تفسير سفر الرؤيا 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث عشر

مقاومة ضد المسيح للكنيسة

في هذا الإصحاح يرى الرسول كيف يحارب التنين الكنيسة خلال الوحشين.

  1. الوحش الأول 1 – 10.
  2. الوحش الثانى 11 – 18.
  3. الوحش الأول

“ثم وقفت على رمل البحر،

فرأيت وحشًا طالعًا من البحر،

له سبعة رؤوس وعشرة قرون،

وعلى قرونه عشرة تيجان،

وعلى رؤوسه اسم تجدي[1].

وقف الرسول على الرمل ليرى منظرًا محزنًا، وحشًا طالعًا من البحر، أي من بين شعوب مضطربة، له نفس أوصاف التنين (12: 3) هذا الوحش الذي هو ضد المسيح[1] في حقيقته يلبسه الشيطان ويعمل به. رسالة هذا ضد المسيح وإكليله هما “التجديف على الله”، وأما أوصافه فهي عبارة عن صورة استعارية تعلن شدة عدائه للحق والكنيسة إذ هو:

  1. “الوحش الذي رأيته كان شبه نمر”. إنه أرقط اللون مشوه بالرذائل، سريع الحركة في اضطهاد الكنيسة، غادِر ليس في قلبه حنان أو رحمة!

2.”وقوائمه كقوائم دب”، أي قوائمه قوية وعنيفة، لا يلين في حربه ضد الكنيسة.

  1. “وفمه كفم أسد”. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [قد تسلح فمه، يقطن فيه سفك الدم، ولا يخرج لسانه شيئًا سوى الافتراس.]
  2. “وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطانه عظيمًا[2].

فكما أعطى الآب كل سلطان للابن، هكذا يتمثل التنين به ليقدم كل قدرته الشيطانية وعرشه الشرير وسلطانه ضد المسيح حتى يأسر الناس ويخدعهم، فيتعبدون له تاركين عبادة الله الحي.

  1. “ورأيت واحدًا من رؤوسه، كأنه مذبوح للموت، وجرحه المميت قد شفي، وتعجبت كل الأرض وراء الوحش[3].

لا يلبث الشيطان أن يستخدم كل وسيلة للخداع. فإذ يرى جراحات الحمل موضوع تسبيح الملائكة والقديسين المنتقلين والمجاهدين. السماء والفردوس والأرض تهتز مترنمة له. لهذا يظهر ضد المسيح كأنه مجروح ليشفيه حتى يتعبد له الناس. وفعلاً انخدع به الكثيرون، إذ سجدوا للتنين خلال ضد المسيح كقول الرائي:

“وسجدوا للتنين الذي أعطى السلطان للوحش،

وسجدوا للوحش قائلين من هو مثل الوحش؟

من يستطيع أن يحاربه[2]؟”

ويتحقق ذلك من خلال ما يهبه الشيطان من قدرة للحديث بالتجاديف في كبرياء وعجرفة، ومن سلطان طول مدة عمله، أي ثلاث سنين ونصف. “وأعطى فمًا يتكلم بعظائم وتجاديف، وأعطى سلطانًا أن يفعل إثنين وأربعين شهرًا. ففتح بالتجديف على الله، ليجدف على إسمه وعلى مسكنه” [5-6]، أي يُجدف على الكنيسة بيت الله، إذ يدخل الكنائس ويدنسها.

“وعلى الساكنين في السماء[6]، أي يجدف على ملائكة الله.

  1. “وأعطى أن يصنع حربًا مع القديسين، ويغلبهم، وأعطى سلطانًا على كل قبيلة ولسان وأمة[7]. أي يصارع المؤمنين ويتعقبهم في كل بلد، وفي كل أمة، وهو يغلبهم من جهة الضيق الجسدي الذي يسقطهم فيه. لكنهم يغلبونه بإيمانهم وثباتهم، عالمين أن أسماءهم مكتوبة في سفر حياة الخروف الذي ذُبح. “فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض، الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذُبح[ 8].

