–Antwerp,Westminster1950 – 1960.

2- P.J. Hammell, Handbook of Patrology.Staten IslandN.Y., Alba House 1968.

3- N. & P.N. Fathers 1st series vol. I

4 ـ مجلدات مجلة الكرمة للأرشيدياكون حبيب جرجس من 1923 ـ 1931م.

[1] إيريناؤس: ضد الهرطقات كتاب 4 فصل 41 فقرة2.

[2] كليمندس الأسكندرى: المتنوعات 1:1،2ـ1:2.

[3] أغسطينوس: ضد يوليان (Cont. Jul. 1,7,34).

[4] Vincent of Le’rins. LNPN Fathers- 2nd series Vol.11, Com. Chapter29 p154& Chapter33 p.156.

[5] جيروم: De viris ill. Prol.; Ep 112, 3.

6 أنظر ما ورد عن إلهام الروح القدس للآباء في صياغة مصطلح ” أوموسيوس ÐmooÚsioj ”: المساوى في الجوهر، نقلاً عن كتاب باترولوجيا مجلد25:6:1 للبروفيسور س. بابا دوبولوس باللغة اليونانية أثينا 1982، وذلك في مقال ” الآباء والعقيدة ” للدكتور جوزيف موريس فلتس دورية دراسات آبائية ولاهوتية، يناير 1998، ص20ـ23.

7 صلاة تحليل الخدام: أنظر الخولاجى المقدس.

8 أنظر رسائل القديس أثناسيوس عن الروح القدس، الرسالة الأولى فصل 28 ص 82 إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1994.

[9] Defence of the Nicene definition (De Dec. 27) N.&P.N. Fathers, 1st series, vol. IV p.168.

[10] شرح قانون الإيمان رسالة 55، ورسالة 39 إلى يوحنا الأنطاكى.

[11] J.N.D. Kelly, Early Christian Doctrines,London: A.&C. Black, 1958, p.VI.

[12] See P.J. Hammell. Handbook of Patrology,Staten Island,N.Y.: Alba House, 1968, p.12 inConstantine. N. Tsjrpanlis, Introduction to Eastern Patristic Thought, The Liturgical Press , Collegevill, Minnesota, 1991, p..

13 نيومان: Discussionsa Arguments II ,I.

14 أنظر كتاب ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون ” ترجمه عن اليونانية دكتور موريس تاوضروس ودكتور نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص 82 إصدار مركز دراسات الآباء 1994، طبعة ثانية منقحة 2005م.

15 في كتابه ضد أونوميوس Contra Eunom. III,2,98 وردت بكتاب ” دراسات في آباء الكنيسة ” ص 385 لأحد رهبان برية القديس مقاريوس 1999.

[16] تاريخ الكنيسة لأوسابيوس 1:1،1.

[17] كتاب أوسابيوس: ” تاريخ الكنيسة ” يرجع إلى أوائل القرن الرابع ـ وقد عربه عن الإنجليزية القس مرقس داود ـ القاهرة 1960م.

[18] صدر في باريس بين سنة ( 1663 ـ 1712م ).

[19] صدر في باريس بين سنة (1729 ـ 1763م ).

[20] تنيح في 8 يونيو سنة 2006م

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد

نشيد حبقوق ج4 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج4 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج4 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

 ‘ن الاسئلة التي طرحها حبقوق على الرب في الاصحاح الاول، والمعضلة التي اوجدتها اجوبة الرب جعلت النبي يتساءل مرة اخرى، وفي إنتظاره لاجوبة الرب شبّه حبقوق نفسه بالمنتظر والمترقب كالحارس الذي يقف على الحصن ليترقب متى يأتي الغزاة لمهاجمته، لم ينتظر حبقوق كثيرا ليأتيه الوحي الالهي، فقد قال له الرب:

سفر حبقوق 2: 2

فَأَجَابَنِي الرَّبُّ وَقَالَ: «اكْتُبِ الرُّؤْيَا وَانْقُشْهَا عَلَى الأَلْوَاحِ لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا،

فطلب منه الرب ان يكتب كلماته على الالواح وعلى الاغلب كانت الالواح مصنوعة من الطين والتي كانت تستخدم في ذلك الوقت للكتابة، كانت هذه الالواح ستوضع على باب بيت النبي او في الاسواق ليطلع الناس على كلام الرب، من الواضح ان الكلام الذي سيصدر من الرب سيكون بغاية الاهمية لذلك طلب منه ان يكتبه ليطلع الناس عليه

سفر حبقوق 2: 3

لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلاَ تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَتَأَخَّرُ.

لم يعطِ الرب ميعاد محدد لتحقيق النبوة بل ترك الوقت مفتوحا امام الناس للتوبة والرجوع اليه قبل الدينونة، فالرب لديه تدبير لكل البشر ومواعيده تأتي في الوقت المناسب ويندم او يتراجع عنه لان تدبيره لشعبه معروف عند قبل ان يخلق العالم، ان نهاية العالم الوثني قد بدأت ببزوغ المملكة البابلية تحت قيادة الملك نبوخذنصر والتي كانت تشكل رأس التمثال الذهبي الذي رآه النبي دانيال في الاصحاح الثاني من كتابه، و كما انتهت الوثنية بزوال الممالك الاربعة التي تكلم عنها دانيال النبي، ستظهر الوثنية مرة اخرى و ستقوم بابل جديدة كما اخبرنا اخر سفر في الكتاب المقدس.

ان عمل كل المؤمنين والانبياء هو عدم الاستسلام او فقدان الرب اثناء اي ضيقة، فتعزيات الرب ستأتينا طالما لم نتخلى عن ايماننا به (1)، في العدد الرابع من الاصحاح الثاني يبدأ الرب بالتكلم عن الخراب الذي سيحل بالكلدانيين لأنهم تمادوا في فعل الشر، يتكلم الرب عن نوعين من الاشخاص في مقدمة النبوة

سفر حبقوق 2: 4

«هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ. وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا.

الرب يتكلم عن شيئين متناقضين، الايمان به والاتكال على النفس والتكبر، فغطرسة وتكبر وغرور الكلدانيين يتنافى مع مشيئة الرب لابناء البر الذين يؤمنون به ويتكلون عليه، فالأبرار سيعيشون وغير المستقيمون ستحل عليهم دينونة الرب القادمة، اقتبس بولس الرسول هذا العدد عندما كان يكلم عن التبرير عن طريق الايمان في رسالته الى اهل رومية.

رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1: 17

لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا».

ويقتبس بولس الرسول مرة اخرى بهذا العدد في رسالته الى غلاطية حينما يقارن بين التبرير امام الرب عن طريق الايمان وأعمال الناموس

رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 3: 11

وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا».

فالكلدانيين بحسب هذه الاوصاف هم يعتمدون فقط على أنفسهم ويعتقدون بأنهم اصحاب الفضل الوحيدون في تحقيق انتصاراتهم، ولهذ ازادات شرورهم كلما تعاظموا في الارض ولم يؤمنوا بان هناك من مكنهم للوصول الى هذه القوة التي يتفاخرون بها، يكمل الرب قائلا

سفر حبقوق 2: 5

وَحَقًّا إِنَّ الْخَمْرَ غَادِرَةٌ. الرَّجُلَ مُتَكَبِّرٌ وَلاَ يَهْدَأُ. الَّذِي قَدْ وَسَّعَ نَفْسَهُ كَالْهَاوِيَةِ، وَهُوَ كَالْمَوْتِ فَلاَ يَشْبَعُ، بَلْ يَجْمَعُ إِلَى نَفْسِهِ كُلَّ الأُمَمِ، وَيَضُمُّ إِلَى نَفْسِهِ جَمِيعَ الشُّعُوبِ.

هنا يتكلم الرب عن الصفات السيئة الاخرى التي عند الكلدانيين، فهم ليسوا متكبرين فقط، بل هم مدمنين على شرب الخمر ويحبون السكر وكما يقول الكتاب

سفر الأمثال 20: 1

اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ.

يصف النبي باسلوب شعري الخمر بالغادرة، والتهمة الثانية في هذا العدد تتكلم عن حب هذه الامة للغزو والحرب ومشبهتاً حبها للحرب بالهاوية التي لا تمتلئ وهذا مشابه لما جاء في سفر الامثال.

سفر الأمثال 27: 20

اَلْهَاوِيَةُ وَالْهَلاَكُ لاَ يَشْبَعَانِ، وَكَذَا عَيْنَا الإِنْسَانِ لاَ تَشْبَعَانِ

سفر الأمثال 30: 15-16

لِلْعَلُوقَةِ بِنْتَانِ: «هَاتِ، هَاتِ!». ثَلاَثَةٌ لاَ تَشْبَعُ، أَرْبَعَةٌ لاَ تَقُولُ: «كَفَا»:

الْهَاوِيَةُ، وَالرَّحِمُ الْعَقِيمُ، وَأَرْضٌ لاَ تَشْبَعُ مَاءً، وَالنَّارُ لاَ تَقُولُ: «كَفَا».

في الاعداد 6-20 يتكلم الوحي عن خراب هذه المملكة للاسباب المكذكورة أعلاه، بعدها يترنم الذين كانوا ضحايا لحروب هذه الامة، تتكون هذه الترنيمة من خمسة ابيات شعرية في كل ثلاثة اعداد وفيها ويلات للكلدانيين بسبب شرهم.

6 فَهَلاَّ يَنْطِقُ هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ بِهَجْوٍ عَلَيْهِ وَلُغْزِ شَمَاتَةٍ بِهِ، وَيَقُولُونَ: وَيْلٌ لِلْمُكَثِّرِ مَا لَيْسَ لَهُ! إِلَى مَتَى؟ وَلِلْمُثَقِّلِ نَفْسَهُ رُهُونًا؟

7 أَلاَ يَقُومُ بَغْتَةً مُقَارِضُوكَ، وَيَسْتَيْقِظُ مُزَعْزِعُوكَ، فَتَكُونَ غَنِيمَةً لَهُمْ؟

8 لأَنَّكَ سَلَبْتَ أُمَمًا كَثِيرَةً، فَبَقِيَّةُ الشُّعُوبِ كُلِّهَا تَسْلُبُكَ لِدِمَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا.

9 «وَيْلٌ لِلْمُكْسِبِ بَيْتَهُ كَسْبًا شِرِّيرًا لِيَجْعَلَ عُشَّهُ فِي الْعُلُوِّ لِيَنْجُوَ مِنْ كَفِّ الشَّرِّ!

