ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

وما معنى قول الكتاب: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش فإنه عدد إنسان، وعدده ست مئة وستة وستون” (رؤيا 13: 18)؟

كانت الحروف الأبجدية تُستعمل كأرقام في الأزمنة القديمة، كما في الحروف الرومانية مثلاً. فلكل حرف أبجدي في اليونانية والعبرية والعربية رقم معين. هكذا، يمكن بسهولة حساب القيمة العددية لأي اسم.

من جهة أخرى، توجد رمزية معينة مرتبطة بالأرقام في الكتاب المقدس. فمثلاً: الأرقام الكاملة هي مثلاً 1 و3 و7 و12 ومضاعفاتها. الرقم واحد يرمز إلى الله والكل؛ والرقم 3 يرمز إلى الثالوث والكمال. الرقم 7 يرمز إلى الكمال، كمال الخليقة، وكمال الخالق. الرقم 40 يرمز إلى الكمال أيضاً. الرقم 8 هو رقم الكمال الأخروي (المتعلق بالآخرة) ورقم فيض الملء (2 أخنوخ 33: 1). إن اليوم السادس، يوم الجمعة، هو يوم التهيئة؛ أما اليوم السابع، يوم السبت، فهو صورة للراحة الأبدية. أما اليوم الثامن، يوم الأحد أو يوم القيامة، فهو التأسيس النهائي لملكوت الله.

تكرار الرقم يعني التأكيد على معناه. فإن كان الرقم 7 هو رقم الكمال ورقم الله، فالرقم 777 هو رقم الثالوث، الكمال الإلهي، والمكافئ العددي لاسم “يسوع” في اليونانية هو 888. وإذا نظرنا إلى الكتاب المقدس نجد أن الرقم 6 هو الرقم القاصر عن الرقم الكامل، الرقم 7. لهذا فالرقم 6 هو رقم عدم الكمال وعدم الملء لأن الرقم 7 هو رقم الكمال والملء. هذا يعني أن الرقم 6 يحاول أن يبدو وكأنه رقم الكمال وهو ليس هكذا. الأمر نفسه ينطبق على الرقم 666.

إنه الرقم الناقص عن رقم الله، رقم الثالوث 777. لهذا يبدو الرقم 666 أنه الرقم الشبيه بالإلهي وهو ليس هكذا، فهو الرقم الإلهي الكاذب، الرقم الذي يدّعي شكل الألوهة وليس له فيها بشيء. وبما أن ضد المسيح هو مَن يبدو مثل المسيح رغم أنه ضده وعكسه، هكذا الرقم معنى 666، فهو يبدو أنه الرقم 777 ولكنه ضده وعكسه. ولهذا يكون الرقم 666 رقم ضد المسيح. فالرقم 6 هو قاصر عن الرقم 7 (الرقم الكامل)، وبالتالي معنى 666 هو الفشل ثلاث مرات، أي الفشل المطلق، لأنه الفشل ثلاث مرات في الوصول إلى المطلق الذي هو الثالوث (777).

إذا عدنا إلى سفر الرؤيا 13 نجد أن يوحنا يذكر وحشاً يصنع آيات ليضلّ الساكنين على الأرض. ويقول: “لا يقدر أحدٌ أن يشتري أو يبيع إلا مَن له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه” (رؤيا 13: 17). ويضيف قائلاً: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان، وعدده ستمئة وستة وستون” (رؤيا 17: 18).

يوحنا يصف لنا الوحش وأفعاله ونتائج أفعاله على المؤمنين. ومن ثم يقدّم لنا فكرة عن هويّة الوحش. من نص سفر الرؤيا نجد يوحنا مهتماً بنقطتين رئيستين. الأولى: أن الوحش سيضلّ الساكنين على الأرض ليُبعدهم عن يسوع المسيح. هذا سيتمّ بطرق عديدة مثل الآيات والتعاليم والقيود التي سيفرضها هذا الوحش بأشكال كثيرة. النقطة الثانية متعلقة بهوية الوحش. يوحنا يقول أن للوحش اسماً وعدداً لاسمه.

من الطبيعي أن يتوقع يوحنا أن القارئ سيتوق لمعرفة اسم الوحش أو هويته ليأخذ حذره منه. لكن يوحنا لا يذكر اسماً للوحش، بل يقول: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش”. إذاً عدد الوحش سيدلّ على هويته. لماذا لي يذكر يوحنا اسم الوحش، ولماذا يتطلب حساب عدد الوحش حكمة؟

من الواضح أن يوحنا لا يريد ذكر اسم الوحش لسببٍ وجيه. لا يريد يوحنا أن يحصر الوحش باسمٍ معين لئلا يفترض القارئ أن هذا الاسم هو الوحش وعداه ليس بوحشٍ وبالتالي لا يأخذ القارئ حذره سوى من صاحب الاسم المعين. هذا بالضبط ما يريد يوحنا تجنّبه. يوحنا ذكر أعمال الوحش وشروره بطريقة قد تنطبق على أكثر من اسم وعلى أكثر من عدو للمسيح وللمسيحيين. لهذا السبب لا يريد يوحنا من القارئ أن يفترض أن صاحب الاسم (لو ذُكر) هو وحده الشرير. على المسيحي، كل مسيحي، أن يكون حذراً يقظاً، حكيماً وساهراً، لأنه لا يعرف من أين تأتي التجربة وكيف تأتي. الجهاد الروحي يتطلب اليقظة الدائمة في كل مكان وزمان.

يوحنا لم يشأ ذكر اسم الوحش لكنه لم يحجب عن القارئ طريقة معرفة هذا الوحش. هذه المعرفة تتطلب حكمة وفهماً. مَن له الحكمة والمعرفة فليحسب عدد الوحش. عدد الوحش هو عدد اسمه كما ذكر يوحنا. هذا العدد، يقول يوحنا، هو “عدد إنسان”. إذاً: لا يتكلم يوحنا هنا عن الصراع مع الشيطان وملائكته كما سبق لبولس أن ذكر هذا (أفسس 6: 12). يوحنا هنا يتكلم عن “إنسان” سيضطهد المسيحيين بأشكال شتى.

لهذا الوحش “عدد إنسان”. بالطبع مصارعتنا الحقيقية هي “مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أفسس 6: 12)، لكن هذه المصارعة ستكون عن طريق وسطاء بشرٍ يلعبون دور الشرير فيكونون أدواته ووحوشه. مَن هو هذا الوسيط الشرير والمتوحش؟ هل هو إنسان معين؟ هل هو مجموعة من البشر؟ يوحنا لم يذكر اسماً معيناً كي لا يحصر عدو المسيح بهذا الاسم كما أسلفنا. لكنه يريدنا أن نعرف هوية الوحش أو على الأقل ملامحه. الطريقة التي أرادنا يوحنا (أو الوحي الإلهي)، نعرف بها هوية الوحش هي بحساب عدد اسمه وعدده هو 666.

عندما نأتي إلى ذكر عدد معين في الكتاب المقدس، علينا أن نتذكر رمزية الأعداد كما ذكرنا سابقاً. لأن يوحنا يفترض من القارئ أن يكون مُلمَّاً بهذه الرمزية لكي يفهم معنى عدد معين. هذه الرمزية تعني أن عدد اسم الوحش هو 666: أي سيكون الوحش إنساناً يدّعي الألوهة أو يتظاهر بها أو يحول أن يكون مسيحاً آخر كي يضل كثيرين. هذا الوحش – الإنسان سيحاول أن يبدو مثل الله أو مثل المسيح(13) (كما ينقص العدد 666 عن عدد الألوهة الحقيقية 777).

لو ذكر يوحنا اسماً معيناً لهذا الوحش، لكانت هويته محصورة في هذا الشخص المذكور. أما إن كان هذا “الوحش – الإنسان” يحمل عدداً معيناً لا اسماً خاصاً به، فإن أكثر من شخص في التاريخ البشري قد ينطبق عليه هذا العدد. يوحنا كان عالماً أن القارئ سيصل إلى أكثر من استنتاج متعلق بهوية هذا الوحش. لهذا قال: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان، وعدده ستمئة وستة وستون” (رؤ 17: 18).

أي أن المقصود إنسانٌ ما (“عدد إنسان”)، هذا الإنسان يحمل عدداً معيناً (666) مما يعني أن هذا الإنسان سيضلّ ويضطهد الكثيرين، وسيكون عظيماً في القوة والشر، وسيصنع آيات ليضلّ المؤمنين. بما أن هذا الوصف ينطبق على أكثر من شخصية تاريخية لعبت هذا الدور وكانت لها هذه المواصفات، فإن العدد 666 ينطبق ويعني أكثر من إنسان معين.

لأن المهم بنظر يوحنا أن يكون المسيحي يقظاً تجاه أعدائه جميعاً لا تجاه عدو واحد معين. من هنا نفهم تحذير يوحنا عندما قال: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش”. أي: لا أريد أن أحصر هوية الوحش بشخصية واحدة معينة. المهم ليس الشخصية بل الدور الذي يلعبه هذا الوحش. لنتذكر أن الوحش هو أداة للشيطان. فالأهم هو الشيطان الذي يقف خلفه. أي إنسان يلعب دور هذا الوحش يكون هو الوحش، كما أن أي إنسان يلعب دور “ضد المسيح” يكون هو “ضد المسيح”. وبقوله “فليحسب عدد الوحش” يريد يوحنا من هذا أن يكون للقارئ دور المسيحي اليقظ الذي يميّز الخير من الشر بصورة فاعلة لا منفعلة.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا: على مَن ينطبق هذا العدد 666؟ بالطبع حساب اسم من رقم معين أمر شائع أيام يوحنا. من هنا نفهم المحاولات العديدة لاستنتاج اسم هذا الوحش. لكنها كلها لم تُفضِ إلى نتيجة مُقنعة. فالتنين والوحش هما رمز الإمبرطورية الرومانية، فمن البديهي أن يفترض الناس أن العدد 666 هو رمز لشخصية رومانية مهمّة اضطهدت المسيحين. اسم نيرون قيصر المترجم حرفياً من اليونانية إلى العبرية هو بالضبط 666. ربما لم يقصد يوحنا نيرون لكن ليس من المستبعد أن يكون المقصود من هذا العدد إمبرطوراً رومانياً(14).