وينطبق عليه قول النبي: “ويفعل… كإرادته ويرتفع ويتعاظم على كل إله، ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة، وينجح إلى إتمام الغضب لأن المقضي به يجري… وبكل إله لا يبالى، لأنه يتعظم على الكل” (دا        11: 36-37). وإذ هي أخبار مؤلمة للغاية يكاد لا يصدقها إنسان من هول ما سيحدث، لهذا يقول: “من له أذنان للسمع فليسمع[9]، موجهًا النداء لكل البشرية حتى لا تنجرف وراءه.

كما يشجع الكنيسة المتألمة ألا تخاف مما يفعله ضد المسيح، إذ يرتد عمله إليه. لأنه “إن كان أحد يجمع سبيًا فإلى السبى يذهب، وإن كان أحد يقتل بالسيف، فينبغي أن يُقتل بالسيف. هنا صبر القديسين وإيمانهم[10].

سيكون جزاء الشخص من نفس عمله كقول الرب (مت 7: 2) وإرميا النبي (15: 2). وهي فرصة ممتعة للصابرين المجاهدين أن يتكلَّلوا مظهرين صدق إيمانهم وثباتهم فيه.

  1. الوحش الثاني

“ثم رأيت وحشًا آخر طالعًا من الأرض،

وكان له قرنان شبه خروف، وكان يتكلم كتنين.

ويعمل بكل سلطان الوحش الأول أمامه،

ويجعل الأرض والساكنين فيها يسجدون للوحش الأول

الذي شفي جرحه المميت[11-12].

ويرى القديس إيريناؤس والعلامة ترتليان وابن العسال وغيرهم أنه النبي الكذاب (مت 24: 24) الذي يتقدم ضد المسيح أو يرافقه، لهذا يسميه القديس إيريناؤس: “حامل سلاح ضد المسيح”.

وهو وضد المسيح واحد يعمل لحسابه وتحت اسمه وبسلطانه. في هذا يقلد الروح القدس فيشهد لضد المسيح. ويفسر الأب هيبوليتس: ]لقد عني بالوحش الطالع من الأرض مملكة الضد للمسيح، والقرنان يرمزان إلى ضد المسيح ومن معه أي النبي الكذاب[3][. أما قوله: “كان يتكلم كتنين” فيعني أنه مخادع، لا يقول الحق.

ويتسم هذا الكذاب بالآتي:

  1. يتظاهر بالوداعة (شبه خروف)، إذ يحاول أن يتشبه بالحمل الحقيقي في لطفه ومحبته، لكن لغته تظهره، إذ يتكلم بلغة شيطانية مخادعة ومفترسة.
  2. يحث الناس على عبادة ضد المسيح ويؤكد هذا بالآيات والغرائب الشيطانية إذ “يصنع آيات عظيمة حتى أنه يجعل نارًا تنزل من السماء على الأرض قدام الناس. ويضل الساكنين على الأرض بالآيات التي أعطى أن يصنعها أمام الوحش، قائلاً للساكنين على الأرض أن يصنعوا صورة للوحش الذي كان به جرح السيف وعاش. وأعطى أن يعطى روحًا لصورة الوحش حتى تتكلم صورة الوحش، ويجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون[13-15].

ويقول القديس إيريناؤس: ]لا يظن أحد أنه يصنع هذه الأعاجيب بقوة إلهية بل بفعل السحر. لا تتعجب من هذا مادامت الشياطين والأرواح المقاومة في خدمته، إذ يصنع بواسطتهم العظائم التي يقود بها سكان الأرض إلى الضلال. [

ويقول الأسقف فيكتوريانوس: ]يفعل السحرة هذه الأمور في أيامنا هذه بمساعدة ملائكة مقاومين. [

إنه سيجعل صورة “ضد المسيح” الرهيبة تبقى في الهيكل في أورشليم، ويدخلها الملاك المقاوم، ويحدث فيها أصواتًا وعجائب. علاوة على هذا فإنه سيقترح على خدامه وأولاده أن يتقبلوا علامة على جباهم وعلى أيديهم اليمنى عليها عدد اسمه.