10 تَآمَرْتَ الْخِزْيَ لِبَيْتِكَ. إِبَادَةَ شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ وَأَنْتَ مُخْطِئٌ لِنَفْسِكَ.

11 لأَنَّ الْحَجَرَ يَصْرُخُ مِنَ الْحَائِطِ فَيُجِيبُهُ الْجَائِزُ مِنَ الْخَشَبِ.

12 «وَيْلٌ لِلْبَانِي مَدِينَةً بِالدِّمَاءِ، وَلِلْمُؤَسِّسِ قَرْيَةً بِالإِثْمِ!

13 أَلَيْسَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْجُنُودِ أَنَّ الشُّعُوبَ يَتْعَبُونَ لِلنَّارِ، وَالأُمَمَ لِلْبَاطِلِ يَعْيَوْنَ؟

14 لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ.

15 «وَيْلٌ لِمَنْ يَسْقِي صَاحِبَهُ سَافِحًا حُمُوَّكَ وَمُسْكِرًا أَيْضًا، لِلنَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِهِمْ.

16 قَدْ شَبِعْتَ خِزْيًا عِوَضًا عَنِ الْمَجْدِ. فَاشْرَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاكْشِفْ غُرْلَتَكَ! تَدُورُ إِلَيْكَ كَأْسُ يَمِينِ الرَّبِّ، وَقُيَاءُ الْخِزْيِ عَلَى مَجْدِكَ.

17 لأَنَّ ظُلْمَ لُبْنَانَ يُغَطِّيكَ، وَاغْتِصَابَ الْبَهَائِمِ الَّذِي رَوَّعَهَا، لأَجْلِ دِمَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا.

18 «مَاذَا نَفَعَ التِّمْثَالُ الْمَنْحُوتُ حَتَّى نَحَتَهُ صَانِعُهُ؟ أَوِ الْمَسْبُوكُ وَمُعَلِّمُ الْكَذِبِ حَتَّى إِنَّ الصَّانِعَ صَنْعَةً يَتَّكِلُ عَلَيْهَا، فَيَصْنَعُ أَوْثَانًا بُكْمًا؟

19 وَيْلٌ لِلْقَائِلِ لِلْعُودِ: اسْتَيْقِظْ! وَلِلْحَجَرِ الأَصَمِّ: انْتَبِهْ! أَهُوَ يُعَلِّمُ؟ هَا هُوَ مَطْلِيٌّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلاَ رُوحَ الْبَتَّةَ فِي دَاخِلِهِ!

20 أَمَّا الرَّبُّ فَفِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. فَاسْكُتِي قُدَّامَهُ يَا كُلَّ الأَرْضِ».

كانت بابل مثالا يضرب به بالقوة والغنى والمجد، فقد كانت من أعظم المدن التاريخية في العالم القديم وقال عنها هيرودوت المؤرخ اليوناني بأ طول اسوارها كان حوالي 350 قدم، كما للمدينة 100 بوابة ضخمه مصنوعة من البرونز مزخرفه بحرفيه شديدة، لو أخذنا بكلام المؤرخين عن جمال مدينة بابل سيبدوا للقاريء باننا نتكلم عن مدينة خيالية (2)

حلت دينونة الرب على بابل لاحقا عندما تعاظمت امبراطورية اخرى في الشرق وهي امبراطورية مادي وفارس تحت قيادة الملك قورش، وفي سنة 539 للميلاد حاصرت قواتها عاصمة الكلدانيين وتسللوا اليها ليلا وقتلوا الملك وبذلك انتهت الامبراطورية البابلية من الوجود

…………………………………

  • C. Gaebelein, The Annotated Bible, “Daniel-Malachi,” pp. 224–25.
  • A. Hammerton, Wonders of the Past, I, 605.

نشيد حبقوق ج4 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج3 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج3 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج3 ا مدخل الى سفر حبقوق

ان انشودة النبي حبقوق لا تبدأ في الاصحاحين الاولين بل كان يناقش فيهما مع الرب مشاكله التي دعي الرب لكي يجيبه عليها، فبعد ان وجد الاجوبة الشافية عند الرب رنم للرب انشودته لاحقا، هذا الامر مماثل لحال المؤمن الذي يطلب شيئا من الرب وبعد ان يستجيب الرب لطلبته بفرح ويمجد اسم الرب شاكرا.

كان للنبي حبقوق مشكلتين رئيسيتين مع الارب، وكانت مشكلتاه بخصوص عدله وكيف انه يغظ البصر عن الخطيئة والشر التي انتشرت وسط شعبه، فيبدوا للناس بان الرب تخلى عن شعبه ولم يعد يبالي بالخطاء ولن يدينهم على شرورهم.

لما اتاه كلام الرب عرف حبقوق بان الرب لم يتخلى عن شعبه او غض النظر عن الخطية والاشرار بل كان يرى كل ما يحصل واراد حسب تدبيره ان يتدخل في الوقت المناسب لكيلا يتعاظم الشر، فقال له بانه سيصعد امه عظمية ومتجبرة تتسلط على الناس وستكون دينونة اسرائيل على يدها لان الشعب ترك الرب وهجر وصاياه وعم الشر في وسطه

ان هذا الجواب من قبل الرب خلق معضلة جديدة امام حبقوق القارئ وهي كيف ان الرب سيعاقب الاشرار بأناس أكثر منهم شرا اي البابليين؟

استطاع النبي ان يرفع شكواه الى الرب بخصوص المعضلة الثانية في العدد 12 من السفر

سفر حبقوق 1: 12

أَلَسْتَ أَنْتَ مُنْذُ الأَزَلِ يَا رَبُّ إِلهِي قُدُّوسِي؟ لاَ نَمُوتُ. يَا رَبُّ لِلْحُكْمِ جَعَلْتَهَا، وَيَا صَخْرُ لِلتَّأْدِيبِ أَسَّسْتَهَا.

كان قلقا بخصوص دينونة الرب القادمة على شعبه وهذا يظهر جليا في نبرة الخوف والحزن التي في كلامه ولذلك قال للرب بان لا نموت اي شعب اسرائيل لأنه واثق بان الرب وحده هو الازلي والابدي وغير المائت، فهو الخالق الذي صنع الانسان واعطاه الحياة وهو وحده القابل على ان يهب الخلود اي الاستمرار في الحياة لشعبه دون ان تتم ابادتهم جميعا من قبل البابليين

قد سمع الرب شكوى حبقوق ووعد بان لا يفنى نسل يعقوب ابدا

سفر ملاخي 3: 6

لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ فَأَنْتُمْ يَا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا.

فالرب يؤدب لكي يقوم الشعب طريقة ويرجعوا اليه وينفذوا وصاياه كما يقول المزمور

سفر المزامير 118: 18

تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي.

لذلك دبر الرب ان يؤدب البابليين شعبه دون ان يقضوا عليهم لان الرب لا يتغير ولا ينقض عهده مع شعبه مهما تغيرت تصرفات شعبه اتجاهه، كلمات النبي حبقوق التي قالها للرب تعكس حقيقة ايمانه بالرب في نوعية الكلمات التي اختارها لوصفه فهو يصفه بالغير متغير والذي لا ينقض عهده ابدا والصخرة التي يحتمي بها والقدوس الذي بلا اي خطيه.

ويكمل حبقوق كلامه الى الرب قائلا بخصوص التأديب الذي سيحصل على يد الكلدانيين

سفر حبقوق 1: 13

عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ، فَلِمَ تَنْظُرُ إِلَى النَّاهِبِينَ، وَتَصْمُتُ حِينَ يَبْلَعُ الشِّرِّيرُ مَنْ هُوَ أَبَرُّ مِنْهُ؟

فمن غير الممكن ان يسمح الرب بان يتسلط هكذا ناس اشرار على شعبه، من صعب على حبقوق ان يتخيل بان الرب سيفعل هكذا شيء، فالشر الذي يفعله الشعب مهما عظم لن يكون بحجم شر البابليين التي ستكون دينونته على يديهم، كما ان هناك بعض الناس الابرار الذين لم يبتعدوا عن وصايا الرب وسط شعبه، فهل ستشمل دينونة الرب الابرار والاشرار معا؟ ما هو ذنب الابرار لكي تتم معاقبتهم نفس عقوبة الاشرار؟

شبه البابليين وملكهم نبوخذنصر ببحار يصطاد كل انواع الاسماك التي يجدها امامه بكافة الوسائل دون ان يكون لها اي سلطان عليه وبعد ان يمسكها يجبرها على تنفيذ أوامره

سفر حبقوق 1: 16-17

 وَتَجْعَلُ النَّاسَ كَسَمَكِ الْبَحْرِ، كَدَبَّابَاتٍ لاَ سُلْطَانَ لَهَا.

 تُطْلِعُ الْكُلَّ بِشِصِّهَا، وَتَصْطَادُهُمْ بِشَبَكَتِهَا وَتَجْمَعُهُمْ فِي مِصْيَدَتِهَا، فَلِذلِكَ تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ.

يتكلم الرب بخصوص الكلدانيين في الاصحاح الثاني من السفر واعطى في هذا الاصحاح عدة اجوبة لتساؤلات حبقوق، ولكن يجب ان نركز اولا في كيفية حصول النبي على الاجابة التي قالها له الرب

سفر حبقوق 2: 1

عَلَى مَرْصَدِي أَقِفُ، وَعَلَى الْحِصْنِ أَنْتَصِبُ، وَأُرَاقِبُ لأَرَى مَاذَا يَقُولُ لِي، وَمَاذَا أُجِيبُ عَنْ شَكْوَايَ.

يشبه نفسه بالشخص الذي يقف على الحصن وينظر هنا وهناك ليجد شيئا امامه، فلا يجب ان يشغله اي شيء عن المراقبة، فهو سينتظر على الحصن الى ان يأتيه جواب على اسئلته من قبل الرب

 

 

(1) E. D. Pusey، “Habakkuk،” The Minor Prophets، II، 187.

(2) Carl Friedrich Keil, “Habakkuk،” The Twelve Minor Prophets، II، 64.

