«ورأيت على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء مختوماً بسبعة ختوم. ورأيت ملاكاً قوياً ينادي بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه. فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه. فصرت أبكي كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا أن ينظر إليه. فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض. فأتى وأخذ السفر من يمين الجالس على العرش. ولما أخذ السفر خرت الأربعة الحيوانات الأربعة والعشرون شيخاً أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة فسنملك على الأرض. ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والحيوانات والشيوخ وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف قائلين بصوت عظيم مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة. وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين. وكانت الحيوانات الأربعة تقول آمين. والشيوخ الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحي إلى أبد الآبدين.»
ربما تكون مثلي، مغرماً بروايات الجرائم المثيرة. فلا بد أن أعترف أنني أحب أن أجلس وأستغرق في مغامرات أجاثا كريستي من وقت لآخر. فهل لاحظت من قبل عدد القصص التي يرى فيها شخص شيء ما يبدأ الإثارة عن طريق المصادفة. ربما عن طريق ثقب الباب مثلاً؟ ربما يحدث أن أحد الخدم “بالمصادفة” كان ينحني ليربط حذاءه، فرأى شيئاً غريباً يحدث، والذي يتضح بعد ذلك أنه مهم. لكن تكمن المشكلة في النظر من خلال ثقوب الأبواب في أن مجال الرؤية يكون محدوداً وضيقاً (إنني لست معتاداً بالطبع على النظر من خلال ثقب الباب!). لكن قد يكون هناك شخصاً يقف بعيداً عن الأنظار، أو يكون هناك شيء يحدث لا تستطيع أن تراه، ولكنه يصنع اختلافاً كبيراً في عالم تفسيرك للأشياء. ويبدو لي أن المسيحيين في بعض الأحيان يشتركون فيما يطلق عليه “لاهوت ثقب الباب”، بمعنى أنه يأخذون جزء مما يعرفونه على الله أو عن الكتاب المقدس، ويفهمونه عن خطأ باعتباره هو الصورة الكلية. فمثلاً، في مرقص 11: 24 يقول يسوع: «لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم.» يفهم البعض هذه الآية كأنها “شيك على بياض” للصلاة، كما لو أنه يمكن للمرء أن يطلب أي شيء، وإذا كان لدى المرء إيمان كاف فإنه لا بد وأن ينال هذا الشيء، مهما كان. لذلك ليس من المستغرب أن يصاب البعض بالإحباط سريعاً، عندم لا ينالون استجابة لبعض من صلواتهم بالطريقة التي توقعوها على أساس هذه الآية. فما يحدث هنا هو أنه يتم آخذ آية واحدة منفردة باعتبارها ثقب الباب لفهم موضوع الصلاة بأكمله، دون الانتباه إلى المقاطع الكتابية الأخرى التي تؤكد على سيادة الله وسلطانه على كل الأمور، وحقيقة أن الله ملك ولذلك فإن لديه الحق والسلطان لعدم إجابة بعض من صلواتنا، أو تعديلها وإعطائنا شيئاً أفضل.
لكننا في رؤيا 5 لا يكون لدينا ثقب الباب هذا، بل مكان بأكمله مفتوح لنا، باب يكشف عمل الله السيادي الكامل في الخليقة كلها من خلال ابنه يسوع المسيح.
العرش الذي يقع في المركز
قبل أن نلقى نظرة على هذا المقطع المدهش بالتفصيل، قد يكون من المفيد أن نقول كلمات قليلة عن فهم سفر الرؤيا عامة. دعونا نواجه حقيقة أن هذا السفر كان أرضاً خصبة للطوائف المختلفة، إذ يقدم مادة وفيرة لتدعيم معتقدات كل منها الخاصة. يضل الناس بسهولة عندما يقرأون في هذا السفر، والسبب الأساسي في ذلك هو الفشل في إدراك نوع هذا السفر، فهو ليس لغز ديني عبارة عن كلمات متقاطعة، تم تصميمه لشغل عقول أولئك الذين لديهم وقت فراغ كبير. بل هو رسالة رعوية مكتوبة للمسيحيين الذين كانوا يتمزقون حرفياً بسبب إيمانهم. وباستخدام التشبيهات القوية التي يأتي معظمها من العهد القديم، يقصد بهذا السفر أن يكون مصدراً لتعزية المؤمنين الذين يجدون الحياة صعبة لدرجة لا يمكن احتمالها. كما أن أسلوب كتابته، الذي يطلق عليه الأسلوب النبوي، قد يبدو غريباً وغير معتاد بالنسبة لنا، لكن في الوقت الذي كان يوحنا يكتبه فيه (في حوالي التسعينات من القرن الميلادي الأول)، ومنذ حوالي قرن قبل ذلك، كان هذا الأسلوب مألوفاً بالنسبة للكثيرين. فالرموز، وخاصة استخدام الأرقام، كانت شائعة بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا التعامل مع هذا النوع الخاص من الأساليب الأدبية.
لكن الرسالة الوحيدة الجلية التي لا يمكن أن نخطئها من هذا السفر، والتي تتكرر المرة تلو الأخرى، هي أن “إلهنا يملك”. هذا هو ما يعنى به سفر الرؤيا في الأساس. فلا شيء يحدث بالمصادفة، سواء كان في المجال الواسع للتاريخ البشري، أو في المشهد الأضيق للحياة المسيحية الشخصية. بل أن الله من خلال ابنه يأتي بأهدافه الأبدية لأجل خيرنا النهائي ومجده الأسمى، على الرغم من أنه في بعض الأحيان لا يبدو الأمر كذلك. وحيث أن الأمر لا يبدو كذلك في بعض الأحيان، فإننا نؤخذ مع يوحنا خلف المسرح، في الكواليس، لكي نرى ما هو مخفي عنا في الوقت الحاضر.
فالخلفية التي يتم وصفها في الأصحاح الرابع، هي كالآتي: يرى يوحنا في رؤيته باباً مفتوحاً له إلى العالم الروحي غير المرئي، في السماويات. فيرى أمامه مباشرة عرش الله، وهو عرش يشع بالنور والمجد، ويحتل مكانة المركز لكل شيء. ويحيط بالعرش أربعة وعشرون شيخاً، يمكن أن نعتبر أنهم يمثلون شعب الله بأكمله، في كل من العهدين القديم والجديد – متمثل في أسباط إسرائيل الاثني عشر وفي الاثني عشر رسولاً. ثم نلمح بعد ذلك الحيوانات الموجودة في عدد 6؛ فهناك أربعة حيوانات ترمز إلى أربعة أطراف الأرض. وهكذا، كما أن الشيوخ الأربع والعشرين يمثلون سيادة الله وحكمه على شعبه، تمثل الحيوانات الأربعة سيادة الله على كل خليقته. فلا شيء يقع أبعد من نطاق سلطانه وغرضه، فكل شيء قد خلق به ولأجله:
«أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك أنت خلقت كل الأشياء وهي بإرادتك كائنة وخلقت.» (4: 11)
لكن هذا هو الله الذي ليس فقط في محور الكون، ولكنه يجلس متوجاً ببهاء في وسط شعبه عندما يلتقون معاً. ثم نجد مفاجأة، أو على الأقل يمكن أن تكون مفاجأة بالنسبة لمسيحية يهودية في الثامنة عشرة من عمرها، والتي سنطلق عليها جوديث، من كنيسة سميرنا الصغيرة، عندما تسمع عن هذا السفر. ففي عام 95 ميلادية، وبسبب إيمانها، كانت مطروحة في زنزانة في السجن. فأسرتها اليهودية لم يكن لديهم ما يفعلونه معها، فهم لا يفهمون لماذا تركت ديانتها اليهودية وكل ما تقدمه لها، لكي تعبد نجار مصلوب من الناصرة. وحيث كانت جالسة ووحيدة في الزنزانة الباردة، كان الإمبراطور الروماني دوميتيان الذي يبدو جالساً آمناً على عرشه، هو الذي يحدد المصائر. لكن لا، لأنه بحسب هذه الرؤية، هذه الفتاة المسيحية، تلمس أطراف عرش الله الإلهي. فالله يحبها، ولا يزال يراها ويلاحظها ويهتم بها، وهي تعرف أنه هو المتحكم في الأمور، هل تؤمن بذلك؟ يا له من إيمان رائع، وهو إيمان جاء بتعزية لا يمكن التعبير عنها لعدد لا حصر له من المسيحيين عبر الأجيال، إذ كانوا يواجهون أكثر المواقف المروعة والمرعبة.
المستقبل الآمن
لكنك قد تقول: «إن ما يهمنى هو المستقبل. فقد يكون الله هو الخالق والحافظ لكل شيء، لكن هل يمكننا أن نتأكد من أن الأحداث المستقبلية لن تخرج عن السيطرة؟ إني أخاف من أن أستمع إلى نشرة أخبار الغد، لئلا أرى الأمور تتجه إلى الأسوأ.» هل سبق أن شعرت هكذا؟ إن كان كذلك، فإن رؤيا 5 يحوي رسالة لك؛ لأنه يحوي مسألة حماية وضمان الله للمستقبل:
«ورأيت على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء مختوماً بسبعة ختوم. ورأيت ملاكاً قوياً ينادي بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه. فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه، فصرت أنا ابكي كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا أن ينظر إليه.» (الأعداد 1-4)
تشير يد الله دائماً إلى حكمه، وإلى أهدافه الصالحة التي يريد أن يحققها. أما السفر الذي في يده اليمنى فهو وثيقة قانونية مكتوبة على كلا وجهيها، ومختومة بسبعة أختام. وتفترض طبيعة تلك الوثيقة محتواها وهدفها، فهذه الوثيقة هي خطة الله، فهي حكم ومرسوم الله الملكي الخاص بالتاريخ البشري بأكمله. لكن هناك مشكلة، وهي أن الوثيقة مختومة بسبعة أختام (رقم الكمال)، وإذا لم يتم فتحها، ليس فقط لن يتم إعلان مشيئة الله، بل أيضاً لن يتم تنفيذها. بكلمات أخرى يمكن أن نقول إن فك الأختام هو أمر ضروري لأجل إعلان وتفعيل هذا المرسوم.
لذلك تخرج صرخة عظيمة في عدد 2، بصوت يتردد صداه عبر كل الكون، على أمل أن يكون هناك شخص ما يستطيع فك الأختام: «من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه؟»
حاول أن تشعر بذروة التوتر في تلك اللحظة، والتي يعقبها صمت ثقيل، حيث تنتظر المخلوقات السماوية، راجية، ومصلية، أن تكون هناك إجابة. لكن يتبع ذلك ذعر ويأس مطبق: «فلم يستطيع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه.» فبكى يوحنا كثيراً، لأنه لم يوجد أحد.
هل حدث وحلمت بكابوس، رأيت فيه شيئاً مريعاً يحدث لك، وأنت تحاول الصراخ، لكن صوتك لا يخرج، ثم تستيقظ فجأة لتجد نفسك تبكي؟ كان هذا ما شعر به يوحنا هنا. لكن لماذا؟ حسناً، دعنا نفكر في النتائج. إذا لم يتم فتح هذا السفر، فلن يتم تحقيق خطة الله، ولن يتم حكم العالم لمصلحة الله وشعبه. لن يكون هناك حكم ودينونة، ولا تصحيح للأخطاء، ولا نصرة نهائية للخير على الشر. كما أن رجال مثل هتلر وستالين، وكل الطغاة الذين ظهروا عبر التاريخ، وحتى إبليس نفسه، كل هؤلاء سوف ينجون بأفعالهم الشريرة. باختصار، إذا لم يستطع الله أن يحقق أهدافه للعالم. فلن يكون هناك رجاء بتحقيق العدل أياً كان. ألا يعد هذا بالتأكيد هو الموقف المأساوي لأولئك الذي يعيشون بدون الله، الذين يؤمنون أننا نعيش في كون ليس له معنى ولا مغزى حقيقي، بل كل شيء فيه مجرد مصادفة كونية عظيمة؟ فقد يحاولون الحصول على أفضل ما يمكن من خلال وظيفة سيئة، لكن في نهاية اليوم، لا يوجد اختلاف جوهري بين اللص والقديس، فكلاهما يموت، وأخيراً سينتهي العالم إلى لا شيء. هذه هي النتيجة المنطقية الوحيدة لعدم الإيمان: «لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت». يا له من أمر مأساوي لو لم يكن هناك إله!
لكن، يحدث شيء بعد ذلك في عدد 5، وهو الإجابة على أزمة يوحنا، وفي الحقيقة على أزمة البشرية كلها. فقد وجد الشخص الذي يستطيع أن يفتح السفر ويفك ختومه ويحقق النصرة النهائية للخير على الشر: «فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة».
ومن هو هذا الشخص؟ إنه الرب يسوع المسيح.
الأسد الذي هو الخروف
هل تتخيل ذهول يوحنا الكامل، عندما ينظر فيرى أسداً، هذا الوحش الملكي الذي يرمز إلى القوة، فقط لكي يلمح خروفاً، ضعيفاً، وهو يعرج كما لو كان مذبوحاً: «ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح» (ع 6). ومع ذلك، فالاثنان هما واحد. لأن يسوع المسيح الذي هو جالس الآن في السماوات فوق كل قوة وسلطة ورياسة، يلبس الجلال والبهاء، يشغل هذا المكان بالتحديد لأنه هو الوحيد الذي تألم ومات على الصليب. وحتى وهو في السماء، لا يزال يحمل جروح وندبات موته، يديه المثقوبتين، وجنبه المطعون. فالأسد هو الخروف. فقد قدم يسوع حياته كالحمل المذبوح لكي يغسل كل نجاسات خطيتنا، ولكي يرد عنا غضب الله، بأن تحمله هو نفسه، وبذلك هزم الخطية والموت والشيطان. فهو الحاكم المطلق، كلي المعرفة، كما تشير إلى ذلك القرون السبعة (فالقرون تشير إلى الحكم)، والعيون السبعة (التي ترمز إلى العلم والمعرفة الكلية). لا يوجد أحد آخر مستحق أو قادر على كشف وتنفيذ إرادة الله الآب إلا يسوع المسيح وحده، لذلك نجد التسبيح يقدم له في عدد 9:
«مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة».
لقد عاش يسوع في طاعة تامة ومحبة كاملة للآب، حتى إلى مرحلة الموت صلباً دون أن يستحق ذلك، لكي يتمكن خطاة أشقياء مثلي ومثلك أن يذوقوا الحياة الأبدية. إن شخصاً مثل ذلك لا يستحق فقط أن يحكم كإله، ولكنه أيضاً قادر على ذلك. فيمكنك أن تثق في أن شخصاً مثله سيفعل الصواب. إنه أمر مذهل، كيف أنه عبر التاريخ كان الناس يبحثون عن قادة ونماذج، عن أشخاص لكي يتبعوهم – لكن الكتاب المقدس يقول لا تبحث أكثر من ذلك، فالقائد المطلق، يسوع المسيح، قد جاء.
الخطة التامة الكاملة
إن السؤال الذي يجب أن يرد على أذهاننا بقراءتنا لهذه الأعداد هو: «لماذا كان من الضروري لشخص ما أن يفتح السفر وينفذ خطط الله؟ لماذا لم يقم الله بذلك بنفسه، فهو الله على أية حال؟» تكمن الإجابة على ذلك السؤال في أن الكتاب المقدس يعلمنا عن قصد الله الأصلي لعالمه، ففي تكوين 1، 2، نرى أن خطة الله كانت أن يحكم عالمه ويعتني به من خلال الإنسان. لكن آدم، مع بقيتنا، قد أفسدنا هذا المخطط بتحولنا بعيداً عن الله، محاولين أن نعيش ونسلك كما لو كنا آلهة، محدثين فوضى عارمة في كل شيء حولنا! لكن الله كان مصراً على تحقيق قصده الأصلي، بأن يكون هناك شخص يملك على خليقته تحت سلطانه، ولكن كان عليه أولاً أن ينفذ تلك الخليقة ويخلصها، لكي يسلم الناس حياتهم إليه بحب، وكان هذا الشخص هو الإله الإنسان – يسوع المسيح.
وهذه هي الطريقة التي يعبر بها كاتب العبرانيين عن هذا الأمر، بقوله:
«فإنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه. لكن شهد واحد في موضع قائلاً ما هو الإنسان حتى تذكره وابن الإنسان حتى تفتقده. وضعته قليلاً عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته وأقمته على أعمال يديك. أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئاً غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعاً له. ولكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.» (عبرانيين 2: 5-9)
إننا لا نرى كل شيء مخضع له بعد، لكن يسوع لا يزال على العرش، وبالإيمان نراه هناك، يوجه ويقود ويحرك كل الأحداث بحسب حكمته الفائقة إلى أن يأتي اليوم الذي سيعود فيه لكي يختم المسرحية كلها، ويصحح كل الأخطاء، ويأخذ أتباعه لكي يكونوا معه في “العالم الآتي” إلى الأبد، إذاً يوجد الآن مستقبل نتطلع إليه بشوق!
لاحظ الطريقة التي يطور بها الرسول بولس نفس الفكرة في رومية 8: 28: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذي هم مدعوون حسب قصده.» هذا هو ما يرمي إليه رؤيا 5. إن الله يعمل كل شيء ويحقق كل شيء من خلال المسيح، لأجل خير أولئك الذين يحبونه (حيث أن “الخير” هو أن نشابه صورة يسوع، كما يواصل القول في عدد 29). كل الأشياء؟ حتى الآلام والصعوبات؟ هذا هو ما يقوله تماماً.
وإذ يتأمل في سيادة الله من خلال استخدامه للألم لأجل تقديس شعبه، يكتب جون نيوتن، مؤلف الترانيم العظيم، والذي كان فيما سبق تاجراً من تجار الرقيق، هذه الكلمات، فيقول:
طلبت من الله أن أنمو لكي أعرف المزيد عن خلاصه، فهو الذي علمني أن أصلي هكذا، ولكن هذا حدث بطريقة كادت كنت أتمنى لو أنه في ساعة طيبة وبمحبته القديرة الآسرة؛ لكنه بدلاً من ذلك، جعلني أشعر وترك قوى الجحيم الغاضبة بل الأكثر، بدا كما أنه بيديه هو نفسه إذ قام بإلغاء كل الخطط التي بنيتها “لماذا يا رب؟”، صرخت بارتعاد، فأجاب الرب، “إنه بهذه الطريقة “فإني أستخدم التجارب الداخلية وأحبط مخططاتك بالأفراح الأرضية
في الإيمان والمحبة، في كل نعمة، وأطلب وجهه بكل جدية. وهو الذي أثق أنه قد استجاب لصلاتي؛ أن تودي بي إلى اليأس. قد استجاب طلبتي في الحال؛ تغلب على خطاياي، وأعطاني الراحة. بالشرور المخفية في قلبي، تهاجم نفسي من كل ناحية. يقصد أن يزيد من محنتي، وأبلى كل يقطينة، تركني حزيناً. “لماذا تأمر ديدانك بإماتة يقطينتي؟” أستجيب لصلاتك بطلب النعمة والإيمان. من الذات والكبرياء، لأجل تحريرك، لكي تجدها جميعها فيّ.”
عندما نؤمن بذلك (ولا يمكن إلا للمسيحي الحقيقي أن يؤمن بذلك)، يصبح عندها من الممكن أن ننظر إلى الحياة والعالم بعيون مختلفة. ورغم أن الألم لا يزال موجوداً (حيث سيظل موجوداً دائماً في هذا العالم الساقط)، ومهما شعرنا بالضعف والتقلب، من الممكن بنعمة الله أن نواجه الحياة بيقين كامل بأن الله سيفعل ما هو صواب، فنحن لا نعرف ما يحمله لنا المستقبل، لكننا نعرف الشخص الذي يحمل المستقبل – الخروف الجالس على العرش.
«أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لن روح المجد والله يحل عليكم. أما من جهتهم فيجدف عليه وأما من جهتكم فيمجد. فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو متداخل في أمرو غيره. ولكن إن كان كمسيحي فلا يخجل بل يمجد الله من هذا القبيل. لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله. فإن كان أولاً منا فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله. وإن كان البار بالجهد يخلص فالفاجر والخاطئ أي يظهران. فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير.»
واحد من أكثر المواقف المحزنة التي كان عليّ أن أتعامل معها عندما كنت قساً لكنيسة جامعة كيلي، هو موقف طالبة شابة، جاءت هذه الطالبة إلى الجامعة مليئة بالحياة والحماسة المسيحية، فقد قادت الكثيرين من أصدقائها إلى الإيمان الخلاصي بيسوع المسيح، وكانت قائدة لواحدة من مجموعات دراسة الكتاب المقدس، كما تم ترشيحها لتكون النائبة التالية لاتحاد الشباب المسيحي. لم يكن من الممكن أن تبدو الأمور واعدة ومبشرة بالخير أكثر من ذلك. لكن بعد ذلك، بدأ الناس تدريجياً يلحظون تغيراً، فلم تعد تهتم بالدراسة الكتابية، كما أن حضورها لاجتماعات اتحاد الشباب المسيحي والكنيسة أصبح غير منتظم، إلى أن توقفت في النهاية عن الحضور تماماً. بل أنها بدأت تقضي في حانة الشباب نفس قدر الوقت الذي اعتادت أن تقضيه في الاجتماعات المسيحية. كما بدأت أيضاً علاقة مع شخص غير مسيحي.
لذلك فقد طُلب إليّ أن أذهب لكي أتحدث معها. عندما التقيت بها أخيراً كانت محبطة للغاية وغير سعيدة. فسألتها بلطف بشأن التغيير الذي حل بها، ولماذا بدا عليها أنها قد ابتعدت عن الإيمان الذي كان في وقت ما ثميناً للغاية بالنسبة لها. فكانت إجابتها: «لقد تعرضت ببساطة للخداع. فقد كنت أعتقد أن المرء عندما يصبح مسيحياُ فإنه يكون سعيداً دائماً، لكني وجدت الأمور صعبة، وقد مررت بصراعات حقيقية، وأنت تعرف أن الله لا يجيب الصلاة دائماً. لذلك فقد فكرت: ما معنى كل هذا؟»
ربما نشعر ببعض التعاطف مع ما تقوله تلك الفتاة الشابة، خاصة في ضوء ما يقال في العظات التبشيرية هذه الأيام، حيث يعطى انطباع أن يسوع هو نوع من العلاج لكل الأمراض، ويقال الكثير عن بركات كون المرء مسيحياً، بينما لا يقال إلا القليل عن التكلفة والنفقة. إن النقطة التي أخطأت فيها تلك الشابة هي اعتقادها أن اهتمام الله الأعظم هو أن نكون سعداء – خالين من المتاعب ونشعر بمشاعر جيدة – بينما يوضح الكتاب المقدس تماماً أن إرادة الله هي أن نكون قديسين، بمعنى أن نصبح أكثر فأكثر شبه يسوع المسيح (1تسالونيكي 4: 3).
هل يمكنك أن تفكر في أحد أكثر صلاحاً وعطفاً من يسوع؟ هل هناك شخص أكثر رحمة ومحبة من يسوع؟ هل كان هناك شخص أكثر طاعة ورضى في علاقته بالله الآب أكثر من يسوع؟ لكي أيضاً، هل تعرض إنسان قط للاضطهاد أكثر من يسوع، أو تألم بأسوأ مما يمكن أن نتخيل، بالصلب والهزء، والجلد، والتعليق على خشبة والمسامير في يديه ورجليه؟ يخبرنا الكتاب المقدس أن يسوع «تعلم الطاعة مما تألم به» (عبرانيين 5: 8).
بكلمات أخرى، يستخدم الله الألم بصورة ما لكي يشكل شخصيتنا، بالتخلص من الأنانية وبناء الصفات المحببة مثل الصبر واللطف والتفهم. ومن خبرتي الشخصية، أجد أن أولئك المسيحيين الذين تألموا أكثر، يحبون أكثر، وتوجد بداخلهم سمات المسيح الرائعة، ولكن تلك السمات قد تم تحقيقها بتكلفة كبيرة.