بحسب تخمين القديس إيريناوس، فإن عدد الوحش 666 مشكَّل من جمع القيمة العديدة لحروف اسم “لاتينوس” أو “تيتان”. البعض وجد رقم الوحش في اسم جوليان الجاحد، والبعض الآخر في لقب بابا روما (Vicarius Filii Dei). آخرون رأوا الرقم في اسم نابوليون، الخ. حتى ضمن الكنيسة الأرثوذكسية حاول البعض أن يربط هذا العدد بأسماء خصومهم من البطاركة والمطارنة. بالطبع يمكن التوقع بسهولة أن يُساء فهم هذا النص، لأن النص نفسه يقول إنه يتطلب حكمة وفهماً. لهذا السبب فإن الآباء الذين عالجوا هذا النص من سفر الرؤيا متفقون على النقاط التالية:

أولاً: في هذا الوحش توجد خلاصة مصنوعة من كل نوعٍ من الإثم والخداع (القديس إيريناوس)، لهذا يحمل اسمه 666.

ثانياً: توجد أسماء كثيرة تحمل الرقم 666 (القديس إيريناوس).

ثالثاً: بسبب هذا، من الأفضل عدم المجازفة وإعلان اسم الوحش بصورة مؤكدة على أنه اسم ضد المسيح؛ لأنه لو كان ضرورياً أن يُكشف اسمه بدون ريب في هذا العصر الحاضر، لكان قد أُعلن من قبل الذي عاين الرؤيا النبوية (القديس إيريناوس والقديس أندراوس أسقف قيصرية).

في الختام سأورد اقتباسين آبائيين يتعلقان بالنص المذكور. الأول من القديس إيريناوس أسقف ليون حيث يقول معلقاً على هذا النص:

“عندما يأتي هذا الوحش توجد فيه خلاصة مصنوعة من كل نوع من الإثم والخداع، لكي تُرسل كل قوة الارتداد، المتدفقة فيه والمحتجزة في داخله، إلى أتون النار. لهذا سيملك اسمه وبصورة مناسبة الرقم 666، لأنه يلخّص في شخصه مزيج الإثم كله الذي حدث سابقاً للطوفان، بسبب ارتداد الملائكة. لأن نوح كان بعمر 600 سنة عندما أتى الطوفان على الأرض، جارفاً العالم المتمرّد، بسبب ذلك الجيل الأسوأ سمعة الذي عاش في أيام نوح. و[ضد المسيح] أيضاً يلخّص كل ضلالة للأوثان المخترعة منذ الطوفان، سوية مع ذبح الأنبياء وقطع الأبرار…”.

“لهذا من المؤكد أكثر والأقل مجازفة أن ننتظر تحقيق النبوة من أن نعقد تخمينات وحسابات حول أي اسم من الأسماء التي قد تطرح نفسها، بمقدار ما توجد أسماء تمتلك الرقم المذكور؛ ويبقى السؤال نفسه بعد كل شيء غير مجاوب عليه. لأنه إن وجدت أسماء كثيرة تمتلك هذا العدد، سيُسأل أي أسم منها سيحمل الإنسان القادم. لا أقول هذا بسبب نقص في الأسماء التي تحتوي على رقم ذلك الاسم، بل بسبب خوف الله، والغيرة على الحقيقة.

لأن اسم Euanthas يحتوي على العدد المطلوب، لكنني لا أقوم بادعاء شيء بخصوصه. أيضاً اسم Lateinos فيه العدد 666…. اسم Teitan (حيث يُكتب المقطع الأول بحرفين يونانيين صوتيين) أيضاً، من بين الأسماء كلها الموجودة بيننا، بالحري جدير بالتصديق. لأن فيه الرقم المتنبأ به وهو مؤلَّف من ستة حروف، كل مقطع يحتوي على ثلاثة أحرف؛ و[الكلمة نفسها] قديمة وقد اُستبعدت من الاستعمال العادي؛ لأنه من بين ملوكنا لا نجد أحداً يحمل هذا الاسم تيتان، ولا (نجد) هذه التسمية بين أي من الأوثان المعبودة في الأماكن العامة بين اليونان والبربر.

من بين الأشخاص الآخرين أيضاً اُعتبر هذا الاسم إلهياً بحيث حتى الشمس قد دُعيت “تيتان” من قبل الذين يملكون الآن [الحكم]…. إذاً بمقدار ما لهذا من الكثير بحيث يُنصح به، فإنه توجد درجة قوية من الاحتمال لأن نستدل أن [ضد المسيح] سيُدعى ربما “تيتان” من بين أسماء أخرى مقترحة. إلا أننا لن نجلب على أنفسنا المجازفة بإعلانه بصورة مؤكدة على أنه اسم ضد المسيح؛ لأنه لو كان ضرورياً أن يُكشف اسمه بدون ريب في هذا العصر الحاضر، لكان قد أُعلن من قبل الذي عاين الرؤية النبوية”. (ضد الهرطقات: 5: 30-33).

الاقتباس الثاني من القديس أندراوس أسقف قيصرية ويقول فيه:

“بالنسبة ليقظة الذهن، فإن الزمان والخبرة سيكشفان الأهمية العملية للعدد وحقيقة أي شيء كُتب عنه. فلو كان ضرورياً، كما يقول بعض المعلِّمون، أن يُعرف هذا الاسم بوضوح لكان الرائي [يوحنا] قد كشفه. لكن النعمة الإلهية لم تمسح أن يُدوَّن اسم المخرِّب في الكتاب الإلهي”. (التعليق على سفر الرؤيا 13: 18). والتسبيح لله دائماً. (د. عدنان طرابلسي)

“الإيمان درع يحمي الذين يؤمنون بدون بحث فضولي عن كيف ولماذا. عندما توجد سفسطات وقياسات وأسئلة، عندئذ لن يتقوّى الإيمان بل يرتد” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“أيها الرسول المتكلم باللاهوت حبيب المسيح الإله، أسرعْ وأنقدْ شعباً عادم الحجّة، لأن الذي تنازل أن تتكئ على صدره يقبلك متوسلاً، فإليه ابتهل أن بيدّد سحابة الأمم المعاندة، طالباً لنا السلامة والرحمة العظمى” (طروبارية عيد القديس يوحنا الإنجيلي اللاهوتي)

(13) هذا يذكّرنا بهيرودس الذي حاول أن يبدو إلهاً بنظر الشعب الصارخ: “هذا صوت إله لا صوت إنسان. ففي الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله” (أعمال 12: 22-23)

(14) المكافئ العددي لاسم “نيرون قيصر” المترجم حرفياً من اللاتينية إلى العبرية هو 616. توجد بعض المخطوطات الإنجيلية التي تذكر العدد 616 بدلاً من 666.

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

الخلاف بين بولس الرسول وبطرس ويعقوب الرسولان

الخلاف بين بولس الرسول وبطرس ويعقوب الرسولان

الخلاف بين بولس الرسول وبطرس ويعقوب الرسولان

هل توجد أدلة تاريخية على وجود خلافات مهمّة بين بولس الرسول من جهة وبين بطرس ويعقوب من جهة أخرى؟  وهل توجد أدلة تُظهر أن يعقوب الرسول أو بطرس الرسول قد خانا إنجيل المسيح أو حرفّاه بصورة دفعت الكنيسة المسيحية لاتخاذ موقفٍ منها؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لابدّ من الإشارة إلى الخلاف الذي يمكن أن يخطر بالبال بين القدّيس الرسول بولس من جهة، والقدّيسين بطرس ويعقوب الرسولين من جهة ثانية. ففي رسالة غلاطية، الإصحاح الثاني، حديث عن موجهة حصلت بين الرسول بولس والرسول بطرس في شأن مؤاكلة الأمم (غلا 2: 12). فإنّ بطرس، وفق كلام بولس، وهو في أنطاكية، قبلما حضر قوم من عند يعقوب، كان يأكل مع الأمم، فلما أتوا أخذ يؤخِّر ويُفرز نفسه خائفاً من الذين هم من الختان.

الكلام هو على المسيحيّين الذين كانوا من اليهود وتمسّكوا بالختان وشريعة موسى وقالوا عن الأمم المقبلين إلى المسيح أنّه يجب أن يخضعوا للختان والشريعة معاً. هؤلاء كانوا، في ذلك الوقت، يرفضون الخلطة بالأمم أو مؤاكلتهم، على غرار اليهود عامة، قبل أن يختتنوا ويقبلوا شريعة موسى. وقد اعتبر بولس عمل بطرش ضرباً من الرياء (غلا 2: 13) وقاومه مواجهة (غلا 2: 11)، كما اعتبره إلزاماً للأمم بأن يتهودوا (غلا 2: 14) رغم أنّ بطرس كان، وهو اليهودي، يعيش أممياً.

ظروف هذه الحادثة ودواعيها غير واضحة. والظنّ أنّ بطرس ويعقوب كانا من المتهوّدين المتمسّكين بالختان في غير محلّه، فإنّ بطرس، بناء لرؤيا (أع 10) دخل إلى بيت كرنيليوس، قائد المئة، الأممي، وصرّح لدى مَن كانوا في البيت: “أنتم تعلمون كيف هو محرّم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه. وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما إنّه دنس أو نجس. فلذلك جئت من دون مناقضة إذ استدعيتموني” (أع 10: 28-29).

فلما صعد بطرس إلى أورشليم خاصمه الذين من أهل الختان (أع 11: 2) “قائلين إنّك دخلت إلى رجال ذوي غلفة وأكلت معهم” (أع 11: 3). إذ ذاك أطلعهم بطرس أنّ الربّ الإله قَبل الأمم ونزل عليهم الروح (أع 11: 15). ثمّ أردف: “أن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضاً بالسويّة مؤمنين بالربّ يسوع المسيح فمّن أنا. أقادر أن أمنع الله (أع 11: 17). فلما سمع الذين من أهل الختان ذلك سكتوا ومجّدوا الله (أع 11: 18).

إلى ذلك موقف بطرس ويعقوب في اجتماع الرسل والمشايخ في سفر أعمال الرسل، الأصحاح 15، واضح صريح مميَّز عن موقف المتهوّدين القائلين بأن على الذين من الأمم أن يختتنوا ويحفظوا الناموس (أع 15: 24).

كتابياً، إذاً لا دليل على أنّه كان في المبدأ أي خلاف في النظرة إلى الذين من الأمم بين بولس الرسول من جهة وبطرس ويعقوب من جهة أخرى.

ثمّ إنّه بحثنا عن أدلّة تاريخية تدعم القول بأنّه كان هناك خلاف في هذا الشأن لما وجدنا. فإنّ موقف الآباء القدّيسين والمعلّمين الأوائل من الرسل الثلاثة لم تعتروها شائبة. القدّيس أغناطيوس الأنطاكي (+ 105 م) يتحدث عن بطرس وبولس بإكبار كرسولَين (ANF. 1. P 75). والقدّيس إيريناوس الليّوني (+ 180 م) يتكلّم على كنيسة رومية بأنّ مَن أسّسها ونظّمها كان الرسولان المجيدان بطرس وبولس (ANF. 1. P. 415).

والمعلم ترتوليانوس (+197 م) يشير إلى أنّ بطرس الرسول لما أفرز نفسه عن الأمم في أنطاكية، في الحادثة التي ذكرها بولس الرسول، كان ذلك خطأ في أسلوب العيش ولم يكن خطأ في التعليم والكرازة (ANF. 3. P. 254). ويؤكد ترتوليانوس أنّ بطرس وبولس متساويان من جهة مجد الشهادة (ANF. 3. P. 254) أما يعقوب فتقول فيه القوانين الرسولية (390 م) بأنّه بورك من الله وأكرمه القدّيسون، وقد كان نقياً (ANF. 7. P. 442). (الأب توما بيطار)

” يجب حقاً أن أبدأ ببداية أعمال الرسل. لكن القديس بولس يعيقني، ويقيّد الترتيبّ الصحيح. إنه يجتذبني إلى نفسه وإلى أعماله الرائعة. حقاً، أودُّ رؤيته، عندما كان مُساقاً إلى دمشق، مقيَّداً، لا بقيود حديدية، بل بكلمة الله.

إذ مثل الصيادين على الجرف العالي، أنزل الله صنارته الروحية، وأمسك بهذه السمكة العظيمة بكلمات: شاول، شاول لماذا تضطهدني؟ وكما تُصاب السمكة بالعمى حالما تُؤخذ خارج البحر، هكذا أيضاً كان بولس معمياً، حالما أُخذ بالصنارة وسُحب خارجاً. لكن عماه أدّى به إلى هذه النتيجة: أن كل العالم سيرى” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“أي سجنٍ لم يحتوِ عليك مكبّلاً، أو أية كنيسة لم تكن لها يا بولس خطيباً؟ فدمشق تفتخر بك افتخاراً عظيماً، لأنها عاينتكَ مجذوباً بالنور، ورومية تتفاخر بك أيضاً، إذ تقبَّلت دمك، ولكن طرسوس تُسرُّ بالأكثر مكرَّمة أقمطتك بشوق، فيا بولس الرسول، يا فخر المسكونة، تداركنا ووطّدنا” (عيد القديسين المجيدين بطرس وبولس هامَتي الرسل الكلي مديحهما).

الخلاف بين بولس الرسول وبطرس ويعقوب الرسولان

موضوع الخلاف الذي أدى إلى عقد أول مجمع كنسي في أورشليم – (أع15: 22- 29)

موضوع الخلاف الذي أدى إلى عقد أول مجمع كنسي في أورشليم – (أع15: 22- 29)

موضوع الخلاف الذي أدى إلى عقد أول مجمع كنسي في أورشليم – (أع15: 22- 29)

 

ما هو موضوع الخلاف الذي أدّى إلى عقد أول مجمع كنسي في أورشليم والمذكور في أعمال الرسل 15: 22- 29؟

أول ما ترعرعت المسيحيّة كانت في وسط يهودي. وكما أبان بطرس الرسول لكورنيليوس، قائد المئة، “محرّم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه” (أع 10: 28). ولكن حدث إثر رجم استفانوس، أول الشهداء، اضطهاد عظيم على الكنسية (راجع أع 7و8). بنتيجته تشتّت الجميع في كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل. بعد ذلك، انحدر فيليبس إلى مدينة من السامرة وكرز لهم بالمسيح. السامريون لم يكونوا من اليهود.

إذاً أخذ نطلق الكرازة يتّسع. وبشّر فيليبس أيضاً رجلاً حبشياً خصياً وزيراً لكنداكة ملكة الحبشة. كذلك جاء بطرس الرسول إلى كورنيليوس بناء لإيعاز من فوق. وقد بشّره ومَن معه. هؤلاء حلّ عليهم الروح القدس ثمّ جرت عمادتهم (أع 10). في ذلك الحين سمع الرسل والإخوة في اليهودية أنّ الأمم أيضاً قبلوا كلمة الله (أع 11: 1). هذا لم يَرُق لفريق من المؤمنين بيسوع من ذوي الخلفية اليهودية. في ظنّ هؤلاء أنّ المقبلين من الأمم إلى المسيح ينبغي أن يختتنوا وإلاّ لا يخلصون (أع 15: 1).

بطرس الرسول، لما عيّره الفريق المتهوّد بأنّه دخل إلى رجال ذوي غلفة وأكل معهم (أع 11: 3) روى ما جرى له من جهة كورنيليوس. قال عن الأمميّين: “إن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضاً بالسويّة مؤمنين بالربّ يسوع فمَن أنا. أقادر أن أمنع الله” (أع 11: 17). فيما دخل بولس وبرنابا، اللذان شرعا يبشّران الأمم أيضاً، لا اليهود فقط، أقول دخلا في منازعة ومباحثة والمتهوّدين. هذا الخلاف استدعى اجتماعاً في أورشليم.

الموضوع كان: كيف تتعامل الكنيسة الجديدة والأمم: هل تفرض عليهم حفظ ناموس موسى، كما طالب بعض مَن كانوا من مذهب الفرّيسيّين (أع 15: 5)، أم لا؟ بعد مباحثة كثيرة، تنصّل الرسل والمشايخ من الذين ادّعوا أنهم خارجون من عندهم وقالوا بالختان وحفظ الناموس من جانب الأمميّين. كلام الرسل والمشايخ في الكتابة التي سطروها بأيديهم كان: “إذ قد سمعنا أنّ أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلّبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس الذين نحن لم نأمرهم….

قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا” (أع 15: 24، 28-29). الرسالة كانت موجّهة إلى المؤمنين من أصل أممي في أنطاكية. رغم ذلك يبدو أن الصراع لم يقف عند حدّ. الجدل استمرّ. بعض رسائل الرسول بولس كرومية وغلاطية بيّن حدّة

المواجهة بين رسول الأمم، بولس، والمتهوّدين. على أنّ التمايز، بين كنيسة المسيح واليهود، مذ ذاك، استبان واضحاً. لم تعد الكنيسة خاضعة لناموس موسى بل تخطته إلى ناموس المسيح. (الأب توما بيطار)

“إنها نعمة روحية من الله أن يدرك الإنسان خطاياه” (القديس اسحق السوري)

“قد تكاثرت آثامي يا رب، قد تكاثرت آثامي، ولستُ أنا أهلٌ أن أتفرّس وأنظر علوَّ السماء من كثرة ظلمي” (صلاة منسّى، صلاة النوم الكبرى)

موضوع الخلاف الذي أدى إلى عقد أول مجمع كنسي في أورشليم – (أع15: 22- 29)

لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس

لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس

لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس

 

لماذا لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس؟

لنعد قليلاً إلى النص كما ورد في إنجيل لوقا الأصحاح الرابع والعشرين من العدد الثالث عشر وحتى العدد السادس عشر: “وإذا اثنان منهم كانا منطلقَين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة اسمها عمواس وكانا يتكلّمان بعضهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث وفيما هما يتكلّمان ويتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما. ولكن أُمسكت أعينهما عن معرفته”.

هكذا أمسك الربّ يسوع أعين سمعان وكلاوبا عن معرفته حتى يمشي معها ويفسّر لهما الأحداث كما قال عنها وهو بينهم، وكما وردت من موسى وجميع الأنبياء بعد سماعه منهما رأيهما بالذي جرى، أي بموته وقيامته.

وبقي الربّ ممسكاً أعين التلميذّين عن معرفته لأنّه أراد أن يدخل معهما المنزل ويثبت بعد قيامته الكنيسة في أول خدمة كسر للخبز ومناولتهما….

هكذا أقام يسوع الكنيسة… وأقام هو بذاته “القدّاس” الأوّل أي أوّل خدمة ليتورجية للمناولة المقدّسة ثمّ وبعد أن “اتكأ معهما أخذ خبزاً وبارك وكسر وناولهما”. فانفتحت أعينهما وعرفاه ثمّ اختفى عنهما…. مظهراً لكل مَن يتبعه أنّه بالمناولة المقدّسة وبكسر الخبز تنفتح أعين البصر والبصيرة لمعرفته. (الأم مريم زكا)

“وأنت تسأل الآن كيف يصير الخبز جسدّ المسيح، وكيف يصير الخمر والماء دمَ المسيح؟ أقول لك: إن الروح القدس ينزل ويصنع هذه الأسرار الإلهية… جسد المسيح ودمه” (القديس يوحنا الدمشقي)

” أيها الرب يسوع المسيح إلهنا، أصغِ من مسكنك المقدّس ومن كرسي مجد ملكك، وهلمَّ لتقديسنا أيها الجالس في الأعالي مع الآب، والحاضر ههنا معنا غير المنظور، وارتضِ أن تناولنا بيدك العزيزة جسدك الطاهر ودمك الكريم، وبواسطتنا لكل شعبك” (القداس الإلهي)

لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس

لماذا قال يسوع: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (متى 27: 46) وما معنى قوله هذا؟ هل يدلّ هذا القول أن الآب تخلّى عن يسوع؟

لماذا قال يسوع: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (متى 27: 46) وما معنى قوله هذا؟ هل يدلّ هذا القول أن الآب تخلّى عن يسوع؟

لماذا قال يسوع: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (متى 27: 46) وما معنى قوله هذا؟ هل يدلّ هذا القول أن الآب تخلّى عن يسوع؟

وما معنى قول الجموع: “لنرى هل إيليا يخلّصه” (متى 27: 49)

صلاة يسوع هنا “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” مأخوذة من مزمور 22: 1. كان الرب يصلّي إلى الآب وهو يواجه الموت. ولأن هذا المزمور يقول (في السبعينية): “بعيداً عن خلاصي كلمات خطاياي” (22: 1)، وجد البعض صعوبة في قبول يسوع أن يستعمل هذا المزمور وهو الذي لم يفعل خطية.

فلماذا يصلّي يسوع مستعملاً مزموراً يقول: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟ بعيداً عن خلاصي عن كلمات خطاياي” (22: 1، السبعينية)؟ توجد عدة نقاط هنا يجب الانتباه إليها:

1- إن يسوع يصلّي هنا وهذا يعني أنه لم يفقد الرجاء ولم ييأس، بل كان يدعو الله “إلهي”، مما يدل على الثقة بالله الآب.

2- لا توجد إشارة إلى أن الآب قد تخلّى عن يسوع في آلامه. فإن كانت عناصر الطبيعة نفسها قد غضبت بسبب صلب يسوع، فكيف لا يغضب الآب وكيف يتخلّى عن ابنه الحبيب الذي به قد سُرَّ. ونلاحظ مباشرة بعد موت يسوع أن الآب قد شقَّ حجاب الهيكل معلناً غضبه على اليهود ورفضه لهم، ويدفع وثنياً وهو قائد المئة إلى الاعتراف علناً ببنوّة يسوع الإلهية للآب (مرقس 15: 39). فهل تخلّى الآب عن يسوع؟ طبعاً لا.

3- يسوع نفسه يشير إلى سلطانه الإلهي وهو على صليب الموت. إذ يقول للص التائب: “آمين أقول لك: اليومَ تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43). إن يسوع المصلوب يعبّر عن معرفته بأنه سيكون “اليوم”، يوم الصلب، في الفردوس. لا بل سيفتح الفردوس للص التائب.

فالآب لم يترك ابنه، بل ما زال للابن الحبيب ملء السلطان الإلهي وهو على خشبة الصليب. ألم يقل يسوع: “أنا لستُ وحدي لأن الآب معي… لكن ثقوا. أنا قد غلبتُ العالم” (يو16: 32و33)؟ والآب لا يتخلّى عن يسوع وهو القائل: “أنا والآب واحد” (يو 10: 30).

4- أيضاً إذا نظرنا إلى كامل المزمور 22 الذي سمعنا يسوع يرددّ افتتاحيته فقط(7)، لوجدنا أن الكلام في نهاية المزمور يتحوّل إلى كلام إنسانٍ منتصرٍ: “لأنه لم يحتقر ولم يرذل مسكنة المسكين، ولم يحجب وجهه عنه بل عند صراخه إليه استمع” (22: 24).

ومَن هو مسكينٌ أكثر من يسوع الذي قال عنه إشعياء: “هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرَّت به نفسي…. لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوته. قصبةَ مرضوضة لا يقصف…”؟

عند الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة العظيم، بعد ثلاث ساعات من الظلام على الأرض، يصرخ يسوع المصلوب لأول مرة وآخر مرة: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”: صلاة صادرة من ابن الله بملء قوته، من الأعماق، كما صرخ الشهداء في رؤيا 6: 10 بصوت عالٍ إلى الله كي يتدخل. لقد كانت الصلوات بصوت عال شائعة نسبياً في الأدب الكتابي(8).

مع الصراخ العالي يوجد بُعدٌ آخر أيضاً. فالصراخ عالياً وتسليم الروح في مرقس 15: 37 ومتى 27: 50 يؤلّفان علامة أخروية مشابهة للعناصر الأخروية الأخرى التي صاحبت موت يسوع في الأناجيل الأربعة (الظلام، انشقاق حجاب الهيكل، تشقق الصخور، الزلزال، قيامة الموتى، …).

ففي يوحنا 5: 28 تُسبّب صرخُة ابن الإنسان كلَّ الذين في القبور أن يسمعوا، وفي 11: 34 يدفع صراخ يسوع العالي إلى إقامة لعازر. وفي 1تسالونيكي 4: 16 تُرافق صرخةُ رئيس الملائكة مجيء الرب لإقامة الموتى(9).

إن يسوع لا يتساءل عن وجود الله أو عن قوته. إنه يتساءل، باسم البشرية الخاطئة المجروحة، عن صمت الذي يدعوه “إلهي”. فصرخة “لماذا”، هي صراخ من غرق في أعماق الهاوية وقد شعر أن الظلام قد اكتنفه. وإذا انتبهنا إلى البنية العامة لمرقس – متى، لوجنا أن شكل مخاطبة الألوهة هو بحد ذاته مهم، لأن يسوع لم يخاطب الألوهة أبداُ بلقب “إلهي” من قبل.

ففي مرقس – متى، يخاطب يسوع الله ب “أبي”، “أبتاه”، وهو شكل يعبّر أكثر عن الثقة بالله الذي لن يجعل ابنه يجتاز الساعة أو يشرب من الكأس(10).

أما هنا فيسوع، وهو شاعرٌ بالتخلّي، لا يعد يتكلّم بحميمية إلى الكلي القدرة مثل “أبتاه” لأن يسوع هنا لا يصلّي من أجل نفسه بل يصلّي بالنيابة عن البشرية الخاطئة، لهذا يستعمل نداءً عاماً مشتركاً بين البشر جميعاً: “إلهي”.

ويُبرز مرقس هذا التضاد بين هاتين الصلاتين، ويجعل هذا التضاد حاداً بذكر صيغة المخاطبة في كل صلاة ليسوع بلغته الأمّ “أبّا”، وبصيغة الصلاة هنا “إلوي”، مما يعطينا الانطباع عن كلمات آتية بإخلاص من قلب يسوع متميزة عن بقية كلماته الأخرى التي حُفظت في لغة أجنبية (هي اليونانية). فعندما يواجه يسوع كرب الموت، فإن مرقس يصوّره عائداً إلى لغته الأمّ.

إذاً على الصليب عاش يسوع ملء آلام البشرية وبؤسها. لقد نزل إلى أدنى درجة من الابتعاد عن الله بأبشع صورة ممكنة، لكي ينتشل البشرية من لجّة الضياع والخطيئة والظلام إلى ذروة النصر والقداسة والنور. لقد حمل خطايانا كلها، ومعها حمل كل نتائجها البغيضة. يسوع لم يكن يمثّل الآلام والموت على الصليب. لم يكن يمثّل الابتعاد عن الله. هذه نقطة غاية في الأهمية. لقد عاش الرب فعلاً وواقعاً واختبر هذه الآلام وهذا الموت.

لقد أمعن الإنجيليون الأربعة في تصوير آلام الرب وعذاباته وكربه وموته أكثر مما وصفوا قيامته. كلما كان آلام الخطيئة وموتها بشعة، كلما عاينا فداحة خطايا البشرية وفداحة تغرّبها عن الله، وكلما رأينا عظمة فرح القيامة وظفرها(11). وهكذا تذوّق يسوع المصلوب الجحيم (أي التغرّب عن الله) حتى قبل موته، وقبل نزوله إلى الجحيم.

وكما نزل إلى الجحيم منتصراً ليحطّمها ويُبيد قوّتها، كان المسيح حتى في آلامه وموته منتصراً على الآلام والموت، فصار صليبه صليب الحياة لا صليب الموت.

بعدما صرخ يسوع بصوت عالٍ: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”، قال قومٌ من الحاضرين لما سمعوا: هو ذا ينادي إيليا. فركض واحد وملأ اسفنجة خلاًّ وجعلها على قصبة وسقاه قائلاً: اتركوا. لنرَ هل يأتي إيليا ليُنزله” (مر 15: 35-36).