 

نشيد حبقوق ج3 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج2 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج2 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج2 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج2 ا مدخل سفر حبقوق النبي 
نكمل باذن الرب بقية موضوع حبقوق

ان المشكلة التي يواجها حبقوق تبدو جلية في الاصحاح الاول والثاني، حيث يقول حبقوق في الاعداد الاحد عشر الاولى من الاصحاح الاول

1 الوحي الذي رآه حبقوق النبي ـــ

2 حتى متى يا رب ادعو وانت لا تسمع اصرخ اليك من الظلم وانت لا تخلّص.

3 لم تريني اثما وتبصر جورا. وقدامي اغتصاب وظلم ويحدث خصام وترفع المخاصمة نفسها.

4 لذلك جمدت الشريعة ولا يخرج الحكم بتّة لان الشرير يحيط بالصدّيق فلذلك يخرج الحكم معوّجا

5 انظروا بين الامم وابصروا وتحيّروا حيرة. لاني عامل عملا في ايامكم لا تصدقون به ان أخبر به.

6 فهانذا مقيم الكلدانيين الامّة المرّة القاحمة السالكة في رحاب الارض لتملك مساكن ليست لها.

7 هي هائلة ومخوفة. من قبل نفسها يخرج حكمها وجلالها.

8 وخيلها أسرع من النمور وأحدّ من ذئاب المساء وفرسانها ينتشرون وفرسانها يأتون من بعيد ويطيرون كالنسر المسرع الى الأكل.

9 ياتون كلهم للظلم. منظر وجوههم الى قدام ويجمعون سبيا كالرمل.

10 وهي تسخر من الملوك والرؤساء ضحكة لها. وتضحك على كل حصن وتكوّم التراب وتأخذه.

11 ثم تتعدّى روحها فتعبر وتأثم. هذه قوتها الهها

فالسؤال الذي طرحه على الرب في الاعداد 2-4 يجاوبه الرب عليه في الاعداد 5-11،

يبدوا ان حبقوق قد ظن ان الرب لا يكترث للمصائب التي تحدث في يهوذا كما هو الظاهر العدد 2، شكوى النبي ليست ضد الرب بل هي طلب من الرب لمعرفة اسباب العنف والخراب والمجاعة التي حلت على الشعب في ايامه، فبعد كل الشر الذي صدر من الشعب لم يتبقى له سوى الرب ليكون معينه ويشرح له سبب الخراب خاصة بعد ان حاد الناس عن الشريعة وتوجهوا الى عبادة اوثان الشعوب الاخرى

كانت الشريعة تمثل توجيهات الرب الى شعب وكانت تطبق عن طريق الكهنة او الانبياء في العهد القديم(1)، شهد حبقوق على ظلم الكهنة وظهور الانبياء الكذبة الذين ادعوا بان الرب يكلم الشعب من خلالهم، فكانت المعضلة الكبيرة بالنسبة له هي حيادية الرب في هذه المواقف ولعله تسأل كيف يسمح الرب بحدوث كل هذا الشر ولماذا لا يتدخل في هذه الاوقات العصيبة؟

جواب الرب لتساؤلات حبقوق موجودة في الاعداد 5-11، الرب وعد حبقوق بانه سيدين الاشرار الذين اشتكى منهم النبي اليه

سفر حبقوق 1: 5

«اُنْظُرُوا بَيْنَ الأُمَمِ، وَأَبْصِرُوا وَتَحَيَّرُوا حَيْرَةً. لأَنِّي عَامِلٌ عَمَلاً فِي أَيَّامِكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ بِهِ إِنْ أُخْبِرَ بِهِ.

ويعد هذا العدد أحد الاعداد الثلاثة التي استشهد بها العهد الجديد من سفر حبقوق حيث يقول بولس الرسول في سفر اعمال الرسل

سفر أعمال الرسل 13: 41

اُنْظُرُوا أَيُّهَا الْمُتَهَاوِنُونَ، وَتَعَجَّبُوا وَاهْلِكُوا! لأَنَّنِي عَمَلاً أَعْمَلُ فِي أَيَّامِكُمْ. عَمَلاً لاَ تُصَدِّقُونَ إِنْ أَخْبَرَكُمْ أَحَدٌ بِهِ».

وفي العدد السادس يتكلم عن امة الكلدانيين

سفر حبقوق 1: 6

فَهأَنَذَا مُقِيمٌ الْكَلْدَانِيِّينَ الأُمَّةَ الْمُرَّةَ الْقَاحِمَةَ السَّالِكَةَ فِي رِحَابِ الأَرْضِ لِتَمْلِكَ مَسَاكِنَ لَيْسَتْ لَهَا.

والكلدانيين في الاصل كانوا شعوبا تعيش بالقرب من الخليج الفارسي، قاموا لاحقا بغزو مدينة بابل تحت قيادة مردوخ بالان وبعد ان استولوا على المدينة غيروا اسم المملكة الى بابل، يتكلم الرب عن قيام تلك المملكة التي اصبحت لاحقا المملكة البابلية التي دمرت اورشليم وسبت الشعب الى بابل، والتي ظهر فيها انبياء كبار مثل حزقيال ودانيال ويصف النبي هذا الشعب في الاعداد التالية

سفر حبقوق 1: 7-8

هيَ هَائِلَةٌ وَمَخُوفَةٌ. مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا وَجَلاَلُهَا

 وَخَيْلُهَا أَسْرَعُ مِنَ النُّمُورِ، وَأَحَدُّ مِنْ ذِئَابِ الْمَسَاءِ.

وَفُرْسَانُهَا يَنْتَشِرُونَ، وَفُرْسَانُهَا يَأْتُونَ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَطِيرُونَ كَالنَّسْرِ الْمُسْرِعِ إِلَى الأَكْلِ.

يصف النبي هذه المملكة التي تقوم بأوصاف قاسية ومتوحشة، حيث يصف الشهرة التي ستكسبها هذه المملكة وستحقق ما لم يحققه أحد وسيتعاظم سلطانها أكثر من اي مملكة سبقتها، يشبه سرعة الاحصنة بسرعة النمور اي ان جيوشهم ستكون قوية وسريعة في اكتساب، ويصفهم بأنهم كالذئاب في قسوتهم ووحشيتهم ومترقبين كالنسر في الانقضاض على الشعوب، لعل هذه الحيوانات المذكورة هنا تشبه كثيرا الحيوانات التي تمثل الممالك الوثنية التي رآها النبي دانيال في الاصحاح من سفر دانيال.

يقول ايضا بان البابليين سيكون ظالمين وسيحاربون امما كثيرة ويسبونهم الى ارضهم

سفر حبقوق 1: 9

يَأْتُونَ كُلُّهُمْ لِلظُّلْمِ. مَنْظَرُ وُجُوهِهِمْ إِلَى قُدَّامٍ، وَيَجْمَعُونَ سَبْيًا كَالرَّمْلِ

وَهِيَ تَسْخَرُ مِنَ الْمُلُوكِ، وَالرُّؤَسَاءُ ضُحْكَةٌ لَهَا. وَتَضْحَكُ عَلَى كُلِّ حِصْنٍ، وَتُكَوِّمُ التُّرَابَ وَتَأْخُذُهُ.

ولكن حينما يتعدون الحدود ويوغلون في الظلم سيدمر الرب مملكتهم الى الابد

سفر حبقوق 1: 11

ثُمَّ تَتَعَدَّى رُوحُهَا فَتَعْبُرُ وَتَأْثَمُ. هذِهِ قُوَّتُهَا إِلهُهَا».

وهذا ما حصل حقا حيث جاء في سفر دانيال ان الفرس والميديين غزوا بابل اثناء حكم اخر ملوك بابل بليشاصر واخذوا العاصمة دون اي مقاومة كما هو مذكور في الاصحاح الخامس من سفر دانيال

………………………………………………

  • B. Davidson and H. C. O. Lanchester، “Nahum، Habakkuk and Zephaniah،” Cambridge Bible for Schools and Colleges، pp. 66–67.
  • نشيد حبقوق ج2 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج1 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج1 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

نشيد حبقوق ج1 | مدخل الى سفر حبقوق النبي


نشيد حبقوق ج1 ا مدخل الى سفر حبقوق النبي
نشيد حبقوق النبي موجود في الاصحاح الثالث من السفر الذي يحمل اسمه، يتكلم حبقوق النبي في نشيده عن اقتران الشعب اليهودي مع الظهور الالهي، وعن دينونة الرب التي ستحل على الامم الوثنية وخلاص شعب اسرائيل، ان مسرة النبي وفرحه وهدوئه في هذه الترنيمة هو لشيء مدهش لأنه كان حزين في البداية، حيث ينهي حبقوق النبي كتاب نبوته القصير بكلمات رائعة قلما وُجدت في العهد القديم قائلاً

سفر حبقوق 3: 17-19

 فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي.اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي.

معظم قُراء هذا السفر لم يتمكنوا من ملاحظة التباين في بداية هذا السفر الذي يبدأ بشكوى حبقوق إلى الرب وينتهي بتسبيحة فرح وتمجيد للرب، ولكن إذا تم التركيز جيدا في بداية السفر سيتبين بأن هناك ما يجعل الرابط بين الاصحاح الاول والاصحاح الثالث أمراً منطقياً.

سفر حبقوق 1: 2-4

حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ أَدْعُو وَأَنْتَ لاَ تَسْمَعُ؟ أَصْرُخُ إِلَيْكَ مِنَ الظُّلْمِ وَأَنْتَ لاَ تُخَلِّصُ؟ لِمَ تُرِينِي إِثْمًا، وَتُبْصِرُ جَوْرًا؟ وَقُدَّامِي اغْتِصَابٌ وَظُلْمٌ وَيَحْدُثُ خِصَامٌ وَتَرْفَعُ الْمُخَاصَمَةُ نَفْسَهَا. لِذلِكَ جَمَدَتِ الشَّرِيعَةُ وَلاَ يَخْرُجُ الْحُكْمُ بَتَّةً، لأَنَّ الشِّرِّيرَ يُحِيطُ بِالصِّدِّيقِ، فَلِذلِكَ يَخْرُجُ الْحُكْمُ مُعْوَجًّا.

إن شكوى النبي التي يَغلُب عليها طابع الغضب والحزن تُشكل الجانب المظلم الذي يقترن مع الجانب النير الذي يمثله ايمان ورجاء هذا النبي في تدبير الرب لشعبه، ويمكن لقارئ السفر أن يلاحظ المحنة التي يمُر بها حبقوق والتي قد تمر على كل أحدٍ مِنّا في أي وقت وسنلاحظ لاحقا كيف أن حاله وتعابيره قد تغيرت عندما وضع رجائه في الرب، ربما يتساءل القارئ لماذا كان يشكوا حبقوق إلى الرب بحزن في الاصحاح الاول ولماذا خَتمَ كتابه وهو في حال أفضل بكثير من الحالة الاولى عندما رفع شكواه إلى الرب في الاصحاح الاول؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا الموضوع.