يركز 1بطرس 4: 12-19 على الطريقة التي بها يستخدم الله شيئاً مثل الاضطهادات لجعل المؤمنين أشخاصاً أفضل. فكم من المرات التي صرخ فيها الناس: «لماذا يحدث هذا لي يا رب؟» وإحدى الإجابات على هذا السؤال، تقدمها لنا هذه الأعداد.
قاعدة إلهية
«أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا…» (ع 12). هذا يعني أن على المسيحي أن يتوقع حدوث مقاومة أو اضطهاد فقط على أساس أنه تابع للمسيح. ويسوع نفسه أخبرنا بذلك عندما قال: «إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم… ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم.» (يوحنا 15: 18-20).
فالبشر، كما يخبرنا الكتاب المقدس كثيراً، ليسوا متعادلين في علاقتهم بالله، بل هم في حالة من التمرد والعصيان. فالرجال والنساء الذين يريدون أن يديروا حياتهم بأنفسهم بدون الله، ولا يستطيعون أن يحاربوا الله مباشرة، يكون أفضل شيء يمكنهم أن يفعلوه بعد ذلك هو أن يحاربوا أتباعه.
في حالة الناس الذي كان يوجه لهم بطرس رسالته، كان هذه المحاربات تعني الاضطهاد العنيف لهم. فقد كان نيرون يقوم بغمر المسيحيين بالقار وإشعار النار فيهم لإنارة حفلاته التي كان يعقدها في حديقته الإمبراطورية! كما كان يلقيهم إلى الكلاب المتوحشة ويحرقهم على شباك حديدية ساخنة. كما كانت هناك أشكال أخرى خبيثة من الاضطهاد تتمثل في حرمان المؤمنين من الحصول على وظائف، مما يعني بالتالي عدم تمكنهم من دفع فواتيرهم، ويؤدي بالتالي إلى مصادرة ممتلكاتهم، ثم سجنهم بسبب الديون. كانت هذه هي أنواع الاضطهاد والآلام التي يجتازها هؤلاء الناس.
لكنك قد تقول: «لكن بالتأكيد الأمر مختلف في مجتمعنا، فالمهم هو أن تعيش وتترك غيرك يعيش، فلن يتعرض المسيحيون لهذا النوع من الضغوط بسبب إيمانهم، أليس كذلك؟ «هل تعتقد ذلك فعلاً؟ قل ذلك للصبي اليهودي الذي أصبح مسيحياً، ودفنته أسرته لذلك. قل ذلك للممرضة التي حُرمت من ترقيتها الوظيفية لأنها رفضت إجراء عمليات إجهاض غير مشروعة.
هل تفترض أنه لن تكون هناك اضطهادات للشاب الذي يعمل في عالم التجارة، والذي يجد أن آفاقه المهنية تتضاءل لأنه لم يشترك في صفقات ومعاملات تجارية مشبوهة؟ بالنسبة لآخرين، قد يتمثل الأمر في أن يتخلى عنهم أصدقاؤهم القدامى، ويتهامسون عليهم من خلف ظهروهم: «ماذا حدث له؟ لقد أصبح غريب الأطوار مؤخراً، فهو لم يعد يشاركنا النكات القذرة في العمل، كما أنه أصبح مهووساً دينياً.» هذا جارح، أليس كذلك؟
لكن بطرس يريدنا أن ندرك أنه عندما يحدث هذا، فإننا بذلك نشارك في آلام المسيح. بكلمات أخرى، إن العلاقة بين المؤمن وبين المسيح المقام هي علاقة شديدة الحميمية، حتى أنه عندما يتم محاربة المؤمن، فإن المسيح نفسه هو الذي تتم محاربته.
تذكر كلمات يسوع لشاول في طريقه إلى دمشق، عندما كان ذاهباً للقبض على المسيحيين ووضعهم في السجن: «شاول شاول لماذا تضطهدني.» (أعمال 9: 4). كان شاول يضطهد المسيحيين، ولكنه إذ كان يمسهم كان يمس حدقة عين المسيح. وهذا هو السبب في أن محاربة المؤمنين هي أمر شديد الخطورة.
الغرض الإلهي
الأكثر من ذلك، أنه عندما يجتاز المسيحيون في آلام، خاصة عندما تكون في شكل اضطهادات، يكون هناك غرض إلهي وراءها: «التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم» (ع 12)؛ «لأنه الوقت لابتداء القضاء (أي عملية الغربلة) من بيت الله.» (ع 17). وتكمن الفكرة هنا في حرق الشوائب من المعادن الثمينة، أو غربلة حياتنا من كل ما يلوثها. باختصار، يهدف كل ذلك إلى تنقيتنا.
فإذا كنت مؤمناً بيسوع المسيح، فإن الله يحبك لدرجة أنه يصمم على تغييرك لكي تكن الشخصية الرائعة الجميلة أخلاقياً، التي في يوم ما في السماء، حتى الملائكة سوف يتعجبون بالنظر إليها. فهو يصمم على صنفرة الحواف الحادة في حياتنا، حتى أنه يكون مستعداً لاستخدام الصعوبات والمقاومات كأدوات بين يديه الماهرتين للقيام بذلك.
يصف سي إس لويس تلك الطريقة التي يعمل بها الله بقوله:
«عندما كنت طفلاً، كنت أعاني كثيراً من آلام الأسنان، وكنت أعرف إنني إذا ذهبت إلى والدتي فإنها ستعطيني مسكناً لتهدئة الألم طوال فترة الليل. ولكني لم أكن أذهب إليها إلا عندما يصبح الألم شديداً ويصعب احتماله. وكان السبب في عدم ذهابي مبكراً هو الآتي. لم أكن أشك في أنها ستعطيني الأسبرين، ولكني كنت أعرف أنها ستفعل شيئاً آخر. فهي ستأخذني إلى طبيب الأسنان في الصباح التالي. فلم أكن أستطيع الحصول على شيء أرغبه منها، دون أن أحصل كذلك على شيء آخر لم أكن أريده. وأنا أعرف أطباء الأسنان؛ كنت أعرف أنهم يبدأون في فحص الأسنان الأخرى التي لم تبدأ في الوجع بعد، فهم لا يتركون الأمور على حالها، فإذا أعطيتهم الفرصة لشيء صغير فإنهم يستغلونها للقيام بعمل أكير في بقية الأسنان. وربنا مثل طبيب الأسنان. فإذا سمحت له بمكان ما فإنه سيطلب المزيد من العمل. عشرات من الأشخاص يذهبون إليه لكي يشفيهم من خطية معينة تضايقهم. فيقوم بعمله في تلك الخطية، ولكنه لا يتوقف عند هذه النقطة. ربما كان ذلك هو كل ما طلبت، ولكنك إذا طلبت الرب مرة للدخول إلى حياتك، فإنه سيعطيك علاجاً كاملاً، هذا هو السبب الذي لأجله حذر الناس “بحساب النفقة”، قبل أن يصبحوا مؤمنين. فهو يقول لك: لا يخطئن أحد، فإنك إذا دعوتني إلى حياتك، فسأجعلك كاملاً.»[1]
فعندما نجد أنفسنا في مواقف صعبة – ربما بسقوط أحد أفراد أسرتنا تحت وطأة مرض ما فجأة، أو المعاناة الشديدة في العمل، أو التعرض للاضطهاد بسبب كوننا مسيحيين – كيف يمكن لله أن يستخدم هذه الأمور لجعلنا أشخاصاً أكثر تقوى؟ يخبرنا عدد 19: «فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمير في عمل الخير.» وقد وجدت شخصياً أن أكثر الأوقات الثمينة وذات المغزى والحميمية مع الله، قد استمتعت بها خلال تلك الأوقات التي كنت أجتاز بها بأشد الصعوبات والآلام.
نعم، لقد استمتعت بها خلال تلك الأوقات التي كنت أجتاز بها بأشد الصعوبات والآلام. نعم، لقد استمتعت بالله في الأوقات الطيبة، ولكني عندما كنت أتعرض للمحاربات من كل الجهات، وعندما كانت تحدث أمور تجعلني أدرك أنه ليس لدي موارد داخلية في نفسي، عندها كنت أقترب للمسيح أكثر في الصلاة، بطريقة مختلفة تماماً. فكنت أشعر أنني مضطر أن أستودع نفسي للخالق، لأنه هو وحده الذي يستطيع أن يحفظها.
وأيضاً عندما تنتزع منا أمور معينة، يجب علينا أن نمارس الإيمان. ففي تلك الحالة تنكشف ما هي حالتنا الروحية الحقيقية، وكما يقول بطرس، يكون علينا أن نفعل الصلاح، فهذه هي الاستجابة المسيحية السليمة، عندما نجتاز في أمور صعبة.
هناك مثل مؤثر على ذلك قدمه القس جون آرثر من كاليفورنيا، في مؤتمر حضرته منذ بضع سنوات. فقد أخبرنا عن أسرة من أصدقائه، عن خادم وأسرته، كانوا يعملون في كنيسة صغيرة مجاهدة في يوتا لكي يربحوا المرمون للمسيح.
وفي أحدا الأيام اتصلت تلك الأسرة هاتفياً بماك آرثر وقالوا إنه يرغبون في الذهاب لزيارة كنيسته، وإدراج ابنتيهما المراهقتين اللطيفتين في كلية لدراسة الكتاب المقدس. وكانوا سيحضرون معهم اثنين من الطلاب الإيطاليين كانوا يرغبون في تعريفهما بالمسيح. وهكذا انطلق الأب والأم والابن والفتاتان الشابتان والطالبان الإيطاليان في سيارتهم الاستيشن واجن، ووصلوا يوم السبت. كانوا يشعرون بالإثارة لحضور اجتماع الأحد، لأنهم كانوا يرغبون في رؤية الاجتماع الكبير – الذي كان يتمثل في بضعة آلاف، مع فريق ترنيم ضخم. فوصلوا إلى هناك وقضوا وقتاً رائعاً في البركة والشركة المسيحية، وكانوا يشعرون بفرح غامر.
لكن في طريق العودة إلى المنزل، لسبب ما لا يمكن معرفته، اندفع الأب بسرعة عند نقطة تقاطع الإشارة الحمراء، في نفس الوقت الذي كان فيه شاحنة ضخمة تندفع أسفل التل. فما كان إلا أن صدمت الشاحنة سيارتهم وهي منطلقة بأقصى سرعتها أسفل الطريق، فاندفعت الفتاتان من النافذة الخلفية للسيادة واصطدمتا بالحاجز الحجرة فماتتا في الحال. وتم أخذ الابن والطالبان الإيطاليان إلى العناية المركزة وهم يعانون من جروح داخلية خطرة. انشطرت السيارة إلى نصفين تقريباً، ثم انفجرت ككرة من النار، لكن الوالدان نجيا بأعجوبة، فما بدأ كيوم من الفرح الغامر، انتهى إلى محرقة رهيبة.
بمجرد أن وصل ماك آرثر إلى المستشفى، ذهب ليرى الأب، وسأله: «بم تفكر يا جون؟». أجاب جون والدموع تملأ عينيه: «أحاول أن أقنع نفسي أن هذا ربما كان حلماً، وأني سأستيقظ منه سريعاً، لكن أعلم أن هذا ليس صحيحا.» ثم قال بعد ذلك: «أما ما فكرت فيه بعد ذلك، فهو: أليس الله صالحاً؟ فقد أبقى على حياة هذين الشابين الإيطاليين غير المؤمنين، وأخذ ابنتي المسيحيتين.» كان هذا الأب يعرف أن ابنتيه في محضر الله الآن، فقد كان يتعامل مع الكتاب المقدس بجدية – وكان إيمانه حقيقياً. لكنه قال بعد ذلك: «لقد أردت لابنتيّ أن تستمتعا باجتماع كنسي كبير، لكني لم أتوقع أن يكون بمثل هذه الضخامة. وأردت لهما أن تستمعا بالترنيم مع فريق ضخم للتسبيح، ولكن لم أتوقع أنه سيكون مع الملائكة.»
أترى ما فعله هذا الرجل؟ كان يفعل ما هو صواب، فكان يستودع نفسه ونفسي ابنتيه إلى إله أمين. وهذا إيمان قوي، تم اختباره وتنقيته، فخرج نقياً مائة بالمائة من بوتقة الألم. وإني أتحدى أي إنسان يفسر ذلك، إلا بأن الله كان يعمل في حياة هذا الرجل من خلال كلمة الله.
لكن قد يسأل المرء: «هل تقول إن الألم، بل وحتى الاضطهاد، هو مشيئة الله؟» أنا لا أقول ذلك، بل لنحاول أن نفهم ما يقوله بطرس. فهذه الأمور تقع داخل مجال سماح الله. وإذا توقفت وفكرت في هذا للحظات، فأين ستجد راحة أفضل من ذلك، من أنه لا يوجد شيء خارج نطاق سلطانه؟ أليس من المعزي أن نعرف، أنه بسبب سيادة وسلطان أبينا السماوي المحب على كل الأمور، هناك حدود للألم، سواء في شدته أو في مدته، وهي حدود وضعها خالقنا ومخلصنا؟ ألا توجد تعزية في معرفتنا أننا ونحن في يديه، تكون الآلام لأجل خيرنا، وتنقيتنا، وجذبنا أكثر إليه، لكي يمسح بعطفه الدموع من أعيننا؟ لكن فوق كل هذا، ألا توجد تعزية في معرفتنا أننا لسنا بمفردنا عندما نتألم، بل أننا يمكن أن نعتمد على إله أمين؟ بالتأكيد توجد تعزية في ذلك، وإذا فقدنا تلك النظرة، فلن نتمكن من التكيف مع الصعوبات بطريقة مسيحية ولو للحظة واحدة.
يمثل هذا الأمر معنى عميقاً لنا في الطريقة التي نرى بها أبناءنا. ففي بعض الأحيان نكون شديدي الحماية بشكل مبالغ فيه، ونرغب في حمايتهم من الصعوبات بسرعة شديدة. لكني أسأل الوالدين المسيحيين، ألا تريدان النظر إلى أبنائكما وترغبان في أن يلاقوا ما يكفي من الصعوبات التي تجعلهم أقوياء، وما يكفي من الإهانات التي تجعلهم يختارون، وما يكفي من الاختيارات الصعبة التي تجعلهم يرون أن اتباع يسوع يتضمن تكلفة وحساب النفقة، وأن تلك التكلفة أمر يستحق للغاية، ولكنها مع ذلك لا تزال مكلفة؟
البركات الإلهية
إن الألم هو الطريق الأكيد لنوال بركات الله:
«بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكن لأن روح المجد والله يحل عليكم.» (العددان 13-14).
أليس هذا أمراً رائعاً؟ كان المسيحيون الأوائل يعتبرونه وسام شرف على صدورهم أن يتعرضوا لظروف صعبة بسبب اتباعهم للمسيح. لم يكن هذا مثار ضيق أو حرج، بل مبعث فرح، أنهم حُسبوا مستأهلين أن يتبعوا خطوات المسيح.
لاحظ كيف يعمل بطرس مراراً وتكراراً على جذب انتباهنا إلى المستقبل المجيد الذي ينتظرنا: «وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع بعد ما تألمتم يسيراً هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم.» (1بطرس 5: 10)، فلو كانت هذه الحياة هي كل شيء، لكان المسيحيون بالطبع يحسبون مخبولين إن هم احتملوا وتقبلوا الألم. وكان بالطبع أناس، مثل هذه الطالبة الشابة، سيصابون سريعاً بالإحباط، وسيشعرون أنهم قد تعرضوا للوهم والخداع. لكن هذه الحياة ليس هي كل شيء، كما أنها ليست هي أهم شيء. بل أهم شيء هو الحياة الآتية، «ثقل المجد الأبدي» الذي سيختبره المؤمنون، والذي يجعل هذه الحياة تبدو وكأنها ليست أكثر من مجرد حلم. هذا هو ما ينتظرنا، وهذا هو السبب الذي يجب لأجله أن نثبت أنظارنا على المستقبل، وألا نرى أي شيء بمنظور تلك الحياة هنا والآن.
لكننا إذن نقول ذلك، نقول إننا يمكن أن نعرف شيئاً عن ذلك الفرح الآن، حتى وسط الآلام. اقرأ القصة المؤثرة لريتشارد ورمبراند “Tortured for Christ”[2]. كان ورمبراند قسيساً رومانياً، قضى سنوات كثيرة في السجون الشيوعية بسبب إيمانه. تم أخذ زوجته بعيداً في معسكر عمل، وأجبرا على ترك ابنهما ذو التسعة أعوام تائهاً في الشوارع. وفي كتابه تقرأ عن كل من فساد الأشرار الذي يغرق فيه البشر في معاملتهم لإخوتهم في البشرية، وأيضاً عن تفوق وسيادة الله، إذ تكتشف أن الرجال المسيحيين الذين تعرضوا للضرب المبرح، استمروا في الصلاة والكرازة لخاطفيهم. وستذهل لوجود ريتشارد ورمبراند في زنزانته الباردة، وهو يرقص حرفياً من الفرح، لأن لديه هذا الشعور المجيد بحضور المسيح وبطعم السماء، وهو في جحيمه على هذه الأرض. هذا هو روح المجد الذي يعمل في حياة كل الذين يرغبون في اتباع المسيح. والسؤال الآن هو، هل ترغب أنت في اتباعه؟
«وكان حاضراً في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم. فأجاب يسوع وقال لهم أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا. كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون. أو أولئك الثمانية عشر الذي سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم. كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون.»
كنت في الثامنة من عمري، في بيتي في ويلز مع والديّ وإخوتي، عندما سمعت نداء عاجل لطلب المعونة تم بثه على الراديو. ففي نفس ذلك الصباح، انهار جبل من غبار ورواسب الفحم، فطمر مدرسة ابتدائية في بلدة أبيرفان الصغيرة، فتم حث رجال ويلز الأقوياء على شق طريقهم إلى هذه القرية. فأمسك أبي وإخوتي بالمجارف وذهبوا إلى هناك، واشتركت أنا أيضاً معهم في ذلك.
توهجت المنطقة بالأضواء الكاشفة، تلك المنطقة التي كانت منذ ساعات قليلة تردد صدى لعب الأطفال. كان عمال المناجم الأقوياء يبكون بصوت واضح وهم ينقبون في الأنقاض طوال الليل. وكان صمت ثقيل يهبط على الجميع، بعد أن تخرج صرخة تعلن العثور على جثة أحد الأطفال. وأخيراً تم إخراج كل جثث الأطفال البالغة 116 طفل، و28 من جثث البالغين. ولا تزال ذكرى تلك المأساة الرهيبة تعيش في أذهان الأحباء والأصدقاء[1].
إن تلك المأساة وغيرها الكثير قبلها وبعدها، تنتزع من القلوب الحساسة أسئلة مثل: «لماذا؟ أين الله من كل هذا؟ ماذا يمكن أن يقول أو يفعل؟»
في إحدى المرات واجه يسوع أسئلة مشابهة تتعلق بمأساتين حدثتا في زمانه. وقد تفيدنا الطريقة التي أجاب بها في تقييم منظور خاص بمشكلة الألم، والذي يمكن أن نتجاهله بسهولة شديدة. ليس هذا هو كامل المنظور مسيحياً تماماً، ولكنه مع ذلك منظور مهم. ونجد الرواية الخاصة بهاتين المأساتين في لوقا: 1: 1-5.
الحدث
هناك حدثان مأساويان قدما فرصة لرد يسوع بخصوص الآلام البشرية.
الحدث الأول هو من صنع بشري، فهو مذبحة. يتحدث سياق الأصحاح السابق عن يسوع وهو يدعو الناس إلى فهم علامات الأزمنة بشكل سليم. ثم نقرأ في أصحاح 13: «وكان حاضراً في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم» (ع 1). لسبب ما، قام بيلاطس بعمل مذبحة هائلة لبعض اليهود الجليليين، ربما أثناء استعدادهم لاحتفالات الفصح. فبينما كان هؤلاء الناس يقومون بإعداد خروف الفصح، ويستعدون للإتيان أمام الله في احتفال ديني عظيم، قام الجنود الرومانيون، بأوامر من بيلاطس، بقتل أعداد من اليهود في الجليل. كان هذا الفعل الوحشي الإجرامي ليصدم أي إنسان، فهو يشبه ما نطلق عليه التطهير العرقي، الذي يحدث مؤخراً في البوسنة – هذه هي الصورة التي يمكن أن تعلق بأذهاننا. كانت مذبحة مروعة. يمكن للبعض أن يفكروا أنه حيث أن هؤلاء الذين قتلوا كانوا أناساً مكرسين لله ومتدينين، كان يجب على الله أن يوفر لهم نوعاً من الحماية الخاصة. وحيث أنه لم يوفرها لهم، فلا بد أنهم كانوا أشراراً بشكل خاص، وكانت هذه دينونة الله عليهم.
أما الحدث الثاني، فقد كان مأساة طبيعية نوعاً ما: متمثلة في انهيار برج، وقتك ثمانية عشر شخصاً. ربما كان الضحايا من البالغين، لكن هناك احتمال لوجود أطفال بينهم أيضاً، مما يضاعف المأساة أكثر في أذهان سامعي يسوع. كانت هذه المأساة مروعة بالنسبة لليهود، كما كانت مأساة استاد هيلزبورو لكرة القدم مروعة بالنسبة لسكان شيفيلد وليفربول، أو كما كان انهيار جبل الفحم مأساوياً بالنسبة لأهل أبيرفان كما كان طوفان تسانومي رهيباً على بلدان جنوب شرق آسيا. إننا نتحدث الآن عن أحداث حقيقية وقعت لأناس حقيقيين – فهي معاناة بشرية حقيقية. لذلك، فقد أراد الناس أن يعرفوا كيف يفكر يسوع في هذه المواقف المأساوية.
لكن يسوع عندما تحدث، كان قاطعاُ في كلامه. إننا في كبريائنا نشير إلى المعاناة والآلام البشرية ونسأل: «ماذا سيفعل الله بشأنها؟» لكن يسوع يشير إلى الآلام البشرية ويقول: «ماذا ستفعل أنت بشأنها؟» إننا ننظر إلى كارثة فنقول: «كيف يمكن أن يكون الله صالحاً؟»، لكن يسوع ينظر إلى المأساة ويوجه كلامه إلينا، لي ولك ويقول: «كيف يمكن أن تكون شديد السوء؟» يكمن خلف كلمات يسوع توبيخ يشكك في افتراضنا بأننا نستحق النجاح والسلام والبركة (التي لدينا بقدر كبير)، ولكنها عندما تكون لدينا، نتجاهل الله، إلى أن تصدمنا مأساة فجأة فنقوم بإلقاء اللوم عليه. لكن هذه طريقة تفكير خاطئة، يقول يسوع، لأن ما نفشل في وضعه في الاعتبار هو أن الكارثة هي بالضبط ما نستحقه، وأنه عندما تقع مأساة يجب ألا تجعلنا نهز قبضتنا في وجه الله، بل أن نتوب ونرجع إلى الله. إن عنوان هذا الكتاب هو: «لماذا يتألم الأتقياء؟» وربما نظن أن هذا سؤال جيد. لكن بحسب الكتاب المقدس، يكون السؤال الحقيقي في ضوء الطريقة المريعة التي نتعامل بها مع خالقنا وخليقته، كما التي نتعامل بها مع الآخرين، هو: «لماذا تحدث أمور جيدة للأشرار؟» فهذا هو اللغز الحقيقي.