وقد سبق أن تنبأ دانيال عن استخفافه بالله وهياجه ضده، إذ يقول عنه أنه سيقيم هيكله في السامرة. ويقيم صورة (تمثالاً) على الجبل المقدس في أورشليم كما فعل نبوخذنصّر.

أما بخصوص رجسة الخراب هذه، فينصح الرب كنائسه عن آخر الأزمنة ومخاطرها قائلاً: “فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ليفهم القارىء” (مت 24: 15؛ راجع دا 9: 27). إنها تدعى رجسة خراب بسبب إثارته بالحث على عبادة الأصنام بدلاً من الله، أو بسبب دخول جماعات من الهراطقة في الكنائس، وستوجد انحرافات، إذ ينخدع البعض بالعلامات الكاذبة والتوعدات فيتركون خلاصهم.

  1. “ويجعل الجميع: الصغار والكبار، والأغنياء والفقراء، والأحرار والعبيد، تصنع لهم سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم. وأن لا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا من له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه[16-17]. كما يفتخر أولاد الله بسمات الرب يسوع التي نُختم بها بالروح القدس، هكذا يجعل ضد المسيح لنفسه سمة يروِّجها الوحش الثاني ليختموا بها، وقد قيل عنها:

أ. إنها علامة الاعتزاز بالشر والتجديف على الله، لهذا توضع على الجبهة، وعلامة العنف في الشر ومقاومة أولاد الله لهذا توضع على اليد اليمنى.

ب. يرى القديس مار افرآم السريانى أن ضد المسيح يطبع سمته على جبهة أتباعه أو في يمينهم حتى لا يعودوا يفكرون في رشم علامة الصليب بيمينهم على جبهتهم، وبهذا يضمن بقاء قوته الشريرة فيهم.

ج. يقول القديس هيبوليتس: ]إن هذا يكون بسبب امتلائهم من الخداع، فهم يمجدونه بهذه السمة إمعانًا في مضايقة خدام الله واضطهادهم في العالم، هؤلاء الذين لا يمجدونه ولا يقدمون له بخورًا… فلا يقدر أحد من القديسين أن يشتري أو يبيع ما لم يقدم ذبيحة له، وهذا ما يقصده بالعلامة على اليد اليمنى[4]. [

خاتمة عن عدد الوحش

“هنا الحكمة، من له فهْم فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان.

وعدده ست مئة وستة وستون[ 18].

“هنا الحكمة” أي أن الأمر يحتاج إلى حكمة خاصة، إذ لا تزال حكمة البشر قاصرة عن معرفة الاسم، وفيما يلي بعض الآراء:

  1. رأي ابن العسال: أخفي الله الاسم حتى لا ينتحله أحد الملوك أو أصحاب البدع فيشوِّش النبوات.
  2. الرأي الثاني: يرى كثير من الآباء أنه ذكر عدده، وذلك لمجرد تأكيد حقيقة كونه إنسانًا فعلاً وله اسم ويمكن للإنسان أن يعد اسمه فيجده 666 (في الحروف اليونانيّة واللاتينيّة والقبطيّة لها مدلولات أرقاميّة. كل حرف له رقم معين فإذا جمعنا مدلولات كل حروف الاسم نجد الحاصل بالأرقام هو 666).
  3. الرأى الثالث: قال أحدهم أن اسم ربنا “يسوع” مدلوله بالأرقام هو 888. ورقم 8 كما يقول القديس يوحنا كليماكوس يشير إلى الحياة الدهرية، إذ رقم 7 يشير إلى الحياة الزمنية، واليوم الجديد في الأسبوع التالى هو “8”. لهذا طلب الله في القديم أن يتم الختان في اليوم الثامن، كما تمَّت قيامة الرب في فجر الأحد أي اليوم الثامن، أول الأسبوع الجديد. فعدد الرب “يسوع” 888 أي سماوي بكل تأكيد إلى التمام. ورقم 6 أقل من 7، أي رقم ناقص، إشارة إلى أن الوحش ليس فقط زمنيًا بل ناقص تمام النقص.
  4. رأي القديس إيريناؤس[5] أن رقم 666 يشير إلى أن الوحش يحمل كل صنوف الشر والخداع، وكل قوى المقاومة محبوسة فيه وقد سبق أن رمز له في:

600 سنة كل عمر نوح عندما دمَّر الطوفان العالم بسبب الفساد والشر.

60 ذراعًا طول التمثال الذي أقامه نبوخذنصّر للعبادة (دا 3: 1)، وعرضه 6 أذرع (وبسببه ألقى الثلاثة فتية في أتون النار). فالرقم 666 يحمل معنى غضب الله على البشرية حتى أغرقها، وتحتمل الكنيسة كل ضيقة من أجل الحق.

وهناك رأي آخر للقديس إيريناؤس أنه ربما عدد 666 هو عدد الهرطقات التي تثور منذ ظهور البشرية إلى يوم مجيء الرب، وهي في مجموعها تمثل الضد للمسيح.

لكننا نرى مع نفس هذا القديس أن كثيرين بحثوا وجاءوا بأسماء في اليونانية عددها 666 لكن يليق بهم أن يرجعوا عن أفكارهم هذه، لأنه ليس عملهم أن يتنبأوا إذ ينكشف عند ظهوره، وإنما عليهم أن يحذروا منه ثابتين في الرب.

ويكاد الأب هيبوليتس[6] والأسقف فيكتورينوس وغيرهما أن يأخذوا بهذا الرأي. إذ يقول الأول أن أسماء كثيرة في اليونانية مجموعها 666، لكن كلمة “أنا أدحض” باليونانية مجموعها 666، أي يكفينا أن نعرف أنه سيأتي ناكرًا وداحضًا الإيمان بالسيد المسيح منصبًا نفسه إلهًا.

[1] يؤكد القديس إيريناؤس والعلامة ترتليان وغيرهما من الآباء أن الوحش هو ضد المسيح.

[2] دا 7: 7، 25، 11: 36، يو 10: 33، 2تس 2: 3-9.

[3] A treatise on Christ and antichrist 49.

[4] A treatise on Christ and Antichrist, 49.

[5] St. Ireneaus against Heresies, 28-30.

[6] مقال عن “نهاية العالم…” فصل 28.

تفسير سفر الرؤيا 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

وما معنى قول الكتاب: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش فإنه عدد إنسان، وعدده ست مئة وستة وستون” (رؤيا 13: 18)؟

كانت الحروف الأبجدية تُستعمل كأرقام في الأزمنة القديمة، كما في الحروف الرومانية مثلاً. فلكل حرف أبجدي في اليونانية والعبرية والعربية رقم معين. هكذا، يمكن بسهولة حساب القيمة العددية لأي اسم.

من جهة أخرى، توجد رمزية معينة مرتبطة بالأرقام في الكتاب المقدس. فمثلاً: الأرقام الكاملة هي مثلاً 1 و3 و7 و12 ومضاعفاتها. الرقم واحد يرمز إلى الله والكل؛ والرقم 3 يرمز إلى الثالوث والكمال. الرقم 7 يرمز إلى الكمال، كمال الخليقة، وكمال الخالق. الرقم 40 يرمز إلى الكمال أيضاً. الرقم 8 هو رقم الكمال الأخروي (المتعلق بالآخرة) ورقم فيض الملء (2 أخنوخ 33: 1). إن اليوم السادس، يوم الجمعة، هو يوم التهيئة؛ أما اليوم السابع، يوم السبت، فهو صورة للراحة الأبدية. أما اليوم الثامن، يوم الأحد أو يوم القيامة، فهو التأسيس النهائي لملكوت الله.