الزمن الذي عاش فيه حبقوق النبي

لا نعرف أي شيء عن حبقوق خارج الكتاب الذي يحمل اسمه، وهذا ما جعل البعض يشكون في موثوقية الكتاب الذي يحمل اسمه، قال بعض مفسرو اليهود القدامى بأن حبقوق هو الحارس الذي اختاره الرب بواسطة إشعياء النبي لكي يرى سقوط بابل.

سفر إشعياء 21: 6

لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ لِي السَّيِّدُ: «اذْهَبْ أَقِمِ الْحَارِسَ. لِيُخْبِرْ بِمَا يَرَى».

يقول القسم الآخر من المفسرين بأن حبقوق هو إبن الشونمية الذي اقامه إيليا من الموت كما جاء في سفر الملوك الثاني:

سفر الملوك الثاني 4: 36-37

فَدَعَا جِيحْزِي وَقَالَ: «اُدْعُ هذِهِ الشُّونَمِيَّةَ» فَدَعَاهَا. وَلَمَّا دَخَلَتْ إِلَيْهِ قَالَ: «احْمِلِي ابْنَكِ، فَأَتَتْ وَسَقَطَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَتْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ حَمَلَتِ ابْنَهَا وَخَرَجَت

هناك عدة اشياء لا نعرفها عن هذا النبي، لكن من خلال قراءة السفر الذي يحمل أسمه يمكننا أن نتقين بأنه كان شخصا ذو إيمان كبير بالإضافة لكونه فيلسوفاً له فكر حر ولذلك تمت تسميته بصاحب الافكار الحرة بين الانبياء (1) لأنه يطرح الكثير من الأفكار الهامة في الأصحاح الاول، ويقول المفسر كامبل مورغان بأن حالة حبقوق تغيرت من حالة التأكيد على عدم التيقن في الايمان بتدابير الرب الى التيقن الكامل بتدابيره (2)

ان تاريخ كتابة السفر غير معروفة بالتحديد إلا أن الادلة الخارجية تثبت بانه قد كتب في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، وذلك لان خراب نينوى عاصمة المملكة الاشورية حدث سنة 612 قبل الميلاد عندما غزاها الملك البابلي نبوبلاسر وحلفائه الفرس والسكيثيين (3)، وبعد ذلك استطاع البابليون بقيادة الملك نبوخذنصر أن يهزموا المصريين في كركاميش وهذا ما حطم حلم المصريين ببناء أكبر امبراطورية في المنطقة، وتُعد هذه الاحداث من الأشياء المهمة جداً التي حدثت في تلك الفترة.

كانت مملكة يهوذا حينها تحت سلطان المصريين إلا ان ضعف المصريين وتزايد نفوذ البابليين الذين بدأوا يتعاظمون بسرعة كبيرة اثرت على هذه المملكة، فالمصريون لم يتشجعوا أن يدافعوا عن يهوذا لان جيوش البابليين كانت تغزوا لبنان حينها والتي لم تكن تبعد كثيرا عن مملكة يهوذا (5).

هذه الادلة تثبت بان سفر حبقوق قد عاصر معركة كركاميش سنة 603 قبل الميلاد وانه قد عاصر من الأنبياء أرميا النبي، وقد عاش اثناء حكم ملك يهوذا الشرير يهوياكين.

ان اسلوب الكتابة في هذا السفر مميز حيث ان الاصحاحين الاولين عبارة عن حوار ثنائي بين حبقوق والرب، يعرض حبقوق في حواره تساؤلاته ومشاكله على الرب وبعدها يجيبه الرب عليها. حيث يتألف الكتاب من ثلاثة اقسام:

القسم الاول يتناول مشاكل حبقوق (من الاصحاح الاول الى العدد 3 من الاصحاح الثاني)

القسم الثاني يتكلم عن نبوات الرب (الاصحاح الثاني من العدد 4 الى العدد 20)

القسم الثالث هو نشيد حبقوق (الاصحاح الثالث)

يُتبع

  (1)George L. Robinson, the Twelve Minor Prophets, p. 119.

  (2)Living Messages of the Books of the Bible, I, 274.

  (3)Joseph P. Free, Archaeology and Bible History, pp. 217–18.

  (4)Jack Finegan, Light From the Ancient Past, pp. 114–15.

  (5)Joseph P. Free, op. cit., p. 219.

نشيد حبقوق ج1 | مدخل الى سفر حبقوق النبي

مدخل عام للكتاب المقدس – أيمن فايق

مدخل عام للكتاب المقدس – أيمن فايق

مدخل عام للكتاب المقدس – أيمن فايق

مدخل عام للكتاب المقدس – أيمن فايق

 للتحميل أضغط هنا

تابع مدخل عام للكتاب المقدس (4) التعليم المسيحي ومعناه في الكتاب المقدس.

تابع سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الثاني
تابع المقدمة – التعليم المسيحي
للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.
للرجوع للجزء الثانى أضغط هنا.
للرجوع للجزء الثالث أضغط هنا.

 

عندما نتكلم عن التعليم المسيحي، ينبغي علينا أن نستوعب الكلمة لا في ضوء موضوع المسيحية كدين له فلسفته الخاصة وفكره بين الصحيح والخاطئ، بل لنا أن نغوص في معنى الكلمة من جهة الاستعلان بالروح، لأن التعليم المسيحي، تعليم استعلاني بالروح القدس في الحق، أي شخص المسيح الرب الطريق والحق، القيامة والحياة، وغرضه (أي غرض التعليم النهائي) الشركة، والشركة تقوم على اتحاد ووحدة جسد واحد في المسيح يسوع…. 

لذلك أن تطرق ذهننا لمفهوم آخر غير ذلك المفهوم (الشركة)، خرجنا للتو عن التعليم المسيحي الأصيل، وذهبنا لفلسفة الفكر حسب رأي وفكر كل شخص وظنه واعتقاده، ومن هنا يحدث كل انشقاق وتحزب، واحد لبولس وواحد لأبولس، كما حدث في كنيسة كورنثوس، لأن حينما لا يكون التعليم بالروح في الحق بقوة الله لا بحكمة إنسانية مقنعة بل ببرهان الروح والقوة، يُصبح كل ما يُقدَّم تعاليم الناس بعيد كل البعد عن تعاليم الله، وتظهر نظريات وأفكار لا حصر لها وقد يكون الكثير منها عكس بعضها البعض، أو حتى تظهر مجرد تأملات فارغة من قوة الله وبرهان الروح والقوة، تمس عواطف الإنسان ولكن لا تحركه نحو الشركة مع القديسين في المسيح يسوع في النور، ويتغير الإنسان حسب صورة خالقة كخليقة جديدة في المسيح يسوع، بل يظل إنساناً تحت سلطان الموت الذي يظهر فيه في صورة اضطراب وخوف وجزع وعلى الأخص من الدينونة، وأحياناً اضطرابات وضيقات نفسية تطيح به بعيداً جداً عن الله، ويحيا في عمى ذهني لا يستطيع ان يُبصر نور الله المُشرق في وجه يسوع: [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).

  • معنى كلمة [ تعليم ] في الكتاب المقدس:
في العهد القديم نجد أن الكلمة العبرية تأتي بمعنى (ما يتم استلامه) و (الموضوع أو الرسالة التي يتم تعليمها وتلقينها حسب أمر الرب وإعلانه): [ انصتي أيتها السماوات فأتكلم ولتسمع الأرض أقوال فمي. يهطل كالمطر تعليمي ويقطر كالندى كلامي كالطل على الكلأ وكالوابل على العُشب ] (تثنية32: 1و 2)، [ اسمعوا أيها البنون تأديب الأب واصغوا لأجل معرفة الفهم. لأني أعطيكم تعليماً صالحاً فلا تتركوا شريعتي ] (أمثال 4: 1و 2)…

ونلاحظ عادة أن كلمة التعليم مرتبطة ارتباط شديد بالنحت والحفر وبالسمع المقترن بالإصغاء، وأيضاً ترتبط بالتربية والتأديب، والكلمة اليونانية في العهد الجديد تأتي بتلك المعاني: [ يُربي (تربية)، يوبخ للإصلاح، يُعلِّم، يُهذب، يُدرب (تدريب)، انضباط (يضبُط)، مُؤدِّب (يتأدب بالتعليم)، مُرشد، وصي ]، والمعنى في أصله مرتبط بكلمة [ طفل، ولد، صبي ]..
ومن ثمَّ يأتي المعنى أن يكون شخص مُعلِّم مع طفل أو ولد، ليرعاه رعاية المُربي الأمين، ليُسلمه تعليم، لتثقيفه وتدريسه، لتقويمه وتهذيبه، وترسيخ التعليم في ذهنه وعقله بغرض السلوك السليم والحياة وسط المجتمع بما يتفق مع عاداته وتقاليده الخاصة به.