هناك ثلاث أمور تختص برد فعل يسوع، والتي قد نجدها مثيرة للصدمة قليلاً. الأمر الأول هو أن يسوع لم يفترض أن أولئك الذين قتلهم بيلاطس، أو أولئك الذين قتلهم انهيار البرج، لم يكونوا يستحقون قدرهم. فحقيقة أنه توجه إلى الجموع وحثهم على حقيقة أنهم إذا لم يتوبوا سيهلكون هم أيضاً، توضح أن يسوع كان يفترض ببساطة أن كل أنواع الموت هي ببساطة، بشكل أو بآخر، نتيجة للخطية، ولذلك فهي مستحقة (العددان 3، 5). يتفق هذا الأمر مع التعليم الكتابي بأكمله: «وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت». يقول الله (تكوين 2: 17)؛ «لأن أجرة الخطية هي موت»، يقول بولس (رومية 6: 23). لذلك فإن الموت والمآسي التي تحيط به كثيراً، هو حكم الله العادل على عصياننا – نحن أخطأنا، لذلك فنحن نموت.
لكننا إذا رأينا دينونة الله تعمل بصورة ما في الآلام البشرية، يجب ألا نقفز إلى استنتاجات خاطئة. فنجد يسوع يؤكد هنا على أن موت هؤلاء، بمثل هذه الوسائل، ليس دليلاً على أن الذين يتألمون بمثل هذه الطريقة هم أكثر شراً من أولئك الذين ينجون من هذا المصير، بل الافتراض هو أننا جميعاً نستحق أن نموت، وأنه إذا كانت مثل هذه الأمور قد حدثت لنا، فلن تكون أكثر مما نستحق: «أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا» (ع 3)، لاحظ أنهم “خطاة” بحسب كلام يسوع: «أو أولئك الثمانية عشر الذي سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم» (ع 4).ولكلا السؤالين، يقدم يسوع الإجابة: «كلا أقول لكم.» لكن هذا لا يعني أن الآخرين يستحقون أقل من هذا، لأن يسوع يقول في عدد 3: «بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون». هذا يعني أنه لا يوجد مكان للتعالي الأخلاقي والاعتداد بالنفس، الذي نميل إلى إظهاره عندما يحدث أمر مريع لأشخاص معينين – خاصة إذا كان لدينا سبب لبغض هؤلاء الأشخاص. وهناك تصريح يرضى الذات يقول: «ماذا تتوقع غير ذلك لأناس مثل هؤلاء؟». إننا لا نقوم بإعلان ذلك بالطبع في بعض الأحيان، لكننا نفكر هكذا. لكن يسوع يقول: «هل تعتقد أنهم يستحقون مثل هذه المعاملة؟ لكن هذا لا يعد شيئاً بالنسبة لما تستحقه أنت.» لذلك علينا أن نظهر نوعاً من الاتضاع السليم.
لكن، ثالثاً، لا بد أن نتعامل بجدية مع الطريقة التي رأى بها يسوع الحروب والكوارث الطبيعية. ليس كفرصة للنقاش الفلسفي المجرد حول صلاح الله وسيادته، بل كفرصة لدعوة الرجال والنساء إلى التوبة. فقد ذكر يسوع هذا الأمر مرتين، أنه إن لم تتوبوا – أي ترجعوا عن طرقكم الخاصة إلى الله واتباع يسوع – فجميعكم كذلك تهلكون. وهذا أمر أكيد يقيني مثل يقينية مجيء النهار بعد الليل.
وقد أوضح يسوع هذه الحقيقة الرهيبة بمثل:
«كانت لواحد شجرة تين مغروسة في كرمه. فأتى يطلب فيها ثمراً ولم يجد. فقال للكرام هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمراً في هذه التينة ولم أجد. أقطعها. لماذا تبطل الأرض أيضاً. فأجاب وقال له يا سيد اتركها هذه السنة أيضاً حتى أنقب حولها وأضع زبلاً. فإن صنعت ثمراً وإلا ففيما بعد تقطعها.» (لوقا 13: 6-9)
هل ترى ما يبحث عنه الله في البشر، وماذا سيفعل إذا لم يجده؟ إنه يبحث عن ثمر، أي علامات على توبتنا وحياتنا كأناس نعكس محبته. أساساً، كان يسوع يتحدث عن إسرائيل. فقد كانوا يرون يسوع وهو يعلم ويخدم بينهم على مدى ثلاث سنوات. لكن كان الوقت قد قارب على الانتهاء، وإذا لم تكن هناك استجابة له، ستكون هناك دينونة. وقد حدث هذا فعلياً. لأنه خلال أربعين عاماً كانت أورشليم قد خربت، وقد أوضح يسوع تماماً أن هذه هي دينونة الله التي يتم تنفيذها (مرقص 13: 2، 28-30). إن الله صالح في مثل صلاح كلمته؛ لذلك فإذا قال شيئاً ما لابد وأن ينفذه.
نرى هنا إشارة تقليدية لمعنى أن يكون المرء “نبوياً”. كيف يمكن للمسيحي أن يكون نبوياً اليوم؟ إنه يكون نبوياً عندما يربط كلام الله ببعضه البعض وبالأحداث. فيكون عليه أن ينظر إلى المواقف المختلفة من خلال عدسات الكتاب المقدس، ويسأل: «ما الذي يقوله الله من خلال ذلك، وما الذي يطلب منا الله أن نفعله؟» وفي حالات الحرب والكوارث من هذا النوع، تكون الإجابة دائماً هي نفسها: توبوا، وتوقفوا عن التفكير في أن الله مدين لنا بفضل ما، وتوقفوا عن استغلال لطفه وإحساناته تجاهنا، لتدركوا قدر الفوضى التي فعلتموها، من عيشكم كأمة أو ككنيسة أو كأفراد، بعيدين عن الله دون الرجوع إلى الله وإلى قيمه. لذلك تعقلوا وارجعوا قبل فوات الأوان. بمعنى آخر، يجب أن تكون الآلام فرصة لنوع من الفحص الجدي للنفس، وسؤالها عن الدروس التي يجب أن أتعلمها أنا شخصاً من ذلك.
جاءت الحرب العالمية الثانية كصدمة للكثيرين داخل الكنائس. كان الكثيرون من قادة الكنائس يتبنون اتجاهاً إنسانياً متفائلاً، مؤمنين حقاً أن الجنس البشري قد تعلم دروسه من الحرب العالمية الأولى. وأن الأمور ستصبح أفضل أكثر فأكثر كل يوم. وكانوا يعتقدون بإخلاص أن كل ما يجب أن تفعله مع شخص مثل هتلر هو أن تتحدث معه حديثاً لطيفاً، وتجادله بالمنطق. يبدو من الواضح أنهم تركوا كتبهم المقدسة خلفهم (فما بالك بالحس الفطري)! لذلك حدث ارتباك كامل بالنسبة للبعض عندما اندلعت الحرب، وبدأوا يتساءلون: كيف يمكنك أن تفسر ذلك؟ كيف يسمح إله صالح بحدوث هذا؟
لكن هناك رجل أخبر الناس دون خجل بما كان يحدث، وكان هذا الرجل هو د. مارتن ليود جونز، والذي يبدو أنه تعامل مع لوقا 13 بجدية. وهذا هو ما نادى به في إحدى عظاته عام 1939، عند اندلاع الحرب العالمية الثانية:
«يسمح الله بحدوث أمور مثل الحروب لكي يؤدبنا ويعاقبنا؛ ولكي يعلمنا، ولكي يجعلنا نتوب عن خطايانا، وفوق كل شيء، لكي يدعونا للتوبة وقبول عرض نعمته السخي. لذلك فإن السؤال الحيوي بالنسبة لنا، ليس أن نقول: “لماذا يسمح الله بالحرب؟” بل أن نتأكد من أننا نتعلم الدرس ونتوب أمام الله عن خطايا قلوبنا الشخصية وخطايا الجنس البشري بأكمله، التي قادت إلى مثل هذه النتائج.»[2]
هذا هو صوت النبي.
أليست هذه علامة على دينونة الله علينا كأمة، إننا نادراً ما نسمع مثل هذه الأصوات اليوم بين قادة كنائسنا المحلية؟ هل نطلب الكثير من القادة المسيحيين الوطنيين مثلاً، الذين لديهم تواجد في الإعلام، عندما نطلب منهم أن يذكروا ببساطة حقائق أساسية في الإنجيل؟ أن هناك إله، وأننا سوف نقدم له حساباً عن أنفسنا؟ وأنه هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يجعلنا في علاقة صحيحة وسليمة معه، وأنه قد فعل ذلك من خلال موت ابنه، مع ما يترتب على ذلك من دعوته لنا بأن نرجع إليه ونضع ثقتنا وإيماننا فيه؟ يجب أن أقول أنني لم أسمع هذا يقال بوضوح من قبل. لكننا مع ذلك لدينا سياق اجتماعي في هذا البلد، يقدم حرفياً فرصة إلهية لعرض مثل هذه الدعوة؛ يتمثل ذلك في الوثنية الاقتصادية، وارتفاع معدلات الجريمة، والتحلل والتفكك الاجتماعي. على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت لدينا أحداث هزت مجتمعنا من أساساته، مثل الخيانة الزوجية العلنية من جانب الأسرة المالكة، وقتل الأطفال في ليفربول. وذبح أطفال في دنبلين، وطعن رجال الدين، وغيرها. ماذا يمكن أن يفعل الله أكثر من ذلك للفت انتباهنا، ولجعلنا ندرك أن الأمور ليس على ما يرام؟ فهناك علاقة قوية شديدة الوضوح بين هذه الأمور وبين حق الإنجيل.
لكن دعونا لا نسيء فهم ذلك. إنني لا أفترض أننا يجب أن نكون قساة أو غير مبالين بآلام البشرية، فالأمر أبعد ما يكون عن ذلك. فإنني أشك كثيراً في أن يسوع قال هذه الكلمات دون أن تملأ الدموع عينيه، ويظهر الحزن والأسى في نبرة صوته. لكن ترك الأمر فقط عند مرحلة التعاطف، دون إرشاد الناس إلى المسيح، هو أقسى شيء يمكن أن نفعله – لأننا بذلك نسلب الناس الرجاء الوحيد الذي لديهم. هل تستطيع أن تفكر في أي أمر أكثر بشاعة من هروب المرء من مأساة في هذه الحياة. فقط لكي يعاني من مأساة أعظم بالذهاب إلى أبدية بلا مسيح في الحياة الآتية؟ يقدم الله للناس من خلال الآلام البشرية فرصة تلو الأخرى لكي يعودوا إليه. هل لاحظت في المثل كيف تم مد فرصة التوبة؟ وهذا بسبب محبة الله، ولكن هذه الفرصة لن تطول إلى الأبد، فلا يمكننا أن نستمر في تأجيل استجابتنا لله، بل يجب أن نستجيب له الآن.
أتعجب دائماً وأتضايق من أن الناس الذين يحضرون خدمات الدفن – وهي المناسبة التي تركز الفكر أكثر من غيرها على الأبدية، وعلى قصر الحياة الأرضية، وعلى حقيقة أننا يوم ما سوف نموت ويأتي دورنا لأن نوضع في هذا التابوت – ولكنهم يخرجون من الخدمة كما دخلوا، بنفس ابتعادهم عن ملكوت الله. فإنه مع كل مأساة من المآسي البشرية، يأتي كذلك فعل من أفعال الرحمة، بدعوة الله إلينا بأن نرجع إليه ونضع ثقتنا وإيماننا فيه.
إن مضمون ما يعلمه يسوع هنا ليس أن الألم هو المهم في حد ذاته، لكن المهم هو اتجاهنا واستجابتنا له. يقدم ديفيد واتسون في واحج من كتبه مثالاً على ذلك، عن طريق أبوين شابين. فقد كل منهما ابناً له في الرابعة أو الخامسة من العمر بطريقة مأساوية. أحدهما توفى نتيجة لمرض اللوكيميا؛ بينما الآخر غرق في حوض سباحة. أحدهما كان مسيحياً شاهداً، ولكنه أصبح الآن بعد هذه الحادثة ملحداً. بينما الآخر كان ملحداً، وبعد تلك الحادثة، أصبح مسيحياً. نجد هنا موقفان مأساويان متشابهان، لكن استجابتين مختلفتين بالكامل. أحدهما أتى بالمرارة واليأس، وقاد إلى الضياع، بينما قاد الآخر إلى فتح القلب للمحبة والسلام الموجودين في المسيح يسوع. يدعو يسوع الرجال والنساء لكي يفهموا أن هذه الحياة ليست هي كل شيء، وأن المآسي ستأتي، وأننا بعيدون عن الله، نجني فقط ثمار ما قد زرعناه. لقد دعينا لأن نتخلى عن تمردنا ضد الله ونرجع إليه كأبينا السماوي، من خلال آلام ابنه بدلاًعنا على الصليب.
هوذا هؤلاء هم الأشرار ومستريحين إلى الدهر يكثرون ثروة.
حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي.
وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح.
لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك.
فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني.
حتى دخلت مقادس الله وانتبهت إلى آخرتهم.
حقاً في مزالق جعلتهم. أسقطتهم إلى البوار.
كيف صاروا للخراب بغتة. اضمحلوا فنوا من الدواهي.
كحلم عند التيقظ يا رب عند التيقظ تحتقر خيالهم.
لأنه تمرمر قلبي وانتخست في كليتي.
وأنا بليد ولا أعرف. صرت كبهيم عندك.
ولكني معك. أمسكت بيدي اليمنى.
برأيك تهديني وبعد إلى مجد تأخذني.
من لي في السماء. ومعك لا أريد شيئاً في الأرض.
قد فني لحمي وقلبي. صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر.
لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون. تهلك كل من يزني عنك.
أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي.
جعلت السيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك.»
إن صرخة، «هذا ليس عدلاً»، ليست ادعاء مقصور على الأطفال في الملاعب، عندما يقرر أحد الصغار أن يُخضع قوانين اللعبة لكي تتناسب معه. بل الحقيقة أنها صرخة قلبية نسمعها في كل مجالات الحياة. «ليس من العدل أن أعمل بكل هذا الجهد للحصول على تلك الترقية، لكي يأخذها منى شخص آخر أقل في الإمكانيات.» «ليس عدلاً أن حوت القروض الذي دمر بخداعه حياة أسر لا حصر لها يكون نموذجاً للصحة الجيدة، بينما تلك الممرضة السابقة التي قضت كل حياتها تعتني بالناس، تصاب بالزهايمر» إلخ….
إذا كنت تشعر هكذا، فأنت إذاً في صحبة كاتب المزمور الذي كان ليتفق معك سريعاً، إذ يقول، «هذا حقيقي للغاية، فالحياة ليست عادلة، فيبدو أن الأشرار يزدهرون ويغتنون على حساب الأمناء والمجدين، بينما أولئك الذين يحاولون أن يبتعدوا عن المتاعب، ينتهون نهاية قاسية على هامش الحياة».
لكن ما يجعل هذا المزمور أكير صعوبة هو أن كاتبه كان يؤمن بإله عادل وصالح. وفي البداية على الأقل، جعل هذا الإيمان ما يراه أسوأ، وليس أفضل، لأنه وجد أنه من الصعب أن يقتنع بأن صلاح الله يمكن أن يسمح للأشرار بأن ينجوا بفعلتهم. كيف يمكن لله أن يقف متفرجاً وهو يشاهد هذه الأمور تحدث؟ وإذا كنا أمناء مع أنفسنا، سنجد أننا يمكن أن نتعاطف كثيراً مع تلك النظرة.
لذلك دعونا نرى كيف تعامل كاتب المزمور مع ما يبدو بالنسبة له، وما يمكن أن يبدو بالنسبة لنا أيضاً – محنة الإيمان.
افتراض أساسي
يبدأ الكتاب مزموره بمقدمة أو افتراض أساسي، وهو عبارة إيمان أساسية، «إنما صالح الله لشعبه لأنقياء القلوب». هذا مبدأ إيماني غير قابل للتفاوض، وهو معادل ومساو لعقيدتنا – بأن الله صالح. فضلاً عن ذلك، فإنه صالح بصفة خاصة لشعبه، ولأولئك الذين يكرسون أنفسهم لاتباعه، أو لأولئك الذين يمكن أن نطلق عليهم اليوم “مؤمنين”.
المشكلة
ولكنه يخبرنا بعد ذلك مباشرة، وفي الحقيقة أنه يخبر الله بتعبيرات أكيدة، بأن اختباره يبدو أنه يضع هذا الاعتقاد موضع شك: «أما أنا فكادت تزل قدماي. لولا قليل لزلقت خطواتي. لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار.» (ع 2). فلماذا كان يغار؟ لأنه رأى “سلامة الأشرار“، تلك هي المشكلة. أو بمعنى آخر، كان هناك تناقض أساسي بين إيمانه (أي ما يؤمن به بعقله – بأن الله صالح لأولئك الذين يحبونه) وبين الحقائق (ما تراه عيناه – أي سلامة وخير الأشرار). فهذا أمر غير مفهوم، والنتيجة هي أن قلبه كان مضطرباً للغاية. كان يريد أن يستمر في إيمانه بإله صالح، لكن ما وجده كان يثير في داخله الحسد والغيرة من الأشرار، والأسوأ من ذلك الاستياء متزايد نحو خالقه.
انظر إلى ما يقوله في العددين 4-5:
«لأنه ليست في موتهم شدائد وجسمهم سمين. ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون.»
فحياتهم نعيم مستمر، بحسب زعم كاتب المزمور. إن لديهم كان أنواع المعدات الحديثة التي تجعلهم مستريحين، لذلك فإنهم لا يتثقلون بأحمال متعبة مثل بقيتنا، نحن البشر الأدنى منهم. كما أن أجسامهم صحيحة ولا يصابون بالأمراض، إذ لديهم عضوية في أكبر هيئات الرعاية الطبية التي يمكن للمال أن يوفرها – المال الذي تم الحصول عليه بالطبع بطرق غير مشروعة. بل أنه حتى حين تأتيهم ساعة الموت، يبدو أنهم يموتون بسلام – حيث أن هذه هي ترجمة عدد 4: «ليست في موتهم شدائد». فالديكتاتور الروسي، جوزيف ستالين، والذي كان وحده مسؤولاً عن موت أكثر من 20 مليون روسي، مات بسلام تام في سريره وابتسامة على وجهه! ويستمر كاتب المزمور في قوله، «لكن إذا كانت الحياة غير عادلة، فهل الموت أيضاً غير عادل؟».
إن هؤلاء الناس تدور حياتهم كلها حول العنف (ع 6). «لبسوا كثوب ظلمهم.» مثل إنسان يلف جسمه بمعطف دافئ ليحمي نفسه من البرد. فهؤلاء الناس يحمون أنفسهم من الصعوبات عن طريق إلقائها على الآخرين: «يستهزئون ويتكلمون بالشر ظلماً من العلاء يتكلمون» (ع 8). فهم يشعرون أن لا شيء يمكن أن يمسهم أو يهددهم، ولا تستطيع المحاكم النيل منهم، فهم فوق الوسائل العادية للعدالة، ومهما طالت ذراع العدالة فلن تستطيع أن تمسهم. كل هذا يجعل المرنم شديد الاكتئاب، ويحطم معنوياته.
ربما نشعر بنفس هذا الأمر ونحن ننظر إلى مجتمعنا. وقد قيل لي هذا الأمر مرات ومرات، «يقولون إن الجريمة لا تفيد، لكن من الواضح أنها تفيد كثيراً». أسأل المجرمين، الذين يرتدون خواتم الألماس والسلاسل الذهبية عما إذا كانت الجريمة تفيد. اسأل اللص الذي اقتحم منزلي السابق في صباح الكريسماس عما إذا كانت الجريمة تفيد، حيث أنه لم يتم القبض عليه حتى الآن.
ربما لو تم الحد من تأثير ونفوذ مثل هؤلاء الناس بشكل ما، قد يجعل هذا الحياة أكثر احتمالاً. لكن هذا لا يحدث، بل إن نفوذهم ينتشر مثل السرطان، بل وينظر الناس إليهم باعتبارهم نماذج يقلدونها، وهكذا تجتذبهم هذه الشبكة الشريرة: «لذلك يرجع شعبه إلى هنا وكمياه مروية يمتصون منهم.» (ع 10). ولإضافة مزيد من الإهانة إلى هذا الجرح، فإنهم يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم، قائلين: «كيف يعلم الله وهل عند العلي معرفة.» (ع 11) فهم يقولون، يبدو أن الله لا يعلم كل شيء، وإلا فلماذا ينجون هم بفعلتهم؟ وإذا كان يعرف كل شيء فعلاً، فلا يمكن أن يكون كلي القدرة وإلا لكان قد وضع حداً لما يفعلونه.
وهكذا يواجه المؤمن المشكلة التي كانت تعذب المسيحيين على مر العصور، وهي المشكلة التي نصيغها في معضلتنا هنا: إذا كان الله صالح، فلا بد أنه يرغب في إبادة الشر. وإذا كان كلي القدرة فلا بد أنه يستطيع إبادة الشر. لكن الشر موجود، لذلك لا يمكن أن يكون الله كلي القدرة وكلي الصلاح معاً في نفس الوقت. هذه هي قوة المنطق الظاهرية: إما أن يكون الله صالحاً ويرغب في التخلص من الشر ولكنه لا يستطيع، أو أنه يستطيع التخلص من الشر ولكنه لا يريد، وبذلك لا يكون صالحاً. هذه معضلة مؤلمة بالنسبة للمؤمنين. فكيف قام المرنم بحلها؟
يجب أن نعترف أن كاتب المزمور على الأقل شخص أمين، فهو لا يدفن رأسه في الرمال كما يفعل بعض الناس، لكي يحجم عن الصراع مع المسائل الصعبة مثل هذه. كما أن الله يحترم تلك الأمانة، حتى لو أدت إلى الشك:
«حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي. وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح.» (العددين 13-14)
فالرجل يتشكك في إيمانه. فهو يتساءل: «ما معنى محاولة العيش حياة تقية؟ يبدو أنها لا تؤدي إلا إلى المزيد من الحزن والألم. بل هي مضيعة للوقت، ووهم كبير، هل الله صالح لشعبه؟ هل أعامل الناس كما أريد أن يعاملوني؟ كلا، يبدو أن هذه لعبة خاسرة، بل يجب أن أعامل الناس بالطريقة التي يعاملونني هم بها».
ربما يمكننا التعرف على مثل هذه المشاعر في اختبارنا الشخصي، لكننا سنكون على خطأ لو تركنا مثل هذه المشاعر بداخلنا. فالتعبير عن الشك شيء، لكن تركه غير محسوم هو شيء آخر. لأننا إذا لم نواجه هذه المشاعر ونتعامل معها فإنها ستصبح أسوأ، ويمكن أن تقودنا إلى الانزلاق إلى عدم الإيمان، وهنا تكون المأساة.
لذلك فبعد أن نفّس الكتاب عن غضبه وشكه، جاء التأمل الهادئ ليحل محل الشك. فيعود ليقول: «لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك» (ع 15). بمعنى آخر، هو يقول: «على الرغم من أني يمكن أن أفكر في هذه الأمور وأعبر عنها أمامك يا رب، فإني لن أكون عديم المسؤولية بحيث أقولها في وسط شعب الله». فكونه في موقع القيادة، لم يكن يرغب في إرباك إيمان الآخرين. كما نقرأ في عدد 16، لماذا رغم كون مشكلة الشر مربكة بما يكفي بالنسبة له، لم تقع فجأة تلك المشكلة من على كتفي المؤمن الشاب الرقيقتين لكي يقولها أمام الناس: «فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني“.
عندما نفكر في ذلك، نجد أنه كان تصرفاً ناضجاً للغاية. فقد كانت مصلحة المؤمنين الآخرين تشغل قلبه وتفكيره، على أية حال. فلم يكن ليستخدم المنبر أو مجموعة درس الكتاب لإرباك إيمان الآخرين بالتعبير عن شكوكه بشأن إيمانه الشخصي. ونحن أيضاً لا بد أن نفكر مرتين قبل أن نعلن عن مشاكلنا على الملأ، بل يجب أن نقوم بالحديث الشخصي الهادئ مع أحد المؤمنين الناضجين بشأنها. فيجب أن يكون لدينا نوع من التمييز.