إن ذِكْر إيليا موجودُ فقط في مرقس – متى، بينما في الأناجيل الأربعة تذكر تقديم الخلّ وإنما في إطار خاص بكل إنجيل. تقديم الخل مذكور في مزمور 69: 21: “ويجعلون في طعامي علقماً، وفي عطشي يسقونني خلاً”. متّى يعكس هذا المزمور لأنه يذكر العلقم (27: 34).

بينما مرقس أقل نوعية لأنه يضع كامل إطار 15: 36 كصدى للنصوص الكتابية بما فيها المزمور 22. أما في لوقا فلا توجد إشارة إلى تحقيق المزمور 69، إذ يُقدَّم الخلُّ وسط تهكمات بيسوع (23: 36). أما في يوحنا 19: 28- 30، يُقدَّم الخلُّ بعد قول يسوع: “أنا عطشان”، وعندئذ يقول يسوع “قد أكمل”.

من هذه النصوص الأربعة يمكن إعادة صياغة الحدث كما يلي: في المرحلة الأولى من الصلب توجد إشارة إلى تقديم الخل تُظهر كيف تمَّ التهكم بيسوع مثل المتألّم في مزمور 69: 22(12). وقد دمج التقليد ما قبل مرقس تقديم الخل هذا بإشارة أخروية إلى إيليا.

بينما عدَّل متّى هذا الدمج ليخفّف من غرابة دمج الخلّ بمجيء إيليا. أما لوقا فقد حذف عنصر إيليا وأزاح تقديم الخل إلى مرحلة أبكر في رواية الآلام، أي إلى تقليد التهكمات الثلاثة بيسوع على الصليب. أما يوحنا فقد ربط تقديم الخلّ بالكلمات الأخيرة ليسوع، جاعلاً الربط أكثر منهجية (أوضح)، بإعطاء إشارة كتابية إلى عطش يسوع.

أما من جهة توقع مجيء إيليا فهو عنصر مهم ويلائم سلسلة مرقس من الحوادث الأخروية التي رافقت موت يسوع (الصرخة، الظلام، تمزق حجاب الهيكل)، والتي زاد متّى عليها الزلزال وانفتاح القبور وقيامة الموتى. لقد كان النبي إيليا بارزاً جداً في التوقعات الشعبية عن نهاية الأزمنة، كصانع عجائب في أيام الحاجة، وكسابق لمجيء الله، وبشكل أخص كسابقٍ لمجيء المسيح الرب: “ها أنذا أرسل إليكم النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم والمخوِّف” (ملاخي 4: 5).

لقد عرض لنا مرقس ومتّى سابقاً سوء فهم مجيء إيليا من قبل اليهود، خاصة من جهة علاقته بآلام ابن الإنسان وقيامة الموتى (مر 9: 9-13؛ مت 17: 9-13): “لماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟”. يُجيب يسوع: “إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كلَّ شيء” (مر 17: 10و11).

ويُضيف متّى على مرقس: “إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه… وكذلك ابن الإنسان أيضاً سوف يتألّم منهم” (17: 12). لقد أظهر مرقس ومتّى سلسلة من الآيات التي سبق الأنبياء وأخبروا عنها عن آخر الأيام وذلك عندما كان ابن الأنسان على الصليب، إنما كان جواب الواقفين هو إعادة لسوء الفهم الشائع عن مجيء إيليا.

فرغم أن الحاضرين قد رأوا الظلام وسمعوا صراخ يسوع، فقد فسّروه بأنه يصرخ إلى إيليا. لقد حوّلوا مجيء إيليا المتوقَّع إلى تهكم بيسوع: “لنرَ هل يأتي إيليا ليُنزله” (مر 15: 36). حتى إنهم استهزأوا بيسوع قبل ساعات من هذا قائلين: “لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب” (مر 15: 32).

ويزيد متّى من عدائية هذا التهكم بذكره قول بعض الواقفين: “إنه ينادي إيليا” (27: 47). إن الكلمات التي يستعملها الحاضرون ليلقوا الشكّ على يسوع: “خلَّصْ نفسك إن كنتَ ابن الله….” (مت 27: 40)، و”…. أما نفسه فما يقدر أن يخلصها” (27: 42).

وفي حين لم يتدخل إيليا لمصلحة يسوع فإن الله الآب سيتدخل وبصورة منظورة جداً. عظيماً جداً كان مجد يسوع المصلوب، ولم يقل عظمةً عن مجده بعد قيامته من الأموات! (د. عدنان طرابلسي)

” أخيراً الآن بدأت أصير تلميذاً! فلا يمنعني شيء منظور أو غير منظور من الوصول إلى يسوع المسيح. تعالي أيتها النار، تعال أيها الصليب، تعالي يا قطعان الوحوش الضارية كلها، …. مبعثرة العظام، مقطعة الأعضاء ساحقة الجسد بأكمله، ويا ضربات الشيطان المرعبة كلها: لتأتِ هذه كلها عليَّ، فقط لأكون مع المسيح” (القديس إغناطيوس الأنطاكي)

“أيها المخلّص، إن كل عضو من أعضاء جسدك المقدّس كابد إهانةً من أجلنا. فالهامة بالشوك، والوجه بالبصاق، والخدّان باللطمات، والفم بمذاقة الخلّ الممزوج بمرارة والأذنان بالتجديف المفعم بالإلحاد، والظهر بالسياط، واليد بالقصبة، وتمديد الجسم بالصلب، والأطراف بالمسامير، والجنب بالحربة. فيا مَن تألّم من أجلنا وأعتَقَنا من الآلام، وتنازل إلينا ورفعنا بمحبته للبشر، أيها القادر على كل شيء ارحمنا” (خدمة أناجيل الآلام)

(7) على الأرجح تلا يسوع المزمور 22 كله وإنما لم يستطع الواقفون قربه أن يسمعوا إلا افتتاحيته، وبعد ذكل صلاته همساً بسبب ضعفه.

(8) لو 17: 15؛ 19: 37-38؛ 1ملو 8: 55؛ حز 11: 13؛ نح 9: 4؛ الخ….

(9) راجع أيضاً: عام 1: 2؛ يوئيل 4: 16؛ ارم 25: 30؛ مز 46: 7؛ رؤ 10: 3.

(10) مر 14: 35-36؛ متى 26: 39.

(11) يوجد ما يُدعى ب “الموت الهنيء” عند الرواقيين. لم يمت يسوع موتاً هنيئاً بل موتاُ حقيقياً بسبب خطايا العالم. هذا ما حرص الإنجيليون على تصويره.

(12) نجد صدى لهذا في أناشيد قمران عندما كان الكاذبون الذين يقاضون الأبرار يُطفئون عطشَ أعدائهم بالخل.

لماذا قال يسوع: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (متى 27: 46) وما معنى قوله هذا؟ هل يدلّ هذا القول أن الآب تخلّى عن يسوع؟

لماذا يصعب على الغني دخول ملكوت السموات؟

لماذا يصعب على الغني دخول ملكوت السموات؟

لماذا يصعب على الغني دخول ملكوت السموات؟

” قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ»”…. واستفاق الغني على تفّق مخازنه بالخيرات فنظر حوله أين أضع الفائض؟ “أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ…… “يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ”!!!

“لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي”….

وكانت الدعوة الأولى ليسوع حين عاد إلى الناصرة حيث كان قد تربّى وإذ دخل المجمع يوم السبت قرأ في سفر إشعياء النبيّ حين فتحه: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ” (لو 4: 16)

فأين الغني من دعوة الربّ هذه؟!

هذا ما أتاه الإله على الأرض… سمع الروح في كلمات إشعياء النبيّ وكان له أن يقرأ سرد الأنبياء لأنهم هكذا كانوا يسمعون ويقرأون ليفهموا وليبقى العمل… “هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً”….

بعضهم لا يسمعون ولا يفقهون ولا يعملون بما أوصاهم به الربّ الإله…

مشكلة الإنسان الغني والفقير والعادي المغتنين بأنفسهم هي أنّهم لا يسمعون قولة الربّ وإن سمعوها يعرضون عنها وأن أعرضوا عنها يرتاحون إلى ما يبنون لأنفسهم في حياتهم وأيامهم القصيرة المعدودة على الأرض.

“لا تعبدوا ربّين الله والمال”… فالعبادة تلزم العابد بالخضوع أمام المعبود سيّده، عند قدميه ليل نهار، ليرضيه.

خلق الإنسان من حشا أمّه مرتبطاً بها “بحبل الصرّة” وإذ ينقطع ليخرج منها يبقى مرتبطاً… لا يمكن للمخلوق من العدم، من التراب ونفخة الروح القدس، من الإله، إلاّ أن يعي حقيقته هذه!

كل ما في الكون حوله يأسره، يربطه، يستعبده له، إلاّ وعيه الإله. لأنّه هو مرسل من أبيه السماوي ليبشّر المساكين، وكل إنسان مسكين إن لم يعرف خالقه… وليشفي منكسري القلوب. وأي إنسان على وجه الأرض إن أحبّه الربّ يؤدّبه بالألم، بالتجارب، بالمرض، بالحزن، بالفشل، بالموت أو بما شابه؟! لهذا يقول الناس حين يُجرّبون، ماذا فعلنا لكَ يا الله، بدلَ “أشكرك يا الله”….

مَن يقبل الأحزان؟ مَن يقبل الضربات والضيقات والتجارب؟ مَن يقبل الفقر والموت؟!