 

عموماً من هذه المعاني المخطوطة في الكتاب المقدس، نستطيع أن نستوعب القصد والمعنى منها لنفهم ما هو التعليم الإلهي على وجه الدقة التي تظهر لنا من خلال سطور الكتاب المقدس بإعلان وتوجيه الروح القدس، روح التعليم والتربية، الذي يحفر بشخصه التعليم في القلب والذهن معاً ليتحول بسلوك وحياة بطاعتنا الحُرة والمسئولة كأطفال نتربى عند قدمي الكتاب المقدس لنتلقف التعليم كالندى في القلب:
  • [ ازرعوا لأنفسكم بالبرّ، احصدوا بحسب الصلاح، احرثوا لأنفسكم حرثاً، فانه وقت لطلب الرب حتىيأتي ويُعلمكم البرّ ] (هوشع 10: 12)
  • [ لأن الروح القدس يُعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه ] (لوقا 12: 12)
  • [ وأما المُعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يُعلمكم كل شيء ويُذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)
  • [ وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً، كما علمتكم تثبتون فيه ] (1يوحنا 2: 27)
ومن خلال هذه الآيات نفهم كيف نتعلم ونتهذب، لأن التعليم يستحيل أن يأتي إلا من الروح القدس وحده، لذلك تهتم الكنيسة على مرّ العصور أن تُعين خداماً ممتلئين بالروح القدس، ولا تستطيع أن تسمح لأحد غير ممتلئ بالروح أن يتقدم للخدمة (مع أن للأسف اليوم أي حد بيتقدم ويخدم كيف ما اتفق، وتسمح له الكنيسة بذلك، لأن عنده معلومات وقدرة على الكتابة والكلام والحديث.. الخ، مع أن كل من يفعل ذلك وصار مسئولاً عن تعيين خادم أو كاهن أو أسقف.. الخ، سيُدان في النهاية أمام الله الحي لأنه عن وعي وإدراك لم يلتزم بالتقليد الكنسي الرسولي في تعيين الخدام والكهنة ورسامة الأساقفة بدون أن يتأكد من امتلائهم بالروح القدس لأجل الخدمة: وها أنا أُرسل إليكم موعد أبي فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالي – لوقا 24: 49)
عموماً تحرص الكنيسة 
بشدة (قديماً، والآن أيضاً من كل من يعرفوا الرب وامتلئوا بالروح) على أن تُقدم تعليم الرسول بولس للتحذير من جهة كلامه عن انطفاء الروح القدس في النفس [ لا تطفئوا الروح ] (1تسالونيكي 5: 19)، [ ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به خُتمتم ليوم الفداء ] (أفسس 4: 30)، وذلك بسبب أن لو انطفأ الروح القدس في القلب، كيف نُقدم تعاليم الله الصادقة المُحيية للآخرين، وكيف تتعلم النفس وتتهذب بالتعليم الإلهي النقي، وكيف يتنقى القلب لمُعاينة الله، وكيف تتغير النفس وتصير على صورة الرب يسوع، لأن الروح القدس هو الذي يُشكلنا على صورته حينما يحفر في قلوبنا التعليم الإلهي [ بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل، بعد تلك الأيام يقول الرب، أجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (ارميا 31: 33).

 

وبهذه الصورة يا إخوتي يتجلى أمام أعيننا كمال التعليم الإلهي، لأنه بروح الله يُعلن في القلب ويُخط في الذهن المنفتح على الإلهيات بالنعمة، لأن الرب يسوع حينما نأتي إليه تائبين طالبين مجده، يفتح أذهاننا لنفهم الكتب بالروح في الحق، فنستنير بالكلمة: [ وصايا الرب مستقيمة تفرح إياه. أمر الرب طاهر يُنير العينين ] (مزمور 19: 8)، [ عين الرب لمُحبيه (أو عين الرب على مُحبيه) وهو نصير (حماية) قدير وسند قوي، يسترهم من الحرّ ويُظللهم في الظُهيرة، ويقيهم من العثرات (والعقبات) و(نجدة عند) السقوط، الرب يُنعش (يُعلي شأن) النفس ويُنير العيون (العينين)، ويمنح الشفاء والحياة والبركة ] (سيراخ 34: 16 – 17، أو من 20 – 21 في بعض الترجمات)

 

ومن هُنا نرى أن الكتاب المقدس كتاب تعليم بالدرجة الأولى حسب المعنى الذي غُصنا فيه بإيجاز دون تطويل(وذلك بسبب كتابة موضوع التقليد الذي فيه شرح مستفيض عن التعليم)، وفيه نرى أن الكتاب المقدس لا يُناقض نفسه أبداً إلا عند الذين يرفضونه كإعلان إلهي فيقولون الشيء الكثير عن شُبهات وهمية، وهما معذورون فعلاً، لأنهم في الواقع يرونها هكذا لأن هناك بُرقع وحاجز موضوع على عين الذهن فلا تقدر أن ترى مجد الله المستتر في الكلمات المكتوبة، حتى من يرد على هذه الشبهات بالمنطق بدون روح الإعلان فهو يشترك معهم في نفس ذات الرؤيا القاصرة على المنطق العقلي البعيد عن برهان الروح والقوة، أما كل من استنار برؤية الله وإعلانه عن ذاته [ نظروا إليه واستناروا ووجوههم لم تخجل ] (مزمور 34: 5)، فأنهم يروا بانفتاح الذهن بالروح، العهد الجديد مستتر في العهد القديم، والعهد القديم مُعلن وظاهر في العهد الجديد، لأن [ ناموس الله كامل ] وما يبدو أنه متناقض يختفي تماماً عندما نُقارن الروحيات بالروحيات: [ التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يُعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات ] (1كورنثوس 2: 13)
وفي الجزء القادم سنتكلم عن الكتب المقدسة وتسمية الكتاب المقدس بالعهد القديم والعهد الجديد…

 

 

تابع مدخل عام للكتاب المقدس (3) الكتب المقدسة ومحور التعليم فيها.

تابع سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الثالث
تابع المقدمة – الكتب المقدسة ومحور التعليم فيها
للعودة للجزء الاول أضغط هنا.
للعودة للجزء الثانى أضغط هنا.

  • + وأنك منذ الطفولة تعرف الكُتب المقدسة القادرة أن تُحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع – 2تيموثاوس 3: 15
في هذا الآية التي نطقها القديس بولس الرسول بالروح، توضح لنا دور الكُتب المُقدسة التي كُتبت بالروح في الحق لبناء النفس للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع، ومن هنا يُستعلن لنا بالروح عينه أن هذه الكُتب المقدسة ليست تحفة أدبية قديمة، أو أسفار مقدسة تحتوي على معلومات قيمة عن الله أو حتى عن فكر إنساني عالي أو تدرج فكر ثقافي في حياة شعب خاص سُميَّ شعب الله المختار، وليست ايضاً مجرد سرد تاريخي لشعب من الشعوب وتتبع أخباره من جيل لجيل، ولكن هذه الكُتب دُعيت مقدسة، ليس لأن أطلق عليها بولس الرسول هذا الاسم: [ المقدسة ]، بل بكونها إعلان إلهي في داخل الزمان، وهي إعلان بظهور يد الله العاملة وسط شعب اختاره ليظهر فيه مجده، لأن الإعلان الإلهي لا يظهر في المجهول، ولا يوضع كفكر نظري ومجرد كلمات كما نتكلم نحن، لأن الله ينطق بكلمته، وكلمه الله شخص حي وليس الفاظ منطوقه، لذلك حينما يتكلم يفعل، أي كلمته تتحول من تلقاء ذاتها لفعل ذات سلطان، لأنه يتكلم بفعل وعمل ويقطع عهد ويعطي وعد، ولو فحصنا كلمة الله سنجدها [ فعل وعمل، وعهد مقطوع على دم، ووعد مبني على هذا العهد ]، ونجد أنه من المستحيل أن ينطق الله ويتكلم ويظل كل شيء كما هو ساكن لا حراك فيه، كلمة الله = فعل وعمل…

الكتب المقدسة، أو بمعنى أدق الكتاب المقدس لأنه كتاب واحد، هو كتاب إعلان مجد الله، غرضه وهدفه خلاص الإنسان، وخلاص الإنسان ليس فكره ولا مجرد عقيدة ولا كلام عجائز وأساطير مبنية على أفكار شعوب قديمة وتطورت لتصل للمسيحية، لأن المسيحية في حقيقتها ليست دين ليتدين به الإنسان ويتجمل بكثير من الفضائل أكثر من باقي الأديان الأخرى، هذه نظره مشوهة جداً للمسيحية كلها !!! 
وهذا التشويه سببه الحقيقي هو انغلاق الذهن على الإعلان الإلهي النابض بالحياة، لأن هذا الإعلان نابض بإلهام الروح في الحق، ويستحيل فهمه أن لم ينفتح الذهن الداخلي بقوة الروح عينه الذي أعطى هذا الإلهام لكل كاتبي الكتاب المقدس، فإذا كان روح الله تكلم من خلال الرجال الذين كتبوا الكتاب المقدس، فأقل ما يُمكن ان نفعله هو أن ندرسه بروح الصلاة كإعلان مُعطى من الله…

وهذه الدراسة بروح الصلاة، تتطلب قداسة، لأن ما نحن في صدده هو إعلان الله عن ذاته لنُعاين مجده، ورؤية الله تستحيل بدون قداسة، لذلك نجد أن كل كُتَّاب الكتاب المقدس، يفرزهم الله أولاً، ثم يكرسهم ويخصصهم له، أي يقدسهم لكي يستعدوا لحلول الروح للإلهام الإلهي لإعلان مجد الله، لأن بدون القداسة لا يُعاين أحد الله مهما ما بلغ من مقدرة وقوة على الفهم والاستيعاب، لأن ممكن أي أحد يقرأ الكتاب المقدس ويستوعب كلماته المكتوبة، ولكنه لن يرى مجد الله وبهاء نوره المُشع: [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا 

لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)، لذلك واجب قداسة القلب أولاً وقبل كل شيء [ القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب ] (عبرانيين 12: 14).

عموماً السبب الرئيسي لضعف الخدمة في الكنائس وعلى المواقع وحالة الأنيميا الروحية التي يُعاني منها الكثيرون، هو بسبب الافتقار للتعليم بوحي الروح القدس، لغرض خلاص النفس وإعلان مجد الله بوجه مكشوف لننظر ونتغير لتلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح القدس !!!