كان هناك شيء آخر مثير للإعجاب في هذا الرجل؛ كان يعرف مدى خزي تصرفاته. يمكننا جميعاً أن نتصرف بنفس تلك الطريقة المخزية عندما نشعر بالإحباط. فتكون لدينا ردود أفعال بحسب طبعنا وفطرتنا، بطريقة ليست أفضل من الحيوانات البرية: «لأنه تمرمر قلبي وانتخست في كليتي. وأنا بليد ولا أعرف. صرت كبهيم عندك.» (العددان 21-22). فبدلاً من سماحنا لإعلان كلمة الله من كلمته أن يوجه أفكارنا ويشكل مشاعرنا، فإننا نسمح للمرارة أن تفسد أذهاننا. وبدلاً من التفكير المنطقي المبنى على حقائق وأساسيات الكتاب المقدس – يغلب علينا التفكير العاطفي.
منظور سليم
تُرى، ما الذي غير اتجاهه؟ كان إعلان الله هو الذي أعطاه منظوراً سليماً للأشياء:
«فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني.
حتى دخلت مقادس الله وانتبهت إلى آخرتهم.
حقاً في مزالق جعلتهم. أسقطتهم إلى البوار.
كيف صاروا للخراب بغتة. اضمحلوا فنوا من الدواهي.
كحلم عند التيقظ يا رب عند التيقظ تحتقر خيالهم.…
لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون. تهلك كل من يزني عنك.» (الأعداد 16-20، 27)
بمعنى آخر، كان منظور الأبدية هو الذي غير كل شيء، وهو المنظور الذي كان الله في محوره. لذلك نحتاج أن نتذكر دائماً أن هذه الحياة ليس كل شيء لدينا، إذ تنشأ مشاكلنا عندما نتعامل معها كما لو كانت كذلك. يشبه الأمر مشاهدة فيلم يبدو فيه أن الشرير سيتمكن من النجاة بعد أن قام بجريمة قتل حرفياً، ثم نقوم بإيقاف الفيلم قبل أن يُكمل إلى نهايته، هكذا يبدو أنه ليس هناك عدك. لكن ما علينا القيام به، وهو أن نسمح للفيلم بأن يصل إلى نهايته، حيث ينال القاتل جزاءه العادل.
لكن الحقيقة المروعة هي أن الناس قد يهربون من الحكم والإدانة هنا في هذا العالم، ولكنهم بالتأكيد لن يستطيعوا الهروب منه هناك في الأبدية. فالناس الذين يظنون أن الله لا يراقب ولا يرى كل شيء، ولا يلاحظ الأفعال الشريرة، من الأفضل لهم أن يفكروا مرة أخرى. فليست هناك كلمة واحدة مسيئة، ولا فعل واحد غير أمين، لا يراه الله ولا يتذكره. فبدلاً من أن نحسد هؤلاء الناس يجب أن نشفق عليهم.
وبدلاً من أن نرغب في أن نكون مثلهم، ويكون لدينا ما لديهم، يجب أن نصلي لكي يصبحوا مثلنا. فيجب أن نشاركهم ببشارة الإنجيل لكي يرجعوا إلى المخلص قبل فوات الأوان. ففي يوم ما سوف يُظهر الله عدله بغضب لا يهدأ – هكذا قال يسوع – فيما يسمى بيوم الدينونة. ولكنه في الوقت الحاضر يظهر صلاحه في طول أناته وصبره غير المحدود، مقدماً للناس فرصة للتوبة ولتغيير طرقهم (2بطرس 3: 9).
كيف يكون الله إذاً صالحاً للمؤمنين، لأنقياء القلب؟
«ولكني دائماً معك. أمسكت بيدي اليمنى. برأيك تهديني وبعد إلى مجد تأخذني. من لي في السماء ومعك لا أريد شيئاً في الأرض. قد فني لحمي وقلبي. صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر.» (23-26).
أيهما أفضل، أن نعاني من الظلم والصعوبات في هذا العالم، والله إلى جانبنا، أم أن نعاني عدل القصاص والظلمة الأبدية في العالم الآتي، حيث يتركنا الله خارجاً؟ نعم، قد يحظى الفاسدون والخطاة بقدر من المتعة، لكن ما هذه بالمقارنة بالإرشاد المخلص والدائم، ورعاية الآب السماوي التي يعطيها لأبنائه – حتى أبنائه الذين قد يشكون ويصرخون فيه في اكتئابهم؟ أيهما أفضل؟
في إحدى الأيام توجهت امرأة إلى مكتب مشير مسيحي معروف، وهذا هو ما قالته له: «قبل أن آتي إلى هنا، كنت منغمسة في حياة المتعة واللهو، وكنت أشعر أنني على ما يرام. قد كان هذا مثيراً وممتعاً. لكني منذ أن قررت أن أسلم حياتي للمسيح، وجدت أن الحياة قد أصبحت صراعاً مستمراً. كانت الحياة العالمية أكثر سهولة وأسعد حالاً من الحياة المسيحية. لكني لست مستعدة أن أرجع إلى الوراء لأي سبب من الأسباب، فقد ذقت الحق. ورغم أنه في بعض الأحيان يكون مؤلماً، إلا أنني أريد المزيد منه. فلأول مرة في حياتي أشعر أنني حية فعلياً وأنني مكتملة. إنها حياة حارقة مثل النيران، ولكنها تستحق أن تعاش، لأنني الآن إنسانة مكتملة.»
من الأفضل كثيراً أن تكون مسيحياً واقعياً ويكون لديك هذا المنظور السليم والمحبة والفرح بالمسيح في حياتك، من ألا تكون مسيحياً وتحيا حياة فارغة وطائشة، ستنتهي يوماً ما نهاية غير سعيدة.
فإذا كان الله صالحاً لا بد أن يرغب في إزالة الشر، وإذا كان كلي القدرة فلا بد أنه يستطيع إزالة الشر. ونحن نؤمن أن الله كلي الصلاح وكلي القدرة معاً، لأن لدينا، على عكس كاتب المزمور، امتياز النظر إلى المشكلة من جانب الصليب. لأننا نستطيع أن نقول أنه بنظرنا إلى الصليب، رغم أن الله لم يُزل الشر بعد، (رغم أنه سيفعل ذلك في يوم من الأيام)، إلا أنه أعطى الشر لطمة حاسمة وقاضية.
بل الأكثر من ذلك، عند ذلك الصليب يمكننا أن نرى صلاح الله وقدرته ظاهرة بشكل مميز للغاية، لأن هذه بالتحديد هي الطريقة التي اختارها لكي يغفر لنا خطايانا ويأتي بنا إلى بيته وإلى نفسه. لذلك يمكننا بالأحرى أن نقول بثقة أعظم:
«أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي. جعلت السيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك.» (ع 28).
بالنهار يوصي الرب رحمته وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي.
أقول لله صخرتي لماذا نسيتني.
لماذا أذهب حزيناً من مضايقة العدو.
بسحق في عظامي عيرني مضايقي بقولهم لي كل يوم أين إلهك.
لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ.
ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي.»
«لو كنت مسيحياً أفضل، لما شعرت بمثل هذا الإحباط الشديد». لقد سمعت هذه العبارة مرات كثيرة من مؤمنين كانوا يشعرون بالإحباط، أو يجتازون بنكسة عميقة. وأنا أعتقد أن هذا أمر لا يثير الدهشة، حيث أنهم يقرأون ذلك في بعض الكتب المسيحية، كما أن بعض الوعاظ يغذون فكرة أنك إذا كنت مكتئباً فهذا علامة على عدم الإيمان، حيث أن الحياة المسيحية الطبيعية هي حياة النصرة التي لا تنتهي. ويتم حثنا بدلاً من ذلك على أن «نمتلك مواعد الله»، «فالله هو المهدئ الوحيد الذي احتاج إليه»، هذا هو ما قاله أحد المشاهدين الذين اتصلوا تليفونياً في برنامج تلفزيوني كان يظهر فيه طبيب نفسي مسيحي معروف. والنتيجة هي أن أولئك الأشخاص المعرضين للاكتئاب من وقت إلى آخر، يشعرون بالنقص، حيث يتم وضعهم ضمن «الذين يتم تحديهم روحياً».
لذلك يدعو الأمر إلى الراحة أن نكتشف الكم الكبير من كتاب الكتاب المقدس الذين عرفوا تماماً ماذا يعني الاكتئاب. فيفكر المرء في الحال في أيوب وهو يجتاز عذاب فقده لأبنائه، ومرضه، أو في إرميا، الذي كانت عدم استجابة مستمعيه لكلمة الله قد جعلته يرغب لو لم يكن قد ولد أبداً. بل وحتى أعظم هؤلاء جميعاً، في وسط الحزن والخوف الذي كان يشعر به في بستان جثسيماني، وقع على كاهله حمل ثقيل من الاكتئاب. لذلك فوسط شعب الله، لا يعتبر الاكتئاب أمراً غريباً أو نادراً. فمارتن لوثر[1]، وديفيد برينرد[2]، وسي إتش سبيرجن[3]، وآمي كارميشل[4]، وديفيد واتسون[5]، وكثيرون غيرهم، كان عليهم جميعاً أن يصارعوا مع ما أطلق عليه ونستون تشرشل “اكتئاب الكلب الأسود”.
وفي هذا الفصل، سنفكر في حالة شخص اجتاز ما يمكن أن نصفه فقط بأنه اكتئاب روحي – وهو كاتب مزمور 42. فإذ نستمع إلى همساته الفكرية لا نكتشف فقط الكثير مما يمكن أن نشابهه فيه، بل أيضاً نتعلم بعض الدروس الثمينة لكيفية تأقلمنا مع هذا النوع من الاكتئاب وتكيفنا معه. فالحقيقة أننا نكتشف أن هناك ثلاث مراحل أساسية لا بد أن نجتاز فيها لكي نتكيف مع الاكتئاب الروحي، وهي: الاعتراف، والتفكير بتروي، والتماسك والرجاء.
الاعتراف
أول كل شيء، يجب أن نعترف بما نشعر به. ألا يثير دهشتنا مدى صراحة وشفافية هذا الرجل بشأن مشاعره، فهو يدع مشاعره تتدفق ببساطة أمام الله، فلا يوجد لديه التحفظ الإنجليزي بزم الشفتين وكبت المشاعر، ولا اللجوء إلى وضع القناع المسيحي البلاستيكي الباسم، بل هو يقوم بالاعتراف بصراحة بكامل مشاعره المخيفة والمحبطة.
انظر إلى نوع التشبيه الذي يستخدمه لوصف حالته الفكرية والروحية، فهو يشعر بالجفاف:
«كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدام الله.»
فكر معي في تلك الصور لحرب الخليج، والقوات وهي تشعر بالضعف والجفاف في الصحراء الحارة القاحلة، حيث لا ترى العين سوى الرمال الحارقة والسماوات الزرقاء الصافية. تخيل أنك موجود هناك دون أية مياه، وأنك وصلت إلى مرحلة الجفاف. ستشعر بالضعف، وكل ما يمكنك التفكير فيه هو الراحة التي ستشعر بها إذا شرب كوب من الماء المثلج. هذه هي الحالة التي شعر بها هذا الرجل روحياً. فقد كان يشتاق إلى الله مثل رجل ظمآن يتوق إلى المياه. وهذا كان يعني له أن يتقابل مع الله في هيكله «هذه أذكرها فأسكب نفسي عليّ. لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد جمهور معيد.» (ع 4)، بالطبع، كان المرنم يؤمن أنه يمكنه الاقتراب إلى الله في أي مكان، وإلا لما كان قد صلى على الإطلاق، لكنه يؤمن أيضاً أن الله يسكن وسط شعبه بطريقة خاصة عندما يجتمعون معاً في الهيكل، أو كما يمكننا أن نصيغها بشكل آخر، عندما نلتقي معاً في الكنيسة، ولكنه الآن بعيد عن كل هذا ومعزول عن كل شيء، وهذا يقوده حرفياً إلى الاكتئاب.
الأكثر من ذلك، إنه ممتنع عن الطعام، كما يحدث هذا كثيراً عندما نشعر بالاكتئاب، «صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك.» (ع 3). فهو لا يستطيع أن يأكل، كما يشعر بالاضطراب وعدم الراحة، فلا يستطيع أن ينام، أو أن يتوقف عن البكاء. وقد يشعر بالتذبذب، ففي لحظة ما يشعر أنه متماسك. وفي اللحظة التالية قد يشعر دون سبب واضح أنه يبكي دون قدرة على التحكم، ولكنه لا يشعر بالخجل من الاعتراف لله بذلك.
لكن ما يجعل الأمور أسوأ، إن كان يمكن أن تكون أسوأ، هو التهكم والسخرية الذي يكون عليه تحمله من الذين يشاهدونه، الذين يفرحون بالإشارة إلى بطلان إيمانه بالله: «صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك.» (ع 3). فهو يتمنى أنه لو فقط استطاع أن يوضح لهم أمراً ما، نوعاً من عمل الله، فيقول: «إنه ليس هكذا، بل هو إله يعتني». لكما في ذلك نوع من التعزية. لكنه يشعر أنه لا يستطيع القيام بذلك، فيبدو أن أعداءه كان لديهم كل من السبب والخبرة لكي يقولوا، هذا كثير جداً على إيمانك، فما الهدف من وجود إله غير فعال وغير متواجد عندما تحتاج إليه؟» فكيف يمكن للمرء أن يجيب على هذا؟ إنه أمر جارح، فهو يفرك الملح في جرح متقيح بالفعل.
لكن هذا الرجل لا يشعر فقط كما لو أنه في صحراء روحية، ولكنه يشعر كذلك أنه يغرق عاطفياً: «غمر ينادي غمراً عند صوت ميازيبك. كل تياراتك ولججك طمت عليّ” (ع 7). ليس في هذا تناقض مع ما قاله سابقاً عن حالة الجفاف التي يشعر بها، بل هو أمر مرتبط باختباره. فبينما يشير العطش إلى غياب شيء ما – غياب سلام الفكر أو غياب الله – فإن الغرق يشير إلى العجز الذي نشعر به عندما نكون “في الأعماق”. فتجربة الاكتئاب بأكملها تطمو علينا حتى أننا نشعر أننا لا نستطيع أن نبقي رؤوسنا مرفوعة فوق المياه، بل نغوص تحتها بسهولة.
نجد هنا مبدأ شديد الأهمية نحتاج أن نفهمه جيداً إذا أردنا أن نتكيف مع هذا النوع من المشاعر، وهذا المبدأ هو الحاجة إلى الاعتراف بتلك المشاعر. فبدلاً من رفضها وقولنا: «إنها لا تهم»، أو ما هو أسوأ، أن ننكر وجودها كلية، لا بد أن نواجهها ونعبر عنها. واحد من الأمور التي يلاحظها علماء النفس، هو أن الاكتئاب يرتبط في كثير من الأحيان بالغضب المكبوت، بل أن أحد المعالجين النفسيين دعا الاكتئاب بأنه حالة من “الغضب المتجمد”. فإذا تم كبت هذه المشاعر الغاضبة في المؤمن، فمن السهل للغاية أن يتم تحويلها إلى الله، فنشعر داخلياً بالثورة والضيق والغضب تجاه الله. وإذا حدث ذلك، فإننا، مثل كاتب المزمور، نحتاج أن نخبر الله ونشاركه بكل هذه المشاعر التي نحس بها تجاهه: «أقول لله صخرتي لماذا نسيتني. لماذا أذهب حزيناً من مضايقة العدو. بسحق في عظامي عيرني مضايقي بقولهم لي كل يوم أين إلهك.» (العددان 9 -10).
كتب ويليام بليك قصيدة صغيرة تعبر عن هذا الأمر جيداً:
غضبت من صديقي.
فأخبرته بغضبي،
فانتهى غضبي.
غضبت من عدوي.
فلم أخبره بغضبي،
فازداد غضبي.
هذا صحيح. فإننا إذا شعرنا بالغضب تجاه الله وأخبرناه به، فعندها يمكن التعامل مع هذا الغضب. ولكننا إذا لم نفعل، فإنه ببساطة سوف يزداد. لذلك يعتبر أمر حيوي أن نعبر عما نشعر به بدلاً من كبته، فغالباً ما يكون الاكتئاب غضباً تحول إلى الداخل. لذلك فمن الأفضل جداً أن نحوله إلى الخارج، وأن نعبر لله عن هذه المخاوف والهموم.
التفكير بتروي
إلا أن مجرد إخراج مشاعرنا والتنفيس عنها ليس كافياً، بل يجب أن نشغل فكرنا – ونفكر بتروي. وهذا بالتحديد هو ما فعله هذا الرجل في عدد 5: «لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ. ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه.»
في كتابه الكلاسيكي، Spiritual Depression، يكتب د. مارتن ليود جونز، طبيب هارلي ستريت الذي تحول إلى واعظ، ما يلي:
لا بد أن نتحدث إلى أنفسنا، بدلاً من أن ندع أنفسنا تتحدث إلينا. فالمشكلة الحقيقية في هذا الاكتئاب الروحي بأكمله هي أننا نسمح لأنفسنا بأن نتحدث إلينا بدلاً من أن نتحدث نحن إلى النفس. لا بد أن تأخذ نفسك بين يديك، وتخاطبها، سائلاً إياها، وقائلاً لها، “ارتجي الله”، بدلاً من أن تتمتم بكلمات الاكتئاب والحزن.[6]
فكيف يتحدث إلى نفسه، ويحث نفسه على أن تضع رجاءها في الله؟
أولاً، يبدأ بالتذكر، والنظر إلى الخلف، وإلى الأيام السالفة في العبادة الجماعية: «هذه أذكرها فأسكب نفسي عليّ. لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد جمهور معيد.» (ع 4). لكن يجب الاعتراف بأن هذه تجربة حلوة ومريرة في نفس الوقت. فقد كانت هذه أوقات ماضية طيبة، أوقات اللقاء مع الله ومع شعبه، في المناسبات العظيمة التي كان يستمع فيها إلى كلمة الله وهي تقرأ، بكل وعودها، والتي كان يرفع فيها قلبه مع المؤمنين الآخرين في الصلاة والتسبيح. لذلك فهو يفكر في تلك الأوقات العظيمة، ويتأمل فيها.
ومن المهم أنه يبدأ بالعبادة الجماعية بدلاً من العبادة الشخصية، حيث أن هذه تضفي نوعاً من الموضوعية إلى الموقف. فإذا كان قد ركز فقط على حياته الدينية الشخصية، كان يمكن أن يعرض نفسه للشك في أنها كانت كلها تخيلية. لكنه بتفكيره في أشخاص آخرين، وفي كلمة الله التي كانت تعلن بينهم – كان هذا أمراً يصعب إنكاره، فمن غير الممكن أن يكون كل هؤلاء الناس في تلك المناسبات العظيمة مخدوعين أو واهمين. وهذا يعني أن الإيمان المسيحي ووجود الله يظل حقيقة بغض النظر عن مشاعرنا بهذا الشأن. فليس الأمر أن الله «حقيقي بقدر ما أشعر به»، فهذا تفكير ذاتي للغاية. لذلك يرجع الكثير من يأس المسيحيين اليوم، للأسف، إلى أن الناس يقيسون حقيقة وواقعية وجود الله بهذه المقاييس العاطفية، وهذا أمر لا جدوى منه. والآن هل يمكنك أن تفهم لماذا يكون اللقاء المنتظم مع مؤمنين آخرين في الكنيسة، والاشتراك في مجموعات دراسة الكتاب المقدس، أمور مهمه للغاية؟ فهي تقدم لنا النظرة الموضوعية والقوة، وهي الأمور التي نحتاج إليها للحفاظ على ثقتنا في الله، كما أنها تعطينا هذا المنظور المنفتح بأن المسيحية صادقة وواقعية. لذلك نستطيع العودة إلى تلك الأمور، وتذكرها، عندما نجد أنفسنا بمفردنا ونحن نواجه المتاعب والاضطرابات.
كما نجد هذا المبدأ أيضاً في عدد 8: «بالنهار يوصي الرب رحمته وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي.» (أتذكر الله نهاراً وليلاً، وكيف اعتاد أن يظهر لي محبة عهده: فكنت أسبحه بترنيم، وأصلي إلى الله الذي كان هو حياتي) (بحسب ترجمة المؤلف). فهو يتحدث عن محبة عهد الله، أي الوعد بنعمته كما أعلنها من خلال كلمته، أو كما يمكننا أن نعبر عن ذلك اليوم، وعد محبته الذي لدينا في الإنجيل. فالله قد تكلم، ووعد بأنه سيحبنا بمحبة أبدية، وأنه على الرغم من خطيتنا فإنه لن يتركنا أبداً. هذه حقيقة، وهذا هو الحق الذي أعلنه الله، وهو لا يكذب أو ينكث عهوده.
إحدى المقاطع التي تلقي بالضوء على هذا الأمر هو رومية 8: 37، فهناك يذكر بولس كل الصعوبات التي يمكن أن تواجه المسيحي في هذه الحياة – مثل الاضطهاد، والألم، والجوع – أي الظروف التي يمكن عادة أن تشككنا في محبة الله. وإذ ذكر كل هذه الأمور، يقول الرسول بولس: «في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا». لكننا لو كتبنا ذلك اليوم لما كنا سنكتبه بهذه الطريقة، بل كنا سنقول: «في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي يحبنا». لكن بولس يستخدم الزمن الماضي الذي يشير إلى أن هذا «قد حدث بالفعل مرة واحدة». وليس من الصعب فهم سبب ذلك. لأنه أين يمكننا أن نرى محبة الله معلنة بوضوح شديد إلى في الصليب؟ فإن هذا الحدث التاريخي هو الذي يجب أن ننظر إليه لننال الثقة واليقين في أن الله أحبنا ويستمر في محبته لنا، وهي محبة بدايتها منذ الأزل، وهي التي جعلت ابن الله يعلق على الصليب كفارة لخطايانا، وهي التي ستأخذنا إلى السماء. لذلك نحتاج أن نرجع بعيون أذهاننا باستمرار إلى هناك ونقول «إذا كان الله قد فعل كل هذا لأجلي، فهل سيتخلى عني الآن؟» وستكون الإجابة هي «كلا، بالطبع». فلا يمكن أن يفعل الله ذلك.
لكن هذا اليقين لا يأتي بطريقة تلقائية، فنحن نحتاج أن نفكر فيه، وأن نحلله، وأن نغوص بأفكارنا في الحق الكتابي ونعيش حياتنا في ضوء أمجاده. كما يعبر عن ذلك د. ليود جونز بقوله: «تحدث إلى نفسك، بدلاً من أن تدع نفسك تتحدث إليك.» فالمشاعر تمضي وتجيء، والاختبارات الشخصية قد تكون متذبذبة، لكن الحق لا يمكن إضعافه بسهولة. وهذا هو السبب الذي لأجله أعطانا الله الكتاب المقدس؛ الذي من خلاله يمكننا أن ننال الثقة في أمانه الله ولذلك فإننا نتأمل فيه ونأكله بفرح.
التماسك والرجاء
وأخيراً نأتي إلى المرحلة الثالثة، وهي التماسك والرجاء. من الضروري للغاية أن ندرك أن هذا التماسك يأتي في النهاية. فيجب ألا نقول على الإطلاق لشخص أثناء اجتيازه لهذا النوع من الأزمات: «قم انتفض وتماسك». فهذا أمر قاس وغير حساس رعوياً. بل يجب أن نكون معه ونسانده على التعبير عما يشعر به، مع تقديم تشجيع رقيق من الكتاب المقدس. عندنا فقط بمعونة الله سيكون لديه التصميم على المضي إلى الأمام.
والآن، في عدد 11، هل يقول المرنم أنه عند نقطة معينة في المستقبل سوف يسبح الله، أم أنه سوف يبدأ في تسبيح الله في الحال؟
«لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ. ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي.»