تكرار الرقم يعني التأكيد على معناه. فإن كان الرقم 7 هو رقم الكمال ورقم الله، فالرقم 777 هو رقم الثالوث، الكمال الإلهي، والمكافئ العددي لاسم “يسوع” في اليونانية هو 888. وإذا نظرنا إلى الكتاب المقدس نجد أن الرقم 6 هو الرقم القاصر عن الرقم الكامل، الرقم 7. لهذا فالرقم 6 هو رقم عدم الكمال وعدم الملء لأن الرقم 7 هو رقم الكمال والملء. هذا يعني أن الرقم 6 يحاول أن يبدو وكأنه رقم الكمال وهو ليس هكذا. الأمر نفسه ينطبق على الرقم 666.

إنه الرقم الناقص عن رقم الله، رقم الثالوث 777. لهذا يبدو الرقم 666 أنه الرقم الشبيه بالإلهي وهو ليس هكذا، فهو الرقم الإلهي الكاذب، الرقم الذي يدّعي شكل الألوهة وليس له فيها بشيء. وبما أن ضد المسيح هو مَن يبدو مثل المسيح رغم أنه ضده وعكسه، هكذا الرقم معنى 666، فهو يبدو أنه الرقم 777 ولكنه ضده وعكسه. ولهذا يكون الرقم 666 رقم ضد المسيح. فالرقم 6 هو قاصر عن الرقم 7 (الرقم الكامل)، وبالتالي معنى 666 هو الفشل ثلاث مرات، أي الفشل المطلق، لأنه الفشل ثلاث مرات في الوصول إلى المطلق الذي هو الثالوث (777).

إذا عدنا إلى سفر الرؤيا 13 نجد أن يوحنا يذكر وحشاً يصنع آيات ليضلّ الساكنين على الأرض. ويقول: “لا يقدر أحدٌ أن يشتري أو يبيع إلا مَن له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه” (رؤيا 13: 17). ويضيف قائلاً: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان، وعدده ستمئة وستة وستون” (رؤيا 17: 18).

يوحنا يصف لنا الوحش وأفعاله ونتائج أفعاله على المؤمنين. ومن ثم يقدّم لنا فكرة عن هويّة الوحش. من نص سفر الرؤيا نجد يوحنا مهتماً بنقطتين رئيستين. الأولى: أن الوحش سيضلّ الساكنين على الأرض ليُبعدهم عن يسوع المسيح. هذا سيتمّ بطرق عديدة مثل الآيات والتعاليم والقيود التي سيفرضها هذا الوحش بأشكال كثيرة. النقطة الثانية متعلقة بهوية الوحش. يوحنا يقول أن للوحش اسماً وعدداً لاسمه.

من الطبيعي أن يتوقع يوحنا أن القارئ سيتوق لمعرفة اسم الوحش أو هويته ليأخذ حذره منه. لكن يوحنا لا يذكر اسماً للوحش، بل يقول: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش”. إذاً عدد الوحش سيدلّ على هويته. لماذا لي يذكر يوحنا اسم الوحش، ولماذا يتطلب حساب عدد الوحش حكمة؟

من الواضح أن يوحنا لا يريد ذكر اسم الوحش لسببٍ وجيه. لا يريد يوحنا أن يحصر الوحش باسمٍ معين لئلا يفترض القارئ أن هذا الاسم هو الوحش وعداه ليس بوحشٍ وبالتالي لا يأخذ القارئ حذره سوى من صاحب الاسم المعين. هذا بالضبط ما يريد يوحنا تجنّبه. يوحنا ذكر أعمال الوحش وشروره بطريقة قد تنطبق على أكثر من اسم وعلى أكثر من عدو للمسيح وللمسيحيين. لهذا السبب لا يريد يوحنا من القارئ أن يفترض أن صاحب الاسم (لو ذُكر) هو وحده الشرير. على المسيحي، كل مسيحي، أن يكون حذراً يقظاً، حكيماً وساهراً، لأنه لا يعرف من أين تأتي التجربة وكيف تأتي. الجهاد الروحي يتطلب اليقظة الدائمة في كل مكان وزمان.

يوحنا لم يشأ ذكر اسم الوحش لكنه لم يحجب عن القارئ طريقة معرفة هذا الوحش. هذه المعرفة تتطلب حكمة وفهماً. مَن له الحكمة والمعرفة فليحسب عدد الوحش. عدد الوحش هو عدد اسمه كما ذكر يوحنا. هذا العدد، يقول يوحنا، هو “عدد إنسان”. إذاً: لا يتكلم يوحنا هنا عن الصراع مع الشيطان وملائكته كما سبق لبولس أن ذكر هذا (أفسس 6: 12). يوحنا هنا يتكلم عن “إنسان” سيضطهد المسيحيين بأشكال شتى.

لهذا الوحش “عدد إنسان”. بالطبع مصارعتنا الحقيقية هي “مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أفسس 6: 12)، لكن هذه المصارعة ستكون عن طريق وسطاء بشرٍ يلعبون دور الشرير فيكونون أدواته ووحوشه. مَن هو هذا الوسيط الشرير والمتوحش؟ هل هو إنسان معين؟ هل هو مجموعة من البشر؟ يوحنا لم يذكر اسماً معيناً كي لا يحصر عدو المسيح بهذا الاسم كما أسلفنا. لكنه يريدنا أن نعرف هوية الوحش أو على الأقل ملامحه. الطريقة التي أرادنا يوحنا (أو الوحي الإلهي)، نعرف بها هوية الوحش هي بحساب عدد اسمه وعدده هو 666.

عندما نأتي إلى ذكر عدد معين في الكتاب المقدس، علينا أن نتذكر رمزية الأعداد كما ذكرنا سابقاً. لأن يوحنا يفترض من القارئ أن يكون مُلمَّاً بهذه الرمزية لكي يفهم معنى عدد معين. هذه الرمزية تعني أن عدد اسم الوحش هو 666: أي سيكون الوحش إنساناً يدّعي الألوهة أو يتظاهر بها أو يحول أن يكون مسيحاً آخر كي يضل كثيرين. هذا الوحش – الإنسان سيحاول أن يبدو مثل الله أو مثل المسيح(13) (كما ينقص العدد 666 عن عدد الألوهة الحقيقية 777).

لو ذكر يوحنا اسماً معيناً لهذا الوحش، لكانت هويته محصورة في هذا الشخص المذكور. أما إن كان هذا “الوحش – الإنسان” يحمل عدداً معيناً لا اسماً خاصاً به، فإن أكثر من شخص في التاريخ البشري قد ينطبق عليه هذا العدد. يوحنا كان عالماً أن القارئ سيصل إلى أكثر من استنتاج متعلق بهوية هذا الوحش. لهذا قال: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان، وعدده ستمئة وستة وستون” (رؤ 17: 18).

أي أن المقصود إنسانٌ ما (“عدد إنسان”)، هذا الإنسان يحمل عدداً معيناً (666) مما يعني أن هذا الإنسان سيضلّ ويضطهد الكثيرين، وسيكون عظيماً في القوة والشر، وسيصنع آيات ليضلّ المؤمنين. بما أن هذا الوصف ينطبق على أكثر من شخصية تاريخية لعبت هذا الدور وكانت لها هذه المواصفات، فإن العدد 666 ينطبق ويعني أكثر من إنسان معين.