لأن كلمة الله لا تُلقى في الفراغ أو تستقر في العقل لتُصبح فكرة للحوار وتُطرح النقاش والجدل، وانا صح وانت خطأ، ورد من يخالفني الرأي وردي عليه، ونلف وندور في حلقات مفرغة من مضمون، وذلك لأننا لم نبلغ بعد لإلهام الروح ولم نرى مجد الله بوجه مكشوف كما في مرآة لنتغير إليه، وقراءة كل واحد لكلمة الله لم تتحول فيه لفعل وقوة حياة، لأن هدف التعليم الصحيح هو معرفة مجد الله لنتغير إليه بسر عمل الروح القدس في داخل قلوبنا، وأي تعليم (حتى لو كان صحيح) لا يُدخلنا لداخل الله، لنحيا معه في شركة مقدسة في النور، نرى وجهه ونسمع صوته، فيا إما أنا مغلق القلب وأعمى في الذهن، فلا أرى ملامح الله في هذا التعليم، أو لا أُريد أن أتوب وأرجع لله الحي عودة حقيقية، فلا أبصر نور الله لأني بإرادتي طمسته بعند قلبي وعدم توبتي، يا إما التعليم نفسه أجوف لا روح فيه ولا إلهام إلهي، بل هو خطاب من عقل لعقل، ولن يخرج عن إطار المحفوظات العقلية والفكرية التي لا روح فيها، حتى أظن أني أعرف الله، مع أني – في الواقع – عرفت معلومات عن الله وليس الله بشخصه الحي، وهذا صنم المسيحيين الذين لم يعرفوا الله بإعلان الروح وإلهامه، وساروا في منهج القداسة وتطهير القلب فعلياً، بغسل التوبة الصادقة التي يعمل فيها الروح القدس لتصير بحر غسيل النجسين بدم ابن الله الحي الذي يُطهر من أي خطية شافياً جراحات النفس الداخلية يوماً بعد يوم…
  • وبعد أن تحدثنا عن الكتب المقدسة بإيجاز ومحور التعليم فيها، ينبغي أن نتحدث عن التعليم المسيحي الأصيل ومعناه، لا لكي نعرف وحسب، بل لكي تنضبط حياتنا ونسلك في النور وندخل في التعاليم الإلهية في الكتاب المقدس، لأن الكتاب المقدس يحكمنا للخلاص لنُشفى من كل أوجاعنا التي تعيق حياتنا لنستطيع أن يكون لنا شركة حياة مع الله والقديسين في النور، ولكي لا نقرأ الكتاب المقدس كما تعودنا للاطلاع أو للدفاع، أو لغرض المعلومات وتحضير الدروس أو الرد على الآخرين أو إقناع أحد بحقيقة الكتاب المقدس وأنه موحى به من الله وأن هو الحق والمسيحية الصح، بل ندخل لعمق سره الإلهي بنفس ذات الروح الذي كُتب بها…


_____يتبــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن: التعليم المسيحي الحي

 


تابع مدخل عام للكتاب المقدس (2) كيفيه شرح الكتاب المقدس شرحاً سليماً، الوحي.

تابع سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الثاني
تابع المقدمة – الوحي الإلهي والإعلان
للعودة للجزء الاول أضغط هنا.

الوحي الإلهي الذي منه الإعلان، ليس فكرة ونظرية نطرحها لنكتب معلومة جديدة أو كمجرد عظة، أو فكرة عظيمة نلفقها لكي نؤكد على أن الكتاب المقدس موحى به من الله، بل هي خبرة نجتاز فيها عملياً وعلى مستوى واقعنا اليومي المُعاش، حينما ندخل في علاقة حية مع الله الحي ونمتلئ بالروح، لأن الوحي والإلهام بالروح القدس، روح الله، وليس حسب أفكار الناس، حتى لو كانت أفكارهم حسنة جداً ورائعة للغاية، بل وفي منتهى الدقة البحثية والفكرية، لذلك حينما ينطق الأنبياء بالإلهام الإلهي، إلهام موحى به من الله، فينطقون بقوة كلمة الله من فمه وباسمه، بصورة كلمات بشرية في واقع إنساني يومي مُعاش، يفهمها الإنسان حسب لغة عصره ليستوعب مقاصد الله وماذا يُريد منه على وجه التحديد والدقة، إذ أنهم يتعلمون من الله بالروح القدس، وينطقون بنفس ذات الروح عينه حسب إلهامه… 

ولندقق فيما هو مكتوب بنفس ذات الإلهام ليُعلمنا ويشرح لنا كيف ننطق بكلمة الله ونكرز بها ونعيشها اليوم كما هي بحسب إلهام الروح ذاته وبشخصه، بنطق الله الذي منه الحياة تنسكب فينا، فنحيا به ونتحرك ونوجد لا على مستوى نظري ومعلومة بل كخبرة وحياة في واقعنا اليومي المُعاش:
  • فقال موسى للرب: أستمع أيها السيد، لستُ أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان. فقال له الرب: من صنع للإنسان فماً أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيراً أو أعمى أما هو أنا الرب. فالآن أِذهب وأنا أكون مع فمك وأُعلمك ما تتكلم به] (خروج 4: 10 – 12)
  • لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يُبطلون. بل نتكلم بحكمة الله، في سرّ الحكمة المكتومة، التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا…. كما هو مكتوب: ما لم ترى عين ولم تسمع أُذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه.فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَن مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله.ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تُعلمها حكمة إنسانية، بل بما يُعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات. ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحيا. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد. لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح ] (أنظر 1كورنثوس2: 6 – 16)
  • لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس 1: 21)
وبهذا المعنى فأن الكتاب المقدس وحدة واحدة متكاملة مستتر فيها مقاصد الله الأزلية حسب التدبير ومعلنة بالتدريج في الزمن للإنسان حسب قامته وتدرج معرفته، لذلك اختار الله أُناس وساقهم بروحه ونطق على أفواههم بإلهام خاص ليُعلن مقاصده للإنسان ليحيا بها على المستوى العملي، لكي يتم قصد الله وتدبيره في الإنسان على مر العصور ليوم إعلان مجيئه في ملء مجده ومجد أبيه والروح القدس، لذلك الكتاب المقدس لا ينبغي أن نتعامل معه على مستوى الكلمات والحرف فقط، لأنه حي ينبض بروح الحياة ذاته، أي الروح القدس روح الإلهام كما رأينا في الآيات السابقة
فالإله الحي مازال حياً، ولأنه حي أعطى حياه لكل من يأتي إليه ويقبله ويقبل إلهام الروح ويدخل في سر كلمته التي تعبر عن حياته، والرب نفسه أعلن هذا بفمه قائلاً [ بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني إني أنا حي فأنتم ستحيون ] (يوحنا 14: 19)
فحينما ألتقي بكلمة الرب، كشخص يسوع المسيح الحي وأدخل في سرّ الإنجيل، يُكشف لي بالروح الحياة التي تنبض في الكلمة، فأقبلها كقوة حياة واستعد لتنفيذ الوصية بالروح وأحيا بها لأنها روح وحياة: [ الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يُفيد شيئاً، الكلام الذي أُكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 6: 63)
فكاتبي الأسفار المقدسة هم المتعلمون من الله والملهمون بالروح، وهذا ما تؤكده رسالة كورنثوس الأولى كما رأينا، ونُعيد إعادة مركزة على بعض الآيات بشرح بسيط، لا من أجل الإعادة في حد ذاتها والتكرار، بل لكيننتبه إلى الطريقة التي ينتقل بها الحق من فكر الله إلى ذهن الإنسان بإلهام الروح، وبما يُعلمه أيضاً، فيقول القديس بولس الرسول الملهم بالروح في كورنثوس الأولى2:
أمور الله غير المنظورة لا يُمكن للإنسان الطبيعي أن يكتشفها (طبعاً مهما ما بلغ من فكر وقدرة على التحليل والنشاط العقلي المُميز وقدرة على الفهم الصحيح المتزن) (1كورنثوس 2: 9)
هذه الأمور الغير منظوره قد أُعلنت لأُناس مُختارين ومُفرزين من الله للعمل الإلهي وإلهام الروح (1كورنثوس 10 – 12)
وهذه الكلمات التي يقولها رجال الله الملهمون بالروح تنتقل للجميع عن طريق تعليم الروح القدس (1كورنثوس 2: 13)
الأقوال التي يُعلمها الروح القدس بشخصه والذي أَلهَمَ بها أُناس الله المختارين وأعلن عنها، يُحكم فيها من جهة صدقها – لأنها أقوال الله فعلاً – عن طريق المؤمنين الروحيين الذين لهم إلهام الروح ونالوا سرّ إعلان الله في قلوبهم على مستوى الخبرة والحياة، فلهم روح الإفراز من الله أيضاً بالإلهام والإعلان، لذلك كل من يمتلئ بالروح وينال سرّ الإعلان الإلهي في قلبه يستطيع أن يفرز ويُميز ما هو من الله وما هو ليس من الله، مميزاً تعليم الروح وما يقوله إذ يقارن الروحيات بالروحيات ويستوعب أسرار الله ويفهم بقلبه وعقله المستنير بنور إشراق النعمة: [ وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء… وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً، كما علمتكم تثبتون فيه ] (1يوحنا 2: 20، 27)
عموماً نعود لنتساءلما معنى الوحي بدقة، أو ما هو المقصود بالوحي الإلهي !!!
طبعاً لو انحازنا للفكر العام، سنقول على كل كاتب قصة أدبية أو غيرها من الأعمال التي تبدو أمامنا عظيمة جداً مُلهمه، قد برع كاتبها في التصوير، أنه إنسان مُلهم يستطيع من خلال الحوادث اليومية يكتب قصص بطريقة أدبية يوصل بها تعليم أو فكر للناس بشكل يا إما مباشر في صورة أحداث واقعيه مُعاشة، أو بغير مباشر بالرمز والتمثيل والتشبيه، وهذا الإلهام يختلف تماماً عن الإلهام الإلهي في الكتاب المقدس، رغم استخدام نفس ذات الأدوات مع ما يزيد عليها من نبؤات وغيرها !!!