لقد فهم المرنم لماذا يشعر بالإحباط، وما الظروف التي جعلته يشعر أنه وحيد وبعيد عن شعب الله وعن وسائط النعمة، لماذا يطارده أعداؤه. لكنه بعد ذلك يرفع عينيه إلى ما هو أبعد من الوقت الحالي، ويحصل على منظور أكبر لله باعتباره صخرة، الله الملئ بمحبة العهد، والذي أظهر أمانته في الماضي، ولذلك فإنه يصمم قائلاً: «ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي.» وهذا فعل إرادي، مبني على الحق، فإذا تبعته المشاعر، حسناً، وإذا لم تتبعه المشاعر، فلا بد أن نستمر ونواصل التقدم للأمام.
لقد ذكرت من قبل أن المصلح العظيم مارتن لوثر اجتاز بمثل هذا الاكتئاب. ففي مرحلة ما من مراحل حياته عانى من اكتئاب حاد. فقد كانت الكنيسة تضطهده، وكان ابنه يعاني من مرض شديد، وكانت زوجته تمر بحمل صعب به الكثير من المتاعب، وكان إبليس يجربه بشكل مروع. لذلك يمكننا أن نفهم لماذا بدأ يشك فيما إذا كان الله يعتني ويهتم حقاً. وفيما يلي بعض الكلمات التي يصف بها أحد رواة سيرته الذاتية استجابته تجاه ذلك:
ليس المهم المدة أو شدة حالات الاكتئاب التي شعر بها مارتن لوثر، حيث أنها كانت تتكرر كثيراً طوال حياته، ولكن المهم هو أنه كان يستطيع أن يتغلب عليها من خلال كم مذهل من العمل. فقد كان يشعر أنها أمور حتمية إذا كان المرء يريد فهماً حقيقياً للأمور الروحية، لأنه «لا يعرف ما هو الرجاء الذي يمكن أن يكون لدى شخص لم يخضع فقط للتجارب.» وفي نفس الوقت، كان لا بد من تجنب الوقوع في هذه الحالات إن أمكن. لكن كيف؟ باعتباره رائداً روحياً في عصره، لم يكن يستطيع أن ينظر إلى الآخرين طلباً للتأكيد والمساندة، كما أنه لم يكن يجد في نفسه أي شيء يمكن أن يبني عليه رجاؤه. لذلك كان لا بد أن يأتي تأكيده ومساندته من الله، ولكنه لا يستطيع أن يعرفه معرفة مباشرة، لذلك ففي التحليل الأخير كان لا بد أن يتأصل في الكتاب المقدس. هذا هو السبب في أنه أعطى الأولوية لترجمة الكتاب المقدس؛ وهذا لكي يجد كل إنسان الحق بنفسه. وفي مرات أخرى، كان يقول بطريقة التفكير الأرضية العادية أن أفضل طريقة للتغلب على اليأس هي الخروج والجلوس بين الناس، والضحك، والفكاهة، والترنيم، والانشغال، وحتى الغضب معهم؛ افعل شيئاً نافعاً، مثل تلجيم حصان، أو نثر السماد في الحقول. كما أن الموسيقا فعالة بصورة خاصة لأن إبليس كائن كئيب يهرب من الموسيقا.[7]
إنها نصيحة حكيمة من رجل حكيم بشأن نوع غريب من الألم.
[1] دولينا ماكويش، Luther and His Katie (CFP، 1974).
[2] انظر The Works of Jonathan Edwards, Volume 2، الصفحات 313-447 للتعرف على قصة حياة براينرد (Banner of Truth، 1988)
[3] انظر إي سكوجلاند، Coping، الصفحات 12-38 (Regal Books، 1980).
مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء
مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء
مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء
أيوب 42
فيما يلي جزء من مثل رواه البروفيسور باسيل ميتشل: في زمن الحرب في بلد من البلاد المحتلة، التقى عضو من المقاومة في إحدى الليالي بغريب أذهله بعمق، وقضيا تلك الليلة يتجاذبان أطرف الحديث معاً فأخبر الغريب هذا العضو أنه هو نفسه إلى جانب المقاومة – والحقيقة أنه هو قائدها، وحث المقاوم على أن يثق فيه مهما حدث، كان المقاوم مقتنعاً تماماً بصدق وإخلاص الغريب في هذا اللقاء، وشرع في الثقة فيه.
لكنهما لم يلتقيا في ظروف مماثلة بعد ذلك، لكنه في بعض الأحيان كان يرى الغريب يساعد أعضاء في المقاومة، وكان عضو المقاومة ممتناً له وقال لأصدقائه، «إنه إلى جانبنا». وفي بعض الأحيان كان يُرى مرتدياً زي الشرطة وهو يسلم الوطنيين إلى قوى الاحتلال. وعندها كان أصدقاؤه يتمتعون بكلمات ضده: لكن المقاوم كان لا يزال يقول: «إنه إلى جانبنا». كان لا يزال يؤمن بذلك على الرغم من المظاهر المخالفة، فالغريب لم يخدعه، وفي بعض الأحيان كان يطلب المساعدة من الغريب، وكان يتلقاها بشكر. وفي أحيان أخرى، كان يطلب المساعدة لكن لا يتلقاها. وعندها كان يقول: «الغريب يعرف أفضل.»[1]
إننا إذ نأتي إلى نهاية دراستنا لأيوب، يبدو لنا معنى هذا المثل واضحاً. لأنه في الجوهر، كان هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه أيوب. وبحسب العهد الجديد، إنه الدرس الذي علينا نحن أيضاً أن نتعلمه، وهو أنه على الرغم من المظاهر المناقضة، فإن “الغريب” – أي الله – يعرف أفضل، ونحن قد دعينا لأن نثق فيه.
الدعوة إلى الثقة
بدأ اتجاه أيوب الشخصي بمزيج من الشفقة على الذات والثقة في الذات. فحيث أن حياته قد انهارت وتدمرت بمصيبة تلو الأخرى، لم يكن من المستغرب أن يغوص أيوب في أحزانه. لكنه على الرغم من نصيحة زوجته له بأن يلعن الله ويموت، أصر أيوب على الدفاع عن براءته الشخصية. لكن على النقيض من ذلك، كان الاتجاه الذي شجع عليه أصدقاء أيوب الثلاثة هو اتهام الذات. «لا بد أن تعترف يا أيوب أنك تتألم بسبب خطيتك. هذه هي دينونة الله عليك، تب وسيكون كل شيء على ما يرام.» لكن أيوب رفض أن يتم إجباره على توقيع اتهام باطل، وإنكار براءته. بعد ذلك ظهر الصديق الرابع أليهو في المشهد، وحث أيوب على تبني اتجاه آخر، وهو تهذيب النفس. فدعا أيوب أن يرى أن هناك نوع من السبب والهدف من ألمه، فليس الأمر قصاصاً بل تهذيباً وتدريباً، لكي يدرك أنه بقدر ما، هذه هي طريقة الله لتهذيبنا وتقويمنا. ثم أخيراً، تحدث الله إلى أيوب، والاتجاه الوحيد الذي ترك مفتوحاً لأيوب كان التسليم، والسقوط أمام الله في مهابة ورهبة واتضاع. وهذا بالطبع هو الاتجاه الذي يريده الله.
يشعر كثيرون من الناس أن القصة كان يجب أن تنتهي في أيوب 42: 6، بسقوط أيوب على ركبتيه، وهو يقول: «لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد.» لكن يبدو أمراً لا يمكن تصديقه تقريباً بالنسبة للبعض، أنه بعد ذلك الصراع القاسي مع مشكلة الألم التي فيها تم التعبير صراحة عن تحدي المعتقدات التقليدية القديمة، أن يتخلى الكاتب عن كل ذلك، وينهي القصة مثل نهايات الروايات الخيالية، «وعاشوا جميعاً معاً بسعادة.» قد تكون للروايات الخيالية نهايات سعيدة، ولكن ذلك لا يحدث في معظم الأحيان في الحياة الواقعية. فعندما تنتهي القصة بأن أيوب أصبح لديه أكثر مما كان له في الأصل، فإن هذا يقوض الجدل الرئيسي للسفر، لأنه يعطي الانطباع بأن نظرية القصاص العقابية هي نظرية صائبة؛ وهي أنك إذا كنت شريراً سوف تعاقب، وإذا كنت صالحاً سوف تكافأ؛ كما لو أن الله كان يحاول أن يسترضيه بقليل من الأشياء الجيدة، وهو يقول له: «إنني لست شريراً على أية حال، فأنا عطوف، كما تعرف».
بالقراءة السطحية للنص، يمكن للبعض فعلاً أن يعتقدوا ذلك، ولكني أعتقد أنه لم يكن من الممكن أن تكون النهاية غير ذلك. لأننا إذا كنا قد انتهينا ببساطة بمجرد لقاء أيوب مع الله، كان يمكن أن يتم تبرير حكمة الله وقوته، ولكن ليس عدله، إذا كان قبل كل شيء هو الاهتمام الأساسي لأيوب.
في هذه الخاتمة، نرى كلاً من عدل الله ورحمته، يلتقيان معاً بشكل كامل.
بل وأكثر من العدل.
بداية، نرى عدل الله في الطريقة التي تعامل بها مع أصدقاء أيوب الثلاثة:
«وكان بعدما تكلم الرب مع أيوب بهذا الكلام أن الرب قال لأليفاز التيماني قد احتمى غضبي عليك وعلى كلا صاحبيك لأنكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي أيوب. والآن فخذوا لأنفسكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى عبدي أيوب وأصعدوا محرقة لأجل أنفسكم وعبدي أيوب يصلي من أجلكم لأني أرفع وجهه لئلا أصنع معكم حسب حماقتكم لأنكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي أيوب. فذهب أليفاز التيماني وبلدد الشوحي وصوفر النعماني وفعلوا كما قال الرب لهم ورفع الرب وجه أيوب» (أيوب 42: 7-9).
هل تذكر كيف كان على أيوب أن يتحمل الكثير من الافتراءات، وكيف تم ذمه مرات ومرات، وتم وضع صفاته وشخصيته موضع المساءلة والتشكك؟ هل تتذكر الآن كيف تم اتهامه بأنه مرائي، وأنه يتبنى أفكاراً شريرة، وأنه قد حصل على ثروته من خلال ممارسات قاسية؟ كان هذا مؤلماً للغاية. ولكنه كلما اعترض أكثر، كلما اقتنع متهموه أكثر بأنه يخفي شيئاً ما. كان أيوب يحتاج بشدة إلى شخص يأتي للدفاع عنه؛ شخص يعرف الحقيقة ويشهد ببراءته. لكن لم يكن هناك إلا شخص واحد استطاع أن يفعل ذلك، الله نفسه.
وهذا بالتحديد هو ما نجد الله يفعله هنا. فقد غضب من المعزين الثلاثة لأيوب بسبب ما قالوه. ربما كانوا مخلصين في اعتقاداتهم، لكن الإخلاص ليس مبرراً، فقد كانوا على خطأ واضح. كانوا مخطئين فيما قالوه عن أيوب، كما أن مفاهيمهم كان خاطئة بالنسبة لما قالوه عن الله، فمما يثير السخرية أن هؤلاء الثلاثة اعتقدوا أنهم يمثلون الله، بينما في الحقيقة كانوا طوال الوقت يسيئون فهمه. وفي النهاية، قام لاهوتهم بالتقليل من الله إلى مجرد طاغية متناقض مع نفسه، زاعمين أنه يفعل كل شيء لمجرد فقط العقاب، لكن من الواضح أن نظريتهم لم تتفق مع الحقائق، لذلك كانت النتائج ظهور الله وكأنه وحش متجبر، يعاقب بعض الناس ويترك الآخرين. وهذه نظرة خاطئة لله. لذلك نحتاج أن نكون شديدي الحذر حتى لا نجد أنفسنا نشوه صورة الله، ربما بالتركيز على عدله. لكن مثل هذه الصورة المريعة الباطلة لن تمر مرور الكرام.
لقد تم تبرئة أيوب في الوقت المناسب، لكن هذا لا يحدث دائماً بالنسبة للمسيحيين، فقد نواجه سوء الفهم أو تشويه السمعة، حتى ممن يطلق عليهم أصدقاؤنا المسيحيون، ويكون علينا أن نعيش مع هذا الألم. لكن سيأتي اليوم الذي سينكشف فيه كل شيء، عندما تفتح الأسفار – وسيكون هذا هو يوم الدينونة. وعندها سوف توضع الأمور في نصابها الصحيح، وتنكشف تلك الأكاذيب وأنصاف الحقائق، وتلك السخرية والاحتقار التي ربما كان علينا احتمالها، ليس فقط لأنه قد دعي علينا اسم يسوع، بل أيضاً لأنه كانت لدينا الشجاعة لكي نطبق إيماننا بطرقة عملية، حيث أحجم المسيحيون الآخرون عن ذلك. لذلك ليس علينا أن ننشغل كثيراً بمحاولة تبرئة أنفسنا، بل بدلاً من ذلك، علينا أن نكمل ما دعانا الله لتحقيقه، ونترك الحكم له. وسوف يعمل هو على إعلان براءتنا إذا كنا أبراراً. لذلك دعونا ألا نقلق بشأن هذا الأمر بإفراط.
وها هي الكلمات الحكيمة التي قالها الرسول بولس في هذا الشأن (وهو رجل مثل أيوب، عرف معنى أن يساء فهمه ويفترى عليه بواسطة أصدقائه): «إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله.» (1كورنثوس 4: 5).
نعمة مذهلة
لا نرى هنا فقط عدالة الله العاملة، لكننا نجد رحمته كذلك – رحمة الله التي لا نستحقها. فقد أظهر الله رحمته عندما قدم طريقة للتعامل مع خطايا أصدقاء أيوب وغفرانها. فلو كان الله قد عاملهم بحسب عدله الصارم، كما كانوا يجادلون بأن الله لا بد أن يعامل كل إنسان بهذه الطريقة، لكانوا قد أزيلوا من الوجود. ولكن الله لم يتعامل معهم هكذا. كان لا بد من التكفير عن الخطية، وقد تطلب ذلك ذبيحة. بل الأكثر من ذلك، كان لا بد من وجود شخص لكي يتشفع لأجل الخطاة، شخص له مكانة جيدة، شخص يسمعه الله. وكان الشخص الوحيد الذي حقق كل هذه المتطلبات هو الشخص الذي افتروا عليه باعتباره كاذباً ومخادعاً – أيوب.
وقد صلى أيوب لأجلهم بالفعل، وقبل الله صلاته. لم يكن لدى أيوب حقد أو استياء وغضب ضد هؤلاء الرجال الذين باتهاماتهم القاسية، قد أشعروه بألم وحزن أكثر مما استطاع احتماله. بل كان لديه فقط العطف تجاههم. وإني أتساءل، ترى كم منا يمكن أن تكون له نفس النعمة في التصرف بتلك الطريقة؟ إن أيوب شخص يثير الإعجاب حقاً، أليس كذلك؟ ففي كثير من الأحيان، عندما يقول شخص ما كلمات سيئة ضدنا فإننا لا ننساها، ونعمل على ألا ينساها هو أيضاً. لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة لأيوب، فقد صلى لأجل أصدقائه. وهنا نتذكر سريعاً شخصاً آخر تألم وصلى لأجل أولئك الذين سخروا منه واستهزئوا به وبصقوا على وجهه وصلبوه. فقد صلى يسوع: «يا أبتاه اغفر له لأنهم لا يعلمون ما يفعلون.» ألا يوجد في استجابة أيوب على الأقل شبه بعيد بالطريقة التي كان الله يظهر بها دون أي شك أنه عادل ورحيم في نفس الوقت، بأن قدم أعظم تضحية وذبيحة لأجل خطايانا، في جسد ابنه الوحيد على الجلجثة (رومية 3: 26)؟ فالله لا يناقض نفسه، كما أوحى منطق أصدقاء أيوب بذلك، إذ أن الله لا يتجاهل الخطية، بل قد تعامل معها بأن حملها في نفسه في شخص ابنه الحبيب، لكي ننال نحن الحرية.
فضلاً عن ذلك، إننا نرى أيضاً رحمة الله تظهر لأيوب في الطريقة التي استرد بها حياته السابقة، ليس فقط كما كانت، بل أكثر بكثير: «ورد الرب سبي أيوب لما صلى لأجل أصحابه وزاد الرب على كل ما كان لأيوب ضعفاً.» (42: 10).
لكن من المهم ألا نرى ذلك باعتباره تعويضاً عن كل ما مر به أيوب. تذكر كيف كانت سخرية إبليس في البداية، بأن السبب الوحيد الذي يجعل أيوب تقياً هو كمية البركات التي تمتع بها، وأنه كان هناك دافع خفي لتقواه. لكن بأخذ كل شيء من أيوب، أظهر الله أن سخرية إبليس كانت كاذبة. فحتى عندما لم يكن لديه شيء يغريه بالإيمان بالله، ظل أيوب يثق فيه ويؤمن به. فلم يكن أيوب يفكر بمنطق: «حسناً، لو تمكنت فقط من الصمود إلى النهاية، فقد يكون لدى الله بعض المكافآت لي.» فأيوب لم يكن يعرف كيف ستكون النتيجة والنهاية، بل الحقيقة أنه كان يفكر على الأرجح أنه سيموت. ولكنه رغم ذلك استمر يثق في الله – “فالغريب” يعرف أفضل.
ألم يكن في ذلك مؤشراً للسماء؟ فقد ظهر سفر أيوب في تاريخ شعب الله المبكر، قبل وضوح أية أفكار معلنة عن السماء وعن الحياة بعد الموت. فقط بواسطة تبرير الله لأيوب في الوقت المناسب، بدلاً من تبرئته في نهاية الأزمنة، أمكن للعدل أن يرى. وفقط بواسطة مباركة الله لأيوب في هذا العالم، كما في العالم الآتي، أمكن إظهار أن الحياة التقية تستحق أن نحياها.
ورغم أننا لا يجب أن نتبع الله فقط بسبب ما يمكن أن نجنيه من وراء ذلك، لكنه من المنطقي جداً أن نتبع الله لأن هذه هي فقط الحياة المشبعة. فهذا أمر مشبع في هذه الحياة، عن طريق العلاقة الشخصية مع الله، ووجود توجه وإرشاد لنا في الحياة – “الحياة الأفضل”، كما قال يسوع. ورغم أننا مادياً قد لا يكون لدينا الكثير للتظاهر به، إلا أن هذا لا يمكن مقارنته بالأمور الروحية.
لكن الأمر المشبع كذلك في الحياة الآتية، لأننا عندها سوف نختبر الفرح الكامل لكوننا مؤمنين بالمسيح، بدلاً من العذاب الأبدي. وهنا نرى أيوب، بطريقته الخاصة، يكتشف تلك الحقيقة بنفسه، وهي أن الله يكرم الذين يكرمونه. فهو لا يأتي لنا خالي الوفاض، لكوننا قد تألمنا لأجله وظللنا أمناء له رغم صعوبة وقسوة الطريق، ومن الجيد بالنسبة للمؤمن الذي يجتاز في نيران الألم أن تكون له هذه النظرة الخاصة بتعزيات السماء. استمع مثلاً إلى تلك الكلمات من كتاب سفر العبرانيين، الذي كان يكتب للمؤمنين المحدثين الذين كانوا يطحنون من الألم بسبب إيمانهم:
«ناظرين إلى رئيس السلام ومكمله يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي فجلس في يمين عرش الله.» (عبرانيين 12: 2).
وحتى يسوع أعطيت له الشجاعة والقوة لكي يتحمل أشنع الآلام قسوة، بأن كان في قلبه وأمام عينيه السرور الآتي الموضوع أمامه. السرور ليس فقط لعودته إلى أبيه السماوي ولتلك العلاقة الرائعة للمحبة والمجد الذي استمتع به منذ الأزل؛ وليس فقط مجرد السرور لحكمه مع أبيه على الكون بأكمله الذي خلقه؛ لكن الفرح والسرور الفائق برؤية الكثيرين من الأبناء الروحيين يأتون إلى المجد من خلال الإيمان به. فقد أخرج أيوب نسله من الشدة والمحنة، كما فعل يسوع بأولئك الذين آمنوا به. أليس أمراً مؤثراً أن نعرف أنه ظننا مستحقين لذلك؟ فإذ نظر ابن الله الأزلي إلينا من السماء عبر الزمن، ورأى وجه كل ابن من أبنائه المختارين، قال: «لأجلهم سأذهب إلى الصليب، لأجلهم سأتحمل المهانة والسخرية وكل الألم الذي سيلقيه الناس عليّ، بل إني سأتحمل ذنبهم، ما دامت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها تحريرهم. نعم، لأجل هذا السرور برؤيتهم في السماء، فإني مستعد للألم.»
الإيمان بإله متألم
لكن، ربما لا تزال غير مقتنع. فمثل الكاتب فيليب يانسي، قد تقول: «لو كان الله فعلاً هو المسؤول والمتحكم في كل شيء، وإن كانت له علاقة بشكل ما بكل الآلام التي تجري في العالم، فلماذا نجده متقلباً وغير عادل؟ هل هو شخص سادي يفرح بمشاهدتنا ونحن نتلوى من الألم؟»[2] وربما نقول: «لا بأس بذلك بالنسبة لله الذي يجلس مستريحاً وآمناً في السماء، فماذا يعرف هو عن الألم، وماذا يعرف عن الانهيار النفسي المدمر؟»
لكن لا بد للمؤمن بالتأكيد أن يرد بأن الله يعرف أكثر بكثير مما يعرف أي إنسان منا، ويعتبر أيوب نموذجاً لذلك من عدة نواح، مشيراً بذلك إلى الآخر الآتي، وهو الشخص الذي كان يعرف أيضاً بأنه عبد الرب، وهو شخص آخر أراد إبليس أن يجربه. لكن بينما لم يسمح الله بالنسبة لأيوب أن يقوم إبليس بتجربته إلى درجة الموت، فإنه مع ذلك العبد الآخر، سُمح لإبليس بأن يذهب الطريق بأكمله. فلم يكن هناك ألم كان أكبر من أن يوقعه على هذا البار. وإذا كان أيوب قد نزل إلى الدرجة التي كان فيها يجلس في التراب والرماد، فإن يسوع قد انتزعت منه ملابسه، وسمر على الصليب مثل خيال المآتة على تل من النفايات.
قد تجد من الصعب أن تؤمن بالله بسبب الألم، لكني أجد أنه يجب أن أومن بالله بسبب الألم – آلام يسوع. ففيها نرى الله الذي يهتم فعلاً، والذي يعتني بنا بما يكفي لأن يحمينا من العذاب الأبدي الذي تستحقه خطايانا، حتى أنه تألم مكاننا. هل ترغب حقاً في أن تسبر غور سر الألم؟ إذاً أنت تحتاج أن تنظر إلى ذلك الشخص المعلق منعزلاً ووحيداً ومشوهاً على الصليب، حيث المسامير تخترق يداه ورجلاه، وظهره ممزق، وأطرافه متهرئة، وجبينه يقطر دماً من إكليل الشوك، وفمه جاف ويشعر بعطش رهيب، وهو يهوي في ظلمة تجاهل الآب له. تحتاج أن تنظر إلى هناك، وإذا أردت أن ترى كيف يتحول هذا الكم الرهيب من الألم إلى خير غير محدود، فانظر إلى القبر الفارغ، وإلى البستان الذي يقف فيه المصلوب المنتصر، ويداه ممدودتان، مقدماً عطية الحياة الأبدية، وهو يقول لك: «ثق، وآمن بي.»
[1] باسيل ميتشل Theology and Falsification, in New Essaysin Philosophical Theology، إيه فلو وإيه ماكينتر (محرران)، (SCM، 1958).
[2] فيليب يانسي Where is God When it Hurts? (Zondervan، 1977).