لأن المهم بنظر يوحنا أن يكون المسيحي يقظاً تجاه أعدائه جميعاً لا تجاه عدو واحد معين. من هنا نفهم تحذير يوحنا عندما قال: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش”. أي: لا أريد أن أحصر هوية الوحش بشخصية واحدة معينة. المهم ليس الشخصية بل الدور الذي يلعبه هذا الوحش. لنتذكر أن الوحش هو أداة للشيطان. فالأهم هو الشيطان الذي يقف خلفه. أي إنسان يلعب دور هذا الوحش يكون هو الوحش، كما أن أي إنسان يلعب دور “ضد المسيح” يكون هو “ضد المسيح”. وبقوله “فليحسب عدد الوحش” يريد يوحنا من هذا أن يكون للقارئ دور المسيحي اليقظ الذي يميّز الخير من الشر بصورة فاعلة لا منفعلة.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا: على مَن ينطبق هذا العدد 666؟ بالطبع حساب اسم من رقم معين أمر شائع أيام يوحنا. من هنا نفهم المحاولات العديدة لاستنتاج اسم هذا الوحش. لكنها كلها لم تُفضِ إلى نتيجة مُقنعة. فالتنين والوحش هما رمز الإمبرطورية الرومانية، فمن البديهي أن يفترض الناس أن العدد 666 هو رمز لشخصية رومانية مهمّة اضطهدت المسيحين. اسم نيرون قيصر المترجم حرفياً من اليونانية إلى العبرية هو بالضبط 666. ربما لم يقصد يوحنا نيرون لكن ليس من المستبعد أن يكون المقصود من هذا العدد إمبرطوراً رومانياً(14).

بحسب تخمين القديس إيريناوس، فإن عدد الوحش 666 مشكَّل من جمع القيمة العديدة لحروف اسم “لاتينوس” أو “تيتان”. البعض وجد رقم الوحش في اسم جوليان الجاحد، والبعض الآخر في لقب بابا روما (Vicarius Filii Dei). آخرون رأوا الرقم في اسم نابوليون، الخ. حتى ضمن الكنيسة الأرثوذكسية حاول البعض أن يربط هذا العدد بأسماء خصومهم من البطاركة والمطارنة. بالطبع يمكن التوقع بسهولة أن يُساء فهم هذا النص، لأن النص نفسه يقول إنه يتطلب حكمة وفهماً. لهذا السبب فإن الآباء الذين عالجوا هذا النص من سفر الرؤيا متفقون على النقاط التالية:

أولاً: في هذا الوحش توجد خلاصة مصنوعة من كل نوعٍ من الإثم والخداع (القديس إيريناوس)، لهذا يحمل اسمه 666.

ثانياً: توجد أسماء كثيرة تحمل الرقم 666 (القديس إيريناوس).

ثالثاً: بسبب هذا، من الأفضل عدم المجازفة وإعلان اسم الوحش بصورة مؤكدة على أنه اسم ضد المسيح؛ لأنه لو كان ضرورياً أن يُكشف اسمه بدون ريب في هذا العصر الحاضر، لكان قد أُعلن من قبل الذي عاين الرؤيا النبوية (القديس إيريناوس والقديس أندراوس أسقف قيصرية).

في الختام سأورد اقتباسين آبائيين يتعلقان بالنص المذكور. الأول من القديس إيريناوس أسقف ليون حيث يقول معلقاً على هذا النص:

“عندما يأتي هذا الوحش توجد فيه خلاصة مصنوعة من كل نوع من الإثم والخداع، لكي تُرسل كل قوة الارتداد، المتدفقة فيه والمحتجزة في داخله، إلى أتون النار. لهذا سيملك اسمه وبصورة مناسبة الرقم 666، لأنه يلخّص في شخصه مزيج الإثم كله الذي حدث سابقاً للطوفان، بسبب ارتداد الملائكة. لأن نوح كان بعمر 600 سنة عندما أتى الطوفان على الأرض، جارفاً العالم المتمرّد، بسبب ذلك الجيل الأسوأ سمعة الذي عاش في أيام نوح. و[ضد المسيح] أيضاً يلخّص كل ضلالة للأوثان المخترعة منذ الطوفان، سوية مع ذبح الأنبياء وقطع الأبرار…”.

“لهذا من المؤكد أكثر والأقل مجازفة أن ننتظر تحقيق النبوة من أن نعقد تخمينات وحسابات حول أي اسم من الأسماء التي قد تطرح نفسها، بمقدار ما توجد أسماء تمتلك الرقم المذكور؛ ويبقى السؤال نفسه بعد كل شيء غير مجاوب عليه. لأنه إن وجدت أسماء كثيرة تمتلك هذا العدد، سيُسأل أي أسم منها سيحمل الإنسان القادم. لا أقول هذا بسبب نقص في الأسماء التي تحتوي على رقم ذلك الاسم، بل بسبب خوف الله، والغيرة على الحقيقة.

لأن اسم Euanthas يحتوي على العدد المطلوب، لكنني لا أقوم بادعاء شيء بخصوصه. أيضاً اسم Lateinos فيه العدد 666…. اسم Teitan (حيث يُكتب المقطع الأول بحرفين يونانيين صوتيين) أيضاً، من بين الأسماء كلها الموجودة بيننا، بالحري جدير بالتصديق. لأن فيه الرقم المتنبأ به وهو مؤلَّف من ستة حروف، كل مقطع يحتوي على ثلاثة أحرف؛ و[الكلمة نفسها] قديمة وقد اُستبعدت من الاستعمال العادي؛ لأنه من بين ملوكنا لا نجد أحداً يحمل هذا الاسم تيتان، ولا (نجد) هذه التسمية بين أي من الأوثان المعبودة في الأماكن العامة بين اليونان والبربر.

من بين الأشخاص الآخرين أيضاً اُعتبر هذا الاسم إلهياً بحيث حتى الشمس قد دُعيت “تيتان” من قبل الذين يملكون الآن [الحكم]…. إذاً بمقدار ما لهذا من الكثير بحيث يُنصح به، فإنه توجد درجة قوية من الاحتمال لأن نستدل أن [ضد المسيح] سيُدعى ربما “تيتان” من بين أسماء أخرى مقترحة. إلا أننا لن نجلب على أنفسنا المجازفة بإعلانه بصورة مؤكدة على أنه اسم ضد المسيح؛ لأنه لو كان ضرورياً أن يُكشف اسمه بدون ريب في هذا العصر الحاضر، لكان قد أُعلن من قبل الذي عاين الرؤية النبوية”. (ضد الهرطقات: 5: 30-33).

الاقتباس الثاني من القديس أندراوس أسقف قيصرية ويقول فيه:

“بالنسبة ليقظة الذهن، فإن الزمان والخبرة سيكشفان الأهمية العملية للعدد وحقيقة أي شيء كُتب عنه. فلو كان ضرورياً، كما يقول بعض المعلِّمون، أن يُعرف هذا الاسم بوضوح لكان الرائي [يوحنا] قد كشفه. لكن النعمة الإلهية لم تمسح أن يُدوَّن اسم المخرِّب في الكتاب الإلهي”. (التعليق على سفر الرؤيا 13: 18). والتسبيح لله دائماً. (د. عدنان طرابلسي)

“الإيمان درع يحمي الذين يؤمنون بدون بحث فضولي عن كيف ولماذا. عندما توجد سفسطات وقياسات وأسئلة، عندئذ لن يتقوّى الإيمان بل يرتد” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“أيها الرسول المتكلم باللاهوت حبيب المسيح الإله، أسرعْ وأنقدْ شعباً عادم الحجّة، لأن الذي تنازل أن تتكئ على صدره يقبلك متوسلاً، فإليه ابتهل أن بيدّد سحابة الأمم المعاندة، طالباً لنا السلامة والرحمة العظمى” (طروبارية عيد القديس يوحنا الإنجيلي اللاهوتي)

(13) هذا يذكّرنا بهيرودس الذي حاول أن يبدو إلهاً بنظر الشعب الصارخ: “هذا صوت إله لا صوت إنسان. ففي الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله” (أعمال 12: 22-23)

(14) المكافئ العددي لاسم “نيرون قيصر” المترجم حرفياً من اللاتينية إلى العبرية هو 616. توجد بعض المخطوطات الإنجيلية التي تذكر العدد 616 بدلاً من 666.

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

Exit mobile version