فإلهام أي كاتب عموماً هو إلهام العقل البشري المخلوق وحسب ذكاءه وفطرته وفطنته الخاصة وحكمته الإنسانية المكتسبه بسبب خبراته في الحياة، لأن كل إنسان أخذ صورة من الله منطبعة في شخصيته منذ بداية تكوينه، لذلك يستطيع الكثيرين أن يكتبوا بفكر مُلهم قصص وأحاديث وغيرها من الصور الأدبية المختلفة والمتباينة، وقد تنفع الكثيرين وتعلمهم أمور فاضلة كثيرة وتزرع مبادئ جميلة يحتاج إلها الفرد على مستواه الشخصي أو المجتمع ككل على مستواه العام ويختلف من مكان لآخر ومن حضارة لأخرى، ومن فكر لفكر … الخ

ولكن نجد مثلاً في أيوب يقول عن الوحي: [ نسمة (وحي) القدير تُعقلهم ] (أيوب 32: 8)، وهُنا تعني الكلمة “أنفاس” وتُظهر بذلك أن الله هو المُبدع لذكاء الإنسان ومُلهمه. وفي تيموثاوس الثانية 3: 16 يقول: كل الكتاب موحى به من الله، والكلمة التي استخدمها القديس بولس الرسول بالنسبة لكلمة موحى أو الوحي هي (أنفاس الله).
  • فالوحي، هو أنفاس الله، هو روح حياة الله، الروح القدس، روح الآب، الذي هو عينه روح الابن، وهو منحة شخصية من الله الحي الذي وحده من يُعبر عن ذاته ويُعلنها؛ فالوحي منحة تحمل تلك الدرجة من التأثير الإلهي القوي بمساعدة ذات طابع يحمل قوة كنار وحياة، تشتعل في أنبياء الله وتلاميذه الأخصاء فيُعبَّروا عن ما يُريد الله بصورة كلمات بشرية ممسوحة بمسحة الروح لتكون معبرة لدى كل إنسان عن مشيئة الله وتنقل له حياته وقوة نعمته، فأنفاس الله هُنا تشتعل في كيان حامل رسالة الله ليتكلم بها لذلك مكتوب: [ وقام إيليا النبي كالنار وتوقد كلامه كالمشعل ] (سيراخ 48: 1)؛ ويقول الرب في سفر إرميا: [ أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تُحطم الصخر ] (أرميا 23: 29)

فيا إخوتي الكتاب المقدس ليس هو بالكتاب العادي الذي يُقرأ منفصلاً ويتم تمزيقه عن بعضه البعض وفيه تتم كتابه آراء الناس الشخصية فيه، ويتم شرحه لإثبات أفكار خاصة حتى لو كانت صحيحة، بدون الولوج لمعرفة ماذا يُريد الله بإعلانه هو عن ذاته بروحه القدوس بالإلهام في قلب القارئ والسامع والشارح، لأن الكتاب المقدس هو صادر من أنفاس الله ليُعبِّر عن الله كشخص حي يُعطي حياة، لأن الله حينما يخرج أنفاسه تخرج حياة في التو واللحظة، فحينما نفخ الله في الجسد الذي أنشأه من الأرض صار آدم نفساً حية، والكتاب المقدس الذي بين أيدينا هو كلمة الرب التي أتت كنسمة حياة من الله على شكل لغة مكتوبة، ومن هُنا أتى تمييز الأسفار الإلهية عن سائر الكتابات البشرية، لأنها كلمة مُشخصة تحمل قوة حياة الله الكلمة ذاته، وهذا يعطينا أن نفهم قول القديس بولس الرسول الذي قاله:

  • وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مُنادياً لكم بشهادة الله…. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع، بل ببرهان الروح و القوةلكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله ] (1كورنثوس 2: 1و4 – 5)

فهل يُريد أحد ان يستوعب سرّ الكتاب المقدس، ويدخل في سرّ التدبير، ويستوعب غنى مجد أسرار الله الحي، وهل يُريد أحد ان يكون شارح للكتاب المقدس بتدقيق وحسب مقاصد الله، وهل يُريد أحد أن يخدم الله ويكرز بالإنجيل على مستوى الروح والحق، فليفهم ما كتبناه بالروح ويقرع باب كلمة الله لتنفتح له كسر وخبرة وحياة، فيحيا بأنفاس الله وتسري فيه كقوة نار تطهره وتشتعل في قلبه بالمحبة والإيمان فيصير إنجيل مقروء من الجميع، ويشهد شهادة الله مُعلناً قصده الذي صار في قلبه بإعلان وبتعليم الروح القدس، لأن بدون إلهام الروح وعمل الكلمة في القلب بحفظها، وإرسالية الله بالروح للإنسان ليخدمه ويُعلم تعاليمه، فباطلة هي كل خدمة يقدمها الإنسان لأنه سيتكلم حسب فكره ومفهومه الشخصي الذي فهمه من كلمة الله ويُفلسفها ويُشكلها ويرتبها ويربط آياتها كما يرى أنه مناسب أو حسب ما تعلم واقتنع عقلياً، ولكنه لن يُعلن مقاصد الله ويكتب حسب قصده على الإطلاق مهما ما بلغ من قدرة ودراسة وفهم وسيصير كاذباً عن دون دراية منه، إذ أنه صدق نفسه لأنه أُعجب بفكره وتأكد أنه يتكلم بالحق والصدق بتقوى، وكما هو مكتوب:

  • فقال أرميا النبي لحننيا النبي أسمع يا حننيا أن الرب لم يُرسلك وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب (أرميا 28: 15)
    وأنبياؤها قد طينوا لهم بالطُفال رائين باطلاً وعارفين لهم كذباً قائلين هكذا قال السيد الرب والرب لم يتكلم (حزقيال 22: 28)
    رأوا باطلاً وعرافة كاذبة القائلون وحي الرب والرب لم يرسلهم وانتظروا إثبات الكلمة (حزقيال 13: 6
    وكيف يكرزون أن لم يرسلوا كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات (رومية 10: 15)
_____يتبــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن: الكتب المقدسة ومحور التعليم فيها

 

 

مدخل عام للكتاب المقدس – كيفيه شرح الكتاب المقدس شرحاً سليماً.

سلسلة مدخل عام للكتاب المقدس – الجزء الأول
مقدمة – إعلان الكتاب المقدس الشامل


في الحقيقة كثيرين بتسرع يبدءوا في شرح الكتاب المقدس الذي أتى بإلهام الروح بدون أن يكون لهم نفس ذات الإلهام ليشرحوا أسرار الله بسرّ الله المعلن في قلبهم بالروح القدس، فيخرجون عن مقاصد الله دون قصد فيشرحوا الكتاب على أساس لغوي فقط وعلى أساس المراجع حتى لو كانت صحيحة بدون الولوج لأسرار الله بروح الله لتنكشف اسرارها بالروح، لينطقوا بروح الكتاب المقدس ما أعلنه الله حسب قصدة …

وفي الحقيقة يا إخوتي، لن نستطيع أبداً أن نفهم ونستوعب سرّ الكتاب المقدس أيضاً أن لم نفهم مضمونه العام وماذا يُريد الله أن يقول من خلاله لنا، وعموماً قبل أن نخوض في أي شرح أو تفسير، لأن كثيرين من المفسرين لا ينطلقون من وحدة الكتاب المقدس ككل، بل ينطلقون من كل سفر وكأنه مستقل بذاته عن باقي الأسفار ويشرحونه حسب المعنى المستقل في كل آية وحرف ومعنى، وهذا يخرج الشرح بعيداً عن مقاصد الله المعلنة في الكتاب المقدس ككل، لذلك واجب علينا اليوم أن نفهم ما هو قصد الله من إعلان ذاته في الكتاب المقدس وما هي الوحدة التي تجمع الأسفار المقدسة، لذلك بادئ ذي بدء يلزمنا أولاً أن نتعرف على خطة الله المُعلنة في كلمته التي هي أنفاسه الخاصة كما سوف نتعرف عليها بدقة وتدقيق من خلال سلسلة المدخل العام للكتاب المقدس التي نشرحها من جهة الإعلان الإلهي وليس مجرد شرح وكلام وألفاظ… 

وصدقوني، عندما تحتضن خطة الله عقلونا وتُنيرنا ونقبلها وتنزل قلوبنا سنستنشق أنفاس الله وبها نحيا ويدخل الفرح لقلوبنا بقوة خلاص الله المتدفق من أعماقه إلينا، وكل من يدخل في عمق إعلانه يأخذ ويشبع ويفرح ويدخل من عمق لعمق ومن فرح لفرح، وتُترجم في حياته لسلوك وحياة كثمرة من ثمار عمل الله وروح الإلهام في قلبه…

+ إعلان الكتاب المقدس الشامل +

الكتاب المقدس ككل يُعلن الآتي بترتيب فائق مُذهل لغرض اتحاد الله بالإنسان، ونستطيع أن نضع المعنى العام للكتاب المقدس في هذه النقاط:

* الله مصدر كل حياة والأساس الذي يقوم عليه كل شيء
* خليقة فائقة تاجها وغايتها الإنسان، الذي يرعاها ويُقدمها لله
* إعلان فائق ووعد يظهر بتدرج مجسد في تاريخ شعب مختار
* تحقيق الوعد بتجسد إلهي فائق، تاجه وغايته يسوع المسيح 
* سكنى دائمة فائقة، تاجها وغايتها الروح القدس الرب المُحيي
* شعب خاص جسد واحد، منفصل عن عالم الموت في وحدة فائقة وشركة في النور مصدرها اتحادهم بالمسيح
* كنيسة مختارة مقدسة جامعة رسولية، مجموعة من كل الأمم وكل الشعوب (الانجماع الكلي في المسيح)
* خليقة جديدة تشع قداسة الله ويكون فيها الله بالكُل وعلى الكُل وفي الكُل.
* سماء جديدة وأرض جديدة وحياة أبدية مجيدة وتحقيق كل مقاصد الله وتميمها بالنصرة النهائية واستعلان مجده العظيم الفائق أمام كل الشعوب والأمم، وانتهاء كل أزمنة، واستعلان مجد أولاد الله في المسيح يسوع ودخولهم لملكوته العظيم بموكب نصرة فائق.

وهذا الترتيب كله هو مقاصد الله وغايته المعلنة في الكتاب المقدس من أول سفر لآخر سفر فيه، لكي يُستعلن الجسد الكامل للمسيح الرب وتتحقق الغاية النهائية حسب التدبير الأزلي الذي لله القدوس الواحد المثلث الأقانيم:

[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كمااختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسرمشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الازمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات و ما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيبا معينين سابقا حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح. الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً اذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)

ومن جهة الترتيب التاريخي الظاهر الذي يحقق كل ما قلنا ويعلنه هو كالآتي:

* الخليقة
* الوعد
* الشعب المختار
* الإعلان
* التجسد
* سكنى الروح القدس
* الكنيسة شعب الله المختار في المسيح
* الخليقة الجديدة واستمرار اكتمالها عصر بعد عصر
* انتظار حياة الدهر الآتي واستعلان ملكوت الله 

فهذا كله هو منهج الكتاب المقدس ومنه ينطلق كل شرح وتفسير، إذ يشتمل على الإعلان الكامل لحقائق الكتاب المقدس، وهو يحتضن كل الجوانب العظمى للفداء (كما هو واضح على الأخص في رسالة أفسس كما ذكرناها)، ويُظهر تاريخ الإنسان الروحي ومعاملات الله مع جنس البشر ككل، ويُظهر الغرض الحقيقي من الخليقة وما هو واجب الإنسان تجاهها، وما الغرض من حياة الإنسان وهدف دعوة الله النهائية له، لأن الله لا يُريد أن يُقدم دعوة للإنسان لعبادته، كما يقول البعض، أو أن غرض خلقة الإنسان أن يتمتع بالوجود وأن يعبد الله، فالله ليس محتاج لعبادة أحد لأنها لا تزيده ولا تنقصه في شيء ما قط، ولم يخلق الإنسان لأجل متعة الوجود في حد ذاته، لأن حياته ستكون بلا معنى لو كان وجوده لأجل وجوده، ولكن بنُاءً على ما سبق وقلنا نستوعب ما هو الغرض من خلقة الإنسان ووجوده، وسأترك لكل واحد أن يتأمل فيما كتبنا ويطلب إلهام الروح القدس حتى يستوعب بإعلان قصد الله من خلقه، فصلوا يا أحبائي وأطلبوا إلهام من الله حتى يعطيكم أن تستوعبوا سر خلقكم ….