هذه صارت طبيعة السقوط، أنّ الإنسان لا يقبل…. بل يرفض!!! يرفض الحضرة الإلهية. يرفض أحكام الربّ ووصاياه… يرفض الخلاص بالصليب!!! لذلك يطلب الإنسان الغني ويستغني بماله عن الله وعن الآخر، عن كل آخر لا يأتيه بمال أكثر… “أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ”.

الغني مجبول بالإعراض عن الله… أن يحبّ ماله أكثر من محبّته الآخر!

الغني لا يمكنه أن يقسم غنائمه على مَن حوله لأنّه إذ يفعل ذلك لا تزداد أمواله بل تنقص. فيخاف إذ يناقص ملكه فتضعف سيطرته على الآخرين.

الغني يسعى كل حياته لأن يحكم بماله الآخرين ليحتاجوه.

الغني يستعبد الناس كما هو عبد لماله!!!

الغني يسجد للمال الذي يغنيه عن الإله ليذكر الإله – إن ذكره – عديلاً له…

الغني يسخط ولا يشكر وإن شكر فلأنّه اغتنى أكثر بماله…

الغني لا يحبّ بل يطلب أن يكون محبوباً…

الغني يأخذ ولا يعطي…. الغني يتكلم ولا يسمع… الغني يأمر ولا يطيع… الغني لا يعرف الحبّ الحقيقي حتى لزوجته وأولاده… هؤلاء يمتلكهم…

الغني لا يحزن، بل إذ أصابته ضربة يجلس ليعد أمواله فيتعزّى بها….

الغني يخبئ ما عنده حتى لا يشتهيه الآخرون فيعطيه لهم مضطراً….

الغني يكذب بما عنده ويقول أنا تعبت بما جنيت فهل فعل الآخرون هكذا؟….

الغني لا يصادق ولا يأمن ولا يفرح بالآخرين لأنّه يظن أنّ الجميع يحبّونه لينالوا منه خيراته ومجده…

الغني يأمر وينهي، يسخط ويقسو على العاملين معه وعنده ليظهر شأو ماله…

الغني يستبدّ ويستعبد… لا يسمع ولا يحاور بل يحابي وجوه الذين هم أغنى منه. يتملّقهم، يغدق عليهم العطايا ليحبّوه ويغضوا عن ضعفاته…

الغني يكره الفقير لأنّه سارقه وهو تالياً ضميره فيسعى للخلاص منه…. يبتعد عنه وعن معاشرته ويغضي العلب عنه إن التقاه….

الغني يشمت بالفاشلين الذين لم يخلق لهم هو المجال ليغتنوا….

الغني يستغني بماله، بفكره، بعلمه، بنفسه…. الغني ليس غنيّاً بالمال فقط بل بما رزقه إيّاه خالقه فيجيّره لنفسه…

الغني بخيل، طمّاع مداهن كذّاب، لا يحبّ ولا يرحم ولا يقرض….

الغني شيطان تلبس بالحقّ وهو مقيم في الباطل…

فنجّنا يا الله من أن نستغني عنك أنتّ الغني بالرحمة والرأفة والحبّ….

“الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ”!…

لهذا وهكذا يرتّب الربّ خلاصاً لجميع البشر…. يفتح لهم باباً لا يعرفوه لكنّه يدق عليه ليفتحوا له فيدخل ويتعشّى عندهم… يكسر الخبز لهم ليريهم وجهه…

للغني خلاص إذا أتى إلى الربّ. إذا تبنّى الرحمة. إذا اتضع بماله وعرف أنّه عطيّة الله له ليوزّعها على مّن حوله. ليطعم الجائع ويرحم الفقير ويسامح الخاطئ، ويعطي ثوبه ورداءه لكل مَن يطلبه.

الغني يخلص إذا صار وكيلاً على أمواله يقسمها للمحتاج والفقير، للكنيسة وأعمال البرّ ويبقي لنفسه ما يحيا به بوادعة الإنجيل. “تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ”….

فنجّنا يا الله من سقوطنا، من شهوة الاستغناء عنك للغرق في غنى هذا العالم، كي لا نموت عنكَ بل نموت بكَ إليكَ. (الأم مريم زكا)

“ماذا تقول؟ ليس شأنك أن تنشغل بالأسفار الإلهية، لأنك متورّط بألف اهتمام؟ هذا هو بالذات سبب وجوب انشغالك بها، أكثر بكثير من هؤلاء. لأنهم (المتوحّدون) لا يحتاجون إلى تعزية ومعونة الأسفار الإلهية بمقدار ما يحتاج إليها الذين هم في وسط دوامة وجود مشتّـت” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“إن دانيال دعاك جبلاً عقلياً، وأشعياء والدة الإله، وجدعون رآك كجزّة، وداود سمّاكِ مَقدساً، وآخر باباً، أما جبرائيل فهتف نحوك قائلاً: افرحي يا ممتلئة نعمةً، الرب معك” (سحر عيد البشارة)

لماذا يصعب على الغني دخول ملكوت السموات؟

في البدء كان الكلمة، ما المقصود بالكلمة هنا؟ هل الرب يسوع المسيح أم كلمة منطوقة

في البدء كان الكلمة، ما المقصود بالكلمة هنا؟ هل الرب يسوع المسيح أم كلمة منطوقة

في البدء كان الكلمة، ما المقصود بالكلمة هنا؟ هل الرب يسوع المسيح أم كلمة منطوقة

في افتتاحية إنجيل يوحنا: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يوحنا 1: 1)، هل تعني “الْكَلِمَةُ” هنا شخص يسوع نفسه، أو هل هي مجرد كلمة الله نفسه ولا تعني شخص الابن؟

لا يوجد شكٌ أن الكلمة (اللوغوس) في افتتاحية إنجيل يوحنا إنما بشير إلى الكلمة الأزلي يسوع المسيح. يوجد تفسيرٌ آخر مفاده أن اللوغوس هو ببساطة كلمة الله الموحى بها، والمجسَّدة في الكتاب المقدس والتبشير. هذا غير صحيح. فالتقليد الآبائي متفق بالإجماع على أن اللوغوس هو الابن الأزلي، الذي “صار جسداً” في شخص يسوع الناصري (1: 14).

على كل حال توضح “Monogenes” أو الأنتيفونة الثانية في القداس الإلهي أن التجسد حدث “بدون تغيير” atreptos مستعملة لفظة خلقيدونية شهيرة. يوجد تواصل مباشر بين الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا ولاهوت الثالوث القدوس في الكنيسة لاحقاً: إن اللوغوس المتجسّد، يسوع الناصري، هو أحد الثالوث القدوس.

لنستعرض بعض الأقوال الآبائية في هذا الصدد(6):

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “في حين بدأ كل الإنجيليون الآخرون بالتجسد…. فإن يوحنا، وقد تجاوز عن كل شيء آخر: الحبل به, ولادته، تربيته، نموّه، يتحدث مباشرة عن ولادته الأزلية”.

يقول أوغسطينوس: “تأمّل تلك الولادة الأولى: في البدء كان الكلمة. كلمة مَن؟ كلمة الآب. أي كلمة؟ الابن نفسه”.

هكذا أيضاً يقول هيلاريون (بواتييه)، كيرلس الإسكندري، وعملياً التقليد الآبائي بأكمله.

إن طبعة الكتاب المقدس الإنكليزية The New Revised Standard Version ترجمت يوحنا 1: 14 كما يلي: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ آبٍ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا”. وتوجد ملاحظة تقول: “أو لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ”.

فسألت عالم الكتاب المقدس المرموق Bruce Metzger عن هذه الترجمة (إذ كان عضواً في لجنة الترجمة)، مجادلاً أن هذه الترجمة خاطئة. فبدا Metzger متكدّراً وأجاب: “لقد صوّتَ ضد هذا لكنني غُلبت”. ففي الحقيقة أن ترجمة The New Revised Standard Version تلمّح إلى أن النعمة والحق خاصان بكل ابن أبٍ!

هذه نقطة حاسمة. إن أية محاولة لجعل اللوغوس في هذه الآيات مجرد كلمة (بشرية)، بدلاً من شخص الابن الأزلي لله الآب، هي ليس خاطئة فقط، بل تمثّل أيضاً تفسيراً فاسداً وسخيفاً، قد فشل في إدراك أن افتتاحية يوحنا بأكملها تتحرك من التأكيد الأولي في 1: 1-2 إلى الخاتمة في 1: 18: إنه “الله الابن الوحيد” هو مَن أظهر أو فسّر (exegesato) الآبَ للعالم.

بالإضافة إلى هذا، يجب أن نلاحظ البنية المتقاطعة (التوازي المتحد المركز) والتي تسم الافتتاحية بأكملها. فالآيتان 1و2 تتوازيان بشكل مباشر مع الآية 18، مما يُظهر بناء على التحليل الأدبي أن “اللوغوس” متطابق مع “ابن الآب”. (الأب جان بريك)

“قد يحث أيضاً أن ما يكون بحد ذاته سهل الفهم، قد يكون صعباً بسبب عدم خبرة المستمعين. لهذا قال الرب يجب أن نفتش في الأسفار؛ وما كان سيقول هذا لو أمكن للمرء أن يفهمها من القراءة الأولى. لكن إذا بقي الكثير منها غامضاً، فمع ذلك ستفهم بعضاً منها، وسنستخرج فائدة منها” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“إن الذي خاطب موسى على طور سيناء قديماً برموز قائلاً: أنا هو الكائن، اليوم تجلّى في طور ثابور على التلاميذ، وأظهر في ذاته جمال عنصر الصورة الأولى باتخاذه الجوهر البشري، وأقام شهوداً لهذه النعمة: موسى وإيليا، وجعلهما مشتركَين بالسرور، وسابقي الكرازة بالعتق بواسطة الصليب، وبالقيامة الخلاصية” (صلاة غروب عيد التجلّي)

(6) Ancient Christian Commentary on Scripture. New Testament, vol. 4a

في البدء كان الكلمة، ما المقصود بالكلمة هنا؟ هل الرب يسوع المسيح أم كلمة منطوقة

في مثل الابن الضال، هل كان الابن الأكبر كان أفضل من أخيه الأصغر؟ وما هي معاني كل من أشخاص هذا المثل؟ (الأم مريم زكا)

في مثل الابن الضال، هل كان الابن الأكبر كان أفضل من أخيه الأصغر؟ وما هي معاني كل من أشخاص هذا المثل؟ (الأم مريم زكا)

في مثل الابن الضال، هل كان الابن الأكبر كان أفضل من أخيه الأصغر؟ وما هي معاني كل من أشخاص هذا المثل؟

الابنان وردا في مَثَل آخر عند السيّد!!!

دعاهما ليعملا له في أرضه فرفضا بعد قبول، وقبل أحدهما ثم لم يذهب… والآن واحد وهو البكر بقي مع أبيه يعمل له تحت وصاياته مختبئاً في ذلّ وتردّي موقفه والثاني رحل تابعاً شهوته شاطراً نفسه عن أبيه ومُلك أبيه.

في الأمثال الإنجيلية عامّة وجوه مطروحة أمامنا من وجوه الطبيعة البشريّة، يظهرها السيّد على حقيقتها ليرينا بدءاً وجهي آدم وحوّاء وما تفرّع عنهما من وجوه إذ تكسّرت الطبيعة البشريّة وتفتّتت بعد السقوط….

كان وجه السيّد المنتهى والبداية، فصار بعد السقوط ما يفرزه الإنسان في جميع حالاته وجهاً جديداً في لُمَحُ الوجه الأوّل. والآن لم يعد في غالبيّة الوجوه مسحة من القدّوس. لا لم يعد الوجه مرآة النفس حاملاً خلود الروح في أبديّة الإله. أمات الإنسان وجهه مغرباً وجه الإله…

إبنان. الأكبر ولد صبياً. صار فرحة أبيه ليحمل ميراثه. اسمه. هذا في التقليد المشرقي. أحاطوه بالكثير الكثير من الترف والانتباه والعناية والحبّ. وربّما أسرفوا في عنايتهم به لحدّ إذكاء أنانيّته وهذا ما ظهر لنا في هذا المَثَل عينه…. لم يظهر لنا وجه الابن الأكبر وطبيعته، بل طبيعة علاقته بأبيه وبأخيه إلاّ حين عاد الهارب من وجه الآب إلى حظيرة الخراف، حين عاد إلى حبّ وقلب وملك والده. الأصغر كان صغيراً وبقي الأصغر…

الأب هو الله، والابن الأكبر والأصغر هما مثال لشقيّ البشريّة. هناك دائماً وجهان أو وجه وقفا… ما يُرى وما هو مخبوء…

ولنسرد الحدث سريعاً…. الابن الأكبر بقي يعمل في أرض أبيه، بقي في مملكة أبيه. والأصغر تعبت نفسه من أبيه ومن روتينيّة الحياة في المملكة فطلب ماله وكل ما يملك وارتحل بعيداً بعيداً إلى أرض غريبة ليحيا هناك متفلّتاً من كل قيد، من كل التزام، من كل روتينيّة… نادته أهواؤه فاستجاب لها. ارتحل مفجّراً كل دفائن السقوط المكبوتة في نفسه… وبقي الإبن الأكبر في مملكة أبيه، عند الله، في بيته يعمل بصمت لكنّه لم يحفظ الأمانة لتربية الملك له.

لم يحفظ وديعة الحبّ. لم يغسل الوجه والقلب والنيّة بكلام أبيه، بوصيّته ليعمل رضاه… اختبأ في الإنجاز، في ذاته، وصار يغزل حياته حول أنانيّته حتى يظهر أفضل من أخيه…. تعلّم من الحيّة السقوط والكذب… وجلس عند قدمي أبيه يشكو أخاه الهارب الذي يأكل مال الأب مع الزواني!!!

الأب صورة الإله والابنان الأكبر والأصغر هما صورتا الخليقة في الطبيعة البشريّة الساقطة… هما وجه آدم وحوّاء…

في كليهما انغرز السقوط الكبير… البكر المحبوب في الخفية والأصغر المحبوب أيضاً والشرود في اتباع الوصيّة علانية…

الله أحبّ آدم وحوّاء لكنّهما ما أحبّا بعضهما البعض… لم يغرفا حتى وهما في الفردوس من رحيق الفردوس ونوره… فإذ أتتهما الحيّة فارزة واقهما، بثّت بل بخّتْ فيهما السمّ فتفجّر منها إدانة، أتهاماً، كراهية وحقداً….

والآن نحن أمام إثنين أيضاً ابنان. أخذ كلاهما الحبّ ولم يفرّق الأب، الإله، أحدهما عن الآخر، كما لم يفرّق آدم عن حوّاء… لكنّهما هما سقطا واعتلى وأحدهما الحياة مع أبيه بالكذب والمواربة والآخر بالرحيل والرجوع لأنّه جاع وعطش….

هل يفضل الابن الأكبر على الأصغر؟! أو الأصغر على الأكبر؟ّ! هي يفضل آدم على حوّاء أو حوّاء على آدم؟! هل يحبّ الإله أكثر أو أقل أحداً منهما؟!…

الله وحده هو القدّوس، معطي الحياة… يقولون مقسّم الأرزاق، لكنّه بالحقيقة يغدق كل ما عنده على كل مَن يخلق! المهم أن يسمع الإنسان نداء الإله ويعود إليه ابناً تائباً إلى أبيه… لأنّ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله….

وحدها ابنة الملك حافظت على الأمانة وحفظتها في قلبها حاملة سرّ السماع لتدفعه هدية للبشريّة، بعد أن قدّمتها هي هدية للإله…. توبة البشريّة تكشّفت حين قدّمت حنّة بكرها ووحيدتها من عقرها هدية للإله. والإنسان بدوره عليه أن يقدّم ذاته طوعاً عن كل شيء ولكل شيء حتى تحمله والدة الإله إلى ابنها متشفّعة به تائباً كي يخلّصه المصلوب والقائم من بين الأموات.

كذبة البشريّة أنّها تفاضل. أنّها تزكّي. والربّ قال للابن الأكبر أنت معي في كل حين أما أخوك هذا فكان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد….

هذه رحمة الربّ العظيمة للبشريّة هكذا يفضل الواحد عن الآخر بالرجعة إلى حضن الآب كهذا الابن الشاطر. (الأم مريم زكا)

“من المفيد جداً قراءة الأسفار الإلهية. إنها تجعل النفس حكيمة، إنها توجّه الروح نحو السماء، إنها تدفع الإنسان نحو الامتنان، إنها تقتل الرغبة بالأمور الأرضية، إنها تدع أذهاننا تتمعّن على الدوام في العالم الآخر؛ إنها تدفعنا للتصرف بما يتفق مع المجازاة التي نتوقعها من الرب، وتجعلنا جاهزين لنحمل على عاتقنا الحِمْل الذي يتطلبه تعقّب الفضيلة” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“صرنا بكِ مشاركين الطبيعة الإلهية، يا أمّ الإله الدائمة البتولية، لأنك ولدتِ لنا إلهاً متجسداً، لأجل ذلك بحسب الواجب نعظّمك كلنا بحسن عبادة” (ثيؤتوكيات)

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

في مثل الابن الضال، هل كان الابن الأكبر كان أفضل من أخيه الأصغر؟ وما هي معاني كل من أشخاص هذا المثل؟ (الأم مريم زكا)

هل هناك تناقض بين “لا تدينوا” (متى 7: 1) وبين “إمتحنوا الأرواح”؟

هل هناك تناقض بين “لا تدينوا” (متى 7: 1) وبين “إمتحنوا الأرواح”؟

هل هناك تناقض بين “لا تدينوا” (متى 7: 1) وبين “إمتحنوا الأرواح”؟

ما معنى قول الرب ” لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا” (متى 7: 1) وقول الرسول بولس “إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ….” (1كورنثوس 4: 5)؟ ألا يتناقض هذا مع ضرورة اختبار التعاليم الأخرى (كما أوصى يوحنا في رسالته الأولى 4: 1) لمعرفة فيما إذا كانت التعاليم متطابقة مع تعاليم الكنيسة؟ ألا يتناقض هذا مع قوانين المجامع المسكونية؟

(سحر الأربعاء العظيم)

مرة أخرى يجب أن تُقرأ هذه الآيات وتُفسر ضمن سياق الكلام. ففي متى 7: 1 يتحدث يسوع عن أمر أخلاقي، وهو الميل البشري لإدانة الآخرين، وهو أمر لا يستطيع فعله سوى الله وحده، لأن الله وحده يرى أعماق القلب البشري. في 1كورنثوس 4: 5 يقوم الرسول بولس بذكر النقطة نفسها. فالمحاكم البشرية، أو الآراء البشرية التي تدين، هي بالنهاية لا قيمة لها. لهذا لا يضطرب بولس بسبب الذين يهاجمونه بإصدار أحكام ناقدة له بصورة إدانة.

“إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ….” تعني أننا لا نملك سلطاناً للحكم على الآخرين في الفترة قبل مجيء المسيح بمجدٍ (“قَبْلَ الْوَقْتِ” أي قبل وقت مجيئه). عندما يأتي الرب عندئذ كل شيء سيبان، وكل شخص سيُدان من الله بناءً على نوايا قلبه.