في عام 1944، تم اعتقال صبي هنغاري في الرابع عشرة من عمره يدعى إيلي ويزل، مع أمه وأخته بواسطة جماعة الجيستابو، وتم حشدهم مع ثمانين آخرين في شاحنة للماشية. وسافروا بهذه الحال لمدة ثلاث أيام حتى وصلوا إلى معسكر تعذيب في أوشويتز، تم عزل الرجال عن النساء، وهكذا لم يرى الصبي أمه وأخته مرة أخرى. كتب إيلي قائلاً: «لن أنسى أبداً تلك الليلة، أول ليلة قضيتها في المعسكر، والتي حولت حياتي على ليلة واحدة طويلة ملعونة. لن أنسى مطلقاً ذلك الدخان، ولا تلك النيران التي التهمت إيماني إلى الأبد… كما لن أنسى مطلقاً تلك اللحظات التي قتلت إلهي ونفس وحولت أحلامي إلى تراب. كان البعض يتحدثون عن الله، وعن طرقه الغريبة الغامضة، وعن خطايا الشعب، وعن خلاصه المستقبلي، ولكني توقفت عن الصلاة، كم أتعاطف مع أيوب! فأنا لم أنكر وجود الله، ولكني شككت في عدله المطلق»[1].
معضلة مميتة
لقد كان من المعروف على مدى زمان طويل أن وجود الألم في العالم يمثل مشكلة بالنسبة للمؤمنين بالله، خاصة بالنسبة للمسيحيين. ويتم صياغة هذا الأمر في بعض الأحيان في شكل المعضلة التي فحصناها في بداية هذا الكتاب: إذا كان الله محب بالكامل فلا بد أن يزيل الشر. وإذا كان الله كلي القدرة فلا بد أنه يقدر على إزالة الشر. لكن الشر لا يزال موجوداً، لذلك، فلا يمكن أن يكون الله كلي الصلاح وكلي القدرة معاً في نفس الوقت. فكيف نستجيب تجاه هذا الأمر؟
كما رأينا، هناك العديد من الحلول البسيطة لهذه المشكلة، والتي من ناحية أو أخرى تنكر واحداً أو أكثر من تلك المعتقدات التي تجعل من الأمر معضلة في المقام الأول. لذلك فإن بعض الناس ينكرون أن الله كلي القدرة. أذكر أنني حضرت اجتماعاً للقسوس، حيث كانت إحدى الشماسات تؤمن بما أطلقت عليه “إلهاً ضعيفاً”. وكانت متعنتة في قولها ما يمنحها العزاء هو اعتقادها أن الله مشغول بالصراع مع الحياة مثل بقيتنا. ومن ناحية أخرى، ينكر بعض الناس وجود الشر، مثل طائفة “العلوم المسيحية” التي تعتبر الشر مجرد وهم عقلي. كما أن هناك آخرون يشككون في صلاح الله، وخاصة في عدله. وهذا هو ما كان يفعله إيلي ويزل، وهذا أيضاً هو ما وجد أيوب نفسه يقوم به. لقد كان يعرف أن الله كلي القدرة، وكان متأكداً من أن الألم شيء حقيقي وواقعي، لكننا كما رأينا في الفصل السابق، أثارت الأزمة التي كانت في ذهنه التشكك في صلاح الله، ففي العدد الأول من أصحاح 27، يذكر أيوب بوضوح أن الله قد تخلى عن عدله.
فما الذي دفع أيوب للوصول إلى هذه النتيجة؟ أيوب التقى، أيوب “المسيحي” الذي حتى في أحلك ساعاته رفض أن يلعن الله، لماذا يقول هذا الزعم الرهيب بأن الله ليس عادلاً؟ يبدو أن الإجابة هي أن أيوب أيضاً كان يفكر في نظرية عدالة القصاص. فيبدو أنه هو أيضاً اشترك مع أصدقائه في النظرة التي تقول أن الله من خلال الألم يقوم بتنفيذ أحكامه ودينونته في العالم، ولكن أيوب كان يختلف معهم في أن استنتاجهم أن أيوب يتألم بسبب خطاياه. وهكذا فبوجود نظرية أن كل الآلام هي دينونة من الله، فإن النتيجة الوحيدة التي استطاع أيوب التوصل إليها هي أن الله لا يمارس حكمه ودينونته بعدل. فقد كان أيوب يعرف أنه بار، فلا بد إذاً أن يكون الله هو المذنب.
لكن هناك لقاءات آخران يصححان أفكار كل من أيوب وأصدقائه الثلاثة، ويفتحان الطريق فهم مختلف لسبب سماح الله بالألم. اللقاء الأول هو مع معزي آخر، أصغر سناً بكثير، وهو أليهو، والذي حتى تلك اللحظة ظل صامتاً. أما اللقاء الثاني فكان مع الله نفسه.
الشاب الغاضب
عندما نلتقي بأليهو في أصحاح 32، نجد أنه شاب غاضب للغاية. فهو لم يتكلم حتى تلك اللحظة، لأنه كان يشعر أنه كشاب أصغر من رفاقه فإنه من الأحكم والأكثر احتراماً أن يسمح للشيوخ بأن يتكلموا أولاً: «فأجاب أليهو بن برخئيل البوزي وقال أنا صغير في الأيام وأنتم شيوخ. لأجل ذلك خفت وخشيت أن أبدي لك رأيي». ولكنه في النهاية وصل إلى النقطة التي لم يتمكن فيها أن يمسك غضبه أكثر من ذلك. فقد استمع إلى المعزين الثلاثة، كما استمع إلى أيوب، ووجد كلامهم جميعاً غير مقنع بالكامل. فالأصدقاء الثلاثة ببساطة لم يجيبوا على اعتراضات أيوب، كما أشار أليهو إلى ذلك في عدد 12، وقد تحدث أيوب كثيراً وحاصرهم بكلامه حتى أنهم استسلموا في النهاية ولم يقدروا على المزيد من الجدل، متخذين موقف «نحن على صواب وأنت على خطأ، وهذا هو الأمر». لكن أيوب أيضاً أغاظ أليهو، ليس بسبب اعتراضاته بأنه بريء، فقد كان أليهو يصدقه في هذا الأمر، لكنه غضب منه لأنه كان شديد اللهفة لتبرئة نفسه وسمعته الشخصية، على حساب سمعة الله:
«إنك قد قلت في مسامعي وصوت أقوالك سمعت. قلت إنك بريء بلا ذنب. زكي أنا ولا إثم لي. هوذا يطلب عليّ علل عداوة. يحسبني عدواً له. وضع رجلي في المقطرة. يراقب كل طرقي. ها إنك في هذا لم تصب. أنا أجيبك. لأن الله أعظم من الإنسان» (أيوب 33: 8-12).
ثم مرة أخرى في 34: 12، نقرأ: «فحقاً إن الله لا يفعل سوءًا والقدير لا يعوض القضاء». فهو يقول لأيوب «قد تكون بريئاً كما تقول، ولا يصح أن يقوم أصدقاؤك الثلاثة بالشك في هذا الأمر؛ لكن بنفس الطريقة، لا يصح لك أن تشك في بر الله وعدالته. ربما لم تخطئ خطية شنيعة عندما بدأت في الكلام، ولكنك على حافة القيام بهذا الأمر الآن. لذلك فأنت مخطئ».
السبب الأول الذي يعتقد أليهو لأجله، على صواب، أن أيوب مخطئ هو أن «الله أعظم من الإنسان» (33: 12). ليس مجرد أنه أكثر قوة، بل أن خططه وأهدافه هي على مدى أوسع بما لا يقاس، كما أنها أكثر تعقيداً بما لا يمكن أن تتخيله عقولنا المحدودة. كما يقول إشعياء 55: 9 إن طرقه ليست كطرقنا. وأن أفكاره أعظم من أفكارنا. فيقول أليهو «إن مشكلتك يا أيوب هو أنك ترى الله كما لو أنه مجرد إنسان كبير أو عظيم، كما لو كان ليس أكثر من طاغية متقلب المزاج يتصرف دون منطق. إن مجرد عدم فهمنا في الحال للسبب الذي يجعله يتصرف بتلك الطريقة، لا يعني أنه لا يوجد سبب. فمجال الزمن الذي يعمل فيه الله وتوقيتاته واهتماماته هي أعظم منا بكثير، ونحتاج أن نتذكر ذلك دائماً».
مشكلة الألم
ثانياً، يتتبع هذا الخط من التفكير، يفترض أليهو منظوراً مختلفاً تماماً لفهم الألم. فبدلاً من النظر للوراء لمحاولة معرفة سبب الألم، وطرح سؤال: «هل هذا الألم يرجع إلى خطية أيوب أو إلى ظلم الله» (بينما الإجابة ليست بهذا ولا بذاك)، يفترض أليهو أنه ربما من الأصلح أن نتطلع إلى الأمام لمحاولة التعرف على الهدف من الألم. بمعنى آخر، إذا كان الله صالحاً وكلي القدرة، فما نحتاج أن نسأله هو، ما الخير الذي يمكن أن نناله بسماحة لنا بالألم بهذه الطريقة؟ والإجابة التي يقدمها أليهو، هي أن الألم هو جزء من أسلوب الله لتقويمنا، ولمنعنا من تخطي الحدود والخروج عن القضبان، والانتهاء في الجحيم، «ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل، ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت» (33: 17-18). وفي عدد 19 يتحدث أليهو عن إنسان «يؤدب بالوجع على مضجعه». وبعد ذلك يقول إن الله «يفتح آذانهم للإنذار»، «ويفتح آذانهم في الضيق» (أو بحسب الترجمة الإنجليزية «يتحدث إليهم في ضيقهم») (36: 10، 15)، كان أيوب يشكو بالفعل من أن الله لا يتحدث إليه، لكن أليهو يفترض أنه يتكلم «لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان» (33: 14)، وأنه يتكلم مع أيوب من خلال ألمه. أصر أصدقاء أيوب الآخرين على أن الله يجب التفكير فيه أساساً كقاض وديان، بينما أليهو كان يعتقد أنه يجب التفكير فيه كمعلم: «من مثله معلماً؟» (36: 22). بمعنى آخر أنها نظرة ضيقة للغاية أن نعتقد أن كل ألم هو قصاص. أفليس من الممكن أن تكون بعض الآلام هي تهذيب وتعليم من الله؟
منذ سنوات قليلة مضت، كانت هناك سلسلة برامج تلفزيونية وثائقية تدعى “Commando”، وكانت برامج تعنى بالتدريب الذي يؤدي في النهاية إلى تخريج مشاة للبحرية الملكية. كانت ببساطة برامج مرعبة! فالمشاهد العادي الذي لا يعرف شيئاً عما يحاول المدربون أن يحققوه، قد يتوصل إلى نتيجة تقول إنهم ببساطة يكرهون المجندين. فيرى المشاهد المدربون وهم يضربون هؤلاء الشباب المتجندين جسدياً ويصرخون فيهم، أثناء قيامهم بالعدو عبر البلاد لمسافة 20 ميلاً، وهم يحملون على ظهورهم نحو سبعين رطلاً من الأثقال. وحتى لو عانى أحد المتجندين من التواء في الكاحل، أو كسرت عظمة من عظامه، لم يكن يتطلب هذا الأمر أكثر من مجرد أخذ بعض الحبوب المسكنة! كان الأمر يبدو كله وكأنه نوع من التعذيب السادي. لكن يقوم المدربون عندها بشرح ما يأملون تحقيقه، وأن هذا هو السبب الذي يجعلهم يعرضون هؤلاء الشباب لمثل هذا النوع من النظام القاسي، وهو أنهم يرغبون في الحصول على أفضل نوعية ممكنة من الجنود، عالمين أن حياتهم وحياة الآخرين قد تعتمد تماماً على هذا التدريب الذي يتلقونه. فليس ما يشتركون فيه هو نعم من القصاص، بل التدريب والتعليم.
يعلمنا الكتاب المقدس أن هذا هو هدف الله لشعبه وأبنائه الذين يحبهم، من أمثال أيوب. والحقيقة أنه كلما كنا مفضلين أكثر، كلما استخدم الألم أكثر لتسوية الحواف الحادة في حياتنا وتهذيبنا، لكي يجعلنا أكثر اتضاعاً لكي نكون بالنوعية التي يريدنا عليها. فنحن جميعنا معرضون للكبرياء، فإذ نعتقد أننا نستطيع أن ندير حياتنا بأنفسنا، حتى كمسيحيين، نكون في بعض الأحيان شديدي العناد أو بطيئين في التعليم، حتى أننا لا نسمع بجديه ما يرغب الله في أ، يقوله لنا من خلال الكتاب المقدس. ولذلك يتحدث لنا الله من خلال “بوق الألم”، كما يعبر سي إس لويس عن ذلك، لكي يلفت انتباهنا. فمن خلال الألم نتذكر بحق أننا معتمدون على الله في كل نفس من أنفاسنا؛ وأن الحياة والصحة ليس حقوقاً لنا بل هبات وعطايا من الله، ولكننا نتذكر أيضاً أننا لا يجب أن نكون شديدي الانشغال بالعطايا حتى أننا ننسى واهبها. وفي بعض الأحيان نحتاج أن نصحح أفكارنا الخاطئة عن الله، كما فعل أيوب، فأيوب على الرغم من كل تقواه، أظهرت الأحداث الضعف الموجود في تفكيره، بأنه كان مستعداً لتبني فكرة أن الله غير عادل، لكن الألم قد كشف هذا الأمر لكي يتم تصحيحه.
يقول كاتب العبرانيين:
«إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين. فأي ابن لا يؤدبه أبوه. ولكن إن كنتم بلا تأديب قد صار الجميع شركاء فيه فأنتم نغول لا بنون. ثم قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدبين وكنا نهابهم. أفلا نخضع بالأولى جداً لأبي الأرواح فنحيا. لأن أولئك أدبونا أياماً قليلة حسب استحسانهم. وأما هذا فلأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته. ولكن كل تأديب في الحاضر لا يرى أنه للفرح بل للحزن. وأما أخيراً فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام» (عبرانيين 12: 7-11).
لا بد أن نعترف أن هذه الفكرة غريبة على الآذان الحديثة، بما فيها آذان المسيحيين. فنحن نعيش في ثقافة يتم فيها تقدير وتمجيد المتعة فوق كل شيء آخر، ويتم فيها تجنب الألم بأي ثمن. فنحن نتوقع أن كل شيء يجب أن يأتي إلينا بأكبر راحة ممكنة وبأقل تكلفة وتعب ممكن. والنتيجة هي أننا نتوقع حياة مسيحية سهلة. لكن الفكرة الثمينة للغاية بأن تكون لنا علاقة شخصية مع الله، والتي تستحق تعرضنا لبعض المتاعب للحصول عليها، تزعج الكثيرين من المسيحيين، كباراً وصغاراً.
فلماذا نضايق أنفسنا بالذهاب إلى الكنيسة كل أسبوع، ولماذا نزعج أنفسنا بالدراسة الجادة للكتاب المقدس، أو بالاستماع إلى عظة، ولماذا نتحمل تكلفة التلمذة أو الصلاة للعثور على طرق لخدمة الله في كنيسته، الأمر الذي يكلفنا الوقت والجهد؟ قد لا نعلن ذلك كثيراً، لكننا إذ ننظر حولنا في الكثير من كنائسنا اليوم، هذه هي الرسالة التي تأتي إلينا واضحة وعالية. في هذا النوع من الجو الثقافي، يمكننا أن نتوقع أكثر أن يقوم الله بهزنا لكي نخرج من رضانا عن أنفسنا ومن كبريائنا، بأن يضعنا في المطحنة. يمكننا أن نعبر عن هذا الأمر بأن نقول أن الله يريد أطفالاً مدللين يعتقدون أن الله مدين لهم، بل يريد أبناء محبين طائعين يثقون فيه مهما كان الثمن. والسؤال الآن هو: أي من النوعين سنكون؟
يمكننا أن نكون مثل الأبناء العابسين، وننعزل في غرفتنا، ونطور اتجاهات من الاستياء نحو الله بسبب الطريقة التي يعاملنا به، رافضين أن نفتح له الباب استجابة له وهو يقرع. يحذر أليهو أيوب من أنه معرض لخطر الوقوع في هذا الأمر: «احذر لا تلتفت إلى الإثم لأنك اخترت هذا على الذل» (36: 21). أو يمكننا أن نكون مثل الأبناء الطائعين الذين، بينما يقومون بالتعبير عن جرحهم وألمهم، يسألون في وسط الصعوبات، «يا رب، ما الذي تعلمني إياه من هذا الأمر؟»
الله في فقص الاتهام؟
لكن حتى هذا ليس كافياً بالنسبة لأيوب. فهو يريد أن يسمع الله، وهذا بالتحديد هو ما حدث، لكن ليس بالطريقة التي كان أيوب يرجوها: «من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة. اشدد حقويك كرجل. فإني أسألك فتعلمني» (38: 2، 3). مثل الكثيرين من الناس اليوم، كان أيوب يتوقع من الله أن يجيب على أسئلة قليلة بشأن الطريقة المريعة التي يدير بها الله عالمه. فكان الله هو الذي يجب أن يوضع في قفص الاتهام بحسب رأي أيوب. لكن الموقف تحول إلى عكس ذلك تماماً، فأيوب هو الذي تم وضعه في قفص الاتهام، وطلب منه أن يجيب الله على قليل من الأسئلة، التي تجعل أمهر العقول توهن:
«أين كنت حين أسست الأرض. أخبر إن كان عندك فهم. ومن وضع قياسها. لأنك تعلم. أو من مد عليها مطماراً… هل في أيامك أمرت الصبح. هل عرفت الفجر موضعه… أدخلت خزائن الثلج أم أبصرت مخازن البرد التي أبقيتها لوقت الضر ليوم القتال والحرب… هل تربط أنت عقد الثريا أو تفك ربط الجبار… أترسل البروق فتذهب وتقول لك ها نحن…» (38: 4، 5، 12، 22، 31)
انهالت الأسئلة على أيوب الواحد تلو الآخر، «وماذا عن الحيوانات، هل توفر لها طعامها يا أيوب؟ هل لديك عقل كبير إلى الدرجة التي فيها يمكنك أن تخلق حيواناً غريباً مثل النعامة؟ هل تعتقد أنك شديد الحكمة يا أيوب، وأنني لا أفهم شيئاً؟» كان أيوب يريد لقاء مع الله كلي القدرة، وهذا تماماً ما حصل عليه.
لكن دفاع الله لم يكن تماماً ما توقعه أيوب. ففي أول وقفة، أجاب أيوب: «ها أنا حقير فماذا أجاوبك، وضعت يدي على فمي» (40: 4). في تلك الأيام لم يكن الهدف الأساسي للشخص المتورط في قضية في المحكمة أن يقنع القاضي ببراءته، بل أن يقنع المشتكي عليه، بحيث أنه يسحب قضيته ويعترف بهزيمته بوضع يده على فمه. وهذا هو ما حدث مع أيوب، فقضيته ضد الله قد انهارت مثل كومة من البطاقات.
لكن الله لم ينته بعد. «الآن شد حقويك كرجل، أسألك فتعلمني» (40: 7). ثم يأتي بعد ذلك السؤال القاسي الذي يكمن في قلب خطأ أيوب الفاحش وتمرده، وتمردنا نحن أيضاً:
«لعلك تناقض حكمي. تستذنبني لكي تتبرر أنت. هل لك ذراع كما لله وبصوت مثل صوته ترعد. تزين الآن بالجلال والعز والبس المجد والبهاء» (40: 8-10).
بمعنى آخر، يريد الله أن يقول لأيوب: «من تظن نفسك يا أيوب – هل أنت الله؟» فإن تعرض براءتك شيء، لكن أن تتصرف بكبرياء وتتهمني بالظلم، فهذا شيء آخر. فلكي تصدر حكماً سليماً على الله وما يفعله، لا بد أن تكون لك حكمة أكثر منه، ومعرفة أكبر مما لديك. لكنك لم تتمكن من الإجابة على سؤال واحد من أسئلتي، تلك الأسئلة التي أعرف أنا إجابتها جميعاً. ألم تفكر إذاً أنه يمكن أن تكون لدي الإجابة على سبب سماحي لك بالألم؟ فإن كنت لا تستطيع أن تفهم تعقيدات الخليقة التي يمكنك أن تراها، فهل يمكنك بأمانة أن تتوقع أن تفهم كل أسرار الألم المخفية؟ كلا بالطبع، فأنا الله وحدي الذي أستطيع ذلك».
فضلاً عن ذلك، لماذا نفترض أن الله مدين لنا بتفسير سبب سماحه لنا بالألم، أكثر مما ندين نحن له بتفسير سبب خلقه للنعامة؟ فرغم أننا قد لا نستطيع أن نفهم لماذا قام الله بتصميم وخلق طائر غريب مثل النعامة، فبلا شك أن لدى الله الكثير من الأسباب المقنعة لقيامه بذلك، رغم أنها معروفة له هو وحده. أليس من الممكن أن نقول نفس هذا الأمر عن الألم؟ بل الأكثر من ذلك، أليس من المنطقي أن نثق في الله الذي لديه كل من الحكمة والقدرة لخلق هذا الكون المذهل، حتى رغم عدم قدرتنا على فهم كل الأسباب والتفسيرات لما يحدث فيه؟
لقد أدرك أيوب أخيراً الخطأ الذي ارتكبه، فخطؤه، وخطؤنا. هو أن نظر أننا مطلعون على كل الحقائق، بينما الأمر ليس كذلك، وبذلك فإننا نقوم باستخلاص نتائج خاطئة من البيانات والمعطيات الخاطئة التي لدينا – بأن الله ليس صالحاً، أو أنه لا يهتم، أو أنه لا يتكلم، لكن يجب أن تكون استجابتنا مثل استجابة أيوب، ليس بأن نتكبر بعناد ونطلب أن يفسر الله لنا كل شيء، بل أن نتوب عن افتراضاتنا المسبقة بأننا نعرف أفضل من الله، ونسقط أمامه متعبدين لجلاله:
«قد علمت أنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر. فمن ذا الذي يخفي القضاء بلا معرفة. ولكني قد نطقت بما لم أفهم. بعجائب فوقي لم أعرفها… لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد.» (أيوب 42: 2-3، 6).
لي صديق يدرس في جامعة كنت أخدم في كنيستها. عندما وصل إلى الجامعة لأول مرة هو وزوجته، لم يكونا مسيحيين. فكان في كثير من الأحيان يأتي ويتجادل معي حول سبب عدم قدرته على الإيمان – وفي كل مرة كنا نناقش كل البراهين، وفي إحدى المرات ذهبت إليهما لكي أراهما وأوضح لهما أن وقت المجادلات قد انتهى، فهما يعرفان أن المسيحية حق، وكانا يعرفان ما عليهما القيام به. كان الشعور بحضور الله في تلك الغرفة جلي ولا يمكن أن يخطئه أحد. وحوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بعد أن تركتهما، قاما كليهما بتسليم حياتهما للمسيح.
بعد ذلك بقليل، حبلت زوجته، وفي يونيو تمت ولادة الطفل، لكنه توفي بعد أسبوع – فقد كان لديه عيب خلقي في القلب. ولك أن تتذكر أن هذين الزوجين قد أصبحا مسيحيين منذ عدة شهور فقط عندما حدث ذلك. قمت بمراسم الدفن التي كانت موجعة للقلب، إذ دخل التابوت الأبيض الصغير. كان يمكن لصديقاي أن يصرا أن لديهما الحق في معرفة السبب فيما حدث، وإذ لا يتلقيا إجابة، كان يمكنهما أن يلقيا بالإيمان خلف ظهرهما، لكنهما لم يفعلا، فقد عرفا أن الإجابة لن تتاح لهما.
فالزوج عالم أحياء، كان يعرف بالتأكيد عظمة خليقة الله، وبينما كان يحمل طفله بين ذراعيه لآخر مرة، كان يعرف معجزة الميلاد. ولكنهما إذ فكرا في معنى أن يفقدا ابنهما، كانت معرفتهما بأن الله هو أيضاً قد ابنه، هي التي صنعت الاختلاف. فمن وجهة نظر أولئك الذين كانوا يقفون حول الصليب، لم يكن للجلجثة معنى، لكن خطط الله كانت أعظم بما لا يقاس مما يمكن لأي إنسان أن يتخيل، كما أثبتت الأحداث بعد ذلك.