+ الإعلان المتدرج +

أن كل من يأتي للكتاب المقدس بتوبة حقيقية طالباً انفتاح الذهن بالروح: [ حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب ] (لوقا24: 45)، معتمدين على الروح القدس طالبين الاستنارة، ستنفتح بصيرتهم الداخلية فيروا ما لا يُرى في صفحات الكتاب المقدس ويقودهم الروح القدس عبر السطور معلناً لهم أسرار الله، لأن كلمة الله كُتبت بالروح القدس ولم تكتب بآخر [ لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس1: 21)، لذلك هو وحده الذي يعلن ويكشف الأسرار في كل قلب مفتوح بالحب باستنارة الذهن: [ فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعاً لأن فم الرب تكلم ] (أشعياء 40: 5)، [ كل شيء قد دفع إلي من أبي وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ] (متى 11: 27)، [ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يُعلمكم كل شيء ويُذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)، [ فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله ] (1كورنثوس 2: 10)، فمن يقرأ الكتاب المقدس ينبغي أن تكون آذانه رادار تلقط صوت الروح، وقلبه كبير متسع بالحب ليستقبل الله وإعلانه عن ذاته بالروح.

وحينما ندخل للكتاب المقدس بهذا المستوى سنصل للقناعة الداخلية بأن الكتاب المقدس ليس خليطاً غير متجانس، كما يدَّعي بعض النقاد من أطياف وأفكار وفلسفات وآراء مختلفة، ويقولون بأنه عبارة عن تاريخ قديم يحتوي البعض منه على حقائق تاريخيه حقيقية وبعضها ممزوج بأساطير مختلفة مأخوذ عن حضارات وشعوب متنوعة، وبه تصورات دينية عقائدية بعيدة عن أرض الواقع، أو أفكار دينية مستقيه من شعوب أخرى وتم دمجها، وبعضه يحتوي على خرافات لا تُصدق، بل سوف يرونه بعيون الذهن المنفتح والقلب المتسع بإلهام الروح أنه كشف متدرج لخطة وغرض الله الأزلي، وأنه ارتقى بالإنسان من جيل لجيل وعصر لعصر في الإعلان والتعليم.

وبكون الكتاب المقدس إعلان متدرج يظهر من بداية الخلق إلى ظهور واستعلان الله في الجسد إلى آخر سفر في الكتاب المقدس وإعلان مجيئه وظهور مجده، فيجب أن نقرأه ككل، مقارنين أجزاءه ببعضها البعض [ التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدسقارنين الروحيات بالروحيات ] (1كورنثوس 2: 13)، نربطه بروحه الواحد كوحده واحدة لا تنفك حتى نستطيع أن نكتسب الرؤية الصحيحة والسليمة ونستوعب أسرار الله ونستطيع أن نعلنها في شرح سليم واعٍ مُلهم بالروح للكتاب المقدس، لأن بسبب فصل الكتاب المقدس عن بعضه البعضوفهم نصوصه بانحياز لأفكار معينه يجعلنا نُخطأ في الشرح ونتحير في بعض النقاط إذ نفصل الآيات بعضها عن بعض وننطلق في الشرح من أساس مفهومنا الخاص عن الكتاب المقدس، ونؤيد نظريتنا من بعض الآباء أو بعض الخدام الذين شرحوا بعض النقاط حسب رأيهم الشخصي لظروف معينه لكي يثبتوا شيئاً ما كرد على فيلسوف أو غيره، بعيداً عن المعنى المقصود في وحدة الكتاب المقدس والقصد الإلهي من وراء الأحداث أو المواقف:

فمثلاً لو أخذنا مثل تقدمة هابيل وقايين، وأنه نظر (الله) إلى هابيل وقربانه لأنه قدم من أبكار غنمه ومن سمانها، أما إلى قايين وقربانه الذي قدمه من ثمار الأرض فلم ينظر. فاغتاظ قايين وحمى غضبه وامتلأ حقداً وكراهية وقام وهم بقتل أخيه انتقاماً منه، وهنا يأتي السؤال: لماذا نظر الله إلى هابيل وقربانه وإلى قايين لم ينظر؟ هل لأنه – كما يقول كثير من الشُراح – لأنه قدم من ثمار الأرض ولم يُقدم ذبيحة دموية كما يعتقد البعض؟ ومن أين له الذبيحة إن لم يكن راعياً؟ وهل كان الرب في حاجة إلى أن يروي ظمأه بقطرات دم ذبيحة من هابيل؟ 
أم أنه – كما يقول البعض – ينتظر ذبيحة كفارية عن قايين كما قبلها من هابيل، رغم من أن النص لم يتكلم عن تقدمة عن خطايا ولا كفارة، بل تكلم عن تقدمة شكر وتمجيد لله وهي موجوده في سفر اللاويين بعد ذلك مقننه بتقديم البكور، وهنا نفس ذات الموقف كل واحد فيهما قدم من بكر كل ما صنع، فالراعي قدم من أبكار غنمه وأفضلها، والزارع قدم من أبكار أرضه، بمعنى ان كل واحد قدم من بكر عمل يديه وتعبه ليعلن شكره وتمجيده لله…

وواقع الشرح الأصيل في ضوء وحدة الكتاب المقدس يقول: أن الله لا ينظر للعينين بل ينظر إلى القلب (1صموئيل 16: 7) ولا يُفرق بين إنسان وإنسان بحسب تقدماته له. بل نجد الإجابة واضحة – كما سبق وشرحناها أكثر من مرة وبخاصة في موضوع الذبائح التي شرحته في أكثر من منتدى ولن وضع أجواء كثيرة منه هنا – وهي أن الله قبِلَ ذبيحة هابيل ولم ينظر إلى قايين وقربانه، لأن هابيل قدمها بإيمان وشهد له أنه بار لأن بدون إيمان قلبي واعي لا يُمكن إرضاء الله بأي حال، حتى لو الإنسان قدم ذبائح الدنيا كلها وما فيها متمماً كل الناموس والوصايا حسب الشكل القانوني لها، [ أن جعت فلا أقول لك، لأن لي المسكونة وملأها. هل آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس … أذبح لله حمداً وأوفِ العلي نذورك (عهودك) … وادعني في يوم الضيق أنقذك فتُمجدني ] (أنظر مزمور 50)، وهنا كان تعليم قوي للغاية ليبدأ الله به مع كل إنسان على وجه الأرض للتعليم الصحيح الذي انطلق منه وبدأ يعلم به الإنسان وهو أن كل شيء يُقدم لله يكون من أفضل ما عند الإنسان ومقدم من قلب طاهر ونفس مستنيره بالإيمان الحي العامل بالمحبة، وهذا ما يكشفه هذا الحدث الذي منه أنطلق التعليم في الكتاب المقدس والذي شُرح على مدى أسفاره ليثبت هذه الحقيقية، وممكن الرجوع لهذه الآيات المترابطة معه أشد الارتباط [ 1صموئيل 16: 7 + 1صموئيل 15 + مزمور 5: 12 – 15 + مزمور 51: 16 – 19 + عبرانيين 11: 4، 6 ]


+ عموماً يُخطأ الكثيرين في تناول الكتاب المقدس بالشرح والتفسير انطلاقاً من قبول أو تخصيص إعلان مميز لحقيقة معينة يريدون إثباتها بأية طريقة ممكنة، وهي نية سليمة وليس المقصود بها الابتعاد عن النص، ولكن إثبات فكرة معينة أو إظهار حقيقة معينة، تجعل الشارح يربط آيات لا تتناسب مع بعضها البعض لكي يقنع سامعه أو القارئ له بالفكرة التي يُريد أن يطرحها ويُرسخها في الأذهان، وهذا لكي تكون بذلك مقنعة جداً، وهنا يخرج عن قصد الله في الحدث ويُعطي الحدث بُعداً آخر غير مقصود به تماماً، مع أنه يُريد أن يثبت فكرة صحيحة وليس خاطئة على الإطلاق.

فلا يصح عموماً لأي بحث في الكتاب المقدس في أجزاءه المختلفة ونصوصه المنفصلة، مهما ما كان هاماً بل وغرضه أن يُعلن أمور حقيقية لا غش فيها، أن يلحق الضرر بمعنى القيمة السامية لشهادة الكتاب الموحدة. أو يخرج عن القصد من الآية ويضفي عليها معنى آخر بعيد تماماً عن القصد منها، ففحص الكتاب المقدس بتحيز لأي فكرة أو تأكيد على معنى من وجهة نظر متحيزة تكون بالضرورة غير كاملة ولا تُظهر فكر الله الكامل والغرض من الحدث أو الموقف أو الآية، كما رأينا مثالاً في أول موقف وحدث في الكتاب المقدس وهو تقدمة هابيل وقايين، ومن هُنا نفهم لماذا الكنيسة قسَّمت الآباء لآباء معتبرين وألحقت باسمهم كلمة (الكبير) وآباء غير معتبرين واطلقت عليهم القديس فقط بدون كلمة الكبير، لأن بعضهم لم يلتزم بوحدة الكتاب المقدس بل كان لهم تأملات شخصية مثبته بوحدة الآيات خارج معناها العام مع أن تأملهم ليس فيه خروج عن الإيمان بل يعلن حقائق ولكنها لا تتناسب مع الشرح السليم في وحدة الكتاب المقدس ككل، وهذا يختلف عن الآباء الملتزمين بوحدة النص كما سبق وشرحنا المعنى العام في الكتاب المقدس في وحدته التي تعلن مقاصد الله …

 

وفي الجزء القادم سنتحدث عن الوحي الإلهي والإلهام….
Exit mobile version