في 1يوحنا 4: 1-6 الموضوع مختلف تماماً. فهنا يكتب الرسول (أو تلميذه) ضد التهديد بتعليم مخالف. فالدينونة المذكورة هنا هي ليست الدينونة ضد الآخرين أو إدانتهم، وهو أمر لا نملك الحجة أو السلطان على فعله. لكن الأمر هنا يتعلق بالتميز: وهو تقرير أي تعليم من التعاليم العديدة عن يسوع المسيح يطابق الحقيقة.

فالمؤلّف في خضم صراعٍ بين المؤمنين الذين يتبعون تعاليمه، وبين “أضداد المسيح” الذين يعلّمون هرطقات (القائلين أن يسوع ليس هو المسيح أو المسيا؛ معظم المفسّرين يجدون هجوماً على الغنوصية هنا؛ أعتقدُ أن “أضداد المسيح” هنا يجب أن يعني اليهود الذين لم يقبلوا البتة البشارة الإنجيلية التي طابقت يسوع “بالمسيا” بالضبط).

هكذا لا يوجد تناقض البتة بين هذه الآيات، ولا توجد مشكلة مع تعاليم الكنيسة لاحقاً. يوجد نوع واحد من الحكم موجَّه ضد أشخاص آخرين لإدانتهم أو لقلب آخرين ضدهم (هو نوع الدينونة الذي ذكره الرسول بولس لخصومه خاصة في رسالته الثانية لأهل كورنثوس). على كل حال يوجد نوع آخر من الحكم والذي هو في الحقيقة نوع من “التمييز”، أو التقرير المبارك لمعرفة أية تقاليد أو تعاليم تتطابق مع إنجيل المسيح. إن نص الأصحاح الرابع من رسالة يوحنا الأولى، سوية أحكام المجامع الكنسية والتي تدين التعاليم الهرطوقية، إنما تقع ضمن هذا التصنيف. المشكلة هي أن كلمة “حكم” تُستعمل بطريقتين مختلفتين. من الأفضل التحدث عن النوع الأول على أنه “إدانة” وعن النوع الثاني عن أنه “تمييز” (الأب جان بريك).

“بخصوص هذا أحضّكم وأتوسل إليكم باستمرار أن لا تهتموا فقط إلى ما يُقرأ هنا في الكنيسة، بل أيضاً أن تقرأوا الأسفار باجتهاد في البيت” (القديس يوحنا الذهبي الفم)

“أيها المسيح، إن الزانية بَسطتْ لديك شعرها ويهوذا بسط يديه لعابري الناموس؛ تلك لتنال غفرانَ خطاياها، وأما هذا فليأخذ الفضة. لذلك نهتف إليك يا مُن بيع وحرَّرنا، يا رب المجد لك” (سحر الأربعاء العظيم)

هل هناك تناقض بين “لا تدينوا” (متى 7: 1) وبين “إمتحنوا الأرواح”؟

ما هو الباب الضيق وما معناه في قول الرب؟

ما هو الباب الضيق وما معناه في قول الرب؟

ما هو الباب الضيق وما معناه في قول الرب؟

ما هو الباب الضيق وما معناه في قول الرب؟

وكان السؤال ما هو وأين هو الباب الضيق. إنّه الربّ ودعوته لأحبّائه كي يعرفوه، يتبعوه ويدخلوا منه هو… الباب الضيق الموصل إلى الحياة الأبدية هو ووصاياه…

بدأ الإنجيلي متّى الأصحاح السابع “بلا” الناهية…. “لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا”…. وأكمل حتى وصل في سرده كمات السيّد، إلى الباب الضيق… وقبلُ في الفصل السادس أيضاً، بدأ أصحاحه بالتنبيه، بل بالزجر والتهديد….”اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”….

“اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضيق، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!”

ما هو الباب الضيق وما معناه في قول الرب؟

هكذا أعدّ الربّ لنا الطريق التي علينا أن نسلكها… الطريق الضيّق والباب الضيق تالياً…

لنقف كلّنا الآن في السّاحة أمام الطريقين المؤدّيين إلى ماذا؟ لنقل إلى الحياة!!! في الأولى سعة وأنوار وضجيج بشر وعربات وأبواب حوانيت تفتح وتغلق رجال ونسوة وأطفال في حالة تحضير للعيد، لمناسبة ما، وموسيقى وعزف وألعاب ناريّة وفي الطرف الثاني، في المشهد المقابل طريق طويل، ممتد، معبّد لا يسع إلاّ إنساناً واحداً يسير فيه وربّما شخصاً واحداً يحمل على منكبيه آخر أو طفلاً أو مشلولاً أو معاقاً كسيحاً أو أعمى أو عجوزاً أو مريضاً… كل هؤلاء تراهم واقفين ينظرون ماذا؟!…

طريقاً آخر، مرصوفاً معبّداً… في أوّله يفق ملاكين بلباس بيض، في حلّة مهيبة ينظرون ولا ينظرون الآتين ليدخلوا…. هم يحملون كتاباً ضخماً أوراقه بيض مصفرّة قليلاً بل مذهّبة وعليها منقوش تحت الكتابة وفوقها صورة حمّل مذبوح وعلى رأسه إكليل من شوك هو ينطق بأحرف هامة عميقة النغم “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ”… وينظر الملائكة الذين يتقدّمون… أهم متعبون؟ ثقيلو الأحمال؟! حزانى؟! مضروبون بالعاهات؟ لا وجه لهم ولا منظر فيشتهيهم أولئك الذين في الخط الآخر من الطريق؟!

ويعلو صوت الملاك الأول: “لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا… يَامُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!”…. توقف القادمون ليدخلوا من الباب الضيق ونظروا بعضهم البعض… الدعوة صعبة والكأس مملوءة دماً وخلاً وماء وها هم عطاش جوعى…

وزعق الملاك الثاني في وجوههم ليردّهم من تخاذلهم وخوفهم كي لا يرجعوا إلى الوراء…. “اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ”… إذن فلنتقدّم…

“اُدْخُلُوا مِنَ الباب الضيق، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!”… ورفع كل الذين أمام الباب الضيق، إلى الطريق الثاني وجوههم وقال البعض في قلوبهم: ها هم يفرحون ونحن حاملون حزننا إلى الباب الضيق…

“ما أتى بكَ إلى الباب الضيق”؟ سألهم الملاك… هو وضع روحه في كياننا… حزننا… فشلنا في اقتناء الطريق الرحب… طردهم لنا لأنّنا لسنا منهم على مثالهم…. ظلم العالم الذي كنا نحيا فيه. الكره، الخوف، الحقد، الحسد الموت الدماء والمرض… كل ما فعلناه باء إلى لا نهاية…

أمسكتُ بالمال فغرقت في الضياع… أمسكت بالمعرفة فاستكبرتُ… شاخ جسدي بعد أن علوتُ عرش الجمال… مات أولادي…. كرهني إخوتي وشعبي طردني…. بقيت وحيداً في جعالتي… في قلبي سوس الكره والحسد والكبرياء والإدانة…. ليس من خير إلاّ فيما لا أعرف وما لا أدرك لكنّي بقيت وحيداً في غربتي لماّذا خلقتني؟!…

آتي إليه فهو خلقني، عرفني، ناداني…. لا لنا لا لنا يا الله بل لاسمك نعطي المجد…. تباعد الملاكان بعد مرور الأوّل من تحت الكتاب المرصوف بالذهب فأشرق وجهه إذ نظر آخر الطريق والتفت خلفه صارخاً…. “إنه عرش الملك المضاء بالنور الذي لا يُدنى منه، لكن ابتسامته تجرّني إليه…. ها هو سيّدي، إلهي، حبيبي يزمّر بمزماره وأنا أتبعه. وسأل الملاك الثاني: هل حفظت الوصايا؟ هل عملت بها؟ هل اتضعت؟ هل أحببت حتى الموت موت الصليب؟ هل قبلت كل أحكام الملك وطرحتَ ضعفك أمام ابنة الملك لتتشفّع بك؟

وساروا كلّهم واحداً واحداً وواحدة واحدة في صمت، في هفيف الروح إلى الخلاص، إلى الحياة الأبديّة… غاسلين خطاياهم بسعيهم إلى الإله.

هذا هو العيد!!! هذا هو الحمل المذبوح ينتظرنا منذ إنشاء العالم…. فلنسر إليه كلّنا واحداً واحداً. أمامنا مَن يدلّنا، وورائنا مَن يتبعنا ويدفعنا سيروا إلى الأمام! سيروا… فالمائدة معدّة لتأكلوا فلا تجوعوا بعد ولتشربوا فلا تعطشوا أيضاً!!!!

“تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي…. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي” …. هكذا صارت الكلمة للذين مروا من تحتها لا كتاباً مكتوباً، بل حياة أبدية…. (الأم مريم زكا)

“سُئل الأنبا أموناس: ما هو الطريق الضيقة والصعبة (متى 7: 14)؟ أجاب: الطريق الضيقة والصعبة هي هذه: أن تضبط أفكارك، وأن تنزع إرادتك الخاصة من ذاتك من أجل الله. هذا هو أيضاً معنى القول: هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ (متى 19: 27)”

إن يونان النبي قد أُمسك لكنه لم يُضبط في جوف الحوت، وبما أنه كان رسماً لك يا مَن تألّم وأُسلم إلى الدفن، خرج من الحوت كما من خِدْرٍ، وصرخ نحو الحرّاس قائلاً: باطلاً وعبثاً تحرسون أيها الحفظة، وقد أهملتم رحمتكم” 

Exit mobile version