فهل كان هذان الزوجان المسيحيان الشابان يعرفان أن الله كان يحبهما ويحب طفلهما؟ نعم، كانا يعرفان ذلك. وهل كانا يعرفان أن الله لديه الأسباب لجعلهما يجتازان بمثل هذا الحزن العميق؟ نعم، كانا يعرفان، لكن لماذا؟ لأنه في يسوع كان لهما سبب أكثر من كاف لكي يثقا في الله الذي كان يعرف لماذا.
كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر
الصورة الكبيرة – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر
الصورة الكبيرة – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر
في الأول من نوفمبر عام 1755، ابتليت لشبونة بزلزال مدمر، وحيث أنه كان عيد جميع القديسين، فقد كان الكنائس ممتلئة عن آخرها، وتم تدمير ثلاثين كنيسة. وخلال ست دقائق فقط، مات 15000 شخص، وكان هناك 15000 آخرين يحتضرون، كان هذا في القرن الثامن عشر يعادل القنبلة النووية، ولكنه ليس نتيجة تجبر البشر.
واحد من المفكرين الكثيرين الذين أرعبهم هذا الحدث، كان الفيلسوف الفرنسي فولتير. وكانت صرخته بكل بساطة: كيف يمكن لأي إنسان أن يؤمن بإله محسن، محب وكلي القدرة بعد ما حدث؟ فما كان منه إلا أن تعامل باحتقار مع كلمات بابا الإسكندرية المكتوبة في “مقال عن الإنسان”، والتي كتبها في فيلته المريحة في توبكينهام:
«على الرغم من كبرياء الإنسان، وعلى الرغم من خطأ عقل الإنسان وقصوره عن الفهم، هناك حقيقة واحدة واضحة، وهي أن مهما كان ما يحدث فهو صحيح».
كان هذا بالنسبة لفولتير هو التعبير الشعري الفج عن فلسفة التفاؤل – وهي الفلسفة التي خلال 150 عاماً بعد ذلك، ربما بشك مختلف، هي نفسها التي تم تمزيقها على شكل شرائط على هيئة أجساد الشباب الذي ماتوا في معارك السوم والباشينديل. وفي اعتراضه، شجب فولتير مثل هذا التفاؤل في كتابه Poem on Disaster of Lisbon، والذي كان يطرح السؤال: إن كان الله حراً وعادلاً ومحسناً، فلماذا نتألم تحت حكمه؟ وفيما بعد وجدت أفكار مشابهة تعبيراً عنها في الرواية الساخرة Candide، حيث نجد فيها المعلم د. بانجلوس، وهو أستاذ في التفاؤل، يؤكد بتملق أن: «كل شيء هو لأجل الخير حيث أننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة.» وبعد ذلك، بعد العديد من الكوارث الأخرى، وخاصة بعد إعدام د. بانجلوس بواسطة محاكم التفتيش، يكتب فولتير أنه هو «ينزف في رعب وصمت، يقول لنفسه: “إذا كان هذا هو أفضل العوالم الممكنة، فماذا يمكن أن تكون البقية؟”»
رغم أنه لا الكتاب المقدس نفسه، ولا أي لاهوت مسيحي مؤسس على الكتاب المقدس يدعى على الإطلاق أن العالم الذي نعيش فيه هو أفضل العوالم الممكنة، فإن المرء يجب على الأقل أن يتعاطف مع المشاعر التي ينادي بها فولتير. أي أنه يوجد تناقض واضح بين الإيمان بإله كلي القدرة والمحبة، وبين حقيقة الألم التي تعتبر شراً. لذلك، فمن الشائع أن نتحدث عن “مشكلة الألم”.
ومع ذلك، يجب أن نوضح منذ البداية أنه بالنسبة للملحد أو للمادي المتزمت، لا توجد مشكلة في الشر، حيث أن الشر والألم لا يعتبران ضد معتقداته. وهذا لأن آلام الملحد أو المادي هي مجرد حقيقة من حقائق الوجود، فهي من معطيات الوجود مثل حمرة اللون الأحمر أو بلل المياه. قد تكون المشكلة بالنسبة للملحد هو أنه سيكون عليه أن يتكيف، مثل بقيتنا، مع بؤس الألم أو الصراع ضد تهديد الإبادة، والذي سيجعل كل موجوداته بلا معنى في النهاية. لكن فيما يختص بنظام معتقداته، لا تعتبر مشكلة الألم مهمة في حد ذاتها.
صياغة المعضلة
لكن بالنسبة للمسيحين يشكل الألم والشر مشكلة فعليه بحسب معتقدات المسيحي. لذلك يكتب ماكلوسكي: «الشر مشكلة بالنسبة للمؤمن حيث أن هناك تناقض بين حقيقة وجود الشر من ناحية، والاعتقاد بقدرة الله الكلية من ناحية أخرى»[1].
أو يمكن صياغة المشكلة في شكل معضلة، كما صاغها جون هايك: «إذا كان الله كلي المحبة والصلاح، فلا بد أن يرغب في إزالة الشر. وإذا كان الله كلي القدرة، فلا بد أن يقدر على إزالة الشر. لكن الشر موجود، ولذلك، فلا يمكن أن يكون الله كلي الصلاح وكلي القدرة معاً»[2].
حتى لو كانت بعض من المصطلحات التي يستخدمها هايك هنا، مثل “الصلاح”، يجب أن يتم تمييزها عن اللطف والرقة، وأن تتضمن، كما يصر الكتاب المقدس على ذلك، غضب الله البار ضد الخطأ؛ وحتى لو تم تعريف مصطلح “كلي القدرة”، بأنه لا يتضمن القدرة على فعل ما هو مناقض لذاته – بتمييز ذلك عن التناقضات (مثال على ذلك، هل يمكن لله أن يخلق صخرة شديدة الضخامة بحيث يعجز عن إزالتها؟) – إلا أننا يجب أن نعترف بأمانة أنه لأول وهلة، هناك معضلة نحتاج إلى التعامل معها.
لذلك دعونا نركز على هذه الصياغة الخاصة للمعضلة: إذا كان الله صالحاً، فلا بد أنه يرغب في إزالة الشر؛ وإذا كان كلي القدرة فلا بد أن يتمكن من إزالته. لكن الشر موجود، وهكذا فإنه لا يستطيع أن يكون كلي الصلاح أو كلي القدرة.
إذا فكرنا لدقيقة في هذا اللغز، سنجد أنه يكشف سريعاً عن أمرين تفترضهما هذه المعضلة لكي تكون فعالة. الافتراض الأول هو أنه إذا كان الله صالحاً وكلي القدرة، فلا بد أن يرغب في إزالة الشر الآن. أو على الأقل فإن هذا يطرح الأسئلة، لماذا لم يزله قبل ذلك، أو لماذا سمح بمجيئه في المقام الأول. أما الافتراض الثاني فهو أنه لا بد أن يفعل ذلك بطريقة فورية وشاملة، ربما عن طريق إجراء إلهي. بكلمات أخرى، يوجد في بنية الصياغة توقيت ووسيلة للقيام بهذا الأمر.
لكن ماذا إن أمكن إظهار، ولو مؤقتاً، أن الله لن يقوم فقط بالتعامل مع الشر في نقطة ما في المستقبل. ولكن أيضاً بطريقة ما سيقوم “بفداء” آثاره بوسيلة لا يكن أن نفكر فيها، وبطريقة تحوله إلى ما خير؟ الأكثر من ذلك، ماذا لو أمكن إظهار أن الله قد قام بالفعل بأمر ما للتعامل مع الشر؟ وبذلك فإن جزءًا، لكن بالتأكيد، ليس كل قوة المعضلة، يزال منها. وهكذا يحف التوتر، ولكنه لن يحسم بالكامل.
حلول بسيطة
توجد بالفعل بعض الحلول البسيطة للمعضلة، والتي تتضمن في الأساس إزالة واحد أو أكثر من عناصر الإيمان، وهكذا تكف عن أن تكون معضلة على الإطلاق.
فيمكن للمرء أن ينكر وجود الشر أو الألم، وينظر لهما باعتبارهما “تخيلات” أو أوهام – ويمكن للثيرافادا البوذية أو بدعة العلوم المسيحية أن يصلحا كمثال هنا. فيمكن للمرء أن ينكر أن الله كلي القدرة كلما فعل اللاهوتي التجريبي ديفيد جريفين، الذي ذكر بكل وقاحة أن حل هذه المعضلة هو «بإنكار عقيدة أن الله كلي القدرة، التي هي أساس المعضلة»[3]. أو ثالثاً، يمكن للمرء أن ينكر صلاح الله، وهي نظرة تبناها جيداً آرتشيبالد ماكليش في مسرحيته JB، وهي تمثيل محدث لقصة أيوب. والتي فيها يجد المرء التكرار المرعب للكلمات: «إن كان هو ألهاُ، فهو ليس صالحاً، وإن كان صالحاً، فهو ليس إلهاً كلي القدرة».
إلا أن ما تنادي به المسيحية التقليدية، هو أن الله صالح وكلي القدرة، وأن الشر والألم هي حقائق لا بد من قبولها. وهكذا تكون “المشكلة” في كيفية ربط هذين الأمرين المتعلقين بالإيمان (صلاح الله وقدرته الكاملة) بحقيقة الألم، دون المساومة بهذين المبدأين أو التهوين من الألم البشري.
الحالة الأخلاقية للألم
في إجابتنا على السؤال: «ما الذي يجعل الألم غير مقبول اخلاقياً؟» هناك سؤال سابق يجب الإجابة عليه، وهو: «هل كل ألم شر، أم أنه شر فقط داخل سياقات معينة؟» رغم أنه نفسياً يمكن اعتبار معظم الآلام قابلة للاعتراض، فليس بالضرورة أن تكون هكذاً أخلاقياً، خاصة إذا كان الألم الذي يتم احتماله هو وسيلة للوصول إلى نهاية طيبة معروفة. على سبيل المثال، يعمل الألم بيولوجياً باعتباره جزء من آلية دفاع الجسم التي تمنع المزيد من الجرح عن طريق رد الفعل المنعكس.
وبالتأكيد يمكن الاعتراض على ذلك بأن هذا ببساطة يدفع “المشكلة” مرحلة أخرى للوراء، لأن المرء يمكن أن يسأل، «ولماذا يكون هناك جرح أكثر خطورة من الأساس؟» لذلك، تظل النقطة القائلة أن الألم في حد ذاته ليس بالضرورة أن يكون شراً، ففي بعض السياقات يكون الألم متعادلاً أخلاقياً، مثل الألم “الصحي” بعد تدريب طويل، أو جيد أخلاقياً، كما في حالة العقاب التأديبي الإصلاحي.
لكن بالتأكيد ما يجعل الألم قابل للاعتراض أخلاقياً، هو عندما نواجهها في شكل سلبي للغاية، فيكون خالياً بوضوح من أية أهمية. وهذا هو ما يكمن في جذور الكثير من الصرخات الإنسانية المعذبة – «لماذا مات طفلي الصغير ذو العشرة أيام؟»، «لماذا تدمر حياة الرجل الموهوب ويصل إلى مجرد قوقعة فارغة بسبب إصابته بالزهايمر؟» إن ما يبدو أنه ألم بلا هدف أو سبب، هو غالباً ما يشار إليه باعتباره الألم الذي ينحرف عن الهدف، مما يستدعي رؤيته باعتباره شراً. لذلك يمكننا أن نعبر عن هذا بقولنا أن الألم “يصبح” غير مقبول أخلاقياً، في إطار سياقنا الخاص المحدود والوقتي، عندما يمثل تلك السمات التي نعرف بصفة عامة أنها تتناقض مباشرة مع ما هو صالح وخير – مثلاً، عندما يكون غير ذي مغزى.
وقد بحث كارل بارث[4] بقدر كبير في هذا المنظور المحدد الخاص بطبيعة الشر، فباتباعه لزعم أوغسطينوس عن الشر (باعتباره الحرمان من الخير، الذي ليس له وجود مستقل، وهكذا يأخذ الشر الطابع الطفيلي، فالشراهة مثلاً هي سوء استخدام “لصلاح” الأكل)، يفهم بارث الشر باعتباره “فراغ” أو لا شيء. أو إمكانية مستحيلة، والذي رأى الله أنه من المناسب أن يتم التغاضي عنه.
مثل هذه الأنماط من الوصف تستخدم للتعبير عن الطبيعة السلبية الأساسية للشر. وهذا يقودنا على الفور إلى التناقض الحتمي وإلى محدودية استخدام اللغة في وصف ذلك الشيء الذي يعتبر معادل ميتافيزيقي “لضد المادة”، بدون إعطاء الانطباع الخاطئ في نفس الوقت بأن الشر هو ضرب من الوهم أو الخيال. وعلى الرغم من المزاعم المضادة لذلك، فإن هذا التحليل الذي يقدمه بارث يقول إن الشر حقيقة وواقع، ولكنه حقيقة سلبية.
طريق الألم
عندما يطرح أحد السؤال: «لماذا يوجد الألم؟» فقد يتجه المرء إلى أحد أمرين. الأول، قد يبحث الشخص عن سبب، فيسأل: «ما هو سبب الألم؟» سواء من ناحية سبب وجوده الأصلي، «من أي يأتي من الأساس؟» أو من ناحية المباشرة الآن أي السبب الثانوي، «ما الذي سبب هذا الألم المعين بالتحديد؟»
هناك العديد من الكتاب البارزين الذين يتبنون هذه النظرة العامة لمشكلة الشر – مثل أوغسطينوس، وسي إس لويس، وألفين بلانتينجا، على سبيل المثال. وهنا يكون البحث عن تفسيرات تختص بدفاع الإرادة الحرة، والسقوط، ونشاط الملائكة الساقطين. وهكذا. وكل من هذه الأمور له دور يلعبه في الاتجاه نحو فهم مسيحي شامل للألم والشر الموجودين في العالم.
إلا أن التعليم عن السقوط هو الذي يشكل أهمية كبيرة وأساسية[5]. فالملخص الأساسي لموضوع الكتاب المقدس، هو أن الله الإله المطلق السيادة والصلاح خلق كوناً صالحاً وحسناً. نحن البشر تمردنا، وهذا التمرد الآن هو جزء من تكويننا وقد ارتبط بنا. لذلك فإن كل الآلام التي نواجهها الآن تعود إلى هذه الحقيقة. فهي بشكل ما مرتبطة “بالخطية” (لكن ليس كل ألم يرتبط بالخطية بنفس الطريقة). ويرتكز الكتاب المقدس على حقيقة أن الله قد قام بعمل معين لتغيير هذه الآثار المروعة وسببها الجذري، الذي هو الخطية نفسها. فضلاً عن ذلك، يرى المؤمن في الصورة الأكبر البعد المستقبلي للسماء الجديدة والأرض الجديدة، حيث لا توجد خطية ولا ألم فيما بعد.
هذا يعني أن هناك إدراك أساسي بالنسبة للمسيحيين بأن العالم الذي نعيش فيه هو عالم مفكك على كل المستويات – فهو ليس أفضل العوالم الممكنة، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك. إن تكلفة الخطية رهيبة، والألم في هذه الحياة هو إلى درجة ما نتيجة للخطية. فهو بالحقيقة عالم يصلح تماماً للخطاة، وهذا لأن الألم وعدم الراحة يذكرنا أن ليس كل شيء يسير بصورة جيدة في علاقتنا مع خالقنا.
لكن صرخة جيلنا، تعكس صرخة رجل مثل فولتير، «كيف يمكن لله أن يكون بمثل هذه القسوة الشديدة؟» أما صرخة الأجيال السابقة فكانت صرخة رجل مثل مارتن لوثر، تتساءل، «كيف يمكن لله أن يكون بمثل هذه الرحمة العظيمة؟» إن السبب في أننا نجد من الصعب للغاية أن ننطق بمثل هذه الصرخة الأخيرة (لكن ليس من الصعب أن ننطق بالأولى). هو أننا نفشل في تقدير مدى خطورة الخطية، ومدى نقاء شخصية الله الذي يقف في تعارض وتناقض مع الخطية.
ومع ذلك، ليس هذا معناه أن كل عنصر من عناصر الألم هو السبب “المباشر” للخطية. فكما سنرى، إن يسوع يصحح بوضوح تلك الفكرة، لأنه من الواضح للغاية أن الكثيرين من “الأتقياء” يتألمون. الأكثر من ذلك، إن المسيحيين من بين جميع الناس يجب بالتأكيد ألا يتوقعوا حياة خالية من الألم والمتاعب. حيث أن لهم “خسائرهم وصلبانهم”، ومع ذلك فإن بعض الآلام قد تكون نتيجة لخطية محددة (مثال على ذلك الرجل المذكور في يوحنا 5: 1-15).
في بعض الأحيان يمكن أن تنتشر نتائج الخطية البشرية بصورة أكثر اتساعاً على المشهد الإنساني بطريقة لا تبدو شديدة التمييز، كما في حالات الحروب والأوبئة والعيوب الجينية، على سبيل المثال. لذلك فإن استخدام فقط مصطلحات القصاص والعقاب لفهم خطايا معينة هو أمر بغيض وغير كاف.
إن من كتبوا الكتاب المقدس لديهم مثل هذا التقييم الواقعي لكل من الحالة البشرية وشخصية الله، حتى أنهم بخلافنا نحن، لا يصابون بالدهشة بسبب شر الإنسان أو بسبب الآلام التي تصاحبه. الأكثر من ذلك، يأتي مع هذا الفهم الشعور الطاغي بصلاح الله وعطفه، حيث أنه يمنحنا بركاته يومياً، رغم أننا نميل إلى اعتبارها أمر مسلم به (متى 5: 45).
إن هذا الشعور بالانبهار بنعمته، تدعمه حقيقة أنه على الرغم من عدم شكرنا، ومن الطريقة التي نعامل بها بعضنا البعض، فإنه يستمر في أن يتعامل معنا بعطف، بينما يجب في الحقيقة أن نتوقع منه علامات أكثر تنم عن عند الرضى. لكننا نميل إلى عكس هذا المفهوم، حتى أننا نتوقع أنه بدون استحقاق منا، يجب أن تسير الحياة معنا بطريقة لطيفة وطيبة. وبالتالي فإننا كثيراً ما نصاب بالصدمة عندما تأتي الصعاب في طريقنا، بل وفي بعض الأحيان تنشئ فينا مرارة تجاه الله. لذلك فإن المنظور الكتابي هو أشد ما نحتاج إليه لتصحيح ثقافتنا المحدودة بالمتعة.
عند هذه النقطة يثار اعتراض: «إذا كان الله يهتم بنا حقاً، وهو يتعارض تماماً مع الخطية التي هي سبب الكثير من الألم والمعاناة في هذا العالم، فلماذا لا يتدخل لكي يفعل شيئاً بشأنها؟» وبعيداً عن إثارة مشكلة الوسيلة والتوقيت التي ذكرناها من قبل، فهناك نتائج أكثر جدية لا نفكر فيها في معظم الأحيان، ولكن تعبر عنها الكاتبة دوروثي إل سيرز جيداً، بقولها:
«”لماذا لا يميت الله هذا الدكتاتور؟” هذه مشكلة بعيدة عنا نوعاً ما. فلماذا يا سيدتي لم يضربك الرب بالبكم والبله قبل أن تنطقي بتلك الافتراءات الدنيئة التي لا أساس لها من الصحة أول أمس؟ أو بالنسبة لي، قبل أن أتصرف بمثل هذا السوء والقسوة مع ذاك الصديق المخلص؟ ولماذا يا سيدي لم يصب الله يدك بالشلل قبل أن توقع باسمك على هذا التزوير والاحتيال المال القذر؟ إنك بالطبع لم تكن تعني ذلك تماماً، لكن لماذا؟ إن أفعالك وأفعالي السيئة ليس أقل شناعة بسبب أن فرصتنا في فعل السوء أقل من فرص أشخاص آخرين. فهل تظن أن أفعالك وأفعالي شديدة التفاهة بحيث أنها لا تثير غضب الله؟ هذا التفكير له حدين، لأنه في تلك الحالة، لن يشكل أهمية كبيرة بالنسبة لخليقته أن يقوم بإبادتنا نحن الاثنين معاً غداً»[6].
بكلمات أخرى، إذا أردنا عدالة صارمة وفورية، فإن ما نطالب به هو جهنم حرفياً. لأن هذا هو بالضبط ما سيكون عليه الحال عندئذ.
لكن بالإضافة إلى العودة للخلف للإجابة على السؤال، «لماذا الألم؟» يمكن للشخص أيضاً أن يتطلع إلى الأمام بحيث يكون السؤال الحقيقي هو: «ما هو الهدف من الألم؟ فما الخير الذي يمكن أن ينتج عنه، إن كان في الإمكان أن ينتج عنه أي خير على الإطلاق؟» لكن هذا الخط من التساؤلات أيضاً ليس بدون مدافعين بارزين عنه، مثل إيرينيوس[7]، وشليرميشر[8]، وجون هايك. فهذه الطريقة للنظر إلى السؤال كانت في الحقيقة مأخوذة من مدرسة معينة في التحليل النفسي يطلق عليها “لوجوثيرابي”، ويرأسها فيكتور فرانكل، والذي اختبر هو نفسه أهوال معسكرات التعذيب النازية.
فهناك فقط دوناً مع أي مكان آخر، لاحظ فرانكل الطريقة الإيجابية التي تعامل بها بعض الناس مع هذا الموقع. وقد قادته هذه الملاحظة بالتالي إلى أن يقتبس من نيتشه ويتفق معه عندما قال: «يمكن للرجال والنساء أن يحتملوا أي قدر من الألم طالما يعرفون سبب وجودهم… بمعنى آخر. إذا تم وضع هذا الألم في إطار سياق معنى وغرض أوسع، فإن الكثير من غصة الألم. لكن ليس كله بالطبع، يمكن أن يزول.
وعلى الرغم من أن “السبب” و”هدف” تم تمييزهما هنا باعتبارهما يقدمان في الأساس نظرتين مختلفتين لمشكلة الألم، إلا أنهما ليستا متعارضتين، وقد تم الجمع بينهما فلسفياً ولاهوتياً. فلسفياً، تم الجمع بينهما في وحدة واحدة بواسطة أرسطو وفكرته عن “السبب النهائي” – أي الغاية أو الهدف الذي يتجه إليه شيء ما. ولاهوتياً فإن كلاً من السبب والهدف يتم تبنيه بواسطة عقيدة العناية الإلهية، والتي فيها تعتبر مشكلة الشر عنصر واحد فقط. نرى هذا بوضوح كبير في تعامل كالفن مع الموضوع، إذ كتب قائلاً:
«على الرغم من أن العطف والإحسان الأبوي، كما السيادة القضائية لله، هي دائماً أمور واضحة في مسار عنايته الإلهية الشامل، لكن في بعض الأحيان حين تخفى أسباب الأحداث، يميل الإنسان إلى التفكير في أن الأمور البشرية محاطة بالقدر الأعمى. والحقيقة أننا لو تعلمنا بعقل رزين هادئ، فإن الأمر في النهاية سيكشف أن مشورة الله تتفق مع أسمى منطق، وأن غايته كانت إما أن يدرب شعبه على الصبر، ويقوّم من عواطفهم المنحرفة، ويروض من طيشهم، ويعودهم على إنكار الذات؛ أو من ناحية أخرى أن يخفض المتكبر، ويهزم حيل الأشرار، ويحبط كل مخططاتهم»[9].
وفي فكر أوغسطينوس أيضاً نجد أن الهدف يلعب دوراً أساسياً كما يتم تلخيصه الآن في عقيدته الشهيرة (العيب المبارك)، وهي أن «الله رأى أنه من الأفضل أن يأتي بالخير من الشر، عن ألا نعاني من الشر على الإطلاق». (Enchiridion, xxvii). ففداء الخطاة بالنسبة لأوغسطينوس هو خير أعظم بكثير من عدم وجود خطية على الإطلاق.
الألم لأجل هدف؟
توجد قصة في يوحنا 9 توضح إمكانية وجود هدف إلهي من الألم: وهي قصة شفاء المولود أعمى. فعندما التقى يسوع وتلاميذه مع هذا الرجل، كان التلاميذ هم الذين طرحوا السؤال: «من أخطأ، هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟» وقد كانوا يبحثون عن إجابة لحالة هذا الرجل المأساوية، متمثلة في السبب المرتبط بهذا الفعل الخاطئ بالتحديد. لكن يسوع أجابهم: «لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه» (يوحنا 9: 3). فقد عكس يسوع النظرة السائدة بتركيزه على الهدف الإلهي من وراء هذا الموقف، فربطه بعمل الله الفدائي الخلاق، وبالتالي شفى الرجل.
يظهر هذا أنه الموضع الذي يكمن فيه مركز الجاذبية اللاهوتية في العهد الجديد، مع الوضع في الاعتبار أن الاهتمام الأساسي لهؤلاء الكتاب هو هدف عملي، وهو تمكين شعب الله من إدراك أن الألم والاضطهاد الذي قد يتعرضون له أو من المحتمل أن يواجهوه، عندما تتم رؤيته على خلفية هدف الله الأبدي، يكون له أهمية عظيمة. ويتضح هذا في العديد من المواضع، لكن في حالات محددة، يمكننا أن نفكر في رومية 5: 1-5، وبعد ذلك في رومية 8: 28: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذي هم مدعون حسب قصده». وهي عبارة موضوعة داخل سياق الألم المسيحي.
لكننا قد نرغب في أن نسأل: «على أي أساس يستطيع بولس أو أي شخص آخر أن يزعم هذه الزعم المدهش بأن الله يستطيع وسوف يجعل كل الأشياء تعمل معاً لأجل الخير؟» هذا في الحقيقة يأتي بنا إلى قلب الإيمان المسيحي، أي موت وقيامة يسوع المسيح.
إذا كان الفهم الحاسم لسر الألم موجود في أي مكان، فإنه موجود في الصليب، حيث يمكننا أن نأتي وجهاً لوجه مع “الإله المخفي في الألم” (مارتن لوثر). وهكذا فإن الإيمان المسيحي الجوهري هو أن الشخص المعروف باسم يسوع الناصري لم يكن سوى الله الذي صار إنساناً. وقد أخذ في نفسه خطية العالم باحتماله العقاب الذي كنا نحن نستحقه. قد تضمن ذلك تحمله الشر، وتجريده للرياسات والسلاطين، وعمله على نحو خلاق لجلب الخير الأعظم. بمعنى أنه يعتبر الوسيلة التي من خلالها يكون الإنسان في علاقة سليمة مع الله؛ وتغفر خطيته وينال الحياة الأبدية (2كورنثوس 5: 19-21؛ 1بطرس 2: 24).
التناقض التام
في الصليب يعرض علينا التناقض الذي يجري عبر العلاقة الغريبة بين شر الألم وأهداف الله الخيرة. فمن جهة، كان الصليب هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث (بصلب ابن الله، وبذلك يشير بوضوح وقوة أكثر لموقفنا المتمرد تجاه الله). لكن في نفس الوقت، كان الصليب هو أفضل شيء يمكن أن يحدث على الإطلاق (لأنه الوسيلة الإلهية لخلاصنا).
وهنا نرى الله يتعامل مع الخطية والألم بجدية، لأنه ذاقه في المقام الأول في شخص ابنه، الذي تألم جسدياً وروحياً بقدر يفوق فهمنا. كان هذا الأمر هو الذي شكل اتجاه كتاب العهد الجديد نحن الألم، حيث أنهم لم ينظروا إلى يسوع فقط كمثال يتبعوه (1بطرس 3: 17؛ عبرانيين 12: 2)، بل أن المركز اللاهوتي للإيمان كان أن نتائج ما حققه الله وتم بواسطة موت المسيح وقيامته سوف تكتمل في الوقت المناسب عند نهاية الزمان، بافتتاح السماء الجديدة والأرض الجديدة.
إننا كلما نظرنا في العهد الجديد لا يمكن أن نفشل في مقابلة هذه الحقيقة الرائعة، أن الله الذي نراه في يسوع المسيح ليس إلهاً بعيداً. فهو لم يرغب فقط في تلويث يديه ومشاركتنا حياتنا، ولكنه رغب أيضاً في ثقبها لأجل خاطر أولئك الذين ثقبوها. وقد أوضحت دورثي إل سيرز هذه النقطة جيداً في مسرحيتها The Man Born to be King:
«مهما كان السبب الذي لأجله اختار الله أن يخلق الإنسان بمثل هذه الصورة محدود، وخاضع للألم والحزن والموت – فقد كان لديه الإخلاص والشجاعة لكي يأخذ دواءه الخاص. ففي أية لعبة كان يلعبها مع خليقته، كان يحافظ على قوانينه الخاصة ويلعب لعباً عادلاً. فقد اجتاز هو نفسه كل التجربة الإنسانية، بدءًا من المضايقات التافهة في الحياة الأسرية، والافتقار إلى المال، وحتى أسوأ الأهوال والآلام وأبشع أنواع الإهانة والهزيمة واليأس والموت. فقد ولد في فقر ومات في عار، وشعر أن كل هذا يستحق».
يمكننا أن نلاحظ في هذه الحياة بعضاً من الخير الذي يمكن أن يأتي من الشر. فمثلاً من خلال الألم يمكننا أن نصبح أكثر اهتماماً ومراعاة للآخرين وتعاطفاً معهم، وبطريقة عميقة، تصبح أكثر اكتمالاً. فنحن نتذكر، عن حق، أننا لسنا آلهة بل كائنات محدودة. كما أنه ليس من السيء أن تتركز عقولنا على الأمور الأبدية من خلال الألم، وبذلك نتوصل إلى إدراك أن هذه الحياة ليست هي القصة كلها. وهكذا يمكن أن يكون الألم وسيلة إلى علاقة أعمق وأكثر حميمية مع الله الذي خلقنا لأجله.
واحدة من الأشخاص الذين شهدوا لهذا الحق هي ماري كريج، التي تصف كيف أن اثنين من أبنائها الأربعة ولدوا ولديهم عيوب خلقية حادة. ولكنها تتحدث بصورة مؤثرة عن “الألم الفدائي”، فتكتب:
«في تأييد لهذه النقطة أقول إنني لا أومن أن أية آلام هي بدون هدف نهائي، أو لا معنى لها، رغم أنه في كثير من الأحيان يكون من الصعب أن نواصل إقناع أنفسنا بهذا. فإننا في البداية يكون رد فعلنا هو عدم التصديق والغضب واليأس، لكن قيمة الألم لا تكمن في الألم نفسه بل فيما يفعله به المتألم. فإننا في الحزن نكتشف الأمور التي تهم حقاً: وفي الحزن نكتشف أنفسنا»[10].
هناك منظور آخر مشابه لمنظور ماري كريج شارك به البروفيسور نورمان أندرسون، الذي بعد مسيرة رائعة في كامبريدج، توفى ابنه هاف بالسرطان وهو في الحادية والعشرين من العمر، وبقلب أبوي مثقل بالحزن، كتب بروفيسور أندرسون:
«اعتاد الناس باستمرار أن يسألونا لماذا يموت شاب بمثل هذا النبوغ والحماس للحياة في مثل هذا السن الصغير. وكنا نشعر أن الإجابة الوحيدة على هذا السؤال، هي أننا لا نعرف ولا يمكننا أن نعرف. فالسؤال المهم الذي يجب أن نطرحه على الله في مثل هذه الحالات ليس “لماذا سمحت بذلك؟” (والذي نادراً كما أعتقد ما يجيب عليه)، بل “ما الذي تريد أن تعلمني إياه من خلال هذا الأمر؟[11]»
إن كيفية استجابتنا هي عنصر مهم في صنع الحالة المناسبة للإتيان بنوع من الخير، لكن هذه الاستجابة تتطلب أساساً. فكل من ماري كريج ونورمان أندرسون لم يعرف الإجابة المحددة على سؤال “لماذا؟”، ولكنهما علما لماذا كانا يثقان في الله الذي كان يعرف لماذا، وهذه الثقة كانت مبنية على أساس صلب وقوي من إعلان الله عن نفسه في يسوع المسيح.
ومع ذلك فمن المهم أن نشدد على أنه ليس كل الخير سوف نراه في هذه الحياة، وهنا يكون المنظور الأبدي جوهرياً[12].
المفترض أنه من المنظور الأبدي لله – مؤلف هذه الدراما والذي “يرى النهاية منذ البداية” – كل القرارات والاستجابات البشرية منسوجة في ومع جميع الأحداث الأخرى لخدمة مقاصده. كما أن الأفعال الفردية يكون لها أهمية في أنها تتجه نحو صنع نماذج ذات أهمية أبدية داخل هذه الدراما، ولكنها لا تمثل أهمية مطلقة؛ حيث أن هذه الأهمية يقدمها الإله السيد ذو السلطان، والذي يضع قرارات وأفعال مخلوقاته داخل سياق أبدي، والذي يستطيع هو وحده أن يقدم المعنى النهائي.
هناك مثال يمكن أن يعطينا نوعاً من الشعور بكيفية حدوث هذا الأمر، نجده في العملية الشهيرة لنسج السجاد الفارسي. يقال أن السجاد الفارسي يتم صنعه على إطار واسع للغاية، وعلى أحد جانبي الإطار تقف الأسرة وهي تضع الخيوط داخل هذا الإطار، في بعض الأحيان بطريقة عشوائية، وفي أحيان أخرى عن قصد. وعلى الطرف الآخر من الإطار، يقف الأب، النساج الماهر، والذي يقوم بأخذ جميع هذه الخيوط وينسجها معاً في شكل نموذج ثري من تصميمه. وعندما ينتهي البساط يتم عرضه لكي يراه الجميع.
من بعض النواحي، يمكن أن نشبه الله بالنساج الماهر. فهو الذي يأخذ كل “خيط” (الأحداث والأفعال) وينسجها معاً في نموذج يجعل هذه “الخيوط” معاً ذات أهمية. لكن، بخلاف النساج، يعرف الله من البداية ليس فقط ما هي هذه الخيوط، وأين سيتم وضعها على هذا الجانب من الإطار (نتيجة لعلمه الكامل)، ولكنه أيضاً يجعل الأحداث والأفعال نفسها تسير بحسب مشورة إرادته الأزلية (نتيجة لحكمته وقدرته المطلقة).
بعض من النماذج والأشكال يمكن تمييزها في هذه الحياة (التي تكون على جانبنا نحن من الإطار)؛ لكن الجانب الآخر من الإطار (هدف الله الأبدي) هو وحده الذي يقدم السياق الأخير التي تستمد منه الأهمية النهائية. لكن النقطة المركزية في ذلك الإطار الذي تترابط خلاله كل هذه الخيوط وتتكامل هي حياة وموت وقيامة وصعود وعودة يسوع المسيح ثانية.
المنظور الأبدي
في إطار سياقنا الوقتي الحالي من الاختبارات، نجد بعض الأحداث شريرة، وتتضمن أشكالاً معينة من الألم. لكن ليس هذا هو السياق الكامل، لأن هناك منظور آخر. فعندما يرتبط الحدث الشرير بالسياق الأوسع لأهداف الله الأبدية، عندها يتغير هذا الشر. وأيضاً في إطار هذا السياق الإلهي الأوسع يمكننا أن نرى أن الأحداث الشريرة تحوي نوعاً من الغايات الخيرة. لكن هذا لا ينزغ الشر من الشر، ولكنه يعني في الحقيقة أنه رغم أن الشر حقيقة واقعية، وليس وهماً، فإن قبضته على الواقع وقتية فقط.
دعونا نركز على كيفية حدوث هذا الأمر بالتفكير في الأحداث التي كانت تحيط عملية الصلب. ففيما يتعلق بالخيانة والمحاكمة والاحتقار والاستهزاء وآلام الصلب، يتم تشكيل تحول في الأحداث. وفي إطار هذا السياق، يحكم على هذه الأحداث أنها شريرة، بسبب شر الإنسان. لكن ليس هذا هو السياق النهائي أو حتى السياق المبدئي الذي تستمد منه هذه الأحداث أهميته الكاملة (1كورنثوس 2: 7)؛ بل تستمد الأحداث أهميتها بواسطة عمل الله الفدائي، إذ يشكل كل حدث من الأحداث عنصراً في هذا العمل.
إنني لا أقول إن حدث الصلب يتم تحويله إلى الخير بسبب القيامة، كما لو أن القيامة هي جهد للإنقاذ الإلهي. لكن الخير (المتمثل في خلاص الإنسان من عبودية الخيطة، وهزيمة الموت، الخ)، هو بالفعل الذي تم تطويعه في ومن خلال حدث الصلب نفسه، حيث كانت القيامة مجرد عنصر حيوي واحد من العمل الإلهي. كما أن قيامة المسيح هي أيضاً إعلان على جانب الإطار الذي يقع ناحيتنا، والذي ستتكشف أهميته بالكامل في نهاية الزمان.
«وإذا كان الله صالحاُ وكلي القدرة، فلماذا لا يفعل شيئاً بشأن حقيقة الشر عامة، والألم بصفة خاصة؟» وإجابة المسيحي هي أنه قد عمل وسيعمل. فصلاح الله يتحقق بربط كل حدث بخير يقصده به، عن طريق وضعه داخل سياق تصميم الله الخاص، لكي يتكشف في نهاية الزمان. كما أن قدرة الله الكلية يتم تحقيقها عن طريق نسج كل الأحداث معاُ داخل هدفه الأبدي، فلا يترك شيء خارج سيطرته النهائية المطلقة. وهكذا فإن كلاً من صلاح الله وقدرته على التعامل مع الشر تجد تعبيراً عنها بطريقة لم يكن من الممكن أن نفهمها إذا حاولنا ذلك بأنفسها، وقد تم هذا في صليب المسيح.
دفاع الخير الأعظم
إن ما تم عرضه هو شكل مما يطلق عليه “دفاع الخير الأعظم”[13]، الذي يعني أن الشر والألم يمكن تبريرهما بالخير الأعظم الذي يأتي من خلالهما.
يوجد نوع من القوة في الجدل القائل إنه لأجل تحقيق نوع من الأهداف الجيدة، فإن هذا منطقياً يترك وراءه بعض الشرور. فمثلاً، نجد أن خير التعاطف والشفقة والصبر، منطقياً وليس عرضياً ببساطة، يتطلب بعض الشرور لكي ينتج فينا. هذا هو التبرير المنطقي. ومع ذلك، قد يعترض البعض بأن الشر الموجود يفوق مثل هذا الخير. بمعنى آخر، أن الشر الذي نتحمله لا يتناسب مع الخير الناتج عنه، وبذلك نتساءل عن حكمة وجود مثل هذه الشرور من الأساس. وهكذا يتطلب الأمر كذلك تبريراً أخلاقياً. بصفة عامة، يأخذ هذا التبرير الأخلاقي شكلين: تبرير غير عقابي وتبرير عقابي.
التبرير الأخلاقي غير العقابي:يتمثل في المصطلح الفني المستخدم لوصف تبرير طرق الله في مواجه الشر بحسب ما ذكرها هايك. فهو يرى هذا العالم والآلام التي فيه كوسيلة “لصنع النفس” والذي لا يمكن أن يتم في أي عالم آخر (أي لا يحدث بأية وسيلة أخرى ليس بها ألم).
ومع ذلك، لكي يكون هذا المصطلح الفني كافياً، فمن الضروري لهايك أن يسلم بالمزيد من العوالم التي فيها تستمر عملية صنع النفس هذه، لأنه من الواضح أنها لا تستفيد من كل شيء في هذا العالم، مثل أولئك الذين يموتون في سن صغيرة أو نتيجة الإهمال. كما أنه من الضروري أيضاً بالنسبة له أن يسلم بشمولية الخلاص (أي أن الجميع سوف يخلصون في النهاية)، لكي يناقض الاعتراض الفطري بأنه بدون أن يحقق كل إنسان الرؤية التطويبية فإن هدف الله الصالح سيفشل. ومع ذلك، فإن كل من هاتين الفكرتين ليس لهما أساس في الكتاب المقدس.
أما التبرير الأخلاقي العقابي فيوجد في أفكار أوغسطينوس وكالفن. فقد يستخدم الله الشر لكي يعاقب شراً أسبق. فاستخدام آشور بواسطة الله لكي يعاقب خطايا إسرائيل. كما نجده في إشعياء 10، وهو مثال على ذلك.
وبينما قد يكون هناك قدر من الحق في هذا الوضع (خاصة أنه يتعامل مع الله بجدية)، إلا أنه لا يمكن أن يشكل تبريراً لكل طرق الله في مواجهة الشر. وهذا لسبب واحد، أنه لا يقدم حتى سبباً واحداً لسماح الله بالشر من الأساس، لأنه لكي يعاقب الله الشر شراً فهذا يفترض وجود الشر الذي يجب معاقبته! وكما رأينا، ليس كل ألم يمكن فهمه بمفردة داخل إطار القصاص والعقاب.
كل من هذين التبريرين به عناصر تعمل على تشكيل تبرير مسيحي متكامل الأبعاد. فنحن نرى في صليب المسيح إظهار لكل من هذين البعدين؛ فنرى غفران الخطية وقوة التجديد، أو التبرير والتقديس، كما يمكن للمرء أيضاً أن يشير مع أوغسطينوس، وعقيدته في O felix culpa، إلى أن وجود الشر ليس ضرورياً فقط منطقياً، لكي نطاوع الخير فينا، ولكنه ضروري أيضاً لكي يعلن الله الخير – إذ كيف يمكنه أن يظهر الخير وكيف يمكننا نحن أن نعرف ونختبر النعمة المخلصة إلى إذا كان هناك منذ الأساس شيئاً ما نحتاج للخلاص منه؟
لا يوجد حل بسيط
لقد وصلنا إلى نهاية الدائرة الكاملة إلى حيث النقطة التي بدأنا منها، أي إلى العلاقة بين الشر وبين صلاح الله وقدرته. إن شهادة الكتاب المقدس هي أن الشر والخطية والألم منسوجون معاً بعمق، وهم منتشرون في نسيج الوجود الإنسان بحيث أنه لا يمكن الوصول إلى حل بسيط بشأنهم. الأكثر من ذلك فإن صلاح الله يتضمن ليس فقط محبته تجاهنا نحن غير المستحقين.
بل أيضاً عدله ومعارضته الصارمة لكل ما هو مناقض لشخصيته الأخلاقية. فإذا كان العدل فقط هو الذي نريده، فإن هذا يعني نهايتنا جميعاً. ولو كان ما نطلبه فقط مجرد غفران أو محبة لغير المستحقين، فإن هذا يعد نهاية لكون أخلاقي، وتوقف الله عن يكون إلهاً. فالعدل البسيط يعني رفض الله لنا؛ والغفران البسيط يعني رفض الله لنفسه.
لكن ما نراه في شخص وعمل يسوع المسيح على الصليب هو عدالة الله ومحبته، يلتقيان معاً بطريقة تعمل فيها قدرته المطلقة بالمفارقة في الضعف. “في هذا هي المحبة“، يقول الرسول يوحنا: «ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا». (1يوحنا 4: 10). وهذا يعني أن عدالة الله تتطلب أن الخطية (وهي السبب الجذري لكل الآلام بشكل ما)، يتم التعامل معها وعقابها.
وتظهر محبة الله في أنه أخذ هو العقاب في نفسه في شخص ابنه على الصليب، وهكذا، بحسب كلمات بارث «فإن الديان (يسوع) أدين بدلاً منا». فما نستحقه نحن (الدينونة والموت)، أخذه هو طواعية، وما لا نستحقه (الغفران والحياة الأبدية)، يعطيه لنا مجاناً. وما تم تحقيقه هناك، في شكل مخفي، وأظهره بالقيامة، سوف يعلن أمام الكون كله في نهاية الزمان عندما يرفع الحجاب أخيراً ونهائياً.
التركيز على الصليب
ننهي هذا النقاش باقتباس من بي تي فورسيث، والذي مثله مثل بارث الذي جاء بعده، اكتشف الإفلاس اللاهوتي للاهوت الليبرالي المتفائل الذي نشأ عليه، واتجه بدلاً من ذلك إلى اللاهوت العميق للكتاب المقدس، حيث صليب المسيح هو المركز. في وسط مجزرة الحرب العالمية الأولى، عندما كان أنصار التطور المتفائلين المعتمدين على أنفسهم يجنون نتائجه، كتب فورسيث عمله العظيم Justification of God، والذي ذكر فيه:
«إذا كان أعظم عمل في العالم، وأعظم جريمة فيه، أصبحا بواسطة النصرة الأخلاقية المقدسة لابن الله، مصدراً ليس فقط لبركات لا نهائية للإنسان، بل رضى وفرح كامل للإله القدوس، فإنه لا توجد جريمة أو حرب هي خارج نطاق سيطرته أو تستحيل على أهدافه. فلا يوجد أي شيء يستطيع أن يدمر الإيمان المسيحي الذي موضوعه ومصدره وبقاؤه في ذلك الصليب وفي نصرته، والذي فيه أُدين رئيس هذا العالم وقضى عليه إلى الأبد. ولذلك ففي سخرية إلهية، نجد أن أبشع جريمة إنسانية تتحول إلى أعظم نجاح لله. هذا اللغز لا يمكن حله ولكنه الحق أكيد»[14].
[1] إن بايك، محرر، God and Evil (Prentice Hall، 1964).
[2] جون هايك، An Ireneann Theodicy, Encounterin، إس تي ديفيز، محرر. (T&T Clanrk، 1981).
[3] ديفيد جريفين، Creation out of Chaos and the Problem of Evil, Encountering Evil، إس تي ديفيز، محرر. (T&T Clark، 1981).
[4] كارل بارث Church Dogmatics III الصفحات 289-363، (T&T C lark).
[5] لتطوير الصورة الكتابية بشكل رائع، انظر دي إيه كارسون How Long O Lord? (IVP، 1990).
[6] دي إل سيرز The Triumph of Easter, Creed or Chaos? (Methuen، 1954).
[7] كان إيرينيوس أسقفاً لليونز قرابة منتصف القرن الميلادي الثاني. وقد كتب بإطناب ضد هرطقة الغنوسية في كتابه Against Heresies والذي يحوي أيضاً تفكيره في مشكلة الشر.
[8] فريدريك شليمارماشر (1768-1834)، ويتم وصفه كثيراً بأنه أبو اللاهوت الحديث. وعلى الرغم من عدم قصده اتباع لأفكار إيرينيوس، إلا أنه في كتابته The Christian Faith، يقوم بتطوير نوع من اللاهوت يشبه لاهوته بشكل ملحوظ.
[9] فريدريك شليمارماشر 01768-1834)، ويتم وصفه كثيراً بأنه أبو اللاهوت الحديث. وعلى الرغم من عدم قصده اتباع لأفكار إيرينيوس، إلا أنه في كتابه The Christian Faith، يقوم بتطوير نوع من اللاهوت بشبه لاهوته بشكل ملحوظ.
[10] ماري كريج، Blessings (Hodder and Stoughton 1979).
[12] يتم تطوير ه1ه الفكرة بالتفصيل في كتاب في بير وايت، The Fall of a Sparrow (Paternoster، 1985)، وكتاب ميلفين تينكر، Purpose in Pain – Teleology and Problem of Evil (Themelios Vos، 16، No 3، 1991).
[13] انظر كتاب بول هيلم، The Providence of God (IVP، 1993).
[14] بي تي فورسيث The Justification of God، (Duckworth، 1916).
